← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

وثانيها: بيع المجهول بالمعلوم، وبيع الثمار على شجرها تخمينًا لمقاديرها بمقادير معلومة من نفس هذه الثمار جافة على الأرض. ولما كانت حياة القوم تقوم على النخل وثمره إلى حد كبير، وكان بعضهم يملك تمرًا ويحتاج رطبًا، وبعضهم يملك رطبًا ويحتاج تمرًا رخص لهم في بيع ثمر النخل على نخله تخمينًا لمقداره بقدر معين من التمر. وثالث هذه القوانين: النهي عن بيع الزرع في سنبله بكيل معلوم من القمح، ونهي عن كراء الأرض مقابل جزء مما يخرج منها، ونهي عن بيع ثمر الشجر عامين أو أكثر، لأنه بيع مجهول وغير مملوك للبائع، كما نهي عن استثناء المجهول من قدر مجهول، فإن جهالة أحد العوضين يفسد البيع. وهكذا تحاول الشريعة الإسلامية أن تغلق أبواب الشر والغرر والخداع، وأن تحقق الأمن والأمان والعدالة والتوازن بين الحقوق. -[المباحث العربية]- (نهي عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحها) قال أهل اللغة: الثمر بفتح الثاء والميم جمع ثمرة، كخشب جمع خشبة، وجمع الجمع ثمر بضم الثاء والميم، وجمع جمع الجمع أثمار. والثمر حمل الشجر مطلقًا، نخل أو غيره كالعنب والرمان والتفاح والبرتقال والخوخ، وأما التمر بالتاء المثناة فثمرة النخل في حالة معينة، كالزبيب للكرم. وبدو الصلاح - بضم الدال وتشديد الواو - ظهوره، قال النووي: وقع في كثير من كتب المحدثين وغيرهم "حتى يبدوا" بالألف في الخط، وهو خطأ، والصواب حذفها في مثل هذا. والواو مفتوحة، والفعل منصوب بحتى، ومثله "يزهو" في الرواية الثانية. يقال: زها النخل يزهو إذا ظهرت ثمرته، وأزهى إذا احمر أو اصفر. قال الخطابي: هكذا يروى "حتى يزهو" قال: والصواب "حتى يزهى" والإزهاء في الثمر أن يحمر أو يصفر، وذلك علامة الصلاح فيها، ودليل صلاحها من الآفة. اهـ. وقال ابن الأثير: منهم من أنكر "يزهي" كما أن منهم من أنكر "يزهو" وقال الجوهري: الزهو - بفتح الزاي - وأهل الحجاز يضمونها - وهو البسر الملون، يقال إذا ظهرت الحمرة أو الصفرة في النخل: ظهر فيه الزهو، وقد زها النخل زهوًا، وأزهى لغة. قال النووي: هذه أقوال أهل العلم فيه، ويحصل من مجموعها جواز ذلك كله. اهـ. وفي رواية للبخاري عن أنس "حتى يزهو. قيل: وما يزهو؟ قال: يحمار أو يصفار" وفي رواية "قلنا لأنس: ما زهوها؟ قال: تحمر" وفي رواية للنسائي "قيل يا رسول الله، وما تزهي؟ قال: تحمر" وظاهره أن هذا التفسير مرفوع. وفي الرواية الثالثة عطف على "حتى يبدو صلاحه" "وتذهب عنه الآفة" وهما متلازمان غالبًا، ولذا جاء في ملحق الرواية الرابعة تفسير ابن عمر لبدو الصلاح بذهاب العاهة، أي يأمن العاهة، كما جاء في الرواية الثانية. وهي الآفة التي تصيب الثمر أو الزرع فتفسده.

стр. 3327

وقد فسرت حالة بدو صلاح ثمر النخل في الرواية السابعة بقوله "حتى يأكل منه (صاحبه) أو يؤكل (أي يصلح للأكل) وحتى يوزن. قال: فقلت. ما يوزن؟ قال الرجل عنده حتى يحرز" بضم الياء وفتح الزاء، بينهما حاء ساكنة، أي يخرص ويقدر، قال النووي: ووقع في بعض الأصول بتقديم الراء على الزاي، وهو تصحيف. اهـ. وهذه أوصاف لازمة لبدو الصلاح غالبًا، ومثلها قوله في الرواية الثانية "وعن السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة"، كما عبر عن هذه الحالة في الرواية الخامسة بقوله "حتى يطيب" وعبر عنها في الرواية الثانية والثلاثين بقوله "حتى تشقه" والهاء فيه بدل من الحاء في "تشقح" بضم التاء وسكون الشين وكسر القاف فيهما، وقد فسر الراوي الإشقاه والإشقاح بالاحمرار والاصفرار، والمراد تغير اللون يسيرًا إلى الحمرة أو الصفرة أو غيرهما، وليس المراد حقيقة الحمرة والصفرة وكمالهما، هذا. وبدو الصلاح متفاوت بتفاوت الأثمار، فيبدو صلاح التين بأن يطيب وتوجد فيه الحلاوة، ويظهر السواد في أسوده، والبياض في أبيضه، وكذلك العنب الأسود، بدو صلاحه أن ينحو أسوده إلى السواد، وأن ينحو أبيضه إلى البياض، مع النضج، وكذلك الزيتون بدو صلاحه أن ينحو إلى السواد، وبدو صلاح القثاء والفقوس أن ينعقد، ويبلغ مبلغًا يوجد له طعم، وأما البطيخ فإنه ينحو ناحية الاصفرار والطيب، وأما الموز فقيل: إذا بلغ في شجره قبل أن يطيب، فإنه لا يطيب حتى ينزع. وهكذا، والعرف في ذلك مشهور. وليست هذه الحالة مانعة للآفة، فقد تحصل الآفة بعدها، ولكنها الحالة التي يغلب عندها أمن الآفة، وليس استحالتها. وسيأتي في فقه الحديث حكمة هذا التشريع. (نهي البائع والمبتاع) أي والمشتري، كما صرح به في الرواية الثانية، أي نهي البائع عن الإقدام على بيع ثمرته قبل بدو صلاحها، لئلا يعرض نفسه لأكل مال الغير، لو تلفت الثمرة، ونهي المشتري عن أن يقدم على شراء الثمرة قبل بدو صلاحها، لئلا يعرض ماله للضياع، لو تلفت الثمرة، وقد نهي عن إضاعة المال. وقد وجه النهي إلى المشترين في الرواية الثالثة والثامنة والعاشرة "لا تبتاعوا" ووجهه إلى البائعين في الرواية الرابعة "لا تبيعوا". (عن أبي البختري) قال النووي: هو بفتح الباء وإسكان الخاء وفتح التاء، واسمه سعيد بن عمران، من أفاضل أهل الكوفة، قتل سنة ثلاث وثمانين، ورجح النووي توثيقه، ورد تضعيف الحاكم له. (عن بيع النخل) أي عن بيع ثمر النخل، وليس المراد أصول النخل، لأن الأصول تباع، وثمرها على أي حالة تابعة له. (وعن بيع الثمر بالتمر) أي عن بيع ثمر النخل حالة كونه بسرًا أو رطبًا بتمر، وليس المراد أي ثمار، فإن سائر الثمار - غير ثمر النخل - يجوز بيعها بالتمر. وكان هذا النهي قبل الترخيص بالعرية، كما سيأتي. ولذلك ألحقه ابن عمر بحديث زيد بن ثابت "رخص في بيع العرايا".

стр. 3328

(رخص في بيع العرايا) جمع "عرية" بفتح العين وكسر الراء وتشديد الياء المفتوحة، كمطايا جمع مطية، وضحايا جمع ضحية، مشتقة من التعري، وهو التجرد، لأنها عريت عن حكم باقي البستان. قال الأزهري: هي فعيلة بمعنى فاعلة، (أي قام بها التعري) وقال الهروي: فعيلة بمعنى مفعولة، من عراه يعروه، إذا أتاه وتردد إليه، لأن صاحبها يتردد إليها، وقيل: سميت بذلك لتخلي صاحبها الأول عنها من بين سائر نخله. والمراد من العرية هنا النخلة أو النخلات عليها رطب، يحتاج صاحبها تمرًا، أو يحتاج صاحب تمر رطبها، فيخرص ما عليها من رطب - أي يخمن ويقدر، فيقال: فيها الآن من الأوسق كذا، فإذا يبس كان من الأوسق كذا وكذا، فيدفع صاحب التمر تمره على الأرض ويخلي صاحب النخلة بينه وبينها. ولها صور كثيرة يختلف فيها الفقهاء، ستأتي في فقه الحديث. فالمراد من "رخص في بيع العرايا" أي في بيع ثمرتها، لا في بيع رقبتها، فإن بيع الرقبة لا شيء فيه، والرخصة استثناء من أصل للحاجة. وقد جاء تفسير بعض صورها في الروايات، ففي الرواية الثانية عشرة "رخص لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها من التمر" وفي الثالثة عشرة "رخص في العرية، يأخذها أهل البيت بخرصها تمرًا، يأكلونها رطبًا" وفي ملحقها "والعرية النخلة، تجعل للقوم، فيبيعونها بخرصها تمرًا" ويقصد بهذه الصورة أن رطب النخلة يوهب لقوم، وهم يحتاجون التمر، لا يحتاجون الرطب، فيبيعون رطبها على رأسها خرصًا بتمر على الأرض كيلاً. وفي ملحق الرابعة عشرة "العرية أن يشتري الرجل ثمر النخلات لطعام أهله رطبًا، بخرصها تمرًا" وفي الرواية السادسة عشرة "رخص في بيع العرية، النخلة والنخلتين، يأخذها أهل البيت بخرصها تمرًا، يأكلونها رطبًا". (بشير بن يسار) قال النووي: بضم الباء وفتح الشين. مدني أنصاري. كان شيخًا كبيرًا فقيهًا، أدرك عامة أصحاب رسول الله ﷺ ، وكان قليل الحديث. (من أهل دارهم) يعني بني حارثة، والمراد من الدار المحلة. (عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ ذكر منهم في الرواية التاسعة عشرة رافع بن خديج، وسهل بن أبي حثمة. (ذلك الربا - ذلك الزبن) بفتح الزاي وسكون الباء، وهو الدفع. (تلك المزابنة) مفاعلة من الزبن. والمراد منها هنا شراء ثمر النخل على رءوس النخل خرصًا بالتمر على الأرض كيلاً، وهل يلحق الكرم وغيره بالنخل؟ ظاهر الروايات ذلك، وسيأتي في فقه الحديث، وسمي هذا البيع المخصوص بالمزابنة، لما فيه من الغرر الذي يوقع كلاً من المتبايعين في المخاصمة والمدافعة عما يراه حقًا له. (فيما دون خمسة أوسق - أو في خمسة) شك من الراوي. و"أوسق" جمع وسق بفتح الواو وضمها، ويقال بكسرها، والفتح أفصح، ويقال في الجمع أيضًا: أوساق ووسوق، والوسق في الأصل. ضم

стр. 3329

الشيء بعضه إلى بعض، وقدره ستون صاعًا، والصاع خمسة أرطال وثلث بالبغدادي، وكان كيلاً معروفًا ووزنه يختلف من مكيل إلى مكيل من الحبوب والثمار، وكان كيل الصاع نحو أربع حفنات بحفنات رجل معتدل. (من باع نخلاً قد أبرت) بضم الهمزة وتشديد الباء المكسورة وفتح الراء، مبني للمجهول، يقال: أبرت النخل بالفتح والتخفيف آبره أبرًا مثل أكلت اللحم آكله أكلاً، ويقال: أبرت النخل، بالتشديد، أؤبره تأبيرًا، كعلمته أعلمه تعليمًا، وتأبير النخل أن يشق طلع النخلة، ويطرح فيه شيء من طلع ذكر النخل. (نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة، والمزابنة، والمخابرة) المحاقلة فسرها في الرواية الواحدة والثلاثين. ببيع الزرع القائم بالحب كيلاً، وقيل: بيع الطعام في سنبله بالبر، مأخوذ من الحقل، والمنهي عنه بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وقيل: بيع ما في رءوس النخل بالتمر، وقيل: كراء الأرض بالحنطة، أو بكيل طعام أو إدام. قال الحافظ ابن حجر: والمشهور أن المحاقلة كراء الأرض ببعض ما تنبت. اهـ. فعلى المشهور الذي ذكره تكون المحاقلة والمخابرة شيئًا واحدًا. قال النووي: المخابرة والمزارعة متقاربتان وهما المعاملة على الأرض ببعض ما يخرج منها من الزرع، كالثلث والربع وغير ذلك من الأجزاء المعلومة، لكن في المزارعة يكون البذر من مالك الأرض، وفي المخابرة يكون البذر من العامل، وقال بعض أصحابنا وجماعة من أهل اللغة وغيرهم: هما بمعنى، قالوا: والمخابرة مشتقة من الخبر، وهو الأكار، أي الفلاح. هذا قول الجمهور، وقيل: مشتقة من الخبار، وهي الأرض اللينة، وقيل: من الخبرة بضم الخاء، وهي النصيب، وقال ابن الأعرابي: مأخوذة من خيبر، لأن أول هذه المعاملة كان فيها. (وعن المعاومة) فسرها الراوي ببيع السنين، ومعناه أن يبيع ثمر الشجر عامين أو ثلاثة أو أكثر، وسيأتي حكمه في فقه الحديث. (وعن الثنيا) بضم الثاء وسكون النون بعدها ياء، وهي الاستثناء في البيع، كقوله: بعتك هذه الكومة إلا بعضها، وهذه الأشجار إلا بعضها، وسيأتي الحكم في فقه الحديث. -[فقه الحديث]- تتعرض هذه الأحاديث إلى ثمان نقاط: بيع الثمار قبل بدو صلاحها - وبيع المزابنة أو بيع الرطب حرصًا بالتمر كيلاً - والترخيص في العرايا - وبيع المحاقلة - وبيع المخابرة - وبيع المعاومة أو بيع السنين - وبيع الثنيا، وبيع النخل بثمره. ١ - أما عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها وبعده فله حالات:

