← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

(وكان ممن شهد بدرًا) فائدة ذكر هذه الجملة والتي قبلها الإشادة بزوجها، لترفع بذلك من شأنها. (فتوفي عنها في حجة الوداع) قال الحافظ ابن حجر: نقل ابن عبد البر الاتفاق على ذلك، وفيه نظر، فقد ذكر ابن سعد أنه مات قبل الفتح، وذكر الطبري أنه مات سنة سبع، وفي بعض الروايات "أنه قتل" ومعظم الروايات على أنه مات، وهو المعتمد. (فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته) "فلم تنشب" أي فلم تلبث ولم تمكث زمنًا. وفي رواية للبخاري "فمكثت قريبًا من عشر ليال، ثم جاءت النبي ﷺ ، فقال: انكحي" وفي رواية عند أحمد "فلم أمكث إلا شهرين حتى وضعت" وفي رواية عند النسائي "بعشرين ليلة أو خمس عشرة" وعند الترمذي والنسائي "بثلاثة وعشرين يومًا، أو خمسة وعشرين يومًا" وعند ابن ماجه "ببضع وعشرين ليلة" قال الحافظ ابن حجر: والجمع بين هذه الروايات متعذر، لاتحاد القصة. اهـ ولعل السر في اختلاف الرواة أنه أمر غير مهم، والمهم أنها وضعت لأقل من أربعة أشهر وعشر، فلم يعن الرواة بضبطه. (فلما تعلت من نفاسها) ضبطها في الأصول "تعلت" بفتح التاء والعين وتشديد اللام المفتوحة، لكن في كتب اللغة: تعالت المرأة من نفاسها خرجت منه وطهرت - بألف بين العين واللام، وفي تاج العروس: وتعللت - بلامين - المرأة من نفاسها، أي خرجت منه وطهرت وحل وطؤها، كتعالت، وتخفف اللام أيضًا. (تجملت للخطاب) بضم الخاء وتشديد الطاء، جمع خاطب، والتجمل التزين، وفي رواية "فتهيأت للنكاح واختضبت" وفي رواية "فتطيبت وتصنعت" وفي رواية "فلقيها أبو السنابل وقد اكتحلت". (فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك، رجل من بني عبد الدار) "السنابل" بفتح السين، جمع سنبلة، و"بعكك" بفتح الباء وسكون العين وكافين، الأولى مفتوحة، واسم أبي السنابل عمرو، وقيل: حبة، بالباء. وهو أبو السنابل بن بعكك بن الحجاج بن الحارث بن السباق بن عبد الدار، وقيل في نسبه غير هذا. وكان من المؤلفة، وسكن الكوفة، وكان شاعرًا، ونقل الترمذي عن البخاري أنه قال: لا نعلم أن أبا السنابل عاش بعد النبي ﷺ . وفي رواية البخاري "فخطبها أبو السنابل بن بعكك، فأبت أن تنكحه، فقال: والله ما يصلح أن تنكحي حتى تعتدي آخر الأجلين" فدخوله عليها وتردده عليها كان للخطبة، رجاء أن تقبله، فلما قبلت غيره قال ما قال. ففي الموطأ "فخطبها رجلان، أحدهما شاب والآخر كهل، فحطت إلى الشاب، فقال الكهل: لم تحلي، وكان أهلها غائبين، فرجا أن يؤثروه بها" فأفتاها بأنها لا تحل بالوضع، لكونه كان خطبها فمنعته، ورجا أنها إذا قبلت ذلك منه، وانتظرت مضي المدة حضر أهلها، فرغبوها في زواجه، دون غيره.

стр. 3222

(لعلك ترجين) بفتح التاء والراء وتشديد الجيم المكسورة، والأصل تترجين. (إنك والله ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر) أي ما يصح ويحل نكاحك حتى كذا وكذا. (وإن كانت في دمها) أي قبل أن تتطهر من النفاس، أي وإن كانت في أول نفاسها. (وهما يذكران: المرأة تنفس) بفتح التاء وسكون النون وفتح الفاء، وفي تاج العروس: يقال: نفست المرأة، كسمع، وعني نفسًا ونفاسة ونفاسًا، أي ولدت، وقال أبو حاتم: ويقال: نفست على ما لم يسم فاعله. (عدتها آخر الأجلين) نظرًا لقوله تعالى ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرًا﴾ وقوله تعالى ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ يقصد إن وضعت الحامل قبل أربعة أشهر وعشر انتظرت نهاية هذه المدة، وإن تأخر الحمل فلم تضع وانتهت هذه المدة انتظرت وضع الحمل. (وقال أبو سلمة قد حلت) أي بالوضع إذا تقدم على الأشهر المذكورة. (فجعلا يتنازعان ذلك) أي يتجاذبان النقاش فيه. (إن سبيعة الأسلمية نفست) بضم النون وكسر الفاء وفتح السين، قال النووي: وفي لغة بفتح النون، وهما لغتان في الولادة. (فأمرها أن تتزوج) أي إذا أرادت، كما جاء في الرواية الأولى "إن بدا لها" فليس أمرًا مطلقًا، بل أمر مبني على رغبتها، وفي رواية "فقال: "انكحي" وفي رواية "وأمرها بالتزويج" وفي رواية "فقد حللت فتزوجي" وفي رواية "فقال: إن وجدت زوجًا صالحًا فتزوجي" وفي رواية "إذا أتاك أحد ترتضينه فتزوجي" فالمراد من الأمر الإذن. -[فقه الحديث]- قال جمهور العلماء من السلف وأئمة الفتوى في الأمصار: إن الحامل إذا مات عنها زوجها تحل للأزواج بوضع الحمل، وتنقضي عدة الوفاة، حتى لو وضعت بعد موت زوجها بلحظة. هذا قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد والعلماء كافة. إلا رواية عن علي وابن عباس وسحنون المالكي: أن عدتها بأقصى الأجلين. إما أربعة أشهر وعشر، وإما بوضع الحمل، أيهما يتأخر منها هو نهاية عدتها. وإلا ما روي عن الشعبي والحسن وإبراهيم النخعي وحماد أنها لا يصح زواجها حتى تطهر من

стр. 3223

نفاسها. هذا وقد نقل غير واحد الإجماع على أنها لا تنقضي عدتها بالأشهر الأربعة والعشر إذا طالت فيها مدة الحمل، فلا تنقضي عدتها في هذه الحالة إلا بالوضع، والخلاف فقط فيما إذا وضعت قبل أربعة أشهر وعشر. وحجة الجمهور حديث سبيعة، وهو مخصص لعموم قوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بأنفسن أربعة أشهر وعشرًا﴾ أي إذا لم تكن حاملاً. وحديث سبيعة مبين أن قوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ عام في المطلقة والمتوفى عنها، وأنه على عمومه. قال الجمهور: وقد تعارض عموم هاتين الآيتين، وإذا تعارض العمومان وجب الرجوع إلى مرجح، لتخصيص أحدهما، وقد وجد هنا حديث سبيعة المخصص لأربعة أشهر وعشر، وأنها محمولة على غير الحامل. قال ابن عبد البر: لولا حديث سبيعة لكان القول ما قال علي وابن عباس، لأنهما عدتان مجتمعتان بصفتين، وقد اجتمعتا في الحامل المتوفى عنها زوجها، فلا تخرج من عدتها إلا بيقين، واليقين آخر الأجلين. اهـ. أي لكن حديث سبيعة نص في المسألة. أما الرد على الشعبي ومن معه فإنه يرد عليهم قولها في الرواية الأولى "فأفتاني النبي ﷺ بأني قد حللت حين وضعت حملي" وهذا تصريح بانقضاء العدة بنفس الوضع، فإن احتجوا بقولها في الرواية الأولى "فلما تعلت من نفاسها" أي طهرت منه فالجواب أن هذا إخبار عن وقت سؤالها ولا حجة فيه، وإنما الحجة في قول النبي ﷺ "إنها حلت حين وضعت" ولم يعلل بالطهر من النفاس. قال النووي: قال العلماء من أصحابنا وغيرهم: سواء كان حملها ولدًا أو أكثر، وسواء كان كامل الخلقة أو ناقصها، أو علقة، أو مضغة، فتنقضي العدة بوضعه، ودليله إطلاق سبيعة من غير سؤال عن صفة حملها. -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - أن الصحابة كانوا يفتون في حياة النبي ﷺ . ٢ - وأن المفتي إذا كان له ميل إلى الشيء لا ينبغي له أن يفتي فيه، لئلا يحمله الميل إليه على ترجيح ما هو مرجوح، كما وقع من أبي السنابل. ٣ - وفيه شهامة سبيعة وفطنتها، حيث ترددت فيما أفتاها به، وحملها ذلك على استيضاح الحكم من الشارع، وكذا ينبغي لمن ارتاب في فتوى المفتي أو حكم الحاكم في مواضع الاجتهاد أن يبحث عن النص في تلك المسألة. ٤ - وفيه الرجوع في الوقائع إلى الأعلم. ٥ - ومباشرة المرأة السؤال عما ينزل بها ولو كان مما يستحي النساء من مثله. ٦ - وفيه جواز تجمل المرأة بعد انقضاء عدتها لمن يخطبها.

стр. 3224

٧ - واستدل به على أن المرأة لا يجب عليها أن تتزوج لقولها "وأمرني بالتزويج إن بدا لي". ٨ - وفيه أن الثيب لا تزوج إلا برضاها من ترضاه، ولا إجبار لأحد عليها. ٩ - وفي الرواية الثانية حرص علماء الصحابة على فهم الكتاب والسنة، واستخدامهم العقل والقياس وحكمة التشريع، وهذا ما دعا عليًا وابن عباس إلى القول بأن عدتها أقصى الأجلين. والذي تستريح إليه نفسي قول علي وابن عباس، فبالإضافة إلى أنه يجيب على التساؤل الذي أوردته في المعنى العام أرى أن أقصى الأجلين عما بالآيتين، وهو أولى من العمل بإحداهما وتخصيص الأخرى، ويحتمل أن حديث سبيعة كان لحالة خاصة بها، فهو واقعة عين، لا يلزم تطبيق حكمها بصفة عامة، كأن يكون زوجها قد مات بعيدًا عنها، لم يعرف تاريخ موته، فاستتر عند النبي ﷺ أنها جاوزت الأربعة أشهر خصوصًا وقد ذكرنا اختلافًا كبيرًا في المدة التي اعتدت بها سبيعة، وذكرنا رواية أحمد "فلم أمكث إلا شهرين ووضعت" فإذا أضفنا إلى ذلك أنها انتظرت حتى تعالت من نفاسها، وخرجت منه وطهرت، وصلت المدة أكثر من ثلاثة أشهر، فإذا أضفنا أن زوجها مات بمكة، وهي في المدينة مما يحتمل معه تأخر علمها بموته أمكن أن تكون قد قضت أقصى الأجلين. وهذا التوجيه لحديث سبيعة خير من أن نرده، كما رد جمهور العلماء حديث فاطمة بنت قيس المذكور في الباب السابق على أنه خبر امرأة يخالف كتاب الله. واللَّه أعلم

стр. 3225

(٤٠٠) باب وجوب الإحداد في عدة الوفاة ٣٢٩٥ - عن حميد بن نافع عن زينب بنت أبي سلمة؛ أنها أخبرته هذه الأحاديث الثلاثة. قال: قالت زينب: دخلت على أم حبيبة زوج النبي ﷺ ، حين توفي أبوها أبو سفيان فدعت أم حبيبة بطيب فيه صفرة. خلوق أو غيره. فدهنت منه جارية. ثم مست بعارضيها. ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة. غير أني سمعت رسول الله ﷺ يقول، على المنبر "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج، أربعة أشهر وعشرًا". قالت زينب: ثم دخلت على زينب بنت جحش حين توفي أخوها. فدعت بطيب فمست منه. ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة. غير أني سمعت رسول الله ﷺ يقول، على المنبر "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج، أربعة أشهر وعشرًا". قالت زينب: سمعت أمي، أم سلمة تقول: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها. وقد اشتكت عينها. أفنكحلها؟ فقال رسول الله ﷺ "لا" (مرتين أو ثلاثًا. كل ذلك يقول: لا). ثم قال "إنما هي أربعة أشهر وعشر. وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول". قال حميد: قلت لزينب: وما ترمي بالبعرة على رأس الحول؟ فقالت زينب: كانت المرأة، إذا توفي عنها زوجها، دخلت حفشًا، ولبست شر ثيابها، ولم تمس طيبًا ولا شيئًا. حتى تمر بها سنة. ثم تؤتى بدابة، حمار أو شاة أو طير، فتفتض به. فقلما تفتض بشيء إلا مات. ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها. ثم تراجع، بعد، ما شاءت من طيب أو غيره. ٣٢٩٦ - عن زينب بنت أم سلمة قالت: توفي حميم لأم حبيبة. فدعت بصفرة فمسحته بذراعيها. وقالت: إنما أصنع هذا، لأني سمعت رسول الله ﷺ يقول "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، أن تحد فوق ثلاث، إلا على زوج، أربعة أشهر وعشرًا".

