Полный текст (6 200 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
(٧١) باب الحث على المبادرة بالأعمال
١٩٩ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم. يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا. أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا. يبيع دينه بعرض من الدنيا".
-[المعنى العام]-
يلهب رسول الله ﷺ عزائم المؤمنين إلى العمل الصالح، ويحذرهم من التراخي مع التمكن، ويخوفهم من تأخير طاعات اليوم إلى الغد، فلا يدري المسلم ما يأتي به غده، فما أكثر الأمراض بعد الصحة، وما أكثر الفقر بعد الغنى، وما أسرع الشيب بعد الشباب، وما أكثر مشاغل الدنيا بعد الفراغ، ويخوف رسول الله ﷺ بما هو أدهى من كل ذلك، بمستقبل للمسلمين مظلم ظلام الليل، لا يميزون فيه الخطأ من الصواب، ولا يحققون فيه الأمور، بل ينجرفون وراء تيارات الفتن، وينزلقون وراء الهوى، وينقادون لأهواء الحياة وزينتها، فيبيعون دينهم بعرض حقير، ويخسرون آخرتهم بدنياهم. يخوف رسول الله ﷺ من هذا المستقبل الغامض، الذي تتطاير فيه الفتن تطاير النار والشرر، فتحرق من تحرق، وتزعج من تزعج، هنالك يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، أو يمسي مؤمنا فتحرقه الفتنة فيصبح كافرا.
فليحذر المؤمن، وليبادر الكيس بالعمل الصالح، وليسابق الزمن بفعل الحسنات قبل أن يفوت الأوان، فيقول: ﴿يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين﴾ [الزمر: ٥٦] أو يقول: لو أن لي عمرا لأكونن من العاملين. أو يقول: لولا أخرني ربي إلى أجل قريب فأصدق وأكون من الصالحين. ﴿ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون﴾ [المنافقون: ١١].
-[المباحث العربية]-
(بادروا بالأعمال فتنا) أي: سابقوا بالأعمال الصالحة فتنا، فاسبقوا بأعمالكم هذه الفتن، والفتنة هي الابتلاء والاختبار، ووسائله كثيرة متعددة، يأتي توضيحها في فقه الحديث.
(كقطع الليل المظلم) كناية عن شدتها، وهول الخوف منها، وإبهام الأمر فيها، وضعف الوصول إلى الحق، وسرعة الوقوع في الباطل، ووصف الليل بالمظلم للتأكيد.
стр. 387
(يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا) شك من الراوي في أي اللفظين صدر عن الرسول ﷺ ، وكل من اللفظين يدل على تحول من حالة الإيمان إلى حالة الكفر فيما بين الليل والنهار، وليس الليل والنهار مقصودين، بل هما كناية عن سرعة التحول، إذ يمكن أن يكون بين الصبح والظهر، أو بين الظهر والعصر مثلا، وذكر الرجل ليس للاحتراز فالمرأة كذلك.
(يبيع دينه بعرض من الدنيا) جملة تعليلية لتحوله إلى الكفر.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: معنى الحديث الحث على المبادرة بالأعمال الصالحة قبل تعذرها والاشتغال عنها بما يحدث من الفتن الشاغلة المتكاثرة المتراكمة كتراكم ظلام الليل المظلم لا المقمر، ووصف ﷺ نوعا من شدائد تلك الفتن، وهو أنه يمسي مؤمنا ثم يصبح كافرا، أو عكسه، وهذا أعظم الفتن، ينقلب الإنسان في اليوم الواحد هذا الانقلاب. اهـ.
فالحديث من قبيل قوله ﷺ : "اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك، وغناك قبل فقرك".
وللفتن وسائل كثيرة، منها المال والبنون، كما قال تعالى: ﴿إنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾ [التغابن: ١٥] والصحة فتنة، وكل خير فتنة، بل وكل شر فتنة، وفي ذلك يقول تعالى: ﴿ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون﴾ [الأنبياء: ٣٥].
ومن هنا يتبين أن الدنيا مزرعة الآخرة، وأن حال المؤمن خير كله، إن أصابه خير فشكر كان خيرا له، وإن أصابه شر فصبر كان خيرا له، وعلى المؤمن ألا يزهد في قليل من الخير أن يفعله، ولا في قليل من الشر أن يجتنبه.
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - أن على المؤمن أن يبادر بفعل الطاعات والاجتناب عن المعاصي ولا يمهل، ولا يؤخر عمل اليوم إلى غد، ولا عمل الساعة إلى ما بعدها فإنه لا يدري متى يموت؟ فإن الساعة تقوم وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما، فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أحدكم أكلته إلى فيه فلا يطعمها. كذا ورد في الحديث.
وليس المقصود من المبادرة بالأعمال الإجهاد والمبالغة والتشدد في الدين، فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى، وإنما المقصود التعجيل بفعل الطاعة الميسورة، فإن خير العمل أدومه وإن قل، ففي الحديث "سددوا وقاربوا واغدوا وروحوا وشيئا من الدلجة" (أي العمل ليلا).
стр. 388
٢ - التحذير من الفتن والابتلاء عموما، ومن مقاتلة المسلم للمسلم خصوصا، فقد شاعت الفتنة في الفتنة الكبرى التي وقعت بين المسلمين.
٣ - عدم الاغترار بما قدم من صالحات، والحث على مداومة الخوف من الله، فإنما الأعمال بالخواتيم، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع -أو باع- فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع - أو باع- فيسبق عليه الكتاب. فيعمل بعمل أهل النار. فيدخلها.
٤ - التمسك بالدين والحرص عليه والاحتياط عند التمتع بعرض الدنيا.
والله أعلم
стр. 389
(٧٢) باب خوف المؤمن أن يحبط عمله
٢٠٠ - عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾ إلى آخر الآية [الحجرات: ٢]. جلس ثابت بن قيس في بيته وقال: أنا من أهل النار. واحتبس عن النبي ﷺ . فسأل النبي ﷺ سعد بن معاذ فقال "يا أبا عمرو، ما شأن ثابت؟ أشتكى؟ " قال سعد: إنه لجاري. وما علمت له بشكوى. قال فأتاه سعد فذكر له قول رسول الله ﷺ . فقال ثابت: أنزلت هذه الآية ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتا على رسول الله ﷺ . فأنا من أهل النار، فذكر ذلك سعد للنبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ "بل هو من أهل الجنة".
٢٠١ - عن أنس ﵁ قال: لما نزلت ﴿لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾ [الحجرات: ٢] ولم يذكر سعد بن معاذ في الحديث.
٢٠٢ - عن أنس ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية. واقتص الحديث. ولم يذكر سعد بن معاذ. وزاد: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا رجل من أهل الجنة.
-[المعنى العام]-
كان ثابت بن قيس خطيب الأنصار، وكان جهوري الصوت، فلما جاء أعراب بني تميم إلى النبي ﷺ -وكان نائما- نادوه بصوت مرتفع من وراء حجرات أمهات المؤمنين: يا محمد، اخرج إلينا، ونادى، أحدهم: يا محمد، إن مدحي زين وإن ذمي شين، فخرج ﷺ وهو يقول: "ذاك الله" أي هو الذي مدحه زين وذمه شين. فلما خرج ﷺ إليهم قام خطيبهم يفاخر ببني تميم فقام ثابت بن قيس يرد عليهم، ويفاخر بصوته الجهوري في حضور النبي ﷺ فلما نزل قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون﴾ [الحجرات: ٢] خشي ثابت بن قيس أن يشمله هذا الوعيد، فدخل بيته، وأغلق عليه بابه، وأخذ يبكي وهو يقول: أنا من أهل النار. وغاب ثابت عن
стр. 390
مجلس رسول الله ﷺ على غير عادة، وتفقده رسول الله ﷺ في مجلسه فلم يجده، فسأل عنه سيد النصار. فقال: يا أبا عمرو، ما بال ثابت بن قيس؟ وما شأنه؟ وما أحواله؟ أخشى أن يكون به سوء أو شكاية، فقال سعد: أنا جاره، ولم أحس منه بشكوى، ولكن آتيك بخبره وما عنده، وذهب إليه سعد وعاصم بن عدي، فواجده منكسا رأسه يبكي - وقد حبس نفسه عن الخروج ومتع الحياة -فقيل له: ما يبكيك؟ إن رسول الله ﷺ سأل عنك، وقال كيت وكيت. قال: شر أصابني. أنزلت هذه الآية، ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتا على رسول الله ﷺ ، فأنا من أهل النار، وعاد إلى البكاء. فرجع سعد إلى النبي ﷺ ، فذكر له ما قال ثابت، فقال النبي ﷺ : إنه من أهل الجنة. اذهب إليه فقل له: إنك لست من أهل النار ولكنك من أهل الجنة، فرجع إليه بهذه البشارة العظيمة، فجاء ثابت إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني أخشى أن أكون قد هلكت.
فقال: وما ذاك؟ قال: نهانا الله أن نرفع أصواتنا فوق صوتك. وأنا جهير، فقال له ﵊: أما ترضى أن تعيش سعيدا، وتقتل شهيدا وتدخل الجنة، فكان الصحابة ﵃ يؤمنون بأن هذه البشارة حق، وكانوا إذا رأوا ثابت بن قيس يمشي بينهم أحسوا واعتقدوا أنه من أهل الجنة. فلما كان يوم اليمامة وحاصر المسلمون مسيلمة الكذاب وأتباعه في عهد أبي بكر، لبس ثابت ثوبين أبيضين كفن نفسه فيهما، ثم حنط جسمه بالطيب الذي يطيب به الميت، ثم ذهب إلى صفوف المسلمين. فرأى منهم انكشافا وتقهقرا فنادى بأعلى صوته: أيها المسلمون، ما هكذا كنا نفعل مع رسول الله ﷺ ، بل كان الصف لا ينحرف عن موضعه حتى يقتل أو يقتل، ثم قال: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء المشركون، وأعتذر إليك عما فعله المسلمون، فتجمع المسلمون وقاتلوا وانتصروا، وكان ثابت بن قيس من خيرة المقاتلين في هذه المعركة، كما كان من شهدائها الأبرار، فتحقق بذلك وعد الله له على لسان نبيه ﵊.
-[المباحث العربية]-
﴿لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾ أي إذا نطق ونطقتم فعليكم أن تبلغوا بأصواتكم وراء الحد الذي يبلغه صوته، وأن تغضوا منها بحيث يكون كلامه عاليا لكلامكم.
﴿ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض﴾ أي إذا كلمتموه وهو صامت فإياكم ورفع الصوت بعدم مراعاة مقام النبوة وجلالة قدرها.
﴿أن تحبط أعمالكم﴾ أي لا ترفعوا ولا تجهروا خشية أن تحبط أعمالكم، وإحباط العمل الحرمان من الثواب، قال أبو بكر بن العربي: الإحباط إحباطان:
أحدهما: إبطال الشيء للشيء، وإذهابه كلية، كإحباط الإيمان للكفر، وإحباط الكفر للإيمان.
وثانيهما: إحباط الموازنة بزيادة السيئات على الحسنات، إذ يوقف الانتفاع بالحسنات حتى
стр. 391
يستوفى جزاء السيئات، ثم تعود منفعة الحسنات، فهذا التوقف إبطال جزئي للحسنات، وهو المراد من الآية، وإطلاق اسم الإحباط عليه مجاز.
(جلس ثابت بن قيس في بيته) أي حبس نفسه في بيته كئيبا حزينا خائفا.
(وقال: أنا من أهل النار) قال ذلك لنفسه، أو قاله لمن اتصل به وسأله.
(واحتبس عن النبي ﷺ أي منع نفسه من لقاء النبي ﷺ معه على خلاف عادته.
(أشتكى) بهمزة الاستفهام وحذف همزة الوصل، لأن همزة الاستفهام إذا دخلت على همزة الوصل المفتوحة قلبت همزة الوصل مدة كقوله تعالى: ﴿أالله خير﴾ [النمل: ٥٩] وإذا دخلت على المكسورة حذفت همزة الوصل كقوله تعالى: ﴿أستكبرت أم كنت من العالين﴾ [ص: ٧٥].
(وما علمت له بشكوى) الباء زائدة داخلة على المفعول.
(فكنا نراه يمشي بين أظهرنا رجل من أهل الجنة) هو في بعض الأصول "رجلا" وفي بعضها "رجل" وهو الأكثر، وكلاهما صحيح الأول على البدل من الهاء في "نراه" والثاني على الاستئناف، خبر مبتدأ محذوف. أي هو رجل من أهل الجنة.
-[فقه الحديث]-
أشكل على هذا الحديث أن الآية المذكورة نزلت في زمن الوفود بسبب الأقرع بن حابس سنة تسع (فقد روى البخاري عن ابن أبي مليكة قال: كاد الخيران أن يهلكا: أبو بكر وعمر ﵄ رفعا أصواتهما عند النبي ﷺ حين قدم عليه ركب بني تميم، فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس قال أبو بكر: "يا رسول الله، استعمله على قومه" وأشار الآخر برجل آخر، قال عمر: "لا تستعمله يا رسول الله واستعمل القعقاع بن معبد" فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا خلافي، قال: ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتهما في ذلك، فأنزل الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم﴾ الآية فما كان عمر يسمع رسول الله ﷺ بعد هذه الآية حتى يستفهمه) من هذا يتبين أن الآية نزلت سنة تسع، كما يقول المحققون، وسعد بن معاذ مات قبل ذلك في بني قريظة، وذلك سنة خمس.
قال الحافظ ابن حجر لرفع هذا الإشكال: ويمكن الجمع بأن الذي نزل في قصة ثابت مجرد رفع الصوت، والذي نزل في قصة الأقرع أول السورة ﴿لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾ اهـ.
والحق أن هذا الجمع بعيد، لأن رواية البخاري السابقة صريحة في أن الذي نزل في قصة الأقرع ﴿لا ترفعوا أصواتكم﴾
ويمكن أن يقال: إن ذكر سعد بن معاذ وهم من الراوي، وصحتها سعد بن عبادة، اعتمادا على رواية ابن المنذر في تفسيره عن قتادة عن أنس في هذه القصة وفيها "فقال سعد بن عبادة: يا رسول
стр. 392
الله هو جاري" الحديث، قال الحافظ ابن حجر: وهذا أشبه بالصواب، لأن سعد بن عبادة من قبيلة ثابت بن قيس، فهو أشبه أن يكون جاره من سعد بن معاذ لأنه من قبيلة أخرى. اهـ.
كما يمكن في الجمع أن يقال بتكرر النزول -كما ذهب إليه بعض العلماء- فتكون الآية قد نزلت قبل موت سعد بن معاذ مرة، ثم نزلت (ولو بمعنى أن جبريل ذكر بها) مرة أخرى عند خلاف أبي بكر وعمر، والله أعلم.
أما الجمع بين ما ذكر هنا من أن المرسل إلى ثابت هو سعد بن معاذ وبين ما رواه الطبري وابن مردويه عن ثابت بن قيس قال: لما نزلت هذه الآية قعد ثابت يبكي، فمر به عاصم بن عدي فقال: ما يبكيك؟ قال: أتخوف أن تكون هذه الآية نزلت في، فقال له رسول الله ﷺ : أما ترضى أن تعيش حميدا؟ .
إذا طرحنا جانبا نزول الآية في وفد بني تميم أمكننا الجمع بأن الرسول ﷺ سأل سعد بن معاذ، قال: هو جاري، وقال سعد بن عبادة: هو جاري، وذهبا إليه، كما ذهب إليه أيضا عاصم بن عدي. وجاءوا إلى رسول الله ﷺ بخبره.
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - ما كان عليه الصحابة من شدة الخوف من الله والخوف من إحباط العمل، ولا يلزم من الخوف من ذلك وقوعه.
٢ - وفيه منقبة عظيمة لثابت بن قيس ﵁ وهي أن النبي ﷺ أخبر أنه من أهل الجنة.
٣ - وأنه ينبغي للعالم وكبير القوم أن يتفقد أصحابه ويسأل عمن غاب منهم.
٤ - إيمان الصحابة بما يخبر به النبي ﷺ من الأمور الغيبية لقول الراوي "فكنا نراه يمشي بين أظهرنا رجل من أهل الجنة".
стр. 393
(٧٣) باب هل يؤاخذ بما عمل في الجاهلية ؟
٢٠٣ - عن عبد الله ﵁ قال: قال أناس لرسول الله ﷺ : يا رسول الله، أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال "أما من أحسن منكم في الإسلام فلا يؤاخذ بها. ومن أساء أخذ بعمله في الجاهلية والإسلام".
٢٠٤ - عن عبد الله ﵁ قال: قلنا: يا رسول الله، أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال "من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية. ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر".
مثله.
-[المعنى العام]-
يروي عبد الله بن مسعود ﵁ أن جماعة ممن أسلموا حديثا خافوا من سيئات ارتكبوها في الجاهلية قبل إسلامهم، سمعوا بوعيد العصاة وعقوبة الكبائر، فقالوا: يا رسول الله. لقد قتلنا وزنينا وفعلنا بعض المعاصي قبل إسلامنا، فهل سيؤاخذنا الله ويعاقبنا عليها؟ .
وعلم ﷺ أن من السائلين من دخل الإسلام ظاهرا وهو يبطن الكفر، فلم يحسن إسلامه، ومنهم من أسلم وآمن وأخلص لله فأشار في جوابه إلى الفريقين، فقال: من أسلم وجهه للدين حنيفا وآمن إيمانا صادقا جب الإسلام ما قبله من المعاصي، وغفر الله له ما قد سلف فلا يعاقب على ما قدم من ذنوب.
وأما من أساء في إسلامه، وتظاهر بالإيمان ولم يدخل الإيمان قلبه فإنه منافق، مستمر على كفره، مستصحب لمعاصيه، معاقب بما فعل في الجاهلية وبما فعل حال تظاهره بالإسلام، معاقب على ما اجترح وهو يعلن الكفر، مؤاخذ على ما اقترف وهو يعلن -كاذبا- الإسلام، محاسب على العمل الأول والعمل الآخر، لأنه لم يفصل بينهما بإسلام حقيقي يجب ما قبله، ولم يهدم أولهما بالإخلاص في ثانيهما، فهما سواء، والله جل شأنه يعلم ما في القلوب، وهو ﴿غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير﴾ [غافر: ٣].
стр. 394
-[المباحث العربية]-
(قال أناس) الأناس الناس، والواحد إنسي.
وفي الرواية الثانية: "قلنا" مما يشعر بأن عبد الله بن مسعود كان من بين السائلين.
(من أحسن منكم في الإسلام) أي دخل فيه محسنا مخلصا صادقا، يقال شرعا: حسن إسلامه إذا دخل فيه حقيقة بإخلاص، وساء إسلامه أو لم يحسن إسلامه إذا لم يكن كذلك.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: الصحيح في معنى الحديث ما قاله جماعة من المحققين أن المراد بالإحسان هنا الدخول في الإسلام بالظاهر والباطن جميعا، وأن يكون مسلما حقيقيا، فهذا يغفر له ما سلف في الكفر بنص القرآن العزيز قال تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال: ٣٨] والحديث الصحيح (الإسلام يهدم ما قبله) وبإجماع المسلمين. والمراد بالإساءة هدم الدخول في الإسلام بقلبه، بأن يكون منقادا في الظاهر، مظهرا للشهادتين غير معتقد للإسلام بقلبه، فهذا منافق باق على كفره، بإجماع المسلمين، فيؤاخذ بما عمل قبل إظهار صورة الإسلام. وبما عمل بعد إظهارها، لأنه مستمر على كفره. اهـ.
وقال بعضهم: إن معنى "أحسن في إسلامه" أي استمر عليه، ومعنى "أساء في إسلامه أي كفر وارتد عن الإسلام، فالمرتد يؤاخذ بما عمل في كفره الأول، كما يؤاخذ على ما عمل بعد الردة.
وقد اعترض على هذا القول بأن الإسلام الصحيح الأول قد جب ما قبله فلا يؤاخذ بما عمل قبل ذلك، وأجيب بأن الردة أحبطت أعماله الصالحة، ومن جملتها الإسلام السابق، وإذا بطل الإسلام بطل أثره فيؤاخذ بما عمل في كفره الأول، إذ لا معنى للانتفاع بإسلام باطل. اهـ.
والأحسن تفسير النووي، لأن الأصل عند الأشعرية أن الرجوع إلى الذنب بعد التوبة منه لا يبطل التوبة الأولى. ولا يلزم من أن الردة تبطل الإسلام وتحبط الأعمال الصالحة التي وقعت فيه. أن تبطل جب الإسلام لما قبله، لأن الإسلام إذا صدق جب ما قبله وغفره، وما غفره الله لا يرجع فيه ولا يؤاخذ عليه.
هذا وللحديث صلة بالحديثين الآتيين فليراجعا.
والله أعلم.
стр. 395
(٧٤) باب الإسلام يهدم ما قبله، وكذا الحج والعمرة (وفاة عمرو بن العاص)
٢٠٥ - عن ابن شماسة المهري، قال: حضرنا عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت. فبكى طويلا وحول وجهه إلى الجدار. فجعل ابنه يقول: يا أبتاه أما بشرك رسول الله ﷺ بكذا؟ أما بشرك رسول الله ﷺ بكذا؟ قال فأقبل بوجهه فقال: إن أفضل ما نعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. إني كنت على أطباق ثلاث. لقد رأيتني وما أحد أشد بغضا لرسول الله ﷺ مني. ولا أحب إلي أن أكون قد استمكنت منه فقتلته. فلو مت على تلك الحال لكنت من أهل النار. فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي ﷺ فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك. فبسط يمينه. قال فقبضت يدي. قال "ما لك يا عمرو؟ " قال قلت: أردت أن أشترط. قال "تشترط بماذا؟ " قلت: أن يغفر لي. قال "أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟ وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها؟ وأن الحج يهدم ما كان قبله؟ " وما كان أحد أحب إلي من رسول الله ﷺ ولا أجل في عيني منه. وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالا له. ولو سئلت أن أصفه ما أطقت. لأني لم أكن أملأ عيني منه. ولو مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة. ثم ولينا أشياء ما أدري ما حالي فيها. فإذا أنا مت، فلا تصحبني نائحة ولا نار. فإذا دفنتموني فشنوا علي التراب شنا ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور. ويقسم لحمها. حتى أستأنس بكم. وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي.
-[المعنى العام]-
كان عمرو بن العاص داهية العرب رأيا وعقلا ولسانا، وكان عمر بن الخطاب إذا كلم رجلا فلم يفهم كلامه قال: سبحان من خلقك وخلق عمرو بن العاص. أسلم سنة ثمان قبل فتح مكة، أمره رسول الله ﷺ على سرية نحو الشام، ثم أرسل له مددا من مائتي فارس فيهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة، فكان أمير هذه الحملة التي سميت بغزوة ذات السلاسل.
ولي مصر عشر سنين وثلاثة أشهر، أربعة من قبل عمر، وأربعة من قبل عثمان، وسنتين وثلاثة
стр. 396
أشهر من قبل معاوية، واشترك مع معاوية في حرب علي، وهو صاحب فكرة رفع المصاحف في موقعة صفين وموقفه مشهور في التحكيم.
في سنة ثلاث وأربعين من الهجرة، وهو ابن تسعين سنة، حضرته الوفاة، فأحصى ماله، فوجده: من الذهب (٣٢٥٠٠٠) ثلاثمائة وخمسة وعشرين ألف دينار، ومن الفضة (٢٠٠٠٠٠٠) ألفي ألف درهم، (أي مليوني درهم) وضيعة كبيرة قيمتها (١٠٠٠٠٠٠٠) عشرة آلاف ألف درهم (أي عشرة ملايين درهم) فنظر إلى هذا المال الوفير ثم قال: ليتك بعرا، وليتني مت في غزوة ذات السلاسل، لقد دخلت في أمور ما أدري ما حجتي فيها عند الله تعالى، أصلحت لمعاوية دنياه، وأفسدت آخرتي، عمي عني رشدي حتى حضر أجلي. ودخل عليه في هذه الحال بعض أصحابه، وبجواره ابنه، فبكى طويلا، وحول وجهه إلى الجدار يخفي ما به من أسى وحسرة، وما يذرف من بكاء، فجعل ابنه عبد الله يخفف عنه، ويربت بيديه على كتفيه، ويقول: لا تحزن يا أبتاه. فإنك قادم على رب غفور رحيم، يقبل الحسنات ويعفو عن السيئات. أما بشرك رسول الله ﷺ بأنك من الصالحين؟ أما قال فيك رسول الله ﷺ : "أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص" وقال فيك: "عمرو بن العاص من صالحي قريش"؟ فكفكف عمرو دموعه عن عينيه، وأقبل بوجهه على زائريه، ثم قال: لست أعد للقاء ربي من أعمال صالحات أفضل من شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.
وقد مررت في حياتي بثلاث مراحل، مرحلة كلها شر، ومرحلة كلها خير، ومرحلة خليطة لا أدري غلبة خيرها لشرها أو شرها لخيرها.
أما المرحلة الأولى: فقد كانت أيام كفري، وكنت أشد الناس بغضا لرسول الله ﷺ ، وكنت أتمنى حينذاك أن أتمكن من قتله فأقتله، فلو كنت مت على هذه الحال لكنت من أهل النار.
