← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

وكأن "خالدا" الراوي عن أبي قلابة الراوي عن أنس سمع الحديث بهذا اللفظ "من السنة" وأنه يرى ما يقول به جمهور المحدثين، وأنه في حكم المرفوع، فقال: لو قلت: إنه رفعه لصدقت، لأنه له حكم المرفوع. وقد أخرج الإسماعيلي عن أبي قلابة عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ ... فصرح برفعه. وأخرجه ابن خزيمة وابن حبان والدارمي والدارقطني مصرحًا برفعه. فيحتمل أن "خالدًا" أو أبا قلابة علم أن الحديث مصرح برفعه على لسان أنس، لكنه لم يسمعه مصرحًا برفعه، وسمعه بلفظ "من السنة كذا" فتحرز عن التصريح بالرفع، وحافظ على اللفظ الذي سمعه والفرق بين الرأيين أن الحديث مرفوع؟ أو في حكم المرفوع؟ وفرق بين القولين. -[فقه الحديث]- قال النووي: في الحديث أن حق الزفاف ثابت للمزفوفة، وتقدم به على غيرها، فإن كانت بكرا كان لها سبع ليال، بأيامها، بلا قضاء، وإن كانت ثيبًا كان لها الخيار، إن شاءت سبعًا، ويقضي السبع لباقي النساء، وإن شاءت ثلاثا، ولا يقضي. هذا مذهب الشافعي وموافقيه، وهو الذي ثبتت فيه هذه الأحاديث الصحيحة، وممن قال به مالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور وابن جرير وجمهور العلماء. وقال أبو حنيفة: يجب قضاء الجميع في الثيب والبكر، واستدلوا بالظواهر الواردة بالعدل بين الزوجات، وحجة الشافعي هذه الأحاديث، وهي مخصصة للظواهر العامة. واختلفوا. هل هذا مختص بمن له زوجات غير الجديدة؟ أو هو عام؟ قال ابن عبد البر: جمهور العلماء على أن ذلك حق للمرأة بسبب الزفاف، سواء كانت عنده زوجة أم لا. لعموم الحديث "إذا تزوج البكر أقام عندها سبعا، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثا" لم يخص من كانت له زوجة، وقالت طائفة: الحديث فيمن له زوجة أو زوجات غير هذه، لأن من لا زوجة له مقيم مع هذه كل دهره، مؤنس لها، متمتع بها، مستمتعة به بلا قاطع، بخلاف من له زوجات، فإنه جعلت هذه الأيام للجديدة تأنيسًا لها متصلاً، لتستقر عشرتها له، وتذهب حشمتها ووحشتها منه، ويقضي كل واحد منهما لذته من صاحبه، ولا ينقطع بالدوران على غيرها. ورجح القاضي عياض هذا القول، وبه جزم البغوي من الشافعية في فتاويه. والأول أقوى، وهو المختار لعموم الحديث. اهـ. وهكذا اختار النووي أنه لا فرق، قال الحافظ ابن حجر: وإطلاق الشافعي يعضده، ولكن يشهد للأول قوله - في روايتنا الخامسة - إذا تزوج البكر على الثيب" ويمكن أن يتمسك للآخر برواية "إذا تزوج البكر أقام عندها سبعا" حيث لم يقيده بما إذا تزوجها على غيرها، لكن القاعدة أن المطلق يحمل على المقيد، ويؤيده قوله أيضًا في الحديث عند البخاري "أقام عندها سبعًا وقسم" لأن القسم إنما يكون لمن عنده زوجة أخرى. قال الحافظ ابن حجر: وفي الحديث حجة على الكوفيين في قولهم: إن البكر والثيب سواء في الثلاث وفيه حجة على الأوزاعي في قوله: للبكر ثلاث وللثيب يومان.

стр. 3117

هذا وقد اختلف القائلون بالمقام عند البكر سبعا وعند الثيب ثلاثا إذا كانت له زوجة أخرى. هل هذا المقام واجب؟ أو مستحب. قال النووي: ومذهب الشافعي وأصحابه وموافقيهم أنه واجب، وهي رواية ابن القاسم عن مالك، وروى عنه ابن عبد الحكم أنه على الاستحباب. قال الحافظ ابن حجر: وحكى النووي أنه يستحب إذا لم يكن عنده غيرها، وإلا فيجب. واللَّه أعلم

стр. 3118

(٣٩١) باب القسم بين الزوجات ٣٢٠٧ - عن أنس ﵁ قال: كان للنبي ﷺ تسع نسوة. فكان إذا قسم بينهن لا ينتهي إلى المرأة الأولى إلا في تسع. فكن يجتمعن كل ليلة في بيت التي يأتيها. فكان في بيت عائشة. فجاءت زينب. فمد يده إليها. فقالت: هذه زينب فكف النبي ﷺ يده. فتقاولتا حتى استخبتا. وأقيمت الصلاة. فمر أبو بكر على ذلك. فسمع أصواتهما. فقال: اخرج، يا رسول الله إلى الصلاة. واحث في أفواههن التراب. فخرج النبي ﷺ فقالت عائشة: الآن يقضي النبي ﷺ صلاته فيجيء أبو بكر فيفعل بي ويفعل. فلما قضى النبي ﷺ صلاته أتاها أبو بكر. فقال لها قولاً شديدًا. وقال: أتصنعين هذا؟ . -[المعنى العام]- خدم أنس ﵁ رسول الله ﷺ عشر سنين، إذ قدمته أمه وهو ابن عشر سنين إلى النبي ﷺ ليخدمه فور قدوم النبي ﷺ المدينة، فكان يطلع على بعض الأمور الخاصة التي تحدث في بيته ﷺ ، كهذه القصة، وإخباره ﵁ بها من قبيل التبليغ لأحكام الشريعة، وليس من قبيل التشهير أو كشف الأسرار. ورسول الله ﷺ تزوج بإحدى عشرة امرأة، مات في حياته ثنتان. خديجة وزينب بنت خزيمة ﵄، ومات ﷺ عن تسع، غير سريته مارية القبطية، وليس لها في الشريعة قسم. ومن كرم خلقه ﷺ أنه كان يدخل عليهن الأنس والسرور كل يوم، كان يستخدم أسلوبًا ثابتًا في أيام السلم والإقامة بالمدينة. كان يصلي العصر، فيدخل على كل واحدة منهن في بيتها، تقول عائشة ﵂: "كل يوم إلا ورسول الله ﷺ يطوف علينا جميعًا، فيقبل، ويلمس ما دون الوقاع، فإذا جاء إلى التي هي يومها بات عندها" ومعنى هذا أنه كان يؤخر صاحبة النوبة حتى يطوف على صاحباتها هذه لفتة عطف وحنان وأنس ورحمة وكرم، ليست واجبة عليه ﷺ ، ولا على أمته، ولكنه الخلق الكريم. لفتة أخرى يصورها حديثنا لا تقل عن اللفتة السابقة، لفتة ترفع الغل والحقد بين الضرائر، وتغرس التواد والتقارب بينهن، كن يجتمعن في كل ليلة في بيت التي يأتيها صاحبة الليلة، يتحدثن معه ﷺ ، ويتحدث معهن، ويأنس بهن جميعًا، ويأنسن به.

стр. 3119

نعم كانت هذه اللفتة محفوفة بالأخطار، فحركاته ﷺ وسكناته مع كل واحدة منهن محسوبة عليه من الأخريات، مداعباته، بل نظراته مراقبة منهن بدافع الغيرة وفرط الحرص. إنها لفتة محفوفة بالأخطار، فقد يفعل فعلاً، أو يتحرك حركة، أو يقول كلمة تحمل على غير وجهها، وتثير في إحداهن حساسية ما وانفعالاً، كما في هذه الحادثة. في ليلة عائشة، وفي بيتها اجتمع بعض زوجاته ﷺ ، ودخلت أم المؤمنين زينب بنت جحش، وهي التي كانت تسامي عائشة جمالاً واعتزازًا وشموخًا ودلالاً - فمد رسول الله ﷺ يده عليها، قد يكون ربت على كتفها، أو لمس وجهها، أو مسح على شعرها، زوجته، ومن حقه، وليس من حق صاحبة الليلة سوى المبيت، وليس ممنوعًا في القسم إلا وطء غير صاحبة الليلة، لكن غيرة عائشة جعلتها تلفت نظره ﷺ إلى رعاية مشاعرها، وبأدب جم، وابتسامة ناطقة، ودلال نادر تقول له: إنها - أي التي وضعت يدك عليها - زينب وليست عائشة، ويبتسم صاحب الخلق العظيم، ويهز رأسه موافقًا، ويرفع يده عن زينب، وتثور زينب، وتناوش عائشة، وتثور عائشة وتهاجم زينب، وترتفع أصواتهما، ويزداد صخبهما، وصاحب الخلق العظيم يبتسم ولا يتدخل، يقدر طبيعة المرأة في كل منهما، يقدر حب وحرص كل منهما، يقدر شخصية واعتزاز كل منهما، وأقيمت الصلاة، ومر أبو بكر على باب عائشة في طريقه إلى المسجد فسمع الصخب، وعرف فيه صوت ابنته، فاستأذن ودخل، فسكتتا، ورأى أبو بكر أن الوقت لا يسمح بمحاسبة ابنته فقد أقيمت الصلاة، فقال لرسول الله ﷺ : لم لا تكتم أنفاسهما؟ لم لا تملأ أفواههما بالتراب؟ هيا بنا إلى الصلاة. وأيقنت عائشة أن أباها سيعود بعد الصلاة لمعاقبتها، فقد عودها أن يؤدبها في بيت زوجها إن أساءت إلى مقامه ﷺ . أخذت تفكر وتفكر فيما سيكون من أبيها، حتى كان ما حسبته وقدرته. جاء ﵁ بعد الصلاة، فقال لها قولاً شديدًا، تهذيبًا وتأنيبًا، لم يسأل عن السبب فقد يكون خاصًا مستورًا، ولكنه اكتفى بتوجيه ابنته أن تحذر الصخب وارتفاع الصوت واللغط في حضرة رسول الله ﷺ . -[المباحث العربية]- (تسع نسوة) هذا ما كان عليه الأمر في أخريات حياته ﷺ ، وهن اللاتي توفي عنهن، وهن عائشة وسودة وحفصة وأم سلمة وزينب وأم حبيبة وميمونة وجويرية وصفية. ﵅، و"نسوة" بكسر النون وضمها، لغتان. الكسر أفصح وأشهر، وبه جاء القرآن. (لا ينتهي إلى المرأة الأولى) أي لا يصل، أي لا ينتهي منهن وينتقل إلى المرأة الأولى. (إلا في تسع) أي إلا في تاسع ليلة، إذ يمر على ثمان في ثمان، فقول النووي: لا ينتهي إلى الأولى إلا بعد انقضاء التسع معناه بما فيها ليلة الأولى.

стр. 3120

(في بيت التي يأتيها) أي يضاجعها، أي صاحبة الليلة. (فجاءت زينب) أي بنت جحش، بنت عمته أم المؤمنين ﵂، وكان النبي ﷺ قد تزوج امرأة أخرى اسمها زينب بنت خزيمة، لكنها ماتت بعد شهرين من زواجها منه ﷺ ، فليست المرادة هنا. (فقالت: هذه زينب) أي فقالت عائشة، كما هو معلوم من السياق، وإن كان فيه تشتيت للضمائر. وليس المقصود الإفادة بأنها زينب، بل المقصود لازم الفائدة، أي ليست عائشة صاحبة الليلة ومقدماتها. (فتقاولتا) أي افتعلت كل منهما القول وتكلفته ودفعته نحو الأخرى، تتنازعان أحقية هذه اللمسة. (حتى استخبتا) بالتاء المثناة المفتوحة ثم الخاء المفتوحة، ثم الباء المفتوحة، ثم تاء المؤنثة، يقال: استخب بالسين، من السخب، واصطخب من الصخب بمعنى، وهو اختلاط الأصوات وارتفاعها. هكذا هو في معظم الأصول، وهو رواية الجمهور، وفي بعض النسخ "استخبثتا" أي قالتا الكلام الرديء الخبيث، وفي بعضها "استحيتا" من الاستحياء، وفي بعضها "استحثتا" أي حثت كل واحدة في وجه الأخرى التراب، وهذا بعيد، ولعله تصحيف. (فيفعل بي ويفعل) حذف المفعول وتكرير الفعل للتهويل. (أتصنعين هذا) الاستفهام إنكاري توبيخي، بمعنى لا ينبغي، والمشار إليه الصخب فالمعنى: لا ينبغي ولا يليق أن تحدثي صخبا في حضرة رسول الله ﷺ . -[فقه الحديث]- القسم والعدل بين الزوجات واجب على المسلمين. وفي وجوبه على النبي ﷺ خلاف، لكنه ﷺ كان قائمًا به، بكل دقة. قال النووي: مذهبنا أنه لا يلزمه أن يقسم لنسائه، بل له اجتنابهن كلهن، لكن يكره تعطيلهن مخافة من الفتنة عليهن، والإضرار بهن، فإن أراد القسم لم يجز له أن يبتدئ بواحدة منهن إلا بقرعة، ويجوز أن يقسم ليلة ليلة، وليلتين ليلتين، وثلاثًا ثلاثًا، ولا يجوز أقل من ليلة، ولا يجوز الزيادة على الثلاث إلا برضاهن. هذا هو الصحيح في مذهبنا، وفيه أوجه ضعيفة في هذه المسائل غير ما ذكرته. واتفقوا على أنه يجوز أن يطوف عليهن كلهن، ويطأهن في الساعة الواحدة، برضاهن، ولا يجوز ذلك بغير رضاهن، وإذا قسم كان لها اليوم الذي بعد ليلتها، ويقسم للمريضة والحائض والنفساء لأنه يحصل لها الأنس به، ولأنه يستمتع بها بغير الوطء، من قبلة ونظر ولمس وغير ذلك.

