← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.

стр. 3396

(هل علمت أن اللَّه قد حرمها؟ ) قال النووي: لعل السؤال كان ليعرف حاله - أي إن الاستفهام حقيقي، وليس إنكاريًا - توبيخيًا فإن كان عالمًا بتحريمها - أي تحريم شربها فقط - أنكر عليه هديتها وإمساكها وحملها، وعذره على ذلك، فلما أخبره بأنه كان جاهلاً بذلك عذره. والظاهر أن هذه القضية كانت على قرب تحريم الخمر، قبل اشتهار ذلك. (فسار إنسانًا) بتشديد الراء، فأسر إلى إنسان كان معه، فالمسار هو الرجل الذي أهدى الراوية. (ففتح المزادة، حتى ذهب ما فيها) أي ففتح المزادة، وصب ما فيها على الأرض، حتى أفرغ ما فيها، والظاهر أنهم كانوا في مكان لا يؤذيه، ولا يؤذي من فيه، صب هذا القدر من الخمر. (عام الفتح) قال الحافظ ابن حجر: فيه بيان تاريخ ذلك، وكان ذلك في رمضان سنة ثمان من الهجرة، ويحتمل أن يكون التحريم وقع قبل ذلك، ثم أعاده ﷺ ، ليسمعه من لم يكن سمعه. اهـ. المهم فيه أن الخمر كانت محرمة في ذلك التاريخ. (إن اللَّه ورسوله حرم) قال الحافظ ابن حجر: هكذا وقع في الصحيحين، بإسناد الفعل "حرم" إلى الضمير الواحد، وكان الأصل "حرمًا" قال القرطبي: إنه ﷺ تأدب، فلم يجمع بينه وبين اسم الله في ضمير الاثنين، لأنه من نوع ما رد به على الخطيب الذي قال "ومن يعصهما" كذا قال. ولم تتفق الرواة في هذا الحديث على ذلك، فإن بعض طرقه في الصحيح "إن الله حرم" ليس فيه "ورسوله" وفي رواية لابن مردويه، من وجه آخر عن الليث "إن الله ورسوله حرما" وقد صح في حديث أنس، في النهي عن أكل الحمر الأهلية "إن الله ورسوله ينهيانكم" والتحقيق جواز الإفراد في مثل هذا، ويكون فيه الإشارة إلى أن أمر النبي ﷺ ناشئ عن أمر الله. (والميتة) بفتح الميم مازالت عنه الحياة بغير ذكاة شرعية، وبكسر الميم الهيئة، وليست مرادة هنا. (والأصنام) جمع صنم، قال الجوهري: هو الوثن، وقال غيره: الوثن ماله جثة، والصنم ما كان مصورًا، فبينهما عموم وخصوص وجهي، فإن كان مصورًا فهو وثن وصنم. (أرأيت شحوم الميتة ... ) أي أخبرني عن شحوم الميتة، يفعل بها كذا وكذا، فهل يحل بيعها لما ذكر من المنافع؟ فإنها مقتضية لصحة البيع؟ . (ويستصبح بها الناس) أي يجعلونها في مصابيحهم لتضيء لهم. (فقال: لا. هو حرام) قال النووي: "هو" يعود إلى البيع، لا إلى الانتفاع، ومن العلماء من حمله على الانتفاع، وسيأتي التفصيل في فقه الحديث.

стр. 3397

(قاتل اللَّه اليهود) "قاتل" فاعل، وأصله أن يقع الفعل بين اثنين، ولكنه ربما جاء من واحد، كسافر، فالمعنى عليه قتل الله اليهود، أي لعن الله اليهود، فالمراد من القتل اللعن بجامع الطرد في كل، القتل طرد من الحياة، واللعن طرد من رحمة الله، فهو دعاء عليهم بذلك، أو المراد الدعاء عليهم بأن يقتلوا. (لما حرم اللَّه عليهم شحومها أجملوه) تذكير في "أجملوه" على تقدير أجملوا هذا الشيء، وفي الرواية السادسة "حرمت عليهم الشحوم، فجملوها" وفي الرواية السابعة "حرم الله عليهم الشحوم فباعوها" أي أذابوها فباعوها، وفي الرواية الثامنة "حرم عليهم الشحم، فباعوه" يقال: أجمل الشحوم بالهمز، وجمله بالتشديد، أي أذابه، ويقال فيه "جمل" بالتخفيف من باب نصر. -[فقه الحديث]- شرب الخمر حرام بالإجماع، والكلام هنا عن بيعها، وإهدائها، والانتفاع بها بوجه من الوجوه. أما البيع فالرواية الأولى، ولفظها "فلا يشرب ولا يبع" والثانية، ولفظها "إن الذي حرم شربها حرم بيعها" والثالثة ولفظها "ثم نهى عن التجارة في الخمر" والرابعة، ولفظها "فحرم التجارة في الخمر" هذه الروايات صريحة في تحريم بيعها، قال النووي: وهو مجمع عليه. وقال الحافظ ابن حجر: وقد نقل ابن المنذر وغيره في ذلك الإجماع، وشذ من قال: يجوز بيعها، ويجوز بيع عنقود العنب الذي تحول ما في باطنه إلى خمر. واختلف العلماء في علة تحريم بيعها، وهي عند الشافعي وموافقيه النجاسة، فيلحق بها كل عين نجسة كروث الحيوانات، وأجاز الكوفيون بيع النجس المنتفع به، كالسرجين وزرق الحمام، وذهب بعض المالكية إلى جواز ذلك للمشتري، دون البائع، لاحتياج المشتري دون البائع. وقيل: لأنه ليس فيها منفعة مباحة مقصودة، فيلحق بها ما كان كذلك كالسباع والحشرات، وقيل: حرم بيعها مبالغة في التنفير عنها. أما الهبة فهي ملحقة بالبيع، وأما تخليلها، والانتفاع بها فهو حرام عند الشافعي وأحمد والثوري ومالك في أصح الروايتين عنه، قالوا: لو جاز تخليلها، وتحويلها إلى خل لبينه النبي ﷺ لهم، ونهاهم عن إضاعتها (حين سكبوها وأراقوها في طرقات المدينة) كما نصحهم وحثهم على الانتفاع بها قبل تحريمها، حين توقع نزول تحريمها، وكما نبه أهل الشاة الميتة على دباغ جلدها، والانتفاع به. وجوز تخليلها الأوزاعي والليث وأبو حنيفة ومالك في رواية عنه. قال النووي: وأما إذا انقلبت بنفسها خلا فتطهر عند جميعهم إلا ما حكي عن سحنون المالكي، أنه قال: لا تطهر. اهـ ومعنى هذا أنها إذا تخللت بنفسها طهرت وجاز بيعها وهبتها، وإذا تخللت بفعل مخللها لم تطهر عند الشافعي وموافقيه، ولا يجوز بيعها، وسيأتي مزيد بحث فيما يؤخذ من حديث سمرة قريبًا.

стр. 3398

وأما بيع الميتة فقد نقل ابن المنذر وغيره الإجماع على تحريمه، ويستثنى من ذلك السمك والجراد، ويستثنى كذلك عند بعض العلماء ما لا تحله الحياة، كالشعر والصوف والوبر، فإنه طاهر، فيجوز بيعه، وهو قول أكثر المالكية والحنفية، وزاد بعضهم العظم والسن والقرن والظلف، وقال بنجاسة الشعور الحسن والليث والأوزاعي، ولكنها تطهر عندهم بالغسل، وكأنها عندهم متنجسة بما يتعلق بها من رطوبات الميتة. ونحوه قال ابن القاسم في عظم الفيل، إنه يطهر إذا سلق بالماء. وأما شحوم الميتة والانتفاع بها بغير الأكل فقد تعرضت له الرواية الخامسة، وعنه يقول النووي: الصحيح عند الشافعي وأصحابه أنه يجوز الانتفاع بشحم الميتة في طلي السفن، والاستصباح بها وغير ذلك مما ليس بأكل، وليس في بدن الآدمي، وبهذا أيضًا قال عطاء بن أبي رباح ومحمد بن جرير الطبري، وقال الجمهور: لا يجوز الانتفاع به في شيء أصلاً، لعموم النهي عن الانتفاع بالميتة إلا ما خص، وهو الجلد المدبوغ، وأما الزيت والسمن ونحوهما من الأدهان التي أصابتها نجاسة. فهل يجوز الاستصباح بها ونحوه من الاستعمالات في غير الأكل وغير البدن؟ أو يجعل من الزيت صابون؟ أو يطعم العسل المتنجس للنحل؟ أو يطعم الميتة لكلابه؟ أو يطعم الطعام النجس لدوابه؟ فيه خلاف بين السلف، الصحيح من مذهبنا جواز جميع ذلك، ونقله القاضي عياض عن مالك وكثير من الصحابة والشافعي والثوري وأبي حنيفة وأصحابه والليث بن سعد. قال: وأجاز أبو حنيفة وأصحابه والليث وغيرهم بيع الزيت النجس إذا بينه، وقال ابن الماجشون وأحمد بن حنبل: لا يجوز الانتفاع بشيء من ذلك كله في شيء من الأشياء. اهـ. ثم قال النووي: قال العلماء: وفي عموم تحريم بيع الميتة أنه يحرم بيع جثة الكافر إذا قتلناه، وطلب الكفار شراءه، أو دفع عوض عنه، وقد جاء في الحديث أن نوفل بن عبد الله المخزومي قتله المسلمون يوم الخندق، فبذل الكفار في جسده عشرة آلاف درهم للنبي ﷺ فلم يأخذها، ودفعه إليهم. وأما الخنزير فمحرم بيعه بالإجماع، وعلة التحريم عند الشافعية النجاسة، والمشهور عند المالكية طهارة الخنزير، ورخص بعض العلماء في بيع القليل من شعر الخنزير للغرز، حكاه ابن المنذر عن الأوزاعي وأبي يوسف وبعض المالكية. وأما الأصنام فبيعها حرام، والعلة في حرمتها عدم المنفعة المباحة، فعلى هذا إن كانت بحيث إذا كسرت ينتفع بمعدنها ومادتها وأجزائها جاز بيعها عند بعض العلماء من الشافعية وغيرهم، والأكثر على المنع حملاً للنهي على ظاهره، والظاهر أن النهي عن بيعها لزيادة التنفير عنها. قال الحافظ ابن حجر: ويلتحق بها في الحكم الصلبان التي تعظمها النصارى، ويحرم نحت جميع ذلك وصنعته. -[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]- ١ - في قوله في الرواية الأولى "إن الله يعرض بالخمر ... إلخ" دليل على أن الأشياء قبل ورود الشرع لا تكليف فيها بتحريم ولا غيره، وفي المسألة خلاف مشهور للأصوليين، الأصح: أنه لا حكم ولا

стр. 3399

تكليف قبل ورود الشرع، لقوله تعالى ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾ [الإسراء: ١٥] والثاني: أن أصلها على التحريم، حتى يرد الشرع بغير ذلك. الثالث: أن أصلها على الإباحة، الرابع: التوقف. وهذا الخلاف في غير الضروريات التي لا يمكن الاستغناء عنها، كالتنفس ونحوه، فإنها ليست محرمة بلا خلاف، إلا على قول من يجوز التكليف بما لا يطاق. ٢ - وفي هذا الحديث أيضًا بذل النصيحة للمسلمين في دينهم ودنياهم، لأنه ﷺ نصحهم في تعجيل الانتفاع بها مادامت حلالاً. ٣ - ومن الرواية الثانية أن من ارتكب معصية جاهلاً تحريمها لا إثم عليه، ولا تعزير. ٤ - وفي قوله "بم ساررته"؟ دليل لجواز سؤال الإنسان عن بعض ما أسر به لآخر، فإن كان مما يجب كتمانه كتمه، وإلا ذكره. ٥ - وفي فتح المزادة، وتفريغها دليل للشافعي والجمهور أن أواني الخمر لا تكسر، ولا تشق، بل يراق ما فيها، وتغسل وينتفع بها، وعن مالك روايتان، إحداهما كالجمهور، والثانية يكسر الإناء، ويشق السقاء، قال النووي: وهذا ضعيف لا أصل له، أما حديث أبي طلحة أنهم كسروا الدنان فإنما فعلوا ذلك بأنفسهم مبالغة، من غير أمر النبي ﷺ . ٦ - قال القاضي عن الرواية الخامسة: تضمن هذا الحديث أن ما لا يحل أكله والانتفاع به لا يجوز بيعه، ولا يحل أكل ثمنه، كما في الشحوم المذكورة في الحديث. اهـ وخالف في ذلك بعضهم. ٧ - ومن الرواية السادسة، من قول عمر: "قاتل الله سمرة" أخذ بعضهم جواز لعن العاصي المعين. وهو غير مسلم إذ يحتمل أن عمر قالها لم يقصد معناها، كما يقولها العرب كثيرًا. ٨ - وفيه إقالة ذوي الهيئات زلاتهم، لأن عمر اكتفى بتلك الكلمة عن مزيد عقوبة. قال ابن الجوزي والقرطبي وغيرهما: اختلف في كيفية بيع سمرة للخمر على ثلاثة أقوال: أحدها أنه أخذها من أهل الكتاب عن قيمة الجزية، فباعها لهم، وأخذ ثمنها كجزية، معتقدًا جواز ذلك وهذا حكاه ابن الجوزي عن ابن ناصر ورجحه، وقال: كان ينبغي له أن يتركهم يبيعونها، ولا يدخل في المحظور، وإن أخذ منهم أثمانها بعد ذلك، لأنه حينئذ لا يكون قد تعاطى محرمًا، ويكون شبيهًا بقصة بريرة، حيث قال "هو عليها صدقة، ولنا هدية" والثاني: قال الخطابي: يجوز أن يكون باع العصير ممن يتخذه خمرًا، والعصير يسمى خمرًا، كما قد يسمى العنب به، لأنه يئول إليه، ثم قال الخطابي: ولا يظن بسمرة أنه باع عين الخمر بعد أن شاع تحريمها، وإنما باع العصير. الثالث: أن يكون خلل الخمر وباعها، وكان عمر يعتقد أن ذلك لا يحلها، كما هو قول أكثر العلماء، واعتقد سمرة الجواز، كما ذهب إلى ذلك بعض العلماء. وقد أبدى الإسماعيلي فيه احتمالاً آخر، وهو أن سمرة علم تحريم الخمر، ولم يعلم تحريم بيعها، ولذلك اقتصر عمر على ذمه، دون عقوبته، وهذا هو الظن به.

