Полный текст (6 200 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.
стр. 3081
(لو أنها لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي. إنها ابنة أخي من الرضاعة أرضعتني وأباها ثويبة) في الرواية الرابعة عشرة "أرضعتني وأبا سلمة ثويبة" والربيبة بنت الزوجة، مشتقة من الرب، وهو الإصلاح، لأنه يقوم بأمرها، وقيل: من التربية، وهو غلط فاحش من جهة الاشتقاق، فإن من شرط الاشتقاق الاتفاق في الحروف الأصلية، ولام الكلمة -وهو الحرف الأخير- مختلف، فإن آخر "رب" باء، وآخر "ربي" ياء. قاله النووي. و"الحجر" بفتح الحاء وكسرها من الإنسان حضنه، وذكر "الحجر" في الآية وهذا الحديث خرج مخرج الغالب؟ فتحرم الربيبة وإن لم تكن في الحجر؟ أو قيد للاحتراز؟ سيأتي في فقه الحديث.
و"ثويبة" مصغر، كانت مولاة لأبي لهب بن عبد المطلب، عم النبي ﷺ ، ذكرها ابن مندة في الصحابة، وقال: اختلف في إسلامها، وكان النبي ﷺ يكرمها، وكانت تدخل عليه بعد ما تزوج خديجة، وكان يرسل إليها الصلة من المدينة، ماتت بعد فتح خيبر، ومات ابنها مسروح.
وكانت ثويبة قد بشرت أبا لهب بمولد محمد ﷺ ، فأعتقها، مكافأة لها على البشرى وارتضع منها ﷺ قبل حليمة السعدية ﵂.
(فلا تعرضن على بناتكن ولا أخواتكن) إشارة إلى أخت أم حبيبة، وبنت أم سلمة و"تعرض" بفتح التاء، وسكون العين وكسر الراء وسكون الضاد، خطاب لجماعة النساء وبكسر الضاد وتشديد النون خطاب لأم حبيبة وحدها، والأول أولى وأبين.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: هذه الأحاديث متفقة على ثبوت حرمة الرضاع، وأجمعت الأمة على ثبوتها بين الرضيع والمرضعة، وأنه يصير ابنها، يحرم عليه نكاحها أبداً، ويحل له النظر إليها والخلوة بها، والمسافرة بها، ولا يترتب عليه -أي على الرضاع- أحكام الأمومة من كل وجه، فلا يتوارثان، ولا يجب على كل منهما نفقة الآخر، ولا يعتق عليه بالملك، ولا ترد شهادته لها، ولا يعقل عنها -أي ولا يدفع عنها دية تجب عليها- ولا يسقط عنها القصاص بقتله، فهما كالأجنبيين في هذه الأحكام.
وأجمعوا أيضاً على انتشار الحرمة بين المرضعة وأولاد الرضيع، وبين الرضيع وأولاد المرضعة، وأنه في ذلك كولدها من النسب. لهذه الأحاديث.
وأما الرجل المنسوب ذلك اللبن إليه -لكونه زوج المرأة، أو وطئها بملك أو شبهة- فمذهبنا ومذهب العلماء كافة ثبوت حرمة الرضاع بينه وبين الرضيع، ويصير الرضيع ولداً له، وأولاد الرجل الذكور إخوة للرضيع، والإناث أخوات للرضيع، ويصير إخوة الرجل أعماماً للرضيع -كما هو صريح أحاديث عائشة مع أفلح أخي أبي القعيس -ويصير أخوات الرجل عمات للرضيع، وتكون أولاد الرضيع أولاد ابن الرجل. ولم يخالف في هذا إلا أهل الظاهر وابن علية، فقالوا: لا تثبت حرمة الرضاع بين الرجل والرضيع، ونقله المازري عن ابن عمر وعائشة. قال الحافظ ابن حجر: أغرب القاضي
стр. 3082
عياض ومن تبعه في تخصيصهم ذلك بداود -أي أهل الظاهر- وإبراهيم بن علية، ففي لبن الفحل خلاف قديم، حكي عن ابن عمر وابن الزبير ورافع بن خديج وزينب بنت أم سلمة وغيرهم، ومن التابعين عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة والقاسم وسالم وسليمان بن يسار وعطاء بن يسار والشعبي وإبراهيم النخعي وأبي قلابة وإياس بن معاوية، وقال به من الفقهاء ربيعة الرأي وإبراهيم ابن علية وابن بنت الشافعي وداود وأتباعه. فلا يخصص الخلاف بأهل الظاهر وابن علية. اهـ
وتحرير موطن الخلاف. هل تنتشر الحرمة بين الرضيع وبين صاحب اللبن إلى أبناء الرجل من غير المرضعة وإلى إخوة الرجل وأخواته؟ ويتصور تحديد الخلاف في رجل له امرأتان، ترضع إحداهما صبياً والأخرى صبية، فالجمهور قالوا: يحرم على الصبي تزويج الصبية، وقال من خالفهم: يجوز.
واستدل المخالفون.
أ- بقوله تعالى: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة﴾ [النساء: ٢٣]. ولم يذكر البنت أو العمة، كما ذكرهما في النسب، وأجيب بأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما عداه، وليس في الآية نص بإباحة البنت والعمة ونحوهما، كيف وقد جاءت هذه الأحاديث الصحيحة بصريح التحريم؟ عم حفصة، وعم عائشة، وقوله ﷺ "إن الرضاعة تحرم ما يحرم الولادة"؟ .
ب- وبأن اللبن لا ينفصل من الرجل، وإنما ينفصل من المرأة، فكيف تنتشر الحرمة من الرجل؟ وأجيب بأن سبب اللبن هو ماء الرجل والمرأة معاً، فوجب أن يكون الرضاع منهما كالجد لما كان سبب الولد أوجب تحريم ولد الولد به، لتعلقه بولده. وفي هذه الإجابة نظر، فالفرق بين الجد الذي يدخل منه أجزاء إلى ابنه ثم من ابنه إلى ابن ابنه، وبين الزوج الذي ترضع زوجته وليداً في عدم انفصال شيء من الزوج إلى الوليد واضح، حيث لا تدخل نطفة الرجل في لبن المرأة، فقولهم: إن الوطء يدر اللبن، فللفحل فيه نصيب، بعيد عن القبول، لأن القول بانتشار الحرمة لا يشترط فيه الوطء، والجواب المقبول أن ذلك قياس في مقابلة النص فلا يلتفت إليه. والله أعلم.
-[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم: ]-
١ - أن تحريم الرضاع لا يتعدى إلى أحد من قرابة الرضيع غير أبنائه، فليست أخته من الرضاعة أختاً لأخيه، ولا بنتاً لأبيه، إذ لا رضاع بينهم، وحكمة التحريم ما ينفصل من أجزاء المرأة وهو اللبن فإذا اغتذى به الرضيع صار جزءا من أجزائهما فانتشر التحريم بين الرضيع وبين المرأة التي صارت أمه، بخلاف قرابات الرضيع إخوته وأخواته وأبوه أو عمه وعماته، لأنهم ليس بينهم وبين المرضعة ولا زوجها نسب ولا سبب.
٢ - ومن أحاديث عائشة استدل بعضهم على أن من ادعى الرضاع، وصدقه الرضيع ثبت حكم الرضاع بينهما، ولا يحتاج إلى بينة، لأن "أفلح" ادعى، وصدقته عائشة، وأذن الشارع بمجرد ذلك، وتعقب باحتمال أن يكون الشارع قد اطلع على ذلك من غير دعوى "أفلح" وتسليم عائشة.
стр. 3083
٣ - واستدل به على أن قليل الرضاع يحرم، كما يحرم كثيره، لعدم الاستفصال فيه ولا حجة فيه، لأن عدم الذكر لا يدل على العدم المحض.
٤ - وفيه أن من شك في حكم يتوقف عن العمل حتى يسأل العلماء عنه.
٥ - وأن من اشتبه عليه الشيء طالب المدعي ببيانه ليرجع إليه أحدهما.
٦ - وأن العالم إذا سئل يصدق من قال الصواب قبله.
٧ - وفيه وجوب احتجاب المرأة من الرجال الأجانب.
٨ - ومشروعية استئذان المحرم على محرمه.
٩ - وأن المرأة لا تأذن في بيت الرجل إلا بإذنه.
١٠ - قال القرطبي عن قوله في الرواية الثالثة عشرة والرابعة عشرة "لو أنها لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي" قال: فيه تعليل الحكم بعلتين، فإنه علل تحريمها بكونها ربيبة وبكونها بنت أخ من الرضاعة، قال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر أنه نبه على أنها لو كان بها مانع واحد لكفي في التحريم، فكيف وبها مانعان؟ فليس من التعليل بعلتين في شيء لأن كل وصفين يجوز أن يضاف الحكم إلى كل واحد منهما لو انفرد، فإما أن يتعاقبا فيضاف الحكم إلى الأول منهما، كالسببين إذا اجتمعا ومثاله: إذا أحدث ثم أحدث بغير تخلل طهارة فالحدث الثاني لم يعمل شيئاً، أو يضاف الحكم إلى الثاني، كما في اجتماع السبب والمباشرة وقد يضاف إلى أشبههما وأنسبهما، سواء كان الأول أو الثاني، فعلى كل تقدير لا يضاف إليهما جميعاً، وإن قدر أنه يوجد فالإضافة إلى المجموع، ويكون كل منهما جزء علة، لا علة مستقلة، فلا تجتمع علتان على معلول واحد.
هذا الذي يظهر. والمسألة مشهورة في الأصول، وفيها خلاف. قال القرطبي: والصحيح جوازه، لهذا الحديث وغيره.
١١ - وفي الحديث إشارة إلى أن التحريم بالربيبة أشد من التحريم بالرضاعة.
١٢ - قال النووي: قوله "ربيبتي في حجري" فيه حجة لداود الظاهري أن الربيبة لا تحرم إلا إذا كانت في حجر زوج أمها، فإن لم تكن في حجره فهي حلال له، وهو موافق لظاهر قوله تعالى: ﴿وربائبكم اللاتي في حجوركم﴾ [النساء: ٢٣]. ومذهب العلماء كافة سوى داود: أنها حرام، سواء كانت في حجره أم لا، قالوا: والتقييد إذا خرج على سبب لكونه الغالب لم يكن له مفهوم يعمل به، فلا يقتصر الحكم عليه، ونظيره قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أولادكم من إملاق﴾ [الأنعام: ١٥١]. ومعلوم أنه يحرم قتلهم بغير ذلك أيضاً، لكن خرج التقييد بالإملاق لأنه الغالب وقوله تعالى: ﴿ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً﴾ [النور: ٣٣]. ونظائره في القرآن كثيرة.
والله أعلم
стр. 3084
(٣٨٦) باب قدر الرضاع المحرم وسنه
٣١٧٦ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ (وقال سويد وزهير إن النبي ﷺ قال) "لا تحرم المصة والمصتان".
٣١٧٧ - عن أم الفضل ﵂ قالت: دخل أعرابي على نبي الله ﷺ وهو في بيتي. فقال: يا نبي الله إني كانت لي امرأة فتزوجت عليها أخرى. فزعمت امرأتي الأولى أنها أرضعت امرأتي الحدثى رضعة أو رضعتين. فقال نبي الله ﷺ "لا تحرم الإملاجة والإملاجتان".
٣١٧٨ - عن أم الفضل ﵂: أن رجلاً من بني عامر بن صعصعة قال: يا نبي الله هل تحرم الرضعة الواحدة؟ قال: "لا".
٣١٧٩ - عن أم الفضل ﵂: أن نبي الله ﷺ قال: "لا تحرم الرضعة أو الرضعتان، أو المصة أو المصتان".
٣١٨٠ - أما إسحق فقال كرواية ابن بشر "أو الرضعتان أو المصتان" وأما ابن أبي شيبة فقال "والرضعتان والمصتان".
٣١٨١ - عن أم الفضل ﵂، عن النبي ﷺ قال "لا تحرم الإملاجة والإملاجتان".
стр. 3085
٣١٨٢ - عن أم الفضل ﵂: سأل رجل النبي ﷺ أتحرم المصة؟ فقال "لا".
٣١٨٣ - عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان فيما أنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن. ثم نسخن: بخمس معلومات. فتوفي رسول الله ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن.
٣١٨٤ - عن عمرة أنها سمعت عائشة تقول (وهي تذكر الذي يحرم من الرضاعة) قالت عمرة: فقالت عائشة: نزل في القرآن: عشر رضعات معلومات. ثم نزل أيضاً: خمس معلومات.
٣١٨٥ - عن عائشة ﵂ قالت: جاءت سهلة بنت سهيل إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم (وهو حليفة). فقال النبي ﷺ "أرضعيه" قالت: وكيف أرضعه؟ وهو رجل كبير. فتبسم رسول الله ﷺ وقال "قد علمت أنه رجل كبير". زاد عمرو في حديثه وكان قد شهد بدراً وفي رواية ابن أبي عمر فضحك رسول الله ﷺ .
