Полный текст (6 200 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.
стр. 3361
صلى الله عليه وسلم في ثمار ابتاعها. فكثر دينه. فقال رسول الله ﷺ "تصدقوا عليه" فتصدق الناس عليه. فلم يبلغ ذلك وفاء دينه. فقال رسول الله ﷺ لغرمائه "خذوا ما وجدتم. وليس لكم إلا ذلك".
٣٥١٢ - عن عائشة ﵂ قالت: سمع رسول الله ﷺ صوت خصوم بالباب. عالية أصواتهما. وإذا أحدهما يستوضع الآخر ويسترفقه في شيء. وهو يقول: والله لا أفعل. فخرج رسول الله ﷺ عليهما. فقال "أين المتألي على الله لا يفعل المعروف؟ " قال: أنا يا رسول الله، فله أي ذلك أحب.
٣٥١٣ - عن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينًا كان له عليه، في عهد رسول الله ﷺ ، في المسجد. فارتفعت أصواتهما. حتى سمعها رسول الله ﷺ وهو في بيته. فخرج إليهما رسول الله ﷺ حتى كشف سجف حجرته. ونادى كعب بن مالك. فقال "يا كعب" فقال: لبيك يا رسول الله. فأشار إليه بيده أن ضع الشطر من دينك. قال كعب: قد فعلت، يا رسول الله. قال رسول الله ﷺ "قم فاقضه".
٣٥١٤ - عن كعب بن مالك أنه تقاضى دينًا له على ابن أبي حدرد بمثل حديث ابن وهب.
٣٥١٥ - عن كعب بن مالك ﵁ أنه كان له مال على عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي. فلقيه فلزمه فتكلما حتى ارتفعت أصواتهما. فمر بهما رسول الله ﷺ . فقال "يا كعب" فأشار بيده. كأنه يقول النصف. فأخذ نصفًا مما عليه. وترك نصفًا.
стр. 3362
٣٥١٦ - عن أبي هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ (أو سمعت رسول الله ﷺ يقول) "من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس (أو إنسان قد أفلس) فهو أحق به من غيره".
٣٥١٧ - - وفي رواية قال ابن رمح من بينهم في روايته: أيما امرئ فلس.
٣٥١٨ - عن حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في الرجل الذي يعدم، إذا وجد عنده المتاع ولم يفرقه "أنه لصاحبه الذي باعه".
٣٥١٩ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "إذا أفلس الرجل، فوجد الرجل متاعه بعينه، فهو أحق به".
وقالا "فهو أحق به من الغرماء".
٣٥٢٠ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "إذا أفلس الرجل، فوجد الرجل عنده سلعته بعينها، فهو أحق بها".
٣٥٢١ - عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "تلقت الملائكة روح رجل ممن كان قبلكم. فقالوا: أعملت من الخير شيئًا؟ قال: لا. قالوا: تذكر. قال: كنت أداين
стр. 3363
الناس. فآمر فتياني أن ينظروا المعسر ويتجوزوا عن الموسر. قال: قال الله : تجوزوا عنه".
٣٥٢٢ - اجتمع حذيفة وأبو مسعود ﵄ فقال حذيفة "رجل لقي ربه. فقال: ما عملت؟ قال: ما عملت من الخير، إلا أني كنت رجلاً ذا مال. فكنت أطالب به الناس. فكنت أقبل الميسور وأتجاوز عن المعسور. فقال: تجاوزوا عن عبدي" قال أبو مسعود: هكذا سمعت رسول الله ﷺ يقول.
٣٥٢٣ - عن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ "أن رجلاً مات فدخل الجنة. فقيل له: ما كنت تعمل؟ (قال: فإما ذكر وإما ذكر) فقال: إني كنت أبايع الناس. فكنت أنظر المعسر وأتجوز في السكة أو في النقد. فغفر له" فقال أبو مسعود: وأنا سمعته من رسول الله ﷺ .
٣٥٢٤ - عن حذيفة ﵁ قال: "أتي الله بعبد من عباده، آتاه الله مالاً فقال له: ماذا عملت في الدنيا؟ (قال: ولا يكتمون الله حديثًا) قال: يا رب آتيتني مالك. فكنت أبايع الناس. وكان من خلقي الجواز. فكنت أتيسر على الموسر وأنظر المعسر. فقال الله: أنا أحق بذا منك. تجاوزوا عن عبدي". فقال عقبة بن عامر الجهني، وأبو مسعود الأنصاري: هكذا سمعناه من في رسول الله ﷺ .
٣٥٢٥ - عن أبي مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "حوسب رجل ممن كان قبلكم. فلم يوجد له من الخير شيء. إلا أنه كان يخالط الناس. وكان موسرًا. فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر. قال: قال الله : نحن أحق بذلك منه. تجاوزوا عنه".
стр. 3364
٣٥٢٦ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "كان رجل يداين الناس. فكان يقول لفتاه: إذا أتيت معسرًا فتجاوز عنه. لعل الله يتجاوز عنا. فلقي الله فتجاوز عنه".
٣٥٢٧ - عن عبد الله بن أبي قتادة أن أبا قتادة طلب غريمًا له فتوارى عنه. ثم وجده. فقال: إني معسر. فقال: آلله؟ قال آلله. قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول "من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر، أو يضع عنه".
-[المعنى العام]-
خلق الله الإنسان وفي طبعه الشح، وفي طبعه حب المال، وفي طبعه الحرص على ما يملك، وفي طبعه السعي لجمع ما لا يملك، وفي طبعه الأثرة، وليس الإيثار، كل ذلك يظهر في المعاملات المالية بين البشر، من بيع وشراء، ودين ووفاء، وإتلاف وضمان، وخصومات وقضاء، وكثيرًا ما تكون المعاملة بين قوي وضعيف، وغني وفقير، وعظيم وحقير، وسيد ومسود، فمن يحفظ الحق للضعيف؟ ليس إلا الإسلام، وتشريعات الإسلام، وحكام الإسلام، الذين قال أوائلهم: القوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه، والضعيف منكم قوي حتى آخذ الحق له.
أما التشريعات الواردة في هذه الأحاديث، والتي تعالج النزعات الإنسانية فهي السماحة والسهولة والتيسير وفيها يقول الرسول الكريم ﷺ : "رحم الله رجلاً سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى" إذا أعطى ما عليه أعطى بسهولة من غير مطل ومن غير إجحاف، وإذا طلب ماله عند الغير طلب برفق، وأخذ ما تيسر، وأجل ما لم تيسر، ويتنازل عن بعض الحق إذا أمكن، ولا يضيق على معسر، ويقدر ظروف معامله، وملابسات التعامل، فإذا هلكت سلعة باعها وقبض ثمنها، وهي عنده تحملها، لأنه إن أكل ثمنها فقد أكل مال أخيه بدون مقابل وبغير حق، إن رسول الله ﷺ سمع صوت خصمين وهو في بيته، فخرج إليهما، فوجد مدينًا يستعطف الدائن أن يمهله، ودائنًا يحلف بالله أن لا يدعه ولا يتنازل عن شيء من حقه، فخرج ﷺ يعنف الدائن على غلظته وقسوته،
стр. 3365
وقال: من منكما الذي يحلف ألا يفعل الخير؟ قال الدائن: أنا يا رسول الله، ولن أعود، وسأعاقب نفسي على ما فعلت بأن أتنازل عن بعض الدين، أو أؤجله الدين إلى ميسرة، ولخصمي أي الأمرين أحب. ويحكي ﷺ أن رجلاً فيمن كان قبلنا لم يقدم خيرًا قط، ولم يعمل صالحًا قط، إلا أنه كان سمحًا إذا باع، سمحًا إذا داين، سمحًا عند استيفاء حقه، فلما مات قال الله تعالى: نحن أحق بالتجاوز منه. تجاوزت عنه، وعن تقصيره في حقي، يا ملائكتي، تجاوزوا عنه، وأدخلوه الجنة. وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟
-[المباحث العربية]-
(لو بعت من أخيك ثمرًا) كذا هو في الأصول التي بين أيدينا "لو بعت من أخيك ثمرًا" والمراد: لو بعت أخاك ثمرًا، فالمخاطب البائع الذي تلفت عنده الثمرة وقد أخذ ثمنها من المشتري، فمن زائدة في الإثبات، على مذهب الأخفش والكوفيين، كما في قوله تعالى ﴿يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم﴾ [الأحقاف: ٣١] فالإيمان يجب ما قبله، ويغفر كل الذنوب.
(فأصابته جائحة) الجائحة الشدة العظيمة التي تجتاح المال وتهلكه وتستأصله. أي فأصابت الثمر المباع مهلكة.
(فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا) أي لا يحل لك أيها البائع أن تأخذ من أخيك المشتري شيئًا من مال.
(بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟ ) الاستفهام إنكاري توبيخي، أي لا ينبغي ولا يحل لك أيها البائع ذلك. فإنك إن أخذت شيئًا كان بغير حق. وفي الرواية الثانية "بم تستحل مال أخيك"؟ وفي الرواية الثالثة "إذا منع الله الثمرة فبم تستحل مال أخيك"؟ والمراد من منعها هلاكها، ومنعها من السلامة والنضوج، وفي الرواية الرابعة "إن لم يثمرها الله فبم يستحل أحدكم مال أخيه"؟ أي إن لم يحفظها لتكون ثمرة صالحة للأكل.
(أرأيتك إن منع الله الثمرة. بم تستحل مال أخيك؟ ) "أرأيتك" أي أخبرني، فالاستفهام يراد به مطلق الطلب بدل طلب الفهم. مجاز مرسل، والرؤية يراد بها الإخبار، مجاز مرسل، علاقته السببية والمسببية. فآل الأمر إلى طلب الإخبار، المدلول عليه بلفظ أخبرني.
(أمر بوضع الجوائح) أي بالتنازل عن قيمة الجائحة، فلا يأخذ البائع قيمة المبيع الذي هلك عنده قبل قبضه.
(أصيب في ثمار ابتاعها) أي هلكت ثمار اشتراها، والظاهر أنها كانت بعد بدو الصلاح، أو أن ذلك كان بتقصير منه قبل الجذاذ، إذ لم يرجع على البائع بشيء.
стр. 3366
(لغرمائه) أي لدائنيه.
(صوت خصوم بالباب، عالية أصواتهما) جمع "خصوم" و"أصوات" باعتبار من حضر الخصومة، فإنهم ينضمون إلى أحد الخصمين، ويتكلمون، وثنى باعتبار الخصمين، أو كأن التخاصم من الجانبين بين جماعة، فجمع، ثم ثنى باعتبار جنس الخصم، وليس فيه حجة لمن جوز صيغة الجمع بالاثنين، كما زعم بعض الشراح. كذا قال الحافظ ابن حجر. وهو كما قال في جمع "خصوم" وتثنية الضمير، أما إفراد "صوت" في الأول وجمعه "أصوات" في الثاني فلأن الصوت مصدر يطلق على القليل والكثير، مثل "عدو" وقد بدأ وصول الصوت إليه بجملة، ثم كثر، و"عالية" يجوز فيه الجر على الصفة، والنصب على الحال، والمراد من الباب باب إحدى بيوته ﷺ ، والظاهر أنه بيت عائشة، والمراد قريبًا من الباب.
(وإذا أحدهما يستوضع الأخر) أي يطلب منه أن يضع عنه، ويسقط عنه بعض الدين، وهو المعروف في الفقه بالحطيطة.
(ويسترفقه في شيء) أي ويطلب منه أن يرفق به، وقد وقع بيان هذا الشيء، وأن المخاصة كانت في ثمر بين البائع والمشتري في رواية ابن حبان.
(وهو يقول) أي والآخر يقول.
(والله أفعل) هذا ولا ذاك، أي لا أضع ولا أنقص الثمن أو الدين، ولا أرفق بك فأؤخره، أو أمنحك ما يزيل خصومتك ويرضيك.
(فخرج رسول الله ﷺ من بيته إليهما.
(أين المتألي على الله لا يفعل المعروف؟ ) "المتألي" بضم الميم وفتح التاء وفتح الهمزة وكسر اللام المشددة. أي الحالف المبالغ في اليمين، مأخوذ من الألية، بفتح الهمزة وكسر اللام وتشديد الياء، وهي اليمين.
(فله أي ذلك أحب) أي فلخصمي أي الأمرين أحب، الوضع أو الرفق.
(أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينًا) أي طالبه به، وأراد قضاءه، و"حدرد" بفتح الحاء وسكون الدال وفتح الراء بعدها دال، وفي الرواية التاسعة "فلقيه" أي في المسجد.
(فخرج إليهما رسول اللَّه ﷺ حتى كشف سجف حجرته) بكسر السين وفتحها مع سكون الجيم، الستر، فخروجه ﷺ بروزه، والمعلوم أن بعض حجراته ﷺ كان يسترها عن المسجد ستر.
(قال ﷺ : قم فاقضه) أي قال للمدين بعد أن حط الدائن عنه النصف - قم
стр. 3367
فأد نصف دينك، والظاهر أنه قام فأدى في الحال، بدليل الرواية التاسعة، ففيها "فأخذ نصفًا مما عليه، وترك نصفًا".
(عند رجل قد أفلس) المفلس شرعًا من تزيد ديونه على موجوداته، سمي مفلسًا لأنه صار ذا فلوس بعد أن كان ذا دراهم ودنانير.
[الفلس عملة كانت تقدر بسدس الدرهم] إشارة إلى أنه صار لا يملك إلا أدنى الأموال، وهي الفلوس، أو سمي بذلك لأنه يمنع من التصرف إلا في الشيء التافه كالفلوس، لأنهم ما كانوا يتعاملون بها إلا في الأشياء الحقيرة، أو لأنه صار إلى حالة لا يملك فيها فلسًا، فعلى هذا فالهمزة في أفلس للسلب.
