Полный текст (6 200 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.
стр. 3536
٣٧٤٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من حلف منكم فقال في حلفه باللات فليقل لا إله إلا الله. ومن قال لصاحبه تعال أقامرك فليتصدق".
٣٧٤٧ - - وفي رواية عن الزهري بهذا الإسناد. وحديث معمر مثل حديث يونس غير أنه قال "فليتصدق بشيء" وفي حديث الأوزاعي "من حلف باللات والعزى" قال أبو الحسين مسلم هذا الحرف (يعني قوله تعالى أقامرك فليتصدق) لا يرويه أحد غير الزهري قال وللزهري نحو من تسعين حديثاً يرويه عن النبي ﷺ لا يشاركه فيه أحد بأسانيد جياد.
٣٧٤٨ - عن عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لا تحلفوا بالطواغي ولا بآبائكم".
-[المعنى العام]-
كانت العرب تحلف بآبائها وآلهتها، تعظيمًا لهم، فكانوا يقولون بأبي لأفعلن كذا، وباللات والعزى لقد فعلت كذا، فجاء الإسلام، يعظم الله وحده، ويذر تعظيم ما كانوا يعظمون، جاء الإسلام لينتزع من قلوبهم نزعة الجاهلية، والتفاخر بالآباء والأحساب، ولينتزع من عقيدتهم تقديس أصنام لا تملك لهم ضرًا ولا نفعًا، وطبق رسول الله ﷺ ، على من هو قريب منه، عمر بن الخطاب هذا المبدأ، ليستجيب من عداه، وليحذر غيره ما حذر منه، فقد سمعه ﷺ يحلف بأبيه، فقال له بصوت يسمعه كل من حوله، من الركب العائد من الغزوة: إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم.
وأعلن عمر - وهو خليفة المسلمين، وأمير المؤمنين - على من كان حوله من رعيته، أعلن مدى التزامه بالقرار، ومدى ضبطه لحواسه وعقله، في يقظته وسهوه، في عمده وغفلته، أعلن أنه لم يحلف بأبيه - بعد أن سمع النهي - قاصدًا ولا غير قاصد، بل لم يجر على لسانه حكاية من حلف بأبيه، فلم ينشئ حلفًا بأبيه، ولم يحك عن غيره أنه حلف بأبيه، صيانة للسانه عما نهى رسول الله ﷺ عنه، ﵁ وأرضاه.
-[المباحث العربية]-
(إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم) في ملحق هذه الرواية "سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 3537
عمر، وهو يحلف بأبيه فقال .... " وفي الرواية الثانية أن رسول الله ﷺ أدرك عمر بن الخطاب في ركب، وعمر يحلف بأبيه، فناداهم رسول الله ﷺ : ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم "وفي رواية يعقوب بن شيبة عن عمر" بينما أنا راكب، أسير في غزاة، مع رسول الله ﷺ " وفي رواية "أن رسول الله ﷺ سمع عمر، وهو يحلف بأبيه، وهو يقول: وأبي. وأبي" وفي رواية "قال عمر: حدثت قوما حديثًا، فقلت: لا. وأبي، فقال رجل من خلفي: لا تحلفوا بآبائكم، فالتفت، فإذا رسول الله ﷺ ، يقول: لو أن أحدكم حلف بالمسيح هلك، والمسيح خير من آبائكم".
وعند النسائي وأبي داود عن أبي هريرة بلفظ "لا تحلفوا بآبائكم، ولا بأمهاتكم، ولا بالأنداد، ولا تحلفوا إلا بالله".
وفي الرواية الثانية "فمن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت" عن الحلف، أي لا يحلف.
وفي الرواية الخامسة "لا تحلفوا بالطواغي، ولا بآبائكم" والطواغي هي الأصنام، واحدها طاغية، سمي الصنم باسم المصدر، لطغيان الكفار بعبادته، لأنه سبب طغيانهم وكفرهم، والطغيان في الأصل مجاوزة الحد مطلقًا، ومنه قوله تعالى ﴿إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية﴾ [الحاقة: ١١].
ويجوز أن يكون المراد من الطواغي هنا، الطغاة من الكفار، المجاوزين الحد في الشر، وهم عظماؤهم، وفي غير مسلم "لا تحلفوا بالطواغيت" وهو جمع طاغوت، وهو الصنم، ويطلق على الشيطان أيضًا، ويكون الطاغوت واحدًا وجمعًا ومذكرًا ومؤنثًا.
(ما حلفت بها ذاكرًا، ولا آثرًا) "ذاكرًا" أي عامدًا، قائلاً لها من عند نفسي، "ولا آثرًا" أي ناقلاً لها، ومحدثًا بها عن غيري، أنه حلف بها، فذاكرًا من الذكر بكسر الذال. "ولا آثرًا" من الأثر بفتح الهمزة والثاء، وهو ما يروى، أي يكتب من العلم، وقيل "ذاكرًا" من الذكر بضم الذال، أي التذكر، ضد النسيان، و"آثرًا" من آثر كذا، أي اختاره، والمعنى لا عامدًا ولا مختارًا.
(ومن الحلف باللات والعزى) عند البخاري قال ابن عباس: كان اللات رجلاً يلت سويق الحاج" وفي رواية "كان يلت السويق على الحجر، فلا يشرب منه أحد إلا سمن، فعبدوه" فأصله بتشديد التاء، وخففت بكثرة الاستعمال، وروى الفاكهي من طريق مجاهد، قال: "كان رجل في الجاهلية، على صخرة بالطائف، وعليها له غنم، فكان يسلو من رسلها - أي يأخذ من لبنها - ويأخذ من زبيب الطائف والأقط، فيجعل منه حيسًا، ويطعم من يمر به من الناس، فلما مات عبدوه" وفي رواية للفاكهي "فلما مات قال لهم عمرو بن لحي: إنه لم يمت، ولكنه دخل الصخرة فعبدوها، وبنوا عليها بيتًا" قال قتادة: كان اللات لثقيف.
أما العزى - وهي تأنيث الأعز - فقد كانت ثلاث شجرات من النخيل، وقيل: نخلة، بنوا بجوارها بيتًا، أقام فيه السدنة، وادعوا علم الغيب، وأطلقوا العزى على شيطانة بداخلها، وكان أول من اتخذها معبودًا ظالم بن سعد، بوادي نخلة، فوق ذات عرق.
وأما مناة فكانت صخرة بين مكة والمدينة، يهل إليها الأنصار، قبل أن يسلموا.
стр. 3538
ثم صورت حجارة لهذه الأصنام الثلاثة، ووضعت في الكعبة، وعلى الصفا، وعلى المروة، وفي فتح مكة حطم رسول الله ﷺ وكبار صحابته ما في جوف الكعبة، وما حولها من أصنام، وأرسل المغيرة بن شعبة فهدم اللات، وأرسل خالد بن الوليد إلى نخلة فقطع العزى، وأرسل عليًا إلى مناة فحطمها.
(تعال أقامرك) من القمار، وهو كل لعب فيه مقامرة ومراهنة.
-[فقه الحديث]-
قال العلماء: السر في النهي عن الحلف بغير الله أن الحلف بالشيء، يقتضي تعظيمه، والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده، فلا يضاهى به غيره، وقد جاء عن ابن عباس: لأن أحلف بالله مائة مرة، فآثم، خير من أن أحلف بغيره، فأبر.
فإن قيل: الحديث مخالف لقوله ﷺ "أفلح وأبيه إن صدق" فجوابه أن هذه الكلمة كانت تجري على لسانهم، لا يقصدون بها اليمين. وسبق الكلام عنه في كتاب الإيمان.
فإن قيل: قد أقسم الله تعالى بمخلوقاته، كقوله تعالى ﴿والصافات﴾ [الصافات: ١]، ﴿والذاريات﴾ [الذاريات: ١]. ﴿والطور﴾ [الطور: ١]. ﴿والنجم﴾ [النجم: ١] فالجواب أن الله تعالى يقسم بما يشاء من مخلوقاته، تنبيهًا على شرفه.
وظاهر الحديث تخصيص الحلف بالله خاصة، لكن الفقهاء قد اتفقوا على أن اليمين تنعقد بالله وذاته وصفاته العلية، وإن اختلفوا في انعقادها ببعض الصفات، فقد كانت يمين النبي ﷺ : والذي نفسي بيده - والذي نفس محمد بيده - لا. ومقلب القلوب - ورب الكعبة. فدل ذلك على أن النهي عن الحلف بغير الله لا يراد به اختصاص لفظ الجلالة بذلك، بل يتناول كل اسم وصفة تختص به ، وقد جزم ابن حزم - وهو ظاهر كلام المالكية والحنفية، بأن جميع الأسماء الواردة في القرآن الكريم والسنة الصحيحة، وكذا الصفات، صريح في اليمين، تنعقد به، وتجب لمخالفته الكفارة، وهو وجه غريب عند الشافعية، وعندهم وجه أغرب منه، أنه ليس في شيء من ذلك صريح، إلا لفظ الجلالة، ويمين النبي ﷺ بألفاظه السابقة ترد هذا القول الغريب، والمشهور عندهم وعند الحنابلة أنها ثلاثة أقسام: أحدها: ما يختص به، كالرحمن، ورب العالمين، وخالق الخلق، فهو صريح، تنعقد به اليمين، سواء قصد الله، أو أطلق، ثانيها: ما يطلق عليه، وقد يقال لغيره، لكن بقيد، كالرب، والحق، فتنعقد به اليمين، إلا إن قصد به غير الله. ثالثها: ما يطلق على السواء، كالحي، والموجود، والمؤمن، فإن نوى غير الله، أو أطلق، فليس بيمين، وإن نوى به الله تعالى انعقد على الصحيح.
وإذا تقرر هذا. فمثل: والذي نفسي بيده، ينصرف عند الإطلاق لله جزمًا، فإن نوى به غيره، كملك الموت مثلاً، لم يخرج عن الصراحة على الصحيح، وفيه وجه عن بعض الشافعية وغيرهم، ويلتحق به: والذي فلق الحبة، ومقلب القلوب. وأما مثل: والذي أعبده، أو أسجد له، أو أصلي له، فصريح جزمًا. وحروف القسم ثلاثة. والله، وبالله، وتالله، والواو، والباء تدخلان على اسم الجلالة، وعلى غيره من أسمائه تعالى، أما التاء فلا تدخل إلا على لفظ الجلالة.
стр. 3539
وجمهور العلماء على أن من حلف بغير الله، مطلقًا، لم تنعقد يمينه، سواء كان المحلوف به يستحق التعظيم، لمعنى غير العبادة، كالأنبياء والملائكة والعلماء والصالحين والملوك والآباء والكعبة، أو كان لا يستحق التعظيم، كآحاد الناس، أو يستحق التحقير والإذلال، كالشياطين والأصنام وسائر من عبد من دون الله.
واستثنى بعض الحنابلة من ذلك الحلف بنبينا محمد ﷺ ، فقالوا: تنعقد به اليمين، وتجب الكفارة بالحنث، واعتلوا بكونه أحد ركني الشهادة التي لا تتم إلا به، وأطلق ابن العربي نسبته لمذهب أحمد، وتعقبه بأن الإيمان عند أحمد لا يتم إلا بفعل الصلاة، فيلزمه أن من حلف بالصلاة تنعقد يمينه، ويلزمه الكفارة إذا حنث. ويمكن رد تعقب ابن العربي.
وقال ابن المنذر: اختلف أهل العلم في معنى النهي عن الحلف بغير الله، فقالت طائفة: هو خاص بالأيمان التي كان أهل الجاهلية يحلفون بها، تعظيمًا لغير الله تعالى كاللات والعزى والآباء، فهذه يأثم الحالف بها، ولا كفارة فيها، وأما ما كان يؤول إلى تعظيم الله، كقوله: وحق النبي، وحق الإسلام، وحق الحج والعمرة، وحق الصيام والصدقة ونحوها مما يراد به تعظيم الله، والقربة إليه، فليس داخلاً في النهي.
وتعقبه ابن عبد البر بأن ذكر هذه الأشياء، وإن كانت بصورة الحلف، فليست يمينًا في الحقيقة، ولا يمين في الحقيقة إلا بالله.
وقال المهلب: كانت العرب تحلف بآبائها وآلهتها، فأراد الله نسخ ذلك من قلوبهم، لينسيهم ذكر كل شيء سواه، ويبقى ذكره، لأنه الحق المعبود، فلا يكون اليمين إلا به، والحلف بالمخلوقات في حكم الحلف بالآباء.
وقال الطبري: إن اليمين لا تنعقد إلا بالله، وإن من حلف بالكعبة أو آدم أو جبريل ونحو ذلك تنعقد يمينه، ولزمه الاستغفار، لإقدامه على ما نهي عنه، ولا كفارة في ذلك.
وقال ابن هبيرة: أجمعوا على أن اليمين منعقدة بالله، وبجميع أسمائه الحسنى، وبجميع صفات ذاته، كعزته وجلاله وعلمه وقوته وقدرته.
