← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

(٤٤٣) باب القصاص في القتل بالحجر وغيره ٣٨٣٧ - عن أنس بن مالك ﵁ أن يهوديًا قتل جارية على أوضاح لها، فقتلها بحجر. قال: فجيء بها إلى النبي ﷺ وبها رمق. فقال لها "أقتلك فلان" فأشارت برأسها أن لا، ثم قال لها الثانية فأشارت برأسها أن لا، ثم سألها الثالثة. فقالت: نعم وأشارت برأسها. فقتله رسول الله ﷺ بين حجرين. ٣٨٣٨ - - وفي رواية عن شعبة بهذا الإسناد نحوه وفي حديث ابن إدريس فرضخ رأسه بين حجرين. ٣٨٣٩ - عن أنس ﵁ أن رجلاً من اليهود قتل جارية من الأنصار على حلي لها، ثم ألقاها في القليب ورضخ رأسها بالحجارة. فأخذ، فأتي به رسول الله ﷺ ، فأمر به أن يرجم حتى يموت فرجم حتى مات. ٣٨٤٠ - عن أنس بن مالك ﵁ أن جارية وجد رأسها قد رض بين حجرين. فسألوها من صنع هذا بك؟ فلان؟ فلان؟ حتى ذكروا يهوديًا فأومت برأسها فأخذ اليهودي فأقر، فأمر به رسول الله ﷺ أن يرض رأسه بالحجارة. -[المعنى العام]- النفوس البشرية الشريرة موجودة في كل مجتمع، وتزيد ويعظم شرها إذا لم تؤخذ بجريرتها، وتعاقب عقوبة رادعة، وإذا كان الإسلام قد غرس في نفوس أبنائه الوازع الداخلي، والخوف من الله، ومراقبته في السر والعلن، فإن غير المسلمين أول الإسلام، وبخاصة اليهود لم يكن عندهم وازع سوى الأحكام الدنيوية فإذا أحس الواحد منهم غفلة القانون والحكام، راح يرتكب أبشع الجرائم، لأتفه الأسباب.

стр. 3607

وقصة هذا الحديث تحكي مدى ما وصل إليه اليهود من المادية ولتجدنهم أحرص الناس على حياة وأحرص الناس على المال، وارتكاب أفظع الجنايات من أجل عرض حقير. هذا يهودي يسكن الجزيرة العربية، ويجاور المسلمين بالمدينة، يرى صبية صغيرة، لم تبلغ الحلم، تبتعد قليلاً عن العمران، ربما كانت ترعى بعض غنمها، يراها وعليها بعض الحلي الفضية، حلق وخلخال مثلاً، بل ربما أسورة وقلادة، وماذا يساوي هذا القدر من الفضة؟ لكنه في نظر اليهودي كنز يضحي من أجله بالكثير، ربما حاول إغراء الصبية وخداعها لتعطيه حليها بوجه أو بآخر، ففشل، وربما حاول خلع حليها من أطرافها فامتنعت، وقاومت فلجأ إلى القوة، مستغلاً انقطاع الساحة من البشر، وخلوها ممن يمكن أن ينجد المسكينة، مهما صرخت واستغاثت، لقد أمسك حجرًا كبيرًا فضربها على رأسها، فسقطت برأسها على الأحجار، مغشيًا عليها، فسلبها ما على جسدها من حلي، وخاف أن تفيق فتبلغ عنه، فحملها وألقاها في بئر، ولم يكتف بذلك بل أخذ يرجمها بالحجارة، حتى ظن أنها فارقت الحياة. فانصرف، وتركها. وأفاقت يسيل دمها، وجراحها تؤلمها، فصرخت وصرخت، وسمعها أحد المارة، فأخرجها من البئر، وحملها إلى أهلها بالمدينة، الذين حملوها إلى النبي ﷺ ، وأرشد منقذها عن مكان حادثتها، والقوم يعرفون من يتردد على هذا المكان، أو من يسكنه، فأرشدوا رسول الله ﷺ عن أسماء أناس، تنحصر الشبهة فيهم، فعرضهم رسول الله ﷺ عليها واحدًا واحدًا، لكنها لا تستطيع الكلام مما بها، فكانت تشير برأسها حين يذكر لها الاسم: ليس هو، حتى ذكر اسم قاتلها، فأشارت بنعم، فجيء به، وضيق عليه الخناق، فأقر وأعترف، وقام بتمثيل ما فعله بها، فحكم الرسول ﷺ بالقصاص، فربطت رأسه إلى حجر كبير، ثم رجمت رأسه بالحجارة حتى مات. جزاء وفاقا ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ [البقرة: ١٩٤]. ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ [النحل: ١٢٦] ﴿ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون﴾ [البقرة: ١٧٩]. -[المباحث العربية]- (أن يهوديًا قتل جارية) الجارية تطلق على الحرة والأمة، في سن الغلام دون البلوغ، والظاهر هنا أنها كانت حرة ففي الرواية الثانية "جارية من الأنصار". (على أوضاح لها) أي بسبب أوضاح، وهي جمع وضح، والأوضاح حلي الفضة، أي قتلها من أجل أوضاح وحلي من فضة كانت عليها، وفي الرواية الثانية "على حلي لها" وفي رواية للبخاري "خرجت جارية عليها أوضاح بالمدينة" وفي رواية له "عدا يهود على جارية، فأخذ أوضاحًا كانت عليها، ورضخ رأسها".

стр. 3608

(فقتلها بحجر) في الرواية الثانية "ألقاها في القليب - أي البئر - ورضخ رأسها بالحجارة" وفي الرواية الثالثة "وجد رأسها قد رض بين حجرين" وفي رواية للبخاري "فرماها يهودي بحجر" ويجمع بينها بأنه رماها بحجر، فأصاب رأسها، فسقطت على حجر آخر، فألقاها في البئر، وضرب رأسها بالحجارة، والتعبير بـ"فقتلها" باعتبار ما آلت إليه، وإلا فحين ضربها لم يقتلها، وإنما آل أمرها إلى القتل نتيجة الإصابة. والرضخ، والرض بمعنى. (فجيء بها إلى النبي ﷺ ، وبها رمق) الرمق بقية الحياة والروح. (فقال لها: أقتلك فلان؟ ) القائل هو رسول الله ﷺ ، ففي رواية للبخاري "فقال لها رسول الله ﷺ : فلان قتلك"؟ ولا مانع أن يكون غيره ﷺ قد اشترك في سؤالها، ففي الرواية الثالثة "فسألوها من صنع هذا بك؟ " و"فلان" كناية عن اسم من الأسماء ذكر لها. (فأشارت برأسها: أن لا) معناه أنها لم تكن تستطيع أن تنطق، فهزت رأسها يمينًا وشمالاً تفيد النفي و"أن" مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، وخبرها ما دلت عليه "لا" أي أشارت إشارة يستفاد منها ما يستفاد منها لو نطقت بقولها: الحال والشأن لم يقتلها فلان المذكور. (ثم قال لها الثانية، فأشارت برأسها: أن لا) أي قال لها المرة الثانية: أقتلك فلان؟ كناية عن اسم آخر غير الأول. وفي الرواية الثالثة "فلان؟ فلان؟ " وفي رواية للبخاري "من فعل بك هذا؟ أفلان؟ أفلان؟ " وفي رواية "فلان قتلك؟ فرفعت رأسها - أي أشارت: لا - فأعاد، فقال: فلان قتلك؟ فرفعت رأسها، فقال لها في الثالثة: فلان قتلك؟ فخفضت رأسها". (ثم سألها الثالثة فقالت: نعم، وأشارت برأسها) أي أشارت برأسها بما يفيد نعم، أي خفضتها مرة أو مرتين، وفي الرواية الثالثة "حتى ذكروا يهوديًا - أي ذكروا لها اسم يهودي في المرة الثالثة - فأومأت برأسها" أي نعم. وفي رواية للبخاري "حتى سمى اليهودي". (فقتله رسول الله ﷺ بين حجرين) معطوف على محذوف، تقديره: فطلب اليهودي، فأخذ، فأتى به رسول الله ﷺ ، فطلب منه أن يعترف، فتلكأ، فلم يزالوا به برفق ولطف حتى اعترف، وأقر، فقتله، أي أمر بقتله بين حجرين، وفي ملحق الرواية "فرضخ رأسه بين حجرين" وفي الرواية الثانية "فأمر به أن يرجم حتى يموت، فرجم حتى مات" وفي الرواية الثالثة "فأمر رسول الله ﷺ أن يرض رأسه بالحجارة" ولا تنافي بين هذه الروايات، إذ يجمعها أنه نام ورأسه على حجر مربوط به، وأمر بقذفه بالحجارة، فدق رأسه بين حجر تحته، وحجر رجم به.

стр. 3609

-[فقه الحديث]- احتج الجمهور بهذا الحديث على أن القاتل يقتل بما قتل به، وتمسكوا بقوله تعالى ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ وبقوله تعالى ﴿فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ وخالف في ذلك الكوفيون، واحتجوا بحديث "لا قود إلا بالسيف" وهو ضعيف، وطرقه كلها ضعيفة، وعلى تقدير ثبوته، فإنه على خلاف قاعدتهم في أن السنة لا تنسخ الكتاب، ولا تخصصه. واستدلوا بحديث النهي عن المثلة، وهو صحيح، لكنه محمول عند الجمهور على غير المماثلة في القصاص، جمعا بين الدليلين. وتفرع على القتل بمثقل كحجر أو عصا أو حديدة خلاف بين الفقهاء في مسألتين: الأولى: متى يعتبر هذا القتل عمدًا؟ ومتى لا يعتبر؟ فقال عطاء وطاووس: شرط العمد أن يكون بسلاح، إذن القتل بحجر أو عصا أو حديدة ليس عمدًا على الإطلاق. وقال الحسن البصري والشعبي والنخعي والحكم وأبو حنيفة ومن تبعهم: شرط أن يكون بحديدة، والحديث يرد عليهم، وقد أجاب بعض الحنفية بأن هذا الحديث لا دلالة فيه على المماثلة في القصاص، لأن المرأة كانت حية، والقود لا يكون في حي، ورد بأنه إنما أمر بقتله بعد أن ماتت، فكان قصاصًا. وقال ابن المنذر: قال الأكثر: إذا قتله بشيء يقتل مثله غالبًا، فهو عمد. وقال ابن أبي ليلى: إن قتل بالحجر أو العصا ففيه نظر: إن كرر ذلك فهو عمد، وإلا فلا. وهذا غير مسلم، فقد يكون تأثير حجر واحد أقوى من تأثير مائة حجر، وكذلك العصا، وكلام ابن المنذر يتفق مع حديث المرأة التي رمت ضرتها بعمود الفسطاط، فقتلتها، فإن النبي ﷺ جعل فيها الدية. المسألة الثانية: اختلف القائلون بالقصاص بما قتل به، فيما إذا استعمل ما قتل، فلم يقتل، كرجل ضرب رجلاً بعصا مرة واحدة، فقتله، فأقيد، فضرب بالعصا، فلم يمت، هل يكرر عليه حتى يموت؟ فقيل: لا يكرر، وقيل: إن لم يمت قتل بالسيف. وماذا لو قتل رجل رجلاً بمحرم، كخمر ولواط وتحريق، قال ابن العربي: يستثنى من المماثلة ما كان فيه معصية، قال الحافظ ابن حجر: الأولان بالاتفاق، وفي الثالث خلاف عند الشافعية. والحديث ظاهر في جواز سؤال الجريح: من جرحك؟ قال النووي: وفائدة السؤال أن يعرف المتهم، ليطالب، فإن أقر ثبت عليه القتل، وإن أنكر فالقول قوله مع يمينه، ولا يلزمه شيء بمجرد قول المجروح. هذا مذهبنا ومذهب الجماهير، وقد سبق في القسامة. ومذهب مالك ثبوت القتل على المتهم بمجرد قول المجروح، وتعلقوا بهذا الحديث، وهذا تعلق باطل، لأن اليهودي اعترف، كما صرح به مسلم في إحدى رواياته، فقتل باعترافه.

