← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

المانع الخاص بتلك الصورة، أو وجود سبب يقتضي التثبت، وزيادة الاستظهار، ولا سيما إذا قامت قرينة. ١١ - استدل بورود القصة في جنين الحرة على أن الحكم المذكور خاص بولد الحرة، وقد تصرف الفقهاء في ذلك، فقال الشافعية: الواجب في جنين الأمة عشر قيمة أمه، كما أن الواجب في جنين الحرة عشر ديتها. ١٢ - وعلى أن الحكم المذكور خاص بمن يحكم بإسلامه، ولم يتعرض لجنين محكوم بتهوده أو تنصره، ومن الفقهاء من قاسه على الجنين المحكوم بإسلامه تبعًا. قال الحافظ: وليس هذا من الحديث. واللَّه أعلم

стр. 3642

كتاب الحدود، والنهي عن الشفاعة فيها

стр. 3643

(٤٤٨) باب حد السرقة ونصابها ٣٨٦٩ - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقطع السارق في ربع دينار فصاعدًا. ٣٨٧٠ - عن عائشة ﵂ عن رسول الله ﷺ قال "لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا". ٣٨٧١ - عن عائشة ﵂ أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول "لا تقطع اليد إلا في ربع دينار فما فوقه". ٣٨٧٢ - عن عائشة ﵂ أنها سمعت النبي ﷺ يقول "لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا". ٣٨٧٣ - عن عائشة ﵂ قالت: لم تقطع يد سارق في عهد رسول الله ﷺ في أقل من ثمن المجن حجفة أو ترس وكلاهما ذو ثمن. ٣٨٧٤ - - وفي رواية "وهو يومئذ ذو ثمن".

стр. 3644

٣٨٧٥ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قطع سارقًا في مجن قيمته ثلاثة دراهم. ٣٨٧٦ - - وفي رواية مثله غير أن بعضهم قال قيمته، وبعضهم قال "ثمنه ثلاثة دراهم". ٣٨٧٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده". ٣٨٧٨ - - وفي رواية عن الأعمش بهذا الإسناد مثله غير أنه يقول "إن سرق حبلاً وإن سرق بيضة". ٣٨٧٩ - عن عائشة ﵂ أن قريشاً أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ﷺ ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة حب رسول الله ﷺ ؟ فكلمه أسامة. فقال رسول الله ﷺ "أتشفع في حد من حدود الله؟ " ثم قام فاختطب فقال "أيها الناس إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها". وفي حديث ابن رمح "إنما هلك الذين من قبلكم". ٣٨٨٠ - عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أن قريشًا أهمهم شأن المرأة التي سرقت في عهد النبي ﷺ في غزوة الفتح، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ﷺ ؟ فقالوا:

стр. 3645

ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ فأتي بها رسول الله ﷺ فكلمه فيها أسامة بن زيد، فتلون وجه رسول الله ﷺ فقال "أتشفع في حد من حدود الله؟ " فقال له أسامة: استغفر لي يا رسول الله. فلما كان العشي قام رسول الله ﷺ فاختطب فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال "أما بعد فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. وإني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها. قال يونس: قال ابن شهاب: قال عروة: قالت عائشة: فحسنت توبتها بعد وتزوجت وكانت تأتيني بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله ﷺ . ٣٨٨١ - عن عائشة ﵂ قالت: كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده فأمر النبي ﷺ أن تقطع يدها، فأتى أهلها أسامة بن زيد فكلموه، فكلم رسول الله ﷺ فيها. ثم ذكر نحو حديث الليث ويونس. ٣٨٨٢ - عن جابر ﵁ أن امرأة من بني مخزوم سرقت فأتي بها النبي ﷺ فعاذت بأم سلمة زوج النبي ﷺ فقال النبي ﷺ "والله لو كانت فاطمة لقطعت يدها" فقطعت. -[المعنى العام]- كل المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله، وعرضه. فصان الله الدماء بتشريع القصاص والديات، قال تعالى ﴿ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب﴾ [البقرة: ١٧٩] وصان الأموال بتشريع حد السرقة، قال تعالى ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله﴾ [المائدة: ٣٨] وصان الأعراض بتشريع حد الزنا وحد القذف. إنها عقوبات رادعة مخيفة، قد يظنها البعض قاسية، ولكن الشاعر يقول: فقسا ليزدجروا ومن يك حازمًا ... فليقس أحيانًا على من يرحمه إن النفوس الشريرة، الأمارة بالسوء، والمدعومة من إبليس وجنوده تحتاج إلى ما يلقي في قلوبها الرعب، حتى تحجم عن الدخول في مسالك الفساد في الأرض، وعن ترويع الناس على ممتلكاتهم. وإن أهم ما يروع المسلم يد السارق، فهي التي تمتد خفية إلى ماله، وتسلبه ثمرة جهده، وحصيلة

стр. 3646

شقائه، فكانت عقوبة الشرع قطع هذه اليد اليمنى، لقطع الغاية ومنعها من الوقوع، فإن سرق ثانيًا قطعت رجله اليسرى، فإن سرق ثالثًا قطعت يده اليسرى، فإن سرق رابعًا قطعت رجله اليمنى. تلك حدود الله، ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه، ومن يعرض نفسه لهذه العقوبات فهو الجاني على نفسه. من سرق ربع جنيه ذهبي قطعت يده؟ ما أغلى هذه التضحية، وما أبخس ما حصله في مقابلها؟ يد ديتها خمسمائة دينار، تقطع إن سرقت ربع دينار؟ نعم. لكن ليس الربع دينار هو المقابل لليد، وإنما مقابل اليد تأمين الناس على أموالهم، والأمن أغلى ما في الوجود. ولا شفاعة في الحدود، ولا رحمة في تنفيذها، فالله تعالى يقول ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ [النور: ٢]. نعم لا شفاعة في الحدود ولا محاباة، الشريف أمامها كالوضيع، ولا فداء لها، فالغني أمامها كالفقير. تحكي الأحاديث قصة المرأة الشريفة القرشية، ذات الحسب والنسب، سرقت، فتعرضت لحد الله، وانزعج أهلها، وحسبوا حسابًا للتشهير بهم، ولافتضاحهم، فعرضوا الفداء المضاعف، لعل وعسى، لكنهم يعلمون حق العلم أنه لا يقبل الفداء، فظنوا أن الشفاعة قد تجدي، وهم يستبعدون جدواها، لكن الغريق يتشبث كثيرًا بما لا ينجيه، فمن صاحب الحظوة والدلال عند رسول الله ﷺ ؟ ومن الجريء الذي تسمح له مودته أن يتقدم بهذا الطلب إلى رسول الله ﷺ ؟ إنه ليس إلا أسامة بن زيد، الحبيب ابن الحبيب، فوسطوه، فذهب فشفع، فغضب ﷺ أشد الغضب، وتلون وجهه، واهتزت أعصابه، وزجر أسامة بغضب قائلاً: أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة؟ ما كان يصح منك هذا. يا بلال خذ المرأة فاقطع يدها، ثم خطب في الناس. حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنما أهلك الله من قبلكم لأنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. ولن تقع أمة الإسلام فيما وقع فيه الأولون. والذي نفسي بيده، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها. وبهذا استقر الأمن، وعم ربوع الإسلام، بتطبيق وتنفيذ حدود الله. -[المباحث العربية]- (كتاب الحدود) جمع حد، وأصله ما يحجز بين شيئين، فيمنع اختلاطهما، وحد الدار ما يميزها، وحد الشيء وصفه المحيط به المميز له عن غيره، وسميت عقوبة السارق والزاني حدًا لكونها تمنعه المعاودة، أو لكونها مقدرة من الشارع. قال الراغب: وتطلق الحدود ويراد بها نفس المعاصي، كقوله تعالى ﴿تلك حدود الله فلا تقربوها﴾ [البقرة: ١٨٧]. اهـ. والحدود الشرعية كثيرة، حصرها بعض العلماء، أو حصر ما قيل بوجوب الحد به في سبعة عشر شيئًا: فمن المتفق عليه حد الردة، والحرابة ما لم يتب قبل القدرة، والزنا والقذف به، وشرب الخمر سواء أسكر أم لا، والسرقة.

стр. 3647

ومن المختلف فيه جحد العارية، وشرب ما يسكر كثيره من غير الخمر، والقذف بغير الزنا، والتعريض بالقذف، واللواط، وإتيان البهيمة، والسحاق، وتمكين المرأة القود وغيره من الدواب من وطئها، والسحر، وترك الصلاة تكاسلاً، والفطر في رمضان. وهذا كله خارج عما تشرع فيه المقاتلة، كما لو ترك قوم الزكاة، ونصبوا لذلك الحرب. (في ربع دينار، فصاعدًا) قال صاحب المحكم: يختص هذا بالفاء، ويجوز "ثم" بدلها، ولا تجوز الواو، وقال ابن جني: هو منصوب على الحال المؤكدة، أي ولو زاد، ومن المعلوم أنه إذا زاد لم يكن إلا صاعدًا. اهـ. وفي الرواية الثالثة "فما فوقه" بدل "فصاعدًا" وهو بمعناه. (المجن) بكسر الميم وفتح الجيم والمجنة من الاجتنان، وهو الاستتار مما يحاذره المستتر، والمجن بكسر الميم آلة استتار، وقد بينت في الرواية الخامسة بقول عائشة "حجفة أو ترس" يقال: استجن به، وفيه، وعنه، ومنه. (حجفة أو ترس) الحجفة بفتح الحاء، والجيم والفاء الترس من جلود، بلا خشب ولا رباط من عصب، والترس بضم التاء مثلها، قيل: هما بمعنى وقيل: كل آلة منهما تغاير الأخرى، ويطلق عليهما الدرقة، وقد تكون من خشب أو عظم، وتغلف بالجلد أو غيره، هذه هي الحجفة أو الترس قديمًا. أما اليوم فهي من معدن أو نحوه، يحملها الشرطي في يده في المظاهرات ونحوها. (وكلاهما ذو ثمن) هذا التعبير يؤيد أن الحجفة غير الترس، و"أو" بينهما للتنويع وملحق الرواية الخامسة "وهو يومئذ ذو ثمن" يؤيد أنهما بمعنى واحد. والتنوين في "ثمن" للتكثير، والمراد أنه ثمن يرغب فيه، فأخرج الشيء التافه، وليس المراد ترسًا بعينه، أو حجفة بعينها، وإنما المراد الجنس، وأن القطع كان يقع في كل شيء يبلغ قدر ثمن المجن، سواء كان ثمن المجن قليلاً أو كثيرًا، والاعتماد إنما هو على الأقل، فيكون نصابًا، ولا يقطع فيما دونه. وسيأتي خلاف الفقهاء في النصاب وأدلتهم في فقه الحديث. (لعن الله السارق) قال الطيبي: لعل المراد هنا باللعن الإهانة والخذلان. اهـ وأصله الطرد من رحمة الله، والجملة يحتمل أن تكون خبرًا، ليرتدع من سمعه عن السرقة، ويحتمل أن يكون دعاء، ويحتمل أن يراد بها التنفير فقط. (يسرق البيضة، فتقطع يده، ويسرق الحبل، فتقطع يده) أشهر معاني البيضة ما تضعه إناث الطير ونحوها، وهي بهذا المعنى مثل لتحقير ما يسرق، ومن معانيها الخوذة - بضم الخاء - وهي غطاء للرأس من الحديد، يلبسها الجندي والشرطي. وهي بهذا المعنى تبلغ نصاب السرقة غالبًا، والحبل - بفتح الحاء وسكون الباء منه الرفيع الصغير الحقير، ومنه حبل السفينة الغليظ الطويل الغالي الثمن. ولما كان جماهير العلماء يشترطون للقطع بالسرقة نصابًا، ذهب الكثيرون منهم إلى أن المراد

стр. 3648

بالبيضة بيضة الحديد وأن المراد بالحبل حبل السفينة، ومن هؤلاء الأعمش، راوي الحديث عن أبي صالح، راويه عن أبي هريرة، إذ قال في البخاري: كانوا يرون أنه بيض الحديد، والحبل كانوا يرون أنه من الحبال ما يساوي دراهم. وذهب بعضهم إلى أن المراد بالبيضة البيضة الحقيرة، وبالحبل الحبل الحقير، ووجهوا الحديث بعدة توجيهات، قالوا أولاً: إن هذا الأسلوب في الشائع من الكلام، يقال في موضع التقليل، لا التكثير، لأنه لا يذم في العادة من خاطر بيده، في شيء له قدر، وإنما يذم من خاطر بها فيما لا قدر له، فلا يقال: أخزى الله فلانًا عرض يده في مال له قيمة، وإنما يقال: أخزى الله فلانًا ضحى بيده في شيء تافه حقير. وإذا كان الأمر كذلك كان المراد بالبيضة والحبل ضرب المثل، للتنبيه على عظم ما خسر وهي اليد في حقارة ما حرص عليه، وهو ربع دينار فصاعدًا، والمثل لا يقصد معاني ألفاظه، كقولهم: رجع بخفي حنين. وكما في الحديث: "من بنى لله مسجدًا ولو كمفحص قطاة بنى الله له مثله في الجنة". التوجيه الثاني: أن في الكلام حذفًا، بني عليه القطع والتقدير: يسرق البيضة، وتتكرر السرقة للشيء التافه، فلا يقطع، فيتعود السرقة، فيسرق النصاب، فتقطع يده. التوجيه الثالث: أن القطع المذكور ليس حدًا، بمعنى يسرق البيضة أو الحبل، فيقطعه بعض الولاة سياسة، لا قطعًا جائزًا شرعيًا. التوجيه الرابع: أن هذا منسوخ بأحاديث النصاب، وأن النبي ﷺ قال هذا عند نزول آية السرقة مجملة، من غير بيان نصاب، فقاله على ظاهر اللفظ. والله أعلم. (أن قريشًا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت) المراد من قريش بعض هذه القبيلة المشهورة، ممن أدرك القصة، "أهمهم شأن المرأة" أي أجلب إليهم هما، أو صيرهم ذوي هم، يقال: أهمني الأمر إذا أقلقني، والمراد من شأنها أمرها المتعلق بالسرقة خوفًا من أن يأمر النبي ﷺ بقطع يدها، ففي رواية "لما سرقت تلك المرأة أعظمنا ذلك، فأتينا رسول الله ﷺ ... " وسبب إعظامهم ذلك خشية أن تقطع يدها، لعلمهم أن النبي ﷺ لا يرخص في الحدود، وكان قطع السارق معلومًا عندهم قبل الإسلام، كذا قيل، والمقصود منه أن الإعظام والاستشفاع بأسامة كان قبل أن يبلغ السلطان، أو قبل أن يحكم. واسم المرأة على الصحيح فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وهي بنت أخي أبي سلمة بن عبد الأسد، الصحابي الجليل، الذي كان زوجًا لأم سلمة، قبل النبي ﷺ ، وهذه المرأة قتل أبوها كافرًا يوم بدر، قتله حمزة بن عبد المطلب ﵁. أما المسروق ففي بعض الروايات "قطيفة" وفي بعضها "حلي" وجمع الحافظ ابن حجر

стр. 3649

باحتمال أن تكون الحلي في القطيفة، فالذي ذكر القطيفة أراد بما فيها، والذي ذكر الحلي ذكر المظروف دون الظرف. اهـ. وقد جاء في الرواية العاشرة "كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع، وتجحده" وعند النسائي "استعارت امرأة على ألسنة ناس يعرفون - وهي لا تعرف - حليًا، فباعته، وأخذت ثمنه" وعند عبد الرزاق "أن امرأة جاءت امرأة، فقالت: إن فلانة تستعيرك حليًا، فأعارتها إياه، فمكثت لا تراه، فجاءت إلى التي استعارت لها، فسألتها، فقالت: ما استعرتك شيئًا، فرجعت إلى الأخرى، فأنكرت، فجاءت إلى النبي ﷺ ، فدعاها، فسألها، فقالت: والذي بعثك بالحق ما استعرت منها شيئًا. فقال: اذهبوا إلى بيتها، تجدوه تحت فراشها، فأتوه، فأخذوه، وأمر بها، فقطعت" وجمع الحافظ ابن حجر بأنه يحتمل أن تكون سرقت القطيفة، وجحدت الحلي، وأطلق عليها في جحد الحلي في رواية أنها سرقت مجازًا. واستبعد الحافظ ابن حجر ما قاله ابن حزم وغيره من أنهما قصتان، بأن في كل من الطريقين أنهم استشفعوا بأسامة، وأنه شفع، وأنه قيل له: لا تشفع في حد من حدود الله، فيبعد أن أسامة يسمع النهي المؤكد عن ذلك، ثم يعود إلى ذلك مرة أخرى، ولا سيما إن اتحد زمن القصتين، ولم يرتض الحافظ ابن حجر جواب ابن حزم عن ذلك بأن أسامة يجوز أن ينسى، ويجوز أن يكون الزجر عن الشفاعة في حد السرقة تقدم، فظن أن الشفاعة في جحد العارية جائزة، وأنه لا حد فيه فشفع، فأجيب بأن فيه الحد أيضًا. قال الحافظ: ولا يخفى ضعف الاحتمالين. وحكى ابن المنذر عن بعض العلماء أن القصة لامرأة واحدة، استعارت وجحدت، وسرقت فقطعت للسرقة، لا للعارية، زاد الخطابي في معالم السنن أن العارية والجحد إنما ذكرت في هذه القصة، تعريفًا لها بخاص صفتها، إذ كانت تكثر ذلك، كما عرفت بأنها مخزومية - وكأنها لما كثر منها ذلك ترقت إلى السرقة، وتجرأت عليها. قال البيهقي: فتحمل رواية من ذكر جحد العارية على تعريفها بذلك، والقطع على السرقة. اهـ وكل هذه التوجيهات محاولات لإبعاد أن يكون القطع على جحد العارية، حيث إن الجمهور لا يقول بالقطع في جحد العارية - وزاد القرطبي هذه التوجيهات إيضاحًا، فقال: يترجح أن يدها قطعت على السرقة، لا لأجل جحد العارية من أوجه: أحدها: قوله في آخر الحديث الذي ذكرت فيه العارية - روايتنا التاسعة والعاشرة - "لو أن فاطمة سرقت" فإن فيه دلالة قاطعة على أن المرأة قطعت في السرقة، إذ لو كان قطعها لأجل الجحد لكان ذكر السرقة لاغيًا، ولقال: لو أن فاطمة جحدت العارية. ثانيها: لو كانت قطعت في جحد العارية لوجب قطع كل من جحد شيئًا، إذا ثبت عليه، ولو لم يكن بطريق العارية. ثالثها: أنه عارض ذلك حديث "ليس على خائن، ولا مختلس، ولا منتهب قطع" وهو حديث قوي. قال الحافظ: أخرجه الأربعة وصححه أبو عوانة والترمذي. اهـ. وقواه الحافظ ابن حجر ودافع عنه، ورد على من وهمه. وسيأتي زيادة لهذه المسألة في فقه الحديث. (فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة؟ حب رسول اللَّه ﷺ "يجترئ" بفتح الياء

стр. 3650

وسكون الجيم وكسر الراء من الجرأة بضم الجيم وسكون الراء وفتح الهمزة، ويجوز فتح الجيم والراء مع المد، وهي الإقدام مع إدلال، وهذا القول كان بعد أن استفهم بعضهم بقوله: "من يكلم فيها رسول الله ﷺ "؟ أي من يشفع عنده فيها أن لا تقطع، إما عفوًا، وإما بفداء، ففي بعض الروايات "لما سرقت تلك المرأة أعظمنا ذلك، فجئنا إلى النبي ﷺ ، فقلنا: نحن نفديها بأربعين أوقية؟ فقال: تطهر خير لها" وكأنهم ظنوا أن الحد يسقط بالفدية، كما ظن ذلك من أفتى والد العسيف الذي زنى، بأنه يفتدي منه بمائة شاة ووليدة. فالذين استفهموا: من يكلم رسول الله ﷺ ؟ غير الذين قالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة؟ قال الطيبي: الواو - أي في "ومن" عاطفة على محذوف، تقديره: لا يجترئ عليه أحد لمهابته، ولا يجترئ عليه إلا أسامة، وكأنهم لما قال لهم ﷺ "تطهر خير لها" ظنوا أن باب الشفاعة أو الفداء مفتوح، ففزعوا إلى أسامة، ففي بعض الروايات "فلما سمعنا لين قول رسول الله ﷺ أتينا أسامة" قيل: وسبب لجوئهم إلى أسامة أنه علم أن النبي ﷺ كان يشفعه، ويقبل شفاعته، إضافة إلى أنه حب رسول الله ﷺ بكسر الحاء، أي محبوبه. (فكلمه أسامة) في الكلام طي، تقديره: فجاءوا إلى أسامة، فكلموه، فجاء أسامة إلى رسول الله ﷺ ، فكلمه، وفي الرواية التاسعة "فأتى بها رسول الله ﷺ ، فكلمه فيها أسامة بن زيد" فرسول الله بالرفع نائب فاعل، أي أتى رسول الله ﷺ بالمرأة، فأفادت هذه الرواية أن أسامة تشفع لها في حضورها، وفي الرواية الحادية عشرة "فأتى بها النبي ﷺ ، فعاذت بأم سلمة" أي استجارت بأم سلمة زوج النبي ﷺ ، لأنها قريبتها، وكانت أم سلمة زوجة لعمها، أبي سلمة، وعند الحاكم "فعاذت بزينب بنت رسول الله ﷺ " قال المحققون: في هذه الرواية تصحيف، فإن زينب بنت رسول الله ﷺ كانت قد ماتت قبل هذه القصة، فلعل أصل الرواية: "فعاذت بزينب ربيبة رسول الله ﷺ " وهي بنت أبي سلمة، أو أن الرواية لا تصحيف فيها، وأن زينب بنت أم سلمة نسبت إلى رسول الله ﷺ على سبيل المجاز، فقيل، بنت رسول الله ﷺ باعتباره مربيها، وعند أحمد "فعاذت بربيب النبي ﷺ " وقال في آخره" وكان ربيب النبي ﷺ سلمة بن أبي سلمة، وعمر بن أبي سلمة" وعند عبد الرزاق "فجاء عمر بن أبي سلمة، فقال للنبي ﷺ : أي أبه. إنها عمتي (يقصد عمتي من جهة كبر سنها، وهي حقيقة بنت عمه) فقال النبي ﷺ : لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها" وعند ابن أبي الشيخ "فعاذت بأسامة" ولا تنافي بين ذلك كله، فمثلها يستجير بكل من يظن فيه نجدة، وتكون قد استجارت بكل هؤلاء وبغيرهم. (فقال رسول اللَّه ﷺ : أتشفع في حد من حدود اللَّه؟ ) أي هذا الذي تشفع فيه ليس لي، ولكنه حد الله الذي لا أعصيه، والاستفهام إنكاري توبيخي، بمعنى نفي الانبغاء، أي لا ينبغي، ولا يليق، ولا يجوز أن تشفع في حد من حدود الله، وفي الرواية التاسعة "فتلون وجه رسول الله ﷺ " زاد النسائي "وهو يكلمه" أي وأسامة يكلمه، وعند النسائي "فزبره" بفتح الزاي والباء، أي أغلظ له في النهي، حتى نسبه إلى الجهل، لأن الزبر بفتح الزاي وسكون الباء العقل. (ثم قام فاختطب) افتعل فيها معنى المعالجة وبذل الجهد، وفي رواية للبخاري "فخطب"

стр. 3651

وقد بينت الرواية التاسعة وقت هذه الخطبة، وأنها لم تتراخ عن الشفاعة، وأنها كانت في العشي من اليوم نفسه. (إنما أهلك الذين قبلكم) في رواية "إنما هلك الذين قبلكم" وفي رواية النسائي "إنما هلك بنو إسرائيل". (أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد) "أنهم" إلخ في محل الرفع فاعل "أهلك"، وفي محل النصب على المفعول لأجله على رواية "هلك" وقد كان فيمن قبلنا أمور كثيرة تقتضي الإهلاك، كأكل الربا، وأكل أموال الناس بالباطل، وقتل الأنبياء بغير حق، وعدم التناهي عن منكر فعلوه، فالقصر هنا ادعائي، كأن ماعدا تعطيل الحدود لا شيء، ولا يعتد به بجواره. وفي رواية للبخاري "كانوا يقيمون الحد على الوضيع" وهو من الوضع، وهو النقص، وفي رواية للنسائي بلفظ "الدون الضعيف". "والشريف" يقابل ذلك، لما يستلزم الشرف من الرفعة والقوة. (وايم الله) تقدم شرحه، وحكمه في كتاب الأيمان والنذور، وفي الرواية التاسعة "وإني والذي نفسي بيده" وفي الرواية الحادية عشرة "والله" والظاهر أن هذا التغاير من تصرف الرواة، والرواية بالمعنى. (لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) هذا القول من أمثلة مجيء "لو" حرف امتناع لامتناع، وإنما خص فاطمة ابنته بالذكر، لأنها أعز أهله عنده، ولأنه لم يكن بقي من بناته حينئذ غيرها، فأراد المبالغة في إثبات إقامة الحد على كل مكلف، وترك المحاباة في ذلك. قيل: ولأن اسمها ﵂ يوافق اسم السارقة، فناسب أن يضرب المثل بها. وهذا التعليل ليس بذاك. وفي رواية "لقطع محمد يدها" على أسلوب التجريد. (ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت، فقطعت يدها) في رواية للنسائي "قم يا بلال، فخذ بيدها، فاقطعها". (فحسنت توبتها بعد، وتزوجت) هذا يفيد أنها حين سرقت لم تكن متزوجة، وهذه حقيقة، وفي رواية "فنكحت تلك المرأة رجلاً من بني سليم، وتابت" أي لم تعد للسرقة "وكانت حسنة التلبس والمخالطة والمعاشرة". وفي رواية "أن النبي ﷺ كان بعد ذلك يرحمها ويصلها" وعند أحمد أنها قالت: هل لي من توبة يا رسول الله؟ فقال: أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمك". -[فقه الحديث]- قال النووي: أجمع العلماء على قطع يد السارق، واختلفوا في اشتراط النصاب، فقال أهل

стр. 3652

الظاهر: لا يشترط نصاب أصلاً، بل يقطع في القليل والكثير تافها كان، أو غير تافه، وبه قال ابن بنت الشافعي من أصحابنا، وحكاه القاضي عياض عن الحسن البصري والخوارج، واحتجوا بعموم قوله تعالى ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ [المائدة: ٣٨] ولم يخصوا الآية. وقال جماهير العلماء: لا تقطع إلا في نصاب، لهذه الأحاديث. اهـ. ثم اختلفوا في النصاب على مذاهب، قاربت العشرين مذهبًا. ذكرها الحافظ ابن حجر، نقتطف منها: ١ - أن القطع لا يجب إلا في أربعين درهمًا، أو أربعة دنانير. نقله القاضي عياض ومن تبعه عن إبراهيم النخعي. وهذا القول يقابل عدم اشتراط النصاب، في شذوذ كل منهما. ٢ - أن القطع لا يشترط فيه نصاب، إلا أنه لا يقطع في الشيء التافه، كتمرة، لحديث "لم يكن القطع في شيء من التافه" ولأن عثمان ﵁ قطع في فخارة، وقال لمن يسرق السياط: لئن عدتم لأقطعن فيه، وقطع ابن الزبير في نعلين، وعن عمر بن عبد العزيز أنه قطع في مد أو مدين. ٣ - تقطع اليد في درهم فصاعدًا، وهو قول عثمان البتي - بفتح الباء وتشديد التاء - من فقهاء البصرة وربيعة من فقهاء المدينة. ٤ - تقطع اليد في درهمين، فصاعدًا. وهو قول الحسن البصري. ٥ - تقطع اليد إذا زاد المسروق عن درهمين، ولو لم يبلغ الثلاثة. وسنده عن أنس ﵁ قال: قطع أبو بكر في شيء ما يساوي ثلاثة دراهم" أخرجه ابن أبي شيبة بسند قوي. ٦ - تقطع اليد في ثلاثة دراهم، ويقوم ما عداها بها، ولو كان ذهبًا، وهي رواية عن أحمد، وحكاه الخطابي عن مالك. ٧ - تقطع اليد في ثلاثة دراهم، ويقوم ما عداها بها، إلا إن كان المسروق ذهبًا، فنصابه ربع دينار، وهذا قول مالك، المعروف عند أتباعه، وهو رواية عن أحمد. ٨ - تقطع اليد في ثلاثة دراهم، أو ربع دينار ذهبًا، فإن كان المسروق غيرهما قطع به إذا بلغت قيمته أحدهما، وهو المشهور عن أحمد، ورواية عن إسحق. ٩ - تقطع اليد في ثلاثة دراهم، أو ربع دينار ذهبًا، فإن كان المسروق غيرهما قطع به إذا بلغت قيمته الغالب منهما الكثير في الاستعمال عرفًا. وهو قول جماعة من المالكية. ١٠ - تقطع اليد في ربع دينار، أو ما يبلغ قيمته ربع دينار، ولو كان دراهم كثيرة، فالمعتبر الذهب وقيمته، وهو مذهب الشافعي، وهو قول عائشة وعمرة وأبي بكر بن حزم وعمر بن عبد العزيز والأوزاعي والليث ورواية عن إسحاق وعن داود، ونقله الخطابي وغيره عن عمر وعثمان وعلي. ١١ - يقطع في أربعة دراهم، نقله القاضي عياض عن بعض الصحابة، ونقله ابن المنذر عن أبي هريرة وأبي سعيد.

стр. 3653

١٢ - يقطع في ثلث دينار. حكاه ابن المنذر عن أبي جعفر الباقر. ١٣ - يقطع في خمسة دراهم، وهو قول ابن شبرمة وابن أبي ليلى من فقهاء الكوفة، ونقل عن الحسن البصري وعن سليمان بن يسار. أخرج النسائي عن عمر بن الخطاب "لا تقطع الخمس إلا في خمس" أي لا تقطع الأصابع الخمس إلا في خمسة دراهم. ١٤ - لا تقطع اليد إلا في عشرة دراهم، أو ما بلغ قيمتها من ذهب أو عرض، وهو قول أبي حنيفة والثوري وأصحابهما. ١٥ - لا تقطع اليد إلا في دينار، أو ما بلغ قيمته من فضة أو عرض. حكاه ابن حزم عن طائفة. ١٦ - لا تقطع اليد إلا في دينار، أو عشرة دراهم، أو ما يساوي أحدهما. حكي عن علي وابن مسعود، وبه قال عطاء. ونكتفي بهذا القدر، وهدفنا من ذكر هذه الأقوال أن في الأمر سعة، تسمح لأولي الأمر بحرية الحركة في دائرة تحفظ أموال الناس، وتقطع دابر السرقات والإفساد في الأرض، وقد يفيض المال في آخر الزمان وتضعف القيمة، فيصبح الكثير تافها، والعبرة - فيما أرى - بنصاب أو مقدار يزجر السارق، ويؤمن المسلم على ماله. الأمر الثاني الذي اختلف فيه العلماء بعد النصاب اشتراط الحرز أو عدم اشتراطه، وحرز كل شيء هو المكان المناسب لحفظه وصيانته، ولكل شيء حصنه الذي يناسبه، فترك ذهب أو فضة مكشوف أما البيت أو في فنائه والباب مفتوح ليس في حرز مثله، فإذا أخذ خفية، هل يقطع آخذه؟ قال الظاهرية وأبو عبيد الله البصري: نعم، لأن آية السرقة عامة في كل من سرق، وليس فيها ما ينبئ عن اشتراط الحرز، وليس هناك من الأحاديث ما يخصصها، فتبقى عامة تشمل السرقة من الحرز ومن غير الحرز، واشترط الجمهور الحرز، فلا قطع إلا فيما سرق من حرز، والمعتبر فيه العرف فما عده العرف حرزًا لذلك الشيء فهو حرز له، وما لا فلا. وزعم ابن بطال أن شرط الحرز مأخوذ من معنى السرقة. قال الحافظ ابن حجر: فإن صح ما قال سقطت حجة من لا يشترط الحرز. اهـ قلت: إن أراد معنى السرقة لغة فغير مسلم، وإن أراد شرعًا فهو اصطلاح، لا يحتج به عند الاختلاف. ومما اختلف فيه العلماء أيضًا مكان القطع من اليد، فقال بعض الخوارج من المنكب - أي عند اتصال اليد بالكتف، ونقل عن سعيد بن المسيب، واستنكره جماعة، وحجتهم أن العرب تطلق الأيدي على ذلك. وعن بعض السلف: تقطع من المرفق: وحجتهم آية الوضوء ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ [المائدة: ٦]. وقال الشافعي وأبو حنيفة ومالك والجماهير: تقطع اليد من الرسغ، وهو المفصل الذي بين الكف والساعد. وهو مراد من قال: من الكوع. وعن علي تقطع من أصول الأصابع، واستحسنه أبو ثور، ورد بأنه لا يسمى مقطوع اليد لغة ولا عرفًا، بل مقطوع الأصابع.

стр. 3654

وحجة الجمهور الأخذ بأقل ما ينطلق عليه الاسم، لأن اليد قبل السرقة كانت محترمة، فلما جاء النص بقطع اليد، وكانت تطلق على هذه المعاني، وجب أن لا يترك المتيقن، وهو تحريمها إلا بمتيقن، وهو القطع من الكف. الأمر الرابع الذي اختلف فيه العلماء من سرق ثانيًا وثالثًا ورابعًا بعد أن قطع، قال الجمهور: من سرق أولا قطعت يده اليمنى، فإن سرق ثانيًا قطعت رجله اليسرى - من المفصل بين الساق والقدم - فإن سرق ثالثًا قطعت يده اليسرى، فإن سرق رابعًا قطعت رجله اليمنى. واحتجوا بآية المحاربة، وبفعل الصحابة، وبأنهم فهموا من الآية أنها في المرة الواحدة، فإن عاد السارق وجب عليه القطع ثانيًا، إلى أن لا يبقى له ما يقطع، ثم إن سرق عزر وسجن، وقيل: يقتل في الخامسة استدلالاً بحديث منكر. -[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]- ١ - استدل بالأحاديث وبالآية على أن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، لأن آية السرقة نزلت في سارق رداء صفوان، أو سارق المجن، وعمل بها الصحابة بعد الرسول ﷺ في غيرهما من السارقين. ٢ - واستدل بالقطع في المجن على مشروعية القطع في كل ما يتمول، قياسًا، واستثنى الحنفية ما يسرع إليه الفساد، وما أصله الإباحة، كالحجارة واللبن والخشب والملح والتراب والكلأ والطير، وفيه رواية عن الحنابلة، والراجح عندهم في مثل السرجين القطع، تفريعًا على جواز بيعه. ٣ - ومن الرواية السابعة قال القاضي عياض: جوز بعضهم لعن المعين، ما لم يحد، لأن الحد كفارة، قال: وليس هذا بسديد، لثبوت النهي عن اللعن في الجملة، فحمله على المعين أولى، وقال ابن بطال: لا ينبغي تعيين أهل المعاصي، ومواجهتهم باللعن، وإنما ينبغي أن يلعن في الجملة من فعل ذلك، ليكون ردعًا لهم، وزجرًا عن انتهاك شيء منها، ولا يكون لمعين، لئلا يقنط. وقيل: إن لعن النبي ﷺ لأهل المعاصي كان تحذيرًا لهم، قبل وقوعها، فإذا فعلوها استغفر لهم، ودعا لهم بالتوبة، وأما من أغلظ له، ولعنه تأديبًا على فعل فعله، فقد دخل في عموم شرطه، حيث قال: "سألت ربي أن يجعل لعني له كفارة ورحمة" هذا إذا صدر في حق من ليس له بأهل. قال النووي: في هذا الحديث دليل لجواز لعن غير المعين، من العصاة، لأنه لعن للجنس، لا لمعين ولعن الجنس جائز، كما قال الله تعالى ﴿ألا لعنة الله على الظالمين﴾ [هود: ١٨] وأما المعين فلا يجوز لعنه. ٤ - ومن الرواية الثامنة وما بعدها قال النووي: في هذه الأحاديث تحريم الشفاعة في الحد، بعد بلوغه إلى الإمام، وقد أجمع العلماء عليه، وعلى أنه يحرم التشفيع فيه، فأما قبل بلوغه إلى الإمام فقد أجاز الشفاعة فيه أكثر العلماء، إذا لم يكن المشفوع فيه صاحب شر وأذى للناس، فإن كان لم يشفع فيه، وأما المعاصي التي لا حد فيها، وواجبها التعزير، فتجوز الشفاعة والتشفيع فيها، سواء بلغت الإمام أم لا، لأنها أهون، ثم الشفاعة فيها مستحبة، إذا لم يكن المشفوع فيه صاحب أذى ونحوه. اهـ.

стр. 3655

ويؤيد هذا ما جاء في بعض الروايات أن الرسول ﷺ قال لأسامة، لما شفع في المرأة "لا تشفع في حد، فإن الحدود إذا انتهت إلي فليس لها مترك" وفي بعض الأحاديث "تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد، فقد وجب" صححه الحاكم. وأخرج الطبراني عن عروة بن الزبير، قال "لقي الزبير سارقًا، فشفع فيه، فقيل له: حتى يبلغ الإمام. فقال: إذا بلغ الإمام فلعن الله الشافع والمشفع" وعند ابن أبي شيبة بسند صحيح عن عكرمة أن ابن عباس وعمارًا والزبير أخذوا سارقًا، فخلوا سبيله، قال عكرمة: فقلت لابن عباس: بئسما صنعتم حين خليتم سبيله. فقال: لا أم لك. أما لو كنت أنت لسرك أن يخلى سبيلك" وهذا إذا لم يكن محترفًا، وكان من ذوي الهيئات، فعند أحمد عن عائشة مرفوعًا "أقيلوا ذوي الهيئات زلاتهم إلا في الحدود". ٥ - وفي الحديث منقبة لأسامة ﵁. وكان يومئذ غلامًا. ٦ - من قوله "وايم الله" جواز الحلف من غير استحلاف، وهو مستحب إذا كان فيه تفخيم لأمر مطلوب، كما في الحديث. ٧ - استدل بالرواية العاشرة على أن جحد العارية يقطع به كالسرقة، وبه قال أحمد وإسحق، وجماهير العلماء وفقهاء الأمصار على أنه لا قطع على من جحد العارية، وقد سبق في المباحث العربية مزيد لهذه المسألة، وفرق العلماء بين السرقة وبين النهب والاختلاس، حيث يقطع في السرقة، ولا يقطع فيهما، فقال القاضي عياض: صان الله تعالى الأموال بإيجاب القطع على السارق، ولم يجعل ذلك في غير السرقة، كالاختلاس والانتهاب والغصب، لأن ذلك قليل بالنسبة إلى السرقة، ولأنه يمكن استرجاع هذا النوع، بالاستدعاء إلى ولاة الأمور، وتسهل إقامة البينة عليه، بخلاف السرقة، فإنها تندر إقامة البينة عليها، فعظم أمرها، واشتدت عقوبتها، ليكون أبلغ في الزجر عنها. اهـ أقول: ثم إن باب التعزير واسع، وعقوبته متنوعة متروكة لولي الأمر، وقد بلغ به بعض الفقهاء الإلقاء من شاهق الجبل. ٨ - استشكل أبو العلاء المعري على قطع اليد في سرقة ربع دينار مع أن ديتها خمسمائة دينار، فقال: يد بخمس مئين عسجد وديت ما بالها قطعت في ربع دينار؟ وأجابه القاضي عبد الوهاب المالكي، بأنها لما كانت نظيفة نزيهة كانت غالية، ولما تدنست بالسرقة رخصت، فقال: صيانة العضو أغلاها، وأرخصها صيانة المال، فافهم حكمة الباري وشرح ذلك الحافظ ابن حجر، فقال: إن الدية لو كانت ربع دينار لكثرت الجنايات على الأيدي، ولو كان النصاب للقطع في السرقة خمسمائة دينار لكثرت الجنايات على الأموال، فظهرت الحكمة في الجانبين، وكان في ذلك صيانة من الطرفين. واللَّه أعلم

стр. 3656

(٤٤٩) باب حد الزنا ٣٨٨٣ - عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم". ٣٨٨٤ - عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: كان نبي الله ﷺ إذا أنزل عليه كرب لذلك وتربد له وجهه. قال: فأنزل عليه ذات يوم فلقي كذلك، فلما سري عنه قال "خذوا عني فقد جعل الله لهن سبيلاً، الثيب بالثيب، والبكر بالبكر، الثيب جلد مائة ثم رجم بالحجارة، والبكر جلد مائة ثم نفي سنة". ٣٨٨٥ - وفي رواية عن قتادة بهذا الإسناد غير أن في حديثهما "البكر يجلد وينفى والثيب يجلد ويرجم" لا يذكران "سنة ولا مائة". ٣٨٨٦ - عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال عمر بن الخطاب وهو جالس على منبر رسول الله ﷺ إن الله قد بعث محمدًا ﷺ بالحق وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل عليه آية الرجم قرأناها ووعيناها وعقلناها، فرجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده. فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله. وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف.

стр. 3657

٣٨٨٧ - عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: أتى رجل من المسلمين رسول الله ﷺ وهو في المسجد فناداه، فقال يا رسول الله إني زنيت. فأعرض عنه. فتنحى تلقاء وجهه فقال له يا رسول الله إني زنيت. فأعرض عنه. حتى ثنى ذلك عليه أربع مرات. فلما شهد على نفسه أربع شهادات. دعاه رسول الله ﷺ فقال "أبك جنون؟ " قال: لا. قال "فهل أحصنت؟ " قال: نعم. فقال رسول الله ﷺ "اذهبوا به فارجموه". قال ابن شهاب: فأخبرني من سمع جابر بن عبد الله يقول: فكنت فيمن رجمه فرجمناه بالمصلى فلما أذلقته الحجارة هرب فأدركناه بالحرة فرجمناه. ٣٨٨٨ - عن جابر بن سمرة ﵁ قال: رأيت ماعز بن مالك حين جيء به إلى النبي ﷺ رجل قصير أعضل ليس عليه رداء. فشهد على نفسه أربع مرات أنه زنى. فقال رسول الله ﷺ "فلعلك؟ " قال: لا، والله إنه قد زنى الأخر. قال: فرجمه ثم خطب فقال "ألا كلما نفرنا غازين في سبيل الله خلف أحدهم له نبيب كنبيب التيس يمنح أحدهم الكثبة. أما والله إن يمكني من أحدهم لأنكلنه عنه". ٣٨٨٩ - عن جابر بن سمرة ﵁ قال: أتي رسول الله ﷺ برجل قصير أشعث ذي عضلات عليه إزار وقد زنى. فرده مرتين. ثم أمر به فرجم. فقال رسول الله ﷺ "كلما نفرنا غازين في سبيل الله تخلف أحدكم ينب نبيب التيس يمنح إحداهن الكثبة. إن الله لا يمكني من أحد منهم إلا جعلته نكالاً" (أو نكلته). قال: فحدثته سعيد بن جبير فقال إنه رده أربع مرات.

стр. 3658

٣٨٩٠ - - وفي رواية عن جابر بن سمرة ﵁ عن النبي ﷺ نحو حديث ابن جعفر ووافقه شبابة على قوله "فرده مرتين" وفي حديث أبي عامر "فرده مرتين أو ثلاثًا". ٣٨٩١ - عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال لماعز بن مالك "أحق ما بلغني عنك؟ " قال: وما بلغك عني؟ قال "بلغني أنك وقعت بجارية آل فلان" قال: نعم. قال: فشهد أربع شهادات ثم أمر به فرجم. ٣٨٩٢ - عن أبي سعيد ﵁ أن رجلاً من أسلم يقال له ماعز بن مالك أتى رسول الله ﷺ فقال: إني أصبت فاحشة فأقمه علي فرده النبي ﷺ مرارًا. قال: ثم سأل قومه؟ فقالوا: ما نعلم به بأسًا إلا أنه أصاب شيئًا يرى أنه لا يخرجه منه إلا أن يقام فيه الحد. قال: فرجع إلى النبي ﷺ فأمرنا أن نرجمه. قال: فانطلقنا به إلى بقيع الغرقد. قال: فما أوثقناه ولا حفرنا له. قال: فرميناه بالعظم والمدر والخزف. قال: فاشتد واشتددنا خلفه حتى أتى عرض الحرة فانتصب لنا فرميناه بجلاميد الحرة (يعني الحجارة) حتى سكت. قال: ثم قام رسول الله ﷺ خطيباً من العشي فقال "أو كلما انطلقنا غزاة في سبيل الله تخلف رجل في عيالنا له نبيب كنبيب التيس. علي أن لا أوتى برجل فعل ذلك إلا نكلت به". قال: فما استغفر له ولا سبه. ٣٨٩٣ - وفي رواية عن داود بهذا الإسناد مثل معناه وقال في الحديث: فقام النبي ﷺ من العشي فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال "أما بعد فما بال أقوام إذا غزونا يتخلف أحدهم عنا له نبيب كنبيب التيس". ولم يقل "في عيالنا". ٣٨٩٤ - - وفي رواية عند داود بهذا الإسناد بعض هذا الحديث غير أن في حديث سفيان فاعترف بالزنى ثلاث مرات. ٣٨٩٥ - عن سليمان بن بريدة عن أبيه ﵁ قال: جاء ماعز بن مالك إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله طهرني. فقال "ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه" قال: فرجع غير

стр. 3659

بعيد. ثم جاء فقال يا رسول الله طهرني. فقال رسول الله ﷺ "ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه" قال: فرجع غير بعيد. ثم جاء فقال يا رسول الله طهرني. فقال النبي ﷺ مثل ذلك. حتى إذا كانت الرابعة قال له رسول الله ﷺ "فيم أطهرك؟ " فقال: من الزنى. فسأل رسول الله ﷺ "أبه جنون؟ " فأخبر أنه ليس بمجنون. فقال "أشرب خمرًا؟ " فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر. قال: فقال رسول الله ﷺ "أزنيت؟ " فقال: نعم. فأمر به فرجم. فكان الناس فيه فرقتين. قائل يقول لقد هلك، لقد أحاطت به خطيئته. وقائل يقول ما توبة أفضل من توبة ماعز أنه جاء إلى النبي ﷺ فوضع يده في يده ثم قال اقتلني بالحجارة. قال: فلبثوا بذلك يومين أو ثلاثة. ثم جاء رسول الله ﷺ وهم جلوس فسلم ثم جلس فقال "استغفروا لماعز بن مالك" قال: فقالوا: غفر الله لماعز بن مالك. قال: فقال رسول الله ﷺ لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم". قال: ثم جاءته امرأة من غامد من الأزد، فقالت: يا رسول الله طهرني. فقال "ويحك ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه" فقالت: أراك تريد أن ترددني كما رددت ماعز بن مالك. قال "وما ذاك؟ " قالت: إنها حبلى من الزنا. فقال "آنت؟ " قالت: نعم. فقال لها "حتى تضعي ما في بطنك" قال: فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت. قال: فأتى النبي ﷺ فقال قد وضعت الغامدية. فقال "إذًا لا نرجمها وندع ولدها صغيرًا ليس له من يرضعه" فقام رجل من الأنصار فقال: إلي رضاعه يا نبي الله. قال: فرجمها. ٣٨٩٦ - عن عبد الله بن بريدة عن أبيه ﵁ أن ماعز بن مالك الأسلمي أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني قد ظلمت نفسي وزنيت وإني أريد أن تطهرني. فرده. فلما كان من الغد أتاه فقال يا رسول الله إني قد زنيت. فرده الثانية. فأرسل رسول الله ﷺ إلى قومه فقال "أتعلمون بعقله بأسًا تنكرون منه شيئًا؟ " فقالوا: ما نعلمه إلا وفي العقل من صالحينا فيما نرى. فأتاه الثالثة. فأرسل إليهم أيضًا فسأل عنه. فأخبروه أنه لا بأس به ولا بعقله. فلما كان الرابعة حفر له حفرة ثم أمر به فرجم. قال: فجاءت الغامدية فقالت: يا رسول الله إني قد زنيت فطهرني وإنه ردها. فلما كان الغد قالت يا رسول الله لم تردني؟ لعلك أن تردني كما رددت ماعزًا فوالله إني لحبلى. قال "إما لا فاذهبي حتى تلدي" فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة قالت: هذا قد ولدته. قال "اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه" فلما

стр. 3660

فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز فقالت: هذا يا نبي الله قد فطمته وقد أكل الطعام. فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين. ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها وأمر الناس فرجموها. فيقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها، فتنضح الدم على وجه خالد، فسبها. فسمع نبي الله ﷺ سبه إياها فقال "مهلاً يا خالد فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له" ثم أمر بها فصلى عليها ودفنت. ٣٨٩٧ - عن عمران بن حصين ﵁ أن امرأة من جهينة أتت نبي الله ﷺ وهي حبلى من الزنا فقالت: يا نبي الله أصبت حدًا فأقمه علي فدعا نبي الله ﷺ وليها، فقال "أحسن إليها فإذا وضعت فأتني بها" ففعل فأمر بها نبي الله ﷺ فشكت عليها ثيابها ثم أمر بها فرجمت ثم صلى عليها. فقال له عمر تصلي عليها؟ يا نبي الله وقد زنت. فقال "لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم. وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالى؟ ". ٣٨٩٨ - عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني ﵄ أنهما قالا: إن رجلاً من الأعراب أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله. فقال الخصم الآخر وهو أفقه منه نعم فاقض بيننا بكتاب الله وأذن لي. فقال رسول الله ﷺ "قل" قال: إن ابني كان عسيفًا على هذا فزنى بامرأته. وإني أخبرت أن على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاة ووليدة. فسألت أهل العلم فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام وأن على امرأة هذا الرجم. فقال رسول الله ﷺ "والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله الوليدة والغنم رد، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام. واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" قال فغدا عليها فاعترفت فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت.

стр. 3661

٣٨٩٩ - عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ أتي بيهودي ويهودية قد زنيا. فانطلق رسول الله ﷺ حتى جاء يهود. فقال "ما تجدون في التوراة على من زنى؟ " قالوا: نسود وجوههما ونحملهما ونخالف بين وجوههما ويطاف بهما. قال "فأتوا بالتوراة إن كنتم صادقين" فجاءوا بها فقرءوها حتى إذا مروا بآية الرجم. وضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرجم، وقرأ ما بين يديها وما وراءها. فقال له عبد الله بن سلام وهو مع رسول الله ﷺ مره فليرفع يده، فرفعها فإذا تحتها آية الرجم. فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما. قال عبد الله بن عمر كنت فيمن رجمهما، فلقد رأيته يقيها من الحجارة بنفسه. ٣٩٠٠ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ رجم في الزنى يهوديين رجلاً وامرأة زنيا، فأتت اليهود إلى رسول الله ﷺ بهما. وساقوا الحديث بنحوه. ٣٩٠١ - - وفي رواية عن ابن عمر ﵄ أن اليهود جاءوا إلى رسول الله ﷺ برجل منهم وامرأة قد زنيا. وساق الحديث بنحو حديث عبيد الله عن نافع. ٣٩٠٢ - عن البراء بن عازب ﵁ قال: مر علي النبي ﷺ بيهودي محممًا مجلودًا فدعاهم ﷺ فقال "هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ " قالوا: نعم. فدعا رجلاً من علمائهم، فقال "أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ " قال: لا ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك نجده الرجم ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد. قلنا تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع. فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم. فقال رسول الله ﷺ "اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه" فأمر به فرجم. فأنزل الله ﴿يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر﴾ إلى قوله ﴿إن أوتيتم هذا فخذوه﴾ [المائدة: ٤١] يقول ائتوا محمدًا ﷺ فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا، فأنزل الله تعالى ﴿ومن لم يحكم بما

стр. 3662

أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ [المائدة: ٤٤] ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون﴾ [المائدة: ٤٥] ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾ [المائدة: ٤٧] في الكفار كلها. ٣٩٠٣ - - وفي رواية عن الأعمش بهذا الإسناد نحوه إلى قوله فأمر به النبي ﷺ فرجم ولم يذكر ما بعده من نزول الآية. ٣٩٠٤ - ٢٨ م/ ١٦ عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: رجم النبي ﷺ رجلاً من أسلم ورجلاً من اليهود وامرأته. ٣٩٠٥ - - وفي رواية عن ابن جريج بهذا الإسناد مثله غير أنه قال وامرأة. ٣٩٠٦ - عن أبي إسحق الشيباني قال: سألت عبد الله بن أبي أوفى هل رجم رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. قال: قلت: بعد ما أنزلت سورة النور أم قبلها؟ قال: لا أدري. ٣٩٠٧ - عن أبي هريرة ﵁ أنه سمعه يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول "إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها. ثم إن زنت فليجلدها الحد ولا يثرب عليها. ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر". ٣٩٠٨ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في جلد الأمة إذا زنت ثلاثًا "ثم ليبعها في الرابعة". ٣٩٠٩ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن؟

стр. 3663

قال "إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها ثم بيعوها ولو بضفير" قال ابن شهاب: لا أدري أبعد الثالثة أو الرابعة. وقال القعنبي في روايته قال ابن شهاب والضفير الحبل. ٣٩١٠ - عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني ﵄ أن رسول الله ﷺ سئل عن الأمة بمثل حديثهما ولم يذكر قول ابن شهاب والضفير الحبل. ٣٩١١ - عن أبي عبد الرحمن قال: خطب علي فقال يا أيها الناس أقيموا على أرقائكم الحد من أحصن منهم ومن لم يحصن، فإن أمة لرسول الله ﷺ زنت فأمرني أن أجلدها فإذا هي حديث عهد بنفاس؛ فخشيت إن أنا جلدتها أن أقتلها فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال أحسنت. ٣٩١٢ - - وفي رواية عن السدي بهذا الإسناد ولم يذكر من أحصن منهم ومن لم يحصن وزاد في الحديث "اتركها حتى تماثل". -[المعنى العام]- قال تعالى ﴿ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا﴾ [الإسراء: ٣٢] وقد أودع الله في طبيعة الإنسان الغيرة على عرضه، بل وجد نوع من الغيرة عند بعض الطيور، وبعض الحيوانات، ولكن حماية الأعراض، وحرص الرجال على عفة نسائهم، وحرص النساء على عفة رجالهن بلغت عند العرب وفي الإسلام مبلغًا لم يبلغه من قبل، ولم يرهف حس آدمي إلى أحسن منه بعد، لقد وصف القرآن نساء الجنة بأنهن حور مقصورات في الخيام، لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان، وأمر أزواج محمد ﷺ أن يحجبن أشخاصهن عن الرجال، وأمر أزواج النبي ﷺ ونساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن، وذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين، وأغلق منافذ الزنا بتحريم كشف العورة، وتحريم النظر، ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم﴾ [النور: ٣٠]. ﴿وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن .... ﴾ [النور: ٣١].

стр. 3664

وجعل الإسلام طهارة الفروج علامة من علامات الإيمان، فقال ﴿قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون * والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون﴾ [المؤمنون: ١ وما بعدها]. أمام هذه الحصون المنيعة من ارتكاب الفاحشة كان لا بد من عقاب شديد مرعب مخيف قاس مزعج لمن يتسلق هذه الأسوار، ويرتكب هذا الأمر المقيت، فكان قوله تعالى ﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا﴾ [النساء: ١٥]. ثم كان للثيب المتزوج الذي وطيء ولو مرة في نكاح صحيح "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة، نكالاً من الله، والله عزيز حكيم" وكان للبكر الذي لم ينكح أصلاً في نكاح صحيح ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾ [النور: ٢]. فالبكر يجلد مائة جلدة، وبنفي عن موطن زناه لمدة عام، والثيب المحصن يرجم ويرمى بالحجارة حتى الموت، موت بطيء، مؤلم، مخز، حقير، ولولا أن الله يقول ﴿ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله﴾ لما نفذ في مسلم أو مسلمة. لقد كان رسول الله ﷺ يكره أن يعترف زان بزناه، ويقر به، بعد أن ستره الله، كان يحب أن يستر الزاني نفسه ويستغفر الله ويتوب إليه، ولا يفضح نفسه، ويفضح شريكته، ويفضح كل من يتصل بهما من قريب أو بعيد بل كان بعد اعتراف الزاني أمامه يلقنه التراجع عن إقراره، ويعرض عنه المرة بعد المرة، ويرده عن لقاء بعد لقاء، فإذا لم يكن بد، وشهد أربعة شهداء، أو أقر الزاني إقرارات لا شبهة فيها أمر برجمه ورجمها. ولم يثبت أنه ﷺ باشر الرجم بنفسه، أو حضره حتى النهاية، بل كل ما ثبت أنه أمر برجمهم طيلة حياته خمسة، ماعز، وشريكته الغامدية، والجهنية صاحبة العسيف، واليهودي وصاحبته اليهودية، ولولا إقرار الزاني والزانية لتوقف حد الرجم أو كاد، بل حد الزنا بعامة، إذ لا يكاد يتحقق شهادة أربعة من الشهداء يشهدون أنهم رأوا بأعين رءوسهم دخول ذكر الرجل في فرج الأنثى، وغيابه كغياب المرود في المكحلة؟ وفوق ذلك يدرأ الحد بالشبهات كأن يدعي الجنون أو الإكراه أو شبهة الحل بأي وجه من الوجوه. فما أكثر الزنا في واقع الحياة ولكنه الستار الحليم، الغفور الرحيم. -[المباحث العربية]- (خذوا عني. خذوا عني) أي خذوا عني حكم الزانية والزاني. كرر في هذه الرواية للتأكيد، وفي الرواية الثانية بدون تكرير، والظاهر أن هذه العبارة قصد منها إعلان سروره ﷺ ، واستبشاره بما نزل عليه، ففي الرواية الثانية أنه قال ذلك عقب الوحي.

стр. 3665

(كان نبي الله ﷺ إذا أنزل عليه كرب لذلك) أي إذا أنزل عليه الوحي كرب - بضم الكاف وكسر الراء، مبني للمجهول، أي أصابه كرب وشدة تأخذ بنفسه كالمخنوق لثقل الوحي. (وتربد له وجهه) بفتح التاء والراء وتشديد الباء المفتوحة بعدها دال، يقال: اربد وجهه بتشديد الدال، أي احمر حمرة فيها عبوس وغبرة. (فلقي كذلك) الفعل مبني للمجهول، أي لقيه أصحابه يومًا على هذه الحالة. (فلما سري عنه قال: خذوا عني) أي فلما زال ما به، وكشف عنه قال (قد جعل الله لهن سبيلا) يشير بذلك إلى قوله تعالى ﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا﴾ [النساء: ١٥] والمعنى قد جعل لهن مخرجا، غير الحبس حتى الموت. (البكر بالبكر جلد مائة، ونفى سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) أي زنا الرجل البكر بالفتاة البكر، حده جلد مائة جلدة لكل منهما، وتغريب سنة للرجل، كما سيأتي في فقه الحديث، وزنا الرجل الثيب - أي المحصن الذي سبق له الزواج، بالمرأة الثيب، التي سبق لها الزواج جلد مائة جلدة لكل منهما والرجم لكل منهما، وعلم من هذا حكم زنا الرجل البكر بالمرأة الثيب، وزنا الرجل الثيب بالفتاة البكر، وكان يكفي أن يقول: البكر جلد مائة، والثيب الرجم، لكن المقام مقام تفصيل، وسيأتي مزيد بحث لهذا في فقه الحديث وفي الرواية الثانية "الثيب بالثيب، والبكر بالبكر، جلد مائة، ثم رجم بالحجارة، والبكر جلد مائة، ثم نفي سنة" وفيها لف ونشر مرتب، "جلد مائة ثم رجم بالحجارة" يرتبط بالثيب بالثيب، و"جلد مائة ثم نفي سنة" يرتبط بالبكر بالبكر. وقوله "جلد مائة" بالإضافة عند الأكثرين، وقرأه بعضهم بتنوين "جلد" وتنوين "مائة" والمراد من النفي التغريب، واختلف في مسافته على ما سيأتي في فقه الحديث. (فكان مما أنزل عليه آية الرجم) أراد بها "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة، نكالاً من الله، والله عزيز حكيم" قال النووي: وهذا مما نسخ لفظه، وبقي حكمه. (أتى رجل من المسلمين رسول الله ﷺ أي من عامة المسلمين، ليس من أكابرهم، ولا بالمشهور فيهم وفي الرواية الثامنة "أن رجلاً من أسلم، يقال له: ماعز بن مالك أتى رسول الله ﷺ " وفي الرواية العاشرة "أن ماعز بن مالك الأسلمي أتى رسول الله ﷺ " ففي هذه الروايات أن ماعزًا أتى من تلقاء نفسه، وفي الرواية السادسة "أتي رسول الله ﷺ برجل قصير أشعث ذي عضلات" فهذه الرواية تدل على أنه جيء به، وفي غير مسلم أن قومه أرسلوه إلى النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ للذي أرسله: لو سترته بثوبك يا هزال لكان خيرًا لك، وكان ماعز عند "هزال" ولا تعارض فمن جيء به فقد جاء، ومن أرسل فقد جاء.

стр. 3666

ومعنى "أشعث" وهو ممنوع من الصرف للوصفية ووزن الفعل، مجرور بالفتحة، متلبد الشعر، متغيره وسخه، ومعنى "ذي عضلات" كثير العضلات، بارزها، والعضلة، ما اجتمع من اللحم في أعلى الساق والذراع، وهذا الوصف يوحي بالشدة والقوة. (فقال: يا رسول الله، إني زنيت) في الرواية العاشرة "إني قد ظلمت نفسي وزنيت، وإني أريد أن تطهرني" وفي الرواية الحادية عشرة "إني أصبت حدًا، فأقمه علي" وفي الرواية الثامنة "إني أصبت فاحشة، فأقمه علي" وفي الرواية التاسعة "طهرني" ولا تناقض، فقد يقول الرجل كل ذلك، وينقل كل راو بعض ما قال. (فأعرض عنه، فتنحى تلقاء وجهه، فقال له: يا رسول الله، إني زنيت، فأعرض عنه، حتى ثنى ذلك عليه أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات، دعاه رسول الله ﷺ ، فقال: أبك جنون؟ قال: لا. قال: فهل أحصنت؟ قال: نعم. فقال رسول الله ﷺ : اذهبوا به، فارجموه) وفي الرواية الخامسة "فشهد على نفسه أربع مرات أنه زنى، فقال رسول الله ﷺ : فلعلك" في هذه الرواية اختصار، واكتفاء، اعتمادًا على دلالة الكلام والحال على المحذوف، أي لعلك قبلت؟ أو لعلك غمزت؟ فظننت ذلك زنا؟ "قال: لا. والله إنه قد زنى الأخر" الهمزة بدون مد، والخاء مكسورة، ومعناه الأرذل والأبعد والشقي واللئيم، وأصله الأخير المتأخر عن الخير، المؤخر المطروح. ومعنى "تنحى تلقاء وجهه" انتقل من الناحية التي كان فيها إلى الناحية التي يستقبل بها وجه النبي ﷺ ، بعد أن أعرض عنه ﷺ ، وحول وجهه عنه إلى الجهة الأخرى، ومعنى "حتى ثنى ذلك عليه أربع مرات" حتى كرر ذلك أربع مرات، يقال: ثنى الشيء بتخفيف النون، يثنيه، ثنيًا، إذا عطفه، ورد بعضه على بعض. ففي هاتين الروايتين نجد المراجعة أربع مرات في مجلس واحد، لكن الرواية التاسعة تقول "فقال: يا رسول الله، طهرني. فقال: ويحك" أي ويلك وهلاكك، يقال: ويحك وويحًا لك "ارجع فاستغفر الله وتب إليه، قال: فرجع غير بعيد، ثم جاء، فقال: يا رسول الله، طهرني. فقال النبي ﷺ مثل ذلك، حتى كانت الرابعة" ويمكن الجمع بينهما بأن التحول من وجه إلى وجه كان بعد الرجوع غير بعيد، لكن الرواية العاشرة تفيد أن الرسول ﷺ رده يومًا بعد يوم، ويمكن الجمع بأن الترديد حصل في يوم، ثم في أيام، ثم بالغ في الاستيثاق في اليوم الأول، بسؤاله "أبك جنون"؟ "أشربت خمرًا"؟ "فقام رجل فاستنكهه" وبالغ في شم رائحة فمه، ثم بسؤاله عن صفة فعله، ففي بعض الروايات "هل ضاجعتها؟ قال نعم. قال: فهل باشرتها؟ قال: نعم. قال: هل جامعتها؟ قال: نعم. وفي رواية ذكر لفظ الجماع الدارج، من غير أن يكنى، وفي رواية "قال: حتى دخل ذلك منك، في ذلك منها؟ قال: نعم" قال: كما يغيب المرود في المكحلة؟ والرشا في البئر؟ قال: نعم" ثم بعد الترديد أيامًا سأل أهله. وكان ماعز بن مالك يتيمًا في حجر "هزال" فأصاب امرأة من الحي. (فيم أطهرك؟ فقال من الزنا) كذا في الرواية التاسعة وكان الظاهر أن يقول: مم أطهرك؟

стр. 3667

قال النووي: هكذا هو في جميع الأصول "فيم"؟ بالفاء والياء، وهو صحيح، وتكون "في" للسببية، أي بسبب ماذا أطهرك؟ اهـ مثلها في قوله ﷺ "دخلت امرأة النار في هرة حبستها". (ثم سأل قومه؟ فقالوا: ما نعلم به بأسًا) كذا في الرواية الثامنة، وفي الرواية التاسعة سألهم: "أبه جنون؟ فأخبر أنه ليس بمجنون، فقال: أشرب خمرًا"؟ وفي الرواية العاشرة "فقال: أتعلمون بعقله بأسًا؟ تنكرون منه شيئًا؟ فقالوا: ما نعلمه إلا وفي العقل" أي كامله ووفيره "من صالحينا، فيما نرى" بضم النون، أي فيما نظن ... " "فأخبروه أنه لا بأس به، ولا بعقله". (إلا أنه أصاب شيئًا) الاستثناء منقطع، بمعنى لكنه، والمراد من الشيء جريمة الزنا، ويمكن أن يكون متصلاً وأن الزنا نقص في العقل. وفي الرواية العاشرة أن سؤال قومه تكرر فيحمل على سؤال بعضهم مرة، وبعضهم مرة، للاستيثاق. (فرجمه) أي أمر برجمه، وفي الرواية السادسة والسابعة والتاسعة والعاشرة "فأمر به، فرجم" وفي الرواية الثامنة "فأمرنا أن نرجمه". (فانطلقنا به إلى بقيع الغرقد) وهو مقبرة أهل المدينة، وأصل البقيع المكان المتسع، ذو الأشجار المختلفة، والغرقد نوع من الشجر، من الفصيلة الباذنجانية، تؤكل ثمرتها، وتسمى الغرقد. (فما أوثقناه، ولا حفرنا له) في الرواية العاشرة "فلما كان الرابعة حفر له حفرة" قال الحافظ ابن حجر: يمكن الجمع بأن المنفى حفرة عميقة، لا يمكنه الوثوب منها، والمثبت حفيرة صغيرة، أمكنه الوثوب منها، أو أنهم في أول الأمر لم يحفروا، ثم لما فر، فأدركوه حفروا له حفرة لا يمكنه الوثوب منها، فانتصب لهم فيها، حتى فرغوا منه. (فرجمناه بالمصلى) المراد مصلى الجنائز ببقيع الغرقد. (فرميناه بالعظم والمدر والخزف) "المدر" بفتحات الطين اللزج المتماسك، و"الخزف" بفتحات، الآنية التي تتخذ من الطين المحروق، والمراد ما تكسر منها. (فاشتد، واشتددنا خلفه، حتى أتى عرض الحرة، فانتصب لنا) "اشتد" أي جرى وأسرع، وفي الرواية الرابعة "فلما أذلقته الحجارة هرب، فأدركناه بالحرة" أي فلما أصابته الحجارة بحدها، وآلمته هرب، و"عرض الحرة" بضم العين وسكون الراء، والحرة بفتح الحاء، أي جانب الأرض ذات الحجارة السوداء، وهي منطقة مشهورة بظاهر المدينة. (فرميناه بجلاميد الحرة) فسرها الراوي بحجارة الحرة، جمع جلمود بضم الجيم، وهو الصخر. (حتى سكت) قال النووي: هو بالتاء في آخره. هذا هو المشهور في الروايات. قال القاضي عياض: ورواه بعضهم "سكن" بالنون، والأول الصواب، ومعناه مات.

стр. 3668

(ثم خطب ﷺ ، وفي الرواية الثامنة "ثم قام رسول الله ﷺ خطيبًا من العشي" من اليوم نفسه. (ألا كلما نفرنا، غازين في سبيل اللَّه خلف أحدهم؟ ) أي تخلف أحد الناس عنا، وبقي في المدينة، حيث لا رجال وفي الرواية السادسة "كلما نفرنا غازين في سبيل الله، تخلف أحدكم"؟ وفي الرواية الثامنة "أو كلما انطلقنا غزاة في سبيل الله، تخلف رجل في عيالنا"؟ أي في نسائنا؟ وفي ملحقها "فما بال أقوام إذا غزونا، يتخلف أحدهم عنا"؟ . (له نبيب كنبيب التيس) "التيس" ذكر الماعز، ونبيب التيس صياحه وصوته عند ركوبه على أنثاه. (يمنح أحدهم الكثبة) بضم الكاف وسكون الثاء، كل قليل مجتمع من طعام أو لبن أو غير ذلك، وفي الرواية السادسة "يمنح إحداهن الكثبة" وفيها "ينب نبيب التيس" و"لا ينب" بفتح الياء وكسر النون وتشديد الباء. (أما واللَّه. إن يمكني من أحدهم لأنكلنه عنه) "يمكني" بضم الياء وسكون الميم وكسر الكاف، مضارع أمكن، أي إن يمكني الله من أحد هؤلاء، لأجعلنه نكالاً، أي عظة وعبرة لمن بعده، بما أصيبه من العقوبة عن هذا الفعل القبيح. وفي الرواية السادسة "إن الله لا يمكني من أحد منهم إلا جعلته نكالاً، أو نكلته" يقال: نكل به، بتشديد الكاف، أي عاقبه بما يردعه، ويخيف غيره من إتيان صنيعه. (ثم جاءته امرأة من غامد، من الأزد) قال النووي: "غامد" بالغين، بطن من جهينة، وكأنه يجمع بذلك بين روايتنا التاسعة والعاشرة عن بريدة، وبين روايتنا الحادية عشرة، عن عمران، وفيها "أن امرأة من جهينة، على أن القصة واحدة. ومال الحافظ ابن حجر إلى أنهما قضيتان، فقال: جمع بين روايتي "بريدة" بأن في الثانية زيادة، فتحمل الأولى على أن المراد بقوله "إلى رضاعه" أي تربيته، وجمع بين حديثي عمران وبريدة، أن الجهنية كان لولدها من يرضعه، بخلاف الغامدية. (فقال: حتى تضعي ما في بطنك) غاية لمحذوف، تقديره: لا أطهرك حتى تضعي ما في بطنك. وفي الرواية العاشرة "إما لا" قال النووي: هو بكسر الهمزة من "إما" وتشديد الميم، وبالإمالة، ومعناه: إذا أبيت أن تستري على نفسك، وتتوبي، وترجعي عن قولك، فاذهبي حتى تلدي. اهـ. وفي الرواية الحادية عشرة "فدعا نبي الله ﷺ وليها، فقال: أحسن إليها، فإذا وضعت فأتني بها" قال النووي: هذا الإحسان له سببان: الأول: الخوف عليها من أقاربها، أن تحملهم الغيرة، ولحوق العار بهم أن يؤذوها، فأوصى بالإحسان إليها، تحذيرًا لهم من ذلك. الثاني: أمر بالإحسان إليها رحمة بها، إذ قد تابت، وحرض على الإحسان إليها لما في نفوس الناس من النفرة من مثلها، وإسماعها الكلام المؤذي، ونحو ذلك، فنهي عن هذا كله. وفي الرواية التاسعة "فكفلها رجل من الأنصار" أي قام بمؤنتها ومصالحها، وليس هو

стр. 3669

من الكفالة بمعنى الضمان، لأن هذا لا يجوز في الحدود. "حتى وضعت، فأتى النبي ﷺ ، فقال: قد وضعت الغامدية، فقال: إذًا لا نرجمها، وندع ولدها صغيرًا، ليس له من يرضعه، فقام رجل من الأنصار، فقال إلي رضاعه يا نبي الله. قال: فرجمها" وظاهر هذه الرواية أنها لم ترضعه حتى الفطام، وتوجيهها أن الرجل الأنصاري قال ذلك بعد الفطام، وأراد بالرضاع تربيته وحضانته، وسماها رضاعًا مجازًا. قاله النووي. وهذا التوجيه ضروري، ففي الرواية العاشرة "فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة. قالت: هذا قد ولدته، قال: اذهبي، فأرضعيه، حتى تفطميه" يقال: فطم، بفتحات، يفطم، بكسر الطاء "فلما فطمته أتت بالصبي، في يده كسرة خبز، فقالت: هذا يا نبي الله قد فطمته، وقد أكل الطعام، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين" فهذه الرواية صريحة في أن رجمها كان بعد فطامه وأكله الخبز، وهما قضية واحدة، والروايتان صحيحتان، فتعين تأويل الأولى، وحملها على وفق الثانية. (فيقبل خالد بن الوليد بحجر) أصله: فأقبل خالد بن الوليد بحجر، ولكنه عبر عن الماضي بالمضارع استحضارًا للصورة. (فتنضح الدم على وجه خالد) قال النووي "فتنضح" روي بالحاء، وبالخاء، والأكثر على الحاء، ومعناه ترشش وانصب، اهـ. يقال: نضح الثوب بالماء رشه به، وتنضح الماء على الشيء ترشش عليه، ونضخ الشيء بالماء بلله ورشه، وتنضح الدم على الوجه رشه وتناثر عليه. (لو تابها صاحب مكس لغفر له) "المكس" الضريبة، يأخذها المكاس، ممن يدخل البلد، من التجار، وجمعه مكوس، قال النووي: وهو من أقبح المعاصي والذنوب الموبقات، وذلك لكثرة مطالبات الناس له، وظلاماتهم عنده، وتكرر ذلك منه، وانتهاكه للناس، وأخذ أموالهم بغير حقها، وصرفها في غير وجهها. (فصلى عليها) في الرواية الحادية عشرة "ثم أمر بها فرجمت، ثم صلى عليها، فقال له عمر: تصلي عليها يا نبي الله، وقد زنت"؟ قال النووي: أما الرواية الثانية فصريحة في أن النبي ﷺ صلى عليها، وأما الرواية الأولى فقال القاضي عياض: هي بفتح الصاد واللام عند جماهير رواة مسلم، قال: وعند الطبري بضم الصاد، قال: وكذا هو في رواية ابن أبي شيبة وأبي داود، وفي رواية لأبي داود "ثم أمرهم أن يصلوا عليها" قال القاضي: ولم يذكر مسلم صلاته ﷺ على ماعز، وقد ذكرها البخاري. اهـ قلت: ورواية ضم الصاد لا تمنع من كونه ﷺ صلى عليها، ولا رواية أبي داود "ثم أمرهم أن يصلوا عليها" لاحتمال أن يكون أمرهم، وصلى بهم، فتفهم الرواية المحتملة على الرواية الصريحة، حيث لا تعارض. (فإذا وضعت فائتني بها، ففعل) أي فعل وليها ما أمر به. (فأمر بها نبي الله ﷺ ، فشكت عليها ثيابها) هكذا هو في معظم النسخ "فشكت" وفي

стр. 3670

بعضها "فشدت" بالدال بدل الكاف، وهما بمعنى، يقال: شك عليه الثوب، بالبناء للمجهول، أي جمع واتصل ولصق بعضه ببعض. (أنشدك الله) بفتح الهمزة وضم الشين بينهما نون ساكنة، أي أسألك رافعًا نشيدي - وهو صوتي - إلى الله. هذا أصل استعماله، لكنه كثر استعماله من غير رفع صوت، على معنى أسألك بالله، ثم استعمل في كل مطلوب مؤكد، ولو لم يقصد استحلاف. (إلا قضيت لي بكتاب الله) أي بما تضمنه كتاب الله، فالمراد من كتاب الله القرآن، وقيل: المراد من كتاب الله حكم الله الذي حكمه به، وكتبه على عباده، ولعل الأعرابي قصد الإشارة إلى آية الرجم المنسوخة، أو آية ﴿أو يجعل الله لهن سبيلا﴾ أو آية الجلد ﴿فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ أو آيات النهي عن أكل أموال الناس بالباطل، لأن خصمه كان قد أخذ منه الغنم والوليدة، أو قصد العدالة مطلقًا في جميع أركان الحادثة، وكأنه قال: لا أسألك، ولا أطلب منك إلا الحق، ولم يتوهم الأعرابي أن الرسول ﷺ قد يحكم بغير الحق، وبغير كتاب الله، حتى يقال: لم سأل هذا السؤال، ولكنه قصد الإعلان بذلك عن قبوله ورضاه لما يصدر من الأحكام. (فقال الخصم الآخر، وهو أفقه منه: نعم. فاقض بيننا بكتاب الله، وائذن لي) أن أقص عليك القضية. جملة "وهو أفقه منه" معترضة بين القول والمقول، والمراد إما إعلان الراوي أن الثاني أكثر فقهًا من الأول بصفة عامة، عن طريق معرفته بهما قبل أن يتحاكما، فلا دخل لها فيما تكلما، وإما إعلان أن الثاني أعلم بتفاصيل القضية وحسن عرضها من الأول، وإما لأدبه واستئذانه في الكلام، وحذره من الوقوع في التقدم على رسول الله ﷺ . (إن ابني كان عسيفًا على هذا، فزنى بامرأته) في رواية البخاري "إن ابني هذا" مما يفيد أن الابن كان حاضرًا، والإشارة في "كان عسيفًا على هذا" لخصم المتكلم، وهو زوج المرأة، والعسيف الأجير، وجمعه عسفاء، كأجير وأجراء، وفقيه وفقهاء، ويطلق أيضًا على الخادم وعلى العبد، وسمي الأجير عسيفًا، لأن المستأجر يعسفه في العمل، والعسف الجور، أو العسيف الراعي والقائم على الشيء، يقال: هو يعسف ضيعتهم، أي يرعاها ويقوم عليها، و"على" بمعنى "عند" وفي النسائي "كان ابني أجيرًا لامرأته" وفي رواية "كان ابني عسيفًا في أهل هذا" وكأن الرجل استخدمه فيما تحتاج إليه امرأته من الأمور، فكان ذلك سببًا لما وقع له معها. (وإني أخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة) أي وجارية مملوكة، وفي رواية للبخاري "بمائة شاة وخادم" وفي رواية "بمائة شاة وجارية لي" ولم يبين في الروايات من الذي أفتاه بذلك، فهنا "أخبرت" بالبناء للمجهول. وفي رواية "فقالوا لي: على ابنك الرجم" وفي رواية "فأخبروني أن على ابني الرجم" أي فظن أن هذا حق لخصمه، يصح أن يتنازل عنه على مال يأخذه، فاتفق مع خصمه على هذا الفداء، وسلمه إياه. (فسألت أهل العلم، فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة

стр. 3671

هذا الرجم) يقصد أنه إن كان هذا القول حقًا، فرد على الغنم والوليدة، ونفذ الحكم في ابني، وفي امرأة خصمي. و"ما" في "أنما" موصولة، أي فأخبروني أن الذي على ابني الجلد، وليس الرجم وإنما الرجم على امرأته، قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف على اسم الخصمين، ولا الابن، ولا المرأة. (الوليدة والغنم رد) أي مردودة، ومعناه أنه يجب على خصمك ردها عليك، وفي رواية للبخاري "المائة شاة والخادم رد "وفي رواية "أما غنمك وجاريتك فرد عليك" أي مردودة، من إطلاق المصدر على اسم المفعول، كقولهم: ثوب نسج، أي منسوج. (وعلى ابنك جلد مائة، وتغريب عام) وفي رواية "وأما ابنك فنجلده مائة جلدة، ونغربه سنة" وفي رواية "وجلد ابنه مائة، وغربه عامًا" وهذا ظاهر في أن قوله ﷺ حكم وليس فتوى، قال النووي: وهو محمول على أن النبي ﷺ علم أن الابن كان بكرًا، وأنه اعترف بالزنا، وقرينة اعترافه حضوره مع أبيه، وسكوته عما نسبه إليه، وأما العلم بكونه بكرًا، فوقع صريحًا في رواية، ولفظها "كان ابني أجيرًا لامرأة هذا. وابني لم يحصن". (واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها) هذا أيضًا دليل على أن المقام مقام حكم، وليس مقام فتوى، و"اغد" أي اذهب أول النهار، وقيل: المراد الذهاب والتوجه مطلقًا وليس المراد التأخير إلى أول النهار، بدليل رواية "قم يا أنيس، فسل امرأة هذا" و"أنيس" بالتصغير هو ابن الضحاك الأسلمي، معدود في الشاميين، والمرأة أيضًا أسلمية ولعل هذا سر اختياره لهذه المهمة. (أتى بيهودي ويهودية قد زنيا) جاء في الرواية الخامسة عشرة ظروف هذا الإتيان، ولفظها "مر علي النبي ﷺ بيهودي محممًا" بضم الميم وفتح الحاء، وتشديد الميم المفتوحة، بعدها ميم، أي مسودًا وجهه بالحمم، بضم الحاء، أي بالفحم "مجلودًا" أي مضروبا جلده بالسوط ونحوه "فدعاهم ﷺ " أي دعا الرجل والمرأة ومن معهما ممن ينفذ عليهما الحكم، وعلى هذا المعنى يحمل ملحق الرواية الرابعة عشرة "أن اليهود جاءوا إلى رسول الله ﷺ برجل منهم وامرأة قد زنيا ... ". (فانطلق رسول الله ﷺ ، حتى جاء يهود) معناه أن رسول الله ﷺ أبقى الرجل والمرأة في حيازته، وذهب مع بعض أصحابه إلى محلة اليهود، ليناقش أئمتهم، ويستخرج منهم الحكم الحقيقي الذي أخفوه، ويبطل فعلهم الذي استحدثوه. (فقال: ما تجدون في التوراة على من زنى؟ ) سؤال استنطاق وتقرير لإلزامهم بما في كتابهم، وليس لتقليدهم، ولا لمعرفة الحكم منهم، ولعل الله أوحى إليه أن الرجم في التوراة التي في أيديهم لم يغيروه كما غيروا أشياء، أو أنه أخبره بذلك من أسلم منهم، ولهذا لم يخف ذلك عليه حين كتموه. (قالوا: نسود وجوههما ونحملهما، ونخالف بين وجوههما، ويطاف بهما) في

стр. 3672

طرقات المدينة، وقولهم: "ونحملهما" رويت بضم النون وفتح الحاء وتشديد الميم المكسورة، أي نجعلهما حملاً على جمل أو بغل، وفي بعض النسخ "ونجملهما" بالجيم بدل الحاء، أي نضعهما فوق الجمل، وفي بعضها "نحممهما" بميمين، أي نسود وجوههما، وهذا الأخير ضعيف، لسبق "نسود وجوههما" وصورة المخالفة بين وجوههما أن يلصق ظهر كل منهما بظهر الآخر، فيكون وجه أحدهما إلى الأمام، ووجه الآخر إلى الخلف. قال ﷺ : أهكذا تجدون حد الزنا في كتابكم؟ قالوا: نعم. (قال: فأتوا بالتوراة إن كنتم صادقين) أي فأتوا بالتوراة فاتلوها. (فجاءوا بها، فقرءوها) وما كان لهم أن يمتنعوا، فهم تحت حكمه ﷺ بالمدينة. (حتى إذا مروا بآية الرجم وضع الفتى الذي يقرأ، يده على آية الرجم، وقرأ ما بين يديها، وما وراءها) أي ما قبلها من الآيات، وما بعدها، ولم يقرأها. (فدعا رجلاً من علمائهم) ليجتمع به على انفراد، ويعيد السؤال عليه على انفراد، لعله يبيح بالسر الذي جعلهم يغيرون القول الذي أنزله الله، ويبدلون ويحرفون الكلم عن مواضعه، وقد تحقق للرسول ﷺ ما قصده. (فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه) أي إذا أخذنا الشريف زانيًا، وثبت عندنا زناه تركناه، فلم نرجمه. (فقلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء، نقيمه على الشريف والوضيع) أي قال أئمة اليهود بعضهم لبعض: تعالوا. فلنتفق على عقاب نطبقه على الشريف والوضيع. (فأمر به فرجم) أي وأمر بالمرأة فرجمت, ففي الرواية الثالثة عشرة "فأمر بهما رسول الله ﷺ ، فرجما" وفي الرواية الرابعة عشرة "رجم في الزنا يهوديين، رجلاً وامرأة" وفي الرواية السادسة عشرة "رجم النبي ﷺ رجلاً من أسلم" وهو ماعز "ورجلاً من اليهود وامرأته" أي صاحبته التي زنى بها، ولم يرد زوجته. والظاهر أن الرجل والمرأة اليهوديين رجما في مكان واحد، وفي وقت واحد، ففي الرواية الثالثة عشرة قال ابن عمر: "كنت فيمن رجمهما، فلقد رأيته يقيها من الحجارة بنفسه" أي ينحني عليها، ويحيطها بنفسه، يحميها من الحجارة ويتلقاها هو بدلها. (فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها) التثريب التعنيف، أي لا يعنفها، ولا يؤنبها، ولا يلومها على الذنب، فقد فقدت حريتها الكاملة. (ولو بحبل من شعر) في الرواية المتممة للعشرين "ثم بيعوها، ولو بضفير" وفي ملحقها فسر ابن شهاب الضفير بالحبل، والمراد المبالغة في حقارة القيمة، بحيث يسرع البائع ويمضي بيعها ولا يتربص بها طلب الراغبين بالثمن العالي، وليس المراد بيعها بقيمة الحبل حقيقة، فهو من قبيل "من بنى لله مسجدًا ولو كمفحص قطاه".

стр. 3673

(اتركها حتى تماثل) بفتحات، مضارع حذف منه إحدى التاءين، وأصله تتماثل، يقال: تماثل المريض من علته إذا قارب البرء، فأشبه الصحيح، أي اتركها حتى تقارب الشفاء أو تشفى. -[فقه الحديث]- -[يؤخذ من الحديث]- ١ - حد الزاني إذا كان بكرًا حرًا، والمراد بالبكر من لم يجامع في نكاح صحيح، وهو بالغ عاقل، فيعد بكرًا من جامع بوطء شبهة، أو بنكاح فاسد، أو غيرهما. قال النووي: وأجمع العلماء على وجوب جلد الزاني البكر مائة جلدة، سواء زنى ببكر، أو زنى بثيب، حرة أو أمة. والجمهور على أنه يجب مع الجلد نفيه وتغريبه سنة، وقال الحسن: لا يجب النفي. اهـ. والحنفية على أنه لا نفي، وقالوا: ليس في الآية ذكر للنفي، ولا يزاد على القرآن بخبر الواحد، وحد الزانية إذا كانت بكرًا حرة مائة جلدة أيضًا، سواء زنى بها بكر، أو زنى بها محصن، وسواء كان الزاني بها حرًا أو عبدًا، أما تغريبها سنة فمذهب الشافعي وبعض العلماء، وظاهر الرواية الأولى يؤيده، ففيها "البكر بالبكر جلد مائة، ونفي سنة" قالوا: والرسول ﷺ مبين للكتاب، فزاد التغريب على قوله تعالى ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ [النور: ٢] قالوا: وخطب عمر بذلك على رءوس الناس، وعمل به الخلفاء الراشدون، فلم ينكره أحد، فكان إجماعًا. واختلفوا في المسافة التي ينفى إليها، فقيل: هي إلى رأي الإمام، وقيل: إلى مسافة القصر، وقيل: إلى ثلاثة أيام بالإبل، وقيل: إلى يومين، وقيل إلى يوم وليلة، وقيل: من عمل إلى عمل، وقيل: إلى ميل، وقيل: إلى ما ينطلق عليه اسم نفي. وشرط بعض المالكية الحبس في المكان الذي ينفى إليه. وقال مالك والأوزاعي: لا نفي على النساء، وروي ذلك عن علي ﵁، قالوا: لأنها عورة، وفي نفيها تضييع لها، وتعريض لها للفتنة، ولهذا نهيت عن المسافرة إلا مع محرم. ٢ - ويؤخذ من الرواية الثامنة عشرة وما بعدها أن حد الجارية الأمة، وكذا العبد الجلد، سواء كانا محصنين بالتزويج أم لا، وحدهما نصف حد الحر، قال تعالى ﴿فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ [النساء: ٢٥] ففيه بيان من أحصنت، فحصل من الآية الكريمة والحديث بيان أن الأمة المحصنة بالتزويج وغير المحصنة تجلد، لأن الذي ينصف الجلد، أما الرجم فلا ينصف، وقد أجمعوا على أن الأمة المزوجة إذا زنت لا ترجم، والرواية الثامنة عشرة "إذا زنت أمة أحدكم، فتبين زناها، فليجلدها الحد" مطلقة، تتناول المزوجة وغير المزوجة، وهذا مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة، وأحمد وجماهير علماء الأمة، وقال جماعة من السلف: لا حد على من لم تكن مزوجة من الإماء والعبيد، وممن قاله ابن عباس وطاووس وعطاء وابن جريج وأبو عبيدة.

стр. 3674

أما النفي للرقيق إذا زنى فقد ذهب إليه الشافعية، والصحيح عندهم أنه ينفى نصف سنة، وفي وجه ضعيف لبعضهم ينفى سنة كاملة، وفي قول ثالث للشافعية: لا نفي على رقيق، وهو قول الأئمة الثلاثة، لأنه لا وطن له، وفي نفيه قطع حق السيد. ٣ - كما يؤخذ من الحديث حد الثيب الحر، ذكرًا كان أو أنثى، وهو الرجم، قال النووي: أجمع العلماء على رجم المحصن، وهو الثيب، والمراد بالثيب من جامع في دهره مرة من نكاح صحيح وهو بالغ عاقل حر، والرجل والمرأة في هذا سواء، وسواء في كل هذا المسلم والكافر، والرشيد والمحجور عليه لسفه. قال: ولم يخالف في رجم المحصن أحد من أهل القبلة، إلا ما حكى القاضي عياض وغيره عن الخوارج وبعض المعتزلة، كالنظام وأصحابه، فإنهم لم يقولوا بالرجم، وقال ابن بطال: أجمع الصحابة وأئمة الأمصار على أن المحصن إذا زنى عامدًا عالمًا مختارًا فعليه الرجم، ودفع ذلك الخوارج وبعض المعتزلة، واعتلوا بأن الرجم لم يذكر في القرآن، وحكاه ابن العربي عن طائفة من أهل المغرب لقيهم، وهم من بقايا الخوارج، واحتج الجمهور بأن النبي ﷺ رجم، وكذلك الأئمة بعده، كما استدلوا بحديث عبادة وعمر بن الخطاب، روايتنا الأولى والثانية والثالثة. قال النووي: واختلفوا في جلد الثيب مع الرجم، فقالت طائفة: يجب الجمع بينهما، فيجلد، ثم يرجم، وبه قال علي بن أبي طالب والحسن البصري وإسحق بن راهويه، وداود وأهل الظاهر، وبعض أصحاب الشافعي، وقال جماهير العلماء: الواجب الرجم وحده، وحجتهم أن النبي ﷺ اقتصر على رجم الثيب في أحاديث كثيرة، منها قصة ماعز والغامدية، وقوله ﷺ لأنيس [في روايتنا الثانية عشرة] "واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها" اهـ. أما ما أشار إليه النووي عن علي ﵁ فقد روى علي بن الجعد "أن عليًا أتى بامرأة زنيت، فضربها يوم الخميس، ورجمها يوم الجمعة" وكذا عند النسائي والدارقطني، زاد ابن الجعد "فقيل لعلي: جمعت حدين؟ قال: جلدتها بالقرآن، ورجمتها بالسنة" وقال أبي بن كعب مثل ذلك. قال الحازمي: ذهب أحمد وإسحق وداود وابن المنذر إلى أن الزاني المحصن يجلد، ثم يرجم. اهـ وروايتنا الأولى تؤيد هذا القول، ولفظها "والثيب بالثيب جلد مائة والرجم" والرواية الثانية "الثيب بالثيب، جلد مائة، ثم رجم بالحجارة" ويقولون: ليس في قصة ماعز ومن ذكر معه تصريح بسقوط الجلد عن المرجوم، لاحتمال أن يكون ترك ذكره لوضوحه، ولكونه الأصل، فلا يرد ما وقع التصريح به بالاحتمال، فالسكوت عن الشيء لا يدل على سقوطه. ويجيب الجمهور بأن قصة ماعز جاءت من طرق متنوعة، بأسانيد مختلفة، ولم يذكر في شيء منها أنه جلد، وكذلك الغامدية والجهنية، واليهوديين، وقال في ماعز "اذهبوا فارجموه" وكذا في حق غيره، ولم يذكر الجلد، فدل ترك ذكره على عدم وقوعه، ودل عدم وقوعه على عدم وجوبه. ثم إن قصة ماعز متراخية عن حديث عبادة بن الصامت، فهو منسوخ، والناسخ له ما ثبت في

стр. 3675

قصة ماعز، نعم حديث عبادة ناسخ لما شرع أولاً من حبس الزاني في البيوت، فنسخ الحبس بالجلد، وزيد الثيب بالرجم. وقد قام الدليل على أن الرجم وقع بعد سورة النور، لأن نزولها كان في قصة الإفك سنة أربع أو خمس أو ست، والرجم كان بعد ذلك، فقد حضره أبو هريرة، وقد أسلم سنة سبع، وحضره ابن عباس، وقد جاء مع أمه إلى المدينة سنة تسع. وقال القاضي عياض: شذت فرقة من أهل الحديث، فقالت: إن الجمع بين الجلد والرجم، خاص بالشيخ والشيخة - أي من جاوز الأربعين محصنًا - وأما الشباب المحصن، فيرجم فقط، وهذا من المذاهب المستغربة حكاها ابن المنذر وابن حزم عن أبي بن كعب. قال النووي: وهو مذهب باطل. ودافع عنه الحافظ ابن حجر بما هو غير مسلم. ٤ - ومن قوله في الرواية الثانية "خذوا عني. خذوا عني. فقد جعل الله لهن سبيلا ... إلخ" أن الآية الخامسة عشرة من سورة النساء، وهي قوله تعالى ﴿فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا﴾ غير معمول بظاهر حكمها، سواء قلنا: إن الحديث مبين لها، ومفسر لها، وهي محكمة، أو قلنا: إنها منسوخة بالآية التي في أول النور ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ وقيل: إن آية النور في البكرين وآية النساء في الثيبين، والحديث مبين لها ومفسر، ويمكن أن يكون الحديث ناسخًا لها، على القول بأن السنة المشهورة تنسخ القرآن. ٥ - ومن الرواية الثالثة من قول عمر "فكان مما أنزل عليه آية الرجم، قرأناها، ووعيناها، وعقلناها" وقوع النسخ في القرآن، وهذا مما نسخ لفظه، وبقي حكمه، وقد وقع نسخ الحكم دون اللفظ، ومثل له بقوله تعالى ﴿أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات﴾ [المجادلة: ١٣] بعد قوله ﴿فقدموا بين يدي نجواكم صدقة﴾ وقوله ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين﴾ بعد قوله ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفًا من الذين كفروا﴾ [الأنفال: ٦٥] كما وقع نسخ اللفظ والحكم جميعًا. قال النووي: فمما نسخ لفظه ليس له حكم القرآن في تحريمه على الجنب ونحو ذلك، وفي ترك الصحابة كتابة هذه الآية دلالة ظاهرة على أن المنسوخ لا يكتب في المصحف اهـ. وهو يشير بذلك إلى رواية للموطأ لهذا الحديث، وفيها أن عمر قال "والذي نفسي بيده. لولا أن يقول الناس: زاد عمر ما ليس في كتاب الله لكتبتها بيدي" والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة" وأخرج النسائي أن مروان بن الحكم قال لزيد بن ثابت "ألا تكتبها في المصحف؟ قال: لا. ألا ترى أن الشابين الثيبين يرجمان؟ ولقد ذكرنا ذلك، فقال عمر: أنا أكفيكم. فقال: يا رسول الله، أكتبني آية الرجم. قال لا أستطيع" وأخرج الحاكم "قال عمر لزيد بن ثابت: لما نزلت أتيت النبي ﷺ ، فقلت: أكتبها؟ فكأنه كره ذلك" ثم قال عمر لزيد بن ثابت: ألا ترى أن الشيخ إذا زنى ولم يحصن جلد، وأن الشاب إذا زنى وقد أحصن رجم"؟ قال الحافظ ابن حجر: فيستفاد من هذا السبب في نسخ تلاوتها، وهو كون العلم على غير الظاهر من عمومها.

стр. 3676

٦ - ومن "قول عمر" فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله" كرامة من كرامات عمر ﵁ ويحتمل أنه علم بذلك من جهة النبي ﷺ . ٧ - ومن قوله "إذا قامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف" قال النووي: وأجمعوا على أن البينة أربعة شهداء ذكور وعدول، هذا إذا شهدوا على نفس الزنا، ولا يقبل دون الأربعة، وإن اختلفوا في صفاتهم. وأجمعوا على وجوب الرجم على من اعترف بالزنا، وهو محصن، يصح إقراره بالحد واختلفوا في اشتراط تكرار إقراره أربع مرات. وأما الحبل وحده فمذهب عمر بن الخطاب ﵁ وجوب الحد به، إذا لم يكن لها زوج ولا سيد، وتابعه مالك وأصحابه، فقالوا: إذا حبلت، ولم يعلم لها زوج ولا سيد، ولا عرفنا إكراهها، لزمها الحد، إلا أن تكون غريبة طارئة، وتدعي أنه من زوج أو سيد، قالوا: ولا تقبل دعواها الإكراه، إذا لم تقم بالاستغاثة عند الإكراه، قبل ظهور الحمل. وقال الشافعي وأبو حنيفة وجماهير العلماء: لا حد عليها بمجرد الحبل، سواء كان لها زوج أو سيد، أم لا، سواء الغريبة وغيرها، وسواء ادعت الإكراه أم سكتت، فلا حد عليها مطلقًا، إلا ببينة أو اعتراف، لأن الحدود تسقط بالشبهات. والحق مع الجمهور، فالحمل يحصل بوسائل كثيرة غير الزنا، وبخاصة في هذه الأزمنة التي تقدم فيها العلم. والله أعلم. ٨ - ومن الرواية الرابعة إلى العاشرة قصة ماعز والغامدية من إعراض الرسول ﷺ عن ماعز التعريض للمقر بالزنا، بأن يرجع، ويقبل رجوعه، وجاء عن مالك رواية: أنه لا أثر لرجوعه، وهو ضعيف. ٩ - واحتج أبو حنيفة وسائر الكوفيين وأحمد وموافقوهم بإقرار ماعز أربع مرات، على أن الإقرار بالزنا لا يثبت، ولا يرجم به المقر، حتى يقر أربع مرات، واشترط ابن أبي ليلى وغيره من العلماء، إقراره أربع مرات، في أربع مجالس، وقال مالك والشافعي وآخرون: يثبت الإقرار بالزنا بمرة واحدة، ويرجم، واحتجوا بقوله ﷺ "واغد يا أنيس إلي امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها" ولم يطلب إليه سماع أربعة إقرارات، وحديث الغامدية ليس فيه أربعة إقرارات، واستند الأولون إلى القياس على عدد شهود الزنا، دون غيره من الحدود، ورده الجمهور بأنه لو كان هذا القياس صحيحًا لم يقتل القاتل بإقراره حتى يقر مرتين، لأنه لا يقبل فيه إلا شاهدان، مع أن الجميع يتفقون على أنه يكفي فيه مرة واحدة. والجمهور على أن إقرار ماعز المتعدد كان لزيادة التثبت من النبي ﷺ . ١٠ - ومن سؤال أهل ماعز عنه استحباب تثبت الإمام، والمبالغة في هذا التثبت قدر الإمكان. ١١ - وفي الحديث منقبة عظيمة لماعز بن مالك، لأنه استمر على طلب إقامة الحد عليه، مع توبته، ليتم تطهيره، ولم يرجع عن إقراره، مع أن الطبع البشري يقتضي ألا يستمر على الإقرار، بما يقتضي إزهاق نفسه، فجاهد نفسه على ذلك، وغلب نفسه، وأقر من غير اضطرار إلى إقامة ذلك، مع وضوح الطريق إلى سلامته من القتل بالتوبة، ولا يقال لعله لم يعلم أن الحد بعد أن يرفع إلى الإمام يرتفع بالرجوع، لأنه في الرواية التاسعة قد طلب منه الرجوع والاستغفار والتوبة.

стр. 3677

١٢ - ويؤخذ من طلب الرجوع والتوبة والاستغفار أنه يستحب لمن وقع له مثل قضيته أن يتوب إلى الله تعالى، ويستر نفسه، ولا يذكر ذلك لأحد. ١٣ - وأنه يستحب لمن اطلع على ذلك أن يستر عليه، ولا يفضحه، ولا يرفعه إلى الإمام، كما قال ﷺ في هذه القضية "لو سترته بثوبك لكان خيرًا لك" وبهذا جزم الشافعي، فقال: أحب لمن أصاب ذنبًا، فستره الله عليه أن يستره على نفسه ويتوب، واحتج بقصة ماعز، وقال ابن العربي: هذا كله في غير المجاهر، فأما إذا كان متظاهرًا بالفاحشة، فإني أحب مكاشفته، والتبريح به، لينزجر هو وغيره، وقد استشكل استحباب الستر، مع ما وقع من الثناء على ماعز والغامدية، وأجيب بأن الغامدية كان قد ظهر بها الحمل، مع كونها غير ذات زوج، فتعذر الاستتار، ومن هنا قيد بعضهم ترجيح الاستتار حيث لا يكون هناك ما يشعر بضده، فإن وجد فالرفع إلى الإمام، ليقيم عليه الحد أفضل. قال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر أن الستر مستحب، والرفع لقصد المبالغة في التطهير أحب. ١٤ - وفيه مشروعية الإقرار بفعل الفاحشة، عند الإمام وفي المسجد، والتصريح فيه بما يستحى من التلفظ به من أنواع الرفث في القول، من أجل الحاجة الملجئة إلى ذلك. ١٥ - ومن قوله "أبك جنون"؟ أن إقرار المجنون لاغ، لا يعمل به، ولا يرجم المجنون، إن زنى في حال الجنون، وهو إجماع. ١٦ - ومن قوله "أشرب خمرًا" أن إقرار السكران لاغ لا يعمل به، والذين اعتبروه قالوا: إن عقله زال بمعصيته، وقد تكون قصة ماعز متقدمة على تحريم الخمر. ١٧ - ومن قوله في الرواية الخامسة "لعلك" أن الإمام يلقن الرجوع عن الإقرار بالزنا، ومحاولة التعلق بشبهة ليدرأ عنه الحد، وأنه يقبل رجوعه، لأن الحدود مبنية على المساهلة والدرء، بخلاف حقوق الآدميين وحقوق الله المالية، كالزكاة والكفارة وغيرهما، فلا يجوز التلقين فيها، ولو رجع لم يقبل رجوعه، وقد جاء التلقين للرجوع عن الإقرار بالحدود عن النبي ﷺ وعن الخلفاء الراشدين، ومن بعدهم، واتفق العلماء عليه. ١٨ - ومن قوله في الرواية الرابعة "فهل أحصنت"؟ أن الإمام يسأل عن شروط الرجم، من الإحصان وغيره، سواء ثبت بالإقرار، أو بالبينة، ومؤاخذة الإنسان بإقراره. ١٩ - وفيه ترك سجن من اعترف بالزنا في مدة الاستثبات، وفي الحامل حتى تضع وقيل: إن المدينة لم يكن بها حينئذ سجن، وإنما كان يسلم كل جان لوليه، وقال ابن العربي: إنما لم يؤمر بسجنه ولا التوكيل به، لأن رجوعه مقبول، فلا فائدة في سجنه مع جواز الإعراض عنه إذا رجع. ٢٠ - وفيه أن الإمام لا يشترط أن يبدأ بالرجم فيمن أقر، وإن كان ذلك مستحبًا، لأن الإمام إذا بدأ مع كونه مأمورًا بالتثبت والاحتياط فيه، كان ذلك أدعى إلى الزجر عن التساهل في الحكم، ولهذا يبدأ إذا ثبت الرجم بالبينة.

стр. 3678

٢١ - وفي تفويض أنيس وأمره للصحابة برجم ماعز، جواز تفويض الإمام إقامة الحد لغيره. ٢٢ - ومن قوله في الرواية الثامنة "فما أوثقناه، ولا حفرنا له" قال النووي: هكذا الحكم عند الفقهاء في الإيثاق، أما الحفر للمرجوم والمرجومة ففيه مذاهب للعلماء، قال مالك وأبو حنيفة وأحمد في المشهور عنهم: لا يحفر لواحد منهما، وقال قتادة وأبو ثور وأبو يوسف، وأبو حنيفة في رواية: يحفر لهما، وقال بعض المالكية: يحفر لمن يرجم بالبينة، لا من يرجم بالإقرار، أما أصحابنا فقالوا: لا يحفر للرجل، سواء ثبت زناه بالبينة أم بالإقرار. وأما المرأة ففيها ثلاثة أوجه لأصحابنا: أحدها: يستحب الحفر لها إلى صدرها، ليكون أستر لها، والثاني: لا يستحب ولا يكره. بل هو إلى خبرة الإمام. والثالث: وهو الأصح إن ثبت زناها بالبينة استحب، وإن ثبت بالإقرار فلا، ليمكنها الهرب إن رجعت. فمن قال بالحفر لها احتج بأنه حفر للغامدية، ففي الرواية العاشرة "ثم أمر بها، فحفر لها إلى صدرها" وكذا لماعز في الرواية العاشرة "فلما كان الرابعة حفر له حفرة" ويجيب هؤلاء عن الرواية الأخرى في ماعز "أنه لم يحفر له" أن المراد لم يحفر له حفرة عظيمة عميقة، وإنما حفر له حفيرة، تمكن من تسلقها والهرب. وأما من قال: لا يحفر، فاحتج برواية "فما أوثقناه ولا حفرنا له" قال النووي: وهذا المذهب ضعيف، لأنه منابذ لحديث الغامدية، ولرواية الحفر لماعز، وأما من قال بالتخيير فظاهر، وأما من فرق بين الرجل والمرأة، فيحمل رواية الحفر لماعز على أنه لبيان الجواز، وهذا تأويل ضعيف، ومما احتج به من ترك الحفر حديث اليهوديين. اهـ روايتنا الثالثة عشرة. ٢٣ - ومن شم رائحة الخمر أخذ أصحاب مالك وجمهور الحجازيين أنه يحد -حد الخمر- من وجد منه ريح الخمر، وإن لم تقم عليه بينة بشربها، وإن لم يقر بالشرب، ومذهب الشافعي وأبي حنيفة وغيرهما أنه لا يحد بمجرد ريحها، بل لا بد من بينة على شرابه، أو إقراره، وليس في هذا الحديث دلالة لأصحاب مالك، فالسؤال هنا عن شربه الخمر، وشم رائحته، لا لإقامة حد الخمر بالرائحة، ولكن لإيجاد شبهة في إقراره بالزنا، ليدرأ عنه الحد. ٢٤ - وعن قوله في الرواية الرابعة "فرجمناه بالمصلى" قال البخاري وغيره من العلماء: فيه دليل على أن مصلى الجنائز والأعياد، إذا لم يكن قد وقف مسجدًا، لا يثبت له حكم المسجد، إذ لو كان له حكم المسجد لتجنب الرجم فيه، خشية تلطخه بالدماء والميتة. وذكر الدارمي -وهو من الشافعية- أن المصلى الذي للعيد ولغيره -إذا لم يكن مسجدًا- هل يثبت له حكم المسجد؟ فيه وجهان، أصحهما: ليس له حكم المسجد. ٢٥ - وعن قوله "فلما أذلقته الحجارة هرب، فأدركناه بالحرة، فرجمناه" قال النووي: اختلف العلماء في المحصن إذا أقر بالزنا، فشرعوا في رجمه، ثم هرب، هل يترك؟ أم

стр. 3679

يتبع ليقام عليه الحد؟ فقال الشافعي وأحمد وغيرهما: يترك ولا يتبع، فإن رجع عن الإقرار ترك، وإن أعاد الإقرار رجم، وقال مالك في رواية وغيره: إنه يتبع ويرجم، واحتج الشافعي وموافقوه بما جاء في رواية أبي داود أن النبي ﷺ قال "ألا تركتموه حتى أنظر في شأنه"؟ وفي رواية "هلا تركتموه؟ فلعله يتوب، فيتوب الله عليه"؟ واحتج الآخرون بأن النبي ﷺ لم يلزمهم ذنبه، مع أنهم قتلوه بعد هربه، وأجاب الشافعي وموافقوه عن هذا بأنه لم يصرح بالرجوع، وقد ثبت إقراره، فلا يتركه حتى يصرح بالرجوع، قالوا: وإنما قلنا: لا يتبع في هربه، لعله يريد الرجوع، ولم نقل: إنه سقط الرجم بمجرد الهرب. ٢٦ - ويؤخذ من قوله "فرميناه بالعظام والمدر والخزف" دليل لما اتفق عليه العلماء أن الرجم يحصل بالحجر أو المدر أو العظام أو الخزف أو الخشب وغير ذلك مما يحصل به القتل، ولا تتعين الأحجار. ٢٧ - ومن قوله ﷺ في الرواية التاسعة لماعز "ارجع فاستغفر الله، وتب إليه" دليل على سقوط المعاصي الكبائر بالتوبة، وهو بإجماع المسلمين، إلا ما جاء عن ابن عباس في عدم قبول توبة القاتل خاصة، قال النووي: فإن قيل: فما بال ماعز والغامدية لم يقنعا بالتوبة، وهي محصلة لغرضهما، وهو سقوط الإثم؟ بل أصرا على الإقرار، واختارا الرجم؟ فالجواب أن تحصيل البراءة بالحدود، وسقوط الإثم متيقن على كل حال، لا سيما وإقامة الحد بأمر النبي ﷺ ، وأما التوبة فيخاف ألا تكون نصوحًا، وأن يخل من شروطها، فتبقى المعصية وإثمها دائمًا عليه، فأرادا حصول البراءة بطريق متيقن، دون ما يتطرق إليه احتمال. ٢٨ - ومن قوله ﷺ في الرواية التاسعة: "استغفروا لماعز ... لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم". ومن لوم خالد على سبه الغامدية ومن قوله ﷺ في الرواية العاشرة والحادية عشرة "لقد تابت توبة ... إلخ" دليل على أن الحد يكفر ذنب المعصية التي حد لها، وقد جاء ذلك صريحًا في حديث عبادة بن الصامت، وهو قوله ﷺ "من فعل شيئًا من ذلك، فعوقب به في الدنيا، فهو كفارة له" قال النووي: ولا نعلم في هذا خلافًا. اهـ أما قوله عن ماعز في الرواية الثامنة "فما استغفر له، ولا سبه" فقد قال النووي: أما عدم السب فلأن الحد كفارة له، مطهرة له من معصيته، وأما عدم الاستغفار -أي في نفس وقت الرجم- فلئلا يغتر عليه، فيقع في الزنا اتكالاً على استغفار رسول الله ﷺ . ٢٩ - ومن خطبة النبي ﷺ بعد رجم ماعز استحباب خطبة الإمام عند الأمور المهمة وتبصير المسلمين بالأخطار، والاستفادة من ظروف الأحداث في الترغيب والترهيب. ٣٠ - ومن قوله "حتى تضعي ما في بطنك" في الرواية التاسعة أنه لا ترجم الحبلى حتى تضع، سواء كان حملها من زنا أو غيره، وهذا مجمع عليه، لئلا يقتل جنينها، قال النووي: وكذا لو كان حدها الجلد وهي حامل، لم تجلد بالإجماع، حتى تضع.

стр. 3680

٣١ - وأن المرأة ترجم إذا زنت، وهي محصنة، كما يرجم الرجل، