Полный текст (6 200 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.
стр. 3571
٣٧٩٢ - عن أبي مسعود ﵁ أنه كان يضرب غلامه؛ فجعل يقول أعوذ بالله. قال: فجعل يضربه. فقال: أعوذ برسول الله؛ فتركه. فقال رسول الله ﷺ "والله لله أقدر عليك منك عليه" قال فأعتقه.
٣٧٩٣ - - وفي رواية عن شعبة بهذا الإسناد ولم يذكر قوله "أعوذ بالله أعوذ برسول الله ﷺ ".
٣٧٩٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال أبو القاسم ﷺ "من قذف مملوكه بالزنا يقام عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال".
٣٧٩٥ - - وفي رواية عن فضيل بن غزوان بهذا الإسناد وفي حديثهما سمعت أبا القاسم ﷺ نبي التوبة.
٣٧٩٦ - عن المعرور بن سويد قال: مررنا بأبي ذر بالربذة وعليه برد وعلى غلامه مثله. فقلنا: يا أبا ذر لو جمعت بينهما كانت حلة. فقال: إنه كان بيني وبين رجل من إخواني كلام وكانت أمه أعجمية فعيرته بأمه فشكاني إلى النبي ﷺ فلقيت النبي ﷺ فقال "يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية" قلت: يا رسول الله من سب الرجال سبوا أباه وأمه. قال "يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم فاطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم".
٣٧٩٧ - عن الأعمش بهذا الإسناد وزاد في حديث زهير وأبي معاوية بعد قوله "إنك امرؤ فيك جاهلية" قال: قلت: على حال ساعتي من الكبر؟ قال "نعم" وفي رواية أبي معاوية "نعم على حال ساعتك من الكبر" وفي حديث عيسى "فإن كلفه ما يغلبه فليبعه"
стр. 3572
وفي حديث زهير "فليعنه عليه" وليس في حديث أبي معاوية "فليبعه" ولا "فليعنه" انتهى عند قوله "ولا يكلفه ما يغلبه".
٣٧٩٨ - عن المعرور بن سويد قال: رأيت أبا ذر وعليه حلة وعلى غلامه مثلها فسألته عن ذلك؟ قال: فذكر أنه ساب رجلاً على عهد رسول الله ﷺ فعيره بأمه. قال: فأتى الرجل النبي ﷺ فذكر ذلك له. فقال النبي ﷺ "إنك امرؤ فيك جاهلية إخوانكم وخولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يديه فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم عليه".
٣٧٩٩ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال "للمملوك طعامه وكسوته ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق".
٣٨٠٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا صنع لأحدكم خادمه طعامه ثم جاءه به وقد ولي حره ودخانه فليقعده معه فليأكل فإن كان الطعام مشفوهًا قليلاً فليضع في يده منه أكلة أو أكلتين" قال داود يعني لقمة أو لقمتين.
٣٨٠١ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال "إن العبد إذا نصح لسيده وأحسن عبادة الله فله أجره مرتين".
٣٨٠٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "للعبد المملوك المصلح أجران" والذي نفس أبي هريرة بيده لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبر أمي لأحببت أن
стр. 3573
أموت وأنا مملوك. قال: وبلغنا أن أبا هريرة لم يكن يحج حتى ماتت أمه لصحبتها. قال أبو الطاهر في حديثه "للعبد المصلح" ولم يذكر المملوك.
٣٨٠٣ - - وفي رواية عن ابن شهاب بهذا الإسناد ولم يذكر بلغنا وما بعده.
٣٨٠٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا أدى العبد حق الله وحق مواليه كان له أجران" قال: فحدثتها كعبًا. فقال كعب: ليس عليه حساب ولا على مؤمن مزهد.
٣٨٠٥ - عَن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها وقال: قال رسول الله ﷺ "نِعِمَّا لِلْمَمْلُوكِ أَنْ يُتَوَفَّى يُحْسِنُ عِبَادَةَ اللَّهِ وَصَحَابَةَ سَيِّدِهِ نِعِمَّا لَهُ".
٣٨٠٦ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "من أعتق شركًا له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة العدل فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد وإلا فقد عتق منه ما عتق".
٣٨٠٧ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "من أعتق شركًا له من مملوك فعليه عتقه كله إن كان له مال يبلغ ثمنه فإن لم يكن له مال عتق منه ما عتق".
٣٨٠٨ - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "من أعتق نصيبًا له في عبد فكان له من المال قدر ما يبلغ قيمته قوم عليه قيمة عدل وإلا فقد عتق منه ما عتق".
٣٨٠٩ - - عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ بهذا الحديث وليس في حديثهم
стр. 3574
"وإن لم يكن له مال فقد عتق منه ما عتق" إلا في حديث أيوب ويحيى بن سعيد فإنهما ذكرًا هذا الحرف في الحديث وقالا لا ندري أهو شيء في الحديث أو قاله نافع من قبله وليس في رواية أحد منهم سمعت رسول الله ﷺ إلا في حديث الليث بن سعد.
٣٨١٠ - عن سالم بن عبد الله عن أبيه ﵁: أن رسول الله ﷺ قال "من أعتق عبدًا بينه وبين آخر قوم عليه في ماله قيمة عدل لا وكس ولا شطط ثم عتق عليه في ماله إن كان موسرًا".
٣٨١١ - عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال "من أعتق شركًا له في عبد عتق ما بقي في ماله إذا كان له مال يبلغ ثمن العبد".
٣٨١٢ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ . قال: في المملوك بين الرجلين فيعتق أحدهما قال "يضمن".
٣٨١٣ - وفي رواية عن شعبة بهذا الإسناد قال "من أعتق شقيصًا من مملوك فهو حر من ماله".
٣٨١٤ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "من أعتق شقيصًا له في عبد فخلاصه في ماله إن كان له مال فإن لم يكن له مال استسعي العبد غير مشقوق عليه".
٣٨١٥ - وفي رواية عن ابن أبي عروبة بهذا الإسناد وفي حديث عيسى "ثم يستسعى في نصيب الذي لم يعتق غير مشقوق عليه".
стр. 3575
٣٨١٦ - عن عمران بن حصين ﵁ أن رجلاً أعتق ستة مملوكين له عند موته لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله ﷺ فجزأهم أثلاثًا ثم أقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة، وقال له قولاً شديدًا.
٣٨١٧ - وفي رواية أن رجلاً من الأنصار أوصى عند موته فأعتق ستة مملوكين.
٣٨١٨ - عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رجلاً من الأنصار أعتق غلامًا له عن دبر لم يكن له مال غيره فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال "من يشتريه مني؟ " فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمان مائة درهم فدفعها إليه. قال: عمرو سمعت جابر بن عبد الله يقول عبدًا قبطيًا مات عام أول.
٣٨١٩ - عن جابر ﵁ قال: دبر رجل من الأنصار غلامًا له لم يكن له مال غيره فباعه رسول الله ﷺ . قال: جابر فاشتراه ابن النحام عبدًا قبطيًا مات عام أول في إمارة ابن الزبير.
-[المعنى العام]-
كانت المجتمعات قبل الإسلام طبقتين، طبقة الأسياد، وطبقة العبيد، طبقة الأسياد ولها كل حقوق الحياة والعزة والكرامة، وطبقة العبيد الأذلين، الذين يسامون الخسف والقهر، وإن كانوا في
стр. 3576
الصورة أحرارًا، طبقة الجبابرة، وطبقة الضعفاء، فجاء الإسلام بقانونه الخالد من فوق سبع سموات، بقول الله تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [الحجرات: ١٣] جاء الإسلام والرق منتشر بين أهل الأرض، نتيجة الحروب والإغارات، ثم البيع والشراء، وما كان الإسلام ليمتنع عن استرقاق أعدائه، ماداموا يسترقون أبناءه إذا هزم، لكنه بعد أن يسترق أعداءه يفتح للأرقاء باب الحرية بالكفارات والتطوع بالعتق وفضله وبالكتابة والتدبير وبغير ذلك من منافذ الحرية، ثم حض الأسياد على حسن معاملة العبيد، فمنع ضرب العبيد، حتى قال ﷺ "من لطم مملوكه أو ضربه فكفارته أن يعتقه" واستجاب بعض الصحابة، فأعتق عبده إذا ضربه، لكن البعض كان يرى هذا العتق تفضلاً وإحسانًا، فلم يكن ينفذه، فكان ﷺ حين يبلغه ضرب عبد أو أمة يأمر الضاربين بأن يعتقوها، فإذا اعتذروا بحاجتهم الشديدة إلى خدمتها، أمرهم أن يستخدموها، فإذا استغنوا عنها أعتقوها، وكان إذا رأى سيدًا يضرب غلامه. عنفه، وحذره انتقام الله لعبده، فإن الله أقدر على من يضرب عبده قدرة أعلى من قدرة السيد على عبده، "وإنه تعالى يتوعد من يضرب عبده بلفحة شديدة من النار".
ولم يكتف الإسلام بحماية العبيد من الضرب والأذى، بل طالب الأسياد بأن يعاملوهم معاملة إخوانهم في الإنسانية، فيطعموهم مما يطعمون، ويلبسوهم مما يلبسون، ولا يكلفوهم من العمل مالاً يطيقون، فإن كلفوهم بما يشق عليهم أعانوهم عليه بأنفسهم وبمن يقدرون عليه من غيرهم، واعتبر مجرد شتمهم أو سبهم خلقًا من أخلاق الجاهلية التي ينبغي البعد عنها.
ثم أخذ يواسي العبيد، ويرفع من شأنهم، إذا هم أخلصوا لأسيادهم، وقاموا بواجباتهم نحوهم على الوجه المطلوب، وإذا هم قاموا بواجباتهم نحو عبادة ربهم، إذا هم أدوا واجبهم في هذين الميدانين كان لهم أجران، وبهذه الفرصة التي أتيحت لهم يمكنهم أن يلقوا ربهم من غير حساب ولا عقاب.
لقد أصبح الأحرار يغبطون العبيد على ما منحهم الإسلام من رعاية وعناية، حتى قال أبو هريرة ﵁: والذي نفسي بيده. لولا ميزة الجهاد التي يمتاز بها الحر عن العبد، ولولا الحج الذي يقوم به الحر، ولولا بر أمي ولا أستطيع القيام به لو كنت عبدًا، لولا هذه الثلاث لأحببت أن أكون عبدًا، ولأحببت أن أموت وأنا مملوك.
حقًا. نال المملوك في الإسلام حقوقًا لم يسبق للبشرية أن عرفتها، ومنح تكريمًا لم يمنح في تاريخ الإنسانية الطويل للخدم من الأحرار. ونادى الإسلام بتحرير الرقبة قبل أن تنادى به المدينة بألف وأربعمائة عام. ونادى الإسلام باحترام آدمية الآدمي بدرجة لم تعرفها المدنية، حتى في قرنها العشرين.
فالحمد لله على ما هدانا، والحمد لله على ما أولانا، والحمد لله رب العالمين.
-[المباحث العربية]-
(وقد أعتق مملوكًا) بينت الرواية الثانية دوافعه إلى هذا الإعتاق، وفيها "دعا بغلام له، فرأى
стр. 3577
بظهره أثرًا - أي أثرًا لضربه إياه - فقال له: أوجعتك؟ - سؤال تأثر وتأسف وتحسر على أن ضربه - قال: لا. قال: فأنت عتيق".
(فأخذ من الأرض عودًا أو شيئًا) أي كورقة شجرة جافة، والمقصود شيئًا تافها.
(ما فيه من الأجر ما يسوى هذا) الإشارة إلى العود التافه، ومعنى "ما فيه" أي ما في عتقي له من الأجر، و"ما يسوى" بفتح الياء وسكون السين وفتح الواو، وفي بعض النسخ "ما يساوى" وهذه هي اللغة الفصيحة الصحيحة المعروفة، والأولى عدها أهل اللغة في لحن العوام، وأجاب بعض العلماء عن هذه اللفظة بأنها تعتبر من بعض الرواة، لا أن ابن عمر نطق بها، ومعنى كلام ابن عمر أنه ليس في إعتاقه أجر المعتق تبرعًا، وإنما عتقه كفارة لضربه. أي أجر مقابل بإثم ضربه.
(إلا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول) قيل: هو استثناء منقطع، فالمستثنى ليس من جنس المستثنى منه، فإلا بمعنى لكن، وفي الرواية الثانية، "إني سمعت .. " على الاستئناف التعليلي. وقيل: الاستثناء متصل من عموم العلل والأسباب، أي ما أعتقته لسبب من الأسباب إلا لسبب سماعي قول رسول الله ﷺ .
(من لطم مملوكه أو ضربه) المملوك أعم من العبد والأمة، وهو المراد من الغلام في الرواية الثانية، وإن كان الغلام يشمل الحر والمملوك، يقال: لطمه يلطمه، بفتح الطاء في الماضي، وكسرها في المضارع، ضرب خده، أو صفحه جسده بالكف مبسوطة، والضرب الإصابة والصدم، فبينه وبين اللطم عموم وخصوص، فكل لطم ضرب، ولا عكس، ويطلق الضرب على الجلد، قال تعالى ﴿وخذ بيدك ضغثًا فاضرب به ولا تحنث﴾ [ص: ٤٤] وهذا المعنى يناسب قوله في الرواية الثانية "من ضرب غلاما له، حدًا لم يأته" أي عقابًا لم يأت الغلام ما يناسبه من الجرم.
(عن معاوية بن سويد قال: لطمت مولى لنا) معاوية هذا ابن أحد الإخوة السبعة من بني مقرن - بضم الميم وفتح القاف وكسر الراء المشددة، ابن سويد راوي الرواية الخامسة، والمذكور في الرواية الرابعة، والمراد من المولى المعتق بفتح التاء والمنعم عليه، والمراد منه هنا غلام لهم، يظهر أنهم ملكوه بعد قصة الجارية.
(فهربت) هرب خوفًا من أبيه، حتى يسكن غضبه.
(فدعاه ودعاني) أي دعا الضارب والمضروب، معاوية والعبد.
(ثم قال: امتثل منه) ثم قال الأب للغلام، امتثل من معاوية، أي عاقبه، والطمه قصاصًا بمثل ما لطمك.
(ثم قال) أي ثم قال الأب سويد.
