Полный текст (6 200 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.
стр. 3291
٣٣٧٧ - عن ابن عباس ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ أن تتلقى الركبان وأن يبيع حاضر لباد. قال: فقلت لابن عباس: ما قوله: حاضر لباد؟ قال: لا يكن له سمسارًا.
٣٣٧٨ - عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لا يبع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض" غير أن في رواية يحيى: "يرزق".
٣٣٧٩ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: نهينا أن يبيع حاضر لباد. وإن كان أخاه أو أباه.
٣٣٨٠ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: نهينا عن أن يبيع حاضر لباد.
٣٣٨١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من اشترى شاة مصراة فلينقلب بها. فليحلبها. فإن رضي حلابها أمسكها. وإلا ردها ومعها صاع من تمر".
٣٣٨٢ - عن أبي هريرة ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: "من ابتاع شاة مصراة فهو فيها بالخيار ثلاثة أيام. إن شاء أمسكها وإن شاء ردها. ورد معها صاعًا من تمر".
٣٣٨٣ - عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "من اشترى شاة مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام. فإن ردها رد معها صاعًا من طعام، لا سمراء".
٣٣٨٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من اشترى
стр. 3292
شاة مصراة فهو بخير النظرين. إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها. وصاعًا من تمر، لا سمراء".
٣٣٨٥ - وفي رواية مثله غير أنه قال: "من اشترى من الغنم فهو بالخيار".
٣٣٨٦ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها. وقال: قال رسول الله ﷺ "إذا ما أحدكم اشترى لقحة مصراة أو شاة مصراة، فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها. إما هي، وإلا فليردها وصاعًا من تمر".
-[المعنى العام]-
كان من أهم أهداف الإسلام غرس المودة والمحبة والترابط والانتماء والتفاعل الصحيح بين أفراد المجتمع، وقد نجحت التشريعات الإسلامية في بلوغ هدفها في فترة وجيزة، لحرص الأمة آنذاك على الاستجابة والالتزام، فقال تعالى: ﴿واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣].
وللمودة والترابط أسباب، كما أن العداوة والبغضاء لها الأسباب المناقضة لأسباب المودة وأهم أسباب هذه وتلك: المعاملات، مالية كانت أو اجتماعية.
وفي طبائع البشر الأنانية، وحب الذات، والحرص على الحياة، وعلى المنافع، والشح بما يملك، والنظر والطمع فيما تحت يد الغير، وحب السيطرة والتملك، ونتيجة لهذه النوازع الطبيعية تتعارض المصالح وتعلو مصلحة أحد المتعاملين على حساب هبوط مصلحة الآخر ويفرح المشتري حين ينخفض سعر السلعة في حين يحزن البائع، ويفرح البائع حين يرتفع سعر السلعة إذ يضر المشتري، ونتيجة لحرص كل من الطرفين على مصلحة نفسه قد يستغل العالم الجاهل، والذكي الغبي، والمتحضر البدوي، والماكل الساذج فكان من الحكمة وضع قواعد للمعاملة، مهمتها الأولى حماية الضعفاء من الأقوياء، ومهمتها الثانية حماية المجتمع من الانتهازيين، ورحم الله الخليفة الأول إذ قال: (القوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له). فكانت النتيجة ترابط المجتمع وتكامله، وعموم الخير والبركات. على النقيض من ذلك القوانين الوضعية قوانين أهل الأرض، إذ يعبر عنها الحكيم بأنها قيود وضعها الأقوياء لاستغلال الضعفاء، فكانت النتيجة تفكك المجتمعات، ومحاربة الطبقات بعضها لبعض، ومحق الخير، وكثرة الجوع والعري، والفساد والإفساد.
стр. 3293
لقد تعرضت أحاديث الباب السابق إلى مجموعة من قوانين الإصلاح في المعاملات، النهي عن بيع الملامسة، وعن بيع المنابذة، وعن بيع الحصاة، وعن بيع حبل الحبلة، وعن بيع الغرر.
وتعرضت أحاديث هذا الباب إلى مجموعة أخرى من قوانين استقامة المعاملة وتوازنها بين الأفراد، النهي عن بيع الرجل على بيع أخيه، وعن سوم الرجل على سوم أخيه، وعن خطبة الرجل على خطبة أخيه، وعن سؤال المرأة طلاق أختها لتحل محلها، وعن النجش والتغرير، وعن وسائل الخداع في بيع الدواب، وعن بيع الحاضر للبادي، وعن تلقي السلع في الطريق قبل وصولها للأسواق.
وفي الأبواب القادمة مجموعات أخرى من قوانين التعامل بين أفراد المجتمع، تحمي بعضه من بعض، وتحمي كل واحد من نفسه التي بين جنبيه، نفسه الأمارة بالسوء.
-[المباحث العربية]-
(لا يبع الرجل على بيع أخيه) "لا يبع" بالجزم على النهي، وفي رواية للبخاري "لا يبيع" في رواية الأكثر، على أن "لا" نافية، والتعبير بالرجل من باب الغالب، وإلا فالحكم يعم النساء، والمراد من الأخ الأخ في الإنسانية عند الجمهور، لأن الذمي والمسلم في ذلك سواء، أو ذكر الأخ خرج للغالب والكثير، فلا مفهوم له.
وصورة البيع على البيع أن يقول الرجل لمن اشترى سلعة في زمن خيار المجلس أو الشرط: افسخ. لأبيعك خيرًا منها بمثل قيمتها، أو مثلها بأنقص مما اشتريت.
ومثل ذلك الشراء على الشراء، كأن يقول للبائع: افسخ لأشتري منك بأكثر، وفي الرواية الأولى والخامسة "ولا يبع بعضكم على بيع بعض" وفي رواية للبخاري "لا يبيع على بيع أخيه".
(ولا يخطب على خطبة أخيه) "ولا يخطب" بالرفع والجزم، أما الرفع فعلى أنه خبر بمعنى النهي، و"لا" نافية وجعل سياقه في صورة الخبر أبلغ في المنع، لإشعاره بأنه أمر امتثل فعلاً، ويخبر عنه، وأما الجزم فعلى النهي الصريح. والخطبة بكسر الخاء طلب المرأة من وليها، وأصلها الهيئة التي يكون عليها الإنسان حين يخطب نحو الجلسة، من خطب يخطب من باب نصر، فهو خاطب، والمبالغة منه خطاب بتشديد الطاء، وأما الخطبة بضم الخاء فهي من القول والكلام، فهو خطاب وخطيب، والمراد من الأخوة الأخوة في العهد والحرمة، فتشمل المسلم والذمي، وذكر الأخ جرى على الغالب، ولأنه ادعى لسرعة الامتثال.
وصورتها المنهي عنها أن يخطب رجل امرأة، فتركن إليه، ويتفقا ويتراضيا، ولم يبق إلا العقد، فيجيء آخر، وهو يعلم بكل هذا، فيخطب على خطبة الأول، أما إذا لم تركن إليه، أو لم يركن إليه وليها، أو قبل أن يتفقا، كوقت المشورة، أو لم يكن الثاني يعلم بخطبة الأول، فكل ذلك لا يدخل في النهي. وفي فقه الحديث زيادة تفصيل.
стр. 3294
(إلا أن يأذن له) يحتمل أن يكون استثناء من الحكمين، كما هو قاعدة الشافعي، ويحتمل أن يختص بالأخير، ويؤيد الثاني رواية البخاري في النكاح، ولفظها "نهي أن يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه، حتى يترك الخاطب قبله، أو يأذن له الخاطب" ويؤيد الأول رواية النسائي ولفظها "لا يبع الرجل على بيع أخيه حتى يبتاع أو يذر".
(لا يسم المسلم على سوم أخيه) يقال: سام البائع السلعة، وسام البائع بالسلعة يسوم، سومًا وسوامًا وسيمة عرضها للبيع، وذكر ثمنها، وسام المشتري السلعة، وسام بها طلب ابتياعها، ويقال: سمت فلانًا بضم السين وسكون الميم - سلعته إذا قومتها وأغليت ثمنها. وساومه مساومة وسوامًا فاوضه في البيع والابتياع، واستام المشتري من البائع بسلعته عرض عليه ثمنها فقوله "لا يسم" بضم السين، أي لا يذكر ثمنًا لسلعة، وفي الرواية الرابعة "نهي أن يستام الرجل" أي نهي عن أن يعرض الرجل ثمنًا، وفي ملحق الرواية "على سيمة أخيه" أي على سوم أخيه. والسوم المنهي عنه يقع من البائع والمشتري، وصورته أن يتفق صاحب السلعة والراغب فيها على البيع، وعلى الثمن، وقبل أن يعقدا يقول آخر لصاحبها: أنا أشتريها بأكثر، أو يقول للراغب فيها: أنا أبيعك خيرًا منها بأرخص، فالسوم على السوم شبيه بالبيع على البيع، والشراء على الشراء، والمعنى في ذلك ما فيه من الإيذاء والتقاطع.
أما المزايدة فهي غير ممنوعة، لأنها تكون قبل الاتفاق على البيع، وكذلك المناقصة.
(لا يتلقى الركبان لبيع) "لا يتلقى" "لا" نافية، و"يتلقى" بضم أوله، مبني للمجهول، و"الركبان" نائب فاعل، أي لا تتلقوا الركبان القادمين من بعيد ليبيعوا أو ليشتروا قبل وصولهم إلى السوق، لاستغلال جهلهم بالسوق والأسعار. فقول "لبيع" إما أن يتعلق بلا يتلقى. أي لا تتلقوا للبيع أو للشراء، أو بالركبان جمع راكب. فهم ركبان للبيع أو الشراء، وفي الرواية السادسة "نهي عن التلقي للركبان" ليس أي ركبان، بل الركبان القادمين من بعيد للبيع أو الشراء، وفي الرواية الثامنة "نهى أن تتلقى - بضم أوله مبني للمجهول - السلع حتى تبلغ الأسواق" وفي الرواية التاسعة "نهي عن تلقي البيوع" وفي الرواية العاشرة "نهى أن يتلقى الجلب" بفتح الجيم وفتح اللام، ما جلب من إبل وغنم ومتاع للتجارة، والجمع أجلاب. وفي الرواية الحادية عشرة "لا تلقوا الجلب" بحذف إحدى التاءين، وأصله لا تتلقوا.
(فإذا أتي سيده السوق) أي مالكه، أو بائعه.
(ولا تناجشوا) أصل النجش الاستثارة، ومنه نجشت الصيد أنجشه - بضم الجيم - نجشًا، أي استثرته. وقال ابن قتيبة: أصل النجش الختل، وهو الخداع، ومنه قيل للصاعد: ناجش - وكل من استثار شيئًا فهو ناجش، والنجش في البيع أن يزيد في ثمن السلعة، لا لرغبة فيها، بل ليخدع غيره، ويوقعه فيها، ويقع ذلك بمواطأة البائع، وبغير علم البائع، ويقع من البائع نفسه، كأن يخبر بأنه
стр. 3295
اشتراها بأكثر مما اشتراها به، ليغر غيره بذلك، وفي الرواية السابعة "نهي عن النجش" وهو بسكون الجيم، وحكى فتحها، وقيل: بفتح الجيم وحكى سكونها.
(ولا يبع حاضر لباد) البادي من سكن البادية، والمراد أن يقدم غريب من البادية، أو من بلد آخر بمتاع تعم الحاجة إليه، ليبيعه بسعر يومه، فيقول له البلدي: اتركه عندي لأبيعه على التدريج بأعلى، وفسره ابن عباس في الرواية الثالثة عشرة بالبيع بالأجرة كالسمسار.
(ولا تصروا الإبل والغنم) "تصروا" بضم التاء وفتح الصاد، و"الإبل" مفعول به. والتصرية هي الجمع، يقال: صري بتشديد الراء، يصري، تصرية، وصراها بتشديد الراء، يصريها، تصرية فهي مصراة، كغشاها يغشيها تغشية، فهي مغشاة، وزكاها يزكيها تزكية فهي مزكاة. قال القاضي: ورويناه في غير صحيح مسلم عن بعضهم "لا تصروا" بفتح التاء وضم الصاد، من الصر، قال: وعن بعضهم "لا تصر الإبل" بضم التاء، مبني للمجهول، و"الإبل" نائب فاعل، من الصر، وهو ربط أخلافها، والأول هو الصواب المشهور، ومعناه: لا تجمعوا اللبن في ضرعها عند إرادة بيعها، حتى يعظم ضرعها، فيظن المشتري أن كثرة لبنها عادة لها مستمرة.
(فمن ابتاعها بعد ذلك) أي فمن اشترى المصراة بعد هذا النهي، وقيل: بعد التصرية.
(فهو بخير النظرين) أي فهو مختار، يأخذ خير الأمرين بالنسبة له، ويختار أحسن الرأيين.
(بعد أن يحلبها) بفتح الياء وسكون الحاء وضم اللام.
(فإن رضيها أمسكها) أي أبقاها على ملكه.
(رد معها صاعًا من طعام لا سمراء) السمراء الحنطة.
(إذا ما أحدكم اشترى لقحة) بكسر اللام وبفتحها، وهي الناقة القريبة العهد بالولادة، نحو شهرين أو ثلاثة، والكسر أفصح، والجمع لقح، كقربة وقرب.
-[فقه الحديث]-
يتعلق بهذه الأحاديث ثمان قضايا.