стр. 3610

قال الحافظ ابن حجر: وادعى ابن المرابط، من المالكية، أن هذا الحكم كان في أول الإسلام، وهو قبول قول القتيل، قال: وأما ما جاء أنه اعترف، فهو في رواية قتادة، ولم يقله غيره، وهذا مما عد عليه. اهـ قال الحافظ: ولا يخفى فساد هذه الدعوى، فقتادة حافظ، وزيادته مقبولة، لأن غيره لم يتعرض لنفيها، فلم يتعارضا، والنسخ لا يثبت بالاحتمال. واستدل بالحديث على وجوب القصاص على الذمي، وتعقب بأنه ليس فيه تصريح بكونه ذميًا، فيحتمل أن يكون معاهدًا أو مستأمنًا. وفي الحديث قتل الرجل بالمرأة. قال النووي: وهذا إجماع من يعتد به. اهـ وقال ابن المنذر: أجمعوا على أن الرجل يقتل بالمرأة، إلا رواية عن علي وعن الحسن وعطاء، وخالف الحنفية فيما دون النفس. واللَّه أعلم

стр. 3611

(٤٤٤) باب الصائل على نفس الإنسان أو عضوه والقصاص في الأسنان وما في معناها ٣٨٤١ - عن عمران بن حصين ﵁ قال: قاتل يعلى بن منية أو ابن أمية رجلاً فعض أحدهما صاحبه، فانتزع يده من فمه فنزع ثنيته (وقال ابن المثنى ثنيتيه) فاختصما إلى النبي ﷺ فقال "أيعض أحدكم كما يعض الفحل؟ لا دية له". ٣٨٤٢ - عن عمران بن حصين ﵁ أن رجلاً عض ذراع رجل فجذبه فسقطت ثنيته. فرفع إلى النبي ﷺ ، فأبطله وقال "أردت أن تأكل لحمه؟ ". ٣٨٤٣ - عن صفوان بن يعلى ﵁ أن أجيرًا ليعلى بن منية عض رجل ذراعه فجذبها فسقطت ثنيته. فرفع إلى النبي ﷺ فأبطلها وقال "أردت أن تقضمها كما يقضم الفحل؟ ". ٣٨٤٤ - عن عمران بن حصين ﵁ أن رجلاً عض يد رجل فانتزع يده فسقطت ثنيته أو ثناياه، فاستعدى رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ "ما تأمرني؟ تأمرني أن آمره أن يدع يده في فيك تقضمها كما يقضم الفحل؟ ادفع يدك حتى يعضها ثم انتزعها". ٣٨٤٥ - عن صفوان بن يعلى بن منية عن أبيه قال: أتى النبي ﷺ رجل وقد عض يد رجل فانتزع يده فسقطت ثنيتاه (يعني الذي عضه) قال: فأبطلها النبي ﷺ وقال "أردت أن تقضمه كما يقضم الفحل؟ ". ٣٨٤٦ - أخبرني صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه قال: غزوت مع النبي ﷺ غزوة تبوك قال: وكان يعلى يقول تلك الغزوة أوثق عملي عندي. فقال عطاء: قال صفوان: قال

стр. 3612

يعلى: كان لي أجير فقاتل إنسانًا فعض أحدهما يد الآخر (قال لقد أخبرني صفوان أيهما عض الآخر) فانتزع المعضوض يده من في العاض فانتزع إحدى ثنيتيه، فأتيا النبي ﷺ ، فأهدر ثنيته. ٣٨٤٧ - عن أنس ﵁ أن أخت الربيع أم حارثة جرحت إنسانًا، فاختصموا إلى النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ "القصاص القصاص" فقالت أم الربيع: يا رسول الله أيقتص من فلانة؟ والله لا يقتص منها. فقال النبي ﷺ "سبحان الله يا أم الربيع القصاص كتاب الله" قالت: لا والله، لا يقتص منها أبدًا. قال: فما زالت حتى قبلوا الدية. فقال رسول الله ﷺ "إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره". -[المعنى العام]- حماية الإنسان من الإنسان شريعة الله منذ قديم الزمان، فقد اعتدى هابيل على قابيل، من أجل ذلك كتب الله على بني آدم في التوراة ﴿أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص﴾ [المائدة: ٤٥] وقال في القرآن الكريم ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ [النحل: ١٢٦] وقال ﴿ولكم في القصاص حياة﴾ [البقرة: ١٧٩] وقال ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ [البقرة: ١٩٤] وكان في هذا القانون الإلهي، وفي تطبيقه حصر دائرة الجناية على نفس الآدمي وأعضائه في أضيق الحدود، لكن من كان قبل الإسلام أسرفوا الشفاعات في حدود الله، والمجاملات والمحاباة في توقيع العقوبات، فكانوا إذا جنى فيهم الشريف تركوه، وإذا جنى فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، فحسم الإسلام هذا الداء بقانونه الخالد: "لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها" وهذه أم الربيع، من أشراف العرب، ضربت جارية على وجهها، فسقطت سن من أسنانها. فقال رسول الله ﷺ : القصاص. القصاص. كتاب الله يأمر بالقصاص، وعظم على أهل الشريفة الجميلة أن تكسر سنتها فتشفعوا إلى رسول الله ﷺ ، لكنه لا شفاعة في حكم الله. فلم يزد على قوله: القصاص. القصاص. وتشفعوا عند أهل المجني عليها، وعرضوا عليهم من المال عوضًا ما عرضوا، فتمسكوا بالقصاص، فقال أخوها: والله يا رسول الله لا تكسر سنة أم الربيع أبدًا. إننا نطمع في شفاعتك، وفي عفو المجني عليها، فيقول ﷺ : سبحان الله. لماذا التلكؤ في تنفيذ حكم الله؟ القصاص. القصاص، ويطمئن أهل المجني عليها على ثبوت الحق، والقدرة على الجانية، ومن باب العفو عند القدرة يتنازلون عن القصاص، ويرضون بالدية، ويعجب ﷺ من يمين أخ الجانية أن أبره الله، ولم يحنثه فيه، فيقول: إن من عباد الله من يجيب الله دعاءه، ويبر قسمه.

стр. 3613

لكن الجناية أحيانًا لا تكون مقصودة للجاني، أو تكون دفاعًا عن النفس، أو ردًا على جناية سابقة، فهل الجناية على المعتدي تعتبر اعتداء يقتص لها؟ هذا ما تصوره قصة الأحاديث الأولى، يعلى بن أمية، الصحابي الجليل، يختلف مع رجل، قد استأجره يعلى، ليساعده على بعض أموره، يغضبان، فيتدافعان بأيديهما، فيقضم يعلى يد الأجير فيتألم الأجير، فينتزع يده بقوة من فم يعلى، فتسقط سن من أسنان يعلى، فيرفع الأمر لرسول الله ﷺ ، ليحكم له بالقصاص، أو بدية السن، فيحكم رسول الله ﷺ ببراءة الأجير، لأنه كان في حالة الدفاع عن النفس، فيقول: لا دية ولا قصاص. -[المباحث العربية]- (باب الصائل) يقال: صال يصول صولاً وصولانًا، سطا عليه ليقهره. (قاتل يعلى ابن منية أو ابن أمية) "منية" بضم الميم وسكون النون وفتح الياء وهي أم يعلى، وقيل: جدته، والأول هو المعتمد. وبعض الرواة صحفها إلى "منبه" بالباء، وهو خطأ، و"أمية" اسم أبيه، فيصح أن يقال: يعلى بن أمية، ويعلى بن منية، أسلم يوم الفتح، وشهد مع النبي ﷺ ما بعدها، كحنين والطائف وتبوك. (رجلاً، فعض أحدهما صاحبه) وفي الرواية الثالثة "عن صفوان بن يعلى أن أجيرًا ليعلى بن منية، عض رجل ذراعه" وهذه الرواية مرسلة، فصفوان تابعي، وهي تفيد أن المعضوض أجير يعلى، وفي رواية "أن رجلاً من بني تميم قاتل رجلاً، فعض يده" ويعلى من بني تميم، والأجير ليس من بني تميم، فهي تشير أن العاض يعلى، ومن هنا يرى الحافظ ابن حجر أن الرجلين المبهمين يعلى وأجيره، وأن يعلى أبهم نفسه، لأنه العاض، وأنكر القرطبي أنك يكون يعلى هو العاض فقال: يظهر من هذه الرواية أن يعلى هو الذي قاتل الأجير وفي الرواية الأخرى "أن أجيرًا ليعلى عض يد رجل" وهذا هو الأولى والأليق، إذا لا يليق ذلك الفعل بيعلى، مع جلالته وفضله، اهـ قال الحافظ ابن حجر: لم يقع في شيء من الطرق أن الأجير هو العاض، وأما استبعاده أن يقع ذلك من يعلى مع جلالته فلا معنى له مع ثبوت التصريح به في الخبر الصحيح، فيحتمل أن يكون ذلك صدر منه في أوائل إسلامه، فلا استبعاد. وقال النووي: أما أن في بعض الروايات أن يعلى هو المعضوض، وفي بعضها أن المعضوض أجير ليعلى، لا يعلى، فقال الحفاظ: الصحيح المعروف أن المعضوض أجير يعلى، لا يعلى، ويحتمل أنهما قضيتان، جرتا ليعلى ولأجيره، في وقت أو وقتين. وتعقبه الترمذي بأنه ليس في رواية مسلم ولا رواية غيره في الكتب الستة ولا غيرها أن المعضوض هو يعلى، لا صريحًا ولا إشارة، فيتعين على هذا أن يعلى هو العاض. وفي روايات مسلم أن المعضوض "يد" أو "ذراع" ولا تعارض، لكن المشكل رواية البخاري في

стр. 3614

الإجارة "فعض إصبع صاحبه، فانتزع إصبعه" قال الحافظ ابن حجر: وفي الجمع بين الذراع والإصبع عسر، ويبعد الحمل على تعدد القصة، لاتحاد المخرج، لأن مدارها على عطاء عن صفوان بن يعلى عن أبيه، فالذي يترجح الذراع، وانفراد ابن علية عن ابن جريج بلفظ الإصبع، لا يقاوم الروايات المتعاضدة على الذراع. اهـ قلت: يحتمل أن يعلى عض إصبع الرجل، فانتزعه بسرعة لصغره، فأمسك بذراعه فعضه، فحصل ما حصل، فهذا الاحتمال خير من رد رواية صحيحة. (فجذبه، فسقطت ثنيته) أي فجذب المعضوض ذراعه، كذا في الرواية الثانية "فجذبه" بالتذكير، مع أن الذراع مؤنث عند جمهور أهل اللغة، فإعادة الضمير عليه مذكرًا باعتباره عضوًا، وعند الجوهري: ذراع اليد يذكر ويؤنث، وذراع الآدمي من طرف المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى. "والثنية" إحدى الأسنان الأربع التي في مقدم الفم، ثنتان من فوق، وثنتان من تحت، وفي الرواية الخامسة "فسقطت ثنيتاه" بالتثنية، وفي الرواية الرابعة "ثنيته أو ثناياه" قال الحافظ ابن حجر: وقد تترجح رواية التثنية، لأنه يمكن حمل الرواية التي بصيغة الجمع عليها، على رأي من يجيز في الاثنين صيغة الجمع، ورد الرواية التي بالإفراد إليها، على إرادة الجنس، وقول من يقول بالتعدد بعيد، لاتحاد المخرج. (فاختصما إلى النبي ﷺ من المتبادر أن الذي رفع الأمر هو يعلى الذي سقطت ثنيتاه، يقوي هذا قوله في الرواية الرابعة "فسقطت ثنيته، فاستعدى رسول الله ﷺ " أي استعانه واستنصره، وكان الخطاب له في "ما تأمرني؟ تأمرني أن آمره أن يدع يده في فيك .... إلخ". وفي الرواية السادسة "فأتيا النبي ﷺ ولعل من سقطت ثنيته أخذ من أسقطها، وانضم إليهما بعض أهلهما فأتوا النبي ﷺ ، ففي بعض الروايات عند البخاري "فاختصموا إلى النبي ﷺ ". (أيعض أحدكم كما يعض الفحل؟ ) يقال: عض يعض بفتح العين، والفحل الذكر من الإبل، ويطلق على الذكر من غير الإبل من الدواب، والاستفهام إنكاري توبيخي، أي لا ينبغي أن يعض أحدكم .. وفي الرواية الرابعة والخامسة "أن تقضمه كما يقضم الفحل" يقال: قضم يقضم بفتح الضاد على اللغة الفصيحة، والقضم الأكل بأطراف الأسنان. وفي الرواية الثانية "أردت أن تأكل لحمه؟ " وفي الرواية الخامسة "أردت أن تقضمه، كما يقضم الفحل"؟ وفي الرواية الرابعة "ما تأمرني؟ تأمرني أن آمره أن يدع يده في فيك، تقضمها، كما يقضم الفحل، ادفع يدك حتى يعضها، ثم انتزعها" قال النووي: ليس المراد بهذا أمره بدفع يده ليعضها، وإنما معناه الإنكار عليه، أي إنك لا تدع يدك في فيه يعضها، فكيف تنكر عليه أن ينتزع يده من فيك؟ وتطالبه بما جنى في جذبه لذلك؟ (لا دية له) أي لا دية له عن ثنيته، ومن باب أولى لا قصاص. وفي الرواية الثانية "فأبطله" أي فأبطل طلب الدية، وفي الرواية الثالثة والخامسة "فأبطلها" أي أبطل قصاصها وديتها، وفي الرواية السادسة "فأهدر ثنيته" أي جعلها هدرًا لا دية لها.

стр. 3615

(أن أخت الربيع - أم حارثة، جرحت إنسانًا) قال النووي: هذه رواية مسلم، وخالفه البخاري في روايته، فقال: عن أنس بن مالك أن عمته الربيع - بضم الراء وفتح الباء وتشديد الياء المكسورة - كسرت ثنية جارية، فطلبوا إليها العفو، فعرضوا الأرش، فأبوا، فأتوا رسول الله ﷺ ، وأبوا إلا القصاص، فأمر رسول الله ﷺ بالقصاص، فقال أنس بن النضر: يا رسول الله، أتكسر ثنية الربيع؟ لا. والذي بعثك بالحق، لا تكسر ثنيتها. فقال رسول الله ﷺ : يا أنس، كتاب الله القصاص، فرضي القوم، فعفوا، فقال رسول الله ﷺ : إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره" هذا لفظ رواية البخاري، فحصل الاختلاف في الروايتين من وجهين: أحدهما: أن في رواية مسلم، أن الجارحة الجانية أخت الربيع، وفي رواية البخاري أنها الربيع بنفسها. والثاني: أن في رواية مسلم أن الحالف لا تكسر ثنيتها أم الربيع، في رواية البخاري أنه أنس بن النضر، قال العلماء: المعروف في الروايات رواية البخاري، وقد ذكرها من طرقه الصحيحة، وكذا رواه أصحاب كتب السنن، قال النووي: قلت: إنهما قضيتان، أما الربيع الجارحة في رواية البخاري وهي أخت الجارحة في رواية مسلم فهي بضم الراء وفتح الباء وتشديد الياء، وأما أم الربيع الحالفة في رواية مسلم فبفتح الراء وكسر الباء وتخفيف الياء. اهـ. قال الكرماني: القول بأن هذه امرأة أخرى لم ينقل عن أحد، والصواب "أن الربيع جرحت إنسانًا" بحذف لفظة "أخت" ومال الحافظ ابن حجر إلى قول النووي، وأضاف وجهًا ثالثًا للاختلاف بين الروايتين وهو: هل الجناية كسر الثنية أو الجراحة؟ وقال: وجزم ابن حزم بأنهما قصتان صحيحتان، وقعتا لامرأة واحدة، إحداهما أنها جرحت إنسانًا، فقضي عليها بالضمان، والأخرى أنها كسرت ثنية جارية، فقضي عليها بالقصاص، وحلفت أمها في الأولى - فالمقصود من أم الربيع ليست الكنية، وإنما والدة الربيع، والجانية في المرتين هي الربيع - وحلف أخوها في الثانية، وقال البيهقي بعد أن أورد الروايتين: ظاهر الخبرين يدل على أنهما قصتان، فإن قبل هذا الجمع، قبل، وإلا فثابت (الراوي عن أنس عند مسلم) أحفظ من حميد (الراوي عن أنس عند البخاري). (القصاص. القصاص) منصوب على الإغراء، مفعول به لفعل محذوف، أي الزموا القصاص. (أيقتص من فلانة؟ واللَّه لا يقتص منها) وفي رواية البخاري: قال أنس بن النضر: يا رسول الله، أتكسر ثنية الربيع؟ لا. والذي بعثك بالحق، لا تكسر ثنيتها" وسواء كان القائل أنسًا، أو أم الربيع، أو هما، فليس معناه رد حكم النبي ﷺ ، بل المراد به الرغبة إلى مستحق القصاص أن يعفو، وإلى النبي ﷺ في الشفاعة إليهم في العفو، وإنما حلف أنس أو أم الربيع ثقة بهم ألا يحنثوه، أو ثقة بفضل الله ولطفه ألا يحنثه، بل يلهمهم العفو، وقد وقع الأمر على ما أراد. (القصاص كتاب اللَّه) المشهور على أنهما مرفوعان، مبتدأ وخبر، ويحتمل نصبهما على

стр. 3616

الإغراء، والمراد بالكتاب الحكم، أي الزموا القصاص، الزموا حكم الله، ويحتمل تقدير مضاف، أي الزموا حكم كتاب الله، والمقصود به قوله تعالى: ﴿فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ وقيل: قوله تعالى ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص﴾ (فمازالت حتى قبلوا الدية) أي فمازالت ترجو مستحق القصاص وتشفع لهم حتى عفوا عن القصاص، وقبلوا دية السن، وفي رواية البخاري "فرضي القوم وعفوا" وفي رواية له "فرضي القوم، وقبلوا الأرش" وفي رواية "فرضي أهل المرأة بأرش أخذوه، فعفوا". (إن من عباد اللَّه من لو أقسم على الله لأبره) أي لأبر قسمه، ولم يحنثه. وفي رواية للبخاري "فعجب النبي ﷺ ، وقال: إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره" ووجه تعجبه أن أنس بن النضر أقسم على نفي فعل غيره، مع إصرار ذلك الغير على إيقاع ذلك الفعل، فكان قضية ذلك في العادة أن يحنث في يمينه، فألهم الله الغير العفو، فبر قسم أنس، وأشار بقوله "إن من عباد الله" إلى أن هذا الاتفاق، إنما وقع إكرامًا من الله لأنس، ليبر بيمينه، وإنه من جملة عباد الله الذين يجيب دعاءهم، ويعطيهم طلبهم. -[فقه الحديث]- في هذه الأحاديث نقطتان رئيستان: الأولى: هل على المعضوض إذا أسقط أسنان العاض - في مثل هذه القصة المروية في الروايات الست قصاص؟ أو دية؟ الثانية: وهي الخاصة بالرواية السابعة القصاص في السن، وما في معناها. أما النقطة الأولى: فقد أخذ بظاهر هذه القصة الشافعية والحنفية والجمهور، فقالوا: لا يلزم المعضوض قصاص ولا دية، لأن العاض في حكم الصائل، واحتجوا أيضًا بالإجماع على أن من شهر على آخر سلاحًا، ليقتله، فدفع عن نفسه، فقتل الشاهر، أنه لا شيء عليه، فكذا لا يضمن سنه، بدفعه إياه، قالوا: ولو جرحه المعضوض في موضع آخر، لم يلزمه شيء، وشرط الإهدار أن يتألم المعضوض، وأن لا يمكنه التخلص بغير ذلك من ضرب في شدقيه، أو فك لحيته، ومهما أمكن التخلص بدون ذلك، فعدل عنه إلا الأثقل، لم يهدر. وعند الشافعية وجه أن يهدر على الإطلاق، ووجه أنه لو دفعه بغير ذلك ضمن، وإن كان بأخف. وعن مالك روايتان، أشهرهما يجب الضمان، وأجابوا عن هذا الحديث باحتمال أن يكون سبب الإنذار شدة العض، لا النزع، فيكون سقوط ثنية العاض بفعله، لا بفعل المعضوض، إذ لو كان من فعل صاحب اليد لأمكنه أن يخلص يده من غير قلع، ولا يجوز الدفع بالأثقل مع إمكان الأخف، وقال بعض

стр. 3617

المالكية: العاض قصد العضو نفسه، والذي استحق في إتلاف ذلك العضو، غير ما فعل به، فوجب أن يكون كل منهما ضامنًا ما جناه على الآخر، كمن قلع عين رجل، فقطع الآخر يده. وتعقب بأنه قياس في مقابلة النص، فهو فاسد. وقال بعضهم: لعل أسنانه كانت تتحرك، فسقطت عقب النزع، وسياق الحديث يدفع هذا الاحتمال. وتمسك بعضهم بأنها واقعة عين، ولا عموم لها وتعقب بأن البخاري أخرج في الإجارة، عقب حديث يعلى هذا، من طريق أبي بكر الصديق ﵁ أنه وقع عنده مثل ما وقع عند النبي ﷺ وقضى فيه بمثله. وقد نبه ابن دقيق العيد على أن القيود التي وضعها الجمهور ليست في الحديث، وإنما أخذها الجمهور من القواعد الكلية، وكذا إلحاق عضو آخر غير الفم بالفم، فإن النص إنما ورد في صورة مخصوصة. قال ابن بطال: لم يقع هذا الحديث لمالك، وإلا لما خالفه، وقال الداودي: لم يروه مالك، لأنه من رواية أهل العراق، وقال أبو عبد الملك: كأنه لم يصح الحديث عنده، لأنه أتى من قبل المشرق. ولم يقبل الحافظ ابن حجر هذا الاعتذار عن مالك، فقال: إن سلم هذا في حديث عمران فلا يسلم في طريق يعلى بن أمية، فقد رواها أهل الحجاز، وحملها عنهم أهل العراق. واعتذر بعض المالكية بفساد الزمان. وأما النقطة الثانية: فقد قال ابن بطال: أجمعوا على قلع السن بالسن في العمد، واختلفوا في سائر عظام الجسد، فقال مالك: فيها القود، إلا ما كان مجوفًا، ففيه الدية، واحتج بالآية، ووجه الدلالة منها أن شرع من قبلنا شرع لنا، إذا ورد على لسان الشارع بغير إنكار، وقد دل قوله (السن بالسن) على أجراء القصاص في العظم، لأن السن عظم، إلا ما أجمعوا على أن لا قصاص فيه، إما لخوف ذهاب النفس، وإما لعدم الاقتدار على المماثلة فيه. وقال الشافعي والليث والحنفية: لا قصاص في العظم، غير السن، لأن دون العظم حائلاً، من جلد ولحم وعصب، يتعذر معه المماثلة، فلو أمكنت لحكمنا بالقصاص، ولكنه لا يصل إلى العظم، حتى ينال ما دونه، مما لا يعرف قدره. وقال الطحاوي: اتفقوا على أنه لا قصاص في عظم الرأس، فيلتحق به سائر العظام. وتعقب بأنه قياس مع وجود النص، فإن في حديث الباب أنها كسرت الثنية، فأمرت بالقصاص، مع أن الكسر لا تطرد فيه المماثلة. -[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]- ١ - استدل بعضهم بقوله في الرواية الرابعة "ادفع يدك حتى يعضها، ثم انتزعها" على إجراء القصاص في العضة، وقد يقال: إن العض هنا إنما أذن فيه للتوصل إلى القصاص في قلع السن. والجواب السديد، أن هذا الأمر أمر تهديد. ٢ - استدل بالقصة على التحذير من الغضب، وأن عاقبة الانسياق معه، والتصرف بدوافعه عاقبة وخيمة لأنه أدى إلى سقوط ثنية الغضبان، لأن يعلى غضب من أجيره، فعضه

стр. 3618

يعلى، فنزع الأجير يده، فسقطت ثنية يعلى، ولولا الاسترسال مع الغضب لسلم من ذلك، فينبغي لمن غضب أن يكظم غيظه. ٣ - استدل بالرواية السادسة، بقول يعلى عن غزوة تبوك "كان لي أجير" على جواز استئجار الحر، للخدمة وكفاية مؤنة العمل في الغزو، لا ليقاتل عنه. ٤ - وفيه رفع الجناية إلى الحاكم من أجل الفصل، وأن المرء لا يقتص لنفسه. ٥ - وأن المتعدي بالجناية يسقط ما ثبت له بسببها من جناية، إذا ترتبت الثانية على الأولى. ٦ - ومن قوله "كما يعض الفحل" جواز تشبيه فعل الآدمي بفعل البهيمة، إذا وقع في مقام التنفير عن مثل ذلك الفعل، وفي الحديث "الراجع في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه". ٧ - ومن إنكار يعلى نفسه، أن من وقع له أمر يأنفه، أو يحتشم من نسبته إليه إذا حكاه، كنى عن نفسه بأن يقول: فعل رجل، أو إنسان، أو نحو ذلك، كذا وكذا. وقد وقع لعائشة ﵂ مثل ذلك، حيث قالت "قبل رسول الله ﷺ امرأة من نسائه" فقال لها عروة: هل هي إلا أنت؟ "فتبسمت". ٨ - وفيه إشارة إلى تحريم العض، وقبحه، وأنه لا يليق بأهل المروءات. ٩ - ومن قوله في الرواية الرابعة "ما تأمرني؟ تأمرني أن آمره أن يدع يده في فيك، تقضمها كما يقضم الفحل" تنبيه الجاني إلى حيثيات الحكم ليقتنع به. ١٠ - ومن الرواية السابعة قال النووي: فيها إثبات القصاص بين الرجل والمرأة، وفيه ثلاثة مذاهب: أحدها: مذهب عطاء والحسن، أنه لا قصاص بينهما، في نفس ولا طرف، تعلقا بقوله تعالى ﴿والأنثى بالأنثى﴾ [البقرة: ١٧٨]. الثاني: مذهب جماهير العلماء من الصحابة والتابعين، فمن بعدهم، ثبوت القصاص بينهما في النفس، وفيما دونها، مما يقبل القصاص، واحتجوا بقوله تعالى ﴿النفس بالنفس .. ﴾ إلى آخر الآية. الثالث: وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه: يجب القصاص بين الرجال والنساء في النفس، ولا يجب فيما دونها. اهـ. كذا قال النووي. ولست أرى دلالة في الحديث على ما قال: وإنما يستدل على المسألة بحديث اليهودي والجارية السابقة. ١١ - وفيه وجوب القصاص في السن، وهو مجمع عليه، إذا قلعها كلها، فإن كسر بعضها ففيه في كسر سائر العظام خلاف. ١٢ - وجواز الحلف فيما يظنه الإنسان.