(ليس لنا إلا خادم واحدة) الخادم يطلق على الذكر والأنثى، رقيقًا أو حرًا، ولا يقال: خادمة
стр. 3578
إلا في لغة قليلة شاذة، والمراد به هنا جارية، ولذلك وصف بالمؤنث "واحدة" وأعيد الضمير عليها مؤنثًا "فلطمها - اعتقوها - غيرها - فليستخدموها - استغنوا عنها - سبيلها" أما قوله في الرواية الخامسة "وما لنا خادم غير واحد" والمراد من الخادم الجارية نفسها، وأعيد الضمير عليها مذكرًا باعتبارها إنسان، وكذلك في "فلطمه" و"أن نعتقه".
(قال: فليستخدموها) في الكلام التفات من المخاطبين "أعتقوها" إلى "فليستخدموها، فإذا استغنوا عنها فليخلوا سبيلها" و"فليخلوا" بضم الياء، وفتح الخاء، وتشديد اللام.
(عن هلال بن يساف) بفتح الياء وكسرها، ويقال أيضًا: أساف.
(عجل شيخ، فلطم خادمًا له) أي تعجل رجل كبير بسبب غضبه، فلطم ... ، وفي ملحق الرواية الرابعة "كنا نبيع البز" ... فخرجت جارية، فقالت لرجل منا كلمة، فلطمها" وفي الرواية الخامسة "عن سويد بن مقرن أن جارية له لطمها إنسان" والقصة واحدة، وظاهر الروايات التعارض. فجارية من هي؟ ومن اللاطم؟ ويمكن الجمع بينها باحتمال أن يكون اللاطم أخًا لسويد، كان مع البائعين مشتريًا، والجارية له، ولسويد، فهو الشيخ العجل، وهو الرجل من الرجال المجتمعين للبيع والشراء، وهو الإنسان الذي لطم جارية له، والبز بفتح الباء، نوع من الثياب، ويطلق على السلاح.
(عجز عليك إلا حر وجهها؟ ) "عجز" يعجز بفتح الجيم في الماضي، وكسرها في المضارع، يقال: عجز عن كذا إذا ضعف، ولم يقدر عليه، ويقال بكسر الجيم في الماضي، وحر كل شيء أفضله وأرفعه، و"حر الوجه" بضم الحاء وتشديد الراء صفحته وما رق من بشرته، والاستثناء مفرغ، و"حر" فاعل "عجز". والمعنى عجزت عن ضربها في مكان ما إلا في وجهها وخدها؟
(أما علمت أن الصورة محرمة؟ ) صورة الإنسان في وجهه، أي أما علمت أن الوجه، أي ضرب الوجه محرم، ففي الحديث "إذا ضرب أحدكم العبد فليجتنب الوجه" إكرامًا للوجه، لأن فيه محاسن الإنسان، وأعضاءه المشخصة، وإذا حصل فيه شين أو عيب كان أقبح.
(كنت أضرب غلامًا لي بالسوط) الظاهر أنه كان يضربه بالطريق.
(فسمعت صوتًا من خلفي: اعلم أبا مسعود ... ) في بقية الرواية "فلم أفهم الصوت من الغضب" أي لم أنتبه إلى ألفاظه، ولا إلى مصدره، بسبب ما كان يشغلني من الغضب، والظاهر أن الرسول ﷺ قال: "اعلم أبا مسعود" ثلاث مرات أو أكثر، ليوقفه عن الضرب، يناديه: يا أبا مسعود. يا أبا مسعود. يا أبا مسعود، لينتبه إلى المنادى، ويترك ما هو فيه، ولذلك لم يذكر ما يريد أن يعلمه به، إلا بعد أن توقف وانتبه.
(فألقيت السوط من يدي) في ملحق الرواية: "فسقط من يدي السوط من هيبته" أي ألقى السوط دون شعور كامل، ودون إرادة كاملة، فأشبه السقوط دون إرادة.
стр. 3579
(أعوذ باللَّه .... أعوذ برسول اللَّه) أي ألجأ إلى اللَّه أن يحميني من ضربك. والظاهر أن الغلام لما رأى رسول الله ﷺ خلف أبي مسعود قال: ألجأ إلى رسول الله أن يحميني.
(أما لو لم تفعل للفحتك النار، أو لمستك النار) "أو" لشك الراوي في أي الجملتين قيلت. واللفح الإصابة في الوجه، والمس إصابة الجلد مطلقًا، أي لو لم تعتقه، وتكفر بالعتق عن ضربه لعوقبت بالنار يوم القيامة، و"أما" بتخفيف الميم حرف استفتاح، مثل "ألا" تفيد تأكيد الجملة بعدها، وفي بعض النسخ "أما والله لو لم تفعل ... ".
(نبي التوبة) وصف بذلك، مع أن الأنبياء جميعًا جاءوا بالتوبة، لأنه ﷺ جاء بقبول التوبة بالقول والاعتقاد، وكانت توبة من قبلنا بقتل أنفسهم، ويحتمل أن يراد بالتوبة الإيمان، والرجوع عن الكفر إلى الإسلام، وأصل التوبة الرجوع، قاله القاضي.
(عن المعرور بن سويد) بفتح الميم وسكون العين وضم الراء الأولى.
(بالربذة) بفتح الراء والباء والذال، موضع بالبادية، بينه وبين المدينة مسيرة ثلاثة أيام بالراحلة نحو خمسين ميلاً، من جهة مكة، في منطقة ذات عرق، وبها دفن أبو ذر الغفاري ﵁.
(وعليه برد، وعلى غلامه مثله) البرد بضم الباء وسكون الراء كساء مخطط، يلتحف به، ويؤتزر به، والحلة من بردين، كالبدلة، وفي الرواية الحادية عشرة "وعليه حلة. وعلى غلامه مثلها" وفسرت بمعنى: وعليه جزء حلة، وفي رواية "فإذا حلة، عليه منها ثوب، وعلى عبده منها ثوب".
(كان بيني وبين رجل من إخواني كلام) أي إخواني في الإسلام، أي كان بيني وبين رجل من المسلمين كلام، أي سباب، قيل: إن الرجل المذكور هو بلال المؤذن، مولى أبي بكر ﵁.
(وكانت أمه أعجمية، فعيرته بأمه) الأعجمي من لا يفصح باللسان العربي، سواء كان عربيًا أم أعجميًا، وفي الرواية الحادية عشرة "أنه ساب رجلاً .... فعيره بأمه" فالفاء في "فعيره" تفسيرية، كأنه فسر السب بالتعيير، والظاهر أنه وقع بينهما سباب، وزاد عليه التعيير، فتكون عاطفة، ويدل على هذا قوله في الرواية العاشرة "قلت: من سب الرجال سبوا أباه وأمه".
وفي رواية للبخاري "وكانت أمه أعجمية، فنلت منها" وفي رواية "فقلت له: يا ابن السوداء".
(إنك امرؤ فيك جاهلية) أي هذا التعبير من أخلاق الجاهلية، ففيك خلق من أخلاقهم، وينبغي للمسلم ألا يكون فيه شيء من أخلاقهم. قال الحافظ ابن حجر: ويظهر لي أن ذلك كان من أبي ذر قبل أن يعرف تحريمه، فكانت تلك الخصلة من خصال الجاهلية باقية عنده، فلهذا قال - كما في ملحق الرواية العاشرة - "قلت: على ساعتي هذه من الكبر" وفي رواية البخاري "على ساعتي هذه من كبر السن؟ قال: نعم" كأنه تعجب من خفاء ذلك عليه، مع كبر سنه، فبين له أن هذه الخصلة مذمومة شرعًا، فكان بعد ذلك يساوي غلامه بنفسه احتياطًا.
стр. 3580
(هم إخوانكم) "هم" يعود على المماليك، والمراد من الأخوة الأخوة في الإنسانية، وفي الرواية الحادية عشرة: "إخوانكم وخولكم" فإخوانكم خبر مبتدأ محذوف، أي هم إخوانكم، أو مبتدأ خبره "جعلهم الله تحت أيديكم"، والخول بفتح الخاء والواو، عطية الله من النعم والعبيد والإماء وغيرهم من الأتباع والحشم، يقال للواحد والجمع، والذكر والأنثى.
(فإن كلفه ما يغلبه فليبعه) في الملحق الثاني "فليعنه عليه" قال النووي: الثانية هي الصواب، الموافقة لباقي الروايات.
(للمملوك طعامه وكسوته) "كسوته" بضم الكاف وكسرها، لغتان، الكسر أفصح، ونبه بالطعام والكسوة على سائر المؤن التي يحتاج إليها العبد.
(إذا صنع لأحدكم خادمه طعامه) "خادمه" بالرفع، فاعل "صنع".
(وقد ولي حره ودخانه) أي تولى طبخه، فأصابه حر ناره، ودخانها، وعند البخاري "ولي حره وعلاجه" أي تحصيل آلاته، وصناعته.
(فإن كان الطعام مشفوهًا قليلاً) "مشفوهًا" بفتح الميم وسكون الشين وضم الفاء "أصله الذي تكثر عليه الشفاه، حتى يقل، وفسره في الحديث بقوله "قليلاً" إشارة إلى أن محل الإجلاس أو المناولة ما إذا كان الطعام قليلاً، وإنما كان كذلك، لأنه إذا كان كثيرًا وسع السيد والخادم، فإن القلة مظنة أن لا يفضل منه شيء.
(فليضع في يده منه أكلة أو أكلتين) بضم الهمزة وسكون الكاف وفتح اللام، وهي اللقمة، و"أو" للتقسيم بحسب حال الطعام، وحال الخادم، والقلة منسوبة إلى من اجتمع عليه، ومقتضى ذلك أن الطعام إذا كان كثيرًا، فإما أن يقعده معه، وإما أن يجعل حظه منه كثيرًا.
(إذا نصح لسيده) أي أخلص خدمته، وقام بما يصلح أموره.
(للعبد المملوك المصلح) المصلح أمر سيده، وأمر ربه.
(ليس عليه حساب، ولا على مؤمن مزهد) بضم الميم وسكون الزاي وكسر الهاء، ومعناه قليل المال، والمراد بهذا الكلام أن العبد إذا أدى حق الله تعالى، وحق مواليه، فليس عليه حساب، لكثرة أجره، وعدم معصيته، قال النووي: وهذا الذي قاله كعب يحتمل أن يكون قد أخذه بتوقيف عن النبي ﷺ ، ويحتمل أنه بالاجتهاد، لأن من رجحت حسناته، وأوتي كتابه بيمينه، فسوف يحاسب حسابًا يسيرًا، وينقلب إلى أهله مسرورًا.
(نعما للمملوك أن يتوفى، يحسن عبادة اللَّه، وصحابة سيده) "نعما" فيها ثلاث لغات، إحداها كسر النون مع إسكان العين، والثانية كسرها، والثالثة فتح النون مع كسر العين، والميم
стр. 3581
مشددة في جميع ذلك. وأصله نعم ما، هو، أي نعم شيء هو، فأدغمت الميم في الميم. قال القاضي: ورواه العذري "نعما" بضم النون وسكون العين وتنوين الميم، والنعم طيب العيش واتساعه، - أي له مسرة وقرة عين، و"يحسن عبادة الله" بضم الياء وسكون الحاء، و"عبادة" منصوب، ومعنى "صحابة سيده" صحبة سيده.
(ملحوظة) من الرواية الثامنة عشرة، وحتى الرواية الخامسة والعشرين، سبقت مباحثها في كتاب العتق.
(فجزأهم أثلاثًا) "جزأهم" بتشديد الزاي وتخفيفها، لغتان مشهورتان، ومعناه قسمهم.
(وقال له قولاً شديدًا) أي قال في شأنه قولاً شديدًا، كراهية لفعله، فهو ﷺ لم يواجهه بالقول الشديد، فقد مات، إنما قال لأجل فعله قولاً شديدًا لأصحابه، تغليظًا عليه، وتنفيرًا من فعله، وفسر هذا القول الشديد بأنه قال: لو علمنا ما صلينا عليه. أي ما صليت أنا عليه، ولتركتكم تصلون عليه.
(أعتق غلامًا له عن دبر) أي أعتقه في دبره، أي قال له: أنت حر بعد موتي، وسمي هذا تدبيرًا، والعبد مدبرًا، لأن العتق يحصل فيه في دبر الحياة، قال النووي: واسم هذا الرجل الأنصاري أبو مذكور، واسم الغلام المدبر يعقوب.
-[فقه الحديث]-
-[يؤخذ من الأحاديث: ]-
١ - من قوله "من لطم مملوكه أو ضربه، فكفارته أن يعتقه" وكذا في الأحاديث التي بعده، قال العلماء: فيه الرفق بالمماليك، وحسن صحبتهم، وكف الأذى عنهم، وأجمع المسلمون على أن عتقه بهذا ليس واجبًا، وإنما هو مندوب، رجاء كفارة ذنبه، ومما استدلوا به لعدم وجوب إعتاقه حديث سويد بن مقرن -روايتنا الثالثة- فقد أمرهم النبي ﷺ بإعتاقها، فلما قالوا: "ليس لنا خادم غيرها، قال: فليستخدموها، فإذا استغنوا عنها فليخلوا سبيلها" فلو كان إعتاقها واجبًا لما قبل اعتذارهم.
قال القاضي عياض: وأجمع العلماء على أنه لا يجب إعتاق العبد لشيء مما يفعله به مولاه، مثل هذا الأمر الخفيف. قال: واختلفوا فيما كثر من ذلك وشنع، من ضرب مبرح منهك لغير موجب لذلك. أو حرقه بالنار، أو قطع عضو منه، أو إفساد عضو، أو نحو ذلك، مما فيه مثلة، فذهب مالك وأصحابه والليث إلى عتق العبد على سيده بذلك، ويكون ولاؤه له، ويعاقبه السلطان على فعله، وقال سائر العلماء: لا يعتق عليه. واختلف أصحاب مالك فيما لو حلق رأس الأمة، أو لحية العبد.
٢ - وفي الحديث إزالة آثار الظلم، وتعويض المظلوم.
стр. 3582
٣ - وأن المراد من الضرب واللطم الداعي إلى العتق ما كان عنيفًا وبلا ذنب، ويدل على ذلك روايتنا الثانية وفيها "من ضرب غلامًا له حدًا لم يأته" فلا يدخل الضرب على سبيل التعليم والأدب.
٤ - ومن روايتنا الثالثة، من فعل سويد، مع ابنه وعبده، تطييب نفس المولى المضروب، والرفق بالموالي، واستعمال التواضع، وإلا فلا يجب القصاص في اللطمة ونحوها، وإنما حقه التعزير واللوم الرادع عن مثل ذلك، لكن سويدًا تبرع، فأمكن العبد من القصاص من سيده.