стр. 3400

٩ - وفيه إبطال الحيل والوسائل للوصول إلى المحرم. ١٠ - وفيه أن الشيء إذا حرم عينه حرم ثمنه. ١١ - وفيه دليل على أن بيع المسلم الخمر من الذمي أو إلى الذمي لا يجوز. ١٢ - وفيه استعمال القياس في الأشباه والنظائر. والله أعلم

стр. 3401

(٤١٦) باب الربا ٣٥٧٠ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل. ولا تشفوا بعضها على بعض. ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلاً بمثل. ولا تشفوا بعضها على بعض. ولا تبيعوا منها غائبًا بناجز". ٣٥٧١ - عن نافع أن ابن عمر ﵄ قال له رجل من بني ليث: إن أبا سعيد الخدري يأثر هذا عن رسول الله ﷺ . في رواية قتيبة: فذهب عبد الله ونافع معه. وفي حديث ابن رمح: قال نافع: فذهب عبد الله وأنا معه والليثي. حتى دخل على أبي سعيد الخدري. فقال: إن هذا أخبرني أنك تخبر أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الورق بالورق إلا مثلاً بمثل. وعن بيع الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل. فأشار أبو سعيد بإصبعيه إلى عينيه وأذنيه. فقال: أبصرت عيناي وسمعت أذناي رسول الله ﷺ يقول "لا تبيعوا الذهب بالذهب. ولا تبيعوا الورق بالورق. إلا مثلاً بمثل. ولا تشفوا بعضه على بعض. ولا تبيعوا شيئًا غائبًا منه بناجز، إلا يدًا بيد". ٣٥٧٢ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "لا تبيعوا الذهب بالذهب. ولا الورق بالورق. إلا وزنًا بوزن، مثلاً بمثل سواء بسواء". ٣٥٧٣ - عن عثمان بن عفان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "لا تبيعوا الدينار بالدينارين ولا الدرهم بالدرهمين". ٣٥٧٤ - عن مالك بن أوس بن الحدثان أنه قال: أقبلت أقول: من يصطرف

стр. 3402

الدراهم؟ فقال طلحة بن عبيد الله (وهو عند عمر بن الخطاب): أرنا ذهبك. ثم ائتنا، إذا جاء خادمنا، نعطك ورقك. فقال عمر بن الخطاب: كلا والله لتعطينه ورقه. أو لتردن إليه ذهبه. فإن رسول الله ﷺ قال "الورق بالذهب ربًا إلا هاء وهاء. والبر بالبر ربًا إلا هاء وهاء. والشعير بالشعير ربًا إلا هاء وهاء. والتمر بالتمر ربًا إلا هاء وهاء". ٣٥٧٥ - عن أبي قلابة قال: كنت بالشام في حلقة فيها مسلم بن يسار. فجاء أبو الأشعث. قال: قالوا: أبو الأشعث، أبو الأشعث. فجلس فقلت له: حدث أخانا حديث عبادة بن الصامت. قال: نعم. غزونا غزاة. وعلى الناس معاوية. فغنمنا غنائم كثيرة. فكان، فيما غنمنا، آنية من فضة. فأمر معاوية رجلاً أن يبيعها في أعطيات الناس. فتسارع الناس في ذلك. فبلغ عبادة بن الصامت فقام فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح إلا سواء بسواء. عينًا بعين. فمن زاد أو ازداد فقد أربى. فرد الناس ما أخذوا. فبلغ ذلك معاوية فقام خطيبًا فقال: ألا ما بال رجال يتحدثون عن رسول الله ﷺ أحاديث. قد كنا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه. فقام عبادة بن الصامت فأعاد القصة. ثم قال: لنحدثن بما سمعنا من رسول الله ﷺ وإن كره معاوية (أو قال: وإن رغم). ما أبالي أن لا أصحبه في جنده ليلة سوداء. ٣٥٧٦ - عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "الذهب بالذهب. والفضة بالفضة. والبر بالبر. والشعير بالشعير. والتمر بالتمر. والملح بالملح. مثلاً بمثل. سواء بسواء. يدًا بيد. فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدًا بيد". ٣٥٧٧ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "الذهب بالذهب.

стр. 3403

والفضة بالفضة. والبر بالبر. والشعير بالشعير. والتمر بالتمر. والملح بالملح. مثلاً بمثل. يداً بيد. فمن زاد أو استزاد فقد أربى. الآخذ والمعطي فيه سواء". ٣٥٧٨ - - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "الذهب بالذهب. مثلاً بمثل" فذكر بمثله. ٣٥٧٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "التمر بالتمر. والحنطة بالحنطة. والشعير بالشعير. والملح بالملح. مثلاً بمثل. يدًا بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى إلا ما اختلفت ألوانه". ٣٥٨٠ - ومثله عن فضيل بن غزوان بهذا الإسناد ولم يذكر: "يدًا بيد". ٣٥٨١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "الذهب بالذهب وزنًا بوزن. مثلاً بمثل. والفضة بالفضة وزنًا بوزن. مثلاً بمثل. فمن زاد أو استزاد فهو ربًا". ٣٥٨٢ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "الدينار بالدينار لا فضل بينهما. والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما". ٣٥٨٣ - عن أبي المنهال قال: باع شريك لي ورقًا بنسيئة إلى الموسم، أو إلى الحج. فجاء إلي فأخبرني. فقلت: هذا أمر لا يصلح. قال: قد بعته في السوق. فلم ينكر ذلك علي أحد. فأتيت البراء بن عازب فسألته. فقال: قدم النبي ﷺ المدينة ونحن نبيع هذا البيع. فقال "ما كان يدًا بيد، فلا بأس به. وما كان نسيئة فهو ربًا" وائت زيد بن أرقم فإنه أعظم تجارة مني. فأتيته. فسألته. فقال مثل ذلك. ٣٥٨٤ - عن أبي المنهال قال: سألت البراء بن عازب عن الصرف؟ فقال: سل

стр. 3404

زيد بن أرقم فهو أعلم. فسألت زيدًا فقال: سل البراء فإنه أعلم. ثم قالا: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الورق بالذهب دينًا. ٣٥٨٥ - عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الفضة بالفضة. والذهب بالذهب. إلا سواء بسواء. وأمرنا أن نشتري الفضة بالذهب كيف شئنا. ونشتري الذهب بالفضة كيف شئنا. قال: فسأله رجل فقال: يدًا بيد؟ فقال: هكذا سمعت. ٣٥٨٦ - عن فضالة بن عبيد الأنصاري ﵁ قال: أتي رسول الله ﷺ وهو بخيبر، بقلادة فيها خرز وذهب وهي من المغانم تباع. فأمر رسول الله ﷺ بالذهب الذي في القلادة فنزع وحده. ثم قال لهم رسول الله ﷺ "الذهب بالذهب وزنًا بوزن". ٣٥٨٧ - عن فضالة بن عبيد ﵁ قال: اشتريت، يوم خيبر، قلادة باثني عشر دينارًا. فيها ذهب وخرز. ففصلتها. فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارًا. فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال "لا تباع حتى تفصل". ٣٥٨٨ - عن فضالة بن عبيد ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ يوم خيبر. نبايع اليهود الوقية الذهب بالدينارين والثلاثة. فقال رسول الله ﷺ "لا تبيعوا الذهب بالذهب، إلا وزنًا بوزن". ٣٥٨٩ - عن حنش أنه قال: كنا مع فضالة بن عبيد في غزوة. فطارت لي ولأصحابي قلادة فيها ذهب وورق وجوهر. فأردت أن أشتريها. فسألت فضالة بن عبيد

стр. 3405

فقال: انزع ذهبها فاجعله في كفة. واجعل ذهبك في كفة. ثم لا تأخذن إلا مثلاً بمثل. فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يأخذن إلا مثلاً بمثل". ٣٥٩٠ - عن معمر بن عبد الله أنه أرسل غلامه بصاع قمح. فقال: بعه ثم اشتر به شعيرًا. فذهب الغلام فأخذ صاعًا وزيادة بعض صاع. فلما جاء معمرًا أخبره بذلك. فقال له معمر: لم فعلت ذلك؟ انطلق فرده. ولا تأخذن إلا مثلاً بمثل. فإني كنت أسمع رسول الله ﷺ يقول "الطعام بالطعام مثلاً بمثل" قال: وكان طعامنا، يومئذ، الشعير. قيل له: فإنه ليس بمثله. قال: إني أخاف أن يضارع. ٣٥٩١ - عن أبي هريرة وأبي سعيد ﵄: أن رسول الله ﷺ بعث أخًا بني عدي الأنصاري فاستعمله على خيبر. فقدم بتمر جنيب. فقال له رسول الله ﷺ "أكل تمر خيبر هكذا؟ " قال: لا والله يا رسول الله، إنا لنشتري الصاع بالصاعين من الجمع. فقال رسول الله ﷺ "لا تفعلوا. ولكن مثلاً بمثل. أو بيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذا. وكذلك الميزان". ٣٥٩٢ - عن أبي سعيد الخدري وعن أبي هريرة ﵄: أن رسول الله ﷺ استعمل رجلاً على خيبر. فجاءه بتمر جنيب. فقال له رسول الله ﷺ "أكل تمر خيبر هكذا؟ " فقال: لا والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين. والصاعين بالثلاثة. فقال رسول الله ﷺ "فلا تفعل بع الجمع بالدراهم. ثم ابتع بالدراهم جنيبًا". ٣٥٩٣ - عن أبي سعيد ﵁ قال: جاء بلال بتمر برني. فقال له رسول الله ﷺ "من أين هذا؟ " فقال بلال: تمر، كان عندنا، رديء، فبعت منه صاعين بصاع. لمطعم النبي ﷺ . فقال رسول الله، عند ذلك "أوه. عين الربا. لا تفعل. ولكن إذا أردت أن تشتري التمر فبعه ببيع آخر. ثم اشتر به". لم يذكر ابن سهل في حديثه: عند ذلك.

стр. 3406

٣٥٩٤ - عن أبي سعيد ﵁ قال: أتي رسول الله ﷺ بتمر. فقال "ما هذا التمر من تمرنا". فقال الرجل: يا رسول الله، بعنا تمرنا صاعين بصاع من هذا. فقال رسول الله ﷺ "هذا الربا. فردوه. ثم بيعوا تمرنا واشتروا لنا من هذا". ٣٥٩٥ - عن أبي سعيد ﵁ قال: كنا نرزق تمر الجمع على عهد رسول الله ﷺ وهو الخلط من التمر. فكنا نبيع صاعين بصاع. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال "لا صاعي تمر بصاع ولا صاعي حنطة بصاع. ولا درهم بدرهمين". ٣٥٩٦ - عن أبي نضرة قال: سألت ابن عباس عن الصرف؟ فقال: أيدًا بيد؟ قلت: نعم. قال: فلا بأس به. فأخبرت أبا سعيد. فقلت: إني سألت ابن عباس عن الصرف؟ فقال: أيدا بيد؟ قلت: نعم. قال: فلا بأس به. قال: أو قال ذلك؟ إنا سنكتب إليه فلا يفتيكموه. قال: فوالله لقد جاء بعض فتيان رسول الله ﷺ بتمر فأنكره. فقال "كأن هذا ليس من تمر أرضنا". قال: كان في تمر أرضنا (أو في تمرنا)، العام، بعض الشيء. فأخذت هذا وزدت بعض الزيادة. فقال "أضعفت. أربيت. لا تقربن هذا إذا رابك من تمرك شيء فبعه. ثم اشتر الذي تريد من التمر". ٣٥٩٧ - عن أبي نضرة قال: سألت ابن عمر وابن عباس عن الصرف؟ فلم يريا به بأسًا. فإني لقاعد عند أبي سعيد الخدري فسألته عن الصرف؟ فقال: ما زاد فهو ربا. فأنكرت ذلك، لقولهما. فقال: لا أحدثك إلا ما سمعت من رسول الله ﷺ . جاءه صاحب نخله بصاع من تمر طيب. وكان تمر النبي ﷺ هذا اللون. فقال له النبي ﷺ "أنى لك هذا؟ " قال: انطلقت بصاعين فاشتريت به هذا الصاع. فإن سعر هذا في السوق كذا. وسعر هذا كذا. فقال رسول الله ﷺ "ويلك أربيت. إذا أردت ذلك فبع تمرك بسلعة. ثم اشتر بسلعتك أي تمر شئت". قال أبو سعيد: فالتمر بالتمر أحق أن يكون ربًا أم الفضة بالفضة؟ قال: فأتيت ابن عمر، بعد، فنهاني. ولم آت ابن عباس. قال: فحدثني أبو الصهباء أنه سأل ابن عباس عنه بمكة، فكرهه.

стр. 3407

٣٥٩٨ - عن أبي صالح قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، مثلاً بمثل. من زاد أو ازداد فقد أربى. فقلت له: إن ابن عباس يقول غير هذا. فقال: لقد لقيت ابن عباس. فقلت: أرأيت هذا الذي تقول أشيء سمعته من رسول الله ﷺ أو وجدته في كتاب الله ؟ فقال لم أسمعه من رسول الله ﷺ ولم أجده في كتاب الله. ولكن حدثني أسامة بن زيد؛ أن النبي ﷺ قال "الربا في النسيئة". ٣٥٩٩ - عن ابن عباس ﵁ قال: أخبرني أسامة بن زيد؛ أن النبي ﷺ قال "إنما الربا في النسيئة". ٣٦٠٠ - عن أسامة بن زيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "لا ربا فيما كان يدًا بيد". ٣٦٠١ - عن عطاء بن أبي رباح: أن أبا سعيد الخدري لقي ابن عباس فقال له: أرأيت قولك في الصرف، أشيئًا سمعته من رسول الله ﷺ أم شيئًا وجدته في كتاب الله ؟ فقال ابن عباس: كلا لا أقول. أما رسول الله ﷺ فأنتم أعلم به وأما كتاب الله فلا أعلمه. ولكن حدثني أسامة بن زيد؛ أن رسول الله ﷺ قال "ألا إنما الربا في النسيئة". ٣٦٠٢ - عن عبد الله ﵁ قال: لعن رسول الله ﷺ آكل الربا ومؤكله قال قلت: وكاتبه وشاهديه؟ قال: إنما نحدث بما سمعنا. ٣٦٠٣ - عن جابر ﵁ قال: لعن رسول الله ﷺ آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه؟ وقال: هم سواء.

стр. 3408

-[المعنى العام]- الربا نوع من أنواع الاستغلال في المعاملة، وفيه قدر كبير من الضرر، وفيه سحت وأخذ زيادة بالباطل، وبدون مقابل، وفيه تسلط وتحكم أحد المتعاملين في الآخر، ومن هنا كان محرمًا في جميع الشرائع، واشتهر به اليهود قبل الإسلام، ونعاه عليهم الإسلام، فقال القرآن الكريم ﴿فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرًا * وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل﴾ [النساء: ١٦٠، ١٦١] وحينما اشتبه على الكفار الفرق بين البيع والربا "قالوا: ﴿إنما البيع مثل الربا﴾ ورد الله عليهم بقوله ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ [البقرة: ٢٧٥] فبين أن المشرع الحكيم، الذي يعلم مصالح العباد حرم الربا، فعليكم أن تنتهوا عنه، علمتم الحكمة من تحريمه أم لم تعلموها، اقتنعتم بما وصلتم إليه من الحكم أم لم تقتنعوا، فقد جاءكم القرار والموعظة من ربكم، ومن لم ينته فليأذن بحرب من الله ورسوله. وكان الربا معلومًا عند اليهود والعرب شائعًا في النقدين، الذهب والفضة مادة التعامل بين الناس، وكان في حقيقته كبيع ذهب عاجل بذهب آجل مع الزيادة، وكان من عليه دين بسبب البيع، أو بسبب القرض، أو بأي سبب آخر، إذا حل ميعاد الأداء فلم يستطع المدين الأداء اتفق مع الدائن على تأجيل الدفع مع الزيادة، وهو بهذا سم قاتل، مغلف بالعسل، يتلذذ المدين بأنه لم يدفع ويتلذذ الدائن بأنه يضاعف ويجمع بدون خسارة، وبدون جهد ولا مشقة، فيجد المدين نفسه وقد غرق ويجد الدائن نفسه كالجزار مع ذبيحته لا رحمة ولا شفقة ويمتلئ المجتمع بهذه المناظر الكريهة، قاتل ومقتول، مليء ومعدوم، متجبر وذليل ثم هذه المعاملة تصيب المجتمع بالتواكل والتكاسل وضعف الإنتاج. جاء الإسلام بتحريم الربا المعهود في النقدين، وأضاف إليه الربا في الأقوات، والزيادة في تبادل المثيلين، البر بالبر ربًا إلا مثل بمثل، لا زيادة بين المتقابلين في الكيل ولا في الوزن، ويدًا بيد، لا تأجيل لبائع ولا لمشتر، نصت الشريعة على أنواع من الربا، البر والشعير والتمر والملح بالإضافة إلى النقدين وتركت لعلماء الأمة قياس ما عداها عليها إذا اجتمعت فيه علة التحريم وتوعدت الشريعة آكل الربا وموكله، آخذه ومعطيه، بل لعنت كاتبه وشاهديه لتسد منافذ شره، وتقطع دابر التعامل به، فتبارك الله أحكم الحاكمين. -[المباحث العربية]- (الربا) مقصور، من ربا يربو، فيكتب - حسب القواعد الإملائية - بالألف، وتثنيته ربوان، وأجاز الكوفيون كتبه وتثنيته بالياء، لسبب كسرة الراء في أوله، وغلطهم البصريون، قال العلماء: وقد كتبوه

стр. 3409

في المصحف بالواو، قال الفراء: إنما كتبوه بالواو لأن أهل الحجاز تعلموا الخط من أهل الحيرة، ولغتهم "الربو" فعلموهم صورة الخط على لغتهم، قال: وكذا قرأها أبو سماك العدوي بالواو، وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة، بسبب كسرة الراء، وقرأ الباقون بالتفخيم، لفتحة الباء، قال: ويجوز كتبه بالألف والواو والياء. وأصل الربا الزيادة، يقال: ربا الشيء، يربو، إذا زاد، وأربى الرجل عامل بالربا. (إلا مثلاً بمثل) في الرواية الثالثة "إلا وزنًا بوزن، مثلاً بمثل، سواء بسواء" قال النووي: يحتمل أن يكون الجمع بين هذه الألفاظ توكيدًا ومبالغة في الإيضاح، اهـ. وفي الرواية السادسة "عينًا بعين". (ولا تشفوا بعضها على بعض) "تشفوا" بضم التاء وكسر الشين، وتشديد الفاء، أي لا تفضلوا، والشف بكسر الشين يطلق أيضًا على النقصان، فهو من الأضداد، والمعنيان يصلحان. أي لا تزيدوا بعضها على بعض، ولا تنقصوا بعضها عن بعض، يقال: شف الدرهم بفتح الشين، إذا زاد وإذا نقص، يشف بكسر الشين، وأشفه الرجل إذا زاده أو نقصه. (ولا تبيعوا الورق بالورق) بفتح الواو، وكسر الراء وإسكانها على المشهور، ويجوز فتحها، وهو الفضة، وقيل: بكسر الواو المضروبة، وبفتحها المال، والمراد هنا جميع أنواع الفضة، مضروبة وغير مضروبة. (ولا تبيعوا منها غائبًا بناجز) المراد بالناجز الحاضر، وبالغائب المؤجل أو غير الحاضر، أي لا تبيعوا حالاً حاضرًا من الذهب بمؤجل منه، ولا بغائب عن مجلس العقد، ولو لم يكن مؤجلاً. (إن أبا سعيد الخدري يأثر هذا عن رسول الله ﷺ يقال: أثر الحديث يأثره أي نقله، وزنًا ومعنى، والإشارة إلى قضية كانت محور نقاش، وهي قضية صرف الذهب بالذهب، وصرف الفضة بالفضة، وكان ابن عمر يرخص بالتفاضل مع القبض، وكان الرجل يمنع التفاضل، واستند الرجل إلى أبي سعيد وحديثه. (فذهب عبد اللَّه ونافع معه) لم يذكر في هذه الرواية أن الرجل الليثي ذهب معهما، وذكره في الرواية الثانية. (إن هذا أخبرني أنك تخبر) الإشارة إلى الرجل الليثي. (فأشار أبو سعيد بإصبعيه إلى عينيه وأذنيه) أي أشار بسبابة اليد اليمنى إلى عينه اليمنى، ثم إلى أذنه اليمنى، وأشار بسبابة اليد اليسرى إلى عينه اليسرى، ثم إلى أذنه اليسرى، والهدف من الإشارة وذكر السمع والبصر التأكيد والتوثيق. (إلا يدًا بيد) أي مقابضة في المجلس، يسلم هذا بيده، ويسلم هذا بيده، وهو المراد بقوله في الرواية الخامسة "إلا هاء وهاء".

стр. 3410

(أقبلت أقول: من يصطرف الدراهم؟ ) بيع النقد بمثله يسمى المراطلة، كبيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، وقد يسمى صرفًا من كبير إلى صغير، وبيع الذهب بالفضة وعكسه يسمى صرفًا، وبيع العرض بالنقد، يسمى النقد ثمنًا، والعرض كالتمر يسمى عوضًا، وبيع العرض بالعرض كثوب بثوب يسمى مقايضة، والمراد هنا بيع الذهب بفضة، فقد كان مع مالك بن أوس بن الحدثان مائة دينار - كما جاء في رواية البخاري - يريد تحويلها إلى دراهم. (أرنا ذهبك) في رواية البخاري "فأخذ الذهب يقلبها في يده، ثم قال". (ائتنا إذا جاء خادمنا نعطك ورقك) "نعطك" مجزوم في جواب الأمر، وفي رواية "نعطيك" بالرفع على الاستئناف، أي فنحن نعطيك، وفي رواية البخاري "حتى يأتي خازني من الغابة". (لتعطينه ورقه) أي في المجلس، ويتم التقابض يدًا بيد، أو لتردن إليه ذهبه. (إلا هاء وهاء) بالمد فيهما، وفتح الهمزة، وقيل: بالكسر، وقيل: بالسكون، وحكي القصر بغير همز، وخطأها الخطابي، ورد عليه النووي، وقال: هي صحيحة، ولكن قليلة، والمعنى خذ وهات، وحكي "هاك" بزيادة كاف مكسورة، ويقال: "هاء" بكسر الهمزة، بمعنى هات، وبفتحها بمعنى خذ، بغير تنوين. وقال ابن الأثير: "هاء وهاء" هو أن يقول كل واحد من البيعين" هاء، فيعطيه ما في يده، كالحديث الآخر "إلا يدًا بيد" يعني مقابضة في المجلس، وقيل: معناه خذ واعط. قال: وغير الخطابي يجيز فيها السكون، على حذف العوض، ويتنزل منزلة "ها" التي للتنبيه، وقال ابن مالك: "ها" اسم فعل، بمعنى خذ. (في حلقة فيها مسلم بن يسار) أي في حلقة علم، ولعل مسلم بن يسار كان يحدثهم حتى يأتي شيخ الحلقة. (حدث -أخانا - حديث عبادة) "أخانا" منادى. (فمن زاد أو ازداد فقد أربى) أي فمن أعطى زيادة، أو أخذ زيادة فقد فعل الربا المحرم، فدافع الزيادة، وآخذها عاصيان مرابيان، وفي الرواية الثامنة والتاسعة والعاشرة "فمن زاد أو استزاد". (فرد الناس ما أخذوا) أعاد المشترون السلع، وأعاد البائعون المقابل. (وإن رغم) بفتح الراء وكسر الغين وفتحها، أي وإن ذل معاوية، وصار كمن أنفه في التراب. (إلا ما اختلفت ألوانه) أي أصنافه، كشعير بتمر، والاستثناء من "مثلاً بمثل" كما سيأتي. (باع شريك لي ورقًا بنسيئة إلى الموسم) هذه صورة بيع فضة عاجلة مسلمة بذهب مؤجل،

стр. 3411

وهي المعروفة بالصرف، وشرطها كما سيأتي أن تكون يدًا بيد، فشريك باع نائبًا ووكيلاً عن أبي المنهال باع فضته وسلمها بذهب نسيئة. (فجاء إلي) أي جاء شريك إلى أبي المنهال يخبره بالبيع، فقال له أبو المنهال: هذا بيع خطأ. (فقال مثل ذلك) أي قال زيد مثل ما قال البراء "ما كان يدًا بيد فلا بأس به، وما كان نسيئة فهو ربا". وفي الرواية الثالثة عشرة أن كلاً من زيد والبراء أحال أبا المنهال على الآخر، قبل أن يجيب، فلما رجع إلى كل منهما بعد الإحالة قال. فقوله "ثم قالا" أي قال كل منهما القول السابق، وهذه الزيادة. (دينًا) يعني مؤجلاً. (كيف شئنا) ظاهره بدون مماثلة في الوزن، وبدون مقابضة في المجلس، ولهذا سأل الرجل، فلم يجد الجواب. (اشتريت يوم خيبر قلادة باثني عشر دينارًا) قال النووي: هكذا هو في نسخ معتمدة "قلادة باثني عشر دينارًا" وفي كثير من النسخ "قلادة فيها اثنا عشر دينارًا" فأصلحها بعضهم، والصواب الأول. (لا تباع حتى تفصل) بتشديد الصاد المفتوحة، أي تميز، ويعزل الذهب عن الخرز. (نبايع اليهود: الوقية الذهب بالدينارين وثلاثة) "الوقية" بضم الواو، لغة قليلة، والأشهر الأوقية، بالهمز في أوله، قال النووي: يحتمل أن مراده كانوا يتبايعون الأوقية من ذهب وخرز وغيره بدينارين أو ثلاثة، وإلا فالأوقية وزن أربعين درهمًا، ومعلوم أن أحدًا لا يبتاع هذا القدر من ذهب خالص بدينارين أو ثلاثة، وكان هذا سبب مبايعة الصحابة على هذا الوجه، ظنوا جوازه، لاختلاط الذهب بغيره، فبين النبي ﷺ أنه حرام، حتى يميز، ويباع الذهب بوزنه ذهبًا. (فطارت لي ولأصحابي قلادة) أي حصلت لنا من الغنيمة. (واجعل ذهبك في كفة) بكسر الكاف. قال النووي: قال أهل اللغة: كفة الميزان وكل مستدير، بكسر الكاف، وكفة الثوب والصائد، وكذلك كل مستطيل، بضمها، وقيل بالوجهين فيهما معًا، اهـ، وكفة الصائد حبالته، وكفة الثوب ما استدار حول الذيل وجوانبه. (إني أخاف أن يضارع) بكسر الراء، أي أن يشابه بعضه بعضًا، ويشارك بعضه بعضًا في الحكم، أي أن يكونا في معنى المتماثلين. (فقدم بتمر جنيب) بفتح الجيم، وكسر النون، نوع من أعلى أنواع التمر.

стр. 3412

(بالصاعين من الجمع) بفتح الجيم وسكون الميم، أي المجموع من البقايا ونوافل أنواع التمر، وهو من أردأ ما يباع من التمر، وفسره في الرواية الرابعة والعشرين بأنه "الخلط من التمر" بكسر الخاء وسكون اللام، أي المخلوط من أنواع مختلفة. (وكذلك الميزان) أي لا يجوز التفاضل في الموزونات الربوية إذا اتحد جنسها، كما لم يجز التفاضل في المكيل. (بتمر برني) بفتح الباء وسكون الراء، بعدها نون، ثم ياء مشددة، وهو نوع جيد من التمر معروف، أصفر مدور، وعند أحمد "خير تمراتكم البرني، يذهب الداء، ولا داء فيه". (لمطعم النبي ﷺ في رواية البخاري "لنطعم" بضم النون، وفي رواية "ليطعم" بفتح الياء وفتح العين، بينهما طاء ساكنة. (أوه. عين الربا) المراد بعين الربا نفس الربا، وكلمة "أوه" ذكرت هنا مرة واحدة، وفي البخاري ذكرت مرتين، وهي كلمة تقال عند التوجع والتحزن، وفيها لغات، أشهرها في الروايات "أوه" بفتح الهمزة، وواو مفتوحة مشددة، بعدها هاء ساكنة، وتقال بنصب الهاء منونة، ويقال "أوه" بإسكان الواو، وكسر الهاء، منونة وغير منونة، ويقال "أوه" بكسر الواو، وسكون الهاء، ويقال "أو" بحذف الهاء وتشديد الواو المكسورة المنونة، ويقال "آه" بمد الهمزة، وتنوين الهاء مكسورة، وساكنة، ومن العرب من يمد الهمزة، ويجعل بعدها واوين، ثم هاء "آووه" قيل: لتطويل الصوت بالشكاية، قال ابن التين: إنما تأوه ﷺ ليكون أبلغ في الزجر، وقاله إما للتألم من هذا الفعل، وإما من سوء الفهم. (إذا رابك من تمرك شيء فبعه) يقال راب الرجل يروب روبًا إذا تحير وفترت نفسه، ويقال: رابه الأمر، أي أوقعه في الظن والشك. (فأنكرت ذلك لقولهما) أي أنكرت قول أبي سعيد، بسبب ما سمعته من قول ابن عمر وابن عباس. (وكان تمر النبي ﷺ هذا اللون) أي هذا الصنف، وأشار إلى صنف رديء. (فكرهه) أي فرجع عن فتواه الأولى، وكره ما أجازه. (أرأيت هذا الذي تقول) أي أخبرني عن هذا الذي تقوله، وفي الرواية المتممة للثلاثين "أرأيت قولك في الصرف" والمراد من الصرف هنا صرف الدنانير بدنانير والدراهم بدراهم، الجنس بجنسه من كبير إلى صغير، كما هو واضح من الرواية السابعة والعشرين. (كلا. لا أقول) هكذا هو في النسخ التي بين يدي، في الرواية المتممة للثلاثين، ونقل الحافظ

стр. 3413

ابن حجر عن مسلم بلفظ "كل ذلك لا أقول" وهكذا رواه البخاري. قال الحافظ: بنصب "كل" على أنه مفعول مقدم، وهو في المعنى نظير قوله ﵊ في حديث ذي اليدين "كل ذلك لم يكن" فالمنفي هو المجموع، اهـ. (وأما كتاب اللَّه فلا أعلمه) أي لا أعلم هذا الحكم فيه، فالضمير يعود على الحكم، وليس على "كتاب اللَّه". -[فقه الحديث]- أجمع المسلمون على تحريم الربا، وعلى أنه من الكبائر، وحكى الماوردي أنه كان محرمًا في جميع الشرائع. والقرآن الكريم صريح في أن اليهود أكلوه وهو محرم عليهم، إذ يقول ﴿فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرًا * وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذابًا أليمًا﴾ [النساء: ١٦٠، ١٦١]. والأصل في تحريمه قوله تعالى ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ [البقرة: ٢٧٥] وقوله تعالى ﴿الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس﴾ [البقرة: ٢٧٥] وقوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين * فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون﴾ [البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩]. وقوله ﷺ "لعن الله آكل الربا وموكله ... " الحديث روايتنا الواحدة والثلاثون، والثانية والثلاثون. وكان الربا في الجاهلية يوم نزلت هذه الآيات الزيادة في المال بزيادة الأجل، وكان أحدهم إذا حل أجل دينه، ولم يوفه الغريم أضعف له المال، وأضعف الأجل، ثم يفعل كذلك عند الأجل الآخر، وهو معنى قوله تعالى ﴿لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة﴾ [آل عمران: ١٣٠] فكان قوله تعالى ﴿وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم﴾ مبينًا المراد من التحريم، وهو الزيادة مطلقًا على رأس المال، وجاءت السنة، فبينت وأضافت الأصناف الواردة في هذه الأحاديث على ما كان معهودًا من الربا. والخلاف بين العلماء - بعد إجماعهم على تحريم ما نصت عليه السنة - في هل السنة مفسرة للمجمل؟ وكل ما جاءت به السنة من أحكام الربا بيان لمجمل القرآن؟ نقدًا، أو نسيئة؟ أم ما جاءت به السنة أحكام زائدة، مضافة إلى ما جاء به القرآن؟ ثم هل يقاس على ما جاءت به السنة ما في معناه؟ أو يلتزم فقط بما نصت عليه السنة؟ ثم هل التعامل بالربا حرام مع المحاربين وفي دار الحرب؟ أو حرمته خاصة بدار الإسلام ومع غير المحاربين؟ وسيأتي قريبًا تفصيل هذا الخلاف. والعجيب أن بعض الجهلة المتحللين المغرضين يحاولون تحليل الربا بتغيير اسمه، ظنًا منهم أن

стр. 3414

تغيير الاسم يغير المسمى، فيطلقون على المعاملات الربوية للبنوك في هذه الأيام إطلاقات من خيالهم، وواقع هذه المعاملة أن يودع شخص في البنك مبلغًا، ويتفق مع البنك على أخذ زيادة عن المبلغ بنسبة معينة كل شهر أو كل عام، ويقوم البنك بإقراض هذه المبالغ لآخرين بزيادة أكثر، يستفيد البنك من هذا الفرق. مرة يطلقون عليه إنه ليس من ربا الجاهلية، لأن ربا الجاهلية كان دينًا لا زيادة فيه في العام الأول، وتبدأ الزيادة بعد حلول الأجل، وهذه التفرقة لا يقبلها عاقل، إذ كيف تحرم الزيادة التي تحدث بعد عام؟ ولا تحرم الزيادة التي تبدأ من اليوم؟ ومرة يقولون: إن ما يأخذه البنك ليس دينًا، لأن المودع يعطي البنك باختياره، ويرد البنك بنفسه هذا القول، إذ يكتب في دفاتره وفي أوراقه المتعامل بها بين الطرفين (دائن ومدين) ثم إذا جاز هذا بالنسبة للمودع، فماذا يقولون للمقترض من البنك؟ ومرة يقولون: إن علة تحريم الربا استغلال حاجة المحتاج، وليس في معاملة البنوك استغلال حاجة المحتاج، وهو قول ظاهر البطلان، فالمودع محتاج للإيداع، والمقترض محتاج للقرض، والبنك محتاج لكل منهما، وإلا لما قام، والكل يستغل حاجة المحتاج، ومرة يقولون: إنها شركة ومضاربة، وإن فقدت الصيغة الشرعية، والرد عليهم أن الشركة أو المضاربة تقوم على تحمل المكسب والخسارة، والمودع في البنك لا يتحمل الخسارة، ثم ماذا يقولون حين إقراض البنك هذه المبالغ لمحتاج ينفقها في حلال أو حرام؟ هل البنك يكون مشاركًا للمقترض في مشاريعه؟ ربحت أو خسرت؟ ومرة يقولون: إنها معاملة حديثة، لم تكن موجودة، فلا يحكم عليها بالتحريم، ولا بالربا، وهذا أعجب مما مضى، فهو يشبه قولنا: أنا لم أكن موجودًا، فلا يسري علي حكم أبي بكر وعمر ﵄. ذكرت هذه الشبهات والرد عليها لأنها مثارة في مصر في هذه الأيام. والله الهادي سواء السبيل. والأعيان التي نصت الأحاديث على تحريم الربا فيها هي: الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح، قال النووي في المجموع: أجمع المسلمون على تحريم الربا في هذه الأعيان الستة، المنصوص عليها، واختلفوا فيما سواها، فقال داود الظاهري وسائر أهل الظاهر والشيعة والفاساني وسائر ثقات الناس: لا تحريم في الربا في غيرها، وحكاه صاحب الحاوي عن طاووس ومسروق والشعبي وقتادة وعثمان البتي. وقال سائر العلماء: لا يتوقف تحريم الربا عليها، بل يتعداها إلى ما في معناها، وهو ما وجدت فيه العلة التي هي سبب التحريم، واختلفوا فيها. فأما الذهب والفضة: فالعلة عند الشافعي فيهما كونهما جنس الأثمان غالبًا - وقوله "غالبًا" احتراز عن الفلوس لو راجت، وصارت أثمانًا، وهذه العلة قاصرة على الذهب والفضة، ويدخل فيها الأواني والتبر وغير ذلك. وقال أبو حنيفة: العلة فيها الوزن في جنس واحد، فألحق بها كل موزن، كالحديد والنحاس والرصاص والقطن والكتان والصوف وكل ما يوزن في العادة، لكنه قال: إن المضروب من النحاس والحديد والرصاص لا ربا فيه، بل يجوز بيع بعضه ببعض متفاضلاً، وإنما الربا في هذه الأصناف في

стр. 3415

التبر منها [أي الخام]، واستدل بقوله ﷺ في الرواية المتممة للعشرين "وكذلك الميزان" وأجاب الشافعية عن الحديث بأجوبة، منها جواب البيهقي، قال: قد قيل: إن قوله "وكذلك الميزان" من كلام أبي سعيد الخدري، موقوف عليه فلا يستدل به، الثاني جواب القاضي أبي الطيب وآخرين، أن ظاهر الحديث غير مراد، فإن الميزان نفسه [الآلة] لا ربا فيه فأرادوا به الموزون، وأرادوا شموله وعمومه لكل موزون، وهذه الدعوى غير صحيحة وغير مقبولة: أنه يحمل الموزون على الذهب والفضة، جمعًا بين الأدلة. وأما الأعيان الأربع فالعلة فيها عند الشافعي في الجديد وهو مذهب أحمد وابن المنذر، أنها مطعومة بدليل الرواية التاسعة عشرة، وفيها "الطعام بالطعام مثلاً بمثل" والطعام اسم لكل ما يطعم، فعلى هذا يحرم الربا في كل ما يطعم من الأقوات والأدام والحلاوات والفواكه والأدوية. وعند الشافعي في القديم: العلة فيها أنها مطعومة مكيلة، أو مطعومة موزونة، فلا يحرم إلا في مطعوم يكال أو يوزن، فنفاه عن كل ما لا يؤكل ولا يشرب، وعما يؤكل أو يشرب لكنه لا يكال ولا يوزن. والعلة عند أبي حنيفة: كونه مكيل جنس، فحرم الربا في كل مكيل وإن لم يؤكل كالجص، ونفاه عما لا يكال ولا يوزن، وإن كان مأكولاً. والعلة عند مالك: كونه مقتاتًا مدخر جنس، فحرم الربا في كل ما كان قوتًا مدخرًا، ونفاه عما ليس بقوت كالفواكه، وعما هو قوت لا يدخر كاللحم: والعلة عند ابن سيرين وبعض الشافعية: الجنسية، فحرموا الربا في كل شيء بيع بجنسه، كالتراب بالتراب متفاضلاً، والثوب بالثوبين، والشاة بالشاتين. والعلة عند ربيعة: كونه جنسًا تجب فيه الزكاة، فحرم الربا في كل جنس تجب فيه الزكاة من المواشي والزروع وغيرها، ونفاه عما لا زكاة فيه. وهناك أقوال أخرى في العلة وما تنطبق عليه، في ذكرها طول لا يناسب المقام. أحوال بيع الربوي وأحكامه: لبيع الربوي ثلاثة أحوال: أحدها: أن يبيعه بجنسه، فيحرم فيه ثلاثة أشياء التفاضل، والنساء، والتفرق قبل التقابض، وهو صريح الأحاديث "مثلاً بمثل، يدًا بيد" وظاهر الرواية السابعة والعشرين والروايات الثلاث بعدها أن ابن عمر وابن عباس ﵄ كانا أولاً يعتقدان أنه لا ربا فيما كان يدًا بيد، وأنه يجوز بيع درهم بدرهمين، ودينار بدينارين، وصاع تمر بصاعين من التمر، وكذا الحنطة، وسائر الربويات، كانا يريان جواز بيع الجنس بعضه ببعض متفاضلاً وأن الربا لا يحرم في شيء من الأشياء إلا إذا كان نسيئة، وهذا معنى قوله في الرواية الخامسة والعشرين والسادسة والعشرين أنه سألهما عن الصرف، فلم يريا به بأسًا، يعني الصرف متفاضلاً، كدرهم بدرهمين، وكان معتمدهما حديث أسامة بن زيد - روايتنا الثامنة والعشرين -" إنما الربا في النسيئة" ثم رجع ابن عمر وابن عباس عن ذلك، وقالا بتحريم بيع الجنس بعضه ببعض متفاضلاً، حين بلغهما حديث أبي سعيد، وقد جاء رجوعهما عن ذلك صريحًا في روايتنا السادسة والعشرين، قال النووي: هذه الأحاديث التي ذكرها مسلم تدل على ابن عمر وابن عباس لم يكن بلغهما حديث النهي عن التفاضل في غير النسيئة، فلما بلغهما رجعا إليه،

стр. 3416

وأما حديث أسامة فقد قال قائلون بأنه منسوخ بهذه الأحاديث، وقد أجمع المسلمون على ترك العمل بظاهره وهذا يدل على نسخه، وتأوله آخرون بأنه محمول على غير الربويات، كبيع الدين بالدين مؤجلاً، أو أنه محمول على الأجناس المختلفة، أو أنه مجمل، وحديث عبادة وأبي سعيد الخدري وغيرهما مبين، فوجب العمل بالمبين، وتنزيل المجمل عليه. اهـ. ثانيها: أن يبيعه جنسه، لكن بما يجمعهما علة واحدة، كالذهب بالفضة، وكالحنطة بالشعير أو بالتمر أو بالملح، فيجوز التفاضل، ويحرم النساء والتفرق قبل التقابض، لقوله في الرواية السابعة "فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدًا بيد" وقوله في الرواية الثانية عشرة "ما كان يدًا بيد فلا بأس به، وما كان نسيئة فهو ربا" وقولهما في الرواية الثالثة عشرة "نهي رسول الله ﷺ عن بيع الورق بالذهب دينًا" وموقف عمر بن الخطاب ﵁ وحديثه في الرواية الخامسة واضح في ذلك وصريح، قال النووي: وجوز إسماعيل بن علية التفرق عند اختلاف الجنس، وهو محجوج بالأحاديث والإجماع ولعله لم يبلغه الحديث، فلو بلغه لما خالفه. اهـ. ثالثها: أن يبيعه بغير جنسه، مما لا يجمعهما علة واحدة، كالقمح بالذهب، فيجوز التفاضل والنساء والتفرق قبل التقابض. -[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]- ١ - من قوله "لا تبيعوا الذهب بالذهب ... إلخ" أخذ العلماء أنه يتناول جميع أنواع الذهب والورق، من جيد ورديء، وصحيح ومكسور، وحلي وتبر، وغير ذلك، وسواء الخالص والمخلوط بغيره، قال النووي: وهذا كله مجمع عليه. ٢ - وأنه يستوي في تحريم الربا الرجل والمرأة والعبد والمكاتب بالإجماع. ٣ - وظاهر التعميم أنه لا فرق في تحريمه بين دار الإسلام ودار الحرب، فما كان حرامًا في دار الإسلام كان حرامًا في دار الحرب، سواء جرى بين مسلمين، أو مسلم وحربي، وسواء دخلها المسلم بأمان أم بغيره. قال النووي في المجموع: هذا مذهبنا، وبه قال مالك، وأحمد وأبو يوسف والجمهور، وقال أبو حنيفة: لا يحرم الربا في دار الحرب بين المسلم وأهل الحرب، ولا بين مسلمين لم يهاجرا منها، واحتج له بحديث "لا ربا بين مسلم وحربي في دار الحرب" ولأن أموال أهل الحرب مباحة بغير عقد، فالعقد الفاسد أولى. واحتج الجمهور بعموم القرآن والسنة وأجابوا عن الحديث المذكور بأنه ضعيف. ٤ - واستدل أصحاب مالك بالرواية الخامسة، وأنه لم يصح البيع مع انتظار الخادم، على أنه يشترط التقابض عقب العقد، حتى لو أخره عن العقد، وقبض في المجلس لا يصح عندهم، والجمهور يقول بصحة القبض في المجلس، وإن تأخر عن العقد يومًا أو أيامًا ما لم يتفرقا. وليس في هذا الحديث حجة لأصحاب مالك، لأنه يحتمل أن طلحة قال ذلك ظانا جوازه، ولم يكن بلغه حكم المسألة، فأبلغه عمر ﵁ فترك المصارفة.

