Полный текст (6 200 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.
стр. 3501
٣٧١٩ - عن طلحة بن مصرف قال: سألت عبد الله بن أبي أوفى هل أوصى رسول الله ﷺ ؟ فقال: لا. قلت: فلم كتب على المسلمين الوصية أو فلم أمروا بالوصية؟ قال: أوصى بكتاب الله .
٣٧٢٠ - وفي رواية وكيع قلت: فكيف أمر الناس بالوصية؟ وفي حديث ابن نمير قلت: كيف كتب على المسلمين الوصية؟ .
٣٧٢١ - عن عائشة ﵂ قالت: ما ترك رسول الله ﷺ دينارًا ولا درهمًا ولا شاة ولا بعيرًا ولا أوصى بشيء.
٣٧٢٢ - عن الأسود بن يزيد قال: ذكروا عند عائشة أن عليًا كان وصيًا. فقالت: متى أوصى إليه؟ فقد كنت مسندته إلى صدري (أو قالت حجري) فدعا بالطست فلقد انخنث في حجري وما شعرت أنه مات فمتى أوصى إليه؟ .
٣٧٢٣ - عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس يوم الخميس وما يوم الخميس ثم بكى حتى بل دمعه الحصى. فقلت: يا ابن عباس وما يوم الخميس؟ قال: اشتد برسول الله ﷺ وجعه فقال "ائتوني أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعدي" فتنازعوا وما ينبغي عند نبي تنازع. وقالوا ما شأنه؟ أهجر؟ استفهموه قال "دعوني فالذي أنا فيه خير أوصيكم بثلاث أخرجوا المشركين من جزيرة العرب وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم". قال: وسكت عن الثالثة أو قالها فأنسيتها.
стр. 3502
٣٧٢٤ - عن ابن عباس ﵄ أنه قال يوم الخميس وما يوم الخميس ثم جعل تسيل دموعه حتى رأيت على خديه كأنها نظام اللؤلؤ. قال: قال رسول الله ﷺ "ائتوني بالكتف والدواة (أو اللوح والدواة) أكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعده أبدًا" فقالوا: إن رسول الله ﷺ يهجر.
٣٧٢٥ - عن ابن عباس ﵄ قال: لما حضر رسول الله ﷺ وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب. فقال النبي ﷺ "هلم أكتب لكم كتابًا لا تضلون بعده" فقال عمر. إن رسول الله ﷺ قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله. فاختلف أهل البيت فاختصموا فمنهم من يقول قربوا يكتب لكم رسول الله ﷺ كتابًا لن تضلوا بعده ومنهم من يقول ما قال عمر. فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند رسول الله ﷺ قال رسول الله ﷺ "قوموا".
قال عبيد الله: فكان ابن عباس يقول إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ﷺ وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم.
-[المعنى العام]-
إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، واعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا، وتأهب للموت وما بعده، ولا تنتظر حتى يأتي فتقول: ﴿رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين * ولن يؤخر الله نفسًا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون﴾ [المنافقون: ١٠، ١١].
تصدق، واكتب وصيتك وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى، وتخشى الفقر، ولا تهمل، حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت: لفلان كذا. ولفلان كذا. ولفلان كذا. وقد خرج المال من يديك، ولم يعد ملكك ولم يعد لك التصرف فيه، فقد صار لفلان وفلان وفلان من ورثتك.
إن مالك ما قدمت، ومال وارثك ما أخرت، وليس مال وارثك أحب إليك من مالك، فأوص في سبيل الله وقدم لآخرتك ما ينفعك، وكن مثل سعد بن أبي وقاص لما عرض على رسول الله ﷺ أن يتصدق بكل ماله، فمنعه رسول الله ﷺ ، فعرض أن يتصدق بثلثي ماله، فمنعه رسول الله ﷺ . قال: يا
стр. 3503
رسول الله ليس لي إلا ابنة، هي التي ترثني؟ أأتصدق بنصف مالي؟ وأترك لها نصفه؟ قال: لا تصدق بالثلث، والثلث كثير. إنك إن تترك ورثتك أغنياء كان لك أجر على ما أبقيت لهم من مال، وأنفق في حياتك من مالك على زوجك وبنتك والأقربين، فما أنفقت من نفقة تبتغي بها وجه الله إلا كان لك بها أجر حتى اللقمة التي تأكلها زوجتك أو بنتك، لك فيها أجر.
وهذا عمر بن الخطاب ﵁ يشتري أرضًا زراعية في أحسن أرض، فكانت أحب أمواله إليه، فاستأذن رسول الله ﷺ في خير السبل لتكون في سبيل الله، فأشار عليه بأن يوقف أصلها، ويتصدق بريعها ونتاجها.
فالكيس الكيس، والعقل العقل، والمبادرة المبادرة، قبل أن تنتظر من ابنك أو ورثتك أن يتصدق عليك بعد موتك، وإن وصلك أجر صدقته، فلن يكون مثل أجر ما تخرج يداك.
إن رسول الله ﷺ لم يترك دينارًا ولا درهمًا ولا شاة ولا بعيرًا، وهو الذي وزع آلاف الدنانير وآلاف الإبل والشاة على أصحابه، فكانت وصيته كتاب الله والعمل به، وكانت وصيته "نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة" وكانت وصيته "ما حق امرئ مسلم، له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين، إلا ووصيته مكتوبة عنده" ﷺ وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبع هداهم إلى يوم الدين.
-[المباحث العربية]-
(الوصية) جمعه وصايا، كهدية وهدايا، وتطلق على فعل الموصي، وعلى ما يوصي به من مال أو عهد، أو غير ذلك، فتكون بمعنى المصدر، وهو الإيصاء، وتكون بمعنى المفعول، وهو الاسم، وفي الشرع: عهد خاص مضاف إلى ما بعد الموت، وهو يصحبه التبرع، كما في وصية سعد، ووصية عمر، ﵄، قال الأزهري: الوصية من وصيت الشيء، بالتخفيف، أوصيه، إذا وصلته، وسميت وصية لأن الميت يصل بها ما كان في حياته، ويقال: وصية بتشديد الياء، ووصاة، بالتخفيف بغير همزة. وتطلق شرعًا - في غير هذا الموضوع - على ما يقع به الزجر عن المنهيات والحث على المأمورات.
(ما حق امرئ مسلم) "ما" نافية و"الحق" لغة الشيء الثابت، والحكم الثابت أعم من أن يكون واجبًا أو مندوبًا، والمرء هو الرجل، لكن التعبير به هنا خرج مخرج الغالب، إذ لا فرق في الوصية الصحيحة بين الرجل والمرأة، وكذلك الوصف بالمسلم خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له، أو ذكر للتهييج، لتقع المبادرة بالامتثال، لما يشعر به من نفي الإسلام عن تارك ذلك.
(له شيء يريد أن يوصي فيه) وفي ملحق الرواية الأولى "له شيء يوصي فيه" بكسر الصاد، وعند أحمد "له ما يوصي فيه" وفي رواية "له مال" ورواية "شيء" أشمل من رواية "مال" لأنها تعم ما يتمول، وما لا يتمول، كالمختصات، وجملة "يريد أن يوصي فيه" أو "يوصي فيه" صفة "شيء".
стр. 3504
(يبيت ليلتين) جملة فعلية، صفة أخرى لامرئ، وفي الرواية الثانية، "ثلاث ليال" قال الحافظ ابن حجر. وكأن ذكر الليلتين والثلاث لرفع الحرج، لتزاحم أشغال المرء التي يحتاج إلى ذكرها، ففسح له هذا القدر، ليتذكر ما يحتاج إليه، واختلاف الروايات فيه دال على أنه للتقريب، لا التحديد، والمعنى: لا يمضي عليه زمان وإن كان قليلاً، إلا ووصيته مكتوبة، وفيه إشارة إلى اغتفار الزمن اليسير، وكأن الثلاث غاية التأخير، قال الطيبي: أي لا ينبغي أن يبيت زمانًا ما، وقد سامحناه في الليلتين والثلاث، فلا ينبغي له أن يتجاوز ذلك.
(إلا ووصيته مكتوبة عنده) أي بشروطها، والجملة مبتدأ وخبر، مستثنى من عموم الأحوال، أي لا ينبغي لمسلم المبيت ليلتين على حال من الأحوال إلا على حال كتابة وصيته، وهل لفظ "مكتوبة" مقصود؟ يأتي التفصيل والشروط في فقه الحديث.
(عادني رسول الله ﷺ في حجة الوداع) في بعض الروايات "في فتح مكة" أخرجها الترمذي وغيره، وهو وهم باتفاق الحفاظ، وفي الرواية السادسة "دخل على سعد يعوده بمكة" أي في حجة الوداع، وقال الحافظ ابن حجر: أخرج أحمد والبزار والطبراني والبخاري في التاريخ وابن سعد، أن رسول الله ﷺ قدم، فخلف سعدًا مريضًا حيث خرج إلى حنين، فلما فقدم الجعرانة معتمرًا دخل عليه وهو مغلوب، فقال: يا رسول الله، إن لي مالاً، وإني أورث كلالة، أفأوصي بمالي؟ .... الحديث، وفيه: قلت: يا رسول الله أموت أنا بالدار التي خرجت منها مهاجرًا؟ قال: لا. إني لأرجو أن يرفعك الله، حتى ينتفع بك أقوام" الحديث. قال الحافظ: ويمكن الجمع بين الروايتين، بأن يكون ذلك وقع له مرتين، مرة عام الفتح، ومرة عام حجة الوداع، ففي الأولى لم يكن له وارث من الأولاد أصلاً، وفي الثانية كانت له ابنة فقط. اهـ.
وفي هذا الجمع نظر، إذ من المستبعد أن يقال له: الثلث والثلث كثير، حيث لا ولد له، ويسأل بعد ذلك أن يتصدق بكل ماله وله ولد، فالحق أن رواية "حجة الوداع" هي المعتمدة، وقد اشتبه على بعض الرواة وقت زيارته في مرضه بمكة، فوهم.
والظاهر أن الرسول ﷺ عاده بناء على طلبه، ففي الرواية الرابعة، مرضت، فأرسلت إلى النبي ﷺ .
(من وجع أشفيت منه على الموت) الوجع اسم لكل مرض، ومعنى "أشفيت منه على الموت" أشرفت منه على الموت، وقاربته، يقال: شفت الشمس شفوا، قاربت الغروب، وشفى الله العليل شفاء، أبرأه من علته، وأشفي المريض على الموت قاربه، وأشاف الشيء، طال وأشرف.
(ولا يرثني إلا ابنة واحدة)، كان لسعد في ذلك الوقت، ورثة آخرون، عصبات من بني زهرة، وكانوا كثيرًا، لهذا وجه العلماء هذه العبارة توجيهًا يتفق مع الواقع، فقال النووي: أي لا يرثني من الولد، وخواص الورثة، إلا ابنة، وقيل: معناه: لا يرثني من أصحاب الفروض إلا ابنة، وقيل: معناه: لا يرثني ممن أخاف عليه الضياع والعجز إلا ابنة، أو ظن أنها ترث جميع المال، أو استكثر عليها نصف التركة، أما بعد هذا الوقت فقد كان لسعد بنات أخريات، قيل: إحدى عشرة بنتًا، أمهاتهن متأخرات
стр. 3505
الإسلام، كما كان له أبناء، هم: عامر بن سعد، راوي الحديث عن أبيه، وإبراهيم ومصعب وعمر ومحمد وعبد الله وعبد الرحمن وعمران وصالح وعثمان وإسحق ويحيى وعمير، وغيرهم. كذا وقع في كلام بعض الشيوخ.
وكان سعد أحد العشرة المبشرين بالجنة، وآخرهم موتًا، توفي سنة خمس وخمسين على الأشهر، من السابقين إلى الإسلام، وهو أحد الستة الذين رشحهم عمر للخلافة من بعده، وقال عنه عمر آنذاك: إن أصابته الإمرة فذاك، وإلا فليستعن به الوالي، وكان رأس من فتح العراق، وولي الكوفة لعمر، وهو الذي بناها، وهو الذي فتح مدائن كسرى، ولما قتل عثمان اعتزل الفتنة، ولزم بيته، وكان مجاب الدعوة، مات بالعقيق، وحمل إلى المدينة، فصلى عليه في المسجد ﷺ .
(أفأتصدق بثلثي مالي؟ ) المراد من الصدقة الوصية في وجوه البر، كما جاء في الرواية السادسة، ولفظها "أفأوصي بمالي كله؟ " والفاء عاطفة على محذوف، والتقدير: هل تدعني أقسم مالي حيث شئت فأتصدق بمالي كله؟ قال: لا. قال: إذا لم تصرح لي بالتصدق بمالي كله فهل تسمح لي بالتصدق بثلثي مالي؟ .
(الثلث. والثلث كثير) "كثير" بالثاء، وفي بعض النسخ "كبير" بالباء، وكلاهما صحيح، قال القاضي: يجوز نصب "الثلث" الأول ورفعه، أما النصب فعلى الإغراء، أو على تقدير فعل محذوف، نحو "أعط" وأما الرفع فعلى أنه فاعل، أي يكفيك الثلث، أو أنه مبتدأ، حذف خبره، أي الثلث كاف، أو خبر محذوف المبتدأ أي المرخص به الثلث.
وفي الرواية الرابعة "قلت: فالثلث؟ قال: فسكت بعد الثلث" أي سكتة لطيفة "ثم قال: الثلث. والثلث كثير".
(فكان - بعد - الثلث جائزًا) أي فكانت الوصية بالثلث جائزة بعد هذا التصريح، وهو من كلام سعد، وقيل: هو كلام من دونه من الرواة.
(إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير .... ) قال القاضي: روينا "إن تذر" بفتح الهمزة وكسرها، وكلاهما صحيح، يعني بالفتح تكون للتعليل، وبالكسر تكون للشرط، وجواب الشرط تقديره فهو خير، فحذفت الفاء والمبتدأ.
