← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

١٢ - وجواز طلب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الغير إذا كانت المباشرة بالنفس عسيرة، أو في الغير ميزة القبول وأمل الاستجابة لقرب أو عظم. ١٣ - واستدل بذوق العسيلة أن الحكم يتعلق بأقل ما يطلق عليه الاسم، فصدق نكاحها غير زوجها الأول على ذوق العسيلة ولو لحظة. واعترض بعضهم على قوله "حتى تذوقي عسيلته" مع قولها: "ما معه إلا مثل الهدبة" فكأنه علق الأمر على مستحيل، وأجيب بأنه علقه على ممكن جائز الوقوع، فقد يتقوى الضعيف، وكأنه قال لها: اصبري حتى يتأتى منه ذلك. وإن تفارقا دون أن يتأتى المطلوب لزمها قبل الرجوع إلى زوجها الأول الزواج من آخر، يحصل لها منه ذلك. والله أعلم

стр. 3047

(٣٧٨) باب ما يستحب أن يقوله عند الجماع ٣١٣٠ - عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ "لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله، قال باسم الله. اللهم! جنبنا الشيطان. وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره شيطان أبداً". ٣١٣١ - وفي رواية كالسابق وليس فيها ذكر "باسم الله". وفي رواية عبد الرزاق عن الثوري "باسم الله". وفي رواية ابن نمير قال منصور "أراه قال باسم الله". -[المعنى العام]- معركة الإنسان بينه وبين الشيطان في هذه الحياة بدأت منذ خلق آدم ﵇، ومنذ وسوس إليه الشيطان لينسيه ذكر ربه، ومنذ توعد إبليس ذرية آدم بالإغواء، والإبعاد عن ذكر الله، واستخدام الشيطان من وسائل الشهوات، شهوة البطن، وشهوة الفرج، ففيهما تضعيف الروحانية، وتطغى وتعلو المادية الشهوانية الحيوانية، فكانت اللفتة الإسلامية للمؤمن، أن يصحو لعدوه وأن يأخذ حذره منه، وأن يستعين بالله على شيطانه، وأن يدعو ربه أن يبارك له في شهوته، وأن يبارك في ثمرتها، وأن يحميه ويحمي نتاجه من الشيطان الرجيم، وقد وعدنا الله تعالى على لسان نبيه أن يجيب دعاء الداعي، وأن يحفظ النطفة والمولود المحصن بهذا الدعاء من الشيطان وشباكه ومكايده وأضراره. ونعوذ بالله من الشيطان الرجيم. -[المباحث العربية]- (لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله قال: ) يقال: أتى أهله أي جامع زوجته، وفي رواية للبخاري "أما أن أحدكم لو يقول حين يجامع أهله" وفي رواية "أما لو أن أحدهم يقول حين يأتي أهله" وفي رواية "لو أن أحدهم إذا جامع امرأته ذكر الله" فبعض الروايات تطلب ذكر الله قبل الجماع وحين إرادته، وقبل الشروع فيه، وبعضها تطلبه حين الجماع، أي وقت المباشرة، وسنعرض الرأيين في فقه الحديث. (بسم الله. اللهم جنبنا الشيطان) في رواية للبخاري "ذكر الله ثم قال اللهم جنبني" بالإفراد.

стр. 3048

(فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك) أي في ذلك الوقت، أو في ذلك الوقاع وفي ذلك الجماع، أو في ذلك الحال. (لم يضره شيطان أبداً) بتنكير "شيطان" وفي رواية "لم يسلط عليه الشيطان، أو لم يضره الشيطان" فاللام للعهد، والمعهود الشيطان المذكور في دعائه "اللهم جنبنا الشيطان" وسيأتي في فقه الحديث تفصيل الضرر المنفي. -[فقه الحديث]- قال النووي: قال القاضي: معنى "لا يضره شيطان" أي لا يصرعه، وقيل: لا يطعنه عند ولادته، بخلاف غيره، قال: ولم يحمله أحد على العموم في جميع الضرر والوسوسة والإغواء. وقال الحافظ ابن حجر: واختلف في الضرر المنفي، بعد الاتفاق على ما نقل عياض على عدم الحمل على العموم في أنواع الضرر، وإن كانت صيغة النفي مع التأبيد ظاهره في الحمل على عموم الأحوال، لكن هذا الظاهر غير مراد باتفاق. ثم اختلفوا. فقيل: لا يطعنه عند ولادته، فإن هذا الطعن نوع ضرر في الجملة، وقد روى البخاري "كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبيه بإصبعيه حين يولد غير عيسى ابن مريم" كذا قال الحافظ ولعله يريد: فإن هذا الطعن يؤثر ضرراً مستقبلاً يحمي الله منه بذكر الله عند الجماع الذي كان منه. وقيل: المعنى لم يسلط عليه من أجل بركة التسمية، بل يكون من جملة العباد الذين قال الله فيهم ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ [الحجر: ٤٢]. أقول: وبركة الذكر على هذا مرتبطة بإخلاص الذاكر وأهليته للقبول والبركة، وقيل: لم يفتنه عن دينه إلى الكفر، وليس المراد عصمته من المعصية، وقيل: لم يصرعه ولم يصبه بالخبل، وقيل: لم يضره بمشاركة أبيه في جماع أمه. قال الحافظ: ولعل هذا أقرب الأجوبة. اهـ أما متى يقول هذا الذكر؟ وهذا الدعاء؟ فمذهب الجمهور أن يقوله في مقدمات المباشرة، كتشمير ثيابه، ومداعباته وتهيئه وقبل الإيلاج، وأجاز مالك أن يقوله عند المباشرة، بل في أثنائها. ومن نسي يذكر الله، ويدعو بقلبه دون لسانه عند الجمهور. -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - استحباب التسمية والدعاء عند كل عمل، والمحافظة على ذلك، حتى في حالة الملاذ كالوقاع. ٢ - الاعتصام بذكر الله، ودعاء الله من الشيطان، والتبرك باسمه، والاستعاذة به من كل سوء. ٣ - الحث على أن يستحضر المؤمن أن الميسر لأي عمل، والمعين عليه هو الله تعالى. ٤ - أن الشيطان ملازم لابن آدم، لا ينطرد عنه إلا بذكر الله تعالى. ٥ - فيه رد على من منع المحدث من ذكر الله. والله أعلم

стр. 3049

(٣٧٩) باب جماع امرأته في قبلها من خلفها ٣١٣٢ - عن جابر ﵁ قال: كانت اليهود تقول: إذا أتى الرجل امرأته، من دبرها، في قبلها، كان الولد أحول. فنزلت ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ ٣١٣٣ - عن جابر بن عبد الله ﵄؛ أن يهود كانت تقول: إذا أتيت المرأة، من دبرها، في قبلها، ثم حملت كان ولدها أحول. قال: فأنزلت: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ ٣١٣٤ - وفي رواية: "إن شاء مجبية، وإن شاء غير مجبية. غير أن ذلك في صمام واحد". -[المعنى العام]- جعل الله المرأة سكناً لزوجها، ومتعة شهوته، وزين له حبها، وأباح الاستمتاع بخفيات جسدها، فهي تشبه الأرض يحرثها الفلاح، فيضع فيها البذرة لتنبت، وإذا كان الفلاح لا يلزم بطريقة معينة في حرث الأرض وشقها فكذلك الزوج لا يجب أن يلتزم طريقة معينة في قضاء شهوته مع زوجته، بل كيف شاء، قائمة أو راكعة أو ساجدة أو نائمة على ظهرها أو على وجهها من أمامها أو من خلفها على أن يكون الإيلاج في قبلها، وأن يتجنب الدبر، ولقد كانت اليهود تعتقد خطأ أن الزوج إذا أتى زوجته في قبلها من خلفها فحملت جاء ولدها أحول، فبين الله خطأ هذه العقيدة بقوله تعالى: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ [البقرة: ٢٢٣]. -[المباحث العربية]- (كانت اليهود تقول) أي كان بعض اليهود يعتقدون ويقولون كذا، فكذبهم الله تعالى. وفي الرواية الثانية "أن يهود كانت تقول" قال النووي: هكذا هو في النسخ "يهود" غير مصروف، لأن المراد قبيلة اليهود. فامتنع صرفه للتأنيث والعلمية.

стр. 3050

(إن شاء مجبية) بضم الميم وفتح الجيم وتشديد الباء المكسورة وفتح الياء، أي مكبوبة على وجهها. (في صمام واحد) بكسر الصاد، أي ثقب واحد، والمراد به القبل. -[فقه الحديث]- قال النووي: قال العلماء: قوله تعالى ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ أي موضع الزرع من المرأة، وهو قبلها الذي يزرع فيه المني، لابتغاء الولد، ففيه إباحة وطئها في قبلها، إن شاء من بين يديها، وإن شاء من ورائها، وإن شاء مكبوبة. وأما الدبر فليس بحرث، ولا موضع زرع، ومعنى قوله ﴿أنى شئتم﴾ أي كيف شئتم. قال: واتفق العلماء الذين يعتد بهم على تحريم وطء المرأة في دبرها، حائضاً كانت أو طاهراً، لأحاديث كثيرة مشهورة، كحديث "ملعون من أتى امرأة في دبرها" قال أصحابنا: لا يحل الوطء في الدبر في شيء، من الآدميين ولا غيرهم من الحيوان في حال من الأحوال. وحديث الباب غير مرفوع، وإن كان له حكم الرفع عند بعض العلماء، لأن أسباب النزول لا مجال للرأي فيها، ثم الآية ليست صريحة في تحريم إتيان الزوجة في دبرها، فعلى فرض التسليم بأن المراد من الحرث القبل ليس في الجملة قصر عليه، حتى يحرم غيره، ثم إن إتيانها في مواضع أخرى غير الدبر ليس ممنوعاً باتفاق، فاحتاج القول بتحريم الدبر إلى دليل آخر، لهذا استدل النووي بالحديث المشهور، وقد رواه مرفوعاً خزيمة بن ثابت، وأخرجه أحمد وابن ماجه، وفي إسناده مجهول، واختلف في إسناده اختلافاً كثيراً، ورواه النسائي وأحمد وابن حبان من طريق أخرى، وفيها من لا يعرف حاله، وفي لفظ لأحمد وابن ماجه "لا ينظر الله إلى رجل جامع امرأته في دبرها" وفي لفظ لأحمد والترمذي عن أبي هريرة رفعه "من أتى حائضاً أو امرأة في دبرها أو كاهناً فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ " ورواه أبو داود بلفظ مقارب، وهو ضعيف بالإرسال، وقال عنه البزار: حديث منكر، وأخرج أحمد عن علي ﵁ رفعه "لا تأتوا النساء في أعجازهن، أو قال: في أدبارهن" وعن ابن عباس رفعه "لا ينظر الله إلى رجل أتى امرأة أو رجلاً في الدبر" رواه الترمذي، وقال: حديث غريب، وأخرجه النسائي وابن حبان والبزار، وقال: لا نعلمه يروى عن ابن عباس بإسناد حسن، ورواه النسائي موقوفاً. أمام هذه الآثار الكثيرة ذهب جمهور العلماء إلى تحريم إتيان المرأة في دبرها. وحكى ابن عبد الحكم عن الشافعي أنه قال: لم يصح عن رسول الله ﷺ في تحريمه ولا تحليله شيء، والقياس أنه حلال. وقد أخرجه عنه ابن أبي حاتم في مناقب الشافعي، وأخرجه الحاكم في مناقب الشافعي عن الأصم عنه وكذلك الطحاوي عن ابن عبد الحكم عن الشافعي وروى الحاكم عن محمد بن عبد الله بن عبد