стр. 3330

الأولى: بيع الثمار قبل بدو صلاحها بشرط قطعها، وهو صحيح عند عامة العلماء، وقال الثوري وابن أبي ليلى بأنه باطل. دليلهما ظاهر العموم في الأحاديث، ودليل عامة العلماء الإجماع، ولأن علة المنع أن الثمرة قد تتلف بعد البيع وقبل النضج، بل هي معرضة لذلك كثيرًا، فيكون البائع قد أكل مال أخيه، فإذا شرط القطع انتفى هذا الضرر، فلو شرط القطع. ثم لم يقطع فالبيع صحيح، ويلزمه البائع بالقطع. الثانية: بيع الثمار قبل بدو صلاحها مطلقًا، بشرط بقائها على شجرها، وهو باطل عند عامة العلماء، وقال يزيد بن أبي حبيب: يجوز. الثالثة: بيع الثمار قبل بدو صلاحها مطلقًا، بدون شرط القطع وبدون شرط الإبقاء، ومذهب الشافعي وأحمد والجمهور ورواية عن مالك أن البيع باطل، لإطلاق هذه الأحاديث، وإنما صححوه بشرط القطع للإجماع، فخصصوا الأحاديث بالإجماع فيما إذا شرط القطع، ولأن العادة في الثمار الإبقاء، فصار الإبقاء كأنه مشروط وإن لم يذكر، فحكمه حكم ما شرط فيه البقاء. وقال أكثر الحنفية إن البيع صحيح ما دام لم يشترط التبقية، وحملوا النهي على بيع الثمار قبل أن توجد أصلاً، أو أن النهي للتنزيه. الرابعة: بيع الثمار بعد بدو صلاحها. ومذهب الشافعي ومالك وأحمد جواز بيعها مطلقًا، سواء شرط القطع، أو شرط التبقية، أو لم يشترط، لمفهوم هذه الأحاديث، ولأن ما بعد الغاية يخالف ما قبلها، إذا لم يكن من جنسها، ولأن الغالب فيها السلامة، بخلاف ما قبل الصلاح. وقال أبو حنيفة: إن شرط إبقاءها على شجرها لم يصح البيع، وإن لم يشترط إبقاءها صح هذا. ثم قال النووي: ثم إذا بيعت بشرط التبقية أو مطلقًا يلزم البائع بسقايتها إلى أوان الجذاذ، لأن ذلك هو العادة فيها. ثم قال: ومذهب مالك والكوفيين وأكثر العلماء أنه يجوز بيع السنبل المشتد -وتؤيدهم روايتنا الثانية- قال: وأما مذهبنا ففيه تفصيل، فإن كان السنبل شعيرًا أو ذرة أو ما في معناهما، مما ترى حباته، جاز بيعه، وإن كان حنطة ونحوها مما تستر حباته بالقشور التي تزال بالدياس ففيه قولان للشافعي ﵁، الجديد أنه لا يصح، وهو أصح قوليه، والقديم أنه يصح. وأما قبل الاشتداد فلا يصح بيع الزرع إلا بشرط القطع كما ذكرنا، وإذا باع الزرع قبل الاشتداد مع الأرض بلا شرط جاز، تبعًا للأرض، وكذا الثمر قبل بدو الصلاح إذا بيع مع الشجر جاز بلا شرط تبعًا، وهكذا حكم البقول في الأرض، لا يجوز بيعها في الأرض، دون الأرض إلا بشرط القطع. قال: وفروع المسألة كثيرة. اهـ. وقال الحافظ ابن حجر: واختلف السلف في قوله "حتى يبدو صلاحها" هل المراد به جنس الثمار، حتى لو بدا الصلاح في بستان من البلد مثلاً جاز بيع ثمرة جميع البساتين، وإن لم يبد الصلاح فيها؟ أو لا بد من بدو الصلاح في كل بستان على حدة؟ أو لا بد من بدو الصلاح في كل جنس على حدة؟ أو في كل شجرة على حدة؟ الأول قول الليث، وهو عند المالكية بشرط أن يكون الصلاح

стр. 3331

متلاحقًا، والثاني قول أحمد، وعنه رواية كالرابع، والثالث قول الشافعية، ويمكن أن يؤخذ ذلك من التعبير ببدو الصلاح، لأنه دال على الاكتفاء بمسمى الإزهار، من غير اشتراط تكامله، فيؤخذ منه الاكتفاء بزهو بعض الثمرة، وبزهو الشجرة، مع حصول المعنى، وهو الأمن من العاهة، ولولا حصول المعنى لكان تسميتها مزهية بإزهاء بعضها قد لا يكتفي به، لكونه على خلاف الحقيقة، وأيضًا فلو قيل بإزهاء الجميع لأدى إلى فساد الحديقة أو أكثرها، وقد من الله تعالى بكون الثمار لا تطيب دفعة واحدة، ليطول زمن التفكه بها. ٢ - وأما بيع المزابنة: فقد عبر عنه في الرواية التاسعة والعاشرة ببيع التمر بالتمر، وفسرها في الرواية الحادية عشرة بقوله "والمزابنة أن يباع ثمر النخل بالتمر" وفي الرواية السادسة عشرة "نهي عن بيع الثمر بالتمر، وقال: تلك المزابنة" وفي الرواية التاسعة عشرة "نهي عن المزابنة -الثمر بالتمر" وفي الرواية الواحدة والعشرين "نهي عن المزابنة، والمزابنة بيع الثمر بالتمر كيلاً، وبيع الكرم بالزبيب كيلاً" وفي الرواية الثانية والعشرين "نهي عن المزابنة، بيع ثمر النخل بالتمر كيلاً، وبيع العنب بالزبيب كيلاً، وبيع الزرع بالحنطة كيلاً" وفي الرواية الثالثة والعشرين "والمزابنة بيع ثمر النخل بالتمر كيلاً، وبيع الزبيب بالعنب كيلاً، وعن كل ثمر بخرصه" وفي الرواية الرابعة والعشرين "والمزابنة أن يباع ما في رءوس النخل بتمر، بكيل مسمى، إن زاد فلي، وإن نقص فعلي" وفي الرواية الخامسة والعشرين "أن يبيع ثمر حائطه، إن كانت نخلاً بتمر كيلاً، وإن كانت كرمًا أن يبيعه بزبيب كيلاً، وإن كان زرعًا أن يبيعه بكيل طعام "وفي الرواية الثانية والثلاثين" والمزابنة أن يباع النخل بأوساق من التمر". ولا خلاف في أن بيع الرطب على النخل بالتمر كيلاً، وبيع العنب على الكرم بالزبيب كيلاً مزابنة، والخلاف بين العلماء في إلحاق غيرهما من الثمار بهما، فقيل: تختص المزابنة بهما، والجمهور على الإلحاق، أما الشافعي فيلحق بذلك كل بيع مجهول بمجهول وكل بيع مجهول بمعلوم من جنس يجري الربا في نقده، وقال عن مثل الصورة الواردة في الرواية الرابعة والعشرين، ومعناها خرص ما على رءوس النخل، ثم تقديره بكيل محدد، ثم الالتزام بالنقص وأخذ الزيادة، قال: إنها من قبيل القمار، وليس من قبيل المزابنة، والتحقيق أنها قمار ومزابنة. ومن صور المزابنة على هذا بيع الزرع بالحنطة كيلاً. وأما مالك فقد ألحق بهما كل شيء من الجزاف، لا يعلم كيله ولا وزنه ولا عدده إذا بيع بشيء مسمى من الكيل وغيره، سواء كان من جنس يجري الربا في نقده أم لا. وسبب النهي عنده ما يدخله من القمار والغرر، فنظر مالك إلى معنى المزابنة لغة، وهي المدافعة، ويدخل فيها القمار والمخاطرة، وكل ما يباع مثلاً بمثل لا يجوز فيه كيل بجزاف، ولا جزاف بجزاف. وتفرع عن هذه المسألة مسائل: منها بيع الرطب على رءوس النخل برطب على الأرض، أو على رءوس نخل أخرى، فأجازه ابن خيران من الشافعية، ومنعه الاصطرخي، وصححه جماعة، وقيل: إن كانا نوعًا واحدًا لم يجز، إذ لا حاجة إليه، وإن كانا نوعين جاز، وهو رأي أبي إسحق.

стр. 3332

ومنها بيع العنب على الكرم خرصًا بالتمر على الأرض كيلاً، وهو جائز. وبيع الرطب والعنب على أصولهما خرصًا بالدرهم والدينار، وهو جائز أيضًا. ٣ - والظاهر أن العرايا من قبيل المزابنة، لكنها مستثناة منها، رخص بها للحاجة، وقيل: إن العرايا ليست بيعًا، وليست من المزابنة أصلاً، وإنما هي هدية، لكن الروايات الكثيرة التي تعبر عنها ببيع العرايا لا تساعد هذا القول، بل تعارضه وترفضه. وللعرايا صور يختلف العلماء في حكمها. منها: (أ) أنها نخلة أو نخل، عليها رطب، توهب لمساكين، أي يوهب رطبها لمساكين، وليس أصولها، فيحتاج هؤلاء المساكين إلى التمر، لا يستطيعون أن ينتظروا حتى يصير الرطب تمرًا ولا يحبون أن يأكلوا رطبًا، فرخص لهم أن يبيعوا الرطب على النخل خرصًا بتمر عاجل كيلاً. (ب) النخلة أو النخلات في بستان لرجل يوهب رطبها لمحتاجين -وكانت العادة أنهم يخرجون بأهليهم في وقت الثمار إلى البساتين، فيكره صاحب البستان دخولهم، ويتضرر منهم، فيعرض على الموهوب له أن يبيعه، بخرص رطبه تمرًا، ليدفع الضرر بدخولهم، فرخص له في ذلك، أو يتأذى الموهوب له، فيعرض على الواهب أن يشتري منه الرطب بتمر، فيقبل. اشترط مالك في جواز هذه الصورة أن يكون البيع بعد بدو الصلاح، وأن يكون بتمر مؤجل، وخالفه الشافعي في الشرط الأخير، فقال: يشترط التقابض. كما اشترط مالك في هذه المعاملة أن تكون مع الواهب خاصة، مالك أصول النخل، ورخص بها لما يلحقه من الضرر، وقصر العارية المرخص بها على هذه الصورة، وأجازها الشافعي للمالك ولغيره، كما أجاز الصور الأخرى. (ج) أن يقول الرجل لصاحب بستان: بعني رطب هذه النخلات بخرصها، فيخمن ما عليها، ويقدر كم ينقص إذا يبس، ثم يسلم نفس المقدار تمرًا، ويسلم البائع النخلات. وهذه الصورة أجازها الشافعي في حدود أقل من خمسة أوسق، وفي الخمسة أوسق نفسها خلاف. (د) أن يبيع الرجل ثمر حائطه بعد بدو صلاحه، ويستثني منه نخلات معلومة، يبيتها لنفسه أو لعياله، وهي التي يعفي له عن خرصها في الصدقة، فرخص لأهل الحاجة الذين لا نقد لهم، وعندهم فضول من التمر أن يبتاعوا بذلك التمر من رطب تلك النخلات بخرصها. وهذه الصورة أجازها الشافعي في أقل من خمسة أوسق. ومنع أبو حنيفة صور البيع كلها، وقصر العرية على الهبة، وهي أن يعري الرجل تمر نخلة من نخله، ولا يسلم ذلك له، ثم يبدو له ارتجاع تلك الهبة، فرخص له الشرع أن يحتبس ذلك، ويعطيه بقدر ما وهبه له من الرطب بخرصه تمرًا، وحمله على ذلك عموم النهي عن بيع الثمر بالتمر، وتعقب باستثناء العرايا في حديث ابن عمر، وزيد بن ثابت، ورافع بن خديج وسهل بن أبي حثمة. وقال بعض الحنفية: العرية العطية، فلا تطلق إلا على الهبة، ورد بأنه لا يلزم من كون أصل العرية العطية أن لا تطلق العرية شرعًا على صور أخرى.

стр. 3333

ثم إن حملهم الرخصة على الهبة بعيد، لأن الرخصة لا تكون إلا بعد ممنوع، والمنع إنما كان في البيع، لا في الهبة، ثم إن الرخصة قيدت بخمسة أوسق، فما دونها، والهبة لا تتقيد. وحكى الطحاوي عن بعض الحنفية أن معنى الرخصة أن الذي وهبت له العرية لم يملكها، لأن الهبة لا تملك إلا بالقبض، فلما جاز له أن يعطي بدلها تمرًا وهو لم يملك المبدل منه حتى يستحق البدل، كان ذلك مستثنى، وكان رخصة. وقال الطحاوي: معنى الرخصة فيه أن المرء مأمور بإمضاء ما وعد به، فلما أذن له أن يحبس ما وعد به، ويعطي بدله، ولا يكون في حكم من أخلف وعده، ظهر بذلك معنى الرخصة. اهـ ولا يخفى أن هذه التعسفات لا تغني شيئًا، فإن الذي رخص في العرية هو الذي نهي عن بيع الثمر بالتمر، في لفظ واحد، من رواية جماعة من الصحابة. قال المحققون: الشافعي أقعد باتباع أحاديث هذا الباب من غيره، فإنها ناطقة باستثناء العرايا من بيع المزابنة، وكل ما ورد من تفسير العرايا في الأحاديث لا يخالفه الشافعي، وإنما يتجه الاعتراض على من تمسك بصورة من الصور الواردة في تفسير العرية، ويمنع غيرها، وأما من عمل بها كلها، ونظمها في ضابط يجمعها فلا اعتراض عليه. وحكي عن الشافعي تقييد العرية الجائزة بالمساكين، وأنكر الغزالي نقل ذلك عن الشافعي، واعتبر الحنابلة هذا القيد مضمومًا إلى القيد الذي اعتبره مالك. فعندهم لا تجوز العرية إلا لحاجة صاحب الحائط إلى البيع، أو لحاجة المشتري إلى الرطب. والله أعلم. ٤ - وأما بيع المحاقلة فقد سبق ما قيل في المراد منه في المباحث العربية، وعلى أنه بيع الزرع بالطعام قال ابن بطال: أجمع العلماء على أنه لا يجوز بيع الزرع قبل أن يقطع بالطعام، لأنه بيع مجهول بمعلوم، وأما بيع رطب الزرع بيابسه بعد القطع، مع إمكان المماثلة، فالجمهور لا يجيزون شيئًا من ذلك بجنسه، لا متفاضلاً، ولا متماثلاً. وأجاز أبو حنيفة بيع الزرع الرطب -كالذرة اللين- بالحب اليابس. ٥ - وأما بيع المخابرة وقد قلنا إنها قريبة من المزارعة، وأنها المعاملة على الأرض ببعض ما يخرج منها من الزرع، فسنعرض له في الباب الآتي، إن شاء الله. ٦ - وأما بيع المعاومة أو بيع السنين. فقد قال النووي: هو باطل بالإجماع، نقل الإجماع فيه ابن المنذر وغيره، لهذه الأحاديث، ولأنه بيع غرر، وبيع معدوم، وبيع مجهول غير مقدور على تسليمه، وغير مملوك للعاقد. ٧ - وأما بيع الثنيا والاستثناء من المجموع، كبعتك هذه الثياب إلا بعضها؛ فقد قال النووي: لا يصح البيع، لأن المستثنى مجهول، فلو قال: بعتك هذه الأشجار إلا هذه الشجرة، أو بعتك هذه الشجرة إلا ربعها، أو بعتك بألف إلا درهمًا، وما أشبه ذلك من الثنيا المعلومة صح البيع باتفاق العلماء، ولو باع الصبرة إلا صاعًا منها فالبيع باطل عند الشافعي وأبي حنيفة، وصحح مالك أن يستثنى منها ما لا يزيد على ثلثها، والله أعلم.

стр. 3334

٨ - ويؤخذ من حديث بيع النخل بثمره، روايتنا السادسة والعشرين والسابعة والعشرين والثامنة والعشرين والتاسعة والعشرين جواز تأبير النخل وغيره من الثمار. قال النووي: وقد أجمعوا على جوازه. قال: وقد اختلف العلماء في حكم بيع النخل، المبيعة بعد التأبير وقبله، هل تدخل فيها الثمرة عند إطلاق بيع النخلة؟ من غير تعرض للثمرة بنفي ولا إثبات؟ فقال مالك والشافعي والليث والأكثرون: إن باع النخلة بعد التأبير فثمرتها للبائع، إلا أن يشترطها المشتري، بأن يقول: اشتريت النخلة بثمرتها هذه، وإن باعها قبل التأبير فثمرتها للمشتري، فإن شرطها البائع لنفسه جاز عند الشافعي والأكثرين، وقال مالك: لا يجوز شرطها للبائع، وقال أبو حنيفة: هي للبائع قبل التأبير وبعده عند الإطلاق، وقال ابن أبي ليلى: هي للمشتري قبل التأبير وبعده، فأما الشافعي والجمهور فأخذوا في المؤبرة بمنطوق الحديث، وفي غيرها بمفهومه: وهو دليل الخطاب، وهو حجة عندهم، وأما أبو حنيفة فأخذ بمنطوقه في المؤبرة، وهو لا يقول بدليل الخطاب، فألحق غير المؤبرة بالمؤبرة. واعترضوا عليه بأن الظاهر يخالف المستتر في حكم التبعية، كما أن الجنين يتبع الأم في البيع، ولا يتبعها الولد المنفصل. وأما ابن أبي ليلى فقوله باطل، منابذ لصريح السنة، ولعله لم يبلغه الحديث. ثم قال: وفي هذا الحديث دلالة لمالك وقول الشافعي القديم أن العبد إذا ملكه سيده مالاً ملكه، لكنه إذا باعه بعد ذلك كان ماله للبائع، إلا أن يشترط المشتري، لظاهر هذا الحديث. وقال الشافعي في الجديد وأبو حنيفة: لا يملك العبد شيئًا أصلاً، وتأولاً الحديث على أن المراد أن يكون في يد العبد شيء من مال السيد، فأضيف ذلك المال إلى العبد، للاختصاص والانتفاع، لا للملك، كما يقال: جل الدابة وسرج الفرس. وإلا فإذا باع السيد العبد فذلك المال للبائع، لأنه ملكه، إلا أن يشترطه المبتاع، فيصح، لأنه يكون قد باع شيئين، العبد والمال الذي في يده بثمن واحد، وذلك جائز. قالا: ويشترط الاحتراز من الربا. قال الشافعي: فإن كان المال دراهم لم يجز بيع العبد وتلك الدراهم بدراهم، فكذا إن كان دنانير، لم يجز بيعها بذهب. وإن كان حنطة لم يجز بيعها بحنطة. وقال مالك: يجوز أن يشترط المشتري وإن كان دراهم والثمن دراهم، وكذلك في جميع الصور، لإطلاق الحديث، قال: وكأنه لا حصة للمال من الثمن. ثم قال: وفي هذا الحديث دليل للأصح عند أصحابنا أنه إذا باع العبد أو الجارية، وعليه ثيابه، لم تدخل في البيع، بل تكون للبائع، إلا أن يشترطها المبتاع، لأنه مال في الجملة، وقال بعض أصحابنا: تدخل، وقال بعضهم: يدخل ساتر العورة فقط، والأصح أنه لا يدخل ساتر العورة ولا غيره، لظاهر هذا الحديث، ولأن اسم العبد لا يتناول الثياب. والله أعلم

стр. 3335

(٤٠٨) باب كراء الأرض ٣٤٥١ - عن جابر بن عبد الله ﵄: أن رسول الله ﷺ نهى عن كراء الأرض. ٣٤٥٢ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "من كانت له أرض فليزرعها، فإن لم يزرعها فليزرعها أخاه". ٣٤٥٣ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كان لرجال فضول أرضين من أصحاب رسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ . "من كانت له فضل أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه. فإن أبى فليمسك أرضه". ٣٤٥٤ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يؤخذ للأرض أجر أو حظ. ٣٤٥٥ - عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من كانت له أرض فليزرعها. فإن لم يستطع أن يزرعها، وعجز عنها، فليمنحها أخاه المسلم. ولا يؤاجرها إياه". ٣٤٥٦ - سأل سليمان بن موسى عطاء فقال: أحدثك جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال "من كانت له أرض فليزرعها، أو ليزرعها أخاه، ولا يكرها" قال: نعم. ٣٤٥٧ - عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن المخابرة. ٣٤٥٨ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ قال

стр. 3336

"من كان له فضل أرض فليزرعها، أو ليزرعها أخاه. ولا تبيعوها" فقلت لسعيد: ما قوله: ولا تبيعوها؟ يعني الكراء؟ قال: نعم. ٣٤٥٩ - عن جابر ﵁ قال كنا نخابر على عهد رسول الله ﷺ فنصيب من القصري ومن كذا. فقال رسول الله ﷺ "من كانت له أرض فليزرعها أو فليحرثها أخاه. وإلا فليدعها". ٣٤٦٠ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كنا في زمان رسول الله ﷺ نأخذ الأرض بالثلث أو الربع. بالماذيانات. فقام رسول الله ﷺ في ذلك فقال "من كانت له أرض فليزرعها. فإن لم يزرعها فليمنحها أخاه. فإن لم يمنحها أخاه فليمسكها". ٣٤٦١ - عن جابر ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول "من كانت له أرض فليهبها أو ليعرها". ٣٤٦٢ - وفي رواية عن الأعمش بهذا الإسناد. غير أنه قال "فليزرعها أو فليزرعها رجلاً". ٣٤٦٣ - عن جابر بن عبد الله ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن كراء الأرض. قال بكير: وحدثني نافع أنه سمع ابن عمر يقول: كنا نكري أرضنا ثم تركنا ذلك حين سمعنا حديث رافع بن خديج. ٣٤٦٤ - عن جابر ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الأرض البيضاء سنتين أو ثلاثًا.

стр. 3337

٣٤٦٥ - عن جابر ﵁ قال: نهى النبي ﷺ عن بيع السنين. وفي رواية ابن أبي شيبة: عن بيع الثمر سنين. ٣٤٦٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه. فإن أبى فليمسك أرضه". ٣٤٦٧ - عن جابر بن عبد الله ﵄: أنه سمع رسول الله ﷺ ينهي عن المزابنة والحقول. فقال جابر بن عبد الله: المزابنة الثمر بالتمر. والحقول كراء الأرض. ٣٤٦٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمزابنة. ٣٤٦٩ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة والمحاقلة. والمزابنة اشتراء الثمر في رءوس النخل. والمحاقلة كراء الأرض. ٣٤٧٠ - عن ابن عمر ﵄ قال: كنا لا نرى بالخبر بأسًا. حتى كان عام أول. فزعم رافع أن نبي الله ﷺ نهى عنه. ٣٤٧١ - وزاد في حديث ابن عيينة: فتركناه من أجله. ٣٤٧٢ - عن مجاهد قال: قال ابن عمر ﵄: لقد منعنا رافع نفع أرضنا.

стр. 3338

٣٤٧٣ - عن نافع أن ابن عمر كان يكري مزارعه على عهد رسول الله ﷺ . وفي إمارة أبي بكر وعمر وعثمان. وصدرًا من خلافة معاوية. حتى بلغه في آخر خلافة معاوية؛ أن رافع بن خديج يحدث فيها بنهي عن النبي ﷺ . فدخل عليه وأنا معه. فسأله فقال: كان رسول الله ﷺ ينهى عن كراء المزارع. فتركها ابن عمر بعد. وكان إذا سئل عنها، بعد، قال: زعم رافع بن خديج أن رسول الله ﷺ نهى عنها. ٣٤٧٤ - وزاد في حديث ابن علية: قال: فتركها ابن عمر بعد ذلك. فكان لا يكريها. ٣٤٧٥ - عن نافع قال: ذهبت مع ابن عمر إلى رافع بن خديج. حتى أتاه بالبلاط. فأخبره؛ أن رسول الله ﷺ نهى عن كراء المزارع. ٣٤٧٦ - عن ابن عمر أنه أتى رافعًا. فذكر هذا الحديث عن النبي ﷺ . ٣٤٧٧ - عن نافع أن ابن عمر كان يأجر الأرض. قال: فنبئ حديثًا عن رافع بن خديج. قال: فانطلق بي معه إليه. قال: فذكر عن بعض عمومته، ذكر فيه عن النبي ﷺ ؛ أنه نهى عن كراء الأرض قال: فتركه ابن عمر فلم يأجره. ٣٤٧٨ - - عن ابن عون بهذا الإسناد. وقال: فحدثه عن بعض عمومته، عن النبي ﷺ . ٣٤٧٩ - عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر كان يكري أرضيه. حتى بلغه أن رافع بن خديج الأنصاري كان ينهى عن كراء الأرض. فلقيه عبد الله فقال: يا ابن خديج ماذا تحدث عن رسول الله ﷺ في كراء الأرض؟

стр. 3339

قال رافع بن خديج لعبد الله: سمعت عمي (وكانا قد شهدا بدرًا) يحدثان أهل الدار؛ أن رسول الله ﷺ نهى عن كراء الأرض. قال عبد الله: لقد كنت أعلم، في عهد رسول الله ﷺ ، أن الأرض تكرى. ثم خشي عبد الله أن يكون رسول الله ﷺ أحدث في ذلك شيئًا لم يكن علمه. فترك كراء الأرض. ٣٤٨٠ - عن رافع بن خديج ﵁ قال: كنا نحاقل الأرض على عهد رسول الله ﷺ . فنكريها بالثلث والربع والطعام المسمى. فجاءنا ذات يوم رجل من عمومتي. فقال: نهانا رسول الله ﷺ عن أمر كان لنا نافعًا. وطواعية الله ورسوله أنفع لنا. نهانا أن نحاقل بالأرض فنكريها على الثلث والربع والطعام المسمى. وأمر رب الأرض أن يزرعها أو يزرعها. وكره كراءها وما سوى ذلك. ٣٤٨١ - - عن رافع بن خديج ﵁ قال: كنا نحاقل بالأرض فنكريها على الثلث والربع. ثم ذكر بمثل حديث ابن علية. ٣٤٨٢ - - وبهذا الإسناد عن رافع بن خديج ﵁ عن النبي ﷺ ولم يقل: عن بعض عمومته. ٣٤٨٣ - عن رافع ﵁ أن ظهير بن رافع (وهو عمه) قال: أتاني ظهير فقال: لقد نهى رسول الله ﷺ عن أمر كان بنا رافقًا. فقلت: وما ذاك؟ ما قال رسول الله ﷺ فهو حق. قال: سألني كيف تصنعون بمحاقلكم؟ فقلت: نؤاجرها، يا رسول الله على الربيع أو الأوسق من التمر أو الشعير. قال "فلا تفعلوا. ازرعوها. أو أزرعوها. أو أمسكوها". ٣٤٨٤ - - عن رافع ﵁ عن النبي ﷺ بهذا. ولم يذكر: عن عمه ظهير.

