Полный текст (6 200 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.
стр. 3186
﴿(وإن كنتن تردن الله ورسوله)﴾ أي تردن رسول الله ﷺ ، وذكر الله تعالى للإيذان بجلالة محله ﵊ عنده تعالى.
﴿(والدار الآخرة)﴾ أي نعيمها الوفير الباقي الذي لا يقاس به أي نعيم في الدنيا.
ولما كان سبب هذا التخيير وسبب اعتزاله ﷺ أزواجه مختلفًا فيه كان السبب الظاهر لهذا التخيير طلبهن زيادة النفقة، كما جاء في الرواية الثامنة.
(في أي هذا أستأمر أبوي؟ ) "أي" تضاف إلى متعدد، وهنا متعدد في المعنى، لأنهما أمران. الطلاق والبقاء، فكأنها قالت: في أي هذين الأمرين أستأمر؟ والاستفهام إنكاري. أي لا أستأمر أبوي في اختيار أحد الأمرين. وفي الرواية الثامنة "أفيك يا رسول الله أستشير أبوي"؟
(فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة) أي بل أختار رسول الله ﷺ ، زاد في الرواية الثامنة "وأسألك أن لا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت" أي باختياري لك. قيل: تريد أن تستأثر منه ﷺ بحظ أوفر إن اختارت بعض النساء الفراق، وقيل: إنها تريد أن يكون اختيارهن مبنيًا على إرادتهن وحدها، دون التأثر برأي الآخرين، وفي الرواية الثانية عشرة "لا تخبر نساءك أني اخترتك".
كما زاد في الرواية الثامنة أيضًا "قال: لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها، إن الله لم يبعثني معنتًا أو متعنتًا، ولكن بعثني معلمًا ميسرًا" وكأنه ﷺ قبل أن لا يخبر من تلقاء نفسه بما اختارت عائشة لكن حين يسأل يلزم أن يجيب، وإلا كان مضيقًا على نفسه وعلى غيره، والعنت الضيق والعسر والمشقة.
(كان رسول الله ﷺ يستأذننا إذا كان في يوم المرأة منا، بعد ما نزلت ﴿ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ... ﴾) "ترجي" أي ترجئ وتؤخر مضاجعة من تشاء من نسائك، وتضم إليك وتضاجع من تشاء ﴿ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح﴾ أي ومن طلبت ممن تجنبت فلا حرج عليك.
هذا التفويض الذي منحه الله لرسوله ﷺ لم يكن يستخدمه ﷺ فكان يلتزم القسم، ويحافظ عليه بدقة، لدرجة أنه إذا احتاج الأمر إلى زيادة واحدة من يوم الأخرى استأذن صاحبة اليوم.
(إن كان ذاك إلي لم أوثر أحدًا على نفسي) قال النووي: هذه المنافسة فيه ﷺ ليست لمجرد الاستمتاع ولمطلق العشرة وشهوات النفوس وحظوظها التي تكون من بعض الناس، بل هي منافسة في أمور الآخرة، والقرب من سيد الأولين والآخرين والرغبة فيه، وفي خدمته ومعاشرته، والاستفادة منه، وفي قضاء حقوقه وحوائجه، وتوقع نزول الرحمة والوحي عليه عندها، ونحو ذلك.
стр. 3187
(أفكان طلاقًا؟ ) الاستفهام أنكاري بمعنى النفي، كبقية الروايات [الثالثة والخامسة والسادسة].
(فلم يعددها علينا شيئًا) في بعض النسخ "فلم يعدها علينا شيئًا" أي فلم يعدها طلاقًا.
(فوجد النبي ﷺ جالسًا، حوله نساؤه، واجمًا ساكتًا) "واجمًا" بالجيم. قال أهل اللغة: هو الذي اشتد حزنه حتى أمسك عن الكلام.
(لأقولن شيئًا أضحك النبي ﷺ "أضحك" بضم الهمزة وكسر الحاء بينهما ضاد ساكنة، والجملة صفة لـ"شيئاً" والعائد محذوف، أي أضحك به النبي ﷺ وفي بعض النسخ "يضحك" وهي أوضح.
(فوجأت عنقها) يقال: وجأ يجأ بمعنى ضرب وطعن، وكأنه ضربها في عنقها ضربة شديدة بمجمع يده، وكأن عمر فهم من الموقف أنهن يطلبن النفقة، فساق واقعته مع امرأته حين طلبت هذا المطلب، وكأنه بذلك يشير على النبي ﷺ أن يستخدم أسلوب عمر، ليقطع دابر هذا التحزب.
(فضحك رسول اللَّه ﷺ لحزم عمر مع امرأته لعلاج مباح، وإن كان خير الناس لأهله ﷺ لم يستخدم هذا الأسلوب، وما ضرب بيده امرأة ولا خادمًا قط.
(هن حولي كما ترى) كان نساء النبي ﷺ حزبين، حزبًا تقوده عائشة، وحزبًا تقوده زينب بنت جحش، لكنهن تجمعن وتحزبن ككتلة واحدة في هذا الموقف، فكان ذلك سببًا في شدة موجدته وألمه ﷺ . قال في البحر: لما نصر الله تعالى نبيه ﷺ ، ورد عنه الأحزاب، وفتح عليه النضير وقريظة ظن أزواجه ﵊ أنه اختص بنفائس اليهود وذخائرهم، فقعدن حوله، وقلن له: يا رسول الله، بنات كسرى وقيصر في الحلي والحلل، والإماء والخول، ونحن على ما تراه من الفاقة والضيق. وطالبن بتوسعة الحال، وأن يعاملن بما تعامل به الملوك أزواجهم.
(تسألن رسول اللَّه ما ليس عنده؟ ) الكلام على الاستفهام الإنكاري التوبيخي، أي لا ينبغي أن تسألن.
(ثم اعتزلهن شهرًا) ظاهره أن الاعتزال سببه هذا التحزب، وظاهر الرواية الثانية عشرة أن التظاهر من أجل قصة العسل أو مارية الماضية في الباب السابق كان سبب الاعتزال، ولا مانع من أن يكون معًا سببًا، وأنه ﷺ تحمل وتحمل حتى لزم الحزم.
(دخلت المسجد) أي مسجد النبي ﷺ بالمدينة.
(فإذا الناس) أي الموجودون بالمسجد.
(ينكتون بالحصى) أي يأخذون الحصى من الأرض، ويضغطونه بأيديهم، ثم
стр. 3188
يضربون به الأرض، فعل المهموم المفكر المغتاظ. وكانت أرض المسجد بعضها مفروش بالحصى الصغير.
(ويقولون: طلق رسول اللَّه ﷺ أزواجه) أي يقولون ذلك في أنفسهم تأسفًا وتحسرًا وتألمًا، أو يقول بعضهم ذلك لبعض، وهذا الأخير هو الظاهر، لأنه لو كان القول في أنفسهم لما علمه عمر، وقد بنوا هذا القول على إشاعة نشرها المنافقون والمرجفون في المدينة، وساعد على تصديقها اعتزاله ﷺ ، ومن هنا أيضًا أطلق الأنصاري جار عمر العبارة نفسها "طلق النبي ﷺ نساءه" كما جاء في الرواية الثانية عشرة. وكان على هذا الأنصاري وعلى هؤلاء الصحابة أن يتثبتوا قبل أن يقولوها، ولهذا عاتبهم اللَّه بقوله ﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ [النساء: ٨٣] فكان عمر ﵁ من الذين يستنبطونه، إذ رجع إلى الأزواج يسألهن، ورجع إلى رسول الله ﷺ يسأله: "أطلقت نساءك؟ قال: لا".
(وذلك قبل أن يؤمرن بالحجاب) هذه الجملة مقدمة من تأخير، ومكانها بعد قوله "فدخلت على عائشة" وهذه الجملة أصلاً وهم من الراوي. قال الحافظ ابن حجر: هذه الجملة في الرواية غلط بين، فإن نزول الحجاب كان في أول زواج النبي ﷺ زينب بنت جحش، كما هو مفهوم في سورة الأحزاب، وهذه القصة كانت سبب نزول آية التخيير، وكانت زينب بنت جحش فيمن خير، فآية التخيير نزلت سنة تسع، والحجاب كان سنة أربع أو خمس.
ثم قال الحافظ: وقد أجاب بعضهم بتأويلات بعيدة، وأحسن محامله عندي أن يكون الراوي لما رأى قول عمر أنه دخل على عائشة ظن أن ذلك كان قبل الحجاب، فذكره، لكن جوابه أنه لا يلزم من الدخول رفع الحجاب، فقد يدخل من الباب، وتخاطبه من وراء الحجاب، كما لا يلزم من وهم الراوي في لفظة من الحديث أن يطرح حديثه كله.
(فقلت: لأعلمن ذلك اليوم) الإشارة إلى الطلاق أو عدمه، وظاهر من هذه الرواية أن عمر حين جاء من عوالي المدينة بدأ بدخول المسجد، فرأى الناس وأحوالهم فيه، فخرج إلى بيوت الأزواج، ليسأل عن مكان النبي ﷺ ، أما الدخول على الأزواج المذكور في أول الرواية العاشرة والثانية عشرة فهو دخول آخر في يوم سابق على اعتزاله ﷺ ، فالدخول الأول سببه مراجعة زوجة عمر، والدخول الثاني سببه إخبار الأنصاري أن الرسول ﷺ طلق نساءه واعتزل.
والدخول الأول كان لتحذير حفصة ثم أم سلمة، والدخول الثاني كان للوم حفصة ومعاتبة عائشة والسؤال عن رسول الله ﷺ ، والدخول الأول كان من عوالي المدينة إلى بيوت الأزواج، أما الثاني فكان إلى المسجد ثم البيوت.
(أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول اللَّه ﷺ ؟ ) الاستفهام إنكاري، أي ما كان ينبغي منك - مهما بلغ شأنك وعظم - أن تؤذي رسول الله ﷺ .
стр. 3189
(فقالت: ما لي ولك؟ ) أي لا شأن لي عندك، فلا أجيبك، ولا شأن لك عندي فلا تسألني. فـ"ما" نافية، والجار والمجرور خبر لمبتدأ محذوف.
(عليك بعيبتك) بفتح العين وسكون الياء وفتح الباء، والعيبة في كلام العرب وعاء يجعل الإنسان فيه أفضل ثيابه ونفيس متاعه، كأنها تقول: عليك بخزانتك، كناية عن ابنته حفصة، أي عليك بوعظ ابنتك ودعني.
(هو في خزانته في المشربة) الخزانة المكان الذي يخزن فيه، والمشربة بفتح الميم وسكون الشين، وفتح الراء وضمها الغرفة العالية، وكان للنبي ﷺ غرفة عالية في المسجد، من جذوع النخل وجريده، يصعد إليها على جذع نخل مائل كالدرج، ويستعرض أمام بابها جذع آخر، يقف عليه الداخل قبل أن يدخل، وكان الرسول ﷺ يستعملها كمخزن، تضع فيها بعض زوجاته بعض الأمتعة. فكان فيها حين دخلها عمر: حصير ووسادة، وقبضة من شعير، وقبضة من قرظ يدبغ به الجلود، وعدد من جلود الغنم حديثة الدبغ.
(فدخلت) أي خرجت من بيت حفصة فدخلت المسجد، متجهًا نحو المشربة، وفي الرواية العاشرة "ثم آخذ ثوبي، فأخرج" والتعبير بالمضارع لاستحضار الصورة، والأصل ثم أخذت ثوبي، فخرجت" حتى جئت، فإذا رسول الله ﷺ في مشربة" وفي الرواية الثانية عشرة" حتى إذا صليت الصبح شددت علي ثيابي، ثم نزلت، فدخلت على حفصة، وهي تبكي، فقلت: أطلقكن رسول الله ﷺ ؟ فقالت: لا أدري. ها هو ذا معتزل في هذه المشربة، فأتيت غلامًا ... " إلخ ففي بعض الروايات طي تبرزه الروايات الأخرى، وأما رواية البخاري. ولفظها" فجمعت علي ثيابي فصليت الفجر مع النبي ﷺ ، فدخل النبي ﷺ مشربة له، فاعتزل فيها، ودخلت على حفصة ...... فقالت: لا أدري. ها هو ذا معتزل في المشربة، فخرجت فجئت إلى المنبر، فإذا حوله رهط يبكي بعضهم، فجلست معهم قليلاً، ثم غلبني ما أجد، فجئت المشربة ... " فظاهر هذه الرواية يعارض روايتنا في صلاة عمر الصبح، هل كان في العوالي؟ أو كان مع الرسول ﷺ ؟ ويمكن الجمع بأن معنى روايتنا فنزلت من العوالي، فصليت الصبح مع النبي ﷺ فلما سلم النبي ﷺ قام لا يكلم أحدًا، فدخل المشربة، ورأيت الناس يضربون بالحصى، فشددت علي ثيابي ثم نزلت إلى الحجرات، فدخلت على حفصة ... إلخ.
الإشكال الثاني أن رواية البخاري تفيد أن عمر علم مكان رسول الله ﷺ قبل أن يدخل على حفصة، وروايتنا التاسعة يسأل فيها حفصة "أين رسول الله ﷺ "؟ ويمكن أن يجاب عن هذا الإشكال بأن سؤاله لم يكن لمعرفة أين هو؟ وإنما ليتبين. هل تعلم هي مكانه أو لا؟ أو الاستفهام للتبكيت، أن كانت هي سبب وجوده في هذا المكان.
(فإذا أنا برباح) بفتح الراء وتخفيف الباء، وفي الرواية العاشرة "وغلام لرسول الله ﷺ أسود على رأس الدرجة".
стр. 3190
(قاعدًا على أسكفة المشربة) الأسكفة بضم الهمزة وسكون السين وضم الكاف وتشديد الفاء المفتوحة، العتبة السفلى للباب. و"قاعدًا" حال وفي رواية "قاعد".
(مدل رجليه على نقير من خشب) "مدل" خبر لمبتدأ محذوف، أي هو مدل. والنقير بفتح النون وكسر القاف. بمعنى منقور، أي جذع من خشب قد نقر على مسافات ليكون درجًا، يصعد عليه رسول الله ﷺ وينزل، قال النووي: "نقير" بالنون ثم القاف. هذا هو الصحيح الموجود في جميع النسخ، وذكر القاضي أنه بالفاء بدل النون، والفقير بمعنى مفقور، مأخوذ من فقار الظهر. اهـ أي جذع جعلت فيه فقر كالدرج، وفي الرواية العاشرة "في مشربة له، يرتقي إليها بعجلة" أي بسرعة، وفي نسخة "بعجلها" وفي نسخة "بعجلتها" وكله صحيح قال ابن قتيبة وغيره: هي درجة من النخل، كما قال في رواية "جذع".
(فناديت: يا رباح. استأذن لي عندك على رسول اللَّه ﷺ . فنظر رباح إلى الغرفة، ثم نظر إلي، فلم يقل شيئًا، ثم قلت يا رباح. استأذن لي عندك على رسول اللَّه ﷺ فنظر رباح إلى الغرفة ثم نظر إلي، فلم يقل شيئًا، ثم رفعت صوتي، فقلت .... إلخ) ظاهره أنه طلب الإذن ثلاث مرات في وقت واحد، ووقفة واحدة، وهو غير مراد، فالرواية الثانية عشرة بينت أن بين المرة والمرة كان ينتهي إلى المنبر، ويجلس قليلاً، ثم يعود يستأذن، وظاهره أن الغلام كان يرد ويرفض الإذن بالإشارة، دون أن يدخل، اعتمادًا على أن الرسول ﷺ أوصاه أن لا يأذن لأحد بالدخول، وهو غير مراد، فالرواية الثانية عشرة بينت أن الغلام كان يدخل، ويذكر للنبي ﷺ أن عمر يستأذن، وكان الرسول ﷺ لا يجيب، وهذا رفض للإذن، على ما عهدوا منه ﷺ ولعل الغلام كان يفعل الأمرين، يرفض بالإشارة، ثم يدخل فلا يؤذن فيعود، فيخبر عمر بالرفض الصريح. قال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن يكون النبي ﷺ في المرتين الأوليين كان نائمًا أو ظن أن عمر جاء يستعطفه على أزواجه، لكون حفصة ابنته منهن. اهـ. قلت: الاحتمال الأول لا يتناسب مع ظاهر الروايات.
(فأومأ إلي أن ارقه) أصله: ارق، أي اصعد وادخل، دخلت عليه هاء السكت، وليس المراد أن الغلام أذن له من نفسه ساعة الاستئذان الثالث، بل المراد ما أوضحته الرواية الثانية عشرة، وفيها بعد الاستئذان الثالث "فدخل، ثم خرج إلي، فقال: قد ذكرتك له، فصمت، فوليت مدبرًا، فإذا الغلام يدعوني، فقال: أدخل فقد أذن لك، فدخلت" فظاهرها أن الغلام سمع صوت النبي ﷺ يأذن لعمر بالدخول.
(فدخلت على رسول اللَّه ﷺ وهو مضطجع على حصير، فجلست، فأدنى عليه إزاره، وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثر في جنبه) في الرواية العاشرة "فقصصت على رسول الله ﷺ هذا الحديث [أي ما حصل بينه وبين حفصة] فلما بلغت حديث أم سلمة تبسم رسول الله ﷺ ، وإنه لعلى حصير، ما بينه وبينه شيء، وتحت رأسه وسادة من أدم - أي من جلد مدبوغ - حشوها ليف" وفي الرواية الثانية عشرة "فإذا هو متكئ على رمل حصير - أي على حصير منسوج، يقال:
стр. 3191
رملت الحصير وأرملته إذا نسجته، وفي غير هذه الرواية "رمال حصير" - قد أثر في جنبه، فقلت ... وساق قصته مع حفصة ثم قال: "فتبسم النبي ﷺ أخرى، فقلت: أستأنس يا رسول الله"؟ - أي أجلس؟ "قال: نعم فجلست".
فمعنى "مضطجع على حصير" أي متكئ، وتمام الصورة أنه ﷺ كان يلبس إزارًا فقط، وليس عليه رداء، فنصفه العلوي عار تمامًا، ظهر فيه تأثير حبال الحصير، وأن الإزار من النوم كان قد تجعد فأرخاه ﷺ وعدله، وأن عمر ظل واقفاً يؤنس النبي ﷺ ويقص عليه ما كان من شأنه، وأن النبي ﷺ كان ظاهر الغضب حين دخل عمر، فلما أنس بكلام عمر وتبسم مرتين اطمأن عمر وطلب الجلوس، وجلس على الأرض، أو على طرف الحصير إن كان قد اتسع له، والظاهر أن النبي ﷺ ظل مضطجعًا.
(فنظرت ببصري في خزانة رسول اللَّه ﷺ دعاه إلى النظر المفارقة الكبيرة بين مقامه ﷺ عند ربه وعند أصحابه، وما يراه من حاله النبوي، وقلنا: إن ذلك كان في السنة التاسعة، وكانت نفائس بني قريظة وبني النضير وغيرهم قد صارت للمسلمين، وقد أفاء الله على رسوله ﷺ الكثير. فما بال خزانته هكذا؟ أليس هذا أمر عجيب؟ .
(فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع) ليس المراد القبضة الحقيقية، ما يجمعه الكف الواحد، وإنما هي كناية عن القليل، وإلا فالصاع أربع حفنات بكف الرجل المتوسط، أي ثمان قبضات على الأقل.
(ومثلها قرظًا في ناحية الغرفة) "مثلها" مجرور، عطفًا على "قبضة" و"قرظًا" تمييز، وهو بفتح القاف والراء والظاء يطلق على شجر عظام، لها سوق غلاظ، وهو نوع من أنواع السنط العربي، ويطلق على ثمرته وبذوره التي تخرج من القرون، وهي المرادة هنا، ويدبغ به الجلود، وفي الرواية العاشرة "وإن عند رجليه قرظًا مضبورًا" قال النووي: وقع في بعض الأصول بالضاد، وفي بعضها بالصاد المهملة، وكلاهما صحيح، أي مجموعًا. اهـ. وفي رواية "مصبوبًا" بباءين، ولا تنافي، فالمراد أنه مجموع غير منتشر، وإن كان في غير وعاء. فهو مصبوب مجتمع.
(وإذا أفيق معلق) "أفيق" بفتح الهمزة، وكسر الفاء، وهو الجلد الذي لم يتم دباغه، وجمعه أفق بفتح الهمزة والفاء، مثل أديم وأدم، وفي الرواية العاشرة "وعند رأسه أهبًا معلقة" والأهب بضم الهمزة والهاء وبفتحهما، لغتان مشهورتان، جمع إهاب، وهو الجلد قبل الدباغ، وقيل: الجلد مطلقًا، دبغ أو لم يدبغ والذي يظهر أن المراد هنا جلد شرع في دبغه ولم يكمل، وفي الرواية الثانية عشرة "فوالله ما رأيت فيه شيئًا يرد البصر إلا أهبا ثلاثة" وفي رواية البخاري "غير أهبة ثلاثة" وفي أخرى له "غير أهبة ثلاثة" بفتح الهمزة والهاء، وبضمها أيضًا بمعنى الأهب.
(فابتدرت عيناي) أي سالت دموعهما، وفي الرواية العاشرة "فبكيت".
стр. 3192
(ما يشق عليك من شأن النساء) "من" بمعنى "بعض" أي لا يشق على نفسك بعض شأن النساء، أو زائدة داخلة على فاعل "يشق" أي لا يشق عليك شأن النساء، أي لا تشغل بالك بعوجهن، ولا تغضب من إساءتهن، فإنهن ناقصات عقل.
(فإن كنت طلقتهن فإن اللَّه معك وملائكته وجبريل وميكائيل، وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك، وقلما تكلمت - وأحمد اللَّه - بكلام إلا رجوت أن يكون اللَّه يصدق قولي الذي أقول، ونزلت هذه الآية، آية التخيير ﴿عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن﴾ ﴿وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير﴾) هذه من موافقات عمر ﵁، وكان يعتز بها، ويتحدث عنها، كما هنا، وكما جاء عند البخاري وغيره من قوله "وافقت ربي في ثلاث فقلت: لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟ فنزلت ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ وآية الحجاب، قلت: يا رسول الله، لو أمرت نساءك أن يحتجبن؟ فإنه يكلمهن البر والفاجر، فنزلت آية الحجاب، واجتمع نساء النبي ﷺ في الغيرة عليه، فقلت لهن: ﴿عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن﴾ فنزلت هذه الآية".
قال الحافظ ابن حجر: والمعنى وافقني ربي، فأنزل القرآن على وفق ما رأيت، لكن لرعاية الأدب أسند الموافقة إلى نفسه. اهـ. أقول: أو المعنى وافقت بقولي ما هو ثابت عند الله قبل أن ينزله. ثم قال الحافظ ابن حجر: وقد حصلت له الموافقة في أشياء غير هذه، من مشهورها قصة أسارى بدر، وقصة الصلاة على المنافقين، وهما في الصحيح، وصحح الترمذي من حديث ابن عمر أنه قال: "ما نزل بالناس أمر قط، فقالوا فيه، وقال فيه عمر إلا نزل القرآن فيه على نحو ما قال عمر" وهذا دال على كثرة موافقاته وأكثر ما وقفنا عليه منها على التعيين خمسة عشر، لكن ذلك بحسب المنقول. اهـ.
(وكانت عائشة بنت أبي بكر وحفصة تظاهران على سائر نساء النبي ﷺ أي تتظاهران، مضارع محذوف إحدى التاءين، أي تدعيان الظهور والسمو والرفعة.
(فلم أزل أحدثه حتى تحسر الغضب عن وجهه، وحتى كشر) "تحسر الغضب" أي زال وانكشف، و"كشر" بفتح الكاف والشين مخففة، أي أبدى أسنانه تبسمًا، ويقال أيضًا في الغضب. والمراد هنا الأول.
(ثم نزل نبي اللَّه ﷺ ونزلت .... فقلت: يا رسول اللَّه، إنما كنت في الغرفة تسعة وعشرين؟ قال: إن الشهر يكون تسعًا وعشرين. فقمت على باب المسجد فناديت ... إلخ)
قال الحافظ ابن حجر: هذا مشكل، فإن ظاهره أن النبي ﷺ نزل عقب ما خاطبه عمر، فيلزم منه أن يكون عمر تأخر كلامه معه تسعة وعشرين يومًا، وسياق غيره ظاهر في أنه تكلم معه في ذلك اليوم، وكيف يمهل عمر تسعة وعشرين يومًا لا يتكلم في ذلك؟ وهو مصرح
стр. 3193
بأنه لم يصبر ساعة في المسجد، حتى يقوم ويرجع إلى الغرفة، ويستأذنه؟ قال: ولكن تأويل هذا سهل، وهو أن يحمل قوله "فترك" أي بعد أن مضت المدة، ويستفاد منه أنه كان يتردد إلى النبي ﷺ في تلك المدة التي حلف عليها، فاتفق أنه كان عنده عند إرادته النزول، فنزل معه، ثم خشي أن يكون نسي تمام الشهر، فذكره كما ذكرته عائشة.
(فلما رجع، فكنا ببعض الطريق عدل إلى الأراك، لحاجة له) حددت الرواية الحادية عشرة المكان المشار إليه، بأنه مر الظهران، وفي الرواية الثانية عشرة "فلما كنا ببعض الطريق عدل عمر، وعدلت معه بالإداوة - إبريق ماء يصب منه عند الوضوء والاستنجاء ونحوهما - فتبرز" وأصل التبرز من البراز، وهو الموضع الخالي البارز عن البيوت، ثم أطلق التبرز على نفس الفعل - قضاء الحاجة، والمعنى عدل عن الطريق المسلوك إلى مكان لا يسلك غالبًا، به أشجار الأراك، ليستره أثناء قضاء حاجته، عدل بدون ماء لقلته، وطلب من ابن عباس أن يستحضر له إداوة من ماء حتى يرجع، فلما رجع وقد استجمر أخذ ابن عباس يصب عليه ماء الوضوء. فتكلم معه وسأله، كانت البداية أثناء الوضوء، واستمر الحديث بالطريق، ففي الرواية الثانية عشرة "فسكبت على يديه، فتوضأ، فقلت ... " وفي الرواية الحادية عشرة "ذهبت أصب عليه وذكرت، فقلت له ... " وفي الرواية العاشرة "ثم سرت معه، فقلت ... ".
(إن كنا في الجاهلية ما نعد للنساء أمرًا) "إن" بكسرة الهمزة وسكون النون، مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن والقصة، والجملة بعد ذلك خبرها، والمعنى أن الشأن والقصة والحكاية كنا في الجاهلية قبل الإسلام كذا وكذا ما نعتبر للنساء أمرًا أو نهيًا، ولا نعتد لهن برأي.
(حتى أنزل اللَّه تعالى فيهن ما أنزل) من حقوق ورفع شأن، واعتداد بالرأي.
(وقسم لهن ما قسم) من حقوق مالية، وحقوق تعليمية وحقوق أدبية إلخ، وساعدهن على الوقوف بجوار حقوقهن، والمطالبة بها ومواجهة الرجال ما رأينه من نساء الأنصار من الجرأة والصلابة، ففي الرواية الثانية عشرة "كنا معشر قريش قومًا نغلب النساء - أي نحكم عليهن، ولا يحكمن علينا - فلما قدمنا المدينة وجدنا قومًا تغلبهم نساؤهم" وفي رواية "كنا ونحن بمكة لا يكلم أحد امرأته، إلا إذا كانت له حاجة قضى منها حاجته" وفي رواية "كنا لا نعتد بالنساء، ولا ندخلهن في أمورنا" "فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم" وفي رواية "فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار" أي من سيرتهن وطريقهن وفي رواية "فلما قدمنا المدينة تزوجنا من نساء الأنصار، فجعلن يكلمننا ويراجعننا".
(فبينما أنا في أمر أأتمره) أي أشاور فيه نفسي وأفكر فيه وأقدره بصوت مرتفع.
(إذا قالت لي امرأتي: لو صنعت كذا وكذا؟ فقلت لها: وما لك أنت ولما ها هنا؟ وما تكلفك في أمر أريده؟ فقالت لي: عجبًا لك يا ابن الخطاب ما
стр. 3194
تريد أن تراجع أنت) وفي الرواية الثانية عشرة "فغضبت يومًا على امرأتي، فإذا هي تراجعني، فأنكرت أن تراجعني، فقالت: ما تنكر أن أراجعك" وفي رواية للبخاري "وكان بيني وبين امرأتي كلام، فأغلظت لي" وفي رواية "فقمت إليها بقضيب، فضربتها به فقالت: عجبًا لك يا ابن الخطاب، ولم تنكر أن أراجعك"؟ وفي رواية الطيالسي "فقلت: متى كنت تدخلين في أمورنا؟ فقالت: يا ابن الخطاب ما يستطيع أحد أن يكلمك" وفي رواية "فصخبت" وفي أخرى "فسخبت على امرأتي، فراجعتني، فأنكرت أن تراجعني".
(وإن ابنتك لتراجع رسول اللَّه ﷺ حتى يظل يومه غضبان) المراد ابنته حفصة زوج رسول الله ﷺ وفي الرواية الثانية عشرة "فوالله إن أزواج النبي ﷺ ليراجعنه، وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل" وفي رواية للبخاري "تقول لي هذا وابنتك تؤذي رسول الله ﷺ "؟ .
(لا يغرنك هذه التي قد أعجبها حسنها وحب رسول اللَّه ﷺ إياها) وفي الرواية الثانية عشرة" ولا يغرنك أن كانت جارتك هي أوسم وأحب إلى رسول الله ﷺ منك -يريد عائشة" "إن كانت "بفتح همزة" أن "وكسرها. والمراد من جارتها ضرتها، أو هو على الحقيقة، لأنها كانت مجاورة لها في المسكن، والعرب تطلق على الضرة جارة، لتجاورهما المعنوي، لكونهما عند شخص واحد. و"أوسم" من الوسامة، وهي العلامة، والمراد أجمل، كأن الجمال وسمها وعلمها بعلامة. وفي رواية البخاري "أوضأ" من الوضاءة. والمعنى لا تغتري بكون عائشة تفعل ما نهيتك عنه، فلا يؤاخذها بذلك، فإنها تدل بجمالها ومحبة النبي ﷺ لها، فلا تغتري أنت بذلك، لاحتمال أن لا تكوني عنده في تلك المنزلة، فلا يكون لك من الإدلال مثل الذي لها. وعند ابن سعد "أنه ليس لك مثل حظوة عائشة" وفي الرواية التاسعة "والله لقد علمت أن رسول الله ﷺ لا يحبك، ولولا أنا لطلقك".
