← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

(٤٠٢) باب عتق الشركاء، والولاء، وفضل العتق ٣٣٣١ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "من أعتق شركًا له في عبد، فكان له مال يبلغ ثمن العبد، قوم عليه قيمة العدل، فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق". ٣٣٣٢ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: في المملوك بين الرجلين فيعتق أحدهما قال "يضمن". ٣٣٣٣ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "من أعتق شقصًا له في عبد، فخلاصه في ماله إن كان له مال. فإن لم يكن له مال، استسعي العبد غير مشقوق عليه". ٣٣٣٤ - وزاد في رواية "إن لم يكن له مال قوم عليه العبد قيمة عدل. ثم يستسعى في نصيب الذي لم يعتق. غير مشقوق عليه". ٣٣٣٥ - - وفي رواية بمعنى حديث ابن أبي عروبة وذكر في الحديث: قوم عليه قيمة عدل. ٣٣٣٦ - عن عائشة ﵂ أنها أرادت أن تشتري جارية تعتقها. فقال أهلها: نبيعكها على أن ولاءها لنا. فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال "لا يمنعك ذلك. فإنما الولاء لمن أعتق".

стр. 3257

٣٣٣٧ - عن عائشة ﵂: أن بريرة جاءت عائشة تستعينها في كتابتها. ولم تكن قضت من كتابتها شيئًا. فقالت لها عائشة: ارجعي إلى أهلك. فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك، ويكون ولاؤك لي، فعلت. فذكرت ذلك بريرة لأهلها. فأبوا. وقالوا: إن شاءت أن تحتسب عليك فلتفعل. ويكون لنا ولاؤك. فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ . فقال لها رسول الله ﷺ "ابتاعي فأعتقي. فإنما الولاء لمن أعتق" ثم قام رسول الله ﷺ فقال "ما بال أناس يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله؟ من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله، فليس له، وإن شرط مائة مرة. شرط الله أحق وأوثق". ٣٣٣٧ - عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ ؛ أنها قالت: جاءت بريرة إلي. فقالت: يا عائشة إني كاتبت أهلي على تسع أواق. في كل عام أوقية. بمعنى حديث الليث. وزاد: فقال "لا يمنعك ذلك منها. ابتاعي وأعتقي". وقال في الحديث: ثم قام رسول الله ﷺ في الناس فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال "أما بعد". ٣٣٣٩ - عن عائشة ﵂ قالت: دخلت علي بريرة فقالت: إن أهلي كاتبوني على تسع أواق في تسع سنين. في كل سنة أوقية. فأعينيني. فقلت لها: إن شاء أهلك أن أعدها لهم عدة واحدة، وأعتقك، ويكون الولاء لي، فعلت. فذكرت ذلك لأهلها. فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم. فأتتني فذكرت ذلك. قالت: فانتهرتها. فقالت: لا ها الله إذا. قالت: فسمع رسول الله ﷺ فسألني فأخبرته. فقال "اشتريها واعتقيها. واشترطي لهم الولاء. فإن الولاء لمن أعتق" ففعلت. قالت: ثم خطب رسول الله ﷺ عشية. فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله. ثم قال "أما بعد. فما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله؟ ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل. وإن كان مائة شرط. كتاب الله أحق. وشرط الله أوثق. ما بال رجال منكم يقول أحدهم: أعتق فلانًا والولاء لي. إنما الولاء لمن أعتق".

стр. 3258

٣٣٤٠ - وفي رواية قال: وكان زوجها عبدًا فخيرها رسول الله ﷺ فاختارت نفسها. ولو كان حرًا لم يخيرها. وليس في حديثهم. "أما بعد". ٣٣٤١ - عن عائشة ﵂ قالت: كان في بريرة ثلاث قضيات: أراد أهلها أن يبيعوها ويشترطوا ولاءها. فذكرت ذلك للنبي ﷺ . فقال "اشتريها واعتقيها. فإن الولاء لمن أعتق" قالت: وعتقت. فخيرها رسول الله ﷺ . فاختارت نفسها. قالت: وكان الناس يتصدقون عليها وتهدي لنا. فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال "هو عليها صدقة. وهو لكم هدية فكلوه". ٣٣٤٢ - عن عائشة ﵂ أنها اشترت بريرة من أناس من الأنصار. واشترطوا الولاء. فقال رسول الله ﷺ "الولاء لمن ولي النعمة" وخيرها رسول الله ﷺ . وكان زوجها عبدًا. وأهدت لعائشة لحمًا. فقال رسول الله ﷺ "لو صنعتم لنا من هذا اللحم؟ " قالت عائشة: تصدق به على بريرة. فقال "هو لها صدقة ولنا هدية". ٣٣٤٣ - عن عائشة ﵂ أنها أرادت أن تشتري بريرة للعتق. فاشترطوا ولاءها. فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ . فقال "اشتريها واعتقيها. فإن الولاء لمن أعتق". وأهدي لرسول الله ﷺ لحم. فقالوا للنبي ﷺ : هذا تصدق به على بريرة. فقال "هو لها صدقة. وهو لنا هدية". وخيرت. فقال عبد الرحمن: وكان زوجها حرًا. قال شعبة: ثم سألته عن زوجها؟ فقال: لا أدري. ٣٣٤٤ - عن عائشة ﵂ قالت: كان زوج بريرة عبدًا.

стр. 3259

٣٣٤٥ - عن عائشة زوج النبي ﷺ ﵂ أنها قالت: كان في بريرة ثلاث سنن: خيرت على زوجها حين عتقت. وأهدي لها لحم فدخل علي رسول الله ﷺ والبرمة على النار. فدعا بطعام. فأتي بخبز وأدم من أدم البيت. فقال "ألم أر برمة على النار فيها لحم؟ " فقالوا: بلى يا رسول الله ذلك لحم تصدق به على بريرة. فكرهنا أن نطعمك منه. فقال "هو عليها صدقة وهو منها لنا هدية" وقال النبي ﷺ فيها "إنما الولاء لمن أعتق". ٣٣٤٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: أرادت عائشة أن تشتري جارية تعتقها. فأبى أهلها إلا أن يكون لهم الولاء. فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ . فقال "لا يمنعك ذلك. فإنما الولاء لمن أعتق". ٣٣٤٧ - عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الولاء وعن هبته. ٣٣٤٨ - - وفي رواية لم يذكر كلمة "إلا البيع" ولم يذكر: الهبة. ٣٣٤٩ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كتب النبي ﷺ على كل بطن عقوله. ثم كتب "أنه لا يحل لمسلم أن يتوالى مولى رجل مسلم بغير إذنه" ثم أخبرت؛ أنه لعن في صحيفته من فعل ذلك. ٣٣٥٠ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "من تولى قومًا بغير إذن مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة. لا يقبل منه عدل ولا صرف".

стр. 3260

٣٣٥١ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "من تولى قومًا بغير إذن مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه، يوم القيامة، عدل ولا صرف". ٣٣٥٢ - - وفي رواية بمثله غير أنه قال "ومن والى غير مواليه بغير إذنهم". ٣٣٥٣ - عن إبراهيم التيمي، عن أبيه قال: خطبنا علي بن أبي طالب فقال: من زعم أن عندنا شيئًا نقرؤه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة. (قال: وصحيفة معلقة في قراب سيفه" فقد كذب. فيها أسنان الإبل. وأشياء من الجراحات. وفيها قال النبي ﷺ "المدينة حرم ما بين عير إلى ثور. فمن أحدث فيها حدثًا أو آوى محدثًا. فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. لا يقبل الله منه، يوم القيامة، صرفًا ولا عدلاً. وذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم. ومن ادعى إلى غير أبيه، أو انتمى إلى غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. لا يقبل الله منه، يوم القيامة، صرفًا ولا عدلاً". ٣٣٥٤ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "من أعتق رقبة مؤمنة، أعتق الله، بكل إرب منها، إربًا منه من النار". ٣٣٥٥ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال "من أعتق رقبة، أعتق الله بكل عضو منها، عضوًا من أعضائه من النار. حتى فرجه بفرجه". ٣٣٥٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول "من أعتق رقبة مؤمنة، أعتق الله بكل عضو منه، عضوًا من النار. حتى يعتق فرجه بفرجه". ٣٣٥٧ - عن سعيد بن مرجانة (صاحب علي بن حسين) قال: سمعت أبا هريرة

стр. 3261

يقول: قال رسول الله ﷺ "أيما امرئ مسلم أعتق امرأ مسلمًا، استنقذ الله، بكل عضو منه، عضوًا منه من النار" قال: فانطلقت حين سمعت الحديث من أبي هريرة. فذكرته لعلي بن الحسين. فأعتق عبدًا له قد أعطاه به ابن جعفر عشرة آلاف درهم، أو ألف دينار. ٣٣٥٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لا يجزي ولد والدًا إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه". وفي رواية ابن أبي شيبة "ولد والده". -[المعنى العام]- استعباد الإنسان للإنسان قديم قدم الزمان، باق ما بقي الدهر، في صور شتى، ليس البيع والشراء والتملك إلا صورة من صوره، وويل للضعيف من القوي، وللفقير من الغني، وللوضيع من الرفيع، وللذليل من العزيز. جاء الإسلام والمجتمعات البشرية طبقات، طبقة السادة والأكرمين، وطبقة العبيد والمستضعفين، فنادى ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [الحجرات: ١٣]، "لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى" "كلكم لآدم وآدم من تراب". جاء الإسلام والعبودية منتشرة، والإماء والعبيد في كل بيت، ومصادر التملك كثيرة، الغارات التي تغيرها قبيلة على قبيلة، فيغنم الغالب أموال المغلوب، ويسبي ذراريه ونساءه، ويبيعها في الأسواق بيع الإبل والأغنام. ولا تكاد تنجو قبيلة من الإغارة، حيث قال شاعرهم: وأحيانًا على بكر أخينا ... إذا ما لم نجد إلا أخانا وكانت السواحل المفتوحة، والبلاد البعيدة مرتعًا للخاطفين، يخطفون الأطفال والصبية منها، ثم يبيعونها، بل كان بعض الآباء يبيعون أبناءهم وبناتهم من ضيق العيش. فماذا فعل الإسلام؟ . أغلق هذه المنافذ جميعًا، وسد تلك الروافد كلها، ولم يبق مصدرًا للرق إلا عن طريق حرب المسلمين مع الكافرين كضرورة لا تقل في أهميتها عن القتل والقتال من أجل الدعوة، ومعاملة من المسلمين بمثل ما يعاملهم به الكافرون، ومع ذلك قال ﴿فإذا لقيتم

стр. 3262

الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء﴾ [محمد: ٤] هذا من حيث مصادر الرق، أما من حيث استمرارية الرق فقد ضرب الإسلام المثل الأعلى في الحرص على حرية الرقيق، وفتح أبوابًا عديدة لعتقه، فجعله في مقدمة الكفارات، كفارة القتل، وكفارة الظهار، وكفارة الإفطار بالجماع في نهار رمضان، وكفارة اليمين، وجعل تحرير العبد منقذًا لسيده من النار ﴿وما أدراك ما العقبة﴾ [البلد: ١٢] التي تحول بين الإنسان وبين الجنة ﴿فك رقبة﴾ فمن أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو عضوًا من أعضائه من النار، "وأي امرئ مسلم يعتق امرأ مسلمًا إلا استنقذ الله بكل عضو منه مثله من النار، حتى فرجه بفرجه" هذا الترغيب الفريد في العتق حرر الآلاف من العبيد، حرصًا من مالكيهم على إنقاذ أنفسهم من النار، وفوزهم بالجنة والنعيم المقيم. وقد بلغ تشوف الإسلام لتحرير الرقيق مبلغًا عجيبًا، فقد جعل الهزل في لفظ العتق جدًا، فمن قال: عبدي حر، عتق العبد وإن كان السيد قد قال ذلك مزاحًا، وجعل الشريك في عبد إذا أعتق نصيبه عتق العبد جميعه، والتزم المعتق بإعطاء الشريك قيمة نصيبه. ورغب في مكاتبة الرقيق، وتمكينه من السعي والعمل لسداد قيمة الكتابة، وحث على مساعدة المكاتب ليحرر رقبته ﴿والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرًا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم﴾ [النور: ٣٣] وربط الإسلام بين المعتق والرقيق عند تحريره برباط الولاء، كأن العتيق ابنًا للمعتق، يرثه ويرثه، ويرعى كل منهما الآخر، ويعتز كل منهما بالآخر، وعلى العتيق أن يحفظ للمعتق فضله حيث تفضل عليه بالحرية، فعليه أن ينتمي وينتسب إليه، فمن انتسب إلى غير معتقه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. أما معاملة الأسياد المسلمين لعبيدهم فقد وضع الإسلام قواعدها بما لم يسبق له مثيل في تاريخ الإنسانية حيث يقول ﷺ "إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يطعم، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم من العمل ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم" حتى رأينا أبا ذر الغفاري يشتري الثوب ثوبين من نوع واحد، ولون واحد، يلبس هو حلة، ويلبس عبده حلة مماثلة، وحتى رأينا كثيرًا من العبيد يتمنون أن يظلوا عبيدًا، ويفضلون البقاء في العبودية عن الحرية من حسن معاملة الأسياد وقصة زيد بن حارثة في ذلك مشهورة، فأنعم بالإسلام نصيرًا وحاميًا للضعفاء. -[المباحث العربية]- (من أعتق شركًا له في عبد) يقال: عتق العبد، بفتح العين والتاء، فعل لازم، ولا يعرف "عتق" بضم العين، وإنما يقال للمتعدي: أعتق بالهمزة، فيقال: عتق العبد يعتق العبد - أي يقوم به العتق، عتقًا بكسر العين وفتحها، وعتاقًا، وعتاقة، وعبد عتيق، وأمة عتيق وعتيقة، وعبيد عتقاء، وإماء عتائق، وأعتق السيد عبده، فالسيد معتق بضم الميم وكسر التاء والعبد معتق بضم الميم وفتح التاء.

стр. 3263

والمراد من العتق هنا الحرية، وأصله من قولهم: عتق الفرس إذا سبق ونجا، وعتق الفرخ طار واستقل، وأطلق على الحرية عتق لأن العبد يتخلص بالعتق ويذهب حيث يشاء. وإنما قيل لمن أعتق إنسانًا أنه أعتق رقبة، وفك رقبة، فخصت الرقبة دون سائر الأعضاء، مع أن العتق يتناول جميع الأعضاء، لأن حكم اليد عليه، وملكه له: كحبل في رقبة العبد، وكالغل المانع له من الخروج، فإذا أعتق فكأنه أطلقت رقبته من ذلك، وهو مجاز مرسل، من إطلاق الجزء وإرادة الكل. و"شركًا" بكسر الشين وسكون الراء أصله مصدر أطلق على العبد المشترك، أو الجزء المشترك، أي نصيبًا وجزءًا، وفي الرواية الثالثة "من أعتق شقصًا له في عبد" والشقص بكسر الشين وسكون القاف هو النصيب والجزء ويطلق على القليل والكثير، وفي رواية للبخاري "من أعتق نصيبًا له في مملوك" ويقال له: الشقيص بالتصغير. و"العبد" اسم للمملوك الذكر بأصل وضعه، والأمة اسم لمؤنثه من غير لفظه، ولم يفرق الجمهور في هذا الحكم بين الذكر والأنثى، فهو هنا يشمل الأمة، إما باعتبار أن المراد بالعبد الجنس، وإما على طريق الإلحاق لعدم الفارق، وعند الدارقطني "من كان له شرط في عبد أو أمة". (فكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة العدل، فأعطى شركاؤه حصصهم، وعتق عليه العبد) في الرواية الثانية "في المملوك بين الرجلين" وذكر الرجلين كالمثال، فلا فرق بين أن يكون بين رجلين أو امرأتين أو ثلاثة أو عشرة، "فيعتق" - بضم الياء "أحدهما" - أي نصيبة -؟ "قال: يضمن" أي يضمن هذا المعتق نصيب الشركاء. وفي الرواية الثالثة "من أعتق شقصًا له في عبد فخلاصه في ماله إن كان له مال" وفي رواية للبخاري "من أعتق شركًا له في مملوك فعليه عتقه كله، إن كان له مال يبلغ ثمنه، فإن لم يكن له مال" يبلغ ثمنه، لكن يبلغ بعض الثمن "يقوم عليه قيمة عدل، فأعتق منه ما أعتق" أي أعتق منه ما أمكن. وفي رواية للبخاري "فكان له من المال ما يبلغ قيمته بقيمة العدل فهو عتيق" وفي البخاري أيضًا "وكان ابن عمر يقول: قد وجب عليه عتقه كله، إذا كان للذي أعتق من المال ما يبلغ قيمة العدل، ويدفع إلى الشركاء أنصباءهم، ويخلي سبيل المعتق، يخبر ذلك ابن عمر عن النبي ﷺ ". والمراد بقيمة العدل القيمة التي يراها العدل، دون زيادة ولا نقصان، زاد في رواية النسائي "لا وكس ولا شطط" والوكس النقص، والشطط الجور. وقوله "فأعطى شركاؤه حصصهم" ببناء الفعل للمجهول، و"شركاؤه" نائب فاعل، وحصصهم مفعول، أي قيمة حصصهم. (وإلا فقد عتق منه ما عتق) بفتح العين فيهما، أي وإن لم يكن له مال قام العتق بالجزء الذي قام به من المعتق. وفي الرواية الثالثة "فإن لم يكن له مال استسعى العبد غير مشقوق عليه" "استسعى" بالبناء

стр. 3264

للمجهول، أي طلب من العبد السعي لسداد قيمة ما بقي، أي يكلف الاكتساب والطلب حتى يحصل قيمة نصيب الشريك الآخر، فإذا دفعها إليه عتق، وقيل: المراد بالاستسعاء هو أن يخدم سيده الذي لم يعتق بقدر ما له فيه من الرق. ومعنى "غير مشقوق عليه" أي لا يكلف ما يشق عليه. وفي ملحق الرواية الثالثة "إن لم يكن له مال قوم عليه العبد قيمة العدل، ثم يستسعى" هكذا هو في الرواية وظاهرها أن التقويم يشرع في حق من لم يكن له مال، وليس كذلك، اللهم إلا أن يقال: إن التقويم عليه حينئذ ليعرف الباقي الذي يستسعى العبد لأجله. (أنها أرادت أن تشتري جارية تعتقها) بضم تاء "تعتقها" وظاهرها أن هذه الإرادة سابقة على عرض بريرة على عائشة أن تساعدها، ويمكن أن تكون مرتبة على طلب بريرة المساعدة، وهو الذي ينسجم مع بقية الروايات، فالمراد من الجارية بريرة. وفي الرواية الخامسة "أن بريرة جاءت عائشة، تستعينها في كتابتها، ولم تكن قضت من كتابتها شيئًا، فقالت لها عائشة: ارجعي إلى أهلك، فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك، ويكون ولاؤك لي فعلت" وفي الرواية السادسة "عن عائشة: جاءت بريرة إلي، فقالت: يا عائشة، إني كاتبت أهلي على تسع أواق، في كل عام أوقية" وفي الرواية السابعة عن عائشة قالت: "دخلت علي بريرة فقالت: إن أهلي كاتبوني على تسع أواق، في تسع سنين، في كل سنة أوقية، فأعينيني، فقلت لها: إن شاء أهلك أن أعدها لهم عدة واحدة، وأعتقك، ويكون الولاء لي فعلت" أي أدفعها لهم دفعة واحدة، لا على أقساط. وهدف عائشة من شراء جارية وعتقها قد يكون كفارة عن يمين، أو وفاء بنذر، أو تقربًا إلى الله تعالى لاقتحام العقبة. (فقال أهلها) أي مالكوها، وفي الكلام طي، والتقدير: أرادت أن تشتري بريرة، فقالت لها: ارجعي إلى أهلك، فقولي لهم كذا وكذا، فرجعت إلى أهلها، فذكرت ذلك لهم، فقالوا (نبيعكها على أن ولاءها لنا) الولاء بفتح الواو، والمراد منه هنا استحقاق السيد المعتق الميراث ممن كان عبده وأعتق، وسبب هذا الاستحقاق شبهه بالنسب، فمن أعتق كمن ولد، وكما ينسب الولد إلى من ولد، ينسب العتق لمن أعتق. وهذا معنى "الولاء لمن أعتق" وفي الرواية الخامسة "فأبوا" أي أبى أهلها أن يبيعوها لعائشة على أن يكون الولاء لعائشة، "وقالوا: إن شاءت" عائشة "أن تحتسب عليك" بالشراء والعتق وقد تحتسب ثوابها عند الله "فلتفعل، ويكون لنا ولاؤك" وفي الرواية السابعة "فأبوا" بيعها لعائشة "إلا أن يكون الولاء لهم" وفي الرواية الثامنة "أراد أهلها أن يبيعوها ويشترطوا ولاءها" وفي الرواية العاشرة "فاشترطوا ولاءها" وفي الرواية السابعة "فأتتني، فذكرت ذلك". قالت "عائشة: فانتهرتها" أي بالغت في زجرها وإضرابها، لما سمعت من قولهم، فتنصلت بريرة من مسئولية هذا القول، "فقالت: لا" أي لا تزجروني، فلا شأن لي بهذا القول، ولا ذنب لي فيه "هاالله إذا" أي هذا - والله - الذي حصل منهم. قال النووي عن هذا التركيب: فقالت: لا.

стр. 3265

هاالله ذلك، وفي بعض النسخ "لا. هاء الله إذا" وهو كذلك في روايات المحدثين، بمد قوله "هاء" وبالهمزة في "إذا" قال المازري وغيره من أهل العربية: هذان لحنان، وصوابه "لا. ها الله ذا" بالقصر في "ها" وحذف الألف من "إذا" قالوا: وما سواه خطأ، قالوا: ومعناه: ذا يميني. قال أبو حاتم السجستاني: معناه: لا. والله هذا ما أقسم به. فأدخل اسم الله تعالى بين "ها" و"ذا". (قالت: فسمع رسول الله ﷺ ، فسألني، فأخبرته) في الرواية الخامسة والثامنة فذكرت ذلك فيما بيني وبينها ما أراد أهلها، فانتهرتها، فسمع رسول الله ﷺ ، فقال: ما شأن بريرة؟ . (فقال: لا يمنعك ذلك) أي لا يمنعك من شرائها وعتقها ذلك الشرط الذي يشترطونه، وفي الرواية السابعة "فقال: اشتريها، واعتقيها، واشترطي لهم الولاء" أي واقبلي شرطهم، فإنه شرط لاغ، لا قيمة له، وفي ملحق الرواية السادسة "لا يمنعك ذلك" الشرط "منها" أي من شرائها "ابتاعي" أي اشتري "وأعتقي". (فإنما الولاء لمن أعتق) "إنما" أداة حصر، أي الولاء مقصور على من أعتق، لا يتعداه إلى البائعين، وفي الرواية التاسعة "الولاء لمن ولي النعمة" أي لمن باشر وعالج نعمة العتق. (ثم قام رسول الله ﷺ أي قام يخطب في الناس، وفي الرواية السابعة "ففعلت" أي اشتريت، وعتقت "ثم خطب رسول الله ﷺ عشية". (ما بال أناس يشترطون شروطا ليست في كتاب الله؟ ) البال الحال والشأن، وجملة "يشترطون شروطًا ... إلخ صفة "أناس" والاستفهام إنكاري توبيخي. أي ما كان ينبغي لأناس أن يشترطوا شروطًا ليست في كتاب الله. يقصد شرط البائع أن يكون الولاء له. والمراد بما ليس في كتاب الله ما خالف كتاب الله، وقال ابن بطال: المراد من كتاب الله هنا حكمه، من كتابه أو سنة رسوله أو إجماع الأمة، وقال ابن خزيمة: "ليس في كتاب الله" أي ليس في حكم الله جوازه، وقال القرطبي: "ليس في كتاب الله" أي ليس مشروعًا في كتاب الله، تأصيلاً، ولا تفصيلاً. (من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فليس له) في الرواية السابعة "فهو باطل". (وإن شرط مائة شرط) في الرواية السابعة "وإن كان مائة شرط" وفي رواية البخاري "وإن شرط مائة مرة" قال النووي: معناه أنه لو شرط مائة مرة توكيدًا لشرطه فهو باطل وإنما حمله على التأكيد لأن العموم في قوله "كل شرط" دال على بطلان جميع الشروط المذكورة، فلا حاجة إلى تقييدها بالمائة فإنها لو زادت على المائة كان الحكم كذلك، لما دلت عليها الصيغة، وقيل ذكر المائة على سبيل المبالغة، أي خرج مخرج التكثير، يعني أن الشروط غير المشروعة باطلة ولو كثرت. (شرط الله أحق وأوثق) أي أحق بالاتباع من الشروط المخالفة، وأقوى، وأفعل التفضيل هنا

стр. 3266

على غير بابه، إذ ليس هناك مشاركة بين الحق والباطل، فهو من قبيل قولنا: العسل أحلى من المر. وفي الرواية السابعة "كتاب الله أحق، وشرط الله أوثق" وفي رواية للبخاري "فقضاء الله أحق، وشرط الله أوثق". (في كل سنة وقية) قال النووي: وقع في جميع النسخ "وقية" بدون ألف في الرواية الثانية - أي في الرواية السابقة - ووقع في الرواية الأولى - أي السادسة - "في كل عام أوقية" بالألف، وفي بعض النسخ بدونها، وكلاهما صحيح، وهما لغتان، إثبات الألف أفصح، والأوقية الحجازية أربعون درهمًا. (وكان زوجها عبدًا، فخيرها رسول الله ﷺ ، فاختارت نفسها، ولو كان حرًا لم يخيرها) في الرواية العاشرة "قال عبد الرحمن بن القاسم: وكان زوجها حرًا. قال شعبة: ثم سألته عن زوجها - أي أكان حرًا أم عبدًا؟ - فقال: لا أدري" قال النووي: قال الحافظ: رواية من روى أنه كان حرًا غلط وشاذة مردودة، لمخالفتها روايات الثقات. وحكم التخيير سيأتي في فقه الحديث. وكان هذا التخيير عقب عتقها، ففي الرواية الثامنة "وعتقت فخيرها رسول الله ﷺ ، فاختارت نفسها" أي خيرها بين أن تبقى تحت زوجها العبد، وبين أن ينفسخ نكاحها، فاختارت فسخ النكاح. وفي الرواية الثانية عشرة "خيرت على زوجها حين عتقت". واسم زوجها هذا مغيث وكان عبدًا أسود، وكان يحب بريرة حبًا غالبًا، جعله يتبعها في شوارع المدينة، وهو يبكي، ودموعه تسيل على لحيته، يترضاها، ويرجوها أن تعود إليه، بعد أن اختارت نفسها، وفسخ زواجها، حتى قال ﷺ لعمه العباس: يا عباس، ألا تعجب من حب مغيث بريرة؟ ومن بغض بريرة مغيثًا؟ وحتى قال لها ﷺ : لو راجعتيه؟ قالت: يا رسول الله، تأمرني؟ قال: لا. إنما أنا أشفع. قالت: لا حاجة لي فيه. لو أعطاني كذا وكذا ما قبلت أن أكون عنده. خدمت بريرة عائشة قبل أن تعتق، وشهدت لعائشة خيرًا في حديث الإفك، ويبدو أن أهلها مالكيها أذنوا لها بخدمتها، بأجر أو بدون أجر، وشراء عائشة لها وعتقها كان في السنة التاسعة، وعاشت إلى خلافة معاوية. (كان في بريرة ثلاث قضيات) جمع قضية، وفي الرواية الثانية عشرة "ثلاث سنن" جمع سنة، أي ثلاثة أحاديث تشريعية، أي كان بسببها ثلاثة أحكام. الولاء لمن أعتق، وتخيير الأمة إذا أعتقت وهي تحت عبد، والصدقة على موالي رسول الله ﷺ . وستأتي هذه القضايا في فقه الحديث. (لو صنعتم لنا من هذا اللحم) طعامًا؟ "لو" للتمني، أو شرطية جوابها محذوف، أي لكان خيرًا. والرواية الثانية عشرة توضح الصورة أكثر، ولفظها "وأهدي لها لحم، فدخل على رسول الله ﷺ ، والبرمة على النار" رأى فيها لحمًا، وهي مكشوفة، فرأى اللحم، "فدعا بطعام، فأتى بخبز وأدم" - بضم

