Полный текст (6 200 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.
стр. 3431
هذا كله زيادة على الأوقية، كما قال: "فما زال يزيدني" في الرواية الرابعة [وهذا أيضًا غير مسلم، إذ لو زاده في العقد لزاده في الوفاء، ولعل معنى "فما زال يزيدني" طلبًا للبيع ويكرره] وأما رواية "أربعة دنانير" فموافقة أيضًا، لأنه يحتمل أن أوقية الذهب حينئذ وزن أربعة دنانير، وأما رواية "أوقيتين" فيحتمل أن إحداهما وقع بها البيع، والأخرى زيادة، كما قال: "فزادني وقية" في الرواية الخامسة [وهذا غير مسلم، لما هو ثابت عند الوفاء] وقوله "ودرهم أو درهمين" في الرواية السابعة موافق لقوله: "وزادني قيراطًا" وأما رواية "عشرين دينارًا" فمحمولة على دنانير صغار، كانت لهم [وهذا غير مسلم، فلم يثبت أنه كان لهم دنانير كبار، ودنانير صغار، العشرون من الصغار تعادل أربعًا] ورواية "أربع أواق" شك فيها الراوي، فلا اعتبار بها. اهـ.
وهذه التوجيهات بعضها غير مقبول، وبعضها ظاهر التعسف، والأولى أن يحكم لبعضها بالمحفوظ، وعلى بعضها بالشذوذ، وخاصة أن تحديد ثمن البعير لا يتعلق به حكم شرعي. والله أعلم.
(واستثنيت حملانه إلى أهلي) "حملانه" بضم الحاء الحمل بفتحها، يقال: حمل الحمل على ظهر الدابة حملاً وحملانًا، والمعنى: واستثنيت حمله لي إلى أهلي بالمدينة. وقد وضح هذا الاستثناء في الرواية الخامسة، ولفظها "قلت على أن لي ظهره إلى المدينة" ووضح إجابته إلى طلبه في الرواية الخامسة والتاسعة "قال: ولك ظهره إلى المدينة" وفي الرواية الثالثة "فتبلغ عليه إلى المدينة" وفي الرواية الثانية "فبعته إياه على أن لي فقار ظهره حتى أبلغ المدينة" و"فقار ظهره" بفاء مفتوحة، ثم قاف، وهي خرزاته ومفاصل عظامه، واحدتها فقرة.
(فلما بلغت أتيته بالجمل) أي فلما بلغت المدينة، وبلغت أهلي، ووضعت عندهم رحلي ومتاعي أتيته عن المسجد بالجمل، وطوت هذه الرواية بعض الأحداث التي ذكرتها الروايات الأخرى، وهي:
(فقلت له: يا رسول اللَّه، إني عروس) جاء هذا في الرواية الثانية، أي إني عجل إلى أهلي، فأستأذنك في الإسراع. ولفظ "عروس" يقال للرجل كما يقال للمرأة بلفظ واحد، لكن يختلفان في الجمع، فيقال: رجل عروس، ورجال عرس، بضم العين والراء، وامرأة عروس ونسوة عرائس.
(قال: ما تزوجت؟ ) لم يكن السؤال عن ذات الزوجة حتى يسأل بـ"من تزوجت" ولكن كان السؤال عن صفتها "أبكرًا؟ أم ثيبًا"؟ وهما منصوبان مفعول به لفعل محذوف، ومعطوف، أي أتزوجت بكرًا؟ أم ثيبًا؟ قال: ثيبًا.
(قال: أفلا تزوجت بكرًا تلاعبك وتلاعبها؟ ) في روايات لمسلم سبقت "فهلا بكرًا تلاعبها"؟ "فأين أنت من العذارى"؟ (بفتح الراء جمع عذراء) و"لعابها" (بكسر اللام، أي ملاعبتها؟ ) "فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك"؟ .
"أو قال: تضاحكها وتضاحكك"؟ "أتزوجت بعد أبيك؟ ".
стр. 3432
(توفي والدي - أو استشهد) والدي. فقد استشهد أبوه في أحد ﵁.
(ولي أخوات صغار) في رواية لمسلم سبقت في كتاب النكاح "وترك تسع بنات - أو سبع -" وفي رواية "ست" قال الحافظ ابن حجر: فكأن ثنتين منهن أو ثلاثة كن متزوجات من تسع، فقصد الكل تارة، وقصد غير المتزوجات تارة أخرى.
(فكرهت أن أتزوج إليهن مثلهن) في الصغر، وعدم الدراية، وعدم القدرة على رعاية الشئون، والمعنى فكرهت أن أتزوج مثلهن مضمومة إليهن.
(فلا تؤدبهن، ولا تقوم عليهن) وفي رواية "فكرهت أن أجمع إليهن جارية خرقاء مثلهن".
(فتزوجت ثيبًا لتقوم عليهن، وتؤدبهن) في رواية "فأحببت أن أجيء بامرأة تقوم عليهن وتصلحهن" وفي رواية "تقوم عليهن وتمشطهن" وفي رواية "تجمعهن، وتمشطهن، وتقوم عليهن" ذكر ابن سعد أن هذه المرأة كان اسمها سهلة بنت مسعود بن أوس بن مالك الأنصارية الأوسية.
وفي رواية سبقت "قال: أصبت" وفي أخرى "قال: فبارك الله لك. أو قال لي خيرًا" وفي ثالثة "أما إنك قادم، فإذا قدمت فالكيس الكيس" أي الزم العقل والذكاء والظرف في معالجتك أمور زوجك وأخواتك. وظاهر إحدى روايات مسلم أن البيع كان بعد حديث الزواج، ولفظها بعد أن ذكر محادثة الزواج "ثم قال: أتبيع جملك ... إلخ".
(فاستأذنته، فأذن لي) أي أستأذنته في أن أسبقه وأسبق القوم إلى المدينة، فأذن لي، فتقدمت الناس إلى المدينة.
(حتى انتهيت. فلقيني خالي، فسألني عن البعير) أي حتى انتهيت إلى المدينة وإلى بيتي، ولعل سر سؤال خاله عن البعير أنه رآه يسير كأحسن بعير بعد أن كان ضعيفًا.
(فلامني فيه) اللوم سببه أن البعير كان على هذا مرغوبًا فيه عندهم، ولم يكن لهم ناضح سواه، كما سبق، وليس لأنه باعه لرسول الله ﷺ ، وبثمن أقل مما يستحق.
(فلما قدم صرارًا أمر ببقرة فذبحت) "صرار" بفتح الصاد وكسرها، والكسر أشهر وأفصح، وتخفيف الراء، وهو موضع قريب من المدينة، وقال الخطابي: هي بئر قديمة، على ثلاثة أميال من المدينة، وضبطه بعض الرواة في مسلم والبخاري "ضرار" بالضاد، وهو خطأ، و"صرار" غير مصروف، والمشهور صرفه.
وفي الرواية الثامنة "فنحرت" والنحر الذبح هنا، جمعًا بين الروايات، والمشهور أن النحر في الإبل خاصة، أي الطعن في المنحر، وهو أعلى الصدر، حتى يبدو الحلقوم من أعلى الصدر، أما الذبح فهو في الرقبة بقطع الودجين ويكون فيما عدا الإبل.
стр. 3433
وكان من عادة الرسول ﷺ أن لا يدخل المدينة فجأة، فنزل بأصحابه قبلها بثلاثة أميال، وذبح لهم، ليأكلوا، ويستريحوا، حتى يستعد النساء للقاء الأزواج.
(فلما بلغت أتيته بالجمل، فنقدني ثمنه) في الرواية الثانية " فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة غدوت إليه بالبعير" أي ذهبت إليه بالبعير صباحًا، وفي الرواية الخامسة "فلما قدمت المدينة أتيته به" أي فلما قدمت المدينة، واسترحت عند أهلي، وأصبحت أتيته به، وفي الرواية الثالثة "فلما قدمت المدينة قال رسول الله ﷺ لبلال: أعطه ... إلخ" وفي الرواية السابعة "فلما قدم المدينة أمرني أن آتي المسجد، فأصلي ركعتين، ووزن لي ثمن البعير" وعند مسلم في رواية سبقت في كتاب النكاح "وقدمت بالغداة، فجئت المسجد، فوجدته على باب المسجد، فقال: الآن حين قدمت؟ قلت: نعم. قال: فدع جملك، وادخل، فصل ركعتين، قال: فدخلت فصليت، ثم رجعت، فأمر بلالاً أن يزن لي أوقية" فوزن لي بلال، فأرجح في الميزان" أي بعلم الرسول ﷺ ، وبأمره، ففي الرواية الثالثة "قال لبلال: أعطه أوقية من ذهب، وزده، قال: فأعطاني أوقية من ذهب، وزادني قيراطًا، قال: فقلت: لا تفارقني زيادة رسول الله ﷺ " (أي سأحتفظ بها في كيس كبركة، لا أنفقه أبدًا) فكان القيراط في كيس لي، فأخذه أهل الشام يوم الحرة" بفتح الحاء، والحرة الحجارة السوداء، والمراد حرة المدينة، ويوم الحرة كان سنة ثلاث وستين، وكان قتال ونهب من أهل الشام لأهل المدينة.
(ثم رجعت، فأرسل في أثري) أي بعد أن نقدني ثمن البعير وسلمته إياه، رجعت إلى أهلي، فأرسل عقب عودتي سريعًا يطلبني، فجئته، في رواية لمسلم سبقت "قال: فانطلقت فلما وليت قال: ادع لي جابرًا، فدعيت، فقلت" - أي في نفسي، في طريقي إليه - "الآن يرد علي الجمل" - أي ويسترد ثمنه، "ولم يكن شيء أبغض إلي منه" أي من رده، لسعادتي بمعاملة النبي ﷺ .
(أتراني ماكستك لآخذ جملك؟ ) "تراني" بضم التاء، أي أتظني، والمماكسة في البيع والشراء هي المساومة، والمراد هنا المكالمة في النقص من الثمن، وأصلها النقص مطلقًا.
(خذ جملك ودراهمك، فهو لك) في الرواية الثانية "فأعطاني ثمنه، ورده علي" وفي الرواية الخامسة "فزادني وقية، ثم وهبه لي" والمقصود بالأوقية الأوقية الأولى. وفي الرواية السادسة "لك الثمن ولك الجمل. لك الثمن ولك الجمل" كررها مرتين. لأنه أمر مستغرب.
-[فقه الحديث]-
ما يتعلق بهذا الحديث من أحكام النكاح سبق في كتاب النكاح، باب نكاح ذات الدين ونكاح البكر، [باب رقم ٣٩٣] كما سبق هناك كثير مما يؤخذ من الحديث من الأحكام.
ونضيف هنا:
قال النووي: حديث جابر حديث مشهور، واحتج به أحمد ومن وافقه على جواز بيع الدابة، مع اشتراط البائع لنفسه ركوبها، وقال مالك: يجوز إذا كانت مسافة الركوب قريبة، وحمل هذا الحديث
стр. 3434
على هذا. وقال الشافعي وأبو حنيفة وآخرون: لا يجوز ذلك، سواء قلت المسافة أو كثرت، ولا ينعقد البيع، واحتجوا بالحديث السابق في النهي عن بيع الثنيا - أي الاستثناء في البيع، وقد سبق قريبًا أن النهي عنه لأن المستثنى غالبًا مجهول - وبالحديث الآخر في النهي عن بيع وشرط، وأجابوا عن حديث جابر بأنها قضية عين، تتطرق إليها احتمالات، قالوا: ولأن النبي ﷺ أراد أن يعطيه الثمن، ولم يرد حقيقة البيع، قالوا: ويحتمل أن الشرط لم يكن في نفس العقد، وإنما يضر الشرط إذا كان في نفس العقد، ولعل الشرط كان سابقًا، فلم يؤثر، ثم تبرع ﷺ بإركابه. اهـ.
وقال ابن سيرين وعبد الله بن شبرمة التابعيان، وحماد بن أبي سليمان: البيع صحيح والشرط صحيح.
وقال الحسن البصري والنخعي وابن أبي ليلى وأبو ثور وابن المنذر: البيع صحيح، والشرط باطل لاغ.
وقال أحمد وإسحق: إن شرطًا شرطًا واحدًا صح البيع، ولزم الشرط، وإن شرطا شرطين فأكثر بطل البيع.
-[ويؤخذ من الحديث بالإضافة إلى المآخذ المذكورة في كتاب النكاح]-
١ - جواز طلب البيع ممن لم يعرض سلعته للبيع.
٢ - وجواز المماكسة في البيع.
٣ - واستحباب الابتداء بالمسجد، وصلاة ركعتين فيه عند القدوم من السفر.
٤ - وأن نافلة النهار يستحب كونها ركعتين ركعتين، كصلاة الليل. وهو مذهب الشافعية ومذهب الجمهور.
٥ - استحباب الدلالة على الخير.
٦ - قال النووي: فيه التبرك بآثار الصالحين، لقوله "لا تفارقه زيادة رسول الله ﷺ ".
٧ - وجواز تقدم بعض الجيش الراجع، بإذن الأمير.
واللَّه أعلم
стр. 3435
(٤١٩) باب اقتراض الحيوان وحسن الوفاء
٣٦١٥ - عن أبي رافع ﵁: أن رسول الله ﷺ استسلف من رجل بكرًا. فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة. فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره. فرجع إليه أبو رافع فقال: لم أجد إلا خيارًا رباعيًا. فقال "أعطه إياه. إن خيار الناس أحسنهم قضاء".
٣٦١٦ - عن أبي رافع ﵁ مولى رسول الله ﷺ قال: استسلف رسول الله ﷺ بكرًا. بمثله. غير أنه قال "فإن خير عباد الله أحسنهم قضاء".
٣٦١٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: كان لرجل على رسول الله ﷺ حق فأغلظ له. فهم به أصحاب النبي ﷺ . فقال النبي ﷺ "إن لصاحب الحق مقالاً" فقال لهم "اشتروا له سنًا فأعطوه إياه" فقالوا إنا لا نجد إلا سنًا هو خير من سنه. قال "فاشتروه فأعطوه إياه فإن من خيركم - أو خيركم - أحسنكم قضاء".
٣٦١٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: استقرض رسول الله ﷺ سنا. فأعطى سنا فوقه. وقال "خياركم محاسنكم قضاء".
٣٦١٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل يتقاضى رسول الله ﷺ بعيرًا. فقال "أعطوه سنًا فوق سنه" وقال "خيركم أحسنكم قضاء".
-[المعنى العام]-
يقول اللَّه تعالى ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾ [الرحمن: ٦٠]؟ ويقول ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾ [النساء: ٨٦] أدب عام رفيع من آداب الإسلام، أن يوفى المدين دينه فور التمكن من الأداء، وأن يحسن إلى الدائن عند الوفاء، بالزيادة أو بالكلمة الطيبة، والشكر على ما
стр. 3436
قدم من معروف، وأن يتحمل المدين مطالبة الدائن، وإن شدد، فهو صاحب حق، مادام يطالب في حدود الآداب، وإن ألح.
بهذه الآداب يتم التعاون بين المسلمين، ويصبح مثل المؤمنين كمثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى، ولا يخشى القادر إقراض المحتاج، ويجد المحتاج من يساعده عند الشدائد. وكان رسول الله ﷺ المثل الأعلى في تطبيق هذه الآداب. وكيف لا وقد كان خلقه القرآن ﷺ .
كان ﷺ يمر على بيوته الشهر والشهران ثلاثة أهله في شهرين، لا يوقد في بيته نار، لعدم وجود ما يطهى بالنار، فلم يكن يستقرض لنفسه شاة ولا بعيرًا، ولكنه كان يقترض للفقراء حين لا يكون في بيت المال ما يحتاجون، فإذا جاءت إبل الصدقة، سدد ما اقترض، بما هو مثله، أو بأحسن مما اقترض، وكان يتحمل شدة صاحب الحق، ويقول: إن لصاحب الحق مقالاً، وكان يدعو إلى إكرام المقرض، والإحسان عند أداء الحقوق، ويقول "خيركم أحسنكم قضاء" بهذا يقول الدائن للمدين "أوفيتني أوفي الله بك وأوفاك".
-[المباحث العربية]-
(استسلف من رجل بكرًا) يقال: أسلفت رجلاً مالاً، وسلفته مالاً، بتشديد اللام، أقرضته إياه، ويقال: استلف واستسلف من رجل مالاً، أي اقترض، والبكر بفتح الباء وسكون الكاف الصغير من الإبل، كالغلام من الآدميين، والأنثى بكرة وقلوص، وهي الصغيرة من الإبل، كالجارية من الآدميين.
(لم أجد فيها إلا خيارًا رباعيًا) بفتح الراء، وتخفيف الياء، وهو من الإبل ما استكمل ست سنين ودخل في السابعة، والذكر رباع، والأنثى رباعية بتخفيف الياء. أي لم أجد في إبل الصدقة إلا ما هو خير من سنه، لم أجد إلا رباعيًا.
(إن خيار الناس أحسنهم قضاء) "خيار" جمع خير بفتح الخاء وسكون الياء، ومثله أخيار وخيور.
وفي الرواية الثانية "إن خير عباد الله" وفي الرواية الثالثة "إن خيركم" وفي الرواية الرابعة "خياركم" وفي الرواية الخامسة "خيركم" قال العلماء: لما أضيف أفعل أي "خير" والمقصود به الزيادة جاز فيه الإفراد والجمع، ومثله "أحسنكم" ففي الرواية الأولى والثانية "أحسنهم قضاء" وفي الرواية الثالثة والخامسة "أحسنكم قضاء" وفي الرواية الرابعة "محاسنكم قضاء" و"من" مقدره في "خيار الناس" و"خير عباد الله" وقد صرح بها في الرواية الثالثة، فإن من فعل ذلك ليس خير عباد الله على الإطلاق، بل من خيرهم.
(كان لرجل على رسول الله ﷺ حق، فأغلظ له) أي في المطالبة به، أي شدد المطالبة، من غير قدر زائد، قال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يكون الإغلاظ بغير ذلك، ويكون صاحب الدين كافرًا،
стр. 3437
فقد قيل: إنه كان يهوديًا، والأول أظهر، فقد روي أنه كان أعرابيًا، وكأنه جرى على عادته من جفاء المخاطبة. قيل: إنه العرباض بن سارية، وقيل: غيره. والقصة وقعت للعرباض ولغيره.
(فهم به أصحاب النبي ﷺ أي أرادوا أن يؤذوه بالقول أو الفعل، لكن لم يفعلوا أدبًا مع النبي ﷺ .
(إن لصاحب الحق مقالاً) أي حجة قوية، وجرأة في الطلب، لكن مع مراعاة الأدب المشروع.
(اشتروا له سنًا) أي جملاً له سن معين. قال الحافظ ابن حجر: ويجمع بين رواية "اشتروا له" والرواية الأولى، وأن القضاء من إبل الصدقة بأنه ﷺ أمر بالشراء أولاً، ثم قدمت إبل الصدقة، فأعطاه منها، أو أنه أمر بالشراء من إبل الصدقة ممن استحق منها شيئًا، ويؤيده رواية ابن خزيمة "إذا جاءت الصدقة قضيناك".
-[فقه الحديث]-
قال النووي: الحديث في اقتراض الحيوان، وفيه ثلاثة مذاهب:
الشافعي ومالك وجماهير العلماء من السلف والخلف أنه يجوز قرض جميع الحيوان، إلا الجارية لمن يملك وطأها، فإنه لا يجوز، ويجوز إقراضها لمن لا يملك وطأها، كمحارمها، والمرأة والخنثى.
والمذهب الثاني مذهب المزني وابن جرير وداود أنه يجوز قرض الجارية وسائر الحيوان لكل واحد.
والثالث مذهب أبي حنيفة والكوفيين أنه لا يجوز قرض شيء من الحيوان، وهذه الأحاديث ترد عليهم ولا تقبل دعواهم النسخ بغير دليل. اهـ واحتجوا بحديث النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، وهو حديث قد روي عن ابن عباس مرفوعًا، أخرجه ابن حبان والدارقطني وغيرهما، ورجال إسناده ثقات، إلا أن الحفاظ رجحوا إرساله، وأخرجه الترمذي، وفي سنده مقال، وهو حديث صالح للحجة في الجملة، وادعى الطحاوي أنه ناسخ لحديث الباب، وتعقب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، والجمع بين الحديثين ممكن، فقد جمع بينهما الشافعي وجماعة، بحمل النهي على ما إذا كان نسيئة من الجانبين، ويتعين المصير إلى ذلك، لأن الجمع بين الحديثين أولى من إلغاء أحدهما باتفاق، وإذا كان ذلك هو المراد من الحديث بقيت الدلالة على جواز استقراض الحيوان والسلم فيه.
واعتل من منع قرض شيء من الحيوان كذلك بأن الحيوان يختلف اختلافًا كبيرًا يمنع من الوقوف على حقيقة المثلية فيه، وأجيب بأنه لا مانع من الإحاطة به بالوصف، بما يدفع التغاير، وقد جوز الحنفية التزويج والكتابة على الرقيق الموصوف في الذمة، مع احتمال الاختلاف بين الوصف وبين الواقع.
وقد استشكل على حديث الباب، فقيل: كيف قضى من إبل الصدقة أجود من الذي يستحقه
стр. 3438
الغريم، مع أن الناظر على الصدقات لا يجوز له التبرع منها؟ وأجيب بأنه يحتمل أنه ﷺ اقترض لنفسه، فلما جاءت إبل الصدقة، وأعطى المستحقون إبلاً، اشترى من أحدهم بعيرًا رباعيًا، فملكه النبي ﷺ بثمنه، وأوفاه، متبرعًا بالزيادة من ماله، ويدل على هذا ما جاء في رواية أبي هريرة "أن النبي ﷺ قال: اشتروا له سنًا" قال النووي: فهذا هو الجواب المعتمد، وقد قيل فيه أجوبة أخرى، منها أن المقترض كان أحد المحتاجين، استقرض لنفسه من آخر، فلما جاءت إبل الصدقة أعطاه منها، وأمره بالقضاء، فلم يكن ﷺ طرفًا في الاستقراض والأداء. اهـ وهذا الرد غير مقبول لأن ألفاظ الحديث تبعد ذلك وبخاصة الرواية الثالثة فالجواب هو الأول.
-[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]-
١ - جواز المطالبة بالدين، إذا حل أجله.
٢ - وفيه حسن خلقه ﷺ ، وعظم حلمه وتواضعه وإنصافه.
٣ - وأن من عليه دين لا ينبغي له مجافاة صاحب الحق والإساءة إليه لمطالبته، فإن له مقالاً، لكن بالآداب الشرعية.
٤ - وأن من أساء الآداب على الإمام استحق التعزير بما يقتضيه الحال، إلا أن يعفو الإمام.
٥ - وفيه أن الاقتراض في الأمور المباحة لا يعاب، فكيف في البر والطاعة؟
٦ - وأن للإمام أن يقترض على بيت المال، لحاجة بعض المحتاجين، ليوفي ذلك من مال الصدقات.
٧ - وفيه حسن القضاء، وأنه يستحب لمن عليه الدين، من قرض وغيره أن يرد أجود من الذي عليه، وهذا من السنة ومكارم الأخلاق، وليس هو من قرض جر منفعة فهو منهي عنه، لأن المنهي عنه ما كان مشروطًا في عقد القرض، قال النووي: ومذهبنا أنه يستحب الزيادة في الأداء، عما عليه، ويجوز للمقرض أخذها، سواء زاد في الصفة، أو في العدد، بأن أقرضه عشرة، فأعطاه أحد عشرة، ومذهب مالك أن الزيادة في العدد منهي عنها، وحجة أصحابنا عموم قوله ﷺ "خيركم أحسنكم قضاء".
٨ - وفي هذه الأحاديث جواز السلف في الحيوان، وحكمه حكم القروض.
٩ - واستدل به الشافعي على جواز تعجيل الزكاة على أساس أن استقراضه ﷺ كان للمحتاجين مستحقي الزكاة، فأعطاهم من الزكاة عاجلة حتى جاءت إبل الصدقة.
واللَّه أعلم
стр. 3439
(٤٢٠) باب بيع الحيوان بالحيوان من جنسه متفاضلاً
٣٦٢٠ - عن جابر ﵁: قال جاء عبد فبايع النبي ﷺ على الهجرة ولم يشعر أنه عبد فجاء سيده يريده. فقال له النبي ﷺ "بعنيه" فاشتراه بعبدين أسودين. ثم لم يبايع أحدًا بعد حتى يسأله "أعبد هو؟ ".
-[المعنى العام]-
مازال الموضوع فيما يجوز بيعه، وما لا يجوز، ولما كنا في أبواب سابقة ذكرنا الربا في أصناف معينة الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح وكان الاختلاف بين العلماء في القياس على هذه الأصناف أو عدم القياس عليها، كان من تمام الموضوع النص على بيع الحيوان بالحيوان مقابضة، أو نسيئة، وهذا الحديث يصور قصة عبد أسلم، وسمع بالهجرة وبأجرها، فسافر من موطن سيده بدون علمه إلى المدينة، وطالب أن يبايع رسول الله ﷺ على الهجرة، وظن الرسول الكريم أنه حر، فبايعه، فلما علم سيده بهجرته جاء إلى رسول الله ﷺ يطلب رده. فاعتذر إلى سيده بأنه لم يكن يعلم أنه عبد، وإلا لما بايعه إلا بإذن سيده، وطلب أن يشتريه من سيده بعبدين أسودين، وقبل السيد ولم يعد ﷺ يبايع أحدًا حتى يتحقق منه، أعبد هو فلا يبايعه، إلا بإذن سيده، أم حر فيبايعه. ﷺ .
-[المباحث العربية]-
(على الهجرة) من مكة إلى المدينة، فقبل النبي ﷺ بيعته. فلا يصح رجوعه إلى دار الكفر.
(فجاء سيده) من موطنه إلى رسول الله ﷺ بالمدينة.
(أعبد هو؟ ) خبر مقدم ومبتدأ مؤخر، وفي بعض النسخ "أعبد هو أو حر"؟
-[فقه الحديث]-
لا يجوز بيع العبد المسلم لكافر. والحديث يفيد أن الرسول ﷺ باع الرجل عبدين أسودين، ولم يبين هل كانا مسلمين؟ أو كافرين، وهل السيد المشتري كان مسلمًا؟ أو كافرًا؟ فهذا الحديث محمول على أن السيد كان مسلمًا، أو أن العبدين الأسودين كانا كافرين.
стр. 3440
ولم يبين الحديث كيف ثبتت ملكية السيد للعبد المهاجر؟ والملكية تثبت بالبينة، أو بتصديق العبد للسيد قبل إقراره بالحرية، أو بهما معًا.
قال النووي: وجواز بيع عبد بعبدين، وبعير ببعيرين جائز مجمع عليه، إذا تم التقابض، ولم يكن أحدهما نسيئة إلى أجل، سواء كانت القيمة متفقة أو مختلفة. فإن باع عبدًا بعبدين، أو بعيرًا ببعيرين إلى أجل فمذهب الشافعي والجمهور جوازه، وقال أبو حنيفة: لا يجوز. اهـ. لكن الحافظ ابن حجر يقول: وشرط مالك أن يختلف الجنس، ومنع الكوفيون وأحمد مطلقًا، واحتج الجمهور بحديث عبد الله بن عمرو "أن النبي ﷺ أمره أن يجهز جيشًا" ... وفيه "فابتاع البعير بالبعيرين بأمر رسول الله ﷺ " أخرجه الدارقطني وغيره، وإسناده قوي. واحتج البخاري لهذا بأن ابن عمر اشترى راحلة بأربعة أبعرة، وبقول ابن عباس: قد يكون البعير خيرًا من البعيرين، وبأن رافع بن خديج اشترى بعيرًا ببعيرين فأعطاه أحدهما، وقال: آتيك بالآخر غدًا إن شاء الله. وبأن ابن المسيب قال: "لا ربا في الحيوان، البعير بالبعيرين, والشاة بالشاتين إلى أجل" اهـ.
وفي الحديث ما كان عليه ﷺ من مكارم الأخلاق والإحسان العام، فإنه كره أن يرد ذلك العبد خائبًا مما قصده من الهجرة، وملازمة الصحبة، فاشتراه ليحقق له ما أراد.
واللَّه أعلم
стр. 3441
(٤٢١) باب الرهن
٣٦٢١ - عن عائشة ﵂ قالت: اشترى رسول الله ﷺ من يهودي طعامًا بنسيئة فأعطاه درعًا له رهنًا.
٣٦٢٢ - عن عائشة ﵂ قالت: اشترى رسول الله ﷺ من يهودي طعامًا ورهنه درعًا من حديد.
٣٦٢٣ - عن الأعمش قال: ذكرنا الرهن في السلم عند إبراهيم النخعي. فقال: حدثنا الأسود بن يزيد عن عائشة أن رسول الله ﷺ اشترى من يهودي طعامًا إلى أجل. ورهنه درعًا له من حديد.
٣٦٢٤ - - عن عائشة، عن النبي ﷺ ، مثله. ولم يذكر: من حديد.
-[المعنى العام]-
غنم المسلمون من غزوة حنين وحدها من السبي ستة آلاف نفس، بين نساء وأطفال، ومن الإبل أكثر من أربعة وعشرين ألفًا، ومن الغنم أربعين ألفًا ولرسول الله ﷺ خمس هذه المغانم، بنص القرآن الكريم، أي كان له ألف ومائتا عبد، وخمسة آلاف بعير، وثمانية آلاف شاة من معركة واحدة، فأين ذهبت هذه الأموال، حتى يبيت جائعًا هو وأزواجه؟ وحتى يقول لخادمه أنس ﵁ ما أصبح ولا أمسي في بيوت محمد - وهي تسع بيوت - إلا صاع واحد من شعير، أربع حفنات من شعير في تسع بيوت، أين ذهبت هذه الأموال حتى اقترض ﷺ ثلاثين صاعًا شعيرًا من يهودي في المدينة، ورهن في مقابلها درعه؟ إعلان صارخ للعالم يقول: لم يكن محمد ﷺ يعيش لنفسه، بل لم يكن أزواجه ﵅ وقد قبلن هذه الحياة يعشن لأنفسهن، لقد قسم كل ما أعطاه الله على المسلمين، ألا فليسمع ملوك الأرض وحكامها أن محمدًا ﷺ مات ودرعه مرهونة عند يهودي في مقابل شعير يأكله هو وأهله، ولم يترك إلا سلاحه وبغلته، وسريرًا من جريد، ووسادة
стр. 3442
حشوها ليف، ليس من فقر ألم به، ولكن من كرم وجود، ورعايته لرعيته، ورأفة ورحمة بالمؤمنين. ﷺ .
-[المباحث العربية]-
(الرهن) بفتح الراء وسكون الهاء، في اللغة الاحتباس، ومنه قوله تعالى ﴿كل نفس بما كسبت رهينة﴾ [المدثر: ٣٨] وفي الشرع جعل مال وثيقة على دين، ويطلق أيضًا على العين المرهونة، تسمية للمفعول باسم المصدر.
ويجمع على رهان بكسر الراء، وعلى رهن بضم الراء والهاء.
(اشترى رسول اللَّه ﷺ من يهودي طعامًا بنسيئة) بفتح النون وكسر السين، أي بأجل، وقد بينت بعض روايات البخاري نوع الطعام بأنه الشعير، ولفظها "ولقد رهن رسول الله ﷺ درعه بشعير" وفي رواية له "ولقد رهن النبي ﷺ درعًا له بالمدينة عند يهودي، وأخذ منه شعيرًا لأهله" كما بينت بعض رواياته مقدار الشعير، ولفظها "توفي النبي ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين، يعني صاعًا من شعير" وأخرج أحمد وابن ماجه والطبراني والترمذي والنسائي أن مقدار الشعير كان عشرين، قال الحافظ ابن حجر: ولعله كان دون الثلاثين وفوق العشرين فجبر الكسر تارة، وألغى أخرى، كما بينت رواية عند ابن حبان أن قيمة هذا الشعير كانت دينارًا، وبينت رواية عند الشافعي والبيهقي اسم هذا اليهودي، ولفظها "أن النبي ﷺ رهن درعًا له عند أبي الشحم اليهودي، رجل من بني ظفر، في شعير" و"أبو الشحم" بفتح الشين وسكون الحاء، اسمه كنيته، و"ظفر" بفتح الظاء والفاء بطن من الأوس، وكان حليفًا لهم.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: في الحديث جواز الرهن في الحضر، وبه قال الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأحمد والعلماء كافة، إلا مجاهدًا [والضحاك، فيما نقله الطبري عنهما] فقالا: لا يجوز الرهن إلا في السفر، تعلقًا بقوله تعالى ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبًا فرهان مقبوضة﴾ [البقرة: ٢٨٣] وبه قال داود وأهل الظاهر، واحتج الجمهور لقولهم من حيث المعنى بأن الرهن شرع توثقة على الدين، لقوله تعالى ﴿فإن أمن بعضكم بعضًا﴾ [البقرة: ٢٨٣] فإنه يشير إلى أن المراد بالرهن الاستيثاق، وإنما قيده بالسفر لأنه مظنة فقد الكاتب، فأخرجه مخرج الغالب، واحتجوا بهذا الحديث، وهو مقدم على دليل خطاب الآية، وقال ابن حزم: إن شرط المرتهن الرهن في الحضر لم يكن له ذلك، وإن تبرع به الراهن جاز قال: وأما اشتراء النبي ﷺ الطعام من اليهودي، ورهنه عنده، دون أغنياء وميسوري الصحابة، فقيل: فعله لبيان جواز ذلك، وقيل: لأنه لم يكن هناك طعام فاضل عن حاجة صاحبه إلا عند اليهودي، وقيل: لأن الصحابة لا يأخذون رهنه ﷺ ، ولا يقبضون منه الثمن، فعدل إلى معاملة اليهودي، لئلا يضيق على أحد من أصحابه، والتعليل الأول أولى.
стр. 3443
-[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]-
١ - جواز معاملة أهل الذمة وغيرهم من الكفار، إذا لم يتحقق تحريم ما معه، لكن لا يجوز للمسلم أن يبيع أهل الحرب سلاحًا وآلة حرب، وما يستعينون به في إقامة دينهم.
٢ - وجواز معاملة من أكثر ماله حرام.
٣ - وثبوت أملاك أهل الذمة في أيديهم.
٤ - وجواز الشراء بالثمن المؤجل.
٥ - واتخاذ الدروع والعدد وغيرها من آلات الحرب، وأنه غير قادح في التوكل.
٦ - وأن أكثر قوت أهل ذلك العصر كان الشعير.
٧ - وفيه ما كان عليه ﷺ من التواضع والزهد في الدنيا، والتقلل منها مع قدرته عليها.
٨ - وما كان عليه من الكرم الذي أفضى به إلى عدم الادخار، حتى احتاج إلى رهن درعه.
٩ - وما كان عليه من الصبر على ضيق العيش، والقناعة باليسير.
١٠ - وفيه فضيلة لأزواجه ﵅ لصبرهن معه على ذلك.
١١ - وفيه أن حديث "نفس المؤمن معلقة بدينه، حتى يقضى عنه" محله نفس غير الأنبياء، فإنها لا تكون معلقة بدين، فهي خصوصية، وقد ذكر بعض العلماء أن أبا بكر أفتك الدرع، بعد النبي ﷺ ، وسلمها لعلي بن أبي طالب.
واللَّه أعلم
стр. 3444
(٤٢٢) باب السلم
٣٦٢٥ - عن ابن عباس ﵄ قال: قدم النبي ﷺ المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين. فقال "من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم".
٣٦٢٦ - عن ابن عباس ﵄ قال: قدم رسول الله ﷺ والناس يسلفون. فقال لهم رسول الله ﷺ "من أسلف فلا يسلف إلا في كيل معلوم، ووزن معلوم".
٣٦٢٧ - - وفي رواية عن ابن أبي نجيح، بهذا الإسناد، مثل حديث عبد الوارث. ولم يذكر "إلى أجل معلوم".
٣٦٢٨ - - وفي رواية عن ابن أبي نجيح، بإسنادهم. مثل حديث ابن عيينة. يذكر فيه "إلى أجل معلوم".
-[المعنى العام]-
علاقة السلم بكتاب البيع أنه شراء سلعة موصوفة في الذمة بثمن عاجل، وقد تناولت الأحاديث بيوعًا ممنوعة بعد أن كانت في الجاهلية سائدة منتشرة، وبيوعًا جائزة يظن أن تمنع، لكنها للحاجة إليها أجيزت مع ما فيها من غرر محتمل، وجهالة يغض الطرف عنها، لما تعود على المتعاملين بالفائدة، ولما يعود منعها بالضرر الذي لا يحتمل. من هذا النوع السلم، فكثيرًا ما يحتاج الناس شراء شيء ليس موجودًا في الحال في يد البائع، ولكنه محقق الوجود عنده غالبًا في وقت يتفق عليه الطرفان، وقد يكون من مصلحة البائع تسويق بضاعة قبل حيازته لها صالحة للبيع، كالثياب قبل نسيجها، والبترول قبل استخراجه، ويكون من مصلحة المشتري الاطمئنان على وصول السلعة عند الحاجة إليها، وقد يستغرق وصولها أيامًا وشهورًا، من هنا أجاز الشارع بيع الشيء الموصوف في
стр. 3445
الذمة المقدور على تسليمه، بشرط أن يكون معلوم الكيل إذا كان مكيلاً، معلوم الوزن إذا كان موزونًا، معلوم العد إذا كان معدودًا، معلوم المقياس إذا كان مقيسًا، وبصفة عامة معلوم المقدار، وأن يكون أجل التسليم معلومًا.