стр. 3226

٣٢٩٧ - عن حميد بن نافع قال: سمعت زينب بنت أم سلمة تحدث عن أمها؛ أن امرأة توفي زوجها. فخافوا على عينها. فأتوا النبي ﷺ ، فاستأذنوه في الكحل. فقال رسول الله ﷺ "قد كانت إحداكن تكون في شر بيتها في أحلاسها (أو في شر أحلاسها في بيتها) حولاً. فإذا مر كلب رمت ببعرة فخرجت. أفلا أربعة أشهر وعشرًا؟ ". ٣٢٩٨ - عن حميد بن نافع بالحديثين جميعًا: حديث أم سلمة في الكحل. وحديث أم سلمة وأخرى من أزواج النبي ﷺ . غير أنه لم تسمها زينب. نحو حديث محمد بن جعفر. ٣٢٩٩ - عن زينب بنت أبي سلمة تحدث عن أم سلمة وأم حبيبة. تذكران أن امرأة أتت رسول الله ﷺ . فذكرت له أن بنتًا لها توفي عنها زوجها. فاشتكت عينها فهي تريد أن تكحلها. فقال رسول الله ﷺ "قد كانت إحداكن ترمي بالبعرة عند رأس الحول. وإنما هي أربعة أشهر وعشر". ٣٣٠٠ - عن زينب بنت أبي سلمة قالت: لما أتى أم حبيبة نعي أبي سفيان، دعت، في اليوم الثالث، بصفرة. فمسحت به ذراعيها وعارضيها. وقالت: كنت عن هذا غنية. سمعت النبي ﷺ يقول "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، أن تحد فوق ثلاث، إلا على زوج. فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرًا". ٣٣٠١ - عن حفصة أو عن عائشة أو عن كلتيهما ﵄ أن رسول الله ﷺ قال "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر (أو تؤمن بالله ورسوله) أن تحد على ميت فوق ثلاثة أيام، إلا على زوجها".

стр. 3227

٣٣٠٢ - عن حفصة بنت عمر زوج النبي ﷺ عن النبي ﷺ بمثل حديث الليث وابن دينار وزاد "فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرًا". ٣٣٠٣ - عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوجها". ٣٣٠٤ - عن أم عطية ﵂ أن رسول الله ﷺ قال "لا تحد امرأة على ميت فوق ثلاث. إلا على زوج، أربعة أشهر وعشرًا. ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا إلا ثوب عصب. ولا تكتحل. ولا تمس طيبًا. إلا إذا طهرت، نبذة من قسط أو أظفار". ٣٣٠٥ - - عن عمرو الناقد ويزيد بن هارون وقالا "عند أدنى طهرها. نبذة من قسط وأظفار". ٣٣٠٦ - عن أم عطية ﵂ قالت: كنا ننهى أن نحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج، أربعة أشهر وعشرًا. ولا نكتحل. ولا نتطيب. ولا نلبس ثوبًا مصبوغًا. وقد رخص للمرأة في طهرها، إذا اغتسلت إحدانا من محيضها، في نبذة من قسط وأظفار. -[المعنى العام]- الجزع عند المصاب أمر طبيعي، لا يملك الإنسان دفعه، إنما يستطيع دفع الهلع، من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعوى الجاهلية، والصلق والصراخ والحلق، وطلاء الوجه بالزرقة والنيلة ونحو ذلك. وبين الجزع والهلع مظاهر حزن، رخص فيها الإسلام للمرأة، لا للرجل، لأنها أرق عاطفة، وأسرع وأكثر تأثرًا بالحزن والفرح من الرجل، فرخص لها أن تظهر مظاهر الحزن، وأن تبتعد عن مظاهر الزينة والبهجة عند فقد حبيب أو قريب، ثلاثة أيام بلياليها، لا تزيد.

стр. 3228

أما الزوجة المتوفى زوجها فقد أوجب عليها أن تبتعد عن الزينة بأنواعها، وعن مظاهر التنعم، وأن تعلن عن الحزن بالبعد عن الطيب والكحل والثياب الملونة والمزركشة مدة العدة التي أوجبها الله، وزادها عن عدة المطلقة، تقديسًا لرباط الزوجية، ووفاء لزوج لم يعد يدافع عن حقه، ومما هو واقع أن الزوجة التي كانت تكفر العشير في دنياه، وتنكر فضل زوجها وهو حي، تذكر فضله بعد مماته، وقد تنسى أو تتناسى مثالبه وعيوبه وشروره، ومما هو واقع أيضًا أن هذه الزوجة تحرص كل الحرص على أن تظهر للناس وفاءها لزوجها، وأن زوجها الراحل لا يعوضه أي رجل آخر، وأنها حزينة عليه حزنًا لا يساويه حزن، وأنها لن تفكر في غيره، وأنها ستبكيه الدهر كله، وستلبس عليه الحداد ما بقي لها من حياة، من هنا حرص الشارع على أن يمنع زيادة مدة الحداد، ولم يأمر بالحداد نفسه، لأنه واقع، ومبالغ فيه غالبًا، فكان التوجيه الشرعي أنه لا يحل ولا يجوز لزوجة تؤمن بالله وبقضائه وقدره، وتؤمن باليوم الآخر، وأجر المحتسبين الصابرين فيه، أن تزيد في الإحداد عما هو مقدر، على ميت غير زوج ثلاثة أيام بلياليها، وعلى الزوج أربعة أشهر وعشرًا، واستجابت النساء المسلمات لأوامر الشرع، وكان المثل الأعلى والقدوة الحسنة أمهات المؤمنين، فلم تكن مدة الحداد المقدرة تنتهي حتى تسارع المصابة إلى نقض مظاهرها، وتغيير حالة الحزن الظاهرية، وإن بقي الحزن في قلبها، فكانت تسارع بالتطيب ولبس الثياب المعتادة، اتباعًا لأوامر الشرع الحنيف. -[المباحث العربية]- (الإحداد) والحداد مشتق من الحد، وهو المنع، ومنه سميت العقوبة حدًا، لأنها تمنع وتردع عن المعصية، والإحداد امتناع المرأة المتوفى عنها زوجها من الزينة كلها من لباس وطيب، في بدنها أو ثيابها، لمنع الخطاب من خطبتها والطمع فيها، وامتناعها عن كل ما كان من دواعي النكاح، وله تفاصيل مشهورة في كتب الفقه، يقال: أحدت المرأة من الرباعي، تحد بضم التاء وكسر الحاء، إحدادًا، ويقال: حدت المرأة، من الثلاثي، تحد بفتح التاء، وبضم الحاء وكسرها، حدًا، كذا قال جمهور أهل اللغة. وقال أبو حاتم: لم يعرف الأصمعي "حدت" الثلاثي وأنكره، ولم يعرف إلا الرباعي. (عن زينب بنت أبي سلمة) وهي بنت أم سلمة، زوج النبي ﷺ ، وهي ربيبة النبي ﷺ ، قيل: ولدتها أمها بأرض الحبشة، وقيل: ولدتها بالمدينة عقب استشهاد أبيها أبي سلمة، وتزوجت عبد الله بن زمعة بن الأسود، فولدت له، وكانت من أفقه نساء زمانها. (دخلت على أم حبيبة زوج النبي ﷺ حين توفي أبوها أبو سفيان) ابن حرب، والد معاوية، وفي الرواية السادسة "لما أتى أم حبيبة نعي أبي سفيان" و"نعي" بسكون العين وتخفيف الياء، وبكسر العين وتشديد الياء، أي خبر موته. قال الحافظ ابن حجر: مات أبو سفيان بالمدينة بلا خلاف بين أهل العلم بالأخبار، فرواية البخاري "لما جاء نعي أبي سفيان من الشام" أظنها وهما. والذي جاء نعيه من

стр. 3229

الشام وأم حبيبة في الحياة هو أخوها يزيد بن أبي سفيان الذي كان أميرًا على الشام، فربما سقط لفظ "ابن" من هذه الرواية. اهـ. وفي الرواية الثانية "توفي حميم لأم حبيبة" والحميم القريب وفي مسند ابن أبي شيبة "جاء نعي أخي أم حبيبة أو حميم لها" وعند الدارمي "إن أخًا لأم حبيبة مات أو حميمًا لها" قال الحافظ ابن حجر: وإطلاق لفظ الحميم على الأخ أقرب من إطلاقه على الأب، فقوي الظن أن تكون القصة تعددت لزينب مع أم حبيبة عند وفاة أخيها يزيد، ثم عند وفاة أبيها، أبي سفيان، والجمهور على أن أبا سفيان مات سنة ثلاث وثلاثين، أو ثنتين وثلاثين، ويزيد قبل هذا بقليل. اهـ. (فدعت أم حبيبة بطيب) الفاء عاطفة على محذوف مطوي، تقديره: وأحدت ثلاثة أيام، يدل على ذلك قولها في الرواية السادسة "دعت في اليوم الثالث بصفرة" وكذا قولها في الرواية الثانية "فدعت بصفرة" أي بعد انتهاء مدة الحداد. (فيه صفرة، خلوق أو غيره) في الرواية الثانية "فدعت بصفرة" أي بطيب فيه صفرة "خلوق أو غيره"، فخلوق مرفوع، وكذلك "غيره" مرفوع، أي فيه صفرة، أودعت بصفرة، وهي خلوق أو غيره، والخلوق بفتح الخاء طيب مخلوط. (ثم مست بعارضيها) أي جانبي وجههًا، مما فوق الذقن إلى ما دون الأذن، وفي الرواية الثانية "فمسحته بذراعيها" ولا تعارض، فقد فعلت الأمرين، كما صرحت بذلك الرواية السادسة، ولفظها "فمسحت به ذراعيها وعارضيها". (لا يحل لامرأة) هل يدخل في عمومها المدخول بها؟ وغير المدخول بها، حرة كانت أو أمة؟ وهل تخرج بهذا القيد الصغيرة؟ يأتي الخلاف في ذلك في فقه الحديث. (تحد على ميت فوق ثلاث) "تحد" بضم التاء وكسر الحاء على الأشهر، والفعل مسبوك بمصدر من غير سابك، فاعل "يحل" أي لا يحل لامرأة الإحداد، وفي الرواية الثانية والسادسة والسابعة والثامنة وجد السابك، ولفظها "أن تحد". (وقد اشتكت عينها) قال النووي: "عينها" برفع النون، ووقع في بعض الأصول "عيناها" اهـ. وقال ابن دقيق العيد: يجوز فيه وجهان، ضم النون على الفاعلية، على أن تكون العين هي المشتكية، وفتحها على أن يكون فاعل "اشتكت" ضمير المرأة، ورجح هذا المنذري، ورجح النووي الضم، واقتصر عليه. (أفنكحلها) بفتح النون وسكون الكاف وضم الحاء. (كل ذلك يقول: لا) أي لا تكتحل، كما صرح به في بعض الروايات. (إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن ... إلخ) فيه إشارة إلى تقليل المدة

стр. 3230

بالنسبة لما كان قبل ذلك، وتهوين الصبر عليها. والمراد من قوله "قد كانت إحداكن" أي إحدى النساء، وليس المراد إحدى أمهات المؤمنين. (ترمي بالبعرة على رأس الحول) "البعرة" رجيع وفضلات ذوات الخف وذوات الظلف إلا البقر الإنسي. وقد فسرت زينب الكيفية والدافع بما سيأتي. (دخلت حفشًا) بكسر الحاء وسكون الفاء بعدها شين، وهو البيت الصغير، أو الخص بضم الخاء بعدها صاد، وقال الشافعي: الحفش البيت الذليل الشعث البناء، وفي رواية للنسائي "عمدت إلى شر بيت لها، فجلست فيه" وفي الرواية الثالثة "تكون في شر بيتها". (ولبست شر ثيابها) أي أحقر ثيابها، وفي الرواية الثالثة "في شر بيتها في أحلاسها" أي في شر أحلاسها، أو "في شر أحلاسها في بيتها" أي في شر بيتها، والأحلاس بفتح الهمزة وإسكان الحاء، جمع حلس بكسر الحاء، وحلس البعير وغيره من الدواب الكساء الرقيق الذي يوضع تحت البرذعة، والمراد هنا شر ثيابها. والترديد بين العبارتين في الرواية الثالثة للشك من الراوي في أي اللفظين وقع، وصف الثياب، أم وصف المكان، وعلى أي فالمقصود وصف الثياب والمكان بالحقارة. (ولم تمس طيبًا ولا شيئًا) من الزينة والتنعم، وكأنه قال: ولم تمس طيبًا ولا نحوه من مظاهر الترف والرفاهية، كالخضاب والكحل والألوان والمساحيق والحلي والثياب الملونة بألوان الزينة، وهي المرادة من الثوب المصبوغ في الرواية التاسعة والعاشرة، "إلا ثوب عصب" بفتح العين وسكون الصاد، وهو من برود اليمن، يعصب له جملة من الخيوط كحزمة قبل النسيج، فتصبغ هذه الحزمة، ثم تدخل في النسيج، و"ثوب عصب" من إضافة الموصوف إلى صفته، أي ثوبًا معصوبًا، به عصابات وحزم. وسيأتي في فقه الحديث ما هو ممنوع من الثياب وما يرخص فيه منها. (ثم تؤتى بدابة، حمار أو شاة، أو طير، فتفتض به، فقلما تفتض بشيء إلا مات) الدابة ما يدب على الأرض من حيوان، وأصله من دب يدب دبيبًا إذا مشي مشيًا فيه تقارب خطو، فلفظ "حمار أو شاة. بدل بعض من كل، أما لفظ "طير" فإن اعتبر أنه يدب على الأرض أحيانًا، ويمشي على رجليه ولو نادرًا دخل مع الحمار والشاة في كونه بدلاً من "دابة" وإن كان مغايرًا للدابة عطف عليها، وهذا الثاني ظاهر في قوله تعالى: ﴿وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم﴾ [الأنعام: ٣٨] و"تفتض بفتح التاءين بينهما فاء ساكنة، أخره ضاد، وأصل الفض الكسر، والمعنى تكسر ما كانت فيه من الإحداد، وتخرج من الإحداد بما تفعله بالدابة. عادة وعقيدة جاهلية، كانت المرأة إذا انقضت مدة الحداد، وهي سنة كاملة، تؤتى بحمار أو شاة أو دجاجة أو حمامة فتمسح بها، وتمسح قبلها فيه، كما يتمسح المستجمر بالأحجار ثم تبعده عنها وتعتقد أنه غالبًا ما يموت هذا الذي تتمسح به، لأنه يفض الحالة الناشئة عن الموت، فكأنه أخذ الموت وذهب به بعيدًا عنها، عقيدة جاهلية أنكرها الإسلام، وقرر الحداد المشروع، وقيل: المراد تمسح بيدها على