стр. 3340

٣٤٨٥ - عن حنظلة بن قيس أنه سأل رافع بن خديج عن كراء الأرض؟ فقال: نهى رسول الله ﷺ عن كراء الأرض قال فقلت: أبالذهب والورق؟ فقال أما بالذهب والورق، فلا بأس به. ٣٤٨٦ - عن حنظلة بن قيس الأنصاري قال: سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض بالذهب والورق؟ فقال: لا بأس به. إنما كان الناس يؤاجرون، على عهد النبي ﷺ ، على الماذيانات. وأقبال الجداول. وأشياء من الزرع. فيهلك هذا ويسلم هذا. ويسلم هذا ويهلك هذا. فلم يكن للناس كراء إلا هذا. فلذلك زجر عنه. فأما شيء معلوم مضمون، فلا بأس به. ٣٤٨٧ - عن رافع بن خديج ﵁ قال: كنا أكثر الأنصار حقلاً. قال: كنا نكري الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه. فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه. فنهانا عن ذلك. وأما الورق فلم ينهنا. ٣٤٨٨ - عن ثابت بن الضحاك ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن المزارعة. ٣٤٨٩ - عن عبد الله بن السائب ﵁ قال: دخلنا على عبد الله بن معقل فسألناه عن المزارعة؟ فقال: زعم ثابت؛ أن رسول الله ﷺ نهى عن المزارعة. وأمر بالمؤاجرة. وقال "لا بأس بها". ٣٤٩٠ - عن مجاهد أنه قال لطاوس: انطلق بنا إلى ابن رافع بن خديج. فاسمع منه الحديث عن أبيه عن النبي ﷺ . قال فانتهره. قال: إني والله لو أعلم أن رسول

стр. 3341

الله ﷺ نهى عنه ما فعلته. ولكن حدثني من هو أعلم به منهم (يعني ابن عباس) أن رسول الله ﷺ قال "لأن يمنح الرجل أخاه أرضه خير له من أن يأخذ عليها خرجًا معلومًا". ٣٤٩١ - عن طاوس أنه كان يخابر. قال عمرو: فقلت له: يا أبا عبد الرحمن لو تركت هذه المخابرة فإنهم يزعمون؛ أن النبي ﷺ نهى عن المخابرة. فقال: أي عمرو أخبرني أعلمهم بذلك (يعني ابن عباس) أن النبي ﷺ لم ينه عنها. إنما قال "يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ عليها خرجًا معلومًا". ٣٤٩٢ - عن أبيه عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال "لأن يمنح أحدكم أخاه أرضه خير له من أن يأخذ عليها كذا وكذا" (لشيء معلوم). قال: وقال ابن عباس: هو الحقل. وهو بلسان الأنصار المحاقلة. ٣٤٩٣ - عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال "من كانت له أرض فإنه أن يمنحها أخاه خير". -[المعنى العام]- إن المعاملة الثانية التي لا يستغني عنها المجتمع بعد البيع والشراء - معاملة الإجارة، ولم تكن إجارة البيوت والمساكن شائعة كما هو الحال اليوم، ولكن كان الشائع إجارة الأرض الزراعية، فجاءت الشريعة بالأحكام والقوانين والقواعد والضوابط التي تحمي كلا من المتعاملين من الآخر، تحقيقًا لقاعدة: لا ضرر ولا ضرار. إن طائفة من المجتمع تملك الأرض، وطائفة لا تملك، وقد رفع الله بعض الناس على بعض ليتخذ بعضهم بعضًا سخريًا، تلك حكمة الله في المجتمعات لتترابط أفرادها، وتضام أشتاتها، الكل يحتاج إلى الكل، الغني المالك يحتاج الفقير العامل، وإلا لم ينتفع بملكه، وأصبح كلاً ملك، والعامل يحتاج إلى الغني المالك، ليعيش من أجر عمله، وقانون العرض

стр. 3342

والطلب يحكم المعاملات البشرية، وقد تستغل طبقة الأخرى نتيجة لهذا القانون، فرغبت الشريعة الإسلامية في الرفق والمواساة والمعروف "من كان له أرض فليزرعها بنفسه، فإن عجز عن زراعتها بنفسه فلا يستغل أخاه العامل في زراعتها، ولكن يمنحها له منحة ليزرعها، فإن لم يزرعها، ولم تجد نفسه بها على أخيه فليملكها خالية بدون زراعة، ولا يؤجرها للعامل بإيجار ظالم مستغل. لقد كان كراء الأرض وتأجيرها للمحتاجين والعاملين يأخذ قبل الإسلام أشكالاً كثيرة، يعطى العامل ثمر قطعة صغيرة منها ليزرع جميعها، أو يعطى الشواطئ والحروف وحافات الطرق ومسالك المياه ليزرع للمالك باقي أرضه، ويسلمه خيراتها، أو يعطى نسبه صغيرة مما تنتج الأرض، ووفرتها لمالكها، أو يؤجرها المالك بإيجار مالي قد يعجز العامل عن الوفاء به، وكثيرًا ما يحدث الشقاق والمخاصمة بين المالك ومستأجر الأرض فكانت الشريعة حكمًا، وكانت الأحاديث التي أعمل الفقهاء فيها عقولهم، واستنبطوا منها أحكامهم ومذاهبهم، وهدف الجميع تحقيق حكمة التشريع. والحفاظ على الحقوق، ورفع المظالم. والله الهادي إلى سواء السبيل. -[المباحث العربية]- (نهي عن كراء الأرض) "كراء" بكسر الكاف. قال أهل اللغة: الكروة والكراء بكسر الكاف فيهما: أجرة المستأجر، والكراء أيضًا مصدر كاراه، مكاراة، وكراء، ويقال: كاراه، واكتراه، وأكراني داره وأرضه، فهي مكراه، واكتريت منه دارًا، واستكريتها بمعنى، فقوله في الرواية السادسة "ولا يكرها" هو بضم الياء وسكون الكاف وكسر الراء، من أكريته أرضى، وهو معنى قوله في الرواية الخامسة "ولا يؤاجرها إياه" وكذلك قوله في الرواية الثانية عشرة "كنا نكري أرضنا" هو بضم النون، وقوله في ملحق الرواية المتممة للعشرين "فكان لا يكريها" هو بضم الياء أيضًا، وقوله في الرواية الثالثة والعشرين "أن الأرض تكرى" هو بضم التاء وسكون الكاف وفتح الراء، مبني للمجهول. (فإن لم يزرعها فليزرعها أخاه) "يزرع" الأولى بفتح الياء، والثانية بضم الياء، والمعنى فإن لم يزرعها بنفسه فليجعلها مزروعة من أخيه، ومعناه يعيرها إياه بلا عوض، وهو معنى قوله في الرواية الثالثة "أو ليمنحها أخاه" وقوله في الرواية التاسعة "أو فليحرثها أخاه" بضم الياء، أي ليجعلها محروثة من أخيه، وقوله في الرواية الحادية عشرة "فليهبها أو ليعرها" وقوله في الرواية الرابعة والثلاثين "فإنه أن يمنحها أخاه خير". "أن" بفتح الهمزة وسكون النون، وفعل "يمنحها" منصوب، والمعنى: فإنه لأن يمنحها أخاه خير له من أن يأخذ عليها أجرًا. وبكسر الهمزة على أنها شرطية، وفعل "يمنحها" مجزوم. (كان لرجال فضول أرضين) أي كان لهم أرضون فاضلة وزائدة على مجهودهم وقدراتهم على الزراعة. فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف. (فإن أبى فليمسك أرضه) أي فإن أبى منحها فليمسكها من غير زراعة، ولا يكريها، وهو معنى قوله في الرواية التاسعة "وإلا فليدعها".

стр. 3343

(نهي أن يؤخذ للأرض أجر أو حظ) الحظ النصيب، أي نهي أن يؤخذ في مقابل زراعة الأرض مال أو جزء ونصيب من إنتاجها. والنهي للتنزيه، وسيأتي في فقه الحديث. (نهي عن المخابرة) سبق توضيحها ومأخذها اللغوي في الباب السابق. وقلنا: إن المحاقلة والمخابرة والمزارعة متقاربات على المشهور. (ولا تبيعوها) إطلاق البيع وإرادة الكراء - إن كانت الرواية باللفظ - مجاز، بجامع المقابل والبدل. (فنصيب من القصري ومن كذا) "القصري" بكسر القاف، بعدها صاد ساكنة، ثم راء مكسورة، ثم ياء مشددة، على وزن القبطي، قال النووي: هكذا ضبطناه وضبطه الجمهور، وهو المشهور، وعن الطبري بفتح القاف والراء، مقصور، والصواب الأول، وهو ما بقي من الحب في السنبل بعد الدياس. ويقال له: القصارة بضم القاف. والمعنى. كنا نكري أرضنا فنحصل على بعض ما تنبت من حب صاف ومن حب في سنبله لم يخرج بالدياس، ومن كذا وكذا كناية عن جهات أخرى نحصل منها على بعض الإنتاج. (كنا نأخذ الأرض بالماذيانات) قال النووي: بذال مكسورة، ثم ياء ثم ألف ثم نون ثم ألف ثم تاء، هذا هو المشهور، وحكي عن بعض الرواة فتح الذال، وهي مسايل المياه، وقيل: ما ينبت على حافتي مسيل الماء، وقيل: ما ينبت حول السواقي، وهي لفظة معربة، ليست عربية - وفي الرواية السابعة والعشرين "على الماذيانات وأقبال الجداول" وأشياء من الزرع، فيهلك هذا ويسلم هذا" أما قوله "وأقبال" فبفتح الهمزة، و"الجداول" جمع جدول، وهو النهر الصغير كالساقية، فالمراد أوائل القنوات ورؤوسها وحوافها، وفي الرواية الخامسة والعشرين "نؤاجرها - يا رسول الله - على الربيع أو الأوسق من التمر أو الشعير" هكذا هو في معظم النسخ "الربيع" وهو الساقية والنهر الصغير، أي الزرع الذي ينبت على شاطئيه، وفي بعض النسخ "الربع" بخذف الياء، وهو صحيح أيضًا. والمعنى أنهم كانوا يدفعون الأرض إلى من يزرعها ببذر من عنده، على أن يكون لمالك الأرض ما ينبت على الماذيانات وأقبال الجداول، أو هذه القطعة من الأرض، والباقي للعامل، فنهوا عن ذلك، لما فيه من الغرر، فربما هلك هذا دون ذلك، أو عكسه. (نهي عن بيع الأرض البيضاء) أي التي لا شجر عليها، ولا زرع ولا غرس. (سنتين أو ثلاثًا) في الرواية الرابعة عشرة "عن بيع السنين" وقد تقدم في الباب السابق. (كنا لا نرى بالخبر بأسًا) "الخبر" قال النووي: ضبطناه بكسر الخاء وفتحها، والكسر أصح وأشهر، وحكى القاضي فيه الضم أيضًا، ورجح الكسر، ثم الفتح، وهو بمعنى المخابرة.

стр. 3344

(حتى كان عام أول) "كان" تامة، وفاعلها "عام" مرفوع بدون تنوين، لأنه مضاف، و"أول" مضاف إليه، مجرور بالفتحة، للمنع من الصرف وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف. (فتركناه من أجله) أي فتركنا الخبر من أجل زعم رافع، فابن عمر ترك كراء أرضه احتياط أخذًا بالأحوط، فإن معلوماته أنه مباح، فهو يقول في الرواية الثالثة والعشرين "لقد كنت أعلم في عهد رسول الله ﷺ أن الأرض تكرى" ويقول نافع: "خشي عبد الله أن يكون رسول الله ﷺ أحدث في ذلك شيئًا - من الأحكام - لم يكن علمه، فترك كراء الأرض" وفي ملحق الرواية التاسعة عشرة يقول ابن عمر "لقد منعنا رافع نفع أرضنا" أي منعنا بحديثه الذي حدثه، ولا يقصد بذلك الطعن في رافع وروايته، فقد استوثق منه عنها، ولكن يظن أنها كانت مخصوصة بحالة، أو موجهة توجيهًا غير الظاهر، كما سيأتي في فقه الحديث. (وصدرًا من خلافة معاوية) المراد من إمارة أبي بكر وعمر وعثمان خلافتهم، قال الحافظ ابن حجر: ولم يذكر خلافة علي لأنه لم يبايعه، لوقوع الاختلاف عليه، وكان يرى أنه لا يبايع لمن لم يجتمع عليه الناس، ولهذا لم يبايع أيضًا لابن الزبير، ولا لعبد الملك في حال اختلافهما، وبايع ليزيد بن معاوية، ثم لعبد الملك بن مروان بعد قتل ابن الزبير. قال الحافظ: ولعل في تلك المدة، مدة خلافة علي لم يؤاجر أرضه، فلم يذكرها لذلك. اهـ. أقول: هذا الاحتمال بعيد جدًا عن صحيح الحديث، ويحتمل أن سقط خلافة علي سقط ذكري غير مقصود من ابن عمر، وكان آخر خلافة معاوية في سنة ستين من الهجرة، فكأن ابن عمر ظل يكري أرضه أكثر من خمسين سنة، وهذا أمر لا يخفى على عامة الصحابة. (حتى أتاه بالبلاط) بفتح الباء، مكان معروف بالمدينة، مبلط بالحجارة، وهو بقرب مسجد رسول اللَّه ﷺ . (كأن يأجر الأرض) "يأجر" بالجيم المضمومة بعدها راء، وكذا في آخر الحديث "فلم يأجره" هكذا هو في كثير من النسخ، قال النووي: "يأخذ" بالخاء والذال في الموضعين، وهو تصحيف، وفي بعض النسخ "يؤاجر" وهذا صحيح. اهـ. وكان الظاهر أن يقول في آخر الحديث "فلم يأجرها" بتأنيث الضمير العائد على الأرض، وتوجيهه سهل، بتأويله بالمكان أو بالموقع أو نحو ذلك. (كان يكري أرضيه) بفتح الراء وكسر الضاد، بعدها ياء علامة النصب، فقد جمع هذا الاسم جمع مذكور سالم شذوذًا، وفي بعض النسخ "أرضه" بالإفراد، قال النووي: وكلاهما صحيح. (سمعت عمي) بفتح الميم المشددة، تثنية عمي بكسرها، وهما المقصودان ببعض عمومته في الرواية الثانية والعشرين وأحدهما "ظهير" بالتصغير، الوارد في الرواية الخامسة والعشرين، وهو المقصود بقوله "فجاءنا ذات يوم رجل من عمومتي" في الرواية الرابعة والعشرين، والآخر قيل: لم يوقف على اسمه. وقيل: إن اسمه "مظهر" بضم الميم، وفتح الظاء، وتشديد الهاء المكسورة، قيل: مهير على وزن ظهير أخيه.

стр. 3345

(عن رافع أن ظهير بن رافع - وهو عمه - قال: أتاني ظهير) قال النووي: هكذا هو في جميع النسخ، وهو صحيح، وتقديره: عن رافع أن ظهيرًا عمه حدثه بحديث. قال رافع في بيان ذلك الحديث: أتاني ظهير فقال ... إلخ. وهذا التقدير دل عليه فحوى الكلام، ووقع في بعض النسخ "أنبأني" بدل "أتاني" والصواب المنتظم "أتاني" من الإتيان. (نهى رسول الله ﷺ عن أمر كان بنا رافقًا) أي كان هذا الأمر ذا رفق بنا. (كيف تصنعون بمحاقلكم؟ ) أي بمزارعكم. جمع محقل من الحقل، والحقل الزرع، وقيل: مادام أخضر، والمحاقلة المزارعة بجزء مما يخرج، وقيل: هو بيع الزرع بالحنطة، وقيل غير ذلك. (أبا لذهب والورق) بفتح الواو وكسر الراء الفضة. (كنا أكثر الأنصار حقلاً) "حقلاً" تمييز، وفي رواية البخاري "مزدرعًا" أي مكان زرع. (على أن لنا هذه، ولهم هذه) الإشارة إلى قطع من الأرض. (فاسمع منه الحديث عن أبيه) الأب هنا مراد منه العم، وقوله "فاسمع" بهمزة وصل، مجزومًا على الأمر، وبهمزة قطع، مرفوع على الخبر، قال النووي: وكلاهما صحيح، والأول أجود. (فانتهره) أي انتهر طاووس مجاهدًا، أي لامه بعنف، ترفعًا عن أخذ الحديث عن رافع عن عمه بعد أخذه عن ابن عباس، وربما أحس طاووس أن مجاهدًا يغمزه بحديث رافع، لأن طاووسًا كان يكري أرضه، لهذا ثار وانفعل وانتهره. (خير من أن يأخذ عليها خرجًا معلومًا) أي أجرًا معلومًا، وأصله ما يخرج من الأرض من غلة ونحوها. -[فقه الحديث]- ١ - كراء الأرض قد يكون لسقي ورعاية ما عليها من الأشجار، وهو المعروف عند الفقهاء بالمساقاة. وأجازها مالك والثوري والليث والشافعي وأحمد وجميع فقهاء المحدثين وأهل الظاهر وجماهير العلماء. وعمدة أدلتهم أن رسول الله ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع، وسيأتي في الباب التالي. ومنعها أبو حنيفة، وتأول أحاديثها بأن خيبر فتحت عنوة، وكان أهلها عبيدًا لرسول الله ﷺ ، فما أخذه فهوله، وما تركه فهوله. والقائلون بالجواز اختلفوا فيما تجوز عليه المساقاة من الأشجار، فقال داود: تجوز على النخل خاصة، إذ هي رخصة، والرخصة لا تتعدى المنصوص عليه، وكان نخلاً، وقال الشافعي: تجوز على

стр. 3346

النخل والعنب خاصة، إذ هي رخصة، لكن حكم العنب حكم النخل في معظم الأبواب. وقال مالك: تجوز على جميع الأشجار، لأن سبب الجواز الحاجة والمصلحة، وهذا يشمل الجميع، فيقاس عليه، وهو قول للشافعي. وسيأتي بقية مباحثها في الباب التالي. ٢ - وقد يكون كراء الأرض لسقي ورعاية ما عليها من أشجار، وزراعة الأرض الخالية، وهذا ما يعرف بالمزارعة التابعة للمساقاة، وأجازها الشافعي وموافقوه، وهم الأكثرون، فتجوز عندهم المزارعة تبعًا للمساقاة، وإن كانت المزارعة عندهم لا تجوز منفردة، فيساقيه على النخل، ويزارعه على الأرض، وحجتهم ما جرى في خيبر. وقال مالك: لا تجوز المزارعة، لا منفردة، ولا تبعًا، إلا ما كان من الأرض بين الشجر. وقال أبو حنيفة وزفر: المزارعة والمساقاة فاسدتان، سواء جمعهما أو فرقهما، ولو عقدتا فسختا. وقال ابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد وسائر الكوفيين وفقهاء المحدثين وأحمد وابن خزيمة وابن شريح وآخرون: تجوز المساقاة والمزارعة مجتمعتين، وتجوز كل واحدة منهما منفردة. قال النووي: وهذا هو الظاهر المختار، لحديث خيبر، ولا يقبل دعوى كون المزارعة في خيبر إنما جازت تبعًا للمساقاة، بل جازت مستقلة، ولأن المعنى المجوز للمساقاة موجود في المزارعة، قياسًا على القراض، فإنه جائز بالإجماع، وهو كالمزارعة في كل شيء، ولأن المسلمين في جميع الأعصار والأمصار مستمرون على العمل بالمزارعة. ثم قال: وأما الأحاديث السابقة في النهي عن المخابرة فمحمولة على ما إذا شرطًا لكل واحد قطعة معينة من الأرض. وقد صنف ابن خزيمة كتابًا في جواز المزارعة، واستقصى فيه وأجاد، وأجاب عن أحاديث النهي. ٣ - وقد يكون كراء الأرض الخالية من الأشجار لزراعتها ببعض ما يخرج منها، والبذر من المالك، وهو ما يعرف عند بعض فقهاء الشافعية بالمزارعة، ويعرف عندهم - إذا كان البذر من العامل - بالمخابرة، والبعض الآخر من فقهاء الشافعية يرون أن المزارعة والمخابرة بمعنى واحد، زراعة الأرض ببعض ما يخرج منها مطلقًا. وقد أجازهما أحمد في رواية، ومن الشافعية ابن خزيمة وابن المنذر والخطابي. قال البخاري: وقال قيس بن مسلم عن أبي جعفر قال: ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلا يزرعون على الثلث والربع، وزارع علي وسعد بن مالك وعبد الله بن مسعود وعمر بن عبد العزيز والقاسم وعروة وآل أبي بكر وآل عمر وآل علي وابن سيرين، وعامل عمر الناس على: إن جاء عمر بالبذر من عنده فله الشطر، وإن جاءوا بالبذر فلهم كذا، وقال الحسن: لا بأس أن تكون الأرض لأحدهما، فينفقان جميعًا، فما خرج فهو بينهما، ورأى ذلك الزهري، وقال ابن حزم: وممن أجاز إعطاء الأرض بجزء مسمى مما يخرج منها أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسعد وابن مسعود وحذيفة ومعاذ ﵃، وهو قول ابن أبي ليلى وسفيان الثوري والأوزاعي وأبي يوسف ومحمد بن الحسن وابن المنذر، وأجازها أحمد

стр. 3347

وإسحق، إلا أنهما قالا: إن البذر يكون من عند صاحب الأرض، وإنما على العامل البقر والآلة والعمل. وقال ابن بطال: كرهت المزارعة طائفة. منهم ابن عباس وابن عمر وعكرمة والنخعي، وهو قول مالك وأبي حنيفة والليث والشافعي وأبي ثور. قالوا: لا تجوز المزارعة وهي كراء الأرض بجزء منها. واعتمد من قال بالجواز على معاملة أهل خيبر، وتقرير النبي ﷺ لذلك، واستمراره على عهد أبي بكر. إلى أن أجلاهم عمر، وعلى أن المزارعة عقد عمل في المال ببعض نمائه، فهو كالمضاربة، لأن المضارب يعمل في المال بجزء من نمائه، وهو معدوم ومجهول، وبأنه قد صح عقد الإجارة مع أن المنافع معدومة، فكذلك هنا. واستدل المانعون بأنها إجارة بثمرة معدومة أو مجهولة، وقد أجاب عنه المجوزون قريبًا، كما قال المانعون: إن العامل إذا أخرج البذر كأنه باعه إلى صاحب الأرض بمجهول من الطعام نسيئة، وهو لا يجوز، وأجاب المجوزون: بأنه مستثنى من النهي عن بيع الطعام بالطعام نسيئة، جمعًا بين الأحاديث - وقال المجوزون إن القياس في إبطال نص أو إجماع مردود. واستدل المانعون بأحاديث النهي عن المخابرة وعن كراء الأرض [رواياتنا السابعة والثامنة والعاشرة والثانية عشرة والسادسة عشرة والسابعة عشرة والثامنة عشرة والتاسعة عشرة وما بعدها من روايات رافع بن خديج]، ورد المجوزون بأن الممنوع نوع من المخابرة كان سببًا في المنازعات، وهو جعل قطعة من الأرض لهذا وأخرى لهذا كما تصرح الرواية السابعة والعشرون، أو يحمل النهي على ما إذا تضمن العقد شرطًا فيه جهالة، أو يؤدي إلى الغرر، وقد روى أبو داود عن سعد بن أبي وقاص، قال: "كان أصحاب المزارع يكرونها بما يكون على المساقي من الزرع، فاختصموا في ذلك، فنهاهم رسول الله ﷺ أن يكروا بذلك، وقال: اكروا بالذهب والفضة". وقد يحمل النهي على التنزيه، على أن أحاديث رافع بن خديج فيها كلام كثير، فقد بين الطحاوي علة النهي فيه، فروي عن زيد بن ثابت ﵁ أنه قال: يغفر الله لرافع بن خديج. أنا والله كنت أعلم منه بالحديث، إنما جاء رجلان من الأنصار إلى رسول الله ﷺ ، قد اقتتلا، فقال: إن كان هذا شأنكم فلا تكروا المزارع. فالنهي الذي سمعه رافع لم يكن من النبي ﷺ على وجه التحريم، وإنما كان لكراهيته وقوع الشر بينهم، ويروي الطحاوي أن ابن عمر حين استفهم من رافع عن الحديث، وأسنده رافع إلى أحد عميه قال ابن عمر: قد علمنا أن عمك هذا كان صاحب مزرعة يكريها على عهد رسول الله ﷺ على أن له ما في جداول السواقي وطائفة من التبن. فالظاهر أن ابن عمر كان ينكر على رافع تعميم النهي وإطلاقه على كراء الأرض ببعض ما يخرج منها مطلقًا، مع أن المراد منه ما تضمن الشرط الفاسد، يؤكد ذلك قول عمه في الرواية الخامسة والعشرين لرسول الله ﷺ : "نؤاجرها على الربيع" - أي على النهر الصغير، أي على ما يخرج على شواطئه. وهذا شرط فاسد، وقول رافع في الرواية السابعة والعشرين "إنما كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله ﷺ على الماذيانات، وأقبال الجداول، وأشياء من الزرع، فيهلك هذا ويسلم هذا، ويهلك هذا. فلم يكن للناس كراء إلا هذا، فلذلك زجر عنه" وقوله في الرواية الثامنة والعشرين "كنا نكري الأرض على أن لنا هذه، فربما أخرجت هذه، ولم تخرج

