Полный текст (6 200 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.
стр. 3466
٣٦٦١ - عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها وقال رسول الله ﷺ "أنا أولى الناس بالمؤمنين في كتاب الله فأيكم ما ترك دينًا أو ضيعة فادعوني فأنا وليه. وأيكم ما ترك مالاً فليؤثر بماله عصبته من كان".
٣٦٦٢ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال "من ترك مالاً فللورثة ومن ترك كلاً فإلينا".
٣٦٦٣ - - وفي رواية في حديث غندر "ومن ترك كلاً وليته".
-[المعنى العام]-
أنزل الله تعالى آية المواريث، وفرض فرائض لورثة الميت، وجعل نصيبا محددًا لمن يدلي إليه بالقرابة، وقال: ﴿للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبًا مفروضًا﴾ [النساء: ٧] وبينت السنة ما جاء مجملاً في هذه الآيات، ووضعت في هذه الأحاديث جملة من القواعد والأحكام.
أولها: يمنع من التوارث بين القريبين اختلاف الدين، فلا يرث الكافر من المسلم، ولا يرث المسلم من الكافر.
ثانيها: تقديم أصحاب الفروض على العصبات، فتقسم تركة الميت على ما شرع الله من الأنصباء المحددة بالنصف ونصفه ونصف نصفه، والثلثين ونصفهما ونصف نصفهما، وتلحق الأجزاء بأصحابها، وما بقي فهو للعصبة على ترتيبهم في شرع الله.
ثالثها: ما يسمى بالكلالة، وهي الميت لا يترك ابنًا ولا أبًا، ويترك إخوة لأم، وإخوة لأب وأم، أو إخوة لأب، وقد بينت آية الميراث في أول سورة النساء ميراث الأخوة لأم، فقالت ﴿وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث﴾ [النساء: ١٢] وأخذ الصحابة يتساءلون عن النوع الثاني من الإخوة، ما ميراثهم إذا لم يكن للميت ولد ولا والد؟ يستفتون رسول الله ﷺ فيسكت، لا يجيب، حيث لم ينزل فيهم قرآن، وفي هذه الأحاديث يسأل الصحابي الجليل جابر بن عبد الله، ولا يجيبه ﷺ . ستة أشهر بين
стр. 3467
آية الميراث الأولى، وبين أن نزل قوله تعالى ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالاً ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين﴾ [النساء: ١٧٦] وأخذ الصحابة بعدها يتناقشون في معانيها، وما يستنبط منها من أحكام، ويفرعون على الصور صورًا، ويتساءلون عن صور مفترضة، ومن هؤلاء عمر بن الخطاب ﵁، الذي أكثر من مراجعة الرسول ﷺ ، حتى أغلظ له الرد، وقال له: يكفيك آية الكلالة في وضوحها، وهي التي في آخر سورة النساء.
رابعها: الميت يترك دينًا، ولا يخلف مالاً، وكان ﷺ في أول الأمر يخوف من مثل هذا فلا يصلي عليه صلاة الجنازة، فلما أدرك الصحابة خطر هذا الفعل، وتحاشوا الاستدانة إلا لضرورة، وفتح الله على نبيه الفتوح تحمل دين من يموت، ونزل عليه قوله تعالى ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾ [الأحزاب: ٦] فقال لصحابته: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن توفي وعليه دين، لا يترك له وفاء، فعلي قضاءه، ومن ترك مالاً فهو لورثته، ومن ترك عيالاً فقراء محتاجين فأنا مولاهم، المسئول عنهم. ﷺ . بالمؤمنين رؤوف رحيم.
-[المباحث العربية]-
(لا يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر المسلم) قال النووي: في بعض النسخ "ولا الكافر المسلم" بحذف لفظة "يرث".اهـ. وفي رواية للبخاري "المؤمن" في الموضعين، وعند النسائي "لا يتوارث أهل ملتين" وسيأتي في فقه الحديث ما يتعلق بتوارث أهل الملل المختلفة.
قال المبرد: الإرث أصله العاقبة، ومعناه الانتقال من واحد إلى واحد.
(ألحقوا الفرائض بأهلها) الفرائض جمع فريضة، فعيلة بمعنى مفعولة، مأخوذة من الفرض، وهو القطع، قال تعالى ﴿للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبًا مفروضًا﴾ [النساء: ٧] أي مقطوعًا محددًا، ومنه فريضة الصلاة، والمراد بالفرائض هنا الأنصباء المقدرة في كتاب الله تعالى، وهي النصف ونصفه ونصف نصفه، والثلثان ونصفهما ونصف نصفهما، والمراد بأهلها من يستحقها بنص القرآن، وفي الرواية الرابعة "اقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله" أي على وفق ما أنزل في كتاب الله.
(فما بقي فهو لأولى رجل ذكر) في الرواية الثالثة "فما تركت الفرائض فلأولى رجل ذكر" "أولى" بفتح الهمزة وسكون الواو، وفتح اللام، أفعل تفضيل من الولي - بسكون اللام. وهو القرب، أي لمن يكون أقرب في النسب إلى المورث، وليس المراد بالأولى هنا الأحق، وليس من قبيل: الرجل أولى بما له من غيره، فذا بمعنى أحق. لأنه لو حمل هنا على معنى أحق لخلا عن الفائدة، لأنا لا ندري من هو الأحق. قاله النووي.
وفي رواية "لأدنى" بالدال والنون، والمراد لأقرب.
стр. 3468
وقد استشكل التعبير بـ"ذكر" بعد "رجل" والرجل لا يكون إلا ذكرًا، وهي كذلك في جميع النسخ وجميع الروايات فقال الخطابي: إنما كرر للبيان في نعته بالذكورة، ليعلم أن العصبة إذا كان عمًا، أو ابن عم مثلاً، وكان معه أخت له، أن الأخت لا ترث، ولا يكون المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين. وتعقب بأن هذا ظاهر من التعبير بقوله "رجل" والإشكال باق.
وقال ابن التين: للتأكيد. وزيفه القرطبي، فقال: إن العرب إنما تؤكد حيث يفيد التأكيد فائدة، إما تعيين المعنى في النفس، وإما رفع المجاز، وليس ذلك هنا.
وقال غيره: إن التأكيد هنا لمتعلق الحكم، وهو الذكورة، لأن الرجل قد يراد به معنى النجدة والقوة في الأمر، فأكد حتى لا يراد به خصوص البالغ.
وقيل: إنه احتراز عن الخنثى، وقيل: للاعتناء بالجنس، وقيل: لنفي توهم اشتراك الأنثى معه، لئلا يحمل على التغليب.
قال النووي ومن قبله القاضي عياض والمازري وغيرهم: التعبير بـ"ذكر" للتنبيه على سبب الاستحقاق بالعصوبة، وسبب الترجيح في الإرث، ولهذا جعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وحكمته: أن الرجال تلحقهم المؤن، كالقيام بالعيال، والضيفان، وإرفاد القاصدين، ومواساة السائلين، وتحمل الغرامات، وغير ذلك. وأطال القائلون بذلك في توضيح ما يقصدون بما لا يخلو من مغاليق، ومن المعلوم أن تلمس الحكمة كالوردة تشم ولا تدلك.
(يعوداني ماشيين) في بعض النسخ "ماشيان" على القطع، أي وهما ماشيان، وفي الرواية السادسة "عادني النبي ﷺ وأبو بكر في بني سلمة، يمشيان".
(فأغمي علي) الظاهر من مجموع الروايات أن الإغماء حدث قبل وصولهما، فالفاء للتعقيب والترتيب الذكري، ففي الرواية السادسة "فوجدني لا أعقل" شيئًا، فحذف المفعول، إشارة إلى عظم الحال. وقد صرح به في رواية للبخاري. أي لا أفهم شيئًا من الغيبوبة والإغماء.
(فتوضأ، ثم صب علي من وضوئه) "الوضوء" بفتح الواو الماء الذي يتوضأ به، فيحتمل أن يكون صب عليه بعض الماء الذي توضأ به، ويحتمل أنه صب عليه مما تبقى من ماء وضوئه. وفي الرواية السادسة "فتوضأ، ثم رش علي منه" وفي الرواية الثامنة "فصبوا علي من وضوئه" ولا تعارض، فقد يكون الرسول ﷺ رش عليه ماء ورش بعض الحاضرين بعض ماء وضوئه ﷺ .
(كيف أقضي في مالي؟ ) أي كيف أقسم مالي بين ورثتي وأنا أتوقع الموت؟ في الرواية السادسة "كيف أصنع في مالي"؟ .
(إنما يرثني كلالة) أي لا ولد لي، ولا والد، وإنما يرثني أخواتي، قيل: الكلالة من الإكليل المحيط بالرأس، لأن الكلالة وراثة أحاطت بالميت من الطرفين، وهي مصدر كالقرابة، وسمي أقرباء الميت كلالة بالمصدر، كما يقال: هم قرابة، أي ذوو قرابة، وإن أردت المصدر قلت: ورثوه عن كلالة،
стр. 3469
وتطلق الكلالة على الورثة مجازًا، وقيل: الكلالة مشتقة من التكلل، وهو التطرف، فابن العم مثلاً يقال له: كلالة، لأنه ليس على عمود النسب، بل على طرفه، وقيل: مشتقة من كل الشيء إذا بعد وانقطع، ومنه قولهم: كلت الرحم، إذا بعدت، وطال انتسابها، ومنه كل في مشيه إذا انقطع، لبعد مسافته، قال النووي: واختلف العلماء في المراد بالكلالة في الآية.
فقيل: المراد بها الوراثة، إذا لم يكن للميت ولد ولا والد، وتكون "كلالة" منصوبة على تقدير: يورث وراثة كلالة.
وقيل: إنه اسم للميت الذي ليس له ولد، ولا والد، ذكرًا كان الميت أو أنثى، وتقديره: يورث كما يورث في حال كونه كلالة.
وقيل: اسم للورثة الذين ليس فيهم ولد ولا والد، وعليه قول جابر في حديثنا "إنما يرثني كلالة" وقيل اسم للمال الموروث. وقال الشيعة: الكلالة من ليس له ولد، وإن كان له أب أو جد. وسيأتي في فقه الحديث.
(حتى نزلت آية الميراث) ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ... ﴾ وفي الرواية السادسة "فنزلت ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ [النساء: ١٧٦] " وفي الرواية السابعة والثامنة "حتى نزلت آية الميراث" وفي ملحق الرواية الثامنة "فنزلت آية الفرائض". "فنزلت آية الفرض" قال ابن العربي: هذا تعارض، لم يتفق بيانه إلى الآن، ثم أشار إلى ترجيح آية المواريث، وتوهيم ﴿يستفتونك﴾
وقال الحافظ ابن حجر: هكذا وقع في رواية ابن جريج فنزلت ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ وقيل: إنه وهم في ذلك، وأن الصواب أن الآية التي نزلت في قصة جابر هذه الآية الأخيرة من النساء، وهي ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ لأن جابرًا يومئذ لم يكن له ولد ولا والد.
ويحتمل أن يكون مراد جابر من قوله ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ أي ذكر الكلالة المتصل بهذه الآية. والله أعلم.
(فذكر نبي الله ﷺ ، وذكر أبا بكر) أي ذكرهما بالثناء على كل منهما، والدعاء لكل منهما.
(إني لا أدع بعدي شيئًا أهم عندي من الكلالة) أي إن أمت مت منشغلاً ومهمومًا بحكم توزيع الأنصباء في صورة الكلالة، لعدم وضوح حكمها أو حكمتها في نظري، وعند بعض المتفقهين في كتاب الله تعالى.
(ألا تكفيك آية الصيف) ألا تكفي آية آخر النساء، وهي التي نزلت في الصيف؟ وتغنيك هذه الآية عن المراجعات؟ بعد آية أول النساء التي نزلت في الشتاء؟ وسنشرح الآيتين وحكم الكلالة في فقه الحديث.
стр. 3470
(وإني إن أعش أقض فيها بقضية يقضي بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن) أي وإن أعش حتى يموت ميت على صورة الكلالة، ويأتوني للحكم فيها "أقض" مجزوم جواب للشرط، أي أحكم فيها "بقضية" أي بقضاء وحكم "يقضي بها" أي يسلم بها، ويقبل هذا الحكم، ويقتنع به "من يقرأ" آياتها في "القرآن" يتفهم معانيها، ويعقل حكمها وحكمتها "من لا يقرأ القرآن" يريد أنه يطبق فهمًا لآيات القرآن مقنعًا، وهو ما ذهب إليه العلماء فيما بعد.
(آخر آية أنزلت آية الكلالة) في الرواية الثانية عشرة "آخر آية أنزلت يستفتونك" وهي آية الكلالة، وفي آخر آية نزلت أقوال للعلماء نذكرها في فقه الحديث، وللجمع بينها يقال: إن الآخرية نسبية، فكل أخبر بآخر ما علم، وقد ينزل بعد علمه ما ينزل، أو الآخرية بالنسبة لآيات الميراث، أو بالنسبة لآيات الأحكام.
ويقصد بذكرها وذكر آخريتها هنا أنها محكمة، لم تنسخ، أما ذكر سورة التوبة فعلى سبيل الاستطراد.
(كان يؤتى بالرجل الميت) أي بالجنازة تأتي إلى المسجد للصلاة عليها، فذكر "الرجل" ليس قيدًا، وإنما لما هو الغالب في المديونية. والحكم يعم المرأة.