стр. 3267

الهمزة وسكون الدال - "من أدم البيت" بضم الهمزة وضم الدال، والأدم بضم الهمزة وسكون الدال الإدام بكسرها، وهو ما يستمرأ به الخبز من نحو ملح وخل وجبن "فقال: ألم أر برمة على النار، فيها لحم؟ فقالوا: بلى، يا رسول الله ذلك لحم تصدق به على بريرة"؟ أي وآل محمد لا تحل لهم الصدقات "فكرهنا أن نطعمك منه، فقال: هو عليها صدقة، وهو منها لنا هدية" "لو صنعتم لنا من هذا اللحم طعامًا؟ " ويحتمل أن يكون هذا القول صدر منه ﷺ بعد قوله "ألم أر برمة على النار فيها لحم"؟ "لو صنعتم لنا من هذا اللحم طعامًا؟ " فقالوا ... إلخ وهذا هو الظاهر من الرواية التاسعة. (نهى عن بيع الولاء، وعن هبته) الولاء لحمة كلحمة النسب، حق ثابت لمن أعتق، وكما لا يجوز التنازل أو بيع النسب، أو هبته، لا يجوز التنازل عن الولاء أو بيعه أو هبته. (كتب النبي ﷺ على كل بطن عقوله) بضم العين وضم القاف، ونصب اللام، مفعول "كتب" والهاء ضمير البطن، والعقول الديات، جمع عقل، والمعنى على كل بطن أن يتحملوا الديات، إذا وقع من أحدهم القتل الخطأ والعاقلة هم الذين يدفعون الديات، وهم العصبات، الآباء وإن علوا، والأبناء وإن سفلوا. والعاقلة جمع عاقل، وهو دافع الدية، لأنهم كانوا يعقلون الإبل على باب ولي المقتول، ثم كثر الاستعمال حتى أطلق العقل على الدية، ولو لم تكن إبلاً. ومعنى "كتب" أثبت وأوجب، والبطن دون القبيلة، والفخذ دون البطن. (لا يحل لمسلم أن يتوالى مولى رجل مسلم بغير إذنه) أي لا يحل لمسلم أن يقبل ولاء هو حق لغيره، وأن ينسب إلى نفسه مولى رجل مسلم، فهذا النهي للأسياد الذين يقبلون انتماء الموالي إليهم، وهم ليسوا أصحاب الولاء، أما الرواية السادسة عشرة فهي نهي للموالي أن يتولوا وينتسبوا إلى غير من أعتقهم، ولفظها "من تولى قومًا بغير إذن مواليه" والسبب أن الولاء كالنسب، فيحرم تضييعه، كما يحرم تضييع النسب، ويشترك في الحرمة العتيق الذي ينتمي إلى غير معتقه، والسيد الذي يقبل هذا الانتماء. وقيد "بغير إذنه" قيد لبيان الغالب والكثير وليس للاحتراز عند جمهور العلماء، فهو نظير قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أولادكم من إملاق﴾ [الأنعام: ١٥١] والهاء في "بغير إذنه" للمعتق. (لعن في صحيفته) المراد منها كتابه ﷺ إلى البطون. (ولا يقبل منه عدل ولا صرف) قال الحافظ ابن حجر: اختلف في تفسيرهما، فعند الجمهور الصرف الفريضة، والعدل النافلة، وعن الحسن البصري بالعكس، وعن الأصمعي الصرف التوبة، والعدل الفدية، وقيل: الصرف الدية، والعدل الزيادة عليها، وقيل بالعكس وقيل: الصرف الوزن، والعدل الكيل، وقيل: الصرف الشفاعة، والعدل الفدية، وقيل: الصرف الرشوة، والعدل الكفيل. ثم قال: قال عياض: معناه لا يقبل قبول رضا، وإن قبل قبول جزاء. (من زعم أن عندنا شيئًا نقرؤه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة ... فقد كذب) أي من زعم

стр. 3268

أن عندنا شيئًا مكتوبًا اختصصنا به عن الناس فقد كذب، وسبب قول علي هذا أن عليًا كان يأمر بالأمر، فيقال له: قد فعلناه. فيقول: صدق الله ورسوله، فقال له الأشتر: إن هذا الذي تقول. أهو شيء عهده إليك رسول الله ﷺ ؟ قال: ما عهد إلي شيئًا خاصة، دون الناس، إلا شيئًا سمعته منه، فهو في صحيفة، قراب سيفي. فلم يزالوا به حتى أخرج الصحيفة، فإذا فيها. (أسنان الإبل، وأشياء من الجراحات) المراد أسنان الإبل المتعلقة بالخراج، أو المتعلقة بالزكاة، أو ما هو أعم، والمراد من الجراحات القصاص فيها أو أرشها. (المدينة حرم، ما بين عير إلى ثور) "عير" بفتح العين وإسكان الياء، جبل معروف بالمدينة، أما "ثور" بفتح الثاء وإسكان الواو فهو جبل معروف في مكة، وغير معروف بهذا الاسم في المدينة، ولذا قال المحدثون إن الرواية "ما بين عير وأحد" قال النووي: يحتمل أن ثورًا كان اسمًا لجبل هناك، إما أحد، وإما غيره فخفي اسمه. اهـ. ومعنى "المدينة حرم" أي يحرم تنفير صيدها، وقطع شجرها. (فمن أحدث فيها حدثًا، أو آوى محدثًا) أي من أتي فيها إثمًا، أو آوى من أتاه، وحماه، فعليه لعنة اللَّه .. إلخ ولفظ "آوى" بالقصر والمد في الفعل اللازم والمتعدي جميعًا لكن القصر في اللازم أشهر وأفصح. (فعليه لعنة اللَّه) اللعن في اللغة الطرد والإبعاد، والمراد المبالغة في إبعاده عن رحمة الله تعالى، وعن الجنة في أول الأمر، فهو إبعاد مؤقت، والجملة خبرية لفظًا ومعنى. (وذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم) الذمة هنا الأمان، والمعنى أن أمان المسلمين للكافر صحيح، فإن أمنه أحد المسلمين حرم على غيره التعرض له، ما دام في أمان المسلم، يستوي في ذلك عظيمهم وحقيرهم ذكرهم وأنثاهم، حرهم وعبدهم. وللأمان شروط معروفة في كتب الفقه. (من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل إرب منها إربًا منه من النار) الإرب بكسر الهمزة وسكون الراء العضو، وفي الرواية المتممة للعشرين "أعتق الله بكل عضو منها عضوًا من أعضائه من النار حتى يعتق فرجه بفرجه" وفي الرواية الواحدة والعشرين "أعتق الله بكل عضو منه - أي من العتيق - عضوًا من النار، حتى يعتق فرجه بفرجه" وفي الرواية الثانية والعشرين "استنقذ الله بكل عضو منه مثله من النار" وقيد "مؤمنة" قيل: للاحتراز، وقيل: لا. وسيأتي في فقه الحديث. (قال سعيد فانطلقت ... فذكرته لعلي بن الحسين) سعيد بن مرجانة كان منقطعًا إلى علي بن الحسين ملازمًا له في غدواته وروحاته، فعرف بصحبته، وعلي بن الحسين هو علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب. زاد أحمد "فقال علي بن الحسين: أنت سمعت هذا من أبي هريرة؟ فقال: نعم: (فأعتق عبدًا له، قد أعطاه به ابن جعفر عشرة آلاف درهم، أو ألف دينار) المراد من "ابن جعفر" عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وهو ابن عم والد علي بن الحسين. وفي

стр. 3269

التعبير بالدراهم والدنانير إشارة إلى أن الدينار إذ ذاك كان بعشرة دراهم. والمقصود من ذكر هذه القيمة رفع شأن الرقبة التي حررت، وأفضل الرقاب عند العتق أعلاها ثمنًا وأنفسها عند أهلها. (لا يجزي ولد والدًا) "لا يجزي" بفتح الياء، أي لا يكافئه على إحسانه، وقضاء حقه، إلا أن يعتقه. وعتق الأقارب إذا ملكوا سيأتي في فقه الحديث. -[فقه الحديث]- في هذه المجموعة من الأحاديث ثلاث قضايا رئيسية: ١ - عتق العبد المشترك بين مالكين. ٢ - ولاء العتيق [الولاء لمن أعتق - بيع الولاء وهبته - تولى العتيق غير مواليه]. ٣ - فضل العتق. فالقضية الأولى: تتمثل في الأحاديث الثلاثة الأولى، وعنها يقول النووي: في هذا الحديث أن من أعتق نصيبه من عبد مشترك، قوم عليه باقيه، إذا كان موسرًا، بقيمة عدل، سواء كان العبد مسلمًا أو كافرًا، وسواء كان الشريك مسلمًا أو كافرًا، وسواء كان العتيق عبدًا أو أمة، ولا خيار للشريك في هذا، ولا للعبد، ولا للمعتق، بل ينفذ هذا الحكم، وإن كرهه كلهم، مراعاة لحق الله تعالى في الحرية، وأجمع العلماء على أن نصيب العتق يعتق بنفس الإعتاق، إلا ما حكاه القاضي عن ربيعة أنه قال: لا يعتق نصيب المعتق، موسرًا كان أو معسرًا، وهذا مذهب باطل، مخالف للأحاديث الصحيحة كلها والإجماع. وأما نصيب الشريك أو الشركاء فاختلفوا في حكمه إذا كان المعتق موسرًا على ستة مذاهب: أحدها: وهو الصحيح في مذهب الشافعي، وبه قال ابن شبرمة والأوزاعي والثوري وابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وأحمد بن حنبل وإسحق وبعض المالكية، أنه عتق بنفس الإعتاق، أي عتق العبد كله بنفس إعتاق جزئه - ويقوم عليه نصيب شريكه بقيمته يوم الإعتاق، ويكون ولاء جميعه للمعتق، وحكمه من حين الإعتاق حكم الأحرار في الميراث وغيره، وليس للشريك إلا المطالبة بقيمة نصيبه كما لو قتله. قال هؤلاء: ولو أعسر المعتق بعد ذلك استمر نفوذ العتق، وكانت القيمة دينًا في ذمته، ولو مات أخذت من تركته، فإن لم تكن له تركة ضاعت القيمة، واستمر عتق جميعه، قالوا: ولو أعتق الشريك نصيبه بعد إعتاق الأول نصيبه كان إعتاقه لغوًا، لأنه قد صار كله حرًا - بإعتاق الأول. المذهب الثاني: أنه لا يعتق إلا بدفع القيمة، وهو المشهور من مذهب مالك، وبه قال أهل الظاهر، وهو قول الشافعي. المذهب الثالث: مذهب أبي حنيفة. للشريك الخيار، إن شاء استسعى في نصف قيمته، وإن شاء

стр. 3270

أعتق نصيبه، والولاء بينهما، وإن شاء قوم نصيبه على شريكه المعتق ثم قبضه ثم يرجع المعتق بما دفع إلى شريكه يرجع على العبد، يستسعيه في ذلك، والولاء كله للمعتق. قال: والعبد في مدة الكتابة بمنزلة المكاتب في كل أحكامه. المذهب الرابع مذهب عثمان الليثي: لا شيء على المعتق، إلا أن تكون جارية رائعة الجمال، تراد للوطء، فيضمن ما أدخل على شريكه فيها من الضرر. المذهب الخامس: حكاه ابن سيرين أن القيمة في بيت المال. المذهب السادس: محكي عن إسحق بن راهويه: أن هذا الحكم للعبيد دون الإماء. قال النووي: وهذا القول شاذ مخالف للعلماء كافة. والأقوال الثلاثة قبله فاسدة مخالفة لصريح الأحاديث، فهي مردودة على قائليها. هذا كله فيما إذا كان المعتق لنصيبه موسرًا، فأما إذا كان معسرًا حال الإعتاق ففيه أربعة مذاهب: أحدها: مذهب مالك والشافعي وأحمد وأبي عبيد وموافقيهم: ينفذ العتق في نصيب المعتق فقط ولا يطالب السيد المعتق بشيء، ولا يستسعى العبد، بل يبقى نصيب الشريك رقيقًا، كما كان، وبهذا قال جمهور علماء الحجاز، لحديث ابن عمر [روايتنا الأولى]. المذهب الثاني: مذهب ابن شبرمة والأوزاعي وأبي حنيفة وابن أبي ليلى وسائر الكوفيين وإسحق: يستسعى العبد في حصة الشريك، واختلف هؤلاء في رجوع العبد بما أدى في سعايته على معتقه، فقال ابن أبي ليلى: يرجع به عليه، وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يرجع، ثم هو عند أبي حنيفة في مدة السعاية بمنزلة المكاتب، وعند الآخرين: هو حر بالسراية. المذهب الثالث: مذهب زفر وبعض البصريين: أنه يقوم على المعتق، ويؤدي القيمة إذا أيسر. المذهب الرابع: حكاه القاضي عن بعض العلماء: أنه لو كان المعتق معسرًا بطل عتقه في نصيبه أيضًا، فيبقى العبد كله رقيقًا، كما كان. قال النووي: وهذا مذهب باطل. ثم قال: أما إذا ملك الإنسان عبدًا بكماله، فأعتق بعضه، فيعتق كله في الحال، بغير استسعاء. هذا مذهب الشافعي ومالك وأحمد والعلماء كافة وانفرد أبو حنيفة فقال: يستسعى في بقيته لمولاه، وخالفه أصحابه في ذلك، فقالوا بقول الجمهور. وقال أهل الظاهر: إن للرجل أن يعتق من عبده ما شاء. والقضية الثانية: قضية الولاء - وتتمثل في الأحاديث من الرواية الرابعة وحتى الرواية الثالثة عشرة، ويتبعها الروايات الرابعة عشرة والخامسة عشرة والسادسة عشرة والسابعة عشرة والثامنة عشرة. وفي هذه المجموعة أحكام كثيرة، وقواعد جمة، ومواضع تشعبت فيها المذاهب نعرضها أخذًا من كلام النووي وغيره.