خطبة الرجل على خطبة أخيه، وسؤال المرأة طلاق أختها، وبيع الرجل على بيع أخيه، وسومه على سومه، والنجش، والتصرية، وتلقي الركبان، وبيع الحاضر للبادي.
١ - أما خطبة الرجل على خطبة أخيه - وقد صورناها في المباحث العربية - فقد فصلنا القول فيها، في باب مستقل في أول كتاب النكاح.
стр. 3296
٢ - وكذلك سؤال المرأة طلاق أختها، وضحنا القول فيه تحت باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها في النكاح.
٣ - وأما البيع على البيع، وكذا الشراء على الشراء فقد أجمع العلماء على أنه حرام، واستثنى بعض الشافعية من التحريم ما إذا كان البائع أو المشتري مغبونًا غبنًا فاحشًا، وبه قال ابن حزم، واحتج بحديث "الدين النصيحة" وهذا قول مردود، فلم تنحصر النصيحة في البيع، فله أن يعرفه أن قيمتها كذا، وأنك إذا بعتها بكذا تكون مغبونًا، من غير أن يبيع على البيع - أو يشتري على شراء أخيه، فيجمع بذلك بين المصلحتين.
ومع القول بأن البيع على البيع والشراء على الشراء حرام هل يصح البيع؟ أو يبطل؟ خلاف بين الفقهاء، الجمهور على صحة البيع مع الحرمة وتأثيم فاعله، وعند المالكية والحنابلة روايتان في فساده، وهو قول أهل الظاهر.
٤ - وأما سوم المسلم على سوم أخيه المسلم فقد وضحنا صورته في المباحث العربية، وقلنا: إن محل الحرمة وقوع السوم بعد استقرار الثمن وركون أحدهما إلى الآخر، فإن تحقق ذلك صريحًا، وعلم به من سيسوم فلا خلاف في التحريم، وإن لم يتحقق وكان احتمالاً ففيه وجهان للشافعية، والراجح اشتراط تحقق استقرار الثمن وركون البائع إليه، وهو الأمر المبين لموضع التحريم.
وهذا هو الفرق بين السوم على السوم وبين المزايدة التي لا يرى أهل العلم بها بأسًا، وعليها العمل، وخص الأوزاعي وإسحاق جواز المزايدة في الغنائم والمواريث دون غيرهما، أخذًا بحديث "نهى رسول الله ﷺ أن يبيع أحدكم على بيع أحد حتى يذر، إلا الغنائم والمواريث" أخرجه ابن خزيمة وابن الجارود والدارقطني. والجمهور يلحق بهما في المزايدة غيرهما، للاشتراك في الحكم، فذكرها في الحديث خروج على الغالب فيما كان الناس يعتادون في المزايدة، ولا يختص الجواز بهما، فإن الباب واحد، والمعنى مشترك.
٥ - وأما النجش فقد قال ابن بطال: أجمع العلماء على أن الناجش عاص بفعله، واختلفوا في البيع إذا وقع على ذلك، ونقل ابن المنذر عن طائفة من أهل الحديث فساد ذلك البيع، وهو قول أهل الظاهر، ورواية عن مالك، والمشهور عند الحنابلة إذا كان ذلك بمواطأة البائع أو صنعه، والمشهور عند المالكية في مثل ذلك ثبوت الخيار، وهو وجه للشافعية، قياسًا على المصراة، والأصح عندهم صحة البيع مع الإثم، وهو قول الحنفية. واشترط بعض العلماء بالنهي لتعصية الناجش والبيع على البيع، ولم يشترط ذلك بعضهم، لأن أمر التحريم ظاهر ومعلوم، واشترطه بعضهم في البيع على البيع، ولم يشترطه في النجش، لأن النجش خديعة، وتحريم الخديعة واضح لكل أحد.
وعن ابن أبي أوفى قال: أقام رجل سلعته، فحلف بالله لقد أعطى فيها ما لم يعط، فنزلت ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلاً أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم﴾ [آل عمران: ٧٧] قال ابن أبي أوفى: الناجش آكل
стр. 3297
ربا خائن، وأطلق ابن أبي أوفى على من أخبر بأكثر مما اشترى به أنه ناجش، لمشاركته لمن يزيد في السلعة وهو لا يريد أن يشتريها في غرور الغير.
وقيد ابن العربي وابن عبد البر وابن حزم التحريم بأن تكون الزيادة المذكورة فوق ثمن المثل. قال ابن العربي: فلو أن رجلاً رأى سلعة رجل تباع بدون قيمتها، فزاد فيها لتنتهي إلى قيمتها لم يكن ناجشًا عاصيًا بل يؤجر على ذلك بنيته. وقد وافقه على ذلك بعض المتأخرين من الشافعية.
قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر، إذ لم تتعين النصيحة في أن يوهم أنه يريد الشراء وليس من غرضه بل غرضه أن يزيد على من يريد الشراء أكثر مما يريد أن يشتري به، فللذي يريد النصيحة مندوحة عن ذلك، كأن يعلم البائع بأن قيمة سلعتك أكثر من ذلك، ثم هو باختياره بعد ذلك، ويحتمل أن لا يتعين عليه إعلامه بذلك حتى يسأله، للحديث الآتي [روايتنا الرابعة عشرة] "دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض"، فإذا استنصح أحدكم أخاه فلينصحه.
٦ - وأما التصرية فظاهر قوله "لا تصروا الإبل والغنم" في الرواية الخامسة أن الحكم خاص بهما، ولا يشمل البقر مثلاً، لكن العلماء على شمول ما في معناهما من النعم وإنما اقتصر عليهما لغلبتهما عندهم خلافًا لداود، وقد عممه جمهور العلماء في غير النعم من مأكول اللحم، للجامع المشترك، وهو تغرير المشتري، وقال الحنابلة وبعض الشافعية: يختص ذلك بالنعم. واختلفوا في غير المأكول كالأتان والجارية، والأصح أنه لا يرد للبن عوضًا، وبه قال الحنابلة في الأتان دون الجارية. وظاهر هذه العبارة أيضًا، وقوله في الرواية السادسة "نهي عن التصرية" أن التصرية وجمع اللبن في الضرع منهي عنه ولو لم يكن للبيع، فلو جمع اللبن زائدًا على المعتاد من أجل الولد أو العيال أو الضيف فهو داخل في النهي، وبهذا قال بعض الشافعية، وقالوا: إن العلة إيذاء الحيوان، والجمهور على أن النهي عن التصرية من أجل البيع فعند النسائي "لا تصروا الإبل والغنم للبيع" وظاهر رواياتنا تؤيد ذلك، فهي تتكلم عن حق المشتري للمصراة في الرجوع على البائع.
وقد فرع العلماء على أحاديث التصرية هذه مسائل. منها:
أ- هل الأيام الثلاثة الواردة في الرواية الثامنة عشرة والتاسعة عشرة للخيار فيها معتد بها؟ أو العبرة بالعموم الوارد في الروايات الأخرى؟ قال الحافظ ابن حجر: الظاهر أن من زاد "الثلاث" معه زيادة علم، وهو حافظ، ويحمل الأمر فيمن لم يذكرها على أنه لم يحفظها، أو اختصرها. اهـ. وقيل: تشترط فورية الرد عقب العلم، قياسًا على سائر العيوب، وعلى القول بها فمتى تبدأ هذه الأيام الثلاثة؟ الحنابلة يقولون: تبدأ هذه المدة من وقت بيان التصرية، وهو يصير المدة أوسع من الثلاث في بعض الصور.
والشافعية يقولون: تبدأ هذه المدة من حين العقد، وقيل: من حين التفرق.
ب- في الرواية الخامسة والسابعة عشرة والثامنة عشرة والواحدة والعشرين أن الرد
стр. 3298
يصاحبه صاع من تمر، وفي التاسعة عشرة يصاحبه صاع من طعام وكلاهما ينفي السمراء فكيف الجمع؟ وما الحكم؟ .
قال الحافظ ابن حجر: تحمل رواية الطعام على التمر. اهـ. فالمطلوب صاع من تمر، حملاً للمطلق على المقيد، وكأنه قال: تمر ليس ببر، قال الحافظ ابن حجر: ويعكر عليه ما رواه البزار بلفظ "إن ردها ردها ومعها صاع من بر، لا سمراء" وهذا يقتضي أن المنفي في قوله "لا سمراء" حنطة مخصوصة، وهي الحنطة الشامية، فيكون المرجح لعموم الطعام أولى. ويؤيده رواية أحمد، ولفظها "فإن ردها رد معها صاعًا من طعام، أو صاعًا من تمر" قال الحافظ ابن حجر: وإذا وقع الاحتمال في هذه الروايات لم يصح الاستدلال بشيء منها، فيرجع إلى الروايات التي لم يختلف فيها، وهي التمر فهي الراجحة، وروايات التمر أكثر عددًا من الروايات التي لم تنص عليه، أو أبدلته بذكر الطعام. وقد أخذ بهذا جمهور أهل العلم، ولم يفرقوا بين أن يكون اللبن الذي احتلب قليلاً أو كثيرًا، ولا بين أن يكون التمر قوت تلك البلد أم لا.
وخالف في أصل المسألة الحنفية، فقالوا: لا يرد بعيب التصرية، ولا يجب رد صاع من التمر، واعتذروا عن الأحاديث المصرحة بالرد وبالصاع بأعذار شتى، فمنهم من طعن في الحديث، لكونه من رواية أبي هريرة، ولم يكن كابن مسعود وغيره من فقهاء الصحابة، فلا يأخذ بما رواه مخالفًا للقياس الجلي. قال الحافظ ابن حجر: وهو كلام آذى قائله به نفسه، وفي حكايته غنى عن تكلف الرد عليه. ثم أطال في الرد عليه.
ومنهم من قال: هو حديث مضطرب لذكر التمر فيه تارة والقمح أخرى واللبن ثالثة، واعتباره بالصاع تارة، وبالمثل أو المثلين تارة أخرى، والجواب أن الطرق الصحيحة لا اختلاف فيها.
ومنهم من قال: هو معارض لعموم القرآن، كقوله تعالى: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ [النحل: ١٢٦] وأجيب بأنه من ضمان المتلفات، لا من العقوبات. ثم أطال الحافظ في الرد على الحنفية بما لا يتسع له المقام.
وخالف الحنفية زفر، فقال بقول الجمهور. لكنه قال: يتخير بين صاع، ونصف صاع بر، وأبو يوسف في رواية، لكنه قال: لا يتعين صاع التمر، بل تصح قيمته، وفي رواية عن مالك وبعض الشافعية كذلك.
جـ- هل الاحتلاب الوارد في الرواية الخامسة والسابعة عشرة والواحدة والعشرين شرط للرد؟ على معنى أن الخيار لا يثبت للمشتري إلا بعد الحلب؟ أو لا؟ الجمهور على أنه إذا علم بالتصرية ثبت له الخيار، ولو لم يحلب، لكن لما كانت التصرية لا تعرف غالبًا إلا بعد الحلب ذكر قيدًا في ثبوت الاختيار، فلو ظهرت التصرية بغير الحلب فالخيار ثابت.
د- لو كان المشتري عالمًا بالتصرية قبل الشراء. هل يثبت له الخيار؟ والجواب: فيه وجه
стр. 3299
للشافعية، والراجح عندهم أنه لا يثبت، فقد جاء عند الطحاوي "من اشترى مصراة ولم يعلم أنها مصراة" والله أعلم.
وللإمام النووي كلام جيد في هذه القضية أوثر أن أنقله بنصه: قال رحمه الله تعالى: واختلف أصحابنا في خيار المشتري للمصراة. هل هو على الفور بعد العلم؟ أو يمتد ثلاثة أيام؟ فقيل: يمتد ثلاثة أيام لظاهر هذه الأحاديث، والأصح عندهم أنه على الفور، ويحملون التقييد بثلاثة أيام في بعض الأحاديث على إذا ما لم يعلم أنها مصراة إلا في ثلاثة أيام، لأن الغالب أنه لا يعلم فيما دون ذلك، فإنه إذا نقص اللبن في اليوم الثاني عن الأول، احتمل كون النقص لعارض، من سوء مرعاها في ذلك اليوم، أو غير ذلك، فإذا استمر كذلك ثلاثة أيام، علم أنها مصراة.
ثم إذا اختار رد المصراة بعد أن حلبها ردها وصاعًا من تمر، سواء كان اللبن قليلاً أو كثيرًا، سواء كانت ناقة أو شاة أو بقرة. هذا مذهبنا، وبه قال مالك والليث وابن أبي ليلى وأبو يوسف وأبو ثور وفقهاء المحدثين، وهو الصحيح الموافق للسنة، وقال بعض أصحابنا: يرد صاعًا من قوت البلد، ولا يختص بالتمر، وقال أبو حنيفة وطائفة من أهل العراق وبعض المالكية ومالك في رواية غريبة عنه: يردها ولا يرد صاعًا من تمر، لأن الأصل أنه إذا أتلف شيئًا لغيره، رد مثله إن كان مثليًا، وإلا فقيمته، وأما رد جنس آخر من العروض فخلاف الأصول. وأجاب الجمهور عن هذا بأن السنة إذا وردت لا يعترض عليها بالمعقول، وأما الحكمة في تقييده بصاع التمر فلأنه كان غالب قوتهم في ذلك الوقت، فاستمر حكم الشرع على ذلك، وإنما لم يجب مثله ولا قيمته، بل وجب صاع في القليل والكثير، ليكون ذلك حدًا يرجع إليه، ويزول به التخاصم، وكان ﷺ حريصًا على رفع الخصام، والمنع من كل ما هو سبب له، وقد يقع بيع المصراة في البوادي والقرى، وفي مواضع لا يوجد فيها من يعرف القيمة، ويعتمد قوله فيها، وقد يتلف اللبن، ويتنازعون في قلته وكثرته وفي عينه، فجعل الشرع لهم ضابطًا لا نزاع معه، وهو صاع تمر، ونظير هذا الدية، فإنها مائة بعير، ولا تختلف باختلاف حال القتيل، قطعًا للنزاع، ومثله الغرة في الجناية على الجنين سواء كان ذكرًا أو أنثى، تام الخلق أو ناقصه، جميلاً كان أو قبيحًا، ومثله الجبران بين الشيئين في الزكاة، جعله الشرع شاتين أو عشرين درهمًا، قطعًا للنزاع، سواء كان التفاوت بينهما قليلاً أو كثيرًا.