٥ - ومن قوله "فأمرنا رسول الله ﷺ أن نعتقها" أمر الشركاء بالعتق إذا لزم واحدًا منهم، قال النووي: وهو محمول على أنهم كلهم رضوا بعتقها وتبرعوا به، وإلا فاللطمة إنما كانت من واحد منهم، فسمحوا له بعتقها تكفيرًا لذنبه. اهـ كذا قال، وليس في الحديث أنهم سمحوا له بعتقها، إنما فيه أمر الشركاء بالعتق، إما لأنهم لم يستنكروا الضرب، فكانوا كفاعليه، وإما لأنها تعتق من مال الضارب وعليه إعطاء الشركاء حقوقهم، كما سبق في العتق.
٦ - ومن حديث أبي مسعود -روايتنا السادسة والسابعة والثامنة رعاية الرسول ﷺ لرعيته، ومتابعته لتصرفاتهم، وإصلاح أخطائهم.
٧ - ورفقه ﷺ في النصيحة، والحث على الرفق بالمملوك.
٨ - وتعليله الأوامر والنواهي، لتكون أدعى للانصياع والاتباع، ذلك قوله: "اعلم أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام".
٩ - وفيه حرص الصحابة على الاستجابة لمطالب الشرع، ومبادرتهم بإصلاح خطئهم.
١٠ - ومن روايتنا التاسعة إشارة إلى أنه لا حد على قاذف العبد في الدنيا، وهذا مجمع عليه، لكن يعزر قاذفه، وسواء في هذا كامل الرق والمبعض والمكاتب وأم الولد. هذا حكمه في الدنيا، أما في الآخرة فيستوفى له الحد من قاذفه، لاستواء الأحرار والعبيد في الآخرة. قاله النووي.
١١ - ومن حديث أبي ذر ﵁ روايتنا العاشرة والحادية عشرة أن السب من أخلاق الجاهلية، وعلى المسبوب أن يعفو، فإن كان -ولا بد- أن يرد فبقدر ما سب، ولا يتعرض للأب والأم.
١٢ - أنه يستحب إطعام العبيد مما يأكل الأسياد، وأن يلبسوا مما يلبسون، نعم هذا الأمر على الاستحباب بإجماع المسلمين، وأما فعل أبي ذر، في كسوة غلامه مثل كسوته، فهو عمل بالمستحب، وإنما يجب على السيد نفقة المملوك وكسوته بالمعروف، بحسب البلدان والأشخاص، سواء كان من جنس نفقة السيد ولباسه، أو دونه، أو فوقه، حتى لو قتر السيد على نفسه تقتيرًا خارجًا عن عادة أمثاله، إما زهدًا وإما شحًا، لا يحل له التقتير على المملوك، وإلزامه بموافقته إلا برضاه.
١٣ - وأجمع المسلمون على أنه لا يجوز للسيد أن يكلف العبد ما لا يطيقه، فإن وقع ذلك لزمه إعانته بنفسه أو بغيره.
стр. 3583
١٤ - وفيه النهي عن التعيير وتنقيص الآباء والأمهات، وأنه من أخلاق الجاهلية.
١٥ - ومن قوله "فليقعده معه فليأكل" في روايتنا الثالثة عشرة استحباب الأكل مع الخادم، على قصد التواضع، وعند أحمد "فليجلسه معه، فإن لم يجلسه معه فليناوله" والمعنى إذا ترفع السيد عن مؤاكلة غلامه فليناوله وعند أحمد بإسناد حسن "أمرنا أن ندعوه، فإن كره أحدنا أن يطعم معه، فليطعمه في يده".
١٦ - ومن قوله "وقد ولي حره ودخانه" في الرواية الثالثة عشرة أن للعين حظًا في المأكول، فينبغي صرفها بإطعام صاحبها من ذلك الطعام، لتسكن نفسه، فيكون أكف لشره.
١٧ - ومن التعبير بالخادم في الرواية الثالثة عشرة أن ذلك لا يختص بالعبد، بل يشمل الخادم الحر، بل هو أولى بالرفق والإحسان والإكرام.
١٨ - وفي هذا الحديث بعامة الحث على مكارم الأخلاق، والمواساة في الطعام، ولا سيما في حق من له به صلة.
١٩ - ومن الرواية الخامسة عشرة فضيلة ظاهرة للمملوك المصلح الناصح لسيده، والقائم بعبادة ربه، وأن له أجرين، لقيامه بالحقين، ولانكساره بالرق.
٢٠ - وفضل بر الوالدين، والأم بصفة خاصة، وأراد ببر الأم القيام بمصالحها.
٢١ - وفيه أن المملوك لا جهاد عليه ولا حج، لأنه غير مستطيع.
٢٢ - وإن صحبة الأم وخدمتها أولى من حج التطوع، لأن برها فرض، فقدم على التطوع. قال النووي: ومذهبنا ومذهب مالك أن للأب والأم منع الولد من حجة التطوع، دون حجة الفرض.
٢٣ - راجع ما سبق في كتاب العتق بشأن ما يؤخذ من أحاديث الرواية الثامنة عشرة والتاسعة عشرة، والمتممة للعشرين والواحدة والعشرين والثانية والعشرين والثالثة والعشرين والرابعة والعشرين.
٢٤ - ومن الرواية الخامسة والعشرين إثبات القرعة في العتق ونحوه، وأنه إذا أعتق عبيدًا في مرض موته، أو أوصى بعتقهم، ولا يخرجون من الثلث، أقرع بينهم، فيعتق ما يدخل في الثلث بالقرعة. وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وداود وابن جرير والجمهور، وقال أبو حنيفة: القرعة باطلة، لا مدخل لها في ذلك، بل يعتق من كل واحد قسطه، ويستسعى في الباقي. وهذا مردود بهذا الحديث الصحيح وأحاديث كثيرة، وقد قال بقول أبي حنيفة الشعبي والنخعي وشريح والحسن وحكى أيضًا عن ابن المسيب.
٢٥ - وعن الرواية السادسة والعشرين والسابعة والعشرين قال النووي: وفي هذا الحديث دلالة أيضًا لمذهب الشافعي وموافقيه أنه يجوز بيع المدبر قبل موت سيده، لهذا الحديث، قياسًا على الموصي بعتقه، فإنه يجوز بيعه بالإجماع، وممن جوزه عائشة وطاووس وعطاء والحسن ومجاهد
стр. 3584
وأحمد وإسحق وأبو ثور وداود. وقال أبو حنيفة ومالك وجمهور العلماء والسلف من الحجازيين والشاميين والكوفيين: لا يجوز بيع المدبر، قالوا: وإنما باعه النبي ﷺ في دين كان على سيده، وقد جاء في رواية النسائي والدارقطني أن النبي ﷺ قال له: "اقض به دينك" قالوا: وإنما دفع إليه ثمنه، ليقضي به دينه، وتأوله بعض المالكية على أنه لم يكن له مال غيره، فرد تصرفه. قال هذا القائل، وكذلك يرد تصرف من تصدق بكل ماله. قال النووي: وهذا ضعيف باطل والصواب نفاذ تصرف من تصدق بكل ماله. وقال القاضي عياض: الأشبه عندي أنه فعل ذلك نظرًا لأنه لم يترك لنفسه مالاً. قال النووي: والصحيح ما قدمناه أن الحديث على ظاهره، وأنه يجوز بيع المدبر، بكل حال، ما لم يمت السيد. اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر: الجواز مطلقًا مذهب الشافعي وأهل الحديث، وقد نقله البيهقي في "المعرفة" عن أكثر الفقهاء، وعن الحنفية والمالكية تخصيص المنع بمن دبر تدبيرًا مطلقًا، أما إذا قيده، كأن يقول: إن مت من مرضي هذا ففلان حر، فإنه يجوز بيعه، لأنها كالوصية، فيجوز الرجوع فيها، وعن أحمد: يمتنع بيع المدبرة، دون المدبر. وعن الليث: يجوز بيعه إن شرط على المشتري عتقه، وعن ابن سيرين: لا يجوز بيعه إلا من نفسه، ومال ابن دقيق العيد إلى تقييد الجواز بالحاجة، فقال: من منع مطلقًا كان الحديث حجة عليه، لأن المنع الكلي يناقضه الجواز الجزئي، ومن أجازه في بعض الصور، فله أن يقول: قلت بالحديث في الصورة التي ورد فيها، فلا يلزمه القول به في غير ذلك من الصور. اهـ.
وتفرع عن حكم بيع المدبر حكم إجزائه في الكفارة.
٢٦ - واستدل بالحديث على صحة التدبير، وقد أجمع المسلمون عليه، ثم مذهب الشافعي ومالك والجمهور أنه يحسب عتقه من الثلث، وقال الليث وزفر: هو من رأس المال.
٢٧ - وفي الحديث نظر الإمام في مصالح رعيته، وأمره إياهم بما فيه الرفق بهم، وبإبطالهم ما يضرهم من تصرفاتهم التي يمكن فسخها.
٢٨ - وفيه بيع الإمام على الناس أموالهم وضياعهم، ويقع ذلك في مال السفيه، أو في وفاء دين الغائب أو إذا امتنع من أداء حق الغير.
واللَّه أعلم
стр. 3585
كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات
стр. 3586
(٤٤١) باب القسامة
٣٨٢٠ - عن سهل بن أبي حثمة وعن رافع بن خديج ﵄ أنهما قالا: خرج عبد الله بن سهل بن زيد ومحيصة بن مسعود بن زيد، حتى إذا كانا بخيبر تفرقا في بعض ما هنالك، ثم إذا محيصة يجد عبد الله بن سهل قتيلاً، فدفنه. ثم أقبل إلى رسول الله ﷺ هو وحويصة بن مسعود وعبد الرحمن بن سهل، وكان أصغر القوم. فذهب عبد الرحمن ليتكلم قبل صاحبيه، فقال له رسول الله ﷺ "كبر" (الكبر في السن) فصمت، فتكلم صاحباه، وتكلم معهما، فذكروا لرسول الله ﷺ مقتل عبد الله بن سهل. فقال لهم "أتحلفون خمسين يمينًا فتستحقون صاحبكم؟ " (أو قاتلكم) قالوا: وكيف نحلف ولم نشهد؟ قال "فتبرئكم يهود بخمسين يميناً؟ " قالوا: وكيف نقبل أيمان قوم كفار؟ فلما رأى ذلك رسول الله ﷺ أعطى عقله.
٣٨٢١ - عن سهل بن أبي حثمة ورافع بن خديج ﵄ أن محيصة بن مسعود وعبد الله بن سهل انطلقا قبل خيبر، فتفرقا في النخل، فقتل عبد الله بن سهل، فاتهموا اليهود. فجاء أخوه عبد الرحمن وابنا عمه حويصة ومحيصة إلى النبي ﷺ ، فتكلم عبد الرحمن في أمر أخيه وهو أصغر منهم، فقال رسول الله ﷺ "كبر الكبر" أو قال "ليبدأ الأكبر" فتكلما في أمر صاحبهما. فقال رسول الله ﷺ "يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته؟ " قالوا: أمر لم نشهده كيف نحلف؟ قال "فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم؟ " قالوا: يا رسول الله قوم كفار. قال: فوداه رسول الله ﷺ من قبله. قال سهل: فدخلت مربدًا لهم يومًا فركضتني ناقة من تلك الإبل ركضة برجلها. قال حماد: هذا أو نحوه.
стр. 3587
٣٨٢٢ - عن سهل بن أبي حثمة ﵁ عن النبي ﷺ نحوه وقال في حديثه فعقله رسول الله ﷺ من عنده ولم يقل في حديثه فركضتني ناقة.
٣٨٢٣ - عن بشير بن يسار ﵁ أن عبد الله بن سهل بن زيد ومحيصة بن مسعود بن زيد الأنصاريين ثم من بني حارثة، خرجا إلى خيبر في زمان رسول الله ﷺ ، وهي يومئذ صلح وأهلها يهود. فتفرقا لحاجتهما. فقتل عبد الله بن سهل، فوجد في شربة مقتولاً، فدفنه صاحبه، ثم أقبل إلى المدينة. فمشى أخو المقتول عبد الرحمن بن سهل ومحيصة وحويصة فذكروا لرسول الله ﷺ شأن عبد الله وحيث قتل. فزعم بشير وهو يحدث عمن أدرك من أصحاب رسول الله ﷺ أنه قال لهم "تحلفون خمسين يمينًا وتستحقون قاتلكم؟ " (أو صاحبكم) قالوا: يا رسول الله ما شهدنا ولا حضرنا. فزعم أنه قال "فتبرئكم يهود بخمسين؟ " فقالوا: يا رسول الله كيف نقبل أيمان قوم كفار؟ فزعم بشير أن رسول الله ﷺ عقله من عنده.
٣٨٢٤ - عن بشير بن يسار ﵁ أن رجلاً من الأنصار من بني حارثة يقال له عبد الله بن سهل بن زيد انطلق هو وابن عم له يقال له محيصة بن مسعود ابن زيد. وساق الحديث بنحو حديث الليث إلى قوله "فوداه رسول الله ﷺ من عنده" قال يحيى: فحدثني بشير بن يسار قال: أخبرني سهل بن أبي حثمة قال "لقد ركضتني فريضة من تلك الفرائض بالمربد".
٣٨٢٥ - عن سهل بن أبي حثمة الأنصاري ﵁ أن نفرًا منهم انطلقوا إلى خيبر فتفرقوا فيها فوجدوا أحدهم قتيلاً. وساق الحديث وقال فيه فكره رسول الله ﷺ أن يبطل دمه فوداه مائة من إبل الصدقة.
стр. 3588
٣٨٢٦ - عن سهل بن أبي حثمة ﵁ عن رجال من كبراء قومه أن عبد الله بن سهل ومحيصة خرجا إلى خيبر من جهد أصابهم. فأتى محيصة فأخبر أن عبد الله بن سهل قد قتل وطرح في عين أو فقير. فأتى يهود فقال: أنتم والله قتلتموه. قالوا: والله ما قتلناه. ثم أقبل حتى قدم على قومه فذكر لهم ذلك. ثم أقبل هو وأخوه حويصة وهو أكبر منه وعبد الرحمن بن سهل فذهب محيصة ليتكلم وهو الذي كان بخيبر. فقال رسول الله ﷺ لمحيصة "كبر كبر" (يريد السن) فتكلم حويصة ثم تكلم محيصة. فقال رسول الله ﷺ "إما أن يدوا صاحبكم وإما أن يؤذنوا بحرب؟ " فكتب رسول الله ﷺ إليهم في ذلك. فكتبوا إنا والله ما قتلناه. فقال رسول الله ﷺ لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن "أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ " قالوا: لا. قال "فتحلف لكم يهود؟ " قالوا: ليسوا بمسلمين. فواداه رسول الله ﷺ من عنده فبعث إليهم رسول الله ﷺ مائة ناقة حتى أدخلت عليهم الدار. فقال سهل: فلقد ركضتني منها ناقة حمراء.
٣٨٢٧ - عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ من الأنصار أن رسول الله ﷺ أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية.
٣٨٢٨ - عن ابن شهاب بهذا الإسناد مثله وزاد "وقضى بها رسول الله ﷺ بين ناس من الأنصار في قتيل ادعوه على اليهود".
-[المعنى العام]-
كانت القسامةُ في الجاهليةِ قبلَ الإسلام، فكان إذا وُجِدَ قتيل في مكان، ولم تقم أدلةُ الثبوت على القاتل، وكانت هناك شبهة، تغلب على الظن اتهام شخص أو جماعة بقتله، وجه أولياء القتيل التهمة إلى من يتهمون، فيقضي عليهم أن يحلف خمسون منهم اليمين على صحة اتهامهم، فإن هم حلفوا قضى على المتهمين وقومهم أن يحلفوا خمسين يمينًا أنهم ما قتلوا: وما علموا القاتل، فإن هم حلفوا
стр. 3589
حقنوا دماءهم، ودفعوا دية القتيل، وإن رفضوا الحلف كان عليهم القود والقصاص، وإن لم يحلف أولياء القتيل، ولا بينة عندهم لم يستحقوا شيئًا، وبخاصة إذا حلف المدعى عليهم، أو إذا لم يقبل المدعون أن يحلفوا.
كان في هذه القسامة محاذير بالنسبة لقواعد الإسلام، قوم يحلفون لمجرد الظن، ولم يروا، ولم يحضروا، ولم يجزموا بحقيقة. فكيف تقبل أيمانهم؟ وقوم يستحلفون لمجرد اتهام، لا تقوم عليه أدلة. لماذا يستحلفون؟ وكيف يطالبون بدية قتل لم يثبت عليهم؟ إن هذه الأحكام تتيح لتلفيق التهم مجالاً فسيحًا، وتفتح لإلصاق الجرائم بالبراء بابًا واسعًا، وفي المقابل، لولا هذه الأحكام لأهدرت دماء يجب حقنها، ولتمكن المجرمون من ارتكاب جرائمهم، والهروب من العقاب بل ولتمالأ أهلوهم معهم، وتستروا على جرائمهم، إنها - بحق - قضية شائكة، طرفاها لا يتسمان بالعدالة الظاهرة، وكل من الحكمين فيها لا يخلو من مجاوزة على المحكوم عليه. ولكن أحد الحكمين - وهو القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية - أقل ضررًا، وأكثر نفعًا من الحكم الآخر، واحتمال أخف الضررين واجب، من هنا أقر الإسلام القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية، ومن هنا أعذر بعض العلماء الذين لم يقروا بها، ولم يعملوها، ولم يجوزوها، بحجة أن الرسول ﷺ عرضها، ولم ينفذها، فلم يقتص بها، ولم يفرض الدية على المتهمين بناء عليها، بلد دفعها من عنده، ولم يثبت أن أبا بكر قضى بها ونفذها في حادثة واحدة، ولم يثبت أن عمر قضى بها ونفذها في حادثة واحدة، فهل يعقل أن نحوًا من ثلاث عشرة سنة لا تقع فيها حادثة تقتضي القسامة؟ معذورون أولئك المتوقفون عن القسامة وإن كانوا قليلين، ومأجورون أولئك القائلون بها، مأجورون، بحسن القصد، وإخلاص النية، والعمل بالسنة، وليس كل ما كان في الجاهلية مذمومًا، فهناك الكثير مما كان فيها وأقره الإسلام مراعاة لمصالح العباد، وعلى الله قصد السبيل.
-[المباحث العربية]-
(القسامة) بفتح القاف، وفتح السين مخففة، هي مصدر أقسم قسمًا وقسامة، وهي الأيمان تقسم على أولياء القتيل، إذا ادعوا الدم، أو على المدعى عليهم بالدم، وخص القسم على الدم بلفظ القسامة، وقال إمام الحرمين: القسامة عند أهل اللغة اسم للقوم الذين يقسمون، وعند الفقهاء اسم للأيمان، وقال في المحكم: القسامة: الجماعة يقسمون على الشيء، أو يشهدون به، ويمين القسامة منسوب إليهم، ثم أطلقت على الأيمان نفسها.
(خرج عبد الله بن سهل بن زيد، ومحيصة بن مسعود بن زيد، حتى إذا كانا بخيبر تفرقا في بعض ما هنالك) أي في الأماكن هنالك، و"محيصة" بضم الميم وفتح الحاء وتشديد الياء المكسورة. و"حويصة" بضم الحاء وفتح الواو وتشديد الياء المكسورة، وحكي تخفيف الياء في الاسمين معًا.
стр. 3590
وفي الرواية الثانية "انطلقا قبل - أي جهة - خيبر، فتفرقا في النخل" وفي الرواية الرابعة "خرجا إلى خيبر، في زمان رسول الله ﷺ ، وهي يومئذ صلح، وأهلها يهود، فتفرقا لحاجتهما" وفي ملحقها "عبد الله بن سهل بن زيد انطلق هو وابن عم له، يقال له: محيصة بن مسعود بن زيد" وفي الرواية السادسة "أن عبد الله بن سهل ومحيصة، خرجا إلى خيبر من جهد أصابهم" أي ضيق عيش، وكان حقه أن يقول: أصابهما، لكنه راعى أن الجهد أصابهما وأصاب أهلهما.
وفي رواية لمحمد بن إسحق "خرج عبد الله بن سهل في أصحاب له، يمتارون تمرًا". وكان خروجهم بعد فتح خيبر، فإنها لما فتحت أقر النبي ﷺ أهلها فيها، على أن يعملوا في المزارع بالشطر مما يخرج منها.
(ثم إذا محيصة يجد عبد الله بن سهل قتيلاً، فدفنه، ثم أقبل إلى رسول الله ﷺ هو وحويصة بن مسعود وعبد الرحمن بن سهل) في بعض النسخ "ثم إن محيصة". وتبين الروايات الأخرى أن محيصة وجد عبد الله بن سهل مقتولاً ينزف دمه، في حفرة غير عميقة من حفر الأرض، وبعد أن دفنه اتهم يهود بقتله، فنفوا، فرجع من خيبر إلى المدينة، فأخذ أخاه حويصة وابن عمه أخا القتيل، عبد الرحمن بن سهل، وذهبوا إلى رسول الله ﷺ ، ففي الرواية الثانية "فاتهموا اليهود فجاء أخوه عبد الرحمن، وابنا عمه حويصة ومحيصة إلى النبي ﷺ "، وفي الرواية الرابعة "فقتل عبد الله بن سهل فوجد في شربة مقتولاً - والشربة بفتح الشين والراء والباء، هي حوض أو حفرة واسعة غير عميقة، تكون في أصل النخلة، وجمعها شرب بفتحتين، مثل ثمرة، وثمر"، وفي الرواية السادسة "أن عبد الله بن سهل قد قتل، وطرح في عين أو فقير" بفتح الفاء وكسر القاف، أي حفيرة، وفي رواية: "فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل، وهو يتشحط في دمه، أي يضطرب، فيتمرغ في دمه" وفي رواية "فأتى محيصة يهود، فقال: أنتم والله قتلتموه، قالوا: والله ما قتلناه". وفي رواية للبخاري "فقالوا للذين وجد فيهم: قد قتلتم صاحبنا، قالوا ما قتلنا ولا علمنا قاتلاً".
(وكان أصغر القوم) أي كان أخو القتيل، عبد الرحمن بن سهل، أصغر الثلاثة.
(فذهب عبد الرحمن ليتكلم قبل صاحبيه) فإن الأمر أمر أخيه، وهو ولي الدم، وهو الوارث، وأما الآخران فابنا عم، لا ميراث لهما مع الأخ، وإقامة الدعوى تكون من الوارث، لكن الرسول ﷺ قال له "كبر. كبر" وفي الرواية السادسة "فذهب محيصة ليتكلم، وهو الذي كان بخيبر" وهو أعلم بشرح ما وقع، ولكنه لما كان أصغر من أخيه حويصة قال له ﷺ : "كبر. كبر"، ومادام ﷺ سيسمع من الثلاثة، فليكن سماعه من الأسن، فالأقل سنًا، فالأقل سنًا، حويصة، ثم محيصة، ثم عبد الرحمن، كأدب شرعي.
(كبِّر. الكُبْرَ في السن) "كبر" بتشديد الباء المكسورة، فعل أمر، أي قدم الأكبر منك. و"الكبر" بضم الكاف وسكون الباء، منصوب على الإغراء، مفعول لفعل محذوف، أي الزم الكبر في السن، وفي الرواية الثانية "كبر. الكبر" - أو قال: "ليبدأ الأكبر" وفي الرواية السادسة: "كبر. كبر" - الثانية
стр. 3591
توكيد - "يريد السن" فتكلم حويصة، ثم محيصة أي ثم عبد الرحمن، ففي الرواية الأولى "فصمت، فتكلم صاحباه" وتكلم معهما أي بعدهما.
(فقال لهم رسول اللَّه ﷺ : أتحلفون خمسين يمينًا، فتستحقون صاحبكم؟ أو قاتلكم؟ ) معناه أيحلف منكم خمسون رجلاً خمسين يمينًا، فيثبت حقكم على من حلفتم عليه؟ أي فأحكم لكم بثبوت حقكم فيمن تعينونه قاتلاً؟ وفي الرواية الثانية "يقسم خمسون منكم على رجل منهم، فيدفع برمته"؟ أي فيدفع إليكم من تعينونه؟ والرمة بضم الراء، وتشديد الميم الحبل، والمراد هنا الحبل الذي يربط في رقبة القاتل، ويسلم فيه إلى ولي القتيل.
(قالوا: وكيف نحلف؟ ولم نشهد)؟ استفهام إنكاري، أو تعجبي، والمراد به النفي، أي لا نحلف، وفي الرواية الثانية "أمر لم نشهده. كيف نحلف؟ " وفي الرواية الثالثة "ما شهدنا ولا حضرنا"؟ وفي الرواية السادسة "قالوا: لا"، وفي بعض الروايات أنه طلب منهم البينة - شاهدين - ففي رواية للبخاري "فقال لهم: تأتون بالبينة على من قتله؟ قالوا: ما لنا ببينة".
(فقال رسول اللَّه ﷺ : إما أن يدوا صاحبكم، وإما أن يؤذنوا بحرب) أي إما أن يدفعوا دية صاحبكم، وإما أن يعلمونا بحرب، إن هم أقروا بقتله خطأ، أو ثبت عليهم القتل بقسامتكم. فقوله "يؤذنِوا" بكسر الذال.
(فتبرئكم يهود بخمسين يمينًا) "يهود" ممنوع من الصرف، للعلمية والتأنيث، لأنه اسم القبيلة والطائفة.
وقوله "فتبرئكم" بضم التاء وفتح الباء وكسر الراء المشددة، يقال: برأه من الذنب والتهمة، بتشديد الراء أي خلصه منه، وقضى ببراءته، والمعنى يخلصونكم من اليمين، بأن يحلفوا. أو "فتبرأكم يهود" بفتح التاء وسكون الباء وفتح الراء، من برئ يبرأ، بكسر الراء في الماضي، وفتحها في المضارع، يقال: برئ فلان من التهمة إذا خلص منها، أو بضم الراء، يقال: برؤ من التهمة إذا خلا منها، والمعنى فتبرأ منكم يهود، أي فتبرأ من دعواكم، وتبرأ من خصومتكم، ففيه حذف حرف الجر، وإيصال المجرور بالفعل.
(وكيف نقبل أيمان قوم كفار؟ ) الاستفهام إنكاري بمعنى النفي، وفي الرواية الثانية "قوم كفار" خبر مبتدأ محذوف أي هم قوم كفار، لا نقبل يمينهم، وفي الرواية السادسة "ليسوا بمسلمين" وعند البخاري "لا نرضى بأيمان اليهود" وفي رواية "ما يبالون أن يقتلونا أجمعين ثم يحلفون".
(أعطى عقله) أي أعطى ديته، وسميت الدية عقلاً تسمية بالمصدر، لأن الإبل كانت تعقل بفناء ولي القتيل، ثم كثر الاستعمال، حتى أطلق العقل على الدية، ولو لم تكن إبلاً. وعاقلة الرجل قراباته من قبل الأب، وهم عصبته، وهم الذين كانوا يعقلون الإبل على باب ولي المقتول.
وفي الرواية الثانية "فوداه رسول الله ﷺ من قبله" بكسر القاف وفتح الباء، أي من جهته، ومن
стр. 3592
عنده، كما في الرواية الرابعة، وفي السادسة "فبعث إليهم رسول الله ﷺ مائة ناقة، حتى أدخلت عليهم الدار".
(فكره رسول اللَّه ﷺ أن يبطل دمه، فوداه مائة من إبل الصدقة) كذا في الأصول "يُبْطِل دمه" بضم الياء وسكون الباء وكسر الطاء، والفاعل ضمير رسول الله ﷺ ، أي يضيع دمه هدرًا، دون دية، وفي رواية للبخاري "فكره رسول الله ﷺ أن يطل دمه" بضم الياء وفتح الطاء وتشديد اللام، مبني للمجهول، أي يهدر دمه يقال: طل دم القتيل، بفتح الطاء مبني للمعلوم، وطل دم القتيل، بضم الطاء، مبني للمجهول وهو الأكثر استعمالاً، أي بطل وهدر، أو أبطل وأهدر، و"وداه" بتخفيف الدال، أي دفع ديته وقوله "من إبل الصدقة" قال النووي: قال بعض العلماء: إنها غلط من الرواة، لأن الصدقة المفروضة لا تصرف هذا المصرف، قال جمهور أصحابنا: معناه: اشتراها من إبل الصدقة. وسيأتي تفصيل لذلك في فقه الحديث. وفي الرواية الثانية "فوداه من قبله" أي من جهته، وفي الرواية الرابعة "من عنده" قال النووي: يحتمل أن يكون من خالص ماله، ويحتمل أنه من مال بيت المسلمين لمصالحهم.