стр. 3271

الموضع الأول: بيع المكاتب وظاهر الرواية الخامسة والسادسة والسابعة أن بريرة كانت قد كاتبها أهلها ثم باعوها، واشترتها عائشة، وأقر النبي ﷺ هذا البيع فاحتج بهذا طائفة من العلماء على أنه يجوز بيع المكاتب إذا رضي بذلك، ولو لم يعجز نفسه، ومن جوزه عطاء والنخعي وأحمد ومالك في رواية عنه. وقال ابن مسعود وربيعة وأبو حنيفة والشافعي في أصح القولين وبعض المالكية ومالك في رواية عنه: لا يجوز بيع المكاتب، وأجابوا عن قصة بريرة بأنها عجزت نفسها، وفسخوا كتابتها قبل بيعها، ورد هذا الجواب ابن عبد البر، فقال: ليس في شيء من طرق حديث بريرة أنها عجزت عن أداء النجم، ولا أخبرت بأنه قد حل عليها شيء، ولم يرد في شيء من طرقه استفصال النبي ﷺ لها عن شيء من ذلك. وأول بعضهم قولها في الرواية السادسة "إني كاتبت أهلي" وفي السابعة "إن أهلي كاتبوني" فقال معناه: راودتهم على مكاتبتي، وراودوني، واتفقت معهم على هذا القدر، ولم يقع العقد بعد، ولذلك بيعت فلا حجة فيه على بيع المكاتب مطلقًا. قال الحافظ ابن حجر: وهو خلاف ظاهر سياق الحديث. وقال بعض المالكية إن الذي اشترته عائشة كتابة بريرة، لا رقبتها، ولا حجة فيه على جواز بيع المكاتب، ورد هذا بأنه لو كان كذلك لكان المعتقون لها أهلها، وكان اللوم على عائشة، بطلبها ولاء من أعتقها غيرها والروايات صريحة في أن عائشة أرادت أن تشتري جارية شراء صحيحًا، تمتلكها بموجبه وتعتقها. وقال بعض العلماء: إنما يجوز بيع المكاتب بشرط العتق، وهو أصح القولين عند الشافعية والمالكية وعند الحنفية يبطل. الموضع الثاني: ما يجوز من الشروط، وما لا يجوز. قال النووي: قوله ﷺ [في الرواية السابعة] "ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل" صريح في إبطال كل شرط ليس له أصل في كتاب الله تعالى. قال العلماء: الشرط في البيع ونحوه أقسام: أحدها شرط يقتضيه العقد، كأن شرط تسليمه إلى المشتري، أو تبقية التمر على الشجر إلى أوان الجداد، أو الرد بالعيب. الثاني: شرط فيه مصلحة، وتدعو إليه الحاجة، كاشتراط الرهن، والضامن، والخيار وتأجيل الثمن، ونحو ذلك. الثالث: اشتراط العتق في العبد المبيع أو الأمة، وهذا جائز أيضًا عند الجمهور لحديث عائشة ترغيبًا في العتق، لقوته وسرايته. الرابع: ما سوى ذلك من الشروط، كشرط استثناء منفعة، وشرط أن يبيعه شيئًا آخر أو يكريه داره، أو نحو ذلك. فهذا شر باطل مبطل للعقد، هكذا قال الجمهور وقال أحمد: لا يبطله شرط واحد، وإنما يبطله شرطان. اهـ.

стр. 3272

وقد استشكل على قول الجمهور أن النبي ﷺ كان أعلم الناس بأن اشتراط البائع الولاء باطل. فكيف صدر منه الإذن في البيع على شرط فاسد؟ حيث قال في الرواية السابعة "اشتريها واعتقيها، واشترطي لهم الولاء، فإن الولاء لمن أعتق"؟ وقد أجيب عن هذا الإشكال بأجوبة. منها: (أ) إنكار الشرط وتضعيف الرواية. أشار إلى ذلك الشافعي في الأم. ورد بأن الحديث متفق على صحته فلا وجه لرده. (ب) زعم الطحاوي أن المزني حدثه به عن الشافعي بلفظ "وأشرطي" بهمزة قطع، ثم وجهه بأن معناه أظهري لهم حكم الولاء، والإشراط الإظهار، ورد بأن هذه الرواية منكرة، فلا يعتد بها. (ج) حكى الطحاوي أيضًا أن اللام في قوله "واشترطي لهم الولاء" بمعنى "على" كقوله تعالى ﴿وإن أسأتم فلها﴾ [الإسراء: ٧] فالمعنى: اشترطي عليهم الولاء، ليكون لك. قال النووي: تأويل اللام بمعنى "على" هنا ضعيف، لأنه ﷺ أنكر الاشتراط، ولو كانت بمعنى "على" لم ينكره. (د) قال بعضهم: إن الأمر في قوله "اشترطي" للإباحة، وهو على جهة التنبيه على أن ذلك لا ينفعهم، فوجوده وعدمه سواء، وكأنه يقول: اشترطي أو لا تشترطي، فذلك لا يفيدهم، ويقوي هذا التأويل قوله في إحدى الروايات عند البخاري "اشتريها ودعيهم يشترطون ما شاءوا". (هـ) قال بعضهم: الأمر في قوله "اشترطي" مراد به التهديد على ما يؤول إليه الحال، كقوله ﴿وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله﴾ [التوبة: ١٠٥] وكقول موسى ﴿ألقوا ما أنتم ملقون﴾ [الشعراء: ٤٣] أي فليس ذلك بنافعكم، وكأنه يقول اشترطي لهم، فسيعلمون أن ذلك لا ينفعهم، يريد بذلك توبيخهم، مشيرًا إلى أنه قد تقدم منه بيان حكم الله بإبطاله، إذ لو لم يتقدم بيان ذلك لبدأ بيان الحكم في الخطبة، لا بتوبيخ الفاعل. (و) قال النووي: أقوى الأجوبة أن هذا الحكم خاص بعائشة في هذه القضية، وأن سببه المبالغة في الرجوع عن هذا الشرط، لمخالفته حكم الشرع، وهو كفسخ الحج إلى العمرة، إذ كان خاصًا بتلك الحجة مبالغة في إزالة ما كانوا عليه من منع العمرة في أشهر الحج وتعقب بأنه استدلال بمختلف فيه على مختلف فيه، وتعقبه ابن دقيق العيد بأن التخصيص لا يثبت إلا بدليل، ولأن الشافعي نص على خلاف هذه المقالة. (ز) وقال ابن الجوزي: ليس في الحديث أن اشتراط الولاء والعتق كان مقارنًا للعقد، فيحمل على أنه كان سابقًا للعقد، فيكون الأمر بقوله "اشترطي" مجرد وعد، ولا يجب الوفاء به. وتعقب باستبعاد أنه ﷺ يأمر شخصًا بأن يعد، مع علمه بأنه لا يفي بذلك الوعد. (ح) وأغرب ابن حزم، فقال: كان الحكم ثابتًا بجواز اشتراط الولاء لغير المعتق، فوقع الأمر

стр. 3273

باشتراطه في الوقت الذي كان جائزًا فيه، ثم نسخ ذلك الحكم بخطبته ﷺ ، وبقوله "إنما الولاء لمن أعتق". قال الحافظ ابن حجر: ولا يخفى بعد ما قال، وسياق طرق هذا الحديث تدفع هذا الجواب. وخير الأجوبة ما ذكرناه في الفقرة (د) قال الخطابي موضحًا ومؤيدًا: وجه هذا الحديث أن الولاء لما كان لحمة كلحمة النسب، والإنسان إذا ولد له ولد ثبت له نسبه، ولا ينتقل نسبه عنه ولو نسب إلى غيره، فكذلك إذا أعتق عبدًا ثبت له ولاؤه؛ ولو أراد نقل ولائه عنه أو أذن في نقله عنه لم ينتقل، فلم يعبأ باشتراطهم الولاء، وقال: اشترطي ودعيهم يشترطون ما شاءوا لأن ذلك غير قادح في العقد بل هو بمنزلة اللغو من الكلام، وأخر إعلامهم بذلك ليكون رده وإبطاله قولاً شهيرًا، يخطب به على المنبر ظاهرًا، إذ هو أبلغ في النكير، وأوكد في التعبير. الموضع الثالث: الولاء لمن أعتق. قال النووي: أجمع المسلمون على ثبوت الولاء لمن أعتق عبده أو أمته عن نفسه، وأنه يرث بالولاء، وأما العتيق فلا يرث سيده عند الجماهير، وقال جماعة من التابعين: يرثه كعكسه. اهـ. قال ابن بطال: هذا الحديث يقتضي أن الولاء لكل معتق، سواء كان ذكرًا أو أنثى. وهو مجمع عليه، أما جر الولاء وميراثه فقال الأبهري لا خلاف بين الفقهاء في أنه ليس للنساء من الولاء إلا ما أعتقن أو أولاد من أعتقن. وقال مسروق: لا يختص الذكور بولاء من أعتق آباؤهم، بل الذكور والإناث فيه سواء، كالميراث. وقال ابن حجر: العبارة السليمة أن يقال: ليس للنساء من الولاء إلا ما أعتق، أو جره إليهن من أعتقن بولادة أو عتق، والحجة للجمهور اتفاق الصحابة، ومن حيث النظر أن المرأة لا تستوعب المال بالفرض، الذي هو آكد من التعصيب، فاختص بالولاء من يستوعب المال، وهو الذكر، وإنما ورثن من عتقن لأنه عن مباشرة، لا عن جر الإرث. واستدل بقول في الرواية التاسعة "الولاء لمن ولى النعمة" وبقوله في رواية البخاري "الولاء لمن أعطى الورق، وولى النعمة" على أن المراد بقوله "لمن أعتق" أي لمن كان مالكًا لمن أعتق حين العتق، لا من باشر العتق ولو بوصية أو بوكالة. والله أعلم. الموضع الرابع: بيع الولاء وهبته، ولفظ الرواية الرابعة عشرة "أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الولاء، وعن هبته" ويقول النووي: فيه تحريم بيع الولاء وهبته وأنهما لا يصحان، وأنه لا ينتقل الولاء عن مستحقه، بل هو لحمة كلحمة النسب، وبهذا قال جماهير العلماء من السلف والخلف، وأجاز بعض السلف نقله، ولعلهم لم يبلغهم الحديث. اهـ. والموضع الخامس: تولى العتيق غير مواليه، ولا يتم هذا إلا بأمرين، الأول: رغبة العتيق وحرصه على أن ينتمي إلى غير معتقه، وأن ينتسب إلى غير من له الولاء. الأمر الثاني: رضا الولي المستعار بهذا الانتماء، وقبوله لهذا الانتساب. أما الأمر الأول فتقول عنه الرواية السادسة عشرة والسابعة عشرة "من تولى قومًا بغير إذن مواليه