(عليه الدين فيسأل: هل ترك لدينه من قضاء) هذه هي الخطوة الثانية، فالخطوة الأولى: كان يسأل: هل عليه دين؟ فإذا أجيب بنعم سأل هل ترك لدينه قضاء وما يوفيه؟
(إن على الأرض من مؤمن إلا أنا أولى الناس به) "إن" نافية، و"من" زائدة لتأكيد النفي، أي ما على الأرض مؤمن.
(فأيكم ما ترك دينًا أو ضياعًا) بفتح الضاد، قال الخطابي: وهو وصف لمن خلفه الميت، بلفظ المصدر، أي ضائعين، أي ترك ذوي ضياع، أي لا شيء لهم. اهـ وفي الرواية الخامسة عشرة "فأيكم ما ترك دينًا أو ضيعة، أي ضائعين، لا يملكون شيئًا". وفي الرواية السادسة عشرة "ومن ترك كلا" بفتح الكاف وتشديد اللام، وأصله الثقل، والمراد به هنا العيال.
(فأنا مولاه) أي المتولي أمر دينه ووفاءه، وفي الرواية الثالثة عشرة "فمن توفي وعليه دين - أي ولا وفاء له - فعلي قضاؤه" وفي الرواية الخامسة عشرة "فادعوني - أي طالبوني بدينه - فأنا وليه" المسئول عند دينه وعن ضياعه وعياله، وفي الرواية السادسة عشرة "ومن ترك كلا فإلينا" أي فأمر ثقله ودينه إلينا، وفي ملحقها "ومن ترك كلا وليته" بفتح الواو وكسر اللام، أي توليت ثقله.
(وأيكم ترك مالاً فإلي العصبة من كان) المراد بالعصبة هنا الورثة، لا من يرث بالتعصيب، لأن العاصب في الاصطلاح من له سهم، من المجمع على توريثهم، ويرث كل المال إذا انفرد، ويرث ما فضل بعد الفروض بالتعصيب، وقيل: المراد بالعصبة هنا قرابة الرجل، وهم من يلتقي مع الميت في
стр. 3471
أب ولو علا، سموا بذلك لأنهم يحيطون به، يقال: عصب الرجل، وقال الكرماني: المراد العصبة بعد أصحاب الفروض، قال: ويؤخذ حكم أصحاب الفروض من ذكر العصبة بالطريق الأولى، ويشير إلى ذلك قوله "من كان" فإنه يتناول أنواع المنتسبين إليه، بالنفس أو بالغير.
-[فقه الحديث]-
تتناول هذه الأحاديث الفرائض والعصبات - والإرث عند اختلاف الدين - والكلالة - وقضاء الديون - وما يؤخذ من الأحاديث من الأحكام.
أما الفرائض والعصبات ففيها يقول النووي: أجمع المسلمون على أن ما بقي بعد الفروض فهو للعصبات، يقدم الأقرب فالأقرب، فلا يرث عاصب بعيد، مع وجود قريب، فإذا خلف بنتًا وأخًا وعمًا، فللبنت النصف فرضًا، والباقي للأخ، ولا شيء للعم. قال أصحابنا: والعصبة ثلاثة أقسام: عصبة بنفسه، كالابن وابنه، والأخ وابنه، والعم وابنه، وعم الأب والجد وابنهما، ونحوهم، وقد يكون الأب والجد عصبه، وقد يكون لهما فرض، فمتى كان للميت ابن أو ابن ابن، لم يرث الأب إلا السدس فرضًا، ومتى لم يكن ولد، ولا ولد ابن، ورث بالتعصيب فقط، ومتى كانت بنت، أو بنت ابن، أو بنتان، أو بنتا ابن، أخذ البنات فرضهن، وللأب من الباقي السدس فرضًا، والباقي بالتعصيب. هذا أحد الأقسام، وهو العصبة بنفسه.
القسم الثاني العصبة بغيره، وهو البنات بالبنين، وبنات الابن ببني الابن، والأخوات بالإخوة.
والثالث العصبة مع غيره، وهو الأخوات للأبوين، أو لأب، مع البنات، أو بنات الابن، فإذا خلف بنتًا وأختًا لأبوين، أو لأب، فللبنت النصف فرضًا، والباقي للأخت تعصيبًا، وإن خلف بنتًا وبنت ابن وأختًا لأبوين، أو أختًا لأب، فللبنت النصف، ولبنت الابن السدس، والباقي للأخت، وإن خلف بنتين، وبنتي ابن، وأختا لأبوين، أو لأب، فللبنتين الثلثان، والباقي للأخت، ولا شيء لبنتي الابن، لأنه لم يبق شيء من فرض جنس البنات، وهو الثلثان.
قال أصحابنا: وحيث أطلق العصبة، فالمراد به العصبة بنفسه، وهو كل ذكر يدلي بنفسه بالقرابة، ليس بينه وبين الميت أنثى، ومتى انفرد العصبة أخذ جميع المال، ومتى كان مع أصحاب فروض مستغرقة، فلا شيء له، وإن لم يستغرقوا كان له الباقي بعد فروضهم. (أقول: استثنى من ذلك ما عرف بالمسألة الحجرية، فالفروض فيها مستغرقة، ومع ذلك ورث العصبة، كما في زوج وأم وأخوة لأم وأخ شقيق، فللزوج النصف، وللأم السدس، وللأخوة لأم الثلث، ويشاركهم فيه الأخ الشقيق) كذا عند الجمهور، وكان علي وأبي وأبو موسى لا يشركون الإخوة، ولو كانوا أشقاء مع الإخوة لأم، لأنهم عصبة، وقد استغرقت الفرائض المال، وبذلك قال جمع من الكوفيين، وأقرب العصبات البنون، ثم بنوهم وإن سفلوا، ثم الأب، ثم الجد إن لم يكن أخ، والأخ إن لم يكن جد، فإن كان جد وأخ ففيها خلاف مشهور، ثم بنو الإخوة، ثم بنوهم وإن سفلوا، ثم الأعمام، ثم بنوهم وإن سفلوا.
стр. 3472
ومن أدلى بأبوين يقدم على من يدلي بأب، فيقدم أخ لأبوين على أخ لأب ويقدم عم لأبوين على عم لأب. وكذا الباقي، ويقدم الأخ من الأب على ابن الأخ من الأبوين، ويقدم ابن أخ لأب على عم لأبوين، ويقدم عم لأب على ابن عم لأبوين. وكذا الباقي.
ولو خلف بنتًا، وأختًا لأبوين، وأخًا لأب، فمذهبنا ومذهب الجمهور أن للبنت النصف، والباقي للأخت، ولا شيء للأخ، وقال ابن عباس ﵂ للبنت النصف، والباقي للأخ، دون الأخت. اهـ.
ولم يوافق ابن عباس على ذلك أحد، إلا أهل الظاهر.
وأما الإرث مع اختلاف الدين فيقول النووي: أجمع المسلمون على أن الكافر لا يرث المسلم، وأما المسلم فلا يرث الكافر أيضًا عند جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وذهبت طائفة إلى توريث المسلم من الكافر، وهو مذهب معاذ بن جبل، ومعاوية، وسعيد بن المسيب، ومسروق، وغيرهم، وروي أيضًا عن أبي الدرداء والشعبي والزهري والنخعي نحوه، على خلاف بينهم في ذلك، واحتجوا بحديث "الإسلام يعلو، ولا يعلى عليه". وبحديث "الإسلام يزيد ولا ينقص" أخرجه أبو داود وصححه الحاكم، وقالوا: نرث أهل الكتاب ولا يرثونا، كما نتزوج منهم، ولا يتزوجون منا وحجة الجمهور هذا الحديث الصحيح الصريح - روايتنا الأولى - ولا حجة في حديث "الإسلام يعلو، ولا يعلى عليه" ولا حديث "الإسلام يزيد ولا ينقص" لأن الحديث الثاني متعقب بالانقطاع، وقيل: باطل وأما الحديث الأول فلأن المراد به فضل الإسلام على غيره، ولم يتعرض أي من الحديثين للميراث، فلا يترك نص صحيح صريح بمثل هذا. ولعل هذه الطائفة لم يبلغها هذا الحديث.
ثم قال النووي: وأما المرتد فلا يرث المسلم بالإجماع، وأما المسلم فلا يرث المرتد عند الشافعي ومالك، بل يكون ما له فيئًا للمسلمين، وقال أبو حنيفة والكوفيون والأوزاعي وإسحاق، يرثه ورثته من المسلمين، وروي ذلك عن علي وابن مسعود وجماعة من السلف، لكن قال الثوري وأبو حنيفة: ما كسبه في ردته فهو للمسلمين، وقال الآخرون: الجميع لورثته من المسلمين.
وأما توريث الكفار بعضهم من بعض، كاليهودي من النصراني وعكسه، والمجوسي منهما، وهما منه، فقال به الشافعي وأبو حنيفة وآخرون، ومنعه مالك. قال الشافعي: لكن لا يرث حربي من ذمي، ولا ذمي من حربي، والله أعلم.
وأما الكلالة فقد تناولتها آية الشتاء، في أوائل سورة النساء، وآية الصيف في آخرها. فالآية الأولى آية المواريث ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس من بعد وصية يوصي بها أو دين آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعًا فريضة من الله إن الله كان عليمًا حكيمًا * ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم
стр. 3473
من بعد وصية توصون بها أو دين وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث. من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار وصية من الله والله عليم حليم﴾
فهذه الآيات تناولت الكلالة في حالة ما إذا لم يترك الميت ولدًا ولا والدًا، وترك إخوة لأم، فقد كان ابن مسعود يقرأ "وله أخ أو أخت من أم" وكذلك قرأ سعد بن أبي وقاص، فيما أخرجه البيهقي بسند صحيح، ومن الشتاء إلى الصيف أخذ الصحابة يستفتون رسول الله ﷺ عن الكلالة بخصوص الإخوة والأخوات الشقيقات أو لأب، كما حدث من جابر ﵁ رواياتنا الخامسة والسادسة والسابعة والثامنة، فنزلت في الصيف آية الكلالة ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالاً ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم﴾ [النساء: ١٧٦].
ولا بد من تقدير "من أم" في الأخ والأخت في الآية الأولى، لأن فرض السدس لا يكون للأخ إلا إذا كان من أم، أما الشقيق أو لأب فهو عصبة، وأما الشقيقة فلها النصف فرضًا، فتقييد الأخوة في الآية الأولى بكونهم من أم، وتقييد الأخوة في الآية الثانية بكونهم من الأبوين أو لأب، ويلحق بالولد في الآية الثانية الوالد، فيكون المعنى إن امرؤ هلك ليس له ولد ولا والد، لأنه لو كان له والد لحجب الإخوة، إلا عند الشيعة، فإنهم يورثون الإخوة مع الأب، قال القاضي عياض: وذكر بعض العلماء الإجماع على أن الكلالة من لا ولد له ولا والد. اهـ.
لكن العلماء اختلفوا في المراد بالولد في الآية الثانية هل يشمل البنت؟ وهل ينزل الجد منزلة الأب، فلا ترث معه الإخوة؟ وقد سبق الخلاف فيمن ترك أختًا وبنتًا وأخًا، ومذهب ابن عباس فيها. والله أعلم.
وأما قضاء ولي الأمر ديون المتوفى فقد كان ﷺ إذا جاءته جنازة سأل قبل أن يصلي عليها: هل عليه دين؟ فإن قالوا: لا. صلى عليه، وإن قالوا: نعم. سأل: هل ترك مالاً زائدًا على مؤنة تجهيزه يسد دينه؟ فإن قالوا: نعم. صلي عليه، وإن قالوا: لا. وتكفل أحد الصحابة بدينه صلى عليه، فقد روى البخاري أنه ﷺ "سأل هل عليه دين؟ ، فقيل له: نعم. فقال: هل ترك شيئًا؟ قالوا: لا. قال: صلوا على صاحبكم. قال أبو قتادة: صل عليه يا رسول الله وعلى دينه. فصلى عليه" فجعل رسول الله ﷺ إذا لقي أبا قتادة يقول: ما صنعت الديناران - مقدار الدين الذي تكفل به -؟ حتى كان آخر ذلك أن قال: قضيتهما يا رسول الله. قال: الآن بردت عليه جلده.
قال العلماء: كان ﷺ يترك الصلاة على من عليه دين، ليحرض الناس على قضاء الديون في حياتهم، والتوصل إلى البراءة منها، لئلا تفوتهم صلاة النبي ﷺ ، وليحذر بذلك من الاستدانة إلا لضرورة، واختلفوا: هل كانت صلاته على من عليه دين محرمة عليه؟ أو جائزة؟ قال النووي: الصواب الجزم بجوازها. اهـ
стр. 3474
وظاهر الحديث أنه لم يكن يؤدي عن المدين دينه لضيق اليد، فلما فتح الله له الفتوح ضمن الديون وقضاها، ولكن الحقيقة أنه ﷺ لما تحقق الهدف من عدم صلاته، واهتم الناس بالدين، وفهموا آثارها السيئة وصادف ذلك ما فتحه الله من فتوح ضمن الديون، وهل كان يقضيها من مال مصالح المسلمين؟ أم كان يقضيها من خالص ماله؟ وهل كان القضاء واجبًا عليه؟ أم لا؟ وهل يلزم القائم بأمر المسلمين أن يفعل ذلك بمن مات وعليه دين؟ فإن لم يفعل فالإثم عليه؟ أو لا؟ أقوال للعلماء.
-[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]-
١ - من أحاديث جابر، الرواية الخامسة والسادسة والسابعة والثامنة يؤخذ فضيلة عيادة المريض.
٢ - واستحباب المشي فيها، إذ فيه زيادة الأجر والثواب.
٣ - وفي صب ماء الوضوء التبرك بآثار الصالحين وفضل طعامهم وشرابهم ونحوهما، وفضل مؤاكلتهم ومشاربتهم ونحو ذلك. قاله النووي.
٤ - ظهور آثار بركة النبي ﷺ .
٥ - استدل به الشافعية وغيرهم على طهارة الماء المستعمل في الوضوء والغسل، ردًا على أبي يوسف، القائل بنجاسته، وهي رواية عن أبي حنيفة.
قال النووي: وفي الاستدلال بهذا الحديث نظر، لأنه يحتمل أنه صب من الماء الباقي في الإناء، ولكن قد يقال: إن البركة العظمى فيما لاقى أعضاءه في الوضوء، ﷺ .
٦ - وجواز وصية المريض، وإن كان عقله يذهب في بعض أوقاته، بشرط أن تقع الوصية في حال إفاقته، وحضور عقله.
٧ - وبسكوت النبي ﷺ ، وعدم رده على جابر استدل من لا يجوز الاجتهاد في الأحكام للنبي ﷺ ، والجمهور على جوازه، ويتأولون هذا الحديث وشبهه على أنه لم يظهر له بالاجتهاد شيء، فلهذا لم يرد عليه شيئًا، رجاء أن ينزل الوحي.
٨ - استنبط منه البخاري مشروعية عيادة المغمى عليه، ولا يقال: إن عيادته لا فائدة منها، لكونه لا يعلم بعائده، وقيل إن حديث جابر ليس فيه التصريح بأنهما علما أنه مغمى عليه قبل عيادته، فلعل الإغماء وافق حضور حضورهما، بل الظاهر من السياق وقوع ذلك حال مجئيهما، وقبل دخولهما عليه، فلا دلالة فيه على زيارة المغمى عليه، وأجيب بأن مجرد علم المريض بعائده بعد الإفاقة يسر خاطره، على أن مشروعية عيادة المريض لا تتوقف على المريض وحده، بل فيها وراء ذلك جبر لخاطر أهله، وما يرجى من بركة دعاء العائد، ووضع يده على المريض، والمسح على جسده، إلى غير ذلك.
٩ - ومن الرواية التاسعة من قول عمر: "وإني إن أعش ... إلخ" جواز تأخير القضاء في قضية لم يظهر
стр. 3475
الحكم فيها ظهورًا بينا، فيؤخر الحكم حتى يتم الاجتهاد فيها، ويستوفى نظرها، ويتقرر الحكم، ثم يقضي به ويشيعه بين الناس. قال النووي: ولعل النبي ﷺ إنما أغلظ له لخوفه من اتكاله، واتكال غيره على ما نص عليه صريحًا، وتركهم الاستنباط من النصوص، وقد قال الله تعالى ﴿ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ [النساء: ٨٣] فالاعتناء بالاستنباط من آكد الواجبات المطلوبة، لأن النصوص الصريحة لا تفي إلا باليسير من المسائل الحادثة، فإذا أهمل الاستنباط فات القضاء في معظم الأحكام النازلة، أو في بعضها. والله أعلم.
١٠ - استدل بعضهم بحديث البراء - روايتنا العاشرة والحادية عشرة والثانية عشرة على أن آية الكلالة في آخر النساء آخر آية نزلت من القرآن، وأخرج البخاري عن ابن عباس ﵄ أن آخر آية نزلت على النبي ﷺ آية الربا، وجاء عنه من وجه آخر "آخر آية نزلت على النبي ﷺ ﴿واتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله﴾ [البقرة: ٢٨١] يقولون: إن النبي ﷺ مكث بعدها تسع ليال.
وجمع بعضهم بأن الآيتين نزلتا جميعًا، فيصدق أن كلاً منهما آخر بالنسبة لما عداهما، ويحتمل أن تكون الآخرية في آية النساء مقيدة بما يتعلق بالمواريث مثلاً، بخلاف آية البقرة، ويحتمل عكسه. والله أعلم.
١١ - ومن الرواية الثالثة عشرة، من قوله "صلوا على صاحبكم" الأمر بصلاة الجنازة، وهي فرض كفاية.
١٢ - واستدل بعضهم بروايتنا الأولى، بقوله "لا يرث الكافر المسلم" على جواز تخصيص عموم القرآن بخبر الآحاد، لأن قوله تعالى ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ عام في الأولاد، فخص منه الولد الكافر، فلا يرث من المسلم، بالحديث المذكور، وأجيب بأن المنع حصل بالإجماع، وخبر الواحد إذا حصل الإجماع على وفقه كان التخصيص بالإجماع، لا بخبر الواحد فقط.
واللَّه أعلم
стр. 3476
كتاب الهبات
стр. 3477
(٤٢٩) باب الرجوع في الصدقة والهبة
٣٦٦٤ - عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: حملت على فرس عتيق في سبيل الله فأضاعه صاحبه فظننت أنه بائعه برخص، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك. فقال "لا تبتعه ولا تعد في صدقتك فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه".
٣٦٦٥ - - وفي رواية عن مالك بن أنس بهذا الإسناد وزاد "لا تبتعه وإن أعطاكه بدرهم".
٣٦٦٦ - عن عمر ﵁: أنه حمل على فرس في سبيل الله فوجده عند صاحبه وقد أضاعه وكان قليل المال فأراد أن يشتريه فأتى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له. فقال "لا تشتره وإن أعطيته بدرهم فإن مثل العائد في صدقته كمثل الكلب يعود في قيئه".
٣٦٦٧ - عن ابن عمر ﵄: أن عمر بن الخطاب حمل على فرس في سبيل الله فوجده يباع فأراد أن يبتاعه. فسأل رسول الله ﷺ عن ذلك. فقال "لا تبتعه ولا تعد في صدقتك".
٣٦٦٨ - عن ابن عمر ﵄: أن عمر حمل على فرس في سبيل الله ثم رآها تباع فأراد أن يشتريها، فسأل النبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ "لا تعد في صدقتك يا عمر".
٣٦٦٩ - عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال "مثل الذي يرجع في صدقته كمثل الكلب يقيء ثم يعود في قيئه فيأكله".
стр. 3478
٣٦٧٠ - عن ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول "إنما مثل الذي يتصدق بصدقة ثم يعود في صدقته كمثل الكلب يقيء ثم يأكل قيئه".
٣٦٧١ - عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال "العائد في هبته كالعائد في قيئه".
٣٦٧٢ - عن ابن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ قال "العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه".
-[المعنى العام]-
أهدى تميم الداري لرسول الله ﷺ فرسًا عريقًا نفيسًا، فأعطاه رسول الله ﷺ لعمر ﵁ وكان يقال له الورد، ولم يكن أمام عمر وضع يضع فيه هدية رسول الله ﷺ أفضل وأكرم من ساحة الجهاد، وعنده من الخيل ما علمه وتعود عليه، فقدمه لأحد المجاهدين بأنفسهم، الفقراء الذين لا يجدون حمولة تحملهم إلى الميدان، الذين قال الله فيهم ﴿ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا﴾ [التوبة: ٩٢] قدمه عمر لأحد هؤلاء الأبطال الذين تحتاجهم المعارك الإسلامية، ليرفعوا راية الإسلام عالية، وخرج به الفقير، وجاهد في الله حق جهاده، وعاد من الغزو، فلم يجد ما ينفق به على علف الفرس ومؤنته، وضعف الفرس يومًا بعد يوم عند الرجل، فرأى الرجل أن يبيعه لمن يعرف قدره، ويعتني به ويرعاه، ثم هو ينتفع بثمنه في ضرورات حياته، ورآه عمر يباع في السوق، ومنظره لا يدل على حقيقته وقيمته، وتأكد أنه سيباع برخص، ففكر أن يشتريه، ليعيد إليه صحته ونشاطه وحيويته، وربما يحمل عليه رجلاً آخر في سبيل الله. لكن كيف يمتلك صدقة بعد أن أخرجها وقبضها صاحبها؟ شك في الحكم الشرعي لما فكر فيه، فسأل رسول الله
стр. 3479
صلى الله عليه وسلم. فقال له: لا تشتره. لا تشتره ولو أعطاكه بدرهم، إنك إن اشتريت أشبهت العائد في صدقته، والعائد في صدقته كالكلب، يقيء، ثم يعود إلى قيئه فيأكله، ونفر عمر ﵁ من الفعل ومن شبهه، وبعد عن شرائه، وفي ذلك من أدب التشريع ما يرفع الحياء عن المتصدق عليه إذا أراد أن يبيع الصدقة التي أعطيت له، وكان في ذلك من أدب التشريع ما يمنع المتصدق من أن يمد عينه إلى ما تصدق به، وما يعظم نفسه عن التفكير فيما أخرج في وجوه الخير.
-[المباحث العربية]-
(حملت على فرس عتيق في سبيل الله) أي تصدقت به، ووهبته لمن يقاتل عليه في سبيل الله، وأصله حملت مجاهدًا على فرس لي، وكانت الخيل والإبل من أهم عدة الجهاد، وكانت وسيلة السفر، والعتيق الكريم الفائق من كل شيء، والمراد هنا فرس نفيس جواد، يقال عتق بفتح التاء يعتق بكسرها، فهو عاتق وعتيق، أي بلغ نهايته ومداه، وعتق بضم التاء يعتق بضمها أيضًا فهو عتيق، وهي عتيق، أي قدر وكرم. وهل كان هذا الحمل على سبيل الهدية والهبة؟ أو على سبيل الصدقة؟ احتمالان، والفرق بينهما أن الصدقة لا تكون إلا لمستحقها، أما الهبة فتكون لمستحق الزكاة، ولغير مستحق الزكاة، والصدقة لا يقصد لها مقابل إلا من الله، أما الهبة فقد تكون بمقابل دنيوي من الموهوب له، والفرس يطلق على الذكر والأنثى.
(فأضاعه صاحبه) أي أهمله، وقصر في إطعامه وعلفه والعناية بأمره، والضائع الجائع، والمفقود، وفي الرواية الثانية "وكان قليل المال" وقيل لم يعرف مقداره فأراد بيعه بدون قيمته، وقيل: استعمله فيما لا يليق به، والأول أصح.
(فظننت أنه بائعه برخص) أي بثمن بخس رخيص، وهذا الظن بعد أن وجده يبيعه، ففي الرواية الثالثة "فوجده يباع" وفي الرواية الرابعة "ثم رآها تباع".
(فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك) أي عن حكم شرائه بعد هبته، وكأنه وقع في نفسه من ذلك شيء، فسأل عن الحكم، وكان ما توقع، وفي الرواية الثانية "فأراد أن يشتريه، فأتى رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك له" وفي الرواية الثالثة "فأراد أن يبتاعه، فسأل رسول الله ﷺ عن ذلك".
(فقال: لا تبتعه، ولا تعد في صدقتك) جعل شراءه عودًا في الصدقة للتنفير، فهو يشبه العود من حيث رجوع المتصدق به إلى المتصدق، ولو بطريق ما، وفي الرواية الثانية "لا تشتره، وإن أعطيته بدرهم" مبالغة في رخصه، الحامل له على الشراء. وقال الحافظ ابن حجر: سمي شراءه برخص عودًا في الصدقة لأن العادة جرت بالمسامحة من البائع للمشتري في مثل ذلك، فأطلق على القدر الذي يسامح به رجوعًا، أو سماه عودًا في الصدقة من حيث إن الغرض كان ثواب الآخرة، والشراء جعله للدنيا، وبخاصة إذا كان برخص.
стр. 3480
(فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه) في الرواية الثانية "فإن مثل العائد في صدقته كمثل الكلب، يعود في قيئه" وفي الرواية الخامسة "مثل الذي يرجع في صدقته كمثل الكلب، يقيء ثم يعود في قيئه، فيأكله" وفي الرواية السادسة "مثل الذي يتصدق بصدقة، ثم يعود في صدقته، كمثل الكلب، يقيء، ثم يأكل قيأه" وفي هذا التشبيه تنفير من وجوه. تشبيه العائد بالكلب، وهو أخس وأقذر الحيوان، وتشبيه ما يعاد بالقيء، وهو مستقذر، وتشبيه العود بأكل القيء، وهو شديد القذارة والاستقباح.
-[فقه الحديث]-
اختلف العلماء في حكم الرجوع في الهبة والصدقة بطريق الشراء ونحوه، فقال ابن بطال: جعل رسول الله ﷺ الرجوع في الهبة كالرجوع في القيء، وهو حرام، فكذا الرجوع في الهبة. اهـ.
وقد روى البخاري "ليس لنا مثل السوء، الذي يعود في هبته كالكلب يرجع في قيئه" فهذا المثل ظاهر في تحريم الرجوع في الهبة والصدقة بعد إقباضها. كذلك جاء في حديث "لا يحل لواهب أن يرجع في هبته".
