← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

-[المعنى العام]- كان الطلاق قبل الإسلام على مصراعيه، دون تحديد بعدد، وكان مباحًا في طهر أو حيض، لا يحسب للمرأة حساب. في تطويل عدتها، بل كانوا يسيئون إليها، يتركونها تعتد، حتى آخر يوم من عدتها يرجعونها، ثم يطلقونها، فتعتد، حتى آخر يوم من عدتها يرجعونها، وهكذا دون تحديد، فتعيش المرأة معلقة، لا هي زوجة فتحصن ولا هي أيم فتتزوج، فلما جاء الإسلام رعاها، وأحاط حق الرجل في الطلاق والرجعة بسياج يمنع تعسفه في استخدام هذا الحق ونزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] حرص الإسلام أن لا تطول عدة المرأة يومًا واحدًا عما قدره لها، بل أمر أن يكون الطلاق بحيث تستقبل عدتها، وذلك لا يكون إلا إذا طلقها في طهر لم يجامعها فيه، لأنه لو طلقها في طهر جامعها فيه لم يحسب هذا الطهر من القروء الثلاثة، وبدأت عدتها بالطهر الذي يلي حيضتها عند من يقول بأن العدة بالأطهار، ولو طلقها في الحيض لم تحسب هذه الحيضة من القروء الثلاثة، وبدأت عدتها بحيضة أخرى عند من يقول بأن العدة بالحيضات. فكان لزامًا أن يطلق من أراد الطلاق في طهر لم يجامع فيه. وأخطأ عبد الله بن عمر فطلق امرأته في الحيض، وعلم بذلك أبوه عمر ﵄ ولم يدر ماذا عليه وقد أخطأ وفعل هذا الممنوع؟ فسأل رسول الله ﷺ . قال: يا رسول الله، إن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهي حائض، فغضب ﷺ لهذه المخالفة التي وقعت من أشد الصحابة حرصًا على الاقتداء برسول الله ﷺ ، وصغيرة الكبير كبيرة، غضب حتى تغيظ ﷺ ، وقال لعمر: مر ابنك عبد الله أن يراجعها، ثم ليمسكها عنده بقية حيضتها، ثم يظل ممسكًا لها طهرًا بعد حيضها، ثم حيضًا آخر، فإذا طهرت بعد الحيضة الثانية، وكان مصرًا على طلاقها، فليطلقها طاهرًا قبل أن يجامعها، فتلك الحالة هي التي أذن الله للرجال أن يطلقوا فيها النساء. -[المباحث العربية]- (أنه طلق امرأته وهي حائض) الطلاق في اللغة حل الوثاق، مشتق من الإطلاق، وهو الإرسال والترك، وفي الشرع حل عقدة التزويج، قال إمام الحرمين، هو لفظ جاهلي، ورد الشرع بتقريره، وطلقت المرأة بفتح الطاء، وضم اللام وفتحها، وفتحها أفصح، وطلقت أيضًا بضم الطاء وكسر اللام المشددة وامرأة ابن عمر هذه اسمها آمنة بنت غفار، وقيل: اسمها النوار، ويمكن الجمع بأن يكون اسمها آمنة، ولقبها النوار. ولم يؤنث لفظ "حائض" لأن الصفة إذا كانت خاصة بالنساء فلا حاجة لتأنيثها، وجملة "وهي حائض" في محل النصب على الحال.

стр. 3152

والراوي هنا عن ابن عمر نافع، وقد سمع القصة عن ابن عمر، فحكاها، وهي الرواية الثالثة، يسند القول لابن عمر، "قال: طلقت امرأتي ... " وفي الرواية العاشرة يقول يونس بن جبير: سمعت ابن عمر يقول: "طلقت امرأتي ... " وكذا الرواية الثانية عشرة عن ابن سيرين. (في عهد رسول اللَّه ﷺ أي في زمنه وأيام حياته، والجار والمجرور متعلق بـ"طلق" قال الحافظ ابن حجر: وأكثر الرواة لم يذكروا ذلك، استغناء بما في الخبر أن عمر سأل رسول الله ﷺ عن ذلك، فاستلزم أن ذلك وقع في عهده. وزاد في الرواية الثانية "تطليقة واحدة" وفي ملحقها "جود مسلم هذه الزيادة" وقال: جود الليث في قوله "تطليقة واحدة. يعني أنه حفظ وأتقن قدر الطلاق الذي لم يتقنه غيره، ولم يخطئ فيه، ولم يجعله ثلاثًا، كما أخطأ فيه غيره، كما تصرح بهذا الخطأ الرواية الثامنة، ولم يهمله الليث، كما أهملته روايات كثيرة، بل بينه بيانًا صحيحًا. (فسأل عمر بن الخطاب رسول اللَّه ﷺ عن ذلك) الإشارة إلى الطلاق بهذه الصفة، وفي الكلام مضاف محذوف، أي عن حكم ذلك الطلاق، وفي الرواية الحادية عشرة "فذكر ذلك لعمر، فذكره للنبي ﷺ " وفي سؤال عمر النبي ﷺ إشعار بأنه لم يتقبل هذا العمل شرعًا، إما لأن الطلاق في الحيض كان ممنوعًا منهيًا عنه، وتعقب بأنه لو كان كذلك لعلمه ابن عمر، ولم يفعله، وأجيب بأن عمر ربما كان يعلم أنه ممنوع، لكن لا يعلم ماذا يصنع من فعل ذلك؟ فسأل، ويحتمل أن حكم الطلاق في الحيض لم يكن بين بعد، فوقع في نفس عمر تساؤل عنه بعد نزول قوله تعالى: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ فسأل. زاد في الرواية الخامسة "فتغيظ رسول الله ﷺ " قال ابن دقيق العيد: وتغيظ النبي ﷺ إما لأن المعنى الذي يقتضي المنع كان ظاهرًا، فكان مقتضى الحال التثبت في ذلك، أو لأنه كان مقتضى الحال مشاورة النبي ﷺ في ذلك إذا عزم عليه. (مره فليراجعها) أمر رسول اللَّه ﷺ عمر أن يأمر ابنه بالمراجعة. فهل ابن عمر حينئذ يكون مأمورًا من رسول الله ﷺ ؟ وبلغة الأصوليين: هل الأمر بالأمر بشيء أمر بذلك الشيء؟ سيأتي تفصيله وتوضيحه في فقه الحديث، وفي الرواية الثانية "فأمره رسول الله ﷺ أن يراجعها" والضمير في "فأمره رسول الله ﷺ " لابن عمر، كما هو ظاهر، فكأن ابن عمر اعتبر أمر عمر أن يأمره أمرًا له من رسول الله ﷺ ، وفي ملحق الرواية الثانية "فإن رسول الله ﷺ أمرني بهذا" أي بالرجعة. واللام في "فليراجعها" لام الأمر، تجزم الفعل المضارع، والكثير فيها إسكانها بعد الفاء والواو، وقد تكسر، وكسرها بعد "ثم" كثير، وقد تسكن. وأصل "مر" اؤمر بهمزتين، الأولى همزة الوصل جيء بها توصلاً للنطق بالساكن، كما في اكتب، فإن وصل بما قبله سقطت، نحو قوله تعالى: ﴿وأمر أهلك بالصلاة﴾ [طه: ١٣٢] والهمزة الثانية فاء الكلمة، فحذفوها تخفيفًا، فلم يعد هناك داع لهمزة الوصل لتحرك ما بعدها، فقيل "مر".

стр. 3153

(ثم ليتركها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر) اللام في "ليتركها" ساكنة، والمراد بتركها في عصمته حائضًا حتى تطهر من حيضتها، وحتى تحيض حيضة أخرى، غير التي طلقت وروجعت فيها، وحتى تطهر من حيضتها الثانية، وفي الرواية الثانية "فأمره رسول الله ﷺ " أن يراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض عنده حيضة أخرى، ثم يمهلها حتى تطهر من حيضتها" وفي الرواية الثالثة "مره فليراجعها، ثم ليدعها - أي ليمسكها - حتى تطهر، ثم تحيض حيضة أخرى، فإذا طهرت فليطلقها ... " وفي الرواية الخامسة "فليراجعها حتى تحيض حيضة أخرى مستقبلة، سوى حيضتها التي طلقها فيها" وعلى هذا تحمل الروايات التي لم تذكر الحيضة الثانية، حيث إن القضية واحدة، كالرواية السادسة، وفيها "مره فليراجعها، ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملاً" والرواية التاسعة، وفيها "فأمره أن يراجعها، حتى يطلقها طاهرًا من غير جماع" والرواية العاشرة، وفيها "ليراجعها، فإذا طهرت فإن شاء فليطلقها" والحادية عشرة، وفيها "مره فليراجعها، فإذا طهرت فليطلقها لطهرها" والثانية عشرة، وفيها "مره فليراجعها، ثم إذا طهرت فليطلقها" والرابعة عشرة، وفيها "ليراجعها ... وإذا طهرت فليطلق أو ليمسك". فتحمل هذه الروايات على أن فيها طيًا وحذفًا، وأن ابن عمر أمر بالإمساك حيضة أخرى، وإن لم يشترط ذلك عامة الفقهاء، وسيأتي توضيحه في فقه الحديث. (ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس) أي قبل أن يجامع، وفي الرواية الثانية "فإن أراد أن يطلقها فليطلقها حين تطهر من قبل أن يجامعها" وفي الرواية الثالثة "فإذا طهرت فليطلقها قبل أن يجامعها، أو يمسكها" وفي الرواية الرابعة "ثم يطلقها قبل أن يمسها" أي إن شاء، وفي الرواية الخامسة "فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرًا من حيضتها، قبل أن يمسها". (فتلك العدة التي أمر اللَّه أن يطلق لها النساء) أي فتلك التطليقة التي تستقبل بها المرأة عدتها من غير تطويل عليها، والتي أمر الله بها في قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن﴾ وفي الرواية الرابعة عشرة "قال ابن عمر: وقرأ النبي ﷺ ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ بضم القاف والباء - أي وقت استقبال عدتهن، قال النووي: هذه قراءة ابن عباس وابن عمر، وهي شاذة، لا تثبت قرآنًا بالإجماع. اهـ. والآية تنادي النبي ﷺ وتعم المخاطبين بالحكم، لأن النبي ﷺ إمام أمته، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم: يا فلان. افعلوا كيت وكيت. وقيل: الخطاب كالنداء، له ﷺ ، إلا أنه اختير ضمير الجمع "إذا طلقتم" للتعظيم. وقوله ﴿إذا طلقتم النساء﴾ فيه مجاز المشارفة، أي إذا أردتم تطليقهن، وأشرفتم على ذلك، ففيه تنزيل المشارف للفعل منزلة المباشر له، ولولا هذا المجاز لم يستقم الكلام، إذ يكون لطلب تحصيل الحاصل. واللام في ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ على القراءة المتواترة لام التوقيت، أي فطلقوهن لوقت عدتهن، أو مستقبلات عدتهن، أي في الوقت الذي يحتسب من عدتهن، والحيض الذي تطلق فيه لا يحتسب من العدة باتفاق، فالمطلوب طلاقها في

стр. 3154

طهر لم يجامع فيه، فهي بذلك تعتد بذلك الطهر ويحسب لها قرءًا من ثلاثة قروء، على مذهب الشافعي وموافقيه، بتفسير القرء بالطهر، وإذا فسر القرء بالحيض كما يقول أبو حنيفة وموافقوه، استقبلت عدتها بالحيضة التي تلي الطهر الذي لم تجامع فيه. (أما أنت طلقت امرأتك مرة أو مرتين فإن رسول اللَّه ﷺ أمرني بهذا، وإن كنت طلقتها ثلاثًا فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجًا غيرك، وعصيت اللَّه فيما أمرك من طلاق امرأتك) في الرواية الرابعة "أما أنت طلقتها واحدة أو اثنتين إن رسول الله ﷺ أمره أن يراجعها .. وأما أنت طلقتها ثلاثًا فقد عصيت ربك فيما أمرك به من طلاق امرأتك، وبانت منك". ومقصود العبارتين أن الرجعة المأمور بها إنما تكون بعد طلقة واحدة أو طلقتين. فإن طلقها الثالثة في حيض بانت منه، ولا رجعة، والطلاق في الحيض حرام ومعصية، سواء كانت طلقة أولى أو ثانية أو ثالثة. هذا مقصود العبارتين، أما كيفية دلالة الألفاظ على هذا المقصود فقد قال القاضي عياض: قيل: إنه بفتح الهمزة من "أما" أي وتخفيف الميم، بعدها "إن" الشرطية - أي أما إن كنت، فحذفوا الفعل "كان" فانفصل الضمير "أنت" وفتحوا همزة "إن" الشرطية، وأدغموا النون في "ما" فصارت "أما أنت" بتشديد الميم، ويدل على ذلك قوله بعد "وإن كنت طلقتها ثلاثًا .... ". (قلت لنافع: ما صنعت التطليقة؟ قال: واحدة اعتد بها) أي ماذا كانت نتيجة التطليقة التي طلقها ابن عمر في الحيض؟ قال: كانت واحدة، فحسبت عليه، فاعتد بها ابن عمر، وحسبها، وفي الرواية الخامسة "وكان عبد الله طلقها تطليقة واحدة، فحسبت من طلاقها، وراجعها ... " وفي ملحق هذه الرواية "قال ابن عمر: فأرجعتها، وحسبت لها التطليقة التي طلقتها" وفي الرواية الثامنة "أفحسبت عليه؟ قال: فمه؟ أو إن عجز واستحمق؟ ". "فمه" الفاء في جواب شرط مقدر، و"مه" اسم فعل أمر، أي إذا كان الأمر واضحًا فانزجر وكف عن الشك في احتسابها. وقيل "مه" أصلها "ما" الاستفهامية، أبدلت الألف هاء، كما قالوا في "مهما" أصلها "ماما" أي: أي شيء؟ والمعنى: فماذا يترتب على احتسابها؟ أي لا يترتب على احتسابها شيء، فلا يكون إلا احتسابها، ومعنى "أو إن عجز واستحمق" أفيرتفع عنه الطلاق لأنه جهل الحكم وكان أحمق؟ والاستفهام إنكاري، أي لا مانع من حسبان الطلاق وإن كان عاجزًا عن إدراك الحكم ساعتها وكان أحمق، وفي الرواية العاشرة "أفتحتسب بها؟ قال: ما يمنعه"؟ أي ما يمنع ابن عمر من احتسابها؟ "أرأيت إن عجز واستحمق"؟ أي أخبرني إن لم يدرك الحكم وصار أحمق. أيعفيه ذلك من احتسابها؟ لا يعفيه، وفي الرواية الحادية عشرة "قال: ما لي لا أعتد بها؟ وإن كنت عجزت واستحمقت"؟ وجاء في غير مسلم أن ابن عمر قال: أرأيت إن كان ابن عمر عجز واستحمق، فما يمنعه أن يكون طلاقًا؟ " وقال القاضي: أي إن عجز عن الرجعة، وفعل فعل الأحمق، وقال الكرماني: يحتمل أن يكون كلمة "إن" نافية، أي ما عجز ابن عمر، وما استحمق.