وأما المرحلة الثانية: فمرحلة إسلامي الصادق، وعملي الصالح وصحبتي لرسول الله ﷺ وقد ابتدأت يوم أن ألقى الله الإيمان في قلبي، فذهبت إلى رسول الله ﷺ منشرحا مسرورا فقلت: يا رسول الله ابسط يدك أتلقاها بيدي لأبايعك على الإسلام، فلما مد يده ﷺ قبضت يدي، خوفا أن أبايع بشيء لا أستطيعه، فقال ﷺ : ما لك يا عمرو؟ ولماذا قبضت يدك؟ قال: فقلت: إني أردت أن أشترط قبل البيعة. قال: ما هو الشرط الذي تريده؟ قلت: أن يغفر لي ما قدمت من ذنوب قبل الإسلام. قال ﷺ : اعلم يا عمرو أن الإسلام يهدم ما كان قبله من المعاصي، وأن الهجرة من المصر فرارا بالدين تهدم ما قبلها من المعاصي، وأن الحج المبرور يهدم ما قبله من المعاصي، قال: فبايعت وأسلمت، وأصبح رسول الله ﷺ أحب الناس إلى قلبي، وأجلهم وأعظم في عيني، وأصبحت لا أستطيع أن أرفع عيني فيه إجلالا له وتقديسا، بل لو سئلت أن أصفه ما استطعت، لأني لم أكن أملأ عيني منه، رهبة منه واحتراما له وإعظاما، ولو أنني مت على هذه الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة.
وأما المرحلة الثالثة: فكانت مرحلة انشغالي بالحياة الدنيا، وبسياسة الحكم بعد النبي ﷺ ، توليت فيها أشياء، وعملت فيها أعمالا، لا أدري ما حالي فيها؟ ولا بماذا أجيب ربي عليها حين
стр. 397
يسألني؟ إنني أطمع في عفو الله، وسندي الوحيد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. ثم أوصيكم -إذا أنا مت- أن تمنعوا النائحة من مصاحبتي، امتثالا لنهي رسول الله ﷺ عن ذلك، ولا تصحب جنازتي نار- كما كانت عادة أهل الجاهلية - رجاء ألا أكون من أهل النار، فإذا دفنتموني فصبوا شيئا من التراب علي صبا، فليس جنبي الأيمن أحق بالتراب من جنبي الأيسر، ثم انتظروا حول قبري دقائق ولحظات، قدر ما ينحر بعير ويقسم لحمه، لأستأنس بكم، وأستجمع نفسي لما أجيب الملكين السائلين، رسولي ربي إلى قبري.
ثم خرج أصحابه الذين جاءوا لعيادته، وبقي هو وابنه، فقال لابنه: ائتني بجامعة (أي برباط من قماش) فشد بها يدي إلى عنقي، ففعل، ثم رفع رأسه إلى السماء، وقال: اللهم إنك أمرتني فعصيت، ونهيتني فتجاوزت، وأن محمدا عبدك ورسولك، ثم وضع إصبعه في فمه كالمفكر المتندم حتى مات، ﵀ وغفر له، وزاد في إحسانه، وتجاوز عن سيئاته، فإنه من صحابة رسول الله ﷺ .
-[المباحث العربية]-
(وهو في سياقة الموت) بكسر السين، أي حال حضور الموت، وفي القاموس: ساق المريض شرع في نزع الروح.
(أما بشرك) "أما" بتخفيف فتحة الميم، قيل: هي اسم بمعنى حقا، وقيل: كلمتان، الهمزة للاستفهام، و"ما" اسم في موضع النصب على الظرفية بمعنى حقا، كذا في المغني.
فالمعنى: حقا بشرك رسول الله ﷺ ، أو أحقا بشرك رسول الله ﷺ ؟ والاستفهام للتقرير.
(فأقبل بوجهه) أي أقبل على ابنه وعلى الحاضرين بوجهه بعد أن كان موليا نحو الحائط.
(إن أفضل ما نعد) بضم النون وكسر العين، أي أفضل عمل ندخره للقاء الله.
(كنت على أطباق ثلاث) أي على حالات ثلاث، وأنت ثلاثا على إرادة معنى الأطباق.
(وما أحد أشد بغضا) "ما" نافية تعمل عمل "ليس" و"أحد" اسمها و"أشد" منصوب خبرها، و"بغضا" تمييز، والجملة في محل النصب على الحال، والرؤية بصرية، والمعنى: لقد رأيت نفسي في هذه الحالة.
(فلأبايعنك) اللام إما لام الطلب، والفعل مجزوم، وإما لام التعليل والفعل منصوب، فإن كانت للطلب فإسكانها بعد الفاء والواو أكثر من تحريكها، وإن كانت للتعليل فهي مكسورة. ولكن وقوع الفاء قبلها يقوي كونها للطلب.
(تشترط بماذا) قال النووي: هكذا ضبطناه، بإثبات الباء، فيجوز أن تكون زائدة داخلة على
стр. 398
المفعول به للتأكيد، ويجوز أن تكون غير زائدة مع تضمين "تشترط" معنى فعل يتعدى بالباء نحو تحتاط، أي تحتاط بماذا؟ .
(الإسلام يهدم ما كان قبله) الهدم في الأصل إسقاط البناء وإزالته فالهدم هنا استعارة لعدم المؤاخذة، والمعنى: الإسلام يسقط المؤاخذة على ما كان قبله من ذنوب.
(وما كنت أطيق أن أملأ عيني) "أطيق" بضم الهمزة من أطاق و"عيني" بتشديد الياء على التثنية.
(ثم ولينا أشياء) بفتح الواو، وكسر اللام مع تخفيفها، من ولي الأمر إذا قام به، والمراد من الأشياء ولايته المتقدمة وما حصل له فيها، وما سبقها من أمور السياسة والدنيا.
(فلا تصحبني نائحة ولا نار) كانت النساء النائحات الصائحات يتبعن الجنائز، فنهى الإسلام عن ذلك، وليس مقصود عمرو ﵁ النهي عن مصاحبتهن الجنازة فحسب، بل النهي عن النياحة عليه مطلقا. وكان أهل الجاهلية يحملون النار والمشاعل مع الجنازة.
(فشنوا علي التراب شنا) قال النووي: ضبطناه بالسين المهملة وبالشين المعجمة والشن والسن: الصب، وقيل: السن الصب في سهولة، والشن التفريق.
(قدر ما تنحر جزور) بفتح الجيم، وهي من الإبل وفي القاموس: الجزور البعير حان له أن يذبح.
-[فقه الحديث]-
-[يؤخذ من الحديث]-
١ - ترجية المحتضر بذكر أحاديث الرجاء وصالح عمله، ليموت وقد غلب عليه الرجاء، وقد استحبه وفعله كثير ممن يقتدى بهم، قال المعتمر لابنه: يا بني، حدثني بالرخص لعلي ألقى الله وأنا أحسن الظن به. وروي مثل ذلك عن ابن حنبل، ثم إن الرجاء يجلب محبة الله تعالى التي هي غاية السعادة، ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، وفي الحديث القدسي "أنا عند حسن ظن عبدي بي".
٢ - إن الإسلام يهدم ما كان قبله من المعاصي، وفيه تفصيل: أما الحربي إذا أسلم لم يؤاخذ بما كان قبل الإسلام من حق الله تعالى أو حق البشر، فلا يقتص منه، ولا يضمن مالا أهلكه لمسلم قبل إسلامه، ولو حلف فأسلم فلا حنث عليه، ولو زنى ثم أسلم سقط عنه الحد، واختلفوا فيمن أسلم وتحت يده مال استولى عليه حال كفره، فقال مالك: يبقى له، لهذا الحديث، ولأن له شبهة الملك، لقوله تعالى: ﴿فلا تعجبك أموالهم﴾ [التوبة: ٥٥] وقال الشافعي: يرد ما تحت يده من مال إلى صاحبه، لأنه كالغاصب، واتفقوا على نزع ما أسلم عليه من أسرى المسلمين، لأن الحر لا يملك.
стр. 399
وأما الذمي فلا يسقط إسلامه ما وجب عليه من دم أو مال أو غيرهما، لأن حكم الإسلام جار عليه.
٣ - أن الهجرة والحج يهدمان ما قبلهما، لكنه قيل: إنهما يهدمان الصغائر دون الكبائر، والأظهر أنهما إن خلصا وقبلا هدما الكبائر، وإلا لم يكن لذكرهما فائدة، فهدم الصغائر ليس مقصورا عليهما، بل يحصل بالوضوء وبالصلاة وباجتناب الكبائر.
٤ - ما كان عليه الصحابة ﵃ من توقير الرسول ﷺ وإجلاله وحبه.
٥ - امتثالهم للنهي عن النائحة، ووصيتهم بمنعها قبل موتهم، وقد سبق قريبا حكم النائحة وأن النياحة حرام.
٦ - النهي عن مصاحبة النار للجنازة، وحكمها الكراهة، وعلل بخوف التشاؤم من المصير إلى النار، وقيل: لمخالفة أهل الجاهلية الذين كانوا يفعلونه تغاليا.
٧ - استحباب صب التراب في القبر، وهل ينثر التراب فوق الكفن؟ أو فوق اللحد؟ قيل وقيل، وقال بعضهم: لا يؤخذ من الحديث أن شن التراب سنة، إذ لم يرد فيه إلا وصية عمرو هذه، وغايتها أنها مذهب صحابي.
٨ - يؤخذ من قوله "ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها" استحباب المكث عند القبر بعد الدفن نحو ما ذكر لما ذكر.
٩ - وأنه لا يقعد على القبر بخلاف ما يعمل في بعض البلاد.
١٠ - استدل به بعضهم على جواز قسمة اللحم المشترك ونحوه من الأشياء الرطبة تحريا من غير وزن ولا كيل.
١١ - ويؤخذ من قوله "حتى أستأنس بكم وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي" أن الميت يحيا في القبر.
١٢ - ويسمع ويستأنس بمن حول القبر.
١٣ - وأخذ بعضهم منه مشروعية القراءة عند القبر، لأنه إذا استأنس بهم فبالقرآن أولى.
١٤ - وفيه حجة لفتنة القبر وسؤال الملكين فيه، وهو مذهب أهل الحق، وإنما كان طلب عمرو ﵁ حجة في ذلك لأنه لا يقوله إلا عن توقيف.
والله أعلم.
стр. 400
تابع باب الإسلام يهدم ما قبله
٢٠٦ - عن ابن عباس ﵄، أن ناسا من أهل الشرك قتلوا فأكثروا. وزنوا فأكثروا. ثم أتوا محمدا ﷺ . فقالوا: إن الذي تقول وتدعو لحسن. ولو تخبرنا أن لما عملنا كفارة! فنزل: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما﴾ [الفرقان: ٦٨] ونزل: ﴿يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله﴾ [الزمر: ٥٣].
-[المعنى العام]-
حكمة جليلة وحكم رحيم، حكمة بالغة وتشريع سمح كريم يتجسم في أن الإسلام يجب ما قبله، ويرفع المؤاخذة عن معاصي الجاهلية لمن أسلم، لقد تجمع أناس من مشركي مكة، وقالوا: يزعم محمد أن من عبد الأوثان، وقتل النفس التي حرم الله لم يغفر له، فكيف نسلم ونهاجر وقد عبدنا مع الله إلها آخر؟ وقتلنا النفس التي حرم الله؟ ثم جاءوا رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا محمد إن الذي تقوله وتدعو إليه لحسن، ولو أن عندك لما عملنا في جاهليتنا كفارة لأسلمنا، فنزل قوله تعالى: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له﴾ [الزمر: ٥٤، ٥٣]. ونزل قوله تعالى: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠] فاطمأنوا وآمنوا، وآمن مثلهم خلق كثير.
نعم، حكمة بالغة، لو أن الإسلام أوجب مؤاخذتهم لما دخلوا في الدين، لو أنهم أيسوا من رحمة الله، وقنطوا من قبولهم ومسامحتهم لبقوا على كفرهم وانخرطوا في معاصيهم وطغيانهم، لو أن "وحشيا" قاتل حمزة لم يطمئن إلى العفو ما أسلم، ولما حسن إسلامه، ولما قتل مسيلمة، بل ربما كان عونا لمسيلمة على هدم الإسلام، تماما كالرجل الذي قتل تسعة وتسعين ثم سأل راهبا: هل لي من توبة؟ فلما قيل له: لا توبة لك قتل الراهب فأكمل به المائة، وما دفعه إلى ذلك إلا يأسه وعدم الرجاء في المصير، ألا أن باب السماء مفتوح لكل من عصى، وإن الله يمد يده بالنهار ليتوب مسيء الليل ويمد يده بالليل، ليتوب مسيء النهار، و ﴿إنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون﴾ [يوسف: ٨٧].
стр. 401
-[المباحث العربية]-
(قتلوا فأكثروا) المفعول محذوف أي قتلوا أنفسا فأكثروا القتل.
(إن الذي تقول وتدعو لحسن) مفعول "تقول" ومعمول "تدعو" محذوفان، وهما عائد الصلة، والتقدير: إن الذي تقوله وتدعو الناس إليه لحسن.
(ولو تخبرنا أن لما عملنا كفارة) جواب "لو" محذوف، تقديره: لأسلمنا أو "لو" للتمني أي: نتمنى أن تخبرنا أن لما عملنا كفارة.
﴿يلق أثاما﴾ أي عقوبة، وقيل: نكالا، وقيل جزاء إثمه، وقيل: هو واد في جهنم.
-[فقه الحديث]-
ذكرنا في فقه الحديث السابق حكم الكافر الحربي إذا أسلم، وكذا حكم الذمي، وبعض أحكام أخرى، ونزيد هنا أن العلماء اختلفوا في النصراني يزني ثم يسلم، وقد شهدت عليه بينة من المسلمين، فحكي عن الشافعي أنه لا حد عليه ولا تغريب، لقول الله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال: ٣٨].
وقال أبو ثور: إذا أقر وهو مسلم أنه زنى وهو كافر أقيم عليه الحد.
أما المرتد إذا أسلم، وقد فاتته صلوات، وأصاب جنايات، وأتلف أموالا، فقيل حكمه حكم الكافر الأصلي إذا أسلم، لا يؤاخذ بشيء مما أحدثه في حال ارتداده.
وقال الشافعي: يلزمه كل حق لله وللآدمي، بدليل أن حقوق الآدميين تلزمه، فوجب أن تلزمه حقوق الله تعالى.
وقال أبو حنيفة: ما كان لله يسقط، وما كان للآدمي لا يسقط.
قال ابن العربي: وهو قول علمائنا، لأن الله تعالى مستغن عن حقه والآدمي مفتقر إليه. ألا ترى أن حقوق الله لا تجب على الصبي، وتلزمه حقوق الآدميين؟
هذا ما يخص الكافر إذا أسلم، أما المؤمن إذا عصى فقد استدل بعضهم بعموم الآيتين الواردتين في الحديث على غفران جميع الذنوب صغيرها وكبيرها. سواء تعلقت بحق الآدميين أو لا، والمشهور عند أهل السنة أن الذنوب كلها تغفر بالتوبة, وأنها تغفر لمن شاء الله ولو مات من غير توبة، لكن حقوق الآدميين إذا تاب صاحبها من العود إلى شيء من ذلك تنفعه التوبة من العود، وأما بخصوص ما وقع منه فلا بد له من رده إلى صاحبه أو محاللته منه. نعم في سعة فضل الله ما يمكن أن يعوض
стр. 402
صاحب الحق عن حقه، ولا يعذب العاصي بذلك، ويرشد إليه عموم قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨].
وشذ ابن عباس عن قول الجمهور، فقال: إن المؤمن إذا قتل مؤمنا متعمدا لا توبة له.
هذا هو المشور عن ابن عباس، فقد روى البخاري عن سعيد بن جبير قال: سألت ابن عباس ﵄ عن قوله تعالى: ﴿فجزاؤه جهنم﴾ [النساء: ٩٣] قال لا توبة له، وعن قوله جل شأنه: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر﴾ [الفرقان: ٦٨] قال: كانت هذه في الجاهلية.
وروى أحمد والطبري والنسائي وابن ماجه عن سالم بن أبي الجعد قال: كنت عند ابن عباس بعد ما كف بصره، فأتاه رجل، فقال: ما ترى في رجل قتل مؤمنا متعمدا قال: جزاؤه جهنم خالدا فيها، وساق الآية إلى "عظيما" قال: لقد أنزلت في آخر ما نزل، وما نسخها شيء حتى قبض رسول الله ﷺ . قال: أفرأيت إن تاب وآمن وعمل عملا صالحا ثم اهتدى؟ قال: وأنى له التوبة والهدى؟
قال الحافظ ابن حجر: وقد حمل جمهور السلف وجميع أهل السنة ما ورد من أحاديث تخليد القاتل في النار، وعدم قبول توبته، حملوه على التغليظ، وصححوا توبة القاتل كغيره وقالوا: معنى قوله: ﴿فجزاؤه جهنم﴾ أي إن شاء الله أن يجازيه، تمسكا بقوله تعالى في سورة النساء: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ ومن الحجة في ذلك حديث الإسرائيلي الذي قتل تسعة وتسعين ثم أتى تمام المائة، فقال له: لا توبة لك فقتله، فأكمل به مائة، ثم جاء آخر، فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة. الحديث. وهو مشهور، وإذا ثبت ذلك لمن قتل من غير هذه الأمة، فمثله لهم أولى، لما خفف الله عنهم من الأثقال التي كانت على من قبلهم. اهـ.
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات﴾ [الفرقان: ٧٠] قيل: يبدلهم الله إيمانا من الشرك، وإخلاصا من الشك، وإحصانا من الفجور، وقيل: التبديل عبارة عن الغفران، والغفران من الحسنات، ومعنى هذين القولين أن السيئات لا تبدل كل منها بحسنات، لكن روي عن أبي ذر عن النبي ﷺ "إن السيئات تبدل بحسنات" وعليه قال القرطبي: لا يبعد في كرم الله - إذا صحت توبة العبد أن يضع مكان كل سيئة حسنة، وقد قال ﷺ لمعاذ "أتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن". وهذا قول وجيه ينسجم مع عفو الكريم، صاحب الفضل والجود، الذي دعا إلى مقابلة الإساءة بالإحسان، فقال: ﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾ [الشورى: ٤٠]: وقال: ﴿ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا﴾ [النور: ٢٢] وقال: ﴿والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين﴾ [آل عمران: ١٣٤].
والله أعلم
стр. 403
(٧٥) باب حكم العمل الصالح قبل الإسلام
٢٠٧ - عن حكيم بن حزام ﵁ أنه قال لرسول الله ﷺ : أرأيت أمورا كنت أتحنث بها في الجاهلية، هل لي فيها من شيء؟ فقال له رسول الله ﷺ "أسلمت على ما أسلفت من خير". والتحنث التعبد.
٢٠٨ - عن حكيم بن حزام ﵁ أنه قال لرسول الله ﷺ : أي رسول الله! أرأيت أمورا كنت أتحنث بها في الجاهلية. من صدقة أو عتاقة أو صلة رحم. أفيها أجر؟ فقال رسول الله ﷺ "أسلمت على ما أسلفت من خير".
٢٠٩ - عن حكيم بن حزام ﵁ قال، قلت: يا رسول الله! أشياء كنت أفعلها في الجاهلية. (قال هشام: يعني أتبرر بها) فقال رسول الله ﷺ "أسلمت على ما أسلفت لك من الخير" قلت: فوالله! لا أدع شيئا صنعته في الجاهلية إلا فعلت في الإسلام مثله.
٢١٠ - عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن حكيم بن حزام أعتق في الجاهلية مائة رقبة. وحمل على مائة بعير. ثم أعتق في الإسلام مائة رقبة. وحمل على مائة بعير. ثم أتى النبي ﷺ فذكر نحو حديثهم.
-[المعنى العام]-
الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، ولقد كان كثير من العرب قبل الإسلام على صفات حميدة، يصلون الرحم، ويحملون الكل، ويكسبون المعدوم، ويقرون الضيف، ويعينون على نوائب الدهر.
стр. 404
ومن هؤلاء الأخيار حكيم بن حزام الصحابي الجليل ﵁ وكان من الطبيعي أن يسألوا بعد إسلامهم عن أعمالهم التي عملوها في الجاهلية من خير أو شر، هل لهم أجر فيما عملوا من بر؟ وهل عليهم وزر فيما ارتكبوا من إثم؟ وقد سبقت الإجابة عن الشق الثاني في الحديث السابق، وهذا الحديث يجيب عن الشق الأول.
لقد سأل حكيم بن حزام رسول الله ﷺ عما قدم، فقال: يا رسول الله أخبرني عن أعمال الخير التي كنت أتقرب بها في الجاهلية، من صدقة على المحتاجين، وعتق الرقاب وصلة الرحم. هل لي فيها من أجر بعد إسلامي؟ فقال رسول الله ﷺ : لن تعدم خيرها وأجرها، فقد اكتسبت بها ثناء جميلا وذكرا حميدا، وطبعتك بطباع الخير التي تساعدك على البر في إسلامك وستزيد في ثواب ما تفعل من خير، ولعلها صاحبة الفضل في هدايتك للإسلام، ووصولك إلى الطريق المستقيم.
ولما كانت ممارسة الخير تطبع بالخير وتعود عليه، ولما كان الإسلام يضاعف حسنات البر، اندفع حكيم بن حزام في إسلامه إلى ما كان يفعل قبله، فكما أعتق في جاهليته على طولها مائة رقبة، أعتق في أيام إسلامه مائة رقبة أنفس منها، وكما حمل في جاهليته زادا ومتاعا للمحتاجين على مائة بعير، حمل كذلك في إسلامه على مائة بعير حملا خيرا مما حمل في الجاهلية، ثم زاد خيرا وخيرا وخيرا حتى صار من السابقين المقربين. ﵁ وأرضاه، ورضي عن الصحابة أجمعين.
-[المباحث العربية]-
(عن حكيم بن حزام) صحابي جليل، من مناقبه أنه ولد في الكعبة. قال بعض العلماء: ولا يعرف أحد شاركه في هذا، ومن طرف أخباره أنه عاش ستين سنة في الجاهلية وستين سنة في الإسلام، أسلم عام الفتح ومات بالمدينة سنة أربع وخمسين، فيكون المراد من الستين التي عاشها في الإسلام من حين ظهور الإسلام وانتشاره إلى حين وفاته، لا من حين إسلامه إلى وفاته.
(أرأيت أمورا) أي أخبرني عن أمور، والمراد منها أمور الخير والمعروف.
(كنت أتحنث بها) التحنث التعبد، كما فسره في الحديث، وفسره في الرواية الثالثة بالتبرر، وهو فعل البر، وهو الطاعة، قال أهل اللغة: أصل التحنث أن يفعل فعلا يخرج به من الحنث، وهو الإثم، وكذا: تأثم، وتحرج، وتهجد، أي فعل فعلا يخرج به من الإثم والحرج والهجود.
(في الجاهلية) أي قبل إسلامه. وليس المراد قبل ظهور الإسلام فكأنه قال في جاهليتي.
(هل لي فيها من شيء) أي من أجر وثواب عند الله، فلفظ "شيء" ليس على إطلاقه، فإن له بها ذكرا جميلا على ألسنة الناس، ولذا جاء في الرواية الثانية "أفيها أجر"؟
(أسلمت على ما أسلفت من خير) أي على ما قدمت من خير، وفي القاموس: والسلف كل عمل صالح قدمته. وفي المراد من هذه الجملة عدة توجيهات تأتي في فقه الحديث.
стр. 405
(أرأيت أمورا كنت أتحنث بها في الجاهلية من صدقة أو عتاقة أو صلة رحم) "من" في "من صدقة" متعلقة بمحذوف صفة أخرى لأمور، أي أمورا كائنة من صدقة إلخ، أو بيانية بمعنى أي تفسير لأمور.
(أشياء كنت أفعلها في الجاهلية) "أشياء" مبتدأ والجملة بعدها صفة، والخبر محذوف، تقديره: هل لي فيها من أجر؟
(لا أدع شيئا صنعته في الجاهلية) أي شيئا من الخير والمعروف.
(وحمل على مائة بعير) أي تصدق بها.
-[فقه الحديث]-
قضية الحديث: هل يثاب الكافر إذا أسلم وحسن إسلامه على ما فعله من خير في حال كفره؟
ذهب ابن بطال وغيره من المحققين إلى أنه: إذا أسلم الكافر، وحسن إسلامه، ومات على الإسلام يثاب على فعله من الخير في حال الكفر، واستدلوا بحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أسلم الكافر، فحسن إسلامه، كتب الله له كل حسنة زلفها، ومحا عنه كل سيئة زلفها، وكان عمله بعد (أي بعد إسلامه) الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، والسيئة بمثلها، إلا أن يتجاوز الله ".
ذكره الدارقطني، وثبت في بعض طرقه "أن الكافر إذا حسن إسلامه يكتب له في الإسلام كل حسنة عملها في الشرك".
قال ابن بطال بعد ذكره الحديث: ولله تعالى أن يتفضل على عباده بما يشاء، لا اعتراض لأحد عليه. اهـ.
وعلى هذا القول يكون قوله ﷺ لحكيم "أسلمت على ما أسلفت من خير" على ظاهره، أي أسلمت وقد ثبت لك أجر ما أسلفت من خير.
وقال بعض العلماء: إن الكافر إذا أسلم لا يثاب على ما فعل من خير في حال كفره، لأن الكافر لا يصح منه التقرب، لأن من شرط المتقرب أن يكون عارفا بالمتقرب إليه، وهو في حين فعله للخير لم يحصل له العلم بالله بعد، وحيث لا يصح منه التقرب فلا يثاب على ما فعل، ولهذا قال الفقهاء: لا يصح من الكافر عبادة، ولو أسلم لم يعتد بها. وعلى هذا القول يجب تأويل قوله ﷺ لحكيم "أسلمت على ما أسلفت من خير" وقد فسروه بوجوه:
منها: أن معناه اكتسبت طباعا جميلة، وأنت تنتفع بتلك الطباع في الإسلام، وتكون تلك العادة تمهيدا لك، ومعونة على فعل الخير.
стр. 406
ومنها: أن معناه اكتسبت بذلك ثناء جميلا، فهو باق عليك في الإسلام.
ومنها: أنه لا يبعد أن يزاد في حسناته التي يفعلها في الإسلام، ويكثر أجره لها، لما تقدم له من الأفعال الجميلة، وقد قالوا في الكافر: إذا كان يفعل الخير فإنه يخفف عنه به، فلا يبعد أن يزاد هذا في الأجور. هذا كلام المازري.
ومنها: ما قاله القاضي عياض: قيل معناه ببركة ما سبق لك من خير هداك الله تعالى إلى الإسلام، وأن من ظهر منه خير في أول أمره فهو دليل على سعادة آخره وحسن عاقبته، وهذه التفسيرات كلها - كما ترى- بعيدة عن مقصود الشريعة من تشجيع الإحسان والإصلاح في كل المجتمعات فالعمل الذي يساير مطلوب الإسلام -وإن اختل شرطه- لا يتساوى مع العمل الذي ينفر منه الإسلام ويحاربه، إذ لا يستوي الطيب والخبيث.
ثم من الذي يمنع فضل الله وكرمه أن يلحق من رجع إليه وأناب، وإذا كنا نجيز أن يبدل الله سيئات التائب إلى حسنات، أفلا نجيز أن نكافئ العاصي على ما فعل من خير حال عصيانه؟ وهي لا شك مكافأة دون مكافأة المطيع.
أما قول الفقهاء: لا تصح العبادة من الكافر، ولو أسلم لم يعتد بها فمرادهم أنه لا يعتد بها في أحكام الدنيا، وليس فيه تعرض لثواب الآخرة، بل قال بعض الفقهاء: إنه يعتد ببعض أفعال الكفار في أحكام الدنيا.
فقد قالوا: إذا وجب على الكافر كفارة ظهار أو غيرها، فكفر في حال كفره أجزأه ذلك، وإذا أسلم لم تجب عليه إعادتها، واختلف أصحاب الشافعي ﵀ فيما إذا أجنب واغتسل في حال كفره، ثم أسلم. هل تجب عليه إعادة الغسل أو لا؟ وبالغ بعض الشافعية، فقال: يصح من كل كافر كل طهارة من غسل ووضوء وتيمم، وإذا أسلم صلى بها.
وفي الأم: وتصح نية التقرب من الكافر، وما عللوا به من الجهل إن عنوا به أنه يجهله مطلقا منع، لأنه لا ينكر الصانع، وإن عنوا به أنه يجهله من وجه فهو استدلال بمحل النزاع، لأن محل النزاع: الجاهل بالله من وجه. هل يصح منه نية التقرب أو لا؟ ثم الذي يقضي بصحة النية منه اتفاقهم على التخفيف، لأنه لولا صحة النية لم يصح التخفيف، ولا يمتنع أن يثاب الناظر في دليل الإيمان إذا اهتدى للحق، وأيضا فالقياس يقتضي الإثابة، لأن الإسلام إذا جب السيئات صحح الحسنات.
والله أعلم.
стр. 407
(٧٦) باب صدق الإيمان وإخلاصه
٢١١ - عن عبد الله ﵁ قال: لما نزلت: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾ [الأنعام: ٨٢] شق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا: أينا لا يظلم نفسه؟ فقال رسول الله ﷺ "ليس هو كما تظنون. إنما هو كما قال لقمان لابنه: ﴿يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم﴾ [لقمان: ١٣] ".
ثم سمعته منه.
-[المعنى العام]-
ما أصدق إيمان الصحابة ﵃، وما أشد خوفهم من الله، وما أعظم حرصهم على الهداية والأمن من عذاب الله، وما أحرصهم على تفهم كتاب الله، وما أدق فهمهم لآياته وتدبرهم لمعانيه، ومحاسبة أنفسهم على أصوله وموازينه.
كل ذلك يتجلى في موقفهم حين نزل قوله تعالى من سورة الأنعام: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾
هم يفهمون الظلم، أنه وضع الشيء في غير محله، ويعترفون بأنهم كثيرا ما وقعوا فيه، فمن لم يظلم منهم الناس ظلم نفسه، والآية الكريمة تجعل الأمن والهداية لمن لم يلبس إيمانه بظلم، ولا أحد منهم لم يلبس إيمانه بظلم، فلا أحد منهم إذن يكون له الأمن وتكون له الهداية.
لقد انزعجوا لهذه الآية وارتاعوا، وأسرعوا إلى رسول الله ﷺ ، يقولون: يا رسول الله، أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ أينا لم يظلم نفسه؟ لقد خبنا وخسرنا ووقعنا في الهلاك المبين، ونزل قول الله تعالى: ﴿وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم﴾ [لقمان: ١٣] فقال لهم رسول الله ﷺ : ليس المعنى كما فهمتم وليس الأمر كما تظنون، وإنما المراد من الظلم الشرك، فهو من قبيل ما قاله لقمان لابنه وهو يعظه ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ فمعنى الآية: الذين آمنوا ولم يدخلوا
стр. 408
على إيمانهم شركا وردة، والذين آمنوا إيمانا صادقا لم يشبه نفاق وكفر باطني أولئك لهم الأمن من عذاب الله في الآخرة. وأولئك هم الذين يهديهم الله إلى طريق الجنة، بعد أن هداهم في الدنيا إلى الطريق المستقيم.
فطابت نفوس الصحابة بهذا التفسير، وهدأ روعهم بهذا البيان، وتسابقوا في الخيرات، وفي البعد عن المنكرات، يحدوهم الرجاء في عفو الله ويدفعهم الأمل في جنته ورضوانه.
-[المباحث العربية]-
(لما نزلت ﴿الذين آمنوا﴾) "الذين آمنوا" إلى آخر الآية مقصود لفظها فاعل "نزلت".
(ولم يلبسوا) أي لم يخلطوا، تقول: لبست الأمر بتخفيف الباء المفتوحة، ألبسه بكسرها أي خلطته، ولبست الثوب بالكسر ألبس بالفتح. وألبست هذا بذاك، ألبسه بضم الهمزة أي خلطته، وخلط الإيمان بالشرك لا يتصور، فالمراد أنهم لم تحصل لهم الصفتان، كفر متأخر عن إيمان متقدم أي لم يرتدوا، ويحتمل أن يراد أنهم لم يجمعوا بينهما ظاهرا وباطنا، أي لم ينافقوا.
(بظلم) الظلم في اللغة: وضع الشيء في غير محله، وفي الشرع: وضع الأمور الشرعية في غير محلها، أي مخالفة الشرع، وتتفاوت مراتبه، تبدأ بالمخالفة الصغيرة وتنتهي بالشرك. وقد فهم الصحابة أن التنوين في "بظلم" للتنكير، والنكرة في سياق النفي تفيد العموم، فيشمل إدخال أي ظلم على الإيمان، صغر هذا الظلم أو كبر. لكن قال الخطابي: كان الشرك عند الصحابة أكبر من أن يلقب بالظلم، فحملوا الظلم في الآية على ما عداه من المعاصي. اهـ قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر، والذي يظهر لي أنهم حملوا الظلم على عموم الشرك فما دونه.
وقال المحققون: إن دخل على النكرة في سياق النفي ما يؤكد العموم ويقويه، نحو "من" في قولك: ما جاءني من رجل، أفاد تخصيص العموم، وإلا فالعموم مستفاد بحسب الظاهر، كما فهمه الصحابة من هذه الآية، وبين لهم ﷺ أن ظاهرها غير مراد، بل هو من العام الذي أريد به خاص، فالمراد بالظلم أعلى أنواعه وهو الشرك.
(أولئك لهم الأمن) ليس في هذا التعبير قصر، فلا يلزم منه أن من ألبس إيمانه بظلم لا يكون آمنا، وكل ما يقتضيه أن من لم يوجد منه الظلم يكون آمنا، لكن الصحابة أخذوا بمفهوم الصفة، أو فهموا القصر والاختصاص من تقديم الجار والمجرور في "لهم الأمن" أي لهم الأمن لا لغيرهم.
(أينا لا يظلم نفسه) الاستفهام إنكاري بمعنى النفي، أي ليس منا من لا يظلم نفسه.
(ليس هو كما تظنون) ضمير "هو" للحال والشأن، أو ليس المعنى كما تظنون.
(إنما هو كما قال لقمان لابنه) "لقمان" قيل كان حبشيا وقيل كان نوبيا والجمهور على أنه كان حكيما ولم يكن نبيا، وكان في زمن داود ﵇.
стр. 409
﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ لا يلزم منه أن غير الشرك لا يكون ظلما، لكن الرسول ﷺ باستدلاله بالآية أفاد أن التنوين في قوله "بظلم" للتعظيم، فالتقدير: ولم يلبسوا إيمانهم بظلم عظيم. أي بشرك، وقد ورد ذلك صريحا في رواية البخاري، ولفظه "قلنا يا رسول الله، أينا لم يظلم نفسه؟ قال: ليس كما تقولون، لم يلبسوا إيمانهم بظلم بشرك، أو لم تسمعوا إلى قول لقمان"؟
-[فقه الحديث]-
قال النووي: وقع في صحيح البخاري: لما نزلت الآية قال أصحاب رسول الله ﷺ : أينا لم يظلم نفسه، فأنزل الله تعالى ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ فهاتان الروايتان إحداهما تبين الأخرى، فيكون لما شق عليهم أنزل الله تعالى ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ وأعلم النبي ﷺ أن الظلم المطلق هناك المراد به هذا المقيد، وهو الشرك فعلمهم ﷺ ما علمه ربه، اهـ بتصرف. ومعنى هذا أن سؤال الصحابة سبب في نزول آية لقمان، لكن يعكر عليه ما رواه البخاري من طريق أخرى "أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال: ليس بذلك، ألا تسمعون إلى قول لقمان؟ " وفي رواية" ليس كما تظنون، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا إلى ما قال لقمان؟ " إذ معنى هذا أن الآية التي في لقمان كانت معلومة عندهم، ولذلك نبههم عليها.
قال الحافظ ابن حجر في رفع هذا الإشكال: يحتمل أن يكون نزولها وقع في الحال، فتلاها عليهم، ثم نبههم، فتلتئم الروايتان.
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - أن الظلم درجات متفاوتة.
٢ - الحمل على العموم حتى يرد دليل الخصوص.
٣ - أن النكرة في سياق النفي تعم، وهذا لأن النبي ﷺ لم ينكر عليهم، ولم يخطئهم في فهمهم، وإنما بين لهم أن هذا العموم المستفاد من اللفظ مراد به خاص.
٤ - أن الخاص يقضي على العام، والمبين يقضي على المجمل.
٥ - أن اللفظ يحمل على خلاف ظاهره لمصلحة دفع التعارض.
٦ - استنبط منه المازري جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ونازعه القاضي عياض، فقال: ليس في هذه القصة تكليف عمل، بل تكليف اعتقاد بتصديق الخبر، واعتقاد التصديق لازم لأول وروده، فما هي الحاجة؟ وقال الحافظ ابن حجر: والحق أن في القصة تأخير البيان عن وقت الخطاب، لأنهم حيث احتاجوا إليه لم يتأخر.
٧ - وفيه أن المعاصي لا تسمى شركا.
٨ - وأن من لم يشرك بالله شيئا فله الأمن وهو مهتد، فإن قيل: فالعاصي قد يعذب، فما هو الأمن والاهتداء الذي حصل له؟ فالجواب أنه آمن من التخليد في النار، مهتد إلى طريق الجنة.
стр. 410
(٧٧) باب تجاوز الله عن حديث النفس
٢١٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: لما نزلت على رسول الله ﷺ ﴿لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير﴾ [البقرة: ٢٨٤] قال فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ فأتوا رسول الله ﷺ . ثم بركوا على الركب. فقالوا: أي رسول الله، كلفنا من الأعمال ما نطيق. الصلاة والصيام والجهاد والصدقة. وقد أنزلت عليك هذه الآية. ولا نطيقها. قال رسول الله ﷺ "أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير". قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. فلما اقترأها القوم ذلت بها ألسنتهم. فأنزل الله في إثرها ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير﴾ [البقرة: ٢٨٥] فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى. فأنزل الله : ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ (قال: نعم) ﴿ربنا ولا تحمل علينا
стр. 411
إصرا كما حملته على الذين من قبلنا﴾ (قال: نعم) ﴿ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾ (قال: نعم) ﴿واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين﴾ (قال: نعم) [البقرة: ٢٨٦].
٢١٣ - عن ابن عباس ﵄ قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾ [البقرة: ٢٨٤] قال، دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء. فقال النبي ﷺ "قولوا: سمعنا وأطعنا وسلمنا" قال، فألقى الله الإيمان في قلوبهم. فأنزل الله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ (قال: قد فعلت) ﴿ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا﴾ (قال: قد فعلت) ﴿واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا﴾ (قال: قد فعلت) [البقرة: ٢٨٦].
-[المعنى العام]-
لما نزل قوله تعالى: ﴿لله ما في السموات وما في الأرض﴾ امتلاكا حقيقيا وتصرفا كاملا، وامتلاك غيره امتلاك صوري مؤقت (وإن تبدوا) وتظهروا وتعلنوا (ما) يجول (في أنفسكم) ودواخلكم (أو تخفوه) وتضمروه (يحاسبكم به الله) الذي لا تخفى عليه خافية (فيغفر لمن يشاء) منكم بالفضل والرحمة (ويعذب من يشاء) بالحق والعدل (والله على كل شيء قدير) لا يحول دون غفرانه أو عقابه شيء.
لما نزلت هذه الآية عظم ذلك واشتد على الصحابة، إنها تنذر بالمحاسبة على ما في النفس، وعلى خطرات القلوب، وأنى لهم التحكم فيها؟ وكيف يستطيعون دفعها؟ لقد همهم الأمر وغمهم، وأزعجهم هذا الحكم وأقض مضاجعهم، وقالوا: لئن آخذنا الله بهذا لنهلكن، وذهب جماعة منهم إلى رسول الله ﷺ في المسجد فسلموا، ثم جثوا وبركوا على الركب، وسكنت أعضاؤهم، وخشعت أبصارهم، وقالوا: هلكنا يا رسول الله، قال: وما ذاك؟ قالوا: كلفنا الله بما نستطيع من صلاة وصيام وجهاد وصدقة ففعلنا، لكن قد أنزلت عليك آية لا نطيقها، ولم يرض رسول الله ﷺ عن هذا الأسلوب، وخشي أن يفتح عليهم باب الرضا ببعض الأحكام وعدم الرضا بالبعض الآخر، فأغلق الباب بحزم، وقال: أتريدون أن تقولوا كما قالت اليهود والنصارى، حين قالوا بشأن تكاليفهم: سمعنا وعصينا؟ لا تقولوا شق علينا كذا، ولكن قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير.
فرجعوا يقرءون الآية ثم يقولون: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، وبعد فترة من الزمان، وبعد أن لانت ألسنتهم بالآية وانصاعت نفوسهم لها، واستسلموا لأمر ربهم فيها، نزل قوله تعالى تخفيفا عنهم: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾ قال النبي ﷺ وصحابته: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ فاستجاب الله لهم وقال: قد فعلت قالوا: ﴿ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا﴾ قال الله: قد فعلت واستجبت. قالوا: ﴿ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين﴾ قال: قد فعلت واستجبت، وأكرم الله هذه الأمة بما لم يكرم به من قبلها، وثبت إيمان الصحابة رضوان الله عليهم، وأحسن إليهم، وأثنى عليهم بقوله ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله﴾ رضي الله عنهم ورضوا عنه وشملنا بعفوه وكرمه إنه سميع مجيب.
стр. 412
-[المباحث العربية]-
(قال: فاشتد ذلك) أعاد لفظة "قال" لطول الكلام، فإن أصله: لما نزلت اشتد ذلك، فلما طال حسن إعادة لفظ " قال" وقد جاء مثله في القرآن الكريم، في قوله تعالى: ﴿أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون﴾ [المؤمنون: ٣٥] فأعاد "أنكم". والفاء في "فاشتد" عاطفة على محذوف، لأن جواب "لما" لا يلحقه الفاء، والتقدير: لما نزلت عقلنا معناها فاشتد ذلك.
(ثم بركوا على الركب) جلسة الخضوع والاستسلام والضراعة.
(أي رسول الله) "أي" بفتح فسكون حرف لنداء البعيد أو القريب أو المتوسط، على خلاف في ذلك.
(كلفنا من الأعمال ما نطيق) بضم النون من أطاق، و"ما" موصول مفعول ثان لكلفنا، وعائد الصلة مفعول "نطيق" محذوف، والجار والمجرور المتقدم متعلق بنطيق، والتقدير: كلفنا ما نطيقه من الأعمال.
(الصلاة والصيام والجهاد والصدقة) بدل من الموصول، أو بيان له، والتقدير: كلفنا الصلاة والصيام والجهاد والصدقة فقمنا بما كلفنا.
(أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين) الاستفهام إنكاري توبيخي، أي لا ينبغي ولا يصح أن تريدوا ذلك، والمراد من الكتابين التوراة والإنجيل.
(غفرانك ربنا) قال الفراء: "غفرانك" مصدر وقع في موضع أمر فنصب، والمعنى مغفرتك أي فاغفر لنا، والطلب للدعاء، و"ربنا" منادى بحذف حرف النداء.
(فلما اقترأها القوم) في القاموس: قرأ القرآن تلاه كاقترأه. اهـ.
ومن المعلوم أن زيادة المبني تدل على زيادة المعنى. أي قرأها القوم بمشقة وصعوبة.
(ذلت بها ألسنتهم) أي هانت ولانت بها ألسنتهم.
(فأنزل الله في إثرها) بكسر الهمزة مع إسكان الثاء، وبفتح الهمزة والثاء لغتان. وضمير "إثرها" يعود إلى الآية التي اشتدت عليهم ﴿لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير﴾
(فلما فعلوا ذلك) أي استجابوا لأمر الرسول ﷺ وقرءوا الآيتين.
﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ أي إلا طاقتها، وقيل: إلا دون طاقتها، والوسع الطاقة والجهد.
стр. 413
﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ أي إن جهلنا وفعلنا الخطأ عن اجتهاد.
﴿ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا﴾ "إصرا" ثقلا، وقيل: الإصر الأمر الغليظ الصعب، وقيل: شدة العمل وما غلظ على بني إسرائيل. وتفسيره بالعهد تفسير باللازم، لأن الوفاء بالعهد شديد، والمراد بالذين من قبلنا بنو إسرائيل، وقد حرم عليهم الطيبات بظلمهم، قيل: وكانوا إذا أذنبوا بالليل وجدوا ذلك مكتوبا على أبوابهم.
﴿ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾ أي لا تثقلنا من العمل بما لا نطيق فتعذبنا.
﴿واعف عنا﴾ أي عن ذنوبنا، تقول: عفوت عن ذنبه إذا تركته ولم تعاقبه.
﴿واغفر لنا﴾ أي استر على ذنوبنا، ولا تفضحنا، والغفر: الستر.
﴿فانصرنا على القوم الكافرين﴾ أي أظهرنا عليهم في الحجة والحرب وإظهار الدين.
(دخل قلوبهم منها شيء) ليس المراد من الشيء الشك والارتياب، وإنما المراد منه ما فسر به في الرواية الأولى، أي دخل قلوبهم شيء من الحرج والمشقة والاستعظام.
(لم يدخل قلوبهم من شيء) فاعل "يدخل" ضمير يعود على "شيء" الأولى، والتقدير: لم يدخل قلوبهم مثله من شيء قبل هذا الشيء، وهذا استعظام لما دخل في قلوبهم.
-[فقه الحديث]-
ظاهر قوله في الرواية الأولى "فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى فأنزل ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ " أن في الآيتين نسخا، وعليه أكثر المفسرين، لأن الراوي قد روى النسخ ونص عليه لفظا ومعنى، وطريق علم النسخ إنما هو بالخبر عنه، وبالتاريخ بأن يكون الناسخ متأخرا زمنا عن المنسوخ، وهما مجتمعان في هذه الآية، ومعنى هذا أن الآية الأولى أفادت مؤاخذة الله إياهم وتكليفهم بما لا يملك من الخواطر، وأمرهم رسول الله ﷺ بالإيمان والسمع والطاعة، فلما فعلوا ذلك وألقى الله الإيمان في قلوبهم رفع الله الحرج عنهم ونسخ هذا التكليف، ورفع هذا الثابت المستقر.
وأنكر بعضهم النسخ في الآية من وجهين:
الأول: أن الآية خبر، والنسخ لا يدخل في الأخبار.
الثاني: أن النسخ يصار إليه إذا تعذر الجمع وبناء الكلام بناء صحيحا، ولم يمكن رد إحدى الروايتين إلى الأخرى، مع أن الجمع غير متعذر، إذ قوله تعالى: ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه﴾ عموم يصح أن يشتمل على ما يملك من الخواطر وما لا يملك، فخصص هذا العموم بالآية الثانية، وبما يملك من الخواطر، ويكون معناها: إن تبدوا ما في أنفسكم مما هو في وسعكم وتحت كسبكم أو
стр. 414
تخفوه يحاسبكم به الله إلخ، ولكن لما كان اللفظ مما يمكن أن تدخل فيه الخواطر التي ليست في الوسع أشفق الصحابة والنبي ﷺ فبين الله لهم ما أراد بالآية، وخصصها ونص على حكمه وأنه لا يكلف نفسا إلا وسعها، والخواطر ليست هي ولا دافعها في الوسع، بل هي أمر غالب، وليست مما يكتسب، فكان في هذا البيان فرجهم، وكشف كربهم، فتكون الآية الأولى محكمة مخصوصة.
ثم إنه يمكن أن تكون محكمة مخصوصة بيقين المسلمين ونفاق الكافرين. فكأنه قال: إن تبدوا ما في أنفسكم من يقين أو نفاق يحاسبكم به الله.
ثم إنه يمكن أن تكون محكمة وعلى عمومها، وأن الله يحاسب عباده على ما عملوا وعلى ما أضمروا فيغفر للمؤمنين، ويأخذ أهل الكفر، فقد روي عن ابن عباس، قال: لم تنسخ، ولكن إذا جمع الله الخلائق يقول: إني أخبركم بما أكننتم في أنفسكم، فأما المؤمنون فيخبرهم ثم يغفر لهم، وأما أهل الشك والريب فيخبرهم بما أخفوا من التكذيب، فذلك قوله تعالى: ﴿فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء﴾ [البقرة: ٢٨٤] وهو أيضا قوله: ﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾ [البقرة: ٢٢٥] فالمحاسبة وإن وقعت لكن لا تقع المؤاخذة.
ويقول هذا الفريق: إن المراد بقوله: "نسخها الله" أزال ما تضمنته من الشدة بالتخصيص أو بالبيان، وكثيرا ما يطلق المتقدمون عليهما لفظ النسخ.
وقد أجاب مدعو النسخ عن هذين الوجهين، فقالوا عن الأول:
إن الآية وإن كانت خبرا فإنه خبر عن تكليف ومؤاخذة بما تكن النفوس، والتعبد بما أمرهم النبي ﷺ بأن يثبتوا عليه وأن يلتزموه وينتظروا لطف الله في الغفران، وأن يقولوا سمعنا وأطعنا، وهذه أقوال وأعمال اللسان والقلب، فينسخ ذلك عنهم برفع الحرج.
وعن الثاني: أن قولهم إن النسخ يصار إليه إذا تعذر البناء كلام صحيح، لكنه فيما لم يرد فيه النص بالنسخ، فإن ورد وقفنا عنده، نعم اختلف أصحاب الأصول في قول الصحابي ﵁: نسخ كذا بكذا، هل يكون حجة يثبت بها النسخ أو لا يثبت؟ لأنه قد يكون قوله هذا عن اجتهاده وتأويله، فلا يكون نسخا حتى ينقل ذلك عن النبي ﷺ .
وأخيرا قال الواحدي: والمحققون يختارون أن الآية محكمة غير منسوخة. والله أعلم.
هذا وقد أخذ بعضهم من الحديث جواز التكليف بما لا يطاق، محتجا باستعاذتهم منه، بقوله: ﴿ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾ ولا يستعيذون إلا بما يجوز التكليف به. ورد هذا القول بأن معنى ذلك ما لا نطيقه إلا بمشقة، أما قولهم: "كلفنا ما نطيق وقد أنزلت عليك آية لا نطيقها، فمرادهم أيضا كلفنا ما نطيق بيسر، وقد أنزلت عليك آية لا نطيقها إلا بمشقة. فلا حجة فيه على جواز التكليف بما لا يطاق.
[خاتمة] قال أبو إسحاق الزجاج: هذا الدعاء الذي في قوله تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ إلى آخر سورة البقرة أخبر الله تعالى به النبي ﷺ والمؤمنين، وجعله
стр. 415
في كتابه ليكون دعاء من يأتي بعد النبي ﷺ والصحابة ﵃، فهو من الدعاء الذي ينبغي أن يحفظ ويدعي به كثيرا. اهـ.
وقد روى مسلم أن رسول الله ﷺ قال: "من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه" قيل: كفتاه من قيام تلك الليلة، وقيل: كفتاه المكروه فيها. والله أعلم.
(ملحوظة) لشرح هذا الحديث صلة وثيقة بالحديث الآتي، فليراجع.
стр. 416
(٧٨) باب حكم الهم بالحسنة والهم بالسيئة
٢١٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به".
٢١٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تكلم به".
٢١٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "قال الله : إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه. فإن عملها فاكتبوها سيئة. وإذا هم بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة. فإن عملها فاكتبوها عشرا".
٢١٧ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "قال الله : إذا هم عبدي بحسنة ولم يعملها كتبتها له حسنة. فإن عملها كتبتها عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف. وإذا هم بسيئة ولم يعملها لم أكتبها عليه. فإن عملها كتبتها سيئة واحدة".