وقال النووي: في الحديث النهي عن الحلف بغير الله وأسمائه وصفاته، وهو عند أصحابنا مكروه، ليس بحرام، وقال عن روايتنا الرابعة: قال أصحابنا: إذا حلف باللات والعزى وغيرهما من الأصنام، أو قال: إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني، أو بريء من الإسلام، أو بريء من النبي ﷺ ، أو نحو ذلك لم تنعقد يمينه، بل عليه أن يستغفر الله تعالى، ويقول: لا إله إلا الله، ولا كفارة عليه، سواء فعله أم لا، هذا مذهب الشافعي ومالك وجماهير العلماء، وقال أبو حنيفة، تجب الكفارة في كل ذلك، إلا في قوله: أنا مبتدع، أو بريء من النبي ﷺ ، أو واليهودية، واحتج بأن الله تعالى أوجب على المظاهر الكفارة، لأنه منكر من القول وزور، والحلف بهذه الأشياء منكر وزور، واحتج أصحابنا والجمهور بظاهر هذا الحديث، فإنه ﷺ ، إنما أمره بقول: "لا إله إلا الله، ولم يذكر كفارة، ولأن الأصل عدمها حتى يثبت فيها شرع، وأما قياسهم على المظاهر فينتقض بما استثنوه.
стр. 3540
قال الحافظ ابن حجر: وأما القياس على الظهار فلا يصح، لأنهم لم يوجبوا فيه كفارة الظهار، ولأنهم استثنوا أشياء، لم يوجبوا فيها كفارة أصلاً، مع أنه منكر من القول.
وقال النووي في الأذكار: الحلف بذلك حرام، تجب التوبة منه، ولم يتعرض لوجوب قول: لا إله إلا الله.
وقال البغوي في شرح السنة، تبعًا للخطابي: في هذا الحديث دليل على أن لا كفارة على من حلف بغير الإسلام، وإن أثم به، لكن تلزمه التوبة، لأنه ﷺ ، أمره بكلمة التوحيد، فأشار إلى أن عقوبته تختص بذنبه، ولم يوجب عليه في ماله شيئًا، وإنما أمره بالتوحيد، لأن الحلف باللات والعزى يضاهي الكفار، فأمره أن يتدارك بالتوحيد.
وقال النووي: قوله ﷺ : "ومن قال لصاحبه تعال أقامرك فليتصدق" قال العلماء: أمر بالصدقة لتكفير خطيئته في كلامه بهذه المعصية، قال الخطابي: معناه فليتصدق بمقدار ما أمر أن يقامر به، والصواب الذي عليه المحققون، وهو ظاهر في الحديث أنه لا يختص بذلك المقدار، بل يتصدق بما تيسر، مما ينطلق عليه اسم الصدقة، ويؤيده ملحق الرواية الرابعة، ولفظه "فليتصدق بشيء".
قال الخطابي: وفي هذا الحديث دلالة لمذهب الجمهور أن العزم على المعصية، إذا استقر في القلب، كان ذنبًا، يكتب عليه، بخلاف الخاطر، الذي لا يستقر في القلب. اهـ ويمكن أن يقال: إن الذنب ليس ما استقر في القلب، وإنما هو ما خرج على اللسان من طلب المنكر من صاحبه، والدعوة إلى القمار من عمل الجوارح.
وقال الطيبي: وفي الحديث أن من دعا إلى اللعب، فكفارته أن يتصدق، ويتأكد ذلك في حق من لعب بطريق الأولى.
واللَّه أعلم
стр. 3541
(٤٣٥) باب من حلف يمينًا فرأى غيرها خيرًا منها
٣٧٤٩ - عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ في رهط من الأشعريين نستحمله فقال "والله لا أحملكم وما عندي ما أحملكم عليه" قال: فلبثنا ما شاء الله ثم أتي بإبل فأمر لنا بثلاث ذود غر الذرى. فلما انطلقنا قلنا (أو قال بعضنا لبعض) لا يبارك الله لنا أتينا رسول الله ﷺ نستحمله فحلف أن لا يحملنا ثم حملنا فأتوه فأخبروه. فقال "ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم وإني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين ثم أرى خيرًا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير".
٣٧٥٠ - عن أبي موسى ﵁ قال: أرسلني أصحابي إلى رسول الله ﷺ أسأله لهم الحملان إذ هم معه في جيش العسرة (وهي غزوة تبوك). فقلت: يا نبي الله إن أصحابي أرسلوني إليك لتحملهم. فقال "والله لا أحملكم على شيء" ووافقته وهو غضبان ولا أشعر فرجعت حزينًا من منع رسول الله ﷺ ومن مخافة أن يكون رسول الله ﷺ قد وجد في نفسه علي فرجعت. إلى أصحابي فأخبرتهم الذي قال رسول الله ﷺ . فلم ألبث إلا سويعة إذ سمعت بلالاً ينادي: أي عبد الله بن قيس. فأجبته. فقال: أجب رسول الله ﷺ يدعوك. فلما أتيت رسول الله ﷺ قال "خذ هذين القرينين وهذين القرينين وهذين القرينين (لستة أبعرة ابتاعهن حينئذ من سعد) فانطلق بهن إلى أصحابك فقل إن الله (أو قال إن رسول الله ﷺ يحملكم على هؤلاء فاركبوهن" قال أبو موسى فانطلقت إلى أصحابي بهن فقلت إن رسول الله ﷺ يحملكم على هؤلاء ولكن والله لا أدعكم حتى ينطلق معي بعضكم إلى من سمع مقالة رسول الله ﷺ حين سألته لكم ومنعه في أول مرة ثم إعطاءه إياي بعد ذلك لا تظنوا أني حدثتكم شيئًا لم يقله. فقالوا لي: والله إنك عندنا لمصدق ولنفعلن ما أحببت. فانطلق أبو موسى بنفر منهم حتى أتوا الذين سمعوا قول رسول الله ﷺ ومنعه إياهم ثم إعطاءهم بعد فحدثوهم بما حدثهم به أبو موسى سواء.
стр. 3542
٣٧٥١ - عن زهدم الجرمي قال أيوب وأنا لحديث القاسم أحفظ مني لحديث أبي قلابة، قال: كنا عند أبي موسى فدعا بمائدته وعليها لحم دجاج فدخل رجل من بني تيم الله أحمر شبية بالموالي، فقال له: هلم. فتلكأ. فقال: هلم فإني قد رأيت رسول الله ﷺ يأكل منه. فقال الرجل: إني رأيته يأكل شيئًا فقذرته فحلفت أن لا أطعمه. فقال: هلم أحدثك عن ذلك إني أتيت رسول الله ﷺ في رهط من الأشعريين نستحمله، فقال "والله لا أحملكم وما عندي ما أحملكم عليه" فلبثنا ما شاء الله فأتي رسول الله ﷺ بنهب إبل فدعا بنا فأمر لنا بخمس ذود غر الذرى. قال: فلما انطلقنا. قال: بعضنا لبعض أغفلنا رسول الله ﷺ يمينه لا يبارك لنا فرجعنا إليه. فقلنا: يا رسول الله إنا أتيناك نستحملك وإنك حلفت أن لا تحملنا ثم حملتنا أفنسيت يا رسول الله؟ قال "إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها فانطلقوا فإنما حملكم الله ".
٣٧٥٢ - - وفي رواية عن زهدم الجرمي قال: كان بين هذا الحي من جرم وبين الأشعريين ود وإخاء فكنا عند أبي موسى الأشعري فقرب إليه طعام فيه لحم دجاج فذكر نحوه.
٣٧٥٣ - - وفي رواية عن زهدم الجرمي قال: كنا عند أبي موسى. واقتصوا جميعًا الحديث بمعنى حديث حماد بن زيد.
٣٧٥٤ - - وفي رواية عن زهدم الجرمي قال: دخلت على أبي موسى وهو يأكل لحم دجاج. وساق الحديث بنحو حديثهم وزاد فيه قال: "إني والله ما نسيتها".
٣٧٥٥ - عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: أتينا رسول الله ﷺ نستحمله فقال "ما عندي ما أحملكم والله ما أحملكم" ثم بعث إلينا رسول الله ﷺ بثلاثة ذود بقع الذرى.
стр. 3543
فقلنا: إنا أتينا رسول الله ﷺ نستحمله فحلف أن لا يحملنا فأتيناه فأخبرناه. فقال "إني لا أحلف على يمين أرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير".
٣٧٥٦ - - وفي رواية عن أبي موسى قال: كنا مشاة فأتينا نبي الله ﷺ نستحمله. بنحو حديث جرير.
٣٧٥٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال أعتم رجل عند النبي ﷺ ثم رجع إلى أهله فوجد الصبية قد ناموا فأتاه أهله بطعامه فحلف لا يأكل من أجل صبيته ثم بدا له فأكل فأتى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له فقال رسول الله ﷺ "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأتها وليكفر عن يمينه".
٣٧٥٨ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليكفر عن يمينه وليفعل".
٣٧٥٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه".
٣٧٦٠ - عن سهيل في هذا الإسناد بمعنى حديث مالك "فليكفر يمينه وليفعل الذي هو خير".
٣٧٦١ - عن تميم بن طرفة قال: جاء سائل إلى عدي بن حاتم فسأله نفقة في ثمن خادم أو في بعض ثمن خادم. فقال: ليس عندي ما أعطيك إلا درعي ومغفري فأكتب إلى أهلي أن يعطوكها. قال: فلم يرض فغضب عدي. فقال: أما والله لا أعطيك شيئًا ثم إن الرجل رضي. فقال: أما والله لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول "من حلف على يمين ثم رأى أتقى لله منها فليأت التقوى ما حنثت يميني".
стр. 3544
٣٧٦٢ - عن عدي بن حاتم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير وليترك يمينه".
٣٧٦٣ - عن عدي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا حلف أحدكم على اليمين فرأى خيرًا منها فليكفرها وليأت الذي هو خير".
٣٧٦٤ - عن تميم بن طرفة قال: سمعت عدي بن حاتم وأتاه رجل يسأله مائة درهم. فقال: تسألني مائة درهم وأنا ابن حاتم؟ والله لا أعطيك، ثم قال: لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول "من حلف على يمين ثم رأى خيرًا منها فليأت الذي هو خير".
٣٧٦٥ - - وفي رواية عن تميم بن طرفة قال: سمعت عدي بن حاتم أن رجلاً سأله فذكر مثله وزاد ولك أربعمائة في عطائي.
٣٧٦٦ - عن عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ "يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها فكفر عن يمينك وائت الذي هو خير".
٣٧٦٧ - - وفي رواية عن عبد الرحمن بن سمرة عن النبي ﷺ بهذا الحديث وليس في حديث المعتمر عن أبيه ذكر الإمارة.
стр. 3545
-[المعنى العام]-
يقول الله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم﴾ [المائدة: ٨٩] وهكذا شرع الله عبادة مالية أو بدنية فداء لليمين، وكفارة للحنث فيه، وإذا كان اليمين عقدًا وتعهدًا من الحالف مع ربه، فقد جعل الله جل شأنه تحلة هذا العقد، وفك رباطه بهذه الكفارة، حيث قال: ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ [التحريم: ٢] فأصبح الحالف بين خيرين، إما أن يمضي ما حلف عليه، فيبر بيمينه وعهده مع ربه، وينتفع بتحقيق ما حلف عليه إذا كان من وجوه الخير، وإما أن يكفر عن يمينه، بتلك العبادة المالية أو البدنية، وفي كل خير، فإذا حلف أن يفعل مباحًا أو خيرًا، فرأى خيرًا مما حلف عليه رسم له الحديث الشريف طريقًا إلى الحصول على الخيرين معًا، أن يفعل الشيء الذي حلف ألا يفعله، أو أن يترك الشيء الذي حلف أن يفعله، وليكفر عن يمينه، فالارتقاء بالخير تقوى، وتكفير اليمين تقوى، واغتنام الخيرين أفضل من خير واحد، ومن تقوى واحدة.
وبدأ بنفسه ﷺ قولاً وعملاً، فقال "إني - والله - إن شاء الله - لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير، وتحللتها" وطبق هذا القانون على نفسه، يوم جاءه أبو موسى الأشعري يطلب لنفسه ولجماعة من الأشعريين نوقًا يركبونها، ويحملون عليها زادهم في سفرهم إلى غزوة العسرة، غزوة تبوك، إنهم مشاة لا يملكون ما يحملهم، وإن الطريق طويل من المدينة إلى تبوك، والحر الشديد، والرسول ﷺ يوزع على المحتاجين ما عنده من إبل، ليتعاقب على البعير الواحد من يتعاقبون، ويأتي أبو موسى، وقد نفد ما عنده ﷺ ، فيسأل، وهو يظن وجود الفضل، ويعتذر الرسول ﷺ ، بأنه ليس عنده ما يحملهم عليه، ويلح أبو موسى لشدة حاجته، وأكثر ما كان يؤلم الرسول ﷺ أن يعجز عن مساعدة المحتاجين، وكم يغضبه أن يلح من لا يعرف حاله، فقال لأبي موسى: والله ما أحملكم، لأني لا أجد ما أحملكم عليه، وانصرف أبو موسى حزينًا، وبعد قليل جاء رسول الله ﷺ غنيمة، فيها إبل، فدعا أبا موسى وأعطاه ستًا منها، له ولأصحابه، فلما وصل أصحابه قالوا: لقد حلف ﷺ ألا يعطينا، لعله نسي، فلنذكره، فلما جاءوه قال: لم أنس يميني، ولكني - إن شاء الله - لا أحلف على يمين فأجد غيرها خيرًا منها إلا كفرت عن يميني، وفعلت الذي هو خير، ﷺ .
-[المباحث العربية]-
(أبو موسى الأشعري) عبد الله بن قيس، مشهور باسمه وكنيته، قدم المدينة بعد فتح خيبر، صادفت سفينته سفينة جعفر بن أبي طالب، فقدموا جميعًا، استعمله النبي ﷺ على بعض اليمن، واستعمله عمر على البصرة.
стр. 3546
(أتيت النبي ﷺ في رهط من الأشعريين نستحمله) أي يطلبون منه أن يحملهم على أبعرة من عنده، أي يطلبون منه ما يحملهم ويحمل أمتعتهم، والجملة صفة ثانية لرهط، والرهط الجماعة من ثلاثة - أو من سبعة - إلى عشرة - أو إلى ما دون العشرة.
و"في" في قوله "في رهط" سببية، أي بسبب رهط، كقوله ﷺ "دخلت امرأة النار في هرة" وإسناد اللإتيان إلى الجماعة - في قوله في الرواية الرابعة "أتينا رسول الله ﷺ نستحمله" من قبيل إسناد الفعل إلى الراضين به، كقوله "فعقروا الناقة" والرواية الثانية توضح أن أصحابه أرسلوه نيابة عنهم. والأشعريون قومه من أهل اليمن، وجمع الحافظ ابن حجر بأن أبا موسى حضر هو والرهط، فباشر الكلام بنفسه عنهم. وهذا الجمع تستبعده الرواية الثانية، إذ طلب من أصحابه أن يستوثقوا من نقله عن الرسول ﷺ . وقوله في الرواية الثانية "أسأله لهم الحملان" بضم الحاء، أي الحمل، وفي كتب اللغة: الحملان ما تحمل عليه الأمتعة من الدواب، وعند البخاري "وهو يقسم نعمًا - بفتح النون والعين - من نعم الصدقة" فبين سبب الإتيان في هذا الوقت، ولعل النعم انتهى توزيعها ونفدت حين وصوله، فتألم رسول الله ﷺ لشدة حاجة أصحابه إلى الظهر مع نفاد ما عنده، فكان غاضبًا، حين طلب أبو موسى الأشعري، فكان في رده بعض العنف، وبهذا عذره أبو موسى، وعذر نفسه، حيث قال في الرواية الثانية "ووافقته وهو غضبان ولا أشعر".
(والله لا أحملكم، وما عندي ما أحملكم عليه) الجملة الثانية كالتعليل للجملة الأولى، وقد قدمت على الجملة الأولى في الرواية الرابعة، وفي الرواية الثانية، "والله لا أحملكم على شيء" والظاهر أن أبا موسى ألح في الطلب، ففي الرواية الثانية "فرجعت حزينًا، من منع رسول الله ﷺ ، ومن مخافة أن يكون رسول الله ﷺ ، قد وجد في نفسه علي" يقال: وجد فلان، بفتح الجيم يجد، بكسرها، وجدًا، بسكونها مع فتح الواو، إذا حزن ووجد عليه إذا غضب، وهؤلاء الأشعريون ليسوا من البكائين، الذين قال الله فيهم" ﴿ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا .... ﴾ [التوبة: ٩٢].
(فلبثنا ما شاء الله) أي فلبثنا زمنًا شاءه الله، وفي الرواية الثانية "فلم ألبث إلا سويعة" والساعة في اللغة جزء من أجزاء الوقت، قل أو كثر، فالمعنى لم ألبث إلا وقتًا، وليس المراد منها هنا جزءًا من أربعة وعشرين جزءًا من الليل والنهار، والظاهر أنه لبث جزءًا من نهار.
(ثم أتي بإبل) في الرواية الثالثة "فأتي رسول الله ﷺ بنهب إبل" بالإضافة، وبتنوين "نهب" و"إبل" بدل منه. والنهب بفتح النون وسكون الهاء بعدها باء، الغنيمة، وأصله ما يؤخذ اختطافًا، بحسب السبق إليه على غير تسوية بين الآخذين.
وفي الرواية الثانية، "ابتاعهن حينئذ من سعد" قال الحافظ ابن حجر، ويجمع بينهما باحتمال أن تكون الغنيمة لما حصلت حصل لسعد منها القدر المذكور، فابتاع النبي ﷺ منه نصيبه، فحملهم عليه، قيل: هو سعد بن عبادة.
стр. 3547
(فأمر لنا بثلاث ذود) معطوف على محذوفات أبرزتها الرواية الثانية، وفي رواية البخاري "فقيل: أين هؤلاء الأشعريون؟ فأتينا، فأمر لنا" والذود بفتح الذال وسكون الواو من الثلاث إلى العشر من النوق، وقيل: إلى السبع، وقيل: من الاثنتين إلى التسع، و"ثلاث ذود" من إضافة الشيء إلى نفسه، وبتنوين "ثلاث" و"ذود" بدل، أي بثلاث هي ثلاث نوق، وفي روايتنا الرابعة "بثلاثة ذود" والصواب الأول، لأن الذود مؤنث، ووجهها الحافظ ابن حجر، بأن الذود قد يطلق على الذكر والأنثى، وقال النووي: وهو صحيح، يعود إلى معنى الإبل، وهو الأبعرة، وظاهر هذه الرواية أن الرسول ﷺ حملهم على ثلاث نوق، لكن الرواية الثالثة، تقول "فأمر لنا بخمس ذود" قال ابن التين: الله أعلم أيهما يصح، قال الحافظ ابن حجر، لعل الجمع بينهما يحصل من الرواية الأخرى روايتنا الثانية "ولفظها "خذ هذين القرينين - أي البعيرين المقرون أحدهما بصاحبه - وهذين القرينين، لستة أبعرة" فلعل رواية الثلاث باعتبار ثلاثة أزواج إذ كان كل اثنين قد ربطا ببعضهما كأنهما واحد - ورواية الخمس باعتبار أن أحد الأزواج كان قرينه - صغيرًا - تابعًا له، فاعتد به تارة، ولم يعتد به أخرى. أو أن أحد الأزواج كان سنمه مخالفًا للخمسة، فلم يكن غر الذرى، ويمكن أن يجمع بأنه أمر لهم بثلاث ذود أولاً، ثم زادهم اثنتين.
(غر الذرى) "الذرى" بضم الذال وكسرها، وفتح الراء المخففة، جمع ذروة، بكسر الذال وضمها. وذروة كل شيء أعلاه، والمراد هنا الأسنمة، "والغر" البيض، وكذلك "البقع" الوارد في الرواية الرابعة، المراد بها البيض، وأصلها ما كان فيه بياض وسواد، والمعنى أمر لنا بإبل بيض الأسنمة.
(ما أنا حملتكم، ولكن الله حملكم) قيل: معناه نسبة الأفعال الاختيارية إلى الله، وإن الله خالق كل شيء، وقيل: معناه أن الله تعالى آتاني ما أحملكم عليه، وقيل: معناه أن الله أمرني أن أحملكم، فاشتريت لكم ما يحملكم، ويكون قد أوحي إليه أن يحملهم.
(وإني -إن شاء الله- لا أحلف على يمين) التعليق على المشيئة يقال له استثناء، فكأن فيه إخراج بعض ما يتناوله اللفظ، ومعنى "لا أحلف على يمين" أي لا أحلف على شيء، وهو محلوف اليمين، فأطلق عليه لفظ "يمين" للملابسة، والمراد ما شأنه يكون محلوفًا عليه، فهو من مجاز الاستعارة، ويجوز أن يكون "على" بمعنى الباء، ورجح الأول بقوله "ثم رأى خيرًا منها" لأن الضمير "منها" لا يصح عوده على اليمين، بل على المحلوف عليه.
(إذ هم معه في جيش العسرة، وهي غزوة تبوك) وكانت في شهر رجب من سنة تسع، و"تبوك" مكان معروف، في نصف المسافة من طريق المدينة - دمشق، والمشهور في "تبوك" المنع من الصرف للعلمية والتأنيث، ومن صرفها أراد الموضع، خرج المسلمون في قلة من الظهر، وفي عسرة من الماء والنفقة، وفي حر شديد، حتى كانوا ينحرون البعير، فيشربون ما في كرشه من الماء، فسميت غزوة العسرة.
стр. 3548
(وعليها لحم دجاج) مثلث الدال، الواحدة دجاجة، مثلثة الدال أيضًا، وقيل: إن الضم ضعيف.
(فدخل رجل من بني تيم الله، أحمر، شبيه بالموالي) "أحمر" أي أحمر اللون، والمراد من "الموالي" العجم، قال الحافظ ابن حجر: وهذا الرجل هو زهدم الراوي، أبهم نفسه، ففي ملحق الرواية الثالثة "عن زهدم قال: دخلت على أبي موسى، وهو يأكل لحم الدجاج .... الحديث، وعند البيهقي عند زهدم قال: رأيت أبا موسى يأكل الدجاج فدعاني، فقلت: إني رأيته يأكل نتنًا؟ فقال: ادن فكل فقلت: إني حلفت لا آكله".
(فتلكأ) أي تمنع وتوقف.
(إني رأيته يأكل شيئًا فقذرته) أي إني رأيت جنس هذا الدجاج - وليس المراد المأكول عند أبي موسى نفسه - يأكل شيئًا نتنًا، أو قذرًا، "فقذرته" بكسر الذال وفي رواية "إني رأيتها تأكل قذرًا" وكأنه ظن أنها أكثرت من ذلك، بحيث صارت جلالة، فبين له أبو موسى أنها ليست كذلك، أو أنه لا يلزم من كون تلك الدجاجة التي رآها كذلك أن يكون كل الدجاج كذلك.
(هلم أحدثك عن ذلك) أي عن الطريق في حل اليمين.
(أغفلنا رسول الله ﷺ يمينه) "أغفلنا" بسكون اللام، أي جعلناه غافلاً، ومعناه كنا سبب غفلته عن يمينه، ونسيانه إياها، وما ذكرناه إياها، أي أخذنا منه ما أخذنا، وهو ذاهل عن يمينه.
(وتحللتها) معنى "تحللتها" خرجت من حرمتها، إلى ما يحل منها، وذلك يكون بالكفارة.
(قال: إني - واللَّه - ما نسيتها) رد لقولهم: أفنسيت يا رسول الله؟ أي ما نسيت يميني.
(فليأتها، وليكفر عن يمينه) كذا في الرواية الخامسة، وفي الرواية الأولى تقديم التكفير على الإتيان، وكذا السادسة "فليكفر عن يمينه، وليفعل" أي وليفعل غير ما حلف عليه، وفي الرواية الثامنة "ثم رأى أتقى لله منها، فليأت التقوى" وهي بمعنى "الذي هو خير" وفي الرواية التاسعة "فليأت الذي هو خير، وليترك يمينه" أي وليترك ما حلف عليه، ويكفر عن يمينه. وفي كل الروايات العطف بين الإتيان والتكفير بالواو، وهي لا تقتضي ترتيبًا ولا تعقيبًا، وسيأتي في فقه الحديث حكم تقديم التكفير على الحنث.
(فسأله نفقة في ثمن خادم) أي إعانة مالية يستكمل بها ثمن عبد يخدمه، وفي الرواية الحادية عشرة "يسأله مائة درهم" فيمكن أن تكون قصة واحدة، ويحتمل أن تكونا حادثتين.
(ليس عندي ما أعطيك إلا درعي ومغفري .... ) المغفر زرد ينسج على قدر الرأس يلبس تحت القلنسوة عند الحرب، وفي الرواية الحادية عشرة "تسألني مائة درهم، وأنا ابن حاتم"؟ أي الطائي أي الجواد بن الجواد، الذي يقصد في عظائم الأمور، لا في تافهها؟ فإن كانتا في قصتين فلا
стр. 3549
إشكال، وإن كانت قصة واحدة، فيحتمل أن الرجل سأل مائة درهم، فاستحقرها عدي، فقال ما قال، وعرض درعه ومغفره، وهما يساويان مئات الدراهم، فلم يرض الرجل أن يجرد عديًا من عدة قتاله، ولعله لم يصدقه، مما أغضب عديًا، فحلف، ولعله غضب لأن الرجل لم يتوجه بهذا الفخار، ثم جاءه مال، فأعطى الرجل أربعة أو خمسة أمثال ما طلب، كرمًا وجودًا.