стр. 3155

-[فقه الحديث]- يتعلق الحديث بثلاث نقاط أساسية: ١ - الأحكام الشرعية للطلاق في ذاته، ومن حيث ما يعرض له من أسباب ودوافع. ٢ - الطلاق في الحيض، وما يتعلق به. ٣ - ما يؤخذ من الحديث من أحكام أخرى. أما عن النقطة الأولى فقد قال غير واحد: الطلاق في ذاته محظور، لما فيه من كفران نعمة النكاح، وإنما يباح، أو يستحب، أو يجب للحاجة التي تختلف قوة وضعفًا، ومعنى هذا أننا لو جردناه من دوافع الفعل ومن دوافع الترك الآتية يكون مكروهًا، كمن يطلق لمجرد العبث والقدرة على الزواج والطلاق، ويمكن أن يستدل له بما رواه أبو داود وابن ماجه عن النبي ﷺ قال: "إن من أبغض المباحات عند الله الطلاق" وفي لفظ "أبغض الحلال إلى الله الطلاق" والحلال البغيض أو الأبغض يمكن أن يصدق على المكروه. وقيل هو في أصله مباح، لوصفه في الحديثين السابقين بالإباحة والحل، وقد يستدل لهذا أيضًا بقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ والخلاف في هذا سهل يسير، لأن هذه الصورة نادرة أو فرضية، وما مثل به من طلاق المغيرة بن شعبة زوجاته الأربع، حيث قال لهن في دفعة واحدة: أنتن حسنات الأخلاق، ناعمات الأطواق، طويلات الأعناق. اذهبن فأنتن طلاق. فهو محمول على وجود حاجة لم يصرح بها. أما من حيث أسباب الطلاق ودوافعه فقد يكون واجبًا، كطلاق المولى الذي آلى أن لا يطأ زوجته أربعة أشهر، أي حلف ألا يطأها أربعة أشهر، وهو قادر على الوطء، فيتربص أربعة أشهر، فإن انقضت ولم يكن له عذر ثبت لها المطالبة بالفيئة أو الطلاق، فإن طالبته بذلك وجب الفيئة أو الطلاق، ولو امتنع طلق عليه الحاكم على القول الصحيح. وكالطلاق الذي حكم به الحكمان بسبب الشقاق الذي يستحيل معه العشرة. وقد يكون مستحبًا، كما إذا وقعت الخصومة بين الزوجين، وخافا أن لا يقيما حدود الله، أو تكون غير عفيفة، أو سيئة الخلق، بحيث لا يصبر على عشرتها عادة، فيستحب له طلاقها. وقد يكون حرامًا كالطلاق البدعي، وهو موضوع النقطة الثانية الآتية. وقد يكون مكروهًا كطلاق مستقيمة الحال، ولا يكره شيئًا من خلقها، ولا دينها، وتطيب نفسه بمؤنتها وعشرتها. فإن خلا الطلاق من هذه الأسباب ومن تلك الدوافع كان مباحًا، ونفاه النووي، وصوره بعضهم بما إذا كان لا يريدها ولا تطيب نفسه أن يتحمل مؤنتها، من غير حصول غرض الاستمتاع، وقد سبق توضيح هذا النوع بما فيه الكفاية، واللَّه أعلم.

стр. 3156

أما النقطة الثانية فهي الطلاق البدعي، وهي الطلاق في الحيض، أو في طهر جامعها فيه، والحكمة في ذلك حمايتها من تطويل العدة عليها، لأنها إذا طلقت في الحيض لم تحسب هذه الحيضة من القروء المطلوبة للعدة بقوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة: ٢٢٨] عند القائلين بأن المراد بالقرء الحيض وهم الحنفية وموافقوهم، لأنهم يشترطون أن تستقبل العدة بحيضة كاملة، وتطول أيضًا إذا طلقها في طهر جامعها فيه، لاحتمال أن تحمل فتطول أو يندم، وعند القائلين بأن المراد بالقرء الطهر، وهم المالكية والشافعية وموافقوهم ستطول عدتها بزمن الحيضة التي طلقت فيها، لأنها لا تحتسب، كذلك ستطول عدتها إذا طلقت في طهر جامعها فيه، لأن هذا الطهر لن يحتسب من عدتها، فتطول ببقية أيام هذا الطهر وبالحيضة الكاملة التي بعده، وقد تحمل فيندم. والقرء في اللغة يطلق على الحيض والطهر، لهذا اختلف الفقهاء في المراد منه، كما سبق، فمن قال إن المراد به الحيض اشترط في العدة ثلاث حيضات كاملة، أي لا تخرج من العدة إلا بانقطاع الدم في الحيضة الثالثة، وقيل: حتى ينقطع الدم وتغتسل، أو يذهب وقت صلاة، وقيل: تنتهي العدة بانقطاع الدم، وتنقطع الرجعة ويصح الصيام، لكن لا تحل للأزواج حتى تغتسل احتياطًا، وخروجًا من الخلاف. أما القائلون بأن المراد من الأقراء الأطهار فتبدأ العدة بطهر لم يجامعها فيه، ولو طلقها قبل نهاية هذا الطهر بلحظة، فهو محسوب من العدة، حيث لم يجامعها فيه، واختلفوا في نهاية العدة، فقيل، بمجرد رؤية الدم بعد الطهر الثالث، وقيل: بعد انقضاء يوم وليلة على رؤية الدم، ويتفرع على هذا مسائل: الأولى: لو كانت الحائض حاملاً - على القول بأن الحامل تحيض - فالصحيح عند الشافعية، وهو نص الشافعي أن طلاقها لا يحرم، لأن تحريم الطلاق في الحيض إنما كان لمنع تطويل العدة، والحامل الحائض عدتها بوضع الحمل، فلا يحصل في حقها تطويل، وقال أبو إسحاق: هو بدعة، لأنه طلاق في الحيض، وعن أحمد رواية أنه ليس بسني ولا بدعي. الثانية: طلاق غير المدخول بها في الحيض لا يحرم، وليس طلاق بدعة، لأنه لا عدة عليها. الثالثة: المدخول بها الصغيرة التي لا تحمل، والكبيرة الآيسة التي لا تحمل، طلاقها في الحيض ليس بدعة، ولا يحرم. الرابعة: لو طلقها في حيض طلقة أولى أو ثانية أمر بالرجعة، قال النووي: أجمعوا على أنه إذا طلقها في حيض أمر برجعتها، وهذه الرجعة مستحبة، لا واجبة، هذا مذهبنا، وبه قال الأوزاعي وأبو حنيفة وسائر الكوفيين وأحمد وفقهاء المحدثين وآخرون، وقال مالك وأصحابه: هي واجبة. اهـ ويجبر عليها، فإن امتنع أدبه الحاكم، فإن أصر ارتجع الحاكم عليه، ووضح الحافظ ابن حجر حجة

стр. 3157

الفريقين، فقال: أما القائلون بأنها مستحبة فاحتجوا بأن ابتداء النكاح لا يجب، فاستدامته كذلك، والحجة لمن قال بالوجوب ورود الأمر بها، ولأن الطلاق لما كان محرمًا في الحيض كانت استدامة النكاح في الحيض واجبة. فإن تمادى الذي طلق في الحيض، ولم يراجع حتى طهرت، قال مالك وأكثر أصحابه: يجبر على الرجعة أيضًا، وقال أشهب من أصحابه: إذا طهرت انتهى الأمر بالرجعة. واتفقوا على أنها إذا انقضت عدتها أن لا رجعة، وأنه إذا طلقها في طهر قد مسها فيه لا يؤمر بمراجعتها، كذا نقله ابن بطال وغيره، لكن الخلاف فيه ثابت، قد حكاه الحناطي من الشافعية وجهًا، واتفقوا على أنه لو طلق قبل الدخول وهي حائض لم يؤمر بالمراجعة، إلا ما نقل عن زفر، فقد طرد الباب. اهـ. الخامسة: لو طلقها في الحيض، وراجعها، وأراد أن يطلقها، فهل يطلقها في الطهر الذي يلي تلك الحيضة التي طلقها فيها، قبل أن يجامعها؟ أو يمسكها بعد هذا الطهر حتى تحيض حيضة أخرى عنده، ثم تطهر طهرًا آخر، يطلق فيه، كما هو ظاهر أكثر روايات الحديث؟ . قال الحافظ ابن حجر: في جواز تطليقها في الطهر الذي يلي الحيضة التي وقع فيها الطلاق والمراجعة وجهان للشافعية، أصحهما المنع، وبه قطع المتولي، وهو الذي يقتضيه ظاهر الزيادة التي في الحديث، وكلام المالكية يقتضي أن التأخير مستحب، وقال ابن تيمية في المحرر: ولا يطلقها في الطهر المتعقب له، فإنه بدعة. وعن أحمد جواز ذلك، وفي كتب الحنفية عن أبي حنيفة الجواز، وعن أبي يوسف ومحمد المنع. ثم ذكر وجهة نظر الفريقين، فقال: ووجه الجواز أن التحريم إنما كان لأجل الحيض، فإذا طهرت زال موجب التحريم، فجاز طلاقها في هذا الطهر، كما يجوز في الطهر الذي بعده، وكما يجوز طلاقها في الطهر، حيث لم يتقدم طلاق في الحيض. اهـ. ويجيبون عن أمر ابن عمر بالإمساك طهرًا، ثم حيضة أخرى بأن هذا كان خاصًا بابن عمر ﵁ عقوبة له على وقوعه في أمر، لا يخفى على مثله، أو أن الأمر بهذا التأخير للإرشاد، لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا، ولعل طول مدة الإمساك يجعله يجامعها، أو يذهب ما في نفسه من سبب طلاقها، فيمسكها. أما وجهة نظر المانعين للتطليق في الطهر الذي يلي حيضة الطلاق فقيل: إن الطهر الأول مع الحيض الذي يليه كقرء واحد، فلو طلقها في أول طهر كان كمن طلق في الحيض، وهو ممنوع أن يطلق في الحيض، فلزم أن يتأخر إلى الطهر الثاني، وقيل: عقوبة له من معصية جنايته، حيث قصد تطويل العدة، فعوقب بتطويل الإمساك. وخير ما قيل في ذلك أن الأمر بهذا التأخير لئلا تصير الرجعة لغرض الطلاق، إذ لو طلقها عقب تلك الحيضة كان قد راجعها ليطلقها، وهذا عكس مقصود الرجعة، فإنها شرعت لإيواء المرأة، ولإعطائها فرصة الإصلاح، ولهذا سماها إمساكًا، فأمره أن يمسكها في ذلك الطهر، وأن لا يطلق فيه

стр. 3158

حتى تحيض حيضة أخرى، ثم تطهر، لتكون الرجعة للإمساك، لا للطلاق، قال الحافظ ابن حجر: ويؤيد ذلك أن الشارع أكد هذا المعنى حيث أمر أن يمسكها في الطهر الذي يلي الحيض الذي طلقها فيه، فإذا كان قد أمره بأن يمسكها في ذلك الطهر، فكيف يبيح له أن يطلقها فيه؟ السادسة: لو طلقها في الحيض. هل تحسب هذه التطليقة عليه؟ ظاهر الروايات أنها تحسب عليه تطليقة، ففي الرواية الثالثة "ما صنعت التطليقة؟ قال: واحدة أعتد بها" وفي ملحق الرواية الخامسة "وكان عبد الله طلقها تطليقة واحدة، فحسبت من طلاقها" وفي رواية "قال ابن عمر: فراجعتها، وحسبت لها التطليقة التي طلقتها" وفي الرواية التاسعة "أتعتد بتلك الطلقة؟ فقال: فمه؟ أو إن عجز واستحمق"؟ وفي الرواية العاشرة "أفاحتسبت بها؟ قال: ما يمنعه؟ أرأيت إن عجز واستحمق؟ وفي الرواية الحادية عشرة "فاعتددت بتلك التطليقة التي طلقت وهي حائض؟ قال: ما لي لا أعتد بها؟ وإن عجزت واستحمقت". قال النووي: وبه قال العلماء كافة، وشذ بعض أهل الظاهر، فقال: لا يقع طلاقه، لأنه غير مأذون له فيه، فأشبه طلاق الأجنبية. قال النووي: والصواب الأول، ودليلهم الأمر بالرجعة، ولو لم يقع لم تكن رجعة، فإن قيل: المراد بالرجعة الرجعة اللغوية، وهي الرد إلى حالها الأول، لا أنه تحسب عليه طلقة. قلنا: هذا غلط لوجهين. أحدهما: أن حمل اللفظ على الحقيقة الشرعية يقدم على حمله على الحقيقة اللغوية، كما تقرر في علم أصول الفقه، الثاني: أن ابن عمر صرح في روايات مسلم وغيره بأنه حسبها طلقة. اهـ. قال الحافظ ابن حجر: كأن النووي أراد ببعض الظاهرية ابن حزم، فإنه ممن جرد القول بذلك، وانتصر له، وبالغ، وأجاب عن أمر ابن عمر بالمراجعة بأن ابن عمر كان اجتنبها، فأمره أن يعيدها إليه على ما كانت عليه من المعاشرة، فحمل المراجعة على معناها اللغوي، وأجاب عن قول ابن عمر: حسبت على تطليقة بأنه لم يصرح بمن حسبها عليه، ولا حجة في أحد دون رسول الله ﷺ . قال الحافظ ابن حجر: وقد وافق ابن حزم على ذلك من المتأخرين ابن تيمية، وله كلام طويل في تقرير ذلك، والانتصار له، وأعظم ما احتجوا به ما وقع في رواية أبي الزبير [روايتنا الرابعة عشرة] "ليراجعها، فردها، وقال: إذا طهرت فليطلق أو يمسك" لفظ مسلم، ولفظ أبي داود" فردها علي" وزاد أبو داود "ولم يرها شيئًا" قال أبو داود: روى هذا الحديث عن ابن عمر جماعة، وأحاديثهم كلها على خلاف ما قاله أبو الزبير، وقال ابن عبد البر: قوله "ولم يرها شيئًا" منكر، لم يقله غير أبي الزبير، وليس بحجة فيما خالفه فيه مثله، فكيف بمن هو أثبت منه؟ ولو صح فمعناه عندي - والله أعلم - ولم يرها شيئًا مستقيمًا، لكونها لم تقع على السنة. وقال الخطابي: قال أهل الحديث: لم يرو أبو الزبير حديثًا أنكر من هذا، وقد يحتمل أن يكون معناه لم يرها شيئًا تحرم معه المراجعة، أو لم يرها شيئًا جائزًا في السنة، ماضيًا في الاختيار، وإن كان لازمًا له مع الكراهة، ونقل البيهقي في "المعرفة" عن الشافعي أنه

стр. 3159

ذكر رواية أبي الزبير، فقال: نافع أثبت من أبي الزبير، والأثبت من الحديثين أولى أن يؤخذ به إذا تخالفا، وقد وافق نافعًا غيره من أهل الثبت. اهـ. وأطال الحافظ ابن حجر في هذه المسألة بما لم يسمح بذكره المقام. والله أعلم. -[وأما عن النقطة الثالثة فيؤخذ من الحديث]- ١ - قال ابن دقيق العيد: يتعلق بقوله "مره فليراجعها" مسألة أصولية، وهي أن الأمر بالأمر بالشيء. هل هو أمر بذلك الشيء؟ أم لا؟ فقال ابن الحاجب: الأمر بالأمر بالشيء ليس أمرًا بذلك الشيء، لأنه لو كان أمرًا بذلك الشيء لكان قولنا: مر عبدك بكذا تعديًا - أي وكان أمرًا للعبد بما لا يملك الآمر. وقال الرازي: الأمر بالأمر بالشيء أمر بذلك الشيء، والتحقيق التفرقة، إن كان الآمر الأول بحيث يسوغ له الحكم على المأمور الثاني فهو أمر له، وإلا فلا. قال الحافظ ابن حجر: وهذا قوي، وهو مستفاد من الدليل الذي استدل به ابن الحاجب على النفي، لأنه لا يكون متعديًا إلا إذا أمر من لا حكم له عليه، لئلا يصير متصرفًا في ملك غيره بغير إذنه، والشارع حاكم على الآمر والمأمور، فوجد فيه سلطان التكليف على الفريقين، ومنه قوله تعالى ﴿وأمر أهلك بالصلاة﴾ [طه: ١٣٢] فإن كل أحد يفهم منه أمر اللَّه لأهل بيته بالصلاة. ثم ذكر الحافظ نظائر كثيرة، ثم قال: والحاصل أن الخطاب إذا توجه لمكلف أن يأمر مكلفًا آخر بفعل شيء كان المكلف الأول مبلغًا محضًا، والثاني مأمور من قبل الشارع، فإذا أمر الأول الثاني بذلك، فلم يمتثله كان عاصيًا، وإن توجه الخطاب من الشارع لمكلف أن يأمر غير مكلف، أو توجه الخطاب من غير الشارع بأمر من له عليه الأمر أن يأمر من لا أمر للأول عليه لم يكن الأمر بالأمر بالشيء أمرًا بالشيء. فهذا فصل الخطاب. والله المستعان. ٢ - وفيه أن الرجعة يستقل بها الزوج، دون الولي. ٣ - وأن الرجعة لا تفتقر إلى رضا المرأة، ولا رأيها، ولا تجديد عقد، لأنه جعل ذلك إليه دون غيره، وهو كقوله تعالى ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك﴾ [البقرة: ٢٢٨]. ٤ - وفيه أن طلاق الطاهرة لا يكره، لأنه أنكر إيقاعه في الحيض، لا في غيره، ولقوله في آخر الحديث "فإن شاء أمسك، وإن شاء طلق" كذا قال الحافظ ابن حجر، وفيه نظر، فقد يكره لسبب آخر كما ذكرنا في أحكام الطلاق. ٥ - وفيه أن الحامل لا تحيض لقوله في الرواية السادسة "ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملاً" فحرم ﷺ الطلاق في زمن الحيض، وأباحه في زمن الحمل، فدل على أنهما لا يجتمعان. قال الحافظ: وأجيب بأن حيض الحامل لما لم يكن له تأثير في تطويل العدة ولا تخفيفها - لأنها بوضع الحمل - أباح الشارع طلاقها حاملاً مطلقًا، وأما غير الحامل ففرق بين الحائض والطاهر. اهـ. وهذا على جعل لفظ "أو" مانعة جمع، كقولنا: تزوج هندًا أو أختها، لكن لو جعلناها مانعة خلو تبيح الجمع، من قبيل: جالس الحسن أو ابن سيرين فلا يؤخذ من الحديث هذا المأخذ.

стр. 3160

٦ - وفيه أن الأب يقوم عن ابنه البالغ الرشيد في الأمور التي تقع له، مما يحتشم الابن من ذكره، ويتلقى عنه ما لعله يلحق من العتاب على فعله، شفقة منه وبرًا. ٧ - واستدل به من ذهب إلى أن المراد بالأقراء الأطهار، لقوله في الروايات الخمس الأوليات "فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء" للأمر بطلاقها في الطهر، وقوله تعالى ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ أي وقت ابتداء عدتهن، وقد جعل للمطلقة تربص ثلاثة قروء، فلما نهي عن الطلاق في الحيض، وقال: إن الطلاق في الطهر هو الطلاق المأذون فيه، علم أن الأقراء الأطهار. قاله ابن عبد البر. ٨ - قال النووي: في قوله "ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملاً" دلالة لجواز طلاق الحامل التي تبين حملها، وهو مذهب الشافعي. قال ابن المنذر: وبه قال أكثر العلماء، منهم طاووس والحسن وابن سيرين وربيعة وحماد بن أبي سليمان ومالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد، قال ابن المنذر: وبه أقول، وبه قال بعض المالكية، وقال بعضهم: هو حرام، وحكى ابن المنذر رواية أخرى عن الحسن أنه قال: طلاق الحامل مكروه. ثم مذهب الشافعي ومن وافقه أن له أن يطلق الحامل ثلاثًا بلفظ واحد، وبألفاظ متصلة، وفي أوقات متفرقة، وكل ذلك جائز، لا بدعة فيه، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: يجعل بين الطلقتين شهرًا، وقال مالك وزفر ومحمد بن الحسن: لا يوقع عليها أكثر من واحدة حتى تضع. اهـ. ٩ - ومن قوله في الرواية الأولى "وإن شاء طلق قبل أن يمس" وفي الثانية "فإن أراد أن يطلقها فليطلقها حين تطهر، من قبل أن يجامعها" وفي الثالثة "فإذا طهرت فليطلقها قبل أن يجامعها" وفي الرابعة "ثم يطلقها قبل أن يمسها" وفي الخامسة "فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرًا من حيضتها قبل أن يمسها" وفي التاسعة "حتى يطلقها طاهرًا من غير جماع" استدل على أن الطلاق في طهر جامعها فيه حرام، وبه صرح الجمهور. وقال المالكية: لا يحرم، وفي رواية كالجمهور، ورجحها الفاكهاني، لكونه شرط في الإذن في الطلاق عدم المسيس، والمعلق بشرط، معدوم عند عدمه. ١٠ - وفي الحديث حرص الإسلام أن لا يشق الزوج بالزوجة، حتى عند فراقه لها، مهما كان غاضبًا عليها. واللَّه أعلم

стр. 3161

(٣٩٦) باب طلاق الثلاث وكفارة من حرم امرأته ولم ينو الطلاق ٣٢٤٩ - عن ابن عباس ﵄ قال كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر، طلاق الثلاث واحدة. فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم. ٣٢٥٠ - عن أبي الصهباء أنه قال لابن عباس: أتعلم أنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد النبي ﷺ وأبي بكر، وثلاثًا من إمارة عمر؛ فقال ابن عباس: نعم. ٣٢٥١ - عن طاوس أن أبا الصهباء قال لابن عباس: هات من هناتك. ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر واحدة؟ فقال: قد كان ذلك. فلما كان في عهد عمر تتابع الناس في الطلاق. فأجازه عليهم. ٣٢٥٢ - عن ابن عباس ﵄ أنه كان يقول، في الحرام: يمين يكفرها. وقال ابن عباس: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ [الأحزاب: ٢١]. ٣٢٥٣ - عن ابن عباس ﵄ قال: إذا حرم الرجل عليه امرأته فهي يمين يكفرها. وقال: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ ٣٢٥٤ - عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ كان يمكث عند زينب بنت

стр. 3162

جحش فيشرب عندها عسلاً. قالت فتواطيت أنا وحفصة؛ أن أيتنا ما دخل عليها النبي ﷺ فلتقل: إني أجد منك ريح مغافير. أكلت مغافير؟ فدخل على إحداهما فقالت ذلك له. فقال "بل شربت عسلاً عند زينب بنت جحش ولن أعود له" فنزل ﴿لم تحرم ما أحل الله لك﴾ إلى قوله: ﴿إن تتوبا﴾ لعائشة وحفصة ﴿وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثًا﴾ لقوله: بل شربت عسلاً. ٣٢٥٥ - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يحب الحلواء والعسل. فكان إذا صلى العصر، دار على نسائه. فيدنو منهن. فدخل على حفصة فاحتبس عندها أكثر مما كان يحتبس. فسألت عن ذلك، فقيل لي: أهدت لها امرأة من قومها عكة من عسل. فسقت رسول الله ﷺ منه شربة. فقلت: أما والله لنحتالن له. فذكرت ذلك لسودة. وقلت: إذا دخل عليك فإنه سيدنو منه. فقولي له: يا رسول الله أكلت مغافير؟ فإنه سيقول لك: لا. فقولي له: ما هذه الريح؟ (وكان رسول الله ﷺ يشتد عليه أن يوجد منه الريح) فإنه سيقول لك: سقتني حفصة شربة عسل. فقولي له: جرست نحله العرفط. وسأقول ذلك له. وقوليه أنت يا صفية. فلما دخل على سودة. قالت: تقول سودة: والذي لا إله إلا هو لقد كدت أن أبادئه بالذي قلت لي. وإنه لعلى الباب، فرقا منك. فلما دنا رسول الله ﷺ قالت: يا رسول الله أكلت مغافير؟ قال: "لا". قالت: فما هذه الريح؟ قال: "سقتني حفصة شربة عسل" قالت: جرست نحله العرفط. فلما دخل علي قلت له مثل ذلك. ثم دخل على صفية فقالت بمثل ذلك. فلما دخل على حفصة قالت: يا رسول الله ألا أسقيك منه؟ قال "لا حاجة لي به". قالت: تقول سودة: سبحان الله والله لقد حرمناه. قالت: قلت لها: اسكتي. -[المعنى العام]- كان الطلاق في الجاهلية لا يخضع لعدد معين، بل ولا يخضع لذم أو تنفير، فجاء الإسلام فأقر مبدأه، فقد يكون ضرورة، أو تدعو إليه حالات الشقاق بين الزوجين، أباحه الإسلام لكن نفر منه، فقال ﷺ "أبغض الحلال إلى الله الطلاق".

стр. 3163

ولما كانت طبيعة البشر الغضب والرضا اقتضت الحكمة الإلهية، والرحمة بالأزواج أن يراجعوا طلقة وطلقتين أما الثالثة إذا وقعت لم تحل الزوجة حتى تنكح زوجًا غيره، فقال تعالى ﴿الطلاق مرتان﴾ وبعدهما ﴿فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ [البقرة: ٢٢٩]. ولم يحدد القرآن الكريم، ولا السنة النبوية فاصلاً زمنيًا بين الطلقات، فكان اختلاف العلماء. هل لو جمع الثلاث في لفظ واحد، أو في دقيقة واحدة تحسب ثلاثًا أو تحسب واحدة، فذهب الجمهور إلى الحزم والتقليل من أبغض الحلال، والتحذير من التلاعب بألفاظ الطلاق، فحكم بأنها تحسب ثلاثًا. وذهب قلة من العلماء إلى أنها تحسب واحدة ما دامت في لفظ واحد. وكان على رأس الحزم عمر بن الخطاب ﵁، ووافقه الصحابة، وأجمعوا على ما ذهب إليه. ولما كان الطلاق يصدر من الرجل بألفاظ صريحة لا تقبل التأويل لم يشترط فيها النية، ويصدر من الرجال بألفاظ غير صريحة، تحتمل الطلاق وغيره اشترط فيها النية. ومن الألفاظ غير الصريحة لفظ "حرمت زوجتي" أو "زوجتي فلانة علي حرام" هذه اللفظة ونحوها تتبع النية، فإن نوى بها طلاقًا وقع الطلاق، وإن نوى بها ظهارًا وقع الظهار، وإن نوى بها يمينًا لزمه كفارة يمين، وإن لم ينو بها شيئًا كانت لغوًا. على خلاف بين العلماء. أما تحريم الحلال من غير الزوجة، كقوله: هذا الطعام علي حرام، أو كلامك علي حرام. أو بيتك علي حرام، أو أموالك علي حرام، أو ما شابه ذلك من تحريم ما أحل الله فلا يلزم منه شيء، إلا إذا حلف على ذلك، فعليه كفارة يمين إن فعل ما حرمه على نفسه. هذا فضل من الله على أمة محمد ﷺ ، فإن من كان قبلهم كانوا إذا حرموا شيئًا حرم عليهم، كما وقع ليعقوب "إسرائيل" ﵇، فقد روي أنه كان به عرق النساء، فجعل على نفسه إن شفاه الله أن لا يأكل العروق من كل شيء، فشفاه الله، وألزمه تحريم ما حرم، وأخبرنا بذلك، فقال جل شأنه ﴿كل الطعام كان حلاً لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه﴾ [آل عمران: ٩٣]. فكان من نعم الله على هذه الأمة أن خفف ذلك عليهم، فلم يحرم عليهم ما حرموا على أنفسهم، ونهاهم أن يحرموا على أنفسهم شيئًا مما أحل لهم، فقال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾ [المائدة: ٨٧]. ولما حرم رسول الله ﷺ على نفسه العسل، لتحايل عليه وقع من بعض زوجاته، وحرم على نفسه وطء جاريته إرضاء لبعض زوجاته عاتبه ربه بقوله ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم﴾ [التحريم: ١، ٢]. فسبحان أحكم الحاكمين، شرع ما فيه مصالح العباد في الدنيا والآخرة، وخفف على

стр. 3164

الأمة الإسلامية ووضع عنها إصرها والأغلال التي كانت عليها. فتبارك الله أحسن الخالقين. والحمد لله رب العالمين. -[المباحث العربية]- (كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ أي في زمنه وفي حياته. (طلاق الثلاث واحدة) "طلاق الثلاث" بدل من "الطلاق" والبدل على نية تكرار العامل، أي كان طلاق الثلاث واحدة. فواحدة خبر، والمعنى: كان الطلاق الثلاث في دفعة واحدة يحسب واحدة. (إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة) "أناة" بفتح الهمزة، آخره تاء مربوطة، على وزن "قناة" الحلم والوقار والتثبت والرفق والانتظار وعدم العجلة، يقال: أني الرجل من باب سمع أينا، وتأني تأنيًا. والمعنى إن الناس استعجلوا الطلاق الثلاث، وأكثروا منه في دفعة واحدة، وكانوا من قبل لا يتعجلونه، ولا يطلقون الثلاث إلا نادرًا. (فلو أمضيناه عليهم) "لو" للتمني، فلا تحتاج إلى جواب، أي ليتنا نمضيه وننفذه عليهم، ونلزمهم به ثلاثًا - كما نطقوه، لا واحدة. ويصح أن تكون شرطية، وجواب الشرط محذوف، أي لكان خيرًا. (أتعلم أنما كانت الثلاث تجعل واحدة) "الثلاث" صفة لموصوف محذوف، أي التطليقات الثلاث. والاستفهام حقيقي، ولذلك أجاب. (وثلاثًا من إمارة عمر)؟ "ثلاثًا" منصوب على الظرفية، أي وكانت الثلاث تجعل واحدة في ثلاث سنوات من خلافة عمر، وفي الرواية الأولى "وسنتين من خلافة عمر" فيحتمل أن الواقع كان سنتين ونصفًا مثلاً، فألغي الكسر تارة، وجبر الكسر تارة أخرى. (هات من هناتك) أي من أخبارك وأمورك المستغربة، وفي كتب اللغة: الهناة الداهية والشدائد والأمور العظام، والكلمات والأراجيز. (تتايع الناس في الطلاق) قال النووي: هو بياء مثناة من تحت بين الألف والعين، هذه رواية الجمهور، وضبطه بعضهم بالباء الموحدة، وهما بمعنى، ومعناه أكثروا منه، وأسرعوا إليه، لكن بالياء المثناة إنما يستعمل في الشر، وبالباء الموحدة يستعمل في الخير والشر، فالياء المثناة هنا أجود. (فأجازه عليهم) ثلاثًا، أي أمضاه ونفذه عليهم ثلاثًا. (كان يقول في الحرام: يمين يكفرها) "في الحرام" متعلق بيقول، أي يقول فيمن قال لامرأته أنت علي حرام، يقول: هي يمين يكفرها قائلها. فيمين خبر لمبتدأ محذوف، وفي الرواية الخامسة" إذا حرم الرجل عليه امرأته فهي يمين يكفرها".

стр. 3165

(قال ابن عباس: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾) يشير بذلك إلى قوله تعالى ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ بعد قوله ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك﴾ [التحريم: ١] أي جعل الله لنبيه تحريم ما أحل يمينًا عليه كفارته. (فتواطيت أنا وحفصة) من التواطؤ، وهو التوافق، قال النووي: "فتواطيت" بالياء، هكذا هو في النسخ، وأصله فتواطأت بالهمز، اهـ، أي خففت الهمز، وفي البخاري "فتواصيت" بالصاد، من التواصي. (أن أيتنا ما دخل عليها النبي ﷺ فلتقل) "أيتنا" بفتح الهمزة، وتشديد الياء المفتوحة، وفتح التاء، وهي كلمة "أي" دخلت عليها تاء التأنيث وأضيفت إلى نون المتكلمين، و"ما" في "ما دخل عليها" زائدة. (أجد منك ريح مغافير. أكلت مغافير؟ ) الكلام في "أكلت" على الاستفهام، و"المغافير" بالغين والفاء، بعدها ياء في جميع نسخ البخاري، وفي بعض نسخ مسلم في بعض المواضع من الحديث بحذفها، قال القاضي عياض: والصواب إثباتها، لأنها عوض عن الواو التي في المفرد، اهـ والمغفور صمغ حلو، له رائحة كريهة، ينضحه شجر، يقال له: العرفط، بضم العين والفاء، بينهما راء ساكنة، آخره طاء، قال القاضي عياض: وزعم المهلب أن رائحة المغافير والعرفط حسنة، وهو خلاف ما يقتضيه الحديث، وخلاف ما قاله أهل اللغة. اهـ قال الحافظ ابن حجر: ولعل المهلب قال: خبيثة. فصحفت، أو استند إلى ما نقل عن الخليل، ونسبه ابن بطال إلى العين، من أن العرفط شجر العضاة، والعضاة كل شجر له شوك، وإذا استيك به كانت له رائحة حسنة، تشبه رائحة طيب النبيذ. اهـ وعلى هذا فيكون ريح عيدان العرفط طيبًا، وريح الصمغ الذي يسيل منه غير طيبة، ولا منافاة في ذلك، ولا تصحيف. قال القرطبي في المفهم: إن رائحة ورق العرفط طيبة، فإذا رعته الإبل خبثت رائحته. قال الحافظ ابن حجر: وهذا طريق آخر في الجمع حسن جدًا. (فدخل على إحداهما) قال الحافظ: أظنها حفصة. (قال: بل شربت عسلاً عند زينب بنت جحش) "بل" للإضراب الإبطالي. أي لم آكل مغافير، بل شربت عسلاً. وفي الرواية السابعة "فإنه سيقول لك: سقتني حفصة شربة عسل" فهاتان روايتان في الصحيح في قصة العسل، هل الشرب كان في بيت زينب بنت جحش، والقائلتان حفصة وسودة مع عائشة؟ أو كان في بيت حفصة؟ والقائلتان عائشة وصفية. أخرجهما ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه. قال السيوطي: وسنده صحيح عن ابن عباس. قال النووي: قال القاضي عياض: ذكر مسلم أن التي شرب عندها العسل زينب، وأن المتظاهرتين عليه عائشة وحفصة، وكذلك ثبت في حديث عمر بن الخطاب وابن عباس أن المتظاهرتين عائشة وحفصة، وذكر مسلم أيضًا أن حفصة هي التي شرب عندها العسل، وأن عائشة وسودة وصفية من

стр. 3166

اللواتي تظاهرن عليه. قال: والأول أصح. قال النسائي: إسناد حديث حجاج - روايتنا السادسة - صحيح جيد غاية. وقال الأصيلي: حديث حجاج أصح وهو أولى بظاهر كتاب الله تعالى، وأكمل فائدة، يريد قوله تعالى ﴿وإن تظاهرا عليه﴾ فهما ثنتان، لا ثلاث، وأنهما عائشة وحفصة كما قال فيه، وكما اعترف به عمر ﵁، وقد انقلبت الأسماء على الراوي في الرواية الأخرى. ثم قال القاضي عياض بعد هذا: الصواب أن شرب العسل كان عند زينب. (ولن أعود له) زاد في رواية "وقد حلفت، لا تخبري بذلك أحدًا". (فنزل ﴿لم تحرم ما أحل الله لك ... ﴾) هكذا ظهر أن سبب نزول الآية قضية شرب العسل، وقد أخرج النسائي والحاكم وصححه، ابن مردويه عن أنس أن رسول الله ﷺ كانت له أمة يطؤها فلم تزل به عائشة وحفصة حتى جعلها على نفسه حرامًا، فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿يا أيها النبي لم تحرم﴾ ويوافق ما أخرج البزار والطبراني بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: نزلت ﴿يا أيها النبي لم تحرم﴾ إلخ في سريته. قال الحافظ ابن حجر: والمشهور أن السبب مارية وأنه ﵇ وطئها في بيت حفصة في يومها، فوجدت وعاتبته، فقال ﷺ : ألا ترضين أن أحرمها، فلا أقربها: قالت: بلى. تحرمها، وفي رواية أن ذلك كان في بيت حفصة في يوم عائشة، وفي الكشاف: روي أن رسول الله ﷺ خلا بمارية في يوم عائشة، وعلمت بذلك حفصة، فقال لها: اكتمي علي، وقد حرمت مارية على نفسي، وأبشرك أن أبا بكر وعمر يملكان بعدي أمر أمتي، فأخبرت عائشة وكانتا متصادقتين. قال النووي: الصحيح أن الآية في قصة العسل، لا في قصة مارية، المروية في غير الصحيحين، ولم تأت قصة مارية في طريق صحيح. (يحب الحلواء والعسل) كذا وقعت في أكثر الروايات "الحلواء" بالمد، وفي بعضها "الحلوى" بالقصر، وهي مغايرة للعسل، ولو صنعت منه، فليس من قبيل عطف الخاص على العام، وإنما الذي يشمل العسل وغيره كلمة "حلو" ذكر ذلك الحافظ ابن حجر، وذكر النووي خلافه، وأن المراد بالحلواء هنا كل شيء حلو، فهو من ذكر الخاص بعد العام. (كان إذا صلى العصر دار على نسائه) في رواية عند ابن مردويه عن ابن عباس "كان رسول الله ﷺ إذا صلى الصبح جلس في مصلاه، وجلس الناس حوله، حتى تطلع الشمس، ثم يدخل على نسائه، امرأة. امرأة، يسلم عليهن، ويدعو لهن، فإذا كان يوم إحداهن كان عندها". قال الحافظ ابن حجر: ويمكن الجمع بأن الذي كان يقع في أول النهار سلام ودعاء محض، والذي في آخره معه جلوس واستئناس ومحادثة، ولكن المحفوظ ذكر العصر، ورواية ابن مردويه شاذة. وفي رواية "أجاز إلى نسائه" أي مشي وقطع المسافة إليهن، واحدة واحدة. (فيدنو منهن) أي يدنو من كل واحدة منهن، والمقصود من الدنو أنه يقبل ويباشر من غير جماع، كما صرح به في بعض الروايات الصحيحة.

стр. 3167

(فدخل على حفصة، فاحتبس عندها أكثر مما كان يحتبس) أي أقام عندها أكثر مما كان يقيم عندها، أو أكثر مما كان يقيم عند غيرها. (فسألت عن ذلك) في رواية البخاري "قالت عائشة: فغرت، فسألت ... " وقد بينت كيفية السؤال في حديث لابن عباس، ولفظه "فأنكرت عائشة احتباسه عند حفصة، فقالت لجويرية حبشية عندها، يقال لها: خضراء: إذا دخل على حفصة فادخلي عليها - أي بحجة ما - فانظري ما يصنع؟ ". (فقيل لي: أهدت لها امرأة من قومها عكة من عسل) "العكة" بضم العين، وقد تفتح، زق صغير بكسر الزاي، أي وعاء صغير من جلد مقصوص الشعر، يوضع ويخزن فيه السمن غالبًا، والمراد من العسل هنا عسل النحل. (فسقت رسول اللَّه ﷺ منه شربة) ورد أنه ﷺ كان يأخذ منه بإصبعه، فالمراد من الشربة ما يشرب. (أما واللَّه لنحتالن له) يقال: احتال عليه طلب منه الشيء بالحيلة، والحيلة وسيلة بارعة تحيل الشيء عن ظاهره، ابتغاء الوصول إلى المقصود، واللام في "له" للتعليل، وفي الكلام مضاف محذوف، أي لمنعه من الاحتباس عند حفصة، و"أما" بتخفيف الميم، حرف استفتاح للتأكيد، مثل "ألا". (فذكرت ذلك لسودة) أي ذكرت الرغبة في الاحتيال ومحاولة منعه من الاحتباس. (إذا دخل عليك فإنه سيدنو منك، فقولي له: أكلت مغافير؟ ) في رواية "فذكرت ذلك لسودة، وقلت لها: إنه إذا دخل عليك سيدنو منك ... " وفي رواية "إذا دخل على إحداكن فلتأخذ بأنفها، فإذا قال: ما شأنك؟ فقولي: ريح المغافير". (وكان رسول اللَّه ﷺ يشتد عليه أن يوجد منه الريح) أي الكريه، ومعنى "يشتد عليه" أي يكره ويبغض وجود الريح الكريه. (جرست نحله العرفط) "جرست" بفتح الجيم والراء، أي رعت نحل هذا العسل شجر العرفط الذي صمغه المغافير. (تقول سودة ... ) أي لعائشة بعد أن نفذت الحيلة. (فرقا منك) أي خوفًا منك، وحرصًا على تحقيق وتنفيذ أمرك. (فلما دخل على حفصة) أي في اليوم الثاني بعد أن سمع ما قالته عائشة وسودة وصفية. (سبحان اللَّه) تقال في مناسبات كثيرة، وهي هنا للتحسر.

стр. 3168

(واللَّه لقد حرمناه) بفتح الراء مخففة، أي منعناه من العسل، يقال: حرمته وأحرمته، والأول أفصح. (قلت لها: اسكتي) أي لا تثيري هذا الموضوع، خشية أن يفشو ذلك، فيظهر ما دبر من كيد واحتيال. -[فقه الحديث]- تتلخص نقاط الحديث الأساسية في ثلاث: الأولى: الطلاق الثلاث دفعة واحدة، وهل يحسب طلقة؟ أو ثلاثًا؟ وتوجيه الأحاديث الواردة في ذلك. الثانية: فيمن يقول لامرأته: أنت علي حرام. وهل يكون طلاقًا؟ أو لا؟ وإذا كان طلاقًا هل يكون باتًا كالثلاث أو لا؟ وهل تحريم أي حلال يجعله حرامًا؟ أو هو يمين يكفر؟ أو ماذا؟ الثالثة: سبب نزول قوله تعالى ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك .... ﴾ والآيات والأحكام التي تؤخذ من الحديث. وهذا هو التفصيل: النقطة الأولى: قال النووي - بعد أن ذكر الروايات الخمس الأولى: هذا الحديث معدود من الأحاديث المشكلة. اهـ. والإشكال الذي أشار إليه أن جمهور العلماء ينفون بشدة أن يكون الرسول ﷺ أمضى الثلاث واحدة، والحديث في ظاهره يثبت ذلك. وبظاهره أخذ طاووس وبعض أهل الظاهر، فقالوا: من قال لامرأته: أنت طالق ثلاثًا لا يقع بذلك إلا واحدة، وبهذا القول قال الحجاج بن أرطاة ومحمد بن إسحاق في رواية عنهما. واحتج هؤلاء بظاهر حديث ابن عباس هذا فعملوا بما كان عليه الأمر في زمن الرسول ﷺ حسب فهمهم - وطرحوا ما أمضاه عمر ﵁. كما احتجوا بحديث ركانة عند أبي داود، وأخرجه أحمد، وأبو يعلى وصححه عن طريق محمد بن إسحاق، ولفظه "عن ابن عباس قال: طلق ركانة بن عبد يزيد امرأته ثلاثًا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنًا شديدًا، فسأله النبي ﷺ : كيف طلقتها؟ قال: ثلاثًا في مجلس واحد: فقال النبي ﷺ : إنما تلك واحدة، فارتجعها إن شئت. فارتجعها". كما احتجوا برواية من روايات حديث ابن عمر في طلاقه امرأته وهي حائض - وقد تقدم في الباب السابق - وفيها أن ابن عمر طلق امرأته ثلاثًا وهي حائض فأمره رسول الله ﷺ برجعتها، فلو لم يحسبها واحدة ما أمره برجعتها.

стр. 3169

وقالوا: إن من قال: أحلف بالله ثلاثًا، لا يعد حلفه إلا يمينًا واحدًا. فكذلك في الطلاق. المذهب الثاني في هذه المسألة أن من قال لامرأته: أنت طالق ثلاثًا لا يقع بذلك شيء، وبه قال بعض الشيعة وبعض أهل الظاهر، قالوا: لأنه منهي عنه، واستدلوا على النهي عنه بحديث عن محمود بن لبيد ﵁ قال: أخبر النبي ﷺ عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا؟ فقال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم"؟ الحديث. أخرجه النسائي، ورجاله ثقات. كما استدلوا بما أخرجه سعيد بن منصور عن أنس ﵁ "أن عمر ﵁ كان إذا أتي برجل طلق امرأته ثلاثًا أوجع ظهره" وسنده صحيح. وأطلقوا هذا القول في كل طلاق منهي عنه، كالطلاق في زمن الحيض. قال الحافظ ابن حجر: وهو شذوذ. المذهب الثالث في هذه المسألة أنه لا يجوز أن يقول الرجل لامرأته: أنت طالق ثلاثًا، فهو محرم، كالطلاق في زمن الحيض، لكن إن قالها وقعت طلقة واحدة. وبهذا قال بعض أهل الظاهر، واستدلوا للنهي عنه بما سبق. ومذهب الجمهور صوره النووي: قال: من قال لامرأته: أنت طالق ثلاثًا. فقال الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأحمد وجماهير العلماء من السلف والخلف: يقع الثلاث. واحتجوا بقول الله تعالى ﴿ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا﴾ [الطلاق: ١] قالوا: معناه أن المطلق قد يحدث له ندم، فلا يمكنه تداركه، لوقوع البينونة، فلو كانت الثلاث لا تقع ثلاثًا، وتقع واحدة رجعية فلا يندم. كما استدلوا بأحاديث الباب، من حيث إنها تفيد الإجماع في عهد عمر على إمضاء الثلاث ثلاثًا، وحاولوا جهدهم أن يوجهوا صدر هذه الأحاديث، ويمنعوا أنها كانت تحسب واحدة في عهد الرسول ﷺ . قال النووي: قال المازري: وقد زعم من لا خبرة له بالحقائق أن ذلك كان، ثم نسخ. قال: وهذا غلط فاحش، لأن عمر ﵁ لا ينسخ، ولو نسخ - وحاشاه - لبادرت الصحابة إلى إنكاره. وإن أراد هذا القائل أنه نسخ في زمن النبي ﷺ فذلك غير ممتنع، ولكن يخرج عن ظاهر الحديث، لأنه لو كان كذلك لم يجز للراوي أن يخبر ببقاء الحكم في خلافة أبي بكر وبعض خلافة عمر. فإن قيل: قد يجمع الصحابة على النسخ، فيقبل ذلك منهم؟ قلنا: إنما يقبل ذلك لأنه يستدل بإجماعهم على وجود ناسخ، وأما أنهم ينسخون من تلقاء أنفسهم فمعاذ الله، لأنه إجماع على الخطأ، وهم معصومون من ذلك. [أي وهم بذلك يشرعون شرعًا جديدًا مخالفًا لشرع الله ورسوله]. فإن قيل: فلعل الناسخ إنما ظهر لهم في زمن عمر؟ قلنا: هذا غلط أيضًا، لأنه يكون قد حصل الإجماع على الخطأ في زمن أبي بكر، والمحققون من الأصوليين لا يشترطون انقراض العصر في صحة الإجماع. اهـ.

стр. 3170

ويعقب الحافظ ابن حجر على قول المازري، فيقول: إن الذي ادعى نسخ الحكم لم يقل: إن عمر هو الذي نسخ، وإنما قال - عن ابن عباس الذي أفتى بلزوم الثلاث، مع أنه الراوي أنها كانت الثلاث واحدة - قال: - والقائل هو الشافعي، فيما نقله عنه البيهقي. قال: يشبه أن يكون ابن عباس علم شيئًا نسخ ذلك، قال البيهقي: ويقويه ما أخرجه أبو داود عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان الرجل إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها، وإن طلقها ثلاثًا، فنسخ ذلك" أي اطلع ابن عباس على ناسخ للحكم، ولذلك أفتى بخلافه، ومعنى ظهور النسخ في زمن عمر انتشاره، لكنه كان ظاهرًا عند البعض غير منتشر، فمعنى أنه كان يفعل في زمن أبي بكر محمول على أن الذي كان يفعله من لم يبلغه النسخ. والنتيجة أن الطلاق الثلاث كان ثلاثًا في عهد النبي ﷺ ، أو في آخر عهده، على ما يراه الجمهور وأجابوا عن حديث ابن عباس بأجوبة منها: ١ - أن حديث ابن عباس معلول، لأنه عند أبي داود بلفظ "أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة"؟ فهو مردود بروايتيه، أو تعتمد رواية أبي داود، وأنه في المطلقة قبل الدخول، فهي تبين بالطلقة الأولى، وتلغي الثانية والثالثة، لوقوعها بعد البينونة. ٢ - أن حديث ابن عباس شاذ مردود. وهذه طريقة البيهقي، إذ ساق الروايات عن ابن عباس بلزوم الثلاثة، ثم نقل عن ابن المنذر أنه لا يظن بابن عباس أنه يحفظ عن النبي ﷺ شيئًا، يفتي بخلافه، فتعين المصير إلى الترجيح، والأخذ بقول الأكثر أولى من الأخذ بقول الواحد إذا خالفهم. ٣ - قال ابن العربي: حديث ابن عباس مختلف في صحته. ٤ - دعوى النسخ، وقد سبق الكلام عنها قريبًا. ٥ - دعوى الاضطراب. قال القرطبي في المفهم: وقع فيه مع الاختلاف على ابن عباس الاضطراب في لفظه، وظاهر سياقه يقتضي النقل عن جميعهم أن معظمهم كانوا يرون ذلك، والعادة في مثل هذا أن يفشو الحكم وينتشر، فكيف ينفرد به واحد عن واحد؟ قال: فهذا الوجه يقتضي التوقف عن العمل بظاهره، إن لم يقتض القطع ببطلانه. ٦ - دعوى أنه ورد في صورة خاصة. قال ابن سريج وغيره: يشبه أن يكون ورد في تكرير اللفظ، كأن يقول: أنت طالق. أنت طالق. أنت طالق. وكانوا أولاً على سلامة صدورهم يقبل منهم أنهم أرادوا التأكيد، فلما كثر الناس في زمن عمر، وكثر فيهم الخداع ونحوه مما يمنع قبول من ادعى التأكيد حمل عمر اللفظ على ظاهر التكرار، فأمضاه عليهم. قال الحافظ ابن حجر: وهذا الجواب ارتضاه القرطبي، وقواه بقول عمر: "إن الناس استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة" وكذا قال النووي: إن هذا أصح الأجوبة. ٧ - ذهب بعضهم إلى تأويل قوله "واحدة" فقال: إن معنى قوله "كان الثلاث واحدة" أن الناس في زمن النبي ﷺ كانوا يطلقون واحدة، فلما كان زمن عمر كانوا يطلقون ثلاثًا، ومحصله أن المعنى أن الطلاق الموقع في عهد عمر ثلاثًا كان لا يوقع كذلك قبله، بل كان يوقع قبل ذلك واحدة، أي كانوا

стр. 3171

لا ينطقون بالثلاث، ولا يستعملون الثلاث أصلاً، أو كانوا يستعملونها نادرًا، وأما في عصر عمر فكثر استعمالهم لها. ومعنى قوله "فأمضاه عليهم وأجازه" أنه صنع فيه من الحكم بإيقاع الطلاق ما كان يصنع قبله. ورجح هذا التأويل ابن العربي، ونسبه إلى أبي زرعة الرازي، أورده البيهقي بإسناده الصحيح إلى أبي زرعة أنه قال: معنى هذا الحديث عندي أن ما تطلقون أنتم ثلاثًا كانوا يطلقونه واحدة، قال النووي: وعلى هذا فيكون الخبر وقع عن اختلاف عادة الناس خاصة، لا عن تغير الحكم في الواحدة. ٨ - دعوى وقف حديث ابن عباس، إذ ليس في السياق أن ذلك كان يبلغ النبي ﷺ ، فيقره، والحجة إنما هي في تقريره. وإذا كان المحدثون قد قالوا: إن قول الصحابي: كنا نفعل كذا في عهد الرسول ﷺ له حكم المرفوع على الراجح. فإن هذا ينبغي أن يكون مرجوحًا إذا عورض بمثل هذه المعارضة، وإذا كانت هناك قرائن تبعده، ومن القرائن حديث ركانة في روايته القوية "أنه طلق امرأته البتة. فقال له النبي ﷺ : الله ما أردت إلا واحدة - أي احلف بالله ما أردت إلا واحدة - قال: الله ما أردت إلا واحدة" فهذا دليل على أنه لو أراد الثلاث لوقع الثلاث. وهذا الذي تستريح إليه النفس في حديث ابن عباس. والله أعلم. قال النووي: وأما الرواية التي رواها المخالفون أن ركانة طلق ثلاثًا، فجعلها واحدة، فرواية ضعيفة عن قوم مجهولين، وإنما الصحيح منها ما قدمناه أنه طلقها البتة، ولفظ "البتة" محتمل للواحدة وللثلاث، ولعل صاحب هذه الرواية الضعيفة اعتقد أن لفظ "البتة" يقتضي الثلاث، فرواه بالمعنى الذي فهمه، وغلط في ذلك. وأما حديث ابن عمر فالروايات الصحيحة التي ذكرها مسلم وغيره أنه طلقها واحدة. اهـ. وأما قولهم: من قال: أحلف بالله ثلاثًا لا يعد حلفه إلا يمينًا واحدًا، فكذلك الطلاق. فقد رده الحافظ ابن حجر باختلاف الصيغتين، فإن المطلق ينشئ طلاق امرأته، وقد جعل أمد طلاقها ثلاثًا، فإذا قال: أنت طالق ثلاثًا فكأنه قال: أنت طالق جميع الطلاق، وأما الحلف فلا أمد لعدد أيمانه فافترقا. أما بعد. فيعجبني قول الحافظ ابن حجر: وفي الجملة فالذي وقع في هذه المسألة نظير ما وقع في مسألة المتعة، سواء بسواء، أعني قول جابر: إنها كانت تفعل في عهد النبي ﷺ وأبي بكر وصدر من خلافة عمر. قال: ثم نهانا عمر عنها، فانتهينا. فالراجح في الموضعين تحريم المتعة، وإيقاع الثلاث، للإجماع الذي انعقد في عهد عمر على ذلك، ولا يحفظ أن أحدًا في عهد عمر خالفه في واحدة منهما، وقد دل إجماعهم على وجود ناسخ، وإن كان خفي عن بعضهم قبل ذلك، حتى ظهر لجميعهم في عهد عمر، فالمخالف بعد هذا الإجماع منابذ له، والجمهور على عدم اعتبار من أحدث الاختلاف بعد الاتفاق. والله أعلم. النقطة الثانية: قال النووي: اختلف العلماء فيما إذا قال لزوجته: أنت علي حرام. فمذهب

стр. 3172

الشافعي أنه إن نوى طلاقها كان طلاقًا، وإن نوى ظهارًا كان، وإن نوى تحريم عينها بغير طلاق ولا ظهار لزمه بنفس اللفظ كفارة يمين، ولا يكون يمينًا، وإن لم ينو شيئًا ففيه قولان للشافعي، أصحهما يلزمه كفارة يمين، والثاني أنه لغو، لا شيء فيه، ولا يترتب عليه شيء من الأحكام. هذا مذهبنا، وحكى القاضي عياض في المسألة أربعة عشر مذهبًا. أحدها: المشهور من مذهب مالك أنه يقع به ثلاث طلقات، سواء كانت مدخولاً بها أم لا، لكن لو نوى أقل من الثلاث قبل في غير المدخول بها خاصة. قال: وبهذا المذهب قال أيضًا علي بن أبي طالب وزيد والحسن والحكم. والثاني: أنه يقع ثلاث طلقات، ولا تقبل نيته في المدخول بها ولا غيرها. قاله ابن أبي ليلى وابن الماجشون المالكي. والثالث: يقع به على المدخول بها ثلاث، وعلى غيرها واحدة، قاله أبو مصعب ومحمد بن عبد الحكم المالكيان. الرابع: أنه يقع به طلقة واحدة بائنة. سواء المدخول بها وغيرها، وهو رواية عن مالك. الخامس: أنها طلقة رجعية. قاله عبد العزيز بن أبي مسلمة المالكي. السادس: أنه يقع ما نوى، ولا يكون أقل من طلقة واحدة. قاله الزهري. السابع: أنه إن نوى واحدة أو عددًا أو يمينًا فهو كما نوى، وإلا فلغو. قاله سفيان الثوري. الثامن: مثل السابع. إلا إنه إن لم ينو شيئًا لزمه كفارة يمين. قاله الأوزاعي وأبو ثور. التاسع: مذهب الشافعي، وسبق إيضاحه، وبه قال أبو بكر وعمر وغيرهما من الصحابة والتابعين ﵃. العاشر: إن نوى الطلاق وقعت طلقة بائنة، وإن نوى ثلاثًا وقع الثلاث، وإن نوى اثنتين وقعت واحدة، وإن لم ينو شيئًا فيمين، وإن نوى الكذب فلغو. قاله أبو حنيفة وأصحابه. والحادي عشر: مثل العاشر، إلا أنه إذا نوى اثنين وقعت. قاله زفر. والثاني عشر: أنه تجب به كفارة الظهار، قاله إسحق بن راهويه. والثالث عشر: هي يمين فيها كفارة اليمين، قاله ابن عباس وبعض التابعين. والرابع عشر: أنه كتحريم الماء والطعام، فلا يجب فيه شيء أصلاً، ولا يقع به شيء، بل هو لغو. قاله مسروق والشعبي وأبو سلمة وإصبغ المالكي. قال القرطبي: قال بعض علمائنا: سبب الاختلاف أنه لما لم يرد في القرآن صريحًا، ولا في السنة نص ظاهر يعتمد عليه في حكم هذه المسألة تجاذبها العلماء، فمن تمسك

стр. 3173

بالبراءة الأصلية قال: لا يلزمه شيء، ومن قال إنها يمين أخذ بظاهر قوله تعالى ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ [التحريم: ٢] بعد قوله تعالى ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك﴾ ومن قال: تجب الكفارة، وليست بيمين بناه على أن معنى اليمين التحريم، فوقعت الكفارة على المعنى، ومن قال: تقع به طلقة رجعية حمل اللفظ على أقل وجوهه الظاهرة، وأقل ما تحرم به المرأة طلقة تحرم الوطء ما لم يرتجعها، ومن قال بائنة فلاستمرار التحريم بها، ما لم يجدد العقد، ومن قال: ثلاث حمل اللفظ على منتهى وجوهه، ومن قال: ظهار نظر إلى معنى التحريم وقطع النظر عن الطلاق، فانحصر الأمر عنده في الظهار. اهـ. هذا كله إذا قال لزوجته الحرة. أما إذا قاله للأمة فمذهب الشافعي أنه إن نوى عتقها عتقت، وإن نوى تحريم عينها لزمه كفارة يمين، ولا يكون يمينًا، وإن لم ينو شيئًا وجب كفارة يمين على الصحيح من المذهب. وقال مالك: هذا في الأمة لغو، لا يترتب عليه شيء، قال القاضي: وعامة العلماء عليه كفارة يمين بنفس التحريم، وقال أبو حنيفة: يحرم عليه ما حرمه من أمة وطعام وغيره، ولا شيء عليه حتى يتناوله، فيلزمه حينئذ كفارة يمين، وأم الولد كالأمة فيما ذكرناه. ثم قال النووي: ومذهب مالك والشافعي والجمهور أنه إن قال: هذا الطعام حرام علي، أو هذا الماء، أو هذا الثوب، أو دخول البيت، أو كلام زيد، وسائر ما يحرمه غير الزوجة والأمة، يكون هذا لغوًا، لا شيء فيه، ولا يحرم عليه ذلك الشيء، فإذا تناوله فلا شيء عليه. وقال البخاري: ليس الذي يقول لامرأته: أنت علي حرام كالذي يحرم الطعام، لأنه لا يقال للطعام الحل: حرام، ويقال للمطلقة حرام. اهـ. وقد ذهب أحمد إلى التسوية بين تحريم الطعام ونحوه وبين قوله لزوجته، فعليه في الجميع كفارة يمين. النقطة الثالثة: ظاهر قول ابن عباس في الرواية الرابعة والخامسة ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ بعد قوله "إذا حرم الرجل عليه امرأته فهي يمين يكفرها" أن ابن عباس يرى أن سبب نزول أول سورة التحريم، تحريم مارية. وظاهر الرواية السادسة أن سبب نزول أول سورة التحريم شرب العسل عند زينب بنت جحش، ففي آخره "ولن أعود" وفي رواية للبخاري "ولن أعود له وقد حلفت". وعند سعيد بن منصور. بإسناد صحيح إلى مسروق ﵁: "حلف رسول الله ﷺ لحفصة لا يقرب أمته، وقال: هي علي حرام، فنزلت كفارة ليمينه، وأمر أن لا يحرم ما أحل الله". وأخرج الضياء في "المختارة" عن عمر قال: قال رسول الله ﷺ لحفصة: لا تخبري أحدًا أن أم إبراهيم علي حرام. قال: فلم يقربها حتى أخبرت عائشة، فأنزل الله ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ وأخرج الطبراني في عشرة النساء وابن مردويه عن أبي هريرة ﵁ قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 3174

بمارية بيت حفصة [كان رسول الله ﷺ قد أسكن "مارية" جاريته بيتًا في عوالي المدينة، ونكحها بملك اليمين، فولدت له إبراهيم، ولم يكن يقسم لها مع نسائه، لأنها جارية، لا حق لها في القسم، وجاءت من عوالي المدينة لحاجة، وكان بيت حفصة خاليًا في هذا الوقت، فدخل بمارية فيه] فجاءت، فوجدتها معه، فقالت: يا رسول الله، في بيتي؟ تفعل هذا معي دون نسائك؟ الحديث. وللطبراني عن ابن عباس قال: "دخلت حفصة بيتها، فوجدته يطأ مارية، فعاتبته ... الحديث. وروى النسائي عن أنس هذه القصة مختصرة "أن النبي ﷺ كانت له أمة يطؤها، فلم تزل به حفصة وعائشة حتى حرمها، فأنزل الله تعالى ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك﴾ الآية. قال الحافظ ابن حجر: هذه الطرق يقوي بعضها بعضًا، فيحتمل أن تكون الآية نزلت في السببين معًا. اهـ وسواء أكان هذا هو السبب أو ذاك فإن النتيجة أن النبي ﷺ حرم على نفسه شيئًا أحله الله له، وتحريم الحلال على وجهين. الأول: اعتقاد ثبوت حكم التحريم فيه، وهو كاعتقاد ثبوت حكم التحليل في الحرام، وهو محظور، يوجب الكفر، فلا يمكن صدوره من المعصوم أصلاً، وقد زل الزمخشري، فزعم أن ما وقع منه ﷺ من تحريم الحلال المحظور، لكنه غفر له ﷺ ، وقد شن عليه العلماء غارة كبرى من التشنيع. الثاني: الامتناع من الحلال مطلقًا من غير حلف، أو مؤكدًا بالحلف، مع اعتقاد حله، وهذا مباح صرف، وحلال محض، ولو كان ترك المباح والامتناع منه غير مباح لاستحالت حقيقة الحلال، فإن أصل الحلال أن يفعل أو يترك. وما وقع منه ﷺ كان من هذا النوع، وإنما عاتبه الله عليه رفقًا به، وتنويهًا بقدره، وإجلالاً لمنصبه ﷺ أن يراعي مرضاة أزواجه على حساب نفسه، وبما يشق عليه. وفي وقوع الحلف منه على ذلك خلاف. ومعنى ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ أي قد شرع لكم تحليلها، وهو حل ما عقدته الأيمان بالكفارة. ﴿وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثًا﴾ هو. شربت عسلاً عند زينب ولن أعود له. وقد حلفت. لا تخبري بذلك أحدًا. أو هو: قد حرمت مارية على نفسي، واكتمي علي. ﴿فلما نبأت به﴾ أي فلما أخبرت عائشة حفصة بالحديث، أو فلما أخبرت حفصة عائشة بالحديث، وكانتا متصادقتين ﴿وأظهره الله عليه﴾ وأطلعه على إفشاء السر ﴿عرف بعضه وأعرض عن بعض﴾ أعلم مفشية السر أنه علم بعض ما أفشى، وأخفى أنه علم كل ما أفشى. تكرمًا منه ﷺ وتخفيفًا من خجلها ﴿فلما نبأها به﴾ أي بما أراد مما عرف ﴿قالت من أنبأك هذا﴾ تظن أن أختها فضحتها وكشفت سرها. ﴿قال نبأني العليم الخبير﴾ قيل: إن السر كان مكونًا من جزأين. تحريم العسل أو مارية، والإخبار بأن أبا بكر وعمر سيليان الأمر بعده، فعاتب عن الأول، وأعرض عن الثاني مخافة أن يفشو ﴿إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما﴾ أي فقد أديتما ما وجب عليكما، والخطاب لعائشة وحفصة على الصحيح ﴿وإن تظاهرا عليه﴾ أي وإن تتعاونا عليه بما يسوؤه ﴿فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير﴾