(ثم خرجت حتى أدخل على أم سلمة، لقرابتي منها) "أدخل" مراد به دخلت، والتعبير بالمضارع لاستحضار الصورة وقرابته من أم سلمة ترجع إلى أن أم عمر كانت مخزومية، مثل أم سلمة، وأم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة، ووالدة عمر حنتمة بنت هاشم بن المغيرة، فهي بنت عم أمه، وفي رواية "ودخلت على أم سلمة، وكانت خالتي" وكأنه أطلق عليها خالة لكونها في درجة أمه، وهي بنت عمها، ويحتمل أن تكون أرضعت معها فتكون أخت أمه من الرضاع، ويحتمل أن تكون أختها لأمها. يقصد أن الأولى بالنصح القريبات.
(فأخذتني أخذًا كسرتني عن بعض ما كنت أجد) في رواية البخاري "فأخذتني واللَّه أخذًا .... " أي منعتني من الذي كنت أريده، تقول: أخذ فلان على يد فلان، أي منعه عما يريد أن يفعله، أي أخذتني بلسانها أخذًا أبعدني عن مقصدي وفي رواية لابن سعد" فقالت أم سلمة: أي والله. إنا لنكلمه، فإن تحمل ذلك فهو أولى، وإن نهانا عنه كان أطوع عندنا منك. قال عمر: فندمت على كلامي لهن" وفي رواية "قالت: ما يمنعنا أن نغار على رسول الله ﷺ وأزواجكم يغرن عليكم" وفي رواية "قالت: يا عمر أما في رسول الله ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت"؟
стр. 3195
(وكان لي صاحب من الأنصار) قال الحافظ ابن حجر: اسم الجار المذكور أوس بن خولى بن عبد الله بن حارث الأنصاري. هذا هو المعتمد.
(ونحن حينئذ نتخوف ملكًا من ملوك غسان ... ) وفي رواية للبخاري "وكان من حول رسول الله ﷺ قد استقام له، فلم يبق إلا ملك غسان بالشام، كنا نخاف أن يأتينا" وفي الرواية الثانية عشرة "وكنا نتحدث أن غسان تنعل الخيل لتغزونا" "تنعل" بضم التاء وكسر العين، وبفتح التاء، أي تركب النعال، وهي الحديدة التي تركب في حوافر الخيل.
و"غسان" في الأصل قبيلة، وكان منها ملوك بالشام، قيل: بلغوا سبعة وثلاثين ملكًا، أولهم حفنة بن عمرو بن ثعلبة، وآخرهم جبلة بن الأيهم، وهو الذي أسلم في خلافة عمر ﵁ ثم عاد إلى الروم وتنصر.
(أتيت الحجر فإذا في كل بيت بكاء) "الحجر" بضم الحاء وفتح الجيم، أي حجرات أمهات المؤمنين، أي بيوتهن. وفي البخاري عن ابن عباس قال: "أصبحنا يومًا ونساء النبي ﷺ يبكين، عند كل امرأة منهن أهلها".
(وكان آلى منهن شهرًا) في رواية للبخاري "وكان قد قال: ما أنا بداخل عليهن شهرًا" ومعنى "آلى" حلف وأقسم.
(واعجبًا لك يا ابن عباس) "وا" في قوله "واعجبًا" اسم فعل بمعنى أعجب، ومثله واهًا، ووى، وعجبًا بالتنوين مصدر مؤكد. وإن كان "عجبًا" بغير تنوين كان "وا" حرف نداء، أو ندبة لغير مندوب، وأصل "عجبًا" عجبي، فأبدلت الكسرة فتحة، فصارت الياء ألفاء كقولهم: يا أسفا ويا حسرتا، وفي رواية "واعجبي لك".
وتعجب عمر من ابن عباس لشهرته بعلم التفسير، كيف خفي عليه هذا القدر مع شهرته وعظمته في نفس عمر، وتقدمه في العلم على غيره، ومع ما كان ابن عباس مشهورًا به من الحرص على طلب العلم، ومداخلة كبار الصحابة وأمهات المؤمنين فيه، أو تعجب من حرصه على طلب فنون التفسير، حتى معرفة المبهم، ووقع في الكشاف، وفي روايتنا الثانية عشرة قول الزهري: كره والله ما سأله عنه، ولم يكتمه.
ويحتمل أنه تعجب من تحرج ابن عباس السؤال عن العلم، وتهيبه من عمر مدة سنة، أي عجبًا لتحرجك من سؤالي فلا تعد لمثلها، ما ظننت أن عندي من علم فسلني عنه، فإن كنت أعلمه أخبرتك.
(وكان منزلي في بني أمية بن زيد بالعوالي) العوالي جمع عالية، وهي قرى بقرب المدينة، مما يلي المشرق، وكانت منازل الأوس، والمعنى كان منزلي في منطقة يسكنها بنو أمية، وهي على أربعة أميال أو أكثر أو أقل من المدينة.
стр. 3196
(فقلت: خابت حفصة وخسرت) الجملة خبرية لفظًا ومعنى، وخص حفصة بذلك مع شمول الخيبة والخسران أمهات المؤمنين، لمكانتها منه، لأنها ابنته، ولكونه كان قريب العهد بتحذيرها من وقوع ذلك، ووقع في روايتنا العاشرة" رغم أنف حفصة وعائشة" وكأنه خصهما بالذكر لكونهما كانتا السبب في ذلك.
(قد كنت أظن هذا كائنًا) في رواية البخاري "قد كنت أظن هذا يوشك أن يكون" أي كنت أتوقع حدوث هذا بسبب كثرة مراجعتهن التي قد تفضي إلى الغضب المفضي إلى الفرقة.
(فاستوى جالسًا) في رواية البخاري "فجلس النبي ﷺ وكان متكئاً" وهذا مظهر من مظاهر الاهتمام بالموقف، وبالكلام الآتي.
(ثم قال: أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ ) أي أأنت في شك في أن التوسع في الآخرة خير من التوسع في الدنيا؟ وفي رواية البخاري "أو في هذا أنت يا ابن الخطاب"؟ وهذا يشعر بأنه ﷺ ظن أنه بكى من الموقف العصيب، موقف النبي ﷺ من أزواجه وموقفهن منه، وغضبه ﷺ عليهن، واعتزاله لهن، فلما ذكر له أمر الدنيا كان إنكاره ﷺ لما شغل عمر، وأحس عمر بشدة الإنكار، ووقعه عليه، فقال:
(فقلت: استغفر لي يا رسول اللَّه) أي عن اعتقادي أن التجملات الدنيوية مرغوب فيها، أو عن انشغالي بهذا الأمر عن الأمر الأهم.
(وكان أقسم أن لا يدخل عليهن شهرًا، من شدة موجدته عليهن) أي من شدة غضبه منهن.
(فقال: إن الشهر تسع وعشرون) وفي رواية البخاري "وكان ذلك الشهر تسعًا وعشرين ليلة" قال الحافظ ابن حجر: في هذا إشارة إلى تأويل الكلام الذي قبله، وأنه لا يراد به الحصر، وأن كل شهر تسع وعشرون، أو أن اللام في قوله "الشهر" للعهد، أي الشهر المحلوف عليه، ولا يلزم من ذلك أن تكون الشهور كلها كذلك.
-[فقه الحديث]-
قال الله تعالى ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحًا جميلاً * وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرًا عظيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨، ٢٩].
عن هذا التخيير يقول الماوردي: اختلف. هل كان التخيير بين الدنيا والآخرة؟ أو بين الطلاق والإقامة عنده؟ اهـ.
стр. 3197
والمتحصل من هذا الخلاف أقوال:
الأول: أنه ليس طلاقًا أصلاً، وليس التخيير بين الطلاق والإقامة عنده، بل هو تخيير بين الدنيا والآخرة، فإن اختارت الدنيا كان عليه أن يطلقها، بدليل قوله (فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحًا جميلاً) وإن اختارته - كما حصل من أمهات المؤمنين فلا شيء. قال الحافظ ابن حجر: ظاهر هذه الآية أن ذلك بمجرده لا يكون طلاقًا، بل لا بد من إنشاء الزوج الطلاق، لأن فيها (فتعالين أمتعكن وأسرحكن) أي بعد الاختيار، وهذه دلالة منطوق، ودلالة المنطوق مقدمة على دلالة المفهوم. اهـ. وبهذا يرد على القرطبي إذ قال في "المفهم" يؤخذ من قول عائشة "فاخترناه فلم يكن ذلك طلاقًا" أنها إذا اختارت نفسها كان نفس ذلك الاختيار طلاقًا من غير احتياج إلى النطق بلفظ يدل على الطلاق.
الثاني: أن مثل هذا التخيير تمليك للزوجة أمر نفسها، أو تفويض وتوكيل لها أن تطلق نفسها، فإن اختارته فلا شيء، وإن اختارت نفسها فطلقة رجعية. وهذا مروي عن عمر وابن مسعود ﵄.
الثالث: كالثاني، لكن إن اختارت نفسها فطلقة بائنة، لأنها لو كانت رجعية لبقيت في أسر الزوج. وهذا مروي عن عمر وابن مسعود أيضًا، وبه أخذ أبو حنيفة.
الرابع: كالثاني أيضًا، لكن إن اختارت نفسها يقع ثلاثًا، وهو مروي عن زيد بن ثابت، وأخذ به مالك، واحتج بعض أتباعه بأن معنى الخيار بت أحد الأمرين، إما الأخذ وإما الترك.
وهذه المذاهب الثلاثة تتفق في أنها لو اختارت زوجها فلا شيء، ويؤيدها حديث عائشة، وحديث مسروق [رواياتنا الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة]، ويؤيدها من حيث المعنى أن التخيير ترديد بين شيئين، فلو كان اختيارها لزوجها طلاقًا لاتحدا، فدل على أن اختيارها لنفسها بمعنى الفراق، واختيارها لزوجها بمعنى البقاء في العصمة.
الخامس: أنها إن اختارت نفسها فواحدة بائنة، وإن اختارت زوجها فواحدة رجعية، لأن الزوج بهذا التفويض قد فك القيد والرباط الذي عقده، وهذا القول حكاه الترمذي عن علي ﵁، وأخرج ابن أبي شيبة من طريق زاذان قال: "كنا جلوساً عند علي، فسئل عن الخيار، فقال: سألني عنه عمر. فقلت: إن اختارت نفسها فواحدة بائن، وإن اختارت زوجها فواحدة رجعية. قال: ليس كما قلت. إن اختارت زوجها فلا شيء. قال: فلم أجد بداً من متابعته، فلما وليت رجعت إلى ما كنت أعرف.
السادس: إن اختارت نفسها فثلاث، وإن اختارت زوجها فواحدة بائنة، وهذا مروي عن زيد بن ثابت.
السابع: قال الشافعي: التخيير كناية، فإذا خير الزوج امرأته، وأراد بذلك تخييرها بين أن تطلق منه، وبين أن تستمر في عصمته، فاختارت نفسها، وأرادت بذلك الطلاق طلقت، فلو قالت: لم أرد باختيار نفسي الطلاق صدقت. قال الحافظ ابن حجر: ويؤخذ من هذا أنه لو وقع التصريح في التخيير بالتطليق أن الطلاق يقع جزمًا.
стр. 3198
الثامن: أن التخيير طلاق في حق الأمة، وفي حقه ﷺ ليس بطلاق. فهو خصوصية.
-[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]-
١ - من البدء في التخيير بعائشة ومن موقفها منه وموقفه ﷺ يؤخذ فضل عائشة ﵂، لبداءته بها.
٢ - أن صغر السن مظنة لنقص الرأي. قال العلماء: إنما أمر النبي ﷺ عائشة أن تستأمر أبويها خشية أن يحملها صغر سنها على اختيار الشق الآخر، لاحتمال أن يكون عندها من الملكة ما يدفع ذلك العارض، فإذا استشارت أبويها أوضحا لها ما في ذلك من المفسدة، وما في مقابله من المصلحة، ولهذا لما فطنت عائشة لذلك قالت: قد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه، ووقع في رواية في هذه القصة عن عائشة قالت: "وخشي رسول الله ﷺ حداثتي".
٣ - وفيه منقبة عظيمة لعائشة، وبيان كمال عقلها، وصحة رأيها مع صغر سنها، إذ أسرعت باختياره ﷺ .
٤ - وأن الغيرة تحمل المرأة الكاملة الرأي والعقل على ارتكاب ما لا يليق بحالها، لسؤال عائشة للنبي ﷺ أن لا يخبر أحداً من أزواجه باختيارها له، فقد حملها على ذلك ما طبع عليه النساء من الغيرة، ومحبة الاستبداد، دون ضرائرها، وفهم البعض من السياق أنها أرادت أن يختار نساؤه الفراق.
٥ - أن حب الرسول ﷺ لعائشة، وحرصه على إرضائها لم يكن على حساب واحدة من جاراتها، إذ لم يسعفها بما طلبت من ذلك، بل رد مطلبها في مواجهتها.
٦ - من موقف أمهات المؤمنين منقبة عظيمة لهن ﵅.
٧ - المبادرة إلى الخير، وإيثار أمور الآخرة على الدنيا.
٨ - استدل بعضهم بقولها: "ثم فعل أزواج رسول الله ﷺ مثل ما فعلت" على ضعف ما جاء أن من الأزواج حينئذ من اختارت الدنيا.
٩ - من أسباب الاعتزال يستفاد مدى ملاطفة النبي ﷺ أزواجه، وحلمه عنهن، وصبره على ما كان يصدر منهن من إدلال وغيرة، ففي الرواية الثامنة تحزبهن للمطالبة بالنفقة، وبما لا يقدر عليه، وقصة العسل أو مارية المذكورة في الباب السابق فيها من الاحتيال ما لا يحتمله زوج، وما جاء عند ابن سعد في سبب غضبه منهن وحلفه أن لا يدخل عليهن شهراً عن عائشة قالت: "أهديت لرسول الله ﷺ هدية، فأرسل إلى كل امرأة من نسائه نصيبها، فلم ترض زينب بنت جحش بنصيبها، فزادها مرة أخرى، فلم ترض، فقالت عائشة: لقد أقمأت وجهك. ترد عليك الهدية؟ فقال: لأنتن أهون على الله من أن تقمئنني. "لا أدخل عليكن شهراً".
стр. 3199
كل ذلك، وغيره من المعاملات التي يضيق بها صدر الرجل كثير، لكن الرءوف الرحيم ﷺ تحمل وتحمل فلما ضاق صدره، استخدم الدواء الثاني للعوج الاعتزال بعد الوعظ، ولم يستعمل في حياته العلاج الثالث وهو الضرب، مع أنه كان سائغاً مشهوراً.
١٠ - ومن مدة الاعتزال لطيفة، قال بعضهم: الحكمة في الشهر أن مشروعية الهجر ثلاثة أيام، وكانت عدتهن تسعاً، فإذا ضربت في ثلاثة كانت سبعة وعشرين، واليومان لمارية، لكونها كانت أمة، فنقصت عن الحرائر.
١١ - وفيه أن شدة الوطأة على النساء مذموم، لأن النبي ﷺ أخذ بسيرة الأنصار في نسائهم، وترك سيرة قومه، وسمح لنسائه بمراجعته ومغاضبته، حتى كانت إحداهن تهجره اليوم حتى الليل.
١٢ - ومن الرواية الثامنة تأديب الرجل ابنته في بيت زوجها، لأجل إصلاحها لزوجها.
١٣ - ومن موقف عبد الله بن عباس من عمر توقير العالم ومهابته عن استفهام ما يخشى من تغيره عند ذكره.
١٤ - وترقب خلوات العالم، ليسأل عما لعله لو سئل عنه بحضرة الناس أنكره على السائل.