(قال سهل: فدخلت مِرْبَدًا لهم يومًا، فركضتني ناقة من تلك الإبل ركضة برجلها) "المربد" بكسر الميم وسكون الراء وفتح الباء: الموضع الذي تجمع فيه الإبل وتحبس، والربد الحبس، ومعنى "ركضتني" رفستني، وأراد بهذا الكلام التوثيق في الرواية، وأنه يضبط الحديث ويحفظه حفظًا بليغًا، حتى إنه يضبط ملابساته. وفي الرواية الرابعة "لقد ركضتني فريضة من تلك الفرائض بالمربد" والمراد بالفريضة هنا الناقة من تلك النوق المفروضة في الدية، وتسمى المدفوعة في الزكاة أو في الدية فريضة، لأنها مفروضة، أي مقدرة بالسن والعدد. وأما قول المازري: إن المراد بالفريضة هنا الناقة الهرمة فقد غلط فيه. كذا قال النووي.
-[فقه الحديث]-
في القسامة اختلاف كبير بين العلماء نحصره في أربع نقاط:
الأولى: هل القسامة مشروعة، يعمل بها؟ أولاً؟
الثانية: إذا كانت مشروعة، يعمل بها، فهل توجب القود؟ أو الدية؟
الثالثة: وهل يبدأ بالمدعين؟ أو المدعى عليهم؟
الرابعة: ما يؤخذ من الحديث من الأحكام.
وهذا هو التفصيل.
النقطة الأولى: روي عن جماعة إبطال القسامة، وأنه لا حكم لها، ولا عمل بها، وممن قال بهذا: سالم بن عبد الله، وسليمان بن يسار، والحكم بن عتيبة، وقتادة، وأبو قلابة، ومسلم بن خالد، وابن علية، والبخاري، وغيرهم، وعن عمر بن عبد العزيز روايتان كالمذهبين.
стр. 3593
أما سالم بن عبد الله بن عمر فقد أخرج ابن المنذر عنه، أنه كان يقول: "يالقوم يحلفون على أمر لم يروه، ولم يحضروه، ولو كان لي أمر لعاقبتهم، ولجعلتهم نكالاً، ولم أقبل لهم شهادة".
وأما أبو قلابة فيروي البخاري عنه "أن عمر بن عبد العزيز أبرز سريره يومًا للناس، ثم أذن لهم، فدخلوا فقال: ما تقول يا أبا قلابة؟ ونصبني للناس. فقلت يا أمير المؤمنين. عندك رؤوس الأجناد، وأشراف العرب. أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل محصن بدمشق، أنه قد زنى، ولم يروه، أكنت ترجمه؟ قال: لا. قلت: أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل بحمص أنه سرق ولم يروه، أكنت تقطعه؟ قال: لا. قلت: فوالله ما قتل رسول الله ﷺ أحدًا قط إلا في إحدى ثلاث خصال: رجل قتل بجريرة نفسه فقتل، أو رجل زنى بعد إحصان، أو رجل حارب الله ورسوله، وارتد عن الإسلام ثم استدل أبو قلابة بحديثنا على أن النبي ﷺ ، لم يعمل بالقسامة - وإن عرضها - ولم يجبر أي من الطرفين أن يحلف، بل ودي القتيل من عنده. ثم قال أبو قلابة: وقد كان عبد الملك بن مروان أقاد رجلاً بالقسامة، ثم ندم بعد ما صنع، فأمر بالخمسين الذين أقسموا، فمحوا من الديوان، وسيرهم إلى الشام.
وأما عمر بن عبد العزيز ﵁، فقد ورد عنه في القسامة: "إن من القضايا ما لا يقضى فيه إلى يوم القيامة، وإن هذه القضية لمنهن" وقد اختلف على عمر بن عبد العزيز في القسامة، كما اختلف على معاوية، فقد أخرج ابن المنذر من طريق الزهري قال: "قال لي عمر بن عبد العزيز: إني أريد أن أدع القسامة، يأتي رجل من أرض كذا، وآخر من أرض كذا، وآخر من أرض كذا، فيحلفون على ما لا يرون؟ فقلت: إنك إن تتركها يوشك أن الرجل يقتل عند بابك، فيبطل دمه، وإن للناس في القسامة لحياة".
أما القائلون بمشروعية القسامة، وبالعمل بها، فعامة العلماء من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم علماء الأمصار الحجازيين والشاميين والكوفيين وغيرهم، ممن سيأتي ذكرهم في النقطة التالية.
النقطة الثانية: هل القسامة توجب القود أو الدية؟ إذا كان القتل عمدًا؟ إذ لا خلاف في أن القتل الخطأ إذا ثبت ولو بالبينة يوجب الدية. إذن الخلاف في القتل العمد مع القسامة.
قال معظم الحجازيين: يجب بها القصاص والقود، وهو قول الزهري وربيعة وأبي الزناد ومالك وأصحابه والليث والأوزاعي وأحمد وإسحق وأبي ثور وداود، وهو قول الشافعي في القديم، وروي عن ابن الزبير وعمر بن عبد العزيز. قال أبو الزناد: قلنا بها وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون، إني لأرى أنهم ألف رجل، فما اختلف منهم اثنان.
وقال الكوفيون والشافعي في الجديد وفي أصح قوليه: لا يجب بها القصاص، وإنما تجب بها الدية، وهو مروي عن الحسن البصري والشعبي والنخعي وعثمان الليثي والحسن بن صالح، وروي أيضًا عن أبي بكر وعمر وابن عباس ومعاوية ﵃.
استدل الأولون بقوله ﷺ في الرواية الأولى "فتستحقون صاحبكم أو قاتلكم" وفي
стр. 3594
الرواية الثانية "على رجل منهم، فيدفع برمته" وفي الرواية الرابعة "وتستحقون قاتلكم أو صاحبكم" وفي الرواية السادسة "وتستحقون دم صاحبكم" فهذه الألفاظ كلها ظاهرها يفيد القصاص، كما استندوا إلى روايتنا السابعة، وفيها إقرار القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية. قال الحافظ ابن حجر: وهذا يتوقف على ثبوت أنهم كانوا في الجاهلية يقتلون بالقسامة. ويتأولها الفريق الثاني: بأن المراد أن يسلم المدعى عليه بالقتل، ليستوفي منه الدية، لكونها تثبت عليه.
كما استدلوا بما في مصنف عبد الرزاق، ولفظه" قلت لعبيد الله بن عمر العمري: أعلمت أن رسول الله ﷺ أقاد بالقسامة؟ قال: لا. قلت: فأبو بكر؟ قال: لا. قلت: فعمر؟ قال: لا. قلت: فلم تجترئون عليها؟ فسكت. وأخرج ابن أبي شيبة من طريق إبراهيم النخعي قال: القود بالقسامة جور. اهـ وهذا الذي نستريح إليه، فإن القود والقصاص إنما يكون حيث لا شبهة، والشبهة هنا محققة، والأخذ بالدية أفضل من عدم الأخذ بالقسامة، إذ فيها حماية للدماء، ومواساة لأهل القتيل، وكل من الفريقين، القائلين بالقصاص، والقائلين بالدية، متفقون كلهم على أنها لا تجب بمجرد دعوى الأولياء، حتى يقترن بها شبهة، يغلب على الظن الحكم بها، واختلفوا في تصوير الشبهة، ولها سبع صور:
الأولى: أن يقول المقتول في حياته: دمي عند فلان، أو فلان قتلني، أو ضربني، وإن لم يكن به أثر، ويذكر العمد. فهذا موجب للقسامة عند مالك والليث. وادعى مالك أنه مما أجمع عليه الأئمة قديمًا وحديثًا. قال القاضي: ولم يقل بهذا من فقهاء الأمصار غيرهما، ولا روي عن غيرهما، وخالف في ذلك العلماء كافة، فلم ير أحد غيرهما في هذا قسامة. واشترط بعض المالكية في هذه الصورة، وجود الأثر والجرح، واحتج مالك في ذلك بقضية بني إسرائيل، قوله تعالى ﴿فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيى الله الموتى﴾ [البقرة: ٧٣] قالوا: فحيى الرجل، فأخبر بقاتله، وتعقب بخفاء الدلالة من هذه القضية، فخوارق العادات لا يستدل بها، بل هذه القضية أقوى في الإثبات من البينة. واحتج أصحاب مالك أيضًا بأن تلك حالة يطلب القاتل فيها غفلة الناس، فلو شرطنا الشهادة، وأبطلنا قول المجروح، أدى ذلك إلى إبطال الدماء غالبًا، قالوا: ولأنها حالة، يتحرى فيها المجروح الصدق، ويتجنب الكذب والمعاصي، ويتزود بالبر والتقوى، فوجب قبول قوله. واختلف المالكية في أنه: هل يكتفي في الشهادة على قوله بشاهد؟ أم لا بد من شاهدين يشهدان بأن المقتول قال ذلك؟ .
الثانية: اللوث: وهو شبه الدلالة على حدث من الأحداث، حيث لا بينة - وبهذا قال مالك والليث والشافعي ومن اللوث شهادة عدل واحد، أو شهادة جماعة ليسوا عدولاً.
الثالثة: أن يشهد عدلان بالجرح، فيعيش بعده أيامًا، ثم يموت قبل أن يفيق منه، قال مالك والليث: هو لوث. وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا قسامة هنا، بل يجب القصاص بشهادة العدلين.
الرابعة: أن يوجد المتهم عند المقتول، أو قريبًا منه، أو آتيًا من جهته، ومعه آلة القتل، وعليه أثره من لطخ دم وغيره، وليس هناك حيوان مفترس، ولا من يمكن إحالة القتل عليه غيره، أو تفترق جماعة عن قتيل، فهذا لوث موجب للقسامة عند مالك والشافعي.
стр. 3595
الخامسة: أن تقتتل طائفتان، فيوجد بينهما قتيل، ففيه القسامة عند مالك والشافعي وأحمد وإسحق، وعن مالك رواية: لا قسامة، بل فيه دية على الطائفة الأخرى، إن كان من إحدى الطائفتين، وإن كان غيرهما فعلى الطائفتين ديته.
السادسة: أن يوجد الميت في زحمة الناس، قال الشافعي: تثبت فيه القسامة، وتجب به الدية، وقال مالك، هو هدر، وقال الثوري وإسحق: تجب دية في بيت المال.
السابعة: أن يوجد في محلة قوم، أو قبيلتهم، أو مسجدهم، فقال مالك والليث والشافعي وأحمد وداود وغيرهم: لا يثبت بمجرد هذا قسامة، بل القتل هدر، لأنه قد يقتل الرجل الرجل، ويلقيه في محل طائفة، لينسب إليهم، قال الشافعي: إلا أن يكون في محلة أعدائه، لا يخالطهم غيرهم، فيكون كالقصة التي جرت بخيبر، فحكم النبي ﷺ بالقسامة لورثة القتيل، لما كان بين الأنصار وبين اليهود من العداوة، ولم يكن هناك سواهم، وعن أحمد نحو قول الشافعي. وقال أبو حنيفة والثوري ومعظم الكوفيين: وجود القتيل في المحلة والقرية يوجب القسامة، ولا تثبت القسامة عندهم في شيء من الصور السبع السابقة إلا هنا، لأنها عندهم هي الصورة التي حكم النبي ﷺ فيها بالقسامة، ولا قسامة عندهم إلا إذا وجد القتيل وبه أثر، قالوا: فإن وجد القتيل في المسجد حلف أهل المحلة، ووجبت الدية في بيت المال، وذلك إذا ادعوا على أهل المحلة.
وحجة الجمهور القياس على هذه الواقعة، والجامع أن يقترن بالدعوى شيء يدل على صدق المدعي، فيقسم معه، ويستحق.
النقطة الثالثة: هل يبدأ الحلف بالمدعين؟ أو بالمدعى عليهم؟ يقول مالك: أجمعت الأئمة في القديم والحديث على أن المدعين يبدءون الحلف في القسامة، لأن جنبة المدعي إذا قويت بشهادة أو شبهة صارت اليمين له، وههنا الشبهة قوية، وقالوا: هذه سنة بحيالها، وأصل قائم برأسه، لحياة الناس، وردع المعتدين، وخالفت الدعاوي في الأموال، فهي على ما ورد فيها، وكل أصل يتبع ويستعمل، ولا تطرح سنة لسنة، واحتجوا بحديث أبي هريرة "البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه، إلا القسامة" وقال القرطبي: الأصل في الدعاوي أن اليمين على المدعى عليه، وحكم القسامة أصل بنفسه، لتعذر إقامة البينة على القتل فيها غالبا، فإن القاصد للقتل يقصد الخلوة، ويترصد الغفلة، ثم ليس هذا خروجًا على الأصل بالكلية، بل لأن المدعى عليه إنما كان القول قوله، لقوة جانبه، بشهادة الأصل له بالبراء مما ادعى عليه، وهو موجود في القسامة في جانب المدعي، لقوة جانبه باللوث، الذي يقوي دعواه.
وذهب من قال بالدية إلى تقديم المدعى عليهم في اليمين، إلا الشافعي وأحمد، فقالا بقول الجمهور: يبدأ بأيمان المدعين، وردها - إن أبوا - على المدعى عليهم، وقال بعكسه أهل الكوفة، وكثير من أهل البصرة، وبعض أهل المدينة، والأوزاعي، فقال: يستحلف من أهل القرية خمسون رجلاً خمسين يمينًا: ما قتلناه، ولا علمنا من قتله، فإن حلفوا برئوا، وإن نقصت قسامتهم عن عدد، أو نكلوا حلف المدعون على رجل واحد، واستحقوا.
стр. 3596
-[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]-
١ - أن أيمان القسامة خمسون يمينًا، واختلف في عدد الحالفين، فقال الشافعي: لا يجب الحق حتى يحلف الورثة خمسين يمينًا، سواء قلوا، أم كثروا، فلو كانوا بعدد الأيمان حلف كل واحد منهم يمينًا، وإن كانوا أقل، أو نكل بعضهم، ردت الأيمان على الباقين، فإن لم يكن إلا واحد، حلف خمسين يمينًا، واستحق، حتى لو كان من يرث بالفرض والتعصيب، أو بالنسب والولاء، حلف واستحق. وقال مالك: إن كان ولى الدم واحدا ضم إليه آخر من العصبة، ولا يستعان بغيرهم، وإن كان الأولياء أكثر حلف منهم خمسون. وقال الليث: لم أسمع أحدًا يقول: إنها تنزل عن ثلاثة أنفس.