فإن قيل: كيف يلزم المشتري رد عوض اللبن مع الخراج بالضمان، وأن من اشترى شيئًا معيبًا، ثم علم العيب، فرد به، لا يلزمه رد الغلة والأكساب الحاصلة في يده؟ فالجواب أن اللبن ليس من الغلة الحاصلة في يد المشتري، بل كان موجودًا عند البائع، وفي حالة العقد، ووقع العقد عليه وعلى الشاة جميعًا فهما مبيعان بثمن واحد، وتعذر رد اللبن لاختلاطه بما حدث منه في ملك المشتري، فوجب رد عوضه، والله أعلم. اهـ.
٧ - وأما تلقي الركبان فيقول النووي: في هذه الأحاديث تحريم تلقي الجلب، وهو مذهب الشافعي
стр. 3300
ومالك والجمهور، وقال أبو حنيفة والأوزاعي: يجوز التلقي إذا لم يضر بالناس، فإن أضر كره، والصحيح الأول، للنهي الصريح. قال أصحابنا: وشرط التحريم أن يعلم النهي عن التلقي، ولو لم يقصد التلقي، بل خرج لشغل، فاشترى منه، ففي تحريمه وجهان لأصحابنا، وقولان لأصحاب مالك، أصحهما عند أصحابنا التحريم، لوجود المعنى، ولو تلقاهم وباعهم ففي تحريمه وجهان، وإذا حكمنا بالتحريم فاشترى صح العقد. قال العلماء: وسبب التحريم إزالة الضرر عن الجالب، وصيانته ممن يخدعه. قال المازري: فإن قيل: المنع من بيع الحاضر للبادي سببه الرفق بأهل البلد، واحتمل فيه غبن البادي، والمنع من التلقي ألا يغبن البادي، ولهذا قال ﷺ "فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار"؟ فالجواب: أن الشرع ينظر في مثل هذه المسائل إلى مصلحة الناس، والمصلحة تقتضي أن ينظر للجماعة على الواحد، لا للواحد على الجماعة، ولا للواحد على الواحد، فلما كان البادي إذا باع بنفسه انتفع جميع أهل السوق، واشتروا رخيصًا، فانتفع به جميع سكان البلد نظر الشرع لأهل البلد على البادي، ولما كان في التلقي إنما ينتفع المتلقي خاصة، وهو واحد في قبالة واحد لم يكن في إباحة التلقي مصلحة، لا سيما إذا انضاف إلى ذلك علة ثانية، وهي لحوق الضرر بأهل السوق في انفراد المتلقي عنهم بالرخص، وقطع المواد عنهم، وهم أكثر من المتلقي، فنظر الشرع لهم عليه، فلا تناقض بين المسألتين، بل هما متفقتان في الحكمة والمصلحة. اهـ.
ثم قال النووي: قال أصحابنا: "فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار" معناه لا خيار له قبل أن يقدم، ويعلم السعر، فإذا قدم وعلم السعر وكان الشراء بأرخص من سعر البلد ثبت له الخيار، سواء أخبر المتلقي بالسعر كاذبًا أم لم يخبر، وإن كان الشراء بسعر البلد أو أكثر فوجهان. الأصح: لا خيار له لعدم الغبن، وقيل: له الخيار، لإطلاق الحديث.
وجزم البخاري بأن البيع مردود، بناء على أن النهي يقتضي الفساد، قال الحافظ ابن حجر: لكن محل أن النهي يقتضي الفساد عند المحققين فيما يرجع إلى ذات المنهي عنه، لا ما إذا كان يرجع إلى أمر خارج عنه فيصح البيع، ويثبت الخيار بشروطه. ولا يلزم من كون صاحبه عاصيًا أن يكون البيع مردودًا لأن النهي لا يرجع إلى نفس العقد، ولا يخل بشيء من أركانه وشرائطه، وإنما هو لدفع الإضرار بالركبان، والقول ببطلان البيع صار إليه بعض المالكية وبعض الحنابلة، والجمهور على صحة البيع، فإن وجود الخداع والمعصية في المصراة لم يبطل بيعها، وحديث "فإن كذبا وكتمًا محقت بركة بيعهما" لم يبطل بيعهما بالكذب وكتمان العيب.
وقد اختلف العلماء في تحديد مسافة مبدأ التلقي ونهايته، وجهة المتلقي البداية، وجهة الجالب نهاية المتلقي، فقال الحافظ ابن حجر: الظاهر أنه لا يحد لانتهائه من جهة الجالب. اهـ ومعنى ذلك أن المتلقي لو ذهب إلى بلد الجالب الذي كان يقصد سوقًا معينة، ودخل بيته، واشترى منه، يعتبر متلقيًا. وفي هذا نظر.
ثم قال: وابتداء الخروج من جهة المتلقي من السوق، فعن ابن عمر قال: "كانوا يبتاعون الطعام
стр. 3301
في أعلى السوق - أي في مساحة خارجة عن السوق - فيبيعونه في مكانه، فنهاهم رسول الله ﷺ أن يبيعوه في مكانه حتى ينقلوه" قال الشافعية: إن خرج عن السوق، ولم يخرج من البلد لا يدخل في النهي، وحد ابتداء التلقي عندهم الخروج من البلد، والمعنى فيه عندهم أنهم إذا قدموا البلد أمكنهم معرفة السعر، وطلب الحظ لأنفسهم، فإن لم يفعلوا ذلك فهو من تقصيرهم، وأما إمكان معرفتهم ذلك قبل الدخول فنادر. والمعروف عند المالكية اعتبار السوق مطلقًا، كما هو ظاهر الحديث، وهو قول أحمد وإسحق، وعن الليث كراهة التلقي، ولو في الطريق، ولو على باب البيت، حتى تدخل السوق، ويؤيده رواية "ولا تلقوا السلع حتى يهبط بها السوق". اهـ.
والتحقيق أن العرف يعتمد في هذه المسألة، فالمستوردون يسافرون إلى المصانع في بلادها ويشترون، ولا نظنهم يدخلون في النهي، والمصدرون يرسلون البضائع إلى بيوت المستوردين ومخازنهم، ولا نظنهم يدخلون في النهي، والعبرة بحكمة النهي. هل هي توفير السلع في أسواق المستهلكين وعدم الإضرار بهم؟ أو هي في حماية صاحب السلعة من استغلال جهله بالأسعار؟ فيدور النهي مع الحكمة من التشريع. واللَّه أعلم.
٨ - وأما بيع الحاضر للبادي فقد قال الشافعي والأكثرون إنه حرام بشروط: أن يكون القادم غريبًا من البادية أو من بلد آخر، وأن تكون السلعة متاعًا تعم الحاجة إليه، وأن يكون عالمًا بالنهي، وأن يعرض الحضري ذلك على البدوي، فلو عرضه البدوي على الحضري لم يمنع، ولو خالف وباع الحاضر للبادي صح البيع مع التحريم. هذا مذهب الشافعية، وبه قال جماعة من المالكية وغيرهم. وقال بعض المالكية: يفسخ البيع ما لم يفت، وقال عطاء ومجاهد وأبو حنيفة: يجوز بيع الحاضر للبادي مطلقًا، لحديث "الدين النصيحة" قالوا: وحديث النهي عن بيع الحاضر للبادي منسوخ، وقال بعضهم: إنه على كراهة التنزيه، وقال بعضهم: إنه خاص بمن يبيع بالأجرة، كما فسره ابن عباس، لأنه لا يكون غرضه نصح البائع غالبًا، وإنما غرضه تحصيل الأجرة. وجعل المالكية البداوة قيدًا، وعن مالك: لا يلتحق بالبدوي في ذلك إلا من كان يشبهه.
واللَّه أعلم
стр. 3302
(٤٠٥) باب بيع المبيع قبل قبضه وبيع الصبرة المجهولة القدر
٣٣٨٧ - عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ قال "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه" قال ابن عباس: وأحسب كل شيء مثله.
٣٣٨٨ - عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه" قال ابن عباس: وأحسب كل شيء بمنزلة الطعام.
٣٣٨٩ - عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يكتاله" فقلت لابن عباس: لم؟ فقال: ألا تراهم يتبايعون بالذهب، والطعام مرجأ؟ ولم يقل أبو كريب: مرجأ.
٣٣٩٠ - عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه".
٣٣٩١ - عن ابن عمر ﵄ قال: كنا في زمان رسول الله ﷺ نبتاع الطعام. فيبعث علينا من يأمرنا بانتقاله من المكان الذي ابتعناه فيه. إلى مكان سواه. قبل أن نبيعه.
٣٣٩٢ - عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال "من اشترى طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه".
стр. 3303
قال: وكنا نشتري الطعام من الركبان جزافًا. فنهانا رسول الله ﷺ أن نبيعه. حتى ننقله من مكانه.
٣٣٩٣ - عن عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال "من اشترى طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه ويقبضه".
٣٣٩٤ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يقبضه".
٣٣٩٥ - عن ابن عمر ﵄: أنهم كانوا يضربون على عهد رسول الله ﷺ ، إذا اشتروا طعامًا جزافًا، أن يبيعوه في مكانه حتى يحولوه.
٣٣٩٦ - عن سالم بن عبد الله ﵄: أن أباه قال: قد رأيت الناس في عهد رسول الله ﷺ إذا ابتاعوا الطعام جزافًا، يضربون في أن يبيعوه في مكانهم. وذلك حتى يؤووه إلى رحالهم. قال ابن شهاب: وحدثني عبيد الله بن عبد الله بن عمر؛ أن أباه كان يشتري الطعام جزافًا، فيحمله إلى أهله.
٣٣٩٧ - عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال "من اشترى طعامًا فلا يبعه حتى يكتاله" وفي رواية أبي بكر "من ابتاع".
٣٣٩٨ - عن أبي هريرة ﵁ أنه قال لمروان: أحللت بيع الربا؟ فقال مروان: ما فعلت. فقال أبو هريرة: أحللت بيع الصكاك. وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع الطعام حتى يستوفى. قال: فخطب مروان الناس. فنهى عن بيعها. قال سليمان: فنظرت إلى حرس يأخذونها من أيدي الناس.
стр. 3304
٣٣٩٩ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يقول "إذا ابتعت طعامًا، فلا تبعه حتى تستوفيه".
٣٤٠٠ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الصبرة من التمر، لا يعلم مكيلتها، بالكيل المسمى من التمر.
-[المعنى العام]-
أحل الله البيع لحاجة الناس، رغم ما في كثير منه من الغرر والجهالة، وعدم الوضوح التام، وما عساه يقع فيه البائع من أضرار، وما عساه يقع فيه المشتري من خسائر ومفاسد، ليس من السهل على طرفي هذه المعاملة أن يكتشفا كل شيء في سلعتها، مهما حرصًا على ذلك، من أجل هذا نصحهما الشارع بأن يصدقا - ما أمكنهما - ويبينا - ما أمكنهما - ليبارك لهما في بيعهما، لأنهما إن تعمدا الكذب وإخفاء العيوب محقت بركة بيعهما.
لا شك أن البيع معاملة مشوبة بالأضرار والأخطار، بقدر ما يترتب عليها من فوائد ومنافع، من هنا أحاطها الشارع الحكيم بكثير من الاحتياطات والأسوار ورفع العقبات، وتنقية ما يخالجها من شوائب، وتسليط الأضواء على ما يداخلها من ظلمات، وفتح نوافذ الهواء النقي ليدفع الهواء الفاسد.
فنهي عن أصناف من بيوع كانت متداولة وكثيرة، وشرط شروطًا لبيوع كانت فاسدة، من هذه الشروط: النهي عن بيع السلعة قبل قبضها، بمعنى أن الإنسان إذا اشترى بضاعة ودفع ثمنها، ولم يتسلمها لا يجوز له بيعها حتى يقبضها، لأنه لو باعها قبل قبضها فكأنه باع نقدًا بنقد مع التفاوت بينهما، فإذا اشترى بضاعة بمائة، ولم يتسلمها، وباعها بمائة وخمسين، فكأنه باع المائة التي دفعها بمائة وخمسين قبضها، فكأنه باع ذهبًا بذهب، والبضاعة مرجأة مؤخرة، بعيدة عن البيع والشراء حيث لم يجر عليها قبض وانتقال.