٣١٨٦ - عن عائشة ﵂: أن سالماً مولى أبي حذيفة كان مع أبي حذيفة وأهله في بيتهم. فأتت (تعني ابنة سهيل) النبي ﷺ فقالت: إن سالماً قد بلغ ما يبلغ الرجال. وعقل ما عقلوا وإنه يدخل علينا. وإني أظن أن في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئاً. فقال لها النبي ﷺ "أرضعيه تحرمي عليه، ويذهب الذي في نفس أبي حذيفة" فرجعت فقالت: إني قد أرضعته، فذهب الذي في نفس أبي حذيفة.
стр. 3086
٣١٨٧ - عن عائشة ﵂: أن سهلة بنت سهيل بن عمرو جاءت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إن سالماً (لسالم مولى أبي حذيفة) معنا في بيتنا. وقد بلغ ما يبلغ الرجال وعلم ما يعلم الرجال. قال "أرضعيه تحرمي عليه" قال: فمكثت سنة أو قريباً منها لا أحدث به وهبته. ثم لقيت القاسم فقلت له: لقد حدثتني حديثاً ما حدثته بعد. قال: فما هو؟ فأخبرته. قال: فحدثه عني؛ أن عائشة أخبرتنيه.
٣١٨٨ - عن زينب بنت أم سلمة قالت: قالت أم سلمة لعائشة إنه يدخل عليك الغلام الأيفع الذي ما أحب أن يدخل علي قال فقالت عائشة أما لك في رسول الله ﷺ أسوة قالت إن امرأة أبي حذيفة قالت يا رسول الله إن سالما يدخل علي وهو رجل وفي نفس أبي حذيفة منه شيء فقال رسول الله ﷺ "أرضعيه حتى يدخل عليك".
٣١٨٩ - عن زينب بنت أبي سلمة ﵄ قالت: سمعت أم سلمة زوج النبي ﷺ تقول لعائشة: والله ما تطيب نفسي أن يراني الغلام قد استغنى عن الرضاعة. فقالت: لم؟ قد جاءت سهلة بنت سهيل إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إني لأرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم. قالت: فقال رسول الله ﷺ "أرضعيه" فقالت: إنه ذو لحية. فقال "أرضعيه يذهب ما في وجه أبي حذيفة" فقالت: والله ما عرفته في وجه أبي حذيفة.
٣١٩٠ - عن أم سلمة زوج النبي ﷺ ﵂ أنها كانت تقول: أبى سائر أزواج النبي ﷺ أن يدخلن عليهن أحداً بتلك الرضاعة. وقلن لعائشة: والله ما نرى هذا إلا رخصة أرخصها رسول الله ﷺ لسالم خاصة. فما هو بداخل علينا أحد بهذه الرضاعة. ولا رائينا.
стр. 3087
٣١٩١ - عن عائشة ﵂ قالت: دخل علي رسول الله ﷺ وعندي رجل قاعد. فاشتد ذلك عليه. ورأيت الغضب في وجهه. قالت: فقلت: يا رسول الله إنه أخي من الرضاعة. قالت: فقال "انظرن إخوتكن من الرضاعة. فإنما الرضاعة من المجاعة".
-[المعنى العام]-
جعل الله الرضاعة من محرمات النكاح، بقوله: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة﴾ [النساء: ٢٣]. وأطلق القرآن الكريم، فلم يحدد عدد الرضعات المحرمة، ولا الزمن الذي يرضع فيه الرضيع رضاعاً محرماً، وجاءت السنة لتبين للناس ما نزل إليهم، نعم تروي عائشة ﵂ أن عدد الرضعات كان قد حدد في القرآن الكريم بعشر رضعات كاملات معلومات، ثم نسخن بخمس رضعات معلومات كانت تقرأ في القرآن إلى قرب وفاة الرسول ﷺ ، ثم نسخت قراءة الخمس أيضاً، وبقي حكمهن، كما روت هي وأم الفضل -زوجة عم الرسول ﷺ ، العباس بن عبد المطلب- أن النبي ﷺ قال: لا تحرم الرضعة والرضعتان.
وقد اختلف العلماء في مقدار اللبن المحرم، وعدد الرضعات المعتبرة للتحريم بين من يقول: يحرم قليل الرضاع وكثيره، ومن يقول: تحرم ثلاث رضعات، ومن يقول: أربع رضعات، ومن يقول خمس رضعات، ومن يقول: سبع رضعات، ومن يقول: عشر رضعات. ولكل قول وجهة نظر ودليل، وأوسط الأقوال: خمس رضعات معلومات.
أما سن الرضيع الذي يحرم الرضاع فيه فعائشة ﵂ قد انفردت مع قلة من الفقهاء بأن رضاع الكبير يحرم كرضاع الصغير، معتمدين الأحاديث الخاصة بسالم مولى أبي حذيفة، واعتبارها عامة لكل كبير يرضع، وعامة العلماء على أن الرضاع المحرم ما كان في الصغر، وإن اختلفوا قليلاً في تحديد أشهر الصغر، فمنهم من اعتبر دون الحولين، تفسيراً لقوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ [البقرة: ٢٣٣]. وتفسيراً لقوله تعالى: ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهراً﴾ [الأحقاف: ١٥]. إذ أقل مدة الحمل ستة أشهر وأقصى مدة الرضاع أربعة وعشرون شهراً، ومنهم من اغتفر أياماً بعد السنتين، ومنهم من اغتفر شهراً. ومنهم من أوصل مدة الرضاع القصوى ثلاثين شهراً.
стр. 3088
أما قصة سالم مولى أبي حذيفة الواردة في الأحاديث فهي خاصة به لا تتعداه إلى غيره وواقعة عين لا تصلح للاحتجاج بها.
وقد أكد ﷺ أن ليس كل رضاع محرماً، بل له كمية وزمن، فقال: انظرن وتأملن وافحصن معشر النساء الرضاعة المحرمة من غيرها، فإنما الرضاعة المعتبرة ما كانت في زمن الاعتماد على اللبن غذاء، وما كانت بمقدار يؤثر في بدن الطفل نمواً ووجوداً وكياناً.
-[المباحث العربية]-
(أم الفضل) زوجة العباس بن عبد المطلب، أخت ميمونة زوج النبي ﷺ .
(دخل أعرابي على نبي الله ﷺ وهو في بيتي) في الرواية الثالثة "أن رجلاً من بني عامر بن صعصعة" وفي الرواية الخامسة "سأل رجل النبي ﷺ ".
(فزعمت امرأتي الأولى) عبر بالزعم للإشارة بأنه يشك في خبرها، والزعم مطية الكذب كما يقولون.
(أنها أرضعت امرأتي الحدثى) بضم الحاء وسكون الدال، أي الجديدة.
(لا تحرم الإملاجة والإملاجتان) بكسر الهمزة، وتخفيف الجيم المفتوحة، وهي المصة يقال: ملج الصبي أمه، وأملجته، وليس المقصود بالمصة الجرعة الواحدة الخفيفة، بل المقصود الرضعة الكاملة التي ينصرف الطفل بها عن الثدي والرضاع، يقال: مص القصب ونحوه مصاً شربه شرباً رفيقاً. وفي الرابعة "لا تحرم الرضعة أو الرضعتان أو المصة أو المصتان" فالمراد منهما واحد، وفي ملحق الرواية الرابعة "الرضعة والرضعتان" بالواو بدل "أو" وليس المراد جمع الرضعتين للرضعة حتى تصبح ثلاثاً، فالواو هنا بمعنى "أو" وهل المقصود الوقوف عند الرضعتين، فتحرم الثلاث؟ أو ذكرهما على سبيل التمثيل حتى تصل الرضعات خمساً، كما نص عليها في حديث عائشة؟ خلاف يأتي في فقه الحديث.
(فتوفي رسول الله ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن) "يقرأ" بضم الياء، مبني للمجهول. قال النووي: معناه أن النسخ بخمس رضعات تأخر إنزاله جداً، حتى إنه ﷺ توفي وبعض الناس يقرأ خمس رضعات، ويجعلها قرآناً متلواً، لكونه لم يبلغه النسخ، لقرب عهده، فلما بلغهم النسخ بعد ذلك رجعوا عن ذلك، وأجمعوا على أن هذا لا يتلى.
(إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم) مفعول "أرى" محذوف، تقديره: تغيراً، والرؤية بصرية، وصرح به في الرواية التاسعة ولفظها "إني أظن أن في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئاً" ولما عبرت عن تغير الوجه قالت: "أرى" ولما عبرت عما في النفس قالت: "أظن".
стр. 3089
و"سالم" بن معقل، مولى أبي حذيفة، كان من أهل فارس، أعتقته مولاته زوج أبي حذيفة، واسمها بثينة، أعتقته سائبة دون ولاء لها، فتولى أبا حذيفة، وتبناه أبو حذيفة، فكان ينسب إليه، فيقال: سالم بن أبي حذيفة، حتى نزلت ﴿ادعوهم لآبائهم﴾ [الأحزاب: ٥]. وعد في المهاجرين وروي أنه هاجر مع عمر، وكان يؤم المهاجرين بقباء وفيهم عمر قبل أن يقدم رسول الله ﷺ المدينة، وكان إذا سافر مع أصحابه يؤمهم، لأنه كان أكثرهم قرآناً، وكان قد جاوز البلوغ في بدر، فشهدها، والظاهر أن ملابسات حديثنا كانت في هذه السن، واستشهد يوم اليمامة هو ومولاه أبو حذيفة فوجد رأس أحدهما عند رجلي الآخر، وذلك سنة اثنتي عشرة من الهجرة، وكان عمر يحبه ويقدره، حتى قال ﵁ بعد أن طعن: لو كان سالماً حياً ما جعلتها شورى. وهو من القراء الذين قال رسول الله ﷺ عنهم: "خذو القرآن من أربعة. من أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة، وابن مسعود ﵁، وعن الصحابة أجمعين، وإنما أطلنا في ترجمته ليتضح لنا القول بأن إرضاعه كان رخصة خاصة به. وفي الرواية التاسعة "إن سالماً مولى أبي حذيفة كان مع أبي حذيفة وأهله في بيتهم" وقد علمنا أنه كان في بيت أبي حذيفة عبداً، ثم مولى، ثم ابنا، ثم مولى وحليفاً. "فأتت ابنة سهل" في الرواية العاشرة "أن سهلة بنت سهل بن عمرو جاءت النبي ﷺ ، فقالت .... " وهذه زوجة أخرى لأبي حذيفة، غير التي أعتقت سالماً، وفي رواية أبي داود تقول: "فكان يأوي معي ومع أبي حذيفة في بيت واحد، فيراني فضلاً" أي متبذلة في ثياب المهنة.
(أرضعيه. قالت: وكيف أرضعه وهو رجل كبير؟ ) الظاهر أن استفهامها عن كيفية إرضاعه، أتحلب له من لبنها؟ أم تعطيه ثديها؟ ويحتمل أن الاستفهام تعجبي من إرضاع الكبير، وتأثير رضاعه حرمة.
(قال: فمكثت سنة أو قريباً منها لا أحدث به وهبته) قائل ذلك ابن أبي مليكة، يتحرج من التحديث بهذا الحديث هيبة من مضمونة، قال النووي: هكذا هو في بعض النسخ "وهبته" من الهيبة وهي الإجلال، والواو حرف عطف، وفي بعضها "رهبته" بالراء من الرهبة، وهي الخوف، وهي بكسر الهاء، وإسكان الباء، وضم التاء، وضبطه القاضي عن بعضهم "رهبته" بإسكان الهاء وفتح الباء، ونصب التاء. قال القاضي: وهو منصوب بإسقاط حرف الجر، والضبط الأول أحسن، وهو الموافق للنسخ الأخر.
(إنه يدخل عليك الغلام الأيفع) هو بالياء، وبالفاء، وهو الذي قارب البلوغ ولم يبلغ، وجمعه أيفاع، وقد أيفع ويفع، وهو يافع.
وكانت عائشة ﵂ ترى أن إرضاع الكبير يحرمه، وأرضعت غلاماً فعلاً، وكان يدخل عليها، وأنكر بقية أمهات المؤمنين ذلك، كما يظهر من الرواية الثانية عشرة والثالثة عشرة.
(والله ما تطيب نفسي أن يراني الغلام قد استغنى عن الرضاعة) أي جاوز الحولين ورضع بعد مجاوزتهما، أي لا تطيب نفسي أن أرضع غلاماً استغنى عن الرضاع لتناوله الطعام، ولا
стр. 3090
تطيب نفسي أن يراني معتمدة على هذا الإرضاع لو حصل فرضاً، كما قالت في الرواية الثالثة عشرة "فما هو بداخل علينا أحد بهذه الرضاعة" أي لو فرض حصولها، ولن تحصل "ولا رائينا" أي ولا نمكنه من أن يرانا.
(وعندي رجل قاعد) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه، وأظنه ابناً لأبي القعيس. اهـ
أقول: ولا أظنه ابناً لأبي القعيس، إذ لو كان كذلك لكان محرماً لها دون إنكار من النبي ﷺ فقد أقر ﷺ في الباب قبله أبوة أبي القعيس من الرضاع لعائشة، فابنه أخوها من الرضاع دون نقاش.