стр. 3274

فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه يوم القيامة عدل ولا صرف" وتقول عنه الرواية الثامنة عشرة "ومن ادعي إلى غير أبيه، أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلاً". وأما الأمر الثاني فتقول عنه الرواية الخامسة عشرة "لا يحل لمسلم أن يتوالى مولى رجل مسلم بغير إذنه" يقول الراوي: ثم أخبرت "أنه لعن في صحيفته من فعل ذلك". وقد روى أحمد والطبراني عن أنس عن النبي ﷺ قال "إن لله عبادًا لا يكلمهم الله تعال ... " الحديث وفيه "ورجل أنعم عليه قوم، فكفر نعمتهم، وتبرأ منهم". والحكمة في تحريم ذلك ما فيه من كفر النعمة، وتضييع حق الإرث بالولاء، والعقل، وغير ذلك. أما قيد "بغير إذن مواليه" الوارد في بعض الروايات فقد شذ عطاء بن أبي رباح بالأخذ بمفهوم هذا القيد، وقال: إن أذن الرجل لمولاه أن يوالي من شاء جاز، واستدل بهذا الحديث قال ابن بطال: وجماعة الفقهاء على خلاف ما قال عطاء. قال الحافظ ابن حجر: وانعقد الإجماع على خلاف هذا القول. قال ابن بطال: وفي الحديث أنه لا يجوز للعتيق أن يكتب: فلان ابن فلان، ويسمي نفسه ومولاه الذي أعتقه، بل يقول: فلان مولى فلان، ولكن يجوز أن ينتسب إلى نسب الذي أعتقه، كالقرشي وغيره، والأولى أن يفصح بذلك أيضًا، كأن يقول: القرشي بالولاء، أو مولاهم. -[ويؤخذ من مجموعة هذه الأحاديث]- ١ - من قوله "إنما الولاء لمن أعتق" من منطوقه إثبات الولاء لمن أعتق سائبة - أي العبد يقول له سيده: لا ولاء لأحد عليك، أو أنت سائبة، أو أعتقتك سائبة، أو أنت حر سائبة. وقد اختلف في هذا الشرط، والجمهور على كراهته، وشذ من قال بإباحته، واختلف في ولائه، والجمهور على أن ولاءه لمن أعتق، ففي البخاري عن هزيل قال: "جاء رجل إلى عبد الله بن عمر، فقال: إني أعتقت عبدًا لي سائبة، فمات، فترك مالاً، ولم يدع وارثًا؟ فقال عبد الله: أنت ولي نعمته، فلك ميراثه، فإن تأثمت - أي خشيت أن تقع في الإثم - أو تحرجت في شيء فنحن نقبله، ونجعله في بيت المال". وبهذا الحكم في السائبة قال الحسن البصري وابن سيرين والشافعي. وقال عطاء: إذا لم يخلف السائبة وارثًا دعي الذي أعتقه، فإن قبل ماله، وإلا ابتيعت به رقاب فأعتقت. وفيه مذهب آخر أن ولاءه للمسلمين، يرثونه ويعقلون عنه. قال عمر بن عبد العزيز والزهري، وهو قول مالك. قال ابن المنذر: واتباع ظاهر قوله "الولاء لمن أعتق" أولى. اهـ.

стр. 3275

٢ - ومن منطوق العبارة أيضًا ثبوت الولاء للمسلم على الكافر، وعكسه، وإن لم يتوارثا ما دام الدين مختلفًا. ٣ - ومن مفهوم قوله "إنما الولاء لمن أعتق" أنه لا ولاء لملتقط، لأن كلمة "إنما" للحصر، وهو إثبات الحكم للمذكور، ونفيه عما عداه، والجمهور على أن اللقيط حر، وولاؤه في بيت المال، لأن الحديث يقتضي أن من لم يعتق لا ولاء له، لأن العتق يستدعي سبق مالك، واللقيط من دار الإسلام لا يملكه الملتقط، لأن الأصل في الناس الحرية، إذ لا يخلو المنبوذ أن يكون ابن حرة، فلا يسترق، أو ابن أمة قوم فميراثه لهم، فإذا جهل وضع في بيت المال، ولا رق عليه للذي التقطه. وجاء عن النخعي وإسحاق بن راهويه أن ولاء اللقيط للذي التقطه، واحتج بقول عمر لأبي جميلة في الذي التقطه: "اذهب فهو حر، وعلينا نفقته، ولك ولاؤه" وأجاب الحافظ ابن حجر: بأن معنى قول عمر: "لك ولاؤه" أي أنت الذي تتولى تربيته، والقيام بأمره، فهي ولاية الإسلام، وليست ولاية العتق. وجاء عن علي أن اللقيط مولى من يشاؤه ويختاره إلى أن يغفل عنه، فلا ينتقل بعد ذلك عن العاقلة التي عقلت عنه. وبه قال الحنفية. ومفهوم الحديث يؤيد قول الجمهور. ٤ - ومن مفهوم قوله "إنما الولاء لمن أعتق" أيضًا أنه لا ولاء لمن أسلم على يديه، بهذا قال مالك والأوزاعي والثوري والشافعي وأحمد وداود وجماهير العلماء. وقال ربيعة والليث وأبو حنيفة وأصحابه: من أسلم على يديه رجل فولاؤه له. ٥ - ومن مفهوم قوله "إنما الولاء لمن أعتق" أيضًا أنه لا ولاء لمن حالف إنسانًا على المناصرة وبه قال الجمهور، وقال أبو حنيفة يثبت الولاء بالحلف، ويتوارثان به. ٦ - ومن قصة بريرة جواز الكتابة. ٧ - وجواز فسخ الكتابة إذا عجز المكاتب نفسه، واحتج به طائفة لجواز بيع المكاتب، كما سبق. ٨ - وجواز كتابة الأمة، ككتابة العبد. ٩ - وجواز كتابة المزوجة، ولو لم يأذن الزوج، وأنه ليس له منعها من كتابتها، ولو كانت تؤدي إلى فراقها منه، كما أنه ليس للعبد المتزوج منع السيد من عتق أمته التي تحته، وإن أدى ذلك إلى بطلان نكاحها. ١٠ - وجواز كتابة من لا حرفة له وفاقًا للجمهور واختلف عن مالك وأحمد، وذلك أن بريرة جاءت تستعين على كتابتها، ولم تكن قضت منها شيئًا. ١١ - وجواز سعي المكاتب في حال الكتابة، وتمكين السيد له من ذلك، بشرط حل جهة الكسب. ١٢ - وفيه البيان بأن النهي الوارد عن كسب الأمة محمول على من لا يعرف وجه كسبها، أو محمول على غير المكاتبة.

стр. 3276

١٣ - وأن للمكاتب أن يسأل من حين الكتابة، ولا يشترط في ذلك عجزه، خلافًا لمن شرطه. ١٤ - وجواز السؤال لمن احتاج إليه، من دين أو غرم أو نحو ذلك. ١٥ - وأنه لا بأس بتعجيل مال الكتابة. ١٦ - وأن الكتابة تكون على نجوم وأقساط، لقولها في الرواية السادسة والسابعة أنها كاتبت أهلها على تسع أواق، في تسع سنين، في كل سنة أوقية ومذهب الشافعي أنها لا يجوز على نجم واحد، بل لا بد من نجمين فصاعدًا. وقال مالك والجمهور: تجوز على نجوم وعلى نجم واحد. ١٧ - أن المكاتب لا يصير حرًا بنفس الكتابة، بل هو عبد ما بقي عليه درهم، وبهذا قال الشافعي ومالك وجماهير العلماء، وحكى القاضي عن بعض السلف أنه يصير حرًا بنفس الكتابة، ويثبت المال في ذمته، ولا يرجع إلى الرق أبدًا، وعن بعضهم أنه إذا أدى نصف المال صار حرًا، ويصير الباقي دينًا عليه، وقيل: إذا أدى الثلث، وقيل: إذا أدى ثلاثة أرباع المال. ١٨ - إعانة المكاتب في كتابته، ولو بالصدقة، وعند المالكية رواية أنه لا تجزئ عن الفرض. ١٩ - المساومة في البيع. ٢٠ - جواز تصرف المرأة في مالها، بالشراء والإعتاق وغيره، إذا كانت رشيدة، ولو كانت متزوجة بغير إذن زوجها خلافًا لمن منع ذلك. ٢١ - وأن العبد إذا أذن له سيده بالتجارة جاز تصرفه. ٢٢ - وأن بيع الأمة المزوجة ليس بطلاق، ولا ينفسخ به النكاح، وبه قال جماهير العلماء، وقال سعيد بن المسيب: هو طلاق، وعن ابن عباس أنه ينفسخ به النكاح، وحديث بريرة يرد المذهبين، لأنها خيرت في بقائها معه. ٢٣ - وأنه لا بأس لمن أراد أن يشتري للعتق أن يظهر ذلك لأصحاب الرقبة، ليتساهلوا له في الثمن، ولا يعد ذلك رياء. ٢٤ - وأن المراد بالخير في قوله تعالى: ﴿إن علمتم فيهم خيرًا﴾ [النور: ٣٣] القدرة على الكسب. ٢٥ - وجواز التأقيت في الديون، في كل شهر مثلاً كذا، من غير بيان أوله أو وسطه، ولا يكون ذلك مجهولاً، لأنه يتبين الحلول بانقضاء الشهر. قاله ابن عبد البر، وتعقب بأن النبي ﷺ نهى عن السلف إلا إلى أجل معلوم، ويحمل أن الراوي قصر في بيان تعيين الوقت من العام، حيث قال: "في كل عام أوقية" أي في غرته مثلاً. ٢٦ - وجواز البيع على شرط العتق، بخلاف البيع بشرط أن لا يبيعه لغيره، ولا يهبه مثلاً. ٢٧ - وفيه جواز مناجاة المرأة دون زوجها سرًا، إذا كان المناجي ممن يؤمن. ٢٨ - وأن الرجل إذا رأى شاهد الحال يقتضي السؤال عن ذلك، سأل وأعان.

стр. 3277

٢٩ - وأنه لا بأس للحاكم أن يحكم لزوجته، ويشهد. ٣٠ - وفيه قبول خبر الواحد، ولو كانت أمه، ويؤخذ منه حكم العبد من باب أولى. ٣١ - وأن اكتساب المكاتب له، لا لسيده. ٣٢ - قبول هدية الفقير والمعتق. ٣٣ - جواز الصدقة على موالي قريش. ٣٤ - تحريم الصدقة على رسول الله ﷺ . قال النووي: ومذهبنا أنه كان تحرم عليه صدقة الفرض بلا خلاف، وكذا صدقة التطوع على الأصح. ٣٥ - أن الصدقة لا تحرم على قريش، غير بني هاشم وبني المطلب، لأن عائشة قرشية، وقبلت ذلك اللحم من بريرة على أن له حكم الصدقة، وأنها حلال لها، دون النبي ﷺ ، ولم ينكر عليها النبي ﷺ هذا الاعتقاد. كذا قال النووي، وهو غير ظاهر، بل قوله في الرواية الثامنة "وهو لكم هدية، فكلوه" يبعد ذلك. ٣٦ - جواز خدمة العتيق لمعتقه برضاه، فقد ظلت بريرة بعد العتق تخدم عائشة. ٣٧ - أنه يستحب للإمام عند وقوع بدعة. أو أمر يحتاج إلى بيانه أن يخطب الناس، ويبين لهم حكم ذلك، وينكر على من ارتكب ما يخالف الشرع. ٣٨ - استعمال الأدب والستر عند الإنكار، فإنه ﷺ كان يقول: ما بال أقوام ... ولم يواجه صاحب الخطأ. ٣٩ - أنه يستحب في الخطبة أن يقول بعد حمد الله والثناء عليه والصلاة والسلام على رسوله "أما بعد". ٤٠ - من قوله "هو لها صدقة، ولنا هدية" أن الصفة إذا تغيرت تغير حكمها، فيجوز للغني شراءها من الفقير، وأكل الهاشمي لها إذا أهداها إليه. ٤١ - جواز الشفاعة من الحاكم إلى المحكوم له للمحكوم عليه. وهذا مأخوذ من رواية للبخاري في قصة بريرة. ٤٢ - وجواز الشفاعة إلى المرأة للبقاء مع زوجها. وهذا أيضًا مأخوذ من رواية للبخاري. ٤٣ - تخيير الأمة إذا أعتقت تحت عبد قال النووي: وأجمعت الأمة إذا أعتقت كلها تحت زوجها وهو عبد كان لها الخيار في فسخ النكاح، فإن كان حرًا فلا خيار لها عند مالك والشافعي والجمهور وقال أبو حنيفة: لها الخيار، واحتج بالرواية العاشرة، وفيها أن زوجها كان حرًا، واحتج الجمهور بأن القضية واحدة، والروايات المشهورة أن زوجها كان عبدًا، بل من قال: كان حرًا قال حين سئل: لا أدري. ويؤيد قول الجمهور قول عائشة في ملحق الرواية السابعة "ولو كان حرًا لم