стр. 3051

الحكم عن الشافعي أنه قال سألني محمد بن الحسن. فقلت له: إن كنت تريد المكابرة وتصحيح الروايات وإن لم تصح فأنت أعلم، وإن تكلمت بالمناصفة كلمتك على المناصفة؟ قال: على المناصفة. قلت: فبأي شيء حرمته؟ قال: بقوله تعالى ﴿فأتوهن من حيث أمركم الله﴾ [البقرة: ٢٢٢]. وقوله ﴿فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ والحرث لا يكون إلا في الفرج. قلت: أفيكون ذلك محرماً لما سواه؟ قال: نعم. قلت: فما تقول: لو وطئها بين ساقيها؟ أو في أعكانها؟ العكنة بضم العين وسكون الكاف ما انطوى وتثنى من لحم البطن سمناً أو تحت إبطيها؟ أو أخذت ذكره بيدها؟ أو في ذلك حرث؟ قال: لا. قلت: فيحرم ذلك؟ قال: لا. قلت: فلم تحتج بما لا حجة فيه؟ قال الحاكم بعد أن حكى عن الشافعي ما سلف: لعل الشافعي كان يقول ذلك في المذهب القديم، فأما الجديد فالمشهور أنه حرمه، وقال المزني: قال الشافعي: ذهب بعض أصحابنا إلى إحلاله، وآخرون إلى تحريمه ولا أرخص فيه، بل أنهى عنه. وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص: لا خلاف في ثقة ابن عبد الحكم وأمانته، ولم ينفرد بالنقل عن الشافعي، وقد روى الجواز أيضاً عن مالك، قال القاضي أبو الطيب في تعليقه إنه روى ذلك عنه أهل مصر وأهل المغرب، ورواه عنه ابن رشد في كتاب البيان والتحصيل، وقد نقل ابن قدامة رواية عن مالك قوله: ما أدركت أحداً أقتدي به في ديني يشك في أنه حلال، ثم أنكر ذلك أصحابه العراقيون. وقال المزني: حكى أن مالكاً سئل عن ذلك؟ فقال: الآن اغتسلت منه. والله أعلم

стр. 3052

(٣٨٠) باب تحريم امتناع المرأة من فراش زوجها ٣١٣٥ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها، لعنتها الملائكة حتى تصبح". وفي رواية "حتى ترجع". ٣١٣٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ، "والذي نفسي بيده! ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها، فتأبى عليه، إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها، حتى يرضى عنها". ٣١٣٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه، فلم تأته، فبات غضبان عليها، لعنتها الملائكة حتى تصبح". -[المعنى العام]- تسيطر الشهوة الجنسية على الإنسان سيطرة كبرى، حتى تكاد تغطي عقله، وتشل تفكيره، وتجمح به وقد جعل الله للزوج القوامة على الزوجة، وأوجب عليها طاعته في غير معصية الله، ومقتضى هذه القوامة أن يكون أمر شهوته بيده، وفي وقت رغبته، فلا يكون للزوجة حق القبول والرفض، والعطاء والمنع، والإعزاز والإذلال، فكانت هذه الإشارات السامية، إذا دعا الرجل امرأته لقضاء شهوته لزمها إجابته ولو كانت تعجن العجين، أو مشغولة اليدين، أو غير راغبة، فإن لم تفعل لعنتها الملائكة، وغضب عليها ربها حتى ترجع وترضي زوجها. -[المباحث العربية]- (إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها) في الرواية الثالثة "إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فلم تأته فبات غضبان عليها" وفي الرواية الثانية "ما من رجل يدعوا امرأته إلى فراشها

стр. 3053

فتأبى عليه" قال ابن أبي جمرة: الظاهر أن الفراش كناية عن الجماع، ويقويه قوله "الولد للفراش" أي لمن يطأ في الفراش. وظاهر قوله في الرواية الأولى "إذا باتت" وقوله "حتى تصبح" وقوله في الرواية الثالثة "فبات غضبان عليها" أن هذا الوعيد خاص بمن وقع ذلك منها ليلاً، لأن الليل هو المعد لذلك غالباً لما فيه من قوة البواعث، فلا يتأتى هذا الوعيد بالذات فيمن وقع منها ذلك نهاراً، لكن لا يلزم منه رفع الحرج عنها، وعدم وقوعها في المعصية كلية، بل تكون عاصية مستحقة لوعيد آخر، كالذي في الرواية الثانية "سخط الذي في السماء" وليس اللعن. ويمكن أن يراد هذا الوعيد في عموم الليل والنهار، ويكون الباعث على ذكر الليل كونه مظنة ذلك غالباً، وليس المراد مطلق الهجر، بل الهجر والامتناع بدون عذر مقبول شرعاً، قال النووي. وليس الحيض بعذر في الامتناع، لأن له حقاً في الاستمتاع بها فوق الإزار. وفي الرواية الثالثة "فبات غضبان عليها" قال الحافظ ابن حجر: بهذه الزيادة يتجه وقوع اللعن، لأنها حينئذ يتحقق ثبوت معصيتها، بخلاف ما إذا لم يغضب من ذلك، فإنه يكون إما لأنه عذرها، وإما لأنه ترك حقه من ذلك. (لعنتها الملائكة حتى تصبح) في ملحق الرواية الأولى "حتى ترجع" وفي الرواية الثانية "حتى يرضى عنها" والمعنى أن اللعنة تستمر عليها حتى تزول المعصية، بطلوع الفجر، وانتهاء وقت الحاجة إليها، وحصول الاستغناء عنها، أو بتوبتها ورجوعها إلى الفراش، أو بوقوع الرضى عنها، والمقصود باللعن هنا الدعاء بالطرد، والمراد من الملائكة الحفظة، وقيل: غيرهم ويحتمل أن يكون بعض الملائكة موكلاً بذلك. قال الحافظ ابن حجر: ويرشد إلى تعميم الملائكة قوله [في الرواية الثانية] "الذي في السماء" اهـ. أي الخلق الذي في السماء، ويمكن أن يراد به الله تعالى من قبيل قوله تعالى ﴿أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض﴾ [الملك: ١٦]. -[فقه الحديث]- روى ابن خزيمة وابن حبان من حديث جابر ﵁ مرفوعاً "ثلاثة لا تقبل لهم صلاة، ولا يصعد لهم إلى السماء حسنة، العبد الآبق حتى يرجع، والسكران حتى يصحو، والمرأة الساخط عليها زوجها حتى يرضى" وروى الطبراني من حديث ابن عمر ﵄ -رفعه "اثنان لا تجاوز صلاتهما رءوسهما. عبد آبق، وامرأة غضب عليها زوجها حتى ترجع" وصححه الحاكم. -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - تحريم امتناعها من فراشه لغير عذر شرعي، أما لو بدأ هو بهجرها ظالماً لها فهجرت فلا يقع عليها هذا الوعيد. ٢ - قال المهلب: فيه أن منع الحقوق [في الأبدان والأموال] يوجب سخط الله تعالى، إلا أن يتغمدها الله بعفوه.

стр. 3054

٣ - قال المهلب: وفيه جواز لعن العاصي المسلم إذا كان على وجه الإرهاب، لئلا يواقع الفعل، فإذا واقعه فإنما يدعى له بالتوبة والهداية، قال الحافظ ابن حجر: والحق أن من منع لعن العاصي المعين أراد به معناه اللغوي، وهو الإبعاد من الرحمة، وهذا لا يليق أن يدعى به على المسلم، بل يطلب له الهداية والتوبة والرجوع عن المعصية، والذي أجازه أراد به معناه العرفي، وهو مطلق السب، ولا يخفى أن محله إذا كان بحيث يرتدع العاصي به وينزجر، وأما حديث الباب فليس فيه إلا أن الملائكة تفعل ذلك، ولا يلزم منه جوازه على الإطلاق. ٤ - وفيه أن الملائكة تدعو على أهل المعصية، ماداموا فيها، قال المهلب: وذلك يدل على أنهم يدعون لأهل الطاعة ماداموا فيها. ٥ - وفيه دليل على قبول دعاء الملائكة من خير أو شر، لكونه ﷺ خوف بذلك. ٦ - وفيه الإرشاد إلى مساعدة الزوج وطلب مرضاته. ٧ - وفيه أن أقوى التشويشات على الرجل داعية النكاح، ولذلك حض الشارع النساء على مساعدة الرجال في ذلك. ٨ - وفيه إشارة إلى ملازمة طاعة الله، والصبر على عبادته، جزاء على مراعاته لعبده، حيث لم يترك شيئاً من حقوقه إلا جعل له من يقوم به، حتى جعل الملائكة تلعن من أغضب عبده بمنع شهوة من شهواته، فعلى العبد أن يوفي حقوق ربه التي طلبها منه. والله أعلم

стр. 3055

(٣٨١) باب تحريم إفشاء سر المرأة ٣١٣٨ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها". ٣١٣٩ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة، الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه، ثم ينشر سرها" وقال ابن نمير "إن أعظم". -[المعنى العام]- يقول الله تعالى ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن﴾ [البقرة: ١٨٧]. فالنساء لرجالهن ساترات كما يستر اللباس، والرجال لنسائهم ساترون كما يستر اللباس، ومن أقبح القبائح أن يتحول المقتضى مانعاً، ويتحول الحامي إلى الحرامي، ويتحول الساتر إلى كاشف وفاضح. من هنا كان من أكثر الناس شراً وعذاباً يوم القيامة الرجل الذي يصبح فينشر ما جرى بينه وبين زوجته عند قضاء شهوتهما من أحاديث أو أقوال أو أفعال، مما يخدش الحياء، أو يسيء إلى العفة، وقد جعل الله الكناية مخرجاً عند الحاجة إلى ذكر شيء من ذلك، وجعلت الشريعة ترفع اللسان وصيانته عن التصريح بما لا يليق من مكارم الأخلاق. -[المباحث العربية]- (إن من أشر الناس) قال النووي: قال القاضي: هكذا وقعت الرواية "أشر" بالألف، وأهل النحو يقولون: لا يجوز "أشر" و"أخير" وإنما يقال: هو خير منه، وشر منه. قال: وقد جاءت الأحاديث الصحيحة باللغتين جميعاً، وهي حجة في جوازهما جميعاً، وأنهما لغتان. اهـ وفي تاج العروس: ويقال: هو شر منك، و"أشر منك" لغة قليلة أو رديئة، القول الأول نسبه الفيومي إلى بني عامر، قال: وقرئ في الشاذ ﴿سيعلمون غداً من الكذاب الأشر﴾ [القمر: ٢٦]. بفتح الشين، على هذه اللغة، وفي الصحاح: ولا يقال: أشر الناس إلا في لغة رديئة. اهـ (الرجل يفضي إلى امرأته) أي بالسر، وتفضي هي إليه بالسر، يقال: أفضى إليه بالسر أي

стр. 3056

أعلمه به، أو المعنى: الرجل يخلو بالمرأة للجماع، وتخلو به، ويرى كل منهما من الآخر ما لا يراه غيرهما، وفي كتب اللغة: يقال: أفضي إلى المرأة خلابها، وفي التنزيل ﴿وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض﴾ [النساء: ٢١]؟ وهذا المعنى أقرب هنا. (ثم ينشر سرها) أي يذيعه، والمراد يذيع سرها أو تذيع سره، فاكتفى بذكر أحد المتقابلين، أو لأن الأصل في المرأة الستر وإخفاء ما يخدش الحياء، وهي لحيائها يقل منها وقوع ذلك، بخلاف الرجل الذي يتوقع منه حصوله. -[فقه الحديث]- قال النووي: في هذا الحديث تحريم إفشاء الرجل ما يجرى بينه وبين امرأته من أمور الجماع والاستمتاع، ووصف تفاصيل ذلك، وما يجري من المرأة فيه من قول أو فعل أو نحوه، فأما مجرد ذكر الجماع فإن لم يكن فيه فائدة، ولا إليه حاجة فمكروه، لأنه خلاف المروءة، وقد قال ﷺ "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت" وإن كان إليه حاجة، أو ترتب عليه فائدة فلا كراهة في ذكره، كأن ينكر عليه إعراضه عنها فيصرح بأنه جامعها، أو تدعي عليه العجز عن الجماع فيصرح به. والله أعلم

стр. 3057

(٣٨٢) باب حكم العزل ٣١٤٠ - عن ابن محيريز أنه قال: دخلت أنا وأبو صرمة على أبي سعيد الخدري. فسأله أبو صرمة فقال: يا أبا سعيد! هل سمعت رسول الله ﷺ يذكر العزل؟ فقال: نعم. غزونا مع رسول الله ﷺ غزوة بلمصطلق. فسبينا كرائم العرب. فطالت علينا العزبة ورغبنا في الفداء. فأردنا أن نستمتع ونعزل. فقلنا: نفعل ورسول الله ﷺ بين أظهرنا لا نسأله! فسألنا رسول الله ﷺ فقال: "لا عليكم أن لا تفعلوا. ما كتب الله خلق نسمة هي كائنة إلى يوم القيامة إلا ستكون". ٣١٤١ - وفي رواية قال: "فإن الله كتب من هو خالق إلى يوم القيامة". ٣١٤٢ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: أصبنا سبايا فكنا نعزل. ثم سألنا رسول الله ﷺ عن ذلك؟ فقال لنا "وإنكم لتفعلون؟ وإنكم لتفعلون؟ وإنكم لتفعلون؟ ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا هي كائنة". ٣١٤٣ - عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال "لا عليكم أن لا تفعلوا. فإنما هو القدر". ٣١٤٤ - وفي رواية، عن النبي ﷺ قال في العزل "لا عليكم أن لا تفعلوا ذاكم. فإنما هو القدر". ٣١٤٥ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سئل النبي ﷺ عن العزل؟

стр. 3058

فقال "لا عليكم أن لا تفعلوا ذاكم. فإنما هو القدر". قال محمد: وقوله "لا عليكم" أقرب إلى النهي. ٣١٤٦ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: ذكر العزل عند النبي ﷺ فقال "وما ذاكم" قالوا: الرجل تكون له المرأة ترضع فيصيب منها. ويكره أن تحمل منه. والرجل تكون له الأمة فيصيب منها. ويكره أن تحمل منه. قال "فلا عليكم أن لا تفعلوا ذاكم. فإنما هو القدر". قال ابن عون: فحدثت به الحسن فقال: والله! لكأن هذا زجر. ٣١٤٧ - وفي رواية عن معبد بن سيرين. قال: قلنا لأبي سعيد: هل سمعت رسول الله ﷺ يذكر في العزل شيئاً؟ قال: نعم. وساق الحديث بمعنى الحديث السابق. إلى قوله "القدر". ٣١٤٨ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: ذكر العزل عند رسول الله ﷺ . فقال: "ولم يفعل ذلك أحدكم؟ (ولم يقل: فلا يفعل ذلك أحدكم) فإنه ليست نفس مخلوقة إلا الله خالقها". ٣١٤٩ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن العزل؟ فقال "ما من كل الماء يكون الولد. وإذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه شيء". ٣١٥٠ - عن جابر ﵁ أن رجلاً أتى رسول الله ﷺ فقال: إن لي جارية هي خادمنا وسانيتنا. وأنا أطوف عليها وأنا أكره أن تحمل. فقال "اعزل عنها إن شئت. فإنه

стр. 3059

سيأتيها ما قدر لها". فلبث الرجل. ثم أتاه فقال: إن الجارية قد حبلت. فقال "قد أخبرتك أنه سيأتيها ما قدر لها". ٣١٥١ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سأل رجل النبي ﷺ فقال: إن عندي جارية لي. وأنا أعزل عنها. فقال رسول الله ﷺ "إن ذلك لن يمنع شيئاً أراده الله" قال: فجاء الرجل فقال: يا رسول الله! إن الجارية التي كنت ذكرتها لك حملت. فقال رسول الله ﷺ "أنا عبد الله ورسوله". ٣١٥٢ - عن جابر ﵁ قال: كنا نعزل والقرآن ينزل. زاد إسحق: قال سفيان: لو كان شيئاً ينهى عنه، لنهانا عنه القرآن. ٣١٥٣ - عن جابر ﵁ قال: لقد كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ . ٣١٥٤ - عن جابر ﵁ قال: كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ فبلغ ذلك نبي الله ﷺ . فلم ينهنا. -[المعنى العام]- يقول الله تعالى ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء﴾ [النساء: ١]. فالذرية وكثرتها حكمة إلهية من حكم الزواج، لعمارة الأرض، والاستخلاف فيها، وكلما كثر الآدميون العابدون لله من ذرية آدم كلما علا وأعلن وتحقق قوله تعالى للملائكة ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾ [البقرة: ٣٠]. وقوله ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين﴾ [الذاريات: ٥٦]. والذرية وكثرتها غرس حبها في جبلة البشر، مصداقاً لقوله تعالى ﴿زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث﴾ [آل عمران: ١٤]. وقوله تعالى ﴿المال والبنون زينة الحياة الدنيا﴾ [الكهف: ٤٦]. وخلق جل شأنه شهوة الفرج في

стр. 3060

طبيعة الرجل والمرأة، يسعى بها كل منهما نحو الآخر، ويتمتع بلذتها كل منهما من الآخر، فإذا أخل أحدهما بمقتضيات هذه الشهوة ولوازمها أساء طبيعة وشرعاً إلى الطرف الآخر، وإذا وقف أحدهما أو وقفا معاً أمام أهداف الشريعة من الزواج كان أو كانا عاصيين لربهما، الخالق الحكيم العليم القدير. لقد حاول بعض الصحابة أن يعزل ماءه عن مملوكته عند قضاء شهوته، خوفاً من أن تحمل، فتصير أم ولد يحرم بيعها، وترفعاً أن يصبح ولده ابن أمة، وسألوا رسول الله ﷺ عن ذلك؟ فقال لهم: ولم تفعلون ذلك؟ هل كل ماء من الرجل يدخل رحم المرأة يكون منه ولد، أم حصول الولد بهبة من الله وبقضائه وقدرته؟ إن عملكم هذا لا يحقق هدفكم، وإنما هو القدر، ما من روح أراد الله لها أن تخلق إلا خلقت، ولو شاء لخلقها بدون ماء الرجل، وأمامكم خلق عيسى ﵇ بدون أب، فلا تعاندوا القدر، ولا تظهروا بمظهر المعترضين عليه، غير الراضيين به. وكأن واحداً منهم أراد أن يعزل عن جاريته بعد البيان الشافي، فقال لرسول الله ﷺ : أنا سأعزل عن جاريتي، ولن تحمل، فقال له ﷺ : اعزل عنها إن شئت، فذهب ثم جاء بعد مدة يقول: يا رسول الله. إن الجارية التي عزلت عنها قد حملت. قال رسول الله ﷺ : ألم أقل لك: لا يغني حذر من قدر؟ أشهد أني عبد الله ورسوله. -[المباحث العربية]- (عن ابن محيريز أنه قال: دخلت أنا وأبو صرمة على أبي سعيد الخدري، فسأله أبو صرمة) "ابن محيريز" بحاء ثم راء، ثم زاي، مصغراً، واسمه عبد الله بن محيريز الجمحي، وهو مدني سكن الشام، و"أبو صرمة" بكسر الصاد وسكون الراء، اسمه مالك بن قيس، وقيل: قيس بن مالك، صحابي مشهور من الأنصار. ففي الرواية الأولى أن السائل لأبي سعيد أبو صرمة، وفي الرواية الثانية أن أبا سعيد أخبر ابن محيريز، فتحمل على أن أبا سعيد أخبره تبعاً لأبي صرمة السائل، لكن عند البخاري "عن ابن محيريز أنه قال: دخلت المسجد، فرأيت أبا سعيد الخدري، فجلست إليه، فسألته عن العزل .... إلخ فتحمل رواية البخاري على أن نسبة السؤال لابن محيريز باعتباره موافقاً لأبي صرمة، طالباً السؤال معه، كقوله ﴿فعقروا الناقة﴾ [الأعراف: ٧٧]. (يذكر العزل) قال النووي: العزل هو أن يجامع، فإذا قارب الإنزال نزع، وأنزل خارج الفرج. (غزوة بلمصطلق) بفتح الباء وسكون اللام، وأصله بني المصطلق، بضم الميم وسكون الصاد وفتح الطاء وكسر اللام بعدها قاف، وهم بطن من خزاعة، وكانت الغزوة سنة ست، وقيل سنة خمس، وذلك أن النبي ﷺ بلغه أن بني المصطلق يجمعون له، وقائدهم الحارث بن أبي ضرار، فخرج إليهم حتى لقيهم على ماء من مياههم، يقال له المريسيع، قريباً من الساحل، فاقتتلوا، فهزمهم الله، ولم يفلت منهم إنسان، بل قتل منهم من قتل، وأسر الباقون، رجالاً ونساءً وأولاداً.

стр. 3061

(فسبينا كرائم العرب) أي النفيسات من العرب. (فطالت علينا العزبة) بضم العين وسكون الزاي، بعدها باء، وهي عدم الزواج، والمراد هنا طال علينا البعد عن أزواجنا، أي احتجنا إلى الوطء. (ورغبنا في الفداء) قال النووي: المعنى احتجنا إلى الوطء، وخفنا من حمل السبايا، فتصير أم ولد، يمتنع علينا بيعها. اهـ أي احتجنا إلى الوطء، ورغبنا في ثمن السبايا، فوطئنا وعزلنا. (فأردنا أن نستمتع ونعزل، فقلنا .... فسألنا ... ) ظاهر هذا أنهم لم يعزلوا حتى سألوا، لكن الرواية الثانية تقول "فكنا نعزل، ثم سألنا" فتدل على أنهم عزلوا، ثم سألوا، ويؤكده قوله "وإنكم لتفعلون؟ " ويجمع بأن بعضهم عزل قبل أن يسأل، وبعضهم سأل قبل أن يعزل. (لا عليكم ألا تفعلوا) في ملحق الرواية الثالثة "لا عليكم أن لا تفعلوا ذاكم" أي العزل، وكذا في الرواية الخامسة ومعنى "لا عليكم أن لا تفعلوا العزل" لا عليكم أن تتركوا العزل، ولمعانيها احتمالات. الأول: أن "لا" في قوة جملة، رد لسؤالهم عن العزل، فكأنه قال: لا. لا تعزلوا، ثم أكده بقوله "عليكم أن لا تفعلوا" الاحتمال الثاني أن "لا" نافية، أي ليس عليكم أن لا تفعلوا، والمعنى لا حرج عليكم في أن لا تفعلوا، ففيه نفي الحرج عن ترك العزل، فيفهم منه ثبوت الحرج في فعل العزل، إذ لو أراد رفع الحرج عن فعل العزل لقال: لا عليكم أن تفعلوا، فأصحاب الاحتمال الأول قالوا: الأسلوب أقرب إلى النهي، كما قال محمد بن سيرين الراوي عن عبد الرحمن بن بشر الراوي عن أبي سعيد في الرواية الخامسة، وأصحاب الاحتمال الثاني قالوا: الأسلوب كأنه أسلوب زجر كما في ملحق الرواية الخامسة، أي أسلوب كراهة الفعل، الاحتمال الثالث: أن "لا" الأولى نافية، و"لا" الثانية زائدة، والمعنى: ليس عليكم جناح أن تفعلوا. وهذا الاحتمال مردود، لأن الأصل عدم الزيادة، ولأن بقية الحديث تفيد حرجاً للفعل. (وإنكم لتفعلون؟ ) في الرواية الثانية كررها مرتين، والمناسب لها أن تكون قبل قوله "لا عليكم ألا تفعلوا" وفي رواية البخاري "أو إنكم لتفعلون"؟ قال الحافظ: هذا الاستفهام يشعر بأنه ﷺ ما كان اطلع على فعلهم ذلك. اهـ والاستفهام تعجبي، أي أتعجب من فعلكم ذلك، أو إنكاري توبيخي، بمعنى لا ينبغي أن تفعلوا، وليس استفهاماً حقيقياً عن أنهم يفعلون أو لا يفعلون، فهم قد أعلنوا أنهم فعلوا. (ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا هي كائنة) أي ما من نفس قدر لها في الأزل أن تخلق وتوجد إلا ستخلق وتوجد، لا يغير من هذا القدر عزل. فعزلكم لا أثر له، ومن اشتغل بما لا فائدة فيه فهو عابث. (فإنما هو القدر) أي فإنما المؤثر إيجاداً وعدماً هو القدر لا غيره.