стр. 3121

قال أصحابنا: وإذا قسم لا يلزمه الوطء، ولا التسوية فيه، بل له أن يبيت عندهن، ولا يطأ واحدة منهن، وله أن يطأ بعضهن في نوبتها دون بعض، لكن يستحب ألا يعطلهن، وأن يسوي بينهن في ذلك. اهـ. وسبب الخلاف في وجوب القسم على النبي ﷺ قوله تعالى: ﴿ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن﴾ [الأحزاب: ٥١]. -[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]- ١ - أنه لا يستحب أن يزيد المسلم في القسم على ليلة ليلة، والمراد اليوم مع الليلة، قال البدر العيني: ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لا يزاد في القسم على يوم وليلة، اقتداء بالنبي ﷺ ، وبه قال مالك وأبو ثور وأبو إسحاق المروزي من الشافعية، وحمل الشافعي ذلك على الأولوية، والاستحباب، ونص على جواز القسم ليلتين ليلتين، وثلاثًا ثلاثًا، وقال في المختصر: وأكره مجاوزة الثلاث، فحمله الأكثرون على المنع، ونقل عن نصه في الإملاء أنه كان يقسم مياومة - أي يومًا يومًا ومشاهرة - أي شهرًا شهرًا - ومسانهة - أي سنة سنة. قال الرافعي: فحملوه على ما إذا رضين، ولم يجعلوه قولا آخر، وحكي عن صاحب التقريب أنه يجوز أن يقسم سبعًا سبعًا، وعن الجويني وغيره أنه تجوز الزيادة ما لم تبلغ التربص بمدة الإيلاء، وقال إمام الحرمين: لا يجوز أن يبنى القسم على خمس سنين مثلاً، وحكى الغزالي في البسيط وجهًا: أنه لا تقدير بزمان، ولا توقيت أصلاً، فإنما التقدير إلى الزوج، وقال ابن المنذر: ولا أرى مجاوزة يوم، إذ لا حجة مع تخطي سنة رسول الله ﷺ إلى غيرها، ألا ترى قوله في الحديث "إن سودة وهبت يومها لعائشة"؟ ولم يحفظ عن رسول الله ﷺ في قسمته لأزواجه أكثر من يوم وليلة، ولو جاز ثلاثة لجاز خمسة وشهرًا، ثم يتخطى بالقول إلى ما لا نهاية له، فلا يجوز معارضته السنة. والذي تستريح إليه النفس أنه يستحب ألا يزيد في القسم عن يوم وليلة، لئلا يعرض الحقوق للضياع، فقد يحال بينه وبين الوفاء بالحقوق بسبب المرض أو السفر أو العجز أو الموت. ٢ - أنه يستحب للزوج أن يأتي كل امرأة في بيتها، ليقضي معها ليلتها، ولا يدعوها إلى بيته، لكن إن دعا كل واحدة في نوبتها إلى بيته كان له ذلك، وهو خلاف الأفضل، ولو دعاها إلى بيت ضرائرها لم تلزمها الإجابة، ولا تكون بالامتناع ناشزة، بخلاف ما إذا امتنعت من الإتيان إلى بيته، لأن عليها ضررًا في الإتيان إلى ضرتها. قاله النووي. ٣ - أخذ بعضهم أنه يستحب أن لا يمس امرأة في بيت الأخرى في ليلتها، وقد اعتذر بعض العلماء عن مد الرسول ﷺ يده إلى زينب بأنه لم يكن عمدًا، بل ظنها عائشة صاحبة النوبة، قال: لأنه كان في الليل، وليس في البيوت مصابيح. وهذا اعتذار بعيد، فإن عائشة كانت موجودة من مدة وزينب دخلت، ومن الصعب أن نتصور اختلاطهما، وقيل: كان ذلك برضاهن. وهو بعيد أيضًا، فكلام عائشة ظاهر في عدم رضاها. والذي تستريح إليه النفس أن مثل هذا مباح، وكف ﷺ يده استجابة لأحاسيس عائشة، وإرضاء لها.

стр. 3122

٤ - قد يحتج الحنفية به على أن اللمس لا ينقض الوضوء، قال النووي: ولا حجة فيه، فإنه لم يذكر أنه لمس بلا حائل، ولا أنه صلى ولم يتوضأ. ٥ - وفي الحديث ما كان عليه ﷺ من حسن الخلق، ولطف المعاملة. ٦ - وفيه فضيلة لأبي بكر ﵁، وشفقته ونظره في المصالح. ٧ - وفي قوله "اخرج إلى الصلاة، واحث في أفواههن التراب" إشارة المفضول على صاحبه الفاضل بما فيه مصلحته. ٨ - وفيه غيرة النساء، وطبيعة المرأة. واللَّه أعلم

стр. 3123

(٣٩٢) باب جواز هبة المرأة نوبتها لضرتها ٣٢٠٨ - عن عائشة ﵂ قالت: ما رأيت امرأة أحب إلي أن أكون في مسلاخها من سودة بنت زمعة. من امرأة فيها حدة. قالت: فلما كبرت جعلت يومها من رسول الله ﷺ لعائشة. قالت: يا رسول الله، قد جعلت يومي منك لعائشة. فكان رسول الله ﷺ يقسم لعائشة يومين: يومها، ويوم سودة. ٣٢٠٩ - وعن هشام بهذا الإسناد: أن سودة لما كبرت، بمعنى حديث جرير وزاد في حديث شريك "قالت: وكانت أول امرأة تزوجها بعدي". ٣٢١٠ - عن عائشة ﵂ قالت: كنت أغار على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله ﷺ وأقول: وتهب المرأة نفسها؟ فلما أنزل الله ﴿ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت﴾ قالت: قلت: والله ما أرى ربك إلا يسارع لك في هواك. ٣٢١١ - عن عائشة ﵂ أنها كانت تقول: أما تستحيي امرأة تهب نفسها لرجل؟ حتى أنزل الله : ﴿ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء﴾ فقلت: إن ربك ليسارع لك في هواك. ٣٢١٢ - عن عطاء قال: حضرنا، مع ابن عباس، جنازة ميمونة، زوج النبي ﷺ ، بسرف. فقال ابن عباس: هذه زوج النبي ﷺ . فإذا رفعتم نعشها فلا تزعزعوا. ولا تزلزلوا. وارفقوا. فإنه كان عند رسول الله ﷺ تسع. فكان يقسم لثمان ولا يقسم لواحدة قال عطاء التي لا يقسم لها صفية بنت حيي بن أخطب.

стр. 3124

٣٢١٣ - وزاد في رواية: قال عطاء: كانت آخرهن موتًا. ماتت بالمدينة. -[المعنى العام]- عاش ﷺ مع خديجة ﵂ نحو خمس وعشرين سنة، لم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت، فأحس بوحدة وأسى، حتى سمي عام وفاتها عام الحزن، وجاءته الخاطبة تنصحه بالزواج، وعرضت عليه بكرًا وثيبًا، أما البكر فعائشة وأما الثيب فسودة، فخطبهما ﷺ قبل الهجرة بنحو عامين، وعقد عليهما، عقد على عائشة، ثم عقد على سودة، عقد على عائشة حبًا في أبيها، فهي لم تتجاوز السادسة أو السابعة من عمرها، أما سودة فهي تناهز الخمسين من عمرها، دخل على سودة قبل الهجرة بسنتين، ودخل على عائشة بعد الهجرة بعام أو يزيد، ثم تزوج حفصة بنت عمر وزينب بنت خزيمة، فماتت عنده بعد شهرين، فتزوج أم سلمة، ثم جويرية بنت الحارث، ثم زينب بنت جحش، ثم أم حبيبة بنت أبي سفيان، ثم صفية بنت حيي، ثم ميمونة بنت الحارث، فاجتمع عنده تسع من النساء يقسم لكل واحدة منهن ليلة ويومًا، هذا قسمه ﷺ فيما يملك، وهو الإقامة والمبيت، لكن ما لا يملكه قلبه وحبه وميله، فقد كان حب عائشة بقدر لا يخفى على الزوجات، بل لا يخفى على الصحابة، حتى كانوا يتحرون بهداياهم له يوم عائشة، يوم سكنه وسروره وانبساطه، وكانت رغبته في سودة أقل الرغبات، فقد طعنت في الستين، وكانت ثبطة ضخمة الجسم، ثقيلة الوزن والحركة، ووهن عظمها، واشتعل بالشيب رأسها، بسيطة في تفكيرها، سهلة الانقياد لعائشة، مستسلمة لها، حتى كادت لا تعد من الزوجات، بل أشيع أن الرسول ﷺ طلقها، أو هو على وشك تطليقها، وعلمت بذلك، وخشيت إن هي انتظرته في ليلتها لتحدثه عما في نفسها أن يفوت الوقت، ويقع الطلاق، فمتى وأين تكلمه؟ إنها تجتمع مع صواحباتها في بيت إحداهن كل ليلة، لكنها لا تستطيع أن تفاتحه في أمر كهذا أمامهن، فانتظرته في طريقه من المسجد إلى بيت إحدى الزوجات صاحبة النوبة عصر يوم من الأيام، ثم استوقفته، فقالت: يا رسول الله، هل طلقتني أو ستطلقني لموجدة وجدتها علي؟ أي لعيب أو خطأ أستطيع إصلاحه؟ قال: لا. قالت: والذي بعثك بالحق. مالي في الرجال حاجة، ولكن أحب أن أبعث مع نسائك يوم القيامة. إن كنت طلقتني فراجعني، فإني قد جعلت يومي وليلتي منك لعائشة حبيبة رسول الله ﷺ تبتغي بذلك مرضاته ﷺ ، وقبل منها رسول الله ﷺ هذا العرض، الذي رفع عن كاهله ثقل القسم، فكان يقسم لعائشة يومها ويوم سودة. هذا عن تنازل سودة عن يومها لعائشة، أما عن الزوجات اللائي يرغبن في الزواج من رسول الله ﷺ تشرفًا ورغبة في القرب منه فقد كثر عرضهن، حتى عرضت إحدى أمهات المؤمنين أختها عليه، وحتى كثر الواهبات أنفسهن له ﷺ ، وحتى أنزل الله له حرية القبول والرفض،

стр. 3125

﴿ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء﴾ [الأحزاب: ٥١] لكنه ﷺ توقف عند التسع، ولم يزد ﷺ ، ورضي عن زوجاته أمهات المؤمنين. -[المباحث العربية]- (ما رأيت امرأة أحب إلي أن أكون في مسلاخها من سودة) المسلاخ بكسر الميم الجلد، أي أن أكون أنا هي. والمعنى ليس هناك امرأة أحب أن أعمل عملها أكثر من سودة. (من امرأة فيها حدة) الحدة بكسر الحاء وتشديد الدال الشدة وسرعة الغضب، وتطلق على حدة الذهن والذكاء وقوة القريحة، وضبط النفس، وهذا هو المراد هنا، إذ لم ترد عائشة أن تعيب سودة، ثم إن سودة معروفة في تاريخها بغير سرعة الغضب، ثم إن ما حدثت به عنها من تنازلها عن يومها لعائشة ذكاء وحسن تصرف، وبعد نظر، وغاية في التسامح والحكمة، فـ"من" في "من امرأة" بيانية، ويجوز حمل الحدة على المعنى الأول، فقد ذكر في الإصابة وصحح عن عائشة قولها: "إن بها إلا حدة فيها" أي ما كان فيها من عيب إلا حدة وسرعة غضب "كانت تسرع منها اللعنة". (فلما كبرت) الكبر والصغر أمر نسبي، فقد تزوجت رسول اللَّه ﷺ كبيرة، فالمراد زادت كبرًا. (جعلت يومها) أي نوبتها، وهي يوم وليلة من كل تسع ليال بأيامها. (وكانت أول امرأة تزوجها بعدي) قال النووي: كذا ذكره مسلم أنه ﷺ تزوج عائشة قبل سودة، وروي أنه تزوج سودة قبل عائشة. قال الحافظ ابن حجر: معناه عقد على سودة بعد أن عقد على عائشة، وأما دخوله على سودة فكان قبل دخوله على عائشة بالاتفاق. نبه على ذلك ابن الجوزي. (كنت أغار على اللائي وهبن أنفسهن لرسول اللَّه ﷺ كذا وقع هنا "أغار" بالغين، والمراد أنتقد وألوم وأعتب، يؤيد هذا المعنى رواية الإسماعيلي بلفظ "كانت تعير اللائي وهبن أنفسهن" بالعين. كما يؤيد هذا المراد قولها في روايتنا الرابعة "أما تستحيي امرأة تهب نفسها لرجل"؟ وليس في الحديث أن النبي ﷺ قبل هبة من وهبت نفسها له، لكن فيه أن الواهبة كانت أكثر من واحدة، قال الحافظ ابن حجر: في النكاح حديث سهل بن سعد أن امرأة قالت: يا رسول الله إني وهبت لك نفسي .. " وفيه قصة الرجل الذي طلبها، وقال له: "التمس ولو خاتمًا من حديد". ومن حديث أنس "أن امرأة أتت النبي ﷺ ، فقالت له: إن لي ابنة - وذكرت عن جمالها فآثرتك بها. فقال: قد قبلتها. فلم تزل تذكر، حتى قالت: لم تصدع قط. فقال: لا حاجة لي في ابنتك" وهذه امرأة أخرى بلا شك، وعن أبي حاتم من حديث عائشة "التي وهبت نفسها للنبي ﷺ هي خولة بنت حكيم" أشار إليه البخاري معلقًا. ومن طريق الشعبي قال: من الواهبات أم شريك، وأخرجه النسائي. وعند