(فهو أحق به من غيره) ظاهره: أيا كان ذلك الغير، وارثًا أو غريمًا. وفي ملحق الرواية الثانية عشرة "فهو أحق به من الغرماء" وسيأتي الخلاف في فقه الحديث.
(في الرجل الذي يعدم) بضم الياء وسكون العين وكسر الدال، أي يفتقر.
(تلقت الملائكة روح رجل) أي استقبلت روحه عند الموت.
(فقالوا: أعملت من الخير شيئًا؟ قال: لا. قالوا: تذكر. قال) ظاهر هذه الرواية أن السائلين. ملائكة تلقى الأرواح عند الموت، وكأنهم رأوا منزلته في الجنة، أو أن القبضة كانوا ملائكة الرحمة، ولم يروا من الخير عملاً يؤهله لذلك، فسألوا.
وفي الرواية الخامسة عشرة "رجل لقي ربه، فقال: ما عملت؟ قال: ما عملت من الخير، إلا أني كنت ... " وظاهر هذه الرواية أن السائل هو الله تعالى لإظهار المنة والرحمة، فالسؤال سؤال استنطاق وتقرير. وفي الرواية السادسة عشرة "أن رجلاً مات فدخل الجنة، فقيل له: ما كنت تعمل؟ فإما ذكر - أي من تلقاء نفسه - وإما ذكر - أي ذكره غيره فقال ... "
وفي الرواية السابعة عشرة "أتى الله بعبد من عباده .. فقال له: ماذا عملت في الدنيا؟ .. " وهي كالرواية الخامسة عشرة، وفي الرواية الثامنة عشرة أن هذا القول عند الحساب.
ولا تعارض، فقد يسأل الرجل ويجيب في كل هذه المواطن، ومن السائلين المختلفين.
(كنت أداين الناس .... ) في الرواية الخامسة عشرة "كنت رجلاً ذا مال فكنت أطالب به الناس" أي كنت أداين، فأطالب. وفي الرواية السادسة عشرة والسابعة عشرة "كنت أبايع الناس" وفي الرواية الثامنة عشرة "كان يخالط الناس" ولا تعارض، فقد يبيع بالأجل، ويقرض، ويخالط الناس بمعاملات أخرى كالشركة والقراض ونحو ذلك.
(فآمر فتياني أن ينظروا المعسر، ويتجوزوا عن الموسر) وفي الرواية السادسة عشرة "فكنت أنظر المعسر، وأتجوز في السكة - المراد بها المعادن المسكوكة والمضروبة نقودًا للتعامل بها
стр. 3368
- أو في النقد" شك من الراوي في أي اللفظين قيل: وفي الرواية الخامسة عشرة "فكنت أقبل الميسور، وأتجاوز عن المعسور" وفي الرواية السابعة عشرة "وكان من خلقي الجواز - أي التجاوز والتجوز والتسامح - فكنت أتيسر على الموسر - أي أيسر عليه في الدفع - وأنظر المعسر" وفي الرواية الثامنة عشرة "فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر".
والفتيان جمع فتى هم الغلمان، كما جاء في الرواية الثامنة عشرة، والمراد الخدم، أحرارًا كانوا أو عبيدًا، وتجاوز الفتيان تجاوز منه، ينسب إليه بالأصالة وللفتيان بالمباشرة.
والتجاوز المسامحة في الاقتضاء والاستيفاء، أعني في الكم والكيف، فيتسامح في الكم بالتنازل عن جزء الدين، ويتسامح في كيفية الأداء بالتقسيط وتأخير السداد، وهو على هذا يصلح أن يعامل به الموسر والمعسر. ومن هنا جاءت الرواية الرابعة عشرة بالتجاوز عن الموسر، وجاءت الرواية الخامسة عشرة والثامنة عشرة بالتجاوز عن المعسر.
والإنظار هو تأخير وقت السداد، وهو يصلح أن يعامل به الموسر والمعسر، وإذا كانت روايات مسلم لم تأت بإنظار الموسر، فإن روايات البخاري جاءت به، ففي بعضها "أنظروا الموسر" وفي بعضها "أن ينظروا ويتجاوزوا عن الموسر" ولهذا ترجم البخاري "باب من أنظر موسرًا" ثم "باب من أنظر معسرًا".
واختلف العلماء في حد الموسر والمعسر، وسيأتي في فقه الحديث.
(آللَّه؟ قال: اللَّه) "آللَّه" بحذف حرف الجر، أي أبالله، يعني أتقسم بالله أنك صادق؟ قال: الله. بحذف حرف القسم. أي والله إني معسر.
(من كرب يوم القيامة) بضم الكاف وفتح الراء، جمع كربة، وهي الشدة.
(فلينفس عن معسر) بضم الياء وفتح النون وكسر الفاء المشددة، أي يفرج عنه، وأصله يمكنه من النفس المريح.
-[فقه الحديث]-
تتعرض الأحاديث إلى السماحة وسهولة المعاملة والتيسير في استيفاء الحقوق في أربع صور:
الصورة الأولى: تلف الثمرة عند البائع، بعد البيع، وقبل قبض المشتري، وقد ذكرنا قبل ثلاثة أبواب حكم بيع الثمار، قبل بدو صلاحها، وبعد بدو صلاحها بشرط القطع، وبشرط الإبقاء على الشجر، ووضحنا المراد من بدو الصلاح هناك بما يغني عن إعادته هنا.
وهذا الباب ليس في صحة البيع أو بطلانه، وإنما هو في تلف الثمرة عند البائع قبل قبض المشتري، وظاهر الرواية الأولى أن الثمرة في ضمان البائع، حتى يقبضها المشتري، سواء أكان بيعها
стр. 3369
قبل بدو الصلاح أو بعده، وسواء شرط المشتري بقاءها على الشجر لحين استلامها، أم لم يشترط، لكن الرواية الثانية والثالثة ربطت هذا الحكم بالنهي عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، ومفهومه أن ضمان البائع لها إنما هو في حالة بيعها قبل بدو الصلاح، وقد قلنا قبل ثلاثة أبواب: إن علة النهي عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها أن الثمرة قد تتلف بعد البيع وقبل النضج، بل هي معرضة لذلك كثيرًا، فيكون البائع قد أكل مال أخيه. وقلنا: إن البيع قبل بدو الصلاح بدون شرط القطع الفوري باطل عند عامة العلماء. ومعنى هذا أن الثمرة قبل بدو صلاحها في ذمة البائع، فإذا تلفت لم يحل له من مال المشتري شيئًا، وهذا ما يقوله عامة العلماء، لم يخالف في ذلك إلا شاذ.
والخلاف المنتشر في بيع الثمرة بعد بدو صلاحها إذا تلفت، وقد خلى البائع بين المشتري وبينها.
فقال الشافعي في القديم وأحمد وطائفة: هي في ضمان البائع، ويجب وضع الجائحة، إلا إذا تلفت بعد أوان الجذاذ، وفرط المشتري في تركها بعد ذلك على الشجر، واحتجوا بروايتنا الخامسة ولفظها "أن النبي ﷺ أمر بوضع الجوائح" وبروايتنا الأولى، ولفظها "لو بعت من أخيك ثمرًا، فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا. بم تأخذ مال أخيك بغير حق"؟ أي لو تلف الثمر لانتفى في مقابلته العوض، فأخذ مال المشتري في هذه الحالة أخذ بلا مقابل، فهو بغير حق.
وقالوا: إن الثمرة في هذه الحالة في معنى الباقية في يد البائع، من حيث إنه يلزم بسقيها، فكأنها تلفت في يده قبل القبض، كما استندوا إلى قوله ﷺ في روايتنا السادسة للغرماء، وفيهم البائعون "خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك" ولو كانت الجوائح لا توضع لكان لهم طلب بقية الثمن.
وقال الشافعي في أصح قوليه وأبو حنيفة والليث بن سعد وآخرون: هي في ضمان المشتري، ولا يجب وضع الجائحة، بل تستحب، واحتجوا بروايتنا الخامسة، قالوا: لو وجب وضع الجائحة لقال ﷺ للبائعين: لا حق لكم عنده، ولما أمر بالتصدق عليه، لسداد ثمن الثمار، أما قوله "ليس لكم إلا هذا" فمعناه ليس لكم الآن إلا هذا، فقد أخذتم كل ما وجد، ولا تحل لكم مطالبته ما دام معسرًا، بل عليكم أن تنظروه إلى ميسرة، وحملوا الأمر بوضع الجوائح على الاستحباب، أو فيما إذا بيع قبل بدو الصلاح.
وقال مالك: إن كانت الجائحة في دون ثلث الثمار وجب وضعها، وإن كانت في الثلث فأكثر لا يجب وضعها، بل يجب حينئذ وضع الجائحة في حدود ثلث الثمار المشتراة، ولعله بذلك يتوسط بين القول بضمان البائع وبين القول بضمان المشتري، وأن التلف خارج عن مسئوليتهما معًا. واللَّه أعلم.
الصورة الثانية: التيسير على المدين، بوضع جزء من الدين عنه، أو بتأجيل الاستيفاء، أو بهما معًا، ووجه دخول هذه الصورة في كتاب البيع أن الدين قد يكون عن طريق البيع،
стр. 3370
وقد كان الدائن في الجاهلية يستعبد المدين ويسترقه إذا جاء الأجل فلم يسدد، فجاء الإسلام، لا بإمهال المدين فحسب، بل وبالحط عنه بعض الدين، وليس بالربا وزيادة الدين.
وعن هذه الصورة تتحدث روايتنا السابعة والثامنة والتاسعة والرابعة عشرة والخامسة عشرة والسادسة عشرة والسابعة عشرة والثامنة عشرة والتاسعة عشرة.
وقد اختلف العلماء في حد الموسر والمعسر، فقال الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحق: من عنده خمسون درهمًا أو قيمتها من الذهب فهو موسر، وقال الشافعي: قد يكون الشخص بالدرهم غنيًا بكسبه، وقد يكون فقيرًا بالألف مع ضعفه في نفسه وكثرة عياله، وقيل: الموسر من يملك نصاب الزكاة، وقيل: الموسر من لا يحل له الزكاة، وقيل: الموسر من يجد فاضلاً عن ثوبه ومسكنه وخادمه ودينه وقوت من يمونه، وعند الحنفية: الغنى على ثلاث مراتب: المرتبة الأولى: الغنى الذي يتعلق به وجوب الزكاة. المرتبة الثانية: الغنى الذي يتعلق به وجوب صدقة الفطر والأضحية وحرمان الأخذ من الزكاة، وهو أن يملك ما يفضل عن حوائجه الأصلية ما يبلغ قيمة مائتي درهم، مثل دور لا يسكنها، وحوانيت يؤجرها، ونحو ذلك. والمرتبة الثالثة: غنى حرمة السؤال. قيل: أن يكون عنده ما قيمته خمسون درهمًا، وقال عامة العلماء: إن من ملك قوت يومه وما يستر به عورته يحرم عليه السؤال، وكذا الفقير القوي المكتسب يحرم عليه السؤال. قال العيني: هذا كله في حق من يجوز له السؤال، وأخذ الصدقة ومن لا يجوز، وأما ههنا - أعني في إنظار الموسر - فالاعتماد على أن الموسر والمعسر يرجعان إلى العرف، فمن كانت حاله بالنسبة إلى مثله يعد يسارًا فهو موسر، وكذا عكسه. اهـ.
الصورة الثالثة: المفلس، وسداد ديونه للغرماء، ومن باعه شيئًا فوجد متاعه عنده بعينه لم يتصرف فيه. وعن هذه الصورة تتحدث روايتنا العاشرة والحادية عشرة والثانية عشرة والثالثة عشرة.
وهذه الصورة يقول عنها النووي: اختلف العلماء فيمن اشترى سلعة، فأفلس، أو مات قبل أن يؤدي ثمنها، ولا وفاء عنده، وكانت السلعة باقية بحالها، فقال الشافعي وطائفة: بائعها بالخيار، إن شاء تركها وضارب مع الغرماء بثمنها، وإن شاء رجع فيها، واستردها بعينها. سواء في حالة الإفلاس أو حالة الموت، وقال أبو حنيفة: لا يجوز له الرجوع فيها، بل تتعين المضاربة. وقال مالك: يرجع في صورة الإفلاس، ويضارب في حالة الموت، واحتج الشافعي بهذه الأحاديث، وبحديث أبي داود وغيره في حالة الموت. وتأولها أبو حنيفة تأويلات ضعيفة مردودة، وتعلق بشيء يروى عن علي وابن مسعود ﵄، وليس بثابت عنهما. اهـ.