قال النووي: قد يقال: كيف عرضت اليمين على الثلاثة - في قوله ﷺ "أتحلفون خمسين يمينًا، فتستحقون صاحبكم" - وإنما يكون اليمين للوارث خاصة؟ والوارث عبد الرحمن خاصة، وهو أخو القتيل، وأما الآخران فابنا عم، لا ميراث لهما مع الأخ؟ والجواب أنه كان معلومًا عندهم، أن اليمين تختص بالوارث، فأطلق الخطاب لهم، والمراد من تختص به اليمين، واحتمل ذلك لكونه معلومًا للمخاطبين، كما سمع كلام الجميع في صورة قتله، وكيفية ما جرى له، وإن كانت حقيقة الدعوى وقت الحاجة مختصة بالوارث. اهـ وقد يكون في هذا حجة لليث في أن الأيمان لا تنقص عن ثلاثة.
ثم قال النووي عن قوله ﷺ "يقسم خمسون منكم على رجل منهم" قال: هذا مما يجب تأويله، لأن اليمين إنما تكون على الوارث خاصة، لا على غيره من القبيلة، وتأويله عند أصحابنا أن معناه: يؤخذ منكم خمسون يمينًا، والحالف هم الورثة، فلا يحلف أحد من الأقارب غير الورثة، يحلف كل الورثة، ذكورًا كانوا أو إناثًا، سواء كان القتل عمدا أم خطأ. هذا مذهب الشافعي، وبه قال أبو ثور وابن المنذر، ووافقهم مالك، إذا كان القتل خطأ، وأما في العمد، فقال: يحلف الأقارب خمسين يمينًا، ولا تحلف النساء ولا الصبيان، ووافقه ربيعة والليث والأوزاعي وأحمد وداود وأهل الظاهر، واحتج الشافعي بقوله ﷺ "تحلفون خمسين يمينًا، فتستحقون صاحبكم" فجعل الحالف هو المستحق للدية والقصاص، ومعلوم أن غير الوارث لا يستحق شيئًا، فدل على أن المراد حلف من يستحق الدية.
٢ - وفيه إثبات القسامة.
٣ - والابتداء بيمين المدعي في القسامة.
٤ - وفيه رد اليمين على المدعى عليه، إذا نكل المدعي في القسامة.
٥ - واستدل بقوله في الرواية الثانية "فيدفع إليكم برمته" على القود والقصاص في القسامة، وقد سبق توجيهه.
٦ - واستدل به على أن القسامة تكون على رجل واحد، لقوله "على رجل منهم" وهو قول أحمد،
стр. 3597
ومشهور قول مالك، وقال الجمهور: يشترط أن تكون على معين، سواء كان واحدًا أم أكثر، واختلفوا: هل يختص القتل بواحد؟ أو يقتل الكل؟ .
٧ - واستدل به الحنفية على جواز سماع الدعوى في القتل على غير معين، لأن الأنصار ادعوا على اليهود أنهم قتلوا صاحبهم، وسمع النبي ﷺ دعواهم، ورد بأن الذي ذكره الأنصاري أولا، ليس على صورة الدعوى بين الخصمين، لأن من شرطها - إذ لم يحضر المدعى عليه - أن يتعذر حضوره.
٨ - وفيه أن من توجهت عليه اليمين، فنكل عنها، لا يقضى عليه، حتى يرد اليمين على الآخر، وهو المشهور عند الجمهور. وعند أحمد والحنفية: يقضى عليه، دون رد اليمين.
٩ - ويؤخذ منه أن مجرد الدعوى لا توجب إحضار المدعى عليه، لأن في إحضاره مشغلة له عن أشغاله، وتضييعًا لماله، من غير موجب ثابت لذلك، أما لو ظهر ما يقوي الدعوى من شبهة ظاهرة، فهل يسوغ استحضار الخصم؟ أولاً؟ محل نظر، والراجح أن ذلك يختلف بالقرب والبعد، وشدة الضرر، وخفته.
١٠ - وفيه الاكتفاء بالمكاتبة، أخذًا من الرواية السادسة.
١١ - والاكتفاء بخبر الواحد، مع إمكان المشافهة.
١٢ - وفيه أن اليمين قبل توجيهها من الحاكم لا أثر لها، لقول اليهود في جوابهم: والله ما قتلناه.
١٣ - وفي قولهم "لا نرضى بأيمان اليهود" استبعاد لصدقهم، لما عرفوه من إقدامهم على الكذب، وجراءتهم على الأيمان الفاجرة.
١٤ - واستدل به على أن الدعوى في القسامة لا بد فيها من عداوة، أو لوث.
١٥ - واستدل بقوله في الرواية الثانية "يقسم خمسون منكم" على أن من يحلف في القسامة لا يشترط أن يكون رجلاً ولا بالغًا، لإطلاق قوله "خمسون" وبه قال ربيعة والثوري والليث والأوزاعي وأحمد، وقال مالك: لا مدخل للنساء في القسامة، لأن المطلوب في القسامة القتل، ولا يسمع من النساء، وقال الشافعي: لا يحلف في القسامة إلا الوارث البالغ، لأنها يمين في دعوى حكمية، فكانت كسائر الأيمان، ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة.
١٦ - واستدل به على تقديم الأسن في الأمور المهمة، إذا كان فيه أهلية لذلك، لا ما إذا كان عريًا عن أهليته لها، ففيه فضيلة السن عند التساوي في الفضائل. قال النووي: ولهذا نظائر، فإنها يقدم بها في الإمامة، وفي ولاية النكاح ندبًا، وغير ذلك.
١٧ - واستدل بقوله "فتحلف لكم يهود" على صحة يمين الكافر والفاسق.
١٨ - ومن قوله "فكره رسول الله ﷺ أن يبطل دمه فوداه ... إلخ" ما كان عليه ﷺ من الكرم، وحسن السياسة، وجلب المصالح، ودرء المفاسد، وتأليف القلوب، ولا سيما عند تعذر الوصول إلى استيفاء الحق.
стр. 3598
١٩ - وفيه استحباب جبر الخاطر، ومواساة المجروحين، فإن أهل القتيل لا يستحقون إلا أن يحلفوا، أو يستحلفوا المدعى عليهم، وقد امتنعوا من الأمرين، وهم مكسورون بقتل صاحبهم.
٢٠ - وفيه أنه ينبغي للإمام مراعاة المصالح العامة، والاهتمام بإصلاح ذات البين.
٢١ - استدل الإمام أبو إسحاق المروزي من الشافعية، بقوله في الرواية الخامسة "من إبل الصدقة"، بجواز صرف الدية من الزكاة، والجمهور على أن الصدقة المفروضة لا تصرف هذا المصرف، بل هي لأصناف سماهم الله تعالى، ووجهه الجمهور بأن معناه: اشتراها من أهل الصدقات، بعد أن ملكوها، ثم دفعها تبرعًا إلى أهل القتيل، وحكى القاضي عياض عن بعض العلماء أنه يجوز صرف الزكاة في المصالح العامة، ونزل الحديث على هذا، وتأوله بعضهم على أن أولياء القتيل كانوا محتاجين، ممن تباح لهم الزكاة، قال النووي: وهذا تأويل باطل، لأن هذا قدر كثير، لا يدفع إلى الواحد، ولأنه سماه دية، وتأوله بعضهم على أنه دفعه من سهم المؤلفة قلوبهم من الزكاة، استئلافًا لليهود، لعلهم يسلمون، وهذا ضعيف، لأن الزكاة لا يجوز صرفها إلى كافر، فالمختار أنه اشتراها من إبل الصدقة.
٢٢ - وفيه أن الحكم بين المسلم والكافر يكون بحكم الإسلام.
٢٣ - وفيه جواز الحكم على الغائب.
٢٤ - وسماع الدعوى في الدماء من غير حضور الخصم.
٢٥ - وجواز اليمين بالظن، وإن لم يتيقن.
٢٦ - واستدل بقوله في الرواية السادسة "إما أن يدوا صاحبكم" على أن الواجب بالقسامة الدية، دون القصاص.
٢٧ - استدل بالحديث على أن القسامة لا يطالب فيها المدعون بالبينة أولا، لأنه لم يرد لها ذكر، وتعقب بأن عدم الذكر لا يدل على عدم الوقوع، فقد يحفظ بعض الرواة ما لم يحفظ الآخر، فعند النسائي" قال رسول الله ﷺ : أقم شاهدين على من قتله، أدفعه إليك برمته. قال: يا رسول الله، أنى أصيب شاهدين؟ وإنما أصبح قتيلاً على أبوابهم؟ قال: فتحلف خمسين قسامة ... إلخ". وعند أبي داوود: "أصبح رجل من الأنصار بخيبر مقتولاً، فانطلق أولياؤه إلى النبي ﷺ ، فقال: شاهدان يشهدان على قتل صاحبكم. قالوا: لم يكن ثم أحد من المسلمين، وإنما هم اليهود، وقد يجترئون على أعظم من هذا" فتحمل رواياتنا على أنه طلب البينة أولاً فلم تكن لهم بينة، فعرض الأيمان. أما قول بعضهم: إن ذكر البينة في بعض الروايات وهم، لأنه قد علم أن خيبر حينئذ لم يكن بها أحد من المسلمين، فهو مردود، فإنه لو سلم أنه لم يسكن مع اليهود أحد من المسلمين، فإنه ثبت في نفس القصة أن المسلمين كانوا يدخلونها لمصالحهم وتجاراتهم.
واللَّه أعلم
стр. 3599
(٤٤٢) باب المحاربين والمرتدين
٣٨٢٩ - عن أنس بن مالك ﵁ أن ناسًا من عرينة قدموا على رسول الله ﷺ المدينة فاجتووها. فقال لهم رسول الله ﷺ "إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصدقة فتشربوا من ألبانها وأبوالها" ففعلوا؛ فصحوا. ثم مالوا على الرعاة فقتلوهم وارتدوا عن الإسلام وساقوا ذود رسول الله ﷺ . فبلغ ذلك النبي ﷺ فبعث في أثرهم فأتي بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم في الحرة حتى ماتوا.
٣٨٣٠ - عن أنس ﵁ أن نفراً من عكل ثمانية قدموا على رسول الله ﷺ فبايعوه على الإسلام، فاستوخموا الأرض وسقمت أجسامهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فقال "ألا تخرجون مع راعينا في إبله فتصيبون من أبوالها وألبانها؟ " فقالوا: بلى. فخرجوا فشربوا من أبوالها وألبانها فصحوا، فقتلوا الراعي وطردوا الإبل. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فبعث في آثارهم فأدركوا فجيء بهم. فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمر أعينهم ثم نبذوا في الشمس حتى ماتوا وقال ابن الصباح في روايته "واطردوا النعم" وقال "وسمرت أعينهم".
٣٨٣١ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: قدم على رسول الله ﷺ قوم من عكل أو عرينة فاجتووا المدينة؛ فأمر لهم رسول الله ﷺ بلقاح وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها. بمعنى حديث حجاج بن أبي عثمان قال: وسمرت أعينهم وألقوا في الحرة يستسقون فلا يسقون.
٣٨٣٢ - عن أبي قلابة قال: كنت جالسًا خلف عمر بن عبد العزيز، فقال للناس: ما
стр. 3600
تقولون في القسامة؟ فقال عنبسة: قد حدثنا أنس بن مالك كذا وكذا. فقلت: إياي حدث أنس قدم على النبي ﷺ قوم وساق الحديث بنحو حديث أيوب وحجاج. قال أبو قلابة: فلما فرغت قال عنبسة سبحان الله. قال أبو قلابة فقلت: أتتهمني يا عنبسة؟ قال: لا. هكذا حدثنا أنس بن مالك لن تزالوا بخير يا أهل الشام مادام فيكم هذا أو مثل هذا.
٣٨٣٣ - - وفي رواية عن أنس بن مالك ﵁ قال: قدم على رسول الله ﷺ ثمانية نفر من عكل بنحو حديثهم وزاد في الحديث "ولم يحسمهم".
٣٨٣٤ - عن أنس ﵁ قال: أتى رسول الله ﷺ نفر من عرينة فأسلموا وبايعوه وقد وقع بالمدينة الموم (وهو البرسام) ثم ذكر نحو حديثهم وزاد وعنده شباب من الأنصار قريب من عشرين فأرسلهم إليهم وبعث معهم قائفًا يقتص أثرهم.
٣٨٣٥ - - عن أنس وفي حديث همام قدم على النبي ﷺ رهط من عرينة. وفي حديث سعيد من عكل وعرينة بنحو حديثهم.
٣٨٣٦ - عن أنس ﵁ قال: إنما سمل النبي ﷺ أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاء.
-[المعنى العام]-
إن السارق يعتدي على المال، فتقطع يده، وإن القاتل يقتل قصاصًا، فماذا لقاطع الطريق الذي يعتدي على المال؟ ويقتل؟ ويلقي الرعب في قلوب الناس؟ هؤلاء الذين يحاربون الله ورسوله، ويسعون في الأرض فسادًا، وقد بينت الآية الكريمة جزاءهم ﴿أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض﴾ [المائدة: ٣٣].
وفي هذه القصة، ثمانية من أهل البوادي، أكرمهم النبي ﷺ ، وآواهم، وأطعمهم، وسقاهم، تحايلوا للإفساد في الأرض، وبيتوا نية الغدر، والغصب والقتل، فطلبوا من رسول الله ﷺ أن يخرجوا مع
стр. 3601
الرعاة، رعاة إبل الصدقة، وإبل رسول الله ﷺ ، بحجة أن أجسامهم سقمت في المدينة، فهم أبناء الصحراء والبوادي، وبحجة أن أمراضهم شفيت بشرب لبن الإبل وبولها، وهم مع الرعاة يجدون حاجتهم من الأبوال والألبان، وأذن لهم رسول الله ﷺ ، فخرجوا، ولما بعدوا عن المدينة، وانقطعوا في المراعي النائية، سولت لهم نفوسهم الشريرة، وسول لهم الشيطان أن يقتلوا الراعيين، ويستولوا على الإبل، ويسوقوها إلى حيث يأمنون، بعيدًا عن سلطات محمد ﷺ وأتباعه، إنهم ثمانية رجال، وإن الرعاة غلامان ضعيفان، والإبل فوق الأربعين، غنيمة كبرى، بعدوان بسيط، لقد استفردوا بأحد الغلامين فقيدوه، وفقئوا عينيه لئلا يرى، لكنه صرخ واستغاث، فذبحوه، ورأى الغلام الثاني الجريمة من بعيد، ففر هاربًا إلى المدينة، ولم يشغلوا أنفسهم بمحاولة اللحاق به، فهو أسرع، وأصح نشاطًا وحيوية، فاستاقوا الإبل إلى حيث يقصدون.