(فاشتد ذلك عليه، ورأيت الغضب في وجهه) في رواية البخاري "فكأنه تغير وجهه، كأنه كره ذلك" وفي رواية أبي داود "فشق ذلك عليه، وتغير وجهه" وفي رواية "فقال: يا عائشة. من هذا"؟ .
(انظرن إخوتكن من الرضاعة) في رواية البخاري "انظرن من إخوانكن"؟ والمراد من النظر التفكر والتأمل، والمعنى تأملن ما وقع من ذلك، هل هو رضاع صحيح بشرطه؟ من وقوع ذلك في زمن الرضاع؟ ومقدار الارتضاع؟ أو لا؟ فإن الحكم الذي ينشأ من الرضاع إنما يتبع شروطاً. قال المهلب: معناه انظرن ما سبب هذه الأخوة.
(فإنما الرضاعة من المجاعة) أي الرضاعة التي تثبت بها الحرمة، وتحل بها الخلوة هي حيث يكون الرضيع طفلاً، يسد اللبن جوعته، لأن معدته ضعيفة، يكفيها اللبن، وينبت بذلك لحمه، فيصير كجزء من المرضعة، فيشترك في الحرمة مع أولادها، فكأنه قال: لا رضاعة معتبرة إلا المغنية عن المجاعة، أو المطعمة من المجاعة، وقال أبو عبيد: معناه أن الذي جاع كان طعامه الذي يشبعه اللبن من الرضاع، لا حيث يكون الغذاء بغير الرضاع.
-[فقه الحديث]-
تتعرض أحاديث الباب إلى نقطتين أساسيتين: الأولى: مقدار الرضاعة المحرم، الثانية: زمن الرضاعة المحرم. ثم ما يؤخذ من الأحاديث بعد ذلك.
أما عن النقطة الأولى فالخلاف فيها متشعب، والأدلة فيها متعارضة.
١ - المذهب الأول: يحرم قليل الرضاع وكثيره، وهو قول الجمهور، حكاه ابن المنذر عن علي وابن مسعود وابن عمر، وابن عباس وعطاء وطاوس وابن المسيب والحسن ومكحول والزهري وقتادة والحكم وحماد، وهو قول مالك وأبي حنيفة والثوري والأوزاعي والليث، وهو المشهور عند أحمد.
واستدلوا (أ) بعموم قوله تعالى: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة﴾ [النساء: ٢٣]. ولم يذكر فيه عدد للرضعات.
стр. 3091
(ب) عموم بعض الأحاديث الصحيحة الواردة في الباب السابق، كقوله ﷺ "إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة".
(جـ) أن الأخبار اختلفت في العدد، وعائشة التي روت ذلك قد اختلف عليها في العدد الذي يعتبر -كما سيأتي- فوجب الرجوع إلى أقل ما يطلق عليه الاسم.
(د) أن تحريم الرضاع أمر طارئ، فلا يشترط فيه العدد، كالمصاهرة.
(هـ) أن الرضاع حاصله مائع يدخل البطن فيحرم، فلا يشترط فيه العدد كالمني.
وأجابوا عن حديث "لا تحرم المصة والمصتان" و"الإملاجة والإملاجتان" و"الرضعة والرضعتان" رواياتنا الأولى والثانية والرابعة -بأنه مضطرب، لأنه اختلف فيه، هل هو عن عائشة، كروايتنا الأولى، أو عن الزبير، أو عن ابن الزبير -كما جاء في بعض الروايات- أو عن أم الفضل -كروايتنا الثانية والرابعة- قال النووي: وهذا غلط وجسارة على السنة وردها بمجرد الهوى، وتوهين صحيحها لنصرة المذاهب، وقد جاء اشتراط العدد في أحاديث كثيرة مشهورة، والصواب اشتراطه.
وادعى بعضهم بأنه منسوخ. قال النووي: وهذا باطل، فلا يثبت النسخ بمجرد الدعوى.
وزعم بعضهم أنه موقوف على عائشة. قال النووي: وهذا خطأ فاحش، حيث ذكره مسلم وغيره من طرق صحاح مرفوعاً من رواية عائشة ومن رواية أم الفضل.
وزعم بعضهم أنه يمكن حمله على ما إذا لم يتحقق وصول لبن الرضعة إلى جوف الرضيع، كأنه قال: الرضاع المحقق وصوله إلى الجوف هو المحرم، فإن لم يتحقق فلا تحرم المصة والمصتان. قاله القرطبي، وهو احتمال ضعيف.
٢ - المذهب الثاني: لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان، وتحرم الثلاث فما فوقها، وهو رواية عن أحمد، وهو قول إسحق وأبي عبيد وأبي ثور وابن المنذر وداود وأتباعه عدا ابن حزم.
واستدلوا بمفهوم حديث "لا تحرم المصة والمصتان" [روايتنا الأولى والثانية والرابعة]، وقالوا: إن مفهوم "لا تحرم المصة والمصتان" أن الثلاث تحرم، وهذا الحديث في ذكر العدد مبين للعموم في الآية القرآنية.
٣ - المذهب الثالث: لا تحرم الرضعة والرضعتان والثلاث، وتحرم الأربع، وقد أخرج البيهقي عن زيد بن ثابت بإسناد صحيح أنه يقول ذلك.
٤ - المذهب الرابع: لا يحرم دون الخمس، خمس رضعات معلومات، وهو مذهب الشافعي ورواية عن أحمد، وبه قال ابن حزم، وقد صح عن عائشة عند عبد الرزاق "لا يحرم دون خمس رضعات معلومات". واستدلوا بأحاديث عائشة [روايتنا السادسة والسابعة].
وقالوا: إن التحريم بالثلاث فما فوقها إنما يؤخذ من حديث المصة والمصتين بطريق المفهوم، وقد عارض هذا المفهوم مفهوم حديث "خمس رضعات" فمفهوم الأول أن الثلاث تحرم، ومفهوم
стр. 3092
الثاني أن ما دون الخمس لا يحرم، فتعارض المفهومان، وحديث الخمس جاء من طرق صحيحة، وحديث المصة والمصتين جاء من طرق صحيحة أيضاً. لكن حديث عائشة عند عبد الرزاق "أن ما دون الخمس لا يحرم" منطوق يرجح المفهوم.
ويعترض الجمهور على الشافعية بأن حديث عائشة "خمس رضعات" روايتنا السادسة والسابعة لا يحتج به عند الشافعية أنفسهم، بناء على قواعدهم، لأن القرآن لا يثبت بخبر الواحد، وإذا لم يثبت قرآناً لم يثبت الحكم عن النبي ﷺ ، لأن خبر الواحد إذا توجه إليه قادح يوقف عن العمل به.
٥ - وجاء عن عائشة أيضاً: سبع رضعات، أخرجه ابن أبي خيثمة بإسناد صحيح عن عبد الله بن الزبير عنها.
٦ - وجاء عنها أيضاً: عشر رضعات، أخرجه مالك في الموطأ، قال الحافظ ابن حجر: وعن حفصة كذلك.
والذي تستريح إليه النفس مذهب الشافعية، فهو وسط بين هذه المذاهب، وتؤيده الأحاديث الكثيرة المشهورة. والله أعلم.
النقطة الثانية زمن الرضاعة المحرم. قال النووي: واختلف العلماء في هذه المسألة، فقالت عائشة وداود: تثبت حرمة الرضاع برضاع البالغ، كما تثبت برضاع الطفل.
قال الحافظ ابن حجر: وكذا نقل القرطبي عن داود أن رضاع الكبير يفيد رفع الاحتجاب منه. وحكاية هذا القول عن داود فيها نظر، فإن ابن حزم ذكر عن داود أنه مع الجمهور، وكذا نقل غيره من أهل الظاهر، وهم أخبر بمذهب صاحبهم، وإنما الذي نصر مذهب عائشة هذا، وبالغ في ذلك هو ابن حزم، ونقله عن علي، وهو من رواية الحارث الأعور عنه، ولذلك ضعفه ابن عبد البر، وقال عبد الرزاق عن ابن جريج: قال رجل لعطاء: إن امرأتي سقتني من لبنها بعد ما كبرت. أفأنكحها؟ قال: لا. قال ابن جريج: فقلت له: هذا رأيك؟ قال: نعم. كانت عائشة تأمر بذلك بنات أختها. اهـ وهو يشير بذلك إلى ما أخرجه أبو داود، ولفظه "فكانت عائشة تأمر بنات إخوتها وبنات أخواتها أن يرضعن من أحبت أن يدخل عليها ويراها، وإن كان كبيراً خمس رضعات، ثم يدخل عليها" قال الحافظ ابن حجر: وإسناده صحيح وهو قول الليث بن سعد. قال ابن عبد البر: لم يختلف عنه في ذلك.
وذكر الطبري في تهذيب الآثار، في مسند علي هذه المسألة، وساق بإسناده الصحيح عن حفصة مثل قول عائشة قال الحافظ: وهذا مما يخص به عموم قول أم سلمة "أبي سائر أزواج النبي ﷺ أن يدخلن عليهن أحداً بتلك الرضاعة" روايتنا الثالثة عشرة. فالقول بالجواز ليس خاصاً بعائشة ثم داود.
وذهب الجمهور على اعتبار الصغر في الرضاع المحرم، لقوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ [البقرة: ٢٣٣]. ولحديث ابن عباس رفعه "لا رضاع إلا ما كان في الحولين" أخرجه الدارقطني، ولحديث ابن مسعود "لا رضاع إلا ما شد العظم، وأنبت اللحم" أخرجه أبو داود، ولروايتنا الرابعة عشرة "فإنما الرضاعة من المجاعة" أي لا رضاعة معتبرة إلا
стр. 3093
المغنية عن المجاعة "، وهي ليست كذلك إلا في الصغر (راجع المباحث العربية في ذلك)، ولحديث أم سلمة "لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء" والكبير مفتق الأمعاء أخرجه الترمذي وصححه، ويمكن الاستدلال بهذا أيضاً على أن الرضعة الواحدة لا تحرم.
ويؤكد هذا أن الصحابة كان عندهم علم وتسليم بأن الصغر معتبر في الرضاعة، يدل على ذلك قول امرأة أبي حذيفة: "كيف أرضعه وهو رجل كبير"؟ "إنه ذو لحية"؟ روايتنا الثامنة، والثانية عشرة.
وقد اختلف الجمهور في نهاية سن الصغر الذي تحرم فيه الرضاعة، فذهب أبو حنيفة إلى أن أقصى مدة الرضاع ثلاثون شهراً، لقوله تعالى: ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهراً﴾ [الأحقاف: ١٥]. فجعل المدة المذكورة لكل من الحمل والفصال، فكأنه قال: وحمله ثلاثون شهراً، وفصاله ثلاثون شهراً، قال الحافظ ابن حجر: وهو تأويل غريب، فإن أبا حنيفة لا يقول: إن أقصى الحمل ثلاثون شهراً.
وعند المالكية رواية توافق قول الحنفية، إن أقصى مدة الرضاع ثلاثون شهراً، لكنهم لم يستدلوا بما استدل به الحنفية، بل قالوا: إنه يغتفر بعد الحولين مدة، يدمن الطفل فيها على الفطام، لأن العادة أن الصبي لا يفطم دفعة واحدة، بل على التدريج، فللأيام التي يحاول فيها فطامه حكم الحولين، ثم اختلفوا في تقدير تلك المدة، قيل: يفتقر بعد الحولين ستة أشهر وقيل: شهران، وقيل: شهر، وقيل: أيام يسيرة.
وعند الشافعية: يغتفر كسر الشهر، فلو ابتدأ الرضاع في أثناء الشهر جبر المنكسر من الشهر المكمل للحولين ثلاثين يوماً.
وعند مالك في رواية ابن وهب عنه: لا يحرم الرضاع متى وقع بعد الحولين، ولو بلحظة، وبه قال كثير من العلماء، ومن حجتهم حديث ابن عباس "لا رضاع إلا ما كان في الحولين".
وعند زفر -صاحب أبي حنيفة- يستمر إلى ثلاث سنين، إذا كان يجتزئ باللبن، ولا يجتزئ بالطعام.
وحكى عن الأوزاعي مثله، لكن قال: بشرط أن لا يفطم ولو قبل الحولين فما رضع بعده لا يكون رضاعاً. والجمهور -فيما عدا أبي حنيفة- على أن الآية ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهراً﴾ تقديره لمدة أقل الحمل، وأكثر مدة الرضاع. والله أعلم.