стр. 3417

٥ - قال ابن عبد البر: وفي هذا الحديث أن الكبير يلي البيع والشراء لنفسه، وإن كان له وكلاء وأعوان يكفونه. ٦ - ومن قوله "أرنا ذهبك" وفي رواية البخاري "فتراضيا" جواز المماكسة في البيع، وتقليب السلعة، وفائدته الأمن من الغبن. ٧ - وأن من العلم ما قد يخفى على الرجل الكبير، حتى يذكره غيره. ٨ - وأن الإمام إذا سمع أو رأى شيئًا لا يجوز، ينهى عنه، ويرشد إلى الحق، ويتفقد أحوال الرعية. ٩ - وأن من أفتى بحكم، حسن أن يذكر دليله. ١٠ - وفي حلف عمر ﵁ جواز اليمين لتأكيد الخبر. ١١ - وفيه الحجة بخبر الواحد. ١٢ - وأن الحجة على من خالف في حكم من الأحكام التي في كتاب الله أو في حديث رسوله. ١٣ - وفي قوله "البر بالبر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعيير ربا إلا هاء وهاء". دليل ظاهر على أن البر والشعير صنفان، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة والثوري وفقهاء المحدثين وآخرين، وقال مالك والليث والأوزاعي ومعظم علماء المدينة والشام من المتقدمين: إنهما صنف واحد، وهو محكي عن عمر وسعيد وغيرهما من السلف ﵃، واستدلوا بقوله "الطعام بالطعام مثلاً بمثل" في روايتنا التاسعة عشرة، فقالوا: لا يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلاً. واحتج الشافعي والجمهور بما سبق، وقالوا: يجوز التفاضل بينهما كالحنطة والأرز. واتفقوا على أن الدخن صنف، والذرة صنف، والأرز صنف، إلا الليث وابن وهب، فقالا: هذه الثلاثة صنف واحد. ١٤ - وفي الرواية السادسة، من قوله "فرد الناس ما أخذوا" دليل على أن البيع المذكور باطل. ١٥ - وفي موقف عبادة بن الصامت ﵁ الاهتمام بتبليغ السنن، ونشر العلم، وإن كرهه من كرهه. ١٦ - وفيه القول بالحق، وإن كان المقول له كبيرًا. ١٧ - وأخذ بعضهم من قوله "الآخذ والمعطي فيه سواء" في الرواية الثامنة مساواتهما في الإثم، والتحقيق أن المراد أنهما سواء في أصل الإثم، لا في مقداره. ١٨ - ومن الرواية الثانية عشرة من قوله "باع شريك لي ورقًا بنسيئة إلى الموسم" استنبط البخاري الاشتراك في الذهب والفضة. قال ابن بطال: أجمعوا على أن الشركة الصحيحة أن يخرج كل واحد مثل ما أخرج صاحبه، ثم يخلطا ذلك، حتى لا يتميز، ثم ينصرفا جميعًا، إلا أن يقيم كل واحد منهما الآخر مقام نفسه، وأجمعوا على أن الشركة بالدراهم والدنانير جائزة، لكن اختلفوا إذا كانت الدنانير من أحدهما،

стр. 3418

والدراهم من الآخر، فمنعه الشافعي ومالك في المشهور عنه والكوفيون إلا الثوري، وزاد الشافعي أيضًا أن لا تختلف الصفة، كالصحاح والمكسرة. ١٩ - ومن الرواية الثانية عشرة والثالثة عشرة ما كان عليه الصحابة من التواضع، وإنصاف بعضهم بعضًا، ومعرفة أحدهم حق الآخر. ٢٠ - واستظهار العالم في الفتيا بنظيره في العلم. ٢١ - وفي حديث فضالة، روايتنا الخامسة عشرة والسادسة عشرة والسابعة عشرة والثامنة عشرة أنه لا يجوز بيع ذهب مع غيره، بذهب، حتى يفصل، فيباع الذهب بوزنه ذهبًا، ويباع الآخر بما أراد، وكذا لا تباع فضة مع غيرها بفضة، وكذا الحنطة مع غيرها بحنطة، وكذا سائر الربويات، بل لا بد من فصلها، قال النووي: وهذه هي المسألة المشهورة في كتب الشافعي وأصحابه وغيرهم، المعروفة بمسألة "مد عجوة" وصورتها بيع مد عجوة ودرهم بمدي عجوة، أو بدرهمين، وهو لا يجوز لهذا الحديث، وهو منقول عن عمر بن الخطاب ﵁ وابنه وجماعة من السلف، وهو مذهب الشافعي وأحمد وإسحق ومحمد بن الحكم المالكي، وقال أبو حنيفة والثوري والحسن بن صالح: يجوز بيعه بأكثر مما فيه من الذهب، ولا يجوز بمثله، ولا بدونه، وقال مالك وأصحابه وآخرون: يجوز بيع السيف المحلى بذهب، يجوز بيعه بذهب إذا كان الذهب في المبيع تابعًا لغيره، وقدروه بأن يكون الثلث فما دونه، وقال حماد بن أبي سليمان: يجوز بيعه بالذهب مطلقًا، سواء باعه بمثله من الذهب أو أقل منه، أو أكثر. وهذا غلط مخالف لصريح الحديث. واحتج أصحابنا بحديث القلادة، وأجابت الحنفية بأن الذهب كان فيها أكثر من اثنى عشر دينارًا، واشتراها باثني عشر دينارًا، قالوا: ونحن لا نجيز هذا، وإنما نجيز البيع إذا باعها بذهب أكثر مما فيها، فيكون ما زاد من الذهب المنفرد في مقابلة الخرز ونحوه، مما هو مع الذهب المبيع، فيصير كعقدين، وأجاب الطحاوي بأنه إنما نهي عنه لأنه كان في بيع الغنائم، لئلا يغبن المسلمون في بيعها. قال النووي: قال أصحابنا: وهذان الجوابان ضعيفان، لا سيما جواب الطحاوي، فإنه دعوى مجردة. قال أصحابنا: ودليل صحة قولنا، وفساد التأويلين أن النبي ﷺ قال: "لا يباع حتى يفصل" وهذا صريح في اشتراط فصل أحدهما عن الآخر في البيع، وأنه لا فرق بين أن يكون الذهب المبيع قليلاً أو كثيرًا، وأنه لا فرق بين بيع الغنائم وغيرها. ٢٢ - ومن الرواية المتممة للعشرين، من قوله "بيعوا هذا، واشتروا بثمنه من هذا" أخذ الشافعية وموافقوهم أن العينة ليست بحرام، وهي الحيلة التي يعملها بعض الناس، توصلاً إلى مقصود الربا، بأن يريد أن يعطيه مائة درهم بمائتين، فيبيعه ثوبًا بمائتين، ثم يشتريه منه بمائة، قال النووي: وموضع الدلالة من هذا الحديث أن النبي ﷺ قال: "بيعوا هذا، واشتروا بثمنه من هذا" ولم يفرق بين أن يشتري من المشتري، أو من غيره، فدل على أنه لا فرق، وهذا كله ليس بحرام عند الشافعي وآخرين، وقال مالك وأحمد: هو حرام. ٢٣ - وفي قوله "هذا الربا. فردوه" في الرواية الثالثة والعشرين، دليل على أن المقبوض ببيع فاسد

стр. 3419

يجب رده على بائعه، وإذا رده استرد الثمن، قال النووي: فإن قيل: فلم لم يذكر في الحديث السابق (روايتنا المتممة للعشرين والواحدة والعشرين والثانية والعشرين) أن النبي ﷺ أمر برده؟ فالجواب: أن الظاهر أنها قضية واحدة، وأمر فيها برده، فبعض الرواة حفظ ذلك، وبعضهم لم يحفظه، فقبلنا زيادة الثقة، ولو ثبت أنهما قضيتان لحملت الأولى على أنه أيضًا أمر به، وإن لم يبلغنا ذلك، ولو ثبت أنه لم يأمر به، مع أنهما قضيتان لحملناها على أنه جهل بائعه، ولا يمكن معرفته، فصار مالاً ضائعًا لمن عليه دين بقيمته، وهو الثمن الذي قبضه عوضًا، فلا إشكال في الحديث. ٢٤ - وفي قصة أبي سعيد مع ابن عمر وابن عباس أن العالم يناظر العالم، ويوقفه على معنى قوله، ويرده من الاختلاف إلى الاجتماع، ويحتج عليه بالأدلة. ٢٥ - وفيه إقرار الصغير للكبير بفضل التقدم. ٢٦ - وفي الرواية الواحدة والثلاثين والثانية والثلاثين تصريح بتحريم كتابة المبايعة بين المترابيين، والشهادة عليهما. ٢٧ - وفيهما تحريم الإعانة على الباطل. واللَّه أعلم

стр. 3420

(٤١٧) باب الحلال بين والحرام بين، وبينهما متشابهات ٣٦٠٤ - عن الشعبي عن النعمان بن بشير ﵁ قال سمعته يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول (وأهوى النعمان بإصبعيه إلى أذنيه) "إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه. ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام. كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه. ألا وإن لكل ملك حمى. ألا وإن حمى الله محارمه. ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب". ٣٦٠٥ - عن عامر الشعبي أنه سمع نعمان بن بشير بن سعد صاحب رسول الله ﷺ وهو يخطب الناس بحمص وهو يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول "الحلال بين والحرام بين" فذكر بمثل حديث زكرياء عن الشعبي إلى قوله "يوشك أن يقع فيه". -[المعنى العام]- يقول اللَّه تعالى ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ [البقرة: ١٨٨] ويقول عن الرسول ﷺ : ﴿ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث﴾ [الأعراف: ١٥٧] وإن اللَّه يغار على حرماته، ويغضب إذا ارتكبت محارمه، وما لحق رسول الله ﷺ بالرفيق الأعلى إلا كانت الشريعة واضحة المعالم، حلالها وحرامها، إذ يقول: "تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها" وهنا يقول "الحلال بين، والحرام بين" كل المسلمين يعلمون الحلال من المأكل والمشرب والملبس والمركب والنكاح والمعاملات وما يحتاجونه في حياتهم، ومن خفي عليه منهم حكم وجد العلماء والراسخين في العلم بجواره، وهم كثيرون بحمد الله، مستجيبون لكل سائل في ليل أو نهار، دون مقابل، فتلك رسالتهم، وهذا واجبهم، فلا عذر لجاهل أو متجاهل، ولا عذر لمشتبه في الأحكام، فقد ترك صلى الله عليه وسلم

стр. 3421

فينا ما إن تمسكنا به لن نضل بعده أبدًا، كتاب الله وسنته، نعم هناك بعض الأمور القليلة يخفى حكمها على العامة، ويترددون في حلها وحرمتها، بل قد يخفى حكمها على غير الراسخين في العلم، فيبدو خلاف فيها بين العلماء، منهم من يحلها، ومنهم من يحرمها، وواجب الكل حينئذ اتقاؤها، والبعد عنها، كأنها محرمة باتفاق وبظهور، دون إخفاء، فإن كانت في حقيقة الأمر محرمة فقد برئ منها، واجتنبها، وبعد عنها، وإن كانت في حقيقة الأمر حلالاً، وبعد عنها خوفًا من الوقوع في الحرام، أثيب على هذا القصد، ونال أجرًا، فالبعد عنها مكسب على كل حال والوقوع فيها خسارة على كل حال، إن كانت حرامًا ووقع فيها، فالويل له، وإن كانت حلالاً، ووقع فيها تجرأ على الوقوع في أمثالها، وتساهل في الشبهات، ولم يتحرز عما هو قريب من المحرمات، فيقع في الحرام من غير قصد، والعاقل من ترك ما يريبه، ويشك فيه، وعمل بما لا يريبه، ولا يشك فيه، عملاً بقوله ﷺ "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به، حذرًا مما به البأس" وطهارة القلب، وإبعاده عن الريب والشك أفضل الطاعات. -[المباحث العربية]- (الحلال بين والحرام بين) أي الأمور التي حكمها الحل ظاهرة بحكمها، في ذاتها، ووصفها، وأدلة حكمها ظاهرة، وكذا الأمور التي حكمها الحرمة، فأكل الخبز والفواكه والعسل والسمن ولبن مأكول اللحم، ولبس ثياب القطن بألوانها، والجلوس والوقوف والمشي والنوم، كل هذه أمور ظاهرة الحل، وشرب الخمر وأكل الخنزير والميتة والزنا والكذب وأشباه ذلك أمور ظاهرة الحرمة، فلفظ "الحلال" مراد به الذات الموصوفة بهذا الوصف، وقد يراد الحكم نفسه والوصف، فيكون المعنى: الحل في هذه الأمور بين، والحرمة في تلك الأمور بينة، ومعنى ظهورها أنه يعلمها العامة والخاصة من الناس، وإن جهل بعضها الشواذ من البشر. (وبينهما مشتبهات) بسكون الشين وفتح التاء وكسر الباء، أي أمور مكتسبات الشبه بالحلال، ومكتسبات الشبه بالحرام، وفي رواية للبخاري "وبينهما أمور مشتبهة" بسكون الشين وفتح التاء وكسر الباء وفتحها، وفي رواية للبخاري "وبينهما مشبهات" بفتح الشين، وفتح الباء المشددة، أي شبهها الناس بالحلال تارة، وبالحرام أخرى، لخفاء حكمها، فصار حكمها غير واضح على التعيين، وفي رواية الدارمي "وبينهما متشابهات" أي اكتسبت التشابه بالأمرين المتضادين، والمعاني في الألفاظ المختلفة متقاربة، وسيأتي في فقه الحديث آراء العلماء في المراد بها. (لا يعلمهن كثير من الناس) أي لا يعلم حكمهن، وجاء واضحًا في رواية الترمذي بلفظ "لا يدري كثير من الناس أمن الحلال هي؟ أم من الحرام؟ " ومفهوم "كثير" أن معرفة حكمها ممكن وواقع، يعلمه القليل من الناس، وهم العلماء المتخصصون المجتهدون، فهي شبهات - على هذا - في حق غيرهم، أما في حقهم فتصبح بينة الحل أو الحرمة، ويمكن أن يراد بالكثير الكل، أو يعطل المفهوم، ويراد بالمتشابهات أمور قليلة تعارضت أدلتها، فلم يظهر للمجتهد ترجيح أحدها، وتكون