-[المباحث العربية]-
(السلم) بفتح السين واللام، هو السلف، وزنًا ومعنى، وذكر الماوردي أن السلف لغة أهل العراق، والسلم لغة أهل الحجاز، وقيل: السلف تقديم رأس المال، والسلم تسليمه في المجلس، فالسلف أعم.
والسلم شرعًا: بيع موصوف في الذمة وقيل: عقد على موصوف في الذمة ببذل يعطى عاجلاً، وبعضهم يقيد التعريف بلفظ السلم، وذكروا في تعريفه عبارات أخرى.
(قدم النبي ﷺ المدينة) أي مهاجرًا. وفي الرواية الثانية بدون ذكر المدينة، وهي مقصودة.
(وهم يسلفون في الثمار) الضمير لأهل المدينة، وفي الرواية الثانية "والناس يسلفون" فأل في الناس للعهد، أي ناس المدينة وفي الرواية الثانية بدون "في الثمار" وذكرها ليس قيدًا، فقد كانوا يسلفون في الثياب والحيوان.
(السنة والسنتين) أي إلى أجل، وعند البخاري "لعام ولعامين" أو قال "عامين أو ثلاثة" وفي رواية "السنتين والثلاثة" وقوله "السنة والسنتين" منصوب، إما على نزع الخافض، أي إلى السنة، وإلى السنتين، أو على المصدر أي إسلاف السنة، فالإسلاف مصدر منصوب، فلما حذف قام المضاف إليه مقامه.
(من أسلف في تمر) وفي رواية "من سلف" بتشديد اللام، وفي بعض النسخ "تمر" بالتاء، وفي بعضها "ثمر" بالثاء، وهو أعم، وفي رواية للبخاري "من أسلف في شيء" وهي أشمل، وفي روايتنا الثانية "من أسلف".
(في كيل معلوم، ووزن معلوم) الواو بمعنى "أو" والمراد اعتبار الكيل فيما يكال، والوزن فيما يوزن، ويلحق بهما العدد فيما يعد، والقياس فيما يقاس بالأذرع ونحوها، لأن القصد عدم الجهالة بالمقدار.
ويشترط في كل ذلك تحديد نوع الكيل والوزن والقياس، لاختلافها باختلاف الأماكن.
-[فقه الحديث]-
قال الحافظ ابن حجر: واتفق العلماء على مشروعيته، إلا ما حكي عن ابن المسيب. اهـ.
وقال النووي: وأجمع المسلمون على جواز السلم. اهـ. أي السلم المؤجل.
стр. 3446
واختلفوا في بعض شروطه، واتفقوا على أنه يشترط له ما يشترط للبيع.
واختلفوا هل هو عقد غرر، جوز للحاجة؟ أم لا؟
واختلفوا في جواز السلم الحال، مع إجماعهم على جواز المؤجل، فجوزه الشافعي وآخرون، ومنعه مالك وأبو حنيفة وآخرون، واستدلوا بقوله ﷺ "إلى أجل معلوم" فالأجل المعلوم شرط صحة، كالكيل المعلوم، والوزن المعلوم، وقال الشافعية: إذا جاز السلم مع الأجل، وفيه من الغرر ما فيه، فمع الحال أولى، لكونه أبعد عن الغرر، وحملوا الأمر في قوله: "فليسلف إلى أجل معلوم" على العلم بالأجل إذا كان هناك أجل، لا على أنه يشترط الأجل، فالشرط العلم، وليس الأجل، والمعنى: من أسلم إلى أجل فليسلم إلى أجل معلوم، لا مجهول. وهذا هو المراد من قوله: "في كيل معلوم" أي إن كان هناك كيل فليسلم في كيل معلوم، وإن كان هناك وزن فليسلم في وزن معلوم، فالكيل ليس بشرط، والوزن ليس بشرط، إذ يجوز السلم في الثياب بالذرع والقياس.
ثم اختلفوا في المراد بالأجل المعلوم، هل يلزم تحديده باليوم والشهر مثلاً؟ أو يكفي وصفه التقريبي؟ ذهب بعض العلماء إلى الأول، واعتمدوا على قول ابن عباس: لا تسلف إلى العطاء - أي إلى يوم وصول العطاء من الأمير - ولا إلى الحصاد، واضرب أجلاً. اهـ. فهم يشترطون تعيين الأجل بشيء لا يختلف، فإن خروج العطاء قد يختلف ولو بيوم، وكذلك الحصاد، وقدوم الحاج، وأجاز ذلك مالك وأبو ثور، واختار ابن خزيمة من الشافعية توسيع الأجل، فأجاز تأقيته إلى ميسرة.
واختلفوا: هل يشترط قبض المال المبذول في مجلس العقد؟ أو يجوز التفرق قبل القبض؟ قال مالك: يجوز التفرق في السلم قبل القبض، إن كان بغير شرط، لأنه لم يذكر في الحديث، وقال الشافعي والكوفيون: يفسد بالافتراق قبل القبض، لأنه يصير من باب بيع الدين بالدين.
واختلفوا: هل يشترط في السلم تحديد مكان القبض؟ قال أحمد وإسحق وأبو ثور: يصح السلم إذا لم يذكر مكان القبض، لأنه لم يشترط في الحديث، وزاد مالك: ويقبضه في مكان السلم، وقال الثوري وأبو حنيفة والشافعي: لا يجوز السلم فيما له حمل ومؤنة إلا أن يشترط في تسليمه مكانًا معلومًا.
واختلفوا: هل يجوز السلم إلى من ليس عنده أصل مما أسلم فيه؟ على معنى هل يصح السلم في قمح لمن لا يزرع ولا يتاجر في القمح، وفي العنب إلى من لا يملك شجرة عنب؟ الجمهور على جوازه، فالحديث لا يشترط ذلك، وقد روى البخاري عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: "كان أصحاب النبي ﷺ في عهد النبي ﷺ يسلفون في الحنطة ... فقيل له: إلى من كان أصله عنده؟ قال: ما كنا نسألهم عن ذلك" وعن عبد الرحمن بن أبزى "كان أصحاب النبي ﷺ يسلفون على عهد النبي ﷺ ولم نسألهم: ألهم حرث أم لا"؟ فاستفيد الحكم من عدم الاستفصال، وتقرير النبي ﷺ على ذلك.
واختلفوا: هل يجوز السلم في الموزون كيلاً؟ قال النووي: يجوز السلم في المكيل وزنًا بلا خلاف، وفي جواز السلم في الموزون كيلاً وجهان، لأصحابنا، أصحهما جوازه، كعكسه. اهـ. ولعل من منع يرى أن وزن المكيل يعطي دقة أكثر، أما كيل الموزون فهو أقل دقة، والحق أن الجواز ليس على الإطلاق،
стр. 3447
بل الجواز حيث يكون الكيل ضابطاً كالوزن، والمنع حيث يكون الكيل غير ضابط، فالبرتقال مثلاً، كيله لا يضبطه، والمعدود كالبيض، يكفى فيه العد، إلا أن يتفاوت تفاوتًا يقتضي اختلاف الثمن.
واختلفوا: في السلم في الحيوان، ذكر البخاري معلقًا عن الحسن البصري أنه كان لا يرى بأسًا بالسلف في الحيوان، إذا كان شيئًا معلومًا إلى أجل معلوم، وقال ابن حزم: لا يجوز السلم إلا في مكيل أو موزون، ولا يجوز في مزروع ولا معدود ولا شيء غير ما ذكر في النص.
واللَّه أعلم
стр. 3448
(٤٢٣) باب تحريم الاحتكار في الأقوات
٣٦٢٩ - عن معمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من احتكر فهو خاطئ" فقيل لسعيد فإنك تحتكر؟ قال سعيد: إن معمرًا الذي كان يحدث هذا الحديث كان يحتكر.
٣٦٣٠ - عن معمر بن عبد الله ﵁ عن رسول الله ﷺ قال "لا يحتكر إلا خاطئ".
-[المعنى العام]-
الإسلام دين المحبة والتعاون والإيثار، يدعو إلى كل ما يحقق ذلك، ويحرم كل ما يؤدي إلى نقيض ذلك، يحذر من كل ما يبعث الشقاق والتقاطع، ويمنع استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، واستغلال حاجة المحتاج، والإثراء على حساب المضطرين، وأصعب ما لا يستغني عنه الإنسان القوت والطعام، من هنا يحرم الإسلام احتكاره واحتباسه عن المحتاجين، لإذلالهم وإخضاعهم، أو للثراء على حساب حاجتهم وشدتهم، فإن الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن شق على الناس شق الله عليه، ويقول ﷺ "الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون" أخرجه ابن ماجه والحاكم ويقول "من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالجذام والإفلاس" ويقول "من احتكر حكرة، يريد أن يغالي بها على المسلمين فهو خاطئ".
-[المباحث العربية]-
(من احتكر فهو خاطئ) يقال: حكر من باب فرح، فهو حكر، كفرح، والاسم الحكرة، بضم الحاء وسكون الكاف، وكذلك الحكر، وأصل الحكرة الجمع والإمساك، والمراد منها هنا حبس السلعة عن البيع، وقال الكرماني: الحكرة احتكار الطعام، أي حبسه يتربص به الغلاء، واشترط الفقهاء لها
стр. 3449
شروطا. "والخطأ" كما يقول أهل اللغة بفتح الخاء والطاء، والخطء بفتح الخاء وسكون الطاء ضد الصواب، وخطئ الرجل يخطأ، من باب فرح أذنب، وتعمد الذنب، أما أخطأ فيقال لمن سلك سبيلاً خطأ، عامداً، أو غير عامد، وقيل: المخطئ من أراد الصواب فصار إلى غيره، والخاطئ من تعمد غير الصواب، وقال أبو عبيد: خطئ خطأ من باب علم، وأخطأ، بمعنى واحد، لمن يذنب على غير عمد.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: هذا الحديث صريح في تحريم الاحتكار، قال أصحابنا: الاحتكار المحرم هو الاحتكار في الأقوات خاصة، وهو أن يشتري الطعام في وقت الغلاء، للتجارة، ولا يبيعه في الحال، بل يدخره، ليغلو ثمنه، فأما إذا جاءه من أرضه، أو اشتراه في وقت الرخص وادخره، أو ابتاعه في وقت الغلاء لحاجته إلى أكله، أو ابتاعه ليبيعه في وقته، فليس باحتكار، ولا تحريم فيه، وأما غير الأقوات فلا يحرم الاحتكار فيه بكل حال. هذا تفصيل مذهبنا. قال العلماء: والحكمة في تحريم الاحتكار دفع الضرر عن عامة الناس، كما أجمع العلماء على أنه لو كان عند إنسان طعام، واضطر الناس إليه، ولم يجدوا غيره أجبر على بيعه، دفعاً للضرر عن الناس.
ثم قال: وأما ما ذكر عن سعيد بن المسيب ومعمر راوي الحديث أنهما كانا يحتكران، فقال ابن عبد البر وآخرون: إنما كانا يحتكران الزيت، وحملاً الحديث على احتكار الأقوات عند الحاجة إليها والغلاء، وكذا حمله الشافعي وأبو حنيفة وآخرون، وهو صحيح.
والله أعلم
стр. 3450
(٤٢٤) باب النهي عن الحلف في البيع
٣٦٣١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول "الحلف منفقة للسلعة ممحقة للربح".
٣٦٣٢ - عن أبي قتادة الأنصاري ﵁: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول "إياكم وكثرة الحلف في البيع فإنه ينفق ثم يمحق".