стр. 3231

ظهر الدابة، ثم تمسح بيدها قبلها، تشير بذلك إلى حل زواجها، والخروج من حالة منع النكاح إلى حالة إباحته. (ثم تخرج) من البيت الذي اعتدت وأحدت فيه إلى الفضاء أو إلى مكان آخر، إشارة إلى الخروج من حالة إلى حالة. (فتعطى بعرة فترمي بها) في رواية "ترمي ببعرة من بعر الغنم أو الإبل، فترمي بها أمامها، فيكون ذلك إحلالاً لها" وفي رواية "فترمي ببعرة من بعر الغنم من وراء ظهرها" وفي رواية "فإذا كان حول فمر كلب رمت ببعرة" وفي روايتنا الثالثة "فإذا مر كلب رمت ببعرة" قال الحافظ ابن حجر: وظاهره أن رميها البعرة يتوقف على مرور كلب، سواء طال زمن انتظار مروره أم قصر، وبه جزم بعض الشراح - أقول: وهو سهل أن تؤتى في لحظة بكلب يمر عليها - ثم قال الحافظ: واختلف في المراد برمي البعرة، فقيل: هو إشارة إلى أنها رمت العدة رمي البعرة، وقيل: إشارة إلى أن مظاهر الحداد التي مرت بها لا تساوي بعرة بجانب حق زوجها عليها، وقيل: ترميها على سبيل التفاؤل رجاء عدم عودها إلى حداد. (ثم تراجع بعد ما شاءت من طيب أو غيره) أي ثم ترجع بعد ذلك إلى ما شاءت من طيب وزينة. (أفلا أربعة أشهر وعشرًا) الفاء عاطفة على محذوف، هو مدخول الاستفهام الإنكاري، أي أليس الحول الكامل كثيرًا؟ فلا تستكثرن أربعة أشهر وعشرًا، وفي الرواية الخامسة "وإنما هي أربعة أشهر وعشر" أي لا تتعجلن الكحل، فإنما المدة اللازمة لعدمه أربعة أشهر وعشر. (ولا تمس طيبًا إلا إذا طهرت نبذة من قسط أو أظفار) "نبذة" بالنصب على الاستثناء، أو بدل من "طيبًا" أي لا تمس إلا نبذة من قسط عند اغتسالها من حيض، والنبذة بضم النون وسكون الباء بعدها ذال القطعة، وتطلق على الشيء اليسير، والقسط بضم القاف وسكون السين بعدها طاء، ويقال فيه كست بكاف مضمومة بدل القاف، وبتاء بدل الطاء، وهو والأظفار نوعان معروفان من البخور وليسًا من مقصود الطيب، ورخص فيه للمغتسلة من الحيض، لإزالة الرائحة الكريهة المتخلفة من دم الحيض، ويتتبع به مجرى الدم، وفي ملحق الرواية التاسعة "عند أدنى طهرها نبذة من قسط وأظفار" أي لا تمس طيبًا إلا نبذة من قسط وأظفار عند آخر طهرها من حيضها، وفي الرواية العاشرة "وقد رخص للمرأة في طهرها - إذا اغتسلت إحدانا من محيضها - في نبذة من قسط وأظفار". -[فقه الحديث]- نحصر الكلام عن فقه الحديث في نقاط: الأولى: حكم إحداد من توفي عنها زوجها، ولا نعلم خلافًا بين أهل العلم في وجوبه عليها، إلا عن

стр. 3232

الحسن البصري، فإنه قال: لا يجب عليها الإحداد، وهو قول شذ به عن أهل العلم، وخالف به السنة. فلا يعرج عليه. ودليل الوجوب ليس قوله ﷺ "لا يحل لامرأة ... " بل قيل: إن هذا لا يصلح دليلاً للوجوب لأن الاستثناء وقع بعد النفي، فيدل على عدم الحل فوق الثلاث، أما الثلاث لغير الزوج والأربعة أشهر وعشرًا للزوج فلا يفيد الأسلوب الوجوب، قال الحافظ ابن حجر: الوجوب استفيد من دليل آخر كالإجماع. وقيل: إن السياق يدل على الوجوب، فإن كل ما منع منه إذا دل دليل على جوازه كان ذلك الدليل بعينه دالاً على الوجوب. وعندي أن الأسلوب لا يدل على الوجوب وإلا لوجب الإحداد على القريب ثلاثة أيام، وليس كذلك، فالأولى ما قاله الحافظ ابن حجر. ومذهب الشافعي والجمهور أن الإحداد واجب على كل زوجة معتدة عن وفاة، سواء المدخول بها وغيرها، والصغيرة والكبيرة، والبكر والثيب، والحرة والأمة، والمسلمة والكافرة. وقال أبو حنيفة وغيره من الكوفيين وأبو ثور وبعض المالكية: لا يجب على الزوجة الكتابية، بل يختص بالمسلمة، لقوله ﷺ "تؤمن بالله واليوم الآخر" فخصه بالمؤمنة، ويجيب الجمهور: بأن هذا القيد ليس للاحتراز، بل هو للتهييج والإثارة للانصياع للحكم، لأن المؤمن هو الذي يستثمر خطاب الشرع، وينتفع به، وينقاد له، وحقوق الذمية في النكاح كحقوق المسلمة كالنفقة والسكنى وغيرها. وقال أبو حنيفة أيضًا: لا إحداد على الصغيرة ولا على الزوجة الأمة، لقوله "لا يحل لامرأة" والصغيرة لا يعبر عنها بامرأة، ولأنها غير مكلفة، والجمهور على أن وليها مسئول عن تنفيذ ما يجب عليها، فهو المخاطب بمنعها مما تمنع منه. وأجمعوا على أنه لا إحداد على أم الولد، ولا على الأمة الموطوءة بملك اليمين إذا توفي عنهما سيدهما. الثانية: إحداد المطلقة التي توفي زوجها وهي في العدة. قال النووي وغيره: المطلقة طلاقًا رجعيًا لا يجب عليها الإحداد اتفاقًا. واختلفوا في المطلقة ثلاثًا، فقال عطاء وربيعة ومالك والليث والشافعي وابن المنذر: لا إحداد عليها، لأن الإحداد يجب في عدة الوفاة، وهذه معتدة عن غير وفاة، فلم يجب عليها الإحداد كالرجعية، ولأن الإحداد في عدة الوفاة لإظهار الأسف على فراق الزوج بموته، فأما الطلاق فباختيار الزوج نفسه، فلا معنى لتكليفها الحزن عليه. واختلفت الرواية عن أحمد في وجوب الإحداد على المطلقة البائن. الثالثة: الحكمة في الإحداد ومدته، يقول النووي: قال العلماء: والحكمة في وجوب الإحداد في عدة الوفاة دون الطلاق أن الزينة والطيب يدعوان إلى النكاح، ويوقعان فيه فنهيت عنه، ليكون الامتناع من ذلك زاجرًا عن النكاح، لكون الزوج ميتًا، لا يمنع معتدته من النكاح، ولا يراعيه ناكحها، ولا يخاف منه، بخلاف المطلق الحي، فإنه يستغني بوجوده عن زاجر آخر، ولهذه العلة وجبت العدة على كل متوفى عنها، وإن لم تكن مدخولاً بها، بخلاف الطلاق.

стр. 3233

قال: وجعلت أربعة أشهر وعشرًا لأن الأربعة فيها ينفخ الروح في الولد إن كان، والعشر احتياطًا، وفي هذه المدة يتحرك الولد في البطن. قال النووي: والتقييد عندنا بأربعة أشهر وعشر خرج مخرج الغالب، فالمعتاد غالبًا تعتد بالأشهر، أما إذا كانت حاملاً فعدتها بالحمل، ويلزمها الإحداد في جميع العدة حتى تضع، سواء قصرت المدة أم طالت، فإذا وضعت فلا إحداد عليها بعد الوضع، وقال بعض العلماء: لا يلزمها الإحداد بعد أربعة أشهر وعشر، وإن لم تضع. الرابعة: مظاهر الإحداد. قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أنه لا يجوز للحادة لبس الثياب المعصفرة والمصبوغة، إلا ما صبغ بالسواد، رخص في المصبوغ بالسواد عروة بن الزبير ومالك والشافعي، وكرهه الزهري، ورخص جميع العلماء في الثياب البيض، ومنع بعض متأخري المالكية جيد البيض الذي يتزين به، وكذلك جيد السواد، قال النووي: وقال أصحابنا: يجوز كل ما صبغ ولا يقصد منه الزينة، ويجوز لها لبس الحرير في الأصح، ويحرم حلي الذهب والفضة، وكذلك اللؤلؤ. اهـ. أما الكحل فحرام بصريح الحديث، فإن اضطرت الحادة أن تكتحل للتداوي فلها أن تكتحل ليلاً وتمسحه نهارًا، ورخص فيه عند الضرورة عطاء والنخعي ومالك وأصحاب الرأي، والمقصود من الاكتحال الممنوع الاكتحال بما يتخذ للزينة، أما التوتيا والألوان التي لا يتزين بها فلا تمنع. ولا تمنع من التنظيف بتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق الشعر المندوب حلقه، ولا من الاغتسال بالسدر والامتشاط ونحوه. ويحرم عليها الطيب، لأنه يحرك الشهوة، ويدعو إلى المباشرة. ويحرم عليها لبس الحلي، لأنه يزيد في الحسن، ويحرك الشهوة، قيل: حتى الخاتم، وقال عطاء: يباح حلي الفضة دون الذهب. ومما يحرم عليها لبس الملابس المطرزة بالألوان، والملابس المحزقة للزينة والشفافة التي تصف ما تحتها من حمالات وقمص. -[الخامسة: ما يؤخذ من الحديث، ويؤخذ منه فوق ما تقدم]- ١ - جواز الإحداد على غير الزوج من أب أو أم أو أخ أو أخت أو قريب أو حبيب ثلاث ليال، فما دونها، وتحريمه فيما زاد عليها، وكأن هذا القدر أبيح لأجل حظ النفس، وغلبة الطباع البشرية، وتمنع الزيادة وإن بقيت آثار الحزن عندها. ٢ - مفهوم الحديث أن مظاهر الإحداد لا تحل للرجال، من ترك الحلاقة ولباس السواد وترك الطيب ونحو ذلك، لأننا إذا قلنا: يحل للمرأة الإحداد ثلاثة أيام، كان مفهومه أنه لا يحل للرجل ذلك. ٣ - يسر الإسلام، ومسايرته للطبائع، وشجبه عادات الجاهلية القبيحة. ٤ - تبصير المسلمين ومن خفي عليه منهم هذا التيسير، ليظهر فضل الله ومنته على خلقه.

стр. 3234

٥ - استدل بقوله "على ميت" على أنه لا إحداد على امرأة المفقود، لأنه لم تتحقق وفاته، خلافًا للمالكية. ٦ - استدل به على أن قوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا وصية لأزواجهم متاعًا إلى الحول غير إخراج﴾ [البقرة: ٢٤٠] منسوخ بقوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] قال ابن عبد البر: لم يختلف العلماء أن العدة بالحول نسخت إلى أربعة أشهر وعشر. واللَّه أعلم

стр. 3235

كتاب اللعان

стр. 3236

(٤٠١) باب اللعان ٣٣٠٧ - عن سهل بن سعد الساعدي ﵁: أن عويمرًا العجلاني جاء إلى عاصم بن عدي الأنصاري فقال له: أرأيت، يا عاصم لو أن رجلاً وجد مع امرأته رجلاً. أيقتله فتقتلونه؟ أم كيف يفعل؟ فسل لي عن ذلك. يا عاصم رسول الله ﷺ . فسأل عاصم رسول الله ﷺ . فكره رسول الله ﷺ المسائل وعابها حتى كبر على عاصم ما سمع من رسول الله ﷺ . فلما رجع عاصم إلى أهله جاءه عويمر فقال: يا عاصم ماذا قال لك رسول الله ﷺ ؟ قال عاصم لعويمر: لم تأتني بخير. قد كره رسول الله ﷺ المسألة التي سألته عنها. قال عويمر والله لا أنتهي حتى أسأله عنها. فأقبل عويمر حتى أتى رسول الله ﷺ وسط الناس. فقال: يا رسول الله أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً، أيقتله فتقتلونه؟ أم كيف يفعل؟ فقال رسول الله ﷺ "قد نزل فيك وفي صاحبتك. فاذهب فأت بها". قال سهل: فتلاعنا، وأنا مع الناس، عند رسول الله ﷺ . فلما فرغا قال عويمر: كذبت عليها، يا رسول الله إن أمسكتها. فطلقها ثلاثًا، قبل أن يأمره رسول الله ﷺ . قال ابن شهاب: فكانت سنة المتلاعنين. ٣٣٠٨ - عن سهل بن سعد الأنصاري ﵁ أن عويمرًا الأنصاري من بني العجلان، أتى عاصم بن عدي. وساق الحديث بمثل حديث مالك. وأدرج في الحديث قوله: وكان فراقه إياها، بعد، سنة في المتلاعنين. وزاد فيه: قال سهل: فكانت حاملاً. فكان ابنها يدعى إلى أمه. ثم جرت السنة أنه يرثها وترث منه ما فرض الله لها. ٣٣٠٩ - عن ابن شهاب عن المتلاعنين وعن السنة فيهما. عن حديث سهل بن سعد أخي بني ساعدة؛ أن رجلاً من الأنصار جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً؟ وذكر الحديث بقصته. وزاد فيه: فتلاعنا في المسجد، وأنا شاهد. وقال في الحديث: فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله ﷺ . ففارقها عند النبي ﷺ . فقال النبي ﷺ "ذاكم التفريق بين كل متلاعنين".

стр. 3237

٣٣١٠ - عن سعيد بن جبير قال: سئلت عن المتلاعنين في إمرة مصعب. أيفرق بينهما؟ قال فما دريت ما أقول: فمضيت إلى منزل ابن عمر بمكة. فقلت للغلام: استأذن لي. قال: إنه قائل. فسمع صوتي. قال: ابن جبير؟ قلت: نعم. قال: ادخل. فوالله ما جاء بك، هذه الساعة، إلا حاجة. فدخلت. فإذا هو مفترش برذعة. متوسد وسادة حشوها ليف. قلت: أبا عبد الرحمن المتلاعنان، أيفرق بينهما؟ قال: سبحان الله نعم. إن أول من سأل عن ذلك فلان بن فلان. قال: يا رسول الله أرأيت أن لو وجد أحدنا امرأته على فاحشة، كيف يصنع؟ إن تكلم تكلم بأمر عظيم. وإن سكت سكت على مثل ذلك. قال: فسكت النبي ﷺ فلم يجبه. فلما كان بعد ذلك أتاه فقال: إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به. فأنزل الله هؤلاء الآيات في سورة النور: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ فتلاهن عليه ووعظه وذكره. وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة. قال: لا، والذي بعثك بالحق ما كذبت عليها. ثم دعاها فوعظها وذكرها وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة. قالت: لا، والذي بعثك بالحق إنه لكاذب. فبدأ بالرجل فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين. والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. ثم ثنى بالمرأة فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين. والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. ثم فرق بينهما. ٣٣١١ - - عن سعيد بن جبير قال: سئلت عن المتلاعنين زمن مصعب بن الزبير. فلم أدر ما أقول: فأتيت عبد الله بن عمر. فقلت أرأيت المتلاعنين أيفرق بينهما؟ ثم ذكر بمثل حديث ابن نمير. ٣٣١٢ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ للمتلاعنين "حسابكما على الله. أحدكما كاذب. لا سبيل لك عليها" قال: يا رسول الله ما لي؟ قال "لا مال لك. إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها. وإن كنت كذبت عليها فذاك أبعد لك منها".

стр. 3238

٣٣١٣ - عن ابن عمر ﵄ قال: فرق رسول الله ﷺ بين أخوي بني العجلان وقال "الله يعلم أن أحدكما كاذب. فهل منكما تائب؟ ". ٣٣١٤ - - عن سعيد بن جبير قال: سألت ابن عمر عن اللعان؟ فذكر عن النبي ﷺ بمثله. ٣٣١٥ - عن سعيد بن جبير قال لم يفرق المصعب بين المتلاعنين قال سعيد. فذكر ذلك لعبد الله بن عمر. فقال: فرق نبي الله ﷺ بين أخوي بني العجلان. ٣٣١٦ - عن ابن عمر ﵄ أن رجلاً لاعن امرأته على عهد رسول الله ﷺ ففرق رسول الله ﷺ بينهما وألحق الولد بأمه؟ قال: نعم. ٣٣١٧ - عن ابن عمر ﵄ قال لاعن رسول الله ﷺ بين رجل من الأنصار وامرأته، وفرق بينهما. ٣٣١٨ - عن عبد الله ﵁ قال: إنا، ليلة الجمعة، في المسجد. إذ جاء رجل من الأنصار فقال: لو أن رجلاً وجد مع امرأته رجلاً فتكلم جلدتموه، أو قتل قتلتموه؛ وإن سكت سكت على غيظ. والله لأسألن عنه رسول الله ﷺ . فلما كان من الغد أتى رسول الله ﷺ فسأله. فقال: لو أن رجلاً وجد مع امرأته رجلاً فتكلم جلدتموه، أو قتل قتلتموه، أو سكت سكت على غيظ. فقال: اللهم افتح، وجعل يدعو. فنزلت آية اللعان ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم﴾ هذه الآيات. فابتلي به ذلك الرجل من بين الناس. فجاء هو وامرأته إلى رسول الله ﷺ فتلاعنا. فشهد الرجل أربع شهادات بالله إنه

стр. 3239

لمن الصادقين. ثم لعن الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. فذهبت لتلعن. فقال لها رسول الله ﷺ "مه" فأبت فلعنت. فلما أدبرا قال "لعلها أن تجيء به أسود جعدًا" فجاءت به أسود جعدًا. ٣٣١٩ - عن أنس بن مالك ﵁: قال إن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء. وكان أخًا البراء بن مالك لأمه. وكان أول رجل لاعن في الإسلام. قال: فلاعنها. فقال رسول الله ﷺ "أبصروها. فإن جاءت به أبيض سبطًا قضيء العينين فهو لهلال بن أمية. وإن جاءت به أكحل جعدًا حمش الساقين فهو لشريك بن سحماء" قال: فأنبئت أنها جاءت به أكحل جعدًا حمش الساقين. ٣٣٢٠ - عن ابن عباس ﵄ أنه قال: ذكر التلاعن عند رسول الله ﷺ . فقال عاصم بن عدي في ذلك قولاً. ثم انصرف. فأتاه رجل من قومه يشكو إليه أنه وجد مع أهله رجلاً. فقال عاصم: ما ابتليت بهذا إلا لقولي. فذهب به إلى رسول الله ﷺ فأخبره بالذي وجد عليه امرأته. وكان ذلك الرجل مصفرًا، قليل اللحم، سبط الشعر. وكان الذي ادعى عليه أنه وجد عند أهله خدلاً، آدم، كثير اللحم. فقال رسول الله ﷺ "اللهم بين" فوضعت شبيهًا بالرجل الذي ذكر زوجها أنه وجده عندها. فلاعن رسول الله ﷺ بينهما. فقال رجل لابن عباس؛ في المجلس: أهي التي قال رسول الله ﷺ "لو رجمت أحدًا بغير بينة رجمت هذه؟ " فقال ابن عباس: لا. تلك امرأة كانت تظهر في الإسلام السوء. ٣٣٢١ - - عن ابن عباس ﵄ أنه قال: ذكر المتلاعنان عند رسول الله ﷺ . بمثل حديث الليث. وزاد فيه، بعد قوله كثير اللحم. قال: جعدًا قططًا.

стр. 3240

٣٣٢٢ - قال عبد الله بن شداد وذكر المتلاعنان عند ابن عباس. فقال ابن شداد: أهما اللذان قال النبي ﷺ "لو كنت راجمًا أحدًا بغير بينة لرجمتها؟ " فقال ابن عباس: لا. تلك امرأة أعلنت. ٣٣٢٣ - عن أبي هريرة ﵁: أن سعد بن عبادة الأنصاري قال: يا رسول الله أرأيت الرجل يجد مع امرأته رجلاً أيقتله؟ قال رسول الله ﷺ "لا" قال سعد: بلى، والذي أكرمك بالحق! فقال رسول الله ﷺ "اسمعوا إلى ما يقول سيدكم". ٣٣٢٤ - عن أبي هريرة ﵁: أن سعد بن عبادة قال: يا رسول الله إن وجدت مع امرأتي رجلاً، أأمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟ قال: "نعم". ٣٣٢٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال سعد بن عبادة: يا رسول الله لو وجدت مع أهلي رجلاً، لم أمسه حتى آتي بأربعة شهداء؟ قال رسول الله ﷺ "نعم" قال: كلا، والذي بعثك بالحق إن كنت لأعاجله بالسيف قبل ذلك. قال رسول الله ﷺ "اسمعوا إلى ما يقول سيدكم. إنه لغيور. وأنا أغير منه. والله أغير مني". ٣٣٢٦ - عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قال سعد بن عبادة: لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح عنه. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ . فقال "أتعجبون من غيرة سعد؟ فوالله لأنا أغير منه. والله أغير مني. من أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن. ولا شخص أغير من الله. ولا شخص أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك بعث الله المرسلين مبشرين ومنذرين. ولا شخص أحب إليه المدحة من الله. من أجل ذلك وعد الله الجنة".

стр. 3241

٣٣٢٧ - - ومثله، لكنه قال: غير مصفح ولم يقل عنه. ٣٣٢٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل من بني فزارة إلى النبي ﷺ فقال: إن امرأتي ولدت غلامًا أسود، فقال النبي ﷺ "هل لك من إبل؟ " قال: نعم. قال "فما ألوانها؟ " قال: حمر. قال "هل فيها من أورق؟ " قال: إن فيها لورقا. قال "فأني أتاها ذلك؟ " قال: عسى أن يكون نزعه عرق. قال "وهذا عسى أن يكون نزعه عرق". ٣٣٢٩ - وفي حديث معمر فقال: يا رسول الله ولدت امرأتي غلامًا أسود. وهو حينئذ يعرض بأن ينفيه. وزاد في آخر الحديث: ولم يرخص له في الانتفاء منه. ٣٣٣٠ - عن أبي هريرة ﵁: أن أعرابيًا أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن امرأتي ولدت غلامًا أسود. وإني أنكرته. فقال له النبي ﷺ "هل لك من إبل؟ " قال: نعم قال "ما ألوانها؟ " قال: حمر. قال "فهل فيها من أورق؟ " قال: نعم. قال رسول الله ﷺ "فأنى هو؟ " قال: لعله، يا رسول الله يكون نزعه عرق له. فقال له النبي ﷺ "وهذا لعله يكون نزعه عرق له". -[المعنى العام]- يقول اللَّه تعالى: ﴿ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً﴾ [الإسراء: ٣٢]. حقًا إنه دليل الأخلاق الفاسدة، وسلوك الإنسانية الهابطة، واندفاع الطبيعة البهيمية يورث المقت من ذوي النفوس النقية، والبغض من ذوي العفة والمروءة، وهو أسوأ طريق عاقبته السوء في الدنيا، والسوء في الآخرة، أما سوء الدنيا فيتمثل في تطبيق حد الزنا، مائة جلدة وتغريب عام لمن لم

стр. 3242

يتزوج، والرجم للمتزوج، مع التشهير والفضيحة، ﴿ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾ [النور: ٢]. هذه الوصمة الكبرى لم تترك للأهواء والاختلافات والتهم، ولم تهمل للألسنة والإشاعات، ﴿إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة﴾ [النور: ١٩] أما عذاب الدنيا فهو حد القذف، ثمانون جلدة، للذين يرمون المحصنات بالزنا، ثم لم يأتوا بأربعة شهداء، يشهدون بأنهم رأوا بأعينهم عملية الزنا، وتحققوا منها تحقق دخول المرود في المكحلة، وأنى للشهود أن يصلوا إلى ذلك. ليس الجلد فقط للذين يرمون المحصنات، بل خزي في الدنيا يقطع ألسنة السوء قطعًا، يقول الله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا وأولئك هم الفاسقون﴾ [النور: ٤]. لكن تطبيق هذا القانون على الزوجين يضر بأخلاقية الحياة الزوجية، فقد يرى الزوج الفاحشة في أهله ولا يستطيع أن يأتي بأربعة شهداء، فإن غلبته العصبية الجاهلية قتل الزوجة وخليلها؟ وإن تغلب عليها ماذا يفعل؟ إن تكلم اعتبر قاذفًا، وقيل له: البينة أو حد في ظهرك؟ وإن سكت سكت على نار تأكل أحشاءه، وعلى غيظ قد يودي بحياته، ووقعت هذه الصورة، ورأى عويمر العجلاني بعينى رأسه رجلاً جاثمًا فوق زوجته يفعل بها الفاحشة، فجرى إلى رسول الله ﷺ يستفتيه؟ ماذا يفعل؟ وخشي ﷺ أن يفتح هذا الباب للتشهير والإشاعة وإذاعة الفضيحة للمسلمين، وأعداؤهم من اليهود والكافرين والمنافقين حولهم يتربصون بهم، فكره عرض الصورة بهذا العرض، ولم ينزل عليه في مثل هذه الحالة حكم، فصرف الرجل إلى الغد، وفي الغد جاء سعد بن عبادة الأنصاري سيد قومه - وقد سمع بالقصة - جاء يناقش رسول الله ﷺ . يقول: يا رسول الله، لو وجدت مع امرأتي رجلاً لم أمسه، وأذهب أبحث عن أربعة شهداء؟ قال رسول الله ﷺ نعم. قال: إذن يكون قد قضى حاجته وانصرف؟ كلا. يا رسول الله، والذي بعثك بالحق، لو رأيت رجلاً مع امرأتي لعاجلته بسيفي هذا؟ قال ﷺ لأصحابه: أتسمعون ما يقول سيدكم؟ إنه لغيور غيرة محمودة، وأنا أغير منه، والله أغير منا، ولكن ليس أمامي إلا ما نزل من حكم الله، ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا، ولا يمضي زمن كبير حتى يأتي هلال بن أمية، يقول: يا رسول الله، إني وجدت شريك بن سحماء فوق امرأتي. ماذا أفعل؟ ونزل الوحي، وأخذ رسول الله ﷺ ما يأخذه من حالة النزول الشديدة. فلما سرى عنه قرأ الآيات: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين * والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين * ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين * والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين﴾ [النور: ٦ - ٩]. ودعا الرسول ﷺ الزوجين، وتلاعنا، وفرق بينهما، وألحق الولد

стр. 3243

الذي حملته المرأة بأمه، لا بأبيه، وقضى بعدم التوارث بين الزوجين، وبين الزوج والولد. وعرف هذا القانون في الفقه الإسلامي باللعان. وقانا الله السوء وأهله، إنه سميع مجيب. -[المباحث العربية]- (اللعان) مصدر لاعن، يلاعن، ملاعنة، ولعانًا، ويقال: تلاعن الزوجان، تلاعنًا، والتعنا التعانًا، ويقال للرجل ملاعن، وللمرأة ملاعنة. وأصل اللعن الطرد والإبعاد، وعلاقة اللعان الشرعي باللعان اللغوي واضحة، فالشرعي طرد وإبعاد مخصوص، سواء قلنا: إنه إبعاد عن رحمة الله لأحد المتلاعنين، أو قلنا: إنهما به يبعد كل منهما عن الآخر، على التأبيد، فيحرم النكاح بينهما طول حياتهما، بخلاف الطلاق. واختير لهذا الموضوع لفظ "اللعان" لوروده في الألفاظ المطلوبة على لسان الرجل، إذ يشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، ويقول في الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، أما المرأة فتشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، وتقول في الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. واختير لفظ اللعنة المطلوب على لسان الرجل على لفظ الغضب المطلوب على لسانها لأن جانب الرجل في هذه القضية أقوى من جانبها، فهو الذي يبدأ باللعن قبلها، وهو السابق في الآية عليها، وقد ينفك لعانه عن لعانها، فيلاعن ثم يرجع، أو تعترف، أو تنكص فلا تلاعن، ولا عكس، ولأن الطرد والإبعاد من الزوجية مشترك بينهما، بخلاف غضب الله فسيكون خاصًا بواحد منهما. قال الحافظ ابن حجر: وخصت المرأة في الآية بلفظ الغضب لعظم الذنب بالنسبة لها، لأن الرجل إذا كان كاذبًا لم يصل ذنبه إلى أكثر من القذف، وإن كانت هي كاذبة فذنبها أعظم، لما فيه من تلويث الفراش والتعرض لإلحاق من ليس من الزوج به، فتنتشر المحرمية، وتثبت الولاية والميراث لمن لا يستحقهما. اهـ. وفي هذا الكلام نظر، لأن الرجل إذا كان كاذبًا فقد لوث فراش المرأة الطاهر، وعرض الحمل لعدم إلحاقه بمن يستحق، فيتحول الحرام بالنسبة للولد إلى حلال، والحلال إلى حرام، ويحرم من الولاية والميراث من يستحقهما. ثم اللعن والطرد من رحمة الله غضب، لا ينفك عن غضب اللَّه. (أن عويمرا العجلاني جاء إلى عاصم بن عدي الأنصاري) "عاصم" ابن عم والد عويمر، وسبب مجيئه إليه وقوله له ما قال أن زوجة عويمر المتهمة هي بنت عاصم. فعند ابن أبي حاتم "المرأة والزوج والخليل ثلاثتهم بنو عم عاصم". (أرأيت يا عاصم) أي أخبرني يا عاصم، ودلالة "أرأيت" على "أخبرني" عن طريق مجازين، الأول في الاستفهام، بإرادة مطلق الطلب من طلب الفهم، والثاني بإرادة الإخبار المتسبب عن الرؤية غالبًا، فآل الأمر إلى طلب الإخبار، المدلول عليه بلفظ أخبرني.

стр. 3244

(لو أن رجلاً وجد مع امرأته رجلاً) في هذا الأسلوب كناية، فليس القصد مطلق رجل وإن كان محرمًا، ولا مطلق وجوده معها، بل المراد وجد رجلاً أجنبيًا يزني بها. (أيقتله فتقتلونه؟ ) قصاصًا؟ (أم كيف يفعل؟ ) أمام هذا الوضع المثير للغيرة التي في طبائع البشر، في الرواية الرابعة "كيف يصنع؟ إن تكلم تكلم بأمر عظيم، وإن سكت سكت على مثل ذلك" وفي الرواية العاشرة "فتكلم جلدتموه؟ أو قتل قتلتموه؟ وإن سكت سكت على غيظ"؟ . (فسل لي عن ذلك يا عاصم) خص عاصمًا بذلك - كما تقدم - لأنه كان كبير قومه، وصهره على ابنته أو ابنة أخيه. وهل كان المسئول عنه قد وقع محققًا عند عويمر؟ فخشي من العقوبة إن صرح به؟ أو كان شكًا متخيلاً عن عويمر، لم يتحقق منه بعد في امرأته؟ أو كان مجرد سؤال ورد على خاطره، دون بواعث من زوجته؟ . (فسأل عاصم رسول اللَّه ﷺ صيغة السؤال مذكورة في الرواية الثالثة، وعبر عنه في الرواية الثانية عشرة بعبارة "فقال عاصم بن عدي في ذلك قولاً، ثم انصرف". (فكره رسول اللَّه ﷺ المسائل وعابها، حتى كبر على عاصم ما سمع من رسول اللَّه ﷺ المراد كراهة المسائل التي لا يحتاج إليها، لا سيما ما كان فيه هتك ستر مسلم، أو إشاعة فاحشة، أو تشنيع، وليس المراد المسائل التي يحتاج إليها إذا وقعت، فقد كان المسلمون يسألون عن النوازل، فيجيبهم ﷺ بغير كراهة. فلما كان في سؤال عاصم شناعة، ويترتب عليه تسليط اليهود والمنافقين على أعراض المسلمين كره مسألته. وربما كان في المسألة تضييق، والأمر بدونها ميسر، كالرجل الذي سأل عن الحج. أهو كل عام؟ وكان ﷺ يحب التيسير على أمته، فكره السؤال مخافة أن يكون في جواب التشريع تضييقًا. وقال الشافعي: كانت المسائل فيما لم ينزل فيها حكم زمن نزول الوحي ممنوعة، لئلا ينزل الوحي بالتحريم فيما لم يكن قبل ذلك محرمًا، فيحرم. ومعنى "وعابها" أي وبخ سائلها وأنبه، ومعنى "كبر على عاصم" بفتح الكاف وضم الباء، أي عظم واشتد القول على عاصم، لأن الحامل له على السؤال شخص آخر، وتحمل هو الإنكار والتأنيب، ولذلك قال لعويمر حين سأله: لم تأتني بخير. (فقال عويمر: واللَّه لا أنتهي حتى أسأله عنها) الظاهر أن كلام عويمر مع عاصم أولا كان قبل أن يعلم عويمر الفاحشة بيقين، وأن عاصمًا سأل عن الأمر قبل وقوعه، فوقع لعويمر التحقق، فقال لعاصم: "إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به" وأصر على أن يعرف الحكم، فذهب بنفسه يستفتي في اليوم الثاني أو الثالث من سؤال عاصم وكان هلال بن أمية قد سأل بعد عاصم، ونزلت آية اللعان، فلما جاء عويمر قال له رسول الله ﷺ : "قد نزل فيك وفي صاحبتك" ... إلخ.

стр. 3245

(وسط الناس) بفتح السين وسكونها، والقصد أنه لم ينتظر حتى يخلو برسول الله ﷺ ، لشدة غيظه. فالظاهر أن المقصود بفلان ابن فلان في الرواية الرابعة عاصم. وترتيب الأحداث أن عاصمًا سأل، وسكت ﷺ ، فلم يجبه على سؤاله، وإنما أنكر مثل هذه المسائل، فانصرف، وجاء هلال بن أمية، فشكا وسأل، وطلب من الله الفرج، لأنه صرح بالقذف، فكان الحكم البينة أو حد في ظهرك. فنزلت آيات اللعان، فلما كان بعد ذلك أتاه عويمر: يقول: يا رسول الله، ما سألتك عنه عن طريق عاصم قد ابتليت به فكان الله أنزل الآيات، فتلاهن عليه. (فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول اللَّه ﷺ في الكلام حذف وطي، حاصله: قال: اذهب فأت بها، فذهب فأتى بها فسألها فأنكرت، فوعظًا، فتلاعنا، زاد في بعض الروايات "في المسجد" وفي رواية "بعد العصر" وفي رواية "بعد العصر عند المنبر". والقائل "وأنا مع الناس" سهل راوي الحديث يشير بذلك إلى أنه حضر القصة، وصرح بذلك في رواية وفيها "قال سهل بن سعد: شهدت المتلاعنين وأنا ابن خمس عشرة سنة" وفي رواية "توفي رسول الله ﷺ . وأنا ابن خمس عشرة سنة" مما يدل على أن قصة اللعان كانت في السنة الأخيرة من زمان رسول الله ﷺ . (فلما فرغا قال عويمر: كذبت عليها إن أمسكتها) أي لن أبقيها في عصمتي، ولن أقربها، فإن بقيت ظاهرًا لم يطابق الظاهر الواقع، فأكون بيني وبين نفسي كاذبًا عليها، وفي رواية "إن حبستها فقد ظلمتها" فهي طالق ثلاثًا. (فكانت سنة المتلاعنين) قيل: معناه فكانت التطليقات الثلاث بعد اللعان سنة المتلاعنين، وقيل: معناه فكانت الفرقة بين الزوجين بعد اللعان سنة المتلاعنين. وسيأتي مزيد بحث لهذا في فقه الحديث. (سئلت عن المتلاعنين في إمرة مصعب) يعني ابن الزبير، حيث كان أميرًا على العراق، ولم يفرق بين المتلاعنين، كما جاء في الرواية السابعة، وفي الرواية الرابعة في ملحقها عن سعيد بن جبير "سئلت عن المتلاعنين زمن مصعب بن الزبير فرحل سعيد بن جبير من العراق إلى مكة ليستفتي ابن عمر، فأفتى بالتفريق، وطلب من مصعب أن يفرق بينهما. (إنه قائل) أي نائم نوم القيلولة، ما بعد الظهر. (قال: ابن جبير؟ ) الكلام على الاستفهام. أي أأنت ابن جبير؟ . (حسابكما على اللَّه. أحدكما كاذب) فيه تغليب المذكر على المؤنث، قال القاضي: ظاهره أنه قال هذا الكلام بعد فراغهما من اللعان، والمراد أنه يلزم الكاذب التوبة. قال: وقال الداودي: إنما قاله قبل اللعان، تحذيرًا لهما منه. قال: والأول أظهر وأولى بسياق الكلام.

стр. 3246

قال الحافظ ابن حجر: وقال عياض وتبعه النووي: في قوله "أحدكما" رد على من قال من النحاة: إن لفظ "أحد" لا يستعمل إلا في النفي، وعلى من قال منهم: لا يستعمل إلا في الوصف، وأنها لا توضع موضع واحد، ولا توقع موقعه، وقد أجازه المبرد، وجاء في هذا الحديث في غير وصف ولا نفي وبمعنى واحد. اهـ. قال الفاكهي: هذا من أعجب ما وقع للقاضي، مع براعته وحذقه، فإن الذي قاله النحاة إنما هو في أحد التي للعموم نحو: ما في الدار من أحد، وما جاءني من أحد، أما "أحد" بمعنى واحد، فلا خلاف في استعمالها في الإثبات نحو ﴿قل هو الله أحد﴾ ونحو ﴿فشهادة أحدهم﴾ ونحو "أحدكما كاذب". (لا سبيل لك عليها) أي لا تسليط لك عليها بعد لعانها، ولا حق لك عليها. (قال: مالي؟ ) الذي دفعته صداقًا؟ كأنه لما سمع "لا سبيل لك عليها" قال: أيذهب مالي؟ فأجيب: (لا مال لك) فقد استوفيته بدخولك عليها، وتمكينها لك نفسها، ثم أوضح ذلك بتقسيم مستوعب، فقال: (إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها فذاك أبعد لك منها) لأنه مع الصدق يبعد عليه استحقاق إعادة المال، ففي الكذب أبعد، لئلا يجمع عليها الظلم في عرضها، ومطالبتها بمال، قبضته منه قبضًا صحيحًا تستحقه. (بين أخوي بني العجلان) أي بين الزوجين كليهما من قبيلة بني العجلان، ففي لفظ "أخوي" تغليب، حيث غلب الأخ على الأخت. وقد سبق أن الزوج والزوجة كانا أولاد عم. (وألحق الولد بأمه) وفي رواية "وكان الولد يدعى إلى أمه" أي صيره لها وحدها، ونفاه عن الزوج، فلا توارث بينهما، وأما أمه ترث منه ما فرض الله لها، وقيل: معنى إلحاقه بأمه أنه صيرها له أبًا وأمًا، فترث جميع ماله إذا لم يكن له وارث آخر من ولد ونحوه. (فقال: اللَّهم افتح، وجعل يدعو) معناه اللهم بين لنا الحكم، وقد روى البخاري عن ابن عباس أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سحماء، فقال النبي ﷺ : البينة أو حد في ظهرك. فقال يا رسول الله، إذا رأى أحدنا على امرأته رجلاً ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل النبي ﷺ يقول: البينة وإلا حد في ظهرك، فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، فلينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد" أي ثم قال: اللهم افتح، وجعل يدعو - فنزل جبريل. (مه) أي اكففي لا تلاعني. (أسود جعدًا) هذا ما في الرواية العاشرة، والظاهر فيها أن الملاعن هلال بن أمية، والمتهم فيها

стр. 3247

شريك بن سحماء، وقد وصف هلال في الرواية الحادية عشرة بأنه "أبيض سبط قضيء العينين" ووصف شريك بأنه "أكحل جعد حمش الساقين" والسبط بكسر الباء وإسكانها مسترسل الشعر، ضد الأجعد، وأما "قضيء العينين" "قضيء" على وزن فعيل، آخره همزة، وقضيء العينين فاسدهما بكثرة الدمع أو الحمرة أو غير ذلك. أما شريك بن سحماء فقد وصف بالسواد لونًا، وبأنه "أكحل" أي أسود، أو جيد العينين، شديد سوادهما عكس هلال، يقال: كحلت العين بكسر الحاء، أي اسودت أجفانها خلفه، ووصف بأنه "جعد" أي مكسر الشعر غير مسترسله، ووصف بأنه "حمش الساقين" بفتح الحاء وسكون الميم بعدها شين، أي رقيقهما دقيقهما. فبالمقارنة بين الرجلين يكون هلال أبيض وشريك أسود، وهلال ضعيف العينين وشريك جيد العينين، وهلال مسترسل الشعر ناعمه، وشريك أجعد الشعر خشنه، وهلال غليظ الساقين، وشريك رقيق الساقين. وشريك بن سحماء ليس أخًا البراء بن مالك لأمه، كما ذكرت الرواية الحادية عشرة، فإن أم البراء هي أم أنس بن مالك، وهي أم سليم، ولم تكن سحماء، ولا تسمى سحماء. قال الحافظ ابن حجر: فلعل شريكًا كان أخاه من الرضاعة، وقد وقع عند البيهقي "أن شريكًا كان يأوي إلى منزل هلال" وفي تفسير مقاتل: أن والدة شريك التي يقال لها سحماء كانت حبشية، وقيل: كانت يمانية، وعند الحاكم "كانت أمة سوداء". اهـ. والعجب أن يكون هلال بهذه الصفات من الحسن، وشريك بهذه الصفات من القبح، وتخون زوجة الجميل مع رجل قبيح. أما عويمر فقد وصفته الرواية الثانية عشرة بأنه "مصفر، قليل اللحم، سبط الشعر" أي شديد الصفرة ونحيف الجسم ومسترسل الشعر، وأما الرجل المدعى عليه فوصفته الرواية نفسها بأنه "خدل" بفتح الخاء وإسكان الدال، أي ممتلئ الساقين، أو ممتلئ الأعضاء، أو غليظ العظم واللحم "آدم" أي يميل إلى السواد، "كثيرا اللحم" أي ممتلئ الجسم. ووصف في ملحقها بأنه "جعد قطط" والقطط تفلفل الشعر، وهو بفتح الطاء. قال الحافظ ابن حجر: وعن ابن مردويه في مرسل ابن أبي ليلى "أن الرجل الذي رمى عويمر امرأته به هو شريك بن سحماء" وهو ابن عم عويمر، وعند ابن أبي حاتم "فقال الزوج لعاصم: يا ابن عم. أقسم بالله لقد رأيت شريك بن سحماء على بطنها، وإنها لحبلى، وما قربتها منذ أربعة أشهر" وعند الدارقطني "لا عن بين عويمر العجلاني وامرأته، فأنكر حملها الذي في بطنها، وقال: هو لابن سحماء" قال الحافظ: ولا يمتنع أن يتهم شريك بن سحماء بالمرأتين معًا. اهـ. لكن الأوصاف التي جاءت عن المتهم في قضية عويمر لا تتفق مع أوصاف شريك، فقد وصف بامتلاء الساقين وكثرة اللحم، ووصف شريك برقة الساقين. (تلك امرأة كانت تظهر في الإسلام السوء) أي كانت تظهر الفاحشة وهي مسلمة، وهذا معنى قوله في الرواية الثالثة عشرة "تلك امرأة أعلنت" أي اشتهر وشاع عنها الفاحشة، ولكن لم تثبت عليها، لا بالبينة، ولا بالاعتراف.

стр. 3248

(إن كنت لأعاجله بالسيف) "إن" بكسر الهمزة وسكون النون، مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن والقصة، وجملة "كنت ... " خبرها. (لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف، غير مصفح عنه) قال الماوردي وغيره: ليس قول سعد ردًا لقول النبي ﷺ ، ولا مخالفة من سعد بن عبادة لأمره ﷺ ، وإنما معناه الإخبار عن حالة الإنسان عند رؤيته الرجل عند امرأته، واستيلاء الغضب عليه، فإنه حينئذ يعاجله بالسيف وإن كان عاصيًا. ومعنى "غير مصفح" بكسر الفاء، أي غير ضارب بصفح السيف، وهو جانبه، بل أضر به بحده. (ولا شخص أغير من اللَّه) أي لا أحد، وقيل: معناه لا ينبغي لشخص أن يكون أغير من الله، فإنه لا يعاجلهم بالعقوبة، بل حذرهم وأنذرهم، وكرر ذلك عليهم، وأمهلهم، فكذا ينبغي للعبد ألا يبادر بالقتل وغيره في غير موضعه. (ولا شخص أحب إليه العذر من اللَّه) أي ليس أحد أحب إليه الإعذار من الله، فالعذر هنا بمعنى الإعذار، وقبول العذر، والإنذار قبل الأخذ بالعقوبة. (ولا شخص أحب إليه المدحة من اللَّه) "المدحة" بكسر الميم وسكون الدال المدح بفتح الميم، أي الثناء على الله لهذه الصفات الحسنة الجميلة الكمالية. (جاء رجل) في الرواية التاسعة عشرة "أن أعرابيًا أتى" وعند النسائي "جاء رجل من أهل البادية". قال الحافظ ابن حجر: واسم هذا الأعرابي ضمضم بن قتادة، من بني فزارة. (إن امرأتي ولدت غلامًا أسود) أي وأنا أبيض فكيف يكون مني؟ يعرض بأنه ليس منه، ويعرض بامرأته، ففي الرواية التاسعة عشرة "وإني أنكرته" أي استنكرته بقلبي، ولم يرد أنه أنكر كونه ابنه بلسانه، وإلا كان تصريحًا بالنفي، لا تعريضًا، وفي ملحق الرواية الثامنة عشرة "وهو حينئذ يعرض بأن ينفيه". (قال: حمر) بسكون الميم، وفي رواية "رمك" جمع أرمك، وهو الأبيض إلى حمرة. (هل فيها من أورق؟ قال: إن فيها لورقًا) بضم الواو وسكون الراء، جمع أورق، وهو الذي فيه سواد ليس بحالك، بل يميل إلى الغبرة، ومنه قيل للرماد أورق، وللحمامة ورقاء. (فأنى أتاها ذلك؟ ) أي من أين أتاها اللون الذي خالفها؟ هل هو بسبب فحل من غير لونها طرأ عليها؟ أو لأمر آخر؟ وفي الرواية التاسعة عشرة "فأنى هو"؟ أي فمن أين هو ذلك اللون المغاير؟ . (قال: عسى أن يكون نزعه عرق) المراد بالعرق هنا الأصل من النسب، شبهه بعرق الشجرة وجذرها، ومنه قولهم: فلان عريق في الأصالة، عريق في الكرم، عريق في اللؤم، أي ذو جذور فيه.

стр. 3249

ومعنى "نزعه" أشبهه واجتذبه إليه، وأظهر لونه عليه، وأصل النزع الجذب، فكأنه جذبه إليه لشبهه، يقال منه: نزع الولد لأبيه، وإلى أبيه، ونزعه أبوه، ونزعه إليه. -[فقه الحديث]- ألفاظ اللعان صريحة وواضحة في قوله تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين * والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين * ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين * والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين﴾ والعبارة الكاملة في اللعان أن يقول الزوج: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا. ويقول في الخامسة: وعلي لعنة الله إن كنت من الكاذبين فيما رميتها به من الزنا، ويشير إليها في كل ذلك. وأن تقول الزوجة: أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا، وتقول في الخامسة: وعلي غضب الله إن كان من الصادقين فيما رماني به من الزنا، ولو كان القذف بالزنا ونفي الولد يزيد في صورة اللعان بعد قوله ﴿لمن الصادقين﴾ نفي الولد، فيقول: فيما رميتها به من الزنا، ومن نفي الولد، وتزيد هي بعد "إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا ومن نفي الولد. وعن الشافعي أن الزوج يقول: زوجتي فلانة بنت فلان، ويشير إليها إن كانت حاضرة أربع مرات، ثم يقعده الإمام، ويذكره الله تعالى، فإن رآه يريد أن يمضي أمر من يضع يده على فيه، فإن لم يمتنع تركه يقول الخامسة، ويسمى من قذفها به بعينه، واحدًا أو أكثر في كل شهادة. وقد اختلف العلماء في اللعان. هل هو شهادة؟ أو يمين، فقال الشافعي ومالك والجمهور: إنه يمين. وقال أبو حنيفة وبعض الشافعية: اللعان شهادة مؤكدة بأيمان وقيل: شهادة فيها شائبة يمين، وقيل: يمين فيه شائبة شهادة. واستدل القائلون بأن اللعان أيمان بأن قوله تعالى: ﴿أربع شهادات بالله﴾ محكم في اليمين "بالله"، وبأن المعهود في الشرع عدم قبول شهادة الإنسان لنفسه. بخلاف اليمين. وبأن المعهود شرعًا عدم تكرار الشهادة في موضع، بخلاف اليمين. وبأن اللعان يجري بين من ليسا أهلاً للشهادة كالفاسقين والمحدودين. بخلاف اليمين. وبلفظ رواية البخاري عن عبد الله بن عمر ﵁ أن رجلاً من الأنصار قذف امرأته، فأحلفهما النبي ﷺ ثم فرق بينهما" فسماه حلفًا. وبلفظ رواية للحاكم "قل: أحلف بالله الذي لا إله إلا هو إني لصادق". واستدل القائلون بأن اللعان شهادات بقوله تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات ... ﴾ وحمل الشهادة هنا على اليمين مجاز، والحمل على الحقيقة أولى.