قال النووي: هذا الحديث ظاهر في تحريم الرجوع في الهبة والصدقة بعد إقباضهما، وهو محمول على هبة الأجنبي، أما إذا وهب لولده وإن سفل، فله الرجوع فيه، كما صرح به في حديث النعمان بن بشير، ولا رجوع في هبة الإخوة والأعمام وغيرهم من ذوي الأرحام، هذا مذهب الشافعي، وبه قال مالك والأوزاعي، وقال أبو حنيفة وآخرون: يرجع كل واهب، إلا الولد، وكل ذي رحم محرم. اهـ
ويجيب الحنفية عن هذا الحديث بأن الراجع في القيء هو الكلب، لا الرجل، والكلب غير متعبد، بتحليل ولا بتحريم، فلا يثبت منع الواهب من الرجوع، فالرسول ﷺ ينزه أمته من أمثال الكلب، لا أنه أبطل أن يكون لهم الرجوع في هباتهم، وأما حديث "لا يحل لواهب أن يرجع في هبته" فإنه لا يستلزم التحريم، وهو كقوله "لا تحل الصدقة لغني" فنفي الحل لا يستلزم الحرمة.
كما يستدلون بحديث "الرجل أحق بهبته ما لم يثب منها" رواه ابن ماجه والدارقطني، وحديث "من وهب هبة فهو أحق بهبته ما لم يثب منها" رواه الطبراني.
ويحملون هذا الحديث ونحوه على كراهة التنزيه. والله أعلم.
-[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]-
١ - استدل بالحديث بعضهم على جواز بيع الموقوف، إذا بلغ غاية لا يتصور الانتفاع به فيما وقف له، وهذا الاستدلال مبني على أن عمر حبس هذا الفرس ووقفه على الجهاد، وهذا يفتقر إلى دليل، والظاهر أن حمل الفرس كان حمل تمليك، لا حمل تحبيس.
واستثنى العلماء من عموم عدم الرجوع في الهبة صورًا. قال الطبري: يخص من عموم هذا
стр. 3481
الحديث من وهب بشرط الثواب، ومن كان والدًا والموهوب له ولده، والهبة التي لم تقبض، والتي ردها الميراث إلى الواهب لثبوت الأخبار باستثناء كل ذلك، وأما ما عدا ذلك، كالغني يثيب الفقير، ونحو من يصل رحمه، فلا رجوع لهؤلاء، قال: ومما لا رجوع فيه مطلقًا الصدقة، يراد بها ثواب الآخرة.
٢ - وأخذ بعضهم من قول عمر: حملت على فرس عتيق في سبيل الله جواز إذاعة عمل البر، وتعقب بأن كتمان عمل البر أفضل، لكن عمر ﵁ تعارض عنده المصلحتان، الكتمان، وتبليغ الحكم الشرعي، فرجح الثاني، فعمل به، وتعقب بأنه كان يمكنه أن يقول: حمل رجلاً على فرس مثلاً، ولا يقول: حملت، فيجمع بين المصلحتين، قال الحافظ ابن حجر: والظاهر أن محل رجحان الكتمان إنما هو قبل الفعل وعنده، وأما بعد وقوعه فلعل الذي أعطيه أذاع ذلك، فانتقى الكتمان، ويضاف إليه أن في إضافته ذلك إلى نفسه تأكيدًا لصحة الحكم المذكور، لأن الذي تقع له القصة أجدر بضبطها ممن ليس عنده إلا وقوعها بحضوره، فلما أمن ما يخشى من الإعلان بالقصة، صرح بإضافة الحكم إلى نفسه، ويحتمل أن يكون محل ترجيح الكتمان لمن يخشى على نفسه من الإعلان، العجب والرياء، أما من أمن من ذلك كعمر فلا. اهـ.
وفي هذا القول نظر، فإن كتمان عمل البر مطلوب قبل فعله، وعند فعله، وبعد فعله، واحتمال أن الذي أعطيه أذاع ذلك لا يبنى عليه حتى ولو تأكد أنه ذاع، ولو أن تأكيد الصحة والضبط يفتح الباب للإعلان لأعلن كل من فعل برًا، وأما أن الأمن من الرياء يبيح الإعلان فغير مسلم، لأن الكتمان من حكمته عدم جرح مشاعر المعطى، وخاصة في مثل هذه الواقعة التي أساء فيها بائع الفرس بإضاعته.
والظاهر أن عمر ﵁ رأى في القصة هضمًا لنفسه، وخطأ كاد يقع فيه، وقصدًا لا يقصده أهل المروءات، وقربًا من الوقوع في زلة شبهها رسول الله ﷺ بفعل أحقر الحيوانات، فذكر القصة على أنه كاد يسيء لا على أنه فعل برًا ومعروفًا، كما يقول المتصدق: تصدقت ومننت بصدقتي، فليس مقصوده إعلان البر، بل مقصوده إعلان الخطأ، والله أعلم.
٣ - وفي الحديث فضل الحمل في سبيل الله، والإعانة على الغزو بكل شيء.
٤ - وأن الحمل في سبيل الله يعطي المحمول حق بيعه، والانتفاع به، والانتفاع بثمنه.
٥ - وفيه ما كان عليه عمر ﵁ من جهاد بالمال، ويقظة وحيطة من الوقوع في الأخطاء الشرعية.
٦ - وفيه جواز استخدام الألفاظ المستقذرة عند إرادة التنفير، ليرتدع من تسول له نفسه الوقوع في الزلل، أو الاستهانة بالحكم الشرعي.
والله أعلم
стр. 3482
(٤٣٠) باب تفضيل بعض الأولاد على بعض في الهبة
٣٦٧٣ - عن النعمان بن بشير ﵁: أنه قال: إن أباه أتى به رسول الله ﷺ فقال إني نحلت ابني هذا غلامًا كان لي. فقال رسول الله ﷺ "أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ " فقال: لا. فقال رسول الله ﷺ "فارجعه".
٣٦٧٤ - عن النعمان بن بشير ﵁ قال: أتى بي أبي إلى رسول الله ﷺ فقال: إني نحلت ابني هذا غلامًا. فقال "أكل بنيك نحلت؟ " قال: لا. قال "فاردده".
٣٦٧٥ - وفي رواية "أكل بنيك". وفي حديث الليث وابن عيينة "أكل ولدك" ورواية الليث عن محمد بن النعمان وحميد بن عبد الرحمن "أن بشيرًا جاء بالنعمان".
٣٦٧٦ - عن النعمان بن بشير ﵁ قال: وقد أعطاه أبوه غلامًا. فقال له النبي ﷺ "ما هذا الغلام؟ " قال: أعطانيه أبي. قال "فكل إخوته أعطيته كما أعطيت هذا؟ " قال: لا. قال "فرده".
٣٦٧٧ - عن النعمان بن بشير ﵁ قال: تصدق علي أبي ببعض ماله. فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله ﷺ . فانطلق أبي إلى النبي ﷺ ليشهده على صدقتي. فقال له رسول الله ﷺ "أفعلت هذا بولدك كلهم" قال: لا. قال "اتقوا الله واعدلوا في أولادكم" فرجع أبي فرد تلك الصدقة.
стр. 3483
٣٦٧٨ - عن النعمان بن بشير ﵁: أن أمه بنت رواحة سألت أباه بعض الموهبة من ماله لابنها، فالتوى بها سنة ثم بدا له، فقالت: لا أرضى حتى تشهد رسول الله ﷺ على ما وهبت لابني فأخذ أبي بيدي وأنا يومئذ غلام فأتى رسول الله ﷺ : فقال يا رسول الله إن أم هذا بنت رواحة أعجبها أن أشهدك على الذي وهبت لابنها. فقال رسول الله ﷺ "يا بشير ألك ولد سوى هذا؟ " قال: نعم. فقال "أكلهم وهبت له مثل هذا؟ " قال: لا. قال "فلا تشهدني إذا فإني لا أشهد على جور".
٣٦٧٩ - عن النعمان بن بشير ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "ألك بنون سواه؟ " قال: نعم. قال "فكلهم أعطيت مثل هذا؟ " قال: لا. قال "فلا أشهد على جور".
٣٦٨٠ - عن النعمان بن بشير ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لأبيه "لا تشهدني على جور".
٣٦٨١ - عن النعمان بن بشير ﵁ قال: انطلق بي أبي يحملني إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أشهد أني قد نحلت النعمان كذا وكذا من مالي. فقال "أكل بنيك قد نحلت مثل ما نحلت النعمان؟ " قال: لا. قال "فأشهد على هذا غيري" ثم قال "أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء؟ " قال: بلى. قال "فلا إذا".
٣٦٨٢ - عن النعمان بن بشير ﵁ قال: نحلني أبي نحلاً ثم أتى بي إلى رسول الله ﷺ ليشهده. فقال "أكل ولدك أعطيته هذا؟ " قال: لا. قال "أليس تريد منهم البر مثل ما تريد من ذا؟ " قال: بلى. قال "فإني لا أشهد" قال ابن عون: فحدثت به محمداً. فقال إنما تحدثنا أنه قال "قاربوا بين أولادكم".
стр. 3484
٣٦٨٣ - عن جابر ﵁ قال: قالت امرأة بشير: أنحل ابني غلامك وأشهد لي رسول الله ﷺ فأتى رسول الله ﷺ فقال: إن ابنة فلان سألتني أن أنحل ابنها غلامي وقالت أشهد لي رسول الله ﷺ : فقال "أله إخوة؟ " قال: نعم. قال "أفكلهم أعطيت مثل ما أعطيته؟ " قال: لا. قال "فليس يصلح هذا وإني لا أشهد إلا على حق".
-[المعنى العام]-
المال والحرص عليه من أهم أسباب الشقاء الإنساني في هذه الحياة، يورث الشقاق بين الإخوة وذوي الأرحام ويزرع عقوق الأبناء للآباء، من أجل هذا اهتم الإسلام بتصرف الآباء في مالهم مع الأبناء. لقد وضعت القواعد والقيود والفرائض في الميراث، ورضي المسلمون بحكم الله فيه، ولم يعد أداة للنزاع، أو سببًا للفرقة والبغضاء. فماذا عن تصرفات الآباء في حياتهم؟ هل يسوون بين أولادهم؟ أو يتبعون النوازع النفسية، وزيادة حبهم لبعض الأولاد فوق حب البعض، لا نقاش في درجات الحب القلبي، ولا عقوبة على ميل الآباء للبعض فوق البعض، فذلك مما لا يملكه البشر، إنما النقاش في عدم المساواة بين الأولاد في العطاء المادي، وقد تتعدد أمهات الأولاد، فتكون لإحداهن حظوة ودلال على الأب تحاول من خلاله تمييز أولادها عن أولاد ضرائرها في مال أبيهم، وها هي عمرة بنت رواحة تطلب من زوجها بشير بن سعد أن يمنح ابنها منه النعمان منحة يختص بها دون إخوته من ضرائرها، ويماطل زوجها في الإجابة، وتلح في الطلب، وتمضي سنة وبعض أخرى، وعمرة تلح، وبشير يراوغ ويماطل، حتى هددته بالتوقف عن تربية النعمان ورعايته إذا لم يمنحه عبدًا يملكه، أو حديقة هي أعز أمواله، ولم يجد بشير بدا من إجابتها، فوهب للنعمان عبدًا غلامًا، أو حديقة، أو الأمرين، وخافت عمرة من تراجع بشير أمام ضغط الأبناء الآخرين وأمهاتهم، فطلبت منه أن يشهد على هذه المنحة رسول الله ﷺ ، توثيقًا وتمكينًا وتبركًا، وذهب بشير إلى رسول الله ﷺ يصحب معه ابنه، يحمله في بعض الطريق لصغره، ويمشي معه في بعضه، حتى وصلا إلى رسول الله ﷺ . فقال بشير: يا رسول الله، إن النعمان هذا ابني من عمرة بنت رواحة وإنها طلبت مني أن أمنحه عطية، فوهبته غلامًا هو أحب ما لي إلي، فقالت لي أمه: لا يرضيني إلا أن تشهد رسول الله ﷺ على هذه الهبة.
فاشهد يا رسول الله أنني منحت ابني النعمان هذا الغلام. قال رسول الله ﷺ : ألك ولد سواه؟ قال: نعم قال له: أأعطيت أولادك الآخرين مثل ما أعطيت النعمان؟ قال: لا قال: هل تحب من الجميع أن يبروك بأحسن درجات البر؟ قال: نعم. قال: سو بينهم اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم، سووا بين أولادكم في الهبة كما تحبون أن يسووا لكم في البر، رد - يا بشير - هذه العطية، وإلا فأشهد عليها غيري، فليس يصلح هذا، وإني لا أشهد على جور، ولا أشهد إلا على حق، فرجع بشير إلى بيته، وأعلن إلى عمرة
стр. 3485
أنه استرد عطيته، بناء على أمر رسول الله ﷺ ، وسلمت عمرة بحكم الله، وهي تقول في نفسها: ليتني رضيت بالهدية دون إشهاد، وليتني لم أطمع، وقد علمت أن الطمع يذهب بما جمع.
-[المباحث العربية]-
(عن النعمان بن بشير) "بشير" بن سعد بن ثعلبة بن الجلاس - بضم الجيم وتخفيف اللام - الخزرجي، صحابي مشهور، من أهل بدر، وشهد غيرها، مات في خلافة أبي بكر سنة ثلاث عشرة، ويقال: أنه أول من بايع أبا بكر من الأنصار.
(إن أباه أتى به رسول الله ﷺ وفي الرواية الخامسة "فأخذ أبي بيدي، وأنا يومئذ غلام، فأتى رسول الله ﷺ " وفي الرواية الثامنة "انطلق بي أبي يحملني إلى رسول الله ﷺ " ويجمع بين الروايتين بأنه أخذه بيده، فمشى معه بعض الطريق، وحمله في بعضها، لصغر سنه، أو عبر عن استتباعه إياه بالحمل.
(فقال: إني نحلت ابني هذا غلامًا كان لي) "نحلت" بفتح الحاء وسكون اللام، يقال: نحل ينحل، من باب ذهب يذهب، والنحلة بكسر النون وسكون الحاء العطية بغير عوض، وهي المرادة بالصدقة في قوله في الرواية الرابعة "تصدق علي أبي ببعض ماله" وفي الرواية الثالثة "فقال له النبي ﷺ : ما هذا الغلام؟ قال: أعطانيه أبي" فكأنهما أخذا الغلام معهما، وكأن رسول الله ﷺ سأل عنه، وأجيب من النعمان، ثم حكى بشير قصته.
وواضح من هذا أن النحلة كانت غلامًا، لكن وقع عند ابن حبان والطبراني عن النعمان بن بشير أنه خطب بالكوفة فقال: إن والدي بشير بن سعد أتى النبي ﷺ ، فقال: إن عمرة بنت رواحة نفست بغلام، وإني سميته النعمان، وإنها أبت أن تربيه حتى جعلت له حديقة من أفضل مال هو لي، وأنها قالت: أشهد على ذلك رسول الله ﷺ " وفيه قوله ﷺ "لا أشهد على جور" وجمع ابن حبان بين الروايتين بالحمل على وقعتين، إحداهما عند ولادة النعمان، وكانت العطية حديقة، والأخرى بعد أن كبر النعمان، وكانت العطية عبدًا. قال الحافظ ابن حجر: وهو جمع لا بأس به، إلا أنه يعكر عليه أنه يبعد أن ينسى بشير مع جلالته الحكم في المسألة، حتى يعود إلى النبي ﷺ ، فيستشهده على العطية الثانية، بعد أن قال له في الأولى "لا أشهد على جور" وجوز ابن حبان أن يكون بشير ظن نسخ الحكم، وقال غيره: يحتمل أن يكون بشير حمل الأمر الأول على كراهة التنزيه، أو ظن أنه لا يلزم من الامتناع في الحديقة الامتناع في العبد، لأن ثمن الحديقة في الأغلب أكثر من ثمن العبد.
قال الحافظ ابن حجر: ثم ظهر لي وجه آخر من الجمع، يسلم من هذا الخدش، ولا يحتاج إلى جواب، وهو أن عمرة لما امتنعت من تربيته إلا أن يهب له شيئًا، يخصه به، وهبه الحديقة المذكورة، تطييبًا لخاطرها، ثم بدا له فارتجعها، لأنه لم يقبضها منه أحد غيره، فعاودته عمرة في ذلك، فماطلها
стр. 3486
سنة أو سنتين، ثم طابت نفسه أن يهب له بدل الحديقة غلامًا، ورضيت عمرة بذلك، إلا أنها خشيت أن يرتجعه أيضًا فقالت له: أشهد على ذلك رسول الله ﷺ ، تريد بذلك تثبيت العطية وأن تأمن من رجوعها فيها، ويكون مجيئه إلى النبي ﷺ للإشهاد، مرة واحدة، وهي الأخيرة، وغاية ما فيه أن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ بعض، أو كان النعمان يقص بعض القصة تارة، ويقص بعضها أخرى، فسمع كل ما رواه، فاقتصر عليه. اهـ.
وهو جمع حسن، وإن كان يقوم على احتمال الهبة والرجوع فيها، ثم الهبة مرة أخرى، وهذا يحتاج إلى معتمد، ثم إن رواية ابن حبان والطبراني فيها الحديقة، وفيها إتيان النبي ﷺ وقوله "لا أشهد على جور" ورواية العبد في الصحيحين فيها الإتيان إلى النبي ﷺ ، وقوله "لا أشهد على جور" فبقي الإشكال، وعندي احتمال قد يرفع الإشكال، وهو أن يكون بشير قد نحل ابنه حديقة وغلامًا معًا، ويكون الذهاب إلى رسول الله ﷺ مرة واحدة، وأنه قال لرسول الله ﷺ : إني قد نحلت ابني هذا حديقة وغلامًا ... إلخ، فذكر النعمان في تحديثه إحدى النحلتين، أو اقتصر بعض الرواة على ذكر إحدى النحلتين، وذكر إحدى النحلتين لا ينفي الأخرى، حيث لا قصر في الأسلوب، هذا إذا كانت هناك ضرورة للجمع، وإلا فالاعتماد على روايات الصحيحين. والله أعلم.
(أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ ) الهمزة للاستفهام الحقيقي، و"كل" منصوب على الاشتغال، وهو مفعول مقدم في الرواية الثانية "أكل بنيك نحلت"، والولد يطلق على الذكر والأنثى، ولم يذكر ابن سعد لبشير والد النعمان ولدًا غير النعمان، وذكر له بنتًا اسمها أبية تصغير أبي وفي الرواية الثانية "أكل بنيك نحلت" والابن يطلق على الذكر، فإن كان لبشير ذكور وإناث فذكر "بنيك" للتغليب والرواية السادسة، ولفظها "ألك بنون سواه؟ قال: نعم" ترد كلام ابن سعد، اللهم إلا أن يقال: إنهم كانوا وماتوا، وهو بعيد. وفي الرواية الثالثة "فكل إخوته أعطيته كما أعطيت هذا"؟ والضمير في "أعطيته" يجوز إفراده مراعاة للفظ "كل" وجمعه مراعاة لمعناه، ومثل ذلك ما جاء في الرواية الخامسة بلفظ "أكلهم وهبت له مثل هذا"؟ والولد بفتح الواو واللام، وكذا بضم الواو وسكون اللام يطلق على المفرد والجمع، ولذا جاء في الرواية الرابعة "أفعلت هذا بولدك كلهم"؟ .
(فقال رسول الله ﷺ : فارجعه) أي ارجع ما نحلته لابنك. وفي الرواية الثانية "فاردده" وفي الرواية الثالثة "فرده" وفي الرواية الرابعة "فرجع أبي فرد تلك الصدقة".
(عمرة بنت رواحة) بن ثعلبة الخزرجية، أخت عبد الله بن رواحة، الصحابي المشهور، و"رواحة" بفتح الراء.
(بعض الموهبة) قال النووي: كذا في بعض النسخ، وفي معظمها "بعض الموهوبة" وتقديرها بعض الأشياء الموهوبة.
(فالتوى بها سنة) أي فماطلها سنة، وعند ابن حبان "حولين" ويجمع بينهما بأن المدة كانت سنة وشيئًا، فجبر الكسر تارة، وألغى أخرى.
стр. 3487
(اتقوا الله واعدلوا في أولادكم) في رواية للبخاري "فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم" زاد في بعضها "في العطية" وفي رواية "سووا بين أولادكم في العطية، كما تحبون أن يسووا بينكم في البر" وسيأتي في فقه الحديث خلاف العلماء في المراد بالتسوية، وفي ملحق روايتنا التاسعة "قاربوا بين أولادكم" بالباء، وفي بعض النسخ "قارنوا" بالنون.
(فلا تشهدني إذًا، فإني لا أشهد على جور) وفي الرواية السابعة "لا تشهدني على جور" وفي الرواية الثامنة "فأشهد على هذا غيري ... فلا. إذًا" والتنوين في "إذًا" عوض عن جملة الشرط، أي إذا كنت يسرك أن يكونوا إليك في البر سواء فلا أشهد، وفي الرواية العاشرة "فليس يصلح هذا، وإني لا أشهد إلا على حق" والجور الميل عن الاستواء والاعتدال، وعن الطريق المستقيم، فإن كان شديدًا فهو الحرام، وإن كان قليلاً فهو المكروه.
-[فقه الحديث]-
لا خلاف بين العلماء في أن التسوية بين الأبناء والبنات، أي بين الأولاد مطلوبة شرعًا، ولكن الخلاف في: هل هي واجبة؟ فعدم التسوية حرام؟
وعلى القول بأنها واجبة، وعدمها حرام، هل تكون باطلة؟ أو ماضية نافذة مع الحرمة؟
وعلى القول بأنها مستحبة، هل يستحب التسوية بين الذكر والأنثى؟ أو للذكر مثل حظ الأنثيين؟
ولكل أدلته، ووجهة نظر في هذه الأحاديث وغيرها، نعرضها بالتفصيل الذي يسمح به المقام.
أولاً: القول بأن التسوية واجبة، وعدمها حرام، وهي باطلة قال به طاووس وعطاء بن أبي رباح ومجاهد وعروة وأبو جريج والنخعي والشعبي وابن شبرمة وأحمد وإسحق وسائر الظاهرية.
واحتجوا على وجوب التسوية وحرمة التفضيل بظاهر عبارات هذه الأحاديث:
(أ) "اتقوا الله واعدلوا في أولادكم" روايتنا الرابعة.
(ب) "لا أشهد على جور" والجور الظلم، وهو حرام - روايتنا الخامسة والسادسة.
(ج) "لا تشهدني على جور" - روايتنا السابعة.
(د) "لا أشهد إلا على حق" روايتنا العاشرة.
(هـ) عند أحمد "إن لبنيك عليك من الحق أن تعدل بينهم والحق واجب".
(و) وعند أبي داود "إن لهم عليك من الحق أن تعدل بينهم، كما أن لك عليهم من الحق أن يبروك".
(ز) وعند النسائي "إلا سويت بينهم" وعنده وعند ابن حبان "سو بينهم".
فهذه الألفاظ وإن اختلفت ترجع إلى معنى واحد، وتفيد وجوب التسوية.
стр. 3488
يضاف إلى ذلك أن التسوية مقدمة للواجب، وأن التفضيل مقدمة للمحرم، فهو مقدمة لقطع الرحم والعقوق، وما يؤدى إلى المحرم محرم، فالتفضيل محرم.
واحتجوا على بطلان التفضيل بالأمر بالرد، "فارجعه" روايتنا الأولى "فاردده" روايتنا الثانية "فرده" روايتنا الثالثة، فلولا فساد العقد ما أمر بالرد، وفي الرواية العاشرة "فليس يصلح هذا" أي فهو باطل.
ثانيًا: القول بأن التسوية واجبة، وعدمها حرام، ويجب عليه رد التفضيل، فإن لم يرد التفضيل صح ونفذ مع الحرمة، وهذا القول لبعض الفريق السابق، وهو المشهور عن أحمد، بل أصح شيء عنه، كما ذكره الخرقي عنه، إذ قال: وإذا فضل بعض ولده في العطية أمر برده، فإن مات ولم يرده فقد ثبت لمن وهب له، إذا كان ذلك في صحته. اهـ وبه قال بعض المالكية، ويقولون: إن في قوله "ارجعه" دليل على الصحة، إذ لو لم تصح الهبة لم يصح الرجوع.
ثالثًا: تجب التسوية إن قصد بالتفضيل الإضرار، وهو قول أبي يوسف.
رابعًا: تجب التسوية ما لم يكن للتفضيل سبب، فإن كان للتفضيل سبب، كاحتياج الولد، لزمانته، أو دينه، أو نحو ذلك جاز. وهذا القول رواية عن أحمد.
خامسًا: التسوية مستحبة، ويسوى بين الذكر والأنثى، وتفضيل بعض الأولاد على بعض مكروه، وليس بحرام، وهو قول جمهور الشافعية، وظاهر الأمر بالتسوية يشهد لهم.
سادسًا: التسوية مستحبة، ومعناها أن يكون للذكر مثل حظ الأنثيين، وأما التفضيل فقد كرهه الثوري وابن المبارك وأحمد، وكان إسحق يقول مثل هذا، ثم رجع إلى قول الشافعي: ترك التفضيل في عطية الأبناء فيه حسن الأدب، ويجوز له ذلك في الحكم. اهـ.
وباستحباب التسوية قال الشافعية والحنفية والمالكية والجمهور، فإن فضل بعض أولاده صح وكره، واستحبت المبادرة إلى التسوية أو الرجوع.
وأما أن العدل في إعطاء الذكر مثل حظ الأنثيين فلأنه حظه من ذلك المال، لو أبقاه الواهب في يده حتى مات.
ويجيب الجمهور على أدلة الموجبين للتسوية.
بأن قوله "لا أشهد على جور" لا يلزم منه أن يكون حرامًا، بل لو كان حرامًا أو باطلاً ما قال في روايتنا الثامنة "فأشهد على هذا غيري" فإن قيل: قاله تهديدًا قلنا: الأصل في كلام الشرع الحقيقة، وليس التهديد، فقوله "أشهد" بفعل الأمر يعطي وجوب إشهاد الغير أو ندبه، أو على الأقل إباحته، فوجب، تأويل الجور على أنه مكروه كراهة تنزيه، فمعنى "لا أشهد على جور" لا أشهد على ميل الأب لبعض الأولاد، دون بعض.
وبأن امتناعه ﷺ عن الشهادة كان توقيًا عن مثل ذلك لرفعة مقامه، أو لكونه
стр. 3489
الإمام، وكأنه قال: لا أشهد لأن الإمام ليس من شأنه أن يشهد، وإنما من شأنه أن يحكم. حكاه الطحاوي، وارتضاه ابن القصار، وتعقب بأنه لا يلزم من كون الإمام ليس من شأنه أن يشهد، أن يمتنع من تحمل الشهادة، ولا من أدائها إذا تعينت عليه.