стр. 3126

معمر بن المثنى أن من الواهبات فاطمة بنت شريح، وقيل: إن ليلى بنت الحكيم ممن وهبن أنفسهن، ومنهن زينب بنت خزيمة - جاء عن الشعبي وليس بثابت - وعن ابن عباس قال: التي وهبت نفسها ميمونة بنت الحارث. وهذا منقطع وإسناده ضعيف، ويعارضه حديث سماك عن عكرمة عن ابن عباس "لم يكن عند رسول الله ﷺ امرأة وهبت نفسها له" أخرجه الطبري، وإسناده حسن، والمراد أنه لم يدخل بواحدة ممن وهبت نفسها له - وإن كان مباحًا له، لأنه راجع إلى إرادته، لقوله تعالى: ﴿إن أراد النبي أن يستنكحها﴾ [الأحزاب: ٥٠]. (وأقول: وتهب المرأة نفسها؟ ) الكلام على الاستفهام الإنكاري التوبيخي والواو عاطفة على محذوف والتقدير أتخلع المرأة برقع الحياء؟ وتهب نفسها؟ لا ينبغي ولا يليق ذلك. ﴿ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن﴾ [الأحزاب: ٥١]. "ترجي" أي ترجئ وتؤخر "وترجئ" بالهمز قرئ به "من تشاء منهن" أي من نسائك أو من نساء الأمة، "وتؤوي إليك من تشاء" أي وتضم إليك من تشاء من نسائك، وتضاجعها، أو تطلق من تشاء منهن، وتمسك من تشاء، أو تقبل من تشاء من الواهبات، وترد من تشاء، واللفظ محتمل لكل الأقوال "ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك" أي ومن طلبتها ممن تجنبتها فلا إثم عليك "ذلك" أي تفويض الأمر إلى مشيئتك "أدنى" أي أقرب إلى ﴿أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضون بما آتيتهن كلهن﴾ أي أقرب إلى قرة عيونهن وسرورهن ورضاهن جميعًا، لأنه حكم، كلهن فيه سواء، إن سويت بينهن وجدن ذلك تفضلاً منك، وإن رجحت بعضهن علمن أنه بحكم الله تعالى، فتطمئن نفوسهن. (واللَّه ما أرى ربك إلا يسارع لك في هواك) في الرواية الرابعة "إن ربك ليسارع لك في هواك". و"أرى" بفتح الهمزة، معناه أعلم وأعتقد، أن ربك يخفف عنك، ويوسع عليك في الأمور، ولهذا خيرك، وفوض الأمر إلى مشيئتك. (حضرنا مع ابن عباس جنازة ميمونة، زوج النبي ﷺ بسرف) "ميمونة" بنت الحارث الهلالية أخت لبابة أم الفضل زوجة عمه العباس، تزوجها رسول الله ﷺ بمكة في عمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع من الهجرة، وكانت زوجة لأبي رهم، فتأيمت منه. وهي آخر من دخل بها من أزواجه ﷺ ، دخل بها في "سرف" بفتح السين، وكسر الراء بعدها فاء، وهو مكان يقرب من مكة، بينها وبينه ستة أميال، أي أكثر من عشرة كيلو مترات، أعدت لها قبة بسرف دخلت فيها، وكانت وفاتها سنة إحدى وستين - وكذا قال الواقدي، وكانت آخر زوجاته ﷺ موتًا، ماتت بمكة، ويقال: إنها دفنت في موضع قبتها التي تزوجت فيها بسرف، بناء على وصيتها لابن عباس، ابن أختها ﵃. وفي ملحق الرواية الخامسة "قال عطاء: كانت آخرهن موتًا. ماتت بالمدينة" قال

стр. 3127

القاضي عياض: قوله "بالمدينة" وهم، فقد ماتت بسرف، وهي قريبة من مكة، وقال النووي: يحتمل أن قوله "بالمدينة" عائد على صفية، ولفظه فيه صحيح يحتمله، أو ظاهر فيه. اهـ. إذ كان آخر الرواية الخامسة "قال عطاء: التي لا يقسم لها صفية بنت حيي بن أخطب" فيصح بعده "ماتت بالمدينة"، لكن يعكر على هذا الاحتمال قوله "وكانت آخرهن موتًا" وصفية ماتت سنة خمسين، وعائشة سنة سبع وخمسين، وميمونة سنة إحدى وستين. ففي كلام عطاء وهم، إما في "ماتت بالمدينة" وإما في "كانت آخرهن موتًا" قال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن المراد من المدينة البلد الكبير، ويقصد به مكة. وهناك وهم آخر وهو قوله "التي لا يقسم لها صفية بنت حيي بن أخطب" قال العلماء: هو وهم من ابن جريج الراوي عن عطاء، والصواب "سودة" كما سبق في الأحاديث. (فإذا رفعتم نعشها فلا تزعزعوا ولا تزلزلوا وارفقوا) النعش السرير الذي يوضع عليه الميت، والزعزعة تحريك الشيء الذي يرفع، والزلزلة الاضطراب، والمراد من الرفق السير الوسط المعتدل. -[فقه الحديث]- قال النووي: فيه جواز هبة المرأة نوبتها لضرتها، لأنه حقها، لكن يشترط رضا الزوج بذلك، لأن له حقًا في الواهبة، فلا يفوته إلا برضاه. ولا يجوز أن تأخذ على هذه الهبة عوضًا. ويجوز أن تهب للزوج نوبتها، فيجعل الزوج نوبتها لمن شاء، وقيل: يلزمه توزيعها على الباقيات، ويجعل الواهبة كالمعدومة، والأول أصح. وللواهبة الرجوع متى شاءت، فترجع في المستقبل، دون الماضي - أي لا تطالب بعوض عما فات من نوبات نتيجة لهبتها - لأن الهبات يرجع فيما لم يقبض منها، دون المقبوض، وهذا مذهب الثوري والشافعي وأحمد، وأخرجه البيهقي عن علي، وحكاه ابن المنذر عن جماعة، وقالوا: إن رجعت فعليه أن يقسم لها، وإن شاء فارقها وعن الحسن: ليس لها أن تنقض هبتها، وهو قياس قول مالك في العارية. قال: والأصح عند أصحابنا أنه لا يجوز الموالاة للموهوب لها إلا برضى الباقيات، فمعنى "كان يقسم لعائشة يومين. يومها ويوم سودة" أنه كان يكون عند عائشة في يومها، ويكون عندها أيضًا في يوم سودة، لا أنه يوالي لها اليومين، قال: وجوز الموالاة بغير رضاهن له بعض أصحابنا، وهو ضعيف. هذا ورواياتنا الثالثة والرابعة والخامسة ليست في هبة المرأة نوبتها لضرتها، وإن كانت في القسم بصفة عامة، ويمكن أن توضع تحت عنوان: هبة المرأة نفسها للنبي ﷺ ، وواضح أن هذا غير هبة المرأة نوبتها لضرتها.

стр. 3128

قال النووي: هبة المرأة نفسها من خصائص رسول الله ﷺ ، وهو زواج من وهبت نفسها له بلا مهر، قال تعالى: ﴿خالصة لك من دون المؤمنين﴾ [الأحزاب: ٥٠]. اهـ. وقال الحافظ ابن حجر: ذهب الجمهور إلى بطلان نكاح المؤمن بلفظ الهبة المجرد، من غير ذكر المهر، وأجازه الحنفية والأوزاعي، ولكن قالوا: يجب مهر المثل، وقال الأوزاعي: إن تزوج بلفظ الهبة، وشرط أن لا مهر، لم يصح النكاح، وحجة الجمهور قوله تعالى: ﴿خالصة لك من دون المؤمنين﴾ فعدوا ذلك من خصائصه، ﷺ ، وأنه يتزوج بلفظ الهبة، بغير مهر، في الحال ولا في المآل، وأجاب المجيزون عن ذلك بأن المراد أن الواهبة تختص به، لا مطلق الهبة. اهـ أي فليس معنى الآية أن الهبة خالصة لك من دون المؤمنين، ولكن معناها إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة له، مختصة به من دون المؤمنين، وهو تأويل فاسد، لأن كل نكاح تكون فيه الزوجة خالصة لزوجها. فلا معنى لذكر خالصة لك من دون المؤمنين. أما عقد النكاح بجميع أركانه لكن بلفظ الهبة. هل يكون من ألفاظ الكناية؟ ويصح النكاح به؟ ذهب الشافعية وطائفة إلى أن النكاح لا يصح إلا بلفظ النكاح أو التزويج، لأنهما الصريحان اللذان ورد بهما القرآن والحديث، وذهب الأكثرون إلى أنه يصح بالكنايات، واحتج الطحاوي لهم بالقياس على الطلاق، فإنه يجوز بصرائحه، وبكناياته مع القصد. والله أعلم. واستدل بعضهم بالرواية الثالثة والرابعة، وبقوله تعالى: ﴿ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء﴾ على أنه ﷺ لم يكن مطالبًا بالقسم بين زوجاته، وهذا الاستدلال غير مسلم، فقد ذكرنا أنه أحد التفسيرات للآية. واستدل بعضهم بقول عائشة "ما أرى ربك إلا يسارع في هواك" على أن الغيرة يغتفر لأجلها بعض التعبير غير السليم، فإن عائشة أضافت الهوى إلى رسول الله ﷺ ، وظاهر هذه الإضافة غير سليم، لأنه لا ينطق عن الهوى، ولا يفعل بالهوى، ولو قالت "إلى مرضاتك" لكان أليق. والله أعلم. أما الرواية الخامسة فعلاقتها بالباب قوله "كان عند رسول الله ﷺ تسع، فكان يقسم لثمان ولا يقسم لواحدة" وفيها من الوهم ما ذكرنا. والله أعلم. ويؤخذ من قوله فيها "فلا تزعزعوها إلخ" أن حرمة المؤمن بعد موته باقية، كما كانت في حياته، قال الحافظ ابن حجر: وفيه حديث "كسر عظم المؤمن ميتًا ككسره حيًا" أخرجه أبو داود وابن ماجه وصححه ابن حبان. واللَّه أعلم

стр. 3129

(٣٩٣) استحباب نكاح ذات الدين ونكاح البكر ٣٢١٤ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها. فاظفر بذات الدين تربت يداك". ٣٢١٥ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: تزوجت امرأة في عهد رسول الله ﷺ . فلقيت النبي ﷺ فقال "يا جابر تزوجت؟ " قلت: نعم. قال "بكر أم ثيب؟ " قلت: ثيب قال "فهلا بكرًا تلاعبها؟ " قلت: يا رسول الله، إن لي أخوات. فخشيت أن تدخل بيني وبينهن. قال "فذاك إذن. إن المرأة تنكح على دينها، ومالها، وجمالها، فعليك بذات الدين تربت يداك". ٣٢١٦ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: تزوجت امرأة. فقال لي رسول الله ﷺ "هل تزوجت؟ " قلت: نعم. قال "أبكرًا أم ثيبًا؟ " قلت: ثيبًا. قال "فأين أنت من العذارى ولعابها؟ ". قال شعبة: فذكرته لعمرو بن دينار. فقال: قد سمعته من جابر. وإنما قال "فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك؟ ". ٣٢١٧ - عن جابر بن عبد الله ﵄: أن عبد الله هلك وترك تسع بنات (أو قال: سبع) فتزوجت امرأة ثيبًا. فقال لي رسول الله ﷺ "يا جابر تزوجت؟ " قال: قلت: نعم. قال "فبكر أم ثيب؟ " قال: قلت: بل ثيب يا رسول الله. قال "فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك" (أو قال: تضاحكها وتضاحكك) قال. قلت له: إن عبد الله هلك وترك تسع بنات (أو سبع) وإني كرهت أن آتيهن أو أجيئهن بمثلهن. فأحببت أن أجيء بامرأة تقوم عليهن وتصلحهن. قال "فبارك الله لك" أو قال لي خيرًا. وفي رواية أبي الربيع: "تلاعبها وتلاعبك وتضاحكها وتضاحكك".

стр. 3130

٣٢١٨ - - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ "هل نكحت يا جابر؟ " وساق الحديث. إلى قوله: امرأة تقوم عليهن وتمشطهن. قال "أصبت" ولم يذكر ما بعده. ٣٢١٩ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزاة فلما أقبلنا تعجلت على بعير لي قطوف. فلحقني راكب خلفي. فنخس بعيري بعنزة كانت معه. فانطلق بعيري كأجود ما أنت راء من الإبل. فالتفت فإذا أنا برسول الله ﷺ فقال "ما يعجلك يا جابر؟ " قلت: يا رسول الله، إني حديث عهد بعرس. فقال "أبكرًا تزوجتها أم ثيبًا؟ " قال: قلت: بل ثيبًا. قال "هلا جارية تلاعبها وتلاعبك؟ " قال: فلما قدمنا المدينة ذهبنا لندخل، فقال "امهلوا حتى ندخل ليلاً (أي عشاء) كي تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة". قال: وقال "إذا قدمت فالكيس الكيس". ٣٢٢٠ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: خرجت مع رسول الله ﷺ في غزاة. فأبطأ بي جملي. فأتى علي رسول الله ﷺ فقال لي "يا جابر" قلت: نعم. قال "ما شأنك؟ " قلت: أبطأ بي جملي وأعيا فتخلفت. فنزل فحجنه بمحجنه. ثم قال "اركب" فركبت. فلقد رأيتني أكفه عن رسول الله ﷺ فقال "أتزوجت؟ " فقلت: نعم فقال "أبكرًا أم ثيبًا؟ " فقلت: بل ثيب. قال "فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك؟ " قلت: إن لي أخوات. فأحببت أن أتزوج امرأة تجمعهن وتمشطهن وتقوم عليهن. قال "أما إنك قادم. فإذا قدمت فالكيس الكيس" ثم قال "أتبيع جملك؟ " قلت: نعم. فاشتراه مني بأوقية. ثم قدم رسول الله ﷺ وقدمت بالغداة. فجئت المسجد فوجدته على باب المسجد. فقال "الآن حين قدمت؟ " قلت: نعم. قال "فدع جملك وادخل فصل ركعتين" قال: فدخلت فصليت. ثم رجعت. فأمر بلالاً أن يزن لي أوقية. فوزن لي بلال فأرجح في الميزان. قال: فانطلقت. فلما وليت قال "ادع لي جابرًا" فدعيت. فقلت: الآن يرد علي الجمل. ولم يكن شيء أبغض إلي منه. فقال "خذ جملك ولك ثمنه".