قال الزين بن المنير: إنما عبر له ﷺ بلفظ "الورثة" ولم يقل: أن تذر بنتك، مع أنه لم يكن له يومئذ إلا ابنة واحدة، لكون الوارث حينئذ لم يتحقق، لأن سعدًا إنما قال ذلك بناء على موته في ذلك المرض، وبقائها بعده حتى ترثه، وكان من الجائز أن تموت هي قبله، فأجاب ﷺ بكلام مطابق لكل حالة، وهو قوله "ورثتك" ولم يخص بنتًا من غيرها، وقال الفاكهي: إنما عبر ﷺ بالورثة لأنه اطلع على أن سعدًا سيعيش، ويأتيه أولاد غير البنت المذكورة، وكان كذلك، وقال الحافظ ابن حجر: إن ميراث سعد لم يكن منحصرًا في بنته آنذاك، فقد كان لآخيه
стр. 3506
عتبة بن أبي وقاص - إذ ذاك - أولاد، منهم هاشم بن عتبة الصحابي، الذي قتل بصفين، فجاز التعبير بالورثة لتدخل البنت وغيرها ممن يرث، لو وقع موته إذ ذاك، أو بعد ذلك.
وفي الرواية السادسة "وإنك إن تدع أهلك بخير" أو قال "بعيش".
(من أن تذرهم عالة يتكففون الناس) العالة الفقراء، جمع عائل، وهو الفقير، من عال يعيل إذا افتقر، والتكفف بسط الكف للسؤال، أو يسأل الناس كفافًا من الطعام، يقال: تكفف السائل إذا بسط كفه بالمسألة، وتكفف الرجل الشيء، إذا أخذه بكفه، وتكفف الناس سألهم.
(حتى اللقمة تضعها في في امرأتك) تؤجر عليها، فحتى ابتدائية، و"اللقمة" مبتدأ، وجملة تضعها صفة، و"في" الأولى حرف جر، و"في" الثانية هي الفم حذفت منه الميم، وياؤها علامة الجر، والخبر محذوف، للعلم به مما قبله.
(أخلف بعد أصحابي؟ ) "أخلف" بضم الهمزة وفتح الخاء وتشديد اللام المفتوحة، والكلام على الاستفهام، والمعنى: هل يخلفني أصحابي بمكة بسبب مرضي، ويرجعون معك إلى المدينة؟ قاله إشفاقًا أن يحرم من صحبة النبي ﷺ والأصحاب في العودة، أو خوفًا أن يموت بمكة، وقد هاجر منها، فيكون كسعد بن خولة، يؤيد الاحتمال الثاني ما جاء في ملحق الرواية من قول ابنه الراوي "وكان يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها"، وما جاء في الرواية السادسة.
(إنك لن تخلف، فتعمل عملاً تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة) حول النبي ﷺ التخلف من مراد سعد إلى العيش والحياة الطويلة بعد أصحابه، وقد عاش أكثر من خمس وأربعين سنة بعد هذا القول، أي إنك إذ تعيش طويلاً، فتعمل .... إلخ.
(ولعلك تخلف) ذكرها بصيغة الترجي، قال بعض العلماء: "لعل" من الله للأمر الواقع، وكذلك إذا وردت على لسان الرسول ﷺ غالبًا.
(حتى ينفع بك أقوام، ويضر بك آخرون) "ينفع" و"يضر" بضم الأول مبني للمجهول، وفي بعض النسخ "ينتفع" بفتح الياء، وفي رواية للبخاري، "وعسى الله أن يرفعك، فينتفع بك ناس، ويضر بك آخرون" قال العلماء: فتح العراق وغيره، فتضرر به الكافرون، وانتفع به المسلمون، وقال ابن التين: إن المراد بالنفع به ما وقع من الفتوح على يديه، وبالضرر ما وقع من ابنه عمر بن سعد، حيث كان أمير الجيش الذي قتل الحسين بن علي ومن معه. قال الحافظ: وهو كلام مردود، لما فيه من التكلف من غير ضرورة، إذ يحمل ضرره على ضرر ابنه، مع أن ضرره للكفار محقق. والأولى حمل نفعه وضرره على عامة أفعاله النافعة والضارة.
(اللَّهم امض لأصحابي هجرتهم) أي أتمها ولا تبطلها، ولا تردهم على أعقابهم بترك هجرتهم ورجوعهم عن مستقيم حالهم، يقال: أمضى الحكم والأمر إذا أنفذه، وأمضى البيع إذا أجازه.
стр. 3507
(لكن البائس سعد بن خولة رثى له رسول الله ﷺ من أن توفي بمكة) قال العلماء: هذا من كلام الراوي، وليس من كلام النبي ﷺ ، واختلفوا في قائل هذا الكلام، من هو؟ فقيل: هو سعد بن أبي وقاص، وقيل: هو الزهري الراوي عن عامر بن سعد.
قال النووي: واختلفوا في قصة سعد بن خولة، فقيل: لم يهاجر من مكة حتى مات بها، وقيل: هاجر، وشهد بدرًا، ثم انصرف إلى مكة ومات بها، وقيل: شهد بدرًا وغيرها، وتوفي بمكة في حجة الوداع، وقيل: توفي بمكة سنة سبع في الهدنة، خرج مختارًا تاركًا المدينة، فسبب بؤسه سقوط هجرته، لرجوعه مختارًا، وموته بمكة، وقيل: سبب بؤسه موته بمكة على أي حال كان، وإن لم يكن باختياره، لما فاته من الأجر والثواب الكامل بالموت في دار الهجرة، والغربة عن وطنه إلى هجرة الله تعالى، وهذا ما كان يخافه سعد بن أبي وقاص، كما في الرواية السادسة، وقد روي أن النبي ﷺ خلف مع سعد بن أبي وقاص رجلاً، وقال له: إن توفي بمكة فلا تدفنه بها.
(عن ثلاثة من ولد سعد، قالوا: مرض سعد بمكة، فأتاه رسول الله ﷺ ، هكذا هو في ملحق الرواية السادسة، وهذه الرواية مرسلة، سقط فيها الصحابي، لأن أولاد سعد تابعيون، أما الرواية السادسة نفسها فهي متصلة، وذكر مسلم لهذه الروايات المختلف في وصلها وإرسالها لا يقدح في صحة الرواية المرسلة، ولا في صحة أصل الحديث، لأن الصحيح الذي عليه المحققون أن الحديث إذا روي متصلاً ومرسلاً يحكم باتصاله، لأنها زيادة ثقة. قاله النووي.
(لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع) "غضوا" أي نقصوا.
(فهل يكفر عنه أن أتصدق عنه؟ ) أي هل تكفر صدقتي عنه سيئاته؟
(إن أمي افتلتت نفسها) بالفاء وضم التاء وكسر اللام، مبني للمجهول، "ونفسها" بالرفع نائب فاعل، وبالنصب على المفعول، يقال: افتلت الرجل الأمر إذا تعجله، وافتلت الأمر فلانًا فاجأه، والفلتة الأمر يحدث عجل، والمراد هنا ماتت بغتة فجأة.
(وإني أظنها لو تكلمت تصدقت) منشأ ظنه ما علمه من حرصها على الخير، أو ما علمه من رغبتها في الوصية.
(إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة) إذا حذف المعدود في الثلاث وما فوقها إلى التسع جاز تذكير العدد وتأنيثه، والاستثناء متصل، فإن الثلاثة المذكورة إنما هي من عمله، لأنه كان سببها ومصدرها (الولد والعلم والصدقة الجارية)، ومعنى "انقطع عمله" انقطع تجدد الثواب لعمله.
(أصاب عمر أرضًا بخيبر) هذه الأرض اشتراها عمر بماله من أهل خيبر، واسم هذه الأرض ثمغ، بالثاء المفتوحة والميم الساكنة بعدها غين، وهي غير الأسهم الذي حصل عليها كغنيمة على مشاركته في فتح خيبر، فعند النسائي "جاء عمر، فقال: يا رسول الله، إني أصبت مالاً، لم أصب مالاً مثله قط، كان لي مائة رأس، فاشتريت بها مائة سهم من خيبر، من أهلها".
стр. 3508
(لم أصب مالاً قط هو أنفس عندي منه) في ملحق الرواية "لم أصب مالاً أحب إلي، ولا أنفس عندي منها"، والنفيس الجيد المغتبط به، يقال: نفس، بفتح النون وضم الفاء نفاسة، قال الراوي: سمي نفيسًا لأنه يأخذ بالنفس.
(فما تأمرني به؟ ) في بعض الروايات "أني استفدت مالاً، وهو عندي نفيس، فأردت أن أتصدق به؟ " وفي رواية للبخاري "فكيف تأمرني به؟ "وفي رواية عند عمر بن شبة بإسناد صحيح "أن عمر رأى في المنام ثلاث ليال أن يتصدق بثمغ "ووقع في رواية للدارقطني بإسناد ضعيف "أن عمر قال: يا رسول الله إني نذرت أن أتصدق بمالي" قال الحافظ: ولم يثبت هذا، وإنما كان صدقة تطوع.
(إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها) الحبس المنع، والمعنى إن شئت منعت أصلها عن البيع والإرث والهبة، وتصدقت بثمارها، وما ينتج منها، وهو المعروف في الفقه بالوقف، وفي رواية للبخاري "تصدق بأصله، لا يباع ولا يوهب ولا يورث، ولكن ينفق ثمره" وفي رواية "احبس أصلها، وسبل ثمرتها".
(فتصدق بها عمر أنه لا يباع أصلها) أي فتصدق عمر بأصله حبسًا، وبما ينتج منها صرفًا، وفي رواية قال: حبيس ما دامت السموات والأرض.
(فتصدق عمر في الفقراء) أي حبسها وجعل ثمرها للفقراء، أي والمساكين، فإنهما إذا اجتمعا افترقا في المفهوم، وإذا ذكر أحدهما أريد الآخر معه.
(وفي القربى) جزم القرطبي بأن المراد قربى الواقف. وقيل: ذو قربى النبي ﷺ ، وهم بنو هاشم وبنو المطلب.
(لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف)، قال القرطبي: جرت العادة بأن العامل يأكل من ثمرة الأوقاف، حتى لو اشترط الواقف أن العامل لا يأكل منه، والمراد بالمعروف القدر الذي جرت به العادة، وقيل: القدر الذي يدفع به الشهوة، وقيل: المراد أن يأخذ منه بقدر عمله، والأول أولى.
(أو يطعم صديقًا غير متمول فيه) وفي رواية "غير متمول به" أي غير متخذ منها مالاً، أي ملكًا، والمراد أن لا يملك شيئًا من رقابها.
(غير متأثل مالاً) معناه غير جامع مالاً، وكل شيء له أصل قديم، أو جمع حتى يصير له أصل فهو مؤثل، ومنه مجد مؤثل، أي مؤصل.
(طلحة بن مصرف) بضم الميم وفتح الصاد وكسر الراء المشددة، وحكي فتح الراء، والصواب المشهور كسرها.
стр. 3509
(هل أوصى رسول اللَّه ﷺ ؟ فقال: لا .... قال: أوصى بكتاب اللَّه) في الكلام نفي للوصية، وإثبات لها، ولا تعارض إذا حمل النفي على أشياء معينة، والإثبات على أشياء أخرى، ومن هنا قال النووي: أي لم يوص بثلث ماله، ولا غيره، إذ لم يكن له مال، ولم يوص إلى علي ﵁ ولا إلى غيره بالولاية، بخلاف ما يزعمه الشيعة، وأما الأرض التي كانت له ﷺ بخيبر وفدك، فقد سبلها ﷺ في حياته، ونجز الصدقة بها على المسلمين، قال: وأما الأحاديث الصحيحة في وصيته ﷺ بكتاب الله، ووصيته بأهل بيته، ووصيته بإخراج المشركين من جزيرة العرب، وبإجازة الوفد، فليست مرادة بقوله "لم يوص، إنما المراد به مقصود السائل، وهو ما قدمناه، فلا مناقضة بين الأحاديث.
والمراد من وصيته بكتاب الله أي بالعمل بما فيه، ولعله يشير إلى حديث "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا. كتاب اللَّه ..... ".
(فلم كتب على المسلمين الوصية) أي كيف يؤمر المسلمون بشيء لم يفعله الرسول ﷺ أي إذا كان الرسول ﷺ لم يوص فلم أوجب على المسلمين أو يوصوا، بقوله تعالى ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرًا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقًا على المتقين﴾ وهذه الآية منسوخة عند الجمهور، وسيأتي تفصيل المسألة في فقه الحديث.
(فقد كنت مسندته إلى حجري) بفتح الحاء وكسرها، والمراد حجر الثوب، لأن حجر الإنسان ما بين يديه من ثوبه.
(فدعا بالطست) ليتفل فيه.
(فلقد انخنث) معناه مال وسقط، يقال: خنث الرجل يخنث من باب علم، إذا استرخى وتكسر.
(يوم الخميس وما يوم الخميس؟ ) الاستفهام للتهويل، أي ما أشد هوله، وما أعظم مصيبته، حسبما يعتقد ابن عباس، أي بسبب عدم كتابة النبي ﷺ ، ولهذا قال في الرواية الثامنة عشرة "إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ﷺ ، وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب، من اختلافهم ولغطهم" وسيأتي في فقه الحديث توجيه ما حدث.
(وما ينبغي عند نبي تنازع) جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه.
(أهجر؟ استفهموه) يقال: هجر المريض إذا هذي، والاستفهام حقيقي، أو للتعجب؟ و"استفهموه" بكسر الهاء، فعل أمر، أي اطلبوا منه أن يكشف لكم.
(قال: دعوني. فالذي أنا فيه خير) كان ﷺ مدركًا لغطهم، ولم يكن الوقت يسمح بمناقشتهم وتفهيمهم، فقال: دعوني من اختلافكم ولغطكم، فقد شاء الله أن أعرض عن طلبي،
стр. 3510
وأتوجه إلى لقائه، وفي رواية للبخاري "فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه" "أو" دعوني "أي اتركوني، وقوموا، كما جاء في الرواية الثامنة عشرة.
(أجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم) يقال: أجاز الوفد أي أعطاه جائزة وهدية وهبة وعطاء، والمراد بما يقرب مما كنت أعطيهم، وكان يجيز الواحد بأوقية من فضة، أي نحو أربعين درهمًا.
(وسكت عن الثالثة، أو قالها فأنسيتها) قال النووي: الساكت ابن عباس، والناسي سعيد بن جبير، قال المهلب: الثالثة هي تجهيز جيش أسامة ﵁. قال القاضي عياض: ويحتمل أنها قوله ﷺ "لا تتخذوا قبري مسجدًا يعبد" وقال الداودي: الثالثة الوصية بالقرآن، ويحتمل أن يكون ما وقع "الصلاة وما ملكت أيمانكم".