(وكلت إليها) بضم الواو، وكسر الكاف مخففًا ومشددًا، وسكون اللام، ومعنى المخفف صرفت إليها، ومن وكل إلى نفسه هلك، ومنه في الدعاء، "ولا تكلني إلى نفسي" والمراد من الإمارة الولاية مطلقًا، فيدخل فيها القضاء والحسبة وكل ما يتعلق بالحكم، وفي بعض نسخ مسلم "أكلت إليها" بالهمزة. قاله النووي. والمعنى أن من طلب الإمارة، فأعطيها تركت إعانته عليها، من أجل حرصه، ومن لم يكن له عون من الله على عمله، لا يكون فيه كفاية لذلك العمل، ومن المعلوم أن كل ولاية لا تخلو من المشقة، فمن لم يكن له من الله إعانة تورط فيما دخل فيه، وخسر دنياه وعقباه، فمن كان ذا عقل لم يتعرض للطلب أصلاً، بل إذا كان كفأ، وأعطيها من غير مسألة فقد وعده الصادق بالإعانة، قال ابن التين: وهو محمول على الغالب، فقد سألها يوسف وقال ﴿اجعلني على خزائن الأرض﴾ [يوسف: ٥٥] وقال سليمان ﴿وهب لي ملكًا﴾ [ص: ٣٥] قال: ويحتمل أن يكون ذلك في غير الأنبياء.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: في هذه الأحاديث دلالة على أن من حلف على فعل شيء، أو تركه، وكان الحنث خيرًا من التمادي على اليمين، استحب له الحنث، وتلزمه الكفارة، وهذا متفق عليه، وأجمعوا على أنه لا تجب عليه الكفارة قبل الحنث، وعلى أنه يجوز تأخيرها عن الحنث، وعلى أنه لا يجوز تقديمها على اليمين، واختلفوا في جوازها بعد اليمين، وقبل الحنث، فجوزها مالك والأوزاعي والثوري والشافعي وأربعة عشر صحابيًا وجماعات من التابعين، وهو قول جماهير العلماء، لكن قالوا: يستحب كونها بعد الحنث، واستثنى الشافعي التكفير بالصوم، فقال: لا يجوز قبل الحنث، لأنه عبادة بدنية، فلا يجوز تقديمها على وقتها، كالصلاة وصوم رمضان، وأما التكفير بالمال فيجوز تقديمه، كما يجوز تعجيل الزكاة، واستثنى بعض أصحابنا حنث المعصية، فقال: لا يجوز، لأن فيه إعانة على المعصية، والجمهور على إجزائها، كغير المعصية.
وقال أبو حنيفة وأصحابه وأشهب المالكي: لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث بأي حال، ودليل الجمهور ظواهر هذه الأحاديث - ففي بعضها تقديم الكفارة على الحنث - والقياس على تعجيل الزكاة. اهـ.
ووافق الحنفية داود الظاهري، وخالفه ابن حزم، واحتج لهم الطحاوي بقوله تعالى: ﴿ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم﴾ [المائدة: ٨٩] فإن المراد إذا حلفتم، فحنثتم، ورده مخالفوهم، فقالوا: بل المراد إذا حلفتم فعزمتم على الحنث، أو المراد ما هو أعم من ذلك، واحتجوا أيضًا بأن الكفارة بعد الحنث فرض، وإخراجها قبله تطوع، فلا يقوم التطوع مقام الفرض.
стр. 3550
واحتج الجمهور بأن عقد اليمين، لما كان يحله الاستثناء، وهو كلام، فلأن تحله الكفارة، وهي فعل مالي أو بدني من باب أولى.
وقال ابن حزم: أجاز الحنفية تعجيل الزكاة قبل الحول، وتقديم زكاة الزرع، وأجازوا تقديم كفارة القتل، قبل موت المجني عليه. اهـ أي فيلزمهم القول بجواز تعجيل كفارة اليمين، قيل الحنث. والله أعلم.
-[ويستفاد من الأحاديث فوق ما تقدم]-
١ - من قوله ﷺ في الرواية الأولى والثالثة "إني واللَّه - إن شاء الله - لا أحلف على يمين .... " الاستثناء في اليمين، فإذا قال: لأفعلن كذا إن شاء الله، أو إلا أن يشاء الله، أو لا أفعل كذا إن شاء الله، أو إن أراد الله، أو إن اختار الله، فقد استثنى، وقد اتفقوا على أن من قال ذلك، وقصد به التبرك فقط، ففعل، يحنث، وإن قصد الاستثناء فلا حنث عليه، واتفقوا على دخول الاستثناء في كل ما يحلف به، إلا الأوزاعي، فقال: لا يدخل في الطلاق والعتق والمشي إلى بيت الله، وكذا جاء مثله عن مالك وطاووس، وعن أحمد: يدخل الجميع إلا العتق.
٢ - وجواز الحلف من غير استحلاف، لتأكيد الخبر، ولو كان مستقبلاً.
٣ - وفي الحديث أن تعمد الحنث في مثل ذلك يكون طاعة، لا معصية.
٤ - وفي حمله ﷺ للأشعريين تطييب قلوب الأتباع، واستدراك جبر خاطر السائل.
٥ - ومن قوله: "والله لا أحملكم" جواز اليمين عند المنع.
٦ - ورد السائل الملحف عند تعذر الإسعاف.
٧ - وتأديبه بنوع من الإغلاظ بالقول.
٨ - ومن قولهم "لا يبارك الله لنا" أن من أخذ شيئًا، يعلم أن المعطي لم يكن راضيًا بإعطائه لا يبارك له فيه.
٩ - أخذ بعضهم من قوله "إلا كفرت عن يميني" أن النبي ﷺ لا يترك التكفير، وروي عن الحسن البصري أن النبي ﷺ لم يكفر أصلاً، لأنه مغفور له، وإنما نزلت كفارة اليمين تعليمًا للأمة.
١٠ - ومن قوله "ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم" إزالة المنة عن المعطي، بإضافة النعمة لمالكها الأصلي.
١١ - ومن الرواية الثالثة إباحة لحم الدجاج، إنسيه ووحشيه.
١٢ - وإباحة ملاذ الأطعمة والطيبات.
١٣ - ومن قوله "فدعا بمائدته" استخدام الكبير من يباشر له نقل طعامه، ووضعه بين يديه، قال القرطبي: ولا يناقض ذلك الزهد، ولا ينقصه، خلافًا لبعض المتقشفة، قال الحافظ ابن حجر: والجواز ظاهر، وأما كونه لا ينقص الزهد، ففيه وقفة.
стр. 3551
١٤ - دخول المرء على صديقه، في حال أكله.
١٥ - استدعاء صاحب الطعام الداخل، وعرضه الطعام عليه، ولو كان قليلاً، لأن اجتماع الجماعة على الطعام سبب للبركة فيه.
١٦ - وأن أكل الطيور لبعض القاذورات لا يحرم أكلها، واستثنى بعضهم التي تكثر من أكل القاذورات وظاهر صنيع أبي موسى أنه لم يبال بذلك، واختلف الفقهاء في حكم أكل الجلالة، وهي الدابة التي تأكل الجلة، وهي البعر، وادعى ابن حزم اختصاص الجلالة بذوات الأربع، والمعروف التعميم، وفي الحديث من طرق صحيحة النهي عن لحوم الجلالة، وقد أطلق الشافعي كراهة أكلها، إذا تغير لحمها بأكل النجاسة، وفي وجه إذا أكترث من ذلك، ورجح أكثرهم أنها كراهة تنزيه، ومن حجتهم أن العلف الطاهر إذا صار في كرشها تنجس، فلا تتغذى إلا بالنجاسة، ومع ذلك فلا يحكم على اللحم واللبن بالنجاسة، فكذلك هنا. وذهب جماعة من الشافعية - وهو قول الحنابلة - إلى أن النهي للتحريم، قال الحافظ ابن حجر: وفي معنى الجلالة ما يتغذى بالنجس، كالشاة ترضع من كلبة، وعن بعض السلف أنه كان يحبس الدجاجة الجلالة ثلاثًا، وبعضهم لا يأكلها إلا بعد أن يعلفها أربعين يومًا.
١٧ - ومن الرواية السابعة عشرة كراهة سؤال الولاية، وأن من سألها لا يكون معه إعانة من الله تعالى.
والله أعلم
стр. 3552
(٤٣٦) باب اليمين على نية المستحلف
٣٧٦٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك" وقال عمرو "يصدقك به صاحبك".
٣٧٦٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "اليمين على نية المستحلف".
-[المعنى العام]-
يقول ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" هذا التعميم ليس مرادًا في كل الأحوال، فقد تضيع بذلك حقوق الآخرين، وبخاصة إذا كان اليمين بديلاً عن البينة، أمام القضاء، وبطلب من القاضي ويترتب عليه حكم القاضي، إن التورية في مثل هذه الحالة، واستخدام ألفاظ لها ظاهر معنى وخفي معنى، وإرادة الخفي منها عند الحلف، يخدع الحاكم، ويضر بالعدالة، ومن هنا قال ﷺ عن هذه الحالة "يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك". "اليمين على نية المستحلف".
-[المباحث العربية]-
(المستحلف) بكسر اللام، أي طالب الحلف.
فقه الحديث
قال النووي: هذا الحديث محمول على الحلف باستحلاف القاضي، فإذا ادعى رجل على رجل حقًا، فحلفه القاضي، فحلف، وورى، فنوى غير ما نوى القاضي، انعقدت يمينه على ما نواه القاضي، ولا تنفعه التورية. وهذا مجمع عليه، ودليله هذا الحديث والإجماع.
فأما إذا حلف بغير استحلاف القاضي، وورى، تنفعه التورية، ولا يحنث، سواء حلف ابتداء من غير تحليف، أو حلفه غير القاضي وغير نائبه في ذلك، ولا اعتبار بنية المستحلف غير القاضي،
стр. 3553
وحاصله أن اليمين على نية الحالف في كل الأحوال، إلا إذا استحلفه القاضي أو نائبه في دعوى توجهت عليه، فتكون على نية المستحلف، أما إذا حلف عند القاضي من غير استحلاف القاضي في دعوى، فالاعتبار بنية الحالف، وسواء في هذا كله اليمين بالله تعالى، أو بالطلاق والعتاق، إلا أنه إذا حلفه القاضي بالطلاق أو بالعتاق، تنفعه التورية، ويكون الاعتبار بنية الحالف، لأن القاضي ليس له التحليف بالطلاق والعتاق، وإنما يستحلف بالله تعالى.
واعلم أن التورية، وإن كان لا يحنث بها، لا يجوز فعلها، حيث يبطل بها حق مستحق، وهذا مجمع عليه. هذا تفصيل مذهب الشافعي وأصحابه، ونقل القاضي عياض عن مالك في ذلك اختلافًا وتفصيلاً، فقال: لا خلاف بين العلماء أن الحالف من غير استحلاف، ومن غير تعلق حق بيمينه، له نيته، ويقبل قوله، وأما إذا حلف لغيره في حق، أو وثيقة متبرعًا، أو بقضاء عليه، فلا خلاف أنه يحكم عليه بظاهر يمينه، سواء حلف متبرعًا باليمين، أو باستحلاف، وأما فيما بينه وبين الله تعالى فقيل: اليمين على نية المحلوف له، وقيل: على نية الحالف، وقيل: إن كان مستحلفًا فعلى نية المحلوف له، وإن كان متبرعًا باليمين فعلى نية الحالف، وقيل: عكسه، وقيل: تنفعه نيته فيما لا يقضي به عليه، ويفترق التبرع فيما يقضي به عليه، وحكي عن مالك أن ما كان من ذلك على وجه المكر والخديعة فهو فيه آثم حانث، وما كان على وجه العذر فلا بأس به، وروي عن مالك: ما كان على وجه المكر والخديعة فله نيته، وما كان في حق فهو على نية المحلوف له. قال القاضي: ولا خلاف في إثم الحالف بما يقع به حق غيره، وإن ورى.
والله أعلم
стр. 3554
(٤٣٧) باب الاستثناء في اليمين وغيرها
٣٧٧٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال: كان لسليمان ستون امرأة، فقال لأطوفن عليهن الليلة فتحمل كل واحدة منهن فتلد كل واحدة منهن غلامًا فارسًا يقاتل في سبيل الله، فلم تحمل منهن إلا واحدة فولدت نصف إنسان، فقال رسول الله ﷺ "لو كان استثنى لولدت كل واحدة منهن غلامًا فارسًا يقاتل في سبيل الله".
٣٧٧١ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "قال سليمان بن داود نبي الله لأطوفن الليلة على سبعين امرأة كلهن تأتي بغلام يقاتل في سبيل الله. فقال له صاحبه أو الملك قل إن شاء الله فلم يقل ونسي فلم تأت واحدة من نسائه إلا واحدة جاءت بشق غلام" فقال رسول الله ﷺ "ولو قال إن شاء الله لم يحنث وكان دركًا له في حاجته".
٣٧٧٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال سليمان بن داود لأطيفن الليلة على سبعين امرأة تلد كل امرأة منهن غلامًا يقاتل في سبيل الله. فقيل له قل إن شاء الله فلم يقل فأطاف بهن فلم تلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان. قال: فقال رسول الله ﷺ "لو قال إن شاء الله لم يحنث وكان دركًا لحاجته".
٣٧٧٣ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "قال سليمان بن داود لأطوفن الليلة على تسعين امرأة كلها تأتي بفارس يقاتل في سبيل الله. فقال له صاحبه قل إن شاء الله. فلم يقل إن شاء الله فطاف عليهن جميعًا فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة فجاءت بشق رجل. وايم الذي نفس محمد بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانًا أجمعون".