стр. 3422

الحكمة من وجودها كذلك في التشريع أن تكون شاهدًا على قصور العقل البشري، فلا يغتر، ولا يتمرد، ويستسلم، ويعترف بصحة قوله تعالى ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً﴾ [الإسراء: ٨٥] ﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾ [يوسف: ٧٦] وهذان القولان يتساوقان مع قوله تعالى ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات، فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به، كل من عند ربنا﴾ [آل عمران: ٧] فالرأي الأول يتفق مع من وقف على ﴿والراسخون في العلم﴾ أي يعلمون تأويله، والرأي الثاني يتفق مع من وقف على ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ أي والراسخون في العلم لا يعلمون تأويله، ويسلمون به. (فمن اتقى الشبهات) أي جعل بينه وبين الوقوع فيها وقاية، أي من بعد عنها، وحذر منها، ومن الوقوع فيها، واستوثق في دراستها للعلم بحكمها و"الشبهات" بضم الشين وضم الباء، جمع شبهة، وفي رواية للبخاري "فمن اتقى المشبهات". (استبرأ لدينه وعرضه) السين والتاء للطلب، أي طلب البراءة والنقاء لدينه من النقص، ولعرضه من الطعن فيه - وعرض الإنسان موضع الذم والمدح فيه - أو للصيرورة، أي صار دينه بريئًا نقيًا من النقص، وصار عرضه بعيدًا عن الطعن، لأن من لم يعرف باجتناب الشبهات لم يسلم من طعن الطاعنين. (ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام) أي عرض نفسه للوقوع في الحرام، وفي رواية للبخاري "فمن ترك ما شبه عليه من الإثم، كان لما استبان له أترك، ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم أوشك أن يواقع ما استبان" وفي التشبيه الآتي زيادة إيضاح. (كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه) في رواية للبخاري "كراع يرعي حول الحمى، يوشك أن يواقعه" والمراد من الحمى المكان المحمي. (ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه) كان ملوك العرب يجمعون لمراعي مواشيهم أماكن مختصة، يتوعدون من يرعى فيها بغير إذنهم، بالعقوبة الشديدة، فمثل لهم النبي ﷺ بما هو مشهور عندهم، فالخائف من العقوبة، المراقب لرضا الملك، يبتعد عن ذلك الحمى، خشية أن تقع مواشيه في شيء منه، فبعده أسلم له، مهما اشتد حذره، وغير الخائف، غير المراقب يقرب منه، ويرعى من جوانبه، فلا يأمن أن تنفرد ماشية شاردة، فتقع فيه بغير اختياره، أو يمحل المكان الذي هو فيه، ويرى الخصب في الحمى، فلا يملك نفسه أن يقع فيه لاعتياده التساهل، فالله هو الملك حقًا، وحماه محرماته، من قرب منها بالوقوع في الشبهات قرب من الوقوع في الحرام. قال الحافظ ابن حجر: وقد ادعى بعضهم أن التمثيل من كلام الشعبي، وأنه مدرج في الحديث، وتردد ابن عون الراوي عن الشعبي - في رفعه، وقال: لا أدري المثل من قول النبي ﷺ ؟ أو من قول

стр. 3423

الشعبي؟ قال الحافظ: وتردد ابن عون في رفعه لا يستلزم كونه مدرجًا، لأن الأثبات قد جزموا باتصاله ورفعه، فلا يقدح شك بعضهم فيه، وكذلك سقوط المثل من رواية بعض الرواة، ومما يقوي عدم الإدراج ثبوت المثل مرفوعًا في رواية ابن عباس وعمار بن ياسر أيضًا. اهـ. ولفظ "ألا" للتنبيه على صحة ما بعدها وتأكيده، وتكريرها للإشارة إلى عظم شأن ما بعدها. والمراد من المحارم المحرمات، أي فعل الشيء المحرم، أو ترك الواجب المأمور به، وقد ثبتت الواو بين "ألا" وما بعدها في روايتنا، وسقطت في بعض الروايات، كما سقط من روايتنا ورواية للبخاري لفظ "في أرضه". (ألا وإن في الجسد مضغة) المضغة القطعة من اللحم، قدر ما يمضغ، قالوا: المراد تصغير القلب بالنسبة إلى باقي الجسد، مع أن صلاح الجسد وفساده تابعان للقلب. (إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله) قال أهل اللغة: يقال: صلح الشيء وفسد بفتح اللام، وفتح السين، وضمهما، والفتح أفصح وأشهر. (ألا وهي القلب) خص القلب بذلك لأنه أمير البدن، وبصلاح الأمير تصلح الرعية، وبفساده تفسد، والمراد به ما يتعلق به من قدرة الفهم، وسيأتي في فقه الحديث أقوال العلماء في مكان قدرة الإدراك والفهم. (يخطب الناس بحمص) ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث، مدينة بالشام، وفي رواية "بالكوفة" مدينة بالعراق، قال الحافظ ابن حجر: ويجمع بينهما بأنه سمع منه مرتين، فإنه ولي إمرة البلدين، واحدة بعد الأخرى. -[فقه الحديث]- قال النووي: أجمع العلماء على عظم وقع هذا الحديث، وكثرة فوائده، وأنه أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، وقال جماعة: هو ثلث الإسلام، وإن الإسلام يدور عليه، وعلى حديث "الأعمال بالنية" وحديث "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" زاد أبو داود حديث "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" وزاد بعضهم حديث "ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد ما في أيدي الناس يحبك الناس" قال العلماء: وسبب عظم موقعه أنه ﷺ نبه فيه على إصلاح المطعم والمشرب والملبس، وغيرها، وأنه ينبغي ترك المشتبهات، فإنه سبب لحماية الدين والعرض، ثم بين أهم الأمور، وهو مراعاة القلب. اهـ. وقال الحافظ ابن حجر: هذا الحديث فيه تقسيم الأحكام إلى ثلاثة أشياء، وهو صحيح، لأن الشيء إما أن ينص على طلبه، مع الوعيد على تركه، أو ينص على تركه، مع الوعيد على فعله، أو لا ينص على واحد منهما، فالأول الحلال البين، والثاني الحرام البين، والثالث مشتبه، لخفائه، فلا يدري هل هو حلال؟ أو هو حرام؟

стр. 3424

ثم قال: وقد توارد أكثر المحدثين على إيراد هذا الحديث في كتاب البيوع، لأن الشبهة في المعاملات تقع فيها كثيرًا، وله تعلق أيضًا بكتاب الإيمان، وبالنكاح، وبالصيد والذبائح، والأطعمة والأشربة، وغير ذلك مما لا يخفى. ثم قال: وحاصل ما فسر به العلماء الشبهات أربعة أشياء: أحدها: تعارض الأدلة. أقول: دليل يجذبها نحو الحرام، ودليل يجذبها نحو الحلال، يجتهد في فهمها المجتهدون، فيلحقها بعضهم بالحلال إلحاقًا غير واضح، ويلحقها بعضهم بالحرام إلحاقًا غير واضح، وبعضهم يتوقف عجزًا عن إلحاقها بأحد الأمرين، والاستبراء لمن ألحقها بالحلال إلحاقًا غير واضح وغير مسلم من عامة العلماء، أن لا يقر بها بنفسه، وأن لا يعلن للناس حلها، فيقع فيها العامة على أنها حلال، والعامة في هذه الحالة لا يبرءون من المسئولية، إذا أصموا آذانهم عن المعارضين، ولم يتقوا الشبهات، قال الحافظ ابن حجر: وما كان هذا سبيله ينبغي اجتنابه لأنه إن كان في نفسه وواقع الأمر حرامًا فقد برئ من تبعته، وإن كان حلالاً فقد أجر على تركه بهذا القصد. ثانيها: اختلاف العلماء. أقول: أي الأمور التي اختلف العلماء في حكمها أحلال هي؟ أم حرام؟ اختلافًا غير مدعم، وغير مطمئن للنفس، مثير للريب والشك. قال الحافظ ابن حجر: وهذا التفسير منتزع من التفسير الأول. ثالثها: أن المراد بها مسمى المكروه، لأنه يجتذبه جانبًا الفعل والترك. رابعها: أن المراد بها المباح، ولا يمكن لقائل هذا أن يحمله على متساوي الطرفين من كل وجه، بل يمكن حمله على ما يكون من قسم خلاف الأولى، بأن يكون متساوي الطرفين باعتبار ذاته، راجح الفعل أو الترك باعتبار أمر خارج، قال بعضهم: المكروه عقبة بين العبد والحرام، فمن استكثر من المكروه تطرق إلى الحرام والمباح عقبة بينه وبين المكروه، فمن استكثر منه تطرق إلى المكروه. قال الحافظ: وهو منزع حسن، ويؤيده رواية ابن حبان "اجعلوا بينكم وبين الحرام سترة من الحلال، من فعل ذلك استبرأ لعرضه ودينه، ومن أرتع فيه كان كالمرتع إلى جنب الحمى، يوشك أن يقع فيه" والمعنى أن بعض الحلال حيث يخشى أن يؤول فعله مطلقاً إلى مكروه أو محرم ينبغي اجتنابه، كالإكثار مثلاً من الطيبات، فإنه يحوج إلى كثرة الاكتساب، الموقع في أخذه ما لا يستحق، أو يفضي إلى بطر النفس، وأقل ما فيه الاشتغال عن العبودية، وهذا معلوم بالعادة، مشاهد بالعيان. ثم قال: والذي يظهر لي رجحان الوجه الأول، ولا يبعد أن يكون كل من الأوجه مرادًا، ويختلف ذلك باختلاف الناس، فالعالم الفطن لا يخفى عليه تمييز الحكم، فلا يقع له ذلك إلا في الاستكثار من المباح، أو المكروه، كما تقرر قبل، ودونه تقع له الشبهة في جميع ما ذكر بحسب اختلاف الأحوال. اهـ. والتحقيق أن المكروه وخلاف الأولى اللذين أشار إليهما الحافظ ابن حجر لا يطلق عليهما شبهات مادام الحكم الشرعي بينًا واضحًا، وإن كان البعد عنهما يباعد بين المسلم وبين الحرام والكثرة منهما تقرب المسلم من الحرام، فهذا التوجيه إن استقام مع الجزء الثاني من الحديث لا

стр. 3425

يستقيم مع الجزء الأول، والمستقيم مع الجزأين معًا هو التفسير الأول والثاني، ويؤيدهما حديث "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" أخرجه الترمذي والنسائي وأحمد وابن حبان والحاكم. والله أعلم. -[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]- ١ - قال النووي: احتج بعضهم بهذا الحديث على أن العقل في القلب، لا في الرأس، وفيه خلاف مشهور، ومذهب أصحابنا وجماهير المتكلمين أنه في القلب، وقال أبو حنيفة: هو في الدماغ، وقد يقال: في الرأس، وحكوا الأول أيضًا عن الفلاسفة، والثاني عن الأطباء قال المازري: واحتج القائلون بأنه في القلب بقوله تعالى ﴿أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها﴾ [الحج: ٤٦] وقوله تعالى: ﴿إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب﴾ [ق: ٣٧] وبهذا الحديث، فإنه ﷺ جعل صلاح الجسد وفساده تابعًا للقلب، مع أن الدماغ من جملة الجسد، فيكون صلاحه وفساده تابعًا للقلب، فعلم أن الدماغ ليس محلاً للعقل، واحتج القائلون بأنه في الدماغ بأنه إذا فسد الدماغ فسد العقل، ويكون من فساد الدماغ الصرع في زعمهم، ولا حجة لهم في ذلك، لأن الله أجرى العادة بفساد العقل عند فساد الدماغ، مع أن العقل ليس فيه، ولا امتناع من ذلك. فقال المازري: لا سيما على أصولهم في الاشتراك الذي يذكرونه بين الدماغ والقلب، وهم يجعلون بين الرأس والمعدة والدماغ اشتراكًا. اهـ. والحق أن هذا الخلاف لا يستقيم بعد ثبوت الحقائق العلمية التشريحية بأن القوة المدركة العاقلة في الرأس، لا في القلب، أما الآيات والأحاديث التي أسندت التفكير للقلب فمن السهل توجهيها، إذ الأمور قد تنسب للسبب البعيد على الحقيقة، وللسبب القريب المباشر على الحقيقة أيضًا، فتقول: قطع الجزار اللحم، وتقول: قطع السكين اللحم، ولا شك أن القلب مصدر الحياة لجميع أعضاء الجسم، ومنها الدماغ. ٢ - وفي الحديث تأكيد السعي نحو إصلاح التفكير، وحمايته من الفساد. ٣ - استدل به ابن المنير على جواز بقاء المجمل بعد النبي ﷺ قال الحافظ: وفي الاستدلال بذلك نظر، إلا إن أراد أنه مجمل في حق بعض دون بعض. ٤ - استدل به البخاري على أن الاستبراء للعرض والدين من أمور الإيمان. ٥ - وفيه حث على الورع. واللَّه أعلم

стр. 3426

(٤١٨) باب بيع البعير واستثناء ركوبه ٣٦٠٦ - عن جابر بن عبد الله ﵄: أنه كان يسير على جمل له قد أعيا فأراد أن يسيبه. قال: فلحقني النبي ﷺ فدعا لي وضربه فسار سيرًا لم يسر مثله. قال "بعنيه بوقية" قلت: لا. ثم قال "بعنيه" فبعته بوقية واستثنيت عليه حملانه إلى أهلي. فلما بلغت أتيته بالجمل فنقدني ثمنه ثم رجعت. فأرسل في أثري فقال "أتراني ماكستك لآخذ جملك؟ خذ جملك ودراهمك فهو لك". ٣٦٠٧ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: غزوت مع رسول الله ﷺ فتلاحق بي وتحتي ناضح لي قد أعيا ولا يكاد يسير قال: فقال لي "ما لبعيرك؟ " قال: قلت: عليل قال: فتخلف رسول الله ﷺ فزجره ودعا له فما زال بين يدي الإبل قدامها يسير. قال: فقال لي "كيف ترى بعيرك؟ " قال: قلت: بخير قد أصابته بركتك قال "أفتبيعنيه؟ " فاستحييت ولم يكن لنا ناضح غيره. قال: فقلت: نعم فبعته إياه على أن لي فقار ظهره حتى أبلغ المدينة. قال: فقلت له: يا رسول الله إني عروس فاستأذنته. فأذن لي. فتقدمت الناس إلى المدينة. حتى انتهيت. فلقيني خالي فسألني عن البعير. فأخبرته بما صنعت فيه فلامني فيه. قال: وقد كان رسول الله ﷺ قال لي حين استأذنته "ما تزوجت؟ أبكرًا أم ثيبًا؟ فقلت له: تزوجت ثيبًا. قال "أفلا تزوجت بكرًا تلاعبك وتلاعبها؟ " فقلت له: يا رسول الله توفي والدي (أو استشهد) ولي أخوات صغار. فكرهت أن أتزوج إليهن مثلهن. فلا تؤدبهن ولا تقوم عليهن. فتزوجت ثيبًا لتقوم عليهن وتؤدبهن. قال: فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة. غدوت إليه بالبعير، فأعطاني ثمنه، ورده علي. ٣٦٠٨ - عن جابر ﵁ قال: أقبلنا من مكة إلى المدينة مع رسول الله ﷺ فاعتل جملي. وساق الحديث بقصته. وفيه: ثم قال لي "بعني جملك هذا" قال: قلت: لا. بل هو

стр. 3427

لك. قال "لا بل بعنيه" قال: قلت: لا. بل هو لك يا رسول الله. قال "لا بل بعنيه" قال: قلت: فإن لرجل علي أوقية ذهب فهو لك بها. قال "قد أخذته فتبلغ عليه إلى المدينة" قال: فلما قدمت المدينة، قال رسول الله ﷺ لبلال "أعطه أوقية من ذهب. وزده" قال: فأعطاني أوقية من ذهب. وزادني قيراطًا. قال: فقلت: لا تفارقني زيادة رسول الله ﷺ . قال: فكان في كيس لي فأخذه أهل الشام يوم الحرة. ٣٦٠٩ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر. فتخلف ناضحي. وساق الحديث وقال فيه: فنخسه رسول الله ﷺ ثم قال لي "اركب باسم الله" وزاد أيضًا: قال: فما زال يزيدني ويقول "والله يغفر لك". ٣٦١٠ - عن جابر ﵁ قال: لما أتى علي النبي ﷺ وقد أعيا بعيري. قال: فنخسه فوثب. فكنت بعد ذلك أحبس خطامه لأسمع حديثه، فما أقدر عليه. فلحقني النبي ﷺ فقال "بعنيه" فبعته منه بخمس أواق. قال: قلت: على أن لي ظهره إلى المدينة. قال "ولك ظهره إلى المدينة" قال: فلما قدمت المدينة أتيته به، فزادني وقية، ثم وهبه لي. ٣٦١١ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سافرت مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره (أظنه قال غازيًا). واقتص الحديث وزاد فيه: قال "يا جابر أتوفيت الثمن؟ " قلت: نعم. قال "لك الثمن ولك الجمل. لك الثمن ولك الجمل". ٣٦١٢ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: اشترى مني رسول الله ﷺ بعيرًا بوقيتين ودرهم أو درهمين. قال: فلما قدم صرارًا أمر ببقرة فذبحت. فأكلوا منها. فلما قدم المدينة أمرني أن آتي المسجد فأصلي ركعتين ووزن لي ثمن البعير فأرجح لي. ٣٦١٣ - عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ بهذه القصة. غير أنه قال: فاشتراه مني بثمن قد سماه. ولم يذكر الوقيتين والدرهم والدرهمين. وقال: أمر ببقرة فنحرت، ثم قسم لحمها.

стр. 3428

٣٦١٤ - عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال له "قد أخذت جملك بأربعة دنانير. ولك ظهره إلى المدينة". -[المعنى العام]- صورة إسلامية مشرقة، صورة الإمام القائد الأعظم مع جنده، أو صغار جنده، وكيف يتتبع أحوالهم، ويساعدهم، ويتفقد أمورهم الخاصة، ويسامرهم، ويرشدهم إلى مصالحهم، صورة القائد الذي يتصدر الجند في المعارك، ولا يتصدرهم في طريق العودة، بل يسير أمامهم أحيانًا، وفي وسطهم أحيانًا، وفي مؤخرتهم أحيانًا، يعين الضعيف، وينجد ذا الحاجة، صورة الإمام الأعظم الذي يعطي دون أن يمن، ودون أن يجرح المعطى. هذا رسول الله ﷺ يعود من غزوة ذات الرقاع، في السنة الخامسة للهجرة، يعود بجيشه بعد نصر الله، وفي الجند جابر بن عبد الله، الصحابي المشهور، يركب جملاً له عليلاً، اشتد به الإعياء حتى لا يكاد يسير، فتخلف جابر عن آخر القوم، وكاد يترك الجمل في الصحراء، ويسير على أقدامه، وبينما هو يتدبر أمره فوجئ بمن يناديه من خلفه: جابر؟ فالتفت، فإذا هو رسول الله ﷺ . قال: لبيك يا رسول الله. قال: مالك تأخرت؟ ما لبعيرك؟ قال: بعيري عليل، لا يكاد يسير، فنزل رسول الله ﷺ عن ناقته، ونزل جابر عن جمله، أدبًا مع رسول الله ﷺ ، وسار رسول الله ﷺ إلى خلف بعير جابر، فنخسه في عجزه بعصاة كانت معه، فقفز البعير من النخسة، وسمع جابر رسول الله ﷺ ، يدعو للبعير بالبركة، ثم قال: يا جابر: اركب بعيرك باسم الله. فركب جابر بعيره، وركب رسول الله ﷺ ناقته، وتجول بين الجند، ركب جابر بعيره، فإذا هو غير البعير، بعير يسير سيرًا لم يسر مثله قبل، بل لا يسير مثله بعير، إنه يسابق إبل القوم، إنه يسبقهم، ويسير قدامهم ومرة أخرى يجد رسول الله ﷺ بجواره، يقول له: يا جابر. قال: لبيك يا رسول الله. قال: كيف ترى بعيرك؟ ماذا فعل؟ قال: حصلت له بركتك يا رسول الله، ها هو كأحسن بعير، بفضل دعائك، ها هو ذا يحاول سبق ناقتك، أشده من خطامه لأمنعه من الإسراع، لتتقدم علي يا رسول الله، قال: يا جابر. أتزوجت بعد وفاة أبيك؟ قال: نعم، وأن عروس، لهذا أستأذنك في أن أسبق الجيش إلى المدينة. قال: لا بأس. فماذا تزوجت؟ بكرًا؟ أم ثيبًا؟ قال: ثيبًا. قال: فلم لم تتزوج بكرًا وأنت شاب في مقتبل الشباب؟ لم لم تتزوج بكرًا تلاعبها وتلاعبك؟ لم لم تتزوج عذراء تضاحكها وتضاحكك؟ قال: لقد مات أبي شهيدًا في أحد، وترك تسعًا من البنات، منهن الصغيرة، فكرهت أن أتزوج بكرًا في سن بعضهن، فلا تستطيع خدمتهن، وتمشيطهن، وجمعهن، والقيام عليهن، فتزوجت امرأة تقوم مقام أمهن، وتدبر شئونهن. قال: أصبت. فبارك الله لك، يا جابر العقل العقل، والحكمة الحكمة في معالجتك لأمور زوجك مع أخواتك، فما أصعب هذه العلاقة. ثم قال: يا جابر أتبيعني جملك هذا؟ واستحيا جابر. بماذا يجيب؟

стр. 3429

وليس لهم جمل يستقون عليه إلا هذا؟ قال: هو لك يا رسول الله هدية لا بيعًا. قال: لا بعنيه. قال: هو لك هدية لا بيعًا يا رسول الله قال: لا بعنيه بأوقية من الذهب. قال: لا أبيعه. قال: بعنيه بأوقية من ذهب، والله يغفر لك. قال: بعتكه. وقد كان لرجل علي أوقية من الذهب، فهي تسد الدين، لكن أتبلغ عليه حتى المدينة. قال: تبلغ عليه إلى المدينة. وسبق جابر الجيش، وضرب الرسول ﷺ خيام الجيش قرب المدينة، على ثلاثة أميال منها، حتى يصل خبر الجيش وتستعد النساء للقاء الأزواج، وأصبح جابر بجمله إلى رسول الله ﷺ ، فوجده على باب المسجد، فسلمه الجمل، فقال رسول الله ﷺ لبلال، خازن بيت المال: زن له أوقية من ذهب، وزده، فوزن له أوقية وقيراطًا، ونقده، فرجع جابر إلى بيته وقبل أن يجلس جاءه من يقول له: إن الرسول ﷺ يدعوك إليه. قال: سمعًا وطاعة، وأخذ يقلب الأمور. لماذا يطلبني رسول الله ﷺ ؟ وقد كنت معه منذ قليل؟ أخشى أن يكون قد غضب لترددي في الموافقة على البيع، أو أن يكون سيرد علي الجمل، ويسترد الثمن وهو غير راض عني. ووصل جابر، فقال له رسول الله ﷺ : أتظن أنني ساومتك على ثمن الجمل وبيعه لآخذه منك؟ الثمن لك، والجمل مني هدية لك. وقف جابر مشدوهًا، للمفاجأة، وأعاد ﷺ : لك الثمن، ولك الجمل، ومرة أخرى وقف جابر مشدوهًا لا يصدق نفسه. ومرة أخرى يقول ﷺ . لك الثمن ولك الجمل، فصدق الله العظيم ﴿رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ [التوبة: ١٢٨]. -[المباحث العربية]- (أنه كان يسير على جمل له) في الرواية الثانية "غزوت مع رسول الله ﷺ ، فتلاحق بي، وتحتي ناضح لي" - أي جمل يستقى عليه - وفي الرواية السادسة "سافرت مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره" وفي روايتين لمسلم، سبقتا في كتاب النكاح - باب استحباب نكاح ذات الدين ونكاح البكر "كنا مع رسول الله ﷺ في غزاة". "خرجت مع رسول الله ﷺ في غزاة" ومن مجموع الروايات يتبين أن اللقاء في العودة من غزوة، قيل: هي غزوة ذات الرقاع، في السنة الخامسة. (قد أعيا) يقال: أعيا البعير في سيره، إذا تعب تعبًا شديدًا، وفي الرواية الثانية "ولا يكاد يسير" وفي الرواية الثالثة "فاعتل جملي" أي مرض، وفي الرواية الرابعة "فتخلف ناضحي" أي تخلف عن القوم بسبب الإعياء، وفي رواية لمسلم في كتاب النكاح "فأبطأ بي جملي" وفي أخرى هناك "وأنا على ناضح، إنما هو في أخريات الناس". (فأراد أن يسيبه) بضم الياء الأولى وفتح السين وكسر الياء المشددة، أي يتركه ويخليه يسيب ويذهب حيث يشاء، والسائبة المهملة. (فلحقني النبي ﷺ ، فدعا لي، وضربه) في الرواية الثانية "فتلاحق بي، فقال لي: ما

стр. 3430

لبعيرك؟ قلت: عليل. قال: فتخلف رسول الله ﷺ ، فزجره، ودعا له" وفي الرواية الرابعة "فنخسه" أي رجع رسول الله ﷺ إلى الخلف بعد أن كان في محاذاة جابر، فزجر الجمل بنخسه، وفي رواية لمسلم سبقت "نخسه بشيء كان معه" وفي أخرى هناك "نخس بعيري بعنزة كانت معه" والعنزة بفتح العين والنون عصا في نحو نصف الرمح في أسفلها حديدة، وفي أخرى هناك أيضًا "فنزل فحجنه بمحجنة، ثم قال: اركب. فركبت" والمحجن بكسر الميم عصا في رأسها اعوجاج. والحاصل أن النبي ﷺ كان أحيانًا يسير في مقدمة أصحابه، وأحيانًا يتوسطهم، وأحيانًا يتأخر إلى المؤخرة، ليساعد ضعيفهم، كما في هذه القضية، فلما تأخر عن القوم جاء جابرًا من خلفه، حتى حاذاه، فسأله عن سر تأخره، فشكا إليه جمله، فنزل ﷺ عن جمله، ونزل جابر، فتأخر ﷺ إلى الجمل من الخلف، وضربه ضربة خفيفة، كالنخس، فوثب الجمل، فدعا للجمل، ثم قال لجابر: اركب فركب وركب ﷺ ، وأخذ يؤنس جابرًا ويسأله عن حاله. (فسار سيرًا لم يسر مثله) من الحسن والسرعة والنشاط. في الرواية الثانية "فما زال - أي البعير - بين يدي الإبل - أي أمامها - قدامها يسير" وفي الرواية الخامسة "فكنت بعد ذلك أحبس خطاه - أي أشد الحبل المربوط في رأسه وأنفه، وهو الزمام - لأسمع حديثه ﷺ ، فما أقدر عليه - فأسرع مرة وسبق رسول الله ﷺ ، فلحقني النبي ﷺ " وفي رواية عند مسلم سبقت "فانطلق بعيري كأجود ما أنت راء من الإبل" وفي أخرى هناك "فلقد رأيتني أكفه عن رسول الله ﷺ " وفي أخرى هناك أيضًا "فجعل - الجمل - بعد ذلك يتقدم الناس، ينازعني، حتى إني لأكفه". (قال: بعنيه بوقية. قلت: لا ثم قال: بعنيه. فبعته بوقية) وفي الرواية الثانية "قال: أفتبيعنيه؟ فاستحييت، ولم يكن لنا ناضح غيره" وفي الرواية الثالثة "بعني جملك هذا. قال: قلت: بل هو لك. قال: لا. بل بعنيه. قال: قلت: لا. بل هو لك يا رسول الله. قال: لا. بل بعنيه. قال: قلت: فإن لرجل علي أوقية ذهب، فهو لك بها" وفي الرواية الخامسة "فقال: بعنيه. فبعته منه بخمس أواق" وفي الرواية السابعة "اشترى مني رسول الله ﷺ بعيرًا بوقيتين ودرهم أو درهمين" وفي الرواية التاسعة "أخذت جملك بأربعة دنانير" وفي رواية "أحسبه بأربع أواق" زادها البخاري وزاد "بثمانمائة درهم" وفي رواية "بعشرين دينارًا" والظاهر أن جابرًا رفض البيع أولاً، لأنه لم يكن لهم ناضح سواه، ولذلك لامه خاله عندما قابله في المدينة، كما في الرواية الثانية، ثم لما أعاد ﷺ الطلب قال: هو لك بدون ثمن، فلما أصر ﷺ قال له جابر: إنه مدين بأوقية من الذهب لرجل، وأنه يبيع بهذه الأوقية، فالرسول ﷺ عرض الثمن أولاً، وقبل جابر وأعلنه أخيرًا. أما اختلاف الروايات في الثمن، فعنه يقول النووي: وسبب اختلاف هذه الروايات أنهم رووا بالمعنى، وهو جائز، فالمراد وقية ذهب، كما فسر في الرواية الثالثة، ويحمل عليه رواية من روى "أوقية" مطلقًا، وأما من روى "خمس أواق" فالمراد خمس أواق من الفضة، وهي بقدر قيمة أوقية الذهب في ذلك الوقت، فيكون الإخبار بأوقية الذهب عما وقع به العقد، وعن أواق الفضة عما حصل به الإيفاء [وهذا غير مسلم، فالإيفاء تم بأوقية ذهب، كما هو صريح الرواية الثالثة] ويحتمل أن يكون