стр. 3348

هذه، فنهانا عن ذلك" فكل هذا يؤكد أن النهي مقصود به نوع خاص من كراء الأرض، وليس كراء الأرض ببعض ما يخرج منها مطلقًا. على أن الترمذي قال: حديث رافع حديث فيه اضطراب، روي عنه روايات مختلفة. والله أعلم. ٤ - وقد يكون كراء الأرض الخالية من الأشجار لزراعتها، بالنقد والذهب والفضة وغير ذلك، وعنه يقول النووي: قال طاووس والحسن البصري: لا يجوز بكل حال. سواء أكراها بطعام أو ذهب أو فضة أو بجزء من زرعها، وذهب إليه ابن حزم، واحتج له بالأحاديث المطلقة في ذلك وهي أحاديث النهي عن كراء الأرض. وقال الشافعي وأبو حنيفة وكثيرون: تجوز إجارتها بالذهب والفضة وبالطعام والثياب وسائر الأشياء، سواء كان من جنس ما يزرع فيها أم من غيره، لكن لا يجوز أن يشترط له زرع قطعة معينة. واستدلوا بصريح روايات رافع بن خديج وثابت بن الضحاك في جواز الإجارة بالذهب والفضة ونحوهما، وهي الروايات السادسة والعشرون والسابعة والعشرون والثامنة والعشرون، وتأولوا أحاديث النهي بحملها على ما تضمن العقد من فساد كزرع قطعة معينة، أو بحملها على جزء ما يخرج منها ونحو ذلك. وقال ربيعة: يجوز بالذهب والفضة فقط، وقال مالك: يجوز بالذهب والفضة وغيرهما إلا الطعام، لئلا يصير من بيع الطعام بالطعام، قال ابن المنذر: ينبغي أن يحمل ما قال مالك على ما إذا كان الطعام المكري به جزءًا مما يخرج منها، فأما إذا اكتراها بطعام معلوم في ذمة المكتري، أو بطعام حاضر، يقبضه المالك، فلا مانع من الجواز. -[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]- ١ - من الروايات الست الأوليات الحث على مواساة المسلمين بعضهم بعضا، والحث على الهبة والمنيحة ونحوها. ٢ - والحث على إفادة الآخرين بما لا ينتفع به صاحبه. ٣ - من قوله في الرواية الثالثة "فإن أبى فليمسك أرضه" جواز إمساك الممتلكات دون استثمار، ولا يكون ذلك من قبيل إضاعة المال المنهي عنها، فقد يكون في ذلك حماية للممتلكات، ورفع لقيمتها. ٤ - من توقف ابن عمر عن كراء أرضه يتبين ورع ابن عمر واحتياطه وبعده عن الشبهات. ٥ - ومن موقفه من رافع مدى استيثاق الصحابة عند أخذ الحديث، وتتبع مصادره. ٦ - ومن موقف رافع وأعمامه من نهي الرسول ﷺ عن أمر فيه مصلحتهم حرص الصحابة على الالتزام بطاعة الله ورسوله، ولو كان في ذلك ضياع لمصلحتهم ومنفعتهم. ٧ - من فتوى رافع بجواز كراء الأرض بالذهب والفضة ما كان عليه الصحابة من الاجتهاد في الأحكام، والتعمق في الفهم والاستنباط. هذا وللأحاديث علاقة وثيقة بالباب الآتي. والله أعلم

стр. 3349

كتاب المساقاة والمزارعة

стр. 3350

(٤٠٩) باب المساقاة والمزارعة ٣٤٩٤ - عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع. ٣٤٩٥ - عن ابن عمر ﵄ قال: أعطى رسول الله ﷺ خيبر بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع. فكان يعطي أزواجه كل سنة مائة وسق: ثمانين وسقًا من تمر، وعشرين وسقًا من شعير. فلما ولي عمر قسم خيبر. خير أزواج النبي ﷺ ، أن يقطع لهن الأرض والماء، أو يضمن لهن الأوساق كل عام. فاختلفن. فمنهن من اختار الأرض والماء. ومنهن من اختار الأوساق كل عام. فكانت عائشة وحفصة ممن اختارتا الأرض والماء. ٣٤٩٦ - عن عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما خرج منها من زرع أو ثمر. واقتص الحديث بنحو حديث علي بن مسهر. ولم يذكر: فكانت عائشة وحفصة ممن اختارتا الأرض والماء. وقال: خير أزواج النبي ﷺ أن يقطع لهن الأرض. ولم يذكر الماء. ٣٤٩٧ - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: لما افتتحت خيبر سألت يهود رسول الله ﷺ أن يقرهم فيها. على أن يعملوا على نصف ما خرج منها من الثمر والزرع. فقال رسول الله ﷺ "أقركم فيها على ذلك ما شئنا" ثم ساق الحديث بنحو حديث ابن نمير وابن مسهر عن عبيد الله. وزاد فيه: وكان الثمر يقسم على السهمان من نصف خيبر. فيأخذ رسول الله ﷺ الخمس. ٣٤٩٨ - عن عبد الله بن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه دفع إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها. على أن يعتملوها من أموالهم. ولرسول الله ﷺ شطر ثمرها.

стр. 3351

٣٤٩٩ - عن ابن عمر ﵄ أن عمر بن الخطاب أجلى اليهود والنصارى من أرض الحجاز. وأن رسول الله ﷺ لما ظهر على خيبر أراد إخراج اليهود منها. وكانت الأرض، حين ظهر عليها، لله ولرسوله وللمسلمين. فأراد إخراج اليهود منها. فسألت اليهود رسول الله ﷺ أن يقرهم بها. على أن يكفوا عملها. ولهم نصف الثمر. فقال لهم رسول الله ﷺ "نقركم بها على ذلك، ما شئنا" فقروا بها حتى أجلاهم عمر إلى تيماء وأريحاء. -[المعنى العام]- كان اليهود يسكنون قرى حول المدينة، وكانوا يكيدون للإسلام ولنبيه وللمسلمين، وكانوا يتحالفون مع قريش في الظلام، ويظهرون المسالمة في النور، وكانوا يعاهدون وينقضون العهد والميثاق، يسكنون متعصبين في النضير وبني قريظة وخيبر، فكانوا شوكة في ظهر المسلمين، وكانت خيبر أبعد بلادهم عن المدينة، فتخلص المسلمون من بني النضير بمحاصرتهم وإخراجهم من ديارهم إلى الشام بما حملت رحالهم من أموالهم، وتخلصوا من بني قريظة بقتل مقاتلتهم وسبي ذراريهم ونسائهم، وفي السنة السابعة من الهجرة جاء دور خيبر، غزاهم الرسول ﷺ والمسلمون، فتحصنوا بحصونهم المنيعة، لكن الله فتحها للمسلمين بعد حصار دام بضع عشرة ليلة، واستسلموا، ولم يكن لهم إلا أن يرحلوا كما رحل بنو النضير، أو يقتلوا كما قتل بنو قريظة، فسألوا رسول الله ﷺ أن يقرهم عمالاً وزراعًا للأرض التي صارت ملكًا للمسلمين على نصف ما يخرج منها، وقبل الرسول الكريم هذا العرض مؤقتًا، كمعاهدة مرحلية، لكنه ليس خادعًا ولا مخادعًا، فقد قال في عهده لهم: نقركم على ذلك مدة مشيئتنا، فإن شئنا لم نقركم. فوافقوا، وظلوا يعملون بها على ذلك قرابة عشر سنين، فنقضوا العهد، وغشوا المسلمين الذين يراعون أموالهم هناك، ورموا عبد الله بن عمر من فوق بيت، فالتوت يداه ورجلاه، فأجلاهم عمر إلى تيماء وأريحاء بالشام، وأعاد أرض خيبر لمن شهد هذه الغزوة من المجاهدين. -[المباحث العربية]- (عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع) في الكلام حذف، مفهوم من

стр. 3352

فحوى الكلام، يعود عليه ضمير "منها" والتقدير: عامل أهل خيبر على أرضها - أي على زراعتهم أرضها - بشطر ما يخرج منها. "وخيبر" على وزن جعفر مدينة كبيرة، ذات حصون منيعة، وحولها مزارع ونخيل وافرة غنية، بين المدينة والشام، على نحو مائة وثلاثين ميلاً من المدينة، تحصن بها اليهود داخل أسوارها حين غزاهم رسول الله ﷺ في أواخر المحرم سنة سبع من الهجرة، حاصرهم بضع عشرة ليلة، ثم فتحها الله، واستسلم اليهود، وأراد النبي ﷺ إخراجهم من خيبر إلى الشام، كما فعل ببني النضير، لكنهم طالبوا رسول الله ﷺ أن يقرهم في ديارهم وأرضيهم التي صارت للمسلمين، على أن يسقوا شجرها، ويحرثوا أرضها، ويرعوا زرعها، والبذر ونفقات الرعاية من جانبهم، ولرسول الله ﷺ والمسلمين نصف ما يخرج من الأرض من ثمر أو زرع. فالشطر بفتح الشين المراد منه هنا النصف. وأشار بالثمر إلى المساقاة، وبالزرع إلى المزارعة. (أعطى رسول الله ﷺ خيبر بشطر ما يخرج .. ) التقدير: أعطى أهل خيبر أرض خيبر بشطر ما يخرج. (فكان يعطي أزواجه كل سنة مائة وسق) أي فكانت نفقته على بيوته من ثمار خيبر، من ثمرها وشعيرها مائة وسق، بضم الواو وفتحها وكسرها مع سكون السين، والوسق ستون صاعًا، والصاع خمسة أرطال وثلث. (ثمانين وسقًا من تمر) "ثمانين" بالنصب بدل من "مائة" وعند الأكثرين "ثمانون" بالرفع على القطع. (فلما ولي عمر قسم خيبر) "قسم" بتخفيف السين، وفي الكلام طي، والتقدير: فلما ولي عمر، وعزم على إخراج اليهود من جزيرة العرب، وأجلى أهل خيبر قسم أرضها على من كان شهد خيبر من المسلمين، وكانوا يأخذون أسهمًا من ثمرها وزرعها. (خير أزواج رسول الله ﷺ في رواية البخاري "فخير" وهي أوضح، والكلام مستأنف على رواية مسلم، وهذا التخيير من عمر تكريم منه لهن. ﵅. (أن يقطع لهن الأرض والماء) بضم الياء في "يقطع" وكسر الطاء، أي يعطيهن سهمهن أرضًا وماء للري، بدل التمر والشعير. (أو يضمن لهن الأوساق كل عام) في رواية البخاري "أو يمضي لهن" أي يجري لهن الأوساق التي كانت تجري عليهن أيام رسول الله ﷺ وأبي بكر، وذلك بأن يعامل على أرضهن بالمساقاة والمزارعة ويحصل على الثمر والزرع لبيت المال، ويجري عليهن من بيت المال ما كان لهن من أوساق.

стр. 3353

(فكانت عائشة وحفصة ممن اختارتا الأرض والماء) كذا في جميع الأصول التي بين أيدينا "ممن اختارتا" وهو مبني على جعل "من" تبعيضية، إذ كان حقه أن يقول: "ممن اختار" أو "ممن اخترن" وتوجيهه بجعل "من" بيانية أو زائدة، والفرق بينهما أن التبعيضية يكون ما بعدها أكثر مما قبلها بخلاف البيائية أو الزائدة، كما في قوله تعالى ﴿يحلون فيها من أساور﴾ [الكهف: ٣١] وعلامة الزائدة أن المعنى على عدم وجودها، وهي هنا كذلك، كأنه قال: عائشة وحفصة من اختارتا. هما اللتان اختارتا، وهذا هو الواقع، فلم يختر ذلك من أمهات المؤمنين غيرهما. وفي رواية البخاري "وكانت عائشة اختارت الأرض" على معنى اختارت أن يقطع لها سهمها أرضًا، تتعامل عليها بالمساقاة والمزارعة. (أقركم فيها على ذلك ما شئنا) في الرواية الخامسة "نقركم بها على ذلك ما شئنا" "على ذلك" أي على ما تعرضون من نصف الزرع والثمر والإقامة، و"ما" في "ما شئنا" ظرفية دوامية، أي مدة مشيئتنا، وطالما نحن نشاء، أي نمكنكم من المقام في خيبر ما شئنا، ثم نخرجكم إذا شئنا، لأنه ﷺ كان عازمًا على إخراج الكفار من جزيرة العرب. (وكان الثمر يقسم على السهمان) أي كان الثمر الذي يحصل عليه المسلمون من أرض خيبر يقسم على من حضر غزوة خيبر، والسهمان بضم السين جمع سهم. أي كان يقسم حسب أسهم الغازين لخيبر. (فيأخذ رسول اللَّه ﷺ الخمس) أي ويدفعه إلى مستحقيه، وهم الأصناف الخمسة المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١] فيأخذ لنفسه خمسًا واحدًا من الخمس، ويصرف الأخماس الباقية من الخمس إلى الأصناف الأربعة الباقين. (حتى أجلاهم عمر إلى تيماء وأريحاء) وهما قريتان معروفتان بفلسطين. -[فقه الحديث]- في الباب السابق تكلمنا عن خلاف الفقهاء وأدلتهم في حكم المساقاة والمزارعة. -[ويؤخذ من هذه الأحاديث فوق ما تقدم]- ١ - من قوله "بشطر ما يخرج منها" أن الجزء المتفق عليه في المساقاة يكون معلومًا، من نصف وربع وغيرهما، من الأجزاء المعلومة، فلا يجوز على مجهول، كقوله: على أن لك بعض الثمر. قال النووي: واتفق المجوزون للمساقاة على جوازها بما اتفق عليه المتعاقدان من قليل أو كثير. ٢ - من قوله "من ثمر أو زرع" احتج الشافعي وموافقوه على جواز المزارعة تبعًا للمساقاة، وإن كانت المزارعة عندهم لا تجوز منفردة.