-[فقه الحديث]-
تتناول الأحاديث النقاط الست التالية:
١ - الحث على الوصية، وحكمها، وكتابتها.
٢ - الوصية بالثلث، والوصية للوارث.
٣ - الصدقة عن الميت الذي لم يوص.
٤ - الوقف - أو الوصية بحبس العين والتصدق بإنتاجها.
٥ - ما أوصى به الرسول ﷺ ، وما أراد أن يوصي به ثم عدل عنه.
٦ - ما يؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم.
وهذا هو التفصيل:
١ - الحث على الوصية، وحكمها، وكتابتها: يقول الله تعالى ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرًا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقًا على المتقين﴾ [البقرة: ١٨٠].
واستدل بهذه الآية وبرواياتنا الأولى والثانية والثالثة عشرة على وجوب الوصية، وبه قال الزهري وأبو مجلز وعطاء وطلحة بن مصرف وآخرون، وحكاه البيهقي عن الشافعي في القديم، وبه قال إسحق وداود وأهل الظاهر، والجمهور على أنها مندوبة، لا واجبة، ونسب ابن عبد البر القول بعدم الوجوب إلى الإجماع سوى من شذ، واستدل لعدم الوجوب من حيث المعنى، بأنه لو لم يوص لقسم جميع ماله بين ورثته بالإجماع، فلو كانت الوصية واجبه لما قسم جميع ماله، ولحجز من ماله سهم ينوب عن الوصية.
كما استدل بأن الأمر بالوصية اقترن بما يدل على الندب، وهو تفويض الوصية إلى
стр. 3511
إرادة الموصي، حيث جاء في روايتنا الأولى: "له شيء يريد أن يوصي فيه" فلو كانت واجبة لما علقها بإرادته.
وأجابوا عن الآية بأنها منسوخة، ففي حديث لابن عباس "كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحب، فجعل لكل واحد من الأبوين السدس ... " الحديث. فإن قيل: الذي نسخ من الآية الوصية للوالدين، والأقارب الذين يرثون؟ قلنا: لم تعد الآية صالحة للاستدلال، حيث تطرق إليها الاحتمال.
وأجابوا عن الحديث بما فسره به الشافعي، حيث قال: إن المراد الحزم والاحتياط، لأنه قد يفجؤه الموت وهو على غير وصية، ولا ينبغي للمؤمن أن يغفل عن ذكر الموت والاستعداد له، وقال غيره: الحق لغة الشيء الثابت، ويطلق شرعًا على ما ثبت به الحكم، والحكم الثابت أعم من أن يكون واجبًا أو مندوبًا، وقد يطلق على المباح أيضًا، لكن بقلة. قاله القرطبي. قال: فإن اقترن به "علي" أو نحوها كان ظاهرًا في الوجوب، وإلا فهو على الاحتمال، وعلى هذا التقدير فلا حجة في هذا الحديث لمن قال بالوجوب.
وأجابوا عن رواية "لا يحل" بأنه يحتمل أن يكون راويها أراد بنفي الحل ثبوت الجواز بالمعنى الأعم الذي تحته الواجب والمندوب والمباح.
ونقل ابن المنذر عن أبي ثور أن الوصية تجب على من عليه حق شرعي، يخشى أن يضيع على صاحبه إن لم يوص به، كوديعة، ودين لله أو لآدمي، وتندب لغير ذلك. والتحقيق: أن هذا القول يرجع إلى قول الجمهور، إذ حاصله أن الوصية غير واجبة لعينها، وأن الواجب لعينه الخروج من الحقوق الواجبة للغير، وقال الحافظ ابن حجر: وعرف من مجموع الأقوال السابقة أن الوصية قد تكون واجبة، كما في قول أبي ثور، وقد تكون مندوبة فيمن رجا منها كثرة الأجر، وقد تكون مكروهة، كما في عكسه، وقد تكون مباحة فيمن استوى الأمران فيه، وقد تكون محرمة، فيما إذا كان فيها إضرار، كما ثبت عن ابن عباس بإسناد صحيح "الإضرار في الوصية من الكبائر" رواه النسائي ورجاله ثقات.
واستدل بالحديث بقوله "مكتوبة عنده" على جواز الاعتماد على الكتابة والخط، ولو لم يقترن ذلك بالشهادة، وخص أحمد ومحمد بن نصر من الشافعية، ذلك بالوصية، لثبوت الخبر فيها، دون غيرها من الأحكام.
والجمهور على اشتراط الشهادة، بأمر خارج عن الحديث، كقوله تعالى ﴿شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم﴾ [المائدة: ١٠٦]، فإنه يدل على اعتبار الإشهاد في الوصية، وقال القرطبي: ذكر الكتابة مبالغة في زيادة التوثق، وإلا فالوصية المشهود بها متفق على صحتها، ولو لم تكون مكتوبة. وقال النووي: فمذهبنا ومذهب الجمهور أنه لا يعمل بالوصية، ولا تنفع إلا إذا كان أشهد عليها.
واستدل بروايتينا الثالثة عشرة والرابعة عشرة بعدم طلب الوصية، لا وجوبًا ولا ندبًا، لمن ليس له
стр. 3512
شيء يوصي فيه، فلا تشرع لمن له مال قليل، قال ابن عبد البر: أجمعوا على أن من لم يكن عنده إلا اليسير التافه من المال، أنه لا تندب له الوصية، قال الحافظ ابن حجر: وفي نقل الإجماع نظر، فالثابت عن الزهري أنه قال: جعل الله الوصية حقًا فيما قل أو كثر، والمصرح به عند الشافعية ندبية الوصية، من غير تفريق بين قليل وكثير، وقد يستدل بقوله "ما حق امرئ" والمرء هو الرجل، على أن الصبي المميز لا تصح وصيته، وقد ذهب إلى ذلك الحنفية والشافعي في أظهر قوليه، وصحح وصيته مالك وأحمد والشافعي في قول، وقيد أحمد صحة وصيته ببلوغه سبع سنين، وعنه عشر سنين.
٢ - الوصية بالثلث، والوصية للوارث: أما الوصية بالثلث فقد قال النووي: أجمع العلماء في هذه الأعصار على أن من له وارث لا تنفذ وصيته بزيادة على الثلث إلا بإجازة الوارث، وأجمعوا على نفوذها في جميع المال [أي إذا أجازوها]، وأما من لا وارث له فمذهبنا ومذهب الجمهور أنه لا تصح وصيته فيما زاد على الثلث، وجوزه أبو حنيفة وأصحابه وإسحق وأحمد في إحدى الروايتين عنه، وروي عن علي وابن مسعود ﵄. اهـ.
واستدلوا بقوله "إنك إن تذر ورثتك أغنياء" فمفهومه أن من لا وارث له، لا يبالي بالوصية بما زاد، لأنه لا يترك ورثة، يخشى عليهم الفقر.
وتعقب من الشافعية هذا الاستدلال بأنه ليس تعليلاً محضًا، وإنما هو تنبيه على الأحظ الأنفع، إذ لو كان تعليلاً محضًا لاقتضى جواز الوصية بأكثر من الثلث، لمن كانت ورثته أغنياء، ولنفذ ذلك عليهم بغير إجازتهم، ولا قائل بذلك، وعلى تقدير أن يكون تعليلاً محضًا، فهو للنقص عن الثلث، لا للزيادة عليه، فكأنه لما شرع الإيصاء بالثلث، وأنه لا يعترض به على الموصي، إلا أن الحط عنه أولى، ولا سيما لمن يترك ورثة غير أغنياء، فنبه سعدًا على ذلك.
كما استدلوا بأن الوصية مطلقة بالآية، فقيدتها السنة بمن له وارث، فيبقى من لا وارث له على الإطلاق، وتعقب بأن الآية منسوخة، كما سبق.
أما الوصية للوارث فقد أخرج أبو داود والترمذي وغيرهما من حديث أبي أمامة "سمعت رسول الله ﷺ يقول في خطبته في حجة الوداع" إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث" وروي هذا الحديث من وجوه أخرى، قال الحافظ ابن حجر عنها: مجموعها يقتضي أن للحديث أصلاً، لكن الحجة في الإجماع على مقتضاه، كما صرح الشافعي، والمراد بعدم صحة الوصية للوارث عدم اللزوم، لأن الأكثرين على أنها موقوفة على إجازة الورثة.
وأما قول النووي: أجمع العلماء في هذه الأعصار على أن من له وارث لا تنفذ وصيته بزيادة على الثلث، إلا بإجازة الورثة، لعله يريد بالعلماء علماء الشافعية، وحجتهم بأن المنع إنما كان في الأصل لحق الورثة، فإذا أجازوه لم يمتنع، لكن بعض العلماء قالوا: لا تصح الوصية للوارث ولا لغير الوارث بما زاد على الثلث ولو أجازت الورثة. وبه قال المزني وداود، وقواه السبكي، واحتج له بحديث عمران بن حصين، في الذي أعتق ستة أعبد، فإن فيه عند مسلم "فقال له النبي ﷺ ، قولاً شديدًا" وفسر
стр. 3513
القول الشديد في رواية أخرى، بأنه قال: "لو علمت ذلك ما صليت عليه" ولم ينقل أنه راجع الورثة، فدل على منعه مطلقًا، وبقوله ﷺ في حديث سعد بن أبي وقاص، في روايتنا الرابعة "فكان بعد الثلث جائزًا" فإن مفهومه أن الزائد على الثلث ليس جائزًا، وبأنه ﷺ منع سعدًا من الوصية بالشطر، ولم يستثن إجازة الورثة.
واختلف العلماء بعد ذلك في وقت إجازة الورثة، والجمهور على أنهم إن أجازوا في حياة الموصي كان لهم الرجوع متى شاءوا، وإن أجازوا بعد موته نفذ، وفصل المالكية في الحياة بين مرض الموت وغيره، فألحقوا مرض الموت بما بعده .. وقال الزهري وربيعة: ليس لهم الرجوع مطلقًا.
واتفقوا على اعتبار كون الموصي له وارثًا بيوم الموت، حتى لو أوصى لأخيه الوارث، حيث لم يكن له ابن يحجب الأخ المذكور، فولد له ابن، قبل موته، يحجب الأخ، فالوصية للأخ المذكور صحيحة، ولو أوصي لأخيه، وله ابن، فمات الابن قبل موت الموصي، فهي وصية لوارث.
ومن الرواية السابعة أخذ العلماء استحباب النقص عن الثلث. قال النووي: وبه قال جمهور العلماء مطلقًا، ومذهبنا: أنه إن كان ورثته أغنياء استحب الإيصاء بالثلث، وإلا فيستحب النقص منه، وعن أبي بكر الصديق ﵁، أنه يوصي بالخمس، وعن علي ﵁ نحوه، وعن ابن عمر وإسحق بالربع، وقال آخرون بالسدس، وآخرون بالعشر، وروي عن علي وابن عباس وعائشة وغيرهم أنه يستحب لمن له ورثة وماله قليل ترك الوصية.
٣ - الصدقة عن الميت الذي لم يوص: وأما الصدقة عن الميت، وهي موضوع رواياتنا الثامنة والتاسعة والعاشرة والحادية عشرة.
قال النووي: في هذه الأحاديث جواز الصدقة عن الميت، واستحبابها، وأن ثوابها يصله، وينفعه، وينفع المتصدق أيضًا، وهذا كله أجمع عليه المسلمون.
وقال في شرح مقدمة صحيح مسلم: من أراد بر والديه فليتصدق عنهما، فإن الصدقة تصل إلى الميت، وينتفع بها بلا خلاف بين المسلمين، وأما ما حكاه الماوردي البصري الفقيه الشافعي عن بعض أصحاب الكلام من أن الميت لا يلحقه بعد موته ثواب، فهو مذهب باطل قطعًا، وخطأ بين، مخالف لنصوص الكتاب والسنة، وإجماع الأمة، فلا التفات إليه، ولا تعريج عليه، وأما الصلاة والصوم عن الميت فمذهب الشافعي وجماهير العلماء أنه لا يصل ثوابهما إلى الميت، إلا إذا كان الصوم واجبًا عن الميت، فقضاه عنه وليه، أو من أذن له الولي، فإن فيه قولين للشافعي، وأما قراءة القرآن فالمشهور من مذهب الشافعي أنه لا يصل ثوابها إلى الميت، وقال بعض أصحابه: يصل ثوابها إلى الميت، وذهب جماعة من العلماء أنه يصل إلى الميت ثواب جميع العبادات، من الصلاة والصوم والقراءة وغير ذلك، ودليلهم القياس على الدعاء والصدقة والحج، فإنها تصل بالإجماع.
ثم قال عن رواياتنا المذكورة: وهذه الأحاديث مخصصة لعموم قوله تعالى ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ [النجم: ٣٩] وأجمع المسلمون على أنه لا يجب على الوارث التصدق
стр. 3514
عن ميته صدقة التطوع، بل هي مستحبة، وأما الحقوق المالية الثابتة على الميت، فإن كان له تركة وجب قضاؤها منها سواء أوصى بها الميت أم لا، ويكون ذلك من رأس المال، سواء ديون الله تعالى، كالزكاة، والحج والنذر، والكفارة وبدل الصوم ونحو ذلك، ودين الآدمي، فإن لم يكن للميت تركة لم يلزم الوارث قضاء دينه، لكن يستحب له ولغيره قضاؤه. وأما الحج فيجزئ عن الميت عند الشافعي وموافقيه، وهذا داخل في قضاء الدين، إن كان حجًا واجبًا، وإن كان تطوعًا وصى به، فهو من باب الوصايا، والله أعلم. اهـ.
٤ - الوقف - أو الوصية بحبس العين والتصدق بإنتاجها: وحديث عمر ﵁، روايتنا الثانية عشرة أصل في الوقف. قال النووي: في هذا الحديث دليل على صحة أصل الوقف، وأنه مخالف لشوائب الجاهلية، وهذا مذهبنا، ومذهب الجماهير، ويدل عليه إجماع المسلمين على صحة وقف المساجد والسقايات. اهـ.