стр. 3555
٣٧٧٤ - - عن أبي الزناد بهذا الإسناد مثله غير أنه قال "كلها تحمل غلامًا يجاهد في سبيل الله".
-[المعنى العام]-
سأل اليهود رسول الله ﷺ بواسطة كفار قريش عن قصة أصحاب الكهف فقال لهم: غدًا أجيبكم. ولم يقل: إن شاء الله، فتأخر الوحي، ثم نزلت القصة ونزل قوله تعالى ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدًا * إلا أن يشاء الله﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤] وأخذ الوحي يذكر المسلمين بهذا الاستثناء، الذي يفوض الأمور إلى خالقها وأنه ما من شيء يقع في الكون إلا بإذنه، ولا يقع في ملكه إلا ما يريد والإنسان مهما بلغت قوته وسلطته هو وعمله في قبضة القاهر فوق عباده، فلا يظنن أنه يفعل الشيء بحوله وقوته، دون مشيئة ربه، وإرادته وقوته، ولا يظن أنه سيفعل غدًا كذا وكذا، فيعد، ويجزم، ويحلف، دون أن يفوض لله الأمر، فقد لا يأتي عليه الغد هو نفسه، وقد يجيء عليه الغد وهو عاجز عن الفعل، وقد ينسى ما وعد به، وقد يكون ما تمناه في غده ورجاه، وظن أنه ميسور، قد لا يكون في دائرة مقدوره ومشيئته أصلاً. بل هو في محض مشيئة الله وإرادته، كالحمل والولد والحياة.
وهكذا يذكر رسول الله ﷺ أمته بهذه الحقيقة بين الحين والحين، ويقص عليهم في هذا الحديث ما قصه الله عليه في وحيه، عن أخيه سليمان بن داود ﵉، مما يؤكد هذه الحقيقة، فيقول: لقد كان لسليمان ﵇ ملكًا ليس لأحد من بعده، وكان تحته من النساء ستون أو سبعون أو تسعون امرأة، وكانت جنوده لا قبل لمن حوله من الملوك بها، وكان يطمع في زيادة هذه القوة بفرسان من صلبه، فتمنى على الله أن يعينه على أن يطوف على نسائه جميعهن في ليلة واحدة، فتحمل كل واحدة ذكرًا، فيصير رجلاً فارسًا، ولو أنه أجيب لذلك ربما قدر له مائة رجل في كل عام، لكنه نسي أن يقول: إن شاء الله، بلسانه، وهي دائمًا في عقيدته، وخاطره، لكنه لم ينطق بها لسانه فعاقبه ربه، طاف على نسائه كلهن - ربما مرات - فلم تحمل واحدة منهن، غير امرأة واحدة، حملت وبعد تسعة أشهر ولدت نصف طفل، وألقته القابلة على كرسيه متعجبة، فتذكر سليمان خطأه، واستغفر ربه، ونزل على محمد ﷺ قوله ﴿ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدًا ثم أناب * قال رب اغفر لي وهب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب﴾ [ص: ٣٤، ٣٥].
стр. 3556
-[المباحث العربية]-
(كان لسليمان ستون امرأة) في الرواية الثانية "لأطوفن الليلة على سبعين امرأة" وفي الرواية الرابعة "لأطوفن الليلة على تسعين امرأة" وعند النسائي وابن حبان "مائة امرأة" وفي رواية "مائة امرأة أو تسع وتسعون" بالشك، فمحصل الروايات: ستون - سبعون - تسعون - تسع وتسعون - مائة.
وقد رجح بعض العلماء رواية السبعين، وحاول بعضهم الجمع بين الروايات، فقال النووي: هذا كله ليس بمتعارض، لأنه عند جماهير الأصوليين من مفهوم العدد، ولا يعمل به، وليس في ذكر القليل نفي الكثير. اهـ ومعناه أن العبرة بالكثير، فمن قال عندي مائة شاة هو صادق لو قال: عندي خمسون أو سبعون، فهو بحق عنده المائة، وعنده ما دونها، ولم يرتض الحافظ ابن حجر هذا الرأي بحجة أن مفهوم العدد معتبر عند كثير من الأصوليين. وارتضى في الجمع بين الروايات أن الستين كن حرائر، وما زاد عليهن كن سرارى أو بالعكس ويقصد بما فوق الستين ما بين التسعين والمائة، فمن قال: تسعون ألغى الكسر ومن قال مائة، جبر الكسر، ومن هنا وقع التردد في رواية المائة والتسع والتسعين، أما رواية السبعين فحملها على قصد المبالغة والتكثير، فإن السبعة يقصد بها الكثرة في الآحاد، والسبعين يقصد بها الكثرة في العشرات والسبعمائة يقصد بها الكثرة في المئات ومن ذلك قوله تعالى ﴿ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله﴾ [لقمان: ٢٧] وقوله ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن تغفر الله لهم﴾ [التوبة: ٨٠] وقوله ﴿كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة﴾ [البقرة: ٢٦١].
(فقال: لأطوفن عليهن الليلة) في الرواية الثالثة "لأطيفن" بضم الهمزة وهما لغتان، يقال: طاف بالشيء، وأطاف به، إذا دار حوله، وتكرر عليه، وهو هنا كناية عن الجماع، واللام في جواب القسم المحذوف، أي والله لأطوفن يشير إلى ذلك قوله في الرواية الثانية والثالثة "لم يحنث" لأن الحنث لا يكون إلا عن قسم، والقسم لا بد له من مقسم به، وقال بعضهم: اللام ابتدائية، والمراد بعدم الحنث، وقوع ما أراد، وجزم النووي بأن الذي جرى منه ليس بيمين، لأنه ليس في الحديث تصريح بيمين، وتعقبه الحافظ ابن حجر، بأن لفظ اليمين ثبت في بعض طرق الحديث، ثم قال الحافظ: واختلف في الذي حلف عليه، هل جميع ما ذكر؟ أو دورانه على النساء فقط، دون ما بعده، من الحمل والوضع وغيرهما؟ والثاني أوجه، لأنه الذي يقدر عليه، بخلاف ما بعده، فإنه ليس إليه وإنما هو مجرد تمني حصول ما يستلزم جلب الخير له، وإلا فلو كان حلف على جميع ذلك لم يكن إلا بوحي، ولو كان بوحي لم يتخلف، ولو كان بغير وحي لزم أنه حلف على غير مقدور له، وذلك لا يليق بجنابه. قال الحافظ: قلت: وما المانع من جواز ذلك، ويكون من شدة وثوقه بحصول مقصوده، جزم بذلك وأكد
стр. 3557
بالحلف، فقد ثبت في الحديث الصحيح "إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره" اهـ وأشم في كلام الحافظ ابن حجر ﵀ طنطنة بعض الصوفية، والإقسام في الحديث الذي ساقه مراد به الرجاء، كقول الصحابي: أقسمت عليك يا رب أن لا تغيب شمس هذا اليوم حتى أطأ بعرجتي في خضر الجنة "فلم تغب شمس اليوم حتى كان شهيدًا، فقد رجا، وتحقق رجاؤه، والرجاء والتمني من باب واحد، وبينهما وبين الحلف بعد، ومن المستبعد حقًا على عامة المسلمين، فضلاً عن الأنبياء أن يقسموا على غيبي عند الله، لا يملكون منه شيئًا، وهو الحمل، وأن يكون ذكرًا، وأن يعيش، وأن يكون فارسًا، وأن يجاهد في سبيل الله.
(فتلد كل واحدة منهن غلامًا فارسًا) سمى الطفل المولود غلامًا وفارسًا باعتبار ما سيكون، لشدة تعلقه بالهدف من الحمل.
(فلم تحمل منهن إلا واحدة) معطوف على محذوف، تقديره: فطاف عليهن، وقد صرح به في الرواية الرابعة، وفي الرواية الثانية "فلم تأت واحدة من نسائه" أي بمولود، وفي الرواية الثالثة "فلم تلد منهن إلا امرأة واحدة "والمقصود من نفي الولادة نفي الحمل.
(فولدت نصف إنسان) في الرواية الثانية "جاءت بشق غلام" وفي الرواية الرابعة "بشق رجل" وفي رواية للبخاري "ولم تحمل شيئًا إلا واحدًا ساقطًا أحد شقيه" قال النووي: قيل: هو الجسد الذي ذكره الله تعالى أنه ألقى على كرسيه، في قوله ﴿ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدًا ثم أناب﴾ [ص: ٣٤]. اهـ.
قال الحافظ ابن حجر: كذا حكاه النقاش في تفسيره، وهو صاحب مناكير وقال غير واحد من المفسرين: إن المراد بالجسد المذكور في الآية شيطان، وهو المعتمد، قال مجاهد: ﴿ألقينا على كرسيه جسدًا﴾ شيطانًا، يقال له: آصف، قال له سليمان: كيف تفتن الناس؟ قال: أرني خاتمك أخبرك، فأعطاه، فرماه آصف في البحر، فذهب ملك سليمان، وقد آصف على كرسيه، وتقمص شخصية سليمان، وقام يحكم بين الناس، ومنعه الله نساء سليمان، فلم يقربهن، وفي رواية أن الشيطان أتاهن في حيضهن، وأعطت امرأة حوتًا لسليمان، فلما فتح بطنه وجد خاتمه في بطنه، فرد الله له ملكه، وفر آصف، فدخل البحر. اهـ.
فالمراد بالجسد الذي ألقي على الكرسي - على ما قاله النووي - هو شق الإنسان الذي ولد له، ومعنى إلقائه على كرسيه، وضع القابلة له عليه ليراه.
والمراد من الجسد - على ما اعتمده الحافظ ابن حجر - الشيطان، وأطلق عليه "جسد" لأنه إنما تمثل بصورة غيره، وهو سليمان ﵇، وتلك الصورة المتمثلة ليس فيها روح صاحبها الحقيقي، وإنما حل في قالبها ذلك الشيطان، فلذا سمي جسدًا، وعبارة القاموس صريحة في أن الجسد يطلق على الجني.
والذي اعتمده الحافظ ابن حجر، ليس معتمدًا عند المحققين من المفسرين، رغم أن روايته
стр. 3558
أخرجها النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم، وقال عنها ابن حجر والسيوطي: بسند قوي عن ابن عباس، فقد قال أبو حيان وغيره: إن هذه المقالة من أوضاع اليهود وزنادقة السوفسطائية، ولا ينبغي لعاقل أن يعتقد صحة ما فيها، وكيف يجوز تمثل الشيطان بصورة نبي، حتى يلتبس أمره عند الناس؟ ويعتقدوا أن ذلك المقصود هو النبي؟ ولو أمكن وجود هذا، لم يوثق بإرسال نبي، نسأل الله تعالى سلامة ديننا وعقولنا، قال: ومن أقبح ما فيها زعم أن الشيطان تسلط على نساء نبيه، حتى وطئهن، وهن حيض. الله أكبر. هذا بهتان عظيم، ونسبة الخبر إلى ابن عباس ﵄ لا نسلم صحتها، وكذا لا نسلم دعوى قوة سنده إليه.
وقال ابن المنذر ما معناه: إن ذلك من أخبار كعب، ومعلوم أن كعبًا يرويه عن كتب اليهود، وهي لا يوثق بها.
(لو كان استثنى لولدت كل واحدة منهن غلامًا فارسًا) المراد من الاستثناء هنا، قول: إن شاء الله. كما صرح به في الروايات الثلاث التالية. قال النووي: وهذا محمول على أن النبي ﷺ أوحى إليه بذلك في حق سليمان، لا أن كل من فعل هذا يحصل له هذا.
(فقال له صاحبه، أو الملك) قيل: المراد بصاحبه الملك، وهو الظاهر، وقيل: القرين، وقيل: صاحب له آدمي، وقيل: خاطره، وهو بعيد.
(فلم يقل، ونسي) قال النووي: ضبطه بعض الأئمة بضم النون وتشديد السين، وهو ظاهر حسن. اهـ.
وفي الرواية الرابعة "فلم يقل: إن شاء الله" وفي رواية للبخاري "ونسي أن يقول: إن شاء الله" ومعنى "فلم يقل" أي بلسانه، لا أنه أبى أن يفوض إلى الله، بل كان ذلك ثابتًا في قلبه، لكنه اكتفى بذلك أولاً، ونسي أن يجريه على لسانه، لشيء عرض له، لما قيل له، وقيل: نسي أن يقصد الاستثناء الذي يرفع حكم اليمين، يشير إلى ذلك قوله "ولو قال: إن شاء الله لم يحنث".
(وايم الذي نفس محمد بيده) اليمين الحلف، والقسم، مؤنث، سمي باسم يمين اليد، لأنهم كانوا يتماسحون بأيمانهم، فيتحالفون، وفي الصحاح: لأنهم كانوا إذا تحالفوا ضرب كل امرئ منهم يمينه على يمين صاحبه، والواو في "وايم" استئنافية، و"ايم" بضم الميم مبتدأ، خبره محذوف، والتقدير: ايم الذي نفس محمد بيده قسمي، أي أيمان الله قسمي، وأصل "ايم" أيمن، جمع يمين، وهمزتها في الأصل همزة قطع، خففت، وصارت همزة وصل، لكثرة استعمالهم لها، كما حذفت تخفيفًا لكثرة الاستعمال.