١٥ - وفي ذلك مراعاة للمروءة.
١٦ - حسن تلطف ابن عباس، وشدة حرصه على الاطلاع على فنون التفسير.
١٧ - وطلبه علو الإسناد، لأن ابن عباس أقام مدة طويلة، ينتظر خلوة عمر، ليأخذ عنه، وكان يمكنه أخذ ذلك بواسطة عنه، ممن لا يهاب سؤاله، كما كان يهاب عمر.
١٨ - البحث في العلم في الطرق والخلوات، وفي حال القعود والمشي.
١٩ - جواز السؤال عن تسمية من أبهم أو أهمل.
٢٠ - وسؤال العالم عن بعض أمور أهله، وإن كان عليه فيه غضاضة، إذا كان في ذلك سنة تنقل، ومسألة تحفظ.
٢١ - وجواز ذكر العمل الصالح -حج عمر وابن عباس- لسياق الحديث على وجهه.
٢٢ - والعدول عن الطريق المسلوك لقضاء الحاجة، وأن المسافر في الخلاء يستتر بما يمكنه التستر به من شجر وغيره.
٢٣ - وفي موقف عمر من ابن عباس تواضع العالم للطالب وصبره على مساءلته وإن كان في ذلك غضاضة عليه.
٢٤ - وإيثار الاستجمار في الأسفار وإبقاء الماء للوضوء.
٢٥ - وجواز الاستعانة في الوضوء.
стр. 3200
٢٦ - وسياق القصة على وجهها، وإن لم يسأل السائل عن ذلك إذا كان في ذلك مصلحة من زيادة شرح وبيان، وخصوصاً إذا كان الطالب يؤثر ذلك.
٢٧ - وفيه ذكر العالم ما يقع من نفسه وأهله بما يترتب عليه فائدة دينية، وإن كان في ذلك حكاية ما يستهجن.
٢٨ - ومن تناوب عمر وصاحبه النزول من عوالي المدينة التناوب في العلم إذا لم يتيسر لكل واحد الحضور بنفسه.
٢٩ - واستحباب حضور مجالس العلم والحرص عليها.
٣٠ - أن الطالب لا يغفل عن العمل لمعاشه، ليستعين على طلب العلم وغيره، فإن عمر ﵁ كان يشتغل بالتجارة آنذاك.
٣١ - الحرص على العلم، وسؤال الغائب عما فاته في يوم غيبته، وحرص الصحابة على أحوال الرسول ﷺ جلت أو قلت أولا بأول.
٣٢ - الاعتماد على خبر الواحد، ولو كان الآخذ فاضلا والمأخوذ عنه مفضولاً، فإن كلاً من عمر وصاحبه كان يعتمد خبر الآخر.
٣٣ - العمل بمراسيل الصحابة.
٣٤ - وجواز ضرب الباب ودقه، إذا لم يسمع الداخل بغير ذلك.
٣٥ - ورواية الكبير عن الصغير.
٣٦ - وأن الأخبار التي تشاع -ولو كثر ناقلوها- إن لم يكن مرجعها إلى أمر حس من مشاهدة أو سماع لا تستلزم الصدق. فقد ثبت أنه ﷺ لم يطلق نساءه، رغم الإشاعة التي استفيضت.
٣٧ - وفيه الاكتفاء بمعرفة الحكم بأخذه عن القرين، مع إمكان أخذه عالياً عمن أخذ عنه القرين، وأن السعي إلى علو الإسناد حيث لا يعوق عنه عائق، شرعي.
٣٨ - واهتمام الصحابة بما يغير خاطر النبي ﷺ ، فإن الأنصاري وعمر اعتبرا تطليق النبي ﷺ نساءه أعظم وأخطر من هجوم ملك الشام الغساني بجيوشه على المدينة لغزو من بها، وكان ذلك بالنظر إلى ثقتهما في قوة المسلمين، وأن عدوهم -ولو طرقهم- مغلوب ومهزوم، بخلاف الذي وقع- حسبما توهما من التطليق الذي يتحقق معه حصول الغم والقلق وتشويش الخاطر للنبي ﷺ .
٣٩ - ومن أخذ عمر رداءه عند النزول استحباب التجمل بالثوب ونحوه عند لقاء الأئمة والكبار، احتراما لهم.
٤٠ - ومن دخول عمر دخول الآباء على البنات، ولو كان بغير إذن الزوج، والتنقيب عن أحوالهن، لا سيما ما يتعلق بالمتزوجات، والكلام مع القريبات وغيرهن للمصلحة.
стр. 3201
٤١ - ومن موقف عمر مع امرأته شدته وحزمه في معاملة النساء.
٤٢ - ومن نصيحته لحفصة وتحذيره لها ما يفيد أن عائشة كانت أجمل وأحب إلى رسول الله ﷺ من حفصة، وأنه لا بأس أن يواجه الأب ابنته بمثل هذا من قبيل التأديب.
٤٣ - ومن رد عائشة على عمر ما يفيد قوة شخصيتها وقوة منطقها وأدبها.
٤٤ - وفي رد أم سلمة على عمر ما كانت عليه ﵂ من رجاحة العقل، وقوة الحجة والعزة والأنفة.
٤٥ - وفي تعبير عمر عن عائشة بجارتك دون ضرتك أدب عمر، وتحاشيه أن يضيف لفظ الضرر إلى أحد من أمهات المؤمنين. وكان ابن سيرين يكره تسميتها ضره، ويقول: إنها لا تضر ولا تنفع، ولا تذهب من رزق الأخرى بشيء، وإنما هي جارة.
٤٦ - وجواز سكنى المشربة.
٤٧ - وجواز اعتزال النساء خارج البيوت.
٤٨ - وجواز اتخاذ الحاكم عند الخلوة بواباً، يمنع من يدخل عليه إلا بإذنه، ويكون قول أنس في المرأة التي وعظها النبي ﷺ في المقابر، فلم تعرفه، ثم جاءت إليه، فلم تجد له بوابين، يكون محمولاً على الأوقات التي يجلس فيها للناس.
٤٩ - قال المهلب: وفيه أن للإمام أن يحتجب عن بطانته وخاصته، عند الأمر الذي يغضبه من أهله، حتى يذهب غيظه، ويخرج للناس، وهو منبسط إليهم، فإن الكبير إذا احتجب لم يحسن الدخول إليه بغير إذن، ولو كان الذي يريد الدخول جليل القدر عظيم المنزلة عنده.
٥٠ - وفيه الرفق بالأصهار إذا وقع للرجل من زوجه ما يقتضي معاتبتهم.
٥١ - وفيه أن السكوت قد يكون أبلغ من الكلام، وأكثر فائدة في بعض الأحايين، لأنه ﵊ لو أمر غلامه برد عمر لم يجز لعمر العود إلى الاستئذان مرة بعد أخرى. أشار إلى هذا المهلب.
٥٢ - وفيه أن الحاجب إذا علم منع الإذن بسكوت المحجوب لم يأذن.
٥٣ - وفيه مشروعية الاستئذان على الإنسان، ولو كان وحده، لاحتمال أن يكون على حالة يكره الاطلاع عليها.
٥٤ - وفيه جواز تكرار الاستئذان لمن لم يؤذن له، إذا رجا حصول الإذن، وأن لا يتجاوز به ثلاث مرات.
٥٥ - وفيه أن المرء إذا رأى صاحبه مهموماً استحب له أن يحدثه بما يزيل همه، ويطيب نفسه، لقول عمر: لأقولن شيئاً يضحك النبي ﷺ . قال الحافظ ابن حجر: ويستحب أن يكون ذلك بعد استئذان الكبير في ذلك.
стр. 3202
٥٦ - وفيه أن الغضب والحزن يحمل الرجل الوقور على ترك التأني المألوف منه، لقول عمر: ثم غلبني ما أجد. ثلاث مرات.
٥٧ - وفيه شدة الفزع والجزع للأمور المهمة.
٥٨ - وجواز نظر الإنسان إلى نواحي بيت صاحبه وما فيه، إذا علم أنه لا يكره ذلك، قال الحافظ ابن حجر: وبهذا يجمع بين ما وقع لعمر، وبين ما ورد من النهي عن فضول النظر. أشار إلى ذلك النووي قال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يكون نظر عمر في بيت النبي ﷺ وقع أولاً اتفاقاً، فرأى الشعير والقرظ مثلاً، فاستقله، فرفع رأسه لينظر. هل هناك شيء أنفس منه؟ فلم ير إلا الأهب، فقال ما قال، ويكون النهي محمولاً على من تعمد النظر في ذلك، والتفتيش ابتداء.
٥٩ - وفيه كراهية سخط النعمة، واحتقار ما أنعم الله به، ولو كان قليلاً.
٦٠ - وفيه طلب الاستغفار من أهل الفضل.
٦١ - وفيه ما كان عليه ﷺ من إيثار القناعة، وعدم الالتفات إلى ما خص به الغير من أمور الدنيا الفانية.
٦٢ - وفيه المعاقبة على إفشاء السر بما يليق بمن أفشاه.
٦٣ - أخذ منه بعضهم أن كل لذة أو شهوة قضاها المرء في الدنيا فهي استعجال له من نعيم الآخرة، وأنه لو ترك ذلك لادخر له في الآخرة، وقال آخرون: إن المراد أن حظ الكفار هو ما نالوه من نعيم الدنيا، إذ لا حظ لهم في الآخرة.
٦٤ - وفيه تذكير الحالف بيمينه إذا وقع منه ما ظاهره نسيانها، لا سيما ممن له تعلق بذلك، لأن عائشة خشيت أن يكون ﷺ نسي مقدار ما حلف عليه، وهو شهر، والشهر ثلاثون يوماً، أو تسعة وعشرون يوماً، فلما نزل في تسعة وعشرين ظنت أنه ذهل عن القدر، أو أن الشهر لم يهل. فأعلمها أن الشهر استهل، فإن الذي كان عليه الحلف جاء تسعة وعشرين، وفيه تقوية لقول من قال: إن يمينه ﷺ اتفق أنها كانت في أول الشهر، ولهذا اقتصر على تسعة وعشرين، وإلا فلو اتفق ذلك في أثناء الشهر فالجمهور على أنه لا يقع البر إلا بثلاثين.
وذهبت طائفة إلى الاكتفاء بتسعة وعشرين، أخذاً بأقل ما ينطلق عليه الاسم. قال ابن بطال: يؤخذ منه أن من حلف على فعل شيء يبر بفعل أقل ما ينطلق عليه الاسم.
والقصة محمولة عند الشافعي ومالك على أنه دخل أول الهلال، وخرج به، فلو دخل في أثناء الشهر لم يبر إلا بثلاثين.
٦٥ - استنبط منه بعضهم إيثار الفقر على الغنى، وخصه الطبري بمن لم يصرف الغنى في وجوهه، ويفرقه في سبله التي أمر الله بوضعه فيها، وأما من فعل ذلك فهو من منازل الامتحان، والصبر على المحن مع الشكر أفضل من الصبر على الضراء وحده. اهـ.
قال الحافظ ابن حجر: وهي مسألة اختلف فيها السلف والخلف، وهي طويلة الذيل.
والله أعلم
стр. 3203
(٣٩٨) باب المطلقة البائن في عدتها سكنها ونفقتها وخروجها
٣٢٧٠ - عن فاطمة بنت قيس ﵂: أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة. وهو غائب. فأرسل إليها وكيله بشعير. فسخطته. فقال: والله ما لك علينا من شيء. فجاءت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له. فقال "ليس لك عليه نفقة". فأمرها أنت تعتد في بيت أم شريك. ثم قال "تلك امرأة يغشاها أصحابي. اعتدي عند ابن أم مكتوم. فإنه رجل أعمى. تضعين ثيابك. فإذا حللت فآذنيني" قالت: فلما حللت ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني. فقال رسول الله ﷺ "أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه. وأما معاوية فصعلوك لا مال له. انكحي أسامة بن زيد" فكرهته. ثم قال "انكحي أسامة" فنكحته. فجعل الله فيه خيرًا، واغتبطت.
٣٢٧١ - عن فاطمة بنت قيس ﵂: أنه طلقها زوجها في عهد النبي ﷺ . وكان أنفق عليها نفقة دون. فلما رأت ذلك قالت: والله لأعلمن رسول الله ﷺ . فإن كان لي نفقة أخذت الذي يصلحني. وإن لم تكن لي نفقة لم آخذ منه شيئًا. قالت: فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال "لا نفقة لك. ولا سكنى".
٣٢٧٢ - عن أبي سلمة أنه قال: سألت فاطمة بنت قيس. فأخبرتني أن زوجها المخزومي طلقها. فأبى أن ينفق عليها. فجاءت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته. فقال رسول الله ﷺ "لا نفقة لك. فانتقلي. فاذهبي إلى ابن أم مكتوم. فكوني عنده. فإنه رجل أعمى. تضعين ثيابك عنده".
٣٢٧٣ - عن أبي سلمة: أن فاطمة بنت قيس، أخت الضحاك بن قيس، أخبرته أن
стр. 3204
أبا حفص بن المغيرة المخزومي طلقها ثلاثًا. ثم انطلق إلى اليمن. فقال لها أهله: ليس لك علينا نفقة. فانطلق خالد بن الوليد في نفر. فأتوا رسول الله ﷺ في بيت ميمونة. فقالوا: إن أبا حفص طلق امرأته ثلاثًا. فهل لها من نفقة؟ فقال رسول الله ﷺ "ليست لها نفقة. وعليها العدة". وأرسل إليها "أن لا تسبقيني بنفسك". وأمرها أن تنتقل إلى أم شريك. ثم أرسل إليها "أن أم شريك يأتيها المهاجرون الأولون. فانطلقي إلى ابن أم مكتوم الأعمى. فإنك إذا وضعت خمارك، لم يرك" فانطلقت إليه. فلما مضت عدتها أنكحها رسول الله ﷺ أسامة بن زيد بن حارثة.
٣٢٧٤ - عن أبي سلمة عن فاطمة بنت قيس. قال: كتبت ذلك من فيها كتابًا. قالت: كنت عند رجل من بني مخزوم فطلقني البتة. فأرسلت إلى أهله أبتغي النفقة. واقتصوا الحديث بمعنى حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة. غير أن في حديث محمد بن عمرو "لا تفوتينا بنفسك".
٣٢٧٥ - عن فاطمة بنت قيس: أنها كانت تحت أبي عمرو بن حفص بن المغيرة. فطلقها آخر ثلاث تطليقات. فزعمت أنها جاءت رسول الله ﷺ تستفتيه في خروجها من بيتها. فأمرها أن تنتقل إلى ابن أم مكتوم الأعمى. فأبى مروان أن يصدقه في خروج المطلقة من بيتها. وقال عروة: إن عائشة أنكرت ذلك على فاطمة بنت قيس.
٣٢٧٦ - - ومثله مع قول عروة: إن عائشة أنكرت ذلك على فاطمة.
٣٢٧٧ - عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: أن أبا عمرو بن حفص بن المغيرة خرج مع علي بن أبي طالب إلى اليمن. فأرسل إلى امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت بقيت من طلاقها. وأمر لها الحارث بن هشام وعياش بن أبي ربيعة بنفقة فقالا لها: والله! ما لك نفقة إلا أن تكوني حاملاً. فأتت النبي ﷺ فذكرت له قولهما. فقال "لا نفقة لك"
стр. 3205
فاستأذنته في الانتقال فأذن لها. فقالت: أين يا رسول الله؟ فقال "إلى ابن أم مكتوم" وكان أعمى. تضع ثيابها عنده ولا يراها. فلما مضت عدتها أنكحها النبي ﷺ أسامة بن زيد. فأرسل إليها مروان قبيصة بن ذؤيب يسألها عن الحديث. فحدثته به. فقال مروان: لم نسمع هذا الحديث إلا من امرأة. سنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها. فقالت فاطمة، حين بلغها قول مروان: فبيني وبينكم القرآن. قال الله (لا تخرجوهن من بيوتهن) الآية. قالت: هذا لمن كانت له مراجعة. فأي أمر يحدث بعد الثلاث؟ فكيف تقولون: لا نفقة لها إذا لم تكن حاملاً؟ فعلام تحسبونها؟
٣٢٧٨ - عن الشعبي قال: دخلت على فاطمة بنت قيس. فسألتها عن قضاء رسول الله ﷺ عليها. فقالت: طلقها زوجها البتة. فقالت: فخاصمته إلى رسول الله ﷺ في السكنى والنفقة. قالت: فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة. وأمرني أن أعتد في بيت ابن أم مكتوم.
٣٢٧٩ - عن الشعبي قال: دخلنا على فاطمة بنت قيس فأتحفتنا برطب ابن طاب. وسقتنا سويق سلت. فسألتها عن المطلقة ثلاثًا أين تعتد؟ قالت: طلقني بعلي ثلاثًا. فأذن لي النبي ﷺ أن أعتد في أهلي.
٣٢٨٠ - عن فاطمة بنت قيس ﵂ عن النبي ﷺ ، في المطلقة ثلاثًا. قال: "ليس لها سكنى ولا نفقة".
٣٢٨١ - عن فاطمة بنت قيس ﵂ قالت: طلقني زوجي ثلاثًا. فأردت النقلة. فأتيت النبي ﷺ . فقال "انتقلي إلى بيت ابن عمك عمرو بن أم مكتوم، فاعتدي عنده".
стр. 3206
٣٢٨٢ - عن أبي إسحق قال: كنت مع الأسود بن يزيد جالسًا في المسجد الأعظم. ومعنا الشعبي. فحدث الشعبي بحديث فاطمة بنت قيس؛ أن رسول الله ﷺ لم يجعل لها سكنى ولا نفقة. ثم أخذ الأسود كفا من حصى فحصبه به. فقال: ويلك تحدث بمثل هذا. قال عمر: لا نترك كتاب الله وسنة نبينا ﷺ لقول امرأة. لا ندري لعلها حفظت أو نسيت. لها السكنى والنفقة. قال الله : ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾
٣٢٨٣ - عن فاطمة بنت قيس ﵂ قالت: إن زوجها طلقها ثلاثًا. فلم يجعل لها رسول الله ﷺ سكنى ولا نفقة. قالت: قال لي رسول الله ﷺ "إذا حللت فآذنيني" فآذنته. فخطبها معاوية وأبو جهم وأسامة بن زيد. فقال رسول الله ﷺ "أما معاوية فرجل ترب لا مال له. وأما أبو جهم فرجل ضراب للنساء. ولكن أسامة بن زيد" فقالت بيدها هكذا: أسامة أسامة! فقال لها رسول الله ﷺ "طاعة الله وطاعة رسوله خير لك" قالت: فتزوجته فاغتبطت.
٣٢٨٤ - عن فاطمة بنت قيس ﵂ قالت: أرسل إلي زوجي، أبو عمرو بن حفص بن المغيرة، عياش بن أبي ربيعة بطلاقي. وأرسل معه بخمسة آصع تمر، وخمسة آصع شعير. فقلت: أما لي نفقة إلا هذا؟ ولا أعتد في منزلكم؟ قال: لا. قالت: فشددت علي ثيابي. وأتيت رسول الله ﷺ . فقال: "كم طلقك؟ " قلت: ثلاثًا. قال "صدق. ليس لك نفقة. اعتدي في بيت ابن عمك ابن أم مكتوم، فإنه ضرير البصر. تلقي ثوبك عنده. فإذا انقضت عدتك فآذنيني" قالت: فخطبني خطاب. منهم معاوية وأبو الجهم. فقال النبي ﷺ "إن معاوية ترب خفيف الحال. وأبو الجهم منه شدة على النساء (أو يضرب النساء أو نحو هذا) ولكن عليك بأسامة بن زيد".
стр. 3207
٣٢٨٥ - عن أبي بكر بن أبي الجهم قال: دخلت أنا وأبو سلمة بن عبد الرحمن على فاطمة بنت قيس. فسألناها فقالت: كنت عند أبي عمرو بن حفص بن المغيرة. فخرج في غزوة نجران. وساق الحديث بنحو حديث ابن مهدي. وزاد: قالت: فتزوجته فشرفني الله بأبي زيد. وكرمني الله بأبي زيد.
٣٢٨٦ - وعنها أن زوجها طلقها طلاقًا باتًا. بنحو حديث سفيان.
٣٢٨٧ - عن فاطمة بنت قيس ﵂ قالت: طلقني زوجي ثلاثًا. فلم يجعل لي رسول الله ﷺ سكنى ولا نفقة.
٣٢٨٨ - عن هشام حدثني أبي قال: تزوج يحيى بن سعيد بن العاص بنت عبد الرحمن بن الحكم. فطلقها فأخرجها من عنده. فعاب ذلك عليهم عروة. فقالوا: إن فاطمة قد خرجت. قال عروة: فأتيت عائشة فأخبرتها بذلك فقالت: ما لفاطمة بنت قيس خير في أن تذكر هذا الحديث.
٣٢٨٩ - عن فاطمة بنت قيس ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله زوجي طلقني ثلاثًا. وأخاف أن يقتحم علي. قال: فأمرها فتحولت.
٣٢٩٠ - عن عائشة ﵂ أنها قالت: ما لفاطمة خير أن تذكر هذا. قال: تعني قولها: لا سكنى ولا نفقة.
٣٢٩١ - عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه. قال: قال عروة بن الزبير لعائشة: ألم تري إلى فلانة بنت الحكم؟ طلقها زوجها البتة فخرجت. فقالت: بئسما صنعت. فقال: ألم تسمعي إلى قول فاطمة؟ فقالت: أما إنه لا خير لها في ذكر ذلك.
стр. 3208
٣٢٩٢ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: طلقت خالتي. فأرادت أن تجد نخلها. فزجرها رجل أن تخرج. فأتت النبي ﷺ فقال "بلى فجدي نخلك. فإنك عسى أن تصدقي أو تفعلي معروفًا".
-[المعنى العام]-
شرع الله العدة للمتوفى عنها زوجها، وللمطلقة طلاقًا رجعيًا أو طلاقًا بائنًا لأمرينا: الأول: استبراء رحمها والتأكد من أنها غير حامل إن كانت حائلاً، وعدم سقى ولده بماء غيره إن كانت حاملاً. الثاني: احترام رباط الزوجية وقدسيته والالتزام بصيانة آثاره مدة محددة حتى لو وثقنا بعدم الحمل وبراءة الرحم.
ومن هنا كان من الضروري وضع القواعد الشرعية لهذه المدة، ما للمرأة من حقوق؟ وما عليها من واجبات. وأول هذه الحقوق سكنها، وهل من حق الزوج أن يخرج مطلقته من مسكن الزوجية؟ وهل من حقها أن تتركه وتسكن خارجه؟ وهل من حقها أن تخرج في عدتها لقضاء حاجاتها ومصالحها؟ أو هي محبوسة على ذكرى زوجها؟ وهل تجب عليه نفقتها مدة العدة وكسوتها؟ أوليس عليه ذلك؟ وهل هناك فرق بين الرجعية والمبتوتة والمتوفى عنها زوجها؟ .
لقد كان تشريع هذه الأمور من أخريات التشريعات، وفي السنة الأخيرة من حياته ﷺ ، فلم يتكرر تطبيقها، وإن تكرر لم تحدث مشاكل بين الزوجين، فكان الزوج يرضي مطلقته ويحسن إليها فوق حقها، وكانت الزوجة وأهلها كرماء النفس يتنازلون عن كثير من حقوق الزوجة عند الطلاق، وكانت قصة فاطمة بنت قيس مع زوجها المخزومي هي الأزمة الوحيدة التي رفعت خصومتها للنبي ﷺ وقضى فيها بحكمه الذي يمكن أن يكون قد روعي فيه ظروف خاصة بفاطمة، وليس تشريعًا عامًا. ومن هنا اختلف العلماء في مثل قضيتها وكان لكل وجهة، شرحتها في فقه الحديث، وفق الله الجميع لفهم شريعته والعمل على منهاجه وعلى الله قصد السبيل.
-[المباحث العربية]-
(عن فاطمة بنت قيس) ﵂. بن خالد، من بني محارب بن فهر بن مالك، أخت الضحاك بن قيس الذي ولى العراق ليزيد بن معاوية، كانت من المهاجرات الأول، ولها عقل وجمال، وفي بيتها اجتمع أصحاب الشورى عند قتل عمر بن الخطاب. توفي رسول الله ﷺ وهي في سن السابعة عشرة. فقصة حديثها قبل ذلك.
стр. 3209
(أن أبا عمرو بن حفص طلقها) ويقال له: أبو حفص بن عمرو بن المغيرة المخزومي، وهو ابن عم خالد بن الوليد بن المغيرة.
(طلقها ألبتة) يقال: أبت فلان طلاق امرأته، أي طلقها طلاقًا بائنًا، أي بائنًا ثلاثًا، والبتة المنقطعة التي لا رجعة فيها إلا بعد زوج آخر. و"ألبتة" بهمزة قطع، وحكي فيها همزة الوصل.
وفي الرواية الرابعة والثالثة عشرة "طلقها ثلاثًا" وفي الرواية الحادية عشرة والسادسة عشرة "طلقني زوجي ثلاثًا" وفي ملحق الرواية الخامسة عشرة "طلقها طلاقًا باتًا" وفي الرواية الثانية والثالثة "طلقها زوجها" بدون عدد، وفي الرواية السادسة "فطلقها آخر ثلاث تطليقات" وفي الرواية السابعة "أرسل إلى امرأته بتطليقة كانت بقيت من طلاقها" قال النووي: فالجمع بين هذه الروايات أنه طلقها قبل هذا طلقتين، ثم طلقها هذه المرة الطلقة الثالثة، فمن روى أنه طلقها مطلقًا، أو طلقها واحدة، أو طلقها آخر ثلاث تطليقات فهو ظاهر، ومن روى "البتة" فمراده طلقها طلاقًا صارت به مبتوتة بالثلاث - وليس مراده أنه قال لها: أنت طالق البتة - ومن روى ثلاثًا أراد تمام الثلاث.
(وهو غائب) أي في غير مواجهتها، وفي الرواية الرابعة عشرة "أرسل إلى زوجي أبو عمرو بن حفص بن المغيرة، عياش بن أبي ربيعة بطلاقي" وفي الرواية الرابعة "طلقها ثلاثًا، ثم انطلق إلى اليمن" والظاهر أنه طلقها وهو عند أهله في المدينة يستعد للرحيل إلى اليمن، مرافقًا لعلي بن أبي طالب ﵁ حين بعثه النبي ﷺ إلى اليمن، فطلقها أمام ابني عميه. الحارث بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، وأرسلهما إليها بالطلاق وبشيء من الشعير والتمر.
(فأرسل إليها وكيله بشعير) أي أنه قبل رحيله وكل وكيلاً يبلغها الطلاق، ويبعث إليها بشيء، فأرسل هذا الوكيل رجلاً بذلك، والظاهر أن الوكيل في ذلك ابن عمه، أو ابنا عمه، الحارث، وعياش، وأنهما ذهبا بنفسيهما إليها، كما في الرواية السابعة، فناقشاها، بعد أن بلغاها الطلاق، وسلماها خمسة آصع من الشعير، وخمسة آصع من التمر، والصاع أربع حفنات بكفي الرجل المعتدل - وطلبا من الخروج من منزل الزوجية. والمناقشة في الرواية الرابعة عشرة "قالت: أما لي نفقة إلا هذا؟ ولا أعتد في منزلكم؟ قالا: لا" وفي الرواية الأولى "والله ما لك علينا من شيء" وفي الرواية السابعة "فقالا لها: والله ما لك نفقة إلا أن تكوني حاملاً" وفي الرواية الثانية "وكان أنفق عليها نفقة دون - بإضافة "نفقة "إلى "دون" والدون الرديء الحقير، قال الجوهري: ولا يشتق منه فعل، وبعضهم يقول منه: دان يدون دونًا. وهي تشير بذلك إلى أصع الشعير والتمر، وفي الرواية الخامسة "فأرسلت إلى أهله أبتغي النفقة" فالظاهر أنها بعد مناقشة ابني عمه حاولت مع أهله الآخرين.
(فجاءت رسول اللَّه ﷺ ، فذكرت ذلك له) في الرواية الثانية "فلما رأت ذلك قالت: والله لأعلمن رسول الله ﷺ ، فإن كان لي نفقة أخذت الذي يصلحني - أي أخذتها لتصلحني - وإن لم يكن لي نفقة لم آخذ منه شيئًا" أي وأرد إليه أصع الشعير والتمر، وفي الرواية الرابعة عشرة "فشددت علي ثيابي، وأتيت رسول الله ﷺ ".
стр. 3210
ففي هذه الروايات أنها ذهبت بنفسها إلى رسول الله ﷺ ، لكن في الرواية الرابعة "فانطلق خالد بن الوليد - وهو ابن عم زوجها - في نفر، فأتوا رسول الله ﷺ في بيت ميمونة - خالة خالد - فقالوا: إن أبا حفص طلق امرأته ثلاثًا، فهل لها نفقة"؟ ولا تعارض، فقد تكون ذهبت بنفسها ترفع شكواها وأجيبت، وذهب أهله بعدها يسألون، وأجيبوا.
(فقال رسول اللَّه ﷺ : ليس لك عليه نفقة) "وأمرها أن تعتد" خارج بيت الزوجية، أي أن تخرج، وفي الرواية الثانية "فقال: لا نفقة لك ولا سكنى" وفي الرواية الثالثة "لا نفقة لك، فانتقلي" وفي الرواية السابعة "فقال: لا نفقة لك، فاستأذنته في الانتقال - أي من بيت زوجها - فأذن لها" وفي الرواية الثامنة "فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة" وفي الرواية الثالثة عشرة "فلم يجعل لها رسول الله ﷺ سكنى ولا نفقة" وفي الرواية الرابعة عشرة "فقال رسول الله ﷺ : كم طلقك؟ قلت: ثلاثًا. قال: ليس لك نفقة. اعتدي في بيت ابن عمك".
(فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك) بفتح الشين وكسر الراء، وفي الرواية الرابعة "وأمرها أن تنتقل إلى أم شريك، ثم أرسل إليها أن أم شريك يأتيها المهاجرون الأولون" وهي قرشية عامرية، قيل: اسمها غزية بالياء والتصغير، وقيل: غزيلة بنت دودان بن عوف بن عمرو. أسلمت قديمًا بمكة، ثم جعلت تدخل على نساء قريش سرًا، فتدعوهن وترغبهن في الإسلام، حتى ظهر لأهل مكة، فأخذوها، وقالوا لها: لولا قومك لفعلنا بك وفعلنا. وحبسوها ثلاثًا لا يطعمونها ولا يسقونها، فأطعمها الله وسقاها، وهاجرت إلى النبي ﷺ ، ووهبت نفسها إليه بدون مهر. قيل: فلم يقبلها فعاشت وحدها بالمدينة، وكانت كبيرة السن صالحة ﵂.
(اعتدي عند ابن أم مكتوم) في الرواية الثالثة "فاذهبي إلى ابن أم مكتوم، فكوني عنده".
(فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك) أي فلا يراك، وفي الرواية الثالثة "فإنه رجل أعمى، تضعين ثيابك عنده" أي فلا يراك، وفي الرواية الرابعة "فإنك إذا وضعت خمارك لم يرك" وفي الرواية الحادية عشرة "انتقلي إلى بيت ابن عمك، عمرو بن أم مكتوم" قال النووي: هكذا وقع هنا، وكذا جاء في صحيح مسلم في آخر الكتاب، وزاد، فقال: هو رجل من بني فهر من البطن الذي هي منه، وقال القاضي: المشهور خلاف هذا، وليس هما من بطن واحد، هي من محارب ابن فهر، وهو من بني عامر بن لؤي. قال النووي: هو ابن عمها مجازًا، يجتمعان في فهر. واختلف في اسم ابن أم مكتوم، فقيل: عمرو، وقيل: عبد الله، وقيل غير ذلك.
وفي الرواية التاسعة "فأذن لي أن أعتد في أهلي" يحتمل أن هذا حين استأذنته في الانتقال، ثم أمرها بالانتقال إلى أم شريك، ثم أمرها أخيرًا بالانتقال إلى ابن أم مكتوم.
(فإذا حللت فآذنيني) أي فإذا انقضت عدتك، وحللت للزواج فأعلميني، أي قبل أن تتفقي مع أحد، وفي الرواية الرابعة "لا تسبقيني بنفسك" أي لا تسبقيني بعد العدة باتخاذ قرار في نفسك بالزواج. وفي ملحق الرواية الخامسة "لا تفوتينا بنفسك" أي لا تتزوجي بدون علمنا.
стр. 3211
(أما معاوية فصعلوك لا مال له) بضم الصاد وسكون العين، أي فقير. فقوله "لا مال له" تأكيد لفقره، وليس المراد نفي أن يكون له مال أصلاً، ولكنه من قبيل: اعتبار القليل في حكم العدم. وفي الرواية الثالثة عشرة "أما معاوية فرجل ترب لا مال له" بفتح التاء وكسر الراء، أي كفه والتراب، أي فقير. وفي الرواية الرابعة عشرة "إن معاوية ترب خفيف الحال".
(وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه) قيل: كناية عن كثرة أسفاره، مما يضر بالزوجة، والعاتق ما بين العنق والمنكب، وقيل: معناه أنه يحمل عصاه على كتفه دائمًا ليضرب بها زوجته، ففي الرواية الثالثة عشرة "وأما أبو جهم فرجل ضراب للنساء" وفي الرواية الرابعة عشرة "وأبو الجهم منه شدة على النساء - أو يضرب النساء" قال النووي عن هذه الرواية "أبو الجهيم" بضم الجيم مصغر، والمشهور أنه بفتحها مكبر، وهو المعروف في باقي الروايات وفي كتب الأنساب وغيرها. وأبو جهم هذا هو ابن حذيفة القرشي العدوي.
(انكحي أسامة بن زيد، فكرهته، ثم قال: انكحي أسامة) "فكرهته" أي فكرهت نكاحه، لأنه كان مولى، فهو ابن زيد بن حارثة، الذي كان عبدًا لخديجة ﵂، ثم عبدًا لرسول الله ﷺ ، ثم أعتقه وتبناه، ثم زوجه حاضنته أم أيمن، فكان أسامة ابنه، وهي قرشية، وفوق ذلك أن أسامة كان أسود اللون جدًا، وهي تتيه بجمالها.
وفي الرواية الثالثة عشرة "ولكن أسامة بن زيد. فقالت بيدها هكذا. أسامة. أسامة" أي أشارت بيدها إشارة طرد واحتقار، تلوح بها إلى الأمام، أو إشارة رفض، تلوح بها يمينًا وشمالاً. تعني: لا. لا.
(فنكحته، فجعل الله فيه خيرًا، واغتبطت به) قال النووي: ولم تقع لفظة "به" في أكثر النسخ، و"اغتبطت" بفتح التاء والباء، والغبطة أن يتمنى مثل حال المغبوط من غير إرادة زوال النعمة عنه، يقال: غبطته بما نال، أغبطه، بكسر الباء، غبطًا وغبطة، فاغتبط. اهـ. ومعنى فاغتبطت به سعدت به. وفي ملحق الرواية الخامسة عشرة "فتزوجته، فشرفني الله بابن زيد، وكرمني الله بابن زيد" قال النووي: وفي بعض النسخ "بأبي زيد" في الموضعين على أنه كنية، وكلاهما صحيح، فهو أسامة بن زيد، كنيته أبو زيد، ويقال: أبو محمد.
(تضعين ثيابك عنده) "عنده" متعلق بمحذوف حال من ضمير "تضعين" وليس متعلقًا بتضعين، إذ ليس المعنى وضع الثياب عنده كأمانة، ولكن المعنى تضعين ثيابك وتكشفي عورتك مادمت عنده، لأنه لا يراك.
(كتبت ذلك من فيها كتابًا) أي كتبت حديثها أخذًا من لسانها بدون واسطة، و"كتابًا" يستعمل اسمًا لما سطر، ويستعمل مصدرًا بمعنى كتابة، والمراد الثاني، أي كتبت حديثها كتابة ولم أكتف بالسماع.
(فأبى مروان أن يصدقه في خروج المطلقة من بيتها) أي فأبى مروان أن يصدق حديث
стр. 3212
فاطمة بنت قيس في كونه يخرج المطلقة من بيتها. وحاصل القصة، وسيأتي بعضها في الرواية السابعة وأخرجها النسائي عن الزهري أن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان طلق امرأته، بنت سعيد بن زيد، البتة، وأمها حزمة بنت قيس، فأمرتها خالتها فاطمة بنت قيس بالانتقال، فسمع ذلك مروان - وهو أمير المدينة - فأنكر، فذكرت أن خالتها أخبرتها أن رسول الله ﷺ أفتاها بذلك، فأرسل مروان قبيصة بن ذؤيب إلى فاطمة، يسألها عن ذلك، فذكرت الحديث، ورجع به ابن ذؤيب إلى مروان، فأبى مروان أن يصدقه، وقال - كما في الرواية السابعة - لم نسمع هذا الحديث إلا من امرأة، لن نأخذ به، سنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها [قال النووي: هكذا هو في معظم النسخ "بالعصمة" بكسر العين، وفي بعضها "بالقضية" بالقاف والضاد، وهذا واضح، ومعنى الأول: بالثقة والأمر القوي الصحيح] فقالت فاطمة بنت قيس حين بلغها قول مروان - تدافع عن حديثها وفهمها، قالت: فبيني وبينكم القرآن. قال الله ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن﴾ الآية. قالت: هذا لمن كانت له مراجعة - أي في المطلقة رجعيًا، لأنها محبوسة على زوجها، تحل له في أي وقت يشاء، فتبقى في بيته، لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا، فيكون قربها منه ووجودها في بيته وفي جواره مساعدًا لرجعتها، أما المطلقة ثلاثًا لا يحدث بينها وبين زوجها أمر، فلم تحبس في بيت من طلقها؟ أليس هذا يؤيد حديثي وأن المطلقة ثلاثًا تعتد وتخرج خارج بيت مطلقها؟
والآية التي تفسرها فاطمة في أول سورة الطلاق، قوله تعالى ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا﴾
والظاهر أن مروان ظل منكرًا حديث فاطمة بعد مناقشتها، يميل إلى عدم العمل به ويرده، حتى جاءته قضية أخرى، هي التي تحدثت عنها الروايات السابعة عشرة والتاسعة عشرة والمتممة للعشرين، وحاصلها: أن يحيى بن سعيد بن العاص - وكان أبوه أمير المدينة لمعاوية قبل مروان - طلق امرأته بنت عبد الرحمن بن الحكم، قيل: اسمها عمرة. وهي بنت أخي مروان، الذي كان أمير المدينة آنذاك - طلقها ثلاثًا، وأخرجها من بيته، فعاب عروة بن الزبير على يحيى وأهله إخراجها من بيتها. فاستدلوا على إخراجها بحديث فاطمة بنت قيس، وخروجها - ويبدو أن اعتراض عروة كان أمام مروان، فذهب عروة إلى خالته عائشة يستعيد منها الفتوى التي سمعها من قبل، قال لها: ألم تعلمي أن عمرة بنت عبد الرحمن بن الحكم طلقها زوجها يحيى ألبتة؟ فخرجت، أو أخرجت؟ قالت: بئسما صنعت، وبئسما صنعوا بها. لم تكن لتخرج من بيتها. قال: قد اعتمدوا على حديث فاطمة بنت قيس؟ قالت: لا خير لفاطمة بنت قيس في ذكرها لهذا الحديث وتمسكها به، وحقها أن لا تذكره، فقد كانت لها حالة خاصة، من الإساءة إليها أن تنشر، ورجع عروة يقول لمروان: إن عائشة أنكرت ذلك على فاطمة. وأرسلت عائشة إلى مروان تقول له: اتق الله وارددها إلى بيتها، قال لها: لقد حاولت، لكن أباها أخي عبد الرحمن بن الحكم لم يطعني
стр. 3213
في ردها لبيتها. قالت له عائشة: لا يضرك أن لا تذكر حديث فاطمة، فقد كان بها شر استدعى خروجها. قال مروان: إن كانت فاطمة خرجت لشر فيها فهذه أيضًا بها شر لا يقل عن شر فاطمة.
(دخلنا على فاطمة بنت قيس فأتحفتنا برطب ابن طاب، وسقتنا سويق سلت) إتحاف الضيف ما يقدم له أول نزوله، و"رطب ابن طاب" اسم لنوع من رطب المدينة، قال النووي: وأنواع تمر المدينة مائة وعشرون نوعًا. وأما "السلت" بضم السين وسكون اللام بعدها تاء، حب بين الشعير والحنطة، قيل: طبعه طبع الشعير في البرودة، ولونه قريب من لون الحنطة.
(وأخاف أن يقتحم علي) الاقتحام الهجوم على الشخص بغير إذن.
(فأرادت أن تجد نخلها) يقال: جد يجد وجذ يجذ من باب شد يشد، أي قطع، وجذ النخل جذًا وجذاذًا قطع ثمره وجناه.
-[فقه الحديث]-
قال النووي وغيره: اختلف العلماء في المطلقة البائن الحائل - غير الحامل - هل لها النفقة والسكنى مدة العدة؟ أم لا؟ فقال عمر وأبو حنيفة وآخرون: يجب لها السكنى والنفقة، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن﴾ بعد قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة﴾ وقوله تعالى: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم﴾ فهذا أمر بالسكنى، وأما النفقة فلأنها محبوسة عليه وبسببه، لا تتزوج غيره إلا بعد العدة، فالنفقة تابعة للسكنى، ومن حججهم أن القرآن لم يفرق بين مطلقة ومطلقة، فكانت البائن كالرجعية. وأنكروا حديث فاطمة بنت قيس، وردوه، روى الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عمر ﵁ أنه قال: "لا ندع كتاب ربنا - يشير إلى الآيتين السابقتين - وسنة نبينا بقول امرأة، لا ندري حفظت أو نسيت، لها السكنى والنفقة" وأخرجه أبو داود بلفظ "لا ندري أحفظت؟ أو لا؟ " وأخرجه النسائي بلفظ "قال عمر لها: إن جئت بشاهدين يشهدان أنهما سمعاه من رسول الله ﷺ ؟ وإلا لم نترك كتاب الله لقول امرأة" وروايتنا الثانية عشرة مؤيدة لإنكار عمر.
وأنكره أيضًا عائشة وأسامة بن زيد، كما تصرح بذلك روايتنا السابعة عشرة، والمتممة للعشرين.
وبالغ الطحاوي في تقرير هذا المذهب، فقال: خالفت فاطمة سنة رسول الله ﷺ ، لأن عمر روى خلاف ما روت - يشير إلى رواية عن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لها السكنى والنفقة" قال المحققون: وهذا منقطع لا تقوم به حجة - فخرج المعنى الذي أنكر عليها عمر خروجًا صحيحًا، وبطل حديث فاطمة، فلم يجب العمل به أصلاً. اهـ.
المذهب الثاني: مذهب أحمد في أظهر روايتيه وإسحق وأبي ثور وداود وأتباعهم، وهو أنه لا نفقة
стр. 3214
لها ولا سكنى، وحجتهم ظاهر حديث فاطمة بنت قيس، ونازعوا في تناول الآية المطلقة البائن، واعتمدوا مراجعة فاطمة وتفسيرها للآية الواردة في روايتنا السابعة، وشرحناه قريبًا في المباحث العربية، عند فقرة "فأبى مروان أن يصدقه" وقالوا: الآية في الرجعية.
المذهب الثالث: مذهب الشافعية والمالكية والجمهور، وهو أن لها السكنى - إلا لسبب شرعي - ولا نفقة لها، وهو قول ابن مسعود وابن عمر وعائشة وسعيد بن المسيب والثوري وأصحاب الرأي وإحدى الروايتين عن أحمد ويستدلون على وجوب السكنى بما استدل به أصحاب المذهب الأول قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن﴾ وقوله تعالى: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم﴾ ولم يفرق في المطلقة في هذا بين الرجعية والبائن، فهما سواء في وجوب السكنى.
أما النفقة فقد خصتها الآية بالحامل، حيث يقول جل شأنه في العدة وواجباتها ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرًا * ذلك أمر الله أنزله إليكم ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرًا* أسكنوهن﴾ - أي في العدة المذكورة بأنواعها - ﴿من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن﴾ [الطلاق: ٤ وما بعدها].
فمفهوم الآية أن غير الحامل لا نفقة لها، وإلا لم يكن لتخصيصها بالذكر معنى، قالوا: والسياق يفهم أن الآية في غير الرجعية، لأن نفقة الرجعية واجبة وجوبًا ظاهرًا مدة عدتها، ولو لم تكن حاملاً، لأنها زوجة ترثه ويرثها إذا مات أحدهما في العدة، ولا كذلك البائن.
وهؤلاء لا يردون حديث فاطمة بنت قيس، وإنما يوجهونه، كما سيأتي. أما الحنفية فيقولون عن الآية: إنما قيد النفقة بحالة الحمل ليدل على إيجابها في غير حالة الحمل بطريق الأولى، لأن مدة الحمل تطول غالبًا، فإذا وجبت في المدة الأطول وجبت في المدة الأقصر من باب أولى. ورد هذا بأنه قياس فاسد، لأن مدة الحمل قد تقصر عن عدة القروء، ولأن قياس الحائل على الحامل يتضمن إسقاط قيد ورد به القرآن الكريم.
فتحصل في حكم السكنى والنفقة مدة العدة للمطلقة ما يأتي:
أولاً: المطلقة طلاقًا رجعيًا لها السكنى والنفقة والكسوة مدة العدة بلا خلاف، حاملاً كانت أو حائلاً، لأنها زوجة ترثه ويرثها إن مات أحدهما أثناء العدة، ولأن الزوجية باقية، والتمكين من الاستمتاع موجود. وتسكن حيث يختار لها، مادام المسكن يصلح لمثلها، وإن طلقت وهي في مسكن لزمها أن تعتد فيه، ويحرم على الزوج أن يخرجها من مسكنها، ويحرم عليها أن تخرج منه، إلا في الموضع الذي استثناه جل شأنه بقوله ﴿واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن
стр. 3215
يأتين بفاحشة مبينة﴾ أي فيحل إخراجهن، ولو أخرجت أو خرجت دون هذا العذر أثم أو أثمت. ولا تنقطع العدة.