стр. 3131

٣٢٢١ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كنا في مسير مع رسول الله ﷺ وأنا على ناضح. إنما هو في أخريات الناس. قال فضربه رسول الله ﷺ أو قال نخسه. (أراه قال) بشيء كان معه. قال: فجعل بعد ذلك يتقدم الناس. ينازعني حتى إني لأكفه. قال: فقال رسول الله ﷺ "أتبيعنيه بكذا وكذا؟ والله يغفر لك" قال: قلت: هو لك. يا نبي الله. قال "أتبيعنيه بكذا وكذا؟ والله يغفر لك" قال: قلت: هو لك يا نبي الله. قال: وقال لي "أتزوجت بعد أبيك؟ " قلت: نعم. قال "ثيبًا أم بكرًا؟ " قال: قلت: ثيبًا. قال "فهلا تزوجت بكرًا تضاحكك وتضاحكها وتلاعبك وتلاعبها؟ ". قال أبو نضرة: فكانت كلمة يقولها المسلمون. افعل كذا وكذا. والله يغفر لك. -[المعنى العام]- النكاح عماد الحياة، وأساس عمارة الأرض، واستمرار الإنسان على ظهر الأرض، به العفة والمودة والسكن، والاستقرار والمساعدة على مشاق الحياة ومشاكلها، ومنه يخلق لنا جل شأنه بنين وحفدة. والمرأة الحسنة متاع الرجل، بل خير متاع للرجل في الدنيا، والمرأة السوء أساس شقاء الرجل وتعاسته فيها. من هنا كان لا بد أن يتخير الرجل شريكته، وأن يبذل جهده في التحري والانتقاء، وأن يهتم أولاً بالدين فكل فضائل المرأة ومحاسنها تصبح شرًا، أو مصدر شر إذا لم تتحصن بالدين. نعم قد يكون من المرغبات في الزوجة مالها، وحسبها، وجمالها، وثقافتها، ورجاحة عقلها، ورقة معاملاتها ورهافة أحاسيسها، وكل ذلك مقاصد مشروعة، لكن لا بد أن تحاط بالأخلاق والدين. وزواج البكر مقصد مشروع مستحب، دعا إليه رسول الله ﷺ ، فإنها تشارك الزوج الشاب تمتعه ولعبه ومضاحكته ومداعباته وفكاهاته وغير ذلك مما يثير الغريزة الجنسية، ويزيد الترابط والتواد بين الزوجين، نعم قد يضطر الشاب إلى زواج غير البكر لمصلحة، فرسول الله ﷺ تزوج إحدى عشرة امرأة، لم يتزوج بكرًا منهن إلا واحدة، وهذا جابر بن عبد الله الشاب الفتي، يتزوج ثيبًا، لأن أباه مات وترك تسع بنات، لو جاءهن ببنت مثلهن ما استقامت حياته ولا حياتهن، وأقره النبي ﷺ ، واستحسن عمله، ودعا له ولزوجه، وأعانه وأكرمه. لقد استشهد أبوه في غزوة أحد، والنبي ﷺ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، لقد بشر جابرًا بحسن خاتمة أبيه، وبأنه رآه بعد موته في المنام، يقول له ربه: تمن علي، فقال: أتمنى أن أحيا فأقتل في

стр. 3132

سبيل الله، ثم أحيا ثم أقتل. لما رأى من نعيم الله وفضيلة ما حصل عليه من الشهادة في سبيل الله. وتكميلاً للبشرى، ورعاية لجابر ابن الشهيد، رآه يسير بجمل ضعيف في آخر القوم في عودتهم من إحدى الغزوات، ورسول الله ﷺ خير من يرعى الرعية، ويحرص عليها، ويحوطها بالعناية، فتأخر ﷺ حتى جاء من خلف جابر. فقال له: ما شأنك يا جابر؟ فشكا له جمله، فنخسه رسول الله ﷺ ودعا له بالبركة، فقام الجمل وأسرع كأحسن جمل في الركب، واشتراه منه ﷺ ، ثم رد عليه الجمل وأبقى له الثمن، هبة وعونًا وكرمًا وتكرمًا ﷺ ، ورضي عن الصحابة أجمعين. -[المباحث العربية]- (تنكح المرأة) ببناء الفعل للمجهول، و"المرأة" نائب فاعل، والأصل: ينكح الناكح المرأة. (لأربع) إذا حذف تمييز العدد كما هنا جاز في العدد التذكير والتأنيث، التذكير إذا قدر المعدود مؤنثًا، والتأنيث إذا قدر مذكرًا، والتقدير هنا لأربع خصال. (لمالها) بدل من السابق بإعادة حرف الجر، وإعادة حرف الجر يشير إلى استقلال كل في المقصد. (ولحسبها) الحسب في الأصل الشرف بالآباء والأقارب، مأخوذ من الحساب، لأنهم كانوا إذا تفاخروا عدوا مناقبهم، ومآثر آبائهم وأجدادهم، وحسبوها، فيحكم لمن زاد عدده على غيره بالشرف، وقيل: الحسب المال، وهو مردود، لذكر المال قبله، وذكره معطوفًا عليه، وأما ما أخرجه أحمد والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم من حديث بريدة، رفعه "إن أحساب أهل الدنيا الذي يذهبون إليه المال" فيحتمل أن يكون المراد أنه حسب من لا حسب له، فيقوم المال لصاحبه مقام الحسب لمن لا نسب له، ومنه حديث سمرة رفعه "الحسب المال، والكرم التقوى" أخرجه أحمد والترمذي وصححه هو والحاكم، ويحتمل أن هذين الحديثين يشيران إلى خطأ أهل الدنيا في اعتبارهم المال واعتدادهم به كالحسب وزيادة، وكأنه يقول: إن شأن أهل الدنيا في بعض المجتمعات وفي بعض الأزمنة يرفعون كثير المال وإن كان وضيعًا، ويضعون من كان مقلاً ولو كان رفيع النسب. وهو موجود مشاهد، لكن لا يقره شرع ولا عقل سليم. (ولجمالها) في رواية للبخاري "وجمالها" بدون اللام، وعليها حذف اللام الجارة قد يكون للإشارة إلى أن صفة الجمال قد لا تقصد لذاتها، بل تقصد تابعة لغيرها. (فاظفر بذات الدين) الفاء في جواب شرط مقدر، أي إذا تحققت ما فصلت لك فاظفر بذات الدين، أي صاحبة الدين، وفي الرواية الثانية "فعليك بذات الدين" والظفر هو

стр. 3133

تحصيل البغية، والمعنى أن اللائق بذي الدين والمروءة أن يكون الدين مطمح نظره في كل شيء، لا سيما فيما تطول صحبته. (تربت يداك) الجملة جواب شرط مقدر، أي إن خالفت ما أمرتك به افتقرت، يقال: ترب الرجل إذا افتقر، وأصله: التصقت يداه بالتراب، ويلزمه الفقر، فالجملة خبرية لفظًا ومعنى، وقيل: هي خبرية لفظًا طلبية دعائية معنى، لكنها لا يراد بها حقيقة الدعاء، بل القصد منها الحث على امتثال الأمر الذي قبلها، وللعرب كلمات توسعوا فيها، حتى أخرجوها عن حقيقتها، لإرادة الإنكار، أو التعجب، أو التعظيم أو الحث على الشيء كما هنا. ومن هذه الكلمات فلان لا أب له. ثكلته أمه. لا أم له. (تزوجت امرأة) ذكر ابن سعد أن اسمها كان سهلة بنت مسعود بن أوس بن مالك الأنصارية الأوسية. (فلقيت النبي ﷺ الرواية الخامسة والسادسة وضحتا أن هذا اللقاء كان في العودة من غزوة، قيل: هي غزوة ذات الرقاع، في السنة الخامسة. (يا جابر. تزوجت؟ ) الكلام على حذف حرف الاستفهام، ففي الرواية الثالثة "هل تزوجت"؟ وفي الرواية الخامسة أن جابرًا ﵁ هو الذي أخبر أنه تزوج، إذ فيها "ما يعجلك يا جابر" أي ما الذي يدفعك إلى العجلة؟ ومحاولة الإسراع؟ "قال: قلت: يا رسول الله، إني حديث عهد بعرس" فالاستفهام "أتزوجت"؟ على هذا للتعجب والاستحسان، وكذا في قوله في الرواية السابقة "أتزوجت بعد أبيك"؟ وظاهره أن السؤال وقع عقب تزوجه، وليس كذلك، بل الحقيقة أن بين تزوجه والسؤال مدة طويلة. قاله الحافظ ابن حجر، ربما لعدم اللقاء، وربما لعدم ظهور الدافع إلى السؤال، وهو الظاهر. (قال: بكر؟ أم ثيب؟ ) "بكر" خبر مبتدأ محذوف، تقديره: التي تزوجتها بكر؟ وفي الرواية الثالثة والسادسة والسابعة "أبكرًا" بالنصب، مفعول به لفعل محذوف، وفي الرواية الخامسة "أبكرًا تزوجتها أم ثيبًا" فبكرًا منصوب على الاشتغال. (قلت: ثيب) "ثيب" خبر مبتدأ محذوف، أي التي تزوجتها ثيب، وفي الرواية الثالثة. والسابعة "قلت: ثيبًا" مفعول به لفعل محذوف، أي تزوجت ثيبًا، وفي الرواية الرابعة والسادسة "بل ثيب" وفي الرواية الخامسة "بل ثيبًا" ببل التي للإضراب الإبطالي للشق الآخر، أي لم أتزوج بكرًا بل هي ثيب، أو بل تزوجت ثيبًا. (فهلا بكرًا تلاعبها؟ ) وفي ملحق الرواية الثالثة وفي الرواية الخامسة "فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك" زاد في ملحق الرواية الرابعة وفي الرواية السابعة "وتضاحكها وتضاحكك" وفي رواية "أفلا جارية" والجارية البنت الصغيرة البكر، حرة كانت أو أمة، والمراد هنا الحرة. و"بكرًا" و"جارية"

стр. 3134

بالنصب، مفعول به لفعل محذوف، تقديره فهلا تزوجت بكرًا؟ وهلا تزوجت جارية؟ أي بكرًا صغيرة؟ والملاعبة مفاعلة من الجانبين، من اللعب، والمقصود اللعب المباح، وما يقع بين الزوجين من المداعبة، يؤيد هذا المعنى رواية "وتضاحكها وتضاحكك" وعند الطبراني" وتعضها وتعضك" وليس شرطًا أن يكون الزوج البادئ بالملاعبة والمضاحكة، وإن كان هذا هو الغالب والشأن، لما جبلت عليه الفتاة من الحياء والخجل، ولذا جاء في الرواية السابعة بلفظ "وتضاحكك وتضاحكها وتلاعبك وتلاعبها" على غير الغالب. وفي الرواية الثالثة "فأين أنت من العذارى ولعابها"؟ والعذارى بفتح الراء الأبكار جمع عذراء، وهي التي لم تفض بكارتها. و"لعابها" هكذا ضبطه الأكثرون بكسر اللام، أي وملاعبتها، يقال: لاعب لعابًا وملاعبة، مثل قاتل قتالاً ومقاتلة، ووقع في رواية بضم اللام، والمراد به الريق، وفيه إشارة إلى مص لسانها، ورشف شفتيها، وذلك يقع عند الملاعبة والتقبيل. قال القرطبي: وهو ليس ببعيد. (عن جابر بن عبد اللَّه أن عبد اللَّه هلك) يريد أباه، ومعنى "هلك" مات، كقوله تعالى ﴿إن امرؤ هلك ليس له ولد﴾ [النساء: ١٧٦] فلا يقصد منه الذم، فقد مات أبوه شهيدًا في أحد. (وترك تسع بنات - أو قال: سبع) "سبع" بدون تنوين لملاحظة الإضافة، والأصل أو قال: سبع بنات، والشك من الراوي، وفي رواية الشعبي "ست بنات" قال الحافظ ابن حجر: فكأن ثلاثًا منهن كن متزوجات. اهـ فهن تسع، والسبع أو الست مقصود بهن غير المتزوجات اللائي يحمل مسئوليتهن. (وإني كرهت أن آتيهن أو أجيئهن بمثلهن) أي ببكر وهذا دليل على أنه أراد من أخواته غير المتزوجات. (فأحببت أن أجيء بامرأة تقوم عليهن وتصلحهن) في ملحق الرواية الرابعة "تقوم عليهن وتمشطهن" بفتح التاء وضم الشين، وفي الرواية السادسة "أن أتزوج امرأة تجمعهن" أي تضمهن، كأم لهن، لا تفرقهن، ولا توقع بينهن، ولا توغر صدري عليهن، أي تجمعهن علي، وتجمعهن مع بعضهن - وتمشطهن وتقوم عليهن" أي في غير ذلك من مصالحهن، وهو من ذكر العام بعد الخاص. وفي رواية "فكرهت أن أجمع إليهن جارية خرقاء مثلهن، ولكن امرأة تقوم عليهن وتمشطهن" والخرقاء بفتح الخاء وسكون الراء بعدها قاف هي التي لا تعمل بيدها شيئًا، وهي تأنيث الأخرق، وهو الجاهل بمصلحة نفسه وغيره. (قال: فبارك الله لك. أو قال لي خيرًا) في ملحق الرواية "قال: أصبت". (فلما أقبلنا تعجلت على بعير لي قطوف) قال النووي: هكذا هو في نسخ بلادنا "أقبلنا" أي رجعنا من الغزوة، وفي رواية "أقفلنا" بالفاء، ووجهه "قفلنا" أي رجعنا. اهـ ومعنى تعجله ظهوره بمظهر العجل في محاولة الإسراع بالبعير الضعيف، فالقطوف بفتح القاف بطيء المشي.