وقال الترمذي: لا نعلم بين الصحابة والمتقدمين من أهل العلم خلافًا في جواز وقف الأرضين، وجاء عن شريح أنه أنكر الحبس، ومنهم من تأوله.
وقال أبو حنيفة: لا يلزم، أي إن إيقاف الأرض لا يمنع من الرجوع فيها، وخالفه جميع أصحابه، إلا زفر، وقد انتصر الطحاوي لأبي حنيفة وزفر، فقال: حبس الأصل وسبل الثمرة في حديث عمر، لا يستلزم التأبيد، بل يحتمل أن يكون أراد مدة اختياره لذلك. وقد رده الحافظ ابن حجر بقوله: ولا يخفى ضعف هذا التأويل، ولا يفهم من قوله "وقفت وحبست" إلا التأبيد، قال: وكأنه لم يقف على الرواية التي فيها "حبيس مادامت السموات والأرض".
ويستدل الطحاوي أيضًا لأبي حنيفة وزفر بما رواه هو وابن عبد البر من طريق مالك عن ابن شهاب قال: قال عمر: "لولا أني ذكرت صدقتي لرسول الله ﷺ لرددتها" فقال: إن الذي منع عمر من الرجوع كونه ذكره للنبي ﷺ ، فكرة أن يفارقه على أمر، ثم يخالفه إلى غيره، قال الحافظ ابن حجر: ولا حجة فيما ذكره من وجهين: أحدهما أنه منقطع، لأن ابن شهاب لم يدرك عمر، وثانيهما أنه يحتمل أن عمر أخر وفقتيه، ولم يقع منه مع الرسول ﷺ إلا استشارته في كيفيته، وأنه ما كتب كتاب وقفه إلا في خلافته، إذ في كتاب وقفه وصف عمر بأمير المؤمنين، ويحتمل أن يكون عمر كان يرى صحة تعليق الوقف ولزومه، إلا إن شرط الواقف الرجوع، فله أن يرجع، وهذا عند المالكية، قال ابن سريج: فتعود منافعه بعد المدة المعينة إليه، ثم إلى ورثته.
وأحسن ما يعتذر به عن أبي حنيفة وزفر أنهما لم يبلغهما هذا الحديث، يؤكد ذلك ما حكاه الطحاوي نفسه عن عيسى بن أبان، قال: كان أبو يوسف (صاحب أبي حنيفة) يجيز بيع الوقف، فبلغه حديث عمر هذا، فقال: من سمع هذا من ابن عون؟ فحدثه به ابن علية، فقال: هذا لا يسع أحدًا خلافه، ولو بلغ أبا حنيفة لقال به، فرجع أبو يوسف عن بيع الوقف (وأبو يوسف أعلم بأبي حنيفة من غيره) حتى صار كأنه لا خلاف فيه بين أحد.
стр. 3515
قال القرطبي: رد الوقف مخالف للإجماع، فلا يلتفت إليه.
وبقية ما يتعلق بهذا الحديث تأتي فيما يؤخذ من الأحاديث قريبًا إن شاء الله.
٥ - ما أوصى به الرسول ﷺ ، وما أراد أن يوصي به ثم عدل عنه: أما وصية النبي ﷺ فقد تحدثت عنها الروايات الثالثة عشرة، وما بعدها، وقد أطال النووي في تحليل موقف الرسول ﷺ وموقف الصحابة ﵃ من طلبه ﷺ الكتف والدواة، ليملي عليهم وصيته الأخيرة، نقتطف منها ما يلي:
قال - رحمة الله عليه - اعلم أن النبي ﷺ معصوم من الكذب، ومن تغيير شيء من الأحكام الشرعية، في حال صحته، وفي حال مرضه، ومعصوم من ترك بيان ما أمر ببيانه، ومن ترك تبليغ ما أوجب الله عليه تبليغه، إذا علمت هذا فاعلم أن العلماء اختلفوا في الكتاب الذي هم به النبي ﷺ .
فقيل: أراد أن ينص على الخلافة في إنسان معين، لئلا يقع نزاع وفتن، قاله البيهقي: وقد حكى سفيان بن عيينة عن أهل العلم قبله، أنه ﷺ أراد أن يكتب استخلاف أبي بكر ﵁، ثم ترك ذلك اعتمادًا على ما علمه من تقدير الله تعالى ذلك، ثم نبه أمته على استخلاف أبي بكر بتقديمه إياه في الصلاة.
وقيل: أراد كتابًا يبين فيه مهمات الأحكام ملخصة، ليرتفع النزاع فيها، ويحصل الاتفاق على المنصوص عليه، وكان النبي ﷺ ، هم بالكتاب حين ظهر له أنه مصلحة، أو أوحي إليه بذلك، ثم ظهر أن المصلحة تركه، أو أوحي إليه بذلك، ونسخ ذلك الأمر الأول.
وأما كلام عمر ﵁ فقد اتفق العلماء المتكلمون في شرح الحديث على أنه من دلائل فقه عمر وفضائله، ودقيق نظره، لأنه خشي أن يكتب ﷺ أمورًا، ربما عجزوا عنها، واستحقوا العقوبة عليها، لأنها تكون حينئذ منصوصة، لا مجال للاجتهاد فيها، فكان عمر أفقه من ابن عباس وموافقيه.
قال البيهقي: لو كان مراد النبي ﷺ أن يكتب ما لا يستغنون عنه، لم يتركه، لاختلافهم، ولا لغيره كما لم يترك تبليغ غير ذلك، لمخالفة من خالفه، ومعاداة من عاداه، وكما أمر في ذلك الحال، بإخراج اليهود من جزيرة العرب، وغير ذلك مما ذكره في الحديث.
ثم قال: وفي تركه ﷺ الإنكار على عمر دليل على استصوابه.
قال الخطابي: ولا يجوز أن يحمل قول عمر، على أنه توهم الغلط على رسول الله ﷺ ، أو ظن به غير ذلك مما لا يليق به بحال، لكنه لما رأى ما غلب على رسول الله ﷺ ، من الوجع وقرب الوفاة، مع ما اعتراه من الكرب خاف أن يكون ذلك القول مما يقوله المريض، مما لا عزيمة له فيه، فيجد المنافقون بذلك سبيلاً إلى الكلام في الدين، وقد كان أصحابه ﷺ يراجعونه في بعض الأمور، قبل أن يجزم فيها بتحتيم، كما راجعوه يوم الحديبية، وفي كتاب الصلح مع قريش، فأما إذا أمر بالشيء أمر عزيمة، فلا يراجعه فيه أحد منهم. والله أعلم.
стр. 3516
وأما وصية الرسول ﷺ بإخراج الكفار من جزيرة العرب فقد أخذ بها مالك والشافعي وغيرهما من العلماء فأوجبوا إخراج الكفار من جزيرة العرب، وقالوا: لا يجوز تمكينهم من سكناها، ولكن الشافعي خص هذا الحكم ببعض جزيرة العرب، وهو الحجاز، وهو عنده مكة والمدينة واليمامة وأعمالها دون اليمن وغيره مما هو من جزيرة العرب، بدليل آخر، مشهور في كتبه وكتب أصحابه، وعن مالك عن ابن شهاب قال: جزيرة العرب، المدينة، وقال الأصمعي: هي ما لم يبلغه ملك فارس من أقصى عدن إلى أطراف الشام، وقال أبو عبيد: هي من أقصى عدن إلى ريف العراق طولاً، ومن جدة إلى أطراف الشام عرضًا.
وقال العلماء: ولا يمنع الكفار من التردد مسافرين في الحجاز، ولكن لا يمكنون من الإقامة فيه أكثر من ثلاثة أيام وقال الشافعي وموافقوه: إلا مكة وحرمها فلا يجوز تمكين كافر من دخوله بحال، فإن دخله في خفية وجب إخراجه، فإن مات ودفن فيه نبش وأخرج، ما لم يتغير، هذا مذهب الشافعي وجماهير الفقهاء، وجوز أبو حنيفة دخولهم الحرم، وحجة الجماهير قول الله تعالى ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ [التوبة: ٢٨]. اهـ.
قال الحافظ ابن حجر: الذي يمنع المشركون من سكناه من جزيرة العرب الحجاز خاصة، وهو مكة والمدينة واليمامة، وما والاها، لا فيما سوى ذلك مما يطلق عليه اسم جزيرة العرب، لاتفاق الجميع على أن اليمن لا يمنعون منها، مع أنها من جملة جزيرة العرب. هذا مذهب الجمهور، وعن الحنفية يجوز مطلقًا إلا المسجد، وعن مالك يجوز دخولهم الحرم للتجارة، وقال الشافعي: لا يدخلون الحرم أصلاً، إلا بإذن الإمام، لمصلحة المسلمين خاصة.
وعرض الألوسي المذاهب، فقال بظاهر الآية ﴿فلا يقربوا المسجد الحرام﴾ فأراد من دخول المسجد الحرام نفسه، وصرف المنع عن دخول المسجد الحرام إلى المنع من الحج والعمرة، أي لا يحجوا ولا يعتمروا بعد حج عامهم هذا، وهو عام تسع من الهجرة، فالإمام الأعظم لا يمنع من دخولهم المسجد الحرام وسائر المساجد في الحرم، ومذهب الشافعي وأحمد ومالك ﵁ كما قال الخازن: أنه لا يجوز للكافر، ذميًا كان، أو مستأمنًا، أن يدخل المسجد الحرام بحال من الأحوال، ويجوز دخوله سائر المساجد عند الشافعي، وعن مالك: كل المساجد سواء في منع الكافرين عن دخولها.
-[٦ - ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]-
(١) من قوله في الروايتين الأولى والثانية "ما حق امرئ مسلم" شذ بعضهم فقال بعدم صحة وصية غير المسلم، وقد بحثه السبكي من حيث إن الوصية شرعت زيادة في العمل الصالح، والكافر لا عمل له بعد الموت، وحكى ابن المنذر الإجماع على صحة وصية الكافر، كالإعتاق، وهو يصح من الذمي والحربي.
(٢) واستدل الإمام محمد بن نصر المروزي من الشافعية، من قوله "إلا ووصيته مكتوبة عنده" بأن الكتابة في الوصية تكفي من غير إشهاد، وقد سبقت هذه المسألة.
стр. 3517
(٣) واستدل بقوله "له شيء يوصي فيه" على صحة الوصية بالمنافع، وهو قول الجمهور، ومنعه ابن أبي ليلى وابن شبرمة وداود وأتباعه، واختاره ابن عبد البر.
(٤) وفي الحديث الحض على الوصية، ومطلقها يتناول الصحيح، لكن السلف خصوها بالمريض، وإنما لم يقيد الحديث بالمريض، لاطراد العادة، كذا قيل، والحق تناول الحض للصحيح، وإن اختلفت درجة الحض بين الصحيح والمريض. ويؤكد ذلك فعل ابن عمر ﵄.
(٥) ومن قوله "مكتوبة" أعم أن تكون بخطه أو بغير خطه.
(٦) ويستفاد منه أن الأشياء المهمة ينبغي أن تضبط بالكتابة، لأنها أثبت من الضبط بالحفظ، لأنه يخون غالبًا.
(٧) ومن فعل ابن عمر ﵄ ملحق روايتنا الثانية منقبة لابن عمر، ﵄، لمبادرته الامتثال لقول الشارع، ومواظبته عليه.
(٨) وفيه الندب إلى التأهب للموت، والاحتراز قبل الفوات، لأن الإنسان لا يدري متى يفجؤه الموت، لأنه ما من سن يفرض، إلا وقد مات فيه جمع كبير، وكل واحد بعينه معرض للموت في الحال، فينبغي أن يكون متأهبًا لذلك، فيكتب وصيته، ويجمع فيها ما يحصل له به الأجر، ويحبط عنه الوزر من حقوق الله، وحقوق عباده.
(٩) ومن حديث سعد، من رواياتنا الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة استحباب عيادة المريض، وهي مستحبة للإمام، كاستحبابها لآحاد الناس، وتتأكد باشتداد المرض، وحاجة المريض إلى شخصية من يعوده.
(١٠) ومن قول سعد "بلغني ما ترى من الوجع" وإقرار النبي ﷺ لذلك جواز إخبار المريض بمرضه، وشدته، وقوة ألمه، إذا لم يقترن بذلك شيء مما يمنع أو يكره، من التبرم، وعدم الرضا، بل حيث يكون ذلك لطلب دعاء أو دواء، وأن ذلك لا ينافي الصبر المحمود. وإذا جاز ذلك أثناء المرض كان الإخبار به بعد الشفاء أولى بالجواز، وإنما يكره من ذلك ما كان على سبيل التسخط ونحوه، فإنه يقدح في أجر مرضه.
(١١) ومن قوله "وأنا ذو مال" دليل على جواز جمع المال، لأن هذه الصيغة لا تستعمل في العرف إلا لمال كثير.
(١٢) ومن قوله " اللهم اشف سعدًا) استحباب الدعاء للمريض.
(١٣) وفيه مراعاة العدل بين الورثة والوصية، قال بعض العلماء: إن كان الورثة أغنياء استحب أن يوصى بالثلث تبرعًا، وإن كانوا فقراء استحب أن ينقص من الثلث.
(١٤) وفيه الشفقة على الورثة.
(١٥) والحث على صلة الأرحام، والإحسان إلى الأقارب.
стр. 3518
(١٦) وأن من فاته بعض أنواع البر أمكنه أن يعوضه بعمل بر آخر، وربما زاد على الأول، وذلك أن سعدًا خاف أن يموت بالدار التي هاجر منها، فيفوت عليه بعض أجر هجرته، فأخبره النبي ﷺ بأنه إن تخلف، فعمل عملاً صالحًا من حج أو جهاد أو غير ذلك كان له به أجر يعوضه ما فاته من الجهة الأخرى.
(١٧) ومن قوله "تبتغي بها وجه الله" أن الأعمال بالنيات.
(١٨) والحث على إخلاص النية، قال ابن دقيق العيد: فيه أن الثواب في الإنفاق مشروط بصحة النية، وابتغاء وجه الله، وسبق تخليص هذا المقصود مما يشوبه.
(١٩) وأن الواجبات إذا أديت على قصد أداء الواجب ابتغاء وجه الله أثيب عليها، فإن نفقة الزوجة واجبة ومع ذلك جعلت اللقمة لها صدقة.