والفاحشة المبينة هي البذاء على زوجها وعلى أحمائها. قال عكرمة: في مصحف أبي "إلا أن يفحشن عليكم" وعن ابن عباس: الفاحشة كل معصية كالزنا والسرقة والبذاء على الأهل، واعترض على هذا بالغيبة ونحوها من المعاصي، فهي لا تبيح الإخراج ولا الخروج.
أما من قال: إن المراد بالفاحشة الزنا، فقد رده ابن العربي، فقال: أما من قال: إنه الخروج للزنا فلا وجه له، لأن ذلك الخروج هو خروج القتل والإعدام، وليس ذلك بمستثنى في حلال ولا حرام. اهـ. وقيل: إنه الخروج بغير حق، وتقدير الكلام: لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن شرعًا، إلا أن يخرجن تعديًا وبغير حق.
ثانيًا: المطلقة طلاقًا بائنًا، ثلاثًا أو باتًا، وهي حامل يجب لها السكنى والنفقة قولاً واحدًا، لا نعلم خلافًا في ذلك بين أهل العلم، لقوله تعالى: ﴿وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن﴾ فوجب لها السكنى والنفقة إن لم يكن من أجلها فمن أجل ولده الذي تحمله.
ثالثًا: المطلقة طلاقًا بائنًا، ثلاثًا أو باتًا، وهي غير حامل فيها خلاف بين العلماء. قيل: لها السكنى والنفقة، وقيل: ليس لها سكنى ولا نفقة، وقيل: لها السكنى وليس لها نفقة.
رابعًا: المتوفى عنها زوجها إن كانت غير حامل فلا نفقة لها بالإجماع، وإن كانت حاملاً فالأصح عند الشافعية أنه لا نفقة لها كالحائل، وقيل: تجب لها النفقة كالمطلقة الحامل. أما السكنى فالأصح عند الشافعية وجوب السكنى.
والذي تستريح إليه النفس بخصوص حديث فاطمة بنت قيس:
(أ) أنه صحيح، لا مجال لرده، فقد أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما، بطرق كثيرة بلغت حد الشهرة، وقيل: حد التواتر.
(ب) وأنه بخصوص نفقة المطلقة طلاقًا بائنًا صريح في أنها لا نفقة لها، ولم تشر رواية من رواياته إلى أنها كانت تستحق النفقة فلم يحكم لها بها لسبب من الأسباب، بل بعض الروايات تعرضت إلى أنه لا نفقة لها، ولم تتعرض للسكنى، ففي الرواية الأولى أن شكواها من وكيل زوجها كان من أجل النفقة، حيث أنكر حقها في النفقة، وأرسل إليها نفقة دون، وأنها ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: "ليس لك عليه نفقة" إذن السكنى كان أمرها مقررًا، لم تكن سببًا في الخصومة، وأصرح من الرواية الأولى في أن الخصومة كانت من أجل النفقة قولها في الرواية الثانية "إن كان لي نفقة أخذت الذي يصلحني، وإن لم تكن لي نفقة لم آخذ منه شيئًا" وفي الرواية الثالثة "لا نفقة لك" وفي الرواية الرابعة "فقال لها أهله: ليس لك علينا نفقة". ولما ذهب أهله إلى رسول الله ﷺ سألوه عن نفقتها ولم يسألوه عن سكناها، وكان جوابه لهم: "ليست لها نفقة" وفي الرواية الخامسة تقول "فأرسلت إلى أهله. أبتغي النفقة" وفي الرواية السابعة "فقالا لها: والله ما لك نفقة إلا أن تكوني حاملا، فأتت النبي ﷺ ، فذكرت له قولها؟ فقال: لا نفقة لك".
стр. 3216
(ج) وأن موضوع السكنى في حديث فاطمة كان له ظروف خاصة جعلها تخرج من بيتها، وتعتد خارج مسكنها، من هذه الظروف أنها هي التي طلبت الانتقال، وكأنها تنازلت عن هذا الحق بعد ثبوته، ففي الرواية السابعة "فاستأذنته في الانتقال؟ فأذن لها، فقالت: أين يا رسول الله؟ قال .... إلخ" وفي الرواية التاسعة "فأذن لي رسول الله ﷺ أن أعتد في أهلي" أي هي التي استأذنت في الخروج، وفي الرواية الحادية عشرة "فأردت النقلة، فأتيت النبي ﷺ ، فقال: انتقلي ... إلخ" ومن هذه الظروف أن بيت الزوجية كان في مكان موحش، تخشى على نفسها فيه، فطلبت النقلة منه. ففي الرواية الثامنة عشرة "وأخاف أن يقتحم علي؟ قال: فأمرها فتحولت".
ومن هذه الظروف أنها كانت امرأة خشنة لسنة بذيئة بذاءة تبيح لوكيل زوجها أن يخرجها من مسكنها، تشير إلى هذا عائشة في روايتنا السابعة عشرة والتاسعة عشرة والمتممة للعشرين، إذ تقول "ما لفاطمة بنت قيس خير في أن تذكر هذا الحديث" أي لأن الشخص لا ينبغي له أن يذكر شيئًا عليه فيه غضاضة، وروي عن عائشة أنها قالت لفاطمة بنت قيس: اتقي الله، فإنك تعلمين لم أخرجت؟ وفي كتاب أبي داود قال سعيد بن المسيب عن فاطمة بنت قيس: تلك امرأة فتنت الناس، واستطالت على أحمائها بلسانها، فأمرها ﵊ أن تنتقل. ودافع الشوكاني في نيل الأوطار عنها، ونفى فحش لسانها حيث ارتضاها رسول الله ﷺ لحبه وابن حبه أسامة بن زيد، وحقق بعض العلماء القضية، فقال: البذاء المنسوب لفاطمة لم يكن موجهًا لزوجها، بل كان موجهًا لأحمائها، وهذا أمر غير مستبعد من أي امرأة مطلقة، تحس بشخصيتها، لا سيما إذا كان البذاء مجرد المخاشنة في القول، والاستعلاء على نساء الأحماء، والحدة في اللهجة والصوت.
وكأن فاطمة - بعد بيان هذه الظروف - تحكي قرار عدم إسكانها، وأنه حكم لها بعدم السكن، أي في النهاية، وربما فهمته حكمًا عامًا لكل النساء، ولم تفهمه خاصًا بها لظروفها. ويمكن حمل جميع الروايات على هذا بدون تعسف، فأولى المذاهب بالاختيار مذهب الشافعية والجمهور.
-[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]-
١ - يؤخذ من قوله في الرواية الأولى "طلقها البتة وهو غائب" أن الطلاق يقع في غيبة المرأة.
٢ - ومن قوله "أرسل إليها وكيله" جواز الوكالة في أداء الحقوق. قال النووي: وقد أجمع العلماء على هذين الحكمين.
٣ - ومن قوله "تلك امرأة يغشاها أصحابي" جواز زيارة الرجال للنساء الأجانب ما لم تكن فتنة ولا خلوة.
٤ - وكثرة التردد على الصالحين.
٥ - ومن رجوعه ﷺ عن أن تعتد في بيت أم شريك حرصه ﷺ على رفع الحرج عن الأمة وفي كل تشريع، إذ رأى ﷺ أن على فاطمة من الاعتداد عندها حرجًا، من حيث إنه يلزمها التحفظ من نظرهم إليها، ونظرها إليهم وانكشاف شيء منها، وفي التحفظ من هذا مع كثرة دخولهم وترددهم مشقة ظاهرة.
стр. 3217
٦ - ومن أمره لها بالاعتداد عند ابن أم مكتوم أخذ بعض الناس جواز نظر المرأة إلى الأجنبي، بخلاف نظره إليها. قال النووي: وهذا قول ضعيف، بل الصحيح الذي عليه جمهور العلماء وأكثر الصحابة أنه يحرم على المرأة النظر إلى الأجنبي، كما يحرم عليه النظر إليها، لقوله تعالى ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم .... وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن﴾ [النور: ٣٠، ٣١] لأن الفتنة مشتركة، وكما يخاف الافتتان بها تخاف الافتتان به، ويدل عليه من السنة حديث نبهان مولى أم سلمة عن أم سلمة أنها كانت هي وميمونة عند النبي ﷺ فدخل ابن أم مكتوم، فقال النبي ﷺ : احتجبا منه. فقالتا: إنه أعمى، لا يبصر؟ فقال النبي ﷺ : "أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه؟ " وهذا الحديث حسن. رواه أبو داود والترمذي وغيرهما، وقال الترمذي: هو حديث حسن، ولا يلتفت إلى قدح من قدح فيه بغير حجة معتمدة.
ثم قال النووي: وأما حديث فاطمة بنت قيس مع ابن أم مكتوم فليس فيه إذن لها بالنظر إليه، بل فيه أنها تأمن عنده من نظر غيرها لها، وهي مأمورة بغض بصرها، فيمكنها الاحتراز عن النظر بلا مشقة، بخلاف مكثها في بيت أم شريك. اهـ.
٧ - ومن قوله "فإذا حللت فآذنيني" جواز التعريض بخطبة البائن. قال النووي: وهو الصحيح عندنا.
٨ - ومن قوله ﷺ عن أبي جهم: "لا يضع عصاه عن عاتقه" جواز استعمال الكناية.
٩ - ومن قوله عن معاوية: "إنه صعلوك" جواز ذكر الإنسان الغائب بما فيه من العيوب التي يكرهها إذا كان على وجه النصيحة.
١٠ - ومن قوله عن معاوية: "لا مال له" نفي الشيء مع وجود قليله على سبيل المجاز واعتبار القليل في حكم العدم، فإن أبا جهم كان يضع العصا عن عاتقه في حال نومه وأكله، ومعاوية كان له ثوب يلبسه وغير ذلك من المال القليل.
١١ - ومن قوله "انكحي أسامة بن زيد" جواز الإشارة بنكاح شخص علم دينه وفضله وحسن طرائقه.
١٢ - وجواز الخطبة على الخطبة إذا لم يحصل للأول إجابة، لأنها أخبرته أن معاوية وأبا جهم خطباها.
١٣ - واستحباب إرشاد الإنسان إلى مصلحته، وإن كرهها، وتكرار ذلك عليه، لتكراره "انكحي أسامة" بعد قولها "فكرهته".
١٤ - وقبول نصيحة أهل الفضل، والانقياد إلى إشارتهم، وأن عاقبتها محمودة.
١٥ - وجواز نكاح غير الكفء، إذا رغبت به الزوجة والولي، لأن فاطمة قرشية، وأسامة من الموالي.
١٦ - والحرص على مصاحبة أهل الفضل والتقوى وإن دنت أنسابهم.
١٧ - ومن إنكار عائشة على فاطمة؛ جواز إنكار المفتي على مفت آخر، خالف النص، أو عمم ما هو خاص.
стр. 3218
١٨ - ومن إتحاف أم شريك لزوارها؛ استحباب إتحاف الزائر وإكرامه بطيب الطعام والشراب، سواء كان المضيف رجلاً أو امرأة.
١٩ - ومن خروج فاطمة من منزل الزوجية؛ جواز خروج المطلقة ثلاثًا من بيتها لعذر.
٢٠ - ومن الرواية الواحدة والعشرين جواز خروج المعتدة البائن للحاجة. قال النووي: ومذهب مالك والثوري والليث والشافعي وأحمد وآخرين جواز خروجها في النهار للحاجة، وكذلك عن هؤلاء يجوز لها الخروج في عدة الوفاة، ووافقهم أبو حنيفة في عدة الوفاة، وقال في البائن: لا تخرج ليلاً ولا نهارًا. اهـ. أما المطلقة رجعيًا فلا تخرج إلا بإذن زوجها.
٢١ - وفيه استحباب الصدقة من التمر عند جذاذه.
٢٢ - واستحباب الهدية منه.
٢٣ - واستحباب التعريض لصاحب التمر بفعل ذلك.
٢٤ - والتذكير بالمعروف والبر.
واللَّه أعلم
стр. 3219
(٣٩٩) باب عدة الحامل المتوفى عنها زوجها
٣٢٩٣ - عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: أن أباه كتب إلى عمر بن عبد الله بن الأرقم الزهري، يأمره أن يدخل على سبيعة بنت الحارث الأسلمية، فيسألها عن حديثها وعما قال لها رسول الله ﷺ ، حين استفتته. فكتب عمر بن عبد الله إلى عبد الله بن عتبة يخبره؛ أن سبيعة أخبرته؛ أنها كانت تحت سعد بن خولة. وهو في بني عامر بن لؤي. وكان ممن شهد بدرًا. فتوفي عنها في حجة الوداع. وهي حامل. فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته. فلما تعلت من نفاسها تجملت للخطاب. فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك (رجل من بني عبد الدار) فقال لها: ما لي أراك متجملة؟ لعلك ترجين النكاح. إنك، والله ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر. قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك، جمعت علي ثيابي حين أمسيت. فأتيت رسول الله ﷺ فسألته عن ذلك؟ فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي. وأمرني بالتزوج إن بدا لي. قال ابن شهاب: فلا أرى بأسًا أن تتزوج حين وضعت. وإن كانت في دمها. غير أن لا يقربها زوجها حتى تطهر.
٣٢٩٤ - عن سليمان بن يسار: أن أبا سلمة بن عبد الرحمن وابن عباس اجتمعا عند أبي هريرة. وهما يذكران المرأة تنفس بعد وفاة زوجها بليال. فقال ابن عباس: عدتها آخر الأجلين. وقال أبو سلمة: قد حلت. فجعلا يتنازعان ذلك. قال فقال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي (يعني أبا سلمة) فبعثوا كريبًا (مولى ابن عباس) إلى أم سلمة يسألها عن ذلك؟ فجاءهم فأخبرهم؛ أن أم سلمة قالت: إن سبيعة الأسلمية نفست بعد وفاة زوجها بليال. وإنها ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ . فأمرها أن تتزوج.
-[المعنى العام]-
شرعت العدة للمرأة المطلقة والمتوفى عنها زوجها، والتي فسخ نكاحها لأي سبب من الأسباب، وإذا كان لنا أن نبحث ونتلمس لكل تشريع حكمة، لكن ليس لنا أن نعتبر حكمة التشريع التي نصل
стр. 3220
إليها علة، يدور معها الحكم وجودًا وعدمًا، فقد يكون للتشريع حكمة لا نعلمها، كتقبيل الحجر الأسود، ويقال له: حكم تعبدي وقد يكون ما نعلم جزء حكمة، وليس كل الحكمة، كما في تشريع عدة الزوجية إذا انتهى رباط الزوجية بطريقة أو بأخرى هل هي استبراء الرحم، والتأكد من عدم الحمل عند الحائل؟ وتفريغ توابع الزوج عند الحامل؟ لو كانت كذلك لما وجبت على العجوز اليائسة من الحمل، والتي يقرر الأطباء بشكل يصل إلى اليقين أنها لا تحمل. هل هي لحرمة عقد الزواج، ووجود فسحة بين الزوج الأول والثاني لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا؟ أو هي مجموع الأمرين؟ أو هي مجموع الأمرين مع التعبد.