стр. 3062

(الرجل تكون له المرأة ترضع .... ويكره أن تحمل منه) خوفاً على الرضيع أو على صحة المرضعة من الحمل. (والرجل تكون له الأمة ... ويكره أن تحمل منه) خوفاً أن تصير أم ولد فيحرم من بيعها وثمنها، أو أنفة من أن يكون له ولد من أمة. (فإنه ليست نفس مخلوقة إلا الله خالقها) أي فإنه ليست نفس قدر لها في الأزل أن تكون مخلوقة إلا خلقت. (ما من كل الماء يكون الولد) المراد من الماء النطفة "المني" والواقع أنه ليس كل ماء يكون فيه ولد، فما أكثر ما يصب الماء ولا يكون حمل، وهناك رجال كل مائهم عقيم، ورجال ماؤهم غير عقيم والزوجة عقيم، وماء صالح للإنجاب في وقت، غير صالح في وقت آخر، وزوجات صالحات للحمل في وقت غير صالحات في وقت آخر، فليس كل ماء صب في فرج امرأة حملت، حتى يكون العزل مانعاً للولد. (وسانيتنا) أي التي تسقي لنا، وتحمل الماء من البئر إلينا، والسانية في الأصل الناقة التي تسقي. (وأنا أطوف عليها) كناية عن وطئها. (فقال: اعزل عنها) ليس المقصود أنه أشار عليه بالعزل عنها ابتداء، بل هذا مبني على أن الرجل جاء يستأذن في العزل عنها، فأذن له، ليتحقق للرجل عملياً صدق ما أشار إليه رسول الله ﷺ . ففي الرواية التاسعة "إن عندي جارية لي، وأنا أعزل عنها". (أنا عبد الله ورسوله) معناه أن ما أقول لكم حق، فاعتمدوه، واستيقنوا، فإنه سيأتي مثل فلق الصبح، فإني لا أحدثكم من عند نفسي. (لو كان شيئاً ينهى عنه لنهانا عنه القرآن) أي لو كان العزل شيئاً منهياً عنه لنهانا عنه القرآن، وهذا استنباط من سفيان الراوي عن عطاء الراوي عن جابر ﵁. -[فقه الحديث]- نفرق في الأحكام الشرعية بالنسبة إلى العزل بين العزل بدون هدف، وبين العزل بهدف مشروع، وبين العزل بهدف غير مشروع، وبين العزل عن الحرة، وبين العزل عن الأمة. فالعزل بدون هدف مبني على الخلاف في حق الزوجة الحرة في الوطء وعدم حقها فيه، فالشافعية وأبو حنيفة يقولون بأن المرأة لا حق لها في الوطء إلا في وطأة واحدة، يستقر بها المهر،

стр. 3063

والمالكية يقولون: إن لها حق المطالبة بالوطء إذا قصد بتركه إضرارها، وحيث إن العزل فيه تفويت كمال لذتها بالوطء فمن جعل لها حق المطالبة بالوطء اشترط إذنها وموافقتها على العزل، وكان المفروض أن من قال: لا حق لها في الوطء يقول: لا رأي لها في العزل، لكن أبا حنيفة يقول: لا يعزل عن الحرة بدون إذنها. وعلى هذا فقد اتفقت المذاهب الثلاثة المالكية والحنفية والحنابلة على أن الحرة لا يعزل عنها إلا بإذنها، وأن الأمة يعزل عنها بغير إذنها. وعليه قال ابن عبد البر: لا خلاف بين العلماء أنه لا يعزل عن الزوجة الحرة إلا بإذنها، لأن الجماع من حقها، ولها المطالبة به، وليس الجماع المعروف إلا ما لا يلحقه عزل. وتعقب هذا بما عند الشافعية من أن المرأة لا حق لها في الجماع أصلاً، لكن بين الشافعية في خصوص العزل خلاف مشهور، قيل: يجوز العزل عن الحرة بغير إذنها وبغير رضاها، وهو المصحح عند المتأخرين، وقيل: لا يجوز بغير إذنها، ويمنع إذا امتنعت، وفيما لو رضيت وجهان، أصحهما الجواز. هذا في العزل بدون هدف، أي بدون نظر إلى الحمل وعدمه، كالعزل عن الكبيرة في سن اليأس، والعزل عن الحامل، ونحو ذلك. ويلحق به العزل بهدف مشروع، ويمثل له بالحفاظ على صحة الأم، أو صحة الطفل الرضيع، وإن كان الأولى ترك العزل، لأن الصحة هبة من الله والحمل هبة من الله، فلو أراد الصحة للأم والرضيع وهبها مع عدم العزل، ولو أراد عدمها كان مع العزل، ولذلك حينما سئل رسول الله ﷺ عن هذه الحالة رخص بها، ثم نفى فائدتها، فقد روى مسلم من حديث أسامة بن زيد قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: إني أعزل عن امرأتي شفقة على ولدها؟ فقال رسول الله ﷺ : "إن كان ذلك فلا، ثم قال: ما ضر ذلك فارس ولا الروم" وسيأتي هذا الحديث بعد باب واحد. ويلحق به أيضاً العزل عن الأمة خشية أن تحمل فتصير أم ولد، فلا تباع. وهو ما كان عند الصحابة في الحالة والظروف التي سيقت لها أحاديث الباب. أما العزل خشية الفقر، وخشية ضيق الرزق على الأولاد، وخشية عدم القدرة على القيام بحسن تربيتهم، ومثله ادعاء الدولة أن كثرة النسل تأكل محاولات التنمية، وتبقى الأمة فقيرة ضعيفة، فهذا هدف وقصد غير مشروع، والعزل عليه حرام، حتى لو رضيت الزوجة لأمور: الأول: أن الرزق بيد الله وحده ﴿وفي السماء رزقكم وما توعدون فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون﴾ [الذاريات: ٢٢]. ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها﴾ [هود: ٦]. وقد رأينا بلاداً ترزق من باطن الأرض من غير جهد، وبلاداً تكد وتتعب ورزقها محدود. الثاني: أن كل مولود له رزقه، وقد يكون رزق أبيه ورزق إخوته تابعاً لرزق الولد الثالث أو الرابع أو الخامس، والله تعالى يقول ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم﴾ [الإسراء: ٣١]. ويقول ﴿ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم﴾ [الأنعام: ١٥١]. وقد رأينا أسراً كانت نجدتها وعزها وسؤددها في ابنها الخامس أو السادس، وأمامنا قصة يوسف ﵇. الثالث: أن الذي يكتفي بولد أو ولدين لا يضمن بقاءهما وحياتهما، فالموت حق، وقد يلحقهما حين لا تجدي المحاولة للحمل بعد فوات الأوان. والشواهد لذلك في حياتنا كثيرة. الرابع: أن الولد قوة، ومصدر كسب، ومبعث عزة ومنعة، يقول تعالى ﴿وجعلت له مالاً ممدوداً

стр. 3064

وبنين شهوداً﴾ [المدثر: ١٢، ١٣]. فكيف يدعي أن الأولاد وكثرتهم تؤدي إلى الفقر؟ أو إلى زيادة الفقر؟ قد يكون ذلك في أمة خذولة كسولة غير منتجة، وفي قيادة لا تهيئ لأبنائها ظروف العمل، وتكبل العاملين، وتصيب الطموحين بالشلل والإحباط، وإنها لدعوة خبيثة، تسري في أوساط المسلمين لزيادة إضعافهم، ينفق عليها ويغذيها، أعداؤهم، في الوقت الذي يشجعون فيه زيادة العدد لغير المسلمين. الخامس: أن الأولاد هدية من الله، يقول جل شأنه ﴿لله ملك السموات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً ويجعل من يشاء عقيماً إنه عليم قدير﴾ [الشورى: ٤٩، ٥٠]. وتخيل معي أن تقدم لإنسان هدية فيرفضها ويردها في وجهك، أو تعده وتعرض عليه هدية فيواجهك: لا أريدها. لا أحبها لا أقبلها. هي تضرني. هي لا تنفعني. هل تكون راضياً؟ وهل يكون في فعله هذا مرضياً لك؟ متقرباً منك؟ مقدراً عطفك وكرمك؟ . فما بالك بمن يفعل ذلك مع العليم القدير؟ الذي يعلم وحده ما ينفعك وما يضرك. إن العلماء يعبرون عن هذه الحالة بمعاندة القدر، فماذا عساها نتيجة معاندة القدر؟ . السادس: أن هذه المعاندة لا تنفع إن لم تضر، يعزل من يريد والله يفعل ما يريد، وقد رأينا في الرواية الثامنة والتاسعة كيف أن الجارية حملت وسيدها يتحرى العزل عنها، ونرى في حياتنا وسائل منع الحمل تفشل كثيراً أمام القدر، بل رأينا كثيراً منها يمنع فترة، ويؤدي إلى التوائم في فترة أخرى وهذا معنى قوله ﷺ "فإنما هو القدر". "ما من كل الماء يكون الولد". "ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا هي كائنة". "وإذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه شيء" وعند أحمد والبزار وابن حبان يقول ﷺ "لو أن الماء الذي يكون منه الولد أهرقته على صخرة لأخرج الله منها ولداً". وفي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ سئل عن العزل؟ فقال: "ذلك الوأد الخفي". أخرجه مسلم بعد باب واحد. وقد جنح إلى منع العزل من الشافعية ابن حبان، فقال في صحيحه: ذكر الخبر الدال على أن هذا الفعل مزجور عنه، لا يباح استعماله، ثم ساق حديث أبي ذر رفعه "ضعه في حلاله، وجنبه حرامه، وأقرره، فإن شاء الله أحياه، وإن شاء أماته، ولك أجر" هذا. وفي معنى العزل تعاطي المرأة أو الرجل حبوب منع الحمل، والوسائل الحديثة الأخرى. وقال الحافظ ابن حجر: وينتزع من حكم العزل حكم معالجة المرأة إسقاط النطفة قبل نفخ الروح فمن قال بالمنع في العزل ففي هذه أولى، ومن قال بالجواز في العزل يمكن أن يلحق هذا به، ويمكن أن يفرق بينهم بأن إسقاط النطفة أشد فتمنع، لأن العزل لم يقع فيه تعاطي السبب، ومعالجة السقط تقع بعد تعاطي السبب. -[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم: ]- ١ - قوله في الرواية الأولى "فسبينا كرائم العرب ... " استدل به من أجاز استرقاق العرب، وأنهم يجري عليهم الرق كما يجري على العجم وأنهم إذا كانوا مشركين وسبوا جاز استرقاقهم، لأن بني

стр. 3065

المصطلق عرب من خزاعة، وقد استرقوهن، ووطئوا سباياهن، واستباحوا بيعهن، وبهذا قال مالك والشافعي وجمهور العلماء، وقال أبو حنيفة: لا يجري عليهن الرق لشرفهن. ٢ - ومن أجاز وطء المشركات بملك اليمين، وإن لم يكن من أهل الكتاب، لأن بني المصطلق كانوا أهل أوثان، وقد رد عليه من منع باحتمال أن يكونوا ممن دان بدين أهل الكتاب. قال الحافظ ابن حجر: وهو باطل. وباحتمال أن يكون ذلك في أول الأمر، ثم نسخ، وفيه نظر، إذا النسخ لا يثبت بالاحتمال. وباحتمال أن تكون المسبيات أسلمن قبل الوطء، وهذا لا يتم مع قوله "وأحببنا في الفداء" فإن المسلمة لا تعاد للمشرك. والله أعلم. ٣ - وفيها دلالة على إلحاق النسب مع العزل، لأن الماء قد سبق. ٤ - وأنه إذا اعترف بوطء أمته صارت فراشاً له، ويلحقه أولادها، إلا أن يدعي الاستبراء، وهو مذهب مالك والشافعي. والله أعلم

стр. 3066

(٣٨٣) باب تحريم وطء الحامل المسبية ٣١٥٥ - عن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ : أنه أتى بامرأة مجح على باب فسطاط. فقال "لعله يريد أن يلم بها؟ " فقالوا: نعم. فقال رسول الله ﷺ "لقد هممت أن ألعنه لعناً يدخل معه قبره. كيف يورثه وهو لا يحل له؟ كيف يستخدمه وهو لا يحل له؟ ". -[المعنى العام]- في شوال سنة ثمان، وبعد انتصار المسلمين في غزوة أوطاس، وبعد توزيع الغنائم رأى رسول الله ﷺ على باب خيمة من خيام أصحابه امرأة منتفخة البطن، تبدو عليها أنها حامل في شهرها الثامن أو التاسع، فوقع في نفسه أن صاحبها سيواقعها أو واقعها فعلاً دون استبراء رحمها، فسأل من حوله: لعل صاحبها وطأها؟ قالوا: نعم. هي مملوكته. قال: كيف يخلط ماءه بماء غيره؟ لقد هممت أن أدعوا عليه بالطرد من رحمة الله دعاء يلازمه إلى يوم يموت، لا يفارقه، لكنني لم أدع عليه، لعله لا يعلم الحكم فيعذر. ثم أرسل ﷺ من ينادي في الناس: ألا لا توطأ حامل من السبايا حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة. -[المباحث العربية]- (وطء الحامل المسبية) أي الأمة التي وقعت في سهم أحد المجاهدين، فصارت مملوكة له. (أنه أتى بامرأة مجح على باب فسطاط) "المجح" بضم الميم وكسر الجيم بعدها حاء هي الحامل التي قربت ولادتها. و"الفسطاط" بيت من الشعر أو نحوه. و"أتى" بفتح الهمزة وفتح التاء كذا ضبطت في الأصل، وظاهر العبارة أن الذي أتى بالمرأة على باب الفسطاط هو النبي ﷺ ، وهو غير مقبول، أو الذي أتى بالمرأة على باب الفسطاط أبو الدرداء، وهو بعيد جداً، والظاهر أن "أتى" بضم الهمزة وكسر التاء، مبني للمجهول، ففي رواية أبي داود "أن رسول الله ﷺ كان في غزوة، فرأى امرأة مجحاً، فقال: لعل صاحبها ألم بها؟ قالوا: نعم .... إلخ الحديث. (لعله يريد أن يلم بها) أي يطأها، وكانت حاملاً مسبية، لا يحل جماعها حتى تضع. وفي رواية أبي داود "لعل صاحبها ألم بها"؟ "قالوا: نعم" يحتمل أنه ﷺ حين رأها على باب