стр. 3278

يخيرها". قال النووي: وفي هذا الكلام دليلان. أحدهما: إخبارها أنه كان عبدًا، وهي صاحبة القضية، والثاني قولها: لو كان حرًا لم يخيرها، ومثل هذا لا يكاد أحد يقوله إلا توقيفًا، ولأن الأصل في النكاح اللزوم، ولا طريق إلى فسخه إلا بالشرع، وثبت الفسخ بالشرع في العبد، فبقي الحر على الأصل، ولأنه لا ضرر ولا عار عليها وهي حرة في المقام تحت حر، وإنما يكون ذلك إذا قامت تحت عبد. والله أعلم. قال ابن بطال: أكثر الناس في تخريج الوجوه في حديث بريرة، حتى بلغوها مائة وجه. وقال الحافظ ابن حجر: وقد بلغ بعض المتأخرين الفوائد من حديث بريرة إلى أربعمائة، أكثرها مستبعد، متكلف. والله أعلم. أما القضية الثالثة: وهي فضل العتق فتتناولها الروايات التاسعة عشرة والمتممة للعشرين والواحدة والعشرون والثانية والعشرون والثالثة والعشرون. وعنها يقول النووي: في هذه الأحاديث بيان فضل العتق، وأنه من أفضل الأعمال، ومما يحصل به العتق من النار، ودخول الجنة، وفيها استحباب عتق كامل الأعضاء، فلا يكون خصيًا، ولا فاقد عضو من أعضائه، وفي الخصي وغيره أيضًا الفضل العظيم، لكن الكامل أولى، وأفضل العتق أغلاه ثمنًا، وأنفسه عند أهله، وهذه الأحاديث دليل على أن عتق العبد أفضل من عتق الأمة. قال القاضي عياض: واختلف العلماء أيهما أفضل؟ عتق الإناث؟ أم الذكور؟ فقال بعضهم: الإناث أفضل، لأنها إذا عتقت كان ولدها حرًا، سواء تزوجها حر أو عبد، وقال آخرون: عتق الذكور أفضل، لهذه الأحاديث، ولما في الذكر من المعاني العامة، والمنفعة التي لا توجد في الإناث من الشهادة والقضاء والجهاد وغير ذلك، مما يختص بالرجال، إما شرعًا، وإما عادة، ولأن من الإماء من لا ترغب في العتق، وتضيع به، بخلاف العبيد، وهذا القول هو الصحيح. وأما التقييد في الرقبة بكونها مؤمنة فيدل على أن هذا الفضل الخاص الوارد في هذه الأحاديث إنما هو في حق عتق المؤمنة، وأما غير المؤمنة ففيه أيضًا فضل بلا خلاف، ولكن دون فضل المؤمنة، ولهذا أجمعوا على أنه يشترط في عتق كفارة القتل كونها مؤمنة، وحكى القاضي عياض عن مالك أن الأعلى ثمنًا أفضل، وإن كان كافرًا، وخالفه غير واحد من أصحابه وغيرهم. قال: وهذا أصح. واختلف العلماء في إنقاذ العتق من النار، وبكل عضو من أعضاء العتيق عضوًا من أعضاء المعتق حتى الفرج بالفرج. قال ابن العربي: الفرج لا يتعلق به ذنب يوجب له النار إلا الزنا، والزنا كبيرة لا تكفر إلا بالتوبة، ثم قال: يحتمل أن يكون المراد أن العتق يرجح عند الموازنة، بحيث يكون مرجحًا لحسنات المعتق ترجيحًا يوازي سيئة الزنا. اهـ قال الحافظ ابن حجر: ولا اختصاص لذلك بالفرج، بل يأتي في غيره من الأعضاء، كاليد في الغصب مثلاً. ثم قال النووي: واختلفوا في عتق الأقارب إذا ملكوا، فقال أهل الظاهر لا يعتق أحد منهم بمجرد

стр. 3279

الملك، سواء الوالد والولد وغيرهما. بل لا بد من إنشاء عتق، واحتجوا بمفهوم هذا الحديث. وقال جماهير العلماء: يحصل العتق في الآباء والأمهات والأجداد والجدات وإن علوا وعلون، وفي الأبناء والبنات وأولادهم الذكور والإناث وإن سفلوا بمجرد الملك، سواء المسلم والكافر، والقريب والبعيد، والوارث وغيره، ومختصره أنه يعتق عمود النسب بكل حال، واختلفوا فيما وراء عمودي النسب، فقال الشافعي وأصحابه: لا يعتق غيرهما بالملك، لا الإخوة، ولا غيرهم، وقال مالك: يعتق الإخوة أيضًا، وعنه رواية: يعتق جميع ذوي الأرحام المحرمة، وقال أبو حنيفة: يعتق جميع ذوي الأرحام المحرمة. واللَّه أعلم

стр. 3280

كتاب البيوع

стр. 3281

قال الأزهري: تقول العرب. بعت. بمعنى بعت ما كنت ملكته، وبعت بمعنى اشتريت، قال: وكذلك شريت بالمعنيين. قال: وكل واحد بَيِّع وبائع، لأن الثمن والمثمن كل منهما مبيع. وكذا قاله آخرون من أهل اللغة، ويقال: بعته وابتعته، فهو مبيع ومبيوع، كما يقال: مخيط ومخيوط، قال الخليل: المحذوف من مبيع واو مفعول، لأنها زائدة، فهي أولى بالحذف، وقال الأخفش: المحذوف عين الكلمة. قال المازري: كلاهما حسن، وقول الأخفش أقيس، والابتياع الاشتراء، وتبايعا وبايعته، ويقال: استبعته، أي سألته البيع، وأبعت الشيء أي عرضته للبيع، وبيع الشيء بكسر الباء وضمها، وبوع لغة فيه، وكذلك القول في "قيل"، "وكيل". والبيوع جمع بيع، وجمع لاختلاف أنواعه، والبيع نقل ملك إلى الغير بثمن، والشراء قبول نقل ملك الغير بثمن. وأجمع المسلمون على جواز البيع، قال تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ [البقرة: ٢٧٥] ولفظ "البيع" في الآية عام، وعمومه ليس مرادًا، فقد حرم الشارع بيوعًا ستأتي، لهذا قيل: إنه عام أريد به الخصوص، وقيل: مجمل بينته السنة، وقيل، الألف واللام فيه للعهد، أي أحل الله البيع المعهود الذي أحله الله من قبل. والحكمة من إباحة البيع أن حاجة الإنسان تتعلق بما في يد صاحبه غالبًا، وصاحبه لا يبذله له إلا بمقابل، ففي تشريع البيع وسيلة إلى بلوغ الغرض من غير حرج، وبالتراضي، فالقرآن الكريم يقيد التجارة المباحة بالتراضي، فيقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ [النساء: ٢٩] أي لكن إن حصلت تجارة بينكم وتراضيتم بها فليس بباطل. ولما كانت أنواع البيوع المباحة كثيرة، وكانت البيوع المحرمة محدودة محصورة جمع الإمام مسلم كثيرًا منها في الأحاديث الآتية:

стр. 3282

(٤٠٣) باب بيع الملامسة والمنابذة والحصاة وحبل الحبلة وبيع الغرر ٣٣٥٩ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن الملامسة والمنابذة. ٣٣٦٠ - عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: نهي عن بيعتين: الملامسة والمنابذة. أما الملامسة فأن يلمس كل واحد منهما ثوب صاحبه بغير تأمل. والمنابذة أن ينبذ كل واحد منهما ثوبه إلى الآخر، ولم ينظر واحد منهما إلى ثوب صاحبه. ٣٣٦١ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: نهانا رسول الله ﷺ عن بيعتين ولبستين: نهى عن الملامسة والمنابذة في البيع. والملامسة لمس الرجل ثوب الآخر بيده بالليل أو بالنهار. ولا يقلبه إلا بذلك. والمنابذة أن ينبذ الرجل إلى الرجل بثوبه وينبذ الآخر إليه ثوبه. ويكون ذلك بيعها من غير نظر ولا تراض. ٣٣٦٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر. ٣٣٦٣ - عن عبد الله ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن بيع حبل الحبلة.

стр. 3283

٣٣٦٤ - عن ابن عمر ﵄ قال: كان أهل الجاهلية يتبايعون لحم الجزور إلى حبل الحبلة. وحبل الحبلة أن تنتج الناقة ثم تحمل التي نتجت. فنهاهم رسول الله ﷺ عن ذلك. -[المعنى العام]- شاء الله تعالى لحكمة بالغة أن يحتاج الإنسان للإنسان في الخدمات العامة، وفي العلاقات التجارية، وفي المعاملات المالية، وسيلة من وسائل الترابط، وربما كان هذا فرقًا واضحًا بين الإنسان والحيوان، وقد وضع الإسلام لهذه العلاقة قواعد وقوانين، تراعي العدالة والنصفة، وإحقاق الحق، وإبطال الباطل. وفي مجال البيع والشراء، وقد ملك البعض مالاً، وملك البعض متاعًا، وكل من الطرفين يحرص على منفعة نفسه ويضن بما يملك على غيره، بحكم الطبيعة البشرية التي قال الله عنها: ﴿وتأكلون التراث أكلاً لما * وتحبون المال حبًا جمًا﴾ [الفجر: ١٩، ٢٠] ولما كان الأمر كذلك في هذا المجال قال جل شأنه: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ [النساء: ٢٩] فكان شرط التراضي بين المتعاملين شرطًا أساسيًا، لكنه قد يحتاج أحد الطرفين المعاملة احتياجًا يجعل الرضا حتمًا وإرغامًا، وقد يعلم الطرف الثاني حاجة الطرف الأول، فيتعسف ويتحكم، وقد ينطوي هذا التعامل على الإضرار بأحد الطرفين إضرارًا مستترًا، ومن أسس الشريعة مراعاة مصالح الناس وعدم الإضرار بينهم "لا ضرر ولا ضرار" فشرطت الشريعة في البيع صيغة الإيجاب والقبول، وأن يكون المبيع معلومًا كيلاً أو وزنًا أو مقياسًا، وأن يكون معلوم العين والصفة، وأن يكون الثمن كذلك معلوم المقدار، ومعلوم الحلول والأجل، وأن يخلو كل من المتبادلين من الجهالة والغرر خلوًا يحفظ لكل من الطرفين حقه ومصلحته. لقد كانت الجاهلية تبايع في ممتلكاتها مبايعات فيها غبن وخداع، فنهى الإسلام عنها. من هذه المبايعات أنهم كانوا يبيعون بعض السلع في الظلمة، لا يراها ولا يفحصها المشتري، أو ملفوفة مطوية يجهل المشتري حقيقة داخلها، أو كانوا يطرحون السلعة أمامهم، ويطرح المشتري الثمن، دون فحص أو عبارة بيع وشراء، بل كانوا يبيعون ما تقع عليه الحصاة من الثياب مثلاً حين يقذفون بالحصاة على الأثواب، وأحيانًا يبيعون ما في بطون الأنعام وهم يجهلونها أذكرًا تكون أم أنثى؟ ضعيفة تكون أم قوية؟ سليمة تكون أم مريضة؟ بل كانوا أحيانًا يبيعون جنين الجنين يبيعون مجهولاً من مجهول. كل هذه البيوع وغيرها من بيوع الغرر والخداع والجهل الكبير بالسلع،

стр. 3284

حرمها الإسلام حماية للبشرية من أن يدفع بها الطمع إلى أكل الأموال بالباطل، أو إلى استغلال البعض للبعض والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. -[المباحث العربية]- (نهى عن الملامسة) في كتب اللغة: لمسه يلمسه، من باب ضرب ونصر، مسه بيده، فاللمس باليد، والمس بأي جزء من البشرة، وقيل: اللمس كالمس مطلقًا، وهو إدراك بظاهر البشرة، والملامسة هنا المماسة باليد. وفي المراد من الملامسة المنهي عنها هنا ثلاث صور، أو ثلاثة أوجه، أو ثلاثة تأويلات. أحدها: تأويل الشافعي، وهو أن يأتي بثوب مطوي، أو في ظلمة، فيلمسه المشتري، فيقول صاحبه: بعتكه بكذا، بشرط أن يقوم لمسك مقام نظرك، ولا خيار لك إذا رأيته. اهـ. وقد جاء هذا التأويل في الرواية الثانية بلفظ "أما الملامسة فأن يلمس كل واحد منهما ثوب صاحبه، بغير تأمل" أي بغير فحص، وغير دراية بالثوب فيكون في البيع جهالة بالمبيع. وفسرها أبو سعيد في الرواية الثالثة بقوله "والملامسة لمس الرجل ثوب الآخر بيده بالليل أو بالنهار، ولا يقلبه إلا بذلك" أي لا يدرك أوصاف المبيع إلا بهذه اللمسة السطحية، ففي ذلك جهالة المشتري للمبيع، وفسرت الملامسة عند أبي عوانة بأن يتبايع القوم السلع، لا ينظرون إليها، ولا يخبرون عنها. وفسرت عند النسائي بأن يقول الرجل للرجل: أبيعك ثوبي بثوبك، ولا ينظر واحد منهما إلى ثوب الآخر ولكن يلمسه لمسًا. وفسرت عند أحمد بلفظ "والملامسة أن يلمس بيده، ولا ينشره، ولا يقلبه، إذا مسه وجب البيع" وقوله "ولا يقلبه" بفتح الياء وسكون القاف وتخفيف اللام وبضم الباء وفتح القاف وتشديد اللام. وكلها تفسيرات متقاربة تجمع على أن علة المنع والنهي الجهالة من حيث عدم النظر وعدم التقليب، واشتراط نفي الخيار. التأويل الثاني أن يجعلا نفس اللمس بيعًا، كأن يقول: إذا لمست الثوب فهو مبيع لك. وعلة النهي على هذا التأويل انعدام الصيغة في عقد البيع. التأويل الثالث: أن يبيعه شيئًا على أنه متى مسه لزمه البيع، ولا خيار له، وعلة النهي على هذا التأويل شرط في خيار المجلس وغيره. وبيع الملامسة بهذه الصور الثلاث باطل، وكان سائغًا في الجاهلية. (والمنابذة) في كتب اللغة، نبذك الشيء طرحك الشيء من يدك أمامك أو وراءك أو عام، يقال، نبذ الشيء إذا رماه وأبعده، وفي القرآن ﴿فنبذوه وراء ظهورهم﴾ [آل عمران: ١٨٧] وفي مفردات الراغب: أصل النبذ طرح ما لا يعتد به.