(٢٠) وأن المباح إذا قصد به وجه الله تعالى صار طاعة، ويثاب عليه، وقد نبه ﷺ على هذا بقوله "حتى اللقمة تجعلها في في امرأتك" لأن الزوجة هي من أخص حظوظ الإنسان الدنيوية وشهواته وملاذه المباحة، وإذا وضع اللقمة في فيها فإنما يكون ذلك في العادة عند الملاعبة والملاطفة والتلذذ بالمباح، فهذه الحالة أبعد الأشياء عن الطاعة وأمور الآخرة، ومع هذا أخبر ﷺ أنه إذا قصد بهذه اللقمة وجه الله تعالى حصل له الأجر بذلك، فغير هذه الحالة أولي بحصول الأجر، إذا أراد وجه الله تعالى، ويتضمن ذلك أن الإنسان إذا فعل شيئًا أصله على الإباحة، وقصد به وجه الله تعالى يثاب عليه، وذلك كالأكل بنية التقوى على طاعة الله، والنوم للاستراحة ليقوم إلى العبادة نشيطًا، والاستمتاع بزوجته ليكف نفسه وبصره ونحوهما عن الحرام قاله النووي.
(٢١) ومن قوله "ولعلك تخلف حتى ينفع بك أقوام" الدعاء بطول العمر والعمل الصالح، ففي ذلك فضيلة.
(٢٢) ومن قوله "ونفقتك على عيالك صدقة" أن الإنفاق على العيال يثاب عليه. قال النووي: إذا قصد به وجه الله تعالى.
(٢٣) ومن بكاء سعد خشية التخلف بمكة حرص المسلم على ما كسب من الخير أن ينقصه عمل، لأنه هاجر، وترك مكة وما كان له فيها لله تعالى، فالبقاء بعد ذلك بمكة كالرجوع في الهبة، قال القاضي: قيل: لا يحبط أجر هجرة المهاجر بقاؤه بمكة وموته بها، إذا كان لضرورة، وإنما يحبطه ما كان بالاختيار، وقال قوم: موت المهاجر بمكة محبط هجرته كيفما كان، وقيل: لم تفرض الهجرة إلا على أهل مكة خاصة، فمن هاجر إلى المدينة من غير أهل مكة لا يحبط هجرته البقاء بمكة.
(٢٤) قال الحافظ ابن حجر: وفيه منع نقل الموتى من بلد إلى بلد، إذ لو كان ذلك مشروعًا لأمر بنقل سعد بن خولة. قاله الخطابي. اهـ وفيه نظر فقد يكون الإحباط بالموت في مكة، وليس بالدفن بها.
стр. 3519
(٢٥) وفي قوله "ولا تردهم على أعقابهم" سد للذرائع، لئلا يتذرع بالمرض أحد لأجل حب الوطن.
(٢٦) وفي تقييد الوصية بالثلث تقييد لمطلق القرآن بالسنة، لقوله تعالى ﴿من بعد وصية يوصي بها أو دين﴾ [النساء: ١٢] فأطلق، وقيدت السنة، وتخصيص القرآن بالسنة قول جمهور الأصوليين، وهو الصحيح.
(٢٧) وفيه جواز التصدق بجميع المال لمن عرف بالصبر، ولم يكن له من تلزمه نفقته.
(٢٨) وفيه الاستفسار عن المحتمل، لأن سعدًا لما منع من الوصية بجميع المال احتمل عنده المنع من الكل والجواز فيما دونه، فاستفسر عما دون ذلك.
(٢٩) وفيه أن خطاب الشرع لواحد يعم من كان بصفته من المكلفين، لإطباق العلماء على الاحتجاج بحديث سعد هذا. ولقد أبعد من قال: إن ذلك يختص بسعد، ومن كان في مثل حاله ممن يخلف وارثًا ضعيفًا، أو كان ما يخلفه قليلاً، لأن البنت من شأنها أن يطمع فيها، وإن كانت بغير مال لم يرغب فيها.
(٣٠) واستدل به بعضهم على فضل الغني على الفقير.
(٣١) واستدل بقوله "ولا يرثني إلا ابنة" من قال بالرد، وفيه نظر، للاحتمالات التي مرت في المباحث العربية.
(٣٢) ومن الرواية الثامنة والتاسعة والعاشرة والحادية عشرة فضيلة الزواج، لرجاء الولد الصالح.
(٣٣) من الرواية التاسعة كره بعض الناس موت الفجاءة، لما فيه من حرمان الوصية، وترك الاستعداد للموت وللمعاد بالتوبة وغيرها من الأعمال الصالحة، وفي مصنف أبي شيبة، "موت الفجأة راحة للمؤمن، وأسف على الفاجر".
(٣٤) وفيه حث الأبناء أن يتصدقوا على الآباء والأمهات الذين ماتوا فجأة، وليستدركوا لهم من أعمال البر ما أمكنهم مما يقبل النيابة.
(٣٥) وجواز الصدقة عن الميت، وأن ذلك ينفعه، بوصول ثواب الصدقة إليه، ولا سيما إن كان من الولد، وهو مخصص لعموم قوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾
(٣٦) وفيه ما كان عليه الصحابة من استشارة النبي ﷺ في أمور الدين.
(٣٧) ومن قوله "وإني أظنها لو تكلمت تصدقت" العمل بالظن الغالب.
(٣٨) وفيه المبادرة إلى بر الوالدين.
(٣٩) وأن إظهار الصدقة قد يكون خيرًا من إخفائها.
(٤٠) ومن الرواية الثانية عشرة فضيلة الوقف، وهو الصدقة الجارية.
стр. 3520
(٤١) وفضيلة الإنفاق مما يحب.
(٤٢) منقبة عظيمة وفضيلة كبيرة لعمر ﵁.
(٤٣) ومشاورة أهل الفضل والصلاح في الأمور، وطرق الخير.
(٤٤) واستدل به على أن خيبر فتحت عنوة، وأن الغانمين، ملكوها، وتقاسموها، واستقرت أملاكهم على حصصهم، ونفذت تصرفاتهم فيها. كذا قال النووي، وهو مبني على ما أصاب عمر من أرض خيبر كان ذا طريقه. وليس كذلك كما بينا من قبل.
(٤٥) وفيه فضيلة صلة الأرحام والوقف عليهم.
(٤٦) ومن قول ابن عمر: "أصاب عمر أرضًا" جواز ذكر الولد أباه باسمه المجرد، ومن غير كنية ولا لقب.
(٤٧) وفيه أن المشير يشير بأحسن ما يظهر له في جميع الأمور.
(٤٨) وصحة شروط الواقف، واتباعها والتزامها.
(٤٩) وأن الوقف يكون فيما له أصل، يدوم الانتفاع به، فلا يصح وقف مالا يدوم الانتفاع به كالطعام.
(٥٠) وفيه جواز الوقف على الأغنياء، لأن ذوي القربى والضيف لم يقيد بالحاجة، وهو الأصح عن الشافعية.
(٥١) قال الحافظ: وفيه أن للواقف أن يشترط لنفسه جزءًا من ريع الموقوف، لأن عمر شرط لمن ولي وقفه أن يأكل منه بالمعروف، ولم يستثن إن كان هو الناظر أو غيره، فدل على صحة الشرط، وإذا جاز في المبهم الذي تعينه العادة، كان فيما يعينه هو أجوز.
(٥٢) ويستنبط منه صحة الوقف على النفس، وهو قول ابن أبي ليلى وأبي يوسف وأحمد في الأرجح عنه. وقال به من المالكية، ابن شعبان، وجمهورهم على المنع، إلا إذا استثنى لنفسه شيئًا يسيرًا، بحيث لا يتهم أنه قصد حرمان ورثته.
(٥٣) استدل بهم النبي ﷺ ، وهو لا يهم إلا بحق أن كتابة الحديث جائزة وحق، وقد كره جماعة من الصحابة والتابعين كتابة الحديث، واستحبوا أن يؤخذ عنهم حفظًا، كما أخذوا حفظًا، لكن لما قصرت الهمم، وخشي الأئمة ضياع العلم دونوه، وكثر التدوين، ثم التصنيف، وحصل بذلك خير كثير.
(٥٤) استدل بقوله "دعوني فالذي أنا فيه خير" في الرواية السادسة عشرة، ومن قوله "قوموا" بعد اختصامهم واختلافهم، كما جاء في الرواية الثامنة عشرة على أن الاختلاف قد يكون سببًا في حرمان الخير، كما وقع في قصة الرجلين اللذين تخاصما، فرفع تعيين ليلة القدر، بسبب ذلك.
стр. 3521
(٥٥) واستدل بعضهم بقوله "قوموا" و"دعوني" على أن الأمر بإتيان أدوات الكتابة لم يكن للوجوب، بل كان للإرشاد والاختيار، وقد عاش ﷺ بعد ذلك أيامًا ولم يعاود أمرهم بذلك، ولو كان واجبًا لم يتركه لاختلافهم. قال الحافظ ابن حجر: "قال القرطبي وغيره: "ائتوني" أمر، وكان حق المأمور أن يبادر للامتثال، لكن ظهر لعمر ﵁ مع طائفة - أنه ليس على الوجوب فكرهوا أن يكلفوه من ذلك ما يشق عليه في تلك الحالة، وظهر لطائفة أخرى أن الأولى أن يكتب، لما فيه من امتثال أمره، ثم قال: واختلافهم في ذلك كاختلافهم في قوله لهم" لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة، فتخوف ناس فوت الوقت فصلوا، وتمسك آخرون بظاهر الأمر، فلم يصلوا، فما عنف أحدًا منهم"، من أجل الاجتهاد المسوغ، والمقصد الصالح.
(٥٦) وفي الحديث أن الأمراض ونحوها لا تنافي النبوة، ولا تدل على سوء الحال.
(٥٧) ويؤخذ من الأمر بإجازة الوفد حسن الضيافة وإكرام من يفد، تطييبًا لنفوسهم، وترغيبًا للمؤلفة قلوبهم. قال العلماء: سواء كان الوفد مسلمين أو كفارًا.
والله أعلم
стр. 3522
كتاب النذر
стр. 3523
(٤٣٣) باب النذر والقدر
٣٧٢٦ - عن ابن عباس ﵄ أنه قال: استفتى سعد بن عبادة رسول الله ﷺ في نذر كان على أمه، توفيت قبل أن تقضيه. قال رسول الله ﷺ "فاقضه عنها".
٣٧٢٧ - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال أخذ رسول الله ﷺ يومًا ينهانا عن النذر. ويقول "إنه لا يرد شيئًا. وإنما يستخرج به من الشحيح".
٣٧٢٨ - عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال "النذر لا يقدم شيئًا ولا يؤخره. وإنما يستخرج به من البخيل".
٣٧٢٩ - عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه نهى عن النذر وقال "إنه لا يأتي بخير. وإنما يستخرج به من البخيل".
٣٧٣٠ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "لا تنذروا. فإن النذر لا يغني من القدر شيئًا. وإنما يستخرج به من البخيل".
٣٧٣١ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه نهى عن النذر. وقال "إنه لا يرد من القدر. وإنما يستخرج به من البخيل".
стр. 3524
٣٧٣٢ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال "إن النذر لا يقرب من ابن آدم شيئًا لم يكن الله قدره له. ولكن النذر يوافق القدر. فيخرج بذلك من البخيل ما لم يكن البخيل يريد أن يخرج".
٣٧٣٣ - عن عمران بن حصين ﵁ قال: كانت ثقيف حلفاء لبني عقيل. فأسرت ثقيف رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ وأسر أصحاب رسول الله ﷺ رجلاً من بني عقيل وأصابوا معه العضباء. فأتى عليه رسول الله ﷺ وهو في الوثاق. قال: يا محمد! فأتاه. فقال "ما شأنك؟ " فقال: بم أخذتني؟ وبم أخذت سابقة الحاج؟ فقال (إعظامًا لذلك) "أخذتك بجريرة حلفائك ثقيف" ثم انصرف عنه فناداه. فقال: يا محمد! يا محمد! وكان رسول الله ﷺ رحيمًا رقيقًا. فرجع إليه فقال "ما شأنك؟ " قال: إني مسلم. قال "لو قلتها وأنت تملك أمرك، أفلحت كل الفلاح" ثم انصرف. فناداه فقال: يا محمد! يا محمد! فأتاه فقال "ما شأنك؟ " قال: إني جائع فأطعمني. وظمآن فأسقني. قال "هذه حاجتك" ففدي بالرجلين. قال: وأسرت امرأة من الأنصار. وأصيبت العضباء. فكانت المرأة في الوثاق وكان القوم يريحون نعمهم بين يدي بيوتهم. فانفلتت ذات ليلة من الوثاق فأتت الإبل. فجعلت إذا دنت من البعير رغا فتتركه. حتى تنتهي إلى العضباء. فلم ترغ. قال: وناقة. منوقة فقعدت في عجزها ثم زجرتها فانطلقت. ونذروا بها فطلبوها فأعجزتهم. قال: ونذرت لله إن نجاها الله عليها لتنحرنها. فلما قدمت المدينة رآها الناس. فقالوا: العضباء ناقة رسول الله ﷺ فقالت: إنها نذرت إن نجاها الله عليها لتنحرنها. فأتوا رسول الله ﷺ فذكروا ذلك له. فقال "سبحان الله بئسما جزتها. نذرت لله إن نجاها الله عليها لتنحرنها. لا وفاء لنذر في معصية. ولا فيما لا يملك العبد". وفي رواية ابن حجر "لا نذر في معصية الله".
стр. 3525
٣٧٣٤ - - وفي رواية عن أيوب، بهذا الإسناد. نحوه، في حديث حماد قال: كانت العضباء لرجل من بني عقيل وكانت من سوابق الحاج. وفي حديثه أيضًا: فأتت على ناقة ذلول مجرسة. وفي حديث الثقفي: وهي ناقة مدربة.
٣٧٣٥ - عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ رأى شيخًا يهادى بين ابنيه. فقال "ما بال هذا؟ " قالوا نذر أن يمشي قال "إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني" وأمره أن يركب.
٣٧٣٦ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ أدرك شيخًا يمشي بين ابنيه يتوكأ عليهما فقال النبي ﷺ "ما شأن هذا؟ " قال ابناه: يا رسول الله كان عليه نذر. فقال النبي ﷺ "اركب. أيها الشيخ! فإن الله غني عنك وعن نذرك".