стр. 3135

(فنخس بعيري بعنزة كانت معه) العنزة بفتح النون عصا في نحو نصف الرمح، في أسفلها "زج" بضم الزاي، أي حديدة، وفي الرواية السابعة "نخسه بشيء كان معه" وفي الرواية السادسة "فنزل فحجنه بمحجنة" والمحجن بكسر الميم عصا فيها تعقف، في رأسها اعوجاج. وفي الرواية الخامسة "تعجلت على بعير لي قطوف، فلحقني راكب خلفي، فنخس بعيري بعنزة كانت معه، فانطلق بعيري كأجود ما أنت راء من الإبل، فالتفت، فإذا أنا برسول الله ﷺ .. إلخ". وظاهرها أنه لم يعلم برسول الله ﷺ إلا بعد النخس، وأن النخس كان بعنزة، وأن الناخس كان راكبًا، وأن جابرًا كان راكبًا. أما الرواية السادسة، وفيها "فأبطأ بي جملي فأتى علي رسول الله ﷺ ، فقال لي: يا جابر، قلت: نعم، قال: ما شأنك؟ قلت: أبطأ بي جملي وأعيا" أي تعب - "فتخلفت، فنزل"، [أي ونزلت، "فحجنه بمحجنه، ثم قال: اركب ... " وظاهرها أن الرسول ﷺ كلمه قبل النخس، وأن النخس كان بمحجن، لا بعنزة، وهما مختلفان، وأن الناخس حين النخس لم يكن راكبًا، وأن جابرا لم يكن راكبًا. وللتوفيق بينهما يحتمل أن النبي ﷺ لحق جابرًا من خلفه فنخس جمله بعنزة وهما راكبان، فالتفت جابر، فرأى رسول الله ﷺ ، فسأله عن سبب تأخره، فشكا له جمله، فنزل رسول الله ﷺ ، ونزل جابر، فنخس الجمل بالمحجن، ثم قال لجابر: اركب، فركب، فكأن الجمل قد تغير حاله، ويحتمل أنه أطلق على المحجن عنزة تساهلاً، ويحتمل أن العصا كانت معوجة من طرف، وفي طرفها الآخر حديدة، فهي محجن وعنزة. (فلما قدمنا المدينة) فيه مجاز المشارفة، أي فلما قاربنا دخولها. (كي تمتشط الشعثة) بفتح الشين وكسر العين بعدها ثاء، والشعث إهمال الشعر، وعدم نظافته، وعدم الامتشاط، وأطلق عليها ذلك لأن التي يغيب زوجها في مظنة عدم التزين. (وتستحد المغيبة) "تستحد" بالحاء، أي تستعمل الحديدة في إزالة شعر سوءتها، والمراد من الحديدة الموسى، وكانت وسيلتهن لإزالة ذلك الشعر غالبًا، وليس في ذلك منع إزالته بغير الموسى. و"المغيبة" بضم الميم وكسر الغين بعدها ياء ساكنة ثم باء، التي غاب عنها زوجها. (إذا قدمت فالكيس الكيس) بفتح الكاف وسكون الياء بعدها سين، يقال: كاس يكيس كيسًا وكياسة، عقل، وظرف، وفطن، و"الكيس" منصوب على الإغراء، أي الزم الكيس، وهل الثانية توكيد للأولى، وهما بمعنى واحد، أو كل منهما لمعنى، أي الزم العقل والظرف، أو الزم الذكاء والظرف في معالجة أمور زوجك وأخواتك. قال النووي: قال ابن الأعرابي: الكيس الجماع، والكيس العقل، والمراد حثه على ابتغاء الولد. اهـ وفيه بعد. (فاشتراه مني بأوقية) أي بوزن أوقية من ذهب، ولم تكن هناك مساومة، بل قال صلى الله عليه وسلم

стр. 3136

"بأوقية"؟ فقال جابر: هو لك: يا رسول الله. وفي الرواية السابعة "قال: أتبيعه بكذا وكذا؟ والله يغفر لك. قال: قلت: هو لك يا نبي الله" فقوله "والله يغفر لك" ليس من العوض والمقابل، وإنما هي كلمة تجري على ألسنتهم للدعاء للمخاطب عقب الطلب منه، وتكليفه بأي شيء. (ثم قدم ﷺ وقدمت بالغداة) "الغداة" في كتب اللغة ما بين الفجر وطلوع الشمس، وقيل: الضحوة، والظاهر أن النبي ﷺ قدم مسجد المدينة بالغداة أيضًا، لكنه سبق جابرًا، ولا يتنافى هذا مع الأمر بالتمهل خارج المدينة ليدخلوا عشاء، فإنه لم يكن المقصود أن يدخلوا ليلاً، بل كان المقصود أن يتركوا فرصة للنساء لتتهيأ لاستقبال أزواجهن بعد علمهن بوصولهم، فإذا طالت الفرصة، وكان الدخول نهارًا جمع بين هذا الأمر وبين النهي عن طروق النساء ليلاً. (فوزن لي بلال فأرجح في الميزان) أي زاد في وزن الذهب بعلم رسول الله ﷺ وإشارته. (فقلت: الآن يرد عليَّ الجمل) أي قلت ذلك في نفسي، أي يرد الجمل ويسترد الثمن. (وأنا على ناضح) الناضح الجمل الذي يستقى عليه. (إنما هو في أخريات الناس) "أخريات" بضم الهمزة وسكون الخاء وفتح الراء، أي في مؤخرتهم. -[فقه الحديث]- تتعلق هذه الروايات بنقطتين أساسيتين. الأولى الحث على نكاح ذات الدين، الثانية الحث على نكاح البكر. فالحديث الأول والثاني يحثان على نكاح ذات الدين، ويتحدثان عن مقاصد الرجال في اختيار الزوجات. يقول القرطبي في شرح الحديث الأول: معنى الحديث أن هذه الخصال الأربع هي التي يرغب في نكاح المرأة لأجلها، فهو إخبار عما في الوجود، لا أنه وقع الأمر بذلك، بل ظاهره إباحة النكاح لقصد كل من ذلك، لكن قصد الدين أولى، فهو يبين العادة الجارية بين الناس، ويوافق عليها، ويقدم بعضها على بعض، فالمال يعين الزوج عند الشدة، وتستغني به المرأة عن مطالبة الزوج بما تحتاج إليه، أو بما لا طاقة له بتحمله، وقد يحصل له منها ولد، فيعود إليه مالها. والحسب يحفظ للرجل منزلة أدبية بين المجتمع الذي يعيش فيه، وقد حمل عليه بعضهم قوله ﷺ "تخيروا لنطفكم" فكرهوا نكاح بنت الزنا وبنت الفاسق واللقيطة ومن لا يعرف أبوها. والجمال يعف الزوج عن النظر إلى الغير، ويشرح الصدر، روى الحاكم "خير النساء من

стр. 3137

تسر إذا نظرت، وتطيع إذا أمرت" والجمال مطلوب في كل شيء، لا سيما في المرأة التي تكون قرينة وضجيعة. هذا إذا لم يؤد الجمال إلى زهوها ودلالها وفساد أخلاقها. أما الدين فهو سنام الصفات المبتغاة، وهو اللائق طلبه من ذوي المروءات وأرباب الديانات، لأن أثره عظيم، وخطر فقده جسيم، ولذا أرشد إليه ﷺ بآكد وجه وأبلغه، فعبر بالظفر الذي هو غاية البغية ومنتهى الاختيار، وبصيغة الطلب الدالة على الاهتمام بالمطلوب. اهـ. وهناك مقاصد أخرى غير هذه الأربعة المذكورة في الحديث، منها البكر الواردة في الحديث الثاني وما بعده، ومنها أن تكون عاقلة، حكيمة في تصرفاتها، وأن تكون على درجة من إحسان تدبير المنزل، وأن تكون متعلمة، وأن تكون ودودًا، وأن تكون ولودًا، وأن لا تكون قريبة قرابة تضعف الشهوة، وأن لا تكون ذات ولد من غيره، إلا لمصلحة، كما تزوج النبي ﷺ أم سلمة ومعها أولاد أبي سلمة. وإنما اقتصر الحديث على هذه الأربعة لأنها أهم ما ألف اعتباره عند جمهرة الناس، على أن الكثير من غيرها يمكن رده إليها. ولا يتعارض هذا الحديث مع ما رواه ابن ماجه عن ابن عمر، مرفوعًا "لا تتزوجوا النساء لحسنهن، فعسى حسنهن أن يرديهن" - أي يهلكهن ويوقعهن في الفساد والرذيلة - "ولا تتزوجوهن لأموالهن، فعسى أموالهن أن تطغيهن، ولكن تزوجوهن على الدين، ولأمة سوداء ذات دين أفضل" لأن المراد به النهي عن مراعاة الجمال أو المال مجردًا عن الدين، فلا يتنافى استحباب ذلك في المرأة إذا روعي الدين، بدليل أمره ﷺ من يريد التزوج أن ينظر إلى المخطوبة، وهو لا يفيد معرفة الدين، وإنما يعرف به الجمال أو القبح. فإذا اختصت كل واحدة بخصلة أو أكثر من هذه الخصال قدم أكثرهن تقوى، وأما التفاضل بين المسلمة والكتابية فإن كانتا متساويتين في بعض الصفات دون بعض قدمت المسلمة قطعًا، وإذا اجتمعت جميع خصال الكمال في الكتابية، وكانت المسلمة على النقيض منها كان للنظر في الترجيح مجال. وقد اختلف العلماء في كفاءة النكاح، فقيل: هي في الدين، وقيل: هي في النسب والحسب، وقيل: هي في المال، والأولى تحكيم العرف. أما النقطة الثانية وهي الحث على نكاح البكر فهي واضحة وصريحة في الرواية الثانية وما بعدها، وأصرح من ذلك ما أخرجه ابن ماجه، بلفظ "عليكم بالأبكار، فإنهن أعذب أفواهًا، وأنتق أرحامًا" أي أكثر حركة في أرحامهن، والنتق بنون وتاء وقاف الحركة، قال الحافظ، لعله يريد أنها كثيرة الأولاد، وأخرج الطبراني نحوه، وزاد "وأرضى باليسير" ولا يعارضه حديث "عليكم بالولود" من حيث إن البكر لا يعرف كونها ولودًا، لأن المقصود أن في البكر مظنة الولود، فيكون المراد بالولود من هي كثيرة الولادة بالتجربة أو بالمظنة. وأما من جربت فظهرت عقيمًا، وكذلك الآيسة فالخبران متفقان على مرجوحيتهما.

стр. 3138

-[ويؤخذ من هذه الأحاديث فوق ما تقدم]- ١ - من الحديث الأول الحث على تنشئة البنات على الدين والفضيلة. ٢ - الحث على حسن اختيار الزوجة، وأن يهتم بالصلاح أولا وبالذات. ٣ - استدل به بعضهم على أن للزوج الاستمتاع بمال الزوجة، فإنه يقصد نكاحها لذلك، فإن طابت به نفسها فهو له حلال، وإن منعته فإنما له من ذلك بقدر ما بذل من الصداق قال المهلب، وهذا مردود، فإن هذا التفصيل ليس في الحديث، ولا ينحصر قصد نكاح المرأة لأجل مالها في استمتاع الزوج به، بل قد يقصد تزويج ذات الغنى لما عساه يحصل له منها ولد، فيعود إليه ذلك المال. بطريق الإرث إن وقع، أو لكونها تستغني بمالها عن كثرة مطالبته بما يحتاج إليه النساء أو نحو ذلك، قال الحافظ ابن حجر: فهذا الاستدلال عجيب. ٤ - قال الحافظ ابن حجر: وأعجب منه استدلال بعض المالكية به على أن للرجل أن يحجر على امرأته في مالها. قال: لأنه تزوج لأجل المال، فليس لها تفويته عليه، ولا يخفى وجه الرد عليه. اهـ فالرد عليه هو الرد على سابقه. ٥ - استدل بالحديث على استحباب تزوج الجميلة، إلا إن تعارض بغير التدين، ويلتحق بجمال الخلقة جمال الخلق والصفات. ٦ - ويؤخذ من قوله "تربت يداك" جواز استعمال الكلمات التي استعملها العرب دون قصد معناها. وهذا على أنها دعاء، ولم يقصد الدعاء على مسلم. ٧ - قال النووي: وفي هذا الحديث الحث على مصاحبة أهل الدين في كل شيء، لأن صاحبهم يستفيد من أخلاقهم وبركتهم وحسن طرائقهم، ويأمن المفسدة من جهتهم. ٨ - وفي أحاديث جابر ﵁ فضيلة تزوج الأبكار. ٩ - وملاعبة الرجل امرأته، وملاطفته لها، ومضاحكتها، وحسن العشرة. ١٠ - وسؤال الإمام الكبير أصحابه عن أمورهم الخاصة، وتفقد أحوالهم، وإرشادهم إلى مصالحهم، وتنبيههم على وجه المصلحة فيها. ١١ - وفي انطلاق بعير جابر بعد النخس معجزة ظاهرة لرسول الله ﷺ ، وأثر بركته. ١٢ - وفيه فضيلة لجابر ﵁، لإيثاره مصلحة أخواته على حظ نفسه. ١٣ - وفيه الدعاء لمن فعل خيرًا وطاعة، سواء تعلقت بالداعي أو لا. ١٤ - وفيه جواز خدمة المرأة زوجها وأولاده وعياله، قال النووي: برضاها، وأما من غير رضاها فلا. ١٥ - من قوله في الرواية الخامسة "امهلوا حتى ندخل ليلاً" جواز الدخول على النساء في العودة من السفر ليلاً، ويجمع بينه وبين النهي عن الطروق ليلاً بأن المراد بالأمر بالدخول في أول الليل، وفي

стр. 3139

النهي الدخول في أثناء الليل، ويحتمل أن المراد بالأمر بالدخول ليلاً لمن أعلم أهله بقدومه، فاستعدوا له، والنهي عمن لم يفعل ذلك. ١٦ - وفيه أنه يستحب للمرأة التي غاب عنها زوجها أن تستعد له قبل قدومه بالتنظف والتزين والتجمل والاستحداد والامتشاط وغير ذلك. ١٧ - وفي بيع جابر جمله في الطريق، وبقائه راكبًا عليه بعد البيع حتى وصل المسجد جواز أن يشترط البائع للدابة استثناء ظهرها حتى توصله إلى مكان مسمى، ذكره البخاري، وهو مما اختلف فيه وفيما يشبهه، كاشتراط سكنى الدار، وخدمة العبد، والجمهور على بطلان البيع، لأن الشرط المذكور ينافي مقتضى العقد، ويوجه حديثنا بأن ذلك كان على طريق الهبة، وهي واقعة عين لا يستدل بها، وذهب الأوزاعي وأحمد وأبو ثور وآخرون إلى صحة البيع، وأن الشرط ينزل منزلة الاستثناء، ووافقهم مالك في الزمن اليسير، دون الكثير. ١٨ - وفيه ابتداء المشتري بذكر الثمن. ١٩ - وأن القبض ليس شرطًا في صحة البيع. ٢٠ - وفي رد الجمل وثمنه إعانة الإمام أصحابه. ٢١ - وفي وزن بلال جواز الوكالة في أداء الديون. ٢٢ - وجواز الزيادة في الثمن عند الأداء. واللَّه أعلم

стр. 3140

(٣٩٤) باب الوصية بالنساء ٣٢٢٢ - عن عبد الله بن عمرو ﵄: أن رسول الله ﷺ قال "الدنيا متاع وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة". ٣٢٢٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إن المرأة كالضلع. إذا ذهبت تقيمها كسرتها. وإن تركتها استمتعت بها وفيها عوج". ٣٢٢٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إن المرأة خلقت من ضلع. لن تستقيم لك على طريقة. فإن استمتعت بها استمتعت بها وبها عوج. وإن ذهبت تقيمها كسرتها. وكسرها طلاقها". ٣٢٢٥ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فإذا شهد أمرًا فليتكلم بخير أو ليسكت. واستوصوا بالنساء. فإن المرأة خلقت من ضلع. وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه. إن ذهبت تقيمه كسرته. وإن تركته لم يزل أعوج. استوصوا بالنساء خيرًا". ٣٢٢٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لا يفرك مؤمن مؤمنة. إن كره منها خلقًا رضي منها آخر" أو قال "غيره". ٣٢٢٧ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال "لولا حواء، لم تخن أنثى زوجها، الدهر".

стр. 3141

٣٢٢٨ - عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ وذكر أحاديث منها: وقال رسول الله ﷺ "لولا بنو إسرائيل، لم يخبث الطعام. ولم يخنز اللحم. ولولا حواء، لم تخن أنثى زوجها، الدهر". -[المعنى العام]- الزوجة شريكة الحياة بالنسبة للزوج، خلقها الله ليسكن إليها، وجعل بينه وبينها مودة ورحمة، وعليهما بنيت حياة البشر على الأرض، بث الله منهما رجالاً كثيرًا ونساء، بعد معاشرة جنسية تجعل منهما جسدًا واحدًا، وتخلق بينهما سرًا كبيرًا، وكان مقتضى ذلك أن يتأقلما، وأن ينصهرا في بوتقة واحدة، وأن يتعاونا على الحياة ومشاكلها، وتربية الأطفال ومسئولياتهم الضخمة الصعبة. لكن النزعات الطبيعية التي خلقت مع كل من الجنسين عملت كعنصر مفرق بينهما، الرجل بما خلق الله فيه من قوة العضلات، وخشونة الجسم والصوت والحركة، وبما فرضه الله عليه من واجبات النفقة والرعاية والحماية والمسئولية عن الزوجة وأولادها، تربع على عرش القوامة شرعًا وعقلاً وعرفًا وواقعًا، وهذا حق لا نزاع فيه، لكن بعض الرجال يتعسف كثيرًا في استخدام هذا الحق، فيحوله إلى سلطة وسيطرة وقهر وإذلال. وفي المقابل تحس بعض الزوجات فضلاً أو ميزة ما لها على زوجها، فتتمرد على وظيفتها، وتنازع زوجها، وتنابذه، وقد تصارعه مع يقينها بأنها ستكون المغلوبة، لا الغالبة، المهزومة، لا الهازمة، فتصبح كالفراشة التي تلقي نفسها على ضوء النار لتطفئها، فتحرق نفسها. من هنا كانت وصية الرجال أن يترفقوا بنسائهم، وأن يضعوا بين أعينهم طبيعة المرأة وخلقتها، وأن يصبروا على ما يقع منهن من اعوجاج، فإن ما فيهن من شر، له فيهن ما يقابله من خير، ومنذ حواء تلك طبيعتهن، فقد غررت بآدم وهي تظن أنها تصلحه وتنفعه. فاستوصوا بالنساء خيرًا. -[المباحث العربية]- (الدنيا متاع) التنكير في "متاع" للتقليل، يقول تعالى: ﴿قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى﴾ [النساء: ٧٧] والمعنى أن الدنيا ظرف للتمتع بلذاتها وشهواتها شهوة البطن وشهوة الفرج وشهوات النفس الأخرى من السيطرة والانتقام والأنانية إلخ. (المرأة الصالحة) التي تسر إذا نظرت، وتطيع إذا أمرت، وتحفظ نفسها وماله وأولاده.

стр. 3142

(إن المرأة كالضلع) بكسر الضاد، وفتح اللام وقد تسكن، وفي الكلام تشبيه، حذف منه وجه الشبه، أي هي كالضلع في الاعوجاج، فالمعنى المرأة معوجة الطباع والتصرفات بخلقتها وطبيعتها كما خلق الضلع معوجًا، لا يسهل تقويمهما. وفي الرواية الثالثة "إن المرأة خلقت من ضلع" والكلام على التشبيه أيضًا، والأصل خلقت من طبيعة معوجة كالضلع، ففي الكلام استعارة، بحذف المشبه ووجه الشبه والأداة، واستعير لفظ المشبه به للمشبه، على سبيل الاستعارة التصريحية الأصلية، وقيل: أراد من هذه الرواية أول النساء "حواء" فقد أخرج ابن إسحق في "المبتدأ" عن ابن عباس "أن حواء خلقت من ضلع آدم الأيسر، وهو نائم قبل أن يدخل الجنة" أي فدخلاها سويًا، وقيل: في الجنة. وكذا أخرجه ابن أبي حاتم وغيره من حديث مجاهد، قال الحافظ ابن حجر: وأغرب النووي فعزاه للفقهاء أو بعضهم. اهـ والحقيقة أن هذا القول مصدره بعض الآثار عن ابن عباس ومجاهد، وليس للفقهاء به صلة. فلفظ الضلع على هذا على حقيقته، ويكون معنى خلقها من الضلع الحقيقي إخراجها منه عند أصل الخلقة كما تخرج النخلة من النواة، لكن يلزمه الإشارة إلى طبيعة النساء واعوجاجهن، وهو المقصود، فكأنه يقول: إن النساء في تصرفاتهن الاعوجاج لأن أصلهن حواء خلقت من عوج. (وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه) قيل: فيه إشارة إلى أن أعوج شيء في المرأة لسانها، وفيه إشارة إلى أنها خلقت من أشد أجزاء الضلع اعوجاجًا، مبالغة في إثبات هذه الصفة لها. ولفظ "أعوج" صفة مشبهة، وليس أفعل تفضيل، لأن أفعل التفضيل لا يأتي من ألفاظ العيوب التي صفتها على وزن "أفعل" وقيل: هو أفعل تفضيل شذوذًا، أو محل المنع عند الالتباس بالصفة، فإذا تميز عنها بالقرينة فلا منع. (إذا ذهبت تقيمها كسرتها) ضمير المؤنث للمرأة، بدليل قوله بعد "وإن تركتها استمتعت بها وفيها عوج" وبدليل قوله في الرواية الثالثة "وكسرها طلاقها". وقيل: الضمير المؤنث في "إذا ذهبت تقيمها كسرتها" للضلع، وهي تذكر وتؤنث. وجملة "تقيمها" في موضع النصب على الحال، وفي الرواية الرابعة "إن ذهبت تقيمه كسرته" بتذكير الضمير، فهو عائد على الضلع. (وإن تركتها) دون تقويم وكسر "استمتعت بها" وبالنواحي الحسنة فيها، "وفيها عوج". (من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر) فعل "كان" لا دلالة له في الأصل على غير الوجود في الماضي، من غير دلالة على انقطاع أو دوام، وتستعمل للأزلية، كما في صفاته تعالى، وقد تستعمل للزوم الشيء، وعدم انفكاكه، نحو قوله تعالى ﴿وكان الإنسان عجولا﴾ [الإسراء: ١١]. والمراد بالإيمان الإيمان الكامل، فلا يفهم منه أن من لم يتكلم بخير لا يكون مؤمنًا. وذكر هذه

стр. 3143

العبارة للحض على الطاعة، وخصه بالله واليوم الآخر إشارة إلى المبدأ والمعاد، أي من آمن بالذي خلقه، وآمن بأنه سيجازيه بعمله فعل ما أمر به، وكف عما نهى عنه. (واستوصوا بالنساء) السين والتاء للقبول والمطاوعة، مثلهما في قولنا: أقمته فاستقام، أي اقبلوا وصيتي، واعملوا بها، وقيل: السين والتاء للطلب، جيء بهما للمبالغة، أي اطلبوا من أنفسكم الوصية بهن، أو ليطلب الوصية بهن بعضكم من بعض، ويلزم من ذلك أن تحافظوا، لأن من وصى غيره بشيء كان أحرص عليه. و"النساء" اسم جمع، لا واحد له من لفظه، وواحده من معناه امرأة، و"خيرًا" المذكور في آخر الرواية منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف، والتقدير: استوصوا استيصاء خيرًا، أو على أنه مفعول لفعل محذوف، والتقدير: استوصوا وافعلوا خيرًا، أو على أنه خبر "يكن" المحذوفة مع اسمها، والتقدير: استوصوا بالنساء يكن الاستيصاء خيرًا، ذكر ذلك النحاة في قوله تعالى: ﴿وأنفقوا خيرًا لأنفسكم﴾ [التغابن: ١٦]. والجملة معطوفة على "فليتكلم بخير أو ليسكت" أي تكلموا بخير، أو اسكتوا، واستوصوا، وفي الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب، لمزيد العناية بالخطاب. (فإن المرأة) الفاء للتعليل، وما بعدها بيان لسبب الوصية بهن. (لا يفرك مؤمن مؤمنة) "يفرك" بفتح الياء وسكون الفاء وفتح الراء، والكاف ساكنة على النهي، ومعناه لا يبغض، يقال: فركه بكسر الراء يفركه بفتحها - من باب سمع - إذا أبغضه، والفرك بفتح الفاء وإسكان الراء البغض والمراد من "المؤمنة" الزوجة، والكلام على النهي، وليس على الإخبار، لأن الواقع أن بعض الناس يبغض زوجته بغضًا شديدًا، قال النووي: ولو روي مرفوعًا لكان نهيًا بلفظ الخبر، والمعنى: لا ينبغي أن يبغض مؤمن مؤمنة، أي زوج زوجته بغضًا شديدًا يؤدي إلى ظلمها وتركها. (إن كره منها خلقًا رضي منها آخر) الجملة تعليلية، أي لا ينبغي أن يبغض لأنها لا تخلو من خير، فإن رأى شرًا منها فليذكر ما فيها من خير، ليحارب البغض الذي داخله، قال النووي: لأنه إن وجد فيها خلقًا يكرهه وجد فيها خلقًا يرضى عنه، فقد تكون شرسة الخلق لكنها متدينة أو جميلة أو عفيفة، أو نحو ذلك. (لولا حواء) قال ابن عباس: سميت حواء لأنها أم كل حي، ذكره النووي، وفيه نظر فهي ليست أم كل حي، بل أم للإنسان أم بني آدم فقط. قيل: إنها ولدت لآدم أربعين ولدًا في عشرين بطنًا، في كل بطن ذكر وأنثى، تزوج ذكر كل بطن أنثى من البطن الأخرى. اهـ. وليس لذلك سند يعتمد عليه. وفي الكلام مضاف محذوف، والتقدير: لولا خيانة حواء لآدم.

стр. 3144

(لم تخن أنثى زوجها الدهر) قال الحافظ ابن حجر: فيه إشارة إلى ما وقع من حواء، في تزيينها لآدم الأكل من الشجرة، حتى وقع في ذلك، فمعنى خيانتها أنها قبلت ما زين لها إبليس، حتى زينته لآدم، ولما كانت هي أم بنات آدم أشبهنها بالولادة، ونزع العرق، فلا تكاد امرأة تسلم من خيانة زوجها، بالفعل أو بالقول، وليس المراد بالخيانة هنا ارتكاب الفواحش، حاشا وكلا، ولكن لما مالت إلى شهوة النفس من أكل الشجرة، وحسنت ذلك لآدم، عد ذلك خيانة له، وأما من جاء بعدها من النساء فخيانة كل واحدة منهن بحسبها - أي فخياناتهن مختلفة، ووجه الشبه بينهن وبين حواء مطلق الخيانة فقط - قال: وقريب من هذا حديث "جحد آدم، فجحدت ذريته". ومعنى "الدهر" الزمان كله، والمعنى لم تخن أنثى زوجها أبدًا. (لولا بنو إسرائيل لم يخبث الطعام، ولم يخنز اللحم) "يخنز" بفتح الياء وسكون الخاء وكسر النون وبفتحها أيضًا، أي ينتن. والخنز التغير والنتن، والمراد من خبث الطعام تغيره وفساده، قال الحافظ ابن حجر: في بعض الكتب: لولا أني كتبت الفساد على الطعام لخزنه الأغنياء عن الفقراء. وفي سبب تحمل بني إسرائيل مسئولية هذا الفساد قيل: إن بني إسرائيل ادخروا لحم السلوى، وكانوا نهوا عن ذلك، فعوقبوا بذلك، ذكر ذلك عن قتادة، وقال بعضهم: معناه لولا أن بني إسرائيل سنوا ادخار اللحم حتى انتن لما ادخر، فلم ينتن. -[فقه الحديث]- هذه الأحاديث تحث على الوصاية بالنساء، إما بالأمر الصريح بذلك "استوصوا بالنساء خيرًا". "لا يفرك مؤمن مؤمنة". وإما بالترغيب في الزوجة، وأنها خلقت لسكن الزوج وراحته، وهي حين تحسن المعاشرة خير متاع الدنيا. وصدق رسول الله ﷺ ، إذ يقول: "من سعادة المرء المرأة الصالحة، ومن شقاء المرء المرأة السوء". ومرة بالتماس العذر لها في سوء معاملاتها، وفي كفرانها العشير، وفي خيانتها لزوجها، وخداعه، وتزيين الباطل له، فهي مخلوقة في طبع معوج، ومطلوب منها شرعًا أن تعدل وتصلح من طبعها، لتوافق شرعها، فتجازى على ذلك خيرًا، لكنها لا تكاد تفعل، "إن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه"، "لولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر". ومرة بالحث على الصبر على اعوجاجها للحاجة إليها، فهي بما هي عليه لا بد منها، فلتحتمل، ولتستمتع بها بحالها، لأنك إن ذهبت تقيمها كسرتها، ولم تستقم، وكانت النتيجة طلاقها وفراقها. هي أشبه بكوب فيه قليل من الماء، إن نظرت إلى الماء فيه وإن قل رأيت خيرًا، وإن نظرت إلى