стр. 3175

-[ويؤخذ من الحديث]- ١ - ما جبل عليه النساء من الغيرة، وأن الغيراء تعذر فيما يقع منها من الاحتيال، فيما يدفع عنها ترفع ضرتها عليها بأي وجه كان. كذا قال الحافظ ابن حجر. وفيه نظر، لأن القصة لم تعذر، بل عاتبت، بل عاقبت، لأن قدرهن عظيم. قال الكرماني: هذا من مقتضيات الغيرة الطبيعية للنساء، وهو صغيرة، معفو عنها، مكفرة. ٢ - استنبط منه البخاري كراهية احتيال المرأة مع الزوج والضرائر. ٣ - أن الاحتيال غالبًا فيه تعريض بالكذب. قال ابن المنير: إنما ساغ لهن أن يقلن: أكلت مغافير؟ لأنهن أوردنه على طريق الاستفهام، بدليل جوابه بقوله "لا" وأردن بذلك التعريض، لا صريح الكذب، فهذا وجه الاحتيال التي قالت عائشة "لنحتالن له" ولو كان كذبًا محضًا لم يسم حيلة، إذ لا شبهة لصاحبه. اهـ وهذا كلام جيد يفسر كونهن ارتكبن مكروهًا، ولم يرتكبن محرمًا. ٤ - وفيه الأخذ بالحزم في الأمور، وترك ما يشتبه الأمر فيه من المباح، خشية الوقوع في المحذور. قاله الحافظ ابن حجر. ٥ - وفيه ما يشهد بعلو مرتبة عائشة عند النبي ﷺ حتى كانت ضرتها تهابها، وتطيعها فيما تأمرها به، حتى في مثل هذا الأمر مع الزوج، الذي هو أرفع الناس قدرًا. ٦ - وفيه إشارة إلى ورع سودة، لما ظهر منها من التندم على ما فعلت، لأنها وافقت أولاً على دفع ترفع حفصة عليهن بمزيد الجلوس عندها بسبب العسل، ورأت أن التوصل إلى بلوغ المراد ذلك، لحسم مادة شرب العسل الذي هو سبب الإقامة، لكن أنكرت بعد ذلك أن يترتب عليه منع النبي ﷺ من أمر كان يشتهيه، وهو شرب العسل، مع ما تقدم من اعتراف عائشة الآمرة لها بذلك في صدر الحديث، فأخذت سودة تتعجب مما وقع منهن في ذلك، ولم تجسر على التصريح بالإنكار، ولا راجعت عائشة بعد ذلك لما قالت لها: اسكتي، بل أطاعتها وسكتت، لما تقدم من اعتذارها في أنها كانت تهابها، وإنما كانت تهابها لما تعلم من مزيد حب النبي ﷺ لها أكثر منهن، فخشيت إذا خالفتها أن تغضبها، وإذا أغضبتها لا تأمن أن تغير عليها خاطر النبي ﷺ ، ولا تحتمل ذلك. فهذا معنى خوفها منها. كذا قال الحافظ ابن حجر، وهو كلام حسن في تلمس الاعتذار عن سودة ﵂ لكن لا يدل على ورعها، وورعها ثابت بغير هذا، وإن دل قولها "لقد حرمناه" على شيء فإنما يدل على إشفاقها عليه ﷺ وندمها لا يعتبر ورعًا، بل يرجى به أن يمحو الصغيرة، ولعله أدى مهمته، فهي لم تدخل في المتظاهرتين المعاتبتين بالقرآن الكريم. ٧ - وفيه أن عماد القسم الليل. وأن النهار يجوز الاجتماع فيه بالجميع، لكن بشرط ألا تقع المجامعة إلا مع التي هي صاحبة النوبة. ٨ - وفيه استعمال الكنايات فيما يستحيا من ذكره، لقولها "فيدنو منهن" والمقصود التقبيل ونحوه. ٩ - وفيه جواز أكل لذيذ الأطعمة والطيبات من الرزق، وأن ذلك لا ينافي الزهد والمراقبة. ١٠ - وفيه حسن خلقه ﷺ وصبره وحلمه وجميل معاشرته لأزواجه. وللحديث علاقة بالحديث الآتي.

стр. 3176

(٣٩٧) باب تخيير الرجل امرأته لا يكون طلاقًا إلا بالنية ٣٢٥٦ - عن عائشة ﵂ قالت: لما أمر رسول الله ﷺ بتخيير أزواجه بدأ بي. فقال "إني ذاكر لك أمرًا. فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك" قالت: قد علم أن أبوي لم يكونا ليأمراني بفراقه. قالت: ثم قال إن الله قال ﴿يَاَ أيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً * وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ قالت فقلت: في أي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. قالت: ثم فعل أزواج رسول الله ﷺ مثل ما فعلت. ٣٢٥٧ - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يستأذننا. إذا كان في يوم المرأة منا بعد ما نزلت ﴿ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء﴾ فقالت لها معاذة: فما كنت تقولين لرسول الله ﷺ إذا استأذنك؟ قالت: كنت أقول: إن كان ذاك إلي لم أوثر أحدًا على نفسي. ٣٢٥٨ - عن عائشة ﵂ قالت: قد خيرنا رسول الله ﷺ فلم نعده طلاقًا. ٣٢٥٩ - عن مسروق قال: ما أبالي خيرت امرأتي واحدة أو مائة أو ألفًا. بعد أن تختارني. ولقد سألت عائشة فقالت: قد خيرنا رسول الله ﷺ أفكان طلاقًا؟ . ٣٢٦٠ - عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ خير نساءه فلم يكن طلاقًا.

стр. 3177

٣٢٦١ - عن عائشة ﵂ قالت: خيرنا رسول الله ﷺ فاخترناه فلم يعده طلاقًا. ٣٢٦٢ - عن عائشة ﵂ قالت: خيرنا رسول الله ﷺ فاخترناه. فلم يعددها علينا شيئًا. ٣٢٦٣ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله ﷺ فوجد الناس جلوسًا ببابه. لم يؤذن لأحد منهم. قال: فأذن لأبي بكر فدخل. ثم أقبل عمر فاستأذن فأذن له. فوجد النبي ﷺ جالسًا، حوله نساؤه. واجمًا ساكتًا. قال: فقال: لأقولن شيئًا أضحك النبي ﷺ . فقال: يا رسول الله لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها. فضحك رسول الله ﷺ وقال "هن حولي كما ترى. يسألنني النفقة. فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها. فقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها. كلاهما يقول: تسألن رسول الله ﷺ ما ليس عنده. فقلن: والله لا نسأل رسول الله ﷺ شيئًا أبدًا ليس عنده. ثم اعتزلهن شهرًا أو تسعًا وعشرين. ثم نزلت عليه هذه الآية ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك﴾ حتى بلغ ﴿للمحسنات منكن أجرًا عظيمًا﴾ قال: فبدأ بعائشة. فقال "يا عائشة إني أريد أن أعرض عليك أمرًا أحب أن لا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك" قالت: وما هو يا رسول الله؟ فتلا عليها الآية. قالت: أفيك يا رسول الله أستشير أبوي؟ بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة. وأسألك أن لا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت. قال "لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها. إن الله لم يبعثني معنتًا ولا متعنتًا. ولكن بعثني معلمًا ميسرًا". ٣٢٦٤ - عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لما اعتزل نبي الله ﷺ نساءه، قال:

стр. 3178

دخلت المسجد. فإذا الناس ينكتون بالحصى ويقولون: طلق رسول الله ﷺ نساءه. وذلك قبل أن يؤمرن بالحجاب. فقال عمر فقلت: لأعلمن ذلك اليوم. قال: فدخلت على عائشة. فقلت: يا بنت أبي بكر أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله ﷺ ؟ فقالت: ما لي وما لك يا ابن الخطاب؟ عليك بعيبتك. قال: فدخلت على حفصة بنت عمر. فقلت لها: يا حفصة أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله ﷺ ؟ والله لقد علمت أن رسول الله ﷺ لا يحبك. ولولا أنا لطلقك رسول الله ﷺ . فبكت أشد البكاء. فقلت لها: أين رسول الله ﷺ ؟ قالت هو في خزانته في المشربة. فدخلت فإذا أنا برباح غلام رسول الله ﷺ قاعدًا على أسكفة المشربة. مدل رجليه على نقير من خشب. وهو جذع يرقى عليه رسول الله ﷺ وينحدر. فناديت يا رباح استأذن لي عندك على رسول الله ﷺ . فنظر رباح إلى الغرفة. ثم نظر إلي. فلم يقل شيئًا. ثم قلت: يا رباح استأذن لي عندك على رسول الله ﷺ . فنظر رباح إلى الغرفة. ثم نظر إلي. فلم يقل شيئًا. ثم رفعت صوتي فقلت: يا رباح استأذن لي عندك على رسول الله ﷺ فإني أظن أن رسول الله ﷺ ظن أني جئت من أجل حفصة. والله لئن أمرني رسول الله ﷺ بضرب عنقها لأضربن عنقها. ورفعت صوتي. فأومأ إلي أن ارقه. فدخلت على رسول الله ﷺ وهو مضطجع على حصير. فجلست. فأدنى عليه إزاره. وليس عليه غيره. وإذا الحصير قد أثر في جنبه. فنظرت ببصري في خزانة رسول الله ﷺ فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع. ومثلها قرظًا في ناحية الغرفة. وإذا أفيق معلق. قال: فابتدرت عيناي. قال "ما يبكيك يا ابن الخطاب؟ " قلت: يا نبي الله وما لي لا أبكي؟ وهذا الحصير قد أثر في جنبك. وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى. وذاك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار وأنت رسول الله ﷺ وصفوته. وهذه خزانتك. فقال "يا ابن الخطاب ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟ " قلت: بلى. قال: ودخلت عليه حين دخلت وأنا أرى في وجهه الغضب. فقلت: يا رسول الله ما يشق عليك من شأن النساء؟ فإن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل، وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك. وقلما تكلمت، وأحمد الله، بكلام إلا رجوت أن يكون الله يصدق قولي الذي أقول. ونزلت هذه الآية. آية التخيير ﴿عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن﴾ ﴿وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير﴾ وكانت عائشة بنت أبي بكر وحفصة تظاهران على سائر نساء النبي ﷺ . فقلت: يا رسول الله أطلقتهن؟ قال "لا" قلت: يا رسول الله إني دخلت المسجد والمسلمون ينكتون بالحصى. يقولون: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 3179

نساءه. أفأنزل فأخبرهم أنك لم تطلقهن؟ قال "نعم. إن شئت" فلم أزل أحدثه حتى تحسر الغضب عن وجهه. وحتى كشر فضحك. وكان من أحسن الناس ثغرًا. ثم نزل نبي الله ﷺ ونزلت. فنزلت أتشبث بالجذع ونزل رسول الله ﷺ كأنما يمشي على الأرض ما يمسه بيده. فقلت: يا رسول الله إنما كنت في الغرفة تسعة وعشرين. قال "إن الشهر يكون تسعًا وعشرين" فقمت على باب المسجد. فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق رسول الله ﷺ نساءه. ونزلت هذه الآية ﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر. وأنزل الله آية التخيير. ٣٢٦٥ - عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: مكثت سنة وأنا أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية. فما أستطيع أن أسأله هيبة له. حتى خرج حاجًا فخرجت معه. فلما رجع، فكنا ببعض الطريق، عدل إلى الأراك لحاجة له. فوقفت له حتى فرغ. ثم سرت معه. فقلت: يا أمير المؤمنين من اللتان تظاهرتا على رسول الله ﷺ من أزواجه؟ فقال: تلك حفصة وعائشة. قال فقلت له: والله إن كنت لأريد أن أسألك عن هذا منذ سنة فما أستطيع هيبة لك. قال: فلا تفعل. ما ظننت أن عندي من علم فسلني عنه. فإن كنت أعلمه أخبرتك. قال: وقال عمر: والله إن كنا في الجاهلية ما نعد للنساء أمرًا. حتى أنزل الله تعالى فيهن ما أنزل. وقسم لهن ما قسم. قال: فبينما أنا في أمر أأتمره، إذ قالت لي امرأتي: لو صنعت كذا وكذا. فقلت لها: وما لك أنت ولما ها هنا؟ وما تكلفك في أمر أريده؟ فقالت لي: عجبًا لك، يا ابن الخطاب ما تريد أن تراجع أنت، وإن ابنتك لتراجع رسول الله ﷺ حتى يظل يومه غضبان. قال عمر: فآخذ ردائي ثم أخرج مكاني. حتى أدخل على حفصة. فقلت لها: يا بنية إنك لتراجعين رسول الله ﷺ حتى يظل يومه غضبان. فقالت حفصة: والله إنا لنراجعه. فقلت: تعلمين أني أحذرك عقوبة الله وغضب رسوله. يا بنية لا يغرنك هذه التي قد أعجبها حسنها. وحب رسول الله ﷺ إياها. ثم خرجت حتى أدخل على أم سلمة. لقرابتي منها. فكلمتها. فقالت لي أم سلمة: عجبًا لك يا ابن الخطاب قد دخلت في كل شيء حتى تبتغي أن تدخل بين رسول الله ﷺ وأزواجه. قال: فأخذتني أخذًا

стр. 3180

كسرتني عن بعض ما كنت أجد. فخرجت من عندها. وكان لي صاحب من الأنصار. إذا غبت أتاني بالخبر. وإذا غاب كنت أنا آتيه بالخبر. ونحن حينئذ نتخوف ملكًا من ملوك غسان. ذكر لنا أنه يريد أن يسير إلينا. فقد امتلأت صدورنا منه. فأتى صاحبي الأنصاري يدق الباب. وقال: افتح. افتح. فقلت: جاء الغساني؟ قال: أشد من ذلك. اعتزل رسول الله ﷺ أزواجه. فقلت: رغم أنف حفصة وعائشة. ثم آخذ ثوبي فأخرج. حتى جئت. فإذا رسول الله ﷺ في مشربة له يرتقي إليها بعجلة. وغلام لرسول الله ﷺ أسود على رأس الدرجة. فقلت: هذا عمر. فأذن لي. قال عمر: فقصصت على رسول الله ﷺ هذا الحديث. فلما بلغت حديث أم سلمة تبسم رسول الله ﷺ . وإنه لعلى حصير ما بينه وبينه شيء. وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف. وإن عند رجليه قرظًا مضبورًا. وعند رأسه أهبًا معلقة. فرأيت أثر الحصير في جنب رسول الله ﷺ . فبكيت. فقال: "ما يبكيك؟ " فقلت: يا رسول الله إن كسرى وقيصر فيما هما فيه. وأنت رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ "أما ترضى أن تكون لهما الدنيا ولك الآخرة؟ ". ٣٢٦٦ - عن ابن عباس ﵄ قال: أقبلت مع عمر. حتى إذا كنا بمر الظهران. وساق الحديث بطوله. كنحو حديث سليمان بن بلال. غير أنه قال: قلت: شأن المرأتين؟ قال: حفصة وأم سلمة. وزاد فيه: وأتيت الحجر فإذا في كل بيت بكاء. وزاد أيضًا: وكان آلى منهن شهرًا. فلما كان تسعًا وعشرين نزل إليهن. ٣٢٦٧ - عن ابن عباس ﵄ قال: كنت أريد أن أسأل عمر عن

стр. 3181

المرأتين اللتين تظاهرتا على عهد رسول الله ﷺ . فلبثت سنة ما أجد له موضعًا. حتى صحبته إلى مكة. فلما كان بمر الظهران ذهب يقضي حاجته. فقال: أدركني بإداوة من ماء. فأتيته بها. فلما قضى حاجته ورجع ذهبت أصب عليه. وذكرت فقلت له: يا أمير المؤمنين من المرأتان؟ فما قضيت كلامي حتى قال: عائشة وحفصة. ٣٢٦٨ - عن ابن عباس ﵄ قال: لم أزل حريصًا أن أسأل عمر عن المرأتين من أزواج النبي ﷺ اللتين قال الله تعالى ﴿إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما﴾ حتى حج عمر وحججت معه. فلما كنا ببعض الطريق عدل عمر وعدلت معه بالإداوة. فتبرز. ثم أتاني فسكبت على يديه. فتوضأ. فقلت: يا أمير المؤمنين من المرأتان من أزواج النبي ﷺ اللتان قال الله لهما: ﴿إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما﴾ قال عمر: واعجبًا لك يا ابن عباس (قال الزهري: كره، والله ما سأله عنه ولم يكتمه) قال: هي حفصة وعائشة. ثم أخذ يسوق الحديث. قال: كنا، معشر قريش، قومًا نغلب النساء. فلما قدمنا المدينة وجدنا قومًا تغلبهم نساؤهم. فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم. قال: وكان منزلي في بني أمية بن زيد، بالعوالي. فتغضبت يومًا على امرأتي. فإذا هي تراجعني. فأنكرت أن تراجعني. فقالت: ما تنكر أن أراجعك؟ فوالله إن أزواج النبي ﷺ ليراجعنه. وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل. فانطلقت فدخلت على حفصة. فقلت: أتراجعين رسول الله ﷺ ؟ فقالت: نعم. فقلت: أتهجره إحداكن اليوم إلى الليل؟ قالت: نعم. قلت: قد خاب من فعل ذلك منكن وخسر. أفتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله ﷺ . فإذا هي قد هلكت. لا تراجعي رسول الله ﷺ ولا تسأليه شيئًا. وسليني ما بدا لك. ولا يغرنك أن كانت جارتك هي أوسم وأحب إلى رسول الله ﷺ منك (يريد عائشة). قال: وكان لي جار من الأنصار. فكنا نتناوب النزول إلى رسول الله ﷺ . فينزل يومًا وأنزل يومًا. فيأتيني بخبر الوحي وغيره. وآتيه بمثل ذلك. وكنا نتحدث؛ أن غسان تنعل الخيل لتغزونا. فنزل صاحبي، ثم أتاني عشاء فضرب بابي، ثم ناداني. فخرجت إليه. فقال: حدث أمر عظيم. قلت: ماذا؟ أجاءت غسان؟ قال: لا. بل أعظم من ذلك وأطول. طلق النبي ﷺ نساءه. فقلت: قد خابت حفصة وخسرت. قد كنت أظن هذا كائنًا. حتى إذا صليت الصبح شددت علي ثيابي. ثم نزلت فدخلت على حفصة وهي تبكي. فقلت: أطلقكن رسول الله ﷺ ؟ فقالت: لا أدري. ها هو ذا معتزل في هذه المشربة. فأتيت غلامًا له أسود. فقلت: استأذن لعمر. فدخل ثم خرج إلي. فقال: قد ذكرتك له فصمت. فانطلقت حتى انتهيت إلى المنبر فجلست. فإذا عنده رهط جلوس يبكي بعضهم. فجلست قليلاً. ثم غلبني ما أجد. ثم أتيت الغلام فقلت: استأذن لعمر. فدخل ثم خرج إلي فقال: قد ذكرتك له فصمت. فوليت مدبرًا. فإذا الغلام يدعوني. فقال: ادخل. فقد أذن لك. فدخلت فسلمت على رسول الله ﷺ . فإذا هو متكئ على رمل حصير. قد أثر في جنبه. فقلت: أطلقت، يا رسول الله نساءك؟ فرفع رأسه إلي وقال "لا" فقلت: الله أكبر لو رأيتنا، يا رسول الله وكنا، معشر