ويتعين على الجمهور أن يجيب عن قصة سالم. قال الحافظ ابن حجر: وأجابوا بأجوبة منها:
أنه حكم منسوخ، وبه جزم المحب الطبري في أحكامه، وقرره بعضهم بأن قصة سالم كانت في أول الهجرة، والأحاديث الدالة على اعتبار الحولين من رواية أحداث الصحابة فدل على تأخرها. قال الحافظ: وهو مستند ضعيف، إذ لا يلزم من تأخر إسلام الراوي ولا صغره أن لا يكون ما رواه متقدماً، وأيضاً ففي سياق قصة سالم ما يشعر بسبق الحكم باعتبار الحولين، لقول امرأة أبي حذيفة في بعض طرقه: "وكيف أرضعه وهو رجل كبير"؟ فهذا يشعر بأنها كانت تعرف أن الصغر معتبر في الرضاع المحرم. اهـ
стр. 3094
وفي تعقيب الحافظ ابن حجر نظر، لأن قصة سالم كانت في أول الهجرة بلا نقاش، كما هو واضح من ترجمته في المباحث العربية، ورواية اعتبار الحولين تؤكد تأخر الحكم عن قصة سالم، وقول امرأة أبي حذيفة، وإن أشعر بتقدم الحكم على سبيل الاحتمال، لكنه لا يفيد تقدم الحكم، فقد يكون سؤالها عن الطريقة التي ترضعه بها، أتحلب اللبن؟ أم تلقمه ثديها؟ وقد يكون سؤالها تعجباً من الأمر بإرضاعه المنافي لما جبلت عليه البشرية من إرضاع الصغير دون الكبير فالقول بالنسخ ظاهر ومقبول، لا يعارضه سوى موقف عائشة ﵂.
ومن أجوبة الجمهور عن قصة سالم دعوى الخصوصية بسالم وامرأة أبي حذيفة، وقول أم سلمة في روايتنا الثالثة عشرة "والله ما نرى هذا إلا رخصة أرخصها رسول الله ﷺ لسالم خاصة" صريح في ذلك، وقرره ابن الصباغ وغيره بأن أصل قصة سالم ما وقع له من التبني الذي أدى إلى اختلاطه بسهلة فلما نزل الاحتجاب، ومنعوا من التبني شق ذلك على سهلة فوقع الترخيص لها في ذلك، لرفع ما حصل لها من المشقة، وقرره آخرون بأن قصة سالم واقعة عين، يتطرقها احتمال الخصوصية، فيجب الوقوف عن الاحتجاج بها. اهـ ومما يؤكد الخصوصية ذهاب ما في نفس أبي حذيفة نتيجة لهذا الرضاع، ولا أظنه يذهب ما في نفس غير أبي حذيفة مع غير سالم. والله أعلم.
واستشكل عدم تفريق عائشة بين رضاع الصغير والكبير مع روايتها لحديث "فإنما الرضاعة من المجاعة" مما يفيد أن رضاعة الكبير لا تحرم، وقد أجاب الحافظ ابن حجر على هذا الإشكال بقوله: لعلها فهمت من قوله "إنما الرضاعة من المجاعة" أنه يخص مقدار ما يسد الجوعة من اللبن، فهو في عدد الرضعات، أعم من أن يكون المرتضع صغيراً أو كبيراً، فلا يكون الحديث نصاً في منع اعتبار رضاع الكبير، وحديث ابن عباس - مع تقدير ثبوته- ليس نصاً في ذلك أيضاً، وحديث أم سلمة يجوز أن يكون المراد منه أن لا رضاع بعد الفطام ممنوع، ثم لو وقع رتب عليه حكم التحريم، فما في الأحاديث المذكورة ما يدفع هذا الاحتمال، فلهذا عملت عائشة بذلك. اهـ
-[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم: ]-
١ - من الرواية السادسة وقوع النسخ في القرآن. قال النووي: والنسخ ثلاثة أنواع: أحدها ما نسخ حكمه وتلاوته، كعشر رضعات، والثاني ما نسخت تلاوته دون حكمه، كخمس رضعات، وكالشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما، والثالث ما نسخ حكمه، وبقيت تلاوته، وهذا هو الأكثر، ومنه قوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراج﴾ [البقرة: ٢٤٠].
٢ - قال الحافظ ابن حجر: وفي قصة سالم جواز الإرشاد إلى الحيل.
٣ - وقال ابن الرفعة: يؤخذ منه جواز تعاطي ما يحصل الحل في المستقبل، وإن كان ليس حلالاً في الحال.
٤ - استدل ابن حزم بقصة سالم على جواز مس الأجنبي ثدي الأجنبية، والتقام ثديها إذا أراد أن
стр. 3095
يرتضع منها مطلقاً، وهو استدلال خطأ، دعاه إليه أن الرضاعة المحرمة عنده إنما تكون بالتقام الثدي، ومص اللبن منه.
٥ - ومن الرواية الرابعة عشرة أن الزوج يسأل زوجته عن سبب إدخال الرجال بيته والاحتياط في ذلك، والنظر فيه.
٦ - قال الحافظ ابن حجر: وفي الحديث جواز دخول من اعترفت المرأة بالرضاعة معه عليها، وأنه يصير أخاً لها، ويراها، وقبول قولها فيمن اعترفت به. اهـ وهذا المأخذ غير ظاهر من الحديث، فإن رسول الله ﷺ لم يقرها على قولها واعترافها.
٧ - استدل بقوله "فإنما الرضاعة من المجاعة" على أن التغذية بلبن المرضعة يحرم، سواء كان بشرب أم أكل بأي صفة كان، حتى الحقنة والسعوط والثرد والطبخ وغير ذلك، إذا وقع ذلك بالشروط المطلوبة، فإن طرد الجوع موجود في كل ذلك، فيوافق الخبر والمعنى وبهذا قال الجمهور، لكن استثنى الحنفية الحقنة، واشترط الليث وأهل الظاهر في الرضاعة المحرمة التقام الثدي ومص اللبن منه.
والله أعلم
стр. 3096
(٣٨٧) باب وطء المسبية
٣١٩٢ - عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ ، يوم حنين بعث جيشاً إلى أوطاس. فلقوا عدواً. فقاتلوهم. فظهروا عليهم. وأصابوا لهم سبايا. فكأن ناساً من أصحاب رسول الله ﷺ تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين. فأنزل الله في ذلك: ﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾ أي فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن.
٣١٩٣ - عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن نبي الله ﷺ بعث يوم حنين سرية. بمعنى حديث يزيد بن زريع. غير أنه قال: إلا ما ملكت أيمانكم منهن فحلال لكم. ولم يذكر: إذا انقضت عدتهن.
٣١٩٤ - عن أبي سعيد ﵁ قال: أصابوا سبياً يوم أوطاس لهن أزواج، فتخوفوا، فأنزلت هذه الآية ﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾
-[المعنى العام]-
كان سبي النساء في الحرب بين المسلمين والكافرين شريعة، وكان النساء يقسمن بين المنتصرين كغنيمة، وكانت المسبية حين تقع في سهم أحد المجاهدين يتملكها، فإن شاء باعها وإن شاء أبقاها جارية، وإن شاء واقعها بملك اليمين، فإن ولدت أصبحت أم ولد.
كان هذا حكماً ظاهراً في امرأة ليست زوجة قبل السبي، ولكن في غزوة أوطاس سنة ثمان من الهجرة سبي المسلمون زوجات المشركين، وتملكوهن، وأراد بعضهم مواقعة مسبيته لكنه خاف الوقوع في الحرج والإثم، لما أنها كانت زوجة لرجل لم يطلقها، ولم يمت عنها، نعم المسلمون يعلمون أنه لا بد من استبراء رحمها بحيضة لغير الحامل، وبوضع الحمل للحامل، لكن المشكلة الزوجية التي
стр. 3097
كانت قبل السبي، فأنزل الله تعالى ما يفيد أن الزواج قبل السبي يفسخ بالسبي، وتصبح المسبية خالية من الزواج بمجرد سبيها، وأنها حلال لسيدها إذا انقضت عدتها، واستبرئ رحمها، فقال: ﴿والمحصنات من النساء﴾ أي وحرم عليكم نكاح المتزوجات من النساء ﴿إلا ما ملكت أيمانكم﴾ أي إلا المسبيات اللاتي ملكتموهن بالأسر فإنهن حلال لكم، دون حرج من زواجهن قبل السبي، وهكذا رفع الحرج عن المسلمين.
-[المباحث العربية]-
(يوم حنين بعث جيشاً إلى أوطاس) بفتح الهمزة، وسكون الواو، يمنع من الصرف ويصرف، فمن صرفه أراد الوادي والمكان، ومن منعه أراد البقعة، قيل واد في ديار هوازن، وهو موضع حرب حنين، والراجح أنه واد غير وادي حنين، قريب منه، وحنين واد قريب من الطائف، بينه وبين مكة بضعة عشر ميلاً من جهة عرفات، وكانت غزوة حنين في شوال سنة ثمان من الهجرة، بعد فتح مكة، ولما فرغ رسول الله ﷺ من حنين وانهزموا صارت طائفة منهم إلى الطائف، وطائفة إلى بجيلة، وطائفة إلى أوطاس، فأرسل النبي ﷺ عسكراً إلى من مضى إلى أوطاس، ثم توجه ﷺ هو وعساكره إلى الطائف. وفي الرواية الثانية "أن نبي الله ﷺ بعث يوم حنين -أي بعد يوم حنين- سرية" والسرية بفتح السين وكسر الراء وتشديد الياء هي التي تخرج بالليل، والسارية التي تخرج بالنهار وقيل: سميت بذلك لأنها تخفي ذهابها، وهي قطعة من الجيش، تخرج منه، وتعود إليه، وهي من مائة إلى خمسمائة، فما زاد على خمسمائة إلى ثمانمائة يقال له: منسر، فإن زاد على الثمانمائة سمي جيشاً، فإن زاد على أربعة آلاف سمي جحفلاً، فإن زاد فجيش جرار والخميس الجيش العظيم، وما افترق من السرية يسمى بعثاً. وجمع السرية سرايا.
أما السرية بضم السين وكسر الراء المشددة، وتشديد الياء، وقد تكسر السين أيضاً فهي الجارية تقع في سهم الغازي فيتملكها، ويباح له نكاحها بملك اليمين، سميت بذلك لأنها مشتقة من التسرر، وأصله من السر، وهو من أسماء الجماع، ويقال له الاستسرار أيضاً، أو أطلق عليها ذلك لأنها في الغالب يكتم أمرها عن الزوجة، وجمع السرية السراري.
(فظهروا عليهم) أي غلبوهم وهزموهم، وانتصروا عليهم.
(وأصابوا لهم سبايا) أي وغنم المسلمون لأنفسهم من عدوهم سبايا، والسبي الأسر يقال: سبي العدو سبياً من باب رمي، والسبي بكسر الباء وتشديد الياء، كغني، يطلق على الذكر والأنثى، يقال: غلام سبي ومسبي، وجارية سبية ومسبية، والجمع سبايا، كعطية وعطايا.
(فكأن ناساً) "كأن" بالهمزة، على التشبيه، مقصود به الظن، لا اليقين، والمراد من الناس بعض من وقعت السبايا في سهمهم.
(تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين) قال النووي: معنى "تحرجوا"
стр. 3098
خافوا الحرج، وهو الإثم "من غشيانهن" أي من وطئهن، من أجل أنهن زوجات والمزوجة لا تحل لغير زوجها، فأنزل الله إباحتهن.
﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾ قبل هذه الآية يقول الله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم﴾ أي وحرم عليكم المحصنات من النساء، أي المتزوجات من النساء اللاتي في عصمة أزواجهن. قال النووي: معناه: والزوجات حرام على غير أزواجهن إلا ما ملكتم بالسبي، فإنه ينفسخ نكاح زوجها الكافر، وتحل لكم إذا انقضى استبراؤها.
(فهن حلال لكم إذا انقضت عدتهن) أي استبراؤهن، واستبراؤهن بوضع الحمل عن الحامل، وبحيضة من الحائل غير الحامل، كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: واعلم أن مذهب الشافعي ومن قال بقوله من العلماء أن المسبية من عبدة الأوثان وغيرهم من الكفار الذين لا كتاب لهم لا يحل وطؤها بملك اليمين حتى تسلم، فمادامت على دينها فهي محرمة، وهؤلاء المسبيات كن من مشركي العرب عبدة الأوثان، فيؤول هذا الحديث وشبهه على أنهن أسلمن. وهذا التأويل لا بد منه. واختلف العلماء في الأمة إذا بيعت وهي مزوجة مسلماً، هل ينفسخ النكاح، وتحل لمشتريها؟ أم لا؟ فقال ابن عباس: ينفسخ. لعموم قوله تعالى: ﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾ وقال سائر العلماء: لا ينفسخ، وخصوا الآية بالمملوكة بالسبي. قال المازري: هذا الخلاف مبني على أن العموم إذا خرج على سبب. هل يقتصر على سببه؟ أم لا؟ فمن قال: يقتصر على سببه لم يكن فيه هنا حجة للمملوكة بالشراء، لأن التقدير: إلا ما ملكت أيمانكم بالسبي. ومن قال: لا يقتصر، بل يحمل على عمومه قال: ينفسخ نكاح المملوكة بالشراء، لكن ثبت في حديث شراء عائشة "بريرة" أن النبي ﷺ خير "بريرة" في زوجها، فدل على أنه لا ينفسخ بالشراء. لكن هذا تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد، وفي جوازه خلاف. والله أعلم. اهـ
وتوضيحاً لمذهب الشافعي وموافقيه نقول: إن كل صنف حرم وطء حرائرهم بعقد النكاح حرم وطء إمائهم بملك اليمين، ويحل لمسلم نكاح حرائر أهل الكتاب، لقوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ [المائدة: ٥]. وحرمته الإمامية، تمسكاً بقوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾ [البقرة: ٢٢١]. وقوله تعالى: ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾ [الممتحنة: ١٠]. ولا يحل للمسلم نكاح المشركات، لقوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾
ومع هذا قال الشافعية: يكره أن يتزوج حرائر أهل الكتاب، وأن يطأ إماءهم بملك اليمين، لأنا لا نأمن أن يميل إليها، فتفتنه عن الدين، أو يتولى أهل دينها، فإن كانت حربية فالكراهية أشد، لأنه لا يؤمن ما ذكرناه، ولأنه يكثر سواد أهل الحرب، ولأنه لا يؤمن أن يسبي ولده منها فيسترق، ولا يؤمن أن تزعزع عقيدة أبنائه منها.