стр. 3619

١٣ - والثناء على من لا يخاف عليه الفتنة بالثناء. ١٤ - واستحباب العفو عن القصاص. ١٥ - واستحباب الشفاعة في العفو. ١٦ - وأن الخيرة بين القصاص والدية إلى مستحقه. ١٧ - وأن كل من وجب له القصاص في النفس أو دونها، فعفا على مال، فرضوا به جاز. واللَّه أعلم

стр. 3620

(٤٤٥) باب حرمة الدماء والأعراض والأموال ٣٨٤٨ - عن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة". ٣٨٤٩ - عن عبد الله ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ فقال "والذي لا إله غيره لا يحل دم رجل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا ثلاثة نفر: التارك الإسلام المفارق للجماعة أو الجماعة (شك فيه أحمد) والثيب الزاني، والنفس بالنفس". ٣٨٥٠ - - وفي رواية عن الأعمش بالإسنادين جميعًا نحو حديث سفيان ولم يذكرا في الحديث قوله "والذي لا إله غيره". ٣٨٥١ - عن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لا تقتل نفس ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه كان أول من سن القتل". ٣٨٥٢ - - وفي رواية عن الأعمش بهذا الإسناد وفي حديث جرير وعيسى بن يونس "لأنه سن القتل" لم يذكرا أول.

стр. 3621

٣٨٥٣ - عن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء". ٣٨٥٤ - - عن شعبة "يقضى" وبعضهم قال "يحكم بين الناس". ٣٨٥٥ - عن أبي بكرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات، ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب شهر مضر الذي بين جمادى وشعبان" ثم قال "أي شهر هذا؟ " قلنا الله ورسوله أعلم. قال: فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال "أليس ذا الحجة؟ " قلنا: بلى. قال "فأي بلد هذا؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال "أليس البلدة؟ " قلنا: بلى. قال "فأي يوم هذا؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال "أليس يوم النحر؟ " قلنا: بلى يا رسول الله. قال "فإن دماءكم وأموالكم (قال محمد وأحسبه قال) وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا. وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم فلا ترجعن بعدي كفارًا (أو ضلالاً) يضرب بعضكم رقاب بعض. ألا ليبلغ الشاهد الغائب فلعل بعض من يبلغه يكون أوعى له من بعض من سمعه" ثم قال "ألا هل بلغت؟ " قال ابن حبيب في روايته "ورجب مضر" وفي رواية أبي بكر "فلا ترجعوا بعدي". ٣٨٥٦ - عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه ﵁ قال: لما كان ذلك اليوم قعد على بعيره وأخذ إنسان بخطامه. فقال "أتدرون أي يوم هذا؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه. فقال "أليس بيوم النحر؟ " قلنا: بلى يا رسول الله. قال "فأي شهر هذا؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم. قال "أليس بذي الحجة؟ " قلنا: بلى يا رسول الله. قال

стр. 3622

"فأي بلد هذا؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه. قال "أليس بالبلدة؟ " قلنا: بلى يا رسول الله قال "فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا فليبلغ الشاهد الغائب" قال: ثم انكفأ إلى كبشين أملحين فذبحهما وإلى جزيعة من الغنم فقسمها بيننا. ٣٨٥٧ - - عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال: لما كان ذلك اليوم جلس النبي ﷺ على بعير. قال: ورجل آخذ بزمامه (أو قال بخطامه) فذكر نحو حديث يزيد بن زريع. ٣٨٥٨ - عن أبي بكرة ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ يوم النحر فقال "أي يوم هذا؟ " وساقوا الحديث بمثل حديث ابن عون غير أنه لا يذكر "وأعراضكم" ولا يذكر ثم انكفأ إلى كبشين وما بعده وقال: في الحديث "كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم ألا هل بلغت؟ " قالوا: نعم. قال "اللهم اشهد". -[المعنى العام]- ﴿وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون﴾ [البقرة: ٣٠]. وخلق آدم وحواء، وأنزلهما من الجنة إلى الأرض، وأنزل معهما إبليس عدوهما، وحذرهما منه، بل حذر ذريتهما منه، فقال: ﴿يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما﴾ [الأعراف: ٢٧] وكان سفك الدماء البشرية على هذه الأرض نتيجة مهمة من نتائج كفاح إبليس مع ابن آدم، فهو أكبر إفساد في الأرض، وقد بدأ في حياة آدم ﵇، ومع ولدين من أولاده، قابيل وهابيل، ووضحت مسالك البشر في دنياهم مناظرتهما ومجادلتهما، بشر يحترمون الآدميين، ويخافون الله، ويجتنبون الآثام، ليبتعدوا عن نار يوم القيامة، وبشر لا يخافون الله، ولا يحترمون الآدميين، ويستهينون بالقتل، وإراقة الدماء، ويذكرنا الله بعد حين من الدهر بمناقشتهم وجدالهم، فيقول ﴿واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانًا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين * لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما

стр. 3623

أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين * إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين * فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين * فبعث الله غرابًا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه قال يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين * من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا﴾ [المائدة: ٢٧ وما بعدها] ومن أجل ذلك كان على ابن آدم القاتل لأخيه نصيب من ذنب كل من يقتل مسلمًا، فهو الذي سن القتل وابتدعه في بني آدم ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة. وجاءت الشرائع السماوية كلها، شريعة بعد شريعة، تعظم إراقة دماء البشر، وتحذر من اعتداء الإنسان على أخيه الإنسان، وتغلظ حرمة الدماء والأموال والأعراض، وكم حذر رسول الإسلام محمد ﷺ ، وكم أنذر، فقال: إن أول خصمين يوم القيامة، يقفان في ساحة القضاء، بين يدي أحكم الحاكمين، قاتل ومقتول، قاتل يقف مكتوف اليدين مغلولهما، مقيد الرجلين، في سلسلة ذرعها سبعون ذراعًا، مطرق الرأس ذليلاً، ومقتول يحمل بين يديه رأسه، يسيل الدم ويتدفق من عروقه وأوداجه، يقول المقتول رب: سل هذا القاتل. فيم قتلني؟ منظر رهيب، وقضاء عادل، يوم يقتص للشاة من شاة كانت نطحتها في الدنيا. كم حذر ﷺ من قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وكم حذر القرآن الكريم، حتى كانت الوصية الأخيرة التي قدمها رسول الله ﷺ لأمته، في حجة الوداع، فكان فيها: أيها الناس. إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، يوم النحر، في شهركم هذا الذي حرمه الله، في بلدكم هذه التي حرمها ربكم. هذا بلاغي عن ربي لكم، فبلغوه لمن وراءكم. ألا هل بلغت. اللهم فاشهد أنني قد بلغت. فسلام الله عليك يا رسول الله نشهد أنك بلغت الرسالة وأديت الأمانة، ونصحت الأمة وكشفت الغمة، وعبدت ربك حتى أتاك اليقين. فصلى الله وسلم وبارك عليك وعلى آلك وأصحابك ومن اتبع هداك إلى يوم الدين. -[المباحث العربية]- (لا يحل دم امرئ مسلم) وفي الرواية الثانية "لا يحل دم رجل مسلم" والمراد لا يحل إراقة دم امرئ مسلم أي إراقة دمه كله، وهو كناية عن قتله. (يشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأني رسول اللَّه) هذه صفة ثانية، ذكرت لبيان أن المراد بالمسلم هو الآتي بالشهادتين أو حال مقيدة للموصوف، إشعارًا بأن الشهادة هي العمدة في حقن الدماء، ويشهد له قوله ﷺ لأسامة "كيف تصنع بلا إله إلا الله"؟ فهي صفة مفسرة لقوله "مسلم" وليست قيدًا فيه، إذ لا يكون مسلمًا إلا بذلك. (إلا بإحدى ثلاث) استثناء من عموم الأحوال، أي لا يحل دم امرئ مسلم في حال من الأحوال

стр. 3624

إلا في حالة من أحوال ثلاث أو من عموم العلل والأسباب، أي لا يحل دم امرئ مسلم لسبب من الأسباب ولخصلة من الخصال إلا بخصلة من ثلاث وفي الرواية الثانية "إلا ثلاثة نفر" أي لا يحل دم أي رجل من المسلمين إلا ثلاثة رجال. (النفس بالنفس) ذكرت أولاً في رواية البخاري، وذكرت ثانيًا في روايتنا الأولى، وثالثًا في روايتنا الثانية. والمراد به القصاص بشروطه، أي يحل دم النفس القاتلة عمدًا بغير حق بسبب قتلها النفس الأخرى وفي رواية للبزار "من قتل نفسًا ظلمًا". (الثيب الزان) قال النووي: هكذا هو في النسخ "الزان" من غير ياء بعد النون، وهي لغة صحيحة قرئ بها في السبع، كما في قوله تعالى ﴿الكبير المتعال﴾ [الرعد: ٩] والأشهر في اللغة إثبات الياء. والمراد رجمه بالحجارة حتى يموت، أي فيحل قتله، وعند النسائي "ورجل زنى بعد إحصان". (والتارك لدينه، المفارق للجماعة) وفي الرواية الثانية "التارك الإسلام" بنصب "الإسلام" مفعول "التارك" "والمفارق للجماعة" بلام الجر، أو "المفارق الجماعة" بنصب "الجماعة" مفعول "المفارق" والواو في الرواية الثانية الداخلة على "المفارق" واو تفسيرية، فالمراد من المفارق للجماعة التارك لدينه، وإلا لصارت الخصال أربعًا، والمراد بالجماعة جماعة المسلمين. (إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه كان أول من سن القتل) يشير بذلك إلى القصة التي قصها القرآن عن ابني آدم، إذ قتل أحدهما أخاه، واختلف في القاتل، قال الحافظ ابن حجر: والمشهور قابيل والمقتول هابيل، وقيل غير ذلك، وقيل في سبب القتل أن آدم كان يزوج ذكر كل بطن من ولده، بأنثى البطن الآخر، وأن أخت قابيل كانت أحسن من أخت هابيل، فأراد قابيل أن يستأثر بأخته، فمنعه آدم، فلما ألح عليه أمرهما أن يقربا قربانًا، فقرب قابيل حزمة من زرع، وكان صاحب زرع، وقرب هابيل بقرة سمينة، وكان صاحب ضرع، فنزلت نار، فأكلت قربان هابيل، دون قابيل. هذا هو المشهور. والكفل بكسر الكاف الجزء والنصيب، وقال الخليل: هو الضعف، والمناسب هنا الأول، والمراد من "سن" بفتح السين وتشديد النون، ابتدع، فالسنة لغة الطريقة المبتدعة، غير المسبوقة. (أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء) "في الدماء" متعلق بمحذوف، أي يقضى في الدماء التي وقعت بين الناس في الدنيا، أي أول القضايا التي تعرض يوم القيامة قضايا الدماء، وفي ملحق الرواية "أول ما يحكم بين الناس في الدماء" زاد في رواية "ويأتي كل قتيل، قد حمل رأسه، فيقول: يا رب سل هذا. فيم قتلني"؟ وفي رواية "يأتي المقتول معلقًا رأسه بإحدى يديه، ملببًا قاتله بيده الأخرى، تشخب أوداجه دمًا، حتى يقف بين يدي الله" ولا يعارض هذا حديث "أول