ويجيبون بأن مقدمة الحرام لا يلزم أن يكون حرامًا، ولا يلزم من وقوع التفاضل وقوع قطيعة الرحم، فقد يكون هذا التفاضل تافها في نظر الآخرين، أو معقول السبب فلا يحصل عقوق.
وحكى ابن عبد البر عن مالك أن الموهوب للنعمان كان جميع مال والده، ولذلك منعه، فليس فيه حجة على منع التفضيل وتعقب بأن كثيرًا من طرق الحديث صرح بالبعضية، كروايتنا الرابعة، وفيها "تصدق على أبي ببعض ماله" والخامسة وفيها "بعض الموهبة من ماله" والثامنة وفيها "من مالي" ومنها يعلم على القطع أنه كان له مال غير هذه العطية.
وحكى الطحاوي أنما حدث كان من قبيل الاستشارة والنصيحة، فقد جاء بشير يستشير النبي ﷺ في ذلك، فأشار عليه بأن لا تفعل. لكن في أكثر طرق الحديث ما يعارضه.
وتمسك بعضهم بملحق روايتنا التاسعة، ولفظها "فقاربوا بين أولادكم" وقال: إنه المحفوظ، فالمطلوب من التسوية المقاربة ولا يخفى بعده.
وقال بعضهم: إن التشبيه الواقع في التسوية بين الأولاد بالتسوية منهم في بر الوالدين قرينة على أن المراد بالأمر بالتسوية الندب.
كما استدل الجمهور بظاهر حديث "أنت ومالك لأبيك" لأنه إذا كان المال للأب، ووهب منه شيئًا لولده كان كأنه قد وهب مال نفسه لنفسه، قال المحققون: والحديث صحيح، رواه ابن ماجه في سننه بسند قال ابن القطان: صحيح، وقال المنذري: رجاله ثقات، ورواه أيضًا ابن حبان في صحيحه، والطبراني في معجمه.
كما استدلوا بعمل الخليفتين أبي بكر وعمر، بعد النبي ﷺ ، ففي الموطأ بإسناد صحيح عن عائشة "أن أبا بكر قال لها في مرض موته: إني كنت نحلتك نحلاً، فلو كنت اخترتيه لكان لك، وإنما هو اليوم للوارث".
وذكر الطحاوي وغيره أن عمر بن الخطاب نحل ابنه عاصمًا، دون سائر ولده.
وأقوى ما استدل به الجمهور أن الإجماع انعقد على جواز عطية الرجل ما له لغير ولده، فإذا جاز له أن يخرج جميع ولده من ماله - وفي ذلك احتمال عقوق من جميعهم - جاز له أن يخرج عن ذلك بعضهم. فإن قيل: هذا قياس مع وجود النص؟ أجيب بأنه يمتنع القياس مع وجود النص إذا ترك النص على الإطلاق، أما إذا عمل بالنص على وجه من الوجوه - كما ذكرنا - فلا يمتنع. والله أعلم.
-[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]-
١ - استدل به على أن للأب أن يرجع فيما وهبه لابنه، وعند أكثر الفقهاء أن الأم كذلك، وقال المالكية: للأم أن ترجع إن كان الأب حيًا، دون ما إذا مات، وقيدوا رجوع الأب بما إذا كان الابن الموهوب له لم يستحدث دينًا، أو ينكح، وبذلك قال إسحاق، وقال الشافعي: للأب الرجوع مطلقًا، وقال أحمد: لا يحل لواهب أن يرجع في هبته مطلقًا، وقال الكوفيون: إن كان الموهوب له صغيرًا لم
стр. 3490
يكن للأب الرجوع، وكذا إن كان كبيرًا، وقبضها، قالوا: وإن كانت الهبة لزوج من زوجته، أو بالعكس، أو لذي رحم، لم يجز الرجوع في شيء من ذلك، ووافقهم إسحق في ذي الرحم، وقال للزوجة أن ترجع، بخلاف الزوج. قال الحافظ ابن حجر: والاحتجاج لكل واحد من ذلك يطول، وحجة الجمهور في استثناء الأب أن الولد وماله لأبيه، فليس في الحقيقة رجوعًا، وعلى تقدير كونه رجوعًا فربما اقتضته مصلحة التأديب، ونحو ذلك.
٢ - وفي الحديث الندب إلى التآلف بين الإخوة، وترك ما يوقع بينهم الشحناء، أو يورث العقوق للآباء.
٣ - وأن عطية الأب لابنه الصغير، في حجره، لا تحتاج إلى قبض.
٤ - وأن الإشهاد فيها يغني عن القبض، وقيل: إن كانت الهبة ذهبًا أو فضة فلا بد من عزلها.
٥ - وفيه كراهة الشهادة فيما ليس بمباح.
٦ - وأن الإشهاد في الهبة مشروع، وليس بواجب.
٧ - وفيه جواز الميل إلى بعض الأولاد والزوجات، دون بعض، وإن وجبت التسوية بينهم في غير ذلك.
٨ - وأن للإمام الأعظم أن يتحمل الشهادة، وتظهر فائدتها، إما ليحكم في ذلك بعلم عند من يجيزه، أو يؤديها عند بعض نوابه.
٩ - وفيه مشروعية استفصال الحاكم والمفتي عما يحتمل الاستفصال، لقوله "ألك ولد غيره"؟ فلما قال: نعم. قال: أفكلهم أعطيت مثله"؟ فلما قال: لا. قال: "لا أشهد" فيفهم منه أنه لو قال نعم لشهد.
١٠ - وفيه جواز تسمية الهبة صدقة.
١١ - وأن للإمام كلامًا في مصلحة الولد.
١٢ - والمبادرة إلى قبول الحق.
١٣ - وأمر الحاكم والمفتي بتقوى الله في كل حال.
١٤ - وفيه إشارة إلى سوء عاقبة الحرص والتنطع، لأن عمرة لو رضيت بما وهبه زوجها لولده لما رجع فيه، فلما اشتد حرصها في تثبيت ذلك أفضى إلى رده.
١٥ - قال المهلب: وفيه أن للإمام أن يرد الهبة والوصية ممن يعرف منه هروبًا عن بعض الورثة. اهـ وهو بذلك يلحق الورثة بالأبناء، وفيه نظر، فالفرع الملحق ليس في درجة الأصل.
١٦ - انتزع منه بعضهم حل أكل الرجل من مال ابنه بالمعروف، لأنه إذا جاز للوالد انتزاع ملك ولده، الثابت بالهبة، لغير حاجة، فلأن يجوز عند الحاجة أولى، وفيه نظر، فأصل المال الموهوب من الأب، وليس كذلك الأكل من مال الابن الخاص.
واللَّه أعلم
стр. 3491
(٤٣١) باب العمرى والرقبى
٣٦٨٤ - عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال "أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه فإنها للذي أعطيها لا ترجع إلى الذي أعطاها لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث".
٣٦٨٥ - عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول "من أعمر رجلاً عمرى له ولعقبه فقد قطع قوله حقه فيها وهي لمن أعمر ولعقبه" غير أن يحيى قال في أول حديثه "أيما رجل أعمر عمرى فهي له ولعقبه".
٣٦٨٦ - عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ أخبره أن رسول الله ﷺ قال "أيما رجل أعمر رجلاً عمرى له ولعقبه فقال قد أعطيتكها وعقبك ما بقي منكم أحد فإنها لمن أعطيها وإنها لا ترجع إلى صاحبها من أجل أنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث".
٣٦٨٧ - عن جابر ﵁ قال: إنما العمرى التي أجاز رسول الله ﷺ أن يقول هي لك ولعقبك فأما إذا قال هي لك ما عشت فإنها ترجع إلى صاحبها.
٣٦٨٨ - عن جابر وهو ابن عبد الله ﵄: أن رسول الله ﷺ قضى فيمن أعمر عمرى له ولعقبه فهي له بتلة لا يجوز للمعطي فيها شرط ولا ثنيا. قال أبو سلمة: لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث فقطعت المواريث شرطه.
стр. 3492
٣٦٨٩ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "العمرى لمن وهبت له".
٣٦٩٠ - عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها فإنه من أعمر عمرى فهي للذي أعمرها حيًا وميتًا ولعقبه".
٣٦٩١ - وفي حديث أيوب من الزيادة قال: جعل الأنصار يعمرون المهاجرين. فقال رسول الله ﷺ "أمسكوا عليكم أموالكم".
٣٦٩٢ - عن جابر ﵁ قال: أعمرت امرأة بالمدينة حائطًا لها ابنًا لها ثم توفي وتوفيت بعده وتركت ولدًا وله إخوة بنون للمعمرة. فقال ولد المعمرة رجع الحائط إلينا. وقال بنو المعمر بل كان لأبينا حياته وموته. فاختصموا إلى طارق مولى عثمان، فدعا جابرًا فشهد على رسول الله ﷺ بالعمرى لصاحبها، فقضى بذلك طارق. ثم كتب إلى عبد الملك فأخبره ذلك وأخبره بشهادة جابر. فقال عبد الملك صدق جابر. فأمضى ذلك طارق فإن ذلك الحائط لبني المعمر حتى اليوم.
٣٦٩٣ - عن سليمان بن يسار: أن طارقًا قضى بالعمرى للوارث لقول جابر بن عبد الله عن رسول الله ﷺ .
стр. 3493
٣٦٩٤ - عن جابر بن عبد الله ﵄ عن النبي ﷺ قال "العمرى جائزة".
٣٦٩٥ - عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال "العمرى ميراث لأهلها".
٣٦٩٦ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "العمرى جائزة".
٣٦٩٧ - - ومثله عن قتادة بهذا الإسناد غير أنه قال "ميراث لأهلها" أو قال "جائزة".
-[المعنى العام]-
نوع من أنواع الهبة، كان أهل الجاهلية يتعاملون به، عرف عندهم بالعمرى والرقبى، كان الرجل منهم يعطي الآخر دارًا، ويقول له: أعمرتك إياها، أي أبحتها لك مدة عمرك، وكان المهدي يرقب وفاة المهدى إليه، لتعود إليه الدار، وكان هذا شبيهًا بالعودة في الهبة، التي مثلها رسول الله ﷺ بعودة الكلب في قيئه، فجاء الإسلام فأمضاها كهبة صحيحة، تأخذ حكم الهبات، فلا يجوز الرجوع فيها، وتصبح بمجرد القبض ملكًا للموهوب له، ولعقبه من بعده، ونصحهم أن يقولوا في هبتهم: أعمرتك هذا الدار ولعقبك من بعدك، لأنها لن ترجع للواهب أبدًا، ولا يصح أن تتعلق عين الواهب بها، وأن يرقب موت الآخر، فإن كانت عزيزة عليه فليمسكها، ولا يعمرها، فإن أعمرها فليقطع أمله فيها، لتكون هبة خالصة، كصدقة خالصة، يؤجر عليها في الدنيا والآخرة. فالعمرى جائزة، لكنها للموهوب له حياته، وهي ميراث للموهوب له بعد مماته.
وبهذا قضى حكام المسلمين حين جاءتهم الخصومة في حديقة أعمرتها امرأة من المدينة ابنًا لها، فتنازعها من بعده إخوته وأبناؤه، فحكم بها لأبنائه.
-[المباحث العربية]-
(أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه) "أي" شرطية، دخلت عليها "ما" الزائدة، والتقدير: أي رجل، و"أعمر" بضم الهمزة، مبني للمجهول، والأصل: أي رجل أعمره رجل عمرى، و"عمرى" مقصور،
стр. 3494
فعلى، بضم العين وسكون الميم، وحكي ضم الميم، وحكي فتح العين مع سكون الميم، مأخوذة من العمر بفتح العين وضمها، مع سكون الميم، وهو الحياة، يقال: أعمر فلان فلانًا دارًا، أي جعلها له عمره، على سبيل العمرى، تمليكًا للعين، أو تمليكًا للمنفعة على ما سيأتي في فقه الحديث، فالعمرى نوع من الهبة، كان شائعًا في الجاهلية، ويقال لها: الرقبى، بضم الراء وسكون القاف، لأن المعمر والمعمر كان كل منهما يرقب موت الآخر لتعود إليه، فكان الواحد منهم يعطي الآخر دارًا، ويقول له: أعمرتك إياها، أي أبحتها لك مدة عمرك ولها صور تأتي في فقه الحديث.
وعقب الإنسان - بكسر القاف ويجوز إسكانها مع فتح العين، ويجوز كسر العين مع سكون القاف - هم أولاد الإنسان ما تناسلوا.
(فإنها للذي أعطيها، لا ترجع إلى الذي أعطاها) "أعطيها" فعل ماض مبني للمجهول.
(لأنه أعطى عطاء، وقعت فيه المواريث) أي لأن قوله: أعمرتها لك ولعقبك أثبت ميراث العقب لها، فبهذا القول والعطاء ثبتت المواريث، وفي الرواية الثانية "فقد قطع قوله حقه فيها".
(فهي له بتلة، لا يجوز للمعطي فيها شرط ولا ثنيا) "بتلة" أي عطية ماضية غير راجعة للواهب، يقال: بتله يبتله من باب ضرب، بتلاً، أي قطعه عن غيره وفصله، و"الثنيا" الاستثناء أي فهي للموهوب له خالصة، لا يجوز للواهب فيها شرط ولا استثناء.