وقبض كل مبيع بحسبه، فقبض الدار التخلية من البائع، وخروجها من حيازته إلى حيازة المشتري، وهو ما يطلق عليه وضع اليد، وكذا قبض الأرض الزراعية وغير الزراعية والمصانع ونحو ذلك
стр. 3305
مما لا ينتقل. أما ما ينتقل من مكان إلى مكان كالطعام والسيارة والماشية والثياب والآلات والأثاث فقبضه نقله من مكان يخص البائع إلى مكان لا اختصاص للبائع به، وهذا القبض الذي دعا إليه الشارع يرفع كثيرًا من الخلافات والمنازعات، فلو هلكت السلعة بعد قبضها فهي في ذمة المشتري وضمانه ومسئوليته، أما لو هلكت بعد البيع وقبل القبض وقد بيعت ثانيًا كان ذلك مثارًا للمنازعات وتداخل المسئوليات.
وإذا كان الحديث قد أكد على النهي عن بيع الطعام قبل قبضه فغير الطعام له حكم الطعام، وما ذكر الطعام إلا لأنه غالب ما كان يباع ويشترى في ذلك الزمان.
ومن الاحتياطات التي أمر بها الشارع قبض المكيل كيلاً، والموزون وزنًا، والمعدود عدًا، والمقادير قياسًا، فإنه لا يجوز بيع صنف ربوي بجنسه إلا أن يكون كل منهما معلوم المقدار، وأن تتحقق المساواة بين المتماثلين، فكومة التمر لا يجوز بيعها بما هو معلوم الوزن أو الكيل من التمر، وكذلك المعلوم وزنًا أو كيلاً، لا يجوز بيعه بكومة منه، لأن في ذلك جهالة وغرر ينهى الإسلام عنه حفاظًا على حقوق كل من المتبايعين. واللَّه أعلم.
-[المباحث العربية]-
(من ابتاع طعامًا) أي من اشترى طعامًا، والمراد من الطعام المأكول والمشروب والمتفكه به، أي ما من شأنه ذلك وإن لم يطعم، وما يؤول إلى ذلك. وفي الرواية السادسة والحادية عشرة "من اشترى طعامًا".
(فلا يبعه حتى يستوفيه) قيل: معناه حتى يستوفي كيله ووزنه ومقداره، وقيل: حتى يقبضه المشتري، ويدخل في حوزته، وإن كان في مكانه، وقيل: حتى ينقله من مكانه، وفي ذلك خلاف يأتي في فقه الحديث.
وفي الرواية الثانية والثامنة "حتى يقبضه" وفي الرواية السابعة جمع بين اللفظين "حتى يستوفيه ويقبضه" وفي الرواية الثالثة والحادية عشرة "حتى يكتاله" وفي الرواية الخامسة "يأمرنا بانتقاله من المكان الذي ابتعناه فيه إلى مكان سواه" وفي الرواية السادسة "حتى ننقله من مكانه" وفي الرواية التاسعة "حتى يحولوه" وفي الرواية العاشرة "حتى يؤووه إلى رحالهم".
(وأحسب كل شيء مثله) من كلام ابن عباس، أي وأظن اجتهادًا أن كل مبيع مثل الطعام في ذلك الحكم. وفي الرواية الثانية "وأحسب كل شيء بمنزلة الطعام" وفي رواية للبخاري "ولا أحسب كل شيء إلا مثله".
(قال: فقلت لابن عباس: لم)؟ وعند البخاري: قال طاووس لابن عباس: كيف ذاك؟
(ألا تراهم يتبايعون بالذهب، والطعام مرجأ) أي مؤخر، و"مرجأ" بالهمز،
стр. 3306
وبدونه، ووقع عند بعضهم "مرجى" بضم الميم وفتح الراء وتشديد الجيم المفتوحة، مبالغة في التأخير.
والمعنى أن ابن عباس استنبط من بيع المشتري الطعام قبل قبضه أنه من قبيل بيع الدراهم بدارهم، ما دام الطعام مرجأ ومؤخرًا استلامه، فسأله طاووس عن كيفية هذا الاستنباط، فأجابه ابن عباس بما معناه: أنه إذا باعه المشتري قبل القبض، وتأخر المبيع في يد البائع فكأنه باعه دراهم بدراهم، فإذا اشترى طعامًا بمائة دينار مثلاً، ودفعها للبائع، ولم يقبض منه الطعام، ثم باع هذا الطعام لآخر بمائة وعشرين دينارًا، وقبضها، والطعام في يد البائع الأول، فكأنه باع مائة دينار دفعها للبائع بمائة وعشرين دينارًا قبضها من المشتري، فكأن التبايع وقع بين ذهب وذهب، مادام الطعام مرجأ.
(فيبعث علينا من يأمرنا بانتقاله) أي فيبعث رسول الله ﷺ .
(كنا نشتري الطعام من الركبان جزافًا) بكسر الجيم، وضمها، وفتحها، ثلاث لغات، والكسر أفصح وأشهر، وهو البيع بلا كيل، ولا وزن، ولا عد، بل تقديرها بطريق الخبرة والظن والتخمين. و"الركبان" بضم الراء: الجماعة من أصحاب الإبل في السفر، جمع راكب.
وفي الرواية الرابعة عشرة "نهي عن بيع الصبرة من التمر، لا يعلم مكيلتها بالكيل المسمى من التمر" والصبرة بضم الصاد الكومة من الطعام، ويقال: اشترى الطعام صبرة، أي جزافًا. والمعنى لا يعلم مقدار كيلها بالكيل المعروف بالنسبة لنوعها. فلكل نوع كيل مسمى معروف.
(كانوا يضربون على عهد رسول الله ﷺ إذا اشتروا طعامًا جزافًا أن يبيعوه في مكانه، حتى يحولوه) "أن يبيعوه في مكانه" علة الضرب، أي يضربون لبيعهم له في مكانه. وفي الرواية العاشرة "يضربون في أن يبيعوه" فلفظ "في" سببية، أي بسبب بيعهم.
(أحللت بيع الربا؟ ) همزة الاستفهام محذوفة، والأصل: أأحللت بيع الربا؟ والاستفهام إنكاري توبيخي، أي ما كان ينبغي أن تحل بيع الربا.
(أحللت بيع الصكاك) الصكاك جمع صك، وهو الورقة المكتوبة بدين، ويجمع أيضًا على صكوك، والمراد هنا الورقة التي تخرج من ولي الأمر بالرزق لمستحقه، بأن يكتب فيها: لزيد مثلاً، أو لحامله كذا وكذا من طعام وغيره، فيبيع صاحب الصك هذا الصك لإنسان قبل أن يقبض ما فيها.
(فنظرت إلى حرس يأخذونها من أيدي الناس) الحرس بفتحات الحراس، وفي القرآن الكريم ﴿وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسًا شديدًا وشهبًا﴾ [الجن: ٨] والمراد بهم هنا الجند الذين يرتبون لحفظ الحاكم وحراسته، وتنفيذ أوامره على الرعية. أي فكانوا يأخذون الصكوك المباعة من أيدي الناس الذين يتبايعونها.
(نهي عن بيع الصبرة من التمر، لا يعلم مكيلتها، بالكيل المسمى من التمر)
стр. 3307
قوله "بالكيل المسمى" هو مقابل البيع، أي الثمن، أي نهي عن بيع الصبرة من التمر بتمر مكيل معلوم.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: في هذه الأحاديث النهي عن بيع المبيع حتى يقبضه البائع، واختلف العلماء في ذلك، قال الشافعي: لا يصح بيع المبيع قبل قبضه، سواء كان طعامًا، أو عقارًا، أو منقولاً، أو نقدًا، أو غيره. وقال عثمان البتي: يجوز في كل مبيع، وقال أبو حنيفة: لا يجوز في أي شيء إلا العقار [وما لا ينقل] وقال مالك: لا يجوز في الطعام، ويجوز فيما سواه، ووافقه كثيرون، وقال آخرون لا يجوز في المكيل والموزون، ويجوز فيما سواهما.
قال: أما مذهب عثمان البتي فحكاه المازري والقاضي، ولم يحكه الأكثرون، بل نقلوا الإجماع على بطلان بيع الطعام المبيع قبل قبضه. قالوا: وإنما الخلاف فيما سواه. فمذهب عثمان البتي شاذ متروك. اهـ.
قال ابن قدامة في المغني: ومن اشترى ما يحتاج إلى القبض لم يجز بيعه حتى يقبضه، ولا أرى بين أهل العلم فيه خلافًا إلا ما حكي عن عثمان البتي، وأما غير ذلك فيجوز بيعه قبل قبضه في أظهر الروايتين [أي عن أحمد] ونحوه قول مالك بن المنذر. اهـ.
وقال عطاء بن أبي رباح والثوري وابن عيينة وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والشافعي في الجديد ومالك في رواية وأحمد في رواية وأبو ثور وداود: النهي الذي ورد في البيع قبل القبض قد وقع على الطعام وغيره، وهو مذهب ابن عباس أيضًا، ولكن أبا حنيفة قال: لا بأس ببيع الدور والأرضين قبل القبض، لأنها لا تنقل ولا تحول.
لكن الشافعي وموافقوه يقولون: إن قبض كل شيء بحسبه. فما يتناول باليد، كالدراهم والدنانير والثوب، فقبضه بالتناول والحيازة والنقل من يد البائع واختصاصه، وما لا ينقل كالعقار، والأرض، والثمر على الشجر، فقبضه بالتخلية، وما ينقل في العادة كالأخشاب والحبوب والحيوان فقبضه بالنقل إلى مكان، لا اختصاص للبائع به، وفيه قول أنه يكفي فيه التخلية.
-[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]-
١ - من الرواية الثالثة والحادية عشرة من قوله "فلا يبعه حتى يكتاله" فرق مالك في المشهور عنه بين الجزاف والمكيل، فأجاز بيع الجزاف قبل قبضه، وبه قال الأوزاعي وإسحق، فالاستيفاء عندهم إنما يكون في مكيل أو موزون، ويساعدهم ما رواه أحمد عن ابن عمر مرفوعًا "من اشترى طعامًا بكيل أو وزن فلا يبعه حتى يقبضه" ورواه أبو داود والنسائي بلفظ "نهي أن يبيع أحد طعامًا اشتراه بكيل حتى يستوفيه".
لكن الروايات الأولى والثانية والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة والثانية عشرة
стр. 3308
والثالثة عشرة تعمم الطعام، ولا تفرق بين المكيل والجزاف، بل الرواية التاسعة والعاشرة تنص على النهي عن بيع الجزاف حتى يقبضه. وبهذا قال الجمهور.
٢ - استدل بعضهم بقوله "حتى يحولوه" في الرواية التاسعة، وقوله "حتى يؤووه إلى رحالهم" في الرواية العاشرة بأن المبيع من الطعام جزافًا قبضه النقل والتحويل إلى الرحال، والجمهور أن هذا القيد خرج مخرج الغالب.
٣ - استدل بعضهم بقوله في الرواية الثالثة والحادية عشرة "حتى يكتاله" بأن شرط القبض في المكيل الكيل، وفي الموزون الوزن، فمن اشترى شيئًا مكايلة أو موازنة فقبضه جزافًا فقبضه فاسد، ومن اشترى مكايلة وقبضه، ثم باعه لغيره لم يجز تسليمه بالكيل الأول، حتى يكيله على من اشتراه ثانيًا، أما بيع الصبرة جزافًا فالرواية التاسعة والعاشرة تبيحه مطلقًا، على أن لا يباع ثانية حتى ينقل، وبه قال الجمهور، أي سواء علم البائع قدرها أم لم يعلم وسواء علم المشتري قدرها أم لم يعلم، وعن مالك التفرقة، فلو علم البائع دون المشتري لم يصح. قال ابن قدامة: يجوز بيع الصبرة جزافًا، لا نعلم فيه خلافًا إذا جهل البائع والمشتري قدرها. اهـ.
٤ - استدل بالرواية الرابعة عشرة على تحريم بيع التمر المجهولة القدر بتمر معلوم القدر، قال النووي: هذا تصريح بتحريم التمر بالتمر حتى تعلم المماثلة. قال العلماء: لأن الجهل بالمماثلة في هذا الباب كحقيقة المفاضلة، لقوله ﷺ "إلا سواء بسواء" ولم يحصل تحقق المساواة مع الجهل، وحكم الحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، وسائر الربويات، إذا بيع بعضها ببعض حكم التمر بالتمر. والله أعلم.
٥ - واستدل بالرواية الثانية عشرة على منع بيع الصكوك. قال النووي: وقد اختلف العلماء في ذلك، والأصح عند أصحابنا وغيرهم جواز بيعها، والثاني منعها، فمن أخذ بظاهر قول أبي هريرة وبحجته منعها، ومن أجازها تأول قضية أبي هريرة على أن المشتري ممن خرج له الصك باعه لثالث قبل أن يقبضه المشتري، فكان النهي عن البيع الثاني، لا عن الأول، لأن الذي خرجت له مالك لذلك ملكًا مستقرًا، وليس هو بمشتر، فلا يمنع بيعه قبل القبض، كما لا يمتنع بيعه ما ورثه قبل قبضه. قال القاضي عياض - بعد أن تأوله على هذا النحو - وكانوا يتبايعونها، ثم يبيعها المشترون قبل قبضها، فنهوا عن ذلك، قال: فبلغ ذلك عمر بن الخطاب، فرده عليه، وقال: لا تبع طعامًا ابتعته حتى تستوفيه. اهـ.
قال النووي: وكذا جاء الحديث مفسرًا في الموطأ أن صكوكًا خرجت للناس في زمن مروان بطعام، فتبايع الناس تلك الصكوك قبل أن يستوفوها.
وفي الموطأ ما هو أبين من هذا، وهو أن حكيم بن حزام ابتاع طعامًا أمر به عمر بن الخطاب ﵁ فباع حكيم الطعام الذي اشتراه قبل قبضه ... " واللَّه أعلم.
٦ - ومن الرواية التاسعة والعاشرة، من قوله "كانوا يضربون" أن ولي الأمر يعزر من تعاطى
стр. 3309
بيعًا فاسدًا، ويعزره بالضرب وغيره مما يراه من العقوبات في البدن، على ما تقرر في كتب الفقه.
٧ - وفيه إقامة الإمام على الناس من يراعي أحوالهم في ذلك.
٨ - استنبط البخاري من النهي عن البيع قبل القبض منع بيع ما ليس عندك بالطريق الأولى، وحديث النهي عن بيع ما ليس عندك أخرجه أصحاب السنن، من حديث حكيم بن حزام، قال: قلت: يا رسول الله، يأتيني الرجل، فيسألني البيع ليس عندي، أبيعه منه، ثم أبتاعه له من السوق؟ فقال، "لا تبع ما ليس عندك" قال ابن المنذر: وبيع ما ليس عندك يحتمل معنيين. أحدهما: أن يقول: أبيعك دارًا معينة - وهي غائبة - فيشبه بيع الغرر، لاحتمال أن تتلف، أو لا يرضاها، ثانيها أن يقول: هذه الدار بكذا، على أن أشتريها لك من صاحبها، أو على أن يسلمها لك صاحبها. قال: وقصة حكيم موافقة للاحتمال الثاني.
٩ - وقد فرع العلماء على منع البيع قبل القبض: ضمان المبيع لو هلك في يد البائع بعد العقد، وقبل القبض. فمن باع دابة واحتبسها عنده حتى يأتي المشتري بالثمن، فهلكت في يديه قبل أن يأتي المشتري بالثمن. قال سعيد بن المسيب وربيعة: الضمان على البائع. وقال سليمان بن يسار: هو على المشتري، ورجع إليه مالك بعد أن كان أخذ بالأول، وتابعه أحمد وإسحق وأبو ثور، وقال بالأول الحنفية والشافعية، والأصل في ذلك اشتراط القبض في صحة البيع، فمن اشترطه في كل شيء جعله من ضمان البائع، ومن لم يشترطه جعله من ضمان المشتري، وقد سئل الإمام أحمد عمن اشترى طعامًا، فطلب من يحمله، فرجع فوجده قد احترق، فقال: هو من ضمان المشتري.
واللَّه أعلم
стр. 3310
(٤٠٦) باب خيار المجلس للمتبايعين، وقول أحدهما: لا خلابة
٣٤٠٢ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال "البيعان، كل واحد منهما بالخيار على صاحبه، ما لم يتفرقا، إلا بيع الخيار".
٣٤٠٣ - عن ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال "إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكان جميعًا، أو يخير أحدهما الآخر، فإن خير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك، فقد وجب البيع، وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك واحد منهما البيع، فقد وجب البيع".
٣٤٠٤ - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا تبايع المتبايعان بالبيع فكل واحد منهما بالخيار من بيعه ما لم يتفرقا. أو يكون بيعهما عن خيار. فإذا كان بيعهما عن خيار، فقد وجب" زاد ابن أبي عمر في روايته قال نافع: فكان إذا بايع رجلاً فأراد أن لا يقيله، قام فمشي هنية، ثم رجع إليه.
٣٤٠٥ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "كل بيعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا. إلا بيع الخيار".
стр. 3311
٣٤٠٦ - عن حكيم بن حزام ﵁ عن النبي ﷺ قال "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا. فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما. وإن كذبا وكتما محق بركة بيعهما".
٣٤٠٧ - عن ابن عمر ﵄ قال: ذكر رجل لرسول الله ﷺ أنه يخدع في البيوع. فقال رسول الله ﷺ "من بايعت فقل: لا خلابة". فكان إذا بايع يقول: لا خيابة.
٣٤٠٨ - - وفي رواية عن عبد الله بن دينار بهذا الإسناد، مثله. وليس في حديثهما: فكان إذا بايع يقول: لا خيابة.
-[المعنى العام]-
ومازلنا مع الضوابط والقيود والاحتياطات التي وضعها الإسلام لحماية المشتري أو البائع من الغبن، ووقاية كل منهما من استغلال الآخر، أو التغرير به، فقد يتعجل بالإيجاب أو بالقبول نتيجة إغراء، وقد تثار الرغبة، وتهيج من كوامن أحد الطرفين لتلك المعاملة، فيقع في شراكها وهو لا يريدها، أو لا يحتاجها، أو لا يقدرها، فجعلت هذه الأحاديث لكل من المتبايعين حق الرجوع في البيع، وحق إلغاء التعاقد، ماداما في مجلس العقد، أو ماداما متلاقيين، أو ماداما على هيئة يعتبرهما العرف عليها مجتمعين، كأن يكونا على الهاتف مثلاً، ولا ينقطع هذا الخيار إلا بتفرق الأبدان على أصح الأقوال، فإذا أراد أحدهما أو كلاهما إمضاء العقد ولزومه مع حاجتهما لبقاء اللقاء قام أحدهما من مجلسه، وسار بعيدًا للحظة، ثم عاد، ليقطع بذلك مجلس العقد. كان ابن عمر ﵄ يفعل ذلك.
إن أحد المتبايعين قد يحاول أن ينزع هذا الحق من يد الآخر، فيقول له: اقطع بالرأي، ولا خيار لك إن قبلت، وفورًا قل: نعم أو لا، ولا رجوع. وهذا الأسلوب يتناقض مع حكمة تشريع خيار المجلس، حتى قال بعض العلماء: إنه يبطل البيع.
стр. 3312
ولم يكتف الإسلام بمنحه التؤدة والتمهل وإعطاء فرصة الرجوع بالمجلس، بل طالب كلاً من الطرفين بالنصح للطرف الآخر، وأن يبين له ما في سلعته من عيوب وأن يصدقه القول، ليبارك لهما في بيعهما، وليجعل الله في هذه المعاملة خيرًا كثيرًا، أما إن كتمه عيوبها، وأخفاها عليه، ولم يصدقه النصيحة محق الله بركة هذه البيعة، وجعلها شرًا ووبالاً.
ولم يكتف الإسلام بهذا أيضًا، بل سمح لكل من الطرفين أن يشترط الخيار، وأن يحتفظ لنفسه بحق التراجع في البيع، مدة قد تصل إلى ثلاثة أيام أو تزيد.
وحمى الإسلام المغفل في البيع والشراء من استغلال الآخرين له، فلقنه أن يقول لصاحبه في البيع: لا خلابة. أي لا خداع بيننا. ولا تغرير، وله بعد ذلك أن يستشير الخبراء، وأن يرجع على الطرف الآخر إن كان مغبونًا. فنعم الإسلام، ونعم التشريع الذي يحفظ المودة والرحمة بين المتعاملين.
-[المباحث العربية]-
(خيار المجلس) "خيار" بكسر الخاء، وهو طلب خير الأمرين، من إمضاء البيع أو فسخه، والخيار في البيع نوعان: "خيار المجلس" أي الخيار طالما كان المتبايعان بمجلس العقد، أو إلى حين يتم الإيجاب والقبول ويحصل التراضي في المجلس.
وخيار الشرط وسيأتي في فقه الحديث، وزاد بعضهم خيار النقيصة، وهو أن يظهر بالمبيع عيب يوجب الرد، ويلتزم البائع فيه شرطًا لم يكن فيه، وبعضهم يجعله مندرجًا في خيار الشرط.
(للمتبايعين) التثنية لتغليب البيع على الشراء، أو على أن كل واحد منهما بائع.
(البيعان) بفتح الباء وتشديد الياء المكسورة جمع بيع بتشديد الياء بمعنى البائع، كضيق وضائق والمراد البائع والمشتري.
(كل واحد منها بالخيار) أي بخيار المجلس.
(ما لم يتفرقا) في رواية النسائي "ما لم يفترقا" بتقديم الفاء على التاء، وعن بعض أهل اللغة يقال: افترقا إذا كان بالكلام، وتفرقا إذا كان بالأبدان. وفي الرواية الثانية "وكانا جميعًا" أي ما لم يتفرقا عن تجمع.
(إلا بيع الخيار) قال الكرماني: فيه ثلاثة أقوال: أصحها أنه استثناء من أصل الحكم، أي البيعان بالخيار إلا بيعًا جرى فيه التخاير بينهما - كأن يقول كل منها للآخر: أنت بالخيار. تمضي عقد البيع أو لا تمضيه. فيقول كل منهما: أختار إمضاء البيع - فإن العقد يلزم به وإن لم يتفرقا بعد. والثاني: أن الاستثناء من مفهوم الغاية "حتى يتفرقا" أي أنهما بالخيار ما لم يتفرقا إلا بيعًا شرط فيه خيار يوم أو يومين مثلاً، فإن الخيار باق بعد التفرق، إلى مضي المدة المشروطة. الثالث: أن
стр. 3313
معناه إلا بيعًا شرط فيه أن لا خيار لهما في المجلس، فيلزم البيع بنفس العقد، ولا يكون فيه خيار أصلاً. وسيأتي خلاف الفقهاء في الأول والثالث.
وفي الرواية الثانية "أو يخير أحدهما الآخر، فإن خير أحدهما الآخر، فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع" وهذا يؤيد المعنى الأول، وكذا جاء في الرواية الثالثة "أو يكون بيعهما عن خيار، فإذا كان بيعهما عن خيار فقد وجب" مما يؤيد المعنى الأول أيضًا.
(أو يكون بيعهما عن خيار) في الأصول بنصب الفعل "يكون" وكذا في الرواية الثانية بنصب الفعل "يخير" وتوجيهه أن "أو" بمعنى "إلا أن" كقولهم: لألزمنك أو تقضيني ديني، والمعنى هنا: كل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا إلا أن يخير أحدهما الآخر، وإلا أن يكون بيعهما عن خيار. وقيل في توجيهه غير ذلك مما فيه تعسف.
(فأراد أن لا يقيله) أقاله البيع وافقه على فسخه، والمعنى فأراد أن لا ينفسخ البيع.
(فكان إذا بايع رجلاً) أي فكان ابن عمر إذا بايع إلخ.
(قام، فمشي هنيهة) كأن مذهب ابن عمر أن التفرق بالأبدان، قال النووي: هو في بعض النسخ "هنية" بتشديد الياء، وفي بعضها "هنيهة" بتخفيف الياء، وزيادة هاء، أي شيئًا يسيرًا.
(كل بيعين لا بيع بينهما) أي لا بيع لازم نافذ، و"بيعين" بتشديد الياء الأولى تثنية "بيع" بتشديد الياء أيضًا، وهو البائع.
(فإن صدقا وبينا بورك لهما) أي بين كل واحد لصاحبه ما يحتاج إلى بيانه من عيب ونحوه في السلعة والثمن، وصدق في ذلك، وفي الإخبار بالثمن، وما يتعلق بالعوضين.
(وإن كذبا وكتما محق بركة بيعهما) "محق" بدون تأنيث لأن الفاعل غير حقيقي التأنيث فيجوز في الفعل التذكير والتأنيث، وفي رواية البخاري و"محقت بركة بيعهما" قال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن يكون على ظاهره، وأن شؤم التدليس والكذب وقع في ذلك العقد، فمحق بركته، وإن كان الصادق مأجورًا، والكاذب مأزورًا، ويحتمل أن يكون ذلك مختصًا بمن وقع منه التدليس والعيب، دون الآخر. اهـ. والأخير هو الراجح.
(ذكر رجل لرسول اللَّه ﷺ أنه يخدع في البيوع) أي فطلب منه وسيلة تحميه من ذلك.
وهذا الرجل هو حبان بن منقذ - صحابي ابن صحابي، أنصاري، شهد أحدًا وما بعدها، ومات في زمن عثمان، وقد شج في بعض غزواته مع رسول اللَّه ﷺ عن حصن من الحصون، أصابه حجر في رأسه، فتغير لسانه وعقله، لكنه لم يخرج عن التمييز، فكانت بلسانه لوثة، وكان يغبن في البيوع، وكان لا يدع التجارة رغم أن لسانه كان لا يساعده على مخارج الحروف.
(من بايعت فقل: لا خلابة) في رواية البخاري "إذا بايعت فقل: لا خلابة" بكسر الخاء
стр. 3314
وتخفيف اللام، أي لا خديعة، يقال: خلبه يخلبه - من باب نصر وضرب - خلبًا وخلابة، ورجل خالب وخلاب، أي خداع.
و"لا" نافية للجنس، أي لا خديعة في الدين، لأن الدين النصيحة، أي لا تحل لك خديعتي، أو لا يلزمني خديعتك، زاد ابن إسحق "ثم أنت بالخيار في كل سلعة ابتعتها ثلاث ليال، فإن رضيت فأمسك، وإن سخطت فاردد" فبقي حتى أدرك عثمان، وهو ابن مائة وثلاثين سنة، وكان إذا اشترى شيئًا، فقيل له: إنك غبنت فيه رجع به، فيشهد له الرجل من الصحابة بأن النبي ﷺ قد جعله بالخيار ثلاثًا، فيرد له دراهمه، وقد لقنه النبي ﷺ هذا القول، ليتلفظ به عند البيع، فيطلع به صاحبه على أنه ليس من ذوي البصائر في معرفة السلع، ومقادير القيمة، فينصح له كما ينصح لنفسه، وذكر الدارقطني: أنه كان ضريرًا.
(فكان إذا بايع يقول: لا خيابة) بخاء مكسورة بعد ياء بدل اللام، ثم باء بعد الألف، ورواه بعضهم بنون بعد الألف، وهو تصحيف، ووقع في غير مسلم (خذابة) بالذال، والصواب الأول، وقد قلنا: إن لسانه كان ألثغ لا يساعده على إخراج الحروف من مخارجها.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: هذا الحديث دليل لثبوت خيار المجلس لكل واحد من المتبايعين بعد انعقاد البيع، حتى يتفرقا من ذلك المجلس بأبدانها، وبهذا قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وممن قال به: علي بن أبي طالب وابن عمر وابن عباس وأبو هريرة وأبو برزة الأسلمي وطاووس وسعيد بن المسيب وعطاء وشريح القاضي والحسن البصري والشعبي والزهري والأوزاعي وابن أبي ذئب وسفيان بن عيينة والشافعي وابن المبارك وعلي بن المديني وأحمد بن حنبل وإسحق بن راهويه وأبو ثور وأبو عبيد والبخاري وسائر المحدثين وآخرون.
وقال مالك وأبو حنيفة: لا يثبت خيار المجلس، بل يلزم البيع بنفس الإيجاب والقبول. وبه قال ربيعة، وحكى عن النخعي، وهو رواية عن الثوري.
قال: وهذه الأحاديث الصحيحة ترد على هؤلاء، وليس لهم عنها جواب صحيح، والصواب ثبوته، كما قاله الجمهور. اهـ. قال الحافظ ابن حجر: روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن إبراهيم النخعي، أنه قال: "البيع جائز وإن لم يتفرقا" ورواه عنه سعيد بن منصور بلفظ "إذا وجبت الصفقة فلا خيار" وبذلك قال المالكية إلا ابن حبيب، والحنفية كلهم. قال ابن حزم: لا نعلم لهم سلفًا إلا إبراهيم النخعي وحده. وقد ذهبوا في الجواب عن هذه الأحاديث مذاهب شتى:
١ - فمنهم من ردها بحجة أنها معارضة لما هو أقوى منها، مما سيأتي على أنه ناسخ.
٢ - ومنهم من قال: إنها منسوخة:
стр. 3315
أ- بحديث "المسلمون على شروطهم" والخيار بعد لزوم العقد يفسد الشرط.
ب- وبحديث التحالف عند اختلاف المتبايعين، لأنه يقتضي الحاجة إلى اليمين، وذلك يستلزم لزوم العقد، ولو ثبت الخيار لكان كافيًا في رفع العقد.
جـ- وبقوله تعالى ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ [البقرة: ٢٨٢] والإشهاد إن وقع بعد التفرق لم يطابق الأمر، وإن وقع قبل التفرق لم يصادف محلاً.
د- وبأنه من رواية مالك، وقد عمل بخلافه، فدل على أنه عارضه ما هو أقوى منه، والراوي إذا عمل بخلاف ما روى دل على وهن المروي عنه.
هـ- وبأنه معارض بعمل أهل المدينة.
و- ونقل ابن التين عن أشهب: أنه مخالف لعمل أهل مكة أيضًا.
ز- وقالت طائفة: هو خبر واحد، فلا يعمل به إلا فيما تعم به البلوى.
ح- وقال آخرون: هو مخالف للقياس الجلي، في إلحاق ما قبل التفرق بما بعده.
ط- وقال بعضهم: الحديث جاء بألفاظ مختلفة، فهو مضطرب، لا يحتج به.
٣ - وقال آخرون: التفرق بالأبدان محمول على الاستحباب تحسينًا للمعاملة مع المسلم لا على الوجوب.
٤ - وقال آخرون: هو محمول على الاحتياط، للخروج من الخلاف.
٥ - وقالت طائفة: المراد بالتفرق في هذه الأحاديث التفرق بالكلام، كما في عقد النكاح والإجارة والعتق.
٦ - وقيل: المراد بالمتبايعين المتساومان.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر ضعف هذه الأجوبة، ورد عليها، واكتفينا بما ذكرنا، وكانت ردوده على ما ذكرنا كالآتي:
عن ١، ٢، أ، ب، ج قال: لا حجة في شيء من ذلك، لأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، والجمع بين الدليلين، مهما أمكن لا يصار معه إلى الترجيح، والجمع هنا ممكن بين الأدلة المذكورة، بغير تعسف ولا تكلف. أما أنه من رواية مالك فإن مالكًا لم ينفرد به، فقد رواه غيره، وعمل به، وهم أكثر عددًا، رواية وعملاً، وقد خص كثير من محققي الأصوليين الخلاف المشهور - فيما إذا عمل الراوي بخلاف ما روي - بالصحابة دون ما جاء بعدهم. ومن قاعدتهم: أن الراوي أعلم بما روى، وابن عمر هو راوي الخبر، وكان إذا باع يفارق ببدنه، فاتباعه أولى من غيره.
(هـ) وأما أنه معارض بعمل أهل المدينة، فإنه قد قال به ابن عمر، ثم سعيد بن المسيب، ثم الزهري، ثم ابن أبي ذئب، وهؤلاء من أكابر علماء المدينة في أعصارهم، ولا يحفظ عن أحد من علماء المدينة القول بخلافه سوى عن ربيعة.
стр. 3316
(ز) وأما أنه مخالف لعمل أهل مكة، فلا يعرف عن أحد منهم القول بخلافه، فقد سبق عن عطاء وطاووس وغيرهما من أهل مكة.
(ح) وأما أنه خبر واحد، فلا يعمل به، فقد رد بأنه مشهور، فيعمل به.
(ط) وأما أنه مخالف للقياس الجلي، فقد رد بأن القياس مع النص فاسد الاعتبار.
(ي) وأما أنه جاء بألفاظ مختلفة فهو مضطرب لا يحتج به، فقد تعقب بأن الجمع بين ما اختلف من ألفاظه ممكن بغير تكلف ولا تعسف، فلا يضره الاختلاف، وشرط المضطرب أن يتعذر الجمع بين مختلف ألفاظه، وليس هذا الحديث من ذلك.
٣ - ، ٤ - وأما قولهم: التفرق بالأبدان محمول على الاستحباب، أو محمول على الاحتياط فهو على خلاف الظاهر، ولا ضرورة إليه.
٥ - وأما قولهم: المراد التفرق بالكلام، كما في عقد النكاح والإجارة والعتق، فقد تعقب بأنه قياس مع ظهور الفارق، لأن البيع ينقل فيه ملك رقبة المبيع ومنفعته، بخلاف ما ذكر.
٦ - وأما أن المراد بالمتبايعين المتساومان فهو مجاز لا يلجأ إليه إلا عند تعذر الحقيقة، فالأصل الحمل على الحقيقة حتى يقوم الدليل على خلافه.
وأخيرًا قال الحافظ ابن حجر: قال ابن عبد البر: قد أكثر المالكية والحنفية من الاحتجاج لرد هذا الحديث بما يطول ذكره، وأكثره لا يحصل منه شيء. واللَّه أعلم.
-[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]-
١ - من قوله في الرواية الأولى "إلا بيع الخيار" وقوله في الرواية الثالثة "أو يكون بيعهما عن خيار" أخذت مشروعية خيار الشرط.
٢ - وأخذ من عدم تحديد مدته في الحديث أنه لا يتقيد بأيام، بل يفوض الأمر فيه إلى الحاجة، لتفاوت السلع في ذلك، وذهب الشافعية والحنفية إلى أن أمده ثلاثة أيام، واحتج لهم بما رواه البيهقي عن ابن عمر مرفوعًا "الخيار ثلاثة أيام".
وأنكر مالك التوقيت في خيار الشرط، وتحديد غايته بثلاثة أيام. قال: نعم هي في الغالب يمكن الاختيار فيها، لكن لكل شيء أمد بحسبه، يتخير فيه، فللدابة مثلاً وللثوب يوم أو يومان، وللجاريه جمعة، وللدار شهر.
وقال الأوزاعي: يمتد الخيار شهرًا وأكثر، بحسب الحاجة إليه.
وقال الثوري: يختص الخيار بالمشتري، ويمتد له إلى عشرة أيام وأكثر.
٣ - من قوله في الرواية الثانية "أو يخير أحدهما الآخر، فإن خير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع" قال النووي: فإن خير أحدهما الآخر، فسكت لم ينقطع خيار الساكت، وفي انقطاع خيار القائل وجهان لأصحابنا، أصحهما الانقطاع، لظاهر الحديث.
стр. 3317
٤ - فسر بعضهم قوله في الرواية الأولى: "إلا بيع الخيار" بأن معناه إلا بيعًا شرط فيه أن لا خيار لهما في المجلس، واستدل به على لزوم البيع وصحته على ذلك. قال النووي: والأصح عند أصحابنا بطلانه بهذا الشرط.
٥ - من قوله في الرواية الخامسة "فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محق بركة بيعهما" فضل الصدق، والحث عليه، وذم الكذب والحث على منعه.
٦ - وأن الكذب سبب لذهاب البركة.
٧ - وأن عمل الآخرة يحصل خيري الدنيا والآخرة.
٨ - وحصول البركة للمتبايعين إن حصل منها الصدق والتبيين.
٩ - ومحق البركة لهما إن لم يحصل منها الصدق والتبيين.
١٠ - وأن الدنيا لا يتم حصولها إلا بالعمل الصالح.
١١ - وأن شؤم المعاصي يذهب بخير الدنيا والآخرة.
١٢ - ومن الرواية السادسة: كراهة الخداع في البيع.
١٣ - واستدل بهذا الحديث على: أنه يرد بالغبن الفاحش، لمن لم يعرف قيمة السلعة. وهو مذهب أحمد وأحد قولي مالك. وتعقب: بأنه ﷺ إنما جعل له الخيار لضعف عقله، ولو كان الغبن في نفسه يؤدي إلى الفسخ لما احتاج إلى شرط الخيار. وقال ابن العربي: قصة هذا الرجل ليست قصة عامة، وإنما هي خاصة، في واقعة عين، فيحتج بها في حق من كان بصفة الرجل، فلا يحتج بها في مسألة الغبن مطلقًا.
١٤ - واستدل به على أن من قال عند العقد: لا خلابة. أنه يصير في تلك الصفقة بالخيار سواء وجد فيه عيبًا أو غبنًا أم لا، وبالغ ابن حزم في جموده، فقال: لو قال: لا خديعة أو لا غش، أو ما أشبه ذلك لم يكن له الخيار، حتى يقول: لا خلابة. قال الحافظ ابن حجر: ومن أسهل ما يرد به عليه ما ثبت في صحيح مسلم من أن الرجل كان يقول "لا خيابة" بالياء بدل اللام، ومع ذلك لم يتغير الحكم في حقه عند أحد من الصحابة الذين كانوا يشهدون له بأن النبي ﷺ جعله بالخيار، فدل على أنهم اكتفوا في ذلك بالمعنى.
١٥ - واستدل به على أن الكبير لا يحجر عليه ولو تبين سفهه، لما في بعض طرق الحديث أن أهله أتوا النبي ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله احجر عليه. فدعاه، فنهاه عن البيع، فقال: لا أصبر عنه فقال: إذا بايعت فقل: لا خلابة.
ورد هذا الاستدلال بأنه لو كان الحجر على الكبير لا يصح لأنكر عليهم، أما كونه لم يحجر عليه فلا يدل على منع الحجر على السفيه.
стр. 3318
١٦ - واستدل به على جواز البيع بشرط الخيار.
١٧ - وعلى جواز شرط الخيار للمشتري وحده.
١٨ - وفيه ما كان عليه أهل هذا العصر من الرجوع إلى الحق.
١٩ - وفيه قبول خبر الواحد في الحقوق وغيرها.
واللَّه أعلم
стр. 3319
(٤٠٧) باب النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها وعن بيع المزابنة والترخيص في العرايا والنهي عن بيع المحاقلة والمخابرة والمعاومة والسنين والاستثناء
٣٤٠٩ - عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحها. نهى البائع والمبتاع.
٣٤١٠ - عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع النخل حتى يزهو وعن السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة. نهى البائع والمشتري.
٣٤١١ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "لا تبتاعوا الثمر حتى يبدو صلاحه وتذهب عنه الآفة" قال: يبدو صلاحه، حمرته وصفرته.
٣٤١٢ - عن عبد الله بن دينار أنه سمع ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ "لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحه".
٣٤١٣ - - وزاد في حديث شعبة فقيل لابن عمر: ما صلاحه؟ قال تذهب عاهته.
٣٤١٤ - عن جابر ﵁ قال: نهى (أو نهانا) رسول الله ﷺ عن بيع الثمر حتى يطيب.
стр. 3320
٣٤١٥ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه.
٣٤١٦ - عن أبي البختري قال سألت ابن عباس عن بيع النخل؟ فقال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع النخل حتى يأكل منه أو يؤكل. وحتى يوزن. قال: فقلت: ما يوزن؟ فقال رجل عنده: حتى يحزر.
٣٤١٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لا تبتاعوا الثمار حتى يبدو صلاحها".