стр. 3067

الفسطاط ظنها لم تدخله بعد، فقال: "لعل صاحبها يريد أن يلم بها" فلما تبين له أنها دخلته وخرجت قال: لعل صاحبها ألم بها؟ فأجابوا: نعم. فكان الهم بلعنه. ولم يقع اللعن لأن الرجل لم يكن يعلم الحكم. (لعنا يدخل معه قبره) أي يلازمه، ولا ترفعه توبة. (كيف يورثه وهو لا يحل له، كيف يستخدمه وهو لا يحل له؟ ) "يورثه" بفتح الواو وتشديد الراء المكسورة، أي كيف يجعل الحمل وارثاً له وهو ليس ابنه؟ قال النووي: معناه أنه قد تتأخر ولادتها ستة أشهر، حيث يحتمل كون الوالد من هذا السابي، ويحتمل أنه كان ممن كان قبله، فعلى تقدير كونه من السابي يكون ولداً، ويتوارثان، وعلى تقدير كونه من غير السابي لا يتوارثان، هو ولا السابي، لعدم القرابة، بل له استخدامه، لأنه مملوكه، فتقدير الحديث أنه قد يستلحقه ويجعله ابناً له ويورثه، مع أنه لا يحل له توريثه، لكونه ليس منه، ولا يحل له توارثه، ومزاحمته لباقي الورثة، وقد يستخدمه استخدام العبيد، ويجعله عبداً، يتملكه مع أنه لا يحل له ذلك؟ لكونه منه إذا وضعته لمدة محتملة كونه من كل واحد منهما، فيجب عليه الامتناع من وطئها خوفاً من هذا المحظور. قال النووي: فهذا هو الظاهر في معنى الحديث. وقال القاضي عياض: معناه الإشارة إلى أنه قد ينمي هذا الجنين بنطفة هذا السابي، فيصير مشاركاً له فيه، فيمتنع الاستخدام، وهو نظير الحديث الآخر "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسق ماءه ولد غيره" قال النووي: هذا كلام القاضي، وهذا الذي قاله ضعيف أو باطل، وكيف ينتظم التوريث مع هذا التأويل؟ بل الصواب ما قدمناه. اهـ -[فقه الحديث]- -[يؤخذ من الحديث: ]- ١ - أن السبي ينقض الملك المتقدم، ويفسخ النكاح. ٢ - وأن استحداث الملك يوجب الاستبراء في الإماء، فلا توطأ ثيب ولا عذراء حتى تستبرأ بحيضة ويدخل في ذلك المكاتبة إذا عجزت فعادت إلى الملك المطلق، وسواء كانت الأمة مشتراة من رجل أو امرأة، لأن العموم يأتي على ذلك أجمع. ٣ - يؤخذ منه مقصود الباب، وتحريم وطء الحامل المسبية. والله أعلم

стр. 3068

(٣٨٤) باب جواز الغيلة، وهي وطء المرضع ٣١٥٦ - عن جدامة بنت وهب، الأسدية ﵂: أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لقد هممت أن أنهى عن الغيلة حتى ذكرت أن الروم وفارس يصنعون ذلك فلا يضر أولادهم". ٣١٥٧ - عن جدامة بنت وهب، أخت عكاشة ﵄. قالت: حضرت رسول الله ﷺ في أناس، وهو يقول "لقد هممت أن أنهى عن الغيلة. فنظرت في الروم وفارس. فإذا هم يغيلون أولادهم، فلا يضر أولادهم ذلك شيئاً". ثم سألوه عن العزل؟ فقال رسول الله ﷺ "ذلك الوأد الخفي". زاد عبيد الله في حديثه عن المقرئ وهي: ﴿وإذا الموءودة سئلت﴾ ٣١٥٨ - وفي رواية عن جدامة بنت وهب الأسدية ﵂: أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ . فذكر بمثل السابق في العزل والغيلة. غير أنه قال "الغيال". ٣١٥٩ - عن أسامة بن زيد ﵁: أن أسامة بن زيد أخبر سعد بن أبي وقاص ﵁ أن رجلاً جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: إني أعزل عن امرأتي. فقال له رسول الله ﷺ "لم تفعل ذلك؟ " فقال الرجل: أشفق على ولدها، أو على أولادها. فقال رسول الله ﷺ "لو كان ذلك ضاراً، ضر فارس والروم". وقال زهير في روايته "إن كان لذلك فلا ما ضار ذلك فارس ولا الروم" -[المعنى العام]- الشريعة الإسلامية تحرص على مصالح العباد، بل كل مصالح العباد فيها وفي اتباعها، وفي هذا

стр. 3069

الحديث يحرص ﷺ على مصلحة الأمة حين بدا له أن وطء المرضع يعرضها للحمل، ولبن الحامل يفسد بالحمل، مما يعرض الطفل الرضيع للأمراض، فأراد أن ينهى عن وطء المرضع، ليتفادى أن تحمل وهي ترضع، ثم أمعن التفكير قبل أن ينهي، فرأى بثاقب فكره أن فارس والروم يجامعون المرضع فتحمل، وهي ترضع، وأولادهم سليمة صحيحة، لم يضرهم ما شربوا من لبن أمهاتهم الحوامل. فترجح عنده أن لبن الحامل غير فاسد، وأنه لا يضر الرضيع، وحتى لو لم يكن سليماً مائة في المائة فإن الضار والنافع هو الله تعالى، وكثيراً ما يأكل البشر مأكولات فيها جراثيم أو ميكروبات فلا يضار بها الجسم، بما أودعه الله فيه من جنود المقاومة، والحصانة ضد ما يهاجمه من جراثيم الأمراض، فتحول ﷺ عن النهي الذي هم به إلى إقرار الأمر وجوازه، وأعلن عن الهم والعدول عنه ليختار المسلم ما يؤول إليه اقتناعه. -[المباحث العربية]- (عن جدامة بنت وهب الأسدية) في الرواية الثانية "أخت عكاشة" قال النووي: الصحيح أن "جدامة" بالدال لا بالذال، والجيم مضمومة بلا خلاف. قال القاضي عياض: قال بعضهم: إنها أخت عكاشة على قول من قال: إنها جدامة بنت وهب بن محصن، وقال بعضهم: إنها أخت رجل آخر، اسمه عكاشة بن وهب. قال النووي: والمختار أنها جدامة بنت وهب الأسدية أخت عكاشة "ابن محصن" المشهور الأسدي، وتكون أخته من أمه، وفي عكاشة لغتان تشديد الكاف وتخفيفها، والتشديد أفصح وأشهر. (لقد هممت أن أنهى عن الغيلة) بكسر الغين، ويقال لها: الغيلة بفتح الغين، اسم مرة، وأما بالكسر فهي الاسم من الغيل، قال النووي: واختلف العلماء في المراد بها في هذا الحديث، فقال مالك في الموطأ والأصمعي وغيره من أهل اللغة أن يجامع امرأته وهي مرضع، يقال منه: أغال الرجل، وأغيل إذا فعل ذلك، وقال ابن السكيت: هي أن ترضع المرأة وهي حامل، يقال منه غالت وأغيلت. وفي الرواية الثانية "فإذا هم يغيلون" بضم الياء، من أغال. (ذاك الوأد الخفي) الوأد دفن البنت وهي حية، وكانت العرب تفعله خشية الإملاق أو خوف العار، والموءودة المدفونة حية، وفي الجملة تشبيه العزل بالوأد لأنه قطع طريق الولادة قبل مجيئه، فأشبه قتل الولد بعد مجيئه، وقال ابن القيم: وإنما سماه وأداً خفياً لأن الرجل إنما يعزل هرباً من الحمل، فأجرى قصده لذلك مجرى الوأد، لكن الفرق بينهما أن الوأد ظاهر بالمباشرة، اجتمع فيه القصد والفعل، والعزل يتعلق بالقصد صرفاً، فلذلك وصفه بكونه خفياً. (ما ضار ذلك فارس ولا الروم) "ما ضار" بتخفيف الراء، أي ما ضرهم، يقال: ضارة يضيره ضيراً وضره يضره ضراً.

стр. 3070

-[فقه الحديث]- -[يؤخذ من الحديث: ]- ١ - يجوز وطء المرأة المرضع، وشبهة المنع أن وطء المرضع يعرضها للحمل الذي يضر بالرضيع، حيث يقول الأطباء: إن لبن الحامل مضر بالرضيع، والعرب كانت تكره إرضاع الطفل لبن الحامل وتتقيه. وقد سبق الكلام عن العزل عن المرأة خوف أن تحمل وهي مرضع، في الباب الذي قبل الماضي. ٢ - قال النووي: فيه جواز الاجتهاد لرسول الله ﷺ ، لأنه هم أن ينهى عن الغيلة. قال: وبجواز اجتهاده ﷺ قال جمهور أهل الأصول، وقيل: لا يجوز، لتمكنه من الوحي، والصواب الأول. ٣ - وفيه كراهة العزل، لتشبيهه بالوأد، والوأد حرام، فلا أقل من أن يكون مكروهاً، وقد حاول العلماء الجمع بين هذا الحديث "العزل الوأد الخفي" وبين ما سبق في الباب الماضي قبل باب من أن الصحابة كانوا يعزلون، فقيل: إن التشبيه بالوأد ليس صريحاً في المنع، إذ لا يلزم من تسميته وأداً خفياً على طريق التشبيه أن يكون حراماً، وخصه بعضهم بالعزل عن الحامل، لزوال المعنى الذي كان يحذره الذي يعزل خوفاً من حصول الحمل، لما فيه من الإضرار بالحمل، لأن المني يغذوه، فقد يؤدي العزل إلى موته أو إلى ضعفه المفضي إلى موته، فيكون وأداً خفياً. وللحديث علاقة بباب العزل الماضي قريباً فليراجع. والله أعلم

стр. 3071

كتاب الرضاع

стр. 3072

(٣٨٥) باب يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب ٣١٥٩ - عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ كان عندها. وإنها سمعت صوت رجل يستأذن في بيت حفصة، قالت عائشة فقلت: يا رسول الله هذا رجل يستأذن في بيتك. فقال رسول الله ﷺ "أراه فلاناً" (لعم حفصة من الرضاعة) فقالت عائشة: يا رسول الله لو كان فلان حياً (لعمها من الرضاعة) دخل علي؟ قال رسول الله ﷺ "نعم إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة". ٣١٦٠ - عن عائشة ﵂، قالت: قال لي رسول الله ﷺ "يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة". ٣١٦١ - عن عائشة ﵂: أنها أخبرته أن أفلح، أخا أبي القعيس، جاء يستأذن عليها. وهو عمها من الرضاعة. بعد أن أنزل الحجاب. قالت: فأبيت أن آذن له. فلما جاء رسول الله ﷺ أخبرته بالذي صنعت. فأمرني أن آذن له علي. ٣١٦٢ - عن عائشة ﵂، قالت: أتاني عمي من الرضاعة، أفلح بن أبي قعيس. فذكر بمعنى حديث مالك. وزاد: قلت: إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل. قال "تربت يداك أو يمينك". ٣١٦٣ - عن عائشة ﵂: أنه جاء أفلح أخو أبي القعيس يستأذن عليها. بعد ما نزل الحجاب. وكان أبو القعيس أبا عائشة من الرضاعة. قالت عائشة: فقلت: والله! لا آذن لأفلح، حتى أستأذن رسول الله ﷺ فإن أبا القعيس ليس هو أرضعني. ولكن أرضعتني امرأته. قالت عائشة: فلما دخل رسول الله ﷺ قلت: يا رسول الله إن أفلح أخا أبي القعيس