٢١٨ - عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها قال: قال رسول الله ﷺ "قال الله : إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعمل. فإذا عملها فأنا أكتبها بعشر أمثالها. وإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها. فإذا عملها فأنا أكتبها له بمثلها". وقال
стр. 417
رسول الله ﷺ "قالت الملائكة: رب! ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة (وهو أبصر به) فقال: ارقبوه. فإن عملها فاكتبوها له بمثلها. وإن تركها فاكتبوها له حسنة. إنما تركها من جراي". وقال رسول الله ﷺ "إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يعملها تكتب بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. وكل سيئة يعملها تكتب بمثلها حتى يلقى الله".
٢١٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة. ومن هم بحسنة فعملها كتبت له عشرا إلى سبعمائة ضعف. ومن هم بسيئة فلم يعملها، لم تكتب. وإن عملها، كتبت".
٢٢٠ - عن ابن عباس ﵄، عن رسول الله ﷺ ، فيما يروي عن ربه ﵎، قال: "إن الله كتب الحسنات والسيئات. ثم بين ذلك. فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة. وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة. وإن هم بها فعملها، كتبها الله سيئة واحدة".
٢٢١ - بمعنى حديث عبد الوارث وزاد "ومحاها الله. ولا يهلك على الله إلا هالك".
-[المعنى العام]-
حمدا لله على فضله وكرمه، وشكرا له على رحمته وإحسانه، أعطى هذه الأمة فأجزل عطاءها، وشملها بعفوه ومغفرته، فأحسن لها.
تجاوز لها عما حدثت به نفسها من السوء، وأثابها على تفكيرها في الخير وإن لم تخرجه إلى حيز الوجود، عفو في جانب السيئات، وإحسان وإكرام في جانب الحسنات.
أوحى الله تعالى إلى نبيه ﷺ أن يبشر أمته بهذا، على أسلوب الحديث النبوي.
ثم أمر ملائكته الكاتبين أن يلتزموا به، قال لهم: إذا هم عبدي بسيئة، وإذا فكر في معصية، وإذا حدثته نفسه بالإثم، فلا تكتبوا عليه ذنبا، ما لم يعمل بجوارحه ما عزم عليه، وارقبوه، فإن عمل السيئة التي صمم عليها فاكتبوها عليه سيئة واحدة، وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة.
стр. 418
أما إذا فكر في معروف، ونوى الخير، وقصد الإحسان، فاكتبوا له هذا القصد وهذا العزم حسنة كاملة، فإن عمل ما نواه فاكتبوها عشرة حسنات.
ثم ألزم نفسه، وأوحى إلى نبيه ﷺ ، أن يبلغ أمته على لسان ربه، وبأسلوب الحديث القدسي، أن الله جل شأنه يقول: إن الله قدر الحسنات والسيئات، وقرر في شأنهما قرارا كريما: إذا أراد عبدي أن يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة كاملة ما لم يعملها، فإذا عملها فأنا أكتبها له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة والله يضاعف لمن يشاء، وإذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فأنا أغفر له ولا أكتبها عليه ما لم يعملها، فإذا عملها أكتبها عليه بمثلها، وقد أمحوها وأغفر لمن أشاء.
فلله الحمد، وله الشكر، ونسأله جل شأنه أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، فإن من حرم هذا الفضل، وسدت عليه أبواب الهداية وفاتته هذه السعة، فهو المحروم الهالك، فاللهم إنا نسألك العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، رب العالمين.
-[المباحث العربية]-
(إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها) في القاموس: تجاوز عن ذنبه لم يؤاخذه به. اهـ فالفعل يتعدى بحرف الجر، كما جاء في الرواية الثانية "عما حدثت به أنفسها" فيكون في الرواية الأولى مضمنا معنى "غفر" مثلا.
ولفظ "أنفسها" ضبطه العلماء بالنصب والرفع، ففاعل "حدثت" في حالة النصب ضمير يعود إلى الأمة. "وما" مصدرية، أو موصولة وإعرابها موصولة أوضح، والتقدير: تجاوز لأمتي عن الذي حدثت الأمة به أنفسها، ويؤيد النصب رواية "إن أحدنا يحدث نفسه" وفي حالة الرفع على الفاعلية يكون المفعول محذوفا، والتقدير: عما حدثتهم به أنفسهم فهو كقوله تعالى: ﴿ونعلم ما توسوس به نفسه﴾ [ق: ١٦] ففيه إشارة إلى أن التحديث من النفس بغير اختيار.
(ما لم يتكلموا أو يعملوا به) الفعلان تنازعا الجار والمجرور، والأصل ما لم يتكلموا به أو يعملوا به، والمقصود ما لم يتحقق في الخارج، لأن ما حدثت به النفس إما أن يتحقق في الخارج باللسان كالغيبة والنميمة والكذب والقذف، وإما أن يتحقق في الخارج بالجوارح الأخرى كالزنا والسرقة وشرب الخمر والقتل.
وليس المقصود من قوله "ما لم يتكلموا" ما لم يحكوه، فإن الشخص إذا قال: حدثتني نفسي بكذا فحاربتها لا يكون متكلما بما حدثته نفسه، ولكنه متكلم عنه، فلا يدخل في المؤاخذة.
و"ما" مصدرية زمانية، أي مدة عدم كلامهم به، أو مدة عدم عملهم به.
(ما لم تعمل أو تكلم به) هذه عبارة الرواية الثانية، ولفظ "تكلم" أصله "تتكلم" حذفت منه إحدى التاءين.
стр. 419
(إذا هم عبدي) الهم ترجيح قصد الفعل، تقول: هممت بكذا أي قصدته بهمتي، وهو فوق مجرد خطور الشيء بالقلب، وسيأتي زيادة إيضاح له في فقه الحديث.
(كتبتها له) أي أمرت الكتبة بكتابتها له.
(فلا تكتبوها) الخطاب للملائكة الكاتبين.
(إلى سبعمائة ضعف) الضعف في اللغة المثل، والتحقيق أنه اسم يقع على العدد بشرط أن يكون معه عدد آخر، فإذا قيل: ضعف العشرة فهم أن المراد عشرون، ومن ذلك لو أقر بأن عليه ضعف درهم لزمه درهمان.
(سيئة واحدة) "واحدة" صفة مؤكدة، إذ الوحدة مفهومة من "سيئة" وهذا التأكيد لرفع توهم التضعيف الذي ذكر مع الحسنة.
(حدثنا أبو هريرة عن رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله) أي قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ .
(إذا تحدث عبدي) أي إذا تحدثت نفس عبدي، ففي الكلام مضاف محذوف.
(قالت الملائكة: رب) أي قال واحد منهم "رب" فالإخبار عن المجموع، لا أن كلا منهم نادى بقوله: رب.
(يريد أن يعمل سيئة) أي يهم وتحدثه نفسه بعملها، وليس المقصود العزم المباشر للعمل.
(وهو أبصر به) وهو -أي الله- أبصر بهذا العبد وبإرادته من الملائكة، وهذه الجملة اعتراضية، لا محل لها من الإعراب، جيء بها لرفع إيهام أن إخبارهم له لإفادة العلم.
(إنما تركها من جراي) بفتح الجيم وتشديد الراء، وبالمد "جرائي" وبالقصر "جراي"، ومعناه من أجلي.
(إذا أحسن أحدكم إسلامه) أي إذا أسلم إسلاما حقيقيًا وليس كإسلام المنافقين.
(فيما يروي عن ربه) يحتمل أن يكون مما تلقاه ﷺ عن ربه بلا واسطة، ويحتمل أن يكون مما تلقاه بواسطة الملك وهو الراجح.
قال الكرماني: يحتمل أن يكون من الأحاديث القدسية، ويحتمل أن يكون للبيان، لما فيه من الإسناد الصريح إلى الله، حيث قال: (إن الله كتب) ويحتمل أن يكون لبيان الواقع وليس فيه أن غيره ليس كذلك، لأنه ﷺ لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، بل فيه أن غيره كذلك إذ قال: "فيما يروي" أي في جملة ما يرويه. اهـ.
стр. 420
(إن الله كتب الحسنات والسيئات) يحتمل أن يكون هذا من قول الله تعالى، فيكون التقدير: قال الله: إن الله كتب، ويحتمل أن يكون من كلام النبي ﷺ ، يحكيه عن فعل الله تعالى، ومعنى "كتب" أمر الحفظة أن تكتب، أو المراد قدر ذلك في علمه.
(ثم بين ذلك، فمن هم) أي ثم بين الله ذلك أي فصله، وقوله: "فمن هم" شرح اسم الإشارة "ذلك" والمشار إليه كتابة الحسنات والسيئات، والمعنى: كتب الحسنات والسيئات ثم فصل هذه الكتابة بقوله: فمن هم إلخ.
(كتبها الله عنده حسنة كاملة) "عنده" أي عند الله، والقصد منها الإشارة إلى الشرف، ومزيد الاعتناء به، ووصف الحسنة بالكمال لرفع توهم نقصها، لكونها نشأت عن الهم المجرد، فكأنه قيل: بل هي كاملة لا نقص فيها، وفيها تعظيم الحسنة وتأكيد أمرها.
(كتبها الله سيئة واحدة) لم يصف السيئة بكاملة، كما وصف الحسنة، بل أكدها بقوله "واحدة" إشارة إلى تخفيفها، مبالغة في الفضل والإحسان.
(ومحاها الله) وفي رواية "أو يمحوها" فالواو في "ومحاها" بمعنى "أو" أي كتبها الله سيئة، فأبقاها أو محاها.
(ولا يهلك على الله إلا هالك) "على" بمعنى عند، أي من كثرت سيئاته مع هذا الفضل، وهذا الكرم فهو مستحق للهلاك، كأنه قال: ولا يهلك مع هذه السعة إلا مجرم متأصل الإجرام مسرف في المعاصي مستحق الهلاك.
-[فقه الحديث]-
ما يقع في النفس يتدرج في أربع مراتب:
الأولى: الخاطر والهاجس: وهو أن يخطر الشيء في النفس، ثم يذهب سريعا لا يثبت، بل يندفع ولا يستقر، وهو من الوسوسة، وهو في السيئات معفو عنه بلا خلاف.
الثانية: التردد: وهو فوق الخاطر، يخطر الشيء، فيهم به ثم ينفر عنه، ثم يهم به، ثم ينفر عنه، ولا يستمر على قصده، ولا على تركه، بالتساوي بين القصد والترك، وهو في السيئات معفو عنه أيضا بلا خلاف.
الثالثة: الهم: وهو ترجيح القصد، والميل إلى الشيء، وعدم النفور عنه والرغبة في الفعل، وإرادته التي لم تصل إلى العزم والتصميم، وهو في السيئات معفو عنه أيضا بنص وفقه هذه الأحاديث.
وهذه المراتب الثلاث إذا شغل أي منها بالخير والحسنات، رجونا أن تكتب حسنات بفضل الله وكرمه، وإن كانت حسنة الخاطر أقل من حسنة التردد، التي تكون أقل من حسنة الهم، وهكذا.
стр. 421
الرابعة: العزم والتصميم، وهو الميل إلى الشيء وعدم النفور عنه والتصميم على فعله، وقوة قصده، ورفع التردد فيه.
فإذا افترضنا درجة حسابية مئوية أعطينا الخاطر ما دون الـ ٥٠/ وتختلف مراتبه، وأعطينا التردد والتأرجح ٥٠/ وأعطينا الهم من ٥١/ إلى ٩٠/ مثلا، وتتفاوت مراتبه، وأعطينا العزم ما فوق ذلك، وتتفاوت مراتبه أيضا.
ولما كانت هذه المراتب الأربع يطلق عليها حديث النفس، خشي الصحابة أن يؤاخذوا بها كلها، حين نزل قوله تعالى: ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾ فبين لهم أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها - كما تقدم في الحديث السابق- ووضح لهم في هذه الأحاديث أن الله تجاوز لأمة محمد ﷺ عما حدثت به نفسها، وأن من هم بحسنة فله كذا، ومن هم بسيئة فحكمه كذا.
وقد قدمت أن المراتب الثلاث الأولى لا خلاف في تجاوز الله عنها، أما المرتبة الرابعة وهي العزم والتصميم، واستقرار الفعل في النفس، وعدم التردد فيه، فهي من حيث ما يتعلق بها به قسمان: قسم خاص بالعقيدة وهو من أعمال القلوب وحدها، كالإيمان بالله تعالى وبالرسول ﷺ وباليوم الآخر وبما علم من الدين بالضرورة، فالشك فيه وإنكاره قلبا كفر، ويعاقب عليه بلا خلاف.
وقسم دون ذلك من المعاصي، وفي تجاوز الله عنه خلاف بين العلماء.