وهذا الذي أشار إليه النووي شرحه العيني بإسهاب، نقتطف منه ما يناسب المقام، ومن أراد المزيد فليرجع إليه. قال: احتج بهذا الحديث عطاء بن أبي رباح وعروة بن الزبير وطاوس والشعبي والأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد وإسحق وداود. كلهم قالوا: إذا أفلس الرجل وعنده متاع قد اشتراه، وهو قائم بعينه فإن صاحبه أحق به من غيره من الغرماء، [وهناك بينهم بعد ذلك خلافات في فروع المسألة، سنأتي على بعضها فيما يؤخذ من الحديث] وذهب إبراهيم النخعي والحسن البصري والشعبي في رواية ووكيع بن الجراح وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر إلى أن بائع السلعة أسوة
стр. 3371
للغرماء إذا وجدها بعينها. وأجاب الطحاوي - من الحنفية - على الحديث بأن المذكور فيه "من أدرك ماله بعينه" والمبيع ليس هو عين ماله، وإنما هو عين مال قد كان له، وإنما يكون عين ماله في المغصوب والعارية والوديعة وما أشبه ذلك، فذلك ماله بعينه، فهو أحق بعينه، إذا وجده عند رجل أفلس، وليس للغرماء فيه نصيب، لأنه باق على ملكه، لأن يد الغاصب عليه يد التعدي والظلم، بخلاف ما إذا باعه، وسلمه إلى المشتري، فإنه يخرج عن ملكه، وإن لم يقبض الثمن، وتبدل الصفة كتبدل الذات، فصار المبيع غير ماله، وقد كان ماله أو لا. [ومعنى هذا أن الحنفية يحملون الحديث - أي روايتنا العاشرة - على المقرض والمودع، دون البائع، وهذا مردود من وجوه. الأول: أنه لا خلاف أن صاحب الوديعة أحق بها، سواء وجدها عند مفلس أو غيره، لكن الحديث شرط الإفلاس، فتعين حمله على البائع. الثاني: أنه جعل لصاحب المتاع الرجوع، إذا وجده بعينه، والمودع أحق بعينه، سواء كان على صفته أو تغير عنها، فلا يجوز حمل الحديث على المودع. الثالث: أن الحديث الصحيح [روايتنا الحادية عشرة] تنص على البيع، وفيها "أنه لصاحبه الذي باعه".
وقال بعض الحنفية: إن الحديث مخالف للأصول الثابتة، فإن المبتاع قد ملك السلعة، وصارت في ضمانه، فلا يجوز أن ينقض عليه ملكه. ويرد عليهم بأن الحديث لا يترك بالقياس، على أن المالك قد ينقض عليه ملكه في مواضع كثيرة، يقول بها الحنفية، كالشفعة وتقديم الرهن على الغرماء، واختلاف المتبايعين وتعجيز المكاتب وغير ذلك، وحمل بعض الحنفية الحديث على البيع قبل القبض، وهذا الحمل تمجه وتستبعده بداهة ألفاظ الحديث، ففيه "ووجد الرجل سلعته عنده" والسلعة قبل القبض ليست عند المفلس، ولا يقال: وجدها صاحبها وهي عنده.
الصورة الرابعة: تفريج الكروب، وعنها تتحدث الرواية المتممة للعشرين.
-[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]-
١ - قد يستدل بالنهي عن أخذ مقابل الجائحة على عدم أخذ ما يعرف بالعوض عما يهلك، كأن يصيب بسيارته سيارة الغير فيتلفها، أو يستعير إناء فينكسر عنده، لكن الحديث لا دلالة فيه على ذلك، فما في الحديث لا دخل للإنسان في الجائحة، أما الصور الأخرى فللإنسان دخل في الإتلاف بوجه من الوجوه، ومن أتلف شيئًا فعليه إصلاحه أو مثيله أو قيمته، وقد أخذ ﷺ قصعة عائشة السليمة حين كسرت عائشة قصعة إحدى أمهات المؤمنين، وقال: قصعة بقصعة. نعم إن تنازل صاحب المتاع المتلف عن العوض أو بعضه كان من قبيل الإحسان، وإن أخذ الكل فهو حق.
٢ - ومن الرواية السادسة التعاون على البر والتقوى.
٣ - ومواساة المحتاج ومن عليه دين.
٤ - والحث على الصدقة عليه.
٥ - وأن المعسر لا تحل مطالبته، ولا ملازمته، ولا سجنه، وبه قال الشافعي ومالك وجمهورهم، وحكي
стр. 3372
عن ابن شريح حبسه حتى يقضي الدين، وإن كان قد ثبت إعساره، وعن أبي حنيفة ملازمته. والتحقيق أنه إن بدا للقاضي مماطلة حبسه.
٦ - وأن يسلم إلى الغرماء جميع مال المفلس ما لم يقض دينهم، ولا يترك للمفلس سوى ثيابه ونحوها. وقد ذهب الجمهور إلى أن من ظهر فلسه فعلى الحاكم الحجر عليه في ماله، حتى يبيعه عليه، ويقسمه بين غرمائه على نسبة ديونهم.
٧ - ومن الرواية السابعة الحض على الرفق بالغريم والإحسان إليه بالوضع عنه.
٨ - والزجر عن الحلف على ترك فعل الخير، لأنه ﷺ كره للرجل أن قطع نفسه عن فعل الخير.
٩ - وفيه سرعة فهم الصحابة لمراد الشارع، وطواعيتهم لما يشير إليه.
١٠ - وحرصهم على فعل الخير.
١١ - وفيه الصفح عما يجري بين المتخاصمين من اللغط ورفع الصوت عند الحاكم.
١٢ - وجواز سؤال المدين الحطيطة من صاحب الدين، خلافًا لمن كرهه من المالكية، واعتل بما فيه من تحمل المنة. قال القرطبي: لعل من أطلق كراهته أراد أنه خلاف الأولى، وقال النووي: لا بأس بمثل هذا، ولكن بشرط ألا ينتهي إلى الإلحاح وإهانة النفس، أو الإيذاء، ونحو ذلك، إلا من ضرورة.
١٣ - وفيه إشارة الحاكم على الخصمين بالصلح، وإن اتجه الحق لأحدهما، وبه قال الجمهور، ومنع من ذلك بعض المالكية.
١٤ - وفيه الحض على ترك بعض الحق.
١٥ - وأنه يستحب لمن حلف لا يفعل خيرًا أن يحنث، فيكفر عن يمينه.
١٦ - وفيه الشفاعة إلى أصحاب الحقوق.
١٧ - وقبول الشفاعة في الخير، وفي غير معصية.
١٨ - ومن الرواية الثامنة جواز رفع الصوت في المسجد، قال الحافظ ابن حجر: وهو كذلك ما لم يتفاحش، والمنقول عن مالك منعه في المسجد مطلقًا، وعنه التفرقة بين رفع الصوت بالعلم والخير وما لا بد منه، فيجوز، وبين رفعه باللغط ونحوه، فلا. قال المهلب: لو كان رفع الصوت في المسجد لا يجوز لما تركهما النبي ﷺ ، ولبين لهما ذلك.
١٩ - والاعتماد على الإشارة إذا فهمت.
٢٠ - وجواز إرخاء الستر على الباب.
٢١ - والمطالبة بالدين في المسجد.
стр. 3373
٢٢ - وحسن التوسط بين الخصمين.
٢٣ - ومن قوله في الرواية العاشرة "ماله بعينه" وفي الثانية عشرة "متاعه بعينه" وفي الحادية عشرة "ولم يفرقه" أخذ أن شرط استحقاق صاحب المال دون غيره أن يجد ماله بعينه لم يتغير ولم يتبدل، وإلا فإن تغيرت العين في ذاتها بالنقص مثلاً، أو في صفة من صفاتها، فهو أسوة للغرماء.
٢٤ - واستدل بقوله في رواية مالك "ولم يقبض البائع من ثمنه شيئًا" استدل بمفهومه أنه أحق به من الغرماء إلا أن يكون اقتضى من ماله شيئًا، فهو أسوة الغرماء. إلا أن للشافعي قولاً، هو الراجح في مذهبه، أنه لا فرق بين تغير السلعة أو بقائها، ولا بين قبض بعض ثمنها، أو عدم قبض شيء منه، على تفاصيل في ذلك مشروحة في كتب الفروع.
٢٥ - ومن الرواية الرابعة عشرة وما بعدها الحض على السماحة في المعاملة، واستعمال معالي الأخلاق، وترك المشاحة، والحض على ترك التضييق على الناس في المطالبة، وأخذ العفو منهم.
٢٦ - وفضل من أنظر معسرًا، أو وضع له، وفي الصحيح "من أنظر معسرًا، أو وضع له أظله الله في ظل عرشه" وروايتنا المتممة للعشرين تقول "من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر، أو يضع عنه" ولأحمد "وقاه الله من فيح جهنم".
٢٧ - وأن اليسير من الحسنات إذا كان خالصًا للَّه يكفر كثيرًا من السيئات.
٢٨ - وأن الأجر يحصل لمن يأمر بالخير والمعروف، وإن لم يتول ذلك بنفسه.
٢٩ - وأنه لا يحتقر شيء من أفعال الخير، فلعله يكون سبب السعادة والرحمة.
٣٠ - وفيه جواز توكيل العبيد، والإذن لهم في التصرف. وكل هذا على قول من يقول: شرع من قبلنا شرع لنا إذا جاء في شرعنا في سياق المدح.
واللَّه أعلم
стр. 3374
(٤١٢) باب مطل الغني ومشروعية الحوالة
٣٥٢٨ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "مطل الغني ظلم. وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع".
-[المعنى العام]-
رفع اللَّه بعض الناس على بعض في الرزق، فكان منهم دائنون ومدينون، أو قادرون ومحتاجون، فإن وجدت الأمانة بين الفريقين، وتحققت الثقة بينهم تعاونوا، وإن فقدت الثقة والأمانة تباعدوا، وتقاطعوا، وضاعت الألفة والمصالح، من هنا ترسم الشريعة الإسلامية الطريق الصحيح للعلاقة بين الدائن والمدين في جملتين: الأولى "مطل الغني ظلم" أي مماطلة القادر على السداد، وانتحاله الأعذار الكاذبة للتهرب من السداد ظلم منه للدائن، وظلم منه للمجتمع، لأنه سيخيف القادرين، وسيحول بينهم وبين مساعدة المحتاجين، لفقدان الثقة في السداد، وقديمًا قالوا: من أخذ ورد وسدد صار المال ماله. وليعلم من يعتزم المماطلة في سداد الديون، ويعتمدها أسلوب المعاملة أن الله سيعجزه عن السداد، مصداقًا لقوله ﷺ "من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله".
تلك نصيحة المديونين، أما نصيحة الدائنين فقد مضى في الباب السابق نصحهم بإنظار المعسر، والتجاوز عن الموسر، وفي هذا الحديث نصيحة أخرى، مأخوذة من الجملة الثانية وهي أن يتعاون الدائنون والمدينون فيما بينهم على تحويل المديونات، فقد يكون الدائن لزيد مدينًا لعمرو، وقد يكون للدائن مصلحة في نقل دينه من مدين إلى مدين، وقد يكون للمدين مصلحة في أن يكون مدينًا لهذا بدلاً من ذلك، فشرعت الحوالة، تخفيفًا على الناس، وحفاظًا على ترابط التعامل بينهم، وكانت هذه النصيحة الهادفة، إذا أحال المدين الدائن على آخر غني، بدينه، فليقبل الحوالة، فقد يكون في ذلك حسن أداء، وحسن استيفاء، وعون من الله، وبركة للمتعاملين. والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.
-[المباحث العربية]-
(مطل الغني ظلم) أصل المطل - بفتح الميم وسكون الطاء - المد. يقال: مطلت
стр. 3375
الحديدة أمطلها، إذا مددتها لتطول، وقيل: المطل المدافعة. والمراد هنا تأخير ما استحق أداؤه بغير عذر.
والغني مختلف في تقديره، وفي الباب السابق بيان له عند تفسير الموسر والمعسر، والمراد منه هنا من قدر على الأداء فأخره، ولو كان فقيرًا، وهل يتصف بالمطل من ليس عنده ما عليه، لكنه قادر على تحصيله بالكسب، فلم يتكسب؟ خلاف يأتي في فقه الحديث.
وفي رواية عند غير مسلم "لي الواجد يحل عرضه وعقوبته" واللي بفتح اللام وتشديد الياء هو المطل، والواجد الموسر.
(وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع) المشهور في الرواية واللغة في "أتبع" ضم الهمزة وإسكان التاء وكسر الباء، مبني للمجهول، والأصل إذا اتبع المدين أحدكم، وأما "فليتبع" فالأكثر على التخفيف، سكون التاء وفتح الباء، فيكون مثل: إذا أخرج أحدكم فليخرج. وحكى القاضي عياض عن بعض المحدثين أنه يشدد التاء ويكسر الباء في "فليتبع". قال النووي: والصواب الأول، والمعنى إذا أحيل أحدكم بالدين الذي له على موسر فليحتل، أي فليقبل الحوالة، والمليء بالهمزة مأخوذ من الملاء، يقال: ملؤ الرجل - بضم اللام - أي صار مليًا، وقال الكرماني: الملي كالغني لفظًا ومعنى، فاقتضى أنه بغير همز، وليس كذلك، فقد قال الخطابي: إنه في الأصل بالهمز، ومن رواه بتركها فقد سهله.
وادعى الرافعي أن جملة "وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع" لا تعلق لها بالجملة الأولى. قال الحافظ ابن حجر: وزعم بعض المتأخرين أنه لم يرد إلا بالواو، وغفل عما في صحيح البخاري هنا، فإنه بالفاء في جميع الروايات، وهو كالتوطئة والعلة لقبول الحوالة، أي إذا كان المطل ظلمًا فليقبل من يحتال بدينه عليه، فإن المؤمن من شأنه أن يحترز عن الظلم، فلا يمطل، ومناسبة الجملة لما قبلها - على رواية الواو - أنه لما دل على أن مطل الغني ظلم عقبه بأنه ينبغي قبول الحوالة على المليء، لما في قبولها من دفع الظلم الحاصل بالمطل، فإنه قد تكون مطالبة المحال عليه سهلة على المحتال، دون المحيل، ففي قبول الحوالة إعانة على كفه عن الظلم.