(وكان دركًا له في حاجته) "دركًا" بفتح الدال والراء، أي إدراكًا، قال تعالى ﴿لا تخاف دركًا ولا تخشى﴾ [طه: ٧٧] وفي رواية للبخاري "وكان أرجى لحاجته" والمراد أنه كان يحصل له ما طلب.
стр. 3559
-[فقه الحديث]-
قال القاضي: أجمع المسلمون على أن قول: "إن شاء الله" يمنع انعقاد اليمين، إذا كان متصلاً باليمين، ولا خلاف في ذلك إذا كان اليمين بالله تعالى.
قال: واختلفوا في الاتصال، فقال مالك والأوزاعي، والشافعي والجمهور: هو أن يكون قوله "إن شاء الله" متصلاً باليمين، من غير سكوت بينهما، قال مالك: إذا سكت، أو قطع كلامه، فلا استثناء، وقال الشافعي: يشترط وصل الاستثناء بالكلام الأول، ووصله أن يكون نسقًا، فإن كان بينهما سكوت انقطع، إلا إن كانت سكتة تذكر، أو تنفس، أو مرض عي، أو انقطاع صوت، وكذا يقطعه الأخذ في كلام آخر.
وعن طاووس والحسن وجماعة من التابعين أن له الاستثناء ما لم يقم من مجلسه، وعن أحمد نحوه، وقال: مادام في ذلك الأمر. وقال قتادة: ما لم يقم، أو يتكلم، وعن عطاء: قدر حلب ناقة. وقال سعيد بن جبير: إلى أربعة أشهر، وعن مجاهد سنتين، وعن ابن عباس أقوال: شهر. أربعة أشهر. سنة. له الاستثناء أبدًا، متى تذكره. قال أبو عبيد: وهذا لا يؤخذ على ظاهره، لأنه يلزم منه أن لا يحنث أحد في يمينه، وأن لا تتصور الكفارة التي أوجبها الله على الحالف، ووجه ما ورد عن هؤلاء بأن مرادهم سقوط الإثم عن الحالف، لتركه التبرك بقوله "إن شاء الله" لأنه مأمور به، في قوله تعالى ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدًا * إلا أن يشاء الله﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤] فكأنهم يقولون: إذا نسي أن يقول: إن شاء الله، يستدركه، ولم يريدوا أن الحالف، إذا قال ذلك بعد أن ينقضي كلامه، أن ما عقده باليمين ينحل، وأنه بذلك يمنع الحنث.
واتفق العلماء - كما حكاه ابن المنذر - على أن شرط الحكم بالاستثناء أي يتلفظ به المستثنى، وأنه لا يكفي القصد إليه بغير لفظ، وحكي عن بعض المالكية صحة الاستثناء بالنية، من غير لفظ.
وهل يعمل بالاستثناء في غير اليمين بالله؟ قال النووي: مذهب الشافعي والكوفيين وأبي ثور وغيرهم صحة الاستثناء في جميع الأشياء، حتى في الطلاق والعتق، فلو قال: أنت طالق إن شاء الله، أو أنت حر إن شاء الله، أو أنت علي كظهر أمي إن شاء لله، أو لزيد في ذمتي ألف درهم إن شاء الله، أو إن شفى الله مريضي فلله علي صوم شهر إن شاء الله، صح الاستثناء في كل ذلك، ولا ينعقد، ولا حنث.
وقال مالك والأوزاعي: لا يصح الاستثناء في شيء من ذلك، إلا اليمين بالله تعالى، وحكي عن الأوزاعي وطاووس: لا يدخل الاستثناء في الطلاق والعتق والمشي إلى بيت الله، وعن مالك مثله، وعنه مثله إلا المشي، وقال الحسن وقتادة وابن أبي ليلى والليث: يدخل في الجميع إلا الطلاق، وعن أحمد: يدخل في الجميع إلا العتق، واحتج بتشوف الشارع له.
стр. 3560
-[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]-
١ - أنه يستحب للإنسان، إذا قال: سأفعل كذا، أن يقول: إن شاء الله تعالى.
٢ - وأنه إذا حلف، وقال متصلاً بيمينه: إن شاء الله، لم يحنث بفعله المحلوف عليه.
٣ - وخصوصية سليمان في عدد نسائه.
٤ - وفيه ما اختص به الأنبياء من القوة والإطاقة على جماع هذا العدد من النساء في ليلة واحدة. قاله النووي.
٥ - ومن قوله "لو كان استثنى لولدت .... " جواز قول "لو" و"لولا" قال النووي: قال القاضي عياض: هذا يستدل به على جواز قول "لو" و"لولا" وقد جاء في القرآن كثيرًا، وفي كلام الصحابة والسلف، وترجم البخاري على هذا: باب ما يجوز من اللو، وأدخل فيه قول لوط ﴿لو أن لي بكم قوة﴾ [هود: ٨٠] وقول النبي ﷺ "لو كنت راجمًا بغير بينة لرجمت هذه" و"لو مد لي الشهر لواصلت" و"لولا حدثان قومك بالكفر لأتممت البيت على قواعد إبراهيم" و"لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار" وأمثال هذا.
قال: والذي يتفهم من ترجمة البخاري، وما ذكره في الباب من القرآن والآثار، أنه يجوز استعمال "لو" و"لولا" فيما يكون للاستقبال وهو ما يمتنع فعله لوجود غيره، في "لولا" وما يمتنع فعله لامتناع غيره في "لو" لأنه لم يدخل في الباب سوى ما هو للاستقبال، أو ما هو حق صحيح متيقن، كحديث "لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار" دون الماضي والمنقضي، أو ما فيه اعتراض على الغيب والقدر السابق، وقد ثبت في الحديث الآخر، في صحيح مسلم "وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل: قدر الله، وما شاء فعل" قال القاضي، قال بعض العلماء: هذا إذا قاله على جهة الحتم والقطع بالغيب، أنه لو كان كذا لكان كذا، من غير ذكر مشيئة الله تعالى، والنظر إلى سابق قدره، فأما من قاله على التسليم، ورد الأمر إلى مشيئته، فلا كراهة فيه، والذي عندي أن "لو" و"لولا" سواء إذا استعملتا فيما لم يحط به الإنسان علمًا، ولا هو داخل تحت مقدور قائلهما، مما هو تحكم على الغيب، واعتراض على القدر، مثل قول المنافقين ﴿لو أطاعونا ما قتلوا﴾ [آل عمران: ١٦٨] و ﴿لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا﴾ [آل عمران: ١٥٦] و ﴿لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا﴾ [آل عمران: ١٥٤] فمثل هذا هو المنهي عنه، وأما هذا الحديث الذي نحن فيه، فإنما أخبر ﷺ فيه عن يقين نفسه، أن سليمان لو قال: إن شاء الله، لجاهدوا، إذ ليس هذا مما يدرك بالظن والاجتهاد، وإنما أخبر عن حقيقة، أعلمه الله تعالى بها، فلا معارضة بين هذا، وبين حديث النهي عن "لو" وقال تعالى ﴿لولا كتاب من الله سبق لمسكم﴾ [الأنفال: ٦٨] ﴿ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا .... ﴾
[الزخرف: ٣٣] لأن الله تعالى مخبر في كل ذلك عما مضى، أو يأتي عن علم، خبرًا قطعيًا، وكل ما يكون
стр. 3561
من "لو" و"لولا" مما يخبر به الإنسان عن علة امتناعه من فعله، مما يكون فعله في قدرته، فلا كراهة فيه، لأنه إخبار - حقيقة - عن امتناع شيء لامتناع شيء وامتناع شيء لحصول شيء، فلا كراهة، إلا أن يكون كاذبًا في ذلك، كقول المنافقين ﴿لو نعلم قتالاً لاتبعناكم﴾ [آل عمران: ١٦٧].
٦ - أن في ذكر "إن شاء الله" رجاء لحصول المقصود، وفي ترك الاستثناء خشية عدم حصول المطلوب.
٧ - وفي فضل فعل الخير، وتعاطي أسبابه.
٨ - ومن إتيان سليمان نساءه بهذا القصد أن كثيرًا من المباحات والملذات يصير مستحبًا بالنية.
٩ - ومما تمناه سليمان جواز الإخبار عن الشيء الذي قد يحصل في المستقبل، والبناء عليه، إذا غلب على الظن، فإن سليمان جزم بما قال، ولم يكن ذلك عن وحي، وإلا لوقع، قال القرطبي: ولا يظن بسليمان ﵇ أنه قطع بذلك على ربه، لا يظن ذلك إلا من جهل حال الأنبياء، وأدبهم مع ربهم.
١٠ - وفيه جواز السهو والنسيان على الأنبياء، وأن ذلك لا يقدح في علو منصبهم.
١١ - وفيه جواز إضمار المقسم به في اليمين، لقوله "لأطوفن" مع قوله ﷺ "لم يحنث".
١٢ - وفيه حجة للحنفية، حيث قالوا: لا يشترط التصريح بمقسم به معين، فمن قال أحلف، أو أشهد ونحو ذلك فهو يمين، وقيده المالكية بالنية، وقال بعض الشافعية: ليست بيمين مطلقًا.
١٣ - وفيه استعمال الكناية في اللفظ الذي يستقبح ذكره، لقوله "لأطوفن" بدل قوله "لأجامعن" كذا قيل.
(وفي كثير من هذه المآخذ نظر من حيث إن كلام سليمان لم يكن بالعربية، ولم تكن في لغته هذه الأسرار البلاغية، وكثير منها مبني على أن شرع من قبلنا شرع لنا).
١٤ - وفي قوله ﷺ ، في الرواية الرابعة "وايم الذي نفس محمد بيده" جواز الحلف بهذا اللفظ، واختلف العلماء في ذلك، فقال مالك وأبو حنيفة: هو يمين، وقال الشافعية: إن نوى به اليمين فهو يمين، وإلا فلا.
والله أعلم
стр. 3562
(٤٣٨) باب الإصرار على اليمين
٣٧٧٥ - عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله ﷺ "والله لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من أن يعطي كفارته التي فرض الله".
-[المعنى العام]-
قلنا قبل بابين: إن الله تعالى شرع كفارة اليمين كعبادة مالية أو بدنية، إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام.
وقلنا: إن الحالف إذا وجد خيرًا مما حلف عليه كان بين خيرين، عليه أن يقدم أحسنهما بالإنجاز، وهو غير المحلوف عليه، ويكفر عن يمينه، وبذلك يحصل على الخيرين معًا.
وهذا الحديث يعالج حالة من حالات التزمت والجهل، حين يظن الحالف أن الكفارة للحنث معصية، وأن تحقيق ما حلف عليه خير من الحنث مع الكفارة، ولو كان فيما حلف عليه ضرر له وللآخرين، وهذا فهم خاطئ، لأن الحنث مع الكفارة عبادة مطلوبة، ومقدمة ما لم يكن المحلوف عليه طاعة وعبادة أكبر منها، وصدق الله العظيم، حيث يقول ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم﴾ [التحريم: ٢].
-[المباحث العربية]-
(لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله) "لأن" اللام المفتوحة في جواب القسم، و"أن" بفتح الهمزة وسكون النون الناصبة، و"يلج" بفتح الياء، وفتح اللام، وتشديد الجيم، من اللجاج، وهو الإصرار على الشيء، يقال: لج في الأمر، يلج بكسر اللام في المضارع، لجاجًا بفتح اللام ولجاجة، لازمه وأبي أن ينصرف عنه، وفي القرآن الكريم ﴿ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون﴾ [المؤمنون: ٧٥] والمعنى لأن يتمادى ويصر أحدكم على تنفيذ يمينه وتحقيق ما حلف عليه، وذكر الأهل ليس للاحتراز عن غيرهم، بل للتهيج والإثارة، والمسلمون جميعًا كالأهل.
(آثم له عند الله من أن يعطي كفارته التي فرض الله) "آثم" بهمزة ممدودة، أفعل تفضيل، أي أكثر إثمًا وذنبًا، وأصل أفعل التفضيل اشتراك أمرين في صفة، وزيادة أحدهما على الآخر
стр. 3563
في هذه الصفة، ولما كانت كفارة اليمين لا إثم فيها أصلاً، كانت أفعل التفضيل على غير بابها، وكانت من قبيل قولهم: العسل أحلى من الخل، وقال النووي: خرج لفظ المفاعلة المقتضية للاشتراك في الإثم، لأنه قصد مقابلة اللفظ، على زعم الحالف وتوهمه، فإنه يتوهم أن عليه إثمًا في الحنث، مع أنه إثم عليه، فقال ﷺ : الإثم عليه في اللجاج أكثر لو ثبت الإثم اهـ وحاصل توجيهه أن المفاضلة حسب توهم الحالف، لا على الحقيقة، أو أنها على سبيل الفرض، لا على سبيل الواقع.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: لا بد من تنزيل الحديث على ما إذا كان الحنث ليس بمعصية، والمعنى أنه إذا حلف يمينًا تتعلق بأهله، ويكون الحنث ليس بمعصية، فينبغي له أن يحنث، فيفعل ذلك الشيء، ويكفر عن يمينه، فإن قال: لا أحنث، بل أتورع عن ارتكاب الحنث، وأخاف الإثم فيه، وأصر على تنفيذ ما حلفت عليه، فهو مخطئ بهذا القول، بل استمراره في عدم الحنث، وإدامة الضرر على أهله أكثر إثمًا من الحنث. اهـ.