стр. 3073

جاءني يستأذن علي فكرهت أن آذن له حتى أستأذنك. قالت: فقال النبي ﷺ "ائذني له" قال عروة: فبذلك كانت عائشة تقول: حرموا من الرضاعة ما تحرمون من النسب. ٣١٦٤ - وفي رواية: جاء أفلح أخو أبي القعيس يستأذن عليها. بنحو حديثهم. وفيه "فإنه عمك تربت يمينك". وكان أبو القعيس زوج المرأة التي أرضعت عائشة. ٣١٦٥ - عن عائشة ﵂ قالت: جاء عمي من الرضاعة يستأذن علي. فأبيت أن آذن له حتى أستأمر رسول الله ﷺ . فلما جاء رسول الله ﷺ قلت: إن عمي من الرضاعة استأذن علي فأبيت أن آذن له. فقال رسول الله ﷺ "فليلج عليك عمك" قلت: إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل. قال "إنه عمك. فليلج عليك". ٣١٦٦ - وفي رواية: أن أخا أبي القعيس استأذن عليها. فذكر نحوه. -وفي رواية نحوه غير أنه قال: "استأذن عليها أبو القعيس". ٣١٦٧ - عن عائشة ﵂ قالت: استأذن علي عمي من الرضاعة، أبو الجعد. فرددته (قال لي هشام: إنما هو أبو القعيس) فلما جاء النبي ﷺ أخبرته بذلك. قال "فهلا أذنت له؟ تربت يمينك أو يدك". ٣١٦٨ - عن عائشة ﵂: أنها أخبرته أن عمها من الرضاعة يسمى أفلح. استأذن عليها فحجبته. فأخبرت رسول الله ﷺ . فقال لها "لا تحتجبي منه. فإنه يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب". ٣١٦٩ - عن عائشة ﵂ قالت: استأذن علي أفلح بن قعيس. فأبيت أن

стр. 3074

آذن له. فأرسل: إني عمك. أرضعتك امرأة أخي. فأبيت أن آذن له. فجاء رسول الله ﷺ . فذكرت ذلك له. فقال "ليدخل عليك، فإنه عمك". ٣١٧٠ - عن علي ﵁ قال: قلت: يا رسول الله ما لك تنوق في قريش وتدعنا؟ فقال "وعندكم شيء"؟ قلت: نعم. بنت حمزة. فقال رسول الله ﷺ "إنها لا تحل لي. إنها ابنة أخي من الرضاعة". ٣١٧١ - عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ أريد على ابنة حمزة. فقال "إنها لا تحل لي. إنها ابنة أخي من الرضاعة. ويحرم من الرضاعة ما يحرم من الرحم". ٣١٧٢ - وفي رواية نحوه غير أن حديث شعبة انتهى عند قوله "ابنة أخي من الرضاعة". وفي حديث سعيد "وإنه يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب". وفي رواية بشر بن عمر سمعت جابر بن زيد. ٣١٧٣ - عن أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت: قيل لرسول الله ﷺ : أين أنت يا رسول الله؟ ! عن ابنة حمزة؟ أو قيل: ألا تخطب بنت حمزة بن عبد المطلب؟ قال "إن حمزة أخي من الرضاعة". ٣١٧٤ - عن أم حبيبة بنت أبي سفيان ﵂ قالت: دخل علي رسول الله

стр. 3075

صلى الله عليه وسلم فقلت له: هل لك في أختي بنت أبي سفيان؟ فقال "أفعل ماذا؟ " قلت: تنكحها. قال "أو تحبين ذلك؟ " قلت: لست لك بمخلية. وأحب من شركني في الخير أختي. قال "فإنها لا تحل لي" قلت: فإني أخبرت أنك تخطب درة بنت أبي سلمة. قال "بنت أم سلمة؟ " قلت: نعم. قال "لو أنها لم تكن ربيبتي في حجري، ما حلت لي. إنها ابنة أخي من الرضاعة. أرضعتني وأباها ثويبة. فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن". ٣١٧٥ - عن أم حبيبة ﵂ زوج النبي ﷺ : أنها قالت لرسول الله ﷺ يا رسول الله! انكح أختي عزة. فقال رسول الله ﷺ "أتحبين ذلك" فقالت: نعم يا رسول الله! لست لك بمخلية. وأحب من شركني في خير، أختي. فقال رسول الله ﷺ "فإن ذلك لا يحل لي". قالت: فقلت: يا رسول الله فإنا نتحدث أنك تريد أن تنكح درة بنت أبي سلمة. قال: "بنت أبي سلمة؟ " قالت: نعم. قال رسول الله ﷺ "لو أنها لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي. إنها ابنة أخي من الرضاعة. أرضعتني وأبا سلمة ثويبة. فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن". -[المعنى العام]- يقول الله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفوراً رحيماً﴾ [النساء: ٢٣]. ذكرت هذه الآية الكريمة النساء المحرم نكاحهن، ووضحت السنة وبينت محرمات النكاح بما يشبه الإضافة صورة، فحرمت الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، كما سبق قبل أبواب، وبما هو بيان لمبهم أو تفصيل لمجمل، كتحريمها من الرضاع ما يحرم من النسب، وهو موضوع حديثنا. إن الغريزة الجنسية ترقى كلما رقت الإنسانية، وإن أبرز رقيها التعفف بها عن الحيوانية، وفي

стр. 3076

هذا المجال نجد الحيوان ينكح أمه وبنته وأخته، ولا تفرق شهوته بين قريب أو بعيد، وقد بدأت حياة البشر بالتزويج بين الأخ وأخته من أبناء آدم، لعمارة الأرض، وبث الجنس الإنساني، وتدرجت الشرائع والأعراف في تحريم القرابات، وأخذت تترقى في هذا المنع تارة، وتنتكس أخرى، كما هو طبيعة التطور والقصور، وكان أرقى ما وصلت إليه الإنسانية من الرقي محرمات النكاح في الإسلام، حتى حدد المحرمات تحديداً، ورغب في نكاح البعيدات، ورغب عن نكاح القريبات مطلقاً. إن أرقى درجات الترفع بهذه الغريزة الترفع بها عن التناكح بين من جمع بينهما رضاع قريب، أو رضاع بعيد بعد الترفع بها عن النسب المحرم، وأن يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة. هكذا أكدت الأحاديث، فعم حفصة من الرضاع تأذن له بالدخول عليها والخلوة بها، ورسول الله ﷺ يعلم ذلك ويقره، وعم عائشة من الرضاع يستأذن عليها، فتحتجب منه وترده، فيقول لها: أنا عمك؟ فتقول له: من أين لك هذه العمومة؟ فيقول لها: أرضعتك امرأة أخي، فصار أخي أبا لك من الرضاع، وأصبحت عمك من الرضاع كعمك من النسب فتقول له: إنما أرضعتني المرأة، زوجة أخيك، ولم يرضعني أخوك حتى يكون بيني وبينك صلة، ولا تأذن له، ثم تحكي ذلك لرسول الله ﷺ ، فيقول لها: كان عليك أن تأذني له، إن استأذن ثانية فأذني له، إنه عمك من الرضاع، ويحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة. ويعرض علي ﵁ على رسول الله ﷺ أن يتزوج ابنة عمه حمزة، فيقول ﷺ : إنها لا تحل لي، لأن حمزة أخي من الرضاع، رضعت أنا وهو من امرأة واحدة هي ثويبة، ورضع معنا منها أبو سلمة. وتتحدث النساء أن رسول الله ﷺ يريد أن يتزوج بنت أم سلمة، فيقتل هذه الإشاعة بأنها لا تحل له، لأنها ربيبة في حجره، ولأنها ابنة أخيه من الرضاعة، وهكذا يرفع الإسلام الشهوة الجنسية، ويرفع الإنسان بها إلى أعلى ما تصبو إليه الإنسانية -فنعم الشرع الحكيم. -[المباحث العربية]- (كان عندها) أي في بيتها، وهو يجاور بيت حفصة، لا يفصل بينهما إلا حائط من قش وطين. (وأنها سمعت صوت رجل يستأذن في بيت حفصة) أي سمعت صوت رجل يستأذن حفصة في الدخول عليها في بيتها، وكأن عائشة توقعت إذن حفصة، وإلا ما قالت ذلك. قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف على اسم هذا الرجل. (هذا رجل يستأذن في بيتك) أضافت أولاً البيت إلى حفصة باعتبارها مختصة به ساكنة فيه، وليس باعتبار الملك، ففي امتلاك أمهات المؤمنين لبيوتهن خلاف، وأضافته ثانياً إلى ضمير رسول الله ﷺ باعتباره المالك صاحب الأمر والنهي فيه، وأن الزوجة شرعاً لا تأذن في بيته إلا بإذنه، وكأنها بذلك تحركه ﷺ نحو حفصة.

стр. 3077

(أراه فلاناً) بضم الهمزة، أي أظنه فلاناً، وذكر رسول الله ﷺ اسم رجل، هو عم حفصة من الرضاعة، قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف على اسمه أيضاً. (لو كان فلان حياً -لعمها من الرضاعة- دخل علي؟ ) ذكرت عائشة اسم عم لها من الرضاعة يشبه في وضعه وضع عم حفصة الذي يستأذن، كأنها بذلك تثير غيرته ﷺ . (إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة) أي وتبيح ما تبيح. فهي تحرم النكاح، وتبيح الدخول. و"الرضاعة" بفتح الراء وكسرها، والرضاع أيضاً بفتح الراء وكسرها، يقال: رضع الصبي أمه -بكسر الضاد- يرضعها -بفتح الضاد، رضاعاً. قال الجوهري: ويقول أهل نجد: رضع يرضع -بفتح الضاد في الماضي وكسرها في المضارع كضرب يضرب، وامرأة مرضع، أي لها ولد ترضعه. وفي الرواية الثانية "يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة" وفي الرواية الثامنة "يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب" فيحتمل أن إحداهما رواية بالمعنى، ويحتمل أن الرسول ﷺ قال اللفظين في وقتين مختلفين، قال الحافظ ابن حجر: والثاني هو المعتمد، فإن الحديثين مختلفان في القصة والسبب والراوي، وإنما يأتي الاحتمال الأول إذا اتحد ذلك. (أن أفلح أخا أبي القعيس جاء يستأذن عليها، وهو عمها من الرضاعة) "القعيس" بضم القاف وفتح العين مصغر، وأبو القعيس -كما قال الدارقطني هو وائل بن أفلح الأشعري، وحكى هذا ابن عبد البر، ثم حكى أيضاً أن اسمه الجعد، قال الحافظ: فعلى هذا يكون أخوه وافق اسمه اسم أبيه، ويحتمل أن يكون أبو القعيس نسب لجده، ويكون اسمه وائل بن قعيس بن أفلح بن القعيس، وأخوه أفلح بن قعيس بن أفلح أبو الجعد. اهـ هذه المحاولة في تركيب الأسماء المبنية على احتمالات قصد بها الجمع بين الروايات التي اختلفت في اسم أو كنية أو نسب العم الذي استأذن على عائشة، والمؤكد عندنا أن أبا القعيس هو زوج المرأة التي أرضعت عائشة، فهو أبوها من الرضاعة، وأخوه عمها من الرضاع. فمن هو هذا الأخ؟ . الرواية الثالثة والخامسة وملحقها تقول "إن أفلح أخا أبي القعيس .... وهو عمها من الرضاعة" وهي ظاهرة لا إشكال فيها، الرواية الرابعة تقول "عمي من الرضاعة أفلح بن أبي قعيس" والرواية التاسعة تقول "أفلح بن قعيس" وإشكالهما يرفع بالاحتمال الذي ذكره الحافظ، فأفلح أخو أبي القعيس زوج المرضعة، وهو في الوقت نفسه ابن أبي القعيس الجد فعرف مرة بأخيه، ومرة بنسبه إلى جده، كما نسب إلى جده أيضاً في الملحق الثاني للرواية السادسة، ولفظة "استأذن عليها أبو القعيس" أي أفلح، وليس أبا القعيس زوج المرضعة، فإن المستأذن عمها، وليس أباها. أما الرواية السابعة، وفيها "استأذن علي عمي من الرضاعة أبو الجعد" فلا خطأ فيها لأن كنية أفلح "أبو الجعد" كما قال القرطبي ووافقه الحافظ ابن حجر. (فأبيت أن آذن له) في الرواية السادسة "فأبيت أن آذن له حتى أستأمر رسول الله ﷺ " وفي