стр. 3625

ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة" إذ الأولية في كل منهما مقيدة، فهناك الأولية بالنسبة لمعاملات الخلق، والأولية بالنسبة لمعاملة الخالق. (إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللَّه السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا) المراد بالزمان السنة، ولفظ الزمان في الأصل يطلق على القليل والكثير من الوقت، والمراد باستدارته إلى الوضع الذي كان عليه يوم خلق السموات والأرض وقوع تاسع ذي الحجة في شهر مارس، وهو آذار، وهو برمهات بالقبطية، وفيه يستوي الليل والنهار، عند حلول الشمس برج الحمل. وفي رواية عند ابن مردويه "إن الزمان قد استدار، فهو اليوم، كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض" والكاف في "كهيئته" صفة لمصدر محذوف، تقديره: استدارة مشبهة وضعه يوم خلق الله السموات والأرض. قال النووي: قال العلماء: معناه أنهم في الجاهلية كانوا يتمسكون بملة إبراهيم ﵇ في تحريم الأشهر الحرم، وكان يشق عليهم منع القتال ثلاثة أشهر متواليات، فكانوا إذا احتاجوا إلى قتال، أخروا تحريم المحرم إلى الشهر الذي بعده، فيغيرون الأسماء، يسمون المحرم صفرًا، وصفر المحرم، ثم يؤخرونه في السنة الأخرى إلى شهر آخر، وهكذا يفعلون في سنة بعد سنة، حتى اختلط عليهم الأمر، وصادفت حجة النبي ﷺ رجوع المحرم إلى موضعه. اهـ. فكان نتيجة ذلك أن تغيرت الأشهر الحرم عن مكانها الحقيقي، حتى كادت تصبح أربعة مطلقة من السنة والمراد من "السنة" في الحديث السنة الهجرية، أي العربية الهلالية اثنا عشر شهرًا. قال الله تعالى ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب اللَّه﴾ أي في اللوح المحفوظ ﴿يوم خلق السماوات والأرض﴾ [التوبة: ٣٦] أي في ابتداء إيجاد العالم. والشهر العربي القمري يرتبط برؤية الهلال شرعًا بالشرط المعروف في الفقه، وحقيقة يرتبط باجتماع القمر مع الشمس في نقطة، وعوده بعد المفارقة إليها، ولا دخل للخروج من تحت الشعاع، إلا في إمكان الرؤية، بحسب العادة الشائعة، ومدة ما ذكر (٢٩ - ) تسعة وعشرون يومًا، ومائة وواحد وتسعون جزءًا من ثلاثمائة وستين جزءًا لليوم بليلته، وتكون السنة القمرية ثلاثمائة وأربعة وخمسين يومًا، وخمس يوم وسدسه وثانية، وذلك أحد عشر جزءًا من ثلاثين جزءًا من اليوم بليلته (٣٥٤ - يومًا) وكانوا إذا اجتمع من هذه الأجزاء أكثر من نصف عدده حسبوه يومًا كاملاً، وزادوه في الأيام، وتكون تلك السنة حينئذ كبيسة، وتكون أيامها (٣٥٥) ثلاثمائة وخمسة وخمسين يومًا. ولما كان مدار الشهر الشرعي على الرؤية اختلفت الأشهر، فكان بعضها ثلاثين يومًا، وبعضها تسعة وعشرين يومًا، ولا يتعين شهر للكمال، وشهر للنقصان، بل قد يكون الشهر ثلاثين يومًا في بعض السنين وتسعة وعشرين يومًا في بعض آخر منها، أما ما في الصحيحين، من قوله ﷺ "شهرا عيد لا ينقصان. رمضان وذو الحجة" فمحمول على معنى لا ينقص أجرهما وثوابهما، وقيل: معناه لا ينقصان جميعًا في سنة واحدة غالبًا.

стр. 3626

(منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات، ذو القعدة وذو الحجة، والمحرم ورجب شهر مضر، الذي بين جمادى وشعبان) كان العرب قبل الإسلام يؤرخون بالحوادث الكبيرة، فيقال: عام الفيل، وعام موت هشام بن المغيرة، ونحو ذلك ولما هاجر النبي ﷺ اتخذ كثير من المسلمين هجرته مبدأ لتاريخهم، وكانت في ربيع الأول وتناسوا ما قبله، وسموا السنوات بأسماء الحوادث الكبرى، كعام الحديبية، وعام الفتح، وعام العسرة، وظل الأمر على هذا المنوال إلى خلافة عمر ﵁ حيث روي أنه ﵁ رفع إليه صك مؤرخ بشعبان، فقال: أي شعبان هو؟ وجمع أهل الرأي، وطلب منهم أن يضعوا للناس تاريخًا، يتعاملون عليه، ويضبط أوقاتهم، حيث اتسعت بلادهم، وكثرت أموالهم ومعاملاتهم، فذكروا له تاريخ اليهود، فما ارتضاه، وذكروا له تاريخ الفرس، فما ارتضاه، فاستحسنوا تاريخ الهجرة، وجعلوا أول شهورها المحرم، فأصبحت الأشهر الحرم الثلاثة المتوالية (القعدة والحجة والمحرم) من سنتين، وكانت قبل من سنة واحدة. وإنما أضيف "رجب" إلى مضر، لأنهم كانوا متمسكين بحرمته وتعظيمه، بخلاف غيرهم الذين نقلوه إلى شعبان ونقلوا شعبان مكانه، فسموا شعبان رجبًا، وسموا رجبًا بشعبان، فوصف بكونه بين جمادى وشعبان في الحديث تأكيدًا لمكانه بين الشهور، و"ذو القعدة" بفتح القاف، و"ذو الحجة" بكسر الحاء في اللغة المشهورة، ويجوز في لغة قليلة كسر القاف وفتح الحاء. (أي شهر هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم) إلخ. قال النووي: هذا السؤال والسكوت والتفسير، أراد به التفخيم والتقرير والتنبيه على عظم مرتبة هذا الشهر والبلد واليوم، ليبنى على هذا التعظيم والتفخيم تعظيم شأن المشبه، وهو الدماء والأموال والأعراض، وقولهم: "الله ورسوله أعلم" فوضوا علم الشهر والبلد واليوم إلى الرسول ﷺ ، مع أنهم يعلمونها حق العلم، لأنهم فهموا أنه ﷺ لا يخفى عليه أنهم يعرفون الجواب، ففهموا أنه ليس المراد الإخبار بالأسماء، وأن المراد من السؤال شيء آخر، ففوضوا العلم به. (أليس البلدة؟ ) "ال" فيها للكمال، أي البلدة الجامعة للخير، المستحقة لجمع فضائل هذا الاسم. (فلا ترجعن بعدي كفارًا - أو ضلالاً - يضرب بعضكم رقاب بعض) "ترجعن" بضم العين، ونون التوكيد، وفي ملحق الرواية "فلا ترجعوا" ومعنى "بعدي" بعد فراقي من موقفي هذا، أي بعد الآن، أو من ورائي وخلفي، أي لا تخلفوني في أنفسكم بغير الذي أمرتكم به، أو بعد مماتي، ويكون النبي ﷺ ، قد تحقق أن هذا لا يكون في حياته، فنهاهم عنه بعد مماته، وفي لفظ للبخاري "لا ترتدوا". و"يضرب" روي بالجزم، وروي بالرفع، وضرب الرقاب كناية عن القتل، فالمعنى لا يقاتل فيقتل بعضكم بعضًا، وقال الخطابي: المراد بالكفار المتكفرون بالسلاح، يقال: تكفر الرجل بسلاحه إذا لبسه، وقيل: معناه لا يكفر بعضكم بعضًا، فتستحلوا قتال بعض.

стр. 3627

(ألا ليبلغ الشاهد الغائب) المراد من "الشاهد" الحاضر السامع. (لما كان ذلك اليوم) أي يوم حجة الوداع، وفي منى. (قعد على بعيره) الضمير للرسول ﷺ ، وإن لم يسبق له ذكر، للعلم به، كقوله تعالى ﴿حتى توارت بالحجاب﴾ [ص: ٣٢]. (وأخذ إنسان بخطامه) أي خطام البعير، وهو بكسر الخاء الزمام، وهو الحبل الذي يوضع على أنف البعير ليقاد به. والقصد هنا من إمساكه والأخذ به، منعه من الحركة والاضطراب. (ثم انكفأ إلى كبشين أملحين) "انكفأ" بهمز في آخره، أي انقلب، والأملح هو الذي فيه بياض وسواد، والبياض أكثر. (وإلى جزيعة من الغنم، فقسمها بيننا) "الجزيعة" بضم الجيم وفتح الزاي، ورواه بعضهم بفتح الجيم وكسر الزاي، وكلاهما صحيح، والأول هو المشهور، وهي القطعة من الغنم، وأصلها القليل من الشيء وكأنه قسم مجموعة قليلة من الشياه على أصحابه الذين لا يملكون ذبائح، ليذبحوها. -[فقه الحديث]- -[يؤخذ من الحديث]- ١ - تغليظ حرمة الدماء، والذنب يعظم بحسب عظم المفسدة، المترتبة عليه، وتفويت المصلحة الناتج عنه، وإراقة دم الإنسان غاية في ذلك. ٢ - وفي قوله "الثيب الزاني" دليل على قتل الزاني المحصن بالرجم، قال النووي: وهذا بإجماع المسلمين. ٣ - وبقوله "النفس بالنفس" استدل أصحاب أبي حنيفة على قتل المسلم بالذمي، والحر بالعبد، وجمهور العلماء - مالك والشافعي والليث وأحمد - على خلافه. ٤ - استدل بقوله "التارك لدينه" على أن الردة عن الإسلام سبب لإباحة دم المسلم، وهو محل إجماع في الرجل، أما في المرأة ففيها خلاف. ٥ - استدل بهذا الحديث الجمهور على أن المرأة في الردة حكمها حكم الرجل، لاستواء حكمهما في الزنا، وتعقب بأنها دلالة اقتران، وهي ضعيفة. ٦ - استدل بقوله "المفارق للجماعة" على إباحة دم المخالف والخارج على الإجماع، فيكون متمسكًا لمن يقول: مخالف الإجماع كافر، قال ابن دقيق العيد: وقد نسب ذلك إلى بعض الناس. قال: وليس ذلك بالهين، فإن المسائل الإجماعية، تارة يصحبها التواتر بالنقل عن صاحب الشرع،

стр. 3628

كوجوب الصلاة مثلاً، وتارة لا يصحبها التواتر، فالأول يكفر جاحده، لمخالفة التواتر، لا لمخالفة الإجماع، والثاني لا يكفر به، قال في شرح الترمذي: الصحيح في تكفير منكر الإجماع، تقييده بإنكار ما يعلم وجوبه من الدين بالضرورة، كالصلوات الخمس. ٧ - واستدل به على إباحة دم كل خارج عن الجماعة ببدعة، كالروافض والخوارج وغيرهم قاله النووي. قال الحافظ ابن حجر: والقول في القدرية وسائر المبتدعة مفرع على القول بتكفيرهم. ٨ - قال بعضهم: إن حصر ما يباح دمهم في هذه الثلاثة من قبيل العام المخصوص، فهناك غيرهم ممن يباح دمهم، كالصائل، فإنه يباح دمه في الدفع، وقد يجاب عن هذا بأنه داخل في المفارق للجماعة، أو يكون المراد: لا يحل تعمد قتله، بمعنى أنه لا يحل قتله إلا مدافعة، بخلاف الثلاثة. وكالبغاة: لقوله تعالى ﴿فقاتلوا التي تبغي﴾ [الحجرات: ٩] وقد يجاب بأن الآية تبيح القتال، وليس القتل، بدليل أنه لو استسلم لم يقتل. وكالزنديق: وقد يجاب بأن قتله استصحاب لكفره، فإن تاب لم يقتل. وكمانعي الزكاة: وقد يجاب بأنها تؤخذ منه قهرًا، فإن نصب القتال قوتل، وليس بقتل. وكتارك الصلاة: عند من لا يكفره، وقد اختلف فيه، فذهب أحمد وإسحق وبعض المالكية، ومن الشافعية ابن خزيمة وغيره إلى أنه يكفر بذلك، ولو لم يجحد وجوبها، وذهب الجمهور إلى أنه يقتل حدًا، وذهب الحنفية ووافقهم المزني إلى أنه لا يكفر، ولا يقتل. ٩ - وفي الحديث جواز وصف الشخص بما كان عليه، ولو انتقل عنه، لاستثنائه المرتد من المسلمين، وهو باعتبار ما كان. ١٠ - ومن الرواية الثالثة أن كل من ابتدع شيئًا من الشر كان عليه مثل وزر كل من اقتدى به في ذلك العمل، إلى يوم القيامة، ومثله من ابتدع شيئًا من الخير، كان له مثل أجر كل من يعمل به إلى يوم القيامة، وهو موافق للحديث الصحيح "من سن سنة حسنة ... ومن سن سنة سيئة ... " وللحديث الصحيح "من دل على خير، فله مثل أجر فاعله". ١١ - ومن الرواية الخامسة وما بعدها أن الأشهر الحرم أربعة، وقد أجمع على ذلك المسلمون، ولكن اختلفوا في الأدب المستحب في كيفية عدها فقالت طائفة من أهل الكوفة وأهل الأدب: يقال: المحرم ورجب وذو القعدة وذو الحجة، ليكون الأربعة من سنة واحدة، وقال علماء المدينة والبصرة وجماهير العلماء: هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، ثلاثة سرد، وواحد فرد. قال النووي: وهذا هو الصحيح الذي جاءت به الأحاديث الصحيحة. ١٢ - ومن قول الصحابة "الله ورسوله أعلم" أدب الصحابة، ودقة فهمهم، وحسن جوابهم. ١٣ - ومن قوله "ليبلغ الشاهد الغائب" وجوب تبليغ العلم، وهو فرض كفاية، وقد يتعين في حق بعض الناس.

стр. 3629

١٤ - ومن قوله "فلعل بعض من يبلغه، يكون أوعى له من بعض من سمعه" جواز رواية الفضلاء وغيرهم، من الشيوخ الذين لا علم لهم ولا فقه، إذا ضبط ما يحدث به. ١٥ - قال المهلب: فيه أنه يأتي في آخر الزمان من يكون له من الفهم في العلم، ما ليس لمن تقدمه، إلا أن ذلك يكون في الأقل. ١٦ - وفيه دلالة على جواز تحمل الحديث لمن لم يفهم معناه ولا فقهه إذا ضبط ما يحدث به، ويجوز وصفه بأنه من أهل العلم. ١٧ - ومن خطبة الرسول ﷺ على بعيره استحباب الخطبة على موضع عال، من منبر وغيره، سواء خطبة الجمعة والعيدين وغيرهما، وحكمته أنه كلما ارتفع كان أبلغ في إسماعه الناس، ورؤيتهم إياه، ووقوع كلامه في نفوسهم. ١٨ - ومن قوله "أليس البلدة"؟ أن المطلق قد يحمل على الكامل، فهو اسم خاص بمكة، وهي المرادة بقوله تعالى ﴿إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة﴾ [النمل: ٩١]. ١٩ - ومن قوله "أي شهر هذا" إلخ تأكيد التحريم وتغليظه بأبلغ ما يمكن من تكراره ونحوه. ٢٠ - وفيه مشروعية ضرب المثل، وإلحاق النظير بالنظير، ليكون أوضح للسامع. وإنما شبه حرمة الدم والعرض والمال بحرمة اليوم والشهر والبلد، لأن المخاطبين بذلك كانوا يعظمون هذه الأشياء، ولا يرون هتك حرمتها، ويعيبون على من فعل ذلك أشد العيب، فقدم السؤال عنها تذكيرًا لحرمتها، وتقريرًا لما ثبت في نفوسهم، ليبني عليه ما أراد تقريره على سبيل التأكيد. واللَّه أعلم

стр. 3630

(٤٤٦) باب صحة الإقرار بالقتل ٣٨٥٩ - عن علقمة بن وائل عن أبيه ﵁ قال: إني لقاعد مع النبي ﷺ إذ جاء رجل يقود آخر بنسعة فقال: يا رسول الله هذا قتل أخي. فقال رسول الله ﷺ "أقتلته؟ " (فقال إنه لو لم يعترف أقمت عليه البينة) قال: نعم قتلته. قال "كيف قتلته؟ " قال: كنت أنا وهو نختبط من شجرة فسبني فأغضبني فضربته بالفأس على قرنه فقتلته. فقال له النبي ﷺ "هل لك من شيء تؤديه عن نفسك؟ " قال ما لي مال إلا كسائي وفأسي. قال "فترى قومك يشترونك؟ " قال: أنا أهون على قومي من ذاك فرمى إليه بنسعته وقال "دونك صاحبك" فانطلق به الرجل فلما ولى قال رسول الله ﷺ "إن قتله فهو مثله" فرجع فقال: يا رسول الله إنه بلغني أنك قلت "إن قتله فهو مثله" وأخذته بأمرك. فقتل رسول الله ﷺ "أما تريد أن يبوء بإثمك وإثم صاحبك؟ " قال: يا نبي الله (لعله قال) بلى. قال "فإن ذاك كذاك" قال: فرمى بنسعته وخلى سبيله. ٣٨٦٠ - عن علقمة بن وائل عن أبيه ﵁ قال: أتي رسول الله ﷺ برجل قتل رجلاً فأقاد ولي المقتول منه فانطلق به وفي عنقه نسعة يجرها. فلما أدبر قال رسول الله ﷺ "القاتل والمقتول في النار" فأتى رجل الرجل فقال له مقالة رسول الله ﷺ فخلى عنه. قال إسمعيل بن سالم فذكرت ذلك لحبيب بن أبي ثابت. فقال: حدثني ابن أشوع "أن النبي ﷺ إنما سأله أن يعفو عنه فأبى". -[المعنى العام]- سبق في حديث اليهودي الذي قتل الجارية بالحجارة أنه أخذ بإقراره واعترافه، واقتص منه بالطريقة نفسها التي قتل بها الجارية، فالإقرار سيد الأدلة، كما يقولون، وكان يكفي لصحة الإقرار بالقتل العمد، وللعمل بهذا الإقرار الحديث المشار إليه سابقًا، وما هو معلوم في نفوس الصحابة، كما كان من المناسب أن يوضع هذا الحديث وذاك تحت باب واحد، من حيث دلالة كل منهما على صحة الإقرار بالقتل. لكن ذاك الحديث استدل به على القصاص بالحجر ونحوه.

стр. 3631

وهذا الحديث يبرز أن القتل أو الضرب بما يقتل غالبًا كالفأس هو من القتل العمد، وإن لم يقصد الضارب القتل، وإن كان مثارًا أو مغضبًا، فهذا الرجل لا يملك إلا ثوبه وفأسه، خرج يجمع بعض الحشائش وعلف المواشي، ليبيعها، ويعيش من ثمنها، فشاء القدر أن يجعل له منافسًا على هذا الرزق الضيق، وأن يتسابق هو وآخر في جمع أوراق شجرة، واحتك أحدهما بالآخر، فكان السباب وكان التصارع، وأسرع أحدهما إلى فأسه فضرب الآخر على رأسه، فكان قدره، ولم يهرب القاتل من هول الموقف، فليس القتل حرفته، ولم يظن أن الضربة قاتلة، وتجمع الناس حوله، ومعهم أخو القتيل، وكان الإسلام قد هذب نفوس البدو، وأقنعهم بضبط النفس، وكظم الغيظ، ورفع الأمر للقضاء، فلم تمتد يد الأخ إلى القاتل، ولم يمسسه أحد بسوء، ولكنهم ربطوه من عنقه بحبل، واقتادوه إلى رسول الله ﷺ ، وقال أخو المقتول: يا رسول الله؛ هذا قتل أخي. وسأله رسول الله ﷺ : أقتلته؟ قال: نعم قتلته. قال له: لم وكيف قتلته؟ قال: كنا نجمع سويًا أوراق شجرة لبيعها، فتزاحمنا، فدفعني ودفعته، فسبني سبًا جارحًا، فضربته بفأس على رأسه، فكانت القاضية، فقال له رسول الله ﷺ : هل تملك دية القتيل؟ قال: لا أملك إلا ثوبي وفأسي. قال: هل يدفع أهلك دية القتيل؟ قال: لا يملكون دية، ولا يهمهم أمري. قال: لأخ القتيل؟ هل تعفو ولك الأجر من الله؟ قال: لا. قال: خذه فاقتص منه، فأخذه الرجل ومضى، وسمع أحد الحاضرين رسول الله ﷺ يقول: إن قتله فقد صار مثله، لا فضل لأحدهما على الآخر، فجرى إليه، وبلغه مقالة رسول الله ﷺ ، فرجع به، فقال: يا رسول الله ألست أذنت لي بقتله؟ قال: نعم، ولكنك لو عفوت عنه كان لك أجرك وأجر أخيك. فعفا عنه وأطلقه. -[المباحث العربية]- (إذ جاء رجل يقود آخر بنسعة) النسعة بكسر النون، وسكون السين، وفتح العين ضفيرة من جلود، أي حبل مضفور من جلود، والنسع بكسر النون سير طويل عريض، تشد به الحقائب أو الرحال، وكان ولي المقتول قد ربط القاتل بسير طويل عريض من الجلد في رقبته، وأمسك بطرف النسعة، يقوده بها إلى رسول الله ﷺ . (أقتلته؟ ) استفهام حقيقي من رسول الله ﷺ ، موجه إلى القاتل. (فقال: إنه لو لم يعترف أقمت عليه البينة) أي فقال أخو المقتول - حين رأى القاتل وقد تلكأ في الجواب - إنه لو لم يقر ويعترف جئت بالشهود. (قال: نعم قتلته) أي اعترف القاتل، ولم يكتف بنعم، بل أكد الجواب بالتصريح بمضمون "نعم". (كيف قتلته)؟ استفهام عن كيفية القتل، للتأكد من استعمال القتل في معناه الحقيقي، ومن كونه عمدًا، أو خطأ.

стр. 3632

(كنت أنا وهو نختبط من شجرة) أي نجمع الخبط، بفتح الخاء والباء، وهو ورق الشجر الساقط بسبب الخبط - بسكون الباء - يقال: خبط الشجرة بالمخبط، أي ضربها به، ليسقط ورقها، وفي رواية "كنت أنا وهو نحتطب من شجرة"، بالنون المفتوحة والحاء الساكنة، بعدها تاء ثم طاء، أي نجمع الحطب، والحطب كل ما جف من زرع وشجر، توقد به النار، وفي حديث عمر "ولقد رأيتني بهذا الحبل أحتطب مرة وأختبط أخرى" أي فكان الرجلان يضربان شجرة، بالعصا ونحوها ليسقط الورق فيجمعانه علفًا". (فضربته بالفأس على قرنه) قرن الإنسان جانب رأسه، مكان القرن من الحيوان ذي القرن. (هل لك من شيء تؤديه عن نفسك؟ ) كدية للقتيل، تفدي به نفسك من القصاص؟ (فترى قومك يشترونك) أي يدفعون دية القتيل، كمقابل لحياتك؟ (فرمى إليه بنسعته) كأن رسول الله ﷺ كان ممسكًا بالحبل المربوط به الرجل، أو كان الحبل قريبًا منه، فألقى بالحبل إلى ولي المقتول، يمكنه منه. وفي الرواية الثانية "فأقاد ولي المقتول منه" أي مكنه من القود والقصاص "فانطلق به، وفي عنقه نسعة يجرها" كان هذا بعد أن طلب الرسول ﷺ من ولي المقتول أن يعفو عن القاتل، فأبى كما جاء في ملحق الرواية الثانية. (وقال: دونك صاحبك) "دون" هنا اسم فعل، بمعنى خذ، وصلت بكاف الخطاب، و"صاحبك" مفعول به. (إن قتله فهو مثله) قال النووي: الصحيح في تأويله أنه مثله، في أنه لا فضل ولا منة لأحدهما على الآخر، لأنه استوفى حقه منه، بخلاف ما لو عفا عنه، فإنه يكون له الفضل والمنة وجزيل ثواب الآخرة، وجميل الثناء في الدنيا، وقيل: فهو مثله في أنه قاتل، وإن اختلفا في التحريم والإباحة، ومثله في أنهما استويا في إطاعتهما الغضب، ومتابعة الهوى، لا سيما وقد طلب النبي ﷺ منه العفو. (أما تريد أن يبوء بإثمك، وإثم صاحبك؟ ) قيل: معناه يتحمل إثم المقتول، بإتلافه نفسه، وإثم الولي، لكونه فجعه في أخيه؟ قال النووي: ويكون قد أوحي إليه ﷺ ، بذلك في هذا الرجل خاصة، ويحتمل أن معناه: يكون عفوك عنه سببًا لسقوط إثمك وإثم أخيك المقتول، والمراد إثمهما السابق، بمعاص لهما متقدمة، لا تعلق لها بهذا القاتل، فيكون معنى "يبوء"، وأطلق هذا اللفظ عليه مجازًا. (قال: بلى. قال: فإن ذاك كذاك) أي قال: ولي المقتول: بلى. أريد أن يبوء بإثمي وإثم أخي. قال ﷺ : فإن ذلك العفو المطلوب يشبه أن يبوء بإثمك وإثم أخيك. (القاتل والمقتول في النار) عبارة قيلت في المتقاتلين، إذا التقى المسلمان بسيفيهما في

стр. 3633

المقاتلة المحرمة، وإنما ذكرت هنا للتعريض والتخويف، وليس المراد بهذه العبارة ولي المقتول إذا اقتص من القاتل، لأنه إنما أخذه ليقتله، بأمر النبي ﷺ ، وسيأتي في فقه الحديث توضيحه ونظائره. -[فقه الحديث]- -[يؤخذ من الحديث]- ١ - أن الإقرار بالقتل مقبول، ويعمل به، بل الحكم بالإقرار حكم يقيني، والحكم بالبينة ظني. قاله النووي. ٢ - جواز سؤال المدعى عليه، قبل مطالبة المدعي بالبينة، فلعل المدعى عليه يقر، فيستغني المدعي والقاضي عن التعب في إحضار الشهود وتعديلهم. ٣ - الإغلاظ على الجناة، وربطهم، واقتيادهم، وإحضارهم إلى ولي الأمر. إذ أقر الرسول ﷺ ربط القاتل، وسلم حبله لولي القتيل. ٤ - وفيه سؤال الحاكم وغيره، ولي الدم العفو عن الجاني. ٥ - وجواز العفو بعد بلوغ الأمر إلى الحاكم. ٦ - وجواز أخذ الدية في قتل العمد، لقوله ﷺ في تمام الحديث "هل لك من شيء تؤديه عن نفسك"؟ وأن ولي المقتول بخير النظرين: إما أن يقتص، وإما أن يأخذ الدية. ٧ - قال بعض العلماء: فيه أنه يستحب للمفتي - ذا رأى مصلحة في التعريض للمستفتي أن يعرض تعريضًا يحصل به المقصود، مع أنه صادق فيه، قالوا: ومثاله أن يسأله إنسان عن القاتل، هل له توبة؟ ويظهر للمفتي - بقرينة - أنه إن أفتى بأن له توبة، ترتب عليه مفسدة، كأن يستهون القتل، لكونه يجد منه بعد ذلك مخرجًا بالتوبة، فيقول المفتي في هذه الحالة: صح عن ابن عباس أنه قال: لا توبة لقاتل. فهو صادق في أنه صح عن ابن عباس، وإن كان المفتي لا يعتقد ذلك، ولا يوافق ابن عباس في هذه المسألة، لكن السائل إنما يفهم منه أنه يوافق ابن عباس، وكمن يسأل عن الغيبة في الصوم، هل يفطر بها الصائم؟ فيقول: جاء في الحديث" الغيبة تفطر الصائم" قاله النووي. وحاصله استخدام المعاريض، والتورية في الفتوى للمصلحة، وفي التعاريض مندوحة عن الكذب. وأن النبي ﷺ استخدم هذا الأسلوب في هذا الحديث في موضعين. الأول: في قوله "إن قتله فهو مثله" فهو صادق في هذا القول حسب مراده الذي شرحناه في المباحث العربية، لكنه يوهم ولي المقتول معنى آخر، قد يؤدي إلى خوفه، وعفوه عن القاتل وهو الذي حصل، والعفو مصلحة للولي، وللمقتول في دينهما، وفيه مصلحة للجاني، وهو إنقاذه من القتل، فلما كان العفو مصلحة توصل إليه بالتعريض.