(ملحوظة) هذا الحديث حقه أن يلحق بأحاديث باب "من حلف يمينًا، فرأى غيرها خيرًا منها" وقد تقدم شرحه وفقهه قبل بابين، بما فيه الكفاية، فليراجع.
والله أعلم
стр. 3564
(٤٣٩) باب نذر الكافر إذا أسلم
٣٧٧٦ - عن ابن عمر ﵄ أن عمر قال: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام. قال "فأوف بنذرك".
٣٧٧٧ - - عن عمر بهذا الحديث. أما أبو أسامة والثقفي ففي حديثهما "اعتكاف ليلة" وأما في حديث شعبة فقال جعل عليه يومًا يعتكفه وليس في حديث حفص ذكر يوم ولا ليلة.
٣٧٧٨ - عن عبد الله بن عمر ﵄ أن عمر بن الخطاب سأل رسول الله ﷺ وهو بالجعرانة بعد أن رجع من الطائف فقال: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف يومًا في المسجد الحرام فكيف ترى؟ قال "اذهب فاعتكف يومًا" قال: وكان رسول الله ﷺ قد أعطاه جارية من الخمس فلما أعتق رسول الله ﷺ سبايا الناس سمع عمر بن الخطاب أصواتهم يقولون أعتقنا رسول الله ﷺ فقال: ما هذا؟ فقالوا: أعتق رسول الله ﷺ سبايا الناس فقال: عمر يا عبد الله اذهب إلى تلك الجارية فخل سبيلها.
٣٧٧٩ - - عن ابن عمر ﵄ قال: لما قفل النبي ﷺ من حنين سأل عمر رسول الله ﷺ عن نذر كان نذره في الجاهلية اعتكاف يوم ثم ذكر بمعنى حديث جرير بن حازم.
٣٧٨٠ - عن نافع قال: ذكر عند ابن عمر عمرة رسول الله ﷺ من الجعرانة فقال لم
стр. 3565
يعتمر منها. قال: وكان عمر نذر اعتكاف ليلة في الجاهلية ثم ذكر نحو حديث جرير بن حازم ومعمر عن أيوب.
٣٧٨١ - عن ابن عمر ﵁ بهذا الحديث في النذر وفي حديثهما جميعًا "اعتكاف يوم".
-[المعنى العام]-
عن أعمال الكافرين الحسنة في حال كفرهم، وموتهم كفارًا يقول تعالى ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] ويقول ﴿ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها﴾ [الأحقاف: ٢٠] وعلى هذا يقول العلماء: إنما يجزى الكافر على صالحاته بنعمة يمتعه الله بها في دنياه، لأنه ليس من أهل العبادة مادام على كفره، لا تنعقد العبادة ولا تصح إلا من مؤمن، حتى القائلين بأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، قالوا: معناه أنهم مطالبون بها على أن يسلموا أولاً، فهم مطالبون بالإسلام وفروعه على الترتيب، كمن يكلف ببناء بيت من طابقين، لا يقوم الطابق الثاني إلا بقيام الطابق الأول.
وقد سأل عمر رسول الله ﷺ عن نذر نذره قبل إسلامه، قال: إني نذرت في جاهليتي أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام. فماذا ترى يا رسول الله؟ قال ﷺ : أوف بنذرك، واذهب فاعتكف. فمن قال من العلماء: إن النذر في نفسه عبادة قال: إن النذر مع الكفر لا يصح ولا ينعقد، ولا يلتزم به صاحبه إذا أسلم، وإنما أمر عمر بالوفاء على سبيل التطوع والاستحباب.
ومن قال: إن النذر في ذاته التزام بشيء، قد يكون بمباح، فليس هو في ذاته عبادة، ومثل نذر عمر ﵁ هو التزام بطاعة وعبادة، يجب عليه أداء هذه الطاعة والعبادة في وقت صلاحيتها، كمن التزم بدين وهو معسر، عليه أن يسدد هذا الدين عند اليسر، وكما إذا نذرت الحائض أن تصلي لله ركعتين، ينعقد نذرها وهي حائض، وهي لا تصح منها الصلاة وهي حائض، لكن يلزمها الوفاء بالنذر عند صلاحيتها للوفاء. والله الهادي سواء السبيل.
-[المباحث العربية]-
(أن عمر قال: يا رسول الله، إني نذرت في الجاهلية) بينت الرواية الثانية مكان وزمان هذا السؤال، وفيها "سأل رسول الله ﷺ وهو بالجعرانة، بعد أن رجع من الطائف" و"الجعرانة" بكسر
стр. 3566
الجيم وسكون العين وتخفيف الراء، وقد تكسر العين وتشدد الراء، أما كسر الجيم فبلا خلاف، وقال الشافعي: تشديد الراء خطأ، وهي علم بين مكة والطائف، على سبعة أميال من مكة، وهي في الحل، وهي من مواقيت العمرة. والمراد من الجاهلية في هذا الحديث جاهلية عمر، أي قبل إسلامه، وليس المراد الجاهلية المطلقة، التي هي ما قبل البعثة، وإليك ظروف القصة الزمانية والمكانية، كما وردت في الأحاديث.
لما فتح الله مكة، وهو وأصحابه ما زالوا بها، بلغه أن كفار هوازن جمعوا قبائلهم، واتفقوا مع ثقيف، أهل الطائف، على محاربة رسول الله ﷺ ، ونزلوا وادي حنين، يستعدون للقاء المسلمين فخرج إليهم رسول الله ﷺ ، في عشرة آلاف، ومعه الطلقاء، حتى قال أحد المسلمين: لن نغلب اليوم عن قلة، وكانت هوازن قد خرجت عن بكرة أبيهم بنسائهم وأطفالهم وأموالهم ونعمهم وشائهم، وأعدوا أنفسهم، وتهيئوا في مضايق الوادي المعروفة لهم، وصفوا أنفسهم بأحسن صفوف، صف الخيل، ثم المقاتلة، ثم النساء من وراء ذلك والذرية، ثم الغنم، ثم النعم وأقبل رسول الله ﷺ وأصحابه، حتى انحط بهم الوادي في عماية الصبح، فثارت في وجوهم خيل المشركين، فشد عليهم المسلمون، فانهزموا، وانكشفت النساء والذرية والغنم والنعم، فأسرع المسلمون على الغنائم يجمعونها، فارتقت هوازن أعلى الجبل، ورشقوا المسلمين بالنبال وكانوا رماة، لا تكاد رمايتهم تخطئ الهدف، فولى المسلمون الأدبار، ولم يبق مع النبي ﷺ إلا القليل، وهو على بغلته البيضاء يندفع بها نحو الكافرين، وهو يقول: أنا النبي لا كذب: أنا ابن عبد المطلب وصرخ من معه في الفارين، فعادوا، ونصر الله المسلمين، واستولوا على غنائم كثيرة، جمعوها، وأمرهم رسول الله ﷺ أن يسيروا بها إلى الجعرانة، وأقام عليها الحراسة الكافية، ولم يقسمها، ورحل بالمسلمين إلى الطائف لمحاربة ثقيف، لكنهم تحصنوا بحصونهم، وأعدوا بداخلها ما يكفيهم سنة، فلم ينل المسلمون منهم، فعادوا إلى الجعرانة بعد حصار الطائف قرابة عشرين يومًا، فقسم رسول الله ﷺ غنائم هوازن، فأصاب عمر جاريتين، وهب إحداهما لابنه عبد الله واحتفظ بالأخرى.
وجاء وفد هوازن مسلمين يطلبون استرجاع الأسرى والأموال، ولكن بعد فوات الأوان، فقال لهم رسول الله ﷺ : لقد انتظرتكم لتأتوا مسلمين قبل تقسيم الغنيمة عشرين يومًا، أما وقد قسمت الغنائم فقد أصبح الأمر بيد المسلمين، ولكن اختاروا إما السبي، وإما المال، فاختاروا السبي، فعرض ﷺ على أصحابه أن يتنازل منهم عن سبيه من يتنازل، وأن يعوض عن سبيه من لا يتنازل، فأطلقت أسارى وسبايا هوازن في طرقات الجعرانة، ولهم أصوات فرح وزغاريد، فسمع عمر، فأطلق جاريته.
(سمع عمر أصواتهم) في بعض النسخ "أصواتهن يقلن" وكلاهما صحيح، فالسبي المعتق كان ذكورًا وإناثًا.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: اختلف العلماء في صحة نذر الكافر، فقال مالك وأبو حنيفة وسائر الكوفيين وجمهور
стр. 3567
أصحابنا: لا يصح، وقال المغيره المخزومي وأبو ثور والبخاري وابن جرير وبعض أصحابنا: يصح، وحجتهم ظاهر حديث عمر، وأجاب الأولون عنه أنه محمول على الاستحباب، أي يستحب لك أن تفعل الآن مثل ذلك الذي نذرته في الجاهلية. اهـ.
وموطن الخلاف. هل ينعقد النذر في حال جاهليته، ويجب عليه الوفاء به في حال إسلامه؟ أم لا ينعقد، ولا يجب عليه في حال إسلامه الوفاء به؟ أما أنه بعد إسلامه يستحب له أن يأتي بالمنذور إذا كان طاعة؟ فلا نقاش فيه، فالطاعة مطلوبة بغير النذر. وظاهر قوله ﷺ : "أوف بنذرك" أنه طلب من عمر أداء الطاعة على أنها وفاء بالنذر، فهو منعقد صحيح، وبه قال أحمد في رواية عنه، وعارض الحافظ ابن حجر في نسبة ذلك للبخاري، فقال: إن وجد عن البخاري التصريح بالوجوب قبل - أي ولم يوجد - وإلا فمجرد ترجمته (باب إذا نذر أو حلف أن لا يكلم إنسانًا في الجاهلية، ثم أسلم) لا يدل على أنه يقول بوجوبه، لأنه محتمل لأن يقول بالندب، فيكون تقدير جواب الاستفهام، يندب له ذلك.
وموقف الجمهور من حديث عمر موقف صعب، فبعضهم يقول: لم يؤمر عمر على جهة الإيجاب، بل على جهة المشورة. قال القابسي، وفيه نظر، وإلا لحولنا كل الأوامر لنحو ذلك بدون قرينة.
وبعضهم يقول: أراد ﷺ أن يعلمهم أن الوفاء بالنذر من آكد الأمور، فغلظ أمره، بأن أمر عمر بالوفاء وهو كالأول، يحول الأمر إلى غير الظاهر بدون قرينة.
وبعضهم يقول: يحتمل أنه ﷺ فهم من عمر أنه يجب أن يفعل ما كان نذره، فأمره به، على أنه حينئذ طاعة لله تعالى، فكان ما أمره به، غير ما نذره. قاله الطحاوي، وهذا إن احتملته رواية "اذهب فاعتكف يومًا" لا تحتمله رواية "فأوف بنذرك".
وبعضهم يقول: إن عمر لما نذر في الجاهلية، ثم أسلم، أراد أن يكفر ذلك بمثله، أي بنية مثله في الإسلام، فلما أراده ونواه سأل النبي ﷺ ، فأعلمه أنه لزمه، قاله ابن العربي، ثم قال: وكل عبادة ينفرد بها العبد عن غيره تنعقد بمجرد النية العازمه الدائمة، كالنذر في العبادة والطلاق في الأحكام، وإن لم يتلفظ بشيء من ذلك. اهـ ومعنى ذلك أن النذر المأمور بوفائه غير نذر الجاهلية، ومن أين لرسول الله ﷺ ، العلم بنية عمر؟ بل نقل بعض المالكية الاتفاق على أن العبادة لا تلزم إلا بالنية مع القول، أو مع الشروع، فلا يلزم هذا النذر المنوي، ثم ظاهر كلام عمر مجرد الإخبار بما وقع، مع الاستخبار عن حكمه، هل لزم أولا؟ وليس فيه ما يدل على ما ادعاه ابن العربي من تجديد نية منه في الإسلام. والذي اضطر الجمهور إلى هذا أن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الشريعة، وعلى القول بأنهم مخاطبون بها، فمعناه أنهم محاسبون عليها، لكن لا تنعقد، ولا تصح منهم العبادة وهم كافرون، ونذر الطاعة نفسه عبادة، فلا يصح منهم، ولا ينعقد.