стр. 3078

الرواية التاسعة "فأبيت أن آذن له، فأرسل: إني عمك، أرضعتك امرأة أخي؟ فأبيت أن آذن له" وفي رواية "فقال: أتحتجبين مني وأنا عمك؟ وفي رواية لأبي داود "فقال: أتستترين مني وأنا عمك؟ قلت: من أين؟ قال: أرضعتك امرأة أخي؟ قلت: إنما أرضعتني المرأة، ولم يرضعني الرجل" قال الحافظ ابن حجر: ويجمع بأنه دخل عليها أولاً، فاستترت ودار بينهما الكلام، فظن أنها قبلت قوله، فاستأذن، فلم تأذن له حتى تستأذن رسول الله ﷺ . وهنا إشكالان: الأول: أن عائشة ﵂ قالت في الرواية الأولى "لو كان فلان حياً لعمها من الرضاعة دخل علي؟ قال رسول الله ﷺ : نعم. إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة" وهذه الرواية في حديث الرجل الذي يستأذن على حفصة وهو سابق على استئذان أفلح أخي أبي القعيس: فكيف قالت عن عمها من الرضاعة إنه ميت، ثم قالت إنه استأذن عليها؟ قال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن تكون ظنت أنه مات لبعد عهدها به، ثم قدم بعد ذلك فاستأذن. اهـ وهذا الاحتمال بعيد جداً، إذ لو كان كذلك لنبهها رسول الله ﷺ والجواب الحسن ما ذكره بعضهم من أنهما عمان من الرضاعة. فجاء الإشكال الثاني وهو مادامت سألت عن الأول وأجيبت، فلم توقفت في الثاني؟ وأجيب بأنه تكرر منها ذلك إما لأنها نسيت القصة الأولى، وإما لأنها جوزت تغير الحكم فأعادت السؤال، فلا استبعاد في تجويز ما ذكر من نسيان أو تجويز النسخ، وأحسن من هذا أن يقال: هما عمان من الرضاع، مختلفان في طريقة عمومتهما، فلما أجيبت عن أحدهما سألت عن الآخر في حالة مختلفة، يؤخذ هذا من كلام عياض: إن أحد العمين كان أعلى من الآخر أو أحدهما كان شقيقاً والآخر لأب فقط أو لأم فقط، أو أرضعتها زوجة أخيه بعد موته، والآخر في حياته. كما يؤخذ أيضاً من كلام ابن المرابط أن عم حفصة أرضعته المرأة مع عمر، فالرضاعة فيهما من قبل المرأة. وعم عائشة الذي سألت عنه في قصة عم حفصة كان نظير عم حفصة في ذلك أي في أن امرأة أرضعته وأرضعت أبا بكر، وأفلح أخ زوج المرأة التي أرضعت عائشة، فعمومته من جهة الفحل صاحب اللبن، فأخبرها الشارع أن لبن الفحل يحرم كما يحرم من قبل المرأة. اهـ وهذا جواب حسن. والله أعلم. (فلما جاء رسول الله ﷺ أخبرته بالذي صنعت) في الرواية الخامسة قالت "يا رسول الله، إن أفلح أخا أبي القعيس جاءني، يستأذن علي، فكرهت أن آذن له حتى أستأذنك". (فأمرني أن آذن له) أي إذا استأذن مرة أخرى، وفي الرواية الخامسة "ائذني له" أي إذا استأذن، "فإنه عمك" وفي الرواية السادسة "فليلج عليك عمك" أي يحل له أن يدخل عليك "قالت: قلت: إنما أرضعتني المرأة" ولا علاقة له بالمرأة التي أرضعتني "ولم يرضعني الرجل" أخوه حتى يوجد رباط بيني وبينه؟ قال: إنه عمك" لأن أخاه صاحب اللبن أبوك "فليلج عليك" إذا جاء مرة

стр. 3079

أخرى دون حرج، "فهلا أذنت له"؟ أي وكان ينبغي أن تأذني له حين استأذن "تربت يداك -أو يمينك" وفي الرواية السابعة "تربت يمينك -أو يدك" شك من الراوي في أي الكلمتين قال رسول الله ﷺ ، وأصل: تربت يمينك التصقت بالتراب، أي افتقرت. لكنها صارت من الكلمات التي أطلقها العرب في مواطن التعجب، دون أن يقصدوا معناها الأصلي، ومثلها "لا أم لك" و"قاتلك الله" و"ثكلتك أمك" وتقال عند إنكار الشيء، أو الزجر عنه: أو الذم عليه، أو استعظامه، أو الحث عليه، أو الإعجاب، والأنسب هنا الإنكار والزجر. (مالك تنوق في قريش وتدعنا؟ ) "تنوق" بتاء مفتوحة، ونون مفتوحة، وواو مشددة مفتوحة، ثم قاف، وأصله تتنوق بتاءين، حذفت إحداهما للتخفيف، يقال: تنوق الرجل في مطعمه وملبسه وأموره وتنبق، وتأنق، أي اختار الأجود، وبالغ في الاختيار، قال القاضي: وضبطه بعضهم هنا بتاءين الأولى مفتوحة والثانية مضمومة بعدها واو، أي تميل. اهـ والمعنى مالك تختار من نساء قريش زوجات لك وتدع نساء أسرتك وعائلتك؟ . (بنت حمزة) في الرواية الحادية عشرة "أن النبي ﷺ أريد على ابنة حمزة" "أريد" بضم الهمزة، أي عرض عليه، وطلب منه أن يريدها، وفي الرواية الثانية عشرة "قيل لرسول الله ﷺ : أين أنت يا رسول الله عن ابنة حمزة؟ أو قيل: ألا تخطب بنت حمزة بن عبد المطلب"؟ والقائل هو علي بن أبي طالب، كما صرح به في الرواية العاشرة، وعند سعيد بن منصور "ألا تتزوج بنت عمك حمزة؟ فإنها من أحسن فتاة في قريش"؟ . قال الحافظ ابن حجر: وكأن علياً لم يكن يعلم أن حمزة رضيع النبي ﷺ ، أو جوز الخصوصية، أو كان ذلك قبل تقرير الحكم. قال القرطبي: وبعيد أن يقال عن علي: لم يعلم بتحريم ذلك. وقال الحافظ: جملة ما تحصل لنا من الخلاف في اسم ابنة حمزة هذه سبعة أقوال: أمامة وعمارة، وسلمى، وعائشة، وفاطمة، وأمة الله، ويعلى. (إنها ابنة أخي من الرضاعة) كانت ثويبة الآتي ذكرها في الرواية الثالثة عشرة والرابعة عشرة قد أرضعت النبي ﷺ بعد ما أرضعت حمزة، ثم أرضعت أبا سلمة. (هل لك في أختي بنت أبي سفيان؟ فقال: أفعل ماذا؟ قالت: قلت: تنكحها) في الرواية الرابعة عشرة "انكح أختي عزة" قال الحافظ: وعند أبي موسى "درة بنت أبي سفيان" وجزم المنذري بأن اسمها "حمنة" كما في الطبراني، وقال عياض: لا نعلم لعزة ذكراً في بنات أبي سفيان إلا في رواية يزيد بن أبي حبيب، وقال أبو موسى: الأشهر فيها. (أفعل ماذا؟ ) استفهام استيضاح عن مرادها في قولها: هل لك في أختي؟ أجابت عنه بقولها: تنكحها، وفيه معنى التعجب. قال الحافظ ابن حجر: وفيه شاهد على جواز تقديم الفعل على "ما" الاستفهامية، خلافاً لمن أنكره من النحاة.

стр. 3080

(أو تحبين ذلك؟ ) استفهام تعجب من كونها تطلب أن يتزوج غيرها، مع ما طبع عليه النساء من الغيرة. (لست لك بمخلية) بضم الميم وسكون الخاء وكسر اللام، اسم فاعل من أخلى يخلى أي لست لك بمنفردة، أي لم أقم بإخلائك من الضرة والزوجة الأخرى، وقال بعضهم: أخلى يستعمل متعدياً، ويستعمل لازماً بمعنى خلا يخلو، وهو المراد هنا، أي لست خالية ولا متفرغة من ضرة. قال الحافظ: وفي بعض الروايات بفتح اللام، بلفظ اسم المفعول، أي لم يقع علي إخلاء منك، ولم تفردني بك. (وأحب من شركني في الخير أختي) "شركني" بفتح الشين وكسر الراء، يقال: شرك فلاناً في ماله يشركه من باب علم، شركا وشركة وشركة، أي أحب من شاركني فيك وفي صحبتك، وفي الانتفاع منك بخيرات الدنيا والآخرة أختي، مما يستر أو يخفف الغيرة التي جرت بها العادة بين الزوجات، وفي رواية البخاري "وأحب من شاركني في خير أختي" وهذا منها محمول على أنها لم تكن تعلم تحريم الجمع بين الأختين. (فإنها لا تحل لي) وبين لها ﷺ أنه يحرم الجمع بين الأختين فاعترضت بقولها الآتي "فإني أخبرت" إلخ. (فإني أخبرت أنك تخطب درة بنت أبي سلمة) "درة" بضم الدال المهملة وتشديد الراء المفتوحة. قال النووي: وهذا لا خلاف فيه، وأما ما حكاه القاضي عياض عن بعض رواة كتاب مسلم أنه ضبطه بفتح الذال المعجمة فتصحيف لا شك فيه. اهـ وفي الرواية الرابعة عشرة "فإنا نتحدث أنك تريد أن تنكح درة بنت أبي سلمة"؟ وفي رواية البخاري "فإنا نحدث" بضم النون وفتح الحاء، مبني للمجهول، وفي رواية للبخاري أيضاً "قلت: بلغني" وعند أبي داود "فوالله لقد أخبرت" وعن مصدر هذه الإشاعة يقول الحافظ ابن حجر: ولم أقف على اسم من أخبر بذلك، ولعله كان من المنافقين، فقد ظهر أن الخبر لا أصل له، وهذا مما يستدل به على ضعف المراسيل. اهـ وكأن أم حبيبة استدلت على جواز الجمع بين الأختين -كخصوصية له ﷺ بجواز الجمع بين المرأة وابنتها بطريق الأولى، لأن الربيبة حرمت على التأبيد، والأخت حرمت في حالة الجمع فقط. (بنت أم سلمة؟ ) استفهام استثبات لرفع الإشكال، أو استفهام إنكار، والمعنى إن كانت بنت أبي سلمة من أم سلمة فيكون تحريمها من جهتين، من جهة كونها ابنة أخ من الرضاع، ومن جهة أنها ربيبتي في حجري. وإن كانت بنت أبي سلمة من غير أم سلمة فمن جهة واحدة.