стр. 3634

الموضع الثاني: قوله ﷺ "القاتل والمقتول في النار" فهو في مسألة أخرى تغاير ما نحن فيه وإنما ذكر هنا تعريضًا وتخويفًا، لعل الولي يفهم منه دخوله في معناه فيعفو، وهذا ما حصل. ٨ - استدل بقوله "أما تريد أن يبوء بإثمك وإثم صاحبك" أن قتل القصاص لا يكفر ذنب القاتل بالكلية، وإن كفرها بينه وبين الله، كما جاء في الحديث الآخر "فهو كفارة له" ويبقى حق المقتول. واللَّه أعلم

стр. 3635

(٤٤٧) باب دية الجنين، ووجوب الدية في قتل الخطأ ٣٨٦١ - عن أبي هريرة ﵁ أن امرأتين من هذيل رمت إحداهما الأخرى فطرحت جنينها فقضى فيه النبي ﷺ بغرة عبد أو أمة. ٣٨٦٢ - عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قضى رسول الله ﷺ في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتًا بغرة عبد أو أمة. ثم إن المرأة التي قضي عليها بالغرة توفيت. فقضى رسول الله ﷺ بأن ميراثها لبنيها وزوجها وأن العقل على عصبتها. ٣٨٦٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: اقتتلت امرأتان من هذيل. فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها. فاختصموا إلى رسول الله ﷺ ، فقضى رسول الله ﷺ أن دية جنينها غرة عبد أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها وورثها ولدها ومن معهم. فقال حمل بن النابغة الهذلي: يا رسول الله كيف أغرم من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل؟ فمثل ذلك يطل فقال رسول الله ﷺ "إنما هذا من إخوان الكهان" من أجل سجعه الذي سجع. ٣٨٦٤ - - عن أبي هريرة ﵁ قال: اقتتلت امرأتان وساق الحديث بقصته ولم يذكر وورثها ولدها ومن معهم. وقال: فقال قائل كيف نعقل؟ ولم يسم حمل بن مالك. ٣٨٦٥ - عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: ضربت امرأة ضرتها بعمود فسطاط وهي حبلى فقتلتها. قال: وإحداهما لحيانية. قال: فجعل رسول الله ﷺ دية المقتولة على عصبة القاتلة وغرة لما في بطنها. فقال: رجل من عصبة القاتلة. أنغرم دية من لا أكل ولا شرب ولا استهل؟ فمثل ذلك يطل. فقال رسول الله ﷺ "أسجع كسجع الأعراب؟ " قال: وجعل عليهم الدية.

стр. 3636

٣٨٦٦ - عن المغيرة بن شعبة ﵁ أن امرأة قتلت ضرتها بعمود فسطاط فأتي فيه رسول الله ﷺ فقضى على عاقلتها بالدية، وكانت حاملاً فقضى في الجنين بغرة. فقال بعض عصبتها أندي من لا طعم ولا شرب ولا صاح فاستهل؟ ومثل ذلك يطل. قال: فقال "سجع كسجع الأعراب". ٣٨٦٧ - - وفي رواية عن منصور بإسنادهم الحديث بقصته غير أن فيه: فأسقطت فرفع ذلك إلى النبي ﷺ فقضى فيه بغرة وجعله على أولياء المرأة ولم يذكر في الحديث دية المرأة. ٣٨٦٨ - عن المسور بن مخرمة قال: استشار عمر بن الخطاب الناس في ملاص المرأة. فقال المغيرة بن شعبة: شهدت النبي ﷺ قضى فيه بغرة عبد أو أمة. قال: فقال عمر: ائتني بمن يشهد معك. قال: فشهد محمد بن مسلمة. -[المعنى العام]- حقًا إن الشيطان للإنسان عدو مبين، وإن الغضب ميدان إبليس وجنوده، ينفخ في أوداج الغاضب حتى يخرجه عن طبعه وعقله، ويدفعه إلى ارتكاب ما هو أكبر وأخطر، فإذا كان الغضب بين مخلوقين من طبعهما العداوة والمضرة، كان الطريق أمام الشيطان سهلاً، فإذا كان بين امرأتين ناقصتي عقل ودين، وفي الوقت نفسه هما ضرتان، زوجتان لرجل واحد، ترى كل منهما أن الأخرى لا تألو جهدًا في الإضرار بها، ومنع الخير عنها كان طريق الشيطان معبدًا، وهذه قصة ضرتين في فسطاطين متجاورين، يفصل بينهما فاصل من قماش الخيام، تتراميان بالكلام، ثم بالسباب والشتائم، ثم تخرج الخالية إلى الحامل، فترميها بحجر، فيصيب بطنها، فترد بالتهديد والوعيد فتثني عليها بعمود الخباء أو بوتد مما يشد به الخباء، فترميها به في بطنها، فتصرخ وتستغيث، وما هي إلا ساعات حتى ينزل الدم والحمل، والمرأة تئن وتتوجع مما بها من آلام، ويرفع الأمر إلى رسول الله ﷺ فيحكم على الضاربة بعبد أو أمة تدفع للمضروبة، دية لجنينها، يدفعها عصبتها، ولم يعرف العرب قبل ذلك دية للجنين، فيعترضون. كيف تدفع دية لحمل لم يأكل ولم يشرب ولم يصرخ؟ ولم نسمع له صوتًا

стр. 3637

فيقول رسول الله ﷺ هذا حكم الله، ودعونا من السجع الذي تقولون، وبعد قليل تموت المرأة متأثرة بالضربة التي أصابتها، ويعلن الرسول ﷺ حكم الله وأن الدية على عصبة القاتلة، أما المقتولة فيرثها زوجها وأولادها. -[المباحث العربية]- (أن امرأتين من هذيل) في الرواية الثانية أن المقتولة من بني لحيان، ولحيان بطن من هذيل، وفي الرواية الرابعة أنهما ضرتان، وعند أبي داود أنهما كانتا تحت حمل بن مالك بن النابغة، وعند الطبراني أن اسم المرأتين مليكة بنت عويمر، وأم عفيف بنت مسروح، فضربت أم عفيف مليكة، و"حمل" بفتح الحاء والميم. (رمت إحداهما الأخرى) في الرواية الثالثة "رمت إحداهما الأخرى بحجر" وفي الرواية الرابعة "ضربت امرأة ضرتها بعمود فسطاط وهي حبلى" وفي رواية "بعمود فسطاط، أو خباء" الخباء بيت من وبر أو شعر أو صوف، يكون على عمودين أو ثلاثة، فهو أصغر كثيرًا من الفسطاط، والظاهر أنها حذفتها مرة بحجر، ومرة بعمود خشبي صغير، قال النووي: هذا محمول على حجر صغير وعمود صغير، لا يقصد به القتل غالبًا، فيكون شبه عمد. اهـ وفي رواية عند أحمد "فضربت أم عفيف مليكة بمسطح" بكسر الميم وسكون السين وفتح الطاء، وهو عمود الخباء، وفي رواية للبخاري "فأصاب بطنها وهي حامل". (فطرحت جنينها) الجنين على وزن العظيم حمل المرأة مادام في بطنها، سمي بذلك لاستتاره، فإن خرج حيًا فهو ولد، وإن خرج ميتًا فهو سقط، بضم السين وكسرها وسكون القاف، ذكرًا كان أو أنثى، ويطلق عليه جنين ما لم يستهل صارخًا، وفي ملحق الرواية الخامسة "فأسقطت" بفتح الهمزة، يقال: أسقطت الحامل جنينها، ألقته سقطًا، وفي الرواية الثالثة "فقتلتها وما في بطنها" والتعبير بقتلتها باعتبار المآل، فإن المرأة ماتت بعد نزول جنينها ميتًا بفترة، ففي الرواية الثانية، بعد أن قضى رسول الله ﷺ بدية الجنين "ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت ... " فقضى رسول الله ﷺ بشأنها ما قضى. قال النووي: قال العلماء: هذا الكلام، أي قوله "إن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت" قد يوهم خلاف مراده، والصواب أن المرأة التي ماتت هي المجني عليها، أم الجنين لا الجانية، وقد صرح به في الحديث بعده - روايتنا الثالثة - بقوله "فقتلتها وما في بطنها" فيكون المراد بقوله "التي قضى عليها بالغرة" أي التي قضى لها بالغرة، فعبر بعليها عن "لها". (بغرة عبد أو أمة) قال النووي: ضبطناه على شيوخنا في الحديث والفقه "بغرة" بالتنوين، وهكذا قيده العلماء في كتبهم، وفي مصنفاتهم في هذا، وفي شروحهم، وقال القاضي عياض: الرواية فيه "بغرة" بالتنوين، وما بعده بدل منه، قال: ورواه بعضهم بالإضافة. قال: والأول أوجه وأقيس. قال النووي: ومما يؤيده ويوضحه رواية البخاري في صحيحه "قضى رسول الله ﷺ بالغرة، عبدًا

стр. 3638

أو أمة" وقد فسر الغرة في الحديث بعبد أو أمة، و"أو" هنا للتقسيم لا للشك. فالمراد بالغرة عبد أو أمة. قال الجوهري: كأنه عبر بالغرة عن الجسم كله - من إطلاق الجزء وإرادة الكل كما قالوا: أعتق رقبة، وأصل الغرة بياض في الوجه ولهذا قال أبو عمرو: المراد بالغرة الأبيض منهما خاصة وسيأتي في فقه الحديث وفي رواية "غرة عبد أو أمة، عشر من الإبل، أو مائة شاة" فدية الجنين عشر الدية. (فقضى رسول الله ﷺ بأن ميراثها لبنيها وزوجها، وأن العقل على عصبتها) أي وأن الدية على عصبتها. ومرجع الضمائر يؤهم خلاف المراد، والمعنى: قضى بأن ميراث المقتولة لزوجها وبنيها، وأن العقل والدية على عصبة القاتلة، وفي الرواية الثالثة "وقضى بدية المرأة على عاقلتها" أي قضى بدية المرأة المقتولة، على عاقلة المرأة القاتلة "وورثها ولدها ومن معهم" وورث المقتولة أولادها وزوجها الذي معهم، يوضح ذلك الرواية الرابعة، ولفظها "فجعل دية المقتولة على عصبة القاتلة". وقد أراد أبو القاتلة وأخوها أن يتهربا من الاشتراك في دية المقتولة وجنينها، وأن يحملا بنيها الدية، فعند البيهقي "فقال أبوها: إنما يعقلها بنوها" وفي رواية "فقال أخوها: إن لها ولدًا هم سادة الحي، وهم أحق أن يعقلوا عن أمهم؟ قال: بل أنت أحق أن تعقل عن أختك من ولدها". كما حاول عم المقتولة أن يزيد في الدية، فادعى أن الجنين يستحق دية رجل كبير، ففي رواية "فقال عمها: إنها قد أسقطت غلامًا قد نبت شعره؟ فقال أبو القاتلة: إنه كاذب، إنه والله ما استهل، ولا شرب، ولا أكل، فمثله يطل" وبهذا حاول أبو القاتلة أن يتهرب من دية الجنين، بعد أن قضى عليه بالاشتراك في دية المرأة. وفي الرواية الثالثة أن الذي سجع هو الزوج، حمل بن النابغة، وفي الرواية الرابعة والخامسة أن الذي سجع رجل من عصبة القاتلة، وفي رواية عند الطبراني "فقال أخوها العلاء بن مسروح: يا رسول الله، أنغرم من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل، فمثل هذا يطل" قال الحافظ ابن حجر: يجمع بين هذا الاختلاف بأن يكون كل من أبيها وأخيها وزوجها، قالوا ذلك لأنهم كلهم من عصبتها، فإن المقتولة عامرية، والقاتلة هذلية، اهـ ويتصور الزوج من العصبة حين يكون ابن عم لها. وعندي عدم الاعتماد على الرواية التي ذكرت الزوج، فهو سيرث أكثر مما يغرم فهو أب للجنين مما يبعد اعتراضه. أما أبناء القاتلة فإن كانوا من زوجها حمل بن النابغة فهم من عصبتها وعاقلتها، وإن كان أبوهم من غير عصبتها فهم ليسوا من عصبتها، ولا يعقلون. ( .. ولا استهل؟ فمثل ذلك يطل) استهل الصبي رفع صوته بالبكاء وصاح عند الولادة، أما لفظ "يطل" فقد قال النووي: روي في الصحيحين وغيرهما بوجهين، أحدهما "يطل" بضم الياء وتشديد اللام، ومعناه يهدر ويلغي ولا يضمن، والثاني "بطل" بفتح الباء والطاء وتخفيف اللام، فعل ماض من البطلان، وهو بمعنى الملغي أيضًا، وأكثر نسخ بلادنا بالياء المثناة، ونقل القاضي: أن جمهور الرواة في صحيح مسلم ضبطوه بالباء الموحدة،