стр. 3354

٣ - ومن قوله "نقركم بها على ذلك ما شئنا" احتج أهل الظاهر به على جواز المساقاة مدة مجهولة، وقال الجمهور: لا تجوز المساقاة إلا إلى مدة معلومة، كالإجارة، وتأولوا الحديث بأن معناه نقركم إلى مدة العهد، وقيل: كان ذلك جائزًا في أول الإسلام خاصة للنبي ﷺ ، وقيل: معناه أن لنا إخراجكم بعد انقضاء المدة المسماة، وكانت هناك مدة مسماة للعقد لم تذكر، أو يكون المراد بيان أن المساقاة ليست بعقد دائم كالبيع والنكاح، بل بعد انقضاء المدة تنقضي المساقاة، فإن شئنا عقدنا عقدًا آخر. وإن شئنا أخرجناكم. وقال أبو ثور: إذا أطلقا المساقاة اقتضى ذلك سنة واحدة. والظاهر أن العرف حكم في المدة. ٤ - استدل بقوله "على أن يعتملوها من أموالهم" على أن وظيفة عامل المساقاة أن عليه كل ما يحتاج إليه في إصلاح الثمر واستزادته، مما يتكرر كل سنة، كالسقي وتنقية مجاري المياه، وإصلاح منابت الشجر وتلقيحه وتنقية الحشيش والقضبان وحفظ الثمرة وجذاذها ونحو ذلك. وأما ما يقصد به حفظ الأصل، ولا يتكرر كل سنة، كبناء الحيطان، وحفر الأنهار فعلى المالك. قاله النووي. ٥ - استدل بهذه الأحاديث لمذهب الشافعي وموافقيه أن الأرض التي تفتح عنوة تقسم بين الغانمين الذين فتحوها، كما تقسم بينهم الغنيمة المنقولة بالإجماع، لأن رسول الله ﷺ قسم خيبر بينهم. وقال مالك وأصحابه: يقفها الإمام على المسلمين، كما فعل عمر ﵁ في أرض سواد العراق، وقال أبو حنيفة والكوفيون: يتخير الإمام بحسب المصلحة في قسمتها أو تركها في أيدي من كانت لهم، بخراج يوظفه عليها، وتصير ملكًا لهم، كأرض الصلح. ٦ - استدل بقوله "فأجلاهم عمر إلى تيماء وأريحاء" على أن مراد رسول الله ﷺ بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب إخراجهم من بعضها، وهو الحجاز خاصة، لأن تيماء من جزيرة العرب، لكنها ليست من الحجاز، قاله النووي. واللَّه أعلم

стр. 3355

(٤١٠) باب فضل الغرس والزرع ٣٥٠٠ - عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "ما من مسلم يغرس غرسًا إلا كان ما أكل منه له صدقة. وما سرق منه له صدقة. وما أكل السبع منه فهو له صدقة. وما أكلت الطير فهو له صدقة. ولا يرزؤه أحد إلا كان له صدقة". ٣٥٠١ - عن جابر ﵁: أن النبي ﷺ دخل على أم مبشر الأنصارية في نخل لها. فقال لها النبي ﷺ "من غرس هذا النخل؟ أمسلم أم كافر؟ " فقالت: بل مسلم. فقال "لا يغرس مسلم غرسًا، ولا يزرع زرعًا، فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا شيء، إلا كانت له صدقة". ٣٥٠٢ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يغرس رجل مسلم غرسًا، ولا زرعًا، فيأكل منه سبع أو طائر أو شيء، إلا كان له فيه أجر". وقال ابن أبي خلف: طائر شيء. ٣٥٠٣ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: دخل النبي ﷺ على أم معبد، حائطًا. فقال "يا أم معبد من غرس هذا النخل؟ أمسلم أم كافر؟ " فقالت: بل مسلم. قال "فلا يغرس المسلم غرسًا، فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا طير، إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة". ومثله.

стр. 3356

٣٥٠٤ - عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "ما من مسلم يغرس غرسًا، أو يزرع زرعًا، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة، إلا كان له به صدقة". ٣٥٠٥ - عن أنس بن مالك ﵁: أن نبي الله ﷺ دخل نخلاً لأم مبشر، امرأة من الأنصار. فقال رسول الله ﷺ "من غرس هذا النخل؟ أمسلم أم كافر؟ " قالوا: مسلم. بنحو حديثهم. -[المعنى العام]- خلق اللَّه تعالى آدم وذريته على كوكب الأرض، وهيأ لهم فيها أسباب عمارتها، ووسائل الانتفاع منها. أخرج منها ماءها ومرعاها، وأرسل السماء عليها مدرارًا، وأنبت فيها الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات، وكان على الإنسان أن يحرث الأرض، ويبذر فيها البذر، وأن يسقيها بالماء، وعلى الله أن يشق الأرض، ويفلق الحب والنوى، ويخرج الحي من الميت، ينشئ جنات معروشات وغير معروشات، والزرع والنخل مختلفًا أكله والزيتون والرمان، متشابهًا وغير متشابه، صنوان وغير صنوان، يسقى بماء واحد، وينبت في مكان واحد، ويفضل بعضها على بعض في الأكل والطعم. تبارك الله رب العالمين. خلق الأرض، وقدر فيها أقواتها، وطلب منا أن نثير الأرض، ونضع البذر، ونرعاه بالسقي وغيره لمصلحتنا نحن. ومع ذلك وعدنا على ذلك بالأجر والثواب "ما من مسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا فيأكل منه إنسان أو طير أو بهيمة إلا كان له به صدقة" حتى ما يسرق منه، له به أجر، ما ينزل عليه من آفة له به أجر، ما يقع له في زرعه من ابتلاء ومصيبة له به أجر، أجر مستمر متكرر متجدد كلما انتفع بهذا الزرع حي من الأحياء، حتى لو مات الزارع بقي زرعه وغرسه صدقة جارية يصله ثواب نفعه، وهو في قبره، طيلة انتفاع الناس به. ففي بعض الروايات "من غرس غرسًا في غير ظلم ولا اعتداء كان له أجر جار، ما انتفع من خلق الرحمن ﵎ أحد" وفي رواية "من نصب شجرة، فصبر على حفظها، والقيام عليها حتى تثمر، كان له في كل شيء يصاب من ثمرها صدقة عند الله " ولقد بلغ من حث الشريعة على الزرع، والحرص عليه حتى آخر لحظة من الحياة أن قال رسول الله ﷺ "إن قامت الساعة، وبيد أحدكم فسيلة - أي نبته شجر صغيرة أو نخلة صغيرة "شتلة زرع" فاستطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها".

стр. 3357

-[المباحث العربية]- (ما من مسلم) "من" زائدة، والتعبير بالمسلم للاحتراز عن الكافر، فإن هذا الأجر خاص بالمسلم، تصرح بذلك الرواية الثانية والرابعة، إذ يسأل رسول الله ﷺ عن الغارس. أمسلم أم كافر؟ ثم عموم المسلم بسبب تنكيره، ووقوعه في سياق النفي، وإدخال "من" عليه، مما يزيد عمومه يشمل الحر والعبد والمطيع والعاصي وقاصد النفع العام، وقاصد نفع نفسه، ومن يغرس بأجر، ومن يتطوع بذلك وغير ذلك، وأما المرأة فهي داخلة في الحكم لأن التعبير بالمسلم للتغليب، ولفظ "رجل" في الرواية الثالثة لا مفهوم له، بل هو لبيان الواقع والغالب والكثير، وأما رواية "ما من عبد" والعبد يشمل المسلم والكافر فالمراد منها المسلم، حملاً للمطلق على المقيد. لما يأتي في فقه الحديث. (يغرس غرسًا) في الرواية الثانية "لا يغرس مسلم غرسًا، ولا يزرع زرعًا" والغرس خاص بالشجر، والزرع بالنبات الصغير. (إلا كان ما أكل منه له صدقة) "ما أكل" بالبناء للمجهول، وحذف الفاعل لإرادة عموم الآكل، وهو ما أشار إليه في الرواية الثانية "إنسان ولا دابة، ولا شيء" وفي الرواية الثالثة "سبع أو طائر أو شيء" وفي الرواية الخامسة "طير أو إنسان أو بهيمة" وفي رواية لأحمد "آدمي أو خلق ممن خلق الله" وفي رواية "ما أصابت منه العوافي" والعوافي طلاب الرزق من الناس والدواب والطير، والتعبير بالأكل لأنه أهم مقاصد النفع والمراد مطلق الانتفاع ولو بالظل أو باللمس أو بالريح أو بالمنظر الجميل. (ولا يرزؤه أحد) براء قبل الزاي ثم همزة، أي لا يأخذ منه أحد أخذًا ينقص ما عنده، يقال: رزأه يرزأه بفتح الهمزة فيهما رزءًا بضم الراء وسكون الزاي، إذا أصابه برزء، أي مصيبة. ففيه إشارة إلى أن الأجر ثابت، ولو كان الأخذ رغم أنفه، ولو كان فيه إفساد في نظره. (إلا كان له صدقة) أي إلا كان هذا الأكل له صدقة، أي يشبه الصدقة في حصول الأجر الأخروي فالكلام على التشبيه. ففيه استعارة تصريحية. (دخل على أم مبشر الأنصارية في نخل لها) أي في حائط نخل أو حديقة نخل. وأم مبشر بضم الميم وفتح الباء وتشديد الشين المكسورة - هي أم معبد - بفتح الميم وسكون العين وفتح الباء الواردة في الرواية الرابعة. قال النووي: ويقال "أم بشير" بفتح الباء وكسر الشين، فحصل أنها يقال لها: أم مبشر وأم معبد وأم بشير، واسمها قيل الخليدة، ولم يصح، وهي امرأة زيد بن حارثة. أسلمت وبايعت. (إلى يوم القيامة) جعل الغاية مرتبطة بقوله "لا يغرس المسلم غرسًا" على معنى أن هذا الحكم ثابت للغارس الذي يغرس في أي زمان إلى يوم القيامة لا يفيد جديدًا، فهذا الحكم كالأحكام

стр. 3358

الشرعية عمومًا قائمة إلى يوم القيامة، لهذا ربطها العلماء بصدقة، أي صدقة جارية مستمرة بعد مماته، وليس المراد أن أجره لا ينقطع إلى يوم القيامة، وإن فنى الزرع أو الغرس، بل المراد ما بقي ذلك الزرع والغرس منتفعًا به، وإن بقي إلى يوم القيامة. -[فقه الحديث]- في هذه الأحاديث فضيلة الغرس والزرع، واستدل بها بعضهم على أن الزراعة أفضل المكاسب، قال النووي: وقد اختلف العلماء في أطيب المكاسب وأفضلها، فقيل: التجارة، وقيل الصنعة باليد، وقيل: الزراعة، وهو الصحيح. اهـ. فالذي يفضل الزراعة على بقية المكاسب يستدل بهذا الحديث وبأنها أقرب المكاسب إلى التوكل، وأكثرها تذكيرًا بفضل الله وقدرته، ولما فيها من النفع العام للآدمي والدواب، ولأنها لا بد فيها في العادة أن يؤكل منها بغير عوض. والذي يفضل التجارة قد يستدل بقوله تعالى ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله﴾ [الجمعة: ١٠] وبأن الكثيرين من المهاجرين كانوا يضربون في الأسواق. والذي يفضل الصناعة يستدل بحديث "ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود ﵇ كان يأكل من عمل يده". والتحقيق أن الإطلاق في هذا غير سليم، بل كل منها ومن غيرها يختلف باختلاف النوع والشخص والناس والظروف العامة، فليست الزراعة بالعمال مثل الزراعة باليد، فالزارع بنفسه يأكل من عمل يده، والتاجر يأكل من عمل يده، وزراعة ما يحتاجه الناس، وتتوقف عليه حياتهم كالحبوب، لا يساويها زراعة الكماليات والفواكه المرتفعة الأسعار ابتغاء الكسب، والزراعة حين تكثر المزروعات ليست كالزراعة في أوقات الحاجات والضرورات والزارع المحتسب المخلص لا يساويه المنتفع المستغل، فدرجة الحل في كل مكسب تختلف، ودرجات النفع العام من التكسب تختلف، ودرجات حاجات الناس إلى هذا التكسب تختلف. المهم أن يعمل المسلم ولا يتواكل، وأن يجد في الحلال ولا يتكاسل. وفي الأحاديث المذكورة أن الغرس والزرع - وكذا الصنائع والتجارة - مباح، وغير قادح في الزهد، أما حديث الترمذي "لا تتخذوا الضيعة فتركنوا إلى الدنيا" فهو محمول على الاستكثار من الضياع، والانصراف إليها بالقلب. الذي يفضي بصاحبه إلى الركون إلى الدنيا، فسبيل الضيعة سبيل المال، غير مستحب إلا إذا أخذه بحقه ووضعه في حقه. وفي حديث أم مبشر أن الأجر يحصل لمن قام بالزرع، ولو لم يكن مالكًا له أو للأرض، فقد سألها رسول الله ﷺ عن الغارس، وهو يعلم أنها المالكة. وفي الأحاديث جواز نسبة الزرع إلى الآدمي، فحديث ابن أبي حاتم "لا يقل أحدكم زرعت، ولكن