стр. 3099
فتح المنعم شرح صحيح مسلم
تابع كتاب الرضاع - كتاب الطلاق - كتاب اللعان - كتاب العتق - كتاب البيوع - كتاب الفرائظ - كتاب الهبات - كتاب الوصية - كتاب النذر - كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات - كتاب الحدود والنهي عن الشفاعة فيها
الجزء السادس
الأستاذ الدكتور
موسى شاهين لاشين
دار الشروق
стр. 3100
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3101
فتح المنعم شرح صحيح مسلم
٦ -
стр. 3102
جميع حقوق النشر والطبع محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٢٣ - هـ - ٢٠٠٢ م
دار الشروق
القاهرة: ٨ شارع سيبويه المصري -رابعة العدوية- مدينة نصر
ص. ب.: ٣٣ البانوراما -تليفون: ٤٠٢٣٣٩٩ - فاكس: ٤٠٣٧٥٦٧ (٢٠٢)
e-mail: dar@ shorouk.com - www.shorouk.com
بيروت: ص. ب.: ٨٠٦٤ - هاتف: ٣١٥٨٥٩ - ٨١٧٢١٣ - فاكس: ٣١٥٨٥٩ ١ (٩٦١)
стр. 3103
تابع كتاب الرضاع
стр. 3104
(٣٨٨) باب الولد للفراش
٣١٩٥ - عن عائشة ﵂ أنها قالت: اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في غلام. فقال سعد: هذا. يا رسول الله ابن أخي عتبة بن أبي وقاص. عهد إلي أنه ابنه. انظر إلى شبهه. وقال عبد بن زمعة: هذا أخي، يا رسول الله ولد على فراش أبي. من وليدته. فنظر رسول الله ﷺ إلى شبهه، فرأى شبها بينا بعتبة. فقال "هو لك يا عبد. الولد للفراش وللعاهر الحجر. واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة". قالت: فلم ير سودة قط. ولم يذكر محمد بن رمح قوله "يا عبد".
٣١٩٦ - - عن الزهري بهذا الإسناد نحوه غير أن معمرا وابن عيينة في حديثهما "الولد للفراش" ولم يذكرا "وللعاهر الحجر".
٣١٩٧ - عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال "الولد للفراش وللعاهر الحجر".
-[المعنى العام]-
روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: "إن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء: فنكاح منها نكاح الناس اليوم، يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته، فيصدقها، ثم ينكحها.
ونكاح آخر: كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها - أي حيضها -: أرسلي إلى فلان، فاستبضعي منه - أي اطلبي منه الجماع، لتحملي منه - ويعتزلها زوجها، ولا يمسها أبدًا، حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع.
стр. 3105
ونكاح آخر: يجتمع الرهط، ما دون العشرة، فيدخلون على المرأة، كلهم يصيبها، فإذا حملت ووضعت، ومر ليال بعد أن تضع حملها، أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع، حتى يجتمعوا عندها، تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت، فهو ابنك يا فلان. تسمي من أحبت باسمه، فيلحق به ولدها، لا يستطيع أن يمتنع به الرجل.
ونكاح رابع، يجتمع الناس الكثير، فيدخلون على المرأة، لا تمنع من جاءها، وهن البغايا كن ينصبن على أبوابهن رايات، تكون علمًا، فمن أرادهن دخل عليهن، وإذا حملت إحداهن، ووضعت حملها، جمعوا لها، ودعوا لهم القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون فالتاطته به [أي استلحقته به، وأصل اللوط اللصوق] ودعى ابنه، لا يمتنع عن ذلك.
فلما بعث محمد ﷺ بالحق هدم نكاح الجاهلية كله، إلا نكاح الناس اليوم". اهـ.
وواضح من هذا أنهم كانوا ينسبون الولد إلى الزاني، وكانت الأم تستلحق ولدها وكان القائف يلحق الولد بالزاني عن طريق الشبه بينهما، وكان أهل الجاهلية يقتنون الولائد، ويقررون عليهن الضرائب، ويكرهوهن على البغاء، والتكسب بالفجور، وكان السيد يطأ أمته، فتكون فراشًا له، ولا يحتاط لشرفها كالحرائر، فتزني خلسة منه، فإذا حملت وولدت واستلحقه السيد لحقه، وإن نفاه انتفى عنه، وإذا ادعاه غيره كان له إذا وافق السيد.
وجاء الإسلام فأبطل إلحاق الولد بالزاني، ونسبه إلى صاحب الفراش، زوجًا كان أو سيدًا، حرة كانت المرأة أو أمة، وليس للزاني حظ من النسب، بل له الخيبة والخسران في الدنيا والآخرة، جاء الإسلام بقانون السماء "الولد للفراش، وللعاهر الحجر" وطبق رسول اللَّه ﷺ هذا القانون في قصتنا. سعد بن أبي وقاص يدعي أن الولد من أخيه عتبة الذي زنى بجارية زمعة وأوصاه قبل موته أن يستلحقه، فيرفع سعد الأمر إلى رسول اللَّه ﷺ يطلب إلحاق الولد بعتبة، و"عبد" بن زمعة يدعي أن الولد من أبيه الذي استولد جاريته وافترشها، وينظر الرسول ﷺ للولد، فيرى فيه شبهًا كبيرًا بعتبة الزاني، لكن قانون السماء أن الولد ينسب إلى صاحب الفراش زمعة، فيقول ﷺ : الولد لك يا عبد، هو أخوك شرعًا. وهكذا حكم بأن الولد أخ لسودة أم المؤمنين ﵂، لكن لوجود الشبه بينه وبين عتبة أمر رسول اللَّه ﷺ سودة أن تحتجب منه فنفذت الأمر، وبالغت في تنفيذه.
-[المباحث العربية]-
(اختصم سعد بن أبي وقاص) أسلم قديمًا، وصحب رسول اللَّه ﷺ ولازمه طويلاً، قال الحافظ ابن حجر: من حين إسلامه إلى حين فتح مكة نحو العشرين سنة.
(وعبد بن زمعة) "ابن زمعة" بدل، أو عطف بيان، ولا تصح إضافة "عبد" إلى "ابن زمعة" قال الحافظ ابن حجر: ووقع في مختصر ابن الحاجب: عبد اللَّه. وهو غلط، نعم عبد اللَّه بن زمعة آخر، ابن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى.
стр. 3106
و"زمعة" بفتح الزاي وسكون الميم، وقد تحرك، والتسكين أشهر، وهو ابن قيس بن عبد شمس القرشي العامري، والد سودة زوج النبي ﷺ .
ومعنى اختصامهما رفع القضية إلى رسول اللَّه ﷺ ، أو تنازعهما قبل رفع القضية ففي رواية البخاري عن عائشة ﵂ قالت: كان عتبة عهد إلى أخيه سعد أن ابن وليدة زمعة مني، فاقبضه إليك، فلما كان عام الفتح أخذه سعد، فقال: ابن أخي، عهد إليَّ فيه. فقام عبد بن زمعة، فقال: أخي، وابن وليدة أبي، ولد على فراشه، فتساوقا إلى النبي ﷺ ... " أي تلازما في الذهاب، بحيث أن كلا منهما كأنه يسوق الآخر.
(في غلام) اسمه عبد الرحمن، وذكره ابن عبد البر في الصحابة، وقد أعقب في المدينة.
(هذا ابن أخي عتبة بن أبي وقاص) عتبة بن أبي وقاص أخ لسعد من أبيه، فأمه هند بنت وهب بن الحارث بن زهرة، وأم سعد حمنة بنت سفيان بن أمية.
وعتبة هذا مختلف في صحبته. ذكره بعضهم في الصحابة، وذكر بعضهم أنه الذي شج وجه رسول الله ﷺ بأحد، وأن النبي ﷺ دعا عليه بأن لا يحول عليه الحول حتى يموت كافرا، فمات قبل الحول.
(عهد إلي أنه ابنه) في رواية "أوصاني أخي إذا قدمت - مكة - أن أقبض إليك ابن أمة زمعة، فإنه ابني".
(انظر إلى شبهه) في لفظ أحمد "فلما كان يوم الفتح رأى سعد الغلام، فعرفه بالشبه، فاحتضنه، وقال: ابن أخي ورب الكعبة".
(وقال عبد بن زمعة: هذا أخي يا رسول الله. ولد على فراش أبي من وليدته) الوليدة في الأصل المولودة، فعيلة بمعنى مفعولة من الولادة، وتطلق على الصبية الحرة، وعلى الأمة، وكانت وليدة زمعة أمة يمنية، وكان زمعة يلم بها ويطؤها، ولعل عتبة أصابها سرا من زنا، وهما كافران، فحملت، وولدت ولدا يشبهه، فغلب على ظنه أنه منه، وبغته الموت قبل أن يستلحقه، فأوصى أخاه أن يستلحقه.
والفراش كناية عن صلاحية الوطء، لأن الواطئ يستفرشها، أي تصير بوطئه لها فراشا له، وسيأتي في فقه الحديث متى تعتبر الحرة؟ ومتى تعتبر الأمة فراشا.
(هو لك يا عبد) في رواية الأكثرين "هو لك يا عبد ابن زمعة" وفي رواية النسائي "هو لك عبد ابن زمعة" بحذف حرف النداء، وقرأه بعضهم بالتنوين، أي هو لك عبد يا ابن زمعة. قال الحافظ ابن حجر: وهو مردود، فقد وقع في رواية البخاري المعلقة "هو لك، هو أخوك يا عبد".
(الولد للفراش) أي الولد يلحق بصاحب الفراش، زوجًا كان أو سيدًا.
(وللعاهر الحجر) أي وللزاني الخيبة والحرمان من الولد الذي يدعيه، وجرت عادة العرب أن
стр. 3107
تقول لمن خاب: له الحجر. وبفيه الحجر. وبفيه التراب، ونحو ذلك، وقيل: المراد بالحجر هنا الرجم. قال النووي: وهو ضعيف، لأن الرجم مختص بالمحصن، ولأنه لا يلزم من رجمه نفي الولد، والخبر إنما سيق لنفي الولد، وفي رواية "الولد للفراش، وفي فم العاهر الحجر" وفي رواية عند ابن حبان "الولد للفراش، وبفي العاهر الأثلب" والأثلب قيل: هو الحجر، وقيل: دقاق الحجر، وقيل التراب.
والعهر بفتح العين والهاء الزنا، وقيل: يختص بالزنا بالليل.
(واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة) حكم ﷺ بأنه أخوها من أبيها، وأمرها بالاحتجاب منه احتياطا، وسيأتي تفصيل لذلك في فقه الحديث.
وفي رواية البخاري "قالت عائشة: ثم قال لسودة بنت زمعة: احتجبي منه - لما رأى من شبهه بعتبة، فما رآها حتى لقي الله" وفي رواية "فوالله ما رآها حتى ماتت" وفي رواية "فلم تره سودة قط" يعني في المدة التي بين هذا القول وبين موت أحدهما. وفي رواية "فلم تره سودة بعد" والمعنى أنها امتثلت الأمر، وبالغت في الاحتجاب منه، حتى إنها لم تره، فضلا عن أن يراها.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: "الولد للفراش" معناه أنه إذا كان للرجل زوجة أو مملوكة صارت فراشا له، فأتت بولد، يمكن أن يكون منه، لحقه الولد، وصار ولدا يجري بينهما التوارث وغيره من أحكام الولادة، سواء كان موافقا له في الشبه أو مخالفا.
ومدة إمكان كونه منه ستة أشهر من حين اجتماعهما.
أما ما تصير به المرأة فراشا فإن كانت زوجة صارت فراشا بمجرد عقد النكاح، ونقلوا في هذا الإجماع، وشرط مالك والشافعي والعلماء كافة إلا أبا حنيفة إمكان الوطء بعد ثبوت الفراش، فإن لم يمكن، بأن ينكح مغربي مشرقية، ولم يفارق واحد منهما وطنه، ثم أتت بولد لستة أشهر أو أكثر، لم يلحقه، لعدم إمكان كونه منه.
ولم يشترط أبو حنيفة إمكان كونه منه، بل اكتفى بمجرد العقد، قال: حتى لو طلق عقب العقد من غير إمكان وطء، فولدت لستة أشهر من العقد لحقه الولد.
قال النووي: وهذا ضعيف، ظاهر الفساد، ولا حجة له في إطلاق الحديث "الولد للفراش" لأنه خرج مخرج الغالب، وهو حصول الإمكان عند العقد.
وأما الأمة فعند الشافعي ومالك تصير فراشا بالوطء، ولا تصير فراشا بمجرد الملك، حتى لو بقيت في ملكه سنين، وأتت بأولاد، ولم يطأها، ولم يقر بوطئها، لا يلحقه أحد منهم، فإذا وطئها صارت فراشا، فإذا أتت بولد أو أولاد لمدة الإمكان لحقوه.
وقال أبو حنيفة: لا تصير فراشا إلا إذا ولدت ولدا واستلحقه، فما تأتي به بعد ذلك يلحقه، إلا أن ينفيه.
стр. 3108
قال الشافعية: والفرق بين الزوجة - حتى تصير بالعقد فراشا - وبين الأمة حيث لا تصير بعقد الملك فراشا أن الزوجة تراد للوطء خاصة، فجعل الشارع العقد عليها كالوطء، لأنه هو المقصود، وأما الأمة فإنها تراد لملك الرقبة وأنواع أخرى من المنافع غير الوطء، ولهذا يجوز أن يملك أختين، ويملك أما وبنتها، ولا يجوز أن يجمع بينهما بعقد النكاح، فلم تصر الأمة بنفس عقد الملك فراشا، فإذا حصل الوطء صارت كالحرة، وصارت فراشا.
وفي حديثنا حكم النبي ﷺ لعتبة بالغلام، وألحق ذلك بقوله "الولد للفراش" وبهذا حكم بأن وليدة زمعة كانت فراشا لزمعة. فمن أين هذا الحكم؟ .
قال النووي: ثبوت فراشه إما ببينة أقامها عتبة على إقرار أبيه بذلك في حياته، وإما بعلم النبي ﷺ ذلك.
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - فيه دلالة للشافعي ومالك على أبي حنيفة، في شرطه أن لا تصير الأمة فراشا إلا إذا ولدت ولدا واستلحقه، فإنه لم يكن لزمعة ولد آخر من هذه الأمة قبل هذا، فدل على أنه ليس بشرط.
٢ - فيه دليل للشافعي وموافقيه على مالك وموافقيه على استلحاق الوارث نسبا لمورثه، بشرط أن يكون حائزا للإرث، أو يستلحقه كل الورثة، وبشرط أن يمكن كون المستلحق ولدا للميت، وبشرط أن لا يكون معروف النسب من غيره، وبشرط أن يصدقه المستلحق إن كان عاقلاً بالغًا، وهذه الشروط كلها موجودة في هذا الولد، الذي ألحقه النبي ﷺ بزمعة حين استلحقه عبد بن زمعة.
وخص مالك وطائفة الاستلحاق بالأب، وأجابوا عن الحديث بأن الإلحاق فيه لم ينحصر في استلحاق "عبد" لاحتمال أن يكون النبي ﷺ اطلع على موجب آخر بوجه من الوجوه، كاعتراف زمعة بالوطء، وقالوا: أجمعوا على أنه لا يقبل إقرار أحد على غيره، وأن النبي ﷺ أجاب عن المسألة، فأعلمهم أن الحكم كذا، بشرط أن يدعى صاحب الفراش، لا أنه قبل دعوى سعد عن أخيه عتبة، ولا دعوى عبد بن زمعة عن زمعة، بل عرفهم أن الحكم في مثلها يكون كذا، ولذلك قال: "احتجبي منه يا سودة" وتعقب بأن قوله في بعض الروايات "هو أخوك" يدفع هذا التأويل.
فإن قيل: إن شرط حيازة "عبد" للتركة غير محقق، فإن زمعة كان له ورثة غير "عبد"؟ أجيب بأنه لم يخلف وارثا غيره إلا سودة، فإن كان زمعة قد مات كافرا فلا يرثه إلا "عبد" وحده، لأن سودة لا ترث، لاختلاف الدين، وعلى تقدير أن يكون أسلم، وورثته سودة فيحتمل أن تكون وكلت أخاها في ذلك، أو شاركته في الدعوى، وادعت هي أيضا.
٣ - واستدل به على أن القائف إنما يعتمد على الشبه إذا لم يعارضه ما هو أقوى منه، لأن الرسول ﷺ لم يلتفت هنا إلى الشبه، والتفت إليه في قصة زيد بن حارثة، وكذا لم يحكم بالشبه في قصة الملاعنة، لأنه عارضه حكم أقوى منه، وهو مشروعية اللعان.
٤ - تمسك بعموم "الولد للفراش" بعض المالكية، قال الحافظ ابن حجر: وهو شاذ، ونقل عن الشافعي أنه قال: لقوله "الولد للفراش" معنيان. أحدهما هو له ما لم ينفه، فإذا نفاه بما شرع كاللعان انتفى عنه. الثاني: إذا تنازع رب الفراش والعاهر فالولد لرب الفراش.
стр. 3109
٥ - احتج بعض الحنفية وموافقوهم بهذا الحديث على أن الوطء بالزنا، له حكم الوطء بالنكاح، في حرمة المصاهرة، وبهذا قال أبو حنيفة والأوزاعي والثوري وأحمد، ووجه الاحتجاج به أن سودة أمرت بالاحتجاب.
قال النووي: وهذا احتجاج باطل، والعجب ممن ذكره، لأن هذا على تقدير كونه من الزنا، فهو أجنبي من سودة، لا يحل لها الظهور له، سواء ألحق بالزاني أم لا، فلا تعلق له بالمسألة المذكورة.
وقال مالك والشافعي وأبو ثور وغيرهم: لا أثر لوطء الزنا، بل للزاني أن يتزوج أم المزني بها وبنتها، بل زاد الشافعي، فجوز نكاح البنت المتولدة من مائه بالزنا.
٦ - قال النووي: وفي هذا الحديث أن حكم الحاكم لا يحيل الأمر في الباطن، فإذا حكم بشهادة شاهدي زور أو نحو ذلك لم يحل المحكوم به للمحكوم له، وموضع الدلالة أنه ﷺ حكم به لعبد بن زمعة، وأنه أخ له ولسودة، واحتمل بسبب الشبه أن يكون من عتبة، فلو كان الحكم يحيل الباطن لما أمرها بالاحتجاب.
٧ - واستدل به الحنفية [أي بقوله: واحتجبي منه يا سودة] بأنه ﷺ لم يلحقه بزمعة، لأنه لو ألحقه به لكان أخا سودة، والأخ لا يؤمر بالاحتجاب منه.
وأجاب الجمهور بأن الأمر بذلك كان للاحتياط، لأنه وإن حكم بأنه أخوها، لقوله في الطرق الصحيحة "هو أخوك يا عبد" لكنه لما رأى الشبه بعتبة أمرها بالاحتجاب منه احتياطا، وأشار الخطابي إلى أن في ذلك مزية لأمهات المؤمنين، لأن لهن في ذلك ما ليس لغيرهن. وقال القرطبي - بعد أن قرر أن أمر سودة بالاحتجاب للاحتياط وتوقي الشبهات -: ويحتمل أن يكون ذلك لتغليظ أمر الحجاب في حق أمهات المؤمنين، كما قال: "أفعمياوان أنتما"؟ فنهاهما عن رؤية الأعمى، مع قوله لفاطمة بنت قيس: "اعتدى عند ابن أم مكتوم، فإنه أعمى" فغلظ الحجاب في حقهن، دون غيرهن. قال الحافظ ابن حجر: وأيضا فإن للزوج أن يمنع زوجته من الاجتماع بمحارمها.
٨ - واستدل به بعض المالكية على مشروعية الحكم بين حكمين، وهو أن يأخذ الفرع شبها من أكثر من أصل، فيعطي أحكامًا بعدد ذلك، وذلك أن الفراش يقتضي إلحاقه بزمعة في النسب، والشبه يقتضي إلحاقه بعتبة، فأعطى الفرع حكمًا بين حكمين، فروعي الفراش في النسب، والشبه البين في الاحتجاب. قال: وإلحاقه بهما - ولو كان من وجه - أولى من إلغاء أحدهما من كل وجه.
٩ - واستدل به على أن السبب لا يخرج، ولو قلنا: إن العبرة بعموم اللفظ، وقد اعترض بهذا على الحنفية، إذ خصوا الفراش بالزوجة، وأخرجوا الأمة حتى تلد الولد الأول كما سبق. فهم بذلك يخرجون السبب، وهو وليدة زمعة.
١٠ - واستدل به على أن الوصي يجوز له أن يستلحق ولد موصيه، إذا أوصى إليه بأن يستلحقه، ويكون كالوكيل عنه في ذلك.
واللَّه أعلم
стр. 3110
(٣٨٩) باب العمل بإلحاق القائف
٣١٩٨ - عن عائشة ﵂ أنها قالت: إن رسول الله ﷺ دخل علي مسرورًا، تبرق أسارير وجهه. فقال "ألم تري أن مجززًا نظر آنفًا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد. فقال: إن بعض هذه الأقدام لمن بعض".
٣١٩٩ - عن عائشة ﵂ قالت: دخل علي رسول الله ﷺ ذات يوم مسرورًا. فقال "يا عائشة، ألم تري أن مجززًا المدلجي دخل علي. فرأى أسامة وزيدًا وعليهما قطيفة قد غطيا رءوسهما. وبدت أقدامهما فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض".
٣٢٠٠ - عن عائشة ﵂ قالت: دخل قائف ورسول الله ﷺ شاهد. وأسامة بن زيد وزيد بن حارثة مضطجعان. فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض. فسر بذلك النبي ﷺ وأعجبه. وأخبر به عائشة.
وزاد في حديث يونس "وكان مجزز قائفًا".
-[المعنى العام]-
زيد بن حارثة كان غلامًا لخديجة، فوهبته لمحمد بن عبد اللَّه ﷺ ، فلما عرفه أهله طلبوا فداءه وتحرير رقبته، فاختار رسول اللَّه ﷺ على الرجوع لأهله، فتبناه رسول اللَّه ﷺ قبل البعثة، وكان يعرف بزيد بن محمد، فلما أبطل اللَّه التبني، ونزل ﴿ادعوهم لآبائهم﴾ [الأحزاب: ٥] دعي زيد بن حارثة.
وتزوج "أم أيمن" واسمها "بركة" قيل: كانت من سبي الحبشة، الذين قدموا زمن الفيل، فصارت لعبد المطلب، فوهبها لابنه عبد اللَّه، والد النبي ﷺ ، وتزوجت "عبيد الحبشي" فولدت له "أيمن" فكنيت به، واشتهرت بذلك. ثم تزوجها زيد بن حارثة، فولدت له أسامة، وكانت سوداء اللون، وكان
стр. 3111
زيد أبيض من القطن، فجاء أسامة أسود اللون، شديد السواد، فقدح الناس في نسب أسامة، وطعنوا في بنوته لزيد، وأنكروا ذلك، وانتشرت شائعتهم.
فآلم ذلك رسول اللَّه ﷺ وأوجع قلبه، وأخذ يتلهف على ما يقطع دابر هذه الشائعة أو يخففها، وجاء هذا القائف، مارًا بالنبي ﷺ ، وبجواره زيد بن حارثة وابنه أسامة، قد تغطيا ببردة من قطيفة، غطيت رءوسهما، وانكشفت أرجلهما، ونظر القائف إلى الأرجل، فعرف أنها من بعضها، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض، فسر رسول اللَّه ﷺ وفرح بهذا التصريح، لكونه زاجرًا لمن طعن في النسب، لأنهم يعتمدون قول القائف، ودخل مسرورًا على عائشة، يخبرها بتصريح القائف، ووجهه يتهلل ويضيء من الفرح ﷺ .
-[المباحث العربية]-
(تبرق أسارير وجهه) "تبرق" بفتح التاء وسكون الباء وضم الراء، أي تضيء وتستنير من السرور والفرح، والأسارير هي الخطوط التي في الجبهة، واحدها سر، وسرور، وجمعه أسرار، وجمع الجمع "أسارير" والجملة كناية عن أعراض الفرح والسرور على الوجه من الابتسامة وانبساط التجاعيد وظهور البياض على بشرة الوجه. والجملة حال مؤكدة لمسرورا.
(ألم ترى) المراد من الرؤية هنا العلم، أو الإخبار، والاستفهام إنكاري بمعنى النفي، دخل على نفي، ونفي النفي إثبات، والمعنى اعلمي أو أعلمك، أو أخبرك، وإرادة الإخبار من الرؤية عن طريق المجاز المرسل بعلاقة السببية والمسببية، فإن الرؤية سبب للإخبار كثيرًا.
(أن مجززًا) بضم الميم وفتح الجيم وكسر الزاي المشددة، بعدها زاي أخرى، قال النووي: هذا هو الصحيح المشهور، وحكي أنه بفتح الزاي الأولى، وحكي بإسكان الحاء بعدها راء، والصواب الأول، وذكر أنه سمي مجززًا لأنه كان إذا أخذ أسيرًا في الجاهلية جز ناصيته وأطلقه، وهذا يؤكد صحة الاسم الأول، وعليه فهذا لقب، وكان له اسم آخر غير مجزز: قال الحافظ ابن حجر: لكني لم أر من ذكره.