(أمسكوا عليكم أموالكم، ولا تفسدوها) ليس المراد بذلك النهي عن العمرى، واعتبارها إفسادًا للأموال، وإنما المراد إعلامهم أن العمرى هبة صحيحة ماضية، يملكها الموهوب له ملكًا تامًا، لا يعود للواهب أبدًا، فإذا علموا ذلك فمن شاء أعمر، ودخل على بصيرة، ومن شاء ترك، لأنهم كانوا يتوهمون أنها كالعارية، فكانت كإفساد الأموال، لأنها تزيل الملك بغير عوض.
(أعمرت امرأة بالمدينة ... إلخ) المرأة لها أولاد، ولها حديقة، قالت لأحد أولادها: أعمرتك هذه الحديقة. ثم توفي هذا الولد وترك بنين له، ثم توفيت المرأة، فتنازع الحديقة أبناء المرأة على أن الحديقة رجعت إلى أمهم، فرجعت إليهم، وأبناء الابن المتوفى، على أنها لا ترجع إلى الواهب، بل هي ميراث لعقب وأبناء المتوفى، على أساس أن العمرى لمن أعمرها حيًا وميتًا.
(فاختصموا إلى طارق) بن عمرو، مولى عثمان بن عفان، ولاه عبد الملك بن مروان المدينة، بعد إمارة ابن الزبير.
(العمرى جائزة) أي ماضية ونافذة، كما فهم قتادة، وقيل معناه حلال وصحيحة.
-[فقه الحديث]-
للعمرى ثلاثة أحوال: أحدها: أن يقول: أعمرتك هذه الدار، فإذا مت فهي لورثتك أو لعقبك، وهي صحيحة عند عامة العلماء، وحكى الماوردي أنها لا تصح عند داود وطائفة.
стр. 3495
والخلاف بين العلماء في هذه الصورة في: هل ينتقل إلى المعمر ملك الرقبة؟ حتى يجوز له البيع والشراء، والهبة، وغير ذلك من التصرفات؟ فهي هبة كاملة، لكنها بعبارة طويلة، فإذا مات فالدار لورثته، فإن لم يكن له وارث فلبيت المال، ولا تعود للواهب بحال؟ بهذا قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد والجمهور، وقال مالك والشافعي في القديم: إنما تنتقل المنفعة فقط، كالوقف، فلا يجوز للمعمر التصرف في عينها، فإذا مات فلورثته المنفعة أيضًا، فإن لم يكن له وارث رجعت إلى الواهب، ولا ترجع إلى بيت المال، وهل يسلك به مسلك العارية فيستردها الواهب متى شاء؟ أو الوقف؟ روايتان عند المالكية.
والحكم كذلك في الرقبى، إلا أن الحنفية يقولون: التمليك في العمرى يتوجه إلى الرقبة، وفي الرقبى يتوجه إلى المنفعة، وعنهم أن الرقبى باطلة، وهي ممنوعة عند مالك أيضًا.
الثاني: أن يقول أعمرتك هذه الدار مثلاً ويطلق، أو يقول جعلتها لك عمرك، ولا يتعرض لما سواه، ولا يتعرض لورثته ولا عقبه، وفي حكم هذه الصورة أربعة أقوال:
أ- العقد صحيح ويسلك به مسلك الحالة الأولى، وتكون له، ولورثته من بعده، وتؤيده روايتنا السادسة ولفظها "العمرى لمن وهبت له" والسابعة ولفظها "فإنه من أعمر عمرى فهي للذي أعمرها حيًا وميتًا ولعقبه" والثامنة والتاسعة "في المرأة التي أعمرت ابنًا لها حائطًا". وهذا مذهب الشافعي الجديد، وبه قال أبو حنيفة وأحمد وسفيان الثوري وأبو عبيد وآخرون.
ب- العقد باطل من أساسه، لأنه تمليك مؤقت، فأشبه ما لو باعه أو وهبه شيئًا إلى وقت معين، ويؤيده روايتنا الرابعة، في جزئها الأول، ولفظه "إنما العمرى التي أجاز رسول الله ﷺ أن يقول: هي لك ولعقبك" وهو مذهب الشافعي في القديم.
ج- العقد صحيح، ويكون للمعمر في حياته فقط، فإذا مات رجعت إلى المعمر، أو لورثته إن كان قد مات. وحكي هذا القول عن الشافعي في القديم أيضًا.
د- أنها عارية، يستردها المعمر متى شاء، فإذا مات عادت إلى ورثته. حكاه بعض الشافعية عن القديم أيضًا.
الثالث: أن لا يذكر العقب، ولا الورثة، ولا يقتصر على الإطلاق، بل يقول: جعلتها لك عمرك، فإذا مت عادت إلي، أو إلى ورثتي إن كنت مت. وفي حكم هذه الصورة أربعة أقوال أيضًا:
(أ) الأصح عند الشافعية أن العقد صحيح، ويلغي الشرط، ويسلك به مسلك الحالة الأولى، وتكون له ولورثته من بعده، وعمدتهم الأحاديث المطلقة الصحيحة، روايتنا العاشرة "العمرى جائزة" والحادية عشرة "العمرى ميراث لأهلها" وقالوا: شرط الرجوع المقارن للعقد، مثل الرجوع الطارئ بعده، وقد شبه بالكلب يعود في قيئه، فإما أن يبقي ماله مطلقًا، أو يخرجه مطلقًا فإن أخرجه على خلاف ذلك بطل الشرط، وصح العقد.
(ب) عن بعض الشافعية أن العقد باطل من أساسه، للعلة السابقة في الحالة الأولى.
(ج) أن العقد صحيح، ويكون للمعمر في حياته، فإذا مات رجعت إلى المعمر.
(د) أنها عارية، يستردها المعمر متى شاء، فإذا مات عادت إلى ورثته.
واللَّه أعلم
стр. 3496
كتاب الوصية
стр. 3497
(٤٣٢) باب الوصية وكتابتها
٣٦٩٨ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال "ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده".
٣٦٩٩ - وفي رواية عن عبيد الله بهذا الإسناد غير أنهما قالا "وله شيء يوصي فيه" ولم يقولا "يريد أن يوصي فيه".
٣٧٠٠ - وفي رواية بمثل حديث عبيد الله وقالوا جميعًا "له شيء يوصي فيه" إلا في حديث أيوب فإنه قال "يريد أن يوصي فيه".
٣٧٠١ - عن سالم عن أبيه ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ قال "ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ثلاث ليال إلا ووصيته عنده مكتوبة". قال عبد الله بن عمر: ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله ﷺ قال ذلك إلا وعندي وصيتي.
٣٧٠٢ - عن عامر بن سعد عن أبيه ﵁ قال: عادني رسول الله ﷺ في حجة الوداع من وجع أشفيت منه على الموت. فقلت: يا رسول الله بلغني ما ترى من الوجع وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال "لا" قال: قلت: أفأتصدق بشطره؟ قال "لا الثلث والثلث كثير إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ولست تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها حتى اللقمة تجعلها في
стр. 3498
في امرأتك" قال: قلت: يا رسول الله أخلف بعد أصحابي؟ قال "إنك لن تخلف فتعمل عملا تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة ولعلك تخلف حتى ينفع بك أقوام ويضر بك آخرون اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم لكن البائس سعد بن خولة" قال: رثى له رسول الله ﷺ من أن توفي بمكة.
٣٧٠٣ - - وفي رواية عن سعد ﵁ قال: دخل النبي ﷺ علي يعودني فذكر بمعنى حديث الزهري ولم يذكر قول النبي ﷺ في سعد بن خولة غير أنه قال وكان يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها.
٣٧٠٤ - عن مصعب بن سعد عن أبيه ﵁ قال: مرضت فأرسلت إلى النبي ﷺ . فقلت: دعني أقسم مالي حيث شئت. فأبى. قلت: فالنصف؟ فأبى. قلت: فالثلث؟ قال: فسكت بعد الثلث. قال: فكان بعد الثلث جائزًا.
٣٧٠٥ - - وفي رواية عن سماك بهذا الإسناد نحوه ولم يذكر فكان بعد الثلث جائزًا.
٣٧٠٦ - عن مصعب بن سعد عن أبيه ﵁ قال: عادني النبي ﷺ . فقلت: أوصي بمالي كله؟ قال "لا" قلت: فالنصف؟ قال "لا" فقلت: أبالثلث؟ فقال "نعم والثلث كثير".
٣٧٠٧ - عن ثلاثة من ولد سعد ﵁ كلهم يحدثه عن أبيه أن النبي ﷺ دخل على سعد يعوده بمكة. فبكى. قال "ما يبكيك؟ " فقال: قد خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها كما مات سعد بن خولة. فقال النبي ﷺ "اللهم اشف سعدًا اللهم اشف سعدًا" ثلاث مرار. قال: يا رسول الله إن لي مالاً كثيرًا وإنما يرثني ابنتي أفأوصي بمالي كله؟ قال "لا" قال: فبالثلثين؟ قال: "لا" قال فالنصف؟ قال "لا" قال: فالثلث؟ قال "الثلث والثلث كثير إن صدقتك من مالك صدقة وإن نفقتك على عيالك صدقة وإن ما
стр. 3499
تأكل امرأتك من مالك صدقة وإنك أن تدع أهلك بخير" (أو قال بعيش) "خير من أن تدعهم يتكففون الناس" وقال بيده.
٣٧٠٨ - عن ثلاثة من ولد سعد ﵁ قالوا: مرض سعد بمكة فأتاه رسول الله ﷺ يعوده بنحو حديث الثقفي.
٣٧٠٩ - - وفي رواية عن ثلاثة من ولد سعد بن مالك كلهم يحدث بمثل حديث صاحبه فقال مرض سعد بمكة فأتاه النبي ﷺ يعوده بمثل حديث عمرو بن سعيد عن حميد الحميري.
٣٧١٠ - عن ابن عباس ﵄ قال: لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع فإن رسول الله ﷺ قال "الثلث والثلث كثير" وفي حديث وكيع "كبير أو كثير".
٣٧١١ - عن أبي هريرة ﵁: أن رجلاً قال للنبي ﷺ : إن أبي مات وترك مالاً ولم يوص فهل يكفر عنه أن أتصدق عنه؟ قال "نعم".
٣٧١٢ - عن عائشة ﵂: أن رجلاً قال للنبي ﷺ : إن أمي افتلتت نفسها وإني أظنها لو تكلمت تصدقت فلي أجر أن أتصدق عنها؟ قال "نعم".
٣٧١٣ - عن عائشة ﵂ أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال يا رسول الله: إن أمي افتلتت نفسها ولم توص وأظنها لو تكلمت تصدقت أفلها أجر إن تصدقت عنها؟ قال "نعم".
стр. 3500
٣٧١٤ - وفي رواية عن هشام بن عروة بهذا الإسناد أما أبو أسامة وروح ففي حديثهما "فهل لي أجر؟ ". كما قال يحيى بن سعيد، وأما شعيب وجعفر ففي حديثهما "أفلها أجر؟ " كرواية ابن بشر.
٣٧١٥ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له".
٣٧١٦ - عن ابن عمر ﵄ قال: أصاب عمر أرضًا بخيبر فأتى النبي ﷺ يستأمره فيها. فقال: يا رسول الله إني أصبت أرضًا بخيبر لم أصب مالاً قط هو أنفس عندي منه فما تأمرني به؟ قال "إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها" قال: فتصدق بها عمر أنه لا يباع أصلها ولا يبتاع ولا يورث ولا يوهب. قال: فتصدق عمر في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف أو يطعم صديقًا غير متمول فيه. قال: فحدثت بهذا الحديث محمدًا فلما بلغت هذا المكان غير متمول فيه قال محمد غير متأثل مالا قال ابن عون وأنبأني من قرأ هذا الكتاب أن فيه غير متأثل مالاً.
٣٧١٧ - - وفي رواية ابن أبي زائدة وأزهر انتهى عند قوله "أو يطعم صديقًا غير متمول فيه" ولم يذكر ما بعده.
٣٧١٨ - عن عمر ﵁ قال: أصبت أرضًا من أرض خيبر فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: أصبت أرضًا لم أصب مالاً أحب إلي ولا أنفس عندي منها. وساق الحديث بمثل حديثهم ولم يذكر فحدثت محمدًا وما بعده.
стр. 3501
٣٧١٩ - عن طلحة بن مصرف قال: سألت عبد الله بن أبي أوفى هل أوصى رسول الله ﷺ ؟ فقال: لا. قلت: فلم كتب على المسلمين الوصية أو فلم أمروا بالوصية؟ قال: أوصى بكتاب الله .
٣٧٢٠ - وفي رواية وكيع قلت: فكيف أمر الناس بالوصية؟ وفي حديث ابن نمير قلت: كيف كتب على المسلمين الوصية؟ .
٣٧٢١ - عن عائشة ﵂ قالت: ما ترك رسول الله ﷺ دينارًا ولا درهمًا ولا شاة ولا بعيرًا ولا أوصى بشيء.
٣٧٢٢ - عن الأسود بن يزيد قال: ذكروا عند عائشة أن عليًا كان وصيًا. فقالت: متى أوصى إليه؟ فقد كنت مسندته إلى صدري (أو قالت حجري) فدعا بالطست فلقد انخنث في حجري وما شعرت أنه مات فمتى أوصى إليه؟ .
٣٧٢٣ - عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس يوم الخميس وما يوم الخميس ثم بكى حتى بل دمعه الحصى. فقلت: يا ابن عباس وما يوم الخميس؟ قال: اشتد برسول الله ﷺ وجعه فقال "ائتوني أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعدي" فتنازعوا وما ينبغي عند نبي تنازع. وقالوا ما شأنه؟ أهجر؟ استفهموه قال "دعوني فالذي أنا فيه خير أوصيكم بثلاث أخرجوا المشركين من جزيرة العرب وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم". قال: وسكت عن الثالثة أو قالها فأنسيتها.
стр. 3502
٣٧٢٤ - عن ابن عباس ﵄ أنه قال يوم الخميس وما يوم الخميس ثم جعل تسيل دموعه حتى رأيت على خديه كأنها نظام اللؤلؤ. قال: قال رسول الله ﷺ "ائتوني بالكتف والدواة (أو اللوح والدواة) أكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعده أبدًا" فقالوا: إن رسول الله ﷺ يهجر.
٣٧٢٥ - عن ابن عباس ﵄ قال: لما حضر رسول الله ﷺ وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب. فقال النبي ﷺ "هلم أكتب لكم كتابًا لا تضلون بعده" فقال عمر. إن رسول الله ﷺ قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله. فاختلف أهل البيت فاختصموا فمنهم من يقول قربوا يكتب لكم رسول الله ﷺ كتابًا لن تضلوا بعده ومنهم من يقول ما قال عمر. فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند رسول الله ﷺ قال رسول الله ﷺ "قوموا".
قال عبيد الله: فكان ابن عباس يقول إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ﷺ وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم.
-[المعنى العام]-
إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، واعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا، وتأهب للموت وما بعده، ولا تنتظر حتى يأتي فتقول: ﴿رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين * ولن يؤخر الله نفسًا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون﴾ [المنافقون: ١٠، ١١].
تصدق، واكتب وصيتك وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى، وتخشى الفقر، ولا تهمل، حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت: لفلان كذا. ولفلان كذا. ولفلان كذا. وقد خرج المال من يديك، ولم يعد ملكك ولم يعد لك التصرف فيه، فقد صار لفلان وفلان وفلان من ورثتك.
إن مالك ما قدمت، ومال وارثك ما أخرت، وليس مال وارثك أحب إليك من مالك، فأوص في سبيل الله وقدم لآخرتك ما ينفعك، وكن مثل سعد بن أبي وقاص لما عرض على رسول الله ﷺ أن يتصدق بكل ماله، فمنعه رسول الله ﷺ ، فعرض أن يتصدق بثلثي ماله، فمنعه رسول الله ﷺ . قال: يا
стр. 3503
رسول الله ليس لي إلا ابنة، هي التي ترثني؟ أأتصدق بنصف مالي؟ وأترك لها نصفه؟ قال: لا تصدق بالثلث، والثلث كثير. إنك إن تترك ورثتك أغنياء كان لك أجر على ما أبقيت لهم من مال، وأنفق في حياتك من مالك على زوجك وبنتك والأقربين، فما أنفقت من نفقة تبتغي بها وجه الله إلا كان لك بها أجر حتى اللقمة التي تأكلها زوجتك أو بنتك، لك فيها أجر.
وهذا عمر بن الخطاب ﵁ يشتري أرضًا زراعية في أحسن أرض، فكانت أحب أمواله إليه، فاستأذن رسول الله ﷺ في خير السبل لتكون في سبيل الله، فأشار عليه بأن يوقف أصلها، ويتصدق بريعها ونتاجها.
فالكيس الكيس، والعقل العقل، والمبادرة المبادرة، قبل أن تنتظر من ابنك أو ورثتك أن يتصدق عليك بعد موتك، وإن وصلك أجر صدقته، فلن يكون مثل أجر ما تخرج يداك.
إن رسول الله ﷺ لم يترك دينارًا ولا درهمًا ولا شاة ولا بعيرًا، وهو الذي وزع آلاف الدنانير وآلاف الإبل والشاة على أصحابه، فكانت وصيته كتاب الله والعمل به، وكانت وصيته "نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة" وكانت وصيته "ما حق امرئ مسلم، له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين، إلا ووصيته مكتوبة عنده" ﷺ وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبع هداهم إلى يوم الدين.
-[المباحث العربية]-
(الوصية) جمعه وصايا، كهدية وهدايا، وتطلق على فعل الموصي، وعلى ما يوصي به من مال أو عهد، أو غير ذلك، فتكون بمعنى المصدر، وهو الإيصاء، وتكون بمعنى المفعول، وهو الاسم، وفي الشرع: عهد خاص مضاف إلى ما بعد الموت، وهو يصحبه التبرع، كما في وصية سعد، ووصية عمر، ﵄، قال الأزهري: الوصية من وصيت الشيء، بالتخفيف، أوصيه، إذا وصلته، وسميت وصية لأن الميت يصل بها ما كان في حياته، ويقال: وصية بتشديد الياء، ووصاة، بالتخفيف بغير همزة. وتطلق شرعًا - في غير هذا الموضوع - على ما يقع به الزجر عن المنهيات والحث على المأمورات.
(ما حق امرئ مسلم) "ما" نافية و"الحق" لغة الشيء الثابت، والحكم الثابت أعم من أن يكون واجبًا أو مندوبًا، والمرء هو الرجل، لكن التعبير به هنا خرج مخرج الغالب، إذ لا فرق في الوصية الصحيحة بين الرجل والمرأة، وكذلك الوصف بالمسلم خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له، أو ذكر للتهييج، لتقع المبادرة بالامتثال، لما يشعر به من نفي الإسلام عن تارك ذلك.
(له شيء يريد أن يوصي فيه) وفي ملحق الرواية الأولى "له شيء يوصي فيه" بكسر الصاد، وعند أحمد "له ما يوصي فيه" وفي رواية "له مال" ورواية "شيء" أشمل من رواية "مال" لأنها تعم ما يتمول، وما لا يتمول، كالمختصات، وجملة "يريد أن يوصي فيه" أو "يوصي فيه" صفة "شيء".
стр. 3504
(يبيت ليلتين) جملة فعلية، صفة أخرى لامرئ، وفي الرواية الثانية، "ثلاث ليال" قال الحافظ ابن حجر. وكأن ذكر الليلتين والثلاث لرفع الحرج، لتزاحم أشغال المرء التي يحتاج إلى ذكرها، ففسح له هذا القدر، ليتذكر ما يحتاج إليه، واختلاف الروايات فيه دال على أنه للتقريب، لا التحديد، والمعنى: لا يمضي عليه زمان وإن كان قليلاً، إلا ووصيته مكتوبة، وفيه إشارة إلى اغتفار الزمن اليسير، وكأن الثلاث غاية التأخير، قال الطيبي: أي لا ينبغي أن يبيت زمانًا ما، وقد سامحناه في الليلتين والثلاث، فلا ينبغي له أن يتجاوز ذلك.
(إلا ووصيته مكتوبة عنده) أي بشروطها، والجملة مبتدأ وخبر، مستثنى من عموم الأحوال، أي لا ينبغي لمسلم المبيت ليلتين على حال من الأحوال إلا على حال كتابة وصيته، وهل لفظ "مكتوبة" مقصود؟ يأتي التفصيل والشروط في فقه الحديث.
(عادني رسول الله ﷺ في حجة الوداع) في بعض الروايات "في فتح مكة" أخرجها الترمذي وغيره، وهو وهم باتفاق الحفاظ، وفي الرواية السادسة "دخل على سعد يعوده بمكة" أي في حجة الوداع، وقال الحافظ ابن حجر: أخرج أحمد والبزار والطبراني والبخاري في التاريخ وابن سعد، أن رسول الله ﷺ قدم، فخلف سعدًا مريضًا حيث خرج إلى حنين، فلما فقدم الجعرانة معتمرًا دخل عليه وهو مغلوب، فقال: يا رسول الله، إن لي مالاً، وإني أورث كلالة، أفأوصي بمالي؟ .... الحديث، وفيه: قلت: يا رسول الله أموت أنا بالدار التي خرجت منها مهاجرًا؟ قال: لا. إني لأرجو أن يرفعك الله، حتى ينتفع بك أقوام" الحديث. قال الحافظ: ويمكن الجمع بين الروايتين، بأن يكون ذلك وقع له مرتين، مرة عام الفتح، ومرة عام حجة الوداع، ففي الأولى لم يكن له وارث من الأولاد أصلاً، وفي الثانية كانت له ابنة فقط. اهـ.
وفي هذا الجمع نظر، إذ من المستبعد أن يقال له: الثلث والثلث كثير، حيث لا ولد له، ويسأل بعد ذلك أن يتصدق بكل ماله وله ولد، فالحق أن رواية "حجة الوداع" هي المعتمدة، وقد اشتبه على بعض الرواة وقت زيارته في مرضه بمكة، فوهم.
والظاهر أن الرسول ﷺ عاده بناء على طلبه، ففي الرواية الرابعة، مرضت، فأرسلت إلى النبي ﷺ .
(من وجع أشفيت منه على الموت) الوجع اسم لكل مرض، ومعنى "أشفيت منه على الموت" أشرفت منه على الموت، وقاربته، يقال: شفت الشمس شفوا، قاربت الغروب، وشفى الله العليل شفاء، أبرأه من علته، وأشفي المريض على الموت قاربه، وأشاف الشيء، طال وأشرف.
(ولا يرثني إلا ابنة واحدة)، كان لسعد في ذلك الوقت، ورثة آخرون، عصبات من بني زهرة، وكانوا كثيرًا، لهذا وجه العلماء هذه العبارة توجيهًا يتفق مع الواقع، فقال النووي: أي لا يرثني من الولد، وخواص الورثة، إلا ابنة، وقيل: معناه: لا يرثني من أصحاب الفروض إلا ابنة، وقيل: معناه: لا يرثني ممن أخاف عليه الضياع والعجز إلا ابنة، أو ظن أنها ترث جميع المال، أو استكثر عليها نصف التركة، أما بعد هذا الوقت فقد كان لسعد بنات أخريات، قيل: إحدى عشرة بنتًا، أمهاتهن متأخرات
стр. 3505
الإسلام، كما كان له أبناء، هم: عامر بن سعد، راوي الحديث عن أبيه، وإبراهيم ومصعب وعمر ومحمد وعبد الله وعبد الرحمن وعمران وصالح وعثمان وإسحق ويحيى وعمير، وغيرهم. كذا وقع في كلام بعض الشيوخ.
وكان سعد أحد العشرة المبشرين بالجنة، وآخرهم موتًا، توفي سنة خمس وخمسين على الأشهر، من السابقين إلى الإسلام، وهو أحد الستة الذين رشحهم عمر للخلافة من بعده، وقال عنه عمر آنذاك: إن أصابته الإمرة فذاك، وإلا فليستعن به الوالي، وكان رأس من فتح العراق، وولي الكوفة لعمر، وهو الذي بناها، وهو الذي فتح مدائن كسرى، ولما قتل عثمان اعتزل الفتنة، ولزم بيته، وكان مجاب الدعوة، مات بالعقيق، وحمل إلى المدينة، فصلى عليه في المسجد ﷺ .
(أفأتصدق بثلثي مالي؟ ) المراد من الصدقة الوصية في وجوه البر، كما جاء في الرواية السادسة، ولفظها "أفأوصي بمالي كله؟ " والفاء عاطفة على محذوف، والتقدير: هل تدعني أقسم مالي حيث شئت فأتصدق بمالي كله؟ قال: لا. قال: إذا لم تصرح لي بالتصدق بمالي كله فهل تسمح لي بالتصدق بثلثي مالي؟ .
(الثلث. والثلث كثير) "كثير" بالثاء، وفي بعض النسخ "كبير" بالباء، وكلاهما صحيح، قال القاضي: يجوز نصب "الثلث" الأول ورفعه، أما النصب فعلى الإغراء، أو على تقدير فعل محذوف، نحو "أعط" وأما الرفع فعلى أنه فاعل، أي يكفيك الثلث، أو أنه مبتدأ، حذف خبره، أي الثلث كاف، أو خبر محذوف المبتدأ أي المرخص به الثلث.
وفي الرواية الرابعة "قلت: فالثلث؟ قال: فسكت بعد الثلث" أي سكتة لطيفة "ثم قال: الثلث. والثلث كثير".
(فكان - بعد - الثلث جائزًا) أي فكانت الوصية بالثلث جائزة بعد هذا التصريح، وهو من كلام سعد، وقيل: هو كلام من دونه من الرواة.
(إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير .... ) قال القاضي: روينا "إن تذر" بفتح الهمزة وكسرها، وكلاهما صحيح، يعني بالفتح تكون للتعليل، وبالكسر تكون للشرط، وجواب الشرط تقديره فهو خير، فحذفت الفاء والمبتدأ.
قال الزين بن المنير: إنما عبر له ﷺ بلفظ "الورثة" ولم يقل: أن تذر بنتك، مع أنه لم يكن له يومئذ إلا ابنة واحدة، لكون الوارث حينئذ لم يتحقق، لأن سعدًا إنما قال ذلك بناء على موته في ذلك المرض، وبقائها بعده حتى ترثه، وكان من الجائز أن تموت هي قبله، فأجاب ﷺ بكلام مطابق لكل حالة، وهو قوله "ورثتك" ولم يخص بنتًا من غيرها، وقال الفاكهي: إنما عبر ﷺ بالورثة لأنه اطلع على أن سعدًا سيعيش، ويأتيه أولاد غير البنت المذكورة، وكان كذلك، وقال الحافظ ابن حجر: إن ميراث سعد لم يكن منحصرًا في بنته آنذاك، فقد كان لآخيه
следующие страницы →