стр. 3639

قال أهل اللغة: يقال: طل دمه بضم الطاء، وأطل أي هدر، وأطله الحاكم وطله أهدره، وجوز بعضهم: طل دمه بفتح الطاء في اللازم، وأباها الأكثرون. (إنما هذا من إخوان الكهان) المشار إليه الرجل الذي سجع، وفي الرواية الرابعة "أسجع كسجع الأعراب"؟ وفي الرواية الخامسة "سجع كسجع الأعراب" وأصل السجع الاستواء، وفي الاصطلاح تناسب آخر الكلمات لفظًا، وقوله في الرواية الثالثة "من أجل سجعه الذي سجع" هو من تفسير الراوي. والكهان جمع كاهن، والكهانة بفتح الكاف، ويجوز كسرها ادعاء علم الغيب، والكاهن لفظ يطلق على العراف، والذي يضرب بالحصى والمنجم، وكانت الكهانة في الجاهلية فاشية، خصوصًا في العرب، لانقطاع النبوة فيهم. ومن عادتهم تكلف السجع في كلامهم، فشبه الساجع بهم للتنفير من فعله. (استشار عمر بن الخطاب الناس في ملاص المرأة) يقال: أملصت المرأة والناقة إذا رمت ولدها، وإذا قبضت على شيء، فسقط من يدك قلت: أملص من يدي إملاصًا، وملص ملصًا، فالمراد من إملاص المرأة إسقاطها. وفي رواية للبخاري "قال عمر: أيكم سمع من النبي ﷺ في إملاص المرأة شيئًا؟ ". (ائتني بمن يشهد معك. قال: فشهد محمد بن مسلمة) وفي رواية للبخاري "فقال عمر: من يشهد معك؟ فقام محمد، فشهد بذلك" وفي رواية "فقال: ائتني بمن يشهد معك، فجاء محمد بن مسلمة، فشهد له" وفي رواية "لا تبرح حتى تجيء بالمخرج مما قلت، قال: فخرجت، فوجدت محمد بن مسلمة، فجئت به، فشهد معي أنه سمع النبي ﷺ قضى به". -[فقه الحديث]- قال النووي: اتفق العلماء على أن دية الجنين هي الغرة، سواء كان الجنين ذكرًا أم أنثى، وإنما كان كذلك، لأنه قد يخفى، فيكثر فيه النزاع، فضبطه الشرع بضابط يقطع النزاع، وسواء كان خلقه كامل الأعضاء أم ناقصها، أو كان مضغة تصور فيها خلق آدمي، ففي كل ذلك الغرة بالإجماع، ثم الغرة تكون لورثته على مواريثهم الشرعية، وهذا الشخص يورث ولا يرث، ولا يعرف له نظير إلا من بعضه حر، وبعضه رقيق، فإنه رقيق لا يرث عندنا، وهل يورث؟ فيه قولان، أصحهما يورث، هذا مذهبنا ومذهب الجماهير. وحكى القاضي عن بعض العلماء أن الجنين كعضو من أعضاء الأم، فتكون ديته لها خاصة. قال: واعلم أن المراد بهذا كله إذا انفصل الجنين ميتًا، أما إذا انفصل حيًا، ثم مات، فيجب فيه كمال دية الكبير، فإن كان ذكرًا وجب مائة بعير، وإن كان أنثى فخمسون، وهذا مجمع عليه. وسواء في هذا كله العمد والخطأ، ومتى وجبت الغرة فهي على العاقلة، لا على الجاني، هذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وسائر الكوفيين، وقال مالك والبصريون: تجب على الجاني، وقال الشافعي وآخرون: يلزم الجاني الكفارة، وقال بعضهم: لا كفارة عليه، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة. اهـ.

стр. 3640

-[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]- ١ - استدل بعضهم بلفظ الغرة - وهي في الأصل البياض - بأنه لا يجزئ الأسود، قال: ولولا أن رسول الله ﷺ أراد بالغرة معنى زائدًا على شخص العبد والأمة، لما ذكرها، ولاقتصر على قوله: عبد أو أمة. قال النووي: وهذا خلاف ما اتفق عليه الفقهاء، أنه تجزئ فيها السوداء ولا تتعين البيضاء، وإنما المعتبر عندهم أن تكون قيمتها عشر دية الأم، أو نصف عشر دية الأب. ٢ - حكي عن طاووس وعطاء ومجاهد أن دية الجنين، عبد أو أمة أو فرس، أخذًا من رواية في غير الصحيحين. قال النووي: وهي رواية باطلة. ٣ - استدل بإطلاق لفظ "عبد أو أمة" على أنه لا يشترط سن معين، واستنبط الشافعي من ذلك أن يكون منتفعًا به، فشرط أن لا ينقص عن سبع سنين، لأن من لم يبلغها لا يستقل غالبًا بنفسه، فيحتاج إلى التعهد بالتربية، فلا يجبر المستحق على أخذه، وأخذ بعضهم من لفظ الغلام الوارد في بعض الروايات أن لا يزيد على خمس عشرة، ولا تزيد الجارية على عشرين، والراجح كما قال ابن دقيق العيد أنه يجزئ، ولو بلغ الستين، وأكثر منها ما لم يصل إلى عدم الاستقلال بالهرم. ٤ - استدل بقوله في الرواية الثالثة "وقضى بدية المرأة على عاقلتها" بأن شبه العمد، الدية فيه على العاقلة، ولا يجب فيه قصاص، ولا دية على الجاني، وهذا مذهب الشافعي والجماهير. ٥ - وأن دية الخطأ على العاقلة إنما تختص بعصبات القاتل. ٦ - استدل به من كره السجع في الكلام، قال الحافظ ابن حجر: وليس على إطلاقه، بل المكروه منه ما يقع من التكلف، وفي مواجهة الحق ومدافعته، كما وقع من الرجل، وأما السجع الذي وقع من الرسول ﷺ ، في بعض الأوقات فليس من هذا، لأنه لا يعارض به حكم الشرع، ولا يتكلفه، فلا نهي فيه، بل هو حسن، ويؤيد ذلك قوله ﷺ "كسجع الأعراب" فأشار إلى أن بعض السجع هو المذموم. والحاصل أن السجع ينقسم إلى أربعة أنواع: فالمحمود ما جاء عفوا في حق، ودونه ما يقع متكلفًا في حق أيضًا، والمذموم عكسهما. ٧ - وفي الحديث رفع الجناية للحاكم. ٨ - ويؤخذ من الرواية السادسة سؤال الإمام عن الحكم، إذا كان لا يعلمه، أو كان عنده شك، أو أراد الاستثبات. ٩ - أن الوقائع الخاصة قد تخفى على الأكابر، ويعلمها من دونهم، وفي ذلك رد على المقلد إذا استدل عليه بخبر يخالفه، فيجيب: لو كان صحيحًا لعلمه فلان مثلاً. ١٠ - استدل بقول عمر: لتأتين بمن يشهد معك على اعتبار العدد في الرواية، وأنه يشترط أن لا يقبل أقل من اثنين، كما هو في غالب الشهادات. قال ابن دقيق العيد: وهو ضعيف، فإنه قد ثبت قبول الفرد في عدة مواطن، وطلب العدد في صورة جزئية، لا يدل على اعتباره في كل واقعة، لجواز

стр. 3641

المانع الخاص بتلك الصورة، أو وجود سبب يقتضي التثبت، وزيادة الاستظهار، ولا سيما إذا قامت قرينة. ١١ - استدل بورود القصة في جنين الحرة على أن الحكم المذكور خاص بولد الحرة، وقد تصرف الفقهاء في ذلك، فقال الشافعية: الواجب في جنين الأمة عشر قيمة أمه، كما أن الواجب في جنين الحرة عشر ديتها. ١٢ - وعلى أن الحكم المذكور خاص بمن يحكم بإسلامه، ولم يتعرض لجنين محكوم بتهوده أو تنصره، ومن الفقهاء من قاسه على الجنين المحكوم بإسلامه تبعًا. قال الحافظ: وليس هذا من الحديث. واللَّه أعلم

стр. 3642

كتاب الحدود، والنهي عن الشفاعة فيها

стр. 3643

(٤٤٨) باب حد السرقة ونصابها ٣٨٦٩ - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقطع السارق في ربع دينار فصاعدًا. ٣٨٧٠ - عن عائشة ﵂ عن رسول الله ﷺ قال "لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا". ٣٨٧١ - عن عائشة ﵂ أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول "لا تقطع اليد إلا في ربع دينار فما فوقه". ٣٨٧٢ - عن عائشة ﵂ أنها سمعت النبي ﷺ يقول "لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا". ٣٨٧٣ - عن عائشة ﵂ قالت: لم تقطع يد سارق في عهد رسول الله ﷺ في أقل من ثمن المجن حجفة أو ترس وكلاهما ذو ثمن. ٣٨٧٤ - - وفي رواية "وهو يومئذ ذو ثمن".

стр. 3644

٣٨٧٥ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قطع سارقًا في مجن قيمته ثلاثة دراهم. ٣٨٧٦ - - وفي رواية مثله غير أن بعضهم قال قيمته، وبعضهم قال "ثمنه ثلاثة دراهم". ٣٨٧٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده". ٣٨٧٨ - - وفي رواية عن الأعمش بهذا الإسناد مثله غير أنه يقول "إن سرق حبلاً وإن سرق بيضة". ٣٨٧٩ - عن عائشة ﵂ أن قريشاً أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ﷺ ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة حب رسول الله ﷺ ؟ فكلمه أسامة. فقال رسول الله ﷺ "أتشفع في حد من حدود الله؟ " ثم قام فاختطب فقال "أيها الناس إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها". وفي حديث ابن رمح "إنما هلك الذين من قبلكم". ٣٨٨٠ - عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أن قريشًا أهمهم شأن المرأة التي سرقت في عهد النبي ﷺ في غزوة الفتح، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ﷺ ؟ فقالوا:

стр. 3645

ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ فأتي بها رسول الله ﷺ فكلمه فيها أسامة بن زيد، فتلون وجه رسول الله ﷺ فقال "أتشفع في حد من حدود الله؟ " فقال له أسامة: استغفر لي يا رسول الله. فلما كان العشي قام رسول الله ﷺ فاختطب فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال "أما بعد فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. وإني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها. قال يونس: قال ابن شهاب: قال عروة: قالت عائشة: فحسنت توبتها بعد وتزوجت وكانت تأتيني بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله ﷺ . ٣٨٨١ - عن عائشة ﵂ قالت: كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده فأمر النبي ﷺ أن تقطع يدها، فأتى أهلها أسامة بن زيد فكلموه، فكلم رسول الله ﷺ فيها. ثم ذكر نحو حديث الليث ويونس. ٣٨٨٢ - عن جابر ﵁ أن امرأة من بني مخزوم سرقت فأتي بها النبي ﷺ فعاذت بأم سلمة زوج النبي ﷺ فقال النبي ﷺ "والله لو كانت فاطمة لقطعت يدها" فقطعت. -[المعنى العام]- كل المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله، وعرضه. فصان الله الدماء بتشريع القصاص والديات، قال تعالى ﴿ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب﴾ [البقرة: ١٧٩] وصان الأموال بتشريع حد السرقة، قال تعالى ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله﴾ [المائدة: ٣٨] وصان الأعراض بتشريع حد الزنا وحد القذف. إنها عقوبات رادعة مخيفة، قد يظنها البعض قاسية، ولكن الشاعر يقول: فقسا ليزدجروا ومن يك حازمًا ... فليقس أحيانًا على من يرحمه إن النفوس الشريرة، الأمارة بالسوء، والمدعومة من إبليس وجنوده تحتاج إلى ما يلقي في قلوبها الرعب، حتى تحجم عن الدخول في مسالك الفساد في الأرض، وعن ترويع الناس على ممتلكاتهم. وإن أهم ما يروع المسلم يد السارق، فهي التي تمتد خفية إلى ماله، وتسلبه ثمرة جهده، وحصيلة
следующие страницы →