стр. 3182

قريش، قومًا نغلب النساء. فلما قدمنا المدينة وجدنا قومًا تغلبهم نساؤهم. فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم. فتغضبت على امرأتي يومًا. فإذا هي تراجعني. فأنكرت أن تراجعني. فقالت: ما تنكر أن أراجعك؟ فوالله إن أزواج النبي ﷺ ليراجعنه. وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل. فقلت: قد خاب من فعل ذلك منهن وخسر. أفتأمن إحداهن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله ﷺ . فإذا هي قد هلكت؟ فتبسم رسول الله ﷺ . فقلت: يا رسول الله قد دخلت على حفصة فقلت: لا يغرنك أن كانت جارتك هي أوسم منك وأحب إلى رسول الله ﷺ منك. فتبسم أخرى فقلت: أستأنس. يا رسول الله قال "نعم" فجلست. فرفعت رأسي في البيت. فوالله ما رأيت فيه شيئًا يرد البصر، إلا أهبًا ثلاثة. فقلت: ادع الله يا رسول الله أن يوسع على أمتك. فقد وسع على فارس والروم. وهم لا يعبدون الله. فاستوى جالسًا ثم قال "أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا". فقلت: استغفر لي. يا رسول الله وكان أقسم أن لا يدخل عليهن شهرًا من شدة موجدته عليهن. حتى عاتبه الله . ٣٢٦٩ - عن عائشة ﵂ قالت: لما مضى تسع وعشرون ليلة، دخل علي رسول الله ﷺ بدأ بي. فقلت: يا رسول الله إنك أقسمت أن لا تدخل علينا شهرًا. وإنك دخلت من تسع وعشرين. أعدهن. فقال "إن الشهر تسع وعشرون" ثم قال "يا عائشة إني ذاكر لك أمرًا فلا عليك أن لا تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك". ثم قرأ علي الآية ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك﴾ حتى بلغ ﴿أجرًا عظيمًا﴾ قالت عائشة: قد علم، والله أن أبوي لم يكونا ليأمراني بفراقه. قالت: فقلت: أو في هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. قال معمر: فأخبرني أيوب: أن عائشة قالت: لا تخبر نساءك أني اخترتك. فقال لها النبي ﷺ "إن الله أرسلني مبلغًا ولم يرسلني متعنتًا". قال قتادة: صغت قلوبكما مالت قلوبكما. -[المعنى العام]- يخطئ من يظن أن بيت الرسول ﷺ كان هادئًا، خاليًا من المشاكل، ترفرف عليه أجنحة السعادة في كل حين، وكيف يظن ذلك ظان في بيت يجمع بين تسع نسوة من البشر، ذوات طباع

стр. 3183

مختلفة، وبيئات مختلفة، وأسر مختلفة، وأسنان مختلفة، فيهن الصغيرة التي تعيش ما بين العاشرة والثامنة عشرة من عمرها. وكبيرة السن التي تقضي ما بين الخمسين والستين من عمرها، كلهن متزوجات قبله برجال آخرين إلا واحدة. كلهن عشن مع أزواجهن السابقين عيشة الحياة العادية، عشن مع أزواج في ريعان شبابهن، وبحياة الجاهلية وأعرافها وتقاليدها، بعضهن من أسر عالية الحسب، كأم حبيبة بنت أبي سفيان زعيم قريش، وبعضهن من أسر متواضعة، بعضهن ابنة أحب الناس إليه ﷺ وبعضهن ابنة من كان أعدى أعدائه، وقائد محاربيه، إحداهن ابنة عمته، وبعضهن من قبائل اليهود، بعضهن جميلات يتيه بهن الحسن، وبعضهن غير ذات جمال. كيف يمكن لهذا الخليط غير المتجانس، أن يتعايش في أمن وأمان، على هيئة ضرائر، يتنازعن رجلاً واحدًا؟ وكيف يستطيع رجل أن يسوس تسعًا مختلفات المشارب، متباينات الأهواء؟ وأكثر الرجال يعجز أمام سياسة امرأة واحدة؟ حقًا إنه ﷺ فريد في أخلاقه، فريد في حكمته، فريد في قدرته وتحمله، فريد في صبره، فريد في حلمه، فريد في عدله، فريد في عفوه، فريد في عطائه، فريد في حسن معاشرته. يخطئ من يظن أن أزواج النبي ﷺ كن على طبائع غير طبائع النساء العاديات، نعم إنهن بمجرد انتسابهن إلى بيت النبوة، وبمجرد استظلالهن بظل الرسول ﷺ ، وبمجرد تشريفهن بلقب أمهات المؤمنين، وجب عليهن ما لم يجب على بقية النساء، وصار لهن من الحقوق فوق ما لغيرهن من الزوجات، صارت السيئة منهن مضاعفة العقاب، والحسنة منهن مضاعفة الثواب ﴿يا نساء النبي لستن كأحد من النساء﴾ [الأحزاب: ٣٢]. ﴿يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين﴾ [الأحزاب: ٣٠]. ﴿ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحًا نؤتها أجرها مرتين﴾ [الأحزاب: ٣١] من هنا كانت الصغيرة منهن كبيرة، وكان ما يقبل من غيرهن لا يليق بمقامهن، وكان ما عددناه عليهن لا نعده ولا نحسبه شيئًا من غيرهن. فماذا يا ترى وقع منهن؟ وكيف عالجه رسول الله ﷺ ؟ يذكر الرسول ﷺ بالخير زوجته الأولى خديجة أمام عائشة، ويترحم عليها، ويدعو لها، فتثور عائشة، وتغار من خديجة وهي في قبرها، فتقول: خديجة؟ خديجة؟ خديجة؟ كأنه لم يكن في الأرض إلا خديجة؟ ما تذكر من عجوز شمطاء، حمراء الشدقين - أي سقطت أسنانها - هلكت في غابر الدهر. قد أبدلك الله خيرًا منها. فيقول ﷺ في هدوء الحكيم: كلا. والله ما أبدلني الله خيرًا منها. صدقتني حين كذبني الناس، وآوتني حين هجرني الناس، وواستني بمالها حين حرمني الناس، ورزقت منها الولد وحرمتموه. وتعتز عائشة بأنها وحدها التي تزوجها بكرًا، وتتعالى على أخواتها أمهات المؤمنين بذلك، وتحاول أن تزيد من استئثارها به فوق ما كان يحبها، فتقول: يا رسول الله، أرأيت لو نزلت واديًا فيه شجر قد رعي، وشجر لم يرع، في أيها ترتع بعيرك؟ فيقول: في الشجر الذي لم يرع. فتقول: فأنا هيه، كل واحدة من نسائك كانت عند رجل غيرك. إلا أنا. فيبتسم ﷺ . وتخرج هي وحفصة مع رسول الله ﷺ في سفر، فتدفعها الغيرة أن تظن أنه صلى الله عليه وسلم

стр. 3184

يكلم حفصة بما لا يكلمها من معسول القول، أو تريد أن تكايد حفصة وتريها كيف يحادثها رسول الله ﷺ محادثة الحبيب للحبيب، فتقول لحفصة وقد جمعهما سفر من الأسفار: اركبي جملي، وادخلي هودجي، واركب جملك وادخل هودجك. فيظنك رسول الله ﷺ عائشة، ويظنني حفصة، فننظر ما يقول لكل منا؟ ويسير رسول الله ﷺ طويلاً بجوار حفصة يظنها عائشة، فتغار عائشة، وينزل الركب فينزل ﷺ بجوار حفصة بعيدًا عن عائشة، وتلوم نفسها، وتعض على كفها، وتضع رجلها في الحشائش لعل ثعبانًا يلدغها، تقول: رب سلط علي عقربًا يلدغني. أنا التي جئت به لنفسي. ويشتد النقاش بين صفية وبين إحدى نساء النبي ﷺ فتقول لصفية: يا بنت اليهودية، فتبكي صفية، وتشكو إلى رسول الله ﷺ فيقول لها: قولي: أبي موسى وعمي هارون ﵉. ويتحزب نساء النبي ﷺ إلى حزبين، حزب تقوده عائشة، وحزب تقوده زينب بنت جحش، وتذهب زينب إلى رسول الله ﷺ في بيت عائشة تطلب منه أن ينصفها وحزبها من عائشة وحزبها فتهاجمها عائشة، وتكيل لها، وهي تكيل لعائشة حتى أسكتتها عائشة، وخرجت مغضبة، ورسول الله ﷺ لا يتدخل. وقصة العسل، وتحايل فريق عائشة على رسول الله ﷺ حتى حرمه على نفسه إرضاء لزوجاته وغضب له ربه، وعاتبه على حرصه الشديد على مرضاة أزواجه على حساب نفسه. ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك﴾ وحذر الأزواج وهددهن ﴿عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن﴾ [التحريم: ٥] ومع ذلك لم يتوقف التظاهر، ففي يوم من الأيام تجمع الحزبان على هدف واحد، هو المطالبة بزينة الدنيا كنساء كسرى وقيصر، وأحطن به تسكت هذه وتتكلم الأخرى، ورسول الله ﷺ ساكت واجم، ولولا أبو بكر وعمر دخلا فأمسك كل منهما ابنته لكانت نتيجة هذه المظاهرة غير محمودة. كم كان ﷺ صبورًا، إنما للصبر حدود. فلما ضاق صبره كان لا بد من موقف، فحلف أن لا يدخل عليهن شهرًا، واعتزلهن، واعتزل بيوتهن، وعاش في حجرة صغيرة عالية في المسجد شهرًا يصلي بالناس في المسجد، ثم يصعد إليها، لا يكلم أحدًا. فلما انتهى الشهر، وقد اكتفى ﷺ بهذه العقوبة أراد ربه أن يأخذ منهن موقفًا أشد، فأنزل عليه آية التخيير ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحًا جميلاً * وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرًا عظيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨، ٢٩] يعني من أرادت أن تعيش مع رسول الله ﷺ دون تمرد ودون إيذاء، وعلى ما هو عليه من ضيق العيش فجزاؤها عند الله، ومن أرادت الدنيا وشهواتها فباب الطلاق والفراق مفتوح. لكنهن جميعًا اخترن الله ورسوله والدار الآخرة. أعد الله لهن أجرًا عظيمًا. -[المباحث العربية]- (لما أمر رسول اللَّه ﷺ بتخيير أزواجه) أي لما أمره الله تعالى بقوله ﴿يا أيها

стр. 3185

النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحًا جميلاً * وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرًا عظيمًا﴾ وكان هذا التخيير عقب اعتزاله لأزواجه شهرًا، كما هو واضح من الرواية الثامنة ولكن هذا التخيير في السنة التاسعة على الصحيح. (بدأ بي) تقول ذلك دلالاً وفخرًا، لإعلان منزلتها عنده ﷺ ، ويحتمل أنه ﷺ بدأ بها لعلمه أنها تقود جماعة من نسائه، وسيفعلن مثل ما تفعل، ويغلب على ظنه أنها ستختاره، ويعلم يقينًا أن أبويها لا يوافقان على فراقها له. وقيل: يحتمل أن يكون هذا البدء عفويًا، لأنها كانت صاحبة النوبة، وهو بعيد. قال النووي: إنما بدأ بها لفضيلتها. والمراد بدأ بتخييري. والفاء في "فقال" تفسيرية. (فقال: إني ذاكر لك أمرًا) هذه المقدمة لتتريث في الأمر قبل أن تختار. (فلا عليك أن لا تعجلي) أي لا حرج عليك، ولا ضرر عليك إذا تريثت ولم تتعجلي، أي لا ضرر عليك في عدم العجلة، ونفي النفي إثبات، فيتحصل من مفهومه عليك حرج وضرر في التعجيل، وفي الرواية الثامنة "إني أريد أن أعرض عليك أمرًا، أحب أن لا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك" قال النووي: وإنما قال لها ذلك شفقة عليها وعلى أبويها، ونصيحة لهما في بقائها عنده ﷺ [أقول: وحرصًا عليها، وحبًا فيها، ورغبة في أن تختاره، وتبقى معه] فإنه خاف أن يحملها صغر سنها وقلة تجاربها على اختيار الفراق، فيجب فراقها، فتضطر هي وأبوها وباقي النسوة بالاقتداء بها. اهـ. أي بموافقتها. (حتى تستأمري أبويك) أي حتى تطلبي أمر أبويك بهذا الخصوص وتعملي به. (قالت: قد علم أن أبوي لم يكونا ليأمراني بفراقه) تقول هذا اعتزازًا وتيهًا وفخرًا، أي أنه لحرصه عليها، وتمسكه بها علق فراقها على مستحيل، وجعل اختيارها للفراق مرتبطًا بمن لا يرضى بالفراق. ﴿إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها﴾ ذكر الزينة تخصيص بعد تعميم، أي إن كنتن تردن السعة والتنعم والزخرف والزينة. ﴿(فتعالين)﴾ أصل "تعال" أمر بالصعود لمكان عال، ثم غلب في الأمر بالمجيء مطلقًا، والمراد هنا أقبلن بإرادتكن واختياركن لإحدى الخصلتين. ﴿(أمتعكن)﴾ أعطكن متعة الطلاق، والمتعة عند الجمهور واجبة للمطلقة التي لم يدخل بها ولم يفرض لها صداق، ومستحبة لكل مطلقة، وهي ثوب وخمار وملحفة، على حسب السعة والاقتار. ﴿(وأسرحكن سراحًا جميلاً)﴾ أي أطلقكن طلاقًا حسنًا بالمعروف، وليس بدعيًا ضارًا.