стр. 3145

الفراغ فيه وعدم الفائدة رأيت شرًا، فانظر إلى ما عندها من خير، وتغاضى عما يقابلك من شر، ولا تترك البغض يسيطر على حياتك وحياتها، فإن كان فيها شر، ففيها جانب من خير، أما ماذا تفعل في تعاملك معها؟ . فضع بين عينيك أنها ضعيفة، محتاجة إليك، وكريم النفس لا يؤذي مثل هذا، بل يحسن إليه، وضع بين عينيك أنها معذورة، ما دام هذا الاعوجاج في أصل الخلقة. أمام هذا عليك بحسن الخلق معها، ليس بكف الأذى عنها فحسب، بل وبالإحسان إليها، وليس معنى ذلك تركها بدون تقويم، بل المعنى الرفق في المعاملة، باستعمال اللين في غير ضعف، والشدة من غير عنف، لا تكن لينًا فتعصر، ولا جامدًا فتكسر. -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - مداراة سيِّئ الأخلاق، وعدم الاصطدام به. ٢ - الندب إلى الملاينة، لاستمالة النفوس، وتأليف القلوب. ٣ - أن عدم الإيذاء باللسان أو باليد من كمال الإيمان. ٤ - الرفق بالضعيف وحسن معاملته. ٥ - ملاطفة النساء والإحسان إليهن. ٦ - احتمال عوج أخلاقهن، وكراهة طلاقهن. ٧ - أنه لا يطمع في استقامتهن، ففيه تسلية الرجال فيما يقع لهم من نسائهم بما وقع من أمهن الكبرى حواء. ٨ - فيه حث للنساء على علاج هذا الاعوجاج، فلا يسترسلن في الأخطاء، بل يضبطن أنفسهن ويجاهدن طبائعهن. ٩ - الحث على الكلام بخير أو السكوت. ١٠ - تحميل مبتدع الشر مسئولية من عمل بعمله فيما بعد "من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة". واللَّه أعلم

стр. 3146

كتاب الطلاق

стр. 3147

(٣٩٥) باب تحريم طلاق الحائض ٣٢٢٩ - عن ابن عمر ﵄: أنه طلق امرأته وهي حائض. في عهد رسول الله ﷺ . فسأل عمر بن الخطاب رسول الله ﷺ عن ذلك؟ فقال له رسول الله ﷺ " مره فليراجعها. ثم ليتركها حتى تطهر. ثم تحيض. ثم تطهر. ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس. فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء". ٣٢٣٠ - عن نافع عن عبد الله ﵁ أنه طلق امرأة له وهي حائض. تطليقة واحدة. فأمره رسول الله ﷺ أن يراجعها ثم يمسكها حتى تطهر. ثم تحيض عنده حيضة أخرى. ثم يمهلها حتى تطهر من حيضتها. فإن أراد أن يطلقها فليطلقها حين تطهر من قبل أن يجامعها. فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء. وزاد ابن رمح في روايته: وكان عبد الله إذا سئل عن ذلك: قال لأحدهم: أما أنت طلقت امرأتك مرة أو مرتين. فإن رسول الله ﷺ أمرني بهذا. وإن كنت طلقتها ثلاثًا فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجًا غيرك. وعصيت الله فيما أمرك من طلاق امرأتك. قال مسلم: جود الليث في قوله: تطليقة واحدة. ٣٢٣١ - عن ابن عمر ﵄ قال: طلقت امرأتي على عهد رسول الله ﷺ وهي حائض. فذكر ذلك عمر لرسول الله ﷺ . فقال "مره فليراجعها. ثم ليدعها حتى تطهر. ثم تحيض حيضة أخرى. فإذا طهرت فليطلقها قبل أن يجامعها. أو يمسكها. فإنها العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء". قال عبيد الله: قلت لنافع: ما صنعت التطليقة؟ قال: واحدة اعتد بها. ٣٢٣٢ - - قال ابن المثنى في روايته "فليرجعها" وقال أبو بكر "فليراجعها".

стр. 3148

٣٢٣٣ - عن نافع: أن ابن عمر ﵄ طلق امرأته وهي حائض. فسأل عمر النبي ﷺ . فأمره أن يرجعها ثم يمهلها حتى تحيض حيضة أخرى. ثم يمهلها حتى تطهر. ثم يطلقها قبل أن يمسها. فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء. قال: فكان ابن عمر إذا سئل عن الرجل يطلق امرأته وهي حائض يقول: أما أنت طلقتها واحدة أو اثنتين. إن رسول الله ﷺ أمره أن يرجعها. ثم يمهلها حتى تحيض حيضة أخرى. ثم يمهلها حتى تطهر. ثم يطلقها قبل أن يمسها. وأما أنت طلقتها ثلاثًا. فقد عصيت ربك فيما أمرك به من طلاق امرأتك. وبانت منك. ٣٢٣٤ - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: طلقت امرأتي وهي حائض. فذكر ذلك عمر للنبي ﷺ فتغيظ رسول الله ﷺ ثم قال: "مره فليراجعها. حتى تحيض حيضة أخرى مستقبلة، سوى حيضتها التي طلقها فيها. فإن بدا له أن يطلقها، فليطلقها طاهرًا من حيضتها. قبل أن يمسها. فذلك الطلاق للعدة كما أمر الله". وكان عبد الله طلقها تطليقة واحدة. فحسبت من طلاقها. وراجعها عبد الله كما أمره رسول الله ﷺ . ٣٢٣٥ - - وفي رواية قال ابن عمر: فراجعتها. وحسبت لها التطليقة التي طلقتها. ٣٢٣٦ - عن ابن عمر ﵄: أنه طلق امرأته وهي حائض. فذكر ذلك عمر للنبي ﷺ فقال "مره فليراجعها. ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملاً". ٣٢٣٧ - عن ابن عمر ﵄: أنه طلق امرأته وهي حائض فسأل عمر عن ذلك رسول الله ﷺ فقال "مره فليراجعها حتى تطهر. ثم تحيض حيضة أخرى. ثم تطهر ثم يطلق بعد، أو يمسك".

стр. 3149

٣٢٣٨ - عن ابن سيرين قال: مكثت عشرين سنة يحدثني من لا أتهم: أن ابن عمر طلق امرأته ثلاثًا وهي حائض. فأمر أن يراجعها. فجعلت لا أتهمهم ولا أعرف الحديث، حتى لقيت أبا غلاب، يونس بن جبير الباهلي. وكان ذا ثبت. فحدثني: أنه سأل ابن عمر. فحدثه: أنه طلق امرأته تطليقة وهي حائض. فأمر أن يرجعها. قال: قلت: أفحسبت عليه؟ قال: فمه. أو إن عجز واستحمق؟ . ٣٢٣٩ - - وفي رواية بنحوه غير أنه قال: فسأل عمر النبي ﷺ فأمره. ٣٢٤٠ - وفي رواية عن أيوب بهذا الإسناد. وقال في الحديث: فسأل عمر النبي ﷺ عن ذلك؟ فأمره أن يراجعها حتى يطلقها طاهرًا من غير جماع. وقال "يطلقها في قبل عدتها". ٣٢٤١ - عن يونس بن جبير قال: قلت لابن عمر: رجل طلق امرأته وهي حائض. فقال: أتعرف عبد الله بن عمر؟ فإنه طلق امرأته وهي حائض. فأتى عمر النبي ﷺ فسأله؟ فأمره أن يرجعها. ثم تستقبل عدتها. قال: فقلت له: إذا طلق الرجل امرأته وهي حائض، أتعتد بتلك التطليقة؟ فقال: فمه. أو إن عجز واستحمق؟ . ٣٢٤٢ - عن يونس بن جبير قال: سمعت ابن عمر يقول: طلقت امرأتي وهي حائض. فأتى عمر النبي ﷺ فذكر ذلك له. فقال النبي ﷺ "ليراجعها. فإذا طهرت، فإن شاء فليطلقها". قال: فقلت لابن عمر: أفاحتسبت بها؟ قال: ما يمنعه. أرأيت إن عجز واستحمق؟ . ٣٢٤٣ - عن أنس بن سيرين قال: سألت ابن عمر عن امرأته التي طلق؟ فقال: طلقتها وهي حائض. فذكر ذلك لعمر. فذكره للنبي ﷺ فقال "مره فليراجعها. فإذا طهرت

стр. 3150

فليطلقها لطهرها" قال: فراجعتها ثم طلقتها لطهرها. قلت: فاعتددت بتلك التطليقة التي طلقت وهي حائض؟ قال: ما لي لا أعتد بها؟ وإن كنت عجزت واستحمقت. ٣٢٤٤ - عن أنس بن سيرين: أنه سمع ابن عمر قال: طلقت امرأتي وهي حائض. فأتى عمر النبي ﷺ فأخبره فقال "مره فليراجعها. ثم إذا طهرت فليطلقها" قلت لابن عمر: أفاحتسبت بتلك التطليقة؟ قال: فمه. ٣٢٤٥ - - وفي رواية "ليرجعها" وفيها: "قال قلت له: أتحتسب بها؟ قال: فمه". ٣٢٤٦ - عن ابن طاوس عن أبيه: أنه سمع ابن عمر يسأل عن رجل طلق امرأته حائضًا؟ فقال: أتعرف عبد الله بن عمر؟ قال: نعم. قال: فإنه طلق امرأته حائضًا. فذهب عمر إلى النبي ﷺ فأخبره. الخبر فأمره أن يراجعها. قال: لم أسمعه يزيد على ذلك (لأبيه). ٣٢٤٧ - عن أبي الزبير: أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن (مولى عزة) يسأل ابن عمر؟ وأبو الزبير يسمع ذلك. كيف ترى في رجل طلق امرأته حائضًا؟ فقال: طلق ابن عمر امرأته وهي حائض. على عهد رسول الله ﷺ فسأل عمر رسول الله ﷺ فقال: إن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهي حائض. فقال له النبي ﷺ "ليراجعها" فردها. وقال "إذا طهرت فليطلق أو ليمسك". قال ابن عمر: وقرأ النبي ﷺ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ في قبل عِدَّتِهِنَّ﴾ ٣٢٤٨ - - عن أبي الزبير أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن (مولى عروة) يسأل ابن عمر؟ وأبو الزبير يسمع. بمثل حديث حجاج. وفيه بعض الزيادة. قال مسلم: أخطأ حيث قال: عروة. إنما هو مولى عزة.

стр. 3151

-[المعنى العام]- كان الطلاق قبل الإسلام على مصراعيه، دون تحديد بعدد، وكان مباحًا في طهر أو حيض، لا يحسب للمرأة حساب. في تطويل عدتها، بل كانوا يسيئون إليها، يتركونها تعتد، حتى آخر يوم من عدتها يرجعونها، ثم يطلقونها، فتعتد، حتى آخر يوم من عدتها يرجعونها، وهكذا دون تحديد، فتعيش المرأة معلقة، لا هي زوجة فتحصن ولا هي أيم فتتزوج، فلما جاء الإسلام رعاها، وأحاط حق الرجل في الطلاق والرجعة بسياج يمنع تعسفه في استخدام هذا الحق ونزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] حرص الإسلام أن لا تطول عدة المرأة يومًا واحدًا عما قدره لها، بل أمر أن يكون الطلاق بحيث تستقبل عدتها، وذلك لا يكون إلا إذا طلقها في طهر لم يجامعها فيه، لأنه لو طلقها في طهر جامعها فيه لم يحسب هذا الطهر من القروء الثلاثة، وبدأت عدتها بالطهر الذي يلي حيضتها عند من يقول بأن العدة بالأطهار، ولو طلقها في الحيض لم تحسب هذه الحيضة من القروء الثلاثة، وبدأت عدتها بحيضة أخرى عند من يقول بأن العدة بالحيضات. فكان لزامًا أن يطلق من أراد الطلاق في طهر لم يجامع فيه. وأخطأ عبد الله بن عمر فطلق امرأته في الحيض، وعلم بذلك أبوه عمر ﵄ ولم يدر ماذا عليه وقد أخطأ وفعل هذا الممنوع؟ فسأل رسول الله ﷺ . قال: يا رسول الله، إن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهي حائض، فغضب ﷺ لهذه المخالفة التي وقعت من أشد الصحابة حرصًا على الاقتداء برسول الله ﷺ ، وصغيرة الكبير كبيرة، غضب حتى تغيظ ﷺ ، وقال لعمر: مر ابنك عبد الله أن يراجعها، ثم ليمسكها عنده بقية حيضتها، ثم يظل ممسكًا لها طهرًا بعد حيضها، ثم حيضًا آخر، فإذا طهرت بعد الحيضة الثانية، وكان مصرًا على طلاقها، فليطلقها طاهرًا قبل أن يجامعها، فتلك الحالة هي التي أذن الله للرجال أن يطلقوا فيها النساء. -[المباحث العربية]- (أنه طلق امرأته وهي حائض) الطلاق في اللغة حل الوثاق، مشتق من الإطلاق، وهو الإرسال والترك، وفي الشرع حل عقدة التزويج، قال إمام الحرمين، هو لفظ جاهلي، ورد الشرع بتقريره، وطلقت المرأة بفتح الطاء، وضم اللام وفتحها، وفتحها أفصح، وطلقت أيضًا بضم الطاء وكسر اللام المشددة وامرأة ابن عمر هذه اسمها آمنة بنت غفار، وقيل: اسمها النوار، ويمكن الجمع بأن يكون اسمها آمنة، ولقبها النوار. ولم يؤنث لفظ "حائض" لأن الصفة إذا كانت خاصة بالنساء فلا حاجة لتأنيثها، وجملة "وهي حائض" في محل النصب على الحال.