стр. 3285

وفسر الراوي المنابذة في الرواية الثانية بأن ينبذ كل واحد منهما ثوبه إلى الآخر، ولم ينظر واحد منهما إلى ثوب صاحبه. وفي الرواية الثالثة "بأن ينبذ الرجل إلى الرجل بثوبه، وينبذ الآخر إليه ثوبه، ويكون ذلك بيعهما، من غير نظر ولا تراض". فعلة النهي كعلة النهي عن الملامسة، الجهالة، وانعدام صيغة البيع في العقد، وقطع الخيار. وقيل: المراد من النبذ طرح الحصاة الآتي في الرواية الرابعة، والصحيح أنه غيره. قال الحافظ ابن حجر: ظاهر الطرق كلها أن تفسير المنابذة والملامسة من الحديث المرفوع، وقيل: التفسير من الصحابي، وهو ظاهر حديث أبي سعيد الخدري [روايتنا الثالثة]. (نهانا رسول اللَّه ﷺ عن بيعتين ولبستين) "بكسر اللام اسم هيئة، ولم يوضح هنا اللبستين ما هما؟ ووضح إحداهما في رواية للبخاري بقوله "أن يحتبي الرجل في الثوب الواحد، ثم يرفعه على منكبه" وبين الثنتين عند أحمد، فقال "أن يحتبي الرجل في ثوب واحد، ليس على فرجه منه شيء، وأن يرتدي في ثوب، يرفع طرفيه على عاتقيه" يقال: احتبى بالثوب إذا أداره على ساقيه وظهره، وكانوا لقلة مالهم كثيرًا ما كانوا يلبسون ثوبًا واحدًا، يستخدمونه إزارًا ورداء في وقت واحد، فكان بعضهم يعني بالنصف الأسفل، فيلف الثوب عليه وليس على عاتقيه منه شيء، وكان بعضهم يعني بالنصف الأعلى فيغطي عاتقيه، ويعرض عورته للكشف، فنهوا عن ذلك وتلك. وعلمهم ﷺ الكيفية المثلى عند الاكتفاء بالثوب الواحد، فلفه حول وسطه، يستر عورته، ثم أخذ طرفه فألقاه من الأمام على كتفه الأيمن، ومرره من ظهره إلى تحت يده اليسرى، وأخذ الطرف الثاني، فألقاه من الأمام على كتفه الأيسر، ومرره من خلفه إلى تحت يده اليمنى، ثم جمع الطرفين فعقدهما على صدره ففي هذا الوضع ستر للعورة، وستر لجزء من العاتق أو المنكب، مع تمكن الثوب من الجسم، بحيث لا تنكشف العورة أثناء الركوع والسجود. (نهى عن بيع الحصاة) أي عن بيع الشيء بواسطة الحصاة. قال النووي: في بيع الحصاة ثلاثة تأويلات: أحدها: أن يقول: بعتك من هذه الأثواب ما وقعت عليه الحصاة التي أرميها، أو بعتك من هذه الأرض من هنا إلى ما انتهت إليه هذه الحصاة التي أرميها، فعلة النهي الجهالة والغرر. والثاني: أن يقول: بعتك على أنك بالخيار، إلى أن أرمي بهذه الحصاة، فعلة النهي إبطال شرط خيار المجلس وغيره. والثالث: أن يجعلا نفس الرمي بالحصاة بيعًا، فيقول: إذا رميت بالحصاة فهو مبيع لك بكذا. فعلة النهي انعدام الصيغة في عقد البيع. وكل هذه بيوع جاهلية. (وعن بيع الغرر) في كتب اللغة: غره الشيطان يغره غرًا وغرورًا، وغرة بكسر الغين، وغررًا محركة، فهو مغرور وغرير، خدعه وأطمعه بالباطل، والغرر محركة هو الخطر، وفيه الحديث "نهي عن بيع الغرر" وهو مثل بيع السمك في الماء، والطير في الهواء، وقيل: هو ما كان له ظاهر يغر المشتري، وباطن مجهول، وقيل: هو أن يكون على غير عهده ولا ثقة. قال

стр. 3286

الأزهري: ويدخل في بيع الغرر البيوع المجهولة التي لا يحيط بكنهها المتبايعان، وعطف بيع الغرر على بيع الحصاة من عطف العام على الخاص. (نهي عن بيع حبل الحبلة) قال أهل اللغة: الحبل بفتح الحاء والباء الحمل، يقال: حبلت المرأة من باب فرح حبلاً، فهي حابلة وحبلى، ونساء حبليات وحبالى. واختلف في هذه الصفة، أعامة للإناث؟ أم خاصة؟ فقيل: الحبل للآدميات، والحمل لغيرهن، ولم يأت الحبل لغير الآدميات إلا في حديث "نهي عن بيع حبل الحبلة - بفتح الحاء والباء فيهما - وقيل: الحبل للآدميات ولكل ذي ظفر. والحبلة بفتح الحاء والباء جمع حابل، مثل ظلمة وظالم، وكتبة وكاتب. وبيع حبل الحبلة هو بيع نتاج الدابة قبل أن تلد ويمكن أن يكون قبل أن تحمل أو بيع نتاج النتاج قبل أن تلد الأولى، بمعنى بيع الجنين، وهو في بطن أمه أو قبل أن تحمله أمه أو بيع جنين الجنين، وعلى أي حال فهو بيع مجهول العين، ومجهول الأجل، وغير مقدور على تسليمه ويضاف إلى ذلك في حالة بيع جنين الجنين أنه بيع معدوم، وكذلك بيع الجنين قبل أن تحمل الدابة، هو بيع معدوم. (كان أهل الجاهلية يتبايعون لحم الجزور إلى حبل الحبلة) هذا من كلام ابن عمر، وكذلك التفسير الآتي، والجزور بفتح الجيم وضم الزاي هو البعير، ذكرًا كان أو أنثى، أي يتبايعون لحم الجزور، وهو في بطن أمه على أن يتم التسليم بعد وضع حبل الحبلة، وفي رواية البخاري "كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة، ثم تنتج التي في بطنها". (وحبل الحبلة أن تنتج الناقة، ثم تحمل التي نتجت) أي فيباع حمل النتاج الذي هو حمل، أي جنين الجنين قبل أن يولد الأول، و"تنتج" بضم التاء الأولى وسكون النون وفتح التاء الثانية على هيئة المبني للمجهول لكنه مبني للمعلوم، و"الناقة" فاعل، وهذا من الأفعال النادرة في صياغتها. -[فقه الحديث]- هذه خمسة بيوع نهى عنها الإسلام، وكانت شائعة في الجاهلية. بيع الملامسة، وهو باطل بصوره الثلاث التي ذكرناها. وبيع المنابذة، وهو باطل أيضًا. وبيع الحصاة، وهو باطل أيضًا. وكذلك بيع حبل الحبلة. وقد قلنا إن علة المنع والبطلان إما الجهالة الكبيرة في المبيع، أو الجهالة الكبيرة في الأجل، أو خلو البيع من عقده، أو إبطال شرط الخيار، أعني خيار المجلس الذي شرعه الإسلام، وقد يكون في بعض الصور أكثر من علة من هذه العلل.

стр. 3287

وأهم العلل في هذه البيوع علة تحقق الغرر، ولذلك كان عطف بيع الغرر على هذه الأربعة ليست عطفًا مغايرًا خامسًا، لكنه عطف عام على خاص، وستأتي بيوع أخرى منهي عنها، والأساس الإضرار بالبائع أو بالمشتري أو بهما جميعًا، أو بمصلحة المجتمع. نعم. لا يكاد يخلو بيع من غرر، لكن هناك القليل المغتفر للحاجة أو الضرورة، وهناك الكثير الذي لا يغتفر ولذلك يقول النووي: وأما النهي عن بيع الغرر فهو أصل عظيم من أصول كتاب البيوع، ويدخل فيه مسائل كثيرة، غير منحصرة، كبيع العبد الآبق - أي الهارب غير معروف المكان - وبيع المعدوم، والمجهول وما لا يقدر على تسليمه، وما لم يتم ملك البائع عليه، وبيع السمك في الماء الكثير، وبيع اللبن في الضرع، وبيع الحمل في بطن الدابة، وبيع الصبرة - أي الكومة - مبهمة، وبيع ثوب من أثواب، وشاة من شياه، ونظائر ذلك. وكل هذا بيعه باطل، لأنه غرر من غير حاجة، وقد يحتمل بعض الغرر إذا دعت إليه حاجة. كالجهل بأساس الدار عند شرائها، وكما إذا باع الشاة الحامل، والتي في ضرعها لبن، فإن البيع صحيح لأن الأساس تابع للظاهر من الدار، واللبن تابع للشاة، ولأن الحاجة تدعو إليه، ولا يمكن رؤيته وكذلك أجمع المسلمون على جواز أشياء فيها غرر حقير، منها: أنهم أجمعوا على صحة بيع الجبة - واللحاف والوسادة - المحشوة، وإن لم ير حشوها، وأجمعوا على جواز إجارة الدار والدابة والثوب ونحو ذلك شهرًا، مع أن الشهر قد يكون ثلاثين يومًا وقد يكون تسعة وعشرين يومًا. وأجمعوا على جواز دخول الحمام بالأجرة، مع اختلاف الناس في كمية استعمالهم الماء، وفي قدر مكثهم، وأجمعوا على جواز الشرب من السقاء بالعوض - وكذلك الوجبة في المطعم المفتوح - مع جهالة قدر المشروب - والمأكول - لاختلاف عادة وقدرة الشاربين والآكلين. وأجمعوا على بطلان بيع الأجنة في البطون، وبيع الطير في الهواء. قال العلماء: مدار البطلان بسبب الغرر، والصحة مع وجوده، على ما ذكرناه، وهو أنه إذا دعت حاجة إلى ارتكاب الغرر، ولا يمكن الاحتراز عنه إلا بمشقة، وكان الغرر حقيرًا، جاز البيع، وإلا فلا وما وقع في بعض مسائل بيع الغرر، من اختلاف العلماء، في صحة البيع فيها وفساده مبني على تقديرهم لهذه القاعدة فبيع العين الغائبة بعضهم يرى أن الغرر فيها حقير، فيجعله كلا غرر، فيصحح البيع، وبعضهم يراه غير حقير، فيبطل البيع. ثم قال: واعلم أن بيع الملامسة وبيع المنابذة، وبيع حبل الحبلة، وبيع الحصاة، وعسب الفعل، وأشباهها من البيوع التي جاء فيها نصوص خاصة، هي داخلة في النهي عن بيع الغرر، ولكن أفردت بالذكر، ونهي عنها لأنها من بياعات الجاهلية المشهورة. اهـ. وعسب الفحل الذي ذكره النووي هو بفتح العين وسكون السين والفحل الذكر معه الحيوان،

стр. 3288

وعسبه لقاحه الأنثى، وأكثر العلماء على تحريم الأجرة على ذلك، لما فيه من الغرر، لأن الفحل قد يضرب، وقد لا يضرب، وقد تلقح الأنثى، وقد لا تلقح، فهو أمر مظنون، والغرر فيه موجود، وحديث النهي عنه رواه ابن عمر عن النبي ﷺ ، وأخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح، وأخرجه النسائي وأبو داود في البيوع. وقد استدل بعض العلماء بقوله في الرواية الثانية "ولم ينظر واحد منها إلى ثوب صاحبه" وبقوله في الرواية الثالثة "من غير نظر" على بطلان بيع الغائب، وهو قول الشافعي في الجديد، وعن أبي حنيفة: يصح مطلقًا، ويثبت الخيار إذا رآه، وحكي هنا عن مالك والشافعي أيضًا، وعن مالك: يصح إن وصفه، وإلا فلا، وهو قول الشافعي في القديم وأحمد وإسحق وأبي ثور وأهل الظاهر. واستدل به أيضًا على بطلان بيع أو شراء الأعمى مطلقًا، وهو قول معظم الشافعية، حتى من أجاز منهم بيع الغائب، لكون الأعمى لا يراه بعد ذلك، فيكون كبيع الغائب مع اشتراط نفي الخيار، وقيل: يصح إذا وصفه له غيره، وبه قال مالك وأحمد، وعن أبي حنيفة: يصح مطلقًا، وعلى تفاصيل عندهم أيضًا. واللَّه أعلم

стр. 3289

(٤٠٤) باب بيع الرجل على بيع أخيه، وسومه على سومه وخطبته على خطبته والنجش والتصرية، وتلقي الركبان وبيع الحاضر للبادي، وسؤال المرأة طلاق أختها ٣٣٦٥ - عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يبع بعضكم على بيع بعض". ٣٣٦٦ - عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال "لا يبع الرجل على بيع أخيه. ولا يخطب على خطبة أخيه. إلا أن يأذن له". ٣٣٦٧ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "لا يسم المسلم على سوم أخيه". ٣٣٦٨ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى أن يستام الرجل على سوم أخيه. وفي رواية الدورقي: على سيمة أخيه. ٣٣٦٩ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "لا يتلقى الركبان لبيع ولا يبع بعضكم على بيع بعض. ولا تناجشوا. ولا يبع حاضر لباد. ولا تصروا الإبل والغنم. فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين، بعد أن يحلبها. فإن رضيها أمسكها. وإن سخطها ردها وصاعًا من تمر".

стр. 3290

٣٣٧٠ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن التلقي للركبان. وأن يبيع حاضر لباد. وأن تسأل المرأة طلاق أختها. وعن النجش. والتصرية. وأن يستام الرجل على سوم أخيه. ٣٣٧١ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ نهى عن النجش. ٣٣٧٢ - عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ نهى أن تتلقى السلع حتى تبلغ الأسواق. وهذا لفظ ابن نمير. وقال الآخران: إن النبي ﷺ نهى عن التلقي. ٣٣٧٣ - عن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ أنه نهى عن تلقي البيوع. ٣٣٧٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يتلقى الجلب. ٣٣٧٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال "لا تلقوا الجلب. فمن تلقاه فاشتري منه، فإذا أتى سيده السوق، فهو بالخيار". ٣٣٧٦ - عن أبي هريرة ﵁ يبلغ به النبي ﷺ قال "لا يبع حاضر لباد". وقال زهير: عن النبي ﷺ : أنه نهى أن يبيع حاضر لباد.