٣٤١٨ - عن ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه وعن بيع الثمر بالتمر.
٣٤١٩ - - قال ابن عمر: وحدثنا زيد بن ثابت، أن رسول الله ﷺ رخص في بيع العرايا. زاد ابن نمير في روايته: أن تباع.
٣٤٢٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لا تبتاعوا الثمر حتى يبدو صلاحه. ولا تبتاعوا الثمر بالتمر".
٣٤٢١ - عن سعيد بن المسيب ﵁: أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع المزابنة والمحاقلة. والمزابنة أن يباع ثمر النخل بالتمر. والمحاقلة أن يباع الزرع بالقمح. واستكراء الأرض بالقمح قال: وأخبرني سالم بن عبد الله عن رسول الله ﷺ أنه قال "لا تبتاعوا الثمر حتى يبدو صلاحه ولا تبتاعوا الثمر بالتمر". وقال سالم: أخبرني عبد الله عن
стр. 3321
زيد بن ثابت، عن رسول الله ﷺ أنه رخص بعد ذلك في بيع العرية بالرطب أو بالتمر. ولم يرخص في غير ذلك.
٣٤٢٢ - عن زيد بن ثابت ﵁: أن رسول الله ﷺ رخص لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها من التمر.
٣٤٢٣ - عن زيد بن ثابت ﵁: أن رسول الله ﷺ رخص في العرية يأخذها أهل البيت بخرصها تمرًا. يأكلونها رطبًا.
٣٤٢٤ - وفي رواية عن يحيى بن سعيد بهذا الإسناد غير أنه قال والعرية النخلة تجعل للقوم فيبيعونها بخرصها تمرًا.
٣٤٢٥ - عن زيد بن ثابت ﵁: أن رسول الله ﷺ رخص في بيع العرية بخرصها تمرًا. قال يحيى: العرية أن يشتري الرجل ثمر النخلات لطعام أهله رطبًا، بخرصها تمرًا.
٣٤٢٦ - عن زيد بن ثابت ﵁: أن رسول الله ﷺ رخص في العرايا أن تباع بخرصها كيلاً.
٣٤٢٧ - وفي رواية بهذا الإسناد وقال: أن تؤخذ بخرصها.
٣٤٢٨ - عن نافع، بهذا الإسناد، أن رسول الله ﷺ رخص في بيع العرايا بخرصها.
٣٤٢٩ - عن بشير بن يسار عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ من أهل دارهم. منهم سهل بن أبي حثمة؛ أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمر بالتمر. وقال "ذلك الربا،
стр. 3322
تلك المزابنة" إلا أنه رخص في بيع العرية. النخلة والنخلتين يأخذها أهل البيت بخرصها تمرًا. يأكلونها رطبًا.
٣٤٣٠ - عن بشير بن يسار عن أصحاب رسول الله ﷺ أنهم قالوا: رخص رسول الله ﷺ في بيع العرية بخرصها تمرًا.
٣٤٣١ - عن بشير بن يسار عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ من أهل داره؛ أن رسول الله ﷺ نهى فذكر بمثل حديث سليمان بن بلال عن يحيى. غير أن إسحق وابن المثنى جعلا (مكان الربا) الزبن. وقال ابن أبي عمر: الربا.
٣٤٣٢ - عن بشير بن يسار مولى بني حارثة؛ أن رافع بن خديج وسهل بن أبي حثمة حدثاه أن رسول الله ﷺ نهى عن المزابنة. الثمر بالتمر. إلا أصحاب العرايا. فإنه قد أذن لهم.
٣٤٣٣ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ رخص في بيع العرايا بخرصها فيما دون خمسة أوسق أو في خمسة (يشك داود قال: خمسة أو دون خمسة)؟ قال: نعم.
٣٤٣٤ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ نهى عن المزابنة. والمزابنة بيع الثمر بالتمر كيلاً. وبيع الكرم بالزبيب كيلاً.
٣٤٣٥ - عن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن المزابنة، بيع ثمر النخل بالتمر كيلاً، وبيع العنب بالزبيب كيلاً، وبيع الزرع بالحنطة كيلاً.
стр. 3323
٣٤٣٦ - عن ابن عمر ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة. والمزابنة بيع ثمر النخل بالتمر كيلاً. وبيع الزبيب بالعنب كيلاً. وعن كل ثمر بخرصه.
٣٤٣٧ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ نهى عن المزابنة. والمزابنة أن يباع ما في رءوس النخل بتمر، بكيل مسمى. إن زاد فلي، وإن نقص فعلي.
٣٤٣٨ - عن عبد الله ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة: أن يبيع ثمر حائطه، إن كانت نخلاً، بتمر كيلاً. وإن كان كرمًا، أن يبيعه بزبيب كيلاً. وإن كان زرعًا، أن يبيعه بكيل طعام. نهى عن ذلك كله.
٣٤٣٩ - - وفي رواية قتيبة: أو كان زرعًا.
٣٤٤٠ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "من باع نخلاً قد أبرت، فثمرتها للبائع. إلا أن يشترط المبتاع".
٣٤٤١ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "أيما نخل اشترى أصولها وقد أبرت، فإن ثمرها للذي أبرها. إلا أن يشترط الذي اشتراها".
٣٤٤٢ - عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال "أيما امرئ أبر نخلاً، ثم باع أصلها، فللذي أبر ثمر النخل. إلا أن يشترط المبتاع".
стр. 3324
٣٤٤٣ - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول "من ابتاع نخلاً بعد أن تؤبر فثمرتها للذي باعها. إلا أن يشترط المبتاع. ومن ابتاع عبدًا فماله للذي باعه. إلا أن يشترط المبتاع".
٣٤٤٤ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمزابنة والمخابرة. وعن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه. ولا يباع إلا بالدينار والدرهم. إلا العرايا.
٣٤٤٥ - عن جابر بن عبد الله ﵄؛ أن رسول الله ﷺ نهى عن المخابرة والمحاقلة والمزابنة. وعن بيع الثمرة حتى تطعم. ولا تباع إلا بالدراهم والدنانير. إلا العرايا. قال عطاء: فسر لنا جابر قال: أما المخابرة فالأرض البيضاء يدفعها الرجل إلى الرجل فينفق فيها، ثم يأخذ من الثمر. وزعم أن المزابنة بيع الرطب في النخل بالتمر كيلاً. والمحاقلة في الزرع على نحو ذلك. يبيع الزرع القائم بالحب كيلاً.
٣٤٤٦ - عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ نهى عن المحاقلة والمزابنة والمخابرة. وأن تشترى النخل حتى تشقه. (والإشقاه أن يحمر أو يصفر أو يؤكل منه شيء) والمحاقلة أن يباع الحقل بكيل من الطعام معلوم. والمزابنة أن يباع النخل بأوساق من التمر. والمخابرة الثلث والربع وأشباه ذلك.
стр. 3325
٣٤٤٧ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة والمحاقلة والمخابرة. وعن بيع الثمرة حتى تشقح. قال: قلت لسعيد: ما تشقح؟ قال تحمار وتصفار ويؤكل منها.
٣٤٤٨ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمزابنة والمعاومة والمخابرة (قال أحدهما: بيع السنين هي المعاومة) وعن الثنيا ورخص في العرايا.
٣٤٤٩ - - وفي رواية عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ ، بمثله. غير أنه لا يذكر: بيع السنين هي المعاومة.
٣٤٥٠ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن كراء الأرض. وعن بيعها السنين. وعن بيع الثمر حتى يطيب.
-[المعنى العام]-
البيوع ومبادلة السلعة بالمال، والسلعة بالسلعة، والمال بالمال معاملات بين البشر منذ عمرت بهم الأرض، وهي ضرورة من ضرورات حياتهم، فقد يملك الواحد شيئًا، أو أشياء، ويحتاج غير ما يملك، ونزل قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ [البقرة: ٢٧٥] والعرب يتعاملون معاملات شتى، بعضها ربا، وبعضها بيع، وبعضها ليس بيعًا ولا ربًا، فبينت السنة للناس ما نزل إليهم، وميزت البيع من الربا، والبيع الفاسد من البيع الصحيح، وكان الهدف الأساسي من التشريع حماية كل من المتعاملين من الغرر والغش والخداع والقمار لتحقيق مصلحة المتبايعين قدر الإمكان، وهذه الأحاديث تضع القوانين الحكيمة لبعض المعاملات التي كانت سائدة.
وأول هذه القوانين: النهي عن بيع الثمار قبل أن تأمن الآفة، ويبدو صلاحهما وعلامات قرب نضجها من صفرة أو حمرة أو غيرهما، لأنها لو بيعت قبل بدو الصلاح لم يؤمن عليها من الآفة، فتقع الخصومة، فإن تحملها المشتري أكل البائع الثمن دون مقابل.
стр. 3326
وثانيها: بيع المجهول بالمعلوم، وبيع الثمار على شجرها تخمينًا لمقاديرها بمقادير معلومة من نفس هذه الثمار جافة على الأرض. ولما كانت حياة القوم تقوم على النخل وثمره إلى حد كبير، وكان بعضهم يملك تمرًا ويحتاج رطبًا، وبعضهم يملك رطبًا ويحتاج تمرًا رخص لهم في بيع ثمر النخل على نخله تخمينًا لمقداره بقدر معين من التمر.
وثالث هذه القوانين: النهي عن بيع الزرع في سنبله بكيل معلوم من القمح، ونهي عن كراء الأرض مقابل جزء مما يخرج منها، ونهي عن بيع ثمر الشجر عامين أو أكثر، لأنه بيع مجهول وغير مملوك للبائع، كما نهي عن استثناء المجهول من قدر مجهول، فإن جهالة أحد العوضين يفسد البيع. وهكذا تحاول الشريعة الإسلامية أن تغلق أبواب الشر والغرر والخداع، وأن تحقق الأمن والأمان والعدالة والتوازن بين الحقوق.
-[المباحث العربية]-
(نهي عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحها) قال أهل اللغة: الثمر بفتح الثاء والميم جمع ثمرة، كخشب جمع خشبة، وجمع الجمع ثمر بضم الثاء والميم، وجمع جمع الجمع أثمار. والثمر حمل الشجر مطلقًا، نخل أو غيره كالعنب والرمان والتفاح والبرتقال والخوخ، وأما التمر بالتاء المثناة فثمرة النخل في حالة معينة، كالزبيب للكرم.
وبدو الصلاح - بضم الدال وتشديد الواو - ظهوره، قال النووي: وقع في كثير من كتب المحدثين وغيرهم "حتى يبدوا" بالألف في الخط، وهو خطأ، والصواب حذفها في مثل هذا. والواو مفتوحة، والفعل منصوب بحتى، ومثله "يزهو" في الرواية الثانية. يقال: زها النخل يزهو إذا ظهرت ثمرته، وأزهى إذا احمر أو اصفر. قال الخطابي: هكذا يروى "حتى يزهو" قال: والصواب "حتى يزهى" والإزهاء في الثمر أن يحمر أو يصفر، وذلك علامة الصلاح فيها، ودليل صلاحها من الآفة. اهـ. وقال ابن الأثير: منهم من أنكر "يزهي" كما أن منهم من أنكر "يزهو" وقال الجوهري: الزهو - بفتح الزاي - وأهل الحجاز يضمونها - وهو البسر الملون، يقال إذا ظهرت الحمرة أو الصفرة في النخل: ظهر فيه الزهو، وقد زها النخل زهوًا، وأزهى لغة. قال النووي: هذه أقوال أهل العلم فيه، ويحصل من مجموعها جواز ذلك كله. اهـ.
وفي رواية للبخاري عن أنس "حتى يزهو. قيل: وما يزهو؟ قال: يحمار أو يصفار" وفي رواية "قلنا لأنس: ما زهوها؟ قال: تحمر" وفي رواية للنسائي "قيل يا رسول الله، وما تزهي؟ قال: تحمر" وظاهره أن هذا التفسير مرفوع.
وفي الرواية الثالثة عطف على "حتى يبدو صلاحه" "وتذهب عنه الآفة" وهما متلازمان غالبًا، ولذا جاء في ملحق الرواية الرابعة تفسير ابن عمر لبدو الصلاح بذهاب العاهة، أي يأمن العاهة، كما جاء في الرواية الثانية. وهي الآفة التي تصيب الثمر أو الزرع فتفسده.