-[فقه الحديث]-
الحوالة عند الفقهاء نقل دين من ذمة إلى ذمة، واختلفوا: هل هي بيع دين بدين، رخص فيه للحاجة، فاستثنى من النهي عن بيع الدين بالدين؟ أو هي استيفاء، ولا بيع فيها؟ أي استيفاء حق كأن المحتال استوفى ما كان له على المحيل، وأقرضه المحال عليه، أو هي عقد إرفاق مستقل؟ ويشترط في صحتها رضا المحيل بلا خلاف، لأن له إيفاء الحق من حيث شاء، فلا يعين عليه بعض الجهات قهرًا، ورضا المحتال، عند الأكثرين، لأن حقه في ذمة المحيل، فلا ينفك عن ذمة المحيل إلا برضاه، كما أن الأعيان المستحقة للشخص لا تبدل إلا برضاه، أما رضا المحال عليه ففيه خلاف. إن كانت الحوالة على من عليه دين للمحيل فيشترط رضاه عند أبي حنيفة وبعض الشافعية، لأنه أحد
стр. 3376
أركان الحوالة، والناس يختلفون في استيفاء حقوقهم، منهم السهل المسامح الذي يرتاح المدين إلى سماحته، ومنه الصعب الذي لا يحب المدين أن يكون الدين له، ولا يشترط رضاه عند مالك وأحمد وجمهور الشافعية، لأنه محل الحق للمحيل، ومن حق المحيل أن يستوفي حقه بنفسه، وبغيره، كما لو وكل في الاستيفاء وكيلاً.
وإن كانت الحوالة على من لا دين عليه للمحيل لم تصح دون رضاه، لأنا لو صححناها لألزمناه قضاء دين الغير قهرًا، وإن رضي ففي صحة الحوالة وجهان. وهناك تفريعات فقهية كثيرة تطلب من كتب الفروع، والذي يعنينا في هذا المقام أن قوله ﷺ "وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع" ليس على إطلاقه، ومن هنا ذهب الشافعية والجمهور إلى أن المحتال يستحب له أن يقبل الحوالة على مليء، وحملوا الأمر في الحديث على الندب، وذهب بعض العلماء إلى أن قبول الحوالة مباح، لا مندوب، وذهب أهل الظاهر إلى الوجوب.
وتفرع عن هذا الأمر رجوع المحتال على المحيل إذا عجز المحال عليه، أو مات، فذهب أبو حنيفة إلى أنه يرجع على المحيل إذا أفلس المحال عليه مطلقًا، سواء عاش أو مات، ولا يرجع بغير الفلس، وقال مالك: لا يرجع إلا إن غره، كأن علم فلس المحال عليه، ولم يعلمه بذلك، وذهب قتادة والحسن إلى أنه لا يرجع إن كان المحال عليه يوم الإحالة مليًا، وعن الثوري يرجع بالموت، ولا يرجع بالفلس، وذهب الشافعي والجمهور إلى عدم الرجوع مطلقًا، على أساس أن الحوالة معناها إبراء المحيل، وتحويل الحق عنه، وإثباته على غيره، وقال الحسن وزفر: الحوالة كالكفالة، فيرجع على أيهما شاء. وقد تلحق بالحوالة الكفالة، الكفالة في القروض، والكفالة في الديون، والكفالة في الأبدان.
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - يؤخذ من الجزء الأول من الحديث الزجر عن المطل، واختلف: هل يعد فعله عمدًا كبيرة؟ وهل يعتبر فاعله فاسقًا وإن صدر منه مرة واحدة؟ قيل: لا يعتبر فاسقًا إلا بالتكرار، والجمهور على أنه يعتبر فاسقًا دون تكرار، لأن منع الحق بعد طلبه، وانتحال العذر عن أدائه - دون عذر - يشبه الغصب، والغصب كبيرة وإن لم يتكرر، وتسميته ظلمًا يشعر بكونه كبيرة، والكبيرة لا يشترط فيها التكرار، نعم لا يحكم عليه بذلك إلا بعد أن يظهر عدم عذره. قالوا: ويدخل في المطل كل من لزمه حق للغير، كالزوج لزوجته، والحاكم لرعيته، وبالعكس.
٢ - واستدل بلفظ "الغني" على أن العاجز عن الأداء لا يدخل في الظلم.
٣ - واستنبط منه أن المعسر لا يحبس، ولا يطالب حتى يوسر، قال الشافعي: لو جازت مؤاخذته لكان ظالمًا، والفرض أنه ليس بظالم لعجزه.
٤ - واستدل به على ملازمة المماطل.
٥ - وإلزامه بدفع الدين.
٦ - والتوصل إليه بكل طريق.
٧ - وأخذه منه قهرًا.
٨ - وفيه الإرشاد إلى ترك الأسباب القاطعة لاجتماع القلوب، لأنه زجر عن المماطلة، وهي تؤدي إلى ذلك.
стр. 3377
(٤١٣) باب بيع فضل الماء، وضراب الفحل
٣٥٢٩ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع فضل الماء.
٣٥٣٠ - عن جابر بن عبد الله ﵄ يقول: نهى رسول الله ﷺ عن بيع ضراب الجمل. وعن بيع الماء والأرض لتحرث. فعن ذلك نهى النبي ﷺ .
٣٥٣١ - عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال "لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ".
٣٥٣٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ".
-[المعنى العام]-
قد يملك الإنسان ما لا غنى لغيره عنه، وقد يملك ما لا جهد له فيه، وما منحه الله له، وقد يفيض هذا عما يحتاجه، فيكون من مكارم الأخلاق بذل هذا الفاضل، فإن كانت هذه السلعة ضرورية لحياة الآخرين، أو لحياة دوابهم ومواشيهم وجب بذل الفاضل منها بدون مقابل، فمن أخرج الله له عينًا في أرضه، أو حفر بئرًا في ملكه، أو في أرض حيازته، فاحتاج آخرون ما زاد عن حاجته وجب عليه بذله، ونهي عن بيعه. وخير الصدقة الجارية الماء، وشر الذنوب والآثام رجل له فضل ماء بالطريق يمنعه ابن السبيل والمحتاج. وسقى
стр. 3378
رجل كلبًا يلهث من شدة العطش، فغفر الله له، ودخلت امرأة النار في هرة حبستها حتى ماتت، لا هي أطعمتها وسقتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض.
إن مكارم الأخلاق تتمثل في أمور كثيرة يملكها المؤمن، فيعود بنفعها على الآخرين، دون مقابل، لأنه لم يبذل في ذلك مقابلاً، من ذلك من يملك فحلاً، ذكرًا من الدواب، يحتاجه من يملك أنثى ليلقحها، فلا يليق بالمالك أن يؤجر الفحل أو يبيع ماءه أو جماعه للأنثى بثمن أو مقابل، وقد كان أهل الجاهلية يبيعون ويؤجرون، فنهوا عن ذلك.
وهكذا يوجه الإسلام أبناءه إلى بذل المعروف ابتغاء وجه الله، ليدخر بذلك الثواب ﴿وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير﴾ [البقرة: ١١٠] و ﴿ما عندكم ينفد وما عند الله باق﴾ [النحل: ٩٦].
-[المباحث العربية]-
(نهي عن بيع فضل الماء) هكذا هو في الرواية الأولى والثانية مطلق، لكنه في الرواية الثالثة والرابعة والخامسة مقيد "ليمنع به الكلأ". "لتمنعوا به الكلأ". "ليباع به الكلأ" فيحمل المطلق على المقيد، ويكون النهي موجهًا إلى قصد منع الكلأ. وصورته أن تكون للإنسان بئر مملوكة له بالفلاة - أي بالصحراء المترامية الأطراف، ويكون قريبًا منها كلأ وعشب عام غير مملوك لأحد، ولا يقرب من هذا العشب ماء آخر غير هذه البئر، فإذا رعت الدواب من ذلك العشب احتاجت إلى ماء تلك البئر، وإلا تضررت بالعطش بعد الرعي، فإذا منع صاحب البئر الدواب من الشرب من بئره فقد منعها من الرعي في الكلأ، وإذا باع أصحابها ماء بئره فكأنه باع الكلأ المباح الذي لا يملكه.
و"فضل الماء" أصله الماء الفاضل، أي الزائد عن حاجته، و"الكلأ" بفتح الكاف واللام، بعدها همزة، هو النبات، سواء كان رطبًا أو يابسًا، أما الحشيش والهشيم فهو مختص باليابس، والعشب مختص بالرطب. ومعنى قوله في الرواية الثانية "عن بيع الأرض لتحرث" أي نهي عن إجارتها لتزرع، وقد سبقت المسألة في باب كراء الأرض. وقوله في الرواية الثالثة "لا يمنع فضل الماء" ببناء الفعل للمجهول، وبرفعه على أنه خبر، والمراد به مع ذلك النهي، وجاء في رواية بالجزم على النهي.
(نهي عن بيع ضراب الجمل) في رواية البخاري "الفحل" و"الفحل" الذكر من كل حيوان، فرسًا كان أو جملاً أو تيسًا أو كبشًا أو غير ذلك وضرابه - بكسر الضاد - ضربه الأنثى لتلقيحها، يقال: ضاربه ضرابًا ومضاربة، إذا ضرب كل منهما الآخر، والمعنى نهي عن بيع ماء الفحل عند ضرابه، أو نهي عن أجرة جماعه. وفي البخاري "نهي عن عسب الفحل" بفتح وإسكان السين، ويقال له: العسيب، وهو ماء الفحل، وقيل: جماعه.
стр. 3379
-[فقه الحديث]-
قال النووي: قال أصحابنا: يجب بذل فضل الماء بالفلاة بشروط: أحدها ألا يكون ماء غيره يستغنى به، الثاني: أن يكون البذل لحاجة الماشية، لا لسقي الزرع. الثالث: ألا يكون مالكه محتاجًا إليه. ثم قال: واعلم أن المذهب الصحيح أن من نبع في ملكه ماء صار مملوكًا له، وقال بعض أصحابنا: لا يملكه. أما إذا أخذ الماء في إناء من الماء المباح فإنه يملكه. هذا هوالصواب، وقد نقل بعضهم الإجماع عليه، وقال بعض أصحابنا: لا يملكه، بل يكون أخص به. وهذا غلط ظاهر. اهـ.
وبذل الماء المأمور به محمول عند الجمهور على ماء البئر المحفورة في الأرض المملوكة، وكذلك في الموات، إذا كان بقصد التملك، والصحيح عند الشافعية، ونص عليه في القديم أن الحافر يملك ماءها، أما البئر المحفورة في الموات لقصد الارتفاق، لا للتملك فإن الحافر لا يملك ماءها، بل يكون أحق به، إلى أن يرتحل، وفي الصورتين يجب عليه بذل ما يفضل عن حاجته، والمراد حاجة نفسه وعياله وزرعه وماشيته. هذا هو الصحيح عند الشافعية، وخص المالكية هذا الحكم بالموات، وقالوا في البئر التي في الملك: لا يجب عليه بذل فضلها، أما الماء المحرز في إناء فلا يجب بذل فضله لغير المضطر على الصحيح.
والبذل الواجب خاص بالماشية والآدميين على الصحيح عند الشافعية والحنفية، وفرقوا بين الماشية والزرع بأن الماشية ذات أرواح، يخشى من عطشها موتها، بخلاف الزرع، ويلتحق بالماشية الزرع عند مالك، واستدل بعموم روايتنا الأولى، والجمهور يحملون المطلق على المقيد، أو يحملون النهي في هذه الرواية على التنزيه.
وظاهر الحديث وجوب البذل مجانًا بدون مقابل، وبه قال الجمهور، وقيل: لصاحب الماء طلب القيمة من المحتاج إليه، كما في إطعام المضطر، ورد بأنه يلزم منه جواز المنع، حالة امتناع المحتاج من بذل القيمة، وأجيب بأن يقال: يجب عليه البذل، وتترتب له القيمة في ذمة المبذول له، حتى يكون له أخذ القيمة منه متى أمكن ذلك نعم يعارض هذا القول روايتنا الخامسة، ولفظها "لا يباع فضل الماء" لكن للمخالف أن يقول: إن البيع الممنوع ما كان لبيع الكلأ.
واستدل به ابن حبيب من المالكية على أن البئر إذا كانت بين مالكين، فيها ماء، فاستغنى أحدهما في نوبته كان للآخر أن يسقي منها، لأنه ماء فضل عن حاجة صاحبه، وعموم الحديث يشهد له، وإن خالفه الجمهور على أساس أن الزرع عندهم لا يلتحق بالماشية.
واستدل به بعض المالكية للقول بسد الذرائع، لأنه نهى عن منع الماء لئلا يتذرع به إلى منع الكلأ.
ولا يخفى أن الكلام في وجوب البذل وعدم وجوبه. أما البذل كإحسان ومكارم الأخلاق فمطلوب في جميع الأحوال، بالنسبة للماء المملوك في الأواني وفي غيرها، وللزرع وغيره. واللَّه أعلم.
أما عن ضراب الفحل فقد قال النووي: اختلف العلماء في إجارة الفحل وغيره من الدواب
стр. 3380
للضراب، فقال الشافعي وأبو حنيفة وأبو ثور وآخرون: استئجاره لذلك باطل وحرام، ولا يستحق فيه عوض، ولو أنزاه المستأجر لم يلزمه أجرة ولا شيء من الأموال، قالوا: لأنه غرر مجهول، وغير مقدور على تسليمه وقال جماعة من الصحابة والتابعين ومالك وآخرون من الشافعية والحنابلة: يجوز استئجاره لضراب مدة معلومة، أو لضربات معلومة، لأن الحاجة تدعو إليه، وحملوا النهي على التنزيه والحث على مكارم الأخلاق.
قال الحافظ ابن حجر: وأما عارية ذلك فلا خلاف في جوازها، فإن أهدى للمعير هدية بغير شرط جاز.
واللَّه أعلم
стр. 3381
(٤١٤) باب اقتناء الكلب، وبيعه، وحلوان الكاهن ومهر البغي، وأجر الحجامة
٣٥٣٤ - عن أبي مسعود الأنصاري ﵁: أن رسول الله ﷺ نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن.
٣٥٣٥ - عن رافع بن خديج ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول "شر الكسب مهر البغي، وثمن الكلب، وكسب الحجام".