стр. 3431

هذا كله زيادة على الأوقية، كما قال: "فما زال يزيدني" في الرواية الرابعة [وهذا أيضًا غير مسلم، إذ لو زاده في العقد لزاده في الوفاء، ولعل معنى "فما زال يزيدني" طلبًا للبيع ويكرره] وأما رواية "أربعة دنانير" فموافقة أيضًا، لأنه يحتمل أن أوقية الذهب حينئذ وزن أربعة دنانير، وأما رواية "أوقيتين" فيحتمل أن إحداهما وقع بها البيع، والأخرى زيادة، كما قال: "فزادني وقية" في الرواية الخامسة [وهذا غير مسلم، لما هو ثابت عند الوفاء] وقوله "ودرهم أو درهمين" في الرواية السابعة موافق لقوله: "وزادني قيراطًا" وأما رواية "عشرين دينارًا" فمحمولة على دنانير صغار، كانت لهم [وهذا غير مسلم، فلم يثبت أنه كان لهم دنانير كبار، ودنانير صغار، العشرون من الصغار تعادل أربعًا] ورواية "أربع أواق" شك فيها الراوي، فلا اعتبار بها. اهـ. وهذه التوجيهات بعضها غير مقبول، وبعضها ظاهر التعسف، والأولى أن يحكم لبعضها بالمحفوظ، وعلى بعضها بالشذوذ، وخاصة أن تحديد ثمن البعير لا يتعلق به حكم شرعي. والله أعلم. (واستثنيت حملانه إلى أهلي) "حملانه" بضم الحاء الحمل بفتحها، يقال: حمل الحمل على ظهر الدابة حملاً وحملانًا، والمعنى: واستثنيت حمله لي إلى أهلي بالمدينة. وقد وضح هذا الاستثناء في الرواية الخامسة، ولفظها "قلت على أن لي ظهره إلى المدينة" ووضح إجابته إلى طلبه في الرواية الخامسة والتاسعة "قال: ولك ظهره إلى المدينة" وفي الرواية الثالثة "فتبلغ عليه إلى المدينة" وفي الرواية الثانية "فبعته إياه على أن لي فقار ظهره حتى أبلغ المدينة" و"فقار ظهره" بفاء مفتوحة، ثم قاف، وهي خرزاته ومفاصل عظامه، واحدتها فقرة. (فلما بلغت أتيته بالجمل) أي فلما بلغت المدينة، وبلغت أهلي، ووضعت عندهم رحلي ومتاعي أتيته عن المسجد بالجمل، وطوت هذه الرواية بعض الأحداث التي ذكرتها الروايات الأخرى، وهي: (فقلت له: يا رسول اللَّه، إني عروس) جاء هذا في الرواية الثانية، أي إني عجل إلى أهلي، فأستأذنك في الإسراع. ولفظ "عروس" يقال للرجل كما يقال للمرأة بلفظ واحد، لكن يختلفان في الجمع، فيقال: رجل عروس، ورجال عرس، بضم العين والراء، وامرأة عروس ونسوة عرائس. (قال: ما تزوجت؟ ) لم يكن السؤال عن ذات الزوجة حتى يسأل بـ"من تزوجت" ولكن كان السؤال عن صفتها "أبكرًا؟ أم ثيبًا"؟ وهما منصوبان مفعول به لفعل محذوف، ومعطوف، أي أتزوجت بكرًا؟ أم ثيبًا؟ قال: ثيبًا. (قال: أفلا تزوجت بكرًا تلاعبك وتلاعبها؟ ) في روايات لمسلم سبقت "فهلا بكرًا تلاعبها"؟ "فأين أنت من العذارى"؟ (بفتح الراء جمع عذراء) و"لعابها" (بكسر اللام، أي ملاعبتها؟ ) "فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك"؟ . "أو قال: تضاحكها وتضاحكك"؟ "أتزوجت بعد أبيك؟ ".

стр. 3432

(توفي والدي - أو استشهد) والدي. فقد استشهد أبوه في أحد ﵁. (ولي أخوات صغار) في رواية لمسلم سبقت في كتاب النكاح "وترك تسع بنات - أو سبع -" وفي رواية "ست" قال الحافظ ابن حجر: فكأن ثنتين منهن أو ثلاثة كن متزوجات من تسع، فقصد الكل تارة، وقصد غير المتزوجات تارة أخرى. (فكرهت أن أتزوج إليهن مثلهن) في الصغر، وعدم الدراية، وعدم القدرة على رعاية الشئون، والمعنى فكرهت أن أتزوج مثلهن مضمومة إليهن. (فلا تؤدبهن، ولا تقوم عليهن) وفي رواية "فكرهت أن أجمع إليهن جارية خرقاء مثلهن". (فتزوجت ثيبًا لتقوم عليهن، وتؤدبهن) في رواية "فأحببت أن أجيء بامرأة تقوم عليهن وتصلحهن" وفي رواية "تقوم عليهن وتمشطهن" وفي رواية "تجمعهن، وتمشطهن، وتقوم عليهن" ذكر ابن سعد أن هذه المرأة كان اسمها سهلة بنت مسعود بن أوس بن مالك الأنصارية الأوسية. وفي رواية سبقت "قال: أصبت" وفي أخرى "قال: فبارك الله لك. أو قال لي خيرًا" وفي ثالثة "أما إنك قادم، فإذا قدمت فالكيس الكيس" أي الزم العقل والذكاء والظرف في معالجتك أمور زوجك وأخواتك. وظاهر إحدى روايات مسلم أن البيع كان بعد حديث الزواج، ولفظها بعد أن ذكر محادثة الزواج "ثم قال: أتبيع جملك ... إلخ". (فاستأذنته، فأذن لي) أي أستأذنته في أن أسبقه وأسبق القوم إلى المدينة، فأذن لي، فتقدمت الناس إلى المدينة. (حتى انتهيت. فلقيني خالي، فسألني عن البعير) أي حتى انتهيت إلى المدينة وإلى بيتي، ولعل سر سؤال خاله عن البعير أنه رآه يسير كأحسن بعير بعد أن كان ضعيفًا. (فلامني فيه) اللوم سببه أن البعير كان على هذا مرغوبًا فيه عندهم، ولم يكن لهم ناضح سواه، كما سبق، وليس لأنه باعه لرسول الله ﷺ ، وبثمن أقل مما يستحق. (فلما قدم صرارًا أمر ببقرة فذبحت) "صرار" بفتح الصاد وكسرها، والكسر أشهر وأفصح، وتخفيف الراء، وهو موضع قريب من المدينة، وقال الخطابي: هي بئر قديمة، على ثلاثة أميال من المدينة، وضبطه بعض الرواة في مسلم والبخاري "ضرار" بالضاد، وهو خطأ، و"صرار" غير مصروف، والمشهور صرفه. وفي الرواية الثامنة "فنحرت" والنحر الذبح هنا، جمعًا بين الروايات، والمشهور أن النحر في الإبل خاصة، أي الطعن في المنحر، وهو أعلى الصدر، حتى يبدو الحلقوم من أعلى الصدر، أما الذبح فهو في الرقبة بقطع الودجين ويكون فيما عدا الإبل.

стр. 3433

وكان من عادة الرسول ﷺ أن لا يدخل المدينة فجأة، فنزل بأصحابه قبلها بثلاثة أميال، وذبح لهم، ليأكلوا، ويستريحوا، حتى يستعد النساء للقاء الأزواج. (فلما بلغت أتيته بالجمل، فنقدني ثمنه) في الرواية الثانية " فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة غدوت إليه بالبعير" أي ذهبت إليه بالبعير صباحًا، وفي الرواية الخامسة "فلما قدمت المدينة أتيته به" أي فلما قدمت المدينة، واسترحت عند أهلي، وأصبحت أتيته به، وفي الرواية الثالثة "فلما قدمت المدينة قال رسول الله ﷺ لبلال: أعطه ... إلخ" وفي الرواية السابعة "فلما قدم المدينة أمرني أن آتي المسجد، فأصلي ركعتين، ووزن لي ثمن البعير" وعند مسلم في رواية سبقت في كتاب النكاح "وقدمت بالغداة، فجئت المسجد، فوجدته على باب المسجد، فقال: الآن حين قدمت؟ قلت: نعم. قال: فدع جملك، وادخل، فصل ركعتين، قال: فدخلت فصليت، ثم رجعت، فأمر بلالاً أن يزن لي أوقية" فوزن لي بلال، فأرجح في الميزان" أي بعلم الرسول ﷺ ، وبأمره، ففي الرواية الثالثة "قال لبلال: أعطه أوقية من ذهب، وزده، قال: فأعطاني أوقية من ذهب، وزادني قيراطًا، قال: فقلت: لا تفارقني زيادة رسول الله ﷺ " (أي سأحتفظ بها في كيس كبركة، لا أنفقه أبدًا) فكان القيراط في كيس لي، فأخذه أهل الشام يوم الحرة" بفتح الحاء، والحرة الحجارة السوداء، والمراد حرة المدينة، ويوم الحرة كان سنة ثلاث وستين، وكان قتال ونهب من أهل الشام لأهل المدينة. (ثم رجعت، فأرسل في أثري) أي بعد أن نقدني ثمن البعير وسلمته إياه، رجعت إلى أهلي، فأرسل عقب عودتي سريعًا يطلبني، فجئته، في رواية لمسلم سبقت "قال: فانطلقت فلما وليت قال: ادع لي جابرًا، فدعيت، فقلت" - أي في نفسي، في طريقي إليه - "الآن يرد علي الجمل" - أي ويسترد ثمنه، "ولم يكن شيء أبغض إلي منه" أي من رده، لسعادتي بمعاملة النبي ﷺ . (أتراني ماكستك لآخذ جملك؟ ) "تراني" بضم التاء، أي أتظني، والمماكسة في البيع والشراء هي المساومة، والمراد هنا المكالمة في النقص من الثمن، وأصلها النقص مطلقًا. (خذ جملك ودراهمك، فهو لك) في الرواية الثانية "فأعطاني ثمنه، ورده علي" وفي الرواية الخامسة "فزادني وقية، ثم وهبه لي" والمقصود بالأوقية الأوقية الأولى. وفي الرواية السادسة "لك الثمن ولك الجمل. لك الثمن ولك الجمل" كررها مرتين. لأنه أمر مستغرب. -[فقه الحديث]- ما يتعلق بهذا الحديث من أحكام النكاح سبق في كتاب النكاح، باب نكاح ذات الدين ونكاح البكر، [باب رقم ٣٩٣] كما سبق هناك كثير مما يؤخذ من الحديث من الأحكام. ونضيف هنا: قال النووي: حديث جابر حديث مشهور، واحتج به أحمد ومن وافقه على جواز بيع الدابة، مع اشتراط البائع لنفسه ركوبها، وقال مالك: يجوز إذا كانت مسافة الركوب قريبة، وحمل هذا الحديث

стр. 3434

على هذا. وقال الشافعي وأبو حنيفة وآخرون: لا يجوز ذلك، سواء قلت المسافة أو كثرت، ولا ينعقد البيع، واحتجوا بالحديث السابق في النهي عن بيع الثنيا - أي الاستثناء في البيع، وقد سبق قريبًا أن النهي عنه لأن المستثنى غالبًا مجهول - وبالحديث الآخر في النهي عن بيع وشرط، وأجابوا عن حديث جابر بأنها قضية عين، تتطرق إليها احتمالات، قالوا: ولأن النبي ﷺ أراد أن يعطيه الثمن، ولم يرد حقيقة البيع، قالوا: ويحتمل أن الشرط لم يكن في نفس العقد، وإنما يضر الشرط إذا كان في نفس العقد، ولعل الشرط كان سابقًا، فلم يؤثر، ثم تبرع ﷺ بإركابه. اهـ. وقال ابن سيرين وعبد الله بن شبرمة التابعيان، وحماد بن أبي سليمان: البيع صحيح والشرط صحيح. وقال الحسن البصري والنخعي وابن أبي ليلى وأبو ثور وابن المنذر: البيع صحيح، والشرط باطل لاغ. وقال أحمد وإسحق: إن شرطًا شرطًا واحدًا صح البيع، ولزم الشرط، وإن شرطا شرطين فأكثر بطل البيع. -[ويؤخذ من الحديث بالإضافة إلى المآخذ المذكورة في كتاب النكاح]- ١ - جواز طلب البيع ممن لم يعرض سلعته للبيع. ٢ - وجواز المماكسة في البيع. ٣ - واستحباب الابتداء بالمسجد، وصلاة ركعتين فيه عند القدوم من السفر. ٤ - وأن نافلة النهار يستحب كونها ركعتين ركعتين، كصلاة الليل. وهو مذهب الشافعية ومذهب الجمهور. ٥ - استحباب الدلالة على الخير. ٦ - قال النووي: فيه التبرك بآثار الصالحين، لقوله "لا تفارقه زيادة رسول الله ﷺ ". ٧ - وجواز تقدم بعض الجيش الراجع، بإذن الأمير. واللَّه أعلم

стр. 3435

(٤١٩) باب اقتراض الحيوان وحسن الوفاء ٣٦١٥ - عن أبي رافع ﵁: أن رسول الله ﷺ استسلف من رجل بكرًا. فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة. فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره. فرجع إليه أبو رافع فقال: لم أجد إلا خيارًا رباعيًا. فقال "أعطه إياه. إن خيار الناس أحسنهم قضاء". ٣٦١٦ - عن أبي رافع ﵁ مولى رسول الله ﷺ قال: استسلف رسول الله ﷺ بكرًا. بمثله. غير أنه قال "فإن خير عباد الله أحسنهم قضاء". ٣٦١٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: كان لرجل على رسول الله ﷺ حق فأغلظ له. فهم به أصحاب النبي ﷺ . فقال النبي ﷺ "إن لصاحب الحق مقالاً" فقال لهم "اشتروا له سنًا فأعطوه إياه" فقالوا إنا لا نجد إلا سنًا هو خير من سنه. قال "فاشتروه فأعطوه إياه فإن من خيركم - أو خيركم - أحسنكم قضاء". ٣٦١٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: استقرض رسول الله ﷺ سنا. فأعطى سنا فوقه. وقال "خياركم محاسنكم قضاء". ٣٦١٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل يتقاضى رسول الله ﷺ بعيرًا. فقال "أعطوه سنًا فوق سنه" وقال "خيركم أحسنكم قضاء". -[المعنى العام]- يقول اللَّه تعالى ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾ [الرحمن: ٦٠]؟ ويقول ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾ [النساء: ٨٦] أدب عام رفيع من آداب الإسلام، أن يوفى المدين دينه فور التمكن من الأداء، وأن يحسن إلى الدائن عند الوفاء، بالزيادة أو بالكلمة الطيبة، والشكر على ما
следующие страницы →