وكان مجزز عارفا بالقيافة، وذكر فيمن شهد فتح مصر.
وهو ابن الأعور بن جعدة المدلجي - بضم الميم وإسكان الدال وكسر اللام - نسبة إلى مدلج بن مرة بن عبد مناف بن كنانة، وكانت القيافة فيهم، وفي بني أسد، تعترف العرب لهم بذلك، حيث اشتهروا بها، وليس ذلك خاصا بهم على الصحيح، فقد صح أن عمر بن الخطاب ﵁ كان قائفًا، وهو قرشي غير مدلجي وغير أسدي.
(نظر آنفًا) أي قريبًا، وهو بمد الهمزة على المشهور، وبقصرها، وقرئ بهما في السبع.
(دخل قائف) المقصود مجزز المصرح به في الرواية السابقة، والقائف هو الذي يعرف الشبه، ويميز الأثر، سمي بذلك لأنه يقفو الأشياء، أي يتتبعها، فكأنه مقلوب من
стр. 3112
القافي، فحصل قلب بين الفاء وحرف العلة، يقال: قفا الأثر، ويقتاف الأثر قفوًا وقيافة. وجمع القائف القافة.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: اختلف العلماء في العمل بقول القائف، فنفاه أبو حنيفة وأصحابه والثوري وإسحق، وأثبته الشافعي وجماهير العلماء، والمشهور عن مالك إثباته في الإماء، ونفيه في الحرائر، وفي رواية عنه إثباته فيهما.
ودليل الشافعي حديث مجزز هذا، لأن النبي ﷺ فرح لكونه وجد في أمته من يميز أنسابها عند اشتباهها، ولو كانت القيافة باطلة لم يحصل بذلك سرور.
واتفق القائلون بالقائف على أنه يشترط فيه العدالة، واختلفوا في أنه هل يكتفي بواحد؟ والأصح عند أصحابنا الاكتفاء بواحد، وبه قال ابن القاسم المالكي، وقال مالك: يشترط اثنان، وبه قال بعض أصحابنا، وهذا الحديث يدل للاكتفاء بواحد.
واتفقوا على أنه يشترط أن يكون خبيرًا بهذا، مجربًا.
واتفق القائلون بالقائف على أنه إنما يكون فيما أشكل من وطأين محترمين، كالمشتري والبائع يطآن الجارية المبيعة في طهر، قبل الاستبراء من الأول، فتأتي بولد لستة أشهر فصاعدًا من وطء الثاني، ولدون أربع سنين من وطء الأول، وإذا رجعنا إلى القائف فألحقه بأحدهما لحق به، فإن أشكل عليه، أو نفاه عنهما ترك الولد حتى يبلغ، فينتسب إلى من يميل إليه منهما، وإن ألحقه بهما فمذهب عمر بن الخطاب ومالك والشافعي أنه يتركه يبلغ، فينتسب إلى من يميل إليه منهما.
وقال أبو الثور وسحنون: يكون ابنا لهما، وقال الماجشون ومحمد بن مسلمة المالكيان: يلحق بأكثرهما له شبها، قال ابن مسلمة: إلا أن يعلم الأول، فيلحق به.
واختلف النافون للقائف في الولد المتنازع فيه، فقال أبو حنيفة: يلحق بالرجلين المتنازعين فيه، ولو تنازع فيه امرأتان لحق بهما، وقال أبو يوسف ومحمد: يلحق بالرجلين، ولا يلحق إلا بامرأة واحدة، وقال إسحق: يقرع بينهما. اهـ.
والذي تستريح إليه النفس أن القائف يستأنس بقوله، ولا يحكم به، فإن حديث مجزز لا حكم بقوله، وكل ما حصل به استراحة النفس لدفع شبهة، لأن قوله هذا لمن يعتقد صحته من أهل الجاهلية سيخفف الإشاعة أو يقتلها، وهذا ما يرغبه الرسول ﷺ بالنسبة للتشهير بأي مسلم، فضلا عن التشهير بالحبيب ابن الحبيب أسامة بن زيد ﵄.
واللَّه أعلم
стр. 3113
(٣٩٠) باب ما تستحقه البكر والثيب من إقامة الزوج عندها عقب الزفاف
٣٢٠١ - عن أم سلمة ﵂: أن رسول الله ﷺ لما تزوج أم سلمة أقام عندها ثلاثًا. وقال "إنه ليس بك على أهلك هوان. إن شئت سبعت لك. وإن سبعت لك سبعت لنسائي".
٣٢٠٢ - عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن ﵁: أن رسول الله ﷺ حين تزوج أم سلمة، وأصبحت عنده قال لها "ليس بك على أهلك هوان. إن شئت سبعت عندك. وإن شئت ثلثت ثم درت" قالت: ثلث.
٣٢٠٣ - عن أبي بكر بن عبد الرحمن ﵁: أن رسول الله ﷺ حين تزوج أم سلمة فدخل عليها، فأراد أن يخرج أخذت بثوبه. فقال رسول الله ﷺ "إن شئت زدتك وحاسبتك به. للبكر سبع وللثيب ثلاث".
٣٢٠٤ - عن أم سلمة ﵂: ذكر أن رسول الله ﷺ تزوجها. وذكر أشياء، هذا فيه. قال "إن شئت أن أسبع لك وأسبع لنسائي. وإن سبعت لك سبعت لنسائي".
٣٢٠٥ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعًا. وإذا تزوج الثيب على البكر أقام عندها ثلاثًا. قال خالد: ولو قلت: إنه رفعه لصدقت. ولكنه قال: السنة كذلك.
стр. 3114
٣٢٠٦ - عن أنس ﵁ قال: من السنة أن يقيم عند البكر سبعًا. قال الخالد: ولو شئت قلت: رفعه إلى النبي ﷺ .
-[المعنى العام]-
كانت أم سلمة ﵂ من السابقات إلى الإسلام هي وزوجها ابن عمها أبو سلمة، وهاجرا إلى الحبشة فولدت سلمة، ثم قدما مكة، وهاجرا إلى المدينة، فولدت له عمر ودرة وزينب، ثم مات عنها زوجها، فلما انقضت عدتها تزوجها النبي ﷺ في جمادى الآخرة سنة أربع من الهجرة، وكانت موصوفة بالجمال البارع والعقل البالغ والرأي الصائب.
وكان عند النبي ﷺ من أزواجه سودة وعائشة وحفصة حين تزوجها، وكانت ذات عيال، بل كانت عندها طفلة ولدت قبيل زواج النبي ﷺ منها بأيام.
ولم يكن العرب يلتزمون قسما بين الزوجات، ولا عدلا بينهن، بل كان العضل منتشرًا، وتعليق الزوجات شائعًا، وكانت الزوجة الجديدة تحظى من زوجها بإقامة لا حدود لها، فجاء الإسلام بالقسم والعدل، وكل ما ميز به الزوجة الجديدة هو الإقامة عندها ثلاث ليال عقب الزفاف إن كانت ثيبًا، وسبع ليال إن كانت بكرًا.
وطبق الرسول الكريم ﷺ هذا القانون على أم سلمة، دخل عليها فأقام عندها ثلاثا، فلما أصبح، ورأت منه مظاهر الخروج والانصراف عنها تعلقت بثيابه، ترجو طول بقائه معها، فقال لها: حقك ثلاث ليال، وقد مضت، فإن أردت الزيادة إلى سبع سبعت لك وسبعت لكل واحدة من أزواجي، وإن رضيت بالثلاث واكتفيت بها درت على كل واحدة من نسائي ليلة وجئت إليك بليلتك. فماذا تريدين مني؟ أسبع؟ أو أثلث؟ قالت: بل ثلث. ﵂ وأرضاها.
-[المباحث العربية]-
(لما تزوج أم سلمة) إن كان من كلام أم سلمة ففيه التفات من التكلم إلى الغيبة، وكان الأصل أن تقول: لما تزوجني.
(أقام عندها ثلاثًا. وقال: ) ظاهر في أن هذا التخيير كان بعد مضي الثلاث، فقوله في الرواية الثانية "حين تزوج أم سلمة، وأصبحت عنده" أي أصبحت عنده أي بعد ثالثة. وقوله في الرواية الثالثة "حين تزوج أم سلمة، فدخل عليها، فأراد أن يخرج" فيه حذف وطي، والأصل: فدخل عليها، فأقام عندها ثلاثا، فأراد أن يخرج لغيرها.
стр. 3115
(إنه ليس بك على أهلك هوان) معناه: لا يلحقك هوان بانصرافي عنك إلى غيرك، ولا يضيع بذلك من حقك شيء، فقد حصلت عليه كاملا، قال القاضي عياض: المراد بأهلك هنا نفسه ﷺ ، أي لا أفعل فعلا فيه هوانك علي. اهـ. أي ليس في انصرافي عنك إهانة لك.
(إن شئت سبعت لك، وإن سبعت لك سبعت لنسائي) "سبعت لك" أي أقمت عندك سبعًا، أي أكملت الثلاث التي مضت سبعًا، بالبقاء معك أربعًا أخرى، وفي هذه الحالة أسبع لكل واحدة من نسائي قبل أن أرجع إليك - وكان عنده ﷺ في هذا الوقت سودة وعائشة وحفصة، فكأنه لا يعود للإقامة معها إلا بعد إحدى وعشرين ليلة من تسبيعه لها.
وفي الرواية الثانية "إن شئت سبعت عندك [أي وسبعت لكل واحدة من نسائي] وإن شئت ثلثت، ثم درت" أي اكتفيت بالثلاث التي مضت، ثم أدور على نسائي عند كل واحدة ليلة، فكأنه عند التثليث سيرجع بعد ثلاث ليقيم عندها ليلة، فالتخيير بين ثلاث بدون قضاء، وبين سبع تقضى كلها لكل واحدة، فاختارت الثلاث، وفي الرواية الثالثة "إن شئت زدتك - أي على الثلاث إلى السبع - وحاسبتك به" أي بقضاء السبع لكل واحدة، للبكر سبع، وللثيب ثلاث" فإن اكتفيت بحقك الثلاث فلك، ولم تتجاوزي حتى تحاسبي، لكن إن تجاوزت الثلاث إلى السبع فقد استوليت على حق الغير، وانتفعت بمزية توالي الليالي، وكمال الأنس، وتعويض ذلك قضاء الثلاث التي كانت من حقك، ولو أن القضاء للأربع فقط لحصلت على مزية زائدة عن حقها بدون تعويض.
(عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن أن رسول اللَّه ﷺ كذا في الرواية الثانية، وفي الرواية الثالثة "عن عبد الملك بن أبي بكر عن أبي بكر بن عبد الرحمن أن رسول الله ﷺ وفي الرواية الرابعة "عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أم سلمة" أما في الرواية الأولى فكالرابعة. قال النووي: هكذا روي متصلا [بذكر أم سلمة] ومرسلا [بعدم ذكرها] واستدركه الدارقطني على مسلم، واستدراكه فاسد، لأن مسلما ﵀ قد بين اختلاف الرواة في وصله وإرساله، ومذهبه ومذهب الفقهاء والأصوليين ومحققي المحدثين أن الحديث إذا روي متصلا ومرسلا حكم بالاتصال، ووجب العمل به، لأنها زيادة ثقة، وهي مقبولة عند الجماهير، فلا يصح استدراك الدارقطني.
(ولو قلت: إنه رفعه لصدقت، ولكنه قال: السنة كذلك) رواية البخاري "عن أنس قال: من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعا وقسم، وإذا تزوج الثيب على البكر أقام عندها ثلاثا، ثم قسم".
وقول الصحابي: من السنة كذا له حكم المرفوع عند جمهور المحدثين، لأن مراده من السنة سنة الرسول ﷺ ، وكأنه قال: قال رسول الله ﷺ ، وعند بعض المحدثين ليس له حكم المرفوع، بل هو موقوف، لاحتمال أن يريد الصحابي بلفظ السنة معناها اللغوي، أو ما يثاب على فعله، ولا يعاقب على تركه، وهذا الاحتمال وإن كان ضعيفًا يعتد به ويعمل به احتياطًا في قبول الحديث ورفعه.
стр. 3116
وكأن "خالدا" الراوي عن أبي قلابة الراوي عن أنس سمع الحديث بهذا اللفظ "من السنة" وأنه يرى ما يقول به جمهور المحدثين، وأنه في حكم المرفوع، فقال: لو قلت: إنه رفعه لصدقت، لأنه له حكم المرفوع. وقد أخرج الإسماعيلي عن أبي قلابة عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ ... فصرح برفعه. وأخرجه ابن خزيمة وابن حبان والدارمي والدارقطني مصرحًا برفعه.