٣٥٣٦ - عن رافع بن خديج ﵁ عن رسول الله ﷺ قال "ثمن الكلب خبيث. ومهر البغي خبيث. وكسب الحجام خبيث".
٣٥٣٧ - عن أبي الزبير قال سألت جابرًا عن ثمن الكلب والسنور؟ قال: زجر النبي ﷺ عن ذلك.
٣٥٣٨ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الكلاب.
٣٥٣٩ - عن ابن عمر ﵄ قال: أمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب. فأرسل في أقطار المدينة أن تقتل.
٣٥٤٠ - عن عبد الله ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يأمر بقتل الكلاب.
стр. 3382
فننبعث في المدينة وأطرافها فلا ندع كلبًا إلا قتلناه. حتى إنا لنقتل كلب المرية من أهل البادية، يتبعها.
٣٥٤١ - عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الكلاب. إلا كلب صيد أو كلب غنم، أو ماشية. فقيل لابن عمر: إن أبا هريرة يقول: أو كلب زرع. فقال ابن عمر: إن لأبي هريرة زرعًا.
٣٥٤٢ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: أمرنا رسول الله ﷺ بقتل الكلاب. حتى إن المرأة تقدم من البادية بكلبها فنقتله. ثم نهى النبي ﷺ عن قتلها. وقال "عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين. فإنه شيطان".
٣٥٤٣ - عن ابن المغفل ﵁ قال: أمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب. ثم قال "ما بالهم وبال الكلاب؟ " ثم رخص في كلب الصيد وكلب الغنم.
٣٥٤٤ - وفي رواية ابن حاتم عن يحيى: ورخص في كلب الغنم والصيد والزرع.
٣٥٤٥ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "من اقتنى كلبًا إلا كلب ماشية أو ضاري، نقص من عمله، كل يوم، قيراطان".
٣٥٤٦ - عن سالم، عن أبيه ﵁ عن النبي ﷺ قال "من اقتنى كلبًا، إلا كلب صيد أو ماشية، نقص من أجره كل يوم قيراطان".
٣٥٤٧ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "من اقتنى كلبًا إلا كلب ضارية أو ماشية، نقص من عمله، كل يوم قيراطان".
стр. 3383
٣٥٤٨ - عن سالم بن عبد الله عن أبيه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من اقتنى كلبًا إلا كلب ماشية أو كلب صيد، نقص من عمله، كل يوم، قيراط" قال عبد الله: وقال أبو هريرة: "أو كلب حرث".
٣٥٤٩ - عن سالم عن أبيه ﵁ عن رسول الله ﷺ قال "من اقتنى كلبًا إلا كلب ضار أو ماشية، نقص من عمله، كل يوم، قيراطان" قال سالم: وكان أبو هريرة يقول: "أو كلب حرث" وكان صاحب حرث.
٣٥٥٠ - عن سالم بن عبد الله عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "أيما أهل دار اتخذوا كلبًا إلا كلب ماشية أو كلب صائد، نقص من عملهم، كل يوم، قيراطان".
٣٥٥١ - عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال "من اتخذ كلبًا إلا كلب زرع أو غنم أو صيد، ينقص من أجره، كل يوم، قيراط".
٣٥٥٢ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال "من اقتنى كلبًا ليس بكلب صيد ولا ماشية ولا أرض، فإنه ينقص من أجره قيراطان، كل يوم" وليس في حديث أبي الطاهر "ولا أرض".
٣٥٥٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من اتخذ كلبًا، إلا كلب ماشية أو صيد أو زرع، انتقص من أجره، كل يوم، قيراط" قال الزهري: فذكر لابن عمر قول أبي هريرة. فقال: يرحم الله أبا هريرة كان صاحب زرع.
стр. 3384
٣٥٥٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من أمسك كلبًا فإنه ينقص من عمله، كل يوم، قيراط. إلا كلب حرث أو ماشية".
٣٥٥٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من اتخذ كلبًا ليس بكلب صيد ولا غنم. نقص من عمله، كل يوم، قيراط".
٣٥٥٦ - عن سفيان بن أبي زهير ﵁ (وهو رجل من شنوءة من أصحاب رسول الله ﷺ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول "من اقتنى كلبًا لا يغني عنه زرعًا ولا ضرعًا، نقص من عمله، كل يوم، قيراط" قال: آنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: إي، ورب هذا المسجد.
٣٥٥٧ - عن حميد قال: سئل أنس بن مالك عن كسب الحجام؟ فقال: احتجم رسول الله ﷺ . حجمه أبو طيبة. فأمر له بصاعين من طعام. وكلم أهله فوضعوا عنه من خراجه. وقال "إن أفضل ما تداويتم به الحجامة. أو هو من أمثل دوائكم".
٣٥٥٨ - عن حميد قال: سئل أنس عن كسب الحجام؟ فذكر بمثله. غير أنه قال "إن أفضل ما تداويتم به الحجامة والقسط البحري. ولا تعذبوا صبيانكم بالغمز".
٣٥٥٩ - عن حميد قال: سمعت أنسًا يقول: دعا النبي ﷺ غلامًا لنا حجامًا. فحجمه. فأمر له بصاع أو مد أو مدين. وكلم فيه. فخفف عن ضريبته.
стр. 3385
٣٥٦٠ - عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ احتجم وأعطى الحجام أجره، واستعط.
٣٥٦١ - عن ابن عباس ﵄ قال: حجم النبي ﷺ عبد لبني بياضة. فأعطاه النبي ﷺ أجره. وكلم سيده فخفف عنه من ضريبته. ولو كان سحتًا لم يعطه النبي ﷺ .
-[المعنى العام]-
إن المعاملات المالية - وبخاصة البيع والشراء ضرورة من ضرورات الحياة منذ عاشت الإنسانية على هذه الأرض، وكانت الأجور على المنافع أيضًا ضرورة من ضرورات هذه الحياة، ولو أن هذه وتلك تركت للإنسان وقوانينه لأكل الأقوياء الضعفاء، واستغل المالكون حاجة المحتاجين.
وقد غابت القوانين الشرعية عن الجزيرة العربية أمدًا طويلاً تعثرت فيه البشرية، واختلفت الموازين بينها، فجاءت شريعة محمد ﷺ بإصلاح ما فسد من هذه المعاملات.
كانت طرقات المدينة حاضنة الرسالة المحمدية تعج بالكلاب، إذ تعيش البوادي حولها، والكلاب عدة من عدد حياتهم، لكن المدينة لا تألف هذا الإزعاج، ولا تتحمل أذى الكلاب وتخويفها الناس، وتنجيسها ما تلاقيه من إناء أو متاع. فكان العلاج لهذا المرض أن أمر ﷺ بقتل الكلاب، فقام صبيان المدينة وشبابها بهذه المهمة بكل نشاط، حتى كادت طرقات المدينة لا يرى فيها كلب، ولم يكن الهدف من هذا الأمر القضاء على الكلاب نهائيًا، بل كان الهدف التخفيف من كثرتها، والتنفير من نجاستها، والإعلان عن أضرارها وإيذائها، حتى يخف حرص الناس عليها، وحتى إذا ما نصحوا بإمساك المهم والنافع منها وقعت النصيحة على آذان عليمة فاهمة، حريصة على الاستفادة من الرخصة بالقدر المحتاج إليه. وقد كان أن قيل لصبيان المدينة: ما لكم وللكلاب، أي دعوا متابعة الكلاب وقتلها، إلا الأسود صاحب النقطتين المستديرتين حول عينيه، فاقتلوه، لأنه متمرد كثير الإيذاء، ثم نصح الأمة أن لا تقتني الكلاب إلا لحاجة الزرع أو الماشية أو الصيد أو حراسة البيوت والطرقات، ونبه على نقصان أجر العمل الصالح اليومي ممن يقتني الكلاب لغير حاجة، ونهى عن بيع الكلب وحرم ثمنه، وقرنه بأجرة الزانية على زناها، وأجر الكاهن على كهانته فكل هذه المكاسب حرام. كما نبه الشرفاء أن يترفعوا عن الأعمال الوضيعة الدنيئة، فنفر من الحجامة ومن كسبها، ليظل المسلمون في عزة وكرامة وعفة وطهارة مال.
стр. 3386
-[المباحث العربية]-
(ومهر البغي) بفتح الباء وكسر الغين وتشديد الياء، وأصله بغوي - بفتح الباء وضم الغين مع المد، ثم ياء على وزن فعول، بمعنى فاعلة، اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، وكسرت الغين لمناسبة الياء، وأصل بغي يبغي طلب يطلب، بغيًا وبغاء، وكثر استعماله في الشر والفساد، ومنه الفئة الباغية، وجمع بغي بغايا، والمراد بها الزانية، والمراد من مهرها ما تأخذه على زناها، وسماه مهرًا لكونه على صورته، في كونه يوصل إلى الجماع، وجاء في رواية "وأجر البغي" وفي آخرى "وكسب الأمة" والمراد أجر البغي على فجورها وزناها، وكسب الأمة من زناها، وليس المراد كسبها من صنعة أو عمل شريف.
(وحلوان الكاهن) الحلوان بضم الحاء وسكون اللام ما يعطى للكاهن كمقابل لكهانته، وأصله من الحلاوة، شبه بالشيء الحلو، من حيث إنه يؤخذ سهلاً، دون مشقة أو مقابل، يقال: حلوته إذا أطعمته الحلو، ويطلق الحلوان أيضًا على ما يأخذه الرجل من مهر ابنته لنفسه.
"والكاهن" هو الذي يدعي معرفة الأخبار عن الكائنات في مستقبل الزمان، أي يدعي علم الغيب، ويخبر الناس بما يدعي في مقابل الحلوان، وكان في العرب كهنة، يدعون أنهم يعرفون كثيرًا من الأمور، ومنهم من يزعم أن له رفقاء من الجن وتبعة منهم يلقون إليه بالأخبار.
أما العراف فهو الذي يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات وأسباب، يستدل بها على مواقعها، من أسئلة يوجهها، وكلام يسمعه من آخرين، وذكاء واستنباط، وتخمين وبيان، فهو يزعم أنه يعرف مكان الشيء المسروق، ومكان الضالة الضائعة، والطفل الضال، وتتهم المرأة بالريبة، فيدعي أنه يعرف من هو صاحبها، وقريب من هذا ما يعرف في زمننا بالخط في الرمل، وضرب الودع، وقراءة الكف، ورمي الورق، قال النووي: وحديث النهي عن إتيان الكهان يشمل النهي عن إتيان هؤلاء كلهم، وعن تصديقهم، أو الركون إلى قولهم. نعم كانوا يدعون الطبيب كاهنًا، وربما سموه عرافًا، فهذا غير داخل في النهي.
(وكسب الحجام) أي مقابل حجامته، وليس المراد عموم كسبه، ولو كان من عمل مشروع.
(والسنور) بكسر السين وتشديد النون المفتوحة، ويقال له: القط والقطة، والهر والهرة.
(فأرسل في أقطار المدينة) أي في نواحيها وأطرافها.
(فنبعث في المدينة وأطرافها) من كلام عبد الله بن عمر، والمعنى فنبعث أنفسنا فنبعث بعضنا، أي فيبعث بعضنا بعضًا.
(كلب المرية) أصله المريأة تصغير المرأة، خففت الهمزة إلى ياء، وأدغمت في الياء وجملة "يتبعها" حال. وفي الرواية التاسعة "حتى إن المرأة تقدم من البادية بكلبها فنقتله".
стр. 3387
(عليكم بالأسود البهيم) أي الخالص السواد.
(ذي النقطتين) أي صاحب النقطتين البيضاوين فوق عينيه. قال النووي: وهو مشاهد معروف.
(فإنه شيطان) الشيطان كل متمرد مفسد، ويقال على الوجه القبيح وجهه وجه شيطان، وفي القرآن الكريم عن شجرة الزقوم ﴿طلعها كأنه رءوس الشياطين﴾ [الصافات: ٦٥].
(ما بالهم وبال الكلاب؟ ) البال الحال والشأن، قال تعالى ﴿وأصلح بالهم﴾ [محمد: ٢] والمعنى ما شأنهم وشأن الكلاب؟ أي لماذا يقتلون الكلاب؟ كان ذلك بعد أن نسخ الأمر بقتلها، ورخص فيها.
(أو ضار) في الرواية الثالثة عشرة "إلا كلب ضارية" وفي الرواية السادسة عشرة "أو كلب صائد" قال النووي: هو في معظم النسخ "أو ضاري" بالياء، وفي بعضها "ضاريًا" بالألف بعد الياء، منصوبًا، وفي الرواية الأخرى "إلا كلب ضارية" فأما "ضاريًا" فهو ظاهر الإعراب - منصوب على الاستثناء معطوف على المستثنى - وأما "ضار" فهو مجرور على العطف على "ماشية" ويكون من إضافة الموصوف إلى صفته، وثبوت الياء في "ضاري" على اللغة القليلة في إثباتها في المنقوص المجرور من غير ألف ولام، والمشهور حذفها، وقيل: إن لفظة "ضار" هنا صفة للرجل الصائد، صاحب الكلاب المعتاد للصيد، فسمي ضاريًا استعارة كما في الرواية السادسة عشرة "أو كلب صائد" وأما رواية "إلا كلب ضارية" فقالوا: تقديره: إلا كلب ذي كلاب ضارية، والضاري هو المعلم الصيد، يقال منه: ضرى الكلب يضري، كشرى يشري، ضرًا وضراوة وأضراه صاحبه عوده على ذلك.
(نقص من عمله) أي من أجر عمله، كما في الرواية الثانية عشرة، ولفظها "من أجره".