стр. 3186

﴿(وإن كنتن تردن الله ورسوله)﴾ أي تردن رسول الله ﷺ ، وذكر الله تعالى للإيذان بجلالة محله ﵊ عنده تعالى. ﴿(والدار الآخرة)﴾ أي نعيمها الوفير الباقي الذي لا يقاس به أي نعيم في الدنيا. ولما كان سبب هذا التخيير وسبب اعتزاله ﷺ أزواجه مختلفًا فيه كان السبب الظاهر لهذا التخيير طلبهن زيادة النفقة، كما جاء في الرواية الثامنة. (في أي هذا أستأمر أبوي؟ ) "أي" تضاف إلى متعدد، وهنا متعدد في المعنى، لأنهما أمران. الطلاق والبقاء، فكأنها قالت: في أي هذين الأمرين أستأمر؟ والاستفهام إنكاري. أي لا أستأمر أبوي في اختيار أحد الأمرين. وفي الرواية الثامنة "أفيك يا رسول الله أستشير أبوي"؟ (فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة) أي بل أختار رسول الله ﷺ ، زاد في الرواية الثامنة "وأسألك أن لا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت" أي باختياري لك. قيل: تريد أن تستأثر منه ﷺ بحظ أوفر إن اختارت بعض النساء الفراق، وقيل: إنها تريد أن يكون اختيارهن مبنيًا على إرادتهن وحدها، دون التأثر برأي الآخرين، وفي الرواية الثانية عشرة "لا تخبر نساءك أني اخترتك". كما زاد في الرواية الثامنة أيضًا "قال: لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها، إن الله لم يبعثني معنتًا أو متعنتًا، ولكن بعثني معلمًا ميسرًا" وكأنه ﷺ قبل أن لا يخبر من تلقاء نفسه بما اختارت عائشة لكن حين يسأل يلزم أن يجيب، وإلا كان مضيقًا على نفسه وعلى غيره، والعنت الضيق والعسر والمشقة. (كان رسول الله ﷺ يستأذننا إذا كان في يوم المرأة منا، بعد ما نزلت ﴿ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ... ﴾) "ترجي" أي ترجئ وتؤخر مضاجعة من تشاء من نسائك، وتضم إليك وتضاجع من تشاء ﴿ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح﴾ أي ومن طلبت ممن تجنبت فلا حرج عليك. هذا التفويض الذي منحه الله لرسوله ﷺ لم يكن يستخدمه ﷺ فكان يلتزم القسم، ويحافظ عليه بدقة، لدرجة أنه إذا احتاج الأمر إلى زيادة واحدة من يوم الأخرى استأذن صاحبة اليوم. (إن كان ذاك إلي لم أوثر أحدًا على نفسي) قال النووي: هذه المنافسة فيه ﷺ ليست لمجرد الاستمتاع ولمطلق العشرة وشهوات النفوس وحظوظها التي تكون من بعض الناس، بل هي منافسة في أمور الآخرة، والقرب من سيد الأولين والآخرين والرغبة فيه، وفي خدمته ومعاشرته، والاستفادة منه، وفي قضاء حقوقه وحوائجه، وتوقع نزول الرحمة والوحي عليه عندها، ونحو ذلك.

стр. 3187

(أفكان طلاقًا؟ ) الاستفهام أنكاري بمعنى النفي، كبقية الروايات [الثالثة والخامسة والسادسة]. (فلم يعددها علينا شيئًا) في بعض النسخ "فلم يعدها علينا شيئًا" أي فلم يعدها طلاقًا. (فوجد النبي ﷺ جالسًا، حوله نساؤه، واجمًا ساكتًا) "واجمًا" بالجيم. قال أهل اللغة: هو الذي اشتد حزنه حتى أمسك عن الكلام. (لأقولن شيئًا أضحك النبي ﷺ "أضحك" بضم الهمزة وكسر الحاء بينهما ضاد ساكنة، والجملة صفة لـ"شيئاً" والعائد محذوف، أي أضحك به النبي ﷺ وفي بعض النسخ "يضحك" وهي أوضح. (فوجأت عنقها) يقال: وجأ يجأ بمعنى ضرب وطعن، وكأنه ضربها في عنقها ضربة شديدة بمجمع يده، وكأن عمر فهم من الموقف أنهن يطلبن النفقة، فساق واقعته مع امرأته حين طلبت هذا المطلب، وكأنه بذلك يشير على النبي ﷺ أن يستخدم أسلوب عمر، ليقطع دابر هذا التحزب. (فضحك رسول اللَّه ﷺ لحزم عمر مع امرأته لعلاج مباح، وإن كان خير الناس لأهله ﷺ لم يستخدم هذا الأسلوب، وما ضرب بيده امرأة ولا خادمًا قط. (هن حولي كما ترى) كان نساء النبي ﷺ حزبين، حزبًا تقوده عائشة، وحزبًا تقوده زينب بنت جحش، لكنهن تجمعن وتحزبن ككتلة واحدة في هذا الموقف، فكان ذلك سببًا في شدة موجدته وألمه ﷺ . قال في البحر: لما نصر الله تعالى نبيه ﷺ ، ورد عنه الأحزاب، وفتح عليه النضير وقريظة ظن أزواجه ﵊ أنه اختص بنفائس اليهود وذخائرهم، فقعدن حوله، وقلن له: يا رسول الله، بنات كسرى وقيصر في الحلي والحلل، والإماء والخول، ونحن على ما تراه من الفاقة والضيق. وطالبن بتوسعة الحال، وأن يعاملن بما تعامل به الملوك أزواجهم. (تسألن رسول اللَّه ما ليس عنده؟ ) الكلام على الاستفهام الإنكاري التوبيخي، أي لا ينبغي أن تسألن. (ثم اعتزلهن شهرًا) ظاهره أن الاعتزال سببه هذا التحزب، وظاهر الرواية الثانية عشرة أن التظاهر من أجل قصة العسل أو مارية الماضية في الباب السابق كان سبب الاعتزال، ولا مانع من أن يكون معًا سببًا، وأنه ﷺ تحمل وتحمل حتى لزم الحزم. (دخلت المسجد) أي مسجد النبي ﷺ بالمدينة. (فإذا الناس) أي الموجودون بالمسجد. (ينكتون بالحصى) أي يأخذون الحصى من الأرض، ويضغطونه بأيديهم، ثم

стр. 3188

يضربون به الأرض، فعل المهموم المفكر المغتاظ. وكانت أرض المسجد بعضها مفروش بالحصى الصغير. (ويقولون: طلق رسول اللَّه ﷺ أزواجه) أي يقولون ذلك في أنفسهم تأسفًا وتحسرًا وتألمًا، أو يقول بعضهم ذلك لبعض، وهذا الأخير هو الظاهر، لأنه لو كان القول في أنفسهم لما علمه عمر، وقد بنوا هذا القول على إشاعة نشرها المنافقون والمرجفون في المدينة، وساعد على تصديقها اعتزاله ﷺ ، ومن هنا أيضًا أطلق الأنصاري جار عمر العبارة نفسها "طلق النبي ﷺ نساءه" كما جاء في الرواية الثانية عشرة. وكان على هذا الأنصاري وعلى هؤلاء الصحابة أن يتثبتوا قبل أن يقولوها، ولهذا عاتبهم اللَّه بقوله ﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ [النساء: ٨٣] فكان عمر ﵁ من الذين يستنبطونه، إذ رجع إلى الأزواج يسألهن، ورجع إلى رسول الله ﷺ يسأله: "أطلقت نساءك؟ قال: لا". (وذلك قبل أن يؤمرن بالحجاب) هذه الجملة مقدمة من تأخير، ومكانها بعد قوله "فدخلت على عائشة" وهذه الجملة أصلاً وهم من الراوي. قال الحافظ ابن حجر: هذه الجملة في الرواية غلط بين، فإن نزول الحجاب كان في أول زواج النبي ﷺ زينب بنت جحش، كما هو مفهوم في سورة الأحزاب، وهذه القصة كانت سبب نزول آية التخيير، وكانت زينب بنت جحش فيمن خير، فآية التخيير نزلت سنة تسع، والحجاب كان سنة أربع أو خمس. ثم قال الحافظ: وقد أجاب بعضهم بتأويلات بعيدة، وأحسن محامله عندي أن يكون الراوي لما رأى قول عمر أنه دخل على عائشة ظن أن ذلك كان قبل الحجاب، فذكره، لكن جوابه أنه لا يلزم من الدخول رفع الحجاب، فقد يدخل من الباب، وتخاطبه من وراء الحجاب، كما لا يلزم من وهم الراوي في لفظة من الحديث أن يطرح حديثه كله. (فقلت: لأعلمن ذلك اليوم) الإشارة إلى الطلاق أو عدمه، وظاهر من هذه الرواية أن عمر حين جاء من عوالي المدينة بدأ بدخول المسجد، فرأى الناس وأحوالهم فيه، فخرج إلى بيوت الأزواج، ليسأل عن مكان النبي ﷺ ، أما الدخول على الأزواج المذكور في أول الرواية العاشرة والثانية عشرة فهو دخول آخر في يوم سابق على اعتزاله ﷺ ، فالدخول الأول سببه مراجعة زوجة عمر، والدخول الثاني سببه إخبار الأنصاري أن الرسول ﷺ طلق نساءه واعتزل. والدخول الأول كان لتحذير حفصة ثم أم سلمة، والدخول الثاني كان للوم حفصة ومعاتبة عائشة والسؤال عن رسول الله ﷺ ، والدخول الأول كان من عوالي المدينة إلى بيوت الأزواج، أما الثاني فكان إلى المسجد ثم البيوت. (أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول اللَّه ﷺ ؟ ) الاستفهام إنكاري، أي ما كان ينبغي منك - مهما بلغ شأنك وعظم - أن تؤذي رسول الله ﷺ .

стр. 3189

(فقالت: ما لي ولك؟ ) أي لا شأن لي عندك، فلا أجيبك، ولا شأن لك عندي فلا تسألني. فـ"ما" نافية، والجار والمجرور خبر لمبتدأ محذوف. (عليك بعيبتك) بفتح العين وسكون الياء وفتح الباء، والعيبة في كلام العرب وعاء يجعل الإنسان فيه أفضل ثيابه ونفيس متاعه، كأنها تقول: عليك بخزانتك، كناية عن ابنته حفصة، أي عليك بوعظ ابنتك ودعني. (هو في خزانته في المشربة) الخزانة المكان الذي يخزن فيه، والمشربة بفتح الميم وسكون الشين، وفتح الراء وضمها الغرفة العالية، وكان للنبي ﷺ غرفة عالية في المسجد، من جذوع النخل وجريده، يصعد إليها على جذع نخل مائل كالدرج، ويستعرض أمام بابها جذع آخر، يقف عليه الداخل قبل أن يدخل، وكان الرسول ﷺ يستعملها كمخزن، تضع فيها بعض زوجاته بعض الأمتعة. فكان فيها حين دخلها عمر: حصير ووسادة، وقبضة من شعير، وقبضة من قرظ يدبغ به الجلود، وعدد من جلود الغنم حديثة الدبغ. (فدخلت) أي خرجت من بيت حفصة فدخلت المسجد، متجهًا نحو المشربة، وفي الرواية العاشرة "ثم آخذ ثوبي، فأخرج" والتعبير بالمضارع لاستحضار الصورة، والأصل ثم أخذت ثوبي، فخرجت" حتى جئت، فإذا رسول الله ﷺ في مشربة" وفي الرواية الثانية عشرة" حتى إذا صليت الصبح شددت علي ثيابي، ثم نزلت، فدخلت على حفصة، وهي تبكي، فقلت: أطلقكن رسول الله ﷺ ؟ فقالت: لا أدري. ها هو ذا معتزل في هذه المشربة، فأتيت غلامًا ... " إلخ ففي بعض الروايات طي تبرزه الروايات الأخرى، وأما رواية البخاري. ولفظها" فجمعت علي ثيابي فصليت الفجر مع النبي ﷺ ، فدخل النبي ﷺ مشربة له، فاعتزل فيها، ودخلت على حفصة ...... فقالت: لا أدري. ها هو ذا معتزل في المشربة، فخرجت فجئت إلى المنبر، فإذا حوله رهط يبكي بعضهم، فجلست معهم قليلاً، ثم غلبني ما أجد، فجئت المشربة ... " فظاهر هذه الرواية يعارض روايتنا في صلاة عمر الصبح، هل كان في العوالي؟ أو كان مع الرسول ﷺ ؟ ويمكن الجمع بأن معنى روايتنا فنزلت من العوالي، فصليت الصبح مع النبي ﷺ فلما سلم النبي ﷺ قام لا يكلم أحدًا، فدخل المشربة، ورأيت الناس يضربون بالحصى، فشددت علي ثيابي ثم نزلت إلى الحجرات، فدخلت على حفصة ... إلخ. الإشكال الثاني أن رواية البخاري تفيد أن عمر علم مكان رسول الله ﷺ قبل أن يدخل على حفصة، وروايتنا التاسعة يسأل فيها حفصة "أين رسول الله ﷺ "؟ ويمكن أن يجاب عن هذا الإشكال بأن سؤاله لم يكن لمعرفة أين هو؟ وإنما ليتبين. هل تعلم هي مكانه أو لا؟ أو الاستفهام للتبكيت، أن كانت هي سبب وجوده في هذا المكان. (فإذا أنا برباح) بفتح الراء وتخفيف الباء، وفي الرواية العاشرة "وغلام لرسول الله ﷺ أسود على رأس الدرجة".

стр. 3190

(قاعدًا على أسكفة المشربة) الأسكفة بضم الهمزة وسكون السين وضم الكاف وتشديد الفاء المفتوحة، العتبة السفلى للباب. و"قاعدًا" حال وفي رواية "قاعد". (مدل رجليه على نقير من خشب) "مدل" خبر لمبتدأ محذوف، أي هو مدل. والنقير بفتح النون وكسر القاف. بمعنى منقور، أي جذع من خشب قد نقر على مسافات ليكون درجًا، يصعد عليه رسول الله ﷺ وينزل، قال النووي: "نقير" بالنون ثم القاف. هذا هو الصحيح الموجود في جميع النسخ، وذكر القاضي أنه بالفاء بدل النون، والفقير بمعنى مفقور، مأخوذ من فقار الظهر. اهـ أي جذع جعلت فيه فقر كالدرج، وفي الرواية العاشرة "في مشربة له، يرتقي إليها بعجلة" أي بسرعة، وفي نسخة "بعجلها" وفي نسخة "بعجلتها" وكله صحيح قال ابن قتيبة وغيره: هي درجة من النخل، كما قال في رواية "جذع". (فناديت: يا رباح. استأذن لي عندك على رسول اللَّه ﷺ . فنظر رباح إلى الغرفة، ثم نظر إلي، فلم يقل شيئًا، ثم قلت يا رباح. استأذن لي عندك على رسول اللَّه ﷺ فنظر رباح إلى الغرفة ثم نظر إلي، فلم يقل شيئًا، ثم رفعت صوتي، فقلت .... إلخ) ظاهره أنه طلب الإذن ثلاث مرات في وقت واحد، ووقفة واحدة، وهو غير مراد، فالرواية الثانية عشرة بينت أن بين المرة والمرة كان ينتهي إلى المنبر، ويجلس قليلاً، ثم يعود يستأذن، وظاهره أن الغلام كان يرد ويرفض الإذن بالإشارة، دون أن يدخل، اعتمادًا على أن الرسول ﷺ أوصاه أن لا يأذن لأحد بالدخول، وهو غير مراد، فالرواية الثانية عشرة بينت أن الغلام كان يدخل، ويذكر للنبي ﷺ أن عمر يستأذن، وكان الرسول ﷺ لا يجيب، وهذا رفض للإذن، على ما عهدوا منه ﷺ ولعل الغلام كان يفعل الأمرين، يرفض بالإشارة، ثم يدخل فلا يؤذن فيعود، فيخبر عمر بالرفض الصريح. قال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن يكون النبي ﷺ في المرتين الأوليين كان نائمًا أو ظن أن عمر جاء يستعطفه على أزواجه، لكون حفصة ابنته منهن. اهـ. قلت: الاحتمال الأول لا يتناسب مع ظاهر الروايات. (فأومأ إلي أن ارقه) أصله: ارق، أي اصعد وادخل، دخلت عليه هاء السكت، وليس المراد أن الغلام أذن له من نفسه ساعة الاستئذان الثالث، بل المراد ما أوضحته الرواية الثانية عشرة، وفيها بعد الاستئذان الثالث "فدخل، ثم خرج إلي، فقال: قد ذكرتك له، فصمت، فوليت مدبرًا، فإذا الغلام يدعوني، فقال: أدخل فقد أذن لك، فدخلت" فظاهرها أن الغلام سمع صوت النبي ﷺ يأذن لعمر بالدخول. (فدخلت على رسول اللَّه ﷺ وهو مضطجع على حصير، فجلست، فأدنى عليه إزاره، وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثر في جنبه) في الرواية العاشرة "فقصصت على رسول الله ﷺ هذا الحديث [أي ما حصل بينه وبين حفصة] فلما بلغت حديث أم سلمة تبسم رسول الله ﷺ ، وإنه لعلى حصير، ما بينه وبينه شيء، وتحت رأسه وسادة من أدم - أي من جلد مدبوغ - حشوها ليف" وفي الرواية الثانية عشرة "فإذا هو متكئ على رمل حصير - أي على حصير منسوج، يقال:
следующие страницы →