فيحتمل أن "خالدًا" أو أبا قلابة علم أن الحديث مصرح برفعه على لسان أنس، لكنه لم يسمعه مصرحًا برفعه، وسمعه بلفظ "من السنة كذا" فتحرز عن التصريح بالرفع، وحافظ على اللفظ الذي سمعه والفرق بين الرأيين أن الحديث مرفوع؟ أو في حكم المرفوع؟ وفرق بين القولين.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: في الحديث أن حق الزفاف ثابت للمزفوفة، وتقدم به على غيرها، فإن كانت بكرا كان لها سبع ليال، بأيامها، بلا قضاء، وإن كانت ثيبًا كان لها الخيار، إن شاءت سبعًا، ويقضي السبع لباقي النساء، وإن شاءت ثلاثا، ولا يقضي. هذا مذهب الشافعي وموافقيه، وهو الذي ثبتت فيه هذه الأحاديث الصحيحة، وممن قال به مالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور وابن جرير وجمهور العلماء. وقال أبو حنيفة: يجب قضاء الجميع في الثيب والبكر، واستدلوا بالظواهر الواردة بالعدل بين الزوجات، وحجة الشافعي هذه الأحاديث، وهي مخصصة للظواهر العامة.
واختلفوا. هل هذا مختص بمن له زوجات غير الجديدة؟ أو هو عام؟ قال ابن عبد البر: جمهور العلماء على أن ذلك حق للمرأة بسبب الزفاف، سواء كانت عنده زوجة أم لا. لعموم الحديث "إذا تزوج البكر أقام عندها سبعا، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثا" لم يخص من كانت له زوجة، وقالت طائفة: الحديث فيمن له زوجة أو زوجات غير هذه، لأن من لا زوجة له مقيم مع هذه كل دهره، مؤنس لها، متمتع بها، مستمتعة به بلا قاطع، بخلاف من له زوجات، فإنه جعلت هذه الأيام للجديدة تأنيسًا لها متصلاً، لتستقر عشرتها له، وتذهب حشمتها ووحشتها منه، ويقضي كل واحد منهما لذته من صاحبه، ولا ينقطع بالدوران على غيرها. ورجح القاضي عياض هذا القول، وبه جزم البغوي من الشافعية في فتاويه. والأول أقوى، وهو المختار لعموم الحديث. اهـ.
وهكذا اختار النووي أنه لا فرق، قال الحافظ ابن حجر: وإطلاق الشافعي يعضده، ولكن يشهد للأول قوله - في روايتنا الخامسة - إذا تزوج البكر على الثيب" ويمكن أن يتمسك للآخر برواية "إذا تزوج البكر أقام عندها سبعا" حيث لم يقيده بما إذا تزوجها على غيرها، لكن القاعدة أن المطلق يحمل على المقيد، ويؤيده قوله أيضًا في الحديث عند البخاري "أقام عندها سبعًا وقسم" لأن القسم إنما يكون لمن عنده زوجة أخرى.
قال الحافظ ابن حجر: وفي الحديث حجة على الكوفيين في قولهم: إن البكر والثيب سواء في الثلاث وفيه حجة على الأوزاعي في قوله: للبكر ثلاث وللثيب يومان.
стр. 3117
هذا وقد اختلف القائلون بالمقام عند البكر سبعا وعند الثيب ثلاثا إذا كانت له زوجة أخرى.
هل هذا المقام واجب؟ أو مستحب. قال النووي: ومذهب الشافعي وأصحابه وموافقيهم أنه واجب، وهي رواية ابن القاسم عن مالك، وروى عنه ابن عبد الحكم أنه على الاستحباب.
قال الحافظ ابن حجر: وحكى النووي أنه يستحب إذا لم يكن عنده غيرها، وإلا فيجب.
واللَّه أعلم
стр. 3118
(٣٩١) باب القسم بين الزوجات
٣٢٠٧ - عن أنس ﵁ قال: كان للنبي ﷺ تسع نسوة. فكان إذا قسم بينهن لا ينتهي إلى المرأة الأولى إلا في تسع. فكن يجتمعن كل ليلة في بيت التي يأتيها. فكان في بيت عائشة. فجاءت زينب. فمد يده إليها. فقالت: هذه زينب فكف النبي ﷺ يده. فتقاولتا حتى استخبتا. وأقيمت الصلاة. فمر أبو بكر على ذلك. فسمع أصواتهما. فقال: اخرج، يا رسول الله إلى الصلاة. واحث في أفواههن التراب. فخرج النبي ﷺ فقالت عائشة: الآن يقضي النبي ﷺ صلاته فيجيء أبو بكر فيفعل بي ويفعل. فلما قضى النبي ﷺ صلاته أتاها أبو بكر. فقال لها قولاً شديدًا. وقال: أتصنعين هذا؟ .
-[المعنى العام]-
خدم أنس ﵁ رسول الله ﷺ عشر سنين، إذ قدمته أمه وهو ابن عشر سنين إلى النبي ﷺ ليخدمه فور قدوم النبي ﷺ المدينة، فكان يطلع على بعض الأمور الخاصة التي تحدث في بيته ﷺ ، كهذه القصة، وإخباره ﵁ بها من قبيل التبليغ لأحكام الشريعة، وليس من قبيل التشهير أو كشف الأسرار.
ورسول الله ﷺ تزوج بإحدى عشرة امرأة، مات في حياته ثنتان. خديجة وزينب بنت خزيمة ﵄، ومات ﷺ عن تسع، غير سريته مارية القبطية، وليس لها في الشريعة قسم. ومن كرم خلقه ﷺ أنه كان يدخل عليهن الأنس والسرور كل يوم، كان يستخدم أسلوبًا ثابتًا في أيام السلم والإقامة بالمدينة. كان يصلي العصر، فيدخل على كل واحدة منهن في بيتها، تقول عائشة ﵂: "كل يوم إلا ورسول الله ﷺ يطوف علينا جميعًا، فيقبل، ويلمس ما دون الوقاع، فإذا جاء إلى التي هي يومها بات عندها" ومعنى هذا أنه كان يؤخر صاحبة النوبة حتى يطوف على صاحباتها هذه لفتة عطف وحنان وأنس ورحمة وكرم، ليست واجبة عليه ﷺ ، ولا على أمته، ولكنه الخلق الكريم.
لفتة أخرى يصورها حديثنا لا تقل عن اللفتة السابقة، لفتة ترفع الغل والحقد بين الضرائر، وتغرس التواد والتقارب بينهن، كن يجتمعن في كل ليلة في بيت التي يأتيها صاحبة الليلة، يتحدثن معه ﷺ ، ويتحدث معهن، ويأنس بهن جميعًا، ويأنسن به.
стр. 3119
نعم كانت هذه اللفتة محفوفة بالأخطار، فحركاته ﷺ وسكناته مع كل واحدة منهن محسوبة عليه من الأخريات، مداعباته، بل نظراته مراقبة منهن بدافع الغيرة وفرط الحرص.
إنها لفتة محفوفة بالأخطار، فقد يفعل فعلاً، أو يتحرك حركة، أو يقول كلمة تحمل على غير وجهها، وتثير في إحداهن حساسية ما وانفعالاً، كما في هذه الحادثة.
في ليلة عائشة، وفي بيتها اجتمع بعض زوجاته ﷺ ، ودخلت أم المؤمنين زينب بنت جحش، وهي التي كانت تسامي عائشة جمالاً واعتزازًا وشموخًا ودلالاً - فمد رسول الله ﷺ يده عليها، قد يكون ربت على كتفها، أو لمس وجهها، أو مسح على شعرها، زوجته، ومن حقه، وليس من حق صاحبة الليلة سوى المبيت، وليس ممنوعًا في القسم إلا وطء غير صاحبة الليلة، لكن غيرة عائشة جعلتها تلفت نظره ﷺ إلى رعاية مشاعرها، وبأدب جم، وابتسامة ناطقة، ودلال نادر تقول له: إنها - أي التي وضعت يدك عليها - زينب وليست عائشة، ويبتسم صاحب الخلق العظيم، ويهز رأسه موافقًا، ويرفع يده عن زينب، وتثور زينب، وتناوش عائشة، وتثور عائشة وتهاجم زينب، وترتفع أصواتهما، ويزداد صخبهما، وصاحب الخلق العظيم يبتسم ولا يتدخل، يقدر طبيعة المرأة في كل منهما، يقدر حب وحرص كل منهما، يقدر شخصية واعتزاز كل منهما، وأقيمت الصلاة، ومر أبو بكر على باب عائشة في طريقه إلى المسجد فسمع الصخب، وعرف فيه صوت ابنته، فاستأذن ودخل، فسكتتا، ورأى أبو بكر أن الوقت لا يسمح بمحاسبة ابنته فقد أقيمت الصلاة، فقال لرسول الله ﷺ : لم لا تكتم أنفاسهما؟ لم لا تملأ أفواههما بالتراب؟ هيا بنا إلى الصلاة. وأيقنت عائشة أن أباها سيعود بعد الصلاة لمعاقبتها، فقد عودها أن يؤدبها في بيت زوجها إن أساءت إلى مقامه ﷺ . أخذت تفكر وتفكر فيما سيكون من أبيها، حتى كان ما حسبته وقدرته. جاء ﵁ بعد الصلاة، فقال لها قولاً شديدًا، تهذيبًا وتأنيبًا، لم يسأل عن السبب فقد يكون خاصًا مستورًا، ولكنه اكتفى بتوجيه ابنته أن تحذر الصخب وارتفاع الصوت واللغط في حضرة رسول الله ﷺ .
-[المباحث العربية]-
(تسع نسوة) هذا ما كان عليه الأمر في أخريات حياته ﷺ ، وهن اللاتي توفي عنهن، وهن عائشة وسودة وحفصة وأم سلمة وزينب وأم حبيبة وميمونة وجويرية وصفية. ﵅، و"نسوة" بكسر النون وضمها، لغتان. الكسر أفصح وأشهر، وبه جاء القرآن.
(لا ينتهي إلى المرأة الأولى) أي لا يصل، أي لا ينتهي منهن وينتقل إلى المرأة الأولى.
(إلا في تسع) أي إلا في تاسع ليلة، إذ يمر على ثمان في ثمان، فقول النووي: لا ينتهي إلى الأولى إلا بعد انقضاء التسع معناه بما فيها ليلة الأولى.
стр. 3120
(في بيت التي يأتيها) أي يضاجعها، أي صاحبة الليلة.
(فجاءت زينب) أي بنت جحش، بنت عمته أم المؤمنين ﵂، وكان النبي ﷺ قد تزوج امرأة أخرى اسمها زينب بنت خزيمة، لكنها ماتت بعد شهرين من زواجها منه ﷺ ، فليست المرادة هنا.
(فقالت: هذه زينب) أي فقالت عائشة، كما هو معلوم من السياق، وإن كان فيه تشتيت للضمائر. وليس المقصود الإفادة بأنها زينب، بل المقصود لازم الفائدة، أي ليست عائشة صاحبة الليلة ومقدماتها.
(فتقاولتا) أي افتعلت كل منهما القول وتكلفته ودفعته نحو الأخرى، تتنازعان أحقية هذه اللمسة.
(حتى استخبتا) بالتاء المثناة المفتوحة ثم الخاء المفتوحة، ثم الباء المفتوحة، ثم تاء المؤنثة، يقال: استخب بالسين، من السخب، واصطخب من الصخب بمعنى، وهو اختلاط الأصوات وارتفاعها. هكذا هو في معظم الأصول، وهو رواية الجمهور، وفي بعض النسخ "استخبثتا" أي قالتا الكلام الرديء الخبيث، وفي بعضها "استحيتا" من الاستحياء، وفي بعضها "استحثتا" أي حثت كل واحدة في وجه الأخرى التراب، وهذا بعيد، ولعله تصحيف.
(فيفعل بي ويفعل) حذف المفعول وتكرير الفعل للتهويل.
(أتصنعين هذا) الاستفهام إنكاري توبيخي، بمعنى لا ينبغي، والمشار إليه الصخب فالمعنى: لا ينبغي ولا يليق أن تحدثي صخبا في حضرة رسول الله ﷺ .
-[فقه الحديث]-
القسم والعدل بين الزوجات واجب على المسلمين. وفي وجوبه على النبي ﷺ خلاف، لكنه ﷺ كان قائمًا به، بكل دقة.
قال النووي: مذهبنا أنه لا يلزمه أن يقسم لنسائه، بل له اجتنابهن كلهن، لكن يكره تعطيلهن مخافة من الفتنة عليهن، والإضرار بهن، فإن أراد القسم لم يجز له أن يبتدئ بواحدة منهن إلا بقرعة، ويجوز أن يقسم ليلة ليلة، وليلتين ليلتين، وثلاثًا ثلاثًا، ولا يجوز أقل من ليلة، ولا يجوز الزيادة على الثلاث إلا برضاهن. هذا هو الصحيح في مذهبنا، وفيه أوجه ضعيفة في هذه المسائل غير ما ذكرته.
واتفقوا على أنه يجوز أن يطوف عليهن كلهن، ويطأهن في الساعة الواحدة، برضاهن، ولا يجوز ذلك بغير رضاهن، وإذا قسم كان لها اليوم الذي بعد ليلتها، ويقسم للمريضة والحائض والنفساء لأنه يحصل لها الأنس به، ولأنه يستمتع بها بغير الوطء، من قبلة ونظر ولمس وغير ذلك.
следующие страницы →