وقال بعض من أوجبه: إن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، وإن كانت هذه الفروع لا تصح منهم إلا بعد أن يسلموا، فأمر عمر وجوبًا بوفاء ما التزمه في الشرك، وتعقب بأن الواجب بأصل الشرع
стр. 3568
كالصلاة لا يجب عليهم قضاؤه، فكيف يكلفون بقضاء ما ليس واجبًا بأصل الشرع؟ وأجاب بعضهم عن هذا الاعتراض بأن الواجب بأصل الشرع كالصلاة مرتبط بوقت، وقد خرج قبل أن يسلم الكافر، ففات وقت أدائه، فلم يؤمر بقضائه، لأن الإسلام يجب ما قبله، فأما إذا لم يوقت نذره، فلم يتعين له وقت حتى أسلم، فإيقاعه له بعد الإسلام يكون أداء، لاتساع ذلك باتساع العمر، ولهذا يجب الحج على ما من أسلم، لاتساع وقته، بخلاف ما فات وقته، ويرد على هذا بأن وجوب الحج على من أسلم بوجوب جديد توجه إليه بعد إسلامه. النقطة الثانية التي يتعرض لها الحديث اعتكاف ليلة، قال النووي: أما الرواية التي فيها اعتكاف يوم فلا تخالف رواية اعتكاف ليلة، لأنه يحتمل أنه سأله عن اعتكاف ليلة وسأله عن اعتكاف يوم، فأمره بالوفاء بما نذر، فحصل منه صحة اعتكاف الليل وحده، ويؤيده رواية ابن عمر "أن عمر نذر أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام، فسأل رسول الله ﷺ ، فقال له: أوف بنذرك، فاعتكف عمر ليلة" رواه الدارقطني، وقال: إسناده ثابت.
هذا مذهب الشافعي، وبه قال الحسن البصري وأبو ثور وداود وابن المنذر، وهو أصح الروايتين عن أحمد، وقال ابن عمر وابن عباس وعائشة وعروة بن الزبير والزهري ومالك والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة وأحمد وإسحق في رواية عنهما: لا يصح الاعتكاف إلا يصوم، وهو قول أكثر العلماء.
أما نفي ابن عمر عمرة رسول الله ﷺ من الجعرانة، فمحمول على نفي علمه، أي إنه لم يعلم ذلك، قال النووي: وقد ثبت أن النبي ﷺ اعتمر من الجعرانة، والإثبات مقدم على النفي، لما فيه من زيادة العلم.
والله أعلم
стр. 3569
(٤٤٠) باب معاملة المماليك
٣٧٨٢ - عن زاذان أبي عمر قال: أتيت ابن عمر وقد أعتق مملوكًا. قال: فأخذ من الأرض عودًا أو شيئًا، فقال: ما فيه من الأجر ما يسوى هذا إلا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول "من لطم مملوكه أو ضربه فكفارته أن يعتقه".
٣٧٨٣ - عن زاذان أن ابن عمر دعا بغلام له فرأى بظهره أثرًا، فقال له: أوجعتك؟ قال: لا. قال: فأنت عتيق. قال: ثم أخذ شيئًا من الأرض، فقال: ما لي فيه من الأجر ما يزن هذا. إني سمعت رسول الله ﷺ يقول "من ضرب غلامًا له حدًا لم يأته أو لطمه فإن كفارته أن يعتقه".
٣٧٨٤ - - وفي رواية عن فراس بإسناد شعبة وأبي عوانة أما حديث ابن مهدي فذكر فيه "حدًا لم يأته "وفي حديث وكيع "من لطم عبده" ولم يذكر "الحد".
٣٧٨٥ - عن معاوية بن سويد قال: لطمت مولى لنا فهربت ثم جئت قبيل الظهر فصليت خلف أبي فدعاه ودعاني ثم قال: امتثل منه فعفا، ثم قال: كنا بني مقرن على عهد رسول الله ﷺ ليس لنا إلا خادم واحدة فلطمها أحدنا فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال "اعتقوها" قالوا: ليس لهم خادم غيرها. قال "فليستخدموها فإذا استغنوا عنها فليخلوا سبيلها".
٣٧٨٦ - عن هلال بن يساف قال: عجل شيخ فلطم خادمًا له. فقال له سويد بن مقرن عجز عليك إلا حر وجهها لقد رأيتني سابع سبعة من بني مقرن ما لنا خادم إلا واحدة لطمها أصغرنا فأمرنا رسول الله ﷺ أن نعتقها.
стр. 3570
٣٧٨٧ - - عن هلال بن يساف قال: كنا نبيع البز في دار سويد بن مقرن أخي النعمان بن مقرن فخرجت جارية فقالت لرجل منا كلمة فلطمها؛ فغضب سويد فذكر نحو حديث ابن إدريس.
٣٧٨٨ - عن سويد بن مقرن ﵁ أن جارية له لطمها إنسان فقال له سويد أما علمت أن الصورة محرمة؟ فقال: لقد رأيتني وإني لسابع إخوة لي مع رسول الله ﷺ وما لنا خادم غير واحد فعمد أحدنا فلطمه؛ فأمرنا رسول الله ﷺ أن نعتقه.
٣٧٨٩ - عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: قال أبو مسعود البدري: كنت أضرب غلامًا لي بالسوط فسمعت صوتًا من خلفي "اعلم أبا مسعود" فلم أفهم الصوت من الغضب. قال: فلما دنا مني إذا هو رسول الله ﷺ فإذا هو يقول "اعلم أبا مسعود اعلم أبا مسعود" قال: فألقيت السوط من يدي. فقال "اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام" قال: فقلت: لا أضرب مملوكًا بعده أبدًا.
٣٧٩٠ - - وفي رواية عن الأعمش بإسناد عبد الواحد نحو حديثه غير أن في حديث جرير "فسقط من يدي السوط من هيبته".
٣٧٩١ - عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: كنت أضرب غلامًا لي فسمعت من خلفي صوتًا "اعلم أبا مسعود لله أقدر عليك منك عليه" فالتفت فإذا هو رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله هو حر لوجه الله. فقال "أما لو لم تفعل للفحتك النار أو لمستك النار".
стр. 3571
٣٧٩٢ - عن أبي مسعود ﵁ أنه كان يضرب غلامه؛ فجعل يقول أعوذ بالله. قال: فجعل يضربه. فقال: أعوذ برسول الله؛ فتركه. فقال رسول الله ﷺ "والله لله أقدر عليك منك عليه" قال فأعتقه.
٣٧٩٣ - - وفي رواية عن شعبة بهذا الإسناد ولم يذكر قوله "أعوذ بالله أعوذ برسول الله ﷺ ".
٣٧٩٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال أبو القاسم ﷺ "من قذف مملوكه بالزنا يقام عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال".
٣٧٩٥ - - وفي رواية عن فضيل بن غزوان بهذا الإسناد وفي حديثهما سمعت أبا القاسم ﷺ نبي التوبة.
٣٧٩٦ - عن المعرور بن سويد قال: مررنا بأبي ذر بالربذة وعليه برد وعلى غلامه مثله. فقلنا: يا أبا ذر لو جمعت بينهما كانت حلة. فقال: إنه كان بيني وبين رجل من إخواني كلام وكانت أمه أعجمية فعيرته بأمه فشكاني إلى النبي ﷺ فلقيت النبي ﷺ فقال "يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية" قلت: يا رسول الله من سب الرجال سبوا أباه وأمه. قال "يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم فاطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم".
٣٧٩٧ - عن الأعمش بهذا الإسناد وزاد في حديث زهير وأبي معاوية بعد قوله "إنك امرؤ فيك جاهلية" قال: قلت: على حال ساعتي من الكبر؟ قال "نعم" وفي رواية أبي معاوية "نعم على حال ساعتك من الكبر" وفي حديث عيسى "فإن كلفه ما يغلبه فليبعه"
стр. 3572
وفي حديث زهير "فليعنه عليه" وليس في حديث أبي معاوية "فليبعه" ولا "فليعنه" انتهى عند قوله "ولا يكلفه ما يغلبه".
٣٧٩٨ - عن المعرور بن سويد قال: رأيت أبا ذر وعليه حلة وعلى غلامه مثلها فسألته عن ذلك؟ قال: فذكر أنه ساب رجلاً على عهد رسول الله ﷺ فعيره بأمه. قال: فأتى الرجل النبي ﷺ فذكر ذلك له. فقال النبي ﷺ "إنك امرؤ فيك جاهلية إخوانكم وخولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يديه فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم عليه".
٣٧٩٩ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال "للمملوك طعامه وكسوته ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق".
٣٨٠٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا صنع لأحدكم خادمه طعامه ثم جاءه به وقد ولي حره ودخانه فليقعده معه فليأكل فإن كان الطعام مشفوهًا قليلاً فليضع في يده منه أكلة أو أكلتين" قال داود يعني لقمة أو لقمتين.
٣٨٠١ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال "إن العبد إذا نصح لسيده وأحسن عبادة الله فله أجره مرتين".
٣٨٠٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "للعبد المملوك المصلح أجران" والذي نفس أبي هريرة بيده لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبر أمي لأحببت أن
стр. 3573
أموت وأنا مملوك. قال: وبلغنا أن أبا هريرة لم يكن يحج حتى ماتت أمه لصحبتها. قال أبو الطاهر في حديثه "للعبد المصلح" ولم يذكر المملوك.
٣٨٠٣ - - وفي رواية عن ابن شهاب بهذا الإسناد ولم يذكر بلغنا وما بعده.
٣٨٠٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا أدى العبد حق الله وحق مواليه كان له أجران" قال: فحدثتها كعبًا. فقال كعب: ليس عليه حساب ولا على مؤمن مزهد.
٣٨٠٥ - عَن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها وقال: قال رسول الله ﷺ "نِعِمَّا لِلْمَمْلُوكِ أَنْ يُتَوَفَّى يُحْسِنُ عِبَادَةَ اللَّهِ وَصَحَابَةَ سَيِّدِهِ نِعِمَّا لَهُ".
٣٨٠٦ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "من أعتق شركًا له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة العدل فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد وإلا فقد عتق منه ما عتق".
٣٨٠٧ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "من أعتق شركًا له من مملوك فعليه عتقه كله إن كان له مال يبلغ ثمنه فإن لم يكن له مال عتق منه ما عتق".
٣٨٠٨ - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "من أعتق نصيبًا له في عبد فكان له من المال قدر ما يبلغ قيمته قوم عليه قيمة عدل وإلا فقد عتق منه ما عتق".
٣٨٠٩ - - عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ بهذا الحديث وليس في حديثهم
стр. 3574
"وإن لم يكن له مال فقد عتق منه ما عتق" إلا في حديث أيوب ويحيى بن سعيد فإنهما ذكرًا هذا الحرف في الحديث وقالا لا ندري أهو شيء في الحديث أو قاله نافع من قبله وليس في رواية أحد منهم سمعت رسول الله ﷺ إلا في حديث الليث بن سعد.
٣٨١٠ - عن سالم بن عبد الله عن أبيه ﵁: أن رسول الله ﷺ قال "من أعتق عبدًا بينه وبين آخر قوم عليه في ماله قيمة عدل لا وكس ولا شطط ثم عتق عليه في ماله إن كان موسرًا".
٣٨١١ - عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال "من أعتق شركًا له في عبد عتق ما بقي في ماله إذا كان له مال يبلغ ثمن العبد".
٣٨١٢ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ . قال: في المملوك بين الرجلين فيعتق أحدهما قال "يضمن".
٣٨١٣ - وفي رواية عن شعبة بهذا الإسناد قال "من أعتق شقيصًا من مملوك فهو حر من ماله".
٣٨١٤ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "من أعتق شقيصًا له في عبد فخلاصه في ماله إن كان له مال فإن لم يكن له مال استسعي العبد غير مشقوق عليه".
٣٨١٥ - وفي رواية عن ابن أبي عروبة بهذا الإسناد وفي حديث عيسى "ثم يستسعى في نصيب الذي لم يعتق غير مشقوق عليه".
стр. 3575
٣٨١٦ - عن عمران بن حصين ﵁ أن رجلاً أعتق ستة مملوكين له عند موته لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله ﷺ فجزأهم أثلاثًا ثم أقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة، وقال له قولاً شديدًا.
٣٨١٧ - وفي رواية أن رجلاً من الأنصار أوصى عند موته فأعتق ستة مملوكين.
٣٨١٨ - عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رجلاً من الأنصار أعتق غلامًا له عن دبر لم يكن له مال غيره فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال "من يشتريه مني؟ " فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمان مائة درهم فدفعها إليه. قال: عمرو سمعت جابر بن عبد الله يقول عبدًا قبطيًا مات عام أول.
٣٨١٩ - عن جابر ﵁ قال: دبر رجل من الأنصار غلامًا له لم يكن له مال غيره فباعه رسول الله ﷺ . قال: جابر فاشتراه ابن النحام عبدًا قبطيًا مات عام أول في إمارة ابن الزبير.
-[المعنى العام]-
كانت المجتمعات قبل الإسلام طبقتين، طبقة الأسياد، وطبقة العبيد، طبقة الأسياد ولها كل حقوق الحياة والعزة والكرامة، وطبقة العبيد الأذلين، الذين يسامون الخسف والقهر، وإن كانوا في
следующие страницы →