Полный текст (6 200 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
(رجل على فضل ماء) أصل الكلام: رجل عنده ماء فاضل عن حاجته، فإضافة "فضل ماء" من إضافة الصفة إلى الموصوف، والتعبير بـ"على" لإفادة تمكنه من الماء وقدرته على التصرف فيه.
(بالفلاة) بفتح الفاء هي المفازة والصحراء والقفر التي لا أنيس بها، وهي المرادة بالطريق في بعض الروايات.
(يمنعه من ابن السبيل) ابن السبيل هو المسافر، والسبيل: هي الطريق، وجعل المسافر ابن الطريق لانقطاعه عن أهله وبلده وأملاكه، وجملة "يمنعه من ابن السبيل" في موقع الحال من الضمير المستكن في الخبر "على فضل ماء".
(فحلف له بالله لأخذها بكذا وكذا) أي لقد أخذها ... "وكذا وكذا" كناية عن عدد المال، وثمن شرائه السلعة.
(فصدقه وهو على غير ذلك) فاعل "صدق" ضمير المشتري، وضمير "وهو" للبائع أو للحال والشأن، والإشارة للحال التي حلف عليها، والتقدير: فصدقه المشتري، والحال أن البائع على وضع غير الذي حلف عليه، أو فصدقه المشتري، والحال والشأن خلاف الحال التي حلف عليها.
(ورجل بايع إماما) وفي رواية "بايع إمامه".
(لا يبايعه إلا لدنيا) أي لا يقصد من المبايعة إلا النفع الدنيوي والعرض الزائل، فلا يقصد صلاح المحكومين، ولا صلاح الدولة، ولا صلاح الدين، فإن قصد شيئا من ذلك مع قصده الدنيا فلا يدخل في الوعيد، لأنه بني على القصر.
(فإن أعطاه منها وفى) بالبيعة، ولم يخرج على الإمام، ولو كان ظالما من أكبر الفاسقين. وفي رواية: "إن أعطاه ما يريد وفى له". وفي رواية: "رضي".
(وإن لم يعطه منها لم يف) بالبيعة وخرج على الإمام ولو كان عادلا مقيما لشعائر الدين، جامعا لوحدة المسلمين، وفي رواية: "لم يف له". وفي رواية: "سخط".
-[فقه الحديث]-
من مجموع هذه الروايات الثلاث، ومن الروايتين السابقتين يجتمع سبع خصال:
١ - المسبل إزاره (وفي معناه العائل المستكبر، وإن كان بينهما عموم وخصوص).
٢ - المنان الذي لا يعطي شيئا إلا من به.
٣ - المنفق سلعته بالحلف الكاذب وفي معناه "رجل بايع رجلا بسلعة بعد العصر فحلف له بالله
стр. 352
لأخذها بكذا وكذا، فصدقه، وهو على غير ذلك" وفي معناه: "رجل حلف على يمين بعد صلاة العصر على مال مسلم فاقتطعه" (وإن كان بينها عموم وخصوص).
٤ - شيخ زان.
٥ - ملك كذاب.
٦ - رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه من ابن السبيل.
٧ - رجل بايع إماما لا يبايعه إلا لدنيا.
ويحتمل أن تبلغ أكثر من ذلك إذا اعتبرنا مطلق المغايرة، فما بينها عموم وخصوص.
ولما كانت كل رواية مصدرة بعبارة: ثلاثة لا يكلمهم الله ... إلخ وأصبح العدد أكثر من ثلاثة كان لازما التوفيق بين الروايات.
وفي ذلك يقول الكرماني: ليس ذلك باختلاف، لأن التخصيص بعدد لا ينفي ما زاد عليه. اهـ وهو توجيه حسن، خير من قول بعضهم: إن المجموع منصوص وبعض الرواة حفظ ما لم يحفظ الآخر، فاقتصر كل من الرواة على ثلاثة.
بل هذا التوجيه الأخير غير مقبول، لأن لفظ "ثلاثة" وارد في نص قول الرسول ﷺ
ولما كان قد سبق قريبا شرح ما يتعلق ببعض هذه الخصال فإننا نتمم ما يتعلق بباقيها فنقول:
تخصيصه ﷺ الشيخ الزاني والملك الكذاب والعائل المستكبر بالوعيد المذكور، سببه أن كل واحد منهم التزم المعصية المذكورة مع بعدها منه، وعدم ضرورته إليها، وضعف دواعيها عنده. نعم. لا يعذر أحد بذنب، ولكن لما لم يكن إلى هذه المعاصي الضرورة المزعجة، ولا الدواعي القوية، أشبه إقدامهم عليها المعاندة والاستخفاف بحق الله تعالى، وقصد معصيته بدون حاجة.
فالشيخ لكمال عقله، وتمام معرفته لطول ما مر عليه من الزمان، وكثرة ما سمع من المواعظ، وضعف أسباب الزنا بانكسار حدة الشهوة، وبما عنده من زوج حلال، عظم زناه عن زنا الشباب، الذي يدفع إليه الحرارة الغريزية، وقلة المعرفة، وغلبة الشهوة لضعف العقل وصغر السن، وعدم القدرة على النكاح الحلال.
وكذلك الإمام، لا يخشى من أحد من رعيته، ولا يحتاج إلى مداهنته ومصانعته، فإن الإنسان إنما يداهن ويصانع بالكذب وشبهه من يحذره ويخشى أذاه ومعاتبته، أو يطلب عنده بذلك منزلة أو منفعة، والملك غني عن كل ذلك، لقدرته على نيل مآربه من غير كذب.
وكذلك العائل الفقير، قد عدم المال الذي هو سبب الفخر والخيلاء والتكبر والارتفاع على القرناء، فقد حاجة الناس إليه، وظهرت حاجته إلى الناس، فلماذا يستكبر ويحتقر غيره؟ ليس هناك إلا المعاندة والاستخفاف بحق المعبود جل شأنه، ومثل ذلك الفعل بتلك الدوافع جدير بأشد العقاب.
стр. 353
ويلحق بالثلاثة المذكورين من شاركهم في المعنى الموجب للبعد عن المعصية، كالغني حين يسرق وليست عنده ضرورة للسرقة.
والمدح لأضداد هذه الأنواع أيضا يتفاوت، فالعفة من الشاب أعلى قدرا منها من الشيخ، والصدق من غير الملك أمدح منه من الملك، والتواضع من الغني أمدح منه من الفقير، يدل على ذلك قوله ﷺ "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وشاب نشأ في عبادة ربه".
وأما من منع فضل الماء من ابن السبيل فقد ارتكب جرما مضاعفا، فالماء نعمة الله التي يقول عنها: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ أأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٨ - ٧٠] وإذا كان من منع الماشية فضل مائه كان عاصيا فكيف بمن يمنعه عن الآدمي المحترم؟ ثم كيف بمن يمنعه عن ابن السبيل الذي جعله الله شريكا للأغنياء في مالهم، حيث جعله من مستحقي الصدقات مهما كان غنيا في بلده؟ لا شك في غلظ تحريم فعله، وشدة قبحه، خصوصا إذا عرض عمله هذا نفس ابن السبيل للهلاك. قال القاضي عياض: وهو في تعريضه إياه كذلك شبه قاتله، وقال الإمام مالك في المدونة في حريم البئر: ومن حفر بئرا في غير ملكه لماشيته أو زرعه فلا يمنع فضلته، فإن منعها حل قتاله، فإن لم يقو المسافرون على دفعه حتى ماتوا عطشا فدياتهم على عاقلته وعليه هو الكفارة مع وجيع الأدب. اهـ.
وأما مبايع الإمام لدنيا فقد غش المسلمين، وخدع إمامهم، لأنه يظن أنه إنما بايع ديانة وهو قصد ضد ذلك، إذ الأصل في مبايعة الإمام أن يبايعه على أن يعمل بالحق، فمن جعل مبايعته لدنيا فقد خسر خسرانا مبينا، وتسبب في الفتن بنكثه بيعته، لا سيما إن كان ممن يقتدى به.
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - شدة الوعيد للشيخ الزاني.
٢ - والملك الكذاب.
٣ - والفقير المتكبر.
٤ - فيه دلالة على أن صاحب الماء أولى من ابن السبيل عند الحاجة، فإذا أخذ حاجته لم يجز له منع ابن السبيل.
٥ - وفي الحديث وعيد شديد على نكث البيعة والخروج على الإمام، لما في ذلك من تفرق الكلمة.
٦ - وفيه أن كل عمل لا يقصد به وجه الله، وأريد به عرض الدنيا فهو فاسد وصاحبه آثم.
٧ - إثم الحالف كاذبا، خصوصا لو اقتطع بحلفه مال امرئ مسلم بغير حق.
والله أعلم.
стр. 354
(٦٤) باب تحريم قتل الإنسان نفسه
١٨٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا. ومن شرب سما فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا. ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا".
-[المعنى العام]-
إرشادا إلى أن الحياة هبة الله، وأنه ينبغي أن تترك الروح لخالقها يسلبها متى يريد ويحملها الآلام إذا شاء، يحذر الرسول ﷺ من الإقدام على التخلص من الحياة، مهما كانت بواعثه، ومهما قست بالمرء نوائب الزمان، فمن المعلوم أن هذه الدنيا دار شقاء، وليس للمصائب والمتاعب إلا الرجال، وبقدر تحمل الرجل لكبار الأرزاء [أي المصائب] تكبر رجولته، وبقدر جزعه وانهياره أمام بعضها يظهر ضعفه وجبنه.
وقد علمتنا التجارب أن طريق السعادة مفروش بالأشواك، ومن أراد القمة تسلق الصعاب، ودون الشهد إبر النحل، وبالجهاد والصبر والتفويض يبلغ الإنسان ما يريد، ومن ظن أنه بانتحاره يتخلص من الآلام فهو واهم، لأنه إنما يدفع بنفسه من ألم صغير إلى ألم كبير، ومن ضجر محدود، وفي زمن قصير، إلى ضجر غير محدود، وفي زمن طويل.
إن الذي يقدم على الانتحار غير راض بالقضاء، محارب للقدر ساخط على الفعال لما يريد، يائس من روح الله، وإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون. ومن أجل هذا كانت عقوبته عند الله قاسية، فمن قتل نفسه بحديدة، أو ضرب نفسه بمثقل، أو برصاص أو طعن نفسه بسكين أعد الله له حديدة من نار، ليطعن بها بطنه، كلما فجرها عادت كما كانت، خالدا مخلدا على هذه الحال أبدا، ومن شرب سما فقتل نفسه، أعد الله له يوم القيامة كأسا من السم، الذي يفوق سم الدنيا في صعوبة مذاقه، وشدة تأثيره وإيلامه كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم، يكلف أن يتجرعه خالدا مخلدا على هذه الحال أبدا، ومن تردى من جبل أو قذف نفسه من شاهق، فقتل نفسه، نصب الله له يوم القيامة جبلا من نار، على واد من جهنم يكلف الصعود إليه، ليهوي من الجبل في نار جهنم، خالدا على هذه الحال أبدا.
стр. 355
فليتدبر العاقل، وليؤمن بالقضاء والقدر، وليعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا﴾ [الطلاق: ٢ - ٣].
-[المباحث العربية]-
(من قتل نفسه بحديدة) لفظ الحديدة أعم من السكين، فيشمل آلات النجار وآلات الحداد وغيرهما، لكن المراد بها السكين وما شابهها لأنها التي يطعن بها البطن.
(فحديدته في يده) مبتدأ وخبر، أو مبتدأ وحال. وجملة "يتوجأ" الخبر.
(يتوجأ) -بواو مفتوحة وجيم مشددة- على وزن يتكبر، ويجوز تسهيله بقلب الهمزة ألفا، ومعناه يطعن.
وفي رواية: "يجأ" بتخفيف الجيم وبالهمز، وقد تسهل الهمزة أيضا. وأصل "يجأ" مضارع وجا وأصله يوجئ -بفتح الياء وكسر الجيم- فحذفت الواو لوقوعها بين الياء والكسرة، ثم فتحت الجيم لأجل الهمزة.
(جهنم) اسم لنار الآخرة، وأكثر النحويين على أنها أعجمية، لا تنصرف للعلمية والعجمة، وقال آخرون: هي عربية، لا تنصرف للتأنيث والعلمية، وسميت بذلك لبعد قعرها. قال رؤبة: يقال: بئر جهنام أي بعيدة القعر، وقيل: مشتقة من الجهومة وهي الغلظ سميت بذلك لغلظ أمرها.
(خالدا مخلدا فيها أبدا) حال مقدرة من فاعل "يتوجأ" وفي ذكر "مخلدا" بفتح اللام المشددة بعد ذكر "خالدا" ما يشعر بالإهانة والإذلال والتحقير، و"أبدا" منصوب على الظرفية.
(ومن شرب سما) -بفتح السين وضمها وكسرها- ثلاث لغات أفصحها الفتح.
وفي رواية: "ومن تحسى" أي تجرع، وأصله من "حسوت المرق" إذا شربت منه شيئا فشيئا.