стр. 3291

٣٣٧٧ - عن ابن عباس ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ أن تتلقى الركبان وأن يبيع حاضر لباد. قال: فقلت لابن عباس: ما قوله: حاضر لباد؟ قال: لا يكن له سمسارًا. ٣٣٧٨ - عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لا يبع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض" غير أن في رواية يحيى: "يرزق". ٣٣٧٩ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: نهينا أن يبيع حاضر لباد. وإن كان أخاه أو أباه. ٣٣٨٠ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: نهينا عن أن يبيع حاضر لباد. ٣٣٨١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من اشترى شاة مصراة فلينقلب بها. فليحلبها. فإن رضي حلابها أمسكها. وإلا ردها ومعها صاع من تمر". ٣٣٨٢ - عن أبي هريرة ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: "من ابتاع شاة مصراة فهو فيها بالخيار ثلاثة أيام. إن شاء أمسكها وإن شاء ردها. ورد معها صاعًا من تمر". ٣٣٨٣ - عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "من اشترى شاة مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام. فإن ردها رد معها صاعًا من طعام، لا سمراء". ٣٣٨٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من اشترى

стр. 3292

شاة مصراة فهو بخير النظرين. إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها. وصاعًا من تمر، لا سمراء". ٣٣٨٥ - وفي رواية مثله غير أنه قال: "من اشترى من الغنم فهو بالخيار". ٣٣٨٦ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها. وقال: قال رسول الله ﷺ "إذا ما أحدكم اشترى لقحة مصراة أو شاة مصراة، فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها. إما هي، وإلا فليردها وصاعًا من تمر". -[المعنى العام]- كان من أهم أهداف الإسلام غرس المودة والمحبة والترابط والانتماء والتفاعل الصحيح بين أفراد المجتمع، وقد نجحت التشريعات الإسلامية في بلوغ هدفها في فترة وجيزة، لحرص الأمة آنذاك على الاستجابة والالتزام، فقال تعالى: ﴿واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. وللمودة والترابط أسباب، كما أن العداوة والبغضاء لها الأسباب المناقضة لأسباب المودة وأهم أسباب هذه وتلك: المعاملات، مالية كانت أو اجتماعية. وفي طبائع البشر الأنانية، وحب الذات، والحرص على الحياة، وعلى المنافع، والشح بما يملك، والنظر والطمع فيما تحت يد الغير، وحب السيطرة والتملك، ونتيجة لهذه النوازع الطبيعية تتعارض المصالح وتعلو مصلحة أحد المتعاملين على حساب هبوط مصلحة الآخر ويفرح المشتري حين ينخفض سعر السلعة في حين يحزن البائع، ويفرح البائع حين يرتفع سعر السلعة إذ يضر المشتري، ونتيجة لحرص كل من الطرفين على مصلحة نفسه قد يستغل العالم الجاهل، والذكي الغبي، والمتحضر البدوي، والماكل الساذج فكان من الحكمة وضع قواعد للمعاملة، مهمتها الأولى حماية الضعفاء من الأقوياء، ومهمتها الثانية حماية المجتمع من الانتهازيين، ورحم الله الخليفة الأول إذ قال: (القوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له). فكانت النتيجة ترابط المجتمع وتكامله، وعموم الخير والبركات. على النقيض من ذلك القوانين الوضعية قوانين أهل الأرض، إذ يعبر عنها الحكيم بأنها قيود وضعها الأقوياء لاستغلال الضعفاء، فكانت النتيجة تفكك المجتمعات، ومحاربة الطبقات بعضها لبعض، ومحق الخير، وكثرة الجوع والعري، والفساد والإفساد.

стр. 3293

لقد تعرضت أحاديث الباب السابق إلى مجموعة من قوانين الإصلاح في المعاملات، النهي عن بيع الملامسة، وعن بيع المنابذة، وعن بيع الحصاة، وعن بيع حبل الحبلة، وعن بيع الغرر. وتعرضت أحاديث هذا الباب إلى مجموعة أخرى من قوانين استقامة المعاملة وتوازنها بين الأفراد، النهي عن بيع الرجل على بيع أخيه، وعن سوم الرجل على سوم أخيه، وعن خطبة الرجل على خطبة أخيه، وعن سؤال المرأة طلاق أختها لتحل محلها، وعن النجش والتغرير، وعن وسائل الخداع في بيع الدواب، وعن بيع الحاضر للبادي، وعن تلقي السلع في الطريق قبل وصولها للأسواق. وفي الأبواب القادمة مجموعات أخرى من قوانين التعامل بين أفراد المجتمع، تحمي بعضه من بعض، وتحمي كل واحد من نفسه التي بين جنبيه، نفسه الأمارة بالسوء. -[المباحث العربية]- (لا يبع الرجل على بيع أخيه) "لا يبع" بالجزم على النهي، وفي رواية للبخاري "لا يبيع" في رواية الأكثر، على أن "لا" نافية، والتعبير بالرجل من باب الغالب، وإلا فالحكم يعم النساء، والمراد من الأخ الأخ في الإنسانية عند الجمهور، لأن الذمي والمسلم في ذلك سواء، أو ذكر الأخ خرج للغالب والكثير، فلا مفهوم له. وصورة البيع على البيع أن يقول الرجل لمن اشترى سلعة في زمن خيار المجلس أو الشرط: افسخ. لأبيعك خيرًا منها بمثل قيمتها، أو مثلها بأنقص مما اشتريت. ومثل ذلك الشراء على الشراء، كأن يقول للبائع: افسخ لأشتري منك بأكثر، وفي الرواية الأولى والخامسة "ولا يبع بعضكم على بيع بعض" وفي رواية للبخاري "لا يبيع على بيع أخيه". (ولا يخطب على خطبة أخيه) "ولا يخطب" بالرفع والجزم، أما الرفع فعلى أنه خبر بمعنى النهي، و"لا" نافية وجعل سياقه في صورة الخبر أبلغ في المنع، لإشعاره بأنه أمر امتثل فعلاً، ويخبر عنه، وأما الجزم فعلى النهي الصريح. والخطبة بكسر الخاء طلب المرأة من وليها، وأصلها الهيئة التي يكون عليها الإنسان حين يخطب نحو الجلسة، من خطب يخطب من باب نصر، فهو خاطب، والمبالغة منه خطاب بتشديد الطاء، وأما الخطبة بضم الخاء فهي من القول والكلام، فهو خطاب وخطيب، والمراد من الأخوة الأخوة في العهد والحرمة، فتشمل المسلم والذمي، وذكر الأخ جرى على الغالب، ولأنه ادعى لسرعة الامتثال. وصورتها المنهي عنها أن يخطب رجل امرأة، فتركن إليه، ويتفقا ويتراضيا، ولم يبق إلا العقد، فيجيء آخر، وهو يعلم بكل هذا، فيخطب على خطبة الأول، أما إذا لم تركن إليه، أو لم يركن إليه وليها، أو قبل أن يتفقا، كوقت المشورة، أو لم يكن الثاني يعلم بخطبة الأول، فكل ذلك لا يدخل في النهي. وفي فقه الحديث زيادة تفصيل.

стр. 3294

(إلا أن يأذن له) يحتمل أن يكون استثناء من الحكمين، كما هو قاعدة الشافعي، ويحتمل أن يختص بالأخير، ويؤيد الثاني رواية البخاري في النكاح، ولفظها "نهي أن يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه، حتى يترك الخاطب قبله، أو يأذن له الخاطب" ويؤيد الأول رواية النسائي ولفظها "لا يبع الرجل على بيع أخيه حتى يبتاع أو يذر". (لا يسم المسلم على سوم أخيه) يقال: سام البائع السلعة، وسام البائع بالسلعة يسوم، سومًا وسوامًا وسيمة عرضها للبيع، وذكر ثمنها، وسام المشتري السلعة، وسام بها طلب ابتياعها، ويقال: سمت فلانًا بضم السين وسكون الميم - سلعته إذا قومتها وأغليت ثمنها. وساومه مساومة وسوامًا فاوضه في البيع والابتياع، واستام المشتري من البائع بسلعته عرض عليه ثمنها فقوله "لا يسم" بضم السين، أي لا يذكر ثمنًا لسلعة، وفي الرواية الرابعة "نهي أن يستام الرجل" أي نهي عن أن يعرض الرجل ثمنًا، وفي ملحق الرواية "على سيمة أخيه" أي على سوم أخيه. والسوم المنهي عنه يقع من البائع والمشتري، وصورته أن يتفق صاحب السلعة والراغب فيها على البيع، وعلى الثمن، وقبل أن يعقدا يقول آخر لصاحبها: أنا أشتريها بأكثر، أو يقول للراغب فيها: أنا أبيعك خيرًا منها بأرخص، فالسوم على السوم شبيه بالبيع على البيع، والشراء على الشراء، والمعنى في ذلك ما فيه من الإيذاء والتقاطع. أما المزايدة فهي غير ممنوعة، لأنها تكون قبل الاتفاق على البيع، وكذلك المناقصة. (لا يتلقى الركبان لبيع) "لا يتلقى" "لا" نافية، و"يتلقى" بضم أوله، مبني للمجهول، و"الركبان" نائب فاعل، أي لا تتلقوا الركبان القادمين من بعيد ليبيعوا أو ليشتروا قبل وصولهم إلى السوق، لاستغلال جهلهم بالسوق والأسعار. فقول "لبيع" إما أن يتعلق بلا يتلقى. أي لا تتلقوا للبيع أو للشراء، أو بالركبان جمع راكب. فهم ركبان للبيع أو الشراء، وفي الرواية السادسة "نهي عن التلقي للركبان" ليس أي ركبان، بل الركبان القادمين من بعيد للبيع أو الشراء، وفي الرواية الثامنة "نهى أن تتلقى - بضم أوله مبني للمجهول - السلع حتى تبلغ الأسواق" وفي الرواية التاسعة "نهي عن تلقي البيوع" وفي الرواية العاشرة "نهى أن يتلقى الجلب" بفتح الجيم وفتح اللام، ما جلب من إبل وغنم ومتاع للتجارة، والجمع أجلاب. وفي الرواية الحادية عشرة "لا تلقوا الجلب" بحذف إحدى التاءين، وأصله لا تتلقوا. (فإذا أتي سيده السوق) أي مالكه، أو بائعه. (ولا تناجشوا) أصل النجش الاستثارة، ومنه نجشت الصيد أنجشه - بضم الجيم - نجشًا، أي استثرته. وقال ابن قتيبة: أصل النجش الختل، وهو الخداع، ومنه قيل للصاعد: ناجش - وكل من استثار شيئًا فهو ناجش، والنجش في البيع أن يزيد في ثمن السلعة، لا لرغبة فيها، بل ليخدع غيره، ويوقعه فيها، ويقع ذلك بمواطأة البائع، وبغير علم البائع، ويقع من البائع نفسه، كأن يخبر بأنه

стр. 3295

اشتراها بأكثر مما اشتراها به، ليغر غيره بذلك، وفي الرواية السابعة "نهي عن النجش" وهو بسكون الجيم، وحكى فتحها، وقيل: بفتح الجيم وحكى سكونها. (ولا يبع حاضر لباد) البادي من سكن البادية، والمراد أن يقدم غريب من البادية، أو من بلد آخر بمتاع تعم الحاجة إليه، ليبيعه بسعر يومه، فيقول له البلدي: اتركه عندي لأبيعه على التدريج بأعلى، وفسره ابن عباس في الرواية الثالثة عشرة بالبيع بالأجرة كالسمسار. (ولا تصروا الإبل والغنم) "تصروا" بضم التاء وفتح الصاد، و"الإبل" مفعول به. والتصرية هي الجمع، يقال: صري بتشديد الراء، يصري، تصرية، وصراها بتشديد الراء، يصريها، تصرية فهي مصراة، كغشاها يغشيها تغشية، فهي مغشاة، وزكاها يزكيها تزكية فهي مزكاة. قال القاضي: ورويناه في غير صحيح مسلم عن بعضهم "لا تصروا" بفتح التاء وضم الصاد، من الصر، قال: وعن بعضهم "لا تصر الإبل" بضم التاء، مبني للمجهول، و"الإبل" نائب فاعل، من الصر، وهو ربط أخلافها، والأول هو الصواب المشهور، ومعناه: لا تجمعوا اللبن في ضرعها عند إرادة بيعها، حتى يعظم ضرعها، فيظن المشتري أن كثرة لبنها عادة لها مستمرة. (فمن ابتاعها بعد ذلك) أي فمن اشترى المصراة بعد هذا النهي، وقيل: بعد التصرية. (فهو بخير النظرين) أي فهو مختار، يأخذ خير الأمرين بالنسبة له، ويختار أحسن الرأيين. (بعد أن يحلبها) بفتح الياء وسكون الحاء وضم اللام. (فإن رضيها أمسكها) أي أبقاها على ملكه. (رد معها صاعًا من طعام لا سمراء) السمراء الحنطة. (إذا ما أحدكم اشترى لقحة) بكسر اللام وبفتحها، وهي الناقة القريبة العهد بالولادة، نحو شهرين أو ثلاثة، والكسر أفصح، والجمع لقح، كقربة وقرب. -[فقه الحديث]- يتعلق بهذه الأحاديث ثمان قضايا. خطبة الرجل على خطبة أخيه، وسؤال المرأة طلاق أختها، وبيع الرجل على بيع أخيه، وسومه على سومه، والنجش، والتصرية، وتلقي الركبان، وبيع الحاضر للبادي. ١ - أما خطبة الرجل على خطبة أخيه - وقد صورناها في المباحث العربية - فقد فصلنا القول فيها، في باب مستقل في أول كتاب النكاح.
следующие страницы →