стр. 3250

وبأن جعل "الشهداء" مجازًا عن الحالفين يأباه المعنى، إذ يصير "ولم يكن لهم حالفون إلا أنفسهم" فيفيد أنه إذا لم يكن للذين يرمون أزواجهم من يحلف لهم يحلفون لأنفسهم، وهو غير مستقيم. قال الحافظ ابن حجر: وانبنى على الخلاف أن اللعان يشرع بين كل زوجين، مسلمين أو كافرين، حرين أو عبدين، عدلين أو فاسقين. بناء على أنه يمين، فمن صح يمينه صح لعانه. وقيل: لا يصح اللعان إلا من زوجين حرين مسلمين. لأن اللعان شهادة. والله أعلم. وعن حكم اللعان يقول الحافظ ابن حجر: وأجمعوا على مشروعية اللعان، وعلى أنه لا يجوز مع عدم التحقق، واختلف في وجوبه على الزوج، لكن لو تحقق أن الولد ليس منه قوي الوجوب، قال: وهو ينقسم إلى واجب ومكروه وحرام، فالأول أن يراها تزني، أو أقرت بالزنا فصدقها، وأتت بولد يتحقق أنه ليس منه، والثاني أن يرى أجنبيًا يدخل عليها، بحيث يغلب على ظنه أنه زنى بها، فيجوز له أن يلاعن، الثالث ما عدا ذلك. كذا قال الحافظ ابن حجر، وهو سهو في النوع الثاني، لأن اللعان لا يجوز ولا يشرع إطلاقًا إلا عند التحقق بالإجماع. وقال بعض العلماء: هو مباح ما لم يكن هناك تحقق من نفي الولد، فإن تحقق من نفي الولد وجب عليه هذا النفي، لما في السكوت أو الإقرار من استلحاق نسب ليس منه، وهو حرام، كنفي نسب هو منه، فإن لم يكن نفي ولد كان اللعان مباحًا للزوج، ويجوز له أن يستر عليها ويمسكها، لظاهر ما روي من "أن رجلاً قال: يا رسول الله، إن امرأتي لا ترد يد لامس؟ قال: طلقها. قال: إني أحبها؟ قال: فأمسكها" كذا قال الألوسي، وعندي أن قوله "لا ترد يد لامس" كناية لا تنحصر في ارتكاب الزنا، بل لا تحمل ابتداء على الزنا، وإلا لكان قاذفًا، وطالبه الرسول ﷺ بالبينة أو الحد أو اللعان. وعندي أن إمساك من تمارس الزنا، وعدم تطليقها. وعدم لعانها حرام، مادام يعلم فيها ذلك. لكن اللعان حتى في مثل هذه الحالة ليس واجبًا، بل عليه أن يفارقها ولو بالطلاق ونحوه، فملعون من يعلم الفاحشة في أهله ثم يسكت. والأفضل للزوجة التي رماها زوجها بالزنا بينه وبينها ألا تطالب باللعان، وتستر الأمر - حتى ولو كانت بريئة، وللحاكم أن يأمرها بذلك، فإن رفعت أمر القذف إلى القضاء، وأقر به الزوج، أو أقامت الزوجة بينة، شاهدين من الرجال، يشهدان بسماعهما القذف بالزنا، وطلبت اللعان وجب اللعان، فإن امتنع الزوج عن اللعان في هذه الحالة حد حد القذف عند الشافعية، وكذا إذا لاعن الزوج، فامتنعت عن اللعان حدت حد الزنا. وعند الحنفية: تحبس حتى تلاعن أو تصدق. والله أعلم. وعن حكمة مشروعية اللعان أقول: إن الغيرة المشروعة الممدوحة في المؤمن تثير غضبه إذا رأى الفاحشة في أهله، وقد شل الشارع جوارحه عن أن يقتل، فلا أقل من أن يرخص له بالتنفيس عن نفسه باللسان والقذف، وإذا كان قذف الأجنبي والأجنبية يستلزم البينة أو حد القذف، عملاً بقوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ [النور: ٤] لأن ثورته على الفاحشة البعيدة عن أهله أقل منها على أهله، كان لا بد من مخرج للخروج من أن يحد حد

стр. 3251

القذف، إن هو ثار وقذف، فشرع له أن يشهد أربع شهادات، تقوم مقام أربعة شهود، بالإضافة إلى الخامسة التي تقوم مقام الدعوى، لكن إن قامت هذه الشهادات مقام الشهود في الفرقة وسقوط حقوقها عليه فإنها لا تقوم مقام الشهود في إقامة حد الزنا عليها، فرخص لها أيضًا أن يدرأ عنها العذاب بأن تشهد مثله خمس شهادات. وتظهر حكمة المشروعية هذه في سبب نزول آيات اللعان، سواء كان قصة عويمر وزوجته، كما تشير روايتنا الأولى والرابعة، أو قصة هلال بن أمية وزوجته، كما تشير روايتنا الحادية عشرة، أو سؤال سعد بن عبادة، كما يفهم من روايتنا الرابعة عشرة والخامسة عشرة والسادسة عشرة والسابعة عشرة، أو كل ذلك مجتمعًا. وقد اختلف العلماء في الفرقة باللعان على خمسة أقوال: القول الأول: تحصل الفرقة بنفس لعان الزوج وحده، لأن لعانه سبب في إثبات الزنا عليها، فيستلزم غالبًا انتفاء نسب الولد، فينتفي الفراش، وإذا انتفى الفراش انقطع النكاح، ولعان المرأة إنما شرع لدفع الحد عنها، لقوله تعالى: ﴿ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات ... ﴾ وهذا مذهب الشافعي ومن تبعه، وسحنون من المالكية، وتقع الفرقة عندهم على التأبيد. القول الثاني: تحصل الفرقة بنفس لعان كل من الزوج والزوجة، ولا تحتاج لحكم الحاكم، وتقع الفرقة على التأبيد أيضًا. وهذا مذهب مالك وغالب اتباعه. وتظهر فائدة الخلاف بين القولين في التوارث لو مات أحدهما عقب فراغ الزوج من لعانه، وقبل أن تلاعن الزوجة، فلا توارث على المذهب الأول، ويشرع التوارث على المذهب الثاني. القول الثالث: لا تقع الفرقة بلعان الزوجين وحده، حتى يوقعها الحاكم بعد لعانهما، وهذا مذهب الثوري وأبي حنيفة وأتباعهما، واحتجوا بظاهر ما وقع في أحاديث اللعان، في الرواية الرابعة "ثم فرق بينهما" وفي الرواية السادسة والسابعة والثامنة "فرق رسول الله ﷺ " وفي التاسعة "لاعن ... وفرق بينهما" وتظهر فائدة الخلاف أيضًا بين هذا المذهب والمذهبين السابقين فيما إذا مات أحد الزوجين بعد لعانهما وقبل تفريق الحاكم، وتقع الفرقة على التأبيد أيضًا، لكن إن كذب نفسه بعد اللعان وبعد حكم الحاكم جاز له العودة إليها وتحل له، لزوال المعنى المحرم عند أبي حنيفة ويقع باللعان وحكم الحاكم طلقة واحدة بائنة، ويكون الملاعن خاطبًا من الخطاب، وعن الشعبي والضحاك: إذا أكذب نفسه ردت إليه امرأته ولا تحل له أبدًا عند المالكية والشافعية لعموم قوله في الرواية الخامسة "لا سبيل لك عليها". القول الرابع: أنه لا تقع الفرقة باللعان، حتى يوقعها الزوج، وهذا قول عثمان البتي، ونسب أيضًا إلى أبي الشعثاء جابر بن زيد البصري، أحد أصحاب ابن عباس، من فقهاء التابعين، وحجتهما أن الفرقة لم تذكر في القرآن، ولأن ظاهر الرواية الأولى أن الزوج طلق ابتداء، وكأنه لم تبلغه بقية الأحاديث.

стр. 3252

القول الخامس: أن الفرقة تقع بين الزوجين بنفس القذف، ولو لم يقع اللعان، وهو قول أبي عبيد. -[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]- ١ - من الرواية الأولى، ومن قوله "أيقتله فتقتلونه" أثير حكم من قتل زانيًا تحقق أنه زنى بامرأته، فقال الجمهور: لا يقبل قوله، بل يلزمه القصاص، إلا أن تقوم بذلك بينة، أو يعترف به ورثة القتيل، والبينة أربعة من عدول الرجال، يشهدون على نفس الزنا، ويكون القتيل محصنًا. وأما فيما بينه وبين الله تعالى: فإن كان صادقًا فلا شيء عليه. قال النووي: وقال بعض أصحابنا: يجب على كل من قتل زانيًا محصنًا القصاص، ما لم يأمر السلطان بقتله، والصواب الأول، وجاء عن بعض السلف تصديقه وعدم القصاص منه. ٢ - ومن كراهية رسول الله ﷺ هذا السؤال وعيبه، كراهة إشاعة الفاحشة، واستحباب ستر المسلم، وأن للعالم إذا كره السؤال أن يظهر غضبه ويعيبه. ٣ - ومن قوله: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله ﷺ " أن اللعان يكون بحضرة الإمام أو القاضي. ٤ - وبمجمع من الناس وأقلهم أربعة، قال النووي: وهذا أحد أنواع تغليظ اللعان، فإنه يغلظ كذلك بالزمان، فيكون بعد العصر، والمكان فيكون في المسجد وفي أشرف مكان في ذلك البلد. قال النووي: وهذه التغليظات قيل: واجبة، وقيل: مستحبة، والأصح عندنا الاستحباب. ٥ - من قوله: فطلقها ثلاثًا" استدل بعض الشافعية على أن جمع الطلقات الثلاث بلفظ واحد ليس حرامًا، قال النووي: وموضع الدلالة أنه لم ينكر عليه إطلاق لفظ الثلاث، وقد يعترض على هذا فيقال: إنما لم ينكر عليه لأنه لم يصادف الطلاق محلاً مملوكًا له، ولم يصادف نفوذًا، ويجاب عن هذا الاعتراض بأنه لو كان الثلاث محرمًا لأنكر عليه، وقال له: كيف ترسل لفظ الطلاق الثلاث مع أنه حرام؟ . ٦ - استدل به بعضهم على استحباب إظهار الطلاق بعد اللعان، مع أن الفرقة تحصل باللعان. قال النووي: وهذا فاسد، وكيف يستحب للإنسان أن يطلق من صارت أجنبية؟ . ٧ - من الزيادة في الرواية الثانية، ومن قوله "فكانت حاملاً إلخ" جواز لعان الحامل قبل الوضع، يؤكد ذلك ما جاء في الرواية العاشرة والحادية عشرة، بلفظ "فلعنت، فلما أدبرا قال: لعلها أن تجيء به ... إلخ" قال الحافظ ابن حجر: وبه قال الجمهور، وحجته أن اللعان شرع لدفع حد القذف عن الرجل، ودفع حد الرجم عن المرأة فلا فرق بين أن تكون حاملاً أو حائلاً، ولذلك يشرع اللعان مع الآيسة. ٨ - وأنه إذا لاعنها، ونفى عنه نسب الحمل انتفى عنه. ٩ - وأنه يثبت نسبه إلى الأم، لقوله "فكان ابنها يدعى إلى أمه" ويؤكد هذا ما جاء في الرواية الثامنة بلفظ "وألحق الولد بأمه".

стр. 3253

١٠ - وأن ولد الملاعنة يرثها وترث منه ما فرض الله لها، وهو الثلث إن لم يكن للميت ولد ولا ولد ابن، ولا اثنان من الإخوة أو الأخوات، وإن كان شيء من ذلك فلها السدس قال النووي: وقد أجمع العلماء على جريان التوارث بينه وبين أمه، وبينه وبين أصحاب الفروض من جهة أمه، وهم إخوته وأخواته من أمه، وجداته من أمه، ثم إذا دفع إلى أمه فرضها أو إلى أصحاب الفروض، وبقي شيء فهو لموالي أمه إن كان عليها ولاء، فإن لم يكن لها موال فهو لبيت المال. هذا تفصيل مذهب الشافعي، وبه قال الزهري ومالك وأبو ثور، وقال الحكم وحماد: ترثه ورثة أمه، وقال آخرون: عصبته أمه، وروي هذا عن علي وابن مسعود وعطاء وأحمد بن حنبل. وقال أحمد: فإن انفردت الأم أخذت جميع ماله بالعصوبة، وقال أبو حنيفة: إذا انفردت أخذت الجميع، لكن الثلث بالفرض، والباقي بالرد، على قاعدة مذهبه في إثبات الرد. ١١ - واستدل به على أن الولد المنفي باللعان لو كان بنتًا حل للملاعن نكاحها. قال الحافظ ابن حجر: وهو وجه شاذ لبعض الشافعية، والأصح كقول الجمهور أنها تحرم عليه، لأنها ربيبته في الجملة. اهـ أي لو بقيت الزوجية وبقيت في حجره. ١٢ - ومن الرواية الرابعة "من قول سعيد بن جبير: سئلت ... فما دريت ... فمضيت" أن المفتي إذا سئل عن واقعة، ولم يعلم حكمها، ورجا أن يجد فيها نصًا، لا يبادر بالاجتهاد فيها. ١٣ - وفيه الرحلة في المسألة النازلة. ١٤ - وإتيان العالم في منزلة، ولو كان في قائلته إذا عرف أنه لا يشق عليه. ١٥ - وفي مخاطبة سعيد بن جبير لابن عمر بكنيته تعظيم العالم. ١٦ - وفي حالة ابن عمر دليل زهده وتواضعه. ١٧ - ومن قول ابن عمر: سبحان الله مشروعية التسبيح عند التعجب. ١٨ - والإشعار بسعة علم سعيد بن جبير، لأن ابن عمر عجب من خفاء مثل هذا الحكم عليه، ويحتمل أنه تعجب لعلمه بأن الحكم المذكور كان مشهورًا من قبل، فتعجب كيف خفي على بعض الناس؟ . ١٩ - ومن قوله "فوعظه وذكره ... ثم دعاها فوعظها وذكرها" على أن الإمام يعظ المتلاعنين ويخوفهما من وبال اليمين الكاذبة، وأن الصبر على عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة. ٢٠ - وفي جواب ابن عمر ذكر الدليل عند بيان الحكم. ٢١ - ومن إصرار عويمر على السؤال بعد علمه بكراهة النبي ﷺ في الرواية الأولى - أن المحتاج إلى معرفة الحكم لا يرده كراهة العالم لما سأل عنه، ولا غضبه عليه، ولا جفاؤه له، بل يعاود ملاطفته حتى يقضي حاجته. ٢٢ - ومن سؤاله وسط الناس أن السؤال عما يلزم من أمور الدين مشروع سرًا وجهرًا، ولا عيب على السائل في ذلك، ولو كان مما يستقبح.