٣٧٣٧ - عن عقبة بن عامر ﵁ أنه قال: نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله حافية. فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله ﷺ فاستفتيته. فقال: "لتمش ولتركب".
٣٧٣٨ - عن عقبة بن عامر الجهني ﵁ أنه قال: نذرت أختي. فذكر بمثل حديث مفضل. ولم يذكر في الحديث: حافية وزاد: وكان أبو الخير لا يفارق عقبة.
٣٧٣٩ - عن عقبة بن عامر ﵁ عن رسول الله ﷺ قال "كفارة النذر كفارة اليمين".
стр. 3526
-[المعنى العام]-
النذر عهد يقطعه الإنسان على نفسه، ويلتزمه، ولم يكن من قبل لازمًا، وكانت العرب قبل الإسلام تنذر القرابين لأصنامها، وكانت تعتبر الوفاء بالنذر نوعًا من المروءة والشهامة والنجدة والأصالة والمعالي والمفاخر، فلما جاء الإسلام محض النذر لله، وجعله عهدًا لله وحده بشيء من الأشياء، لما مدح القرآن الكريم الوفاء بالنذر، وجعله من صفات الأبرار، أكثر المسلمون من النذر، حتى خيل لبعضهم أن الله يعطي من أجل النذر، وأن المقدور يتغير من شر إلى خير بسبب النذر، وأصبح المنذور في مخيلتهم كبدل ومقابل للفضل والعطاء، وأصبحت الطاعات التي تنذر ليست متمحضة للقربة والعبادة، بل كالعوض على أمر ومصلحة، بحيث لو لم تحصل للناذر هذه المصلحة لا يؤدي هذه الطاعة، فمن قال: إن شفى الله مريضي تصدقت بشاة، لم يتصدق بها إن لم يشف الله مريضه.
ولما كان الإسلام حريصًا على خلوص الطاعات من الشوائب نهى رسول الله ﷺ عن النذر، وقال لأصحابه: لا تنذروا، فإن النذر لا يغير مما قدر لكم شيئًا، إن النذر يجعل العبادة ثقيلة على صاحبها، إنه أشبه بإلزام البخيل بإخراج شيء لم يكن يريد أن يخرجه من تلقاء نفسه، أطيعوا الله ابتداء وطواعية، ولا تطلبوا للطاعة مقابلاً.
ومع ذلك. من نذر منكم أن يطيع الله وجب أن يوفي بنذره، وأن يطيعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه، من نذر منكم طاعة فمات قبل أن يوفي نذره المالي قضى عنه ورثته نذره، فإن نفسه ستكون مرهونة بوفاء نذره.
وعلم ﷺ أن امرأة نذرت أن تذبح الناقة التي أسعفتها بالنجاة من أعدائها، فقال: بئس هذا الصنيع. بئست هذه المجازاة، هل جزاء الإحسان الإساءة، إن إيذاء المحسن معصية، ولا نذر في معصية، ثم إن هذه الناقة ليست ملكها، ولا نذر فيما لا يملكه الإنسان.
ورأى ﷺ رجلا عجوزًا حطامًا، يمشي بين ولديه، تجر رجلاه في الأرض، يتمايل ذات اليمين، وذات الشمال، يتحامل على ابنه هذا مرة، وعلى ابنه الثاني أخرى، فقال: ما هذا؟ ما شأنه؟ قال ولداه: نذر أن يزور الكعبة ماشيًا، ولا يستطيع الوفاء إلا هكذا، فقال ﷺ : إن الله غني عن تعذيب هذا نفسه. مروه فليركب.
وسئل ﷺ عن امرأة نذرت أن تحج ماشية حافية، فأمر أن تلبس نعلها وأن تركب. وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ [التوبة: ١٢٨].
-[المباحث العربية]-
(استفتى سعد بن عبادة في نذر كان على أمه) قيل: كان نذرًا بطاعة مطلقًا،
стр. 3527
وقيل: كان صومًا، وقيل: كان عتقًا، وقيل: كان صدقة، والنذر مصدر نذر ينذر بكسر الذال وضمها في المضارع، لغتان.
وفي رواية "قال سعد: إن أمي توفيت وأنا غائب عنها، فهل ينفعها شيء إن تصدقت به عنها"؟ فيحتمل أن يكون سأل عن النذر وعن الصدقة عنها، وبين النسائي جهة الصدقة، وفيه "فأي الصدقة أفضل؟ قال: سقي الماء" وفي الموطأ، "خرج سعد بن عبادة مع النبي ﷺ ، في بعض مغازيه، وحضرت أمه الوفاة بالمدينة، فقيل لها: أوصي. فقالت: فيم أوصي؟ المال مال سعد. فتوفيت قبل أن يقدم سعد".
(فاقضه عنها) في رواية "أفيجزئ عنها أن أعتق عنها؟ قال: أعتق عن أمك".
(أخذ رسول اللَّه ﷺ يومًا ينهانا عن النذر) في الرواية الخامسة "أن رسول الله ﷺ قال: لا تنذروا".
(ويقول: إنه لا يرد شيئًا، وإنما يستخرج به من الشحيح) في الرواية الخامسة: "فإن النذر لا يغني من القدر شيئًا، وإنما يستخرج به من البخيل" وفي ملحقها "إنه لا يرد من القدر" وفي الرواية الثالثة "النذر لا يقدم شيئًا ولا يؤخره" وفي الرواية السادسة "إن النذر لا يقرب من ابن آدم شيئًا، لم يكن الله قدره، ولكن النذر يوافق القدر، فيخرج بذلك من البخيل ما لم يكن البخيل يريد أن يخرج" وفي رواية "لا يأتي ابن آدم النذر بشيء لم يكن قدر له" وفي هذه الألفاظ تعليل للنهي عن النذر، وليس المراد بالنهي الزجر عنه والتحذير من فعله، إذ لو كان كذلك لبطل حكمه، ولما لزم الوفاء به، لأنه بالنهي يصير معصية، فلا يلزم، كيف وقد مدح الله تعالى فاعله ووفاءه به؟ وإنما المراد من النهي تعظيم أمر النذر، وتحذير عن التهاون به بعد إيجابه، وعدم التفريط في الوفاء به، فليس هناك نهي عن النذر في الحقيقة.
وقيل: المراد النهي عن النذر حقيقة نهي تنزيه، من حيث إن الناذر يأتي بالقربة - عند الوفاء - مستثقلاً لها، لما صارت عليه ضربة لازم، وكل ملزوم لا ينشط للفعل نشاط مطلق الاختيار.
وقيل: المراد النهي عن النذر، لأن الناذر لما لم ينذر القربة إلا بشرط أن يفعل له ما يريد صار كالمعاوضة التي تقدح في نية المتقرب.
وقيل: المراد النهي عن عقيدة تصاحب النذر غالبًا، وليس عن النذر مطلقًا، وكأنه قال: لا تنذروا على أنكم تدركون بالنذر شيئًا لم يقدره الله لكم، أو على أنكم تصرفون به عنكم ما قدره الله عليكم، قال القاضي عياض: ويحتمل أن النهي لكونه قد يظن بعض الجهلة أن النذر يرد القدر، ويمنع من حصول المقدر، فنهى عنه خوفًا من جاهل يعتقد ذلك.
وفي الرواية الثانية، "يستخرج به من الشحيح" وفي الثالثة "من البخيل" وفي رواية "من اللئيم" والمعاني متقاربة، لأن الشح أخص، واللؤم أعم، قال الراغب: البخل إمساك ما يقتضي عمن يستحق، والشح بخل مع حرص. واللؤم فعل ما يلام عليه.
стр. 3528
قال البيضاوي: والمعنى أن عادة الناس تعليق النذر على تحصيل منفعة، أو دفع مضرة، فنهي عنه لأنه فعل البخلاء، إذ السخي إذا أراد أن يتقرب بادر إليه، والبخيل لا تطاوعه نفسه بإخراج شيء من يده إلا في مقابلة عوض يستوفيه أولا، فيلتزمه في مقابلة ما يحصل له، وذلك لا يغني من القدر شيئًا، فلا يسوق إليه خيرًا لم يقدر له، ولا يرد عنه شرًا قضي عليه، لكن النذر قد يوافق القدر، فيخرج من البخيل ما لولاه لم يكن ليخرجه.
ومعنى أنه لا يأتي بخير، كما جاء في الرواية الرابعة، أن عقباه لا تحمد، وقد يتعذر الوفاء به، وإن كان يترتب عليه خير، وهو فعل الطاعة التي نذرها، وقال النووي: معناه أنه لا يرد شيئًا من القدر، كما بينته الروايات الأخرى.
(كانت ثقيف حلفاء لبني عقيل) "ثقيف" علم على قبيلة، ممنوع من الصرف، و"عقيل" مصغر، والحلف بكسر الحاء التعاهد على النصرة والنصيحة والتعاون والحماية.
(وأصابوا معه العضباء) أي واستولوا على الناقة التي كانت معه، والتي سميت العضباء، وفي أحمد وأبي داود، "كانت العضباء لرجل من بني عقيل، وكانت من سوابق الحاج، فأسر الرجل، وأخذت العضباء معه "وكانت ناقة سباقة، لا تكاد تسبق، فأطلق عليها عند الرجل: سابقة الحاج.
(فأتى عليه رسول الله ﷺ في رواية أحمد "رسول الله ﷺ على حمار، عليه قطيفة".
(فقال -إعظامًا لذلك-: أخذتك بجريرة حلفائك ثقيف) أي بجريمتهم، أي أجابه على سؤاله إعظامًا أن يكون قد أخذه بغير جريرة، أي إعظامًا للأخذ بدون جريمة.
(لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح) أي لو قلت كلمة الإسلام قبل الأسر، حين كنت مالك أمرك، أفلحت كل الفلاح، لأنه لا يجوز أسرك لو أسلمت قبل الأسر، فكنت فزت بالإسلام، وبالسلامة من الأسر، ومن أخذ مالك وناقتك غنيمة، وأما إذ أسلمت بعد الأسر، فيسقط الخيار في قتلك، ويبقى الخيار بين الاسترقاق والمن والفداء، قاله النووي.
(هذه حاجتك) أي خذ طعامًا وماء.
(ففدي بالرجلين) أي فك إساره على سبيل المفاداة بالرجلين اللذين أسرا من المسلمين"، وحبس رسول الله ﷺ العضباء لرحله، فكانت ناقة رسول الله ﷺ .
(وأسرت امرأة من الأنصار) قال النووي: هي امرأة أبي ذر ﵁.
(وأصيبت العضباء) في رواية لأحمد "ثم إن المشركين أغاروا على سرح المدينة، فذهبوا به، وكانت العضباء فيه، وأسروا امرأة من المسلمين" ولعلها كانت قريبة من السرح، فأخذوها مع السرح.
(وكان القوم يريحون نعمهم بين يدي بيوتهم) في رواية أحمد "فكانوا إذا نزلوا أراحوا إبلهم بأفنيتهم".
стр. 3529
(فانفلتت ذات ليلة من الوثاق) أي فتخلصت من وثاقها، واتجهت نحو الإبل، لتركب وتهرب.
(فجعلت إذا دنت من البعير رغا) أي كلما قربت من بعير، وحاولت أن تركب عليه صوت وضج.
(حتى تنتهي إلى العضباء فلم ترغ)، أي حتى انتهت إلى العضباء، ففيه التعبير عن الماضي بالمضارع لاستحضار الصورة، وفي رواية لأحمد "حتى أتت العضباء، فلم ترغ" يقال: رغا يرغو رغوًا، أي صارت له رغوة، ورغا البعير رغوًا ورغاء.
(وناقة منوقة) أي والعضباء ناقة منوقة، بضم الميم وفتح النون وتشديد الواو المفتوحة، أي مذللة، وفي ملحق الرواية "فأتت على ناقة ذلول مجرسة" بضم الميم وفتح الجيم وتشديد الراء المفتوحة، يقال: جرسته الأمور، أي حنكته، وناقة مجرسة، أي مدربة على السير والركوب.
(فقعدت في عجزها) التعبير بفي للإشارة إلى صغر حجم المرأة، وانكماشها وتخفيها، والأصل قعدت على عجزها.
(ثم زجرتها، فانطلقت) كانت الناقة باركة، فركبت، وحركتها للقيام، ووجهتها جهة المدينة، فانطلقت بها وأسرعت.
(ونذروا بها، فطلبوها، فأعجزتهم) "ونذروا" فتح النون وكسر الذال، أي علموا بها، يقال: نذر بالشيء، ينذر بفتح الذال في المضارع، علمه فحذره، وأنذره الشيء أعلمه به، وطلبوها أي التمسوها وأرادوها، وسعوا وراءها فسبقتهم، فلم يدركوها.
(رأى شيخًا يهادى بين ابنيه) في الرواية التاسعة "أدرك شيخًا يمشي بين ابنيه، يتوكأ عليهما" وهو معنى "يهادى" بضم الياء وفتح الدال، مبني للمجهول، يقال: هادى فلان فلانًا، أي جعله يتمايل في مشيته، كما يقال: جاء يتهادى بين اثنين، أي يعتمد عليهما من ضعف، وفي رواية الترمذي "يتهادى".
(قالوا: نذر أن يمشي) في الرواية التاسعة أن الذي أجاب عن السؤال ولدا الرجل، والمراد المشي إلى بيت الله.
(نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله حافية) عند أحمد وأصحاب السنن "حافية غير مختمرة" زاد الطبري "وهي امرأة ثقيلة والمشي يشق عليها".
(لتمش ولتركب) في رواية "مرها فلتختمر، ولتصم ثلاثة أيام" وفي رواية "قال: فلتركب، ولتهد بدنة".
стр. 3530
-[فقه الحديث]-
النذر أنواع
١ - ) نذر التبرر المحض، كأن يقول: لله علي حجة، أو صوم ثلاثة أيام مثلاً ويسمى نذر الطاعة المطلق.
٢ - ) ونذر اللجاج، كأن يقول: إن كلمت زيدًا مثلاً فلله علي حجة، وهو يريد الامتناع من كلام زيد، فيكلمه.
٣ - ) ونذر الطاعة المعلق على فعل طاعة، كأن يقول: إن حججت فلله علي أن أذبح هناك عشرًا.