-[المعنى العام]-
يقول اللَّه تعالى: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلاً أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم﴾ [آل عمران: ٧٧] وفي سبب نزول هذه الآية يقول عبد الله بن أبي أوفى: إن رجلاً أقام سلعة، وهو في السوق، فحلف بالله لقد أعطى بها ما لم يعط، ليوقع فيها رجلاً من المسلمين، فنزلت. ويقول ﷺ "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم. رجل على فضل ماء بالطريق، يمنع منه ابن السبيل، ورجل بايع إمامًا، لا يبايعه إلا لدنياه، فإن أعطاه ما يريد وفى له، وإلا لم يف له، ورجل بايع رجلاً بسلعة بعد العصر، فحلف بالله لقد أعطى بها كذا وكذا، فصدقه فأخذها، ولم يعط بها" ويقول ﷺ "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة: المنان الذي لا يعطي شيئًا إلا منه، والمنفق سلعته بالحلف الفاجر، والمسبل إزاره".
-[المباحث العربية]-
(الحلف) بفتح الحاء وكسر اللام، وعن ابن فارس: بسكون اللام أيضًا والمراد به اليمين الكاذبة.
(منفقة للسلعة، ممحقة للريح) "منفقة" بفتح الميم وسكون النون وفتح الفاء والقاف، على وزن مفعلة، بلفظ اسم المكان، من نفق المبيع إذا راج، ضد كسد. و"ممحقة" على الوزن نفسه، من المحق، وهو النقص، ونقص الربح مراد به نفص البركة، والمعنى أن الحلف الكاذب في البيع وإن روج السلعة، وزاد في المال صورة، فإنه يمحق البركة، ومحق البركة يفضي إلى اضمحلال العدد في الدنيا غالبًا.
стр. 3451
(إياكم وكثرة الحلف) "إياكم" أصلها أي باعدوا أنفسكم، فحذف الفعل والفاعل والمفعول لكثرة الاستعمال، فانفصل الضمير فقيل: إياكم، "وكثرة الحلف" معطوف عليه، ويعرف هذا في النحو بالتحذير.
(فإنه ينفق، ثم يمحق) يقال: نفقت السلعة، تنفق بفتح التاء وسكون النون وضم الفاء، وأنفق الحلف السلعة، ينفقها بضم الياء وسكون النون وكسر الفاء، أي يروجها، ويرغب فيها. ويقال: محق الحلف السلعة يمحقها بفتح الحاء ثلاثي أي يهلكها.
-[فقه الحديث]-
الحلف صادقًا من غير حاجة مكروه، والكذب في البيع بدون الحلف حرام، ما حق لبركة البيع، مصداقًا لقوله ﷺ "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما" فالحلف مع الكذب لترويج السلعة وتغرير المشتري يتضمن ثلاثة جرائم. الكذب، وتأكيده بالحلف، والإضرار بالمسلم، وللحلف في البيع صور، أن يحلف البائع أنه أعطى - بفتح الهمزة - أي دفع في السلعة كذا وهو لم يدفع، أو يحلف أنه أعطى - بضم الهمزة - أي عرض عليه ثمنًا لها كذا وهو لم يعرض عليه ذلك، أو يحلف المشتري أنه اشترى أو عرض عليه مثلها بأنقص، أو أحسن منها بهذا الثمن، وهو كاذب، وكل ذلك الحلف إن أدى إلى زيادة المكسب بائعًا أو مشتريًا نتيجته المحق والخسارة في الدنيا والآخرة.
واللَّه أعلم
стр. 3452
(٤٢٥) باب الشفعة
٣٦٣٣ - عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من كان له شريك في ربعة أو نخل فليس له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن رضي أخذ وإن كره ترك".
٣٦٣٤ - عن جابر ﵁ قال: قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل شركة لم تقسم ربعة أو حائط لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن شاء أخذ وإن شاء ترك فإذا باع ولم يؤذنه فهو أحق به.
٣٦٣٥ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "الشفعة في كل شرك في أرض أو ربع أو حائط لا يصلح أن يبيع حتى يعرض على شريكه فيأخذ أو يدع فإن أبى فشريكه أحق به حتى يؤذنه".
-[المعنى العام]-
لا ضرر ولا ضرار، وكل ما يحمي التعامل من ضرر الآخرين مطلوب ومشروع، ومما يقع به الضرر بين الشريكين في أرض أو بيت أو حديقة على المشاع أن يبيع أحدهما نصيبه لأجنبي، نعم يكون في ذلك ضرر للشريك الآخر غالبًا، لأن الإنسان قد يستريح لشركة إنسان، ولا يقبل شركة الآخر، لكن هل يمنع المالك من التصرف في ملكه؟ ويمنع الشريك من بيع نصيبه؟ ليس من الحق والإنصاف ذلك، وكل ما عليه أن يستأذنه شريكه في ذلك، وللشريك في هذه الحالة أن يختار بين أربعة أمور. الأول: أن يبيع هو الآخر نصيبه، ويتفق الشريكان على بيع العقار كله دفعة واحدة. الثاني: أن يقسما العقار، ويقيما بينهما الحدود، ويبيع من أراد البيع، ويستقل من لا يريد. الثالث: أن يقبل الشريك الجديد بدلاً من الشريك الأول. الرابع: وهو المقصود هنا أن يأخذ نصيب شريكه، ويضمه إلى نصيبه، بقوة الشرع، ولو لم يرغب البائع، على أن يدفع الثمن نفسه الذي يدفعه المشتري، وهذا هو المعروف شرعًا بالشفعة، التي شرعها الله لعباده حتى يحمي البعض من أضرار البعض الآخر في المشاركات، فعلى الشريك الذي يرغب في بيع نصيبه في شركة مشاعة أن يستأذن شريكه في هذا البيع، ولا يحل له أن يبيع حتى يعلم شريكه، فإن رغب في أخذ هذا النصيب أخذ، وإلا فلا يعترض، وعليه أن يترك، بهذا لا ضرر ولا ضرار.
стр. 3453
-[المباحث العربية]-
(الشفعة) بضم الشين، وسكون الفاء، من شفعت الشيء إذا ضممته وثنيته، ومنه شفع الأذان، وسميت شفعة لضم نصيب إلى نصيب. وبعضهم يضم الفاء، والصواب الإسكان.
قال ابن حزم: لفظة الشفعة لفظة شرعية، لم تعرف العرب معناها قبل رسول الله ﷺ ، كما لم يعرفوا معنى الصلاة والزكاة ونحوهما، حتى بينها الشارع، وقال الكرماني: الشفعة في الاصطلاح تملك قهري في العقار بعوض يثبت على الشريك القديم للحادث، وقيل: هي تملك العقار على مشتريه جبرًا بمثل ثمنه، وقال الحنفية: الشفعة تملك البقعة جبرًا على المشتري بما قام عليه، وقيل: هي ضم بقعة مشتراة إلى عقار الشفيع بسبب الشركة أو الجوار، قال العيني: وهذا أحسن.
(من كان له شريك في ربعة) بفتح الراء وسكون الباء، وهي الدار والمسكن، ومطلق الأرض، وكذا الربع، وأصله المنزل الذي كانوا يرتبعون فيه، والربعة تأنيث الربع، وقيل: الربعة واحدة الربع، كالتمرة واحدة التمر.
(حتى يؤذن شريكه) "يؤذن" بضم الياء وسكون الهمزة وكسر الذال مضارع آذن، أي حتى يعلم شريكه.
(فإن باع ولم يؤذنه فهو أحق به) أي إذا باع الشريك، ولم يعلم شريكه، فالشريك أحق بالمبيع من المشتري.
وفي الرواية الثالثة "لا يصلح أن يبيع حتى يعرض على شريكه، فيأخذ" هذا الشريك المبيع "أو يدع، فإن أبى" البائع أن يؤذن شريكه "فشريكه أحق به" أي بالبيع "حتى يؤذنه".
-[فقه الحديث]-
هناك مسائل في الشفعة يختلف عليها الفقهاء بعد إجماع المسلمين على ثبوت الشفعة في العقار ما لم يقسم، وشذ أبو بكر الأصم فأنكرها مطلقًا.
قالوا: والحكمة في ثبوت الشفعة إزالة الضرر عمن له حق الشفعة، ومن المسائل المختلف فيها:
١ - لمن تثبت الشفعة؟ لا خلاف في ثبوتها للشريك المقيم في البلد، المسلم مع المسلم، أما الشريك الأعرابي فقد أثبتها له الشافعي والثوري وأبو حنيفة وأحمد وإسحق وابن المنذر والجمهور، وقال الشعبي: لا شفعة لمن لا يسكن بالمصر، والحديث مع الجمهور، لأنه عام يشمل الأعرابي وغيره.
وأما الشريك المسلم مع الذمي، والذمي مع المسلم فقد قال الشافعي ومالك وأبو حنيفة والجمهور: تثبت الشفعة للذمي على المسلم، كما تثبت للمسلم على الذمي، والحديث عام يشمل المسلم والكافر، وقال الشعبي والحسن وأحمد: لا شفعة للذمي على المسلم.
وأما الجار غير الشريك فمذهب الشافعي ومالك وأحمد وجماهير العلماء أن الشفعة لا تثبت بالجوار، وحكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وسعيد، وجماهير الصحابة والتابعين، وصريح الأحاديث معهم.
стр. 3454
وذهب أبو حنيفة والثوري إلى أنها تثبت للجار الملاصق، عملاً بهذا الحديث وبأحاديث الوصية بالجار، وبحديث "جار الدار أحق بالدار" أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن، وحديث "جار الدار أحق بشفعة الدار" أخرجه أحمد والطبراني وابن أبي شيبة، وحديث "الجار أحق بسقبه" عن أبي رافع في قصة ذكرها البخاري، والسقب بالسين وبالصاد ما قرب من الدار، والجمهور يضعف بعض هذه الأحاديث، ويؤولها على فرض صحتها بأن المراد بالجار فيها الجار الشريك جمعًا بين الأحاديث.
ويدافع الحنفية عن حديث الباب بأن الشريك يسمى جارًا، لما بينهما من الاختلاط في الشركة، ويرد الجمهور بأن للشريك مفهومًا يغاير مفهوم الجار، فلا يراد أحدهما من لفظ الآخر.
وتثبت الشفعة للشريك الحاضر والغائب، ومنع الشعبي الشفعة للغائب.
وتثبت للصغير والكبير، وقال ابن أبي ليلى: لا شفعة لصغير.
ولا تباع الشفعة ولا توهب ولا تعار.
ولا تورث عند الثوري وأبي حنيفة وأحمد وإسحق، وقال مالك والشافعي: تورث، فمذهب أبي حنيفة أن الشفعة تبطل بموت الشفيع قبل الأخذ، بعد الطلب أو قبله، فلا تورث عنه، والجمهور على خلافه، لأن الوارث يقوم مقام المورث في التضرر.
٢ - فيم تثبت الشفعة؟ ولا خلاف في ثبوتها في العقار الذي يقبل القسمة، قبل القسمة، كالأرض والبيت والحديقة، بخلاف الحمام الصغير فلا تثبت فيه الشفعة عن الشافعية، ولا شفعة في الحيوان والثياب والأمتعة وسائر المنقولات عند الجمهور، وعند أحمد رواية أنها تثبت في الحيوان. قال القاضي: وشذ بعض الناس، فأثبت الشفعة في العروض، وفي رواية عن عطاء أنها تثبت في كل شيء، وهو رواية عن مالك، ومعنى ثبوتها في العقار قبل القسمة أنه لو قسم العقار بين الشريكين وتحددت الحدود صار كل من الشريكين جارًا للآخر، فلا شفعة إلا عند من يقول بثبوتها للجار.
٣ - واختلفوا فيما لو أعلم شريكه بالبيع، فأذن فيه، فباع، ثم أراد الشفيع أن يأخذ بالشفعة، فقال الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأصحابهم: له أن يأخذ بالشفعة، وقال الحكم والثوري وطائفة من أهل الحديث: ليس له الأخذ، وعن أحمد روايتان، واختلفوا فيما لو باع بدون إعلام شريكه، هل يبطل بيعه؟ أو يحرم؟ الشافعية على أن لفظ "لا يحل" هنا محمول على الندب إلى إعلامه، وكراهة بيعه قبل إعلامه كراهة تنزيه، وليس بحرام، ويتأولون الحديث على هذا، إذ يصدق على المكروه أنه ليس بحلال، ويكون الحلال بمعنى المباح، وهو مستوي الطرفين، والمكروه ليس بمباح مستوي الطرفين، بل هو راجح الترك.
والله أعلم
стр. 3455
(٤٢٦) باب غرز الخشبة في جدار الجار
٣٦٣٦ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره" قال: ثم يقول أبو هريرة: ما لي أراكم عنها معرضين والله لأرمين بها بين أكتافكم.