стр. 3081

(لو أنها لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي. إنها ابنة أخي من الرضاعة أرضعتني وأباها ثويبة) في الرواية الرابعة عشرة "أرضعتني وأبا سلمة ثويبة" والربيبة بنت الزوجة، مشتقة من الرب، وهو الإصلاح، لأنه يقوم بأمرها، وقيل: من التربية، وهو غلط فاحش من جهة الاشتقاق، فإن من شرط الاشتقاق الاتفاق في الحروف الأصلية، ولام الكلمة -وهو الحرف الأخير- مختلف، فإن آخر "رب" باء، وآخر "ربي" ياء. قاله النووي. و"الحجر" بفتح الحاء وكسرها من الإنسان حضنه، وذكر "الحجر" في الآية وهذا الحديث خرج مخرج الغالب؟ فتحرم الربيبة وإن لم تكن في الحجر؟ أو قيد للاحتراز؟ سيأتي في فقه الحديث. و"ثويبة" مصغر، كانت مولاة لأبي لهب بن عبد المطلب، عم النبي ﷺ ، ذكرها ابن مندة في الصحابة، وقال: اختلف في إسلامها، وكان النبي ﷺ يكرمها، وكانت تدخل عليه بعد ما تزوج خديجة، وكان يرسل إليها الصلة من المدينة، ماتت بعد فتح خيبر، ومات ابنها مسروح. وكانت ثويبة قد بشرت أبا لهب بمولد محمد ﷺ ، فأعتقها، مكافأة لها على البشرى وارتضع منها ﷺ قبل حليمة السعدية ﵂. (فلا تعرضن على بناتكن ولا أخواتكن) إشارة إلى أخت أم حبيبة، وبنت أم سلمة و"تعرض" بفتح التاء، وسكون العين وكسر الراء وسكون الضاد، خطاب لجماعة النساء وبكسر الضاد وتشديد النون خطاب لأم حبيبة وحدها، والأول أولى وأبين. -[فقه الحديث]- قال النووي: هذه الأحاديث متفقة على ثبوت حرمة الرضاع، وأجمعت الأمة على ثبوتها بين الرضيع والمرضعة، وأنه يصير ابنها، يحرم عليه نكاحها أبداً، ويحل له النظر إليها والخلوة بها، والمسافرة بها، ولا يترتب عليه -أي على الرضاع- أحكام الأمومة من كل وجه، فلا يتوارثان، ولا يجب على كل منهما نفقة الآخر، ولا يعتق عليه بالملك، ولا ترد شهادته لها، ولا يعقل عنها -أي ولا يدفع عنها دية تجب عليها- ولا يسقط عنها القصاص بقتله، فهما كالأجنبيين في هذه الأحكام. وأجمعوا أيضاً على انتشار الحرمة بين المرضعة وأولاد الرضيع، وبين الرضيع وأولاد المرضعة، وأنه في ذلك كولدها من النسب. لهذه الأحاديث. وأما الرجل المنسوب ذلك اللبن إليه -لكونه زوج المرأة، أو وطئها بملك أو شبهة- فمذهبنا ومذهب العلماء كافة ثبوت حرمة الرضاع بينه وبين الرضيع، ويصير الرضيع ولداً له، وأولاد الرجل الذكور إخوة للرضيع، والإناث أخوات للرضيع، ويصير إخوة الرجل أعماماً للرضيع -كما هو صريح أحاديث عائشة مع أفلح أخي أبي القعيس -ويصير أخوات الرجل عمات للرضيع، وتكون أولاد الرضيع أولاد ابن الرجل. ولم يخالف في هذا إلا أهل الظاهر وابن علية، فقالوا: لا تثبت حرمة الرضاع بين الرجل والرضيع، ونقله المازري عن ابن عمر وعائشة. قال الحافظ ابن حجر: أغرب القاضي

стр. 3082

عياض ومن تبعه في تخصيصهم ذلك بداود -أي أهل الظاهر- وإبراهيم بن علية، ففي لبن الفحل خلاف قديم، حكي عن ابن عمر وابن الزبير ورافع بن خديج وزينب بنت أم سلمة وغيرهم، ومن التابعين عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة والقاسم وسالم وسليمان بن يسار وعطاء بن يسار والشعبي وإبراهيم النخعي وأبي قلابة وإياس بن معاوية، وقال به من الفقهاء ربيعة الرأي وإبراهيم ابن علية وابن بنت الشافعي وداود وأتباعه. فلا يخصص الخلاف بأهل الظاهر وابن علية. اهـ وتحرير موطن الخلاف. هل تنتشر الحرمة بين الرضيع وبين صاحب اللبن إلى أبناء الرجل من غير المرضعة وإلى إخوة الرجل وأخواته؟ ويتصور تحديد الخلاف في رجل له امرأتان، ترضع إحداهما صبياً والأخرى صبية، فالجمهور قالوا: يحرم على الصبي تزويج الصبية، وقال من خالفهم: يجوز. واستدل المخالفون. أ- بقوله تعالى: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة﴾ [النساء: ٢٣]. ولم يذكر البنت أو العمة، كما ذكرهما في النسب، وأجيب بأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما عداه، وليس في الآية نص بإباحة البنت والعمة ونحوهما، كيف وقد جاءت هذه الأحاديث الصحيحة بصريح التحريم؟ عم حفصة، وعم عائشة، وقوله ﷺ "إن الرضاعة تحرم ما يحرم الولادة"؟ . ب- وبأن اللبن لا ينفصل من الرجل، وإنما ينفصل من المرأة، فكيف تنتشر الحرمة من الرجل؟ وأجيب بأن سبب اللبن هو ماء الرجل والمرأة معاً، فوجب أن يكون الرضاع منهما كالجد لما كان سبب الولد أوجب تحريم ولد الولد به، لتعلقه بولده. وفي هذه الإجابة نظر، فالفرق بين الجد الذي يدخل منه أجزاء إلى ابنه ثم من ابنه إلى ابن ابنه، وبين الزوج الذي ترضع زوجته وليداً في عدم انفصال شيء من الزوج إلى الوليد واضح، حيث لا تدخل نطفة الرجل في لبن المرأة، فقولهم: إن الوطء يدر اللبن، فللفحل فيه نصيب، بعيد عن القبول، لأن القول بانتشار الحرمة لا يشترط فيه الوطء، والجواب المقبول أن ذلك قياس في مقابلة النص فلا يلتفت إليه. والله أعلم. -[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم: ]- ١ - أن تحريم الرضاع لا يتعدى إلى أحد من قرابة الرضيع غير أبنائه، فليست أخته من الرضاعة أختاً لأخيه، ولا بنتاً لأبيه، إذ لا رضاع بينهم، وحكمة التحريم ما ينفصل من أجزاء المرأة وهو اللبن فإذا اغتذى به الرضيع صار جزءا من أجزائهما فانتشر التحريم بين الرضيع وبين المرأة التي صارت أمه، بخلاف قرابات الرضيع إخوته وأخواته وأبوه أو عمه وعماته، لأنهم ليس بينهم وبين المرضعة ولا زوجها نسب ولا سبب. ٢ - ومن أحاديث عائشة استدل بعضهم على أن من ادعى الرضاع، وصدقه الرضيع ثبت حكم الرضاع بينهما، ولا يحتاج إلى بينة، لأن "أفلح" ادعى، وصدقته عائشة، وأذن الشارع بمجرد ذلك، وتعقب باحتمال أن يكون الشارع قد اطلع على ذلك من غير دعوى "أفلح" وتسليم عائشة.

стр. 3083

٣ - واستدل به على أن قليل الرضاع يحرم، كما يحرم كثيره، لعدم الاستفصال فيه ولا حجة فيه، لأن عدم الذكر لا يدل على العدم المحض. ٤ - وفيه أن من شك في حكم يتوقف عن العمل حتى يسأل العلماء عنه. ٥ - وأن من اشتبه عليه الشيء طالب المدعي ببيانه ليرجع إليه أحدهما. ٦ - وأن العالم إذا سئل يصدق من قال الصواب قبله. ٧ - وفيه وجوب احتجاب المرأة من الرجال الأجانب. ٨ - ومشروعية استئذان المحرم على محرمه. ٩ - وأن المرأة لا تأذن في بيت الرجل إلا بإذنه. ١٠ - قال القرطبي عن قوله في الرواية الثالثة عشرة والرابعة عشرة "لو أنها لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي" قال: فيه تعليل الحكم بعلتين، فإنه علل تحريمها بكونها ربيبة وبكونها بنت أخ من الرضاعة، قال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر أنه نبه على أنها لو كان بها مانع واحد لكفي في التحريم، فكيف وبها مانعان؟ فليس من التعليل بعلتين في شيء لأن كل وصفين يجوز أن يضاف الحكم إلى كل واحد منهما لو انفرد، فإما أن يتعاقبا فيضاف الحكم إلى الأول منهما، كالسببين إذا اجتمعا ومثاله: إذا أحدث ثم أحدث بغير تخلل طهارة فالحدث الثاني لم يعمل شيئاً، أو يضاف الحكم إلى الثاني، كما في اجتماع السبب والمباشرة وقد يضاف إلى أشبههما وأنسبهما، سواء كان الأول أو الثاني، فعلى كل تقدير لا يضاف إليهما جميعاً، وإن قدر أنه يوجد فالإضافة إلى المجموع، ويكون كل منهما جزء علة، لا علة مستقلة، فلا تجتمع علتان على معلول واحد. هذا الذي يظهر. والمسألة مشهورة في الأصول، وفيها خلاف. قال القرطبي: والصحيح جوازه، لهذا الحديث وغيره. ١١ - وفي الحديث إشارة إلى أن التحريم بالربيبة أشد من التحريم بالرضاعة. ١٢ - قال النووي: قوله "ربيبتي في حجري" فيه حجة لداود الظاهري أن الربيبة لا تحرم إلا إذا كانت في حجر زوج أمها، فإن لم تكن في حجره فهي حلال له، وهو موافق لظاهر قوله تعالى: ﴿وربائبكم اللاتي في حجوركم﴾ [النساء: ٢٣]. ومذهب العلماء كافة سوى داود: أنها حرام، سواء كانت في حجره أم لا، قالوا: والتقييد إذا خرج على سبب لكونه الغالب لم يكن له مفهوم يعمل به، فلا يقتصر الحكم عليه، ونظيره قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أولادكم من إملاق﴾ [الأنعام: ١٥١]. ومعلوم أنه يحرم قتلهم بغير ذلك أيضاً، لكن خرج التقييد بالإملاق لأنه الغالب وقوله تعالى: ﴿ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً﴾ [النور: ٣٣]. ونظائره في القرآن كثيرة. والله أعلم

стр. 3084

(٣٨٦) باب قدر الرضاع المحرم وسنه ٣١٧٦ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ (وقال سويد وزهير إن النبي ﷺ قال) "لا تحرم المصة والمصتان". ٣١٧٧ - عن أم الفضل ﵂ قالت: دخل أعرابي على نبي الله ﷺ وهو في بيتي. فقال: يا نبي الله إني كانت لي امرأة فتزوجت عليها أخرى. فزعمت امرأتي الأولى أنها أرضعت امرأتي الحدثى رضعة أو رضعتين. فقال نبي الله ﷺ "لا تحرم الإملاجة والإملاجتان". ٣١٧٨ - عن أم الفضل ﵂: أن رجلاً من بني عامر بن صعصعة قال: يا نبي الله هل تحرم الرضعة الواحدة؟ قال: "لا". ٣١٧٩ - عن أم الفضل ﵂: أن نبي الله ﷺ قال: "لا تحرم الرضعة أو الرضعتان، أو المصة أو المصتان". ٣١٨٠ - أما إسحق فقال كرواية ابن بشر "أو الرضعتان أو المصتان" وأما ابن أبي شيبة فقال "والرضعتان والمصتان". ٣١٨١ - عن أم الفضل ﵂، عن النبي ﷺ قال "لا تحرم الإملاجة والإملاجتان".

стр. 3085

٣١٨٢ - عن أم الفضل ﵂: سأل رجل النبي ﷺ أتحرم المصة؟ فقال "لا". ٣١٨٣ - عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان فيما أنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن. ثم نسخن: بخمس معلومات. فتوفي رسول الله ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن. ٣١٨٤ - عن عمرة أنها سمعت عائشة تقول (وهي تذكر الذي يحرم من الرضاعة) قالت عمرة: فقالت عائشة: نزل في القرآن: عشر رضعات معلومات. ثم نزل أيضاً: خمس معلومات. ٣١٨٥ - عن عائشة ﵂ قالت: جاءت سهلة بنت سهيل إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم (وهو حليفة). فقال النبي ﷺ "أرضعيه" قالت: وكيف أرضعه؟ وهو رجل كبير. فتبسم رسول الله ﷺ وقال "قد علمت أنه رجل كبير". زاد عمرو في حديثه وكان قد شهد بدراً وفي رواية ابن أبي عمر فضحك رسول الله ﷺ . ٣١٨٦ - عن عائشة ﵂: أن سالماً مولى أبي حذيفة كان مع أبي حذيفة وأهله في بيتهم. فأتت (تعني ابنة سهيل) النبي ﷺ فقالت: إن سالماً قد بلغ ما يبلغ الرجال. وعقل ما عقلوا وإنه يدخل علينا. وإني أظن أن في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئاً. فقال لها النبي ﷺ "أرضعيه تحرمي عليه، ويذهب الذي في نفس أبي حذيفة" فرجعت فقالت: إني قد أرضعته، فذهب الذي في نفس أبي حذيفة.
следующие страницы →