٤ - ) ونذر الطاعة المعلق على معصية، كأن يقول: إن شربت خمرًا فلله علي أن أصوم شهرًا.
٥ - ) ونذر المعصية المطلق، كأن يقول: لله علي أن أقتل فلانًا -وهو لا يحل قتله.
٦ - ) ونذر المعصية المعلق على مباح أو على معصية، كأن يقول: إن أكلت عندك فلله علي أن أشرب خمرًا، أو يقول: إن قتلت زيدًا فلله علي أن أشرب دمه.
والنوعان الأخيران نذر معصية، يجب عدم الوفاء به، وهل يجب فيه كفارة يمين؟ أو هو لاغ لا ينعقد، ولا شيء عليه؟ يرى أحمد وبعض الشافعية أن عليه كفارة يمين، واحتجوا برواية عن عمران بن حصين، وعن عائشة عن النبي ﷺ ، قال: لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين" وحديث عمران أخرجه النسائي وضعفه، وحديث عائشة أخرجه أصحاب السنن، ورواته ثقات، لكنه معلول، كما قال الحافظ ابن حجر، كما احتجوا بعموم حديث عقبة بن عامر، روايتنا الحادية عشرة، ولفظها "كفارة النذر كفارة اليمين" واحتج لهم بأن الشارع نهى عن المعصية، وأمر بالكفارة، فتعينت.
قال النووي: وقوله ﷺ "لا وفاء لنذر في معصية" و"لا نذر في معصية الله" كما هو في روايتنا السابعة وملحقها -قال: في هذا دليل على أن من نذر معصية، كشرب الخمر ونحو ذلك، فنذره باطل، لا ينعقد، ولا تلزمه كفارة يمين، ولا غيرها، وبهذا قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وداود وجمهور العلماء.
والأنواع الأربعة الأول نذر طاعة، وهناك نوع سابع، وهو نذر المباح، وفي انعقاده خلاف فمن صححه استدل بقوله ﷺ "لا نذر في معصية" فنفي النذر في المعصية يبقي ما عداها ثابتًا، كما استدلوا بما أخرجه أحمد والترمذي من حديث بريدة "أن امرأة قالت: يا رسول الله، إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدف؟ فقال: أوف بنذرك" كان ذلك وقت خروجه ﷺ في غزوة، فنذرت: إن رده الله سالمًا. كما أخذ من الحديث جواز الضرب بالدف في غير النكاح والختان. قال الحافظ ابن حجر: والحديث حجة في ذلك، اهـ وفيه خلاف طويل، لا يتسع له المقام.
وذهب جماعة إلى أن النذر لا ينعقد في المباح، واستدلوا بما أخرجه أحمد "إنما النذر ما يبتغي به وجه الله" وأجابوا عن قصة المرأة التي نذرت الضرب بالدف بأن من قسم المباح ما قد يصير بالقصد مندوبًا.
هذا من حيث الوفاء بالنذر، أما من حيث حكم النذر نفسه فقد ذكر أكثر الشافعية، ونقل عن نص
стр. 3531
الشافعي: أن النذر مكروه، لثبوت النهي عنه، وكذا نقل عن المالكية، واحتجوا بأنه ليس طاعة محضة، لأنه لم يقصد به خالص القربة، وإنما قصد أن ينفع نفسه، أو يدفع عنها ضررًا، بما التزمه، وجزم الحنابلة بالكراهة وعندهم رواية في أنها كراهة تحريم، وتوقف بعضهم في صحتها. قال الترمذي -بعد أن ترجم: كراهة النذر - والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، كرهوا النذر.
وقال ابن المبارك: معنى الكراهة في النذر في الطاعة أنه إن وفى به فله فيه أجر، ويكره له النذر، قال ابن دقيق العيد: وفيه إشكال على القواعد، فإنها تقتضي أن الوسيلة إلى الطاعة طاعة، كما أن الوسيلة إلى المعصية معصية، والنذر وسيلة إلى التزام القربة، فيلزم أن يكون قربة، إلا أن الحديث دل على الكراهة، ثم أشار إلى التفرقة بين نذر المجازاة، فحمل النهي عليه، وبين نذر الابتداء، فهو قربة محضة، وقال ابن أبي الدم: القياس استحبابه، والمختار أنه خلاف الأولى، وليس بمكروه. قال الحافظ ابن حجر: ونوزع بأن خلاف الأولى ما اندرج في عموم نهي، والمكروه ما نهي عنه بخصوصه، وقد ثبت النهي عن النذر بخصوصه، فيكون مكروهًا، وأقل درجاته أن يكون مكروهًا كراهة تنزيه.
وذهب بعض الشافعية إلى أن نذر الطاعة مستحب، لأن الله أثنى على من وفى به، ولأنه وسيلة إلى القربة، فيكون قربة.
وتوسط بعضهم، فقال: الذي دل الخبر على كراهته نذر المجازاة، وأما نذر التبرر فهو قربة محضة، ووجه الكراهة في نذر المجازاة أنه لما وقف فعل القربة على حصول الغرض المذكور ظهر أنه لم يتمحص له نية التقرب إلى الله تعالى، بل سلك فيها مسلك المعاوضة، ويوضحه أنه لو لم يحصل له المعلق عليه لم يفعل المعلق، وهذه حالة البخيل، فإنه لا يخرج شيئًا من ماله إلا بعوض عاجل، يزيد على ما أخرج غالبًا.
وقد حمل بعضهم النهي على من علم من حاله عدم القيام بما التزمه. وهو بعيد. والله أعلم.
-[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]-
(١) من الرواية الأولى، من قوله "فاقضه عنها" دليل لقضاء الحقوق الواجبة على الميت. أما الحقوق المالية فمجمع عليها، وأما البدنية ففيها خلاف، قدمناه قريبًا في كتاب الوصية. قال النووي: ثم إن مذهب الشافعي وطائفة أن الحقوق المالية الواجبة على الميت، من زكاة وكفارة ونذر، يجب قضاؤها، من تركته، سواء أوصى بها أم لا، كديون الآدمي، وقال أبو حنيفة ومالك وأصحابهما: لا يجب قضاء شيء من ذلك إلا أن يوصى به، ولأصحاب مالك خلاف في الزكاة إذا لم يوص بها.
ثم قال: واعلم أن مذهبنا ومذهب الجمهور أن الوارث لا يلزمه قضاء النذر الواجب على الميت، إذا كان غير مالي، ولا إذا كان ماليًا ولم يخلف تركة، لكن يستحب له ذلك، وقال أهل الظاهر: يلزمه ذلك، لحديث سعد هذا. اهـ ولكن يمكن أن يكون سعد قضاه من تركتها، أو تبرع به. قاله الحافظ ابن حجر.
стр. 3532
(٢) وفيه استفتاء الأعلم.
(٣) وفيه بر الوالدين بعد موتهما، والحث على براءة ما في ذمتهما.
(٤) ومن روايات النهي عن النذر، رواياتنا الثانية والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة، عمم بعض العلماء النهي على جميع أنواع النذر، وقد سبق اختلافهم في حكمه، وقال القاضي عياض -عن نذر الطاعة - ومحصل مذهب مالك أنه مباح، إلا إذا كان مؤبدًا، لتكرره عليه في أوقات، فقد يثقل عليه فعله، فيفعله بالتكلف، من غير طيب نفس، وهو غير خالص النية، فحينئذ يكره.
(٥) قال ابن العربي: في قوله: "يستخرج به من البخيل" حجة على وجوب الوفاء بما التزمه الناذر -أي من الطاعات - لأن الحديث نص على ذلك بقوله: "يستخرج به" فإنه لو لم يلزمه إخراجه لما تم المراد من وصفه بالبخل من صدور النذر عنه، إذ لو كان مخيرًا في الوفاء لاستمر لبخله على عدم الإخراج.
(٦) وفي الحديث الرد على القدرية، الذين ينفون أن الله قدر الأشياء أزلاً.
(٧) وفيه أن كل شيء من وجوه البر يبتدئه المكلف، أفضل مما يلتزمه بالنذر.
(٨) وفيه الحث على الإخلاص في عمل الخير، وذم البخل، وأن من فعل المأمورات واجتنب المنهيات لا يعد بخيلاً.
(٩) ومن الرواية السابعة جواز المفاداة.
(١٠) وأن إسلام الأسير لا يسقط حق الغانمين منه، بخلاف ما لو أسلم قبل الأسر.
قال النووي: وليس في هذا الحديث أنه حين أسلم، وفادى به، رجع إلى دار الكفر، ولو ثبت رجوعه إلى دارهم، وهو قادر على إظهار دينه، لقوة شوكة عشيرته، أو نحو ذلك، لم يحرم ذلك، فلا إشكال في الحديث، وقد استشكله المازري، وقال: كيف يرد المسلم إلى دار الكفر؟ وهذا الإشكال باطل مردود بما ذكرته.
(١١) وفي هذا الحديث جواز سفر المرأة وحدها، بلا زوج ولا محرم ولا غيرهما، إذا كان سفر ضرورة، كالهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام، وكالهرب ممن يريد منها فاحشة ونحو ذلك، والنهي عن سفرها وحجها محمول على غير الضرورة.
(١٢) قال النووي: وفي هذا الحديث دلالة لمذهب الشافعي وموافقيه أن الكفار إذا غنموا مالاً للمسلم لا يملكونه، وقال أبو حنيفة وآخرون: يملكونه إذا حازوه إلى دار الحرب وحجة الشافعي وموافقيه هذا الحديث، وموضع الدلالة منه ظاهر. اهـ فالعضباء عادت إلى ملك المسلمين بدون عوض ولا مقابل، فدل على أنها لم تخرج عن ملكهم، ولم تدخل ملك الكفار.
(١٣) واستدل بقوله "ولا فيما لا يملك العبد" أن النذر فيما لا يملك لا ينعقد، ولا تجب فيه كفارة يمين، والمقصود به ما إذا أضاف النذر إلى معين لا يملكه، كأن يقول: إذا شفى الله مريضي فلله
стр. 3533
علي أن أعتق عبد فلان، أو أن أتصدق بثوب فلان أو دار فلان، أو نحو ذلك، فأما إذا التزم في الذمة شيئًا لا يملكه، فيصح نذره، مثاله: أن يقول: إن شفى الله مريضي فلله علي عتق رقبة، وهو في هذه الحالة لا يملك رقبة ولا قيمتها فيصح نذره، وإن شفى الله المريض ثبت العتق في ذمته، قاله النووي.
أما الحنابلة فقالوا: عليه كفارة يمين لأن النذر يمين، لأنه عقد لله بالتزام شيء، والحالف عقد يمينه بالله ملتزمًا بشيء.
(١٤) استدل بقوله "كفارة النذر كفارة اليمين" أن جميع النذور يخير صاحبها بين الوفاء بما التزمه، وبين كفارة اليمين، كذا قال جماعة من فقهاء المحدثين، وحمله جمهور الشافعية على نذر اللجاج، وحمله مالك وكثيرون على النذر المطلق، كقوله: علي نذر، وحمله أحمد وبعض الشافعية على النذر في المعصية.
والله أعلم
стр. 3534
كتاب الأيمان
стр. 3535
(٤٣٤) باب النهي عن الحلف بغير اللَّه تعالى
٣٧٤٠ - عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم" قال عمر: فوالله ما حلفت بها منذ سمعت رسول الله ﷺ نهى عنها ذاكرًا ولا آثرًا.
٣٧٤١ - وفي رواية عن الزهري بهذا الإسناد مثله غير أن في حديث عقيل ما حلفت بها منذ سمعت رسول الله ﷺ ينهى عنها ولا تكلمت بها ولم يقل ذاكرًا ولا آثرًا.
٣٧٤٢ - - وفي رواية عن سالم عن أبيه قال: سمع النبي ﷺ عمر وهو يحلف بأبيه بمثل رواية يونس ومعمر.
٣٧٤٣ - عن عبد الله ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه أدرك عمر بن الخطاب في ركب وعمر يحلف بأبيه فناداهم رسول الله ﷺ "ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت".
٣٧٤٤ - ومثله عن ابن عمر ﵄.
٣٧٤٥ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "من كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله" وكانت قريش تحلف بآبائها. فقال "لا تحلفوا بآبائكم".
стр. 3536
٣٧٤٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من حلف منكم فقال في حلفه باللات فليقل لا إله إلا الله. ومن قال لصاحبه تعال أقامرك فليتصدق".
٣٧٤٧ - - وفي رواية عن الزهري بهذا الإسناد. وحديث معمر مثل حديث يونس غير أنه قال "فليتصدق بشيء" وفي حديث الأوزاعي "من حلف باللات والعزى" قال أبو الحسين مسلم هذا الحرف (يعني قوله تعالى أقامرك فليتصدق) لا يرويه أحد غير الزهري قال وللزهري نحو من تسعين حديثاً يرويه عن النبي ﷺ لا يشاركه فيه أحد بأسانيد جياد.
٣٧٤٨ - عن عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لا تحلفوا بالطواغي ولا بآبائكم".
-[المعنى العام]-
كانت العرب تحلف بآبائها وآلهتها، تعظيمًا لهم، فكانوا يقولون بأبي لأفعلن كذا، وباللات والعزى لقد فعلت كذا، فجاء الإسلام، يعظم الله وحده، ويذر تعظيم ما كانوا يعظمون، جاء الإسلام لينتزع من قلوبهم نزعة الجاهلية، والتفاخر بالآباء والأحساب، ولينتزع من عقيدتهم تقديس أصنام لا تملك لهم ضرًا ولا نفعًا، وطبق رسول الله ﷺ ، على من هو قريب منه، عمر بن الخطاب هذا المبدأ، ليستجيب من عداه، وليحذر غيره ما حذر منه، فقد سمعه ﷺ يحلف بأبيه، فقال له بصوت يسمعه كل من حوله، من الركب العائد من الغزوة: إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم.
وأعلن عمر - وهو خليفة المسلمين، وأمير المؤمنين - على من كان حوله من رعيته، أعلن مدى التزامه بالقرار، ومدى ضبطه لحواسه وعقله، في يقظته وسهوه، في عمده وغفلته، أعلن أنه لم يحلف بأبيه - بعد أن سمع النهي - قاصدًا ولا غير قاصد، بل لم يجر على لسانه حكاية من حلف بأبيه، فلم ينشئ حلفًا بأبيه، ولم يحك عن غيره أنه حلف بأبيه، صيانة للسانه عما نهى رسول الله ﷺ عنه، ﵁ وأرضاه.