وبلغ الغلام رسول الله ﷺ ما حدث، وكان معه عشرون من شباب المسلمين الأشداء الفوارس، فثارت نفوسهم أن يلحقوا بهم، فبعث رسول الله ﷺ معهم قائفًا، يعرف الأثر، ليدلهم على الطريق الذي سلكوه، وما هي إلا ساعات حتى أدركوهم، ولم يمض يوم حتى كانوا بين يدي رسول الله ﷺ ، فحكم فيهم بحكم الله، أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وأن يقتص منهم بفقء عيونهم، وأن يتركوا في شمس الصحراء حتى يموتوا، وكان في ذلك الجزاء الأمن والأمان، لأبناء المجتمع الإسلامي، والعقوبة الرادعة لمن تسول له نفسه من الأشقياء السعي في الأرض بالفساد.
-[المباحث العربية]-
(أن ناسًا من عُرَينة) بضم العين وفتح الراء، مصغر، اسم قبيلة، أوحى من بجيلة، وفي الرواية الثانية "أن نفرًا من عكل" بضم العين وسكون الكاف، وهي قبيلة من تيم الرباب، وفي الرواية الثالثة "قوم من عكل أو عرينة" بأو، وفي الرواية الخامسة "نفر من عرينة" وفي ملحق الرابعة "نفر من عكل" وفي ملحق الخامسة "رهط من عرينة" وفي ملحقها "من عكل وعرينة" والظاهر أن بعضهم كان من عكل، وبعضهم كان من عرينة فحين ذكرت واحدة قصدت الثانية معها، وحين ذكرت "أو" كانت بمعنى الواو. وكان عددهم "ثمانية" كما جاء في الرواية الثانية، وملحق الرواية الرابعة.
(قدموا على رسول اللَّه ﷺ المدينة) ليعلنوا إسلامهم، ويبايعوه، كما جاء في الرواية الثانية والخامسة، وكان قدومهم في شوال أو ذي القعدة سنة ست من الهجرة.
(فاجتووا المدينة) يقال: اجتويت البلد، إذا كرهت المقام فيه، أو تضررت بالإقامة فيه، وفي الرواية الثانية "فاستوخموا الأرض" أي أرض المدينة، وهو بمعنى اجتووا. وعند البخاري "فقالوا: يا نبي الله، إنا كنا أهل ضرع" أي رعاة إبل وبقر في البرية "ولم نكن أهل ريف" أي أهل إقامة وزراعة، كما هو الحال في المدينة، وفي رواية له أيضًا "إن ناسًا كان بهم سقم، قالوا: يا رسول الله آونا وأطعمنا، فلما صحوا قالوا: إن المدينة وخمة" أما السقم
стр. 3602
الذي كان بهم فهو الهزال الشديد من الجوع والجهد، ففي رواية "كان بهم هزال شديد" وفي رواية "مصفرة ألوانهم" وفي رواية أنهم أقاموا في الصفة.
(وسقمت أجسامهم) أي بعد أن صحت أجسامهم من الهزال، أصابهم مرض، كان قد انتشر بالمدينة، ففي الرواية الخامسة "وقد وقع بالمدينة الموم" بضم الميم وسكون الواو "وهو البرسام" بكسر الباء وسكون الراء، سرياني معرب، أطلق على اختلال العقل، وعلى ورم الرأس، وعلى ورم الصدر، والمراد منه هنا ورم الصدر، ففي رواية "فعظمت بطونهم".
(فقال لهم رسول الله ﷺ : إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصدقة، فتشربوا من ألبانها وأبوالها؟ ففعلوا، وصحوا) بفتح الصاد وتشديد الحاء المضمومة، وكان هذا العرض من النبي ﷺ بناء على شكواهم من الإقامة في المدينة وطلبهم الخروج إلى البادية، ففي الرواية الثانية "فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فقال: ألا تخرجون مع راعينا في إبله، فتصيبون من أبوالها وألبانها؟ فقالوا: بلى. فخرجوا، فشربوا من أبوالها وألبانها، فصحوا" وفي رواية عند أبي عوانة، أنهم بدءوا بطلب الخروج إلى اللقاح -ولعلهم بيتوا نية الشر- "فقالوا: يا رسول الله، قد وقع بنا هذا الوجع، فلو أذنت لنا، فخرجنا إلى الإبل؟ وفي رواية للبخاري أنهم طلبوا لبنًا كثيرًا "فقال لهم: ما أجد لكم إلا أن تلحقوا بالذود" وفي الرواية الثالثة "فأمر لهم رسول الله ﷺ بلقاح" واللقاح بكسر اللام هي النوق ذوات الألبان، واحدها لقحة بكسر اللام وسكون القاف، أي أمر لهم، وأذن لهم بشرب لبن اللقاح، وفي الرواية الأولى "أن تخرجوا إلى إبل الصدقة" وفي الرواية الثانية "ألا تخرجون مع راعينا في إبله ... " وفي رواية البخاري "ألا أن تلحقوا بإبل رسول الله ﷺ " وقال الحافظ ابن حجر: والجمع بينهما أن إبل الصدقة كانت ترعى خارج المدينة، وصادف بعث النبي ﷺ بلقاحه إلى المرعى طلب هؤلاء النفر الخروج إلى الصحراء، لشرب ألبان الإبل، فأمرهم أن يخرجوا مع راعيه، فخرجوا معه إلى إبل الصدقة. وذكر ابن سعد أن عدد لقاحه ﷺ كانت خمس عشرة، وأنهم نحروا منها واحدة.
(ثم مالوا على الرعاء، فقتلوهم) في الرواية الثانية "فقتلوا الراعي" وفي رواية "فقتلوا أحد الراعيين، وجاء الآخر، قد جزع، فقال: قد قتلوا صاحبي، وذهبوا بالإبل" ولم تختلف روايات البخاري في أن المقتول راعي النبي ﷺ ، وكان اسمه يسار - بفتح الياء والسين المخففة، كان غلامًا للنبي ﷺ ، فرآه يحسن الصلاة فأعتقه، وبعثه في لقاح له، قال الحافظ ابن حجر: فيحتمل أن إبل الصدقة كان لها رعاة، فقتل بعضهم مع راعي لقاح النبي ﷺ ، فاقتصر بعض الرواة على راعي النبي ﷺ ، وذكر بعضهم معه غيره، ويحتمل أن يكون بعض الرواة ذكر الحديث بالمعنى، فتجوز في الإتيان بصيغة الجمع، وهذا أرجح، لأن أصحاب المغازي لم يذكر أحد منهم أنهم قتلوا غير يسار. اهـ وفي بعض النسخ "الرعاة" بضم الراء وبالتاء، وهما لغتان.
стр. 3603
(وساقوا ذود النبي ﷺ الذود القطيع من الإبل، قيل: من الثلاث إلى العشر. وفي الرواية الثانية "وطردوا الإبل" أي ساقوها أمامهم، وفي ملحقها "واطردوا النعم" أي جعلوها تطرد وتتابع أمامهم، وفي رواية للبخاري "واستاقوا النعم".
(فبلغ ذلك النبي ﷺ في رواية للبخاري "فجاء الخبر في أول النهار" وسبق أن الذي جاء بالخبر أحد الرعاة.
(فبعث في إثرهم) وفي الرواية الثانية "فبعث في آثارهم" والإثر بكسر الهمزة العقب، والأثر بفتح الهمزة والتاء وجمعه آثار بقية الشيء وما تخلف عنه، فالمعنى بعث وراءهم من يلحقهم ويأتي بهم، أو بعث من يتتبع آثارهم حتى يلحقهم، وفي ملحق الرواية الخامسة "وعنده شباب من الأنصار، قريب من عشرين، فأرسلهم إليهم، وبعث معهم قائفًا يقتفي أثرهم".
(فأتى بهم) في الرواية الثانية "فأدركوا، فجيء بهم" أي أسارى. فاعترفوا.
(فقطع أيديهم وأرجلهم) في الرواية الثانية "فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم" يعني قطع يدا كل واحد ورجلاه من خلاف. وفي ملحق الرواية الرابعة "ولم يحسمهم" أي لم يكو ما قطع منهم بالنار، لينقطع الدم، بل تركه ينزف، كما فعلوا بالراعي أو الرعاة.
(وسمل أعينهم) بفتح السين والميم مخففة، والسمل فقء العين بأي شيء كان، وفي الرواية السادسة "إنما سمل النبي ﷺ أعين أولئك، لأنهم سملوا أعين الرعاء" وفي الرواية الثانية "وسمر أعينهم" بضم السين وكسر الميم مخففة، مبني للمجهول، وفي ملحقها "وسمرت أعينهم" بضم السين وتشديد الميم المكسورة. مبني للمجهول أيضًا، ولم يؤنث الفعل تارة، وأنث أخرى، لأن نائب الفاعل مجازي التأنيث. وتسمير الأعين لغة في سملها، ومخرجهما متقارب، وقد يكون من المسمار، يريد أنهم كحلوا بمسامير قد أحميت، ففي رواية عند البخاري "ثم أمر بمسامير، فأحميت، فكحلهم بها" ولا يخالف ذلك رواية السمل، لأنه فقء العين بأي شيء كان.
(وتركهم في الحرة حتى ماتوا) "الحرة" بفتح الحاء وتشديد الراء المفتوحة أرض ذات حجارة سود، كأنها أحرقت. والمقصود منها هنا موضع بظاهر المدينة بهذه الصفة معروف. وفي الرواية الثانية "ثم نبذوا في الشمس حتى ماتوا"، وفي الرواية الثالثة "وألقوا في الحرة، يستسقون فلا يسقون" وفي رواية "يعضون الحجارة" وفي رواية "يعض الأرض، ليجد بردها، مما يجد من الحر والشدة" وفي البخاري "قال أنس: فرأيت الرجل منهم يكدم الأرض بلسانه حتى يموت".
-[فقه الحديث]-
يقول الله تعالى ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض﴾
стр. 3604
أخرج عبد الرزاق عن قتادة، قال: بلغنا أن هذه الآية نزلت في العرنيين، وذهب جمهور الفقهاء إلى أنها نزلت فيمن خرج من المسلمين، يسعى في الأرض فسادًا، ويقطع الطريق، وهو قول مالك والشافعي والكوفيين.
قال الحافظ ابن حجر: والمعتمد أن الآية نزلت أولاً في العرنيين، وهي تتناول بعمومها من حارب من المسلمين بقطع الطريق، لكن عقوبة الفريقين مختلفة، فإن كانوا كفارًا يخير الإمام فيهم، إذا ظفر بهم، وإن كانوا مسلمين، فعلى قولين. أحدهما وهو قول الشافعي والكوفيين: ينظر في الجناية، فمن قتل قتل، ومن أخذ المال قطع، ومن لم يقتل، ولم يأخذ مالاً نفى، وجعلوا "أو" للتنويع.
وقال مالك: بل هي للتخيير، فيتخير الإمام في المحارب المسلم بين الأمور الثلاثة. واختلفوا في المراد بالنفي في الآية، فقال مالك والشافعي: يخرج من بلد الجناية إلى بلد أخرى، زاد مالك: فيحبس فيها.
وعن أبي حنيفة: بل يحبس في بلده.
أما المثلة التي وقعت بهم فقد مال ابن الجوزي وجماعة إلى أن ذلك وقع عليهم على سبيل القصاص، وروايتنا السادسة تشير إلى ذلك، وقد نقل أهل المغازي أنهم مثلوا بالراعي.
وذهب آخرون إلى أن ذلك منسوخ بحديث النهي عن المثلة، فقد قال عنه ابن شاهين: أنه ينسخ كل مثلة. وتعقبه ابن الجوزي بأن ادعاء النسخ يحتاج إلى تاريخ، ومال الحافظ ابن حجر إلى أن التاريخ ثابت، فقد نقل قتادة عن ابن سيرين أن قصتهم كانت قبل أن تنزل الحدود، ولموسى بن عقبة في المغازي: وذكروا أن النبي ﷺ نهى بعد ذلك عن المثلة، وإلى هذا مال البخاري، وحكاه إمام الحرمين في النهاية عن الشافعي واستشكل القاضي عياض عدم سقيهم الماء، للإجماع على أن من وجب عليه القتل، فاستسقى، لا يمنع.
وأجاب بأن ذلك لم يقع عن أمر النبي ﷺ ، ولا وقع منه نهي عن سقيهم. قال الحافظ: وهو ضعيف جدًا، لأن النبي ﷺ اطلع على ذلك، وسكوته كاف في ثبوت الحكم. وأجاب النووي بأن المحارب المرتد لا حرمة له في سقي الماء ولا غيره.
وقال الخطابي: إنما فعل النبي ﷺ بهم ذلك، لأنه أراد بهم الموت بذلك، وقيل: إن الحكمة في تعطيشهم لكونهم كفروا نعمة سقي ألبان الإبل، التي حصل لهم بها الشفاء من الجوع والوخم.
وقد احتج بهذا الحديث من قال بطهارة بول ما يؤكل لحمه، لشربهم بول الإبل، ويقاس على الإبل بول مأكول اللحم، وهذا قول مالك وأحمد وطائفة من السلف، ووافقهم من الشافعية ابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان والاصطرخي والروياني.
وذهب الشافعي والجمهور إلى القول بنجاسة الأبوال والأرواث كلها، من مأكول اللحم وغيره قال ابن العربي: وقد تعلق بهذا الحديث من قال بطهارة أبوال الإبل، وعورضوا بأنه أذن لهم في شربها
стр. 3605
للتداوي، وتعقب بأن التداوي ليس حال ضرورة، قال الحافظ ابن حجر: بل هو حال ضرورة إذا أخبره بذلك من يعتمد على خبره، وما أبيح للضرورة لا يسمى حرامًا وقت تناوله.
فإن قالوا: لو كان نجسًا ما جاز التداوي به، لقول النبي ﷺ "إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليهم" رواه أبو داود، والنجس حرام، فلا يتداوى به، لأنه غير شفاء، فالجواب أن الحديث محمول على حالة الاختيار، وأما في حالة الضرورة فلا يكون حرامًا، كالميتة للمضطر.