(قيراطان) في الرواية الرابعة عشرة والسابعة عشرة والمتممة للعشرين والواحدة والعشرين والثانية والعشرين "قيراط" فقيل: يحتمل أنه في نوعين من الكلاب، أحدهما أشد أذى من الآخر، ولمعنى فيهما، أو يكون ذلك مختلفًا باختلاف المواضع، فيكون القيراطان في المدينة مثلاً، لزيادة فضلها، والقيراط في غيرها، أو القيراطان في المدائن، والقيراط في القرى والبوادي، أو يكون ذلك في زمنين، فذكر القيراط أولاً، ثم زاد التغليظ، فذكر القيراطين، أو العكس، ذكر القيراطين أولاً، ثم خفف ورخص.
واختلفوا في العمل الذي ينقص من أجره، فقيل: ينقص مما مضى من عمله، وقيل: من مستقبله، وقيل: من عمل النهار قيراط، ومن عمل الليل قيراط، وقيل: من الفرض قيراط، ومن النفل قيراط، والقيراط هنا مقدار معلوم عند الله تعالى، والمراد نقص جزء من أجر عمله.
(لا يغني عنه زرعًا ولا ضرعًا) المراد بالضرع هنا الماشية، كما في سائر الروايات.
(إي ورب هذا المسجد) "إي" بكسر الهمزة، حرف جواب، بمعنى نعم، ويقع قبل القسم، وفي القرآن الكريم ﴿ويستنبئونك أحق هو؟ قل: إي وربي إنه لحق﴾ [يونس: ٥٣].
стр. 3388
(حجمه أبو طيبة) بفتح الطاء، بعدها ياء ساكنة، ثم باء مفتوحة، وفي الرواية الخامسة والعشرين دعا النبي ﷺ غلامًا لنا حجامًا، فحجمه" وفي الرواية السابعة والعشرين "حجم النبي ﷺ عبد لبني بياضة" قيل اسمه نافع، وقيل: عاش مائة وثلاثًا وأربعين سنة.
(وكلم أهله) في الرواية الخامسة والعشرين "وكلم فيه" فحذف المفعول للعلم به، وفي الرواية السابعة والعشرين "وكلم سيده" وفي رواية البخاري "وكلم مواليه" أي ساداته، وهم بنو حارثة على الصحيح، ومولى أبي طيبة من بني حارثة اسمه محيصة بن مسعود، والظاهر أن هذا العبد كان مشتركًا، فكلم الشركاء.
(فوضعوا عنه من خراجه) كان هذا العبد يعمل لحسابه بأمر سادته على أن يورد لهم كل يوم قدرًا من المال معينًا كضريبة أو خراج، فكلم مواليه أن يخففوا عنه هذه الضريبة، فخففوها، وعند أبي شيبة "أن النبي ﷺ قال للحجام: كم خراجك؟ قال صاعان. فوضع عنه صاعًا".
(والقسط البحري) بضم القاف وسكون السين، وهو العود الهندي.
(ولا تعذبوا صبيانكم بالغمز) أي إذا أصيب صبيانكم بمرض العذرة الذي يصيب الحلق فلا تعذبوهم بطعن عرق الحلق، بل داووهم بالقسط البحري.
(واستعط) النبي ﷺ بفتح العين، فعل ماض، يقال: استعط الدواء، أي أدخله في أنفه، والسعوط بفتح السين الدواء يدخل في الأنف، ودقيق التبغ (النشوق).
(ولو كان سحتًا لم يعطه النبي ﷺ "السحت" بضم السين ما خبث وقبح من المكاسب، فلزم عنه العار، أي ولو كان أجر الجحام خبيثًا لم يدفعه ﷺ .
-[فقه الحديث]-
تتناول هذه المجموعة من الأحاديث خمس مسائل:
اقتناء الكلب، وبيعه، وحلوان الكاهن، وأجر البغي، وأجر الحجام.
١ - أما اقتناء الكلب فتتناوله الرواية الخامسة "أمر بقتل الكلاب" والسادسة "أمر بقتل الكلاب فأرسل في أقطار المدينة أن تقتل"، والسابعة "فنبعث في المدينة وأطرافها، فلا ندع كلبًا إلا قتلناه" والثامنة "أمرنا بقتل الكلاب إلا كلب صيد، أو كلب غنم، أو كلب ماشية" والتاسعة "أمرنا بقتل الكلاب، حتى إن المرأة تقدم من البادية بكلبها فنقتله، ثم نهى النبي ﷺ عن قتلها، وقال: عليكم بالأسود البهيم" والعاشرة "أمرنا بقتل الكلاب، ثم قال: ما بالهم وبال الكلاب؟ ثم رخص في كلب الصيد وكلب الغنم (والزرع) والحادية عشرة "من اقتنى كلبًا إلا كلب ماشية أو ضاري نقص من عمله كل يوم قيراطان" وقريب منها الثانية عشرة والثالثة عشرة والرابعة عشرة والخامسة عشرة والسادسة عشرة والسابعة عشرة والثامنة عشرة والتاسعة عشرة والمتممة للعشرين والواحدة والعشرون والثانية والعشرون.
стр. 3389
قال النووي: أجمع العلماء على قتل الكلب الكلب (بكسر اللام، أي المريض بداء الكلب، بفتح اللام، وهو الذي إذا عض الإنسان أصابه بداء الكلب) والكلب العقور، للحديث الصحيح "خمس كلهن فاسق، يقتلن في الحرام".
ثم قال: واختلفوا في قتل ما لا ضرر فيه (أي سواء كان فيه نفع أو لا) فقال إمام الحرمين من الشافعية: أمر النبي ﷺ أولاً بقتلها كلها، ثم نسخ ذلك، ونهي عن قتلها إلا الأسود البهيم (كما جاء في روايتنا التاسعة) ثم استقر الشرع على النهي عن قتل جميع الكلاب التي لا ضرر فيها، سواء الأسود وغيره، ويستدل على ذلك بروايتنا العاشرة.
(وحاصل هذا الرأي أن قتل الكلاب النافعة أو غير النافعة، السوداء وغير السوداء منهي عنه، ولا يجوز إلا الكلاب التي تضر وتؤذي بالعض أو بالإزعاج أو التخويف والترويع، وهذا مذهب الشافعية، لا خلاف بينهم).
الرأي الثاني: رأي كثير من العلماء، وهو جواز قتل جميع الكلاب إلا ما استثنى من كلب الصيد وغيره (ومعنى هذا أنه يجب قتل ما فيه ضرر، ويجوز قتل ما لا ضرر فيه، وإن كان نافعًا، إلا ما استثنى) وإلى هذا ذهب مالك وأصحابه واختلفوا: هل كلب الصيد ونحوه منسوخ من العموم الأول في الحكم بقتل الكلاب؟ وأن القتل كان عامًا في الجميع؟ أم كان الأمر الأول بقتل الكلاب مخصوصًا بما سوى ذلك؟ .
وذهب آخرون: إلى جواز اتخاذ جميعها (أي ما لا ضرر فيه، سواء أكان فيه نفع أم لا) ونسخ الأمر بقتلها، ونسخ النهي عن اقتنائها، إلا الأسود البهيم عند أحمد، وبدون استثناء عند أبي حنيفة، وذهب أحمد إلى أنه لا يحل صيد الكلب الأسود البهيم. والشافعي وأصحابه على أنه يحرم اقتناء الكلاب بغير حاجة، أما المستثنى فبلا خلاف، وأما غيرها مما يحتاج إليه لحراس الدور أو الطرقات أو الأشخاص أو الكلاب البوليسية فعلى الأصح، قياسًا على المستثنى وعملاً بالعلة المفهومة من الأحاديث، وهي الحاجة، والنفع المشروع.
واختلف العلماء في سبب نقصان الأجر باقتناء الكلب غير المرخص به، فقيل: إن ذلك عقوبة له، لاتخاذه ما نهي عن اتخاذه، وعصيانه بفعل ذلك، وقيل: لامتناع الملائكة من دخول بيته بسببه، وقيل: لما يلحق المارين من الأذى والخوف والترويع، وقيل: لما يبتلى به من ولوغه في غفلة صاحبه، ولا يغسله بالماء والتراب.
أما الخنزير فيجب قتله قطعًا إن كانت فيه عدوى تنتقل إلى الناس، وإن لم تكن فيه عدوى فقيل: يجب قتله أيضًا، وقيل: لا يجب قتله بل يجوز قتله ويجوز إرساله، هذا عن قتله، أما عن اقتنائه فقد قال النووي في شرح المهذب: لا يجوز بحال.
وعن زيادة أبي هريرة لكلب الحرث، وتعقيب ابن عمر عليه في روايتنا الثامنة يقول النووي: قال العلماء: ليس هذا توهينًا لرواية أبي هريرة، ولا شكًا فيها، بل معناه أنه لما كان صاحب زرع وحرث اعتنى بذلك، وحفظه وأتقنه، والعادة أن المبتلى بشيء يتقنه ما لا يتقنه غيره، ويتعرف من أحكامه
стр. 3390
ما لا يعرفه غيره، وقد ذكر مسلم هذه الزيادة عن ابن عمر - في روايتنا السابعة عشرة، فيحتمل أن ابن عمر لما سمعها من أبي هريرة وتحققها عن النبي ﷺ رواها عنه بعد ذلك، وزادها في حديثه الذي كان يرويه بدونها، ويحتمل أنه تذكر في وقت أنه سمعها من النبي ﷺ فرواها، بعد أن كان قد نسيها في وقت فتركها، والحاصل أن أبا هريرة ليس منفردًا بهذه الزيادة، بل وافقه جماعة من الصحابة في روايتها عن النبي ﷺ ، ولو انفرد بها لكانت مقبولة مكرمة. اهـ.
٢ - وأما بيع الكلب فإن النهي عن ثمنه، وكونه من شر الكسب، وكونه خبيثًا - في الرواية الأولى والثانية والثالثة - يدل على تحريم بيعه، وأنه لا يصح بيعه، ولا يحل ثمنه، ولا قيمة على متلفه، سواء كان معلمًا أم لا، وسواء كان مما يجوز اقتناؤه أم لا. قال النووي: وبهذا قال جماهير العلماء، منهم أبو هريرة والحسن البصري وربيعة والأوزاعي والحكم وحماد والشافعي وأحمد وداود وابن المنذر وغيرهم، وقال أبو حنيفة: يصح بيع الكلاب التي فيها منفعة، وتجب القيمة على متلفها، وحكى ابن المنذر عن جابر وعطاء والنخعي جواز بيع كلب الصيد، دون غيره، وعن مالك روايات: لا يجوز بيعه ولكن تجب القيمة على متلفه - ويصح بيعه وتجب القيمة على متلفه - ولا يصح بيعه ولا تجب القيمة على متلفه، دليل الجمهور هذه الأحاديث، وما خالفها من الأحاديث ضعيف باتفاق أئمة الحديث.
وعلة تحريم بيعه عند الشافعي نجاسته مطلقًا، وهي قائمة في المعلم وغيره، وعلة المنع عند من لا يرى نجاسته النهي عن اتخاذه، والأمر بقتله، ولذلك خص منه ما أذن في اتخاذه، وقد يستدل بما أخرجه النسائي عن جابر "نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب إلا كلب صيد".
وعن مالك في المشهور من مذهبه جواز اتخاذ الكلب، وكراهية بيعه، ولا يفسخ إن وقع، وكأنه لما لم يكن عنده نجسًا، وأذن في اتخاذه لمنافعه الجائزة كان حكمه حكم جميع المبيعات، لكن الشرع نهى عن بيعه تنزيها، لأنه ليس من مكارم الأخلاق، وأما تسويته في النهي بينه وبين مهر البغي وحلوان الكاهن فمحمول على الكلب الذي لم يؤذن في اتخاذه، وعلى تقدير العموم في كل كلب فالنهي في هذه الثلاثة في القدر المشترك من الكراهة، أعم من التنزيه والتحريم، إذ كل واحد منها منهي عنه، ثم تؤخذ خصوصية كل واحد منها من دليل آخر، فإنا عرفنا تحريم مهر البغي وحلوان الكاهن من الإجماع لا من مجرد النهي، ولا يلزم من الاشتراك في العطف الاشتراك في جميع الوجوه، إذ قد يعطف الأمر على النهي، والإيجاب على النفي، ومثل هذا يقال في عطف "كسب الحجام" على "مهر البغي" في روايتنا الثانية.
أما السنور الوارد في روايتنا الرابعة فقد قال النووي: أما النهي عن ثمن السنور فهو محمول على أنه لا ينفع، أو على أنه نهي تنزيه، حتى يعتاد الناس هبته وإعارته والسماحة به، كما هو الغالب، فإن كان مما ينفع وباعه صح البيع، وكان ثمنه حلالاً.
هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة إلا ما حكى ابن المنذر عن أبي هريرة وطاووس ومجاهد وجابر بن زيد أنه لا يجوز بيعه، واحتجوا بالحديث، وأجاب الجمهور بأنه محمول على ما ذكرنا، واحتجوا بأنه طاهر، منتفع به، ووجد فيه جميع شروط البيع بالخيار، فجاز بيعه كالحمار والبغل. والله أعلم.
٣ - وأما حلوان الكاهن فقد قال النووي: أجمع المسلمون على تحريمه، لأنه عوض عن محرم،
стр. 3391
ولأنه أكل المال بالباطل. قال: وأجمعوا على تحريم أجرة المغنية على الغناء، والنائحة على النواح. قال الحافظ ابن حجر: وفي معنى الكاهن التنجيم والضرب بالحصى وغير ذلك مما يتعاناه العرافون من استطلاع الغيب، وفي ذم الكهانة أخرج أصحاب السنن وصححه الحاكم عن أبي هريرة، رفعه "من أتى كاهنًا أو عرافًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد" وعند مسلم "من أتى عرافًا أو ساحرًا أو كاهنًا لم يقبل له صلاة أربعين يومًا" وعند الطبراني "من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد برئ مما أنزل على محمد، ومن أتاه غير مصدق له لم تقبل صلاته أربعين يومًا".
٤ - وأما أجر البغي على بغائها فهو حرام بإجماع المسلمين.
٥ - وأما كسب الحجام من الحجامة فعنه يقول النووي: كونه خبيثًا، من شر الكسب، فيه دليل لمن يقول بتحريمه، وقد اختلف العلماء فيه، فقال الأكثرون من السلف والخلف، لا يحرم كسب الحجام، ولا يحرم أكله على الحر، ولا على العبد، وهو المشهور من مذهب أحمد، وفي رواية عنه قال بها فقهاء المحدثين: يحرم على الحر دون العبد، واعتمدوا هذه الأحاديث وشبهها، واحتج الجمهور بحديث ابن عباس ﵄ روايتنا السابعة والعشرين - قالوا: ولو كان حرامًا لم يعطه ﷺ ، وحملوا الأحاديث الواردة في النهي على التنزيه، والارتفاع عن دنيء الأكساب، والحث على مكارم الأخلاق، ومعالي الأمور، ولو كان حرامًا لم يفرق فيه بين الحر والعبد، فإنه لا يجوز للرجل أن يطعم عبده ما لا يحل. اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر: ذهب الجمهور إلى أن الكسب بالحجامة حلال، واحتجوا بهذا الحديث أي حديث ابن عباس، وقالوا: هو كسب فيه دناءة، وليس بمحرم، وحملوا الزجر عنه على التنزيه، ومنهم من ادعى النسخ، وأنه كان حرامًا، ثم أبيح، وجنح إلى ذلك الطحاوي، والنسخ لا يثبت بالاحتمال، وذهب أحمد وجماعة إلى الفرق بين الحر والعبد، فكرهوا للحر الاحتراف بالحجامة، ويحرم عليه الإنفاق على نفسه منها، ويجوز له الإنفاق منها على الرقيق والدواب، وأباحوها للعبد مطلقًا، وعمدتهم في ذلك حديث محيصة "أنه سأل النبي ﷺ عن كسب الحجام، فنهاه، فذكر له الحاجة، فقال: "أعلفه نواضحك" أخرجه مالك وأحمد وأصحاب السنن، ورجاله ثقات، وذكر ابن الجوزي أن أجر الحجام إنما كره لأنه من الأشياء التي تجب للمسلم على المسلم، إعانة له عند الاحتياج له، فما كان ينبغي أن يأخذ على ذلك أجرًا، وجمع ابن العربي بين قوله ﷺ "كسب الحجام خبيث" وبين إعطائه الحجام أجرته، بأن محل الجواز ما إذا كانت الأجرة على عمل معلوم، ويحمل الزجر على ما إذا كان على عمل مجهول.
ويؤخذ من حديث ابن عباس إباحة الحجامة، والأجرة على المعالجة بالطب، والشفاعة إلى أصحاب الحقوق أن يخففوا منها، وجواز مخارجة السيد لعبده، كأن يقول له: أذنت لك أن تكتسب على أن تعطيني كل يوم كذا، وما زاد فهو لك، وفيه استعمال العبد بغير إذن سيده الخاص، إذا كان قد تضمن تمكينه من العمل إذنه العام.
والله أعلم
стр. 3392
(٤١٥) باب تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام
٣٥٦٢ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يخطب بالمدينة قال "يا أيها الناس إن الله تعالى يعرض بالخمر. ولعل الله سينزل فيها أمرًا. فمن كان عنده منها شيء فليبعه ولينتفع به". قال: فما لبثنا إلا يسيرًا حتى قال النبي ﷺ "إن الله تعالى حرم الخمر. فمن أدركته هذه الآية وعنده منها شيء فلا يشرب ولا يبع" قال: فاستقبل الناس بما كان عنده منها، في طريق المدينة، فسفكوها.
٣٥٦٣ - عن عبد الرحمن بن وعلة السبإي (من أهل مصر) أنه سأل عبد الله بن عباس عما يعصر من العنب؟ فقال ابن عباس: إن رجلاً أهدى لرسول الله ﷺ راوية خمر. فقال له رسول الله ﷺ "هل علمت أن الله قد حرمها؟ " قال: لا. فسار إنسانًا. فقال له رسول الله ﷺ "بم ساررته؟ " فقال: أمرته ببيعها. فقال "إن الذي حرم شربها حرم بيعها" قال: ففتح المزادة حتى ذهب ما فيها.
٣٥٦٤ - عن عائشة ﵂ قالت: لما نزلت الآيات من آخر سورة البقرة. خرج رسول الله ﷺ فاقترأهن على الناس. ثم نهى عن التجارة في الخمر.
٣٥٦٥ - عن عائشة ﵂ قالت: لما أنزلت الآيات من آخر سورة البقرة. في الربا، قالت: خرج رسول الله ﷺ إلى المسجد، فحرم التجارة في الخمر.
стр. 3393
٣٥٦٦ - عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول، عام الفتح، وهو بمكة "إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام" فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟ فقال "لا. هو حرام" ثم قال رسول الله ﷺ ، عند ذلك "قاتل الله اليهود. إن الله لما حرم عليهم شحومها. أجملوه ثم باعوه. فأكلوا ثمنه".
٣٥٦٧ - عن ابن عباس ﵄ قال: بلغ عمر أن سمرة باع خمرًا. فقال: قاتل الله سمرة. ألم يعلم أن رسول الله ﷺ قال "لعن الله اليهود. حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها".
٣٥٦٨ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال "قاتل الله اليهود. حرم الله عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها".
-[المعنى العام]-
الإسلام دين الطهارة، طهارة الظاهر، وطهارة الباطن، طهارة المأكل والمشرب، يحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، وطهارة العقيدة من الشرك والأوثان، وما يحل أكله وشربه يحل بيعه وشراؤه، وما لا ينفع البشرية، ويضرها في بدنها، أو عقيدتها لا يحل بيعه، فالبيع أحله الله لمنافع الإنسانية.
من هنا حرم الإسلام بيع الخمر وشراءها وهبتها، بعد أن حرم شربها، ولقد كان العرب في
стр. 3394
جاهليتهم يشربونها بكثرة، كما يشربون الماء، وكانت الشراب المفضل في سهراتهم ومسامراتهم، رغم علمهم بمضارها، وتمكنت منهم هذه العادة حتى كان من الصعب اقتلاعها بدون تمهيد وتدرج، فنزل قوله تعالى ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ [البقرة: ٢١٩] فامتنع بعض من كان يشربها، وتردد بعض، فنزل قوله تعالى ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ [النساء: ٤٣] فامتنع بعض آخر، وتوقع الباقون أن تحرم، وتوقع ﷺ قرب تحريمها، فنصحهم أن يتخلصوا مما عندهم منها بالشرب أو بالبيع أو بالهبة ولم يمض قليل من الزمن حتى نزل قول الله تعالى ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه﴾ [المائدة: ٩٠] فقال ﷺ لهم: من كان عنده خمر فلا يشربها ولا يبعها فلم يكن أمامهم إلا أن يسفكوها في طرقات المدينة.
وقرن الإسلام تحريم بيعها بتحريم بيع الميتة والخنزير والأصنام، وحذر من التحايل على التشريع، ونعى على اليهود أنهم لما حرم الله عليهم الشحوم، تحايلوا على هذا التحريم، فأذابوها، وباعوها، وأكلوا ثمنها، وتعللوا بأنهم لم يأكلوها، يحذر المسلمين أن يفعلوا فعلهم، وأن يلتفوا حول الأحكام الشرعية بالألاعيب والحيل.
-[المباحث العربية]-
(يخطب بالمدينة) في إحدى خطب الجمعة، كعظة من المواعظ التي كان ينبههم بها إلى مصالحهم.
(إن اللَّه تعالى يعرض بالخمر) وهي المتخذة من عصير العنب، و"يعرض" بضم الياء وفتح العين وكسر الراء المشددة من التعريض، أي يقول فيها قولاً يعيبها، ولم يصرح. وقد مهد الله لتحريم الخمر، وعرض بها قبل التحريم بتعريضين. الأول قوله تعالى ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ فقال بعض الناس: نشربها، لمنافعها التي فيها، وقال آخرون: لا نشربها فلا خير في شيء فيه إثم. الثاني قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ فقال بعض الناس: نشربها بعد العشاء، ونفيق منها قبل الفجر، وبين الصلاتين المتباعدتين، أو نشرب قدرًا لا يسكر، وقال آخرون: لا نشربها، فلا خير في شيء يحول بيننا وبين الصلاة، وكان عمر ﵁ يقول: اللهم بين لنا في ذلك بيانًا شافيًا.
فكانت الخطبة المذكورة في هذا الوقت، قبل نزول آية التحريم ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه﴾
(فمن كان عنده منها شيء فليبعه، ولينتفع به) بوجه من الوجوه كالإهداء، وتحويله إلى خل، والأمر للإرشاد، حتى لا يلحقه ضرر عند التحريم.
стр. 3395
(فما لبثنا إلا يسيرًا) أي إلا زمنًا يسيرًا، أيامًا قلائل.
(حتى قال النبي ﷺ : إن اللَّه تعالى حرم الخمر) أي بعد أن نزلت الآية السابقة، وفيها ﴿فهل أنتم منتهون﴾ أي انتهوا عنها واجتنبوها.
(فمن أدركته هذه الآية، وعنده منها شيء، فلا يشرب، ولا يبع) أي من أدركته هذه الآية حيًا فلا يشرب ولا يبع، أو المعنى فمن أدرك وعلم هذه الآية فلا يشرب ولا يبع، فالآية تدرك المسلم وتصله، ويدركها المسلم ويعلمها، والمراد من الآية آية تحريم الخمر المذكورة في سورة المائدة.
وفي الرواية الثالثة "لما نزلت الآيات من آخر سورة البقرة خرج رسول الله ﷺ " أي من بيته إلى المسجد "فاقترأهن على الناس، ثم نهى عن التجارة في الخمر" وفي الرواية الرابعة "لما نزلت الآيات من آخر سورة البقرة في الربا خرج الرسول ﷺ إلى المسجد، فحرم التجارة في الخمر" وظاهر هاتين الروايتين أن تحريم التجارة في الخمر والنهي عنها كان بعد نزول آيات الربا في آخريات آيات سورة البقرة، وليس بعد تحريم الخمر بالآيات التي في سورة المائدة، وليس هذا الظاهر مرادًا، فقد حرمت الخمر وبلغ ﷺ تحريمها قبل نزل آية الربا بمدة طويلة، فيحتمل أن النبي ﷺ جدد وكرر النهي عن الخمر والإتجار فيها بعد آية الربا للتذكير والتأكيد، والمبالغة في إشاعة الحكم والاهتمام به، قال القاضي: ولعله حضر هذا من لم يكن بلغه تحريم التجارة في الخمر قبل ذلك. قلت هذا الاحتمال بعيد، والاحتمال الأول حسن.
(فاستقبل الناس بما كان عنده منها، في طريق المدينة فسفكوها) هكذا هو في الأصول التي بين يدي "فاستقبل الناس بما كان عنده" بإفراد الضمير العائد على الناس باعتبار اللفظ، والأصل: بما كان عندهم، وقوله "في طريق المدينة فسفكوها" فيه تقديم الجار والمجرور على متعلقه، والمعنى فاستقبل الناس هذا النهي بما كان عندهم من الخمر، فسفكوها في طريق المدينة، وقد روي "فلبث المسلمون زمانًا يجدون ريحها من طرق المدينة، مما أهراقوا منها".
(عما يعصر من العنب) أي عن حكم الخمر، عن حكم شربها وبيعها وهبتها، وليس السؤال عن عصير العنب قبل أن يتخمر، بدليل جواب ابن عباس.
(راوية خمر) في آخر الرواية "ففتح المزادة" قال أبو عبيد: الراوية والمزادة. بمعنى، وقال ابن السكيت: إنما يقال لها: المزادة، وأما الراوية فاسم للبعير الذي يروي عليه خاصة، والحديث يشهد لأبي عبيد.
وهي وعاء من جلد، يحمل فيه الماء للمسافر ونحوه، يحمل لترًا أو لترين أو ثلاثة، وسميت مزادة لأنه يتزود بمائها في السفر وغيره، وقيل: لأنه يزاد فيها جلد لتتسع عند الحاجة، وسميت راوية لأنها تروي صاحبها ومن معه بمائها، فقوله "راوية خمر" من إضافة الظرف إلى المظروف، مثل كوب ماء، والمقصود الخمر، لا الراوية.
стр. 3396
(هل علمت أن اللَّه قد حرمها؟ ) قال النووي: لعل السؤال كان ليعرف حاله - أي إن الاستفهام حقيقي، وليس إنكاريًا - توبيخيًا فإن كان عالمًا بتحريمها - أي تحريم شربها فقط - أنكر عليه هديتها وإمساكها وحملها، وعذره على ذلك، فلما أخبره بأنه كان جاهلاً بذلك عذره. والظاهر أن هذه القضية كانت على قرب تحريم الخمر، قبل اشتهار ذلك.
(فسار إنسانًا) بتشديد الراء، فأسر إلى إنسان كان معه، فالمسار هو الرجل الذي أهدى الراوية.
(ففتح المزادة، حتى ذهب ما فيها) أي ففتح المزادة، وصب ما فيها على الأرض، حتى أفرغ ما فيها، والظاهر أنهم كانوا في مكان لا يؤذيه، ولا يؤذي من فيه، صب هذا القدر من الخمر.
(عام الفتح) قال الحافظ ابن حجر: فيه بيان تاريخ ذلك، وكان ذلك في رمضان سنة ثمان من الهجرة، ويحتمل أن يكون التحريم وقع قبل ذلك، ثم أعاده ﷺ ، ليسمعه من لم يكن سمعه. اهـ. المهم فيه أن الخمر كانت محرمة في ذلك التاريخ.
(إن اللَّه ورسوله حرم) قال الحافظ ابن حجر: هكذا وقع في الصحيحين، بإسناد الفعل "حرم" إلى الضمير الواحد، وكان الأصل "حرمًا" قال القرطبي: إنه ﷺ تأدب، فلم يجمع بينه وبين اسم الله في ضمير الاثنين، لأنه من نوع ما رد به على الخطيب الذي قال "ومن يعصهما" كذا قال. ولم تتفق الرواة في هذا الحديث على ذلك، فإن بعض طرقه في الصحيح "إن الله حرم" ليس فيه "ورسوله" وفي رواية لابن مردويه، من وجه آخر عن الليث "إن الله ورسوله حرما" وقد صح في حديث أنس، في النهي عن أكل الحمر الأهلية "إن الله ورسوله ينهيانكم" والتحقيق جواز الإفراد في مثل هذا، ويكون فيه الإشارة إلى أن أمر النبي ﷺ ناشئ عن أمر الله.
(والميتة) بفتح الميم مازالت عنه الحياة بغير ذكاة شرعية، وبكسر الميم الهيئة، وليست مرادة هنا.
(والأصنام) جمع صنم، قال الجوهري: هو الوثن، وقال غيره: الوثن ماله جثة، والصنم ما كان مصورًا، فبينهما عموم وخصوص وجهي، فإن كان مصورًا فهو وثن وصنم.
(أرأيت شحوم الميتة ... ) أي أخبرني عن شحوم الميتة، يفعل بها كذا وكذا، فهل يحل بيعها لما ذكر من المنافع؟ فإنها مقتضية لصحة البيع؟ .
(ويستصبح بها الناس) أي يجعلونها في مصابيحهم لتضيء لهم.
(فقال: لا. هو حرام) قال النووي: "هو" يعود إلى البيع، لا إلى الانتفاع، ومن العلماء من حمله على الانتفاع، وسيأتي التفصيل في فقه الحديث.
стр. 3397
(قاتل اللَّه اليهود) "قاتل" فاعل، وأصله أن يقع الفعل بين اثنين، ولكنه ربما جاء من واحد، كسافر، فالمعنى عليه قتل الله اليهود، أي لعن الله اليهود، فالمراد من القتل اللعن بجامع الطرد في كل، القتل طرد من الحياة، واللعن طرد من رحمة الله، فهو دعاء عليهم بذلك، أو المراد الدعاء عليهم بأن يقتلوا.
(لما حرم اللَّه عليهم شحومها أجملوه) تذكير في "أجملوه" على تقدير أجملوا هذا الشيء، وفي الرواية السادسة "حرمت عليهم الشحوم، فجملوها" وفي الرواية السابعة "حرم الله عليهم الشحوم فباعوها" أي أذابوها فباعوها، وفي الرواية الثامنة "حرم عليهم الشحم، فباعوه" يقال: أجمل الشحوم بالهمز، وجمله بالتشديد، أي أذابه، ويقال فيه "جمل" بالتخفيف من باب نصر.
-[فقه الحديث]-
شرب الخمر حرام بالإجماع، والكلام هنا عن بيعها، وإهدائها، والانتفاع بها بوجه من الوجوه.
أما البيع فالرواية الأولى، ولفظها "فلا يشرب ولا يبع" والثانية، ولفظها "إن الذي حرم شربها حرم بيعها" والثالثة ولفظها "ثم نهى عن التجارة في الخمر" والرابعة، ولفظها "فحرم التجارة في الخمر" هذه الروايات صريحة في تحريم بيعها، قال النووي: وهو مجمع عليه. وقال الحافظ ابن حجر: وقد نقل ابن المنذر وغيره في ذلك الإجماع، وشذ من قال: يجوز بيعها، ويجوز بيع عنقود العنب الذي تحول ما في باطنه إلى خمر.
واختلف العلماء في علة تحريم بيعها، وهي عند الشافعي وموافقيه النجاسة، فيلحق بها كل عين نجسة كروث الحيوانات، وأجاز الكوفيون بيع النجس المنتفع به، كالسرجين وزرق الحمام، وذهب بعض المالكية إلى جواز ذلك للمشتري، دون البائع، لاحتياج المشتري دون البائع. وقيل: لأنه ليس فيها منفعة مباحة مقصودة، فيلحق بها ما كان كذلك كالسباع والحشرات، وقيل: حرم بيعها مبالغة في التنفير عنها.
أما الهبة فهي ملحقة بالبيع، وأما تخليلها، والانتفاع بها فهو حرام عند الشافعي وأحمد والثوري ومالك في أصح الروايتين عنه، قالوا: لو جاز تخليلها، وتحويلها إلى خل لبينه النبي ﷺ لهم، ونهاهم عن إضاعتها (حين سكبوها وأراقوها في طرقات المدينة) كما نصحهم وحثهم على الانتفاع بها قبل تحريمها، حين توقع نزول تحريمها، وكما نبه أهل الشاة الميتة على دباغ جلدها، والانتفاع به.
وجوز تخليلها الأوزاعي والليث وأبو حنيفة ومالك في رواية عنه.
قال النووي: وأما إذا انقلبت بنفسها خلا فتطهر عند جميعهم إلا ما حكي عن سحنون المالكي، أنه قال: لا تطهر. اهـ ومعنى هذا أنها إذا تخللت بنفسها طهرت وجاز بيعها وهبتها، وإذا تخللت بفعل مخللها لم تطهر عند الشافعي وموافقيه، ولا يجوز بيعها، وسيأتي مزيد بحث فيما يؤخذ من حديث سمرة قريبًا.
стр. 3398
وأما بيع الميتة فقد نقل ابن المنذر وغيره الإجماع على تحريمه، ويستثنى من ذلك السمك والجراد، ويستثنى كذلك عند بعض العلماء ما لا تحله الحياة، كالشعر والصوف والوبر، فإنه طاهر، فيجوز بيعه، وهو قول أكثر المالكية والحنفية، وزاد بعضهم العظم والسن والقرن والظلف، وقال بنجاسة الشعور الحسن والليث والأوزاعي، ولكنها تطهر عندهم بالغسل، وكأنها عندهم متنجسة بما يتعلق بها من رطوبات الميتة. ونحوه قال ابن القاسم في عظم الفيل، إنه يطهر إذا سلق بالماء.
وأما شحوم الميتة والانتفاع بها بغير الأكل فقد تعرضت له الرواية الخامسة، وعنه يقول النووي: الصحيح عند الشافعي وأصحابه أنه يجوز الانتفاع بشحم الميتة في طلي السفن، والاستصباح بها وغير ذلك مما ليس بأكل، وليس في بدن الآدمي، وبهذا أيضًا قال عطاء بن أبي رباح ومحمد بن جرير الطبري، وقال الجمهور: لا يجوز الانتفاع به في شيء أصلاً، لعموم النهي عن الانتفاع بالميتة إلا ما خص، وهو الجلد المدبوغ، وأما الزيت والسمن ونحوهما من الأدهان التي أصابتها نجاسة. فهل يجوز الاستصباح بها ونحوه من الاستعمالات في غير الأكل وغير البدن؟ أو يجعل من الزيت صابون؟ أو يطعم العسل المتنجس للنحل؟ أو يطعم الميتة لكلابه؟ أو يطعم الطعام النجس لدوابه؟ فيه خلاف بين السلف، الصحيح من مذهبنا جواز جميع ذلك، ونقله القاضي عياض عن مالك وكثير من الصحابة والشافعي والثوري وأبي حنيفة وأصحابه والليث بن سعد. قال: وأجاز أبو حنيفة وأصحابه والليث وغيرهم بيع الزيت النجس إذا بينه، وقال ابن الماجشون وأحمد بن حنبل: لا يجوز الانتفاع بشيء من ذلك كله في شيء من الأشياء. اهـ.
ثم قال النووي: قال العلماء: وفي عموم تحريم بيع الميتة أنه يحرم بيع جثة الكافر إذا قتلناه، وطلب الكفار شراءه، أو دفع عوض عنه، وقد جاء في الحديث أن نوفل بن عبد الله المخزومي قتله المسلمون يوم الخندق، فبذل الكفار في جسده عشرة آلاف درهم للنبي ﷺ فلم يأخذها، ودفعه إليهم.
وأما الخنزير فمحرم بيعه بالإجماع، وعلة التحريم عند الشافعية النجاسة، والمشهور عند المالكية طهارة الخنزير، ورخص بعض العلماء في بيع القليل من شعر الخنزير للغرز، حكاه ابن المنذر عن الأوزاعي وأبي يوسف وبعض المالكية.
وأما الأصنام فبيعها حرام، والعلة في حرمتها عدم المنفعة المباحة، فعلى هذا إن كانت بحيث إذا كسرت ينتفع بمعدنها ومادتها وأجزائها جاز بيعها عند بعض العلماء من الشافعية وغيرهم، والأكثر على المنع حملاً للنهي على ظاهره، والظاهر أن النهي عن بيعها لزيادة التنفير عنها. قال الحافظ ابن حجر: ويلتحق بها في الحكم الصلبان التي تعظمها النصارى، ويحرم نحت جميع ذلك وصنعته.
-[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]-
١ - في قوله في الرواية الأولى "إن الله يعرض بالخمر ... إلخ" دليل على أن الأشياء قبل ورود الشرع لا تكليف فيها بتحريم ولا غيره، وفي المسألة خلاف مشهور للأصوليين، الأصح: أنه لا حكم ولا
стр. 3399
تكليف قبل ورود الشرع، لقوله تعالى ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾ [الإسراء: ١٥] والثاني: أن أصلها على التحريم، حتى يرد الشرع بغير ذلك. الثالث: أن أصلها على الإباحة، الرابع: التوقف. وهذا الخلاف في غير الضروريات التي لا يمكن الاستغناء عنها، كالتنفس ونحوه، فإنها ليست محرمة بلا خلاف، إلا على قول من يجوز التكليف بما لا يطاق.
٢ - وفي هذا الحديث أيضًا بذل النصيحة للمسلمين في دينهم ودنياهم، لأنه ﷺ نصحهم في تعجيل الانتفاع بها مادامت حلالاً.
٣ - ومن الرواية الثانية أن من ارتكب معصية جاهلاً تحريمها لا إثم عليه، ولا تعزير.
٤ - وفي قوله "بم ساررته"؟ دليل لجواز سؤال الإنسان عن بعض ما أسر به لآخر، فإن كان مما يجب كتمانه كتمه، وإلا ذكره.
٥ - وفي فتح المزادة، وتفريغها دليل للشافعي والجمهور أن أواني الخمر لا تكسر، ولا تشق، بل يراق ما فيها، وتغسل وينتفع بها، وعن مالك روايتان، إحداهما كالجمهور، والثانية يكسر الإناء، ويشق السقاء، قال النووي: وهذا ضعيف لا أصل له، أما حديث أبي طلحة أنهم كسروا الدنان فإنما فعلوا ذلك بأنفسهم مبالغة، من غير أمر النبي ﷺ .
٦ - قال القاضي عن الرواية الخامسة: تضمن هذا الحديث أن ما لا يحل أكله والانتفاع به لا يجوز بيعه، ولا يحل أكل ثمنه، كما في الشحوم المذكورة في الحديث. اهـ وخالف في ذلك بعضهم.
٧ - ومن الرواية السادسة، من قول عمر: "قاتل الله سمرة" أخذ بعضهم جواز لعن العاصي المعين. وهو غير مسلم إذ يحتمل أن عمر قالها لم يقصد معناها، كما يقولها العرب كثيرًا.
٨ - وفيه إقالة ذوي الهيئات زلاتهم، لأن عمر اكتفى بتلك الكلمة عن مزيد عقوبة. قال ابن الجوزي والقرطبي وغيرهما: اختلف في كيفية بيع سمرة للخمر على ثلاثة أقوال: أحدها أنه أخذها من أهل الكتاب عن قيمة الجزية، فباعها لهم، وأخذ ثمنها كجزية، معتقدًا جواز ذلك وهذا حكاه ابن الجوزي عن ابن ناصر ورجحه، وقال: كان ينبغي له أن يتركهم يبيعونها، ولا يدخل في المحظور، وإن أخذ منهم أثمانها بعد ذلك، لأنه حينئذ لا يكون قد تعاطى محرمًا، ويكون شبيهًا بقصة بريرة، حيث قال "هو عليها صدقة، ولنا هدية" والثاني: قال الخطابي: يجوز أن يكون باع العصير ممن يتخذه خمرًا، والعصير يسمى خمرًا، كما قد يسمى العنب به، لأنه يئول إليه، ثم قال الخطابي: ولا يظن بسمرة أنه باع عين الخمر بعد أن شاع تحريمها، وإنما باع العصير.
الثالث: أن يكون خلل الخمر وباعها، وكان عمر يعتقد أن ذلك لا يحلها، كما هو قول أكثر العلماء، واعتقد سمرة الجواز، كما ذهب إلى ذلك بعض العلماء.
وقد أبدى الإسماعيلي فيه احتمالاً آخر، وهو أن سمرة علم تحريم الخمر، ولم يعلم تحريم بيعها، ولذلك اقتصر عمر على ذمه، دون عقوبته، وهذا هو الظن به.
стр. 3400
٩ - وفيه إبطال الحيل والوسائل للوصول إلى المحرم.
١٠ - وفيه أن الشيء إذا حرم عينه حرم ثمنه.
١١ - وفيه دليل على أن بيع المسلم الخمر من الذمي أو إلى الذمي لا يجوز.
١٢ - وفيه استعمال القياس في الأشباه والنظائر.
والله أعلم
следующие страницы →