(فقتل نفسه) فائدة ذكر هذه الجملة بعد ما قبلها توقف الجزاء المذكور عليها.
(ومن تردى من جبل) أي أسقط نفسه منه، بدليل قوله: "فقتل نفسه".
(فقتل نفسه) فائدة ذكرها توقف الجزاء المذكور عليها، وهي التي أفادت التعمد، إذ التردي يكون عن عمد وعن غير عمد، أما إذا تعمد الإلقاء، ولم يحدث بذلك قتل فله جزاء آخر يعلمه الله.
(فهو يتردى في نار جهنم) أي يسقط، وذلك بأن يهيأ له جبل من نار، يكلف الصعود إليه والسقوط منه في نار جهنم، تشير إلى ذلك رواية البخاري "يتردى فيه" أي في الجبل، أي في مثله.
стр. 356
-[فقه الحديث]-
اقتصر هذا الحديث على ثلاث من طرق الانتحار وقتل النفس لما أنها هي التي كانت شائعة آنذاك، فهي أمثلة فقط، وليست للحصر، فيقاس عليها: من تردى في بحر فغرق، ومن أشعل في نفسه نارا فاحترق. وقد جاءت بعض الروايات بطريقة أخرى غير الطرق الثلاثة المذكورة فقد روى البخاري "الذي يخنق نفسه يخنقها في النار" كما جاءت بعض الروايات بلفظ العموم، فقد روي في الحديث الآتي: "ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به يوم القيامة".
وقد تمسك المعتزلة وغيرهم ممن قال بتخليد أصحاب المعاصي في النار بقوله "في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا" على أن مرتكب الكبيرة مخلد في النار، ولما كان أهل السنة لا يقولون بتخليد العصاة من الموحدين في النار، وكانت الأحاديث الصحيحة تدل على أن مصير المؤمنين الجنة أجاب أهل السنة عن ظاهر الحديث بعدة إجابات منها:
١ - ذهب بعضهم إلى توهين ورد رواية "خالدا مخلدا فيها أبدا" لورود الحديث بدونها في كثير من الروايات الصحيحة، ورفض هذا الرأي أولى من رد الرواية وهي صحيحة.
٢ - وقال بعضهم: إن المراد خالدا مخلدا فيها إلى أن يشاء الله، وهذا القول يضعفه التعبير بلفظ "أبدا".
٣ - وقيل: المراد بالخلود طول المدة، لا حقيقة الدوام، كأنه يقول: يخلد مدة معينة ويبعده أيضا لفظ "أبدا".
٤ - وقيل: ورد الحديث في رجل بعينه، وليس القصد منه الحكم العام، ويبعده تعديد طرق الانتحار، والرجل المعين انتحر بطريقة معينة.
٥ - وقيل: ورد الحديث مورد الزجر والتغليظ، وحقيقته غير مرادة، وهذا ضعيف أيضا.
٦ - وقيل: المعنى أن هذا جزاؤه الأصلي، لكن الله قد تكرم على الموحدين فأخرجهم من النار بتوحيدهم، وهو مردود أيضا بعبارات الحديث الواضحة في وقوع هذا الجزاء لكل منتحر.
٧ - وقيل: إن الحديث محمول على من استحل هذا الفعل، فإنه باستحلاله يصير كافرا، والكافر مخلد بلا ريب، وهذا الرأي أقرب للقبول من سوابقه.
٨ - والأولى أن يقال: إن الجزاء المذكور هو الجزاء إن لم يتجاوز الله عنه، هذا وقد نقل عن الإمام مالك: أن قاتل النفس لا تقبل توبته، ومقتضاه أنه لا يصلى عليه، وقد روى أصحاب السنن: "أن النبي ﷺ أتى برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يصل عليه". وفي رواية للنسائي أنه قال: "أما أنا فلا أصلي عليه".
стр. 357
ويؤخذ من الحديث
١ - التحذير من الانتحار مهما كانت أسبابه ودواعيه.
٢ - أن الجزاء الأخروي من جنس العمل.
٣ - وجوب الصبر على الآلام، وعدم السخط والجزع، والرضا بالقضاء، وتسليم قبض الروح لواهب الحياة.
٤ - استدل به بعضهم على عدم جواز شرب السم للتداوي، لأنه يفضي إلى قتل النفس، وهذا الاستدلال باطل، قال الحافظ ابن حجر: إن مجرد شرب السم ليس بحرام على الإطلاق، لأنه يجوز استعمال اليسير منه إذا ركب معه ما يدفع ضرره.
٥ - وفيه أن جناية الإنسان على نفسه كجنايته على غيره في الإثم لأن نفسه ليست ملكا له مطلقا، بل هي لله تعالى: فلا يتصرف فيها إلا بما أذن له فيه.
٦ - احتج به بعضهم على أن القصاص من القاتل يكون بما قتل به محددا كان أو غيره، اقتداء بعقاب الله تعالى لقاتل نفسه، قال النووي: والاستدلال بهذا لهذا ضعيف. وقال ابن دقيق العيد في رد هذا الاحتجاج: إن أحكام الله لا تقاس بأفعاله، فليس كل ما ذكر أنه يفعله في الآخرة يشرع لعباده أن يفعلوه في الدنيا، كالتحريق بالنار مثلا، وسقي الحميم الذي يقطع به الأمعاء.
٧ - وفيه إثبات عقوبة بعض أصحاب المعاصي، ففيه رد على المرجئة القائلين بأن المعاصي لا تضر. (ولشرح الحديث صلة بشرح الأحاديث الثلاثة الآتية بعد الحديث التالي، فعليك به).
والله أعلم
стр. 358
(٦٥) باب من حلف بملة غير الإسلام
١٨٨ - عن ثابت بن الضحاك ﵁ أنه بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة. وأن رسول الله ﷺ قال "من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذبا فهو كما قال. ومن قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة. وليس على رجل نذر في شيء لا يملكه".
١٨٩ - عن ثابت بن الضحاك ﵁ عن النبي ﷺ قال "ليس على رجل نذر فيما لا يملك. ولعن المؤمن كقتله. ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به يوم القيامة. ومن ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها لم يزده الله إلا قلة. ومن حلف على يمين صبر فاجرة".
١٩٠ - عن ثابت بن الضحاك ﵁ قال: قال النبي ﷺ "من حلف بملة سوى الإسلام كاذبا متعمدا فهو كما قال. ومن قتل نفسه بشيء عذبه الله به في نار جهنم". هذا حديث سفيان وأما شعبة فحديثه أن رسول الله ﷺ قال: "من حلف بملة سوى الإسلام كاذبا فهو كما قال. ومن ذبح نفسه بشيء ذبح به يوم القيامة".
-[المعنى العام]-
يحدثنا ثابت بن الضحاك - وهو من الذين قال الله فيهم: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة﴾ [الفتح: ١٨]-يحدثنا أن رسول الله ﷺ حذر من الحلف باللات والعزى، أو بأي ملة من ملل الكفر، فمن حلف باليهودية أو النصرانية مثلا فهو في وقت حلفه بذلك مشبه للطائفة التي حلف بملتها، معظم لما عظمت، مستحق لعقوبتها، معرض لإحباط إيمانه إن كان معتقدا تعظيم ما حلف به مما لا يستحق التعظيم.
كما حذر من قتل النفس بأية وسيلة، فمن قتل نفسه بشيء أعد الله له مثله من النار ليعذب به يوم القيامة، كما منع ﷺ النذر فيما لا يملك الإنسان.
وفي الرواية الثانية يحذرنا من لعن المسلم وسبه، فإن لعن المسلم يقطع عنه العطف والمودة، كما يقطع القتل حياته.
стр. 359
ويحذرنا أن نلبس ثوب الزور، وندعي لأنفسنا ما ليس عندنا من مال أو صحة أو جاه أو علم، أو غير ذلك مما يخدع الآخرين فينا، ويغرر بهم في معاملاتنا، ويخوفنا من الحلف كذبا للحصول على غرض دنيوي رخيص.
ولو أن المسلمين حافظوا على أسس الشريعة السمحة، فعظموا دينهم واعتزوا بإسلامهم ولم يحلفوا بسواه، لو أنهم قويت روحهم، وتشددت عزائمهم، وصمدوا لنوائب الزمان وكافحوا للعيش في عزة وكرامة، ولم يلجأ بعضهم إلى الانتحار، والهروب من المسئولية والحياة، ولو أنهم ترفعوا عن الشتم والسب وطول اللسان، واحتقار بعضهم بعضا وإيذاء بعضهم بعضا، ولو أنهم اعترفوا بالواقع، وأحسوا بأوجه النقص فيهم، ولم يخدعوا أنفسهم وغيرهم بما ليس فيهم من محامد، ولو أنهم صدقوا في معاملاتهم، ولم يكثروا الحلف كذبا للحصول زورا على حقوق غيرهم. لو أنهم حافظوا على هذه الأسس لسعدوا في دنياهم وأخراهم ولكانوا جديرين بما كان عليه آباؤهم وأجدادهم من مكانة وسيادة، وما يتذكر إلا أولوا الألباب.
-[المباحث العربية]-
(أنه بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة) وهي بيعة الرضوان، التي قال الله فيها: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة﴾ [الفتح: ١٨] وفائدة ذكر هذه العبارة التوثيق بالرواية ببيان فضل الراوي.
(من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذبا) في الرواية الثالثة "من حلف بملة سوى الإسلام كاذبا متعمدا" أي متعمدا الحلف بملة غير الإسلام، فيكون "متعمدا" حالا مترادفة من فاعل "حلف" أو متعمدا الكذب فيكون "متعمدا" حالا متداخلة من الضمير في "كاذبا" وفي رواية البخاري "من حلف على ملة غير الإسلام" فـ"على": بمعنى الباء، والملة: الدين والشريعة حقة أو باطلة، ومن إطلاقها على الباطلة قوله تعالى: ﴿إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله﴾ [يوسف: ٣٧] وهي هنا نكرة في سياق الشرط، فتعم جميع الملل من أهل الكتاب، كاليهودية والنصرانية ومن لحق بهم من المجوسية والصابئة وأهل الأوثان والدهرية والمعطلة وعبدة الشياطين والملائكة وغيرهم.
والملة عرفا: ما شرعه الله لعباده على ألسنة الرسل ﵈.
والحلف بالشيء حقيقة هو: القسم به، وإدخال بعض حروف القسم عليه، كقولهم: والله، والرحمن، وقد يطلق على التعليق بالشيء يمين كقولهم: من حلف بالطلاق، فالمراد تعليق الطلاق، وأطلق الحلف على التعليق لمشابهته باليمين في قصد المنع أو الحث، أو غيرهما.
فالمعنى على الأول: من أقسم بملة غير الإسلام كأن قال: واليهودية مثلا، وعلى الثاني: من علق ملة غير الإسلام على شيء، كأن يقول: إن فعل كذا فهو يهودي أو نصراني.
стр. 360
(فهو كما قال) "ما" مصدرية، أو موصولة، والعائد محذوف أي فهو مثل قوله، أو فهو كالذي قاله، والمعنى الشرعي سيوضح في فقه الحديث.
(ومن قتل نفسه بشيء) أعم من الحديدة والسم والتردي من الجبل المذكورات في الحديث السابق.
(وليس على رجل نذر في شيء لا يملكه) كلمة "رجل" لما هو الغالب، والحكم شامل للمرأة، ورواية البخاري "وليس على ابن آدم" أي وكذا ابنة آدم، وفي "نذر" مضاف محذوف، أي ليس عليه وفاء نذر.
(ولعن المؤمن كقتله) اللعن في الأصل: الإبعاد عن رحمة الله، وقد يقصد به محض السب وفي معناه الدعاء على الإنسان بالسوء، كقولهم: قاتله الله، ومن المعلوم أنه لا يشترط في المشبه مشاركة المشبه به من جميع الوجوه، ومن هنا قيل: إن تشبيه لعن المؤمن بقتله إنما هو في أصل التحريم، وإن كان القتل أغلظ، وقيل لأنه إذا لعنه فكأنما دعا عليه بالهلاك، وسيأتي توضيحه.
(ومن ادعى دعوى كاذبة) هذه هي اللغة الفصيحة، يقال: دعوى باطل، وباطلة وكاذب وكاذبة، لكن التأنيث أفصح.
(ليتكثر بها) قال النووي: ضبطناه بالثاء المثلثة بعد الكاف، وكذا هو في معظم الأصول، وهو الظاهر، وضبطه بعض الأئمة المعتمدين بالباء الموحدة، وله وجه، وهو بمعنى الأول، أي يصير ماله كبيرا عظيما.
(ومن حلف على يمين صبر فاجرة) قال النووي: كذا وقع في الأصول هذا القدر فحسب، وفيه محذوف، إذ لم يأت في الحديث هنا الخبر عن هذا الحالف، إلا أن يعطفه على قوله قبله "ومن ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها لم يزده الله إلا قلة" أي وكذلك من حلف على يمين صبر، فهو مثله. قال القاضي عياض: وقد ورد معنى هذا الحديث تاما مبينا في حديث آخر "من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم، هو فيها فاجر، لقي الله وهو عليه غضبان".