وقد روى ابن المنذر عن ابن عباس مرفوعًا "إن في أبوال الإبل شفاء لذربة بطونهم" والذرب فساد المعدة.
واستشكل الإذن لهم من شرب لبن الصدقة، وأجيب بأن ألبانها للمحتاجين من المسلمين، وهؤلاء إذ ذاك منهم.
-[وفي الحديث غير ما تقدم]-
١ - قدوم الوفود على الإمام.
٢ - ونظره في مصالحهم.
٣ - ومشروعية الطب والتداوي بألبان الإبل وأبوالها.
٤ - وأن كل جسد يداوى بما اعتاده.
٥ - وقتل الجماعة بالواحد، سواء قتلوه غيلة أو حرابة، إن قلنا: إن قتلهم كان قصاصًا.
٦ - وفيه المماثلة في القصاص، وليس ذلك من المثلة المنهي عنها.
٧ - وثبوت حكم المحاربة في الصحراء وأما في القرى ففيه خلاف.
٨ - وفيه العمل بقول القائف، وللعرب في ذلك معرفة تامة.
٩ - وفيه الحزم والشدة مع أعداء الله، واستبعاد الرحمة في تنفيذ الحدود، ففي ذلك مصلحة المجتمع.
١٠ - وفيه أن المدينة تنفي خبثها، كما جاء في الحديث الشريف.
واللَّه أعلم
стр. 3606
(٤٤٣) باب القصاص في القتل بالحجر وغيره
٣٨٣٧ - عن أنس بن مالك ﵁ أن يهوديًا قتل جارية على أوضاح لها، فقتلها بحجر. قال: فجيء بها إلى النبي ﷺ وبها رمق. فقال لها "أقتلك فلان" فأشارت برأسها أن لا، ثم قال لها الثانية فأشارت برأسها أن لا، ثم سألها الثالثة. فقالت: نعم وأشارت برأسها. فقتله رسول الله ﷺ بين حجرين.
٣٨٣٨ - - وفي رواية عن شعبة بهذا الإسناد نحوه وفي حديث ابن إدريس فرضخ رأسه بين حجرين.
٣٨٣٩ - عن أنس ﵁ أن رجلاً من اليهود قتل جارية من الأنصار على حلي لها، ثم ألقاها في القليب ورضخ رأسها بالحجارة. فأخذ، فأتي به رسول الله ﷺ ، فأمر به أن يرجم حتى يموت فرجم حتى مات.
٣٨٤٠ - عن أنس بن مالك ﵁ أن جارية وجد رأسها قد رض بين حجرين. فسألوها من صنع هذا بك؟ فلان؟ فلان؟ حتى ذكروا يهوديًا فأومت برأسها فأخذ اليهودي فأقر، فأمر به رسول الله ﷺ أن يرض رأسه بالحجارة.
-[المعنى العام]-
النفوس البشرية الشريرة موجودة في كل مجتمع، وتزيد ويعظم شرها إذا لم تؤخذ بجريرتها، وتعاقب عقوبة رادعة، وإذا كان الإسلام قد غرس في نفوس أبنائه الوازع الداخلي، والخوف من الله، ومراقبته في السر والعلن، فإن غير المسلمين أول الإسلام، وبخاصة اليهود لم يكن عندهم وازع سوى الأحكام الدنيوية فإذا أحس الواحد منهم غفلة القانون والحكام، راح يرتكب أبشع الجرائم، لأتفه الأسباب.
стр. 3607
وقصة هذا الحديث تحكي مدى ما وصل إليه اليهود من المادية ولتجدنهم أحرص الناس على حياة وأحرص الناس على المال، وارتكاب أفظع الجنايات من أجل عرض حقير.
هذا يهودي يسكن الجزيرة العربية، ويجاور المسلمين بالمدينة، يرى صبية صغيرة، لم تبلغ الحلم، تبتعد قليلاً عن العمران، ربما كانت ترعى بعض غنمها، يراها وعليها بعض الحلي الفضية، حلق وخلخال مثلاً، بل ربما أسورة وقلادة، وماذا يساوي هذا القدر من الفضة؟ لكنه في نظر اليهودي كنز يضحي من أجله بالكثير، ربما حاول إغراء الصبية وخداعها لتعطيه حليها بوجه أو بآخر، ففشل، وربما حاول خلع حليها من أطرافها فامتنعت، وقاومت فلجأ إلى القوة، مستغلاً انقطاع الساحة من البشر، وخلوها ممن يمكن أن ينجد المسكينة، مهما صرخت واستغاثت، لقد أمسك حجرًا كبيرًا فضربها على رأسها، فسقطت برأسها على الأحجار، مغشيًا عليها، فسلبها ما على جسدها من حلي، وخاف أن تفيق فتبلغ عنه، فحملها وألقاها في بئر، ولم يكتف بذلك بل أخذ يرجمها بالحجارة، حتى ظن أنها فارقت الحياة. فانصرف، وتركها. وأفاقت يسيل دمها، وجراحها تؤلمها، فصرخت وصرخت، وسمعها أحد المارة، فأخرجها من البئر، وحملها إلى أهلها بالمدينة، الذين حملوها إلى النبي ﷺ ، وأرشد منقذها عن مكان حادثتها، والقوم يعرفون من يتردد على هذا المكان، أو من يسكنه، فأرشدوا رسول الله ﷺ عن أسماء أناس، تنحصر الشبهة فيهم، فعرضهم رسول الله ﷺ عليها واحدًا واحدًا، لكنها لا تستطيع الكلام مما بها، فكانت تشير برأسها حين يذكر لها الاسم: ليس هو، حتى ذكر اسم قاتلها، فأشارت بنعم، فجيء به، وضيق عليه الخناق، فأقر وأعترف، وقام بتمثيل ما فعله بها، فحكم الرسول ﷺ بالقصاص، فربطت رأسه إلى حجر كبير، ثم رجمت رأسه بالحجارة حتى مات. جزاء وفاقا ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ [البقرة: ١٩٤].
﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ [النحل: ١٢٦] ﴿ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون﴾ [البقرة: ١٧٩].
-[المباحث العربية]-
(أن يهوديًا قتل جارية) الجارية تطلق على الحرة والأمة، في سن الغلام دون البلوغ، والظاهر هنا أنها كانت حرة ففي الرواية الثانية "جارية من الأنصار".
(على أوضاح لها) أي بسبب أوضاح، وهي جمع وضح، والأوضاح حلي الفضة، أي قتلها من أجل أوضاح وحلي من فضة كانت عليها، وفي الرواية الثانية "على حلي لها" وفي رواية للبخاري "خرجت جارية عليها أوضاح بالمدينة" وفي رواية له "عدا يهود على جارية، فأخذ أوضاحًا كانت عليها، ورضخ رأسها".
стр. 3608
(فقتلها بحجر) في الرواية الثانية "ألقاها في القليب - أي البئر - ورضخ رأسها بالحجارة" وفي الرواية الثالثة "وجد رأسها قد رض بين حجرين" وفي رواية للبخاري "فرماها يهودي بحجر" ويجمع بينها بأنه رماها بحجر، فأصاب رأسها، فسقطت على حجر آخر، فألقاها في البئر، وضرب رأسها بالحجارة، والتعبير بـ"فقتلها" باعتبار ما آلت إليه، وإلا فحين ضربها لم يقتلها، وإنما آل أمرها إلى القتل نتيجة الإصابة.
والرضخ، والرض بمعنى.
(فجيء بها إلى النبي ﷺ ، وبها رمق) الرمق بقية الحياة والروح.
(فقال لها: أقتلك فلان؟ ) القائل هو رسول الله ﷺ ، ففي رواية للبخاري "فقال لها رسول الله ﷺ : فلان قتلك"؟ ولا مانع أن يكون غيره ﷺ قد اشترك في سؤالها، ففي الرواية الثالثة "فسألوها من صنع هذا بك؟ " و"فلان" كناية عن اسم من الأسماء ذكر لها.
(فأشارت برأسها: أن لا) معناه أنها لم تكن تستطيع أن تنطق، فهزت رأسها يمينًا وشمالاً تفيد النفي و"أن" مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، وخبرها ما دلت عليه "لا" أي أشارت إشارة يستفاد منها ما يستفاد منها لو نطقت بقولها: الحال والشأن لم يقتلها فلان المذكور.
(ثم قال لها الثانية، فأشارت برأسها: أن لا) أي قال لها المرة الثانية: أقتلك فلان؟ كناية عن اسم آخر غير الأول. وفي الرواية الثالثة "فلان؟ فلان؟ " وفي رواية للبخاري "من فعل بك هذا؟ أفلان؟ أفلان؟ " وفي رواية "فلان قتلك؟ فرفعت رأسها - أي أشارت: لا - فأعاد، فقال: فلان قتلك؟ فرفعت رأسها، فقال لها في الثالثة: فلان قتلك؟ فخفضت رأسها".
(ثم سألها الثالثة فقالت: نعم، وأشارت برأسها) أي أشارت برأسها بما يفيد نعم، أي خفضتها مرة أو مرتين، وفي الرواية الثالثة "حتى ذكروا يهوديًا - أي ذكروا لها اسم يهودي في المرة الثالثة - فأومأت برأسها" أي نعم.
وفي رواية للبخاري "حتى سمى اليهودي".
(فقتله رسول الله ﷺ بين حجرين) معطوف على محذوف، تقديره: فطلب اليهودي، فأخذ، فأتى به رسول الله ﷺ ، فطلب منه أن يعترف، فتلكأ، فلم يزالوا به برفق ولطف حتى اعترف، وأقر، فقتله، أي أمر بقتله بين حجرين، وفي ملحق الرواية "فرضخ رأسه بين حجرين" وفي الرواية الثانية "فأمر به أن يرجم حتى يموت، فرجم حتى مات" وفي الرواية الثالثة "فأمر رسول الله ﷺ أن يرض رأسه بالحجارة" ولا تنافي بين هذه الروايات، إذ يجمعها أنه نام ورأسه على حجر مربوط به، وأمر بقذفه بالحجارة، فدق رأسه بين حجر تحته، وحجر رجم به.
стр. 3609
-[فقه الحديث]-
احتج الجمهور بهذا الحديث على أن القاتل يقتل بما قتل به، وتمسكوا بقوله تعالى ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ وبقوله تعالى ﴿فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾
وخالف في ذلك الكوفيون، واحتجوا بحديث "لا قود إلا بالسيف" وهو ضعيف، وطرقه كلها ضعيفة، وعلى تقدير ثبوته، فإنه على خلاف قاعدتهم في أن السنة لا تنسخ الكتاب، ولا تخصصه.
واستدلوا بحديث النهي عن المثلة، وهو صحيح، لكنه محمول عند الجمهور على غير المماثلة في القصاص، جمعا بين الدليلين.
وتفرع على القتل بمثقل كحجر أو عصا أو حديدة خلاف بين الفقهاء في مسألتين: الأولى: متى يعتبر هذا القتل عمدًا؟ ومتى لا يعتبر؟ فقال عطاء وطاووس: شرط العمد أن يكون بسلاح، إذن القتل بحجر أو عصا أو حديدة ليس عمدًا على الإطلاق.
وقال الحسن البصري والشعبي والنخعي والحكم وأبو حنيفة ومن تبعهم: شرط أن يكون بحديدة، والحديث يرد عليهم، وقد أجاب بعض الحنفية بأن هذا الحديث لا دلالة فيه على المماثلة في القصاص، لأن المرأة كانت حية، والقود لا يكون في حي، ورد بأنه إنما أمر بقتله بعد أن ماتت، فكان قصاصًا.
وقال ابن المنذر: قال الأكثر: إذا قتله بشيء يقتل مثله غالبًا، فهو عمد.
وقال ابن أبي ليلى: إن قتل بالحجر أو العصا ففيه نظر: إن كرر ذلك فهو عمد، وإلا فلا. وهذا غير مسلم، فقد يكون تأثير حجر واحد أقوى من تأثير مائة حجر، وكذلك العصا، وكلام ابن المنذر يتفق مع حديث المرأة التي رمت ضرتها بعمود الفسطاط، فقتلتها، فإن النبي ﷺ جعل فيها الدية.
المسألة الثانية: اختلف القائلون بالقصاص بما قتل به، فيما إذا استعمل ما قتل، فلم يقتل، كرجل ضرب رجلاً بعصا مرة واحدة، فقتله، فأقيد، فضرب بالعصا، فلم يمت، هل يكرر عليه حتى يموت؟ فقيل: لا يكرر، وقيل: إن لم يمت قتل بالسيف.
وماذا لو قتل رجل رجلاً بمحرم، كخمر ولواط وتحريق، قال ابن العربي: يستثنى من المماثلة ما كان فيه معصية، قال الحافظ ابن حجر: الأولان بالاتفاق، وفي الثالث خلاف عند الشافعية.
والحديث ظاهر في جواز سؤال الجريح: من جرحك؟ قال النووي: وفائدة السؤال أن يعرف المتهم، ليطالب، فإن أقر ثبت عليه القتل، وإن أنكر فالقول قوله مع يمينه، ولا يلزمه شيء بمجرد قول المجروح. هذا مذهبنا ومذهب الجماهير، وقد سبق في القسامة. ومذهب مالك ثبوت القتل على المتهم بمجرد قول المجروح، وتعلقوا بهذا الحديث، وهذا تعلق باطل، لأن اليهودي اعترف، كما صرح به مسلم في إحدى رواياته، فقتل باعترافه.
стр. 3610
قال الحافظ ابن حجر: وادعى ابن المرابط، من المالكية، أن هذا الحكم كان في أول الإسلام، وهو قبول قول القتيل، قال: وأما ما جاء أنه اعترف، فهو في رواية قتادة، ولم يقله غيره، وهذا مما عد عليه. اهـ قال الحافظ: ولا يخفى فساد هذه الدعوى، فقتادة حافظ، وزيادته مقبولة، لأن غيره لم يتعرض لنفيها، فلم يتعارضا، والنسخ لا يثبت بالاحتمال.
واستدل بالحديث على وجوب القصاص على الذمي، وتعقب بأنه ليس فيه تصريح بكونه ذميًا، فيحتمل أن يكون معاهدًا أو مستأمنًا.
وفي الحديث قتل الرجل بالمرأة. قال النووي: وهذا إجماع من يعتد به. اهـ وقال ابن المنذر: أجمعوا على أن الرجل يقتل بالمرأة، إلا رواية عن علي وعن الحسن وعطاء، وخالف الحنفية فيما دون النفس.
واللَّه أعلم
следующие страницы →