-[المعنى العام]-
كانت جدر البيوت سميكة، وفي بنائها مشقة وتكلفة على كثيرين، لا يطيقونها، مع الحاجة إليها لوضع السقف عليها، واستخدام جدار بيت الجار في أن يوضع عليه جذع جاره لا يضره، بل يفيده غالبًا، ويقوي جداره، ويربطه بجدار آخر، على أن يكون الغرز لا يضر بمالك الجدار، في هذه الحالة يكون الإذن بغرز الخشبة مكرمة وتعاونًا ومساعدة دون كلفة أو ضرر. وكلما كان المسلمون عاملين بذلك كان التآلف والتكافل والتواد قائمًا بينهم، وكلما عز أو انعدم وجود هذا التعاون كان دليلاً على ضعف إيمانهم، مصداقًا لقوله ﷺ "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، ﴿ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾ [الحشر: ٩].
-[المباحث العربية]-
(لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة) قال القاضي: رويناه في صحيح مسلم وغيره من الأصول والمصنفات بالإفراد "خشبة" وبالجمع المضاف إلى الضمير "خشبه".
(ما لي أراكم عنها معرضين) أي معرضين عن هذه السنة، غير عاملين بها؟ أو معرضين عن كلماتي هذه وعظاتي، غير مهتمين بها؟ والخطاب من أبي هريرة لمن معه من الصحابة والتابعين. وفي رواية أبي داود "فنكسوا رءوسهم فقال: "ما لي أراكم أعرضتم" مما يرشح المعنى الثاني.
(والله لأرمين بها بين أكتافكم) هو بالتاء، أي بينكم، وقد رواه بعض رواة الموطأ "أكنافكم" بالنون، والكنف الجانب، فمعناه أيضا بينكم، والمعنى إني أصرح بها بينكم، وأوجعكم بالتقريع، وألزمكم الحجة.
стр. 3456
-[فقه الحديث]-
قال النووي: اختلف العلماء في معنى هذا الحديث. هل هو على الندب إلى تمكين الجار من وضع الخشب على جدار جاره؟ أم على الإيجاب، وفيه قولان للشافعي وأصحاب مالك، أصحهما في المذهبين الندب، وبه قال أبو حنيفة والكوفيون، والثاني الإيجاب، وبه قال أحمد وأبو ثور وأصحاب الحديث، وهو ظاهر الحديث، ومن قال بالندب قال: ظاهر الحديث أنهم توقفوا عن العمل، فلهذا قال: ما لي أراكم عنها معرضين؟ وهذا يدل على أنهم فهموا منه الندب، لا الإيجاب، ولو كان واجبًا لما أطبقوا على الإعراض عنه. اهـ. وكان أبو هريرة يلي إمرة المدينة في ذلك الوقت، نيابة عن مروان.
ويستند القائلون بالندب إلى الأحاديث الدالة على تحريم مال المسلم إلا برضاه، ولو أنه للوجوب لما جهل الصحابة تأويله، ولما أعرضوا عن أبي هريرة حين حدثهم به.
واستند القائلون بالوجوب إلى أن عمر قضى به، ولم يخالفه أحد من عصره.
قال الحافظ ابن حجر: ومحل الوجوب عند من قال به أن يحتاج إليه الجار، ولا يضع على الجدار ما يتضرر به المالك، ولا فرق بين أن يحتاج في وضع الجذع إلى نقب الجدار أولا، لأن رأس الجذع يسد المنفتح، ويقوي الجدار. اهـ.
واللَّه أعلم
стр. 3457
(٤٢٧) باب تحريم الظلم وغصب الأرض
٣٦٣٧ - عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "من اقتطع شبرًا من الأرض ظلمًا طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع أرضين".
٣٦٣٨ - عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ﵁: أن أروى خاصمته في بعض داره. فقال: دعوها وإياها فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول "من أخذ شبرًا من الأرض بغير حقه طوقه في سبع أرضين يوم القيامة" اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها واجعل قبرها في دارها. قال: فرأيتها عمياء تلتمس الجدر تقول أصابتني دعوة سعيد بن زيد فبينما هي تمشي في الدار مرت على بئر في الدار فوقعت فيها فكانت قبرها.
٣٦٣٩ - عن هشام بن عروة عن أبيه: أن أروى بنت أويس ادعت على سعيد بن زيد أنه أخذ شيئًا من أرضها فخاصمته إلى مروان بن الحكم. فقال سعيد: أنا كنت آخذ من أرضها شيئًا بعد الذي سمعت من رسول الله ﷺ ؟ ! قال: وما سمعت من رسول الله ﷺ ؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول "من أخذ شبرًا من الأرض ظلمًا طوقه إلى سبع أرضين" فقال له مروان: لا أسألك بينة بعد هذا. فقال: اللهم إن كانت كاذبة فعم بصرها واقتلها في أرضها. قال: فما ماتت حتى ذهب بصرها ثم بينا هي تمشي في أرضها إذ وقعت في حفرة فماتت.
٣٦٤٠ - عن سعيد بن زيد ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول "من أخذ شبرًا من الأرض ظلمًا فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين".
٣٦٤١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لا يأخذ أحد شبرًا من الأرض بغير حقه إلا طوقه الله إلى سبع أرضين يوم القيامة".
стр. 3458
٣٦٤٢ - عن أبي سلمة وكان بينه وبين قومه خصومة في أرض وأنه دخل على عائشة فذكر ذلك لها. فقالت: يا أبا سلمة اجتنب الأرض فإن رسول الله ﷺ قال "من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين".
٣٦٤٣ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال "إذا اختلفتم في الطريق جعل عرضه سبع أذرع".
-[المعنى العام]-
الظلم ظلمات، ظلمات في الدنيا، وظلمات في الآخرة، أما في الدنيا فإن الظالم مبغض من الناس، ملعون منهم فيما بينهم وبين أنفسهم، وإن خافوه وجاملوه ونافقوه، وقد يعاقبه الله في الدنيا بمصائبها بما كسبت يداه، فيشمت فيه الناس، وقد تصيبه دعوة المظلوم، فينكشف أمره، ويفرح فيه عدوه، وقصة هذا الحديث عبرة لأولي الألباب، فسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل الصحابي الجليل، أحد العشرة المبشرين بالجنة، له أرض بجوار داره، كفناء لها دون سور، ولأروى بنت أويس دار بجواره، يلتقي فناؤه بفنائها، دون سور، وقد حفرت أروى في الحد ودفنت ضفيرة شعر من شعرها، كعلامة، لكنها ضاعت عنها، فادعت - حين بنى سعيد سورًا - أن سعيدًا اقتطع من أرضها، وأرسلت إليه رجلين تطالبه، ورفعت شكوى بذلك إلى مروان بن الحكم، وإلى المدينة، فقال سعيد: كيف أظلمها وأستولي على أرضها وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أخذ شبرًا من الأرض ظلمًا طوقه يوم القيامة من سبع أرضين"؟ قال له مروان: صدقتك تصديقًا لا يحتاج إلى شهود، قال سعيد: وأنا لن آخذ ما تدعيه، وسأتركه لها، فتأخذه وهي تأخذ قطعة من النار، ثم قال: اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها، وأمتها مقتولة في دارها، فما لبثت دعوة سعيد أن أجيبت، وعميت المرأة، وسقطت في بئر في بيتها، فماتت، وأصبحت مثلاً للظالمين، وأصبح أهل المدينة إذا دعوا على أحد قالوا: أعماه الله كعمى أروى.
-[المباحث العربية]-
(سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل) القرشي، أحد العشرة المبشرين بالجنة، أسلم قديمًا، وكان مجاب الدعوة.
стр. 3459
(من اقتطع شبرًا من الأرض ظلمًا) وفي الرواية الثانية "من أخذ شبرًا من الأرض بغير حقه" وفي الرواية الثالثة "من أخذ شبرًا من الأرض ظلمًا" وفي الرواية السادسة "من ظلم قيد شبر من الأرض" والشبر في هذه الأحاديث ليس مقصودًا كمقدار، بل المقصود التقليل، فيشمل ما فوقه وما دونه، ولفظ "قيد شبر" بكسر القاف وسكون الياء، ومعناه قدر شبر.
(طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع أرضين) في الرواية الثانية "طوقه - بالبناء للمجهول - في سبع أرضين يوم القيامة" وفي هذه الرواية الثالثة "طوقه إلى سبع أرضين" قال أهل اللغة: الأرضون بفتح الراء، وفيها لغة قليلة بإسكانها. وفي معنى تطويقه إياه من سبع أرضين قال العلماء أقوالاً: منها أن معناه أنه يكلف حمل وإطاقة تراب ما ظلم، بعد أن يعمق هذا المقدار إلى سبع طبقات من الأرض، على معنى أنه إذا غصب مترًا مربعًا من سطح الأرض من طبقتها العليا كلف أن يحمل سبعة أمتار مكعبة يوم القيامة في أرض المحشر، كالذي يغل من الغنيمة بعيرًا يكلف أن يحمله على رقبته يوم القيامة، فمعنى "طوقه" كلف إطاقته. وقيل: يجعل هذا المقدار طوقًا يلف حول عنقه يوم القيامة، من قبيل قوله تعالى ﴿سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة﴾ [آل عمران: ١٨٠].
قال النووي: ويطول الله عنقه، كما جاء في غلظ جلد الكافر، وعظم ضرسه. وقيل: كلف أن يحفر هذا المقدار في أرض يوم القيامة، يتعمق في حفرته أعماقًا كثيرة، أي كلف هذا العمل، وفي تهذيب الطبري ما يصحح هذا القول، ولفظه عن رسول الله ﷺ أنه قال: "أيما رجل ظلم شبرًا من الأرض كلفه الله أن يحفره، حتى يبلغ سبع أرضين، ثم يطوقه - أي يكلف إطاقته - يوم القيامة، حتى يقضى بين الناس" وقيل: معناه طوقه، وجعل هذا المقدار من الأرض كالطوق يحيط به ويهبط به إلى سبع أرضين، ويؤيد هذا المعنى رواية للبخاري، ولفظها "خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين" وقيل: يطوق إثم هذا الغصب، وهو إثم كبير، ويلزمه هذا الإثم، كلزوم الطوق بعنقه، ويبعد هذا المعنى ذكر "سبع أرضين" وسيأتي في فقه الحديث الكلام عن الأرضين السبع، لكن يحتمل هنا في هذ الحديث أن المراد بالسبع التكثير، وليس حقيقة العدد، فقد قالوا: أن السبعة يقصد بها الكثرة في الآحاد، والسبعين يراد بها الكثرة في العشرات، والسبعمائة يراد بها الكثرة في المئات، كما في قوله تعالى ﴿ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر﴾ [لقمان: ٢٧] وقوله ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ [التوبة: ٨٠] وقوله ﴿كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة﴾ [البقرة: ٢٦١].
(عن سعيد بن زيد بن عمرو نفيل أن أروى خاصمته في بعض داره) "أروى" بفتح الهمزة وسكون الراء، مقصور، وفي الرواية الثالثة "أن أروى بنت أويس ادعت على سعيد بن زيد أنه أخذ شيئًا من أرضها، فخاصمته إلى مروان بن الحكم" وفي رواية للبخاري أنها خاصمته - في حق زعمت أنه انتقصه لها - إلى مروان" وفي بعض الروايات "استعدت أروى بنت أويس مروان بن الحكم - وهو والي المدينة - على سعيد بن زيد، في أرضه بالشجرة، وقالت: إنه أخذ حقي، وأدخل ضفيرتي في أرضه" وكانت دفنت ضفيرتين من شعرها في عمق الحد الفاصل بين أرضها وأرضه،
стр. 3460
فترك سعيد ما ادعت، وترك لها الجزء الذي أرادته، وفي روايتنا الثانية "فقال: دعوها وإياها" أي اتركوا لها قطعة الأرض التي تدعيها، وبعد فترة جاء سيل كما في بعض الروايات، فجرف الأرض، فظهرت ضفيرتها في أرضها، بعيدة عن أرض سعيد.
(اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها، واجعل قبرها في دارها) "أعم" فعل دعاء من أعمى، ويقال: عمي فلان بفتح العين وكسر الميم وفتح الياء، ويعمى بفتح الميم، ذهب بصره كله من عينيه كلتيهما، فهو أعمى، ويقال: أعماه الله صيره أعمى، ويقال: عماه الله بتشديد الميم، صيره أعمى، وفي الرواية الثالثة "اللهم إن كانت كاذبة فعم بصرها" والمراد من الدعاء عليها بأن يكن قبرها في دارها أن تكون ميتتها قتلاً في الأرض التي اغتصبتها، وفي الرواية الثالثة "واقتلها في أرضها" وليس المراد أن تدفن في بيتها.