ويمين الصبر هي التي ألزم بها الحالف عند الحاكم ونحوه، وأصل الصبر الحبس والإمساك. ومعنى "فاجرة" أي خارجة عن حدود الشرع.
-[فقه الحديث]-
تحصل من مجموع روايات الحديث ست خصال هي:
١ - الحلف بملة غير الإسلام.
٢ - قتل النفس بالشيء.
стр. 361
٣ - النذر فيما لا يملك.
٤ - لعن المؤمن.
٥ - الدعوى الكاذبة.
٦ - الحلف على يمين صبر.
١ - أما الحلف بملة غير الإسلام فقد قال بعض الشافعية: ظاهر الحديث أنه يحكم عليه بالكفر إذا كان كاذبا، والتحقيق التفصيل، فإن اعتقد تعظيم ما ذكر كفر، وإن قصد حقيقة التعليق فينظر، فإن كان أراد أن يكون متصفا بذلك إن وقع الفعل كفر، لأن إرادة الكفر كفر، وإن أراد البعد عن ذلك الفعل لم يكفر، لكن هل يحرم عليه ذلك؟ أو يكره تنزيها؟ الثاني هو المشهور. قاله الحافظ ابن حجر.
ثم قال: وينقدح بأن يقال: إن أراد تعظيمها باعتبار ما كانت قبل النسخ لم يكفر أيضا.
وقال ابن المنذر: قوله "فهو كما قال" ليس على إطلاقه في نسبته إلى الكفر، بل المراد أنه كاذب ككذب المعظم لتلك الجهة.
وقال النووي: قوله "كاذبا" ليس المراد به التقييد والاحتراز من الحلف بها صادقا، لأنه لا ينفك الحالف بها عن كونه كاذبا، وذلك لأنه لا بد أن يكون معظما لما حلف به، فإن كان معتقدا عظمته بقلبه فهو كاذب في ذلك، وإن كان غير معتقد ذلك بقلبه فهو كاذب في الصورة، لكونه عظمه بالحلف، وإذا علم أنه لا ينفك عن كونه كاذبا حمل التقييد بـ"كاذبا" على أنه بيان لصورة الحالف، ويكون التقييد خرج على سبب فلا يكون له مفهوم.
وقال بعضهم: يحتمل أن يكون المراد بهذا الكلام التهديد والمبالغة في الوعيد، لا الحكم، وكأنه قال: فهو مستحق مثل عذاب من اعتقد ما قال، ونظيره "من ترك الصلاة فقد كفر" أي استوجب عقوبة من كفر.
أما فيما يتعلق بكفارة من حلف بذلك ثم حنث، فقد قال ابن المنذر: اختلف فيمن قال: أكفر بالله (ونحو ذلك) إن فعلت، ثم فعل، فقال ابن عباس وأبو هريرة وعطاء وقتادة وجمهور فقهاء الأمصار: لا كفارة عليه، ولا يكون كافرا إلا إذا أضمر ذلك بقلبه، وقال الأوزاعي والثوري والحنفية وأحمد وإسحاق: هو يمين وعليه الكفارة، قال ابن المنذر: الأول أصح لما رواه البخاري "من حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله"، ولم يذكر كفارة ولما جاء في الرواية الأخرى " فهو كما قال" فأراد التغليظ في ذلك حتى لا يجترئ أحد عليه، ولم يذكر كفارة ويكون من باب قول الله تعالى: ﴿ويقتلون الأنبياء بغير حق﴾ [آل عمران: ١١٢] وقوله ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق﴾ [الإسراء: ٣١] وقوله: ﴿ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا﴾ [النور: ٣٣] ونظائره كثيرة.
وقال الحافظ ابن حجر في توجيه رواية الأمر بقول "لا إله إلا الله": حاصله أنه أرشد من تلفظ بشيء مما لا ينبغي التلفظ به أن يبادر إلى ما يرفع الحرج عن القائل، أي لو قال ذلك قاصدا إلى معنى ما قال.
стр. 362
٢ - وأما قتل النفس فقد مضى الكلام عليه في الحديث السابق ويأتي له تمام قول في الأحاديث الثلاثة الآتية:
٣ - ومن نذر ما لا يملك، فإن كان معينا، كمن قال: لله علي أن أعتق عبد فلان فليس عليه الوفاء بنذره عند الجمهور، وإن كان غير معين، كمن قال: لله علي أن أعتق عبدا، ولا يملك، فإنه يصح عند الجمهور، ويلزمه إن ملك.
واختلف فيمن نذر ما لا يملك. هل تجب عليه الكفارة؟ قال الجمهور: لا، وعن أحمد والثوري وإسحاق وبعض الشافعية والحنفية: نعم. واستدلوا بعموم حديث عقبة بن عامر "كفارة النذر كفارة اليمين" أخرجه مسلم، وأخرج أبو داود "ومن نذر نذرا لا يطيقه فكفارته كفارة يمين" قال بعض الحنابلة: والقياس يقتضيه لأن النذر يمين، كما وقع في حديث عقبة، لما نذرت أخته أن تحج ماشية (لتكفر عن يمينها) فسمي النذر يمينا. ومن حيث النظر هو عقيدة لله تعالى بالتزام شيء، والحالف عقد يمينه بالله ملتزما بشيء.
٤ - وأما لعن المؤمن المعين، فإن كان لا يستحق اللعن فهو حرام بالإجماع، ومن الكبائر، وإن كان يستحق اللعن، فإن قصد معنى اللعن الأصلي، وهو الإبعاد عن رحمة الله فهو حرام أيضا، إذ ينبغي الدعاء للمؤمن العاصي بالتوبة والمغفرة، وإن لم يقصد، بل قصد به محض السب فهو مكروه.
ويمكن أن يستأنس لذلك بحديث "لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم" قال ذلك ﷺ حين لعن بعض الصحابة شاربا للخمر، وقد أخرج أبو داود بسند جيد، رفعه "إن العبد إذا لعن شيئا صعدت اللعنة إلى السماء فتغلق أبواب السماء دونها ثم تهبط إلى الأرض فتأخذ يمنة ويسرة، فإن لم تجد مساغا رجعت إلى الذي لعن، فإن كان أهلا، وإلا رجعت إلى قائلها" وأما غير المعين من أهل السوء فالراجح جواز لعنه، لأن لعنه حينئذ زجر عن تعاطي ذلك الفعل، بخلاف المعين فإن في لعنه إيذاء صريحا موجها، وقد ثبت النهي عن أذى المسلم.
قال النووي: وأما الدعاء على إنسان بعينه، ممن اتصف بشيء من المعاصي فالظاهر أنه لا يحرم، وأشار الغزالي إلى تحريمه، وقال في باب الدعاء على الظلمة بعد أن أورد أحاديث صحيحة في الجواز: قال الغزالي: وفي معنى اللعن الدعاء على الإنسان بالسوء، حتى على الظالم، مثل: لا أصح الله جسمه، وكل ذلك مذموم. اهـ.
وصنيع البخاري يقتضي لعن المتصف بالمعصية من غير أن يعين اسمه فيجمع بين المصلحتين، لأن لعن المعين والدعاء عليه قد يحمله على التمادي، أو يقنطه من قبول التوبة، بخلاف ما إذا صرف ذلك إلى المتصف، فإن فيه زجرا وردعا عن ارتكاب ذلك، وباعثا لفاعله على الإقلاع عنه.
والحديث يحذر من لعن المؤمن، أما لعن الكافر المعين فالراجح أنه ممنوع خصوصا لو تأذى به المسلم، وأما غير المعين فجائز، بل قال بعضهم. إن الكفار يتقرب إلى الله بسبهم.
والأولى الدعاء لهم بالهداية والإسلام بدل اللعن. والله أعلم.
стр. 363
٥ - وأما من ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها، فقد قال القاضي عياض: هو عام في كل دعوى يتشبع بها المرء بما لم يعط: من مال يختال في التجمل به، أو نسب ينتمي إليه، أو علم يتحلى به، وليس هو من حملته، أو دين يظهره وليس هو من أهله، فقد أعلم ﷺ أنه غير مبارك له في دعواه، ولا يزكو ما اكتسبه بها، وفي ذلك يقول ﷺ "المتشبع بما لا يملك كلابس ثوبي زور" فمن ادعى ما ليس عنده فضلا عن كونه كاذبا فيما ادعاه - جزاه الله بنقيض قصده، ونقصه ما عنده من صنف ما ادعاه.
ويستثنى من هذا مواطن منها: إظهار القوة والعدة لإرهاب الكفار، والتجلد والتظاهر بعدم التأثر بالنوائب أمام الشامتين، والتعفف وإظهار الغنى في بعض حالات توزيع الصدقات، ونحو ذلك مما يعود بالنفع المشروع.
٦ - وأما من حلف على يمين صبر ليقتطع بها مال امرئ مسلم فقد يكون في البيع بالحلف على السلعة أنه أعطى بها كذا وكذا ليغري المشتري ويستولي على أكثر مما يستحق عن ثمن السلعة.
فيكون مآله الخسران، وفي معنى ذلك ورد الحديث "اليمين الفاجرة منفقة للسلعة، ممحقة للكسب". وقد مرت الإشارة إليه في الحديث قبل السابق، وقد يكون في التقاضي ومحاولة الاستيلاء على حقوق الآخرين بقوة بلاغته، أو مناصرة شيعته، فكل ما يقضى له بذلك إنما هو قطعة من النار.
وقد روى البخاري "من حلف على يمين صبر، وهو فيها فاجر، يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله يوم القيامة وهو عليه غضبان".
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - التحذير من الحلف بملة غير الإسلام، أو تعليق الدخول فيها على فعل شيء.
٢ - التحذير من الانتحار بأية وسيلة ولأي سبب من الأسباب.
٣ - أنه لا يصح النذر فيما لا يملك.
٤ - تغليظ لعن المسلم، وفيه يقول الغزالي: لا يجوز لعن أحد من المسلمين ولا الدواب، ولا فرق بين الفاسق وغيره، ولا يجوز لعن أعيان الكفار، حيا كان أو ميتا، إلا من علمنا بالنص أنه مات كافرا كأبي لهب وأبي جهل وشبههما، ويجوز لعن طائفتهم كقولك: لعن الله الكفار ولعن اليهود والنصارى. اهـ.
٥ - غلظ تحريم اليمين الفاجرة التي يقتطع بها مال غيره.
٦ - التحذير من ادعاء المرء ما ليس فيه.
стр. 364
(٦٦) باب لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة وإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر
١٩١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: شهدنا مع رسول الله ﷺ حنينا. فقال لرجل ممن يدعى بالإسلام "هذا من أهل النار" فلما حضرنا القتال قاتل الرجل قتالا شديدا فأصابته جراحة. فقيل: يا رسول الله، الرجل الذي قلت له آنفا "إنه من أهل النار" فإنه قاتل اليوم قتالا شديدا. وقد مات. فقال النبي ﷺ "إلى النار" فكاد بعض المسلمين إن يرتاب. فبينما هم على ذلك إذ قيل: إنه لم يمت. ولكن به جراحا شديدا! فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح فقتل نفسه. فأخبر النبي ﷺ بذلك فقال "الله أكبر! أشهد أني عبد الله ورسوله" ثم أمر بلالا فنادى في الناس "أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة. وأن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر".
١٩٢ - عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن رسول الله ﷺ التقى هو والمشركون فاقتتلوا. فلما مال رسول الله ﷺ إلى عسكره. ومال الآخرون إلى عسكرهم. وفي أصحاب رسول الله ﷺ رجل لا يدع لهم شاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه. فقالوا: ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان. فقال رسول الله ﷺ "أما إنه من أهل النار" فقال رجل من القوم: أنا صاحبه أبدا. قال فخرج معه. كلما وقف وقف معه. وإذا أسرع أسرع معه. قال فجرح الرجل جرحا شديدا. فاستعجل الموت فوضع نصل سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه. ثم تحامل على سيفه فقتل نفسه. فخرج الرجل إلى رسول الله ﷺ فقال: أشهد أنك رسول الله، قال "وما ذاك؟ " قال: الرجل الذي ذكرت آنفا أنه من أهل النار. فأعظم الناس ذلك. فقلت: أنا لكم به. فخرجت في طلبه حتى جرح جرحا شديدا. فاستعجل الموت. فوضع نصل سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه. ثم تحامل عليه فقتل نفسه. فقال رسول الله ﷺ ، عند ذلك "إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار. وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة".
стр. 365
-[المعنى العام]-
في سنة سبع من الهجرة وفي غزوة خيبر، أو في سنة ثمان في غزوة حنين، وفي معسكر المسلمين، دخل قزمان الظفري على رسول الله ﷺ وحوله جماعة من أصحابه، فلما انصرف الرجل قال الرسول ﷺ لمن حوله: من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى ذلك الرجل، وظن السامعون أنه منافق، وحرصوا على متابعته والاطلاع على تصرفاته، وبدأ القتال بين المسلمين والكفار، وإذا بالرجل يصول ويجول، ويعمل سيفه مرة، ونبله أخرى في المشركين، يقتل منهم ويجرح، ولا يدع منهم شاردة ولا واردة، ولا شاذة ولا فاذة إلا أعمل فيها سيفه، مثل رائع من أمثلة البطولة، وصورة فذة من صور الشجاعة والإقدام ومحاربة المشركين، ودهش الذين سمعوا عنه ما سمعوا من الرسول ﷺ ، وما كادوا يصدقون ما رأوا، وهم يصدقون ما سمعوا، وأقبل الظلام، ورجع المسلمون إلى عسكرهم، والكفار إلى عسكرهم، كل يستعد للقاء الآخر في اليوم الثاني، ودخل الجماعة على رسول الله ﷺ ، قالوا: يا رسول الله. الرجل الذي قلت عنه إنه من أهل النار قاتل اليوم قتالا لم يقاتله أحد منا، وكان من أشد الناس على المشركين، فلم يترك شاردة ولا واردة منهم إلا اتبعها بسيفه. قال ﷺ : أما إنه من أهل النار. وكاد القوم يفتنون ويرتابون ويشكون. قالوا: يا رسول الله، أينا من أهل الجنة إن كان هذا من أهل النار؟ وقال أخباث المنافقين: يا رسول الله، إذا كان فلان في عبادته واجتهاده ولين جانبه وحسن بلائه من أهل النار فأين نحن؟ قال ﷺ : هو في النار.
نظر القوم بعضهم إلى بعض في حيرة من الأمر، ودهشة من الخبر قال قائل منهم، وهو أكثم بن أبي الجون الخزاعي: أنا أكفيكم أمر هذا الرجل، دعوني أتبعه وألازمه، فخرج في الصباح معه، كلما وقف وقف معه، وإذا أسرع أسرع معه، فجرح الرجل جرحا شديدا أقعده وأثبته، وظن بعضهم أنه مات، فذهب إلى الرسول ﷺ يقول له: إن الرجل قد استشهد، فقال ﷺ : هو في النار، وذهل القوم، وبينما هم في ذهولهم إذ جاءهم "مسرعا" صاحبهم الذي لازمه، يقول بأعلى صوته، وقبل أن يصل إلى الرسول ﷺ : أشهد أنك رسول الله، قال: وما ذاك؟ قال: صدق الله حديثك يا رسول الله، إن الرجل الذي قلت عنه إنه من أهل النار أصابته جراحة شديدة، فلم يصبر عليها، فلما جاء الليل أخرج سهما من كنانته، وحاول أن ينحر بها نفسه، فلما لم يساعده السهم، ولم يقض عليه، وضع نصل سيفه بالأرض وذبابه إلى أعلى، ثم حرره بين ثدييه، وتحامل عليه، فخرج من ظهره ومن بين كتفيه، فقتل نفسه، فقال رسول الله ﷺ "الله أكبر، أشهد أني عبد الله ورسوله، إن العبد ليعمل بعمل أهل النار وإنه من أهل الجنة، ويعمل عمل أهل الجنة وإنه من أهل النار، تدركه الشقاوة أو السعادة عند خروج نفسه، فيختم له بها، العمل بخواتيمه، العمل بخواتيمه، قم يا بلال، وقم يا ابن الخطاب، وقم يا ابن عوف، فنادوا في الناس: أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة بالقدر، مسلمة بالقضاء، وإن الله يؤيد الإسلام بالرجل الفاجر.
стр. 366
-[المباحث العربية]-
(شهدنا مع رسول الله ﷺ حنينا) أي غزوة حنين وكانت في شوال سنة ثمان من الهجرة، "وحنين" واد إلى جنب ذي المجاز، قريب من الطائف، بينه وبين مكة بضعة عشر ميلا من جهة عرفات، وفي رواية البخاري "خيبر" بدل "حنين" وكانت غزوة خيبر في المحرم سنة سبع من الهجرة، وخيبر كانت مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع على مسافة مائة وخمسة وخمسين كيلو مترا من المدينة إلى جهة الشام.
(فقال لرجل) الرسول ﷺ لم يخاطب الرجل بذلك ولم يسمعه، فاللام بمعنى "عن" مثلها في قوله تعالى: ﴿وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه﴾ [الأحقاف: ١١] ويحتمل أن تكون بمعنى "في" أي قال في شأن رجل، مثلها في قوله تعالى: ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة﴾ [الأنبياء: ٤٧] أي في يوم القيامة، واسم الرجل "قزمان الظفري" وكان قد تخلف عن المسلمين يوم أحد، فعيره النساء، فخرج حتى صار في الصف الأول، فكان أول من رمى بسهم.
(ممن يدعى بالإسلام) أي ممن يتصف ظاهرا بالإسلام، وفي رواية البخاري "ممن يدعى الإسلام".
(فأصابته جراحة) أفادت بعض الروايات أنه أصابه سهم.
(الرجل الذي قلت له) أي عنه، أو في شأنه.
(آنفا) أي قريبًا، وفيه لغتان: المد والقصر، والمد أفصح.
(فكاد بعض المسلمين أن يرتاب) ويتشكك في إخبار الرسول ﷺ عن هذا الرجل، وهو في الأصول "أن يرتاب" بإثبات "أن" في خبر كاد، وهو قليل جائز، وورد في بعض الروايات بدون "أن"، و"كاد" لمقاربة الفعل ولم يفعل إذا لم يتقدمها نفي، فإن تقدمها كقولك: ما كاد يقوم، كانت دالة على القيام. لكن بعد بطء.
(فبينما هم على ذلك إذ قيل إنه لم يمت) "بينما" أصله "بين" زيدت عليه "ما" وهو من الظروف الزمانية الملازمة للإضافة إلى الجملة، ولا بد لها من جواب، وهو العامل فيها إذا كان مجردا من كلمة المفاجأة، وإلا فالعامل معنى المفاجأة. كما هنا، والتقدير فاجأهم قول الناس: إنه لم يمت وقت قرب ارتيابهم.
(لكن به جراحا شديدا) كذا هو في الأصول "جراحا شديدا" ومقتضى القواعد النحوية "شديدة" ولعله على اعتبار كلمة "جراح" اسم جنس جمعي يفرق بينه وبين واحده بالتاء - جراح وجراحة- فيذكر ويؤنث.
стр. 367
(ثم أمر بلالا فنادى في الناس. إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، وأن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر) يجوز في "أنه" و"أن" كسر الهمزة وفتحها. قال النووي: وقد قرئ في السبع ﴿فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك﴾ [آل عمران: ٣٩] بفتح الهمزة وكسرها و"أل" في "الرجل الفاجر" يحتمل أن تكون للعهد. والمراد به "قزمان" المذكور، ويحتمل أن تكون للجنس. وفي رواية عند مسلم "قم يا ابن الخطاب" وفي رواية عند البيهقي أن المنادى بذلك عبد الرحمن بن عوف، ويجمع بينها بأنهم نادوا جميعا في جهات مختلفة.
(فلما مال رسول الله ﷺ إلى عسكره) أي رجع بعد فراغ القتال في ذلك اليوم.
(لا يدع لهم شاذة إلا اتبعها) الشاذة والشاذ: الخارجة والخارج عن الجماعة المنفرد عنهم، وهي صفة لموصوف محذوف، أي لا يدع نفسا شاذة منفردة إلا اتبعها. والضمير في "لهم" للكفار، وفي رواية البخاري "لا يدع من المشركين شاذة ولا فاذة إلا اتبعها" و"الفاذة" بمعنى الشاذة، وقيل: هما بمعنى ما كبر وما صغر، والمراد: المبالغة في أنه لا يلقى أحدا من المشركين إلا قتله.
(يضربها بسيفه) جملة حالية، أي لا يترك منفردا عن الجماعة إلا اتبعه ضاربا إياه بسيفه.
(فقالوا) وفي رواية "فقيل" وفي أخرى "فقال" أي قال قائل لرسول الله ﷺ .
(ما أجزأ منا اليوم أحد ما أجزأ فلان) "أجزأ" بالهمزة، والمعنى ما أغنى أحد غناءه، وما كفى كفايته.
(أما إنه من أهل النار) "أما" بتخفيف الميم أداة استفتاح لتأكيد الخبر.
(فقال رجل من القوم) قال الحافظ ابن حجر: هو أكثم بن أبي الجون.
(أنا صاحبه أبدا) كذا في الأصول، ومعناه أنا أصحبه في خفية وألازمه، وفي رواية "لأتبعنه" أي لأنظر السبب الذي به يصير من أهل النار.
(فوضع نصل سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه) ذباب السيف طرفه الأسفل حين يتدلى، وأما طرفه الأعلى فمقبضه، ونصله حديدته، والمراد من النصل طرف المقبض، وفي رواية البخاري "فوضع نصاب سيفه بالأرض" ونصاب السيف مقبضه، فكأنه وضع حديدة المقبض على الأرض، وطرف السيف المدبب في تجويف صدره بين ثدييه، و"ثدييه" مثنى "ثدي" وهو يذكر على اللغة الفصيحة، وحكى ابن فارس والجوهري فيه التذكير والتأنيث، قيل: يطلق للرجل والمرأة، وقيل: يطلق للمرأة، ويقال لذلك الموضع من الرجل "ثندوة" فعلى هذا يكون قد استعار الثدي للرجل في الحديث.
стр. 368
-[فقه الحديث]-
ذهب بعض المحدثين إلى أن القصة التي في حديث سهل غير القصة التي في حديث أبي هريرة بناء على أن الرجل في قصة سهل قتل نفسه بتحامله على ذباب سيفه، وأن الرجل في قصة أبي هريرة - كما رواها البخاري مفصلة ولم تفصلها رواية مسلم -قتل نفسه بأن أهوى بيده إلى كنانته، فاستخرج منها أسهما فنحر بها نفسه. وأيضا ففي حديث سهل أن النبي ﷺ لما أخبروه بقصته قال "إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة" الحديث. وفي حديث أبي هريرة قال لهم لما أخبروه بقصته "قم يا بلال فأذن أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة ... " الحديث. لكن المحققين من المحدثين يجنحون إلى أن القصة واحدة، ويجمعون بين الروايتين باحتمال أن يكون الرجل قد نحر نفسه بأسهمه، فلم تزهق روحه، وإن كان قد أشرف على القتل، فأجهز على نفسه بأن تحامل على سيفه. وباحتمال أن يكون الرسول ﷺ حين أخبر بقصة الرجل قال: إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة إلخ، ثم أمر بلالا أن يؤذن في الناس. فذكر أحد الرواة جانبا من القصة، وذكر غيره جانبا آخر منها.
ومما لا شك فيه أن الرسول ﷺ علم مستقبل هذا الرجل بطريق الوحي، لأنه أمر غيبي، لا مجال للرأي فيه، وما يؤخذ من الحديث يفيد أن سبب كونه من أهل النار هو قتله نفسه، ولا يعارضه ما جاء في مغازي الواقدي، من أن قتادة ابن النعمان مر بالرجل، وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، فقال له: هنيئا لك بالشهادة، فقال الرجل: والله ما قاتلت على دين، وإنما قاتلت على حسب قومي، ومعنى هذا أن الرجل كان منافقا، وأنه لم يقاتل لإعلاء كلمة الله، وأن هذا سبب كونه من أهل النار، إذ ليس بعد الكفر ذنب، لا يعارض، لأن ما أخذ من المغازي لا يحتج به إذا انفرد، ومن باب أولى لا يحتج به إذا عارض الصحيح، ولأنه ﷺ (حين فهم الصحابة أن سبب كونه من أهل النار قتله نفسه) وافقهم على هذا الفهم، بل حين جاءه خبر الرجل قال: "الله أكبر أشهد أني عبد الله ورسوله" مما يؤكد أن السبب هو فعلته، وليس شيئا سابقا وإلا لبينه ﷺ ، ولا يقال: إن ما جاء في مغازي الواقدي يتوافق مع ظاهر قوله ﷺ "لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة" فظاهره أن الرجل لم يكن مسلما، إذ معناه أن الرجل بعد أن قتل نفسه لم يكن مسلما بالمعنى اللغوي، أي لم يكن منقادا خاضعا لقضاء الله، بل عارض القضاء، واستعجل الموت، وتدفعنا هذه النقطة إلى التساؤل. هل هذا الرجل -على أنه غير منافق- من أهل النار المؤقتين أو المؤبدين؟ والجواب: أنه يحتمل -عند أهل السنة- أنه من أهل النار الذين يستوفون فيها عقوبة جريمتهم، ثم يحولون إلى الجنة لتوحيدهم، غاية الأمر أن الحديث يدل على أن هذا الرجل ليس ممن يشملهم عفو الله، وأنه لن يسامح عن هذه المعصية، وأنه سينفذ عليه وعيد الفساق، ولا يلزم منه أن كل من قتل نفسه يقضى عليه بالنار، لجواز عفو الله عنه.
стр. 369
وقال ابن التين: ويحتمل أن يكون هذا الرجل، حين أصابته الجراحة ارتاب وشك في الإيمان، أو استحل قتل نفسه، فمات كافرا، فيكون من أهل النار المؤبدين.
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - التحذير من الاغترار بالأعمال، وأنه ينبغي للعبد ألا يتكل عليها، ولا يركن إليها مخافة من انقلاب الحال للقدر السابق، وكذا ينبغي للعاصي ألا يقنط، ولغيره ألا يقنطه من رحمة الله، إذ معنى "إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة" أن الأعمال بالخواتيم كما جاء في آخر رواية البخاري.
٢ - وفي الحديث إخباره ﷺ بالمغيبات، وذلك من معجزاته الظاهرة.
٣ - وفيه جواز الإخبار عن حال الرجل السيئ إذا كان الإخبار يحقق مصلحة مشروعة.
٤ - وفيه الوعيد والتحذير من قتل النفس مهما كانت الآلام.
٥ - وفيه أن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، وفجوره على نفسه، ولا يعارض هذا قوله ﷺ "لا نستعين بمشرك" لأن الفاجر غير المشرك.
٦ - استدل به بعضهم على أنه لا يطلق على كل مقتول في الجهاد أنه شهيد، لاحتمال أن يكون مثل هذا، وإن كان مع ذلك يعطى حكم الشهداء في الأحكام الظاهرة. فقد خطب عمر، فقال تقولون في مغازيكم: فلان شهيد، ومات فلان شهيدا، ولعله يكون قد أوقر راحلته. ألا لا تقولوا ذلكم، قولوا كما قال رسول الله ﷺ : "من مات في سبيل الله أو قتل فهو شهيد".
وعن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: "من تعدون الشهيد؟ قالوا: من أصابه السلاح، قال: كم من أصابه السلاح وليس بشهيد ولا حميد، وكم من مات على فراشه حتف أنفه عند الله صديق وشهيد".
والله أعلم.
стр. 370
(٦٧) باب تحريم الجنة على قاتل نفسه
١٩٣ - عن شيبان قال: سمعت الحسن يقول: "إن رجلا ممن كان قبلكم خرجت به قرحة. فلما آذته انتزع سهما من كنانته. فنكأها. فلم يرقأ الدم حتى مات. قال ربكم: قد حرمت عليه الجنة". ثم مد يده إلى المسجد فقال: إي والله لقد حدثني بهذا الحديث جندب، عن رسول الله ﷺ في هذا المسجد.
١٩٤ - عن الحسن قال: حدثنا جندب بن عبد الله البجلي في هذا المسجد. فما نسينا. وما نخشى أن يكون جندب كذب على رسول الله ﷺ . قال: قال رسول الله ﷺ "خرج برجل فيمن كان قبلكم خراج" فذكر نحوه.
-[المعنى العام]-
حذر ﷺ من قتل النفس تحذيرا مؤكدا، وكرر هذا التحذير في صور مختلفة، وفي مناسبات متعددة: مرة بالتحديث العام "من قتل نفسه بحديدة ... " إلخ.
ومرة باستغلال ظروف الجهاد الذي يظن أنه ميدان الجنة، ليبين أن هذا العمل الإسلامي الكبير لا يغطي جريرة قتل النفس، ومرة بذكر حادثة وقعت في بني إسرائيل ليؤكد أن هذه المعصية ليست كبيرة في ديننا وحده، بل مما توافقت الشرائع السابقة على تغليظها. يقص ﷺ أن رجلا من الأمم السابقة أصابته جراحة في يده، فأهمل وقايتها وعلاجها فتقيحت، وأصبحت قرحة مليئة بالصديد والجراثيم، وأخذ ألمها يزداد ووجعها يشتد، حتى ضعفت قوة الرجل وعزيمته أمام عذابها، فقرر أن يتخلص من الحياة كلها ليستريح من آلام قرحته، وما حسب حسابا لما سيلاقيه من عذاب دائم بدل العذاب المؤقت، ومن نار جهنم التي لا يقرب من آلامها الجراح الدنيوية مهما بلغت قسوتها وصعوبتها.
فتح جعبة سهامه، وأخرج منها سهما ماضيا، ونخس القرحة نخسة شديدة لعله يفجر شريان يده، فآلمه السهم ولم ينفجر الشريان، فأخذ سكينا مرهفا، ليسرع بالمهمة ويحقق القصد، وفي لحظة كشط القرحة ونفذ إلى الشريان الذي قذف بدمه، ولم يحاول أن يكتم المنفذ، أو يسد ما فتح، بل ترك الدم يسيل حتى مات.
стр. 371
فقال الله تعالى لملائكته: بادرني عبدي، وتعجل الموت، وقتل نفسه، ولم يصبر على بلائي، ولم يرض بقضائي، أشهدكم أني حرمت عليه الجنة.
ألا فليعلم من يضيق بالحياة ونوائبها، ومن يحاول التخلص بالانتحار من متاعبها، أن بعد الحياة حياة، وأنه سينقل من حالة إلى حالة أشد، وسيركب طبقا عن طبق وهولا بعد هول، فليتحمل ساعة الألم، وليذكر كم سعد بالصحة والراحة سنين، وليحمد الله على السراء والضراء، وليسأله العفو والعافية في الدنيا، فإنه بعباده - جل شأنه- أرحم الراحمين.
-[المباحث العربية]-
(سمعت الحسن) البصري.
(إن رجلا ممن كان قبلكم) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسم هذا الرجل.
(خرجت به قرحة) بفتح القاف وإسكان الراء، واحدة القروح وهي حبات تخرج في بدن الإنسان، وفي الرواية الثانية "خرج برجل فيمن كان قبلكم خراج" وهو بضم الخاء وتخفيف الراء: القرحة، وفي رواية البخاري "رجل به جرح" بضم الجيم وسكون الراء، وجمع الحافظ ابن حجر بينها فقال: كأنه كان به جرح ثم صار قرحة، ودلت رواية البخاري على أن الجرح كان في يده.
(فلما آذته) أي آلمته إيلاما شديدا لم يصبر عليه، وفي رواية البخاري "فجزع".
(انتزع سهما من كنانته) بكسر الكاف هي جعبة النشاب، سميت كنانة لأنها تكن السهام، أي تسترها.
(فنكأها) بالنون والهمز. أي نخسها وخرقها وفتحها، وفي رواية البخاري: "فأخذ سكينا فخز بها يده" وجمع بين الروايتين باجتماع أن يكون قد فجر الجرح بذبابة السهم فلم ينفعه، فخز موضعه بالسكين.
(فلم يرقأ الدم) أي لم يقطع. يقال: رقأ الدم والدمع يرقأ مثل ركع يركع، إذا سكن وانقطع.
(ثم مد يده إلى المسجد. فقال) هذه الجملة من كلام "شيبان" الراوي عن الحسن. والمعنى قال شيبان: بعد أن حدث الحسن بهذا الحديث مد يده مشيرا إلى مسجد البصرة فقال.
(إي والله) "إي" حرف جواب بمعنى نعم، تسبق القسم.
(لقد حدثني بهذا الحديث جندب عن رسول الله ﷺ في هذا المسجد) فجندب حدث الحسن بهذا الحديث في مسجد البصرة، والحسن حدث شيبان به في نفس المسجد، وفائدة ذكر المكان التوثيق بالرواية، والإشعار بكمال الضبط.
стр. 372
(فما نسينا) ما حدثنا به الحسن، أشار بذلك إلى تحققه مما حدث به، وقرب عهده به واستمرار ذكره له.
-[فقه الحديث]-
لما كان أهل السنة يقولون: إن المؤمن العاصي لا تحرم عليه الجنة. كان عليهم أن يجيبوا عن قوله ﷺ في هذا الحديث: "قال ربكم قد حرمت عليه الجنة" وقد أجابوا عن ذلك من أوجه:
١ - أنه كان قد استحل ذلك الفعل، فصار كافرا، والكافر تحرم عليه الجنة.
٢ - أن المراد أن الجنة حرمت عليه في وقت ما، كالوقت الذي يدخل فيه السابقون، أو الوقت الذي يعذب فيه الموحدون في النار ثم يخرجون. والمعنى حرمت عليه الجنة فترة من الزمن.
٣ - أن المراد جنة معينة كالفردوس مثلا، فـ "أل" في الجنة للعهد.
٤ - أن الرجل كان كافرا في الأصل، وعوقب بهذه المعصية زيادة على كفره، وهذا الرأي بعيد، وبعده واضح.
٥ - أن ذلك ورد على سبيل التغليظ والتخويف وظاهره غير مراد.
٦ - أن التقدير: حرمت عليه الجنة إن شئت استمرار ذلك.
٧ - قال النووي: يحتمل أن يكون ذلك شرع من مضى، وأن أصحاب الكبائر يكفرون بفعلها.
ذكر هذه الوجوه الحافظ ابن حجر في الفتح، وزاد النووي نقلا عن القاضي عياض: أنه يحتمل أن تحرم عليه الجنة ويحبس في الأعراف. وهذا التوجيه الأخير لا يتمشى مع مذهب أهل السنة القائلين بدخول جميع الموحدين الجنة.
وأقرب التوجيهات للقبول هو التوجيه الثاني، وأن تحريم الجنة تحريم مؤقت، وليس في الحديث بجميع رواياته ما يدل على تأبيد تحريمها عليه.
قال النووي: ثم إن هذا محمول على أنه نكأها استعجالا للموت أو لغير مصلحة، فإنه لو كان على طريق المداواة التي يغلب على الظن نفعها لم يكن حراما. اهـ.
ورواية البخاري صريحة في أنه فعل ذلك استعجالا للموت، ونصها" فجزع، فأخذ سكينا فخز بها يده، فما رقأ الدم حتى مات، قال الله : بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة".
وقد استشكل قوله "بادرني عبدي" في رواية البخاري، لأنه يقتضي أن يكون من قتل فقد مات قبل أجله، لما يوهمه سياق الحديث من أنه لو لم يقتل نفسه لتأخر موته عن ذلك الوقت وعاش، لكنه
стр. 373
بادر فتقدم، هذا الظاهر قد يتمشى مع مذهب المعتزلة، أما أهل السنة فهم يقولون: إن المقتول ميت بأجله، ولهذا يجيبون على الإشكال بأن المبادرة إنما هي من حيث التسبب في ذلك والقصد له والاختيار، وليست بخروج الروح، وأطلق على ذلك مبادرة لوجود صورتها، وإنما استحق المعاقبة لأن الله لم يطلعه على انقضاء أجله، فاختار هو قتل نفسه، فاستحق المعاقبة لعصيانه.
وقال القاضي أبو بكر: قضاء الله مطلق، ومقيد بصفة، فالمطلق يمضي على الوجه بلا صارف، والمقيد على الوجهين. مثال: أن يقدر لواحد أن يعيش عشرين سنة إن قتل نفسه، وثلاثين سنة إن لم يقتل، وهذا بالنسبة إلى علم المخلوق، كذلك الموت مثلا. وأما بالنسبة إلى علم الله فإنه لا يقع إلا ما علمه. اهـ.
فمعنى الحديث على هذا: بادرني عبدي بالنسبة لعلم المخلوقين: لا في الحقيقة ونفس الأمر وعلم الله تعالى.
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - تحريم قتل النفس، ولئن كان الحديث يحكي شرع من قبلنا فإنه أقره، وإقرار شرع من قبلنا يجعله شرعا لنا.
٢ - فيه الوقوف عند حدود الله تعالى، وأن الأنفس ملك له فلا يتصرف فيها صاحبها إلا بما شرعه المالك جل شأنه.
٣ - فيه رحمة الله تعالى بخلقه، حيث حرم عليهم قتل نفوسهم.
٤ - فيه الحث على الصبر على البلاء وترك الجزع.
٥ - وفيه تحريم تعاطي الأسباب المفضية إلى المحرم.
٦ - وفيه التحدث عن الأمم الماضية وما فعلت، بقصد الترغيب أو الترهيب.
٧ - وفيه الاحتياط في التحديث، وكيفية الضبط له، والتحفظ فيه بذكر المكان، والإشارة إلى ضبط المحدث، وتوثيقه لمن حدثه ليركن السامع لذلك.
٨ - قال الحافظ ابن حجر في قول الراوي: "وما نخشى أن يكون جندب كذب على رسول الله ﷺ " إشارة إلى أن الصحابة عدول، وأن الكذب مأمون من قبلهم، ولا سيما على النبي ﷺ . اهـ.
والحق أن العبارة توثق جندبا، وتؤكد عدالته، ولا تتعرض لغيره من الصحابة وإن كانوا حقا عدولا لكن بأدلة أخرى.