стр. 3254

٢٣ - ومن الرواية الخامسة، من قوله "لا مال لك ... " دليل على استقرار المهر بالدخول، وهو مجمع عليه. ٢٤ - وعلى ثبوت مهر الملاعنة المدخول بها، وهو مجمع عليه، وأنها لو صدقته، وأقرت بالزنا لم يسقط مهرها. ٢٥ - ومن قوله "أحدكما كاذب" انحصار الحق في أحد الجانبين، عند تعذر الواسطة. ٢٦ - وأن الخصمين المتكاذبين لا يعاقب واحد منهما، وإن علمنا كذب أحدهما على الإبهام. ٢٧ - وأن اللعان إذا وقع سقط حد القذف عن الملاعن، حد قذف المرأة، وحد قذف من رميت به، لأنه صرح باسم من رميت به في بعض الطرق، ولم ينقل أن القاذف حد. قال الداودي: ولم يقل به مالك، لأنه لم يبلغه الحديث، ولو بلغه لقال به، وأجاب بعض من قال يحد من المالكية والحنفية: بأن المقذوف لم يطلب، وهو حقه، فلذلك لم ينقل أن القاذف حد. ٢٨ - واستدل به على أنه لا كفارة في اليمين الغموس، لأنها لو وجبت لبينت في هذه القصة، وتعقب: بأنه لم يتعين الحانث؟ وأجيب: بأنه لو كانت واجبة لبينها جملة، كأن يقول مثلاً: فليكفر الحانث منكما عن يمينه، كما أرشد أحدهما إلى التوبة. ٢٩ - وأن الحكم يتعلق بالظاهر، واللَّه يتولى السرائر. ٣٠ - وفيه ذكر الأوصاف المذمومة عند الضرورة الداعية إلى ذلك، ولا يكون ذلك من الغيبة المحرمة. ٣١ - ومن المرأة التي أعلنت؛ أنه لا يقام الحد بمجرد الشيوع والقرائن، بل لا بد من بينة أو اعتراف. ٣٢ - ومن حديث غيرة سعد أن الغيرة من صفات الكمال. ٣٣ - ومن الرواية الثامنة عشرة والتاسعة عشرة أن الولد يلحق بالزوج، وإن خالف لونه لونه، حتى ولو كان الولد أسود والأب أبيض أو العكس، ولا يحل للوالد نفيه بمجرد المخالفة في اللون، وكذا لو كان الزوجان أبيضين، فجاء الولد أسود، أو عكسه، لاحتمال أن يكون نزعه عرق من أسلافه. ٣٤ - وأن التعريض بنفي الولد لا يعتبر نفيًا. ٣٥ - وأن التعريض بالقذف ليس قذفًا، وهو مذهب الشافعي وموافقيه. ٣٦ - وفيه إثبات القياس، والاعتبار بالأشباه، وضرب الأمثال. ٣٧ - وفيه الاحتياط للأنساب، وإلحاقها بمجرد الإمكان. ٣٨ - تمسك بالحديث من قال بإلغاء حكم القافة، وتعقب بأن إلغاء حكم الشبه هنا إنما وقع حيث عارضه حكم الظاهر بالشرع، وإنما يعتبر حكم القافة حيث لا يوجد ظاهر يتمسك به، ويقع الاشتباه، فيرجع حينئذ إلى القافة. واللَّه أعلم

стр. 3255

كتاب العتق

стр. 3256

(٤٠٢) باب عتق الشركاء، والولاء، وفضل العتق ٣٣٣١ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "من أعتق شركًا له في عبد، فكان له مال يبلغ ثمن العبد، قوم عليه قيمة العدل، فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق". ٣٣٣٢ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: في المملوك بين الرجلين فيعتق أحدهما قال "يضمن". ٣٣٣٣ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "من أعتق شقصًا له في عبد، فخلاصه في ماله إن كان له مال. فإن لم يكن له مال، استسعي العبد غير مشقوق عليه". ٣٣٣٤ - وزاد في رواية "إن لم يكن له مال قوم عليه العبد قيمة عدل. ثم يستسعى في نصيب الذي لم يعتق. غير مشقوق عليه". ٣٣٣٥ - - وفي رواية بمعنى حديث ابن أبي عروبة وذكر في الحديث: قوم عليه قيمة عدل. ٣٣٣٦ - عن عائشة ﵂ أنها أرادت أن تشتري جارية تعتقها. فقال أهلها: نبيعكها على أن ولاءها لنا. فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال "لا يمنعك ذلك. فإنما الولاء لمن أعتق".

стр. 3257

٣٣٣٧ - عن عائشة ﵂: أن بريرة جاءت عائشة تستعينها في كتابتها. ولم تكن قضت من كتابتها شيئًا. فقالت لها عائشة: ارجعي إلى أهلك. فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك، ويكون ولاؤك لي، فعلت. فذكرت ذلك بريرة لأهلها. فأبوا. وقالوا: إن شاءت أن تحتسب عليك فلتفعل. ويكون لنا ولاؤك. فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ . فقال لها رسول الله ﷺ "ابتاعي فأعتقي. فإنما الولاء لمن أعتق" ثم قام رسول الله ﷺ فقال "ما بال أناس يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله؟ من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله، فليس له، وإن شرط مائة مرة. شرط الله أحق وأوثق". ٣٣٣٧ - عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ ؛ أنها قالت: جاءت بريرة إلي. فقالت: يا عائشة إني كاتبت أهلي على تسع أواق. في كل عام أوقية. بمعنى حديث الليث. وزاد: فقال "لا يمنعك ذلك منها. ابتاعي وأعتقي". وقال في الحديث: ثم قام رسول الله ﷺ في الناس فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال "أما بعد". ٣٣٣٩ - عن عائشة ﵂ قالت: دخلت علي بريرة فقالت: إن أهلي كاتبوني على تسع أواق في تسع سنين. في كل سنة أوقية. فأعينيني. فقلت لها: إن شاء أهلك أن أعدها لهم عدة واحدة، وأعتقك، ويكون الولاء لي، فعلت. فذكرت ذلك لأهلها. فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم. فأتتني فذكرت ذلك. قالت: فانتهرتها. فقالت: لا ها الله إذا. قالت: فسمع رسول الله ﷺ فسألني فأخبرته. فقال "اشتريها واعتقيها. واشترطي لهم الولاء. فإن الولاء لمن أعتق" ففعلت. قالت: ثم خطب رسول الله ﷺ عشية. فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله. ثم قال "أما بعد. فما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله؟ ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل. وإن كان مائة شرط. كتاب الله أحق. وشرط الله أوثق. ما بال رجال منكم يقول أحدهم: أعتق فلانًا والولاء لي. إنما الولاء لمن أعتق".

стр. 3258

٣٣٤٠ - وفي رواية قال: وكان زوجها عبدًا فخيرها رسول الله ﷺ فاختارت نفسها. ولو كان حرًا لم يخيرها. وليس في حديثهم. "أما بعد". ٣٣٤١ - عن عائشة ﵂ قالت: كان في بريرة ثلاث قضيات: أراد أهلها أن يبيعوها ويشترطوا ولاءها. فذكرت ذلك للنبي ﷺ . فقال "اشتريها واعتقيها. فإن الولاء لمن أعتق" قالت: وعتقت. فخيرها رسول الله ﷺ . فاختارت نفسها. قالت: وكان الناس يتصدقون عليها وتهدي لنا. فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال "هو عليها صدقة. وهو لكم هدية فكلوه". ٣٣٤٢ - عن عائشة ﵂ أنها اشترت بريرة من أناس من الأنصار. واشترطوا الولاء. فقال رسول الله ﷺ "الولاء لمن ولي النعمة" وخيرها رسول الله ﷺ . وكان زوجها عبدًا. وأهدت لعائشة لحمًا. فقال رسول الله ﷺ "لو صنعتم لنا من هذا اللحم؟ " قالت عائشة: تصدق به على بريرة. فقال "هو لها صدقة ولنا هدية". ٣٣٤٣ - عن عائشة ﵂ أنها أرادت أن تشتري بريرة للعتق. فاشترطوا ولاءها. فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ . فقال "اشتريها واعتقيها. فإن الولاء لمن أعتق". وأهدي لرسول الله ﷺ لحم. فقالوا للنبي ﷺ : هذا تصدق به على بريرة. فقال "هو لها صدقة. وهو لنا هدية". وخيرت. فقال عبد الرحمن: وكان زوجها حرًا. قال شعبة: ثم سألته عن زوجها؟ فقال: لا أدري. ٣٣٤٤ - عن عائشة ﵂ قالت: كان زوج بريرة عبدًا.

стр. 3259

٣٣٤٥ - عن عائشة زوج النبي ﷺ ﵂ أنها قالت: كان في بريرة ثلاث سنن: خيرت على زوجها حين عتقت. وأهدي لها لحم فدخل علي رسول الله ﷺ والبرمة على النار. فدعا بطعام. فأتي بخبز وأدم من أدم البيت. فقال "ألم أر برمة على النار فيها لحم؟ " فقالوا: بلى يا رسول الله ذلك لحم تصدق به على بريرة. فكرهنا أن نطعمك منه. فقال "هو عليها صدقة وهو منها لنا هدية" وقال النبي ﷺ فيها "إنما الولاء لمن أعتق". ٣٣٤٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: أرادت عائشة أن تشتري جارية تعتقها. فأبى أهلها إلا أن يكون لهم الولاء. فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ . فقال "لا يمنعك ذلك. فإنما الولاء لمن أعتق". ٣٣٤٧ - عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الولاء وعن هبته. ٣٣٤٨ - - وفي رواية لم يذكر كلمة "إلا البيع" ولم يذكر: الهبة. ٣٣٤٩ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كتب النبي ﷺ على كل بطن عقوله. ثم كتب "أنه لا يحل لمسلم أن يتوالى مولى رجل مسلم بغير إذنه" ثم أخبرت؛ أنه لعن في صحيفته من فعل ذلك. ٣٣٥٠ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "من تولى قومًا بغير إذن مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة. لا يقبل منه عدل ولا صرف".

стр. 3260

٣٣٥١ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "من تولى قومًا بغير إذن مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه، يوم القيامة، عدل ولا صرف". ٣٣٥٢ - - وفي رواية بمثله غير أنه قال "ومن والى غير مواليه بغير إذنهم". ٣٣٥٣ - عن إبراهيم التيمي، عن أبيه قال: خطبنا علي بن أبي طالب فقال: من زعم أن عندنا شيئًا نقرؤه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة. (قال: وصحيفة معلقة في قراب سيفه" فقد كذب. فيها أسنان الإبل. وأشياء من الجراحات. وفيها قال النبي ﷺ "المدينة حرم ما بين عير إلى ثور. فمن أحدث فيها حدثًا أو آوى محدثًا. فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. لا يقبل الله منه، يوم القيامة، صرفًا ولا عدلاً. وذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم. ومن ادعى إلى غير أبيه، أو انتمى إلى غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. لا يقبل الله منه، يوم القيامة، صرفًا ولا عدلاً". ٣٣٥٤ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "من أعتق رقبة مؤمنة، أعتق الله، بكل إرب منها، إربًا منه من النار". ٣٣٥٥ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال "من أعتق رقبة، أعتق الله بكل عضو منها، عضوًا من أعضائه من النار. حتى فرجه بفرجه". ٣٣٥٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول "من أعتق رقبة مؤمنة، أعتق الله بكل عضو منه، عضوًا من النار. حتى يعتق فرجه بفرجه". ٣٣٥٧ - عن سعيد بن مرجانة (صاحب علي بن حسين) قال: سمعت أبا هريرة
следующие страницы →