ظاهر حديث سبيعة الذي نحن بصدده أن العدة لاستبراء الرحم من الزوج السابق، لئلا تختلط الأنساب، ولئلا يسقى ولد الرجل السابق بماء الرجل اللاحق، وبخاصة إذا لم يكن هناك أمل أن يحدث الله بين الزوجين بعد ذلك أمرًا من عودة أو رجعة، فهذه سبيعة مات عنها زوجها، وهي حامل، فولدت بعد ليال من وفاته، وكانت تقرأ قوله تعالى ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق: ٦] فلما وضعت اعتقدت أنها حلت للأزواج، فتزينت وتهيأت للخطاب، فرآها أحد الرجال الذين يرغبون في الزواج منها وهي لا ترغبه، فقال لها: لا يحل لك أن تتزوجي قبل أربعة أشهر وعشر، مصداقًا لقوله تعالى ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] يرجو بذلك أن تتريث لعلها ترضى به، وكانت تعتقد أن الآية في غير الحوامل، وصدق فهمها، إذ سألت رسول الله ﷺ فقال لها: قد حللت للأزواج بوضعك، فتزوجي إن شئت.
وبقي التساؤل: إذا كانت العدة لاستبراء الرحم، ولإعطاء فرصة للزوجين انتظارًا لأن يحدث الله بعد ذلك أمرًا، فلم كانت عدة الحائل المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرًا، ولم تكن ثلاثة قروء في أقل من ثلاثة أشهر، كما في الطلاق؟ فإن قلنا: إن زيادة المتوفى عنها زوجها على المطلقة للإشعار بمظهر من مظاهر الحزن والأسى على الزوج الراحل فلم لم يراع ذلك في الحامل التي كسبيعة، وهي أولى بإظهار الحزن من غير الحامل، لبقاء أثر الزوج السابق، ووجود شيء من العلاقة به، وهو ابنه؟ وبقي التساؤل، ولا جواب له عندي إلا أن يكون تعبدًا، والله أعلم.
-[المباحث العربية]-
(عن سبيعة ﵂ "سبيعة" بضم السين، تصغير سبع، بنت الحارث الأسلمي، من المهاجرات.
(كانت تحت سعد بن خولة) أي كانت زوجة له.
(وهو في بني عامر بن لؤي) قال النووي: هكذا هو في النسخ "في بني عامر" بالفاء، وهو صحيح، ومعناه ونسبه في بني عامر، أي هو من بني عامر. اهـ. قال الحافظ ابن حجر: وثبت فيه أنه كان من حلفائهم.
стр. 3221
(وكان ممن شهد بدرًا) فائدة ذكر هذه الجملة والتي قبلها الإشادة بزوجها، لترفع بذلك من شأنها.
(فتوفي عنها في حجة الوداع) قال الحافظ ابن حجر: نقل ابن عبد البر الاتفاق على ذلك، وفيه نظر، فقد ذكر ابن سعد أنه مات قبل الفتح، وذكر الطبري أنه مات سنة سبع، وفي بعض الروايات "أنه قتل" ومعظم الروايات على أنه مات، وهو المعتمد.
(فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته) "فلم تنشب" أي فلم تلبث ولم تمكث زمنًا.
وفي رواية للبخاري "فمكثت قريبًا من عشر ليال، ثم جاءت النبي ﷺ ، فقال: انكحي" وفي رواية عند أحمد "فلم أمكث إلا شهرين حتى وضعت" وفي رواية عند النسائي "بعشرين ليلة أو خمس عشرة" وعند الترمذي والنسائي "بثلاثة وعشرين يومًا، أو خمسة وعشرين يومًا" وعند ابن ماجه "ببضع وعشرين ليلة" قال الحافظ ابن حجر: والجمع بين هذه الروايات متعذر، لاتحاد القصة. اهـ ولعل السر في اختلاف الرواة أنه أمر غير مهم، والمهم أنها وضعت لأقل من أربعة أشهر وعشر، فلم يعن الرواة بضبطه.
(فلما تعلت من نفاسها) ضبطها في الأصول "تعلت" بفتح التاء والعين وتشديد اللام المفتوحة، لكن في كتب اللغة: تعالت المرأة من نفاسها خرجت منه وطهرت - بألف بين العين واللام، وفي تاج العروس: وتعللت - بلامين - المرأة من نفاسها، أي خرجت منه وطهرت وحل وطؤها، كتعالت، وتخفف اللام أيضًا.
(تجملت للخطاب) بضم الخاء وتشديد الطاء، جمع خاطب، والتجمل التزين، وفي رواية "فتهيأت للنكاح واختضبت" وفي رواية "فتطيبت وتصنعت" وفي رواية "فلقيها أبو السنابل وقد اكتحلت".
(فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك، رجل من بني عبد الدار) "السنابل" بفتح السين، جمع سنبلة، و"بعكك" بفتح الباء وسكون العين وكافين، الأولى مفتوحة، واسم أبي السنابل عمرو، وقيل: حبة، بالباء. وهو أبو السنابل بن بعكك بن الحجاج بن الحارث بن السباق بن عبد الدار، وقيل في نسبه غير هذا. وكان من المؤلفة، وسكن الكوفة، وكان شاعرًا، ونقل الترمذي عن البخاري أنه قال: لا نعلم أن أبا السنابل عاش بعد النبي ﷺ .
وفي رواية البخاري "فخطبها أبو السنابل بن بعكك، فأبت أن تنكحه، فقال: والله ما يصلح أن تنكحي حتى تعتدي آخر الأجلين" فدخوله عليها وتردده عليها كان للخطبة، رجاء أن تقبله، فلما قبلت غيره قال ما قال. ففي الموطأ "فخطبها رجلان، أحدهما شاب والآخر كهل، فحطت إلى الشاب، فقال الكهل: لم تحلي، وكان أهلها غائبين، فرجا أن يؤثروه بها" فأفتاها بأنها لا تحل بالوضع، لكونه كان خطبها فمنعته، ورجا أنها إذا قبلت ذلك منه، وانتظرت مضي المدة حضر أهلها، فرغبوها في زواجه، دون غيره.
стр. 3222
(لعلك ترجين) بفتح التاء والراء وتشديد الجيم المكسورة، والأصل تترجين.
(إنك والله ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر) أي ما يصح ويحل نكاحك حتى كذا وكذا.
(وإن كانت في دمها) أي قبل أن تتطهر من النفاس، أي وإن كانت في أول نفاسها.
(وهما يذكران: المرأة تنفس) بفتح التاء وسكون النون وفتح الفاء، وفي تاج العروس: يقال: نفست المرأة، كسمع، وعني نفسًا ونفاسة ونفاسًا، أي ولدت، وقال أبو حاتم: ويقال: نفست على ما لم يسم فاعله.
(عدتها آخر الأجلين) نظرًا لقوله تعالى ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرًا﴾ وقوله تعالى ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ يقصد إن وضعت الحامل قبل أربعة أشهر وعشر انتظرت نهاية هذه المدة، وإن تأخر الحمل فلم تضع وانتهت هذه المدة انتظرت وضع الحمل.
(وقال أبو سلمة قد حلت) أي بالوضع إذا تقدم على الأشهر المذكورة.
(فجعلا يتنازعان ذلك) أي يتجاذبان النقاش فيه.
(إن سبيعة الأسلمية نفست) بضم النون وكسر الفاء وفتح السين، قال النووي: وفي لغة بفتح النون، وهما لغتان في الولادة.
(فأمرها أن تتزوج) أي إذا أرادت، كما جاء في الرواية الأولى "إن بدا لها" فليس أمرًا مطلقًا، بل أمر مبني على رغبتها، وفي رواية "فقال: "انكحي" وفي رواية "وأمرها بالتزويج" وفي رواية "فقد حللت فتزوجي" وفي رواية "فقال: إن وجدت زوجًا صالحًا فتزوجي" وفي رواية "إذا أتاك أحد ترتضينه فتزوجي" فالمراد من الأمر الإذن.
-[فقه الحديث]-
قال جمهور العلماء من السلف وأئمة الفتوى في الأمصار: إن الحامل إذا مات عنها زوجها تحل للأزواج بوضع الحمل، وتنقضي عدة الوفاة، حتى لو وضعت بعد موت زوجها بلحظة. هذا قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد والعلماء كافة.
إلا رواية عن علي وابن عباس وسحنون المالكي: أن عدتها بأقصى الأجلين. إما أربعة أشهر وعشر، وإما بوضع الحمل، أيهما يتأخر منها هو نهاية عدتها.
وإلا ما روي عن الشعبي والحسن وإبراهيم النخعي وحماد أنها لا يصح زواجها حتى تطهر من
стр. 3223
نفاسها. هذا وقد نقل غير واحد الإجماع على أنها لا تنقضي عدتها بالأشهر الأربعة والعشر إذا طالت فيها مدة الحمل، فلا تنقضي عدتها في هذه الحالة إلا بالوضع، والخلاف فقط فيما إذا وضعت قبل أربعة أشهر وعشر.
وحجة الجمهور حديث سبيعة، وهو مخصص لعموم قوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بأنفسن أربعة أشهر وعشرًا﴾ أي إذا لم تكن حاملاً.
وحديث سبيعة مبين أن قوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ عام في المطلقة والمتوفى عنها، وأنه على عمومه. قال الجمهور: وقد تعارض عموم هاتين الآيتين، وإذا تعارض العمومان وجب الرجوع إلى مرجح، لتخصيص أحدهما، وقد وجد هنا حديث سبيعة المخصص لأربعة أشهر وعشر، وأنها محمولة على غير الحامل. قال ابن عبد البر: لولا حديث سبيعة لكان القول ما قال علي وابن عباس، لأنهما عدتان مجتمعتان بصفتين، وقد اجتمعتا في الحامل المتوفى عنها زوجها، فلا تخرج من عدتها إلا بيقين، واليقين آخر الأجلين. اهـ. أي لكن حديث سبيعة نص في المسألة.
أما الرد على الشعبي ومن معه فإنه يرد عليهم قولها في الرواية الأولى "فأفتاني النبي ﷺ بأني قد حللت حين وضعت حملي" وهذا تصريح بانقضاء العدة بنفس الوضع، فإن احتجوا بقولها في الرواية الأولى "فلما تعلت من نفاسها" أي طهرت منه فالجواب أن هذا إخبار عن وقت سؤالها ولا حجة فيه، وإنما الحجة في قول النبي ﷺ "إنها حلت حين وضعت" ولم يعلل بالطهر من النفاس.
قال النووي: قال العلماء من أصحابنا وغيرهم: سواء كان حملها ولدًا أو أكثر، وسواء كان كامل الخلقة أو ناقصها، أو علقة، أو مضغة، فتنقضي العدة بوضعه، ودليله إطلاق سبيعة من غير سؤال عن صفة حملها.
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - أن الصحابة كانوا يفتون في حياة النبي ﷺ .
٢ - وأن المفتي إذا كان له ميل إلى الشيء لا ينبغي له أن يفتي فيه، لئلا يحمله الميل إليه على ترجيح ما هو مرجوح، كما وقع من أبي السنابل.
٣ - وفيه شهامة سبيعة وفطنتها، حيث ترددت فيما أفتاها به، وحملها ذلك على استيضاح الحكم من الشارع، وكذا ينبغي لمن ارتاب في فتوى المفتي أو حكم الحاكم في مواضع الاجتهاد أن يبحث عن النص في تلك المسألة.
٤ - وفيه الرجوع في الوقائع إلى الأعلم.
٥ - ومباشرة المرأة السؤال عما ينزل بها ولو كان مما يستحي النساء من مثله.
٦ - وفيه جواز تجمل المرأة بعد انقضاء عدتها لمن يخطبها.
стр. 3224
٧ - واستدل به على أن المرأة لا يجب عليها أن تتزوج لقولها "وأمرني بالتزويج إن بدا لي".
٨ - وفيه أن الثيب لا تزوج إلا برضاها من ترضاه، ولا إجبار لأحد عليها.
٩ - وفي الرواية الثانية حرص علماء الصحابة على فهم الكتاب والسنة، واستخدامهم العقل والقياس وحكمة التشريع، وهذا ما دعا عليًا وابن عباس إلى القول بأن عدتها أقصى الأجلين. والذي تستريح إليه نفسي قول علي وابن عباس، فبالإضافة إلى أنه يجيب على التساؤل الذي أوردته في المعنى العام أرى أن أقصى الأجلين عما بالآيتين، وهو أولى من العمل بإحداهما وتخصيص الأخرى، ويحتمل أن حديث سبيعة كان لحالة خاصة بها، فهو واقعة عين، لا يلزم تطبيق حكمها بصفة عامة، كأن يكون زوجها قد مات بعيدًا عنها، لم يعرف تاريخ موته، فاستتر عند النبي ﷺ أنها جاوزت الأربعة أشهر خصوصًا وقد ذكرنا اختلافًا كبيرًا في المدة التي اعتدت بها سبيعة، وذكرنا رواية أحمد "فلم أمكث إلا شهرين ووضعت" فإذا أضفنا إلى ذلك أنها انتظرت حتى تعالت من نفاسها، وخرجت منه وطهرت، وصلت المدة أكثر من ثلاثة أشهر، فإذا أضفنا أن زوجها مات بمكة، وهي في المدينة مما يحتمل معه تأخر علمها بموته أمكن أن تكون قد قضت أقصى الأجلين.
وهذا التوجيه لحديث سبيعة خير من أن نرده، كما رد جمهور العلماء حديث فاطمة بنت قيس المذكور في الباب السابق على أنه خبر امرأة يخالف كتاب الله.
واللَّه أعلم
стр. 3225
(٤٠٠) باب وجوب الإحداد في عدة الوفاة
٣٢٩٥ - عن حميد بن نافع عن زينب بنت أبي سلمة؛ أنها أخبرته هذه الأحاديث الثلاثة. قال: قالت زينب: دخلت على أم حبيبة زوج النبي ﷺ ، حين توفي أبوها أبو سفيان فدعت أم حبيبة بطيب فيه صفرة. خلوق أو غيره. فدهنت منه جارية. ثم مست بعارضيها. ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة. غير أني سمعت رسول الله ﷺ يقول، على المنبر "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج، أربعة أشهر وعشرًا".
قالت زينب: ثم دخلت على زينب بنت جحش حين توفي أخوها. فدعت بطيب فمست منه. ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة. غير أني سمعت رسول الله ﷺ يقول، على المنبر "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج، أربعة أشهر وعشرًا".
قالت زينب: سمعت أمي، أم سلمة تقول: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها. وقد اشتكت عينها. أفنكحلها؟ فقال رسول الله ﷺ "لا" (مرتين أو ثلاثًا. كل ذلك يقول: لا). ثم قال "إنما هي أربعة أشهر وعشر. وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول".
قال حميد: قلت لزينب: وما ترمي بالبعرة على رأس الحول؟ فقالت زينب: كانت المرأة، إذا توفي عنها زوجها، دخلت حفشًا، ولبست شر ثيابها، ولم تمس طيبًا ولا شيئًا. حتى تمر بها سنة. ثم تؤتى بدابة، حمار أو شاة أو طير، فتفتض به. فقلما تفتض بشيء إلا مات. ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها. ثم تراجع، بعد، ما شاءت من طيب أو غيره.
٣٢٩٦ - عن زينب بنت أم سلمة قالت: توفي حميم لأم حبيبة. فدعت بصفرة فمسحته بذراعيها. وقالت: إنما أصنع هذا، لأني سمعت رسول الله ﷺ يقول "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، أن تحد فوق ثلاث، إلا على زوج، أربعة أشهر وعشرًا".
следующие страницы →