стр. 3152

والراوي هنا عن ابن عمر نافع، وقد سمع القصة عن ابن عمر، فحكاها، وهي الرواية الثالثة، يسند القول لابن عمر، "قال: طلقت امرأتي ... " وفي الرواية العاشرة يقول يونس بن جبير: سمعت ابن عمر يقول: "طلقت امرأتي ... " وكذا الرواية الثانية عشرة عن ابن سيرين. (في عهد رسول اللَّه ﷺ أي في زمنه وأيام حياته، والجار والمجرور متعلق بـ"طلق" قال الحافظ ابن حجر: وأكثر الرواة لم يذكروا ذلك، استغناء بما في الخبر أن عمر سأل رسول الله ﷺ عن ذلك، فاستلزم أن ذلك وقع في عهده. وزاد في الرواية الثانية "تطليقة واحدة" وفي ملحقها "جود مسلم هذه الزيادة" وقال: جود الليث في قوله "تطليقة واحدة. يعني أنه حفظ وأتقن قدر الطلاق الذي لم يتقنه غيره، ولم يخطئ فيه، ولم يجعله ثلاثًا، كما أخطأ فيه غيره، كما تصرح بهذا الخطأ الرواية الثامنة، ولم يهمله الليث، كما أهملته روايات كثيرة، بل بينه بيانًا صحيحًا. (فسأل عمر بن الخطاب رسول اللَّه ﷺ عن ذلك) الإشارة إلى الطلاق بهذه الصفة، وفي الكلام مضاف محذوف، أي عن حكم ذلك الطلاق، وفي الرواية الحادية عشرة "فذكر ذلك لعمر، فذكره للنبي ﷺ " وفي سؤال عمر النبي ﷺ إشعار بأنه لم يتقبل هذا العمل شرعًا، إما لأن الطلاق في الحيض كان ممنوعًا منهيًا عنه، وتعقب بأنه لو كان كذلك لعلمه ابن عمر، ولم يفعله، وأجيب بأن عمر ربما كان يعلم أنه ممنوع، لكن لا يعلم ماذا يصنع من فعل ذلك؟ فسأل، ويحتمل أن حكم الطلاق في الحيض لم يكن بين بعد، فوقع في نفس عمر تساؤل عنه بعد نزول قوله تعالى: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ فسأل. زاد في الرواية الخامسة "فتغيظ رسول الله ﷺ " قال ابن دقيق العيد: وتغيظ النبي ﷺ إما لأن المعنى الذي يقتضي المنع كان ظاهرًا، فكان مقتضى الحال التثبت في ذلك، أو لأنه كان مقتضى الحال مشاورة النبي ﷺ في ذلك إذا عزم عليه. (مره فليراجعها) أمر رسول اللَّه ﷺ عمر أن يأمر ابنه بالمراجعة. فهل ابن عمر حينئذ يكون مأمورًا من رسول الله ﷺ ؟ وبلغة الأصوليين: هل الأمر بالأمر بشيء أمر بذلك الشيء؟ سيأتي تفصيله وتوضيحه في فقه الحديث، وفي الرواية الثانية "فأمره رسول الله ﷺ أن يراجعها" والضمير في "فأمره رسول الله ﷺ " لابن عمر، كما هو ظاهر، فكأن ابن عمر اعتبر أمر عمر أن يأمره أمرًا له من رسول الله ﷺ ، وفي ملحق الرواية الثانية "فإن رسول الله ﷺ أمرني بهذا" أي بالرجعة. واللام في "فليراجعها" لام الأمر، تجزم الفعل المضارع، والكثير فيها إسكانها بعد الفاء والواو، وقد تكسر، وكسرها بعد "ثم" كثير، وقد تسكن. وأصل "مر" اؤمر بهمزتين، الأولى همزة الوصل جيء بها توصلاً للنطق بالساكن، كما في اكتب، فإن وصل بما قبله سقطت، نحو قوله تعالى: ﴿وأمر أهلك بالصلاة﴾ [طه: ١٣٢] والهمزة الثانية فاء الكلمة، فحذفوها تخفيفًا، فلم يعد هناك داع لهمزة الوصل لتحرك ما بعدها، فقيل "مر".

стр. 3153

(ثم ليتركها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر) اللام في "ليتركها" ساكنة، والمراد بتركها في عصمته حائضًا حتى تطهر من حيضتها، وحتى تحيض حيضة أخرى، غير التي طلقت وروجعت فيها، وحتى تطهر من حيضتها الثانية، وفي الرواية الثانية "فأمره رسول الله ﷺ " أن يراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض عنده حيضة أخرى، ثم يمهلها حتى تطهر من حيضتها" وفي الرواية الثالثة "مره فليراجعها، ثم ليدعها - أي ليمسكها - حتى تطهر، ثم تحيض حيضة أخرى، فإذا طهرت فليطلقها ... " وفي الرواية الخامسة "فليراجعها حتى تحيض حيضة أخرى مستقبلة، سوى حيضتها التي طلقها فيها" وعلى هذا تحمل الروايات التي لم تذكر الحيضة الثانية، حيث إن القضية واحدة، كالرواية السادسة، وفيها "مره فليراجعها، ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملاً" والرواية التاسعة، وفيها "فأمره أن يراجعها، حتى يطلقها طاهرًا من غير جماع" والرواية العاشرة، وفيها "ليراجعها، فإذا طهرت فإن شاء فليطلقها" والحادية عشرة، وفيها "مره فليراجعها، فإذا طهرت فليطلقها لطهرها" والثانية عشرة، وفيها "مره فليراجعها، ثم إذا طهرت فليطلقها" والرابعة عشرة، وفيها "ليراجعها ... وإذا طهرت فليطلق أو ليمسك". فتحمل هذه الروايات على أن فيها طيًا وحذفًا، وأن ابن عمر أمر بالإمساك حيضة أخرى، وإن لم يشترط ذلك عامة الفقهاء، وسيأتي توضيحه في فقه الحديث. (ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس) أي قبل أن يجامع، وفي الرواية الثانية "فإن أراد أن يطلقها فليطلقها حين تطهر من قبل أن يجامعها" وفي الرواية الثالثة "فإذا طهرت فليطلقها قبل أن يجامعها، أو يمسكها" وفي الرواية الرابعة "ثم يطلقها قبل أن يمسها" أي إن شاء، وفي الرواية الخامسة "فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرًا من حيضتها، قبل أن يمسها". (فتلك العدة التي أمر اللَّه أن يطلق لها النساء) أي فتلك التطليقة التي تستقبل بها المرأة عدتها من غير تطويل عليها، والتي أمر الله بها في قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن﴾ وفي الرواية الرابعة عشرة "قال ابن عمر: وقرأ النبي ﷺ ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ بضم القاف والباء - أي وقت استقبال عدتهن، قال النووي: هذه قراءة ابن عباس وابن عمر، وهي شاذة، لا تثبت قرآنًا بالإجماع. اهـ. والآية تنادي النبي ﷺ وتعم المخاطبين بالحكم، لأن النبي ﷺ إمام أمته، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم: يا فلان. افعلوا كيت وكيت. وقيل: الخطاب كالنداء، له ﷺ ، إلا أنه اختير ضمير الجمع "إذا طلقتم" للتعظيم. وقوله ﴿إذا طلقتم النساء﴾ فيه مجاز المشارفة، أي إذا أردتم تطليقهن، وأشرفتم على ذلك، ففيه تنزيل المشارف للفعل منزلة المباشر له، ولولا هذا المجاز لم يستقم الكلام، إذ يكون لطلب تحصيل الحاصل. واللام في ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ على القراءة المتواترة لام التوقيت، أي فطلقوهن لوقت عدتهن، أو مستقبلات عدتهن، أي في الوقت الذي يحتسب من عدتهن، والحيض الذي تطلق فيه لا يحتسب من العدة باتفاق، فالمطلوب طلاقها في

стр. 3154

طهر لم يجامع فيه، فهي بذلك تعتد بذلك الطهر ويحسب لها قرءًا من ثلاثة قروء، على مذهب الشافعي وموافقيه، بتفسير القرء بالطهر، وإذا فسر القرء بالحيض كما يقول أبو حنيفة وموافقوه، استقبلت عدتها بالحيضة التي تلي الطهر الذي لم تجامع فيه. (أما أنت طلقت امرأتك مرة أو مرتين فإن رسول اللَّه ﷺ أمرني بهذا، وإن كنت طلقتها ثلاثًا فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجًا غيرك، وعصيت اللَّه فيما أمرك من طلاق امرأتك) في الرواية الرابعة "أما أنت طلقتها واحدة أو اثنتين إن رسول الله ﷺ أمره أن يراجعها .. وأما أنت طلقتها ثلاثًا فقد عصيت ربك فيما أمرك به من طلاق امرأتك، وبانت منك". ومقصود العبارتين أن الرجعة المأمور بها إنما تكون بعد طلقة واحدة أو طلقتين. فإن طلقها الثالثة في حيض بانت منه، ولا رجعة، والطلاق في الحيض حرام ومعصية، سواء كانت طلقة أولى أو ثانية أو ثالثة. هذا مقصود العبارتين، أما كيفية دلالة الألفاظ على هذا المقصود فقد قال القاضي عياض: قيل: إنه بفتح الهمزة من "أما" أي وتخفيف الميم، بعدها "إن" الشرطية - أي أما إن كنت، فحذفوا الفعل "كان" فانفصل الضمير "أنت" وفتحوا همزة "إن" الشرطية، وأدغموا النون في "ما" فصارت "أما أنت" بتشديد الميم، ويدل على ذلك قوله بعد "وإن كنت طلقتها ثلاثًا .... ". (قلت لنافع: ما صنعت التطليقة؟ قال: واحدة اعتد بها) أي ماذا كانت نتيجة التطليقة التي طلقها ابن عمر في الحيض؟ قال: كانت واحدة، فحسبت عليه، فاعتد بها ابن عمر، وحسبها، وفي الرواية الخامسة "وكان عبد الله طلقها تطليقة واحدة، فحسبت من طلاقها، وراجعها ... " وفي ملحق هذه الرواية "قال ابن عمر: فأرجعتها، وحسبت لها التطليقة التي طلقتها" وفي الرواية الثامنة "أفحسبت عليه؟ قال: فمه؟ أو إن عجز واستحمق؟ ". "فمه" الفاء في جواب شرط مقدر، و"مه" اسم فعل أمر، أي إذا كان الأمر واضحًا فانزجر وكف عن الشك في احتسابها. وقيل "مه" أصلها "ما" الاستفهامية، أبدلت الألف هاء، كما قالوا في "مهما" أصلها "ماما" أي: أي شيء؟ والمعنى: فماذا يترتب على احتسابها؟ أي لا يترتب على احتسابها شيء، فلا يكون إلا احتسابها، ومعنى "أو إن عجز واستحمق" أفيرتفع عنه الطلاق لأنه جهل الحكم وكان أحمق؟ والاستفهام إنكاري، أي لا مانع من حسبان الطلاق وإن كان عاجزًا عن إدراك الحكم ساعتها وكان أحمق، وفي الرواية العاشرة "أفتحتسب بها؟ قال: ما يمنعه"؟ أي ما يمنع ابن عمر من احتسابها؟ "أرأيت إن عجز واستحمق"؟ أي أخبرني إن لم يدرك الحكم وصار أحمق. أيعفيه ذلك من احتسابها؟ لا يعفيه، وفي الرواية الحادية عشرة "قال: ما لي لا أعتد بها؟ وإن كنت عجزت واستحمقت"؟ وجاء في غير مسلم أن ابن عمر قال: أرأيت إن كان ابن عمر عجز واستحمق، فما يمنعه أن يكون طلاقًا؟ " وقال القاضي: أي إن عجز عن الرجعة، وفعل فعل الأحمق، وقال الكرماني: يحتمل أن يكون كلمة "إن" نافية، أي ما عجز ابن عمر، وما استحمق.

стр. 3155

-[فقه الحديث]- يتعلق الحديث بثلاث نقاط أساسية: ١ - الأحكام الشرعية للطلاق في ذاته، ومن حيث ما يعرض له من أسباب ودوافع. ٢ - الطلاق في الحيض، وما يتعلق به. ٣ - ما يؤخذ من الحديث من أحكام أخرى. أما عن النقطة الأولى فقد قال غير واحد: الطلاق في ذاته محظور، لما فيه من كفران نعمة النكاح، وإنما يباح، أو يستحب، أو يجب للحاجة التي تختلف قوة وضعفًا، ومعنى هذا أننا لو جردناه من دوافع الفعل ومن دوافع الترك الآتية يكون مكروهًا، كمن يطلق لمجرد العبث والقدرة على الزواج والطلاق، ويمكن أن يستدل له بما رواه أبو داود وابن ماجه عن النبي ﷺ قال: "إن من أبغض المباحات عند الله الطلاق" وفي لفظ "أبغض الحلال إلى الله الطلاق" والحلال البغيض أو الأبغض يمكن أن يصدق على المكروه. وقيل هو في أصله مباح، لوصفه في الحديثين السابقين بالإباحة والحل، وقد يستدل لهذا أيضًا بقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ والخلاف في هذا سهل يسير، لأن هذه الصورة نادرة أو فرضية، وما مثل به من طلاق المغيرة بن شعبة زوجاته الأربع، حيث قال لهن في دفعة واحدة: أنتن حسنات الأخلاق، ناعمات الأطواق، طويلات الأعناق. اذهبن فأنتن طلاق. فهو محمول على وجود حاجة لم يصرح بها. أما من حيث أسباب الطلاق ودوافعه فقد يكون واجبًا، كطلاق المولى الذي آلى أن لا يطأ زوجته أربعة أشهر، أي حلف ألا يطأها أربعة أشهر، وهو قادر على الوطء، فيتربص أربعة أشهر، فإن انقضت ولم يكن له عذر ثبت لها المطالبة بالفيئة أو الطلاق، فإن طالبته بذلك وجب الفيئة أو الطلاق، ولو امتنع طلق عليه الحاكم على القول الصحيح. وكالطلاق الذي حكم به الحكمان بسبب الشقاق الذي يستحيل معه العشرة. وقد يكون مستحبًا، كما إذا وقعت الخصومة بين الزوجين، وخافا أن لا يقيما حدود الله، أو تكون غير عفيفة، أو سيئة الخلق، بحيث لا يصبر على عشرتها عادة، فيستحب له طلاقها. وقد يكون حرامًا كالطلاق البدعي، وهو موضوع النقطة الثانية الآتية. وقد يكون مكروهًا كطلاق مستقيمة الحال، ولا يكره شيئًا من خلقها، ولا دينها، وتطيب نفسه بمؤنتها وعشرتها. فإن خلا الطلاق من هذه الأسباب ومن تلك الدوافع كان مباحًا، ونفاه النووي، وصوره بعضهم بما إذا كان لا يريدها ولا تطيب نفسه أن يتحمل مؤنتها، من غير حصول غرض الاستمتاع، وقد سبق توضيح هذا النوع بما فيه الكفاية، واللَّه أعلم.
следующие страницы →