-[المباحث العربية]-
(إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم) في ملحق هذه الرواية "سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 3537
عمر، وهو يحلف بأبيه فقال .... " وفي الرواية الثانية أن رسول الله ﷺ أدرك عمر بن الخطاب في ركب، وعمر يحلف بأبيه، فناداهم رسول الله ﷺ : ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم "وفي رواية يعقوب بن شيبة عن عمر" بينما أنا راكب، أسير في غزاة، مع رسول الله ﷺ " وفي رواية "أن رسول الله ﷺ سمع عمر، وهو يحلف بأبيه، وهو يقول: وأبي. وأبي" وفي رواية "قال عمر: حدثت قوما حديثًا، فقلت: لا. وأبي، فقال رجل من خلفي: لا تحلفوا بآبائكم، فالتفت، فإذا رسول الله ﷺ ، يقول: لو أن أحدكم حلف بالمسيح هلك، والمسيح خير من آبائكم".
وعند النسائي وأبي داود عن أبي هريرة بلفظ "لا تحلفوا بآبائكم، ولا بأمهاتكم، ولا بالأنداد، ولا تحلفوا إلا بالله".
وفي الرواية الثانية "فمن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت" عن الحلف، أي لا يحلف.
وفي الرواية الخامسة "لا تحلفوا بالطواغي، ولا بآبائكم" والطواغي هي الأصنام، واحدها طاغية، سمي الصنم باسم المصدر، لطغيان الكفار بعبادته، لأنه سبب طغيانهم وكفرهم، والطغيان في الأصل مجاوزة الحد مطلقًا، ومنه قوله تعالى ﴿إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية﴾ [الحاقة: ١١].
ويجوز أن يكون المراد من الطواغي هنا، الطغاة من الكفار، المجاوزين الحد في الشر، وهم عظماؤهم، وفي غير مسلم "لا تحلفوا بالطواغيت" وهو جمع طاغوت، وهو الصنم، ويطلق على الشيطان أيضًا، ويكون الطاغوت واحدًا وجمعًا ومذكرًا ومؤنثًا.
(ما حلفت بها ذاكرًا، ولا آثرًا) "ذاكرًا" أي عامدًا، قائلاً لها من عند نفسي، "ولا آثرًا" أي ناقلاً لها، ومحدثًا بها عن غيري، أنه حلف بها، فذاكرًا من الذكر بكسر الذال. "ولا آثرًا" من الأثر بفتح الهمزة والثاء، وهو ما يروى، أي يكتب من العلم، وقيل "ذاكرًا" من الذكر بضم الذال، أي التذكر، ضد النسيان، و"آثرًا" من آثر كذا، أي اختاره، والمعنى لا عامدًا ولا مختارًا.
(ومن الحلف باللات والعزى) عند البخاري قال ابن عباس: كان اللات رجلاً يلت سويق الحاج" وفي رواية "كان يلت السويق على الحجر، فلا يشرب منه أحد إلا سمن، فعبدوه" فأصله بتشديد التاء، وخففت بكثرة الاستعمال، وروى الفاكهي من طريق مجاهد، قال: "كان رجل في الجاهلية، على صخرة بالطائف، وعليها له غنم، فكان يسلو من رسلها - أي يأخذ من لبنها - ويأخذ من زبيب الطائف والأقط، فيجعل منه حيسًا، ويطعم من يمر به من الناس، فلما مات عبدوه" وفي رواية للفاكهي "فلما مات قال لهم عمرو بن لحي: إنه لم يمت، ولكنه دخل الصخرة فعبدوها، وبنوا عليها بيتًا" قال قتادة: كان اللات لثقيف.
أما العزى - وهي تأنيث الأعز - فقد كانت ثلاث شجرات من النخيل، وقيل: نخلة، بنوا بجوارها بيتًا، أقام فيه السدنة، وادعوا علم الغيب، وأطلقوا العزى على شيطانة بداخلها، وكان أول من اتخذها معبودًا ظالم بن سعد، بوادي نخلة، فوق ذات عرق.
وأما مناة فكانت صخرة بين مكة والمدينة، يهل إليها الأنصار، قبل أن يسلموا.
стр. 3538
ثم صورت حجارة لهذه الأصنام الثلاثة، ووضعت في الكعبة، وعلى الصفا، وعلى المروة، وفي فتح مكة حطم رسول الله ﷺ وكبار صحابته ما في جوف الكعبة، وما حولها من أصنام، وأرسل المغيرة بن شعبة فهدم اللات، وأرسل خالد بن الوليد إلى نخلة فقطع العزى، وأرسل عليًا إلى مناة فحطمها.
(تعال أقامرك) من القمار، وهو كل لعب فيه مقامرة ومراهنة.
-[فقه الحديث]-
قال العلماء: السر في النهي عن الحلف بغير الله أن الحلف بالشيء، يقتضي تعظيمه، والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده، فلا يضاهى به غيره، وقد جاء عن ابن عباس: لأن أحلف بالله مائة مرة، فآثم، خير من أن أحلف بغيره، فأبر.
فإن قيل: الحديث مخالف لقوله ﷺ "أفلح وأبيه إن صدق" فجوابه أن هذه الكلمة كانت تجري على لسانهم، لا يقصدون بها اليمين. وسبق الكلام عنه في كتاب الإيمان.
فإن قيل: قد أقسم الله تعالى بمخلوقاته، كقوله تعالى ﴿والصافات﴾ [الصافات: ١]، ﴿والذاريات﴾ [الذاريات: ١]. ﴿والطور﴾ [الطور: ١]. ﴿والنجم﴾ [النجم: ١] فالجواب أن الله تعالى يقسم بما يشاء من مخلوقاته، تنبيهًا على شرفه.
وظاهر الحديث تخصيص الحلف بالله خاصة، لكن الفقهاء قد اتفقوا على أن اليمين تنعقد بالله وذاته وصفاته العلية، وإن اختلفوا في انعقادها ببعض الصفات، فقد كانت يمين النبي ﷺ : والذي نفسي بيده - والذي نفس محمد بيده - لا. ومقلب القلوب - ورب الكعبة. فدل ذلك على أن النهي عن الحلف بغير الله لا يراد به اختصاص لفظ الجلالة بذلك، بل يتناول كل اسم وصفة تختص به ، وقد جزم ابن حزم - وهو ظاهر كلام المالكية والحنفية، بأن جميع الأسماء الواردة في القرآن الكريم والسنة الصحيحة، وكذا الصفات، صريح في اليمين، تنعقد به، وتجب لمخالفته الكفارة، وهو وجه غريب عند الشافعية، وعندهم وجه أغرب منه، أنه ليس في شيء من ذلك صريح، إلا لفظ الجلالة، ويمين النبي ﷺ بألفاظه السابقة ترد هذا القول الغريب، والمشهور عندهم وعند الحنابلة أنها ثلاثة أقسام: أحدها: ما يختص به، كالرحمن، ورب العالمين، وخالق الخلق، فهو صريح، تنعقد به اليمين، سواء قصد الله، أو أطلق، ثانيها: ما يطلق عليه، وقد يقال لغيره، لكن بقيد، كالرب، والحق، فتنعقد به اليمين، إلا إن قصد به غير الله. ثالثها: ما يطلق على السواء، كالحي، والموجود، والمؤمن، فإن نوى غير الله، أو أطلق، فليس بيمين، وإن نوى به الله تعالى انعقد على الصحيح.
وإذا تقرر هذا. فمثل: والذي نفسي بيده، ينصرف عند الإطلاق لله جزمًا، فإن نوى به غيره، كملك الموت مثلاً، لم يخرج عن الصراحة على الصحيح، وفيه وجه عن بعض الشافعية وغيرهم، ويلتحق به: والذي فلق الحبة، ومقلب القلوب. وأما مثل: والذي أعبده، أو أسجد له، أو أصلي له، فصريح جزمًا. وحروف القسم ثلاثة. والله، وبالله، وتالله، والواو، والباء تدخلان على اسم الجلالة، وعلى غيره من أسمائه تعالى، أما التاء فلا تدخل إلا على لفظ الجلالة.
стр. 3539
وجمهور العلماء على أن من حلف بغير الله، مطلقًا، لم تنعقد يمينه، سواء كان المحلوف به يستحق التعظيم، لمعنى غير العبادة، كالأنبياء والملائكة والعلماء والصالحين والملوك والآباء والكعبة، أو كان لا يستحق التعظيم، كآحاد الناس، أو يستحق التحقير والإذلال، كالشياطين والأصنام وسائر من عبد من دون الله.
واستثنى بعض الحنابلة من ذلك الحلف بنبينا محمد ﷺ ، فقالوا: تنعقد به اليمين، وتجب الكفارة بالحنث، واعتلوا بكونه أحد ركني الشهادة التي لا تتم إلا به، وأطلق ابن العربي نسبته لمذهب أحمد، وتعقبه بأن الإيمان عند أحمد لا يتم إلا بفعل الصلاة، فيلزمه أن من حلف بالصلاة تنعقد يمينه، ويلزمه الكفارة إذا حنث. ويمكن رد تعقب ابن العربي.
وقال ابن المنذر: اختلف أهل العلم في معنى النهي عن الحلف بغير الله، فقالت طائفة: هو خاص بالأيمان التي كان أهل الجاهلية يحلفون بها، تعظيمًا لغير الله تعالى كاللات والعزى والآباء، فهذه يأثم الحالف بها، ولا كفارة فيها، وأما ما كان يؤول إلى تعظيم الله، كقوله: وحق النبي، وحق الإسلام، وحق الحج والعمرة، وحق الصيام والصدقة ونحوها مما يراد به تعظيم الله، والقربة إليه، فليس داخلاً في النهي.
وتعقبه ابن عبد البر بأن ذكر هذه الأشياء، وإن كانت بصورة الحلف، فليست يمينًا في الحقيقة، ولا يمين في الحقيقة إلا بالله.
وقال المهلب: كانت العرب تحلف بآبائها وآلهتها، فأراد الله نسخ ذلك من قلوبهم، لينسيهم ذكر كل شيء سواه، ويبقى ذكره، لأنه الحق المعبود، فلا يكون اليمين إلا به، والحلف بالمخلوقات في حكم الحلف بالآباء.
وقال الطبري: إن اليمين لا تنعقد إلا بالله، وإن من حلف بالكعبة أو آدم أو جبريل ونحو ذلك تنعقد يمينه، ولزمه الاستغفار، لإقدامه على ما نهي عنه، ولا كفارة في ذلك.
وقال ابن هبيرة: أجمعوا على أن اليمين منعقدة بالله، وبجميع أسمائه الحسنى، وبجميع صفات ذاته، كعزته وجلاله وعلمه وقوته وقدرته.
وقال النووي: في الحديث النهي عن الحلف بغير الله وأسمائه وصفاته، وهو عند أصحابنا مكروه، ليس بحرام، وقال عن روايتنا الرابعة: قال أصحابنا: إذا حلف باللات والعزى وغيرهما من الأصنام، أو قال: إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني، أو بريء من الإسلام، أو بريء من النبي ﷺ ، أو نحو ذلك لم تنعقد يمينه، بل عليه أن يستغفر الله تعالى، ويقول: لا إله إلا الله، ولا كفارة عليه، سواء فعله أم لا، هذا مذهب الشافعي ومالك وجماهير العلماء، وقال أبو حنيفة، تجب الكفارة في كل ذلك، إلا في قوله: أنا مبتدع، أو بريء من النبي ﷺ ، أو واليهودية، واحتج بأن الله تعالى أوجب على المظاهر الكفارة، لأنه منكر من القول وزور، والحلف بهذه الأشياء منكر وزور، واحتج أصحابنا والجمهور بظاهر هذا الحديث، فإنه ﷺ ، إنما أمره بقول: "لا إله إلا الله، ولم يذكر كفارة، ولأن الأصل عدمها حتى يثبت فيها شرع، وأما قياسهم على المظاهر فينتقض بما استثنوه.
стр. 3540
قال الحافظ ابن حجر: وأما القياس على الظهار فلا يصح، لأنهم لم يوجبوا فيه كفارة الظهار، ولأنهم استثنوا أشياء، لم يوجبوا فيها كفارة أصلاً، مع أنه منكر من القول.
وقال النووي في الأذكار: الحلف بذلك حرام، تجب التوبة منه، ولم يتعرض لوجوب قول: لا إله إلا الله.
وقال البغوي في شرح السنة، تبعًا للخطابي: في هذا الحديث دليل على أن لا كفارة على من حلف بغير الإسلام، وإن أثم به، لكن تلزمه التوبة، لأنه ﷺ ، أمره بكلمة التوحيد، فأشار إلى أن عقوبته تختص بذنبه، ولم يوجب عليه في ماله شيئًا، وإنما أمره بالتوحيد، لأن الحلف باللات والعزى يضاهي الكفار، فأمره أن يتدارك بالتوحيد.
وقال النووي: قوله ﷺ : "ومن قال لصاحبه تعال أقامرك فليتصدق" قال العلماء: أمر بالصدقة لتكفير خطيئته في كلامه بهذه المعصية، قال الخطابي: معناه فليتصدق بمقدار ما أمر أن يقامر به، والصواب الذي عليه المحققون، وهو ظاهر في الحديث أنه لا يختص بذلك المقدار، بل يتصدق بما تيسر، مما ينطلق عليه اسم الصدقة، ويؤيده ملحق الرواية الرابعة، ولفظه "فليتصدق بشيء".
قال الخطابي: وفي هذا الحديث دلالة لمذهب الجمهور أن العزم على المعصية، إذا استقر في القلب، كان ذنبًا، يكتب عليه، بخلاف الخاطر، الذي لا يستقر في القلب. اهـ ويمكن أن يقال: إن الذنب ليس ما استقر في القلب، وإنما هو ما خرج على اللسان من طلب المنكر من صاحبه، والدعوة إلى القمار من عمل الجوارح.
وقال الطيبي: وفي الحديث أن من دعا إلى اللعب، فكفارته أن يتصدق، ويتأكد ذلك في حق من لعب بطريق الأولى.
واللَّه أعلم
следующие страницы →