стр. 3359

ليقل حرثت، ألم تسمع لقول الله تعالى ﴿أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون﴾ [الواقعة: ٦٤] بعد قوله تعالى ﴿أفرأيتم ما تحرثون﴾ حديث ضعيف، وعلى فرض صحته فهو توجيه للزارع الحارث أن يعتقد أن الله هو مخرج الزرع ومنبته وراعيه في النمار والثمر، ولا يعتقد شيئًا من ذلك بحول نفسه وقوته. وفي هذه الأحاديث، الحض على عمارة الأرض لنفسه ولمن يأتي بعده. وأنه قد يثاب المرء رغم أنفه، وأن نفع المسلم المسلمين مأجور عليه، وإن لم يقصد. وأن في الإحسان إلى كل ذات كبد رطبة أجرًا. واللَّه أعلم

стр. 3360

(٤١١) باب وضع الجوائح، وفضل إنظار المعسر والتجاوز عن الموسر ٣٥٠٦ - عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال "إن بعت من أخيك ثمرًا". وعن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله ﷺ "لو بعت من أخيك ثمرًا، فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا. بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟ ". ٣٥٠٧ - عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن بيع ثمر النخل حتى تزهو. فقلنا لأنس: ما زهوها؟ قال: تحمر وتصفر. أرأيتك إن منع الله الثمرة، بم تستحل مال أخيك؟ . ٣٥٠٨ - عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمرة حتى تزهي. قالوا: وما تزهي؟ قال: تحمر. فقال: إذا منع الله الثمرة، فبم تستحل مال أخيك؟ . ٣٥٠٩ - عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال "إن لم يثمرها الله، فبم يستحل أحدكم مال أخيه". ٣٥١٠ - عن جابر ﵁: أن النبي ﷺ أمر بوضع الجوائح. ٣٥١١ - عن أبي سعيد الخدري قال: أصيب رجل في عهد رسول الله

стр. 3361

صلى الله عليه وسلم في ثمار ابتاعها. فكثر دينه. فقال رسول الله ﷺ "تصدقوا عليه" فتصدق الناس عليه. فلم يبلغ ذلك وفاء دينه. فقال رسول الله ﷺ لغرمائه "خذوا ما وجدتم. وليس لكم إلا ذلك". ٣٥١٢ - عن عائشة ﵂ قالت: سمع رسول الله ﷺ صوت خصوم بالباب. عالية أصواتهما. وإذا أحدهما يستوضع الآخر ويسترفقه في شيء. وهو يقول: والله لا أفعل. فخرج رسول الله ﷺ عليهما. فقال "أين المتألي على الله لا يفعل المعروف؟ " قال: أنا يا رسول الله، فله أي ذلك أحب. ٣٥١٣ - عن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينًا كان له عليه، في عهد رسول الله ﷺ ، في المسجد. فارتفعت أصواتهما. حتى سمعها رسول الله ﷺ وهو في بيته. فخرج إليهما رسول الله ﷺ حتى كشف سجف حجرته. ونادى كعب بن مالك. فقال "يا كعب" فقال: لبيك يا رسول الله. فأشار إليه بيده أن ضع الشطر من دينك. قال كعب: قد فعلت، يا رسول الله. قال رسول الله ﷺ "قم فاقضه". ٣٥١٤ - عن كعب بن مالك أنه تقاضى دينًا له على ابن أبي حدرد بمثل حديث ابن وهب. ٣٥١٥ - عن كعب بن مالك ﵁ أنه كان له مال على عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي. فلقيه فلزمه فتكلما حتى ارتفعت أصواتهما. فمر بهما رسول الله ﷺ . فقال "يا كعب" فأشار بيده. كأنه يقول النصف. فأخذ نصفًا مما عليه. وترك نصفًا.

стр. 3362

٣٥١٦ - عن أبي هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ (أو سمعت رسول الله ﷺ يقول) "من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس (أو إنسان قد أفلس) فهو أحق به من غيره". ٣٥١٧ - - وفي رواية قال ابن رمح من بينهم في روايته: أيما امرئ فلس. ٣٥١٨ - عن حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في الرجل الذي يعدم، إذا وجد عنده المتاع ولم يفرقه "أنه لصاحبه الذي باعه". ٣٥١٩ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "إذا أفلس الرجل، فوجد الرجل متاعه بعينه، فهو أحق به". وقالا "فهو أحق به من الغرماء". ٣٥٢٠ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "إذا أفلس الرجل، فوجد الرجل عنده سلعته بعينها، فهو أحق بها". ٣٥٢١ - عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "تلقت الملائكة روح رجل ممن كان قبلكم. فقالوا: أعملت من الخير شيئًا؟ قال: لا. قالوا: تذكر. قال: كنت أداين

стр. 3363

الناس. فآمر فتياني أن ينظروا المعسر ويتجوزوا عن الموسر. قال: قال الله : تجوزوا عنه". ٣٥٢٢ - اجتمع حذيفة وأبو مسعود ﵄ فقال حذيفة "رجل لقي ربه. فقال: ما عملت؟ قال: ما عملت من الخير، إلا أني كنت رجلاً ذا مال. فكنت أطالب به الناس. فكنت أقبل الميسور وأتجاوز عن المعسور. فقال: تجاوزوا عن عبدي" قال أبو مسعود: هكذا سمعت رسول الله ﷺ يقول. ٣٥٢٣ - عن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ "أن رجلاً مات فدخل الجنة. فقيل له: ما كنت تعمل؟ (قال: فإما ذكر وإما ذكر) فقال: إني كنت أبايع الناس. فكنت أنظر المعسر وأتجوز في السكة أو في النقد. فغفر له" فقال أبو مسعود: وأنا سمعته من رسول الله ﷺ . ٣٥٢٤ - عن حذيفة ﵁ قال: "أتي الله بعبد من عباده، آتاه الله مالاً فقال له: ماذا عملت في الدنيا؟ (قال: ولا يكتمون الله حديثًا) قال: يا رب آتيتني مالك. فكنت أبايع الناس. وكان من خلقي الجواز. فكنت أتيسر على الموسر وأنظر المعسر. فقال الله: أنا أحق بذا منك. تجاوزوا عن عبدي". فقال عقبة بن عامر الجهني، وأبو مسعود الأنصاري: هكذا سمعناه من في رسول الله ﷺ . ٣٥٢٥ - عن أبي مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "حوسب رجل ممن كان قبلكم. فلم يوجد له من الخير شيء. إلا أنه كان يخالط الناس. وكان موسرًا. فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر. قال: قال الله : نحن أحق بذلك منه. تجاوزوا عنه".

стр. 3364

٣٥٢٦ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "كان رجل يداين الناس. فكان يقول لفتاه: إذا أتيت معسرًا فتجاوز عنه. لعل الله يتجاوز عنا. فلقي الله فتجاوز عنه". ٣٥٢٧ - عن عبد الله بن أبي قتادة أن أبا قتادة طلب غريمًا له فتوارى عنه. ثم وجده. فقال: إني معسر. فقال: آلله؟ قال آلله. قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول "من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر، أو يضع عنه". -[المعنى العام]- خلق الله الإنسان وفي طبعه الشح، وفي طبعه حب المال، وفي طبعه الحرص على ما يملك، وفي طبعه السعي لجمع ما لا يملك، وفي طبعه الأثرة، وليس الإيثار، كل ذلك يظهر في المعاملات المالية بين البشر، من بيع وشراء، ودين ووفاء، وإتلاف وضمان، وخصومات وقضاء، وكثيرًا ما تكون المعاملة بين قوي وضعيف، وغني وفقير، وعظيم وحقير، وسيد ومسود، فمن يحفظ الحق للضعيف؟ ليس إلا الإسلام، وتشريعات الإسلام، وحكام الإسلام، الذين قال أوائلهم: القوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه، والضعيف منكم قوي حتى آخذ الحق له. أما التشريعات الواردة في هذه الأحاديث، والتي تعالج النزعات الإنسانية فهي السماحة والسهولة والتيسير وفيها يقول الرسول الكريم ﷺ : "رحم الله رجلاً سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى" إذا أعطى ما عليه أعطى بسهولة من غير مطل ومن غير إجحاف، وإذا طلب ماله عند الغير طلب برفق، وأخذ ما تيسر، وأجل ما لم تيسر، ويتنازل عن بعض الحق إذا أمكن، ولا يضيق على معسر، ويقدر ظروف معامله، وملابسات التعامل، فإذا هلكت سلعة باعها وقبض ثمنها، وهي عنده تحملها، لأنه إن أكل ثمنها فقد أكل مال أخيه بدون مقابل وبغير حق، إن رسول الله ﷺ سمع صوت خصمين وهو في بيته، فخرج إليهما، فوجد مدينًا يستعطف الدائن أن يمهله، ودائنًا يحلف بالله أن لا يدعه ولا يتنازل عن شيء من حقه، فخرج ﷺ يعنف الدائن على غلظته وقسوته،

стр. 3365

وقال: من منكما الذي يحلف ألا يفعل الخير؟ قال الدائن: أنا يا رسول الله، ولن أعود، وسأعاقب نفسي على ما فعلت بأن أتنازل عن بعض الدين، أو أؤجله الدين إلى ميسرة، ولخصمي أي الأمرين أحب. ويحكي ﷺ أن رجلاً فيمن كان قبلنا لم يقدم خيرًا قط، ولم يعمل صالحًا قط، إلا أنه كان سمحًا إذا باع، سمحًا إذا داين، سمحًا عند استيفاء حقه، فلما مات قال الله تعالى: نحن أحق بالتجاوز منه. تجاوزت عنه، وعن تقصيره في حقي، يا ملائكتي، تجاوزوا عنه، وأدخلوه الجنة. وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ -[المباحث العربية]- (لو بعت من أخيك ثمرًا) كذا هو في الأصول التي بين أيدينا "لو بعت من أخيك ثمرًا" والمراد: لو بعت أخاك ثمرًا، فالمخاطب البائع الذي تلفت عنده الثمرة وقد أخذ ثمنها من المشتري، فمن زائدة في الإثبات، على مذهب الأخفش والكوفيين، كما في قوله تعالى ﴿يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم﴾ [الأحقاف: ٣١] فالإيمان يجب ما قبله، ويغفر كل الذنوب. (فأصابته جائحة) الجائحة الشدة العظيمة التي تجتاح المال وتهلكه وتستأصله. أي فأصابت الثمر المباع مهلكة. (فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا) أي لا يحل لك أيها البائع أن تأخذ من أخيك المشتري شيئًا من مال. (بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟ ) الاستفهام إنكاري توبيخي، أي لا ينبغي ولا يحل لك أيها البائع ذلك. فإنك إن أخذت شيئًا كان بغير حق. وفي الرواية الثانية "بم تستحل مال أخيك"؟ وفي الرواية الثالثة "إذا منع الله الثمرة فبم تستحل مال أخيك"؟ والمراد من منعها هلاكها، ومنعها من السلامة والنضوج، وفي الرواية الرابعة "إن لم يثمرها الله فبم يستحل أحدكم مال أخيه"؟ أي إن لم يحفظها لتكون ثمرة صالحة للأكل. (أرأيتك إن منع الله الثمرة. بم تستحل مال أخيك؟ ) "أرأيتك" أي أخبرني، فالاستفهام يراد به مطلق الطلب بدل طلب الفهم. مجاز مرسل، والرؤية يراد بها الإخبار، مجاز مرسل، علاقته السببية والمسببية. فآل الأمر إلى طلب الإخبار، المدلول عليه بلفظ أخبرني. (أمر بوضع الجوائح) أي بالتنازل عن قيمة الجائحة، فلا يأخذ البائع قيمة المبيع الذي هلك عنده قبل قبضه. (أصيب في ثمار ابتاعها) أي هلكت ثمار اشتراها، والظاهر أنها كانت بعد بدو الصلاح، أو أن ذلك كان بتقصير منه قبل الجذاذ، إذ لم يرجع على البائع بشيء.
следующие страницы →