إذ ذهب فريق الورع وتغليب الخوف على الرجاء إلى المؤاخذة عليه، مستدلين بقوله تعالى: ﴿إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة﴾ [النور: ١٩] وبقوله: ﴿ولم يصروا على ما فعلوا﴾ [آل عمران: ١٣٥] وقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم﴾ [الحجرات: ١٢] وقوله: ﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾ [البقرة: ٢٢٥] وقوله ﷺ : "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قيل: هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه".
وحملوا أحاديث العفو التي معنا على ما دون العزم والتصميم من الخاطر والتردد والهم، نعم قالوا: إن العزم على السيئة يكتب سيئة مجردة، وليست السيئة التي هم أن يعملها، فسيئة العزم غير سيئة الفعل. ثم افترق هؤلاء فقالت طائفة: بل يعاقب عليه يوم القيامة، ولكن بالعتاب لا بالعذاب، وحملوا عليه النجوى.
وذهب الذين يغلبون الرجاء إلى أن الله قد تجاوز عن حديث النفس، ولا يؤاخذ -في غير الكفر- إلا على أفعال الجوارح، واستدلوا بقوله ﷺ "إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به" فما قبل الكلام والفعل متجاوز عنه بنص الحديث.
ثم الحديث القدسي يقول: "إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه، فإن عملها فاكتبوها سيئة" ويقول في الرواية الأخرى: "وإذا هم بسيئة ولم يعملها لم أكتبها عليه، فإن عملها كتبتها سيئة واحدة" ويقول في الرواية التي بعدها: "وإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها ما لم يعملها، فإذا
стр. 422
عملها فأنا أكتبها عليه بمثلها" ويقول للملائكة في الرواية التي بعدها "ارقبوه، فإن عملها فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، إنما تركها من جراي".
كل هذه الأحاديث واضحة وصريحة في أن الكتابة والمؤاخذة موقوفة على العمل، أي العمل بالجوارح، لأن العمل إذا أطلق في مقابلة الهم كان ظاهرا في عمل الجوارح، بعيدا عن العزم والتصميم، ثم إن المقام مقام الفضل والتسامح، فلا يليق التضييق فيه.
وأجابوا عن الآية التي في سورة النور بأن المعنى: إن الذين يشيعون الفاحشة ويحبون ذلك، فالعذاب متوعد به على إشاعة الفاحشة مع حبها، لا على الحب وحده، لأنه أمر لا يملك، فلا عقاب عليه ولا مؤاخذة، وإنما العقاب على أسبابه المكتسبة، وعلى الآثار المترتبة عليه.
وعن قوله تعالى: ﴿ولم يصروا على ما فعلوا﴾ بأن عدم الإصرار ذكر كشرط لقبول التوبة، لا على أنه أساس عقوبة جديدة، إذ الآية تقول: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَاّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥ - ١٣٦] ومن المعلوم أن الإصرار على الذنب الذي ارتكب إنما هو امتداد لهذا الذنب.
وعن قوله تعالى: ﴿اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم﴾ [الحجرات: ١٢] بأن الظن المطلوب اجتنابه هو ذو الأسباب المكتسبة، أو ذو الآثار المترتبة عليه المقدورة، وسيأتي تمام إيضاحه.
وعن قوله تعالى: ﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾ بأنه ليس وعيدا لما كسبت القلوب وحدها، وإنما هو في مصاحبة القلوب للأعمال، والعفو عن الأعمال التي لم تصاحبها النية، إذ الآية كاملة تقول: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٥] ومن الواضح أنه لو عزم على الحلف ولم يحلف لا يعد حالفا.
وعن قوله ﷺ : "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" أجابوا بأن مؤاخذة المقتول ليست على العزم وحده، وإنما هي على الالتقاء، وشهر السلاح، وهو المراد بالحرص على قتل صاحبه، وهذا الفعل يؤاخذ به، حصل القتل أو لم يحصل.
وهؤلاء القائلون بعدم المؤاخذة على العزم إذا لم يصاحبه عمل افترقوا ثلاث فرق:
فرقة تقول بذلك على الإطلاق بدون استثناء.
وفرقة تستثني منه العزم على المعصية في الحرم استدلالا بقوله تعالى: ﴿ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم﴾ [الحج: ٢٥] وتعقب هذا بأن تعظيم الله آكد من تعظيم الحرم، ومع ذلك لا يؤاخذ من عزم على معصيته، فكيف يؤاخذ بما دونه؟ ويجاب عن هذا التعقب بأن المعصية في الحرم فيها ترك تعظيم الله، وترك تعظيم الحرم، فصارت المعصية فيه أشد من المعصية في غيره،
стр. 423
فيحتمل المؤاخذة على العزم فيه، ويمكن أن يلحق به من عزم على المعصية قاصدا الاستخفاف بالمعاصي، وهو ملحظ حسن.
وفرقة تستثني منه العزم على المعاصي التي محلها القلب، ولا تتعلق بفعل خارجي، كالكبر والعجب والمكر والحسد والظن، والتحقيق أن المؤاخذ عليه في مثل هذه الأمور إنما هو تناول الأسباب المكتسبة المؤدية إليها، والآثار الخارجية المترتبة عليها، يدل على ذلك قوله ﷺ : "ثلاث لا يسلم منها أحد: الطيرة، والظن، والحسد، قيل: فما المخرج منهن يا رسول الله؟ قال: إذا تطيرت فلا ترجع، وإذا ظننت فلا تحقق، وإذا حسدت فلا تبغ".
"أما بعد" ففي هذه الأحاديث موضوع البحث أحاديث قدسية، وأحاديث نبوية، وقد قيل في الفرق بينهما: إن الحديث القدسي لفظه ومعناه من عند الله، والحديث النبوي لفظه من عند الرسول ﷺ ومعناه من عند الله، وأن الحديث القدسي يسند إلى الله تعالى فيقال عنه: قال الله تعالى، والحديث النبوي يسند إلى النبي ﷺ .
والفرق بين القرآن الكريم والحديث القدسي -بناء على هذا- أن القرآن متواتر يكفر من جحد شيئا منه، بخلاف الحديث القدسي، وأن القرآن قصد بلفظه التحدي والإعجاز بخلاف الحديث القدسي، وإن كان في أعلى درجات البلاغة، وأن القرآن يتعبد بقراءته في الصلاة وغيرها بخلاف الحديث القدسي.
-[ويؤخذ من مجموعة أحاديث الباب]-
١ - أن المؤاخذة إنما تقع لمن هم على المعصية، فشرع فيها، لا من هم بها ولم يتصل بها العمل، ولو كان لمانع خارج عن إرادته، كمن قصد امرأة يزني بها، فلم تحضر، أو جاءه من يخلف موعده.
٢ - أن من تركها خوف الله كتبت له حسنة، أخذا من قوله في الرواية الخامسة، "وإن تركها فاكتبوها له حسنة، إنما تركها من جراي" وفي رواية البخاري: "وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة".
٣ - فيها دليل على أن الملك يطلع على ما في قلب الآدمي، ليكتب الحسنة إذا هم بها، وذلك إما بإطلاع الله إياه، أو بأن يخلق له علما يدرك به ذلك.
يؤيد الأول ما أخرجه ابن أبي الدنيا، عن أبي عمران الجوني قال: "ينادي الملك: اكتب لفلان كذا كذا، فيقول: يا رب إنه لم يعمله. فيقول: إنه نواه".
٤ - إن الهم بالحسنة يكتب حسنة كاملة، لأن إرادة الخير خير، ولا يقال: إذا كانت إرادة الحسنة حسنة فلم لم تضاعف والله يقول: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ [الأنعام: ١٦٠]؟ لأنا نقول إن ذلك التضعيف خاص بأعمال الجوارح، لأن الله تعالى يقول: ﴿من جاء بالحسنة﴾ والمجيء بها هو العمل، وإلا لزم مساواة من نوى الخير بمن فعله.
стр. 424
٥ - أنه إن فعل الحسنة التي هم بها كتبت له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، وليس معنى ذلك أن حسنة الإرادة تضاف إلى عشرة التضعيف فتكون الجملة إحدى عشرة كما هو ظاهر قوله: "فإذا عملها فأنا أكتبها له بعشر أمثالها" بل إن القصد أن حسنة الإرادة تندرج في عشر العمل، ولا يقال: إنه يلزم من ذلك مساواة من عمل الحسنة بغتة دون عزم، ومن عملها بعد الهم والعزم، لأنا نقول: لعل حسنة من هم وعزم تكون أعظم قدرا ممن لم يهم بها ولم يعزم.
٦ - وأنه إن ترك عمل الحسنة التي هم بها كتبت له حسنة كاملة بقطع النظر عن سبب الترك، سواء أكان لمانع أم لا، نعم يمكن أن يتفاوت عظم الحسنة بحسب المانع، فإن كان خارجيا، مع بقاء قصد المحسن فهي عظيمة القدر، خصوصا إذا صاحبه ندم على التفويت، وإن كان الترك من جهة الشخص نفسه فالحسنة أقل قدرا، فإن قارنها وصاحبها في هذه الحالة قصد الإعراض عنها، والرغبة عن فعلها جملة كانت أقل قدرا من سابقتها، فإن تركها وأوقع العمل في عكسها، كأن يريد أن يتصدق بدرهم مثلا، فصرفه بعينه في معصية، فحسنة عزمه الأول أقل وأقل، بل رجح الحافظ ابن حجر ألا يكتب له حسنة أصلا.
٧ - يؤخذ من قوله في الرواية السابعة: "إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة" أن الزيادة على السبعمائة ضعف ليس خاصا بالنفقة في سبيل الله -كما قيل- وإنما هو عام في وجوه الخير من حيث الزيادة في الإخلاص، وصدق العزم، وحضور القلب، وتعدي النفع.
٨ - قال ابن بطال: في هذا الحديث بيان فضل الله العظيم على هذه الأمة، لأنه لولا ذلك لكاد أن لا يدخل أحد الجنة، لأن عمل العباد للسيئات أكثر من عملهم الحسنات، ويؤيد ما دل عليه حديث الباب من الإثابة على الهم بالحسنة، وعدم المؤاخذة على الهم بالسيئة قوله تعالى: ﴿لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾ [البقرة: ٢٨٦] إذ ذكر في السوء الافتعال الذي يدل على المعالجة والتكلف فيه، بخلاف الحسنة.
٩ - وفيه أن الله بفضله وكرمه جعل العدل في السيئة والفضل في الحسنة، فضاعف الحسنة، ولم يضاعف السيئة، بل أضاف فيها إلى العدل الفضل، فأدارها بين العقوبة والعفو، بقوله في الرواية السابعة "ومحاها" وفي رواية البخاري "فجزاؤه مثلها أو أغفر".
١٠ - استدل به على أن الحفظة لا تكتب المباح، للتقييد بالحسنات والسيئات.
١١ - وفيه رد على الكعبي في زعمه أنه ليس في الشرع مباح، بل الفاعل إما عاص وإما مثاب، فمن اشتغل عن المعصية بشيء فهو مثاب، ووجه الرد أن تارك المعصية لا يثاب على الترك إلا إذا قصد به رضا الله تعالى كما قدمنا.
١٢ - أخذ بعضهم من قوله: "إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها" أن هذا خصوصية لأمة محمد ﷺ .
والله أعلم.
стр. 425
(٧٩) باب الوسوسة في الإيمان
٢٢٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء ناس من أصحاب النبي ﷺ فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به. قال "وقد وجدتموه؟ " قالوا: نعم. قال: "ذاك صريح الإيمان".
بهذا الحديث.
٢٢٣ - عن عبد الله ﵁ قال: سئل النبي ﷺ عن الوسوسة. قال: "تلك محض الإيمان".
-[المعنى العام]-
لا يفتأ الشيطان يحارب المؤمن، يأتيه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، ليحول بينه وبين الجنة، ليخرجه من حزب الله إلى حزب إبليس وجنوده.
وللشيطان في هذه الحرب وسائله التي تختلف باختلاف عدوه، فمع ضعيف الإيمان يستعمل الإغواء في الشهوات، والترغيب في المعاصي والموبقات، والإبعاد عن الطاعات والتكاسل عن الواجبات حتى يصل به إلى سهولة الخلاعة من الدين، وزعزعة الإيمان واليقين.
أما المؤمن القوي الذي يئس الشيطان من جره إلى المعاصي، ومنعه من الطاعات فإنه يدخل عليه باسم التفكير في الخالق وصفاته وكماله وقدرته التي خلقت السماء والأرض والكائنات، ثم يقفز به إلى التساؤل عن الذي خلق الله، فيتعاظم هذا الهاجس في نفس المؤمن، ويكبر أمام عقيدته هذه الوسوسة، ويعجب كيف وصل به الشيطان إلى هذه النقطة؟ ويستحي أن ينطق أمام أحد بما يسول له الشيطان، أمام هذا سأل ناس من الصحابة رسول الله ﷺ عما يجدون، فطمأنهم على إيمانهم، وأخبرهم أنه إذا وصل المؤمن إلى استعظام ما يوسوس به الشيطان فإنه يكون قد وصل إلى محض
следующие страницы →