(فبينما هي تمشي في الدار، مرت على بئر في الدار، فوقعت فيها، فكانت قبرها) في الرواية الثالثة "بينا هي تمشي في أرضها إذ وقعت في حفرة، فماتت" وفي رواية "فجعلت تمشي في دارها، فوقعت في بئرها" والظاهر أنهم كانوا يحفرون بئرًا جديدًا في دارها، لم تعهده من قبل، فوقعت في حفرته العميقة على رأسها، فماتت.
(إذا اختلفتم في الطريق) التي يراد ابتداؤها وإنشاؤها، كما في بلد يفتحها المسلمون، ليس فيها طريق مسلوك، في مكان محتاج إلى طريق، وكأرض مشتركة، يريد الشركاء إنشاء طريق بينها، وكبيوت تحتاج مدخلاً جديدًا، وعند البخاري "إذا تشاجروا في الطريق".
(جعل عرضه سبع أذرع) "جعل" بالبناء للمجهول، قال الحافظ ابن حجر: الذي يظهر أن المراد بالذراع ذراع الآدمي، فيعتبر ذلك بالمعتدل، وقيل: المراد بالذراع ذراع البنيان المتعارف، قال الطبري: معناه أن يجعل قدر الطريق المشتركة سبعة أذرع، ثم يبقى بعد ذلك لكل واحد من الشركاء في الأرض قدر ما ينتفع به، ولا يضر غيره.
والذراع يذكر ويؤنث، والتأنيث أفصح، وعليه روايتنا "سبع أذرع" وفي نسخة "سبعة أذرع" قال النووي: وهما صحيحان.
-[فقه الحديث]-
في هذا الحديث تحريم غصب الأرض. قال النووي: وهو مذهبنا ومذهب الجمهور، وقال أبو حنيفة: لا يتصور غصب الأرض. اهـ. وشرح العيني مذهب الحنفية في هذه المسألة، فقال:
عند أبي حنيفة وأبي يوسف: الغصب لا يتحقق إلا فيما ينتقل ويحول، لأن إزالة اليد بالنقل، ولا نقل في العقار، فإذا غصب عقارًا، فهلك في يده لا يضمن، وقال محمد: يضمن، وهو قول أبي يوسف الأول، وبه قال زفر والشافعي ومالك وأحمد، لأن الغصب عندهم يتحقق في العقار. اهـ.
стр. 3461
والحديث حجة على أبي حنيفة ومن تبعه.
وفي الحديث دليل على أن من ملك أرضًا ملك أسفلها إلى منتهاها، وله أن يمنع من حفر تحتها سربًا، أو بئرًا، وسواء أضر ذلك بأرضه أو لا، قاله الخطابي، وقال ابن الجوزي: لأن حكم أسفلها تبع لأعلاها، وقال القرطبي: وقد اختلف فيما إذا حفر أرضه، فوجد فيها معدنًا أو شبهه، فقيل: هو له، وقيل: بل للمسلمين، وعلى ذلك فله أن ينزل بالحفر ما شاء ما لم يضر بجاره، وكذلك له أن يرفع في الهواء المقابل لذلك القدر من الأرض، من البناء ما شاء، ما لم يضر بأحد.
قال الحافظ ابن حجر: وفي الحديث تحريم الظلم والغصب، وتغليظ عقوبته.
وفيه أن الأرضين السبع طباق، كالسموات، وهو ظاهر قوله تعالى ﴿ومن الأرض مثلهن﴾ [الطلاق: ١٢] خلافًا لمن قال: إن المراد بقوله "سبع أرضين" سبعة أقاليم، لأنه لو كان كذلك لم يطوق الغاصب شبرًا من إقليم آخر. قال ابن التين: وهو وما قبله مبني على أن العقوبة متعلقة بما كان بسببها.
وقال النووي عن الرواية السابعة: إن جعل الرجل بعض أرضه المملوكة له طريقًا، مسبلة للمحاربين فقدرها إليه، والأفضل توسيعها، وليست هذه الصورة مرادة في الحديث، وإن كان الطريق بين أرض لقوم، وأنفقوا على شيء فذاك، وإن اختلفوا في قدره جعل سبعة أذرع، وهذا مراد الحديث، أما إذا وجدنا طريقًا مسلوكًا وهو أكثر من سبعة أذرع فلا يجوز لأحد أن يستولي على شيء منه، وإن قل. هذا ما ذكره أصحابنا فيما يتعلق بهذا الحديث، وقال آخرون: هذا في الأفنية، إذا أراد أهلها البنيان، فيجعل طريقهم عرضه سبعة أذرع، لدخول الأحمال والأثقال، ومخرجها، وتلاقيها. قال القاضي: هذا كله عند الاختلاف، كما نص عليه في الحديث، فأما إذا اتفق أهل الأرض على قسمتها، وإخراج طريق منها كيف شاءوا، فلهم ذلك، ولا اعتراض عليهم، لأنها ملكهم. اهـ.
قال الحافظ ابن حجر: ويلتحق بأهل البنيان من قعد للبيع في حافة الطريق، فإن كانت الطريق أزيد من سبعة أذرع لم يمنع من القعود في الزائد وإن كان أقل منع، لئلا يضيق الطريق على غيره.
واللَّه أعلم
стр. 3462
كتاب الفرائض
стр. 3463
(٤٢٨) باب اختلاف الدين - الفرائض والعصبات - الكلالة النبي أولى بالمؤمنين
٣٦٤٤ - عن أسامة بن زيد ﵄ أن النبي ﷺ قال "لا يرث المسلم الكافر ولا يرث الكافر المسلم".
٣٦٤٥ - عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر".
٣٦٤٦ - عن ابن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ قال "ألحقوا الفرائض بأهلها فما تركت الفرائض فلأولى رجل ذكر".
٣٦٤٧ - عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "اقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله فما تركت الفرائض فلأولى رجل ذكر".
٣٦٤٨ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: مرضت فأتاني رسول الله ﷺ وأبو بكر يعوداني ماشيين فأغمي علي فتوضأ ثم صب علي من وضوئه فأفقت. قلت: يا رسول الله كيف أقضي في مالي؟ فلم يرد علي شيئًا حتى نزلت آية الميراث ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ [النساء: ١٧٦].
٣٦٤٩ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: عادني النبي ﷺ وأبو بكر في بني سلمة يمشيان فوجدني لا أعقل فدعا بماء فتوضأ ثم رش علي منه
стр. 3464
فأفقت. فقلت: كيف أصنع في مالي يا رسول الله؟ فنزلت ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ [النساء: ١١].
٣٦٥٠ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: عادني رسول الله ﷺ وأنا مريض ومعه أبو بكر ماشيين فوجدني قد أغمي علي فتوضأ رسول الله ﷺ ثم صب علي من وضوئه فأفقت فإذا رسول الله ﷺ . فقلت: يا رسول الله كيف أصنع في مالي؟ فلم يرد علي شيئًا حتى نزلت آية الميراث.
٣٦٥١ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: دخل علي رسول الله ﷺ وأنا مريض لا أعقل فتوضأ فصبوا علي من وضوئه فعقلت. فقلت: يا رسول الله إنما يرثني كلالة فنزلت آية الميراث. فقلت لمحمد بن المنكدر ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ قال هكذا أنزلت.
٣٦٥٢ - - وفي رواية عن شعبة بهذا الإسناد في حديث وهب بن جرير فنزلت آية الفرائض، وفي حديث النضر والعقدي فنزلت آية الفرض، وليس في رواية أحد منهم قول شعبة لابن المنكدر.
٣٦٥٣ - عن معدان بن أبي طلحة: أن عمر بن الخطاب خطب يوم جمعة فذكر نبي الله ﷺ وذكر أبا بكر، ثم قال إني لا أدع بعدي شيئًا أهم عندي من الكلالة ما راجعت رسول الله ﷺ في شيء ما راجعته في الكلالة وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيه حتى طعن بإصبعه في صدري وقال "يا عمر ألا تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء" وإني إن أعش أقض فيها بقضية يقضي بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن.
стр. 3465
٣٦٥٤ - عن البراء ﵁ قال: آخر آية أنزلت من القرآن ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾
٣٦٥٥ - عن البراء بن عازب ﵁ قال: آخر آية أنزلت آية الكلالة وآخر سورة أنزلت براءة.
٣٦٥٦ - عن البراء ﵁ أن آخر سورة أنزلت تامة سورة التوبة. وأن آخر آية أنزلت آية الكلالة.
٣٦٥٧ - - وفي رواية عن البراء ﵁ بمثله غير أنه قال: آخر سورة أنزلت كاملة.
٣٦٥٨ - عن البراء ﵁ قال: آخر آية أنزلت يستفتونك.
٣٦٥٩ - عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ كان يؤتى بالرجل الميت عليه الدين فيسأل "هل ترك لدينه من قضاء؟ " فإن حدث أنه ترك وفاء صلى عليه. وإلا قال "صلوا على صاحبكم" فلما فتح الله عليه الفتوح قال "أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم. فمن توفي وعليه دين فعلي قضاؤه ومن ترك مالاً فهو لورثته".
٣٦٦٠ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "والذي نفس محمد بيده إن على الأرض من مؤمن إلا أنا أولى الناس به. فأيكم ما ترك دينًا أو ضياعًا فأنا مولاه وأيكم ترك مالاً فإلى العصبة من كان".
стр. 3466
٣٦٦١ - عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها وقال رسول الله ﷺ "أنا أولى الناس بالمؤمنين في كتاب الله فأيكم ما ترك دينًا أو ضيعة فادعوني فأنا وليه. وأيكم ما ترك مالاً فليؤثر بماله عصبته من كان".
٣٦٦٢ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال "من ترك مالاً فللورثة ومن ترك كلاً فإلينا".
٣٦٦٣ - - وفي رواية في حديث غندر "ومن ترك كلاً وليته".
-[المعنى العام]-
أنزل الله تعالى آية المواريث، وفرض فرائض لورثة الميت، وجعل نصيبا محددًا لمن يدلي إليه بالقرابة، وقال: ﴿للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبًا مفروضًا﴾ [النساء: ٧] وبينت السنة ما جاء مجملاً في هذه الآيات، ووضعت في هذه الأحاديث جملة من القواعد والأحكام.
أولها: يمنع من التوارث بين القريبين اختلاف الدين، فلا يرث الكافر من المسلم، ولا يرث المسلم من الكافر.
ثانيها: تقديم أصحاب الفروض على العصبات، فتقسم تركة الميت على ما شرع الله من الأنصباء المحددة بالنصف ونصفه ونصف نصفه، والثلثين ونصفهما ونصف نصفهما، وتلحق الأجزاء بأصحابها، وما بقي فهو للعصبة على ترتيبهم في شرع الله.
ثالثها: ما يسمى بالكلالة، وهي الميت لا يترك ابنًا ولا أبًا، ويترك إخوة لأم، وإخوة لأب وأم، أو إخوة لأب، وقد بينت آية الميراث في أول سورة النساء ميراث الأخوة لأم، فقالت ﴿وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث﴾ [النساء: ١٢] وأخذ الصحابة يتساءلون عن النوع الثاني من الإخوة، ما ميراثهم إذا لم يكن للميت ولد ولا والد؟ يستفتون رسول الله ﷺ فيسكت، لا يجيب، حيث لم ينزل فيهم قرآن، وفي هذه الأحاديث يسأل الصحابي الجليل جابر بن عبد الله، ولا يجيبه ﷺ . ستة أشهر بين
стр. 3467
آية الميراث الأولى، وبين أن نزل قوله تعالى ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالاً ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين﴾ [النساء: ١٧٦] وأخذ الصحابة بعدها يتناقشون في معانيها، وما يستنبط منها من أحكام، ويفرعون على الصور صورًا، ويتساءلون عن صور مفترضة، ومن هؤلاء عمر بن الخطاب ﵁، الذي أكثر من مراجعة الرسول ﷺ ، حتى أغلظ له الرد، وقال له: يكفيك آية الكلالة في وضوحها، وهي التي في آخر سورة النساء.