والله أعلم
стр. 374
(٦٨) باب تحريم الغلول
١٩٥ - عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لما كان يوم خيبر أقبل نفر من صحابة النبي ﷺ . فقالوا: فلان شهيد. فلان شهيد. حتى مروا على رجل فقالوا: فلان شهيد. فقال رسول الله ﷺ "كلا. إني رأيته في النار. في بردة غلها. أو عباءة". ثم قال رسول الله ﷺ "يا ابن الخطاب! اذهب فناد في الناس أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون" قال فخرجت فناديت "ألا إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون".
١٩٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: خرجنا مع النبي ﷺ إلى خيبر. ففتح الله علينا. فلم نغنم ذهبا ولا ورقا. غنمنا المتاع والطعام والثياب. ثم انطلقنا إلى الوادي. ومع رسول الله ﷺ عبد له، وهبه له رجل من جذام. يدعى رفاعة بن زيد من بني الضبيب. فلما نزلنا الوادي قام عبد رسول الله ﷺ يحل رحله. فرمي بسهم. فكان فيه حتفه. فقلنا: هنيئا له الشهادة يا رسول الله! قال رسول الله ﷺ "كلا. والذي نفس محمد بيده! إن الشملة لتلتهب عليه نارا، أخذها من الغنائم يوم خيبر. لم تصبها المقاسم" قال ففزع الناس. فجاء رجل بشراك أو شراكين. فقال: يا رسول الله، أصبت يوم خيبر. فقال رسول الله ﷺ "شراك من نار أو شراكان من نار".
-[المعنى العام]-
هاجر أبو هريرة إلى المدينة ورسول الله ﷺ بخيبر فأدركه بها، وخرج معه من خيبر بعد معركتها وفتحها إلى وادي القرى، وأخذ الصحابة يتحدثون عن شهدائهم على مسمع من رسول الله ﷺ ، يقولون: فلان شهيد، وفلان شهيد، وفلان شهيد وذكروا رجلا قتل في المعركة أو عقبها، وقالوا عنه: فلان شهيد فقال رسول الله ﷺ : كلا، ليس بشهيد، إني رأيته - ورؤياي وحي- في النار بسبب بردة سرقها من الغنيمة تشتعل عليه نارا يوم القيامة، ثم قال: قم يا ابن الخطاب، فناد في الناس: إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون الذين لا يغلون، فخرج عمر ونادى بما أمره به ﷺ .
стр. 375
وبينما الصحابة على ذلك، وبينما عبد أسود لرسول الله ﷺ يحل رحل ناقة النبي ﷺ إذ جاءه سهم طائش قضى عليه، فقال الصحابة: هنيئا له الشهادة، قال ﷺ : كلا ليس بشهيد والله الذي نفسي بيده إن البردة التي سرقها من الغنيمة يوم خيبر قبل القسمة تشتعل عليه نارا.
ففزع الناس وخافوا وانزعجوا من هذه العقوبة، وقد كانوا يحسبون مثل هذا الأمر هينا، فعلموا أنه عند الله عظيم، وكان ممن هاله الخطب رجل أخذ خفية من الغنيمة سيرا لنعله أو سيرين، فأسرع بإحضارهما وتسليمهما لرسول الله ﷺ قائلا: استغفر لي يا رسول الله، فقد أخذت هذين السيرين يوم خيبر، فأخذهما رسول الله ﷺ وهو يقول لو لم تردهما لكانا سيرين من النار يلتهبان على قدميك يوم القيامة.
-[المباحث العربية]-
(لما كان يوم خيبر) "كان" تامة و"يوم" فاعلها، وفي "خيبر" مضاف محذوف أي يوم فتح خيبر.
(أقبل نفر) النفر عدة رجال من الثلاثة إلى التسعة، وجمعه أنفار وأنفرة ونفراء، ولم تعرف أسماؤهم، وقد أقبلوا من المعركة إلى رسول الله ﷺ .
(فقالوا: فلان شهيد) كلمة "فلان" من مقول عمر بن الخطاب ﵁ وليست من مقول النفر، وهي كناية عن الاسم الصريح الذي قالوه. وإن أعربت صياغة مقولا لقالوا، والمراد من "شهيد" أي سقط في القتال بين المسلمين والكفار فيحكم له بدخول الجنة أول وهلة.
(حتى مروا على رجل) أي حتى جاءوا في عدهم على اسم رجل.
(كلا) حرف زجر ورد. أي ليس بشهيد.
(إني رأيته في النار) رؤيا منام، وهي حق، أو الرؤية بمعنى العلم، أي علمت أنه من أهل النار بطريق الوحي.
(في بردة غلها أو عباءة) جملة "غلها" صفة لبردة، وحذف هذا الوصف من "عباءة" لدلالة الوصف الأول عليه، والتقدير: أو عباءة غلها.
و"في" للظرفية على أنه رئي في النار مظروفا في البردة، أو للسببية، والأول أنسب، والبردة: بضم الباء كساء مخطط، وهي الشملة، وقال أبو عبيد: هو كساء أسود، فيه صور، وجمعها برد بضم الباء وفتح الراء، وأما العباءة فمعروفة، وهي بألف ممدودة، ويقال فيها أيضا عباية بالياء والغلول -وفعله غل يغل بضم الغين-: هو الخيانة في الغنيمة خاصة، وقال بعضهم: هو الخيانة في كل شيء. قال ابن قتيبة: سمي بذلك لأن آخذه يغله في متاعه، أي يخفيه.
стр. 376
(ففتح الله علينا) مفعول "فتح" محذوف أي فتح الله علينا حصونها.
(فلم نغنم ذهبا ولا ورقا) الورق -بفتح الواو وكسر الراء- الدراهم المضروبة، وفي رواية البخاري "ولم نغنم ذهبا ولا فضة".
(غنمنا المتاع والطعام والثياب) وفي رواية البخاري "إنما غنمنا البقر والإبل والمتاع والحوائط".
(ثم انطلقنا إلى الوادي) في رواية البخاري "إلى وادي القرى".
(عبد له) في رواية الموطأ "عبد أسود" وفي رواية البخاري يقال له "مدعم" بكسر الميم وسكون الدال وفتح العين.
(رفاعة بن زيد من بني الضبيب) بضم الضاد المعجمة، وبعدها ياء موحدة مفتوحة، ثم ياء ساكنة، وكان رفاعة قد وفد على رسول الله ﷺ في ناس من قومه قبل خروجه إلى خيبر، فأسلموا، وعقد له على قومه فأهداه ذلك العبد.
(يحل رحلا) وفي رواية البخاري: "يحط رحل رسول الله ﷺ "والرحل مركب الرجل على البعير.
(فرمي بسهم) في رواية البخاري "إذ جاءه سهم عائر" (أي طائش لا يدرى من رمي به. وقيل: هو الحائد عن قصده).
(فكان فيه حتفه) بفتح الحاء وإسكان التاء، أي موته، وجمعه حتوف، ومات حتف أنفه، أي من غير قتل ولا ضرب.
(إن الشملة لتلتهب عليه نارا) الشملة هي البردة -كما سبق بيانه- يحتمل أن يكون ذلك حقيقة بأن تصير الشملة نفسها نارا تحيط به، فيعذب بها، ويحتمل أن يكون المراد أنها سبب لعذاب النار.
(أخذها من الغنائم) جملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
(فجاء رجل بشراك أو شراكين) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسم الرجل. والشراك بكسر الشين وتخفيف الراء هو السير المعروف الذي يكون في النعل على ظهر القدم، وهو السير الذي يدخل فيه أصبع الرجل.
(أصبت يوم خيبر) المفعول محذوف. أي أصبته يوم خيبر أي أخذت الشراك أو الشراكين من الغنيمة قبل القسمة يوم خيبر.
стр. 377
(شراك من نار) خبر مبتدأ محذوف، أي هذا شراك من نار لو لم ترده، أي كان مآله أن يصير شراكا من نار. ففيه مجاز مرسل من قبيل: ﴿إني أراني أعصر خمرا﴾ [يوسف: ٣٦].
-[فقه الحديث]-
من المعلوم أن أبا هريرة هاجر من اليمن إلى المدينة ورسول الله ﷺ بخيبر. فقد روى أحمد وابن خزيمة وابن حبان والحاكم عن أبي هريرة قال: قدمت المدينة والنبي ﷺ بخيبر وقد استخلف على المدينة "سباع بن عرفطة" فزودنا شيئا حتى أتينا خيبر وقد افتتحها النبي ﷺ فكلم المسلمين فأشركونا في سهامهم.
إذا تقرر هذا كان قول أبي هريرة في الرواية الثانية: "خرجنا مع النبي ﷺ إلى خيبر" مشكلا، ولهذا قال محققو المحدثين: إن الراوي وهم في هذه الرواية، وفي هذه العبارة بالذات ولهذا كانت بقية الروايات بعيدة عن هذه العبارة، فالرواية الأولى التي معنا واضحة لا إشكال فيها ورواية البخاري كذلك، ونصها "افتتحنا خيبر ولم نغنم ذهبا ولا فضة" فإدخاله نفسه في افتتاحها باعتبار أنه قسم له في مغانمها، فاعتبر كالمفتتحين لها. ورواية ابن حبان والحاكم "انصرفنا مع رسول الله ﷺ إلى وادي القرى" وهي واضحة. ولعل الرواية الثانية التي معنا محرفة من رواية البيهقي التي نصها "خرجنا مع النبي ﷺ من خيبر إلى وادي القرى".
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - عظم تحريم الغلول، ونقل النووي الإجماع على أنه من الكبائر.
٢ - أنه لا فرق بين قليله وكثيره حتى الشراك الذي هو سير النعل.
٣ - استدل به على أن من غل شيئا من الغنيمة فعليه رده، قال ابن المنذر: أجمعوا على أن الغال يجب عليه أن يعيد ما غل قبل القسمة، وأما ما غل بعدها فقد قال النووي والأوزاعي والليث ومالك: يدفع إلى الإمام خمسه، ويتصدق بالباقي، وكان الشافعي لا يرى ذلك ويقول: إن قيل: إنه ملكه فليس عليه أن يتصدق به، وإن قيل: إنه لم يملكه فليس له الصدقة بمال غيره، قال: والواجب أن يدفعه إلى الإمام كالأموال الضائعة.
٤ - أن الغال إذا رد ما غله قبل منه.
٥ - وأنه لا يحرق متاعه، سواء رده أو لم يرده، فإنه ﷺ لم يحرق متاع صاحب الشملة وصاحب الشراك، ولو كان واجبا لفعله، ولو فعله لنقل، وأما حديث "من غل فاحرقوا متاعه واضربوه" وفي رواية: "واضربوا عنقه"، فضعيف. قال الطحاوي: ولو كان صحيحا لكان منسوخا، ويكون هذا حين كانت العقوبات في الأموال.
стр. 378
٦ - وفيه تنبيه على أن معاقبة الغال إنما تكون بما غل، قال تعالى: ﴿ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة﴾ [آل عمران: ١٦١].
٧ - وفي الحديث قبول الإمام للهدية: قال الحافظ ابن حجر: إن كانت لأمر يختص به في نفسه، أي لو كان غير وال فله التصرف فيها بما أراد، وإلا فلا يتصرف فيها إلا للمسلمين، وعلى هذا التفصيل يحمل حديث "هدايا الأمراء غلول" فيخص بمن أخذها فاستبد بها، وخالف في ذلك بعض الحنفية. فقال: له الاستبداد مطلقا، بدليل أنه لو ردها على مهديها لجاز، فلو كانت فيئا للمسلمين لما ردها.
٨ - جواز الحلف بالله تعالى من غير ضرورة، قصد تأكيد الخبر لقوله ﷺ "والذي نفس محمد بيده".
٩ - أن الغال من الغنيمة ليس بشهيد، فإن رسول الله ﷺ لما قالوا عنه: شهيد. قال: كلا. قال النووي: من غل في الغنيمة وشبهه ممن وردت الآثار بنفي تسميته شهيدا إذا قتل في حرب الكفار، فهذا له حكم الشهداء في الدنيا، فلا يغسل، ولا يصلى عليه، وليس له ثوابهم الكامل في الآخرة. اهـ.
فنفي الشهادة نفي لثوابها الكامل، ونفي لتحريم صاحبها على النار.
والله أعلم
стр. 379
(٦٩) باب قاتل النفس لا يكفر
١٩٧ - عن جابر ﵁ أن الطفيل بن عمرو الدوسي أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، هل لك في حصن حصين ومنعة؟ (قال حصن كان لدوس في الجاهلية) فأبى ذلك النبي ﷺ . للذي ذخر الله للأنصار. فلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة. هاجر إليه الطفيل بن عمرو. وهاجر معه رجل من قومه. فاجتووا المدينة. فمرض، فجزع فأخذ مشاقص له، فقطع بها براجمه، فشخبت يداه حتى مات. فرآه الطفيل بن عمرو في منامه. فرآه وهيئته حسنة. ورآه مغطيا يديه. فقال له: ما صنع بك ربك؟ فقال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه ﷺ فقال: ما لي أراك مغطيا يديك؟ قال قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدت. فقصها الطفيل على رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم وليديه فاغفر".