стр. 3327
وقد فسرت حالة بدو صلاح ثمر النخل في الرواية السابعة بقوله "حتى يأكل منه (صاحبه) أو يؤكل (أي يصلح للأكل) وحتى يوزن. قال: فقلت. ما يوزن؟ قال الرجل عنده حتى يحرز" بضم الياء وفتح الزاء، بينهما حاء ساكنة، أي يخرص ويقدر، قال النووي: ووقع في بعض الأصول بتقديم الراء على الزاي، وهو تصحيف. اهـ. وهذه أوصاف لازمة لبدو الصلاح غالبًا، ومثلها قوله في الرواية الثانية "وعن السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة"، كما عبر عن هذه الحالة في الرواية الخامسة بقوله "حتى يطيب" وعبر عنها في الرواية الثانية والثلاثين بقوله "حتى تشقه" والهاء فيه بدل من الحاء في "تشقح" بضم التاء وسكون الشين وكسر القاف فيهما، وقد فسر الراوي الإشقاه والإشقاح بالاحمرار والاصفرار، والمراد تغير اللون يسيرًا إلى الحمرة أو الصفرة أو غيرهما، وليس المراد حقيقة الحمرة والصفرة وكمالهما، هذا. وبدو الصلاح متفاوت بتفاوت الأثمار، فيبدو صلاح التين بأن يطيب وتوجد فيه الحلاوة، ويظهر السواد في أسوده، والبياض في أبيضه، وكذلك العنب الأسود، بدو صلاحه أن ينحو أسوده إلى السواد، وأن ينحو أبيضه إلى البياض، مع النضج، وكذلك الزيتون بدو صلاحه أن ينحو إلى السواد، وبدو صلاح القثاء والفقوس أن ينعقد، ويبلغ مبلغًا يوجد له طعم، وأما البطيخ فإنه ينحو ناحية الاصفرار والطيب، وأما الموز فقيل: إذا بلغ في شجره قبل أن يطيب، فإنه لا يطيب حتى ينزع. وهكذا، والعرف في ذلك مشهور. وليست هذه الحالة مانعة للآفة، فقد تحصل الآفة بعدها، ولكنها الحالة التي يغلب عندها أمن الآفة، وليس استحالتها. وسيأتي في فقه الحديث حكمة هذا التشريع.
(نهي البائع والمبتاع) أي والمشتري، كما صرح به في الرواية الثانية، أي نهي البائع عن الإقدام على بيع ثمرته قبل بدو صلاحها، لئلا يعرض نفسه لأكل مال الغير، لو تلفت الثمرة، ونهي المشتري عن أن يقدم على شراء الثمرة قبل بدو صلاحها، لئلا يعرض ماله للضياع، لو تلفت الثمرة، وقد نهي عن إضاعة المال. وقد وجه النهي إلى المشترين في الرواية الثالثة والثامنة والعاشرة "لا تبتاعوا" ووجهه إلى البائعين في الرواية الرابعة "لا تبيعوا".
(عن أبي البختري) قال النووي: هو بفتح الباء وإسكان الخاء وفتح التاء، واسمه سعيد بن عمران، من أفاضل أهل الكوفة، قتل سنة ثلاث وثمانين، ورجح النووي توثيقه، ورد تضعيف الحاكم له.
(عن بيع النخل) أي عن بيع ثمر النخل، وليس المراد أصول النخل، لأن الأصول تباع، وثمرها على أي حالة تابعة له.
(وعن بيع الثمر بالتمر) أي عن بيع ثمر النخل حالة كونه بسرًا أو رطبًا بتمر، وليس المراد أي ثمار، فإن سائر الثمار - غير ثمر النخل - يجوز بيعها بالتمر. وكان هذا النهي قبل الترخيص بالعرية، كما سيأتي. ولذلك ألحقه ابن عمر بحديث زيد بن ثابت "رخص في بيع العرايا".
стр. 3328
(رخص في بيع العرايا) جمع "عرية" بفتح العين وكسر الراء وتشديد الياء المفتوحة، كمطايا جمع مطية، وضحايا جمع ضحية، مشتقة من التعري، وهو التجرد، لأنها عريت عن حكم باقي البستان. قال الأزهري: هي فعيلة بمعنى فاعلة، (أي قام بها التعري) وقال الهروي: فعيلة بمعنى مفعولة، من عراه يعروه، إذا أتاه وتردد إليه، لأن صاحبها يتردد إليها، وقيل: سميت بذلك لتخلي صاحبها الأول عنها من بين سائر نخله. والمراد من العرية هنا النخلة أو النخلات عليها رطب، يحتاج صاحبها تمرًا، أو يحتاج صاحب تمر رطبها، فيخرص ما عليها من رطب - أي يخمن ويقدر، فيقال: فيها الآن من الأوسق كذا، فإذا يبس كان من الأوسق كذا وكذا، فيدفع صاحب التمر تمره على الأرض ويخلي صاحب النخلة بينه وبينها. ولها صور كثيرة يختلف فيها الفقهاء، ستأتي في فقه الحديث. فالمراد من "رخص في بيع العرايا" أي في بيع ثمرتها، لا في بيع رقبتها، فإن بيع الرقبة لا شيء فيه، والرخصة استثناء من أصل للحاجة. وقد جاء تفسير بعض صورها في الروايات، ففي الرواية الثانية عشرة "رخص لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها من التمر" وفي الثالثة عشرة "رخص في العرية، يأخذها أهل البيت بخرصها تمرًا، يأكلونها رطبًا" وفي ملحقها "والعرية النخلة، تجعل للقوم، فيبيعونها بخرصها تمرًا" ويقصد بهذه الصورة أن رطب النخلة يوهب لقوم، وهم يحتاجون التمر، لا يحتاجون الرطب، فيبيعون رطبها على رأسها خرصًا بتمر على الأرض كيلاً. وفي ملحق الرابعة عشرة "العرية أن يشتري الرجل ثمر النخلات لطعام أهله رطبًا، بخرصها تمرًا" وفي الرواية السادسة عشرة "رخص في بيع العرية، النخلة والنخلتين، يأخذها أهل البيت بخرصها تمرًا، يأكلونها رطبًا".
(بشير بن يسار) قال النووي: بضم الباء وفتح الشين. مدني أنصاري. كان شيخًا كبيرًا فقيهًا، أدرك عامة أصحاب رسول الله ﷺ ، وكان قليل الحديث.
(من أهل دارهم) يعني بني حارثة، والمراد من الدار المحلة.
(عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ ذكر منهم في الرواية التاسعة عشرة رافع بن خديج، وسهل بن أبي حثمة.
(ذلك الربا - ذلك الزبن) بفتح الزاي وسكون الباء، وهو الدفع.
(تلك المزابنة) مفاعلة من الزبن. والمراد منها هنا شراء ثمر النخل على رءوس النخل خرصًا بالتمر على الأرض كيلاً، وهل يلحق الكرم وغيره بالنخل؟ ظاهر الروايات ذلك، وسيأتي في فقه الحديث، وسمي هذا البيع المخصوص بالمزابنة، لما فيه من الغرر الذي يوقع كلاً من المتبايعين في المخاصمة والمدافعة عما يراه حقًا له.
(فيما دون خمسة أوسق - أو في خمسة) شك من الراوي. و"أوسق" جمع وسق بفتح الواو وضمها، ويقال بكسرها، والفتح أفصح، ويقال في الجمع أيضًا: أوساق ووسوق، والوسق في الأصل. ضم
стр. 3329
الشيء بعضه إلى بعض، وقدره ستون صاعًا، والصاع خمسة أرطال وثلث بالبغدادي، وكان كيلاً معروفًا ووزنه يختلف من مكيل إلى مكيل من الحبوب والثمار، وكان كيل الصاع نحو أربع حفنات بحفنات رجل معتدل.
(من باع نخلاً قد أبرت) بضم الهمزة وتشديد الباء المكسورة وفتح الراء، مبني للمجهول، يقال: أبرت النخل بالفتح والتخفيف آبره أبرًا مثل أكلت اللحم آكله أكلاً، ويقال: أبرت النخل، بالتشديد، أؤبره تأبيرًا، كعلمته أعلمه تعليمًا، وتأبير النخل أن يشق طلع النخلة، ويطرح فيه شيء من طلع ذكر النخل.
(نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة، والمزابنة، والمخابرة) المحاقلة فسرها في الرواية الواحدة والثلاثين. ببيع الزرع القائم بالحب كيلاً، وقيل: بيع الطعام في سنبله بالبر، مأخوذ من الحقل، والمنهي عنه بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وقيل: بيع ما في رءوس النخل بالتمر، وقيل: كراء الأرض بالحنطة، أو بكيل طعام أو إدام. قال الحافظ ابن حجر: والمشهور أن المحاقلة كراء الأرض ببعض ما تنبت. اهـ. فعلى المشهور الذي ذكره تكون المحاقلة والمخابرة شيئًا واحدًا. قال النووي: المخابرة والمزارعة متقاربتان وهما المعاملة على الأرض ببعض ما يخرج منها من الزرع، كالثلث والربع وغير ذلك من الأجزاء المعلومة، لكن في المزارعة يكون البذر من مالك الأرض، وفي المخابرة يكون البذر من العامل، وقال بعض أصحابنا وجماعة من أهل اللغة وغيرهم: هما بمعنى، قالوا: والمخابرة مشتقة من الخبر، وهو الأكار، أي الفلاح. هذا قول الجمهور، وقيل: مشتقة من الخبار، وهي الأرض اللينة، وقيل: من الخبرة بضم الخاء، وهي النصيب، وقال ابن الأعرابي: مأخوذة من خيبر، لأن أول هذه المعاملة كان فيها.
(وعن المعاومة) فسرها الراوي ببيع السنين، ومعناه أن يبيع ثمر الشجر عامين أو ثلاثة أو أكثر، وسيأتي حكمه في فقه الحديث.
(وعن الثنيا) بضم الثاء وسكون النون بعدها ياء، وهي الاستثناء في البيع، كقوله: بعتك هذه الكومة إلا بعضها، وهذه الأشجار إلا بعضها، وسيأتي الحكم في فقه الحديث.
-[فقه الحديث]-
تتعرض هذه الأحاديث إلى ثمان نقاط:
بيع الثمار قبل بدو صلاحها - وبيع المزابنة أو بيع الرطب حرصًا بالتمر كيلاً - والترخيص في العرايا - وبيع المحاقلة - وبيع المخابرة - وبيع المعاومة أو بيع السنين - وبيع الثنيا، وبيع النخل بثمره.
١ - أما عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها وبعده فله حالات:
стр. 3330
الأولى: بيع الثمار قبل بدو صلاحها بشرط قطعها، وهو صحيح عند عامة العلماء، وقال الثوري وابن أبي ليلى بأنه باطل. دليلهما ظاهر العموم في الأحاديث، ودليل عامة العلماء الإجماع، ولأن علة المنع أن الثمرة قد تتلف بعد البيع وقبل النضج، بل هي معرضة لذلك كثيرًا، فيكون البائع قد أكل مال أخيه، فإذا شرط القطع انتفى هذا الضرر، فلو شرط القطع. ثم لم يقطع فالبيع صحيح، ويلزمه البائع بالقطع.
الثانية: بيع الثمار قبل بدو صلاحها مطلقًا، بشرط بقائها على شجرها، وهو باطل عند عامة العلماء، وقال يزيد بن أبي حبيب: يجوز.
الثالثة: بيع الثمار قبل بدو صلاحها مطلقًا، بدون شرط القطع وبدون شرط الإبقاء، ومذهب الشافعي وأحمد والجمهور ورواية عن مالك أن البيع باطل، لإطلاق هذه الأحاديث، وإنما صححوه بشرط القطع للإجماع، فخصصوا الأحاديث بالإجماع فيما إذا شرط القطع، ولأن العادة في الثمار الإبقاء، فصار الإبقاء كأنه مشروط وإن لم يذكر، فحكمه حكم ما شرط فيه البقاء.
وقال أكثر الحنفية إن البيع صحيح ما دام لم يشترط التبقية، وحملوا النهي على بيع الثمار قبل أن توجد أصلاً، أو أن النهي للتنزيه.
الرابعة: بيع الثمار بعد بدو صلاحها. ومذهب الشافعي ومالك وأحمد جواز بيعها مطلقًا، سواء شرط القطع، أو شرط التبقية، أو لم يشترط، لمفهوم هذه الأحاديث، ولأن ما بعد الغاية يخالف ما قبلها، إذا لم يكن من جنسها، ولأن الغالب فيها السلامة، بخلاف ما قبل الصلاح.
وقال أبو حنيفة: إن شرط إبقاءها على شجرها لم يصح البيع، وإن لم يشترط إبقاءها صح هذا. ثم قال النووي: ثم إذا بيعت بشرط التبقية أو مطلقًا يلزم البائع بسقايتها إلى أوان الجذاذ، لأن ذلك هو العادة فيها.
ثم قال: ومذهب مالك والكوفيين وأكثر العلماء أنه يجوز بيع السنبل المشتد -وتؤيدهم روايتنا الثانية- قال: وأما مذهبنا ففيه تفصيل، فإن كان السنبل شعيرًا أو ذرة أو ما في معناهما، مما ترى حباته، جاز بيعه، وإن كان حنطة ونحوها مما تستر حباته بالقشور التي تزال بالدياس ففيه قولان للشافعي ﵁، الجديد أنه لا يصح، وهو أصح قوليه، والقديم أنه يصح. وأما قبل الاشتداد فلا يصح بيع الزرع إلا بشرط القطع كما ذكرنا، وإذا باع الزرع قبل الاشتداد مع الأرض بلا شرط جاز، تبعًا للأرض، وكذا الثمر قبل بدو الصلاح إذا بيع مع الشجر جاز بلا شرط تبعًا، وهكذا حكم البقول في الأرض، لا يجوز بيعها في الأرض، دون الأرض إلا بشرط القطع. قال: وفروع المسألة كثيرة. اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر: واختلف السلف في قوله "حتى يبدو صلاحها" هل المراد به جنس الثمار، حتى لو بدا الصلاح في بستان من البلد مثلاً جاز بيع ثمرة جميع البساتين، وإن لم يبد الصلاح فيها؟ أو لا بد من بدو الصلاح في كل بستان على حدة؟ أو لا بد من بدو الصلاح في كل جنس على حدة؟ أو في كل شجرة على حدة؟ الأول قول الليث، وهو عند المالكية بشرط أن يكون الصلاح
следующие страницы →