رابعها: الميت يترك دينًا، ولا يخلف مالاً، وكان ﷺ في أول الأمر يخوف من مثل هذا فلا يصلي عليه صلاة الجنازة، فلما أدرك الصحابة خطر هذا الفعل، وتحاشوا الاستدانة إلا لضرورة، وفتح الله على نبيه الفتوح تحمل دين من يموت، ونزل عليه قوله تعالى ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾ [الأحزاب: ٦] فقال لصحابته: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن توفي وعليه دين، لا يترك له وفاء، فعلي قضاءه، ومن ترك مالاً فهو لورثته، ومن ترك عيالاً فقراء محتاجين فأنا مولاهم، المسئول عنهم. ﷺ . بالمؤمنين رؤوف رحيم.
-[المباحث العربية]-
(لا يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر المسلم) قال النووي: في بعض النسخ "ولا الكافر المسلم" بحذف لفظة "يرث".اهـ. وفي رواية للبخاري "المؤمن" في الموضعين، وعند النسائي "لا يتوارث أهل ملتين" وسيأتي في فقه الحديث ما يتعلق بتوارث أهل الملل المختلفة.
قال المبرد: الإرث أصله العاقبة، ومعناه الانتقال من واحد إلى واحد.
(ألحقوا الفرائض بأهلها) الفرائض جمع فريضة، فعيلة بمعنى مفعولة، مأخوذة من الفرض، وهو القطع، قال تعالى ﴿للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبًا مفروضًا﴾ [النساء: ٧] أي مقطوعًا محددًا، ومنه فريضة الصلاة، والمراد بالفرائض هنا الأنصباء المقدرة في كتاب الله تعالى، وهي النصف ونصفه ونصف نصفه، والثلثان ونصفهما ونصف نصفهما، والمراد بأهلها من يستحقها بنص القرآن، وفي الرواية الرابعة "اقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله" أي على وفق ما أنزل في كتاب الله.
(فما بقي فهو لأولى رجل ذكر) في الرواية الثالثة "فما تركت الفرائض فلأولى رجل ذكر" "أولى" بفتح الهمزة وسكون الواو، وفتح اللام، أفعل تفضيل من الولي - بسكون اللام. وهو القرب، أي لمن يكون أقرب في النسب إلى المورث، وليس المراد بالأولى هنا الأحق، وليس من قبيل: الرجل أولى بما له من غيره، فذا بمعنى أحق. لأنه لو حمل هنا على معنى أحق لخلا عن الفائدة، لأنا لا ندري من هو الأحق. قاله النووي.
وفي رواية "لأدنى" بالدال والنون، والمراد لأقرب.
стр. 3468
وقد استشكل التعبير بـ"ذكر" بعد "رجل" والرجل لا يكون إلا ذكرًا، وهي كذلك في جميع النسخ وجميع الروايات فقال الخطابي: إنما كرر للبيان في نعته بالذكورة، ليعلم أن العصبة إذا كان عمًا، أو ابن عم مثلاً، وكان معه أخت له، أن الأخت لا ترث، ولا يكون المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين. وتعقب بأن هذا ظاهر من التعبير بقوله "رجل" والإشكال باق.
وقال ابن التين: للتأكيد. وزيفه القرطبي، فقال: إن العرب إنما تؤكد حيث يفيد التأكيد فائدة، إما تعيين المعنى في النفس، وإما رفع المجاز، وليس ذلك هنا.
وقال غيره: إن التأكيد هنا لمتعلق الحكم، وهو الذكورة، لأن الرجل قد يراد به معنى النجدة والقوة في الأمر، فأكد حتى لا يراد به خصوص البالغ.
وقيل: إنه احتراز عن الخنثى، وقيل: للاعتناء بالجنس، وقيل: لنفي توهم اشتراك الأنثى معه، لئلا يحمل على التغليب.
قال النووي ومن قبله القاضي عياض والمازري وغيرهم: التعبير بـ"ذكر" للتنبيه على سبب الاستحقاق بالعصوبة، وسبب الترجيح في الإرث، ولهذا جعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وحكمته: أن الرجال تلحقهم المؤن، كالقيام بالعيال، والضيفان، وإرفاد القاصدين، ومواساة السائلين، وتحمل الغرامات، وغير ذلك. وأطال القائلون بذلك في توضيح ما يقصدون بما لا يخلو من مغاليق، ومن المعلوم أن تلمس الحكمة كالوردة تشم ولا تدلك.
(يعوداني ماشيين) في بعض النسخ "ماشيان" على القطع، أي وهما ماشيان، وفي الرواية السادسة "عادني النبي ﷺ وأبو بكر في بني سلمة، يمشيان".
(فأغمي علي) الظاهر من مجموع الروايات أن الإغماء حدث قبل وصولهما، فالفاء للتعقيب والترتيب الذكري، ففي الرواية السادسة "فوجدني لا أعقل" شيئًا، فحذف المفعول، إشارة إلى عظم الحال. وقد صرح به في رواية للبخاري. أي لا أفهم شيئًا من الغيبوبة والإغماء.
(فتوضأ، ثم صب علي من وضوئه) "الوضوء" بفتح الواو الماء الذي يتوضأ به، فيحتمل أن يكون صب عليه بعض الماء الذي توضأ به، ويحتمل أنه صب عليه مما تبقى من ماء وضوئه. وفي الرواية السادسة "فتوضأ، ثم رش علي منه" وفي الرواية الثامنة "فصبوا علي من وضوئه" ولا تعارض، فقد يكون الرسول ﷺ رش عليه ماء ورش بعض الحاضرين بعض ماء وضوئه ﷺ .
(كيف أقضي في مالي؟ ) أي كيف أقسم مالي بين ورثتي وأنا أتوقع الموت؟ في الرواية السادسة "كيف أصنع في مالي"؟ .
(إنما يرثني كلالة) أي لا ولد لي، ولا والد، وإنما يرثني أخواتي، قيل: الكلالة من الإكليل المحيط بالرأس، لأن الكلالة وراثة أحاطت بالميت من الطرفين، وهي مصدر كالقرابة، وسمي أقرباء الميت كلالة بالمصدر، كما يقال: هم قرابة، أي ذوو قرابة، وإن أردت المصدر قلت: ورثوه عن كلالة،
стр. 3469
وتطلق الكلالة على الورثة مجازًا، وقيل: الكلالة مشتقة من التكلل، وهو التطرف، فابن العم مثلاً يقال له: كلالة، لأنه ليس على عمود النسب، بل على طرفه، وقيل: مشتقة من كل الشيء إذا بعد وانقطع، ومنه قولهم: كلت الرحم، إذا بعدت، وطال انتسابها، ومنه كل في مشيه إذا انقطع، لبعد مسافته، قال النووي: واختلف العلماء في المراد بالكلالة في الآية.
فقيل: المراد بها الوراثة، إذا لم يكن للميت ولد ولا والد، وتكون "كلالة" منصوبة على تقدير: يورث وراثة كلالة.
وقيل: إنه اسم للميت الذي ليس له ولد، ولا والد، ذكرًا كان الميت أو أنثى، وتقديره: يورث كما يورث في حال كونه كلالة.
وقيل: اسم للورثة الذين ليس فيهم ولد ولا والد، وعليه قول جابر في حديثنا "إنما يرثني كلالة" وقيل اسم للمال الموروث. وقال الشيعة: الكلالة من ليس له ولد، وإن كان له أب أو جد. وسيأتي في فقه الحديث.
(حتى نزلت آية الميراث) ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ... ﴾ وفي الرواية السادسة "فنزلت ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ [النساء: ١٧٦] " وفي الرواية السابعة والثامنة "حتى نزلت آية الميراث" وفي ملحق الرواية الثامنة "فنزلت آية الفرائض". "فنزلت آية الفرض" قال ابن العربي: هذا تعارض، لم يتفق بيانه إلى الآن، ثم أشار إلى ترجيح آية المواريث، وتوهيم ﴿يستفتونك﴾
وقال الحافظ ابن حجر: هكذا وقع في رواية ابن جريج فنزلت ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ وقيل: إنه وهم في ذلك، وأن الصواب أن الآية التي نزلت في قصة جابر هذه الآية الأخيرة من النساء، وهي ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ لأن جابرًا يومئذ لم يكن له ولد ولا والد.
ويحتمل أن يكون مراد جابر من قوله ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ أي ذكر الكلالة المتصل بهذه الآية. والله أعلم.
(فذكر نبي الله ﷺ ، وذكر أبا بكر) أي ذكرهما بالثناء على كل منهما، والدعاء لكل منهما.
(إني لا أدع بعدي شيئًا أهم عندي من الكلالة) أي إن أمت مت منشغلاً ومهمومًا بحكم توزيع الأنصباء في صورة الكلالة، لعدم وضوح حكمها أو حكمتها في نظري، وعند بعض المتفقهين في كتاب الله تعالى.
(ألا تكفيك آية الصيف) ألا تكفي آية آخر النساء، وهي التي نزلت في الصيف؟ وتغنيك هذه الآية عن المراجعات؟ بعد آية أول النساء التي نزلت في الشتاء؟ وسنشرح الآيتين وحكم الكلالة في فقه الحديث.
стр. 3470
(وإني إن أعش أقض فيها بقضية يقضي بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن) أي وإن أعش حتى يموت ميت على صورة الكلالة، ويأتوني للحكم فيها "أقض" مجزوم جواب للشرط، أي أحكم فيها "بقضية" أي بقضاء وحكم "يقضي بها" أي يسلم بها، ويقبل هذا الحكم، ويقتنع به "من يقرأ" آياتها في "القرآن" يتفهم معانيها، ويعقل حكمها وحكمتها "من لا يقرأ القرآن" يريد أنه يطبق فهمًا لآيات القرآن مقنعًا، وهو ما ذهب إليه العلماء فيما بعد.
(آخر آية أنزلت آية الكلالة) في الرواية الثانية عشرة "آخر آية أنزلت يستفتونك" وهي آية الكلالة، وفي آخر آية نزلت أقوال للعلماء نذكرها في فقه الحديث، وللجمع بينها يقال: إن الآخرية نسبية، فكل أخبر بآخر ما علم، وقد ينزل بعد علمه ما ينزل، أو الآخرية بالنسبة لآيات الميراث، أو بالنسبة لآيات الأحكام.
ويقصد بذكرها وذكر آخريتها هنا أنها محكمة، لم تنسخ، أما ذكر سورة التوبة فعلى سبيل الاستطراد.
(كان يؤتى بالرجل الميت) أي بالجنازة تأتي إلى المسجد للصلاة عليها، فذكر "الرجل" ليس قيدًا، وإنما لما هو الغالب في المديونية. والحكم يعم المرأة.
(عليه الدين فيسأل: هل ترك لدينه من قضاء) هذه هي الخطوة الثانية، فالخطوة الأولى: كان يسأل: هل عليه دين؟ فإذا أجيب بنعم سأل هل ترك لدينه قضاء وما يوفيه؟
(إن على الأرض من مؤمن إلا أنا أولى الناس به) "إن" نافية، و"من" زائدة لتأكيد النفي، أي ما على الأرض مؤمن.
(فأيكم ما ترك دينًا أو ضياعًا) بفتح الضاد، قال الخطابي: وهو وصف لمن خلفه الميت، بلفظ المصدر، أي ضائعين، أي ترك ذوي ضياع، أي لا شيء لهم. اهـ وفي الرواية الخامسة عشرة "فأيكم ما ترك دينًا أو ضيعة، أي ضائعين، لا يملكون شيئًا". وفي الرواية السادسة عشرة "ومن ترك كلا" بفتح الكاف وتشديد اللام، وأصله الثقل، والمراد به هنا العيال.
(فأنا مولاه) أي المتولي أمر دينه ووفاءه، وفي الرواية الثالثة عشرة "فمن توفي وعليه دين - أي ولا وفاء له - فعلي قضاؤه" وفي الرواية الخامسة عشرة "فادعوني - أي طالبوني بدينه - فأنا وليه" المسئول عند دينه وعن ضياعه وعياله، وفي الرواية السادسة عشرة "ومن ترك كلا فإلينا" أي فأمر ثقله ودينه إلينا، وفي ملحقها "ومن ترك كلا وليته" بفتح الواو وكسر اللام، أي توليت ثقله.
(وأيكم ترك مالاً فإلي العصبة من كان) المراد بالعصبة هنا الورثة، لا من يرث بالتعصيب، لأن العاصب في الاصطلاح من له سهم، من المجمع على توريثهم، ويرث كل المال إذا انفرد، ويرث ما فضل بعد الفروض بالتعصيب، وقيل: المراد بالعصبة هنا قرابة الرجل، وهم من يلتقي مع الميت في
следующие страницы →