-[المعنى العام]-
قدم الطفيل بن عمرو الدوسي من وطنه باليمن إلى مكة، وكان من وجهاء قومه، فخافت قريش أن يتصل برسول الله ﷺ فيسلم، فحذرته منه بأنه يفرق بين المرء وزوجه، وبأنه ساحر إلخ، فدفعه حب الاستطلاع إلى القرب من رسول الله ﷺ من حيث لا يشعر، فسمع منه بعض آيات القرآن الكريم، فوقعت في قلبه، فما انصرف رسول الله ﷺ إلى بيته أدركه الطفيل، فطلب منه أن يعرض عليه الإسلام فأسلم، ورجع إلى قومه، ودعاهم إلى الإسلام، فكان ممن أجابه أبو هريرة ﵁ وجماعة من أهله، وبعد مدة رجع إلى رسول الله ﷺ ، ورأى إيذاء قريش له وللمسلمين، فعرض عليه أن يهاجر إلى اليمن ويقيم في حصن دوس المنيع، وفي حماية جماعة من قوم الطفيل المسلمين، فاعتذر عن الهجرة رسول الله ﷺ فقد كان ربه قد أراه أرض طيبة، وأعلمه أنها أرض الهجرة، ولم يكن قد أذن له فيها، فعاد الطفيل إلى أهله، فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، وبعد بدر وأحد والخندق، وفي عمرة القضية هاجر الطفيل بن عمرو، ومعه رجل من قومه، واستقر بهم المقام في المدينة، لكن هواءها لم يناسبهما، فأصابتهما بعض الأمراض، واشتد المرض بصاحبه، وبرحت به الآلام، فلم يطق عليها صبرا، فأخذ سهما عريضا حادا كالسكين، وقطع به أصابعه، ففجر شرايينه، فسال دمه بغزارة، ولم ينقطع حتى مات، فرآه الطفيل في المنام، رآه حسن الهيئة، وقد كان يعلم أنه مات عاصيا بانتحاره، فتعجب من حسن هيئته فقال له: ما صنع الله بك؟ قال: غفر لي خطاياي بفضل هجرتي إلى رسوله ﷺ ، قال له: فما بالك تغطي يديك؟ قال: قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدت، فبقي الأذى
стр. 380
الذي فعلته، بقي في يدي. فقص الطفيل رؤياه على رسول الله ﷺ .
فعلم منه أنها حق، فسأل رسول الله ﷺ ربه أن تشمل المغفرة والرحمة اليدين، كما شملت الرجل كله، فقال اللهم وليديه فاغفر.
-[المباحث العربية]-
(هل لك في حصن حصين) الحصن: القصر المسور بسور خاص لحماية من به من الأعداء، والوصف بحصين للتأكيد، فعيل بمعنى اسم الفاعل، أي محصن من بداخله.
(ومنعة) بفتح الميم، وبفتح النون وإسكانها لغتان، والفتح أفصح، وهي: العز والامتناع ممن يريده، فهي بمعنى الحصن الحصين، والعطف تفسيري، وقيل: المنعة جمع مانع، كظلمة جمع ظالم، أي جماعة يمنعونك ممن يقصدك بمكروه.
(قال: حصن كان لدوس في الجاهلية) أي قال الطفيل ذلك تكميلا لعرضه و"حصن" خبر لمبتدأ محذوف. أي ما أعرضه عليك حصن كان لدوس قبيلتي.
(فأبى ذلك) أي لم يقبل العرض.
(للذي ذخر الله للأنصار) اللام في "للذي" لام العاقبة. أي رفض العرض لتكون العاقبة [الفضل والشرف الذي ادخره الله] لأهل المدينة (الأنصار).
(هاجر إليه الطفيل) كانت هجرة الطفيل في عمرة القضية، وقيل: قدم مع أبي هريرة في خيبر.
(وهاجر معه رجل من قومه) لم أقف على اسمه. ولعل الرواة أغفلوا اسمه (كدأبهم) للستر على أصحاب المعاصي.
(فاجتووا المدينة) بفتح الواو الأولى وضم الثانية، وضمير الجمع يعود على الطفيل والرجل المذكور ومن يتصل بهما، ومعناه: كرهوا المقام بها لضجر ونوع سقم. وأصله من الجوى وهو يصيب الجوف. وقال أبو عبيد: اجتويت البلدة كرهت المقام بها، وإن وافقتك في بدنك واستوبلتها إذا أحببتها وإن لم توافقك في بدنك. وفي رواية "فاجتوى المدينة فمرض فجزع فأخذ" بالإفراد في الجميع. وهي أنسب.
(فأخذ مشاقص له) بفتح الميم والشين وبالقاف والصاد جمع مشقص، وهو سهم فيه نصل عريض، وقيل: سهم طويل ليس بالعريض، والأول هو الظاهر هنا، لقوله "فقطع بها" ولا يحصل ذلك إلا بالعريض، ولعله جرب مشقصا ثم مشقصا ثم مشقصا، حتى قطع، ولهذا جاء بصيغة الجمع "مشاقص".
стр. 381
(فقطع بها براجمه) البراجم بفتح الباء وبالجيم: مفاصل الأصابع واحدها برجمة. قال أبو عبيد: الرواجب والبراجم مفصل الأصابع. وقال ابن العربي: الرواجب رءوس العظام في ظهر الكف، والبراجم المفاصل التي تحتها.
(فشخبت يداه) بفتح الشين والخاء. أي سال دمها، وقيل: سال بقوة.
والذي أتصوره أنه شخبت يد واحدة قطع براجمها باليد الأخرى، والتثنية بناء على أنه أمسك اليد المقطوعة باليد السليمة القاطعة، فسال الدم منهما، واحدة بالفعل وواحدة في الصورة، أو بناء على أن اليدين سال دمهما وخرج عن طريق يد واحدة، وهذا احتمال بعيد، كاحتمال أن يكون قد قطع بعضا من براجم يده. ثم أمسك المشقص بما بقي فيها من أصابع فقطع براجم الأخرى، فشخبت اليدان.
(ورآه مغطيا يديه) تثنية "يديه" هنا وفي قوله "مغطيا يديك" وقول النبي ﷺ "اللهم وليديه فاغفر" ربما أيدت التصور الأخير: وأنه قطع بعض براجم كل من اليدين. فدعوى أن قبح اليدين وأذاهما باعتبار أن إحداهما قاطعة فأوخذت وشوهت والأخرى مقطوعة مشوهة لم تصلح.
(فقصها الطفيل) أي قص الرؤيا.
(اللهم وليديه فاغفر) الواو عاطفة على محذوف. أي اللهم فاغفر له وليديه.
-[فقه الحديث]-
استدل به أهل السنة على أن من قتل نفسه، أو ارتكب كبيرة غيرها ومات من غير توبة فليس بكافر، ولا يقطع له بالنار، بل هو في حكم المشيئة يجوز أن يعفو الله عنه، ويجوز أن يعاقبه على ذنبه.
فإن قيل: هل هذا الرجل عوقب أو لم يعاقب؟ إن كان عوقب فكيف التوفيق مع قوله "غفر لي بهجرتي" وإن كان لم يعاقب فكيف بيديه.
قلنا إنه لم يعاقب على قتل نفسه، إذ عقوبة القتل نار حامية، وإنما غفر له تلك المعصية وغيرها بهجرته، وأخذ مؤاخذة خفيفة بالأذى في يديه.
فإن قيل: هل قبلت دعوة الرسول ﷺ بمغفرة يديه، أو لم تقبل؟ إن كان الأول فكيف التوفيق بينه وبين قوله "لن نصلح منك ما أفسدت".
قلنا: الظاهر قبول دعوته ﷺ ، وأنه غفر لجميعه وعفي عنه، ومعنى "لن نصلح منك ما أفسدت" أي ما لم يدع لك رسول الله ﷺ ، أو لن نصلح منك الآن ما أفسدت.
وفي الحديث رد على المعتزلة في قولهم بتخليد العاصي في النار، وعلى الخوارج في قولهم بكفر مرتكب الكبيرة، وعلى المرجئة في قولهم: لا يضر مع الإيمان شيء.
стр. 382
فإن قيل: كيف يحتج برؤيا غير النبي ﷺ على حكم شرعي؟
قلنا: إن الاحتجاج ليس بالرؤيا، وإنما بتقرير النبي ﷺ ، فقد أقر ﷺ ما جاء فيها، وبنى عليه طلبه المغفرة ليديه.
وفي الحديث منقبة عظيمة، وفضل كبير للطفيل بن عمرو في حرصه على سلامة الرسول ﷺ ورغبته في حمايته والتشرف به في دياره، وفيه حرص الصاحب على صاحبه وشفقته عليه، وشفقة الرسول ﷺ بأمته.
والله أعلم.
стр. 383
(٧٠) باب الريح التي تكون قرب القيامة
١٩٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله يبعث ريحا من اليمن، ألين من الحرير، فلا تدع أحدا في قلبه (قال أبو علقمة: مثقال حبة. وقال عبد العزيز: مثقال ذرة) من إيمان إلا قبضته".
-[المعنى العام]-
في الحديث عن أشراط الساعة وعلاماتها، يخوف ﷺ منها، ويطمئن المؤمنين الصالحين من شرورها فيقول: ستظل طائفة من أمتي متمسكين بالحق. قابضين على دينهم كالقابض على الجمر، لا يضرهم من خالفهم، حتى يأتي أمر الله، فيبعث الله ريحا لينة طيبة من قبل اليمن، فتخرج أرواحهم مع نسيمها سهلة يسيرة، فيخلصون بذلك من نكد الحياة، ومن معايشة الأشرار، إلى رضوان ربهم راضين مرضيين فيدخلون في عباده، ويدخلون جنته، مخلفين الدنيا إلى شرار الخلق، وإلى حثالة الناس، يعيثون في الأرض الفساد، يقتل بعضهم بعضا، ويركب قويهم ضعيفهم، لا علم ولا دين يردعهم، ولا خلق ولا ضمير يحول دون سفاهتهم، يكثر فيهم الهرج، وينتشر بينهم الفجور، وعليهم تقوم الساعة بغتة فتأخذهم وهم يخصمون، أعاذنا الله من هذا البلاء، ووقانا شر ذلك اليوم ولقانا نضرة وسرورا.
-[المباحث العربية]-
(ريحا من اليمن) أي من جهة اليمن، ففي الكلام مضاف محذوف، وهذا بالنسبة لسكان الجزيرة العربية، أما المسلمون الذين هم شرق اليمن وجنوبه فيحتمل أن تأتيهم الريح من الجنوب الشرقي، ويحتمل أن تأتيهم من اليمن، فتكون اليمن مصدر نشر الرياح اللينة إلى جميع الاتجاهات، والظاهر: أن المقصود الريح اللينة بقطع النظر عن مصدرها، وذكر جهة اليمن في الحديث لما عهد عند العرب من لين ريحها.
(إلا قبضه) أي إلا قبضه الله بواسطة ملك الموت بسببها، فالريح لا تقبض الأرواح، وفي الكلام مجاز عقلي.
стр. 384
-[فقه الحديث]-
هدف الحديث يتلخص في نقطتين:
الأولى: قبض الصالحين برفق قبل قيام الساعة.
الثانية: أن الساعة تقوم على شرار الخلق، وفيهما وردت أحاديث كثيرة: تؤكد وتوضح المعنيين: ففي مسلم: قال النبي ﷺ "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن"، وفيه "يبعث الله ريحا طيبة تتوفى كل من في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه" وفيه أيضا "فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحا طيبة، فتأخذهم من تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر [يفحش الرجال بالنساء بحضرة الناس كما يفعل الحمير] فعليهم تقوم الساعة" وفيه "لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله" وفي رواية: "لا تقوم الساعة على أحد يقول: الله الله" وفي البخاري "لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم" وفيه "يذهب الصالحون الأول فالأول، ويبقى حفالة كحفالة الشعير أو التمر (ما يتساقط من قشور الشعير والتمر) لا يبالهم الله باله" وفي بعض الروايات "تذهبون الخير فالخير، حتى لا يبقى منكم إلا حثالة كحثالة التمر، ينزو بعضهم على بعض نزو المعز، على أولئك تقوم الساعة" وفي البخاري "من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء" ومن مجموع هذه الأحاديث نفهم أن الصالحين سيقبضون شيئا فشيئا، وأنهم سيتناقصون تدريجيا، حتى يكونوا في آخر الزمان قلة تموت عند هذه الريح اللينة الطيبة.
وظاهر هذه الأحاديث يتعارض مع ما جاء في الصحيح من قوله ﷺ "لا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى تقوم الساعة". وفي رفع هذا التناقض قال النووي: هذه الأحاديث على ظاهرها، وأما الحديث الآخر "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق إلى يوم القيامة" فليس مخالفا لهذه الأحاديث، لأن معنى هذا أنهم لا يزالون على الحق حتى تقبضهم هذه الريح اللينة قرب القيامة وعند تظاهر أشراطها، فأطلق في هذا الحديث بقاءهم إلى قيام الساعة، على أشراطها ودنوها المتناهي في القرب. اهـ.
ورفع ابن بطال هذا التناقض بتقييد هذه الأحاديث السابقة وتخصيص عمومها، فقال إنها وإن كان لفظها لفظ العموم المراد بها الخصوص، ومعناها أن الساعة تقوم أيضا في الأكثر والأغلب على شرار الناس، بدليل قوله: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى تقوم الساعة" فدل هذا الخبر على أن الساعة تقوم أيضا على قوم فضلاء. اهـ.
والتحقيق: أن توجيه الإمام النووي أصح وأولى بالقبول، لأن ألفاظ العموم وصيغ القصر في تلك الأحاديث تبعد تقييدها بما قيد به ابن بطال. والله أعلم.
стр. 385
كما جمع النووي بين قوله ﷺ : "ريحا من اليمن" وبين حديث آخر رواه مسلم "ريحا من قبل الشام" بوجهين: أحدهما يحتمل أنهما ريحان: شامية ويمانية، ويحتمل أن مبدأها من أحد الإقليمين ثم تصل الآخر، وتنتشر عنده.
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - أن موت الصالحين من أشراط الساعة.
٢ - فيه إشارة إلى رفق الله بهم، وإكرامه لهم عند موتهم.
٣ - انقراض أهل الخير في آخر الزمان حتى لا يبقى إلا أهل الشر.
٤ - فيه تأييد للمذهب الصحيح القائل: إن الإيمان يزيد وينقص.
٥ - فيه من أعلام النبوة الإخبار بالغيب وبما سيأتي عند قيام الساعة.
والله أعلم
стр. 386
(٧١) باب الحث على المبادرة بالأعمال
١٩٩ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم. يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا. أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا. يبيع دينه بعرض من الدنيا".
-[المعنى العام]-
يلهب رسول الله ﷺ عزائم المؤمنين إلى العمل الصالح، ويحذرهم من التراخي مع التمكن، ويخوفهم من تأخير طاعات اليوم إلى الغد، فلا يدري المسلم ما يأتي به غده، فما أكثر الأمراض بعد الصحة، وما أكثر الفقر بعد الغنى، وما أسرع الشيب بعد الشباب، وما أكثر مشاغل الدنيا بعد الفراغ، ويخوف رسول الله ﷺ بما هو أدهى من كل ذلك، بمستقبل للمسلمين مظلم ظلام الليل، لا يميزون فيه الخطأ من الصواب، ولا يحققون فيه الأمور، بل ينجرفون وراء تيارات الفتن، وينزلقون وراء الهوى، وينقادون لأهواء الحياة وزينتها، فيبيعون دينهم بعرض حقير، ويخسرون آخرتهم بدنياهم. يخوف رسول الله ﷺ من هذا المستقبل الغامض، الذي تتطاير فيه الفتن تطاير النار والشرر، فتحرق من تحرق، وتزعج من تزعج، هنالك يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، أو يمسي مؤمنا فتحرقه الفتنة فيصبح كافرا.
فليحذر المؤمن، وليبادر الكيس بالعمل الصالح، وليسابق الزمن بفعل الحسنات قبل أن يفوت الأوان، فيقول: ﴿يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين﴾ [الزمر: ٥٦] أو يقول: لو أن لي عمرا لأكونن من العاملين. أو يقول: لولا أخرني ربي إلى أجل قريب فأصدق وأكون من الصالحين. ﴿ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون﴾ [المنافقون: ١١].
-[المباحث العربية]-
(بادروا بالأعمال فتنا) أي: سابقوا بالأعمال الصالحة فتنا، فاسبقوا بأعمالكم هذه الفتن، والفتنة هي الابتلاء والاختبار، ووسائله كثيرة متعددة، يأتي توضيحها في فقه الحديث.
(كقطع الليل المظلم) كناية عن شدتها، وهول الخوف منها، وإبهام الأمر فيها، وضعف الوصول إلى الحق، وسرعة الوقوع في الباطل، ووصف الليل بالمظلم للتأكيد.
стр. 387
(يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا) شك من الراوي في أي اللفظين صدر عن الرسول ﷺ ، وكل من اللفظين يدل على تحول من حالة الإيمان إلى حالة الكفر فيما بين الليل والنهار، وليس الليل والنهار مقصودين، بل هما كناية عن سرعة التحول، إذ يمكن أن يكون بين الصبح والظهر، أو بين الظهر والعصر مثلا، وذكر الرجل ليس للاحتراز فالمرأة كذلك.
(يبيع دينه بعرض من الدنيا) جملة تعليلية لتحوله إلى الكفر.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: معنى الحديث الحث على المبادرة بالأعمال الصالحة قبل تعذرها والاشتغال عنها بما يحدث من الفتن الشاغلة المتكاثرة المتراكمة كتراكم ظلام الليل المظلم لا المقمر، ووصف ﷺ نوعا من شدائد تلك الفتن، وهو أنه يمسي مؤمنا ثم يصبح كافرا، أو عكسه، وهذا أعظم الفتن، ينقلب الإنسان في اليوم الواحد هذا الانقلاب. اهـ.
فالحديث من قبيل قوله ﷺ : "اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك، وغناك قبل فقرك".
وللفتن وسائل كثيرة، منها المال والبنون، كما قال تعالى: ﴿إنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾ [التغابن: ١٥] والصحة فتنة، وكل خير فتنة، بل وكل شر فتنة، وفي ذلك يقول تعالى: ﴿ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون﴾ [الأنبياء: ٣٥].
ومن هنا يتبين أن الدنيا مزرعة الآخرة، وأن حال المؤمن خير كله، إن أصابه خير فشكر كان خيرا له، وإن أصابه شر فصبر كان خيرا له، وعلى المؤمن ألا يزهد في قليل من الخير أن يفعله، ولا في قليل من الشر أن يجتنبه.
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - أن على المؤمن أن يبادر بفعل الطاعات والاجتناب عن المعاصي ولا يمهل، ولا يؤخر عمل اليوم إلى غد، ولا عمل الساعة إلى ما بعدها فإنه لا يدري متى يموت؟ فإن الساعة تقوم وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما، فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أحدكم أكلته إلى فيه فلا يطعمها. كذا ورد في الحديث.
وليس المقصود من المبادرة بالأعمال الإجهاد والمبالغة والتشدد في الدين، فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى، وإنما المقصود التعجيل بفعل الطاعة الميسورة، فإن خير العمل أدومه وإن قل، ففي الحديث "سددوا وقاربوا واغدوا وروحوا وشيئا من الدلجة" (أي العمل ليلا).
стр. 388
٢ - التحذير من الفتن والابتلاء عموما، ومن مقاتلة المسلم للمسلم خصوصا، فقد شاعت الفتنة في الفتنة الكبرى التي وقعت بين المسلمين.
٣ - عدم الاغترار بما قدم من صالحات، والحث على مداومة الخوف من الله، فإنما الأعمال بالخواتيم، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع -أو باع- فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع - أو باع- فيسبق عليه الكتاب. فيعمل بعمل أهل النار. فيدخلها.
٤ - التمسك بالدين والحرص عليه والاحتياط عند التمتع بعرض الدنيا.
والله أعلم
стр. 389
(٧٢) باب خوف المؤمن أن يحبط عمله
٢٠٠ - عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾ إلى آخر الآية [الحجرات: ٢]. جلس ثابت بن قيس في بيته وقال: أنا من أهل النار. واحتبس عن النبي ﷺ . فسأل النبي ﷺ سعد بن معاذ فقال "يا أبا عمرو، ما شأن ثابت؟ أشتكى؟ " قال سعد: إنه لجاري. وما علمت له بشكوى. قال فأتاه سعد فذكر له قول رسول الله ﷺ . فقال ثابت: أنزلت هذه الآية ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتا على رسول الله ﷺ . فأنا من أهل النار، فذكر ذلك سعد للنبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ "بل هو من أهل الجنة".
٢٠١ - عن أنس ﵁ قال: لما نزلت ﴿لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾ [الحجرات: ٢] ولم يذكر سعد بن معاذ في الحديث.
٢٠٢ - عن أنس ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية. واقتص الحديث. ولم يذكر سعد بن معاذ. وزاد: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا رجل من أهل الجنة.
-[المعنى العام]-
كان ثابت بن قيس خطيب الأنصار، وكان جهوري الصوت، فلما جاء أعراب بني تميم إلى النبي ﷺ -وكان نائما- نادوه بصوت مرتفع من وراء حجرات أمهات المؤمنين: يا محمد، اخرج إلينا، ونادى، أحدهم: يا محمد، إن مدحي زين وإن ذمي شين، فخرج ﷺ وهو يقول: "ذاك الله" أي هو الذي مدحه زين وذمه شين. فلما خرج ﷺ إليهم قام خطيبهم يفاخر ببني تميم فقام ثابت بن قيس يرد عليهم، ويفاخر بصوته الجهوري في حضور النبي ﷺ فلما نزل قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون﴾ [الحجرات: ٢] خشي ثابت بن قيس أن يشمله هذا الوعيد، فدخل بيته، وأغلق عليه بابه، وأخذ يبكي وهو يقول: أنا من أهل النار. وغاب ثابت عن
стр. 390
مجلس رسول الله ﷺ على غير عادة، وتفقده رسول الله ﷺ في مجلسه فلم يجده، فسأل عنه سيد النصار. فقال: يا أبا عمرو، ما بال ثابت بن قيس؟ وما شأنه؟ وما أحواله؟ أخشى أن يكون به سوء أو شكاية، فقال سعد: أنا جاره، ولم أحس منه بشكوى، ولكن آتيك بخبره وما عنده، وذهب إليه سعد وعاصم بن عدي، فواجده منكسا رأسه يبكي - وقد حبس نفسه عن الخروج ومتع الحياة -فقيل له: ما يبكيك؟ إن رسول الله ﷺ سأل عنك، وقال كيت وكيت. قال: شر أصابني. أنزلت هذه الآية، ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتا على رسول الله ﷺ ، فأنا من أهل النار، وعاد إلى البكاء. فرجع سعد إلى النبي ﷺ ، فذكر له ما قال ثابت، فقال النبي ﷺ : إنه من أهل الجنة. اذهب إليه فقل له: إنك لست من أهل النار ولكنك من أهل الجنة، فرجع إليه بهذه البشارة العظيمة، فجاء ثابت إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني أخشى أن أكون قد هلكت.
فقال: وما ذاك؟ قال: نهانا الله أن نرفع أصواتنا فوق صوتك. وأنا جهير، فقال له ﵊: أما ترضى أن تعيش سعيدا، وتقتل شهيدا وتدخل الجنة، فكان الصحابة ﵃ يؤمنون بأن هذه البشارة حق، وكانوا إذا رأوا ثابت بن قيس يمشي بينهم أحسوا واعتقدوا أنه من أهل الجنة. فلما كان يوم اليمامة وحاصر المسلمون مسيلمة الكذاب وأتباعه في عهد أبي بكر، لبس ثابت ثوبين أبيضين كفن نفسه فيهما، ثم حنط جسمه بالطيب الذي يطيب به الميت، ثم ذهب إلى صفوف المسلمين. فرأى منهم انكشافا وتقهقرا فنادى بأعلى صوته: أيها المسلمون، ما هكذا كنا نفعل مع رسول الله ﷺ ، بل كان الصف لا ينحرف عن موضعه حتى يقتل أو يقتل، ثم قال: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء المشركون، وأعتذر إليك عما فعله المسلمون، فتجمع المسلمون وقاتلوا وانتصروا، وكان ثابت بن قيس من خيرة المقاتلين في هذه المعركة، كما كان من شهدائها الأبرار، فتحقق بذلك وعد الله له على لسان نبيه ﵊.
-[المباحث العربية]-
﴿لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾ أي إذا نطق ونطقتم فعليكم أن تبلغوا بأصواتكم وراء الحد الذي يبلغه صوته، وأن تغضوا منها بحيث يكون كلامه عاليا لكلامكم.
﴿ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض﴾ أي إذا كلمتموه وهو صامت فإياكم ورفع الصوت بعدم مراعاة مقام النبوة وجلالة قدرها.
﴿أن تحبط أعمالكم﴾ أي لا ترفعوا ولا تجهروا خشية أن تحبط أعمالكم، وإحباط العمل الحرمان من الثواب، قال أبو بكر بن العربي: الإحباط إحباطان:
أحدهما: إبطال الشيء للشيء، وإذهابه كلية، كإحباط الإيمان للكفر، وإحباط الكفر للإيمان.
وثانيهما: إحباط الموازنة بزيادة السيئات على الحسنات، إذ يوقف الانتفاع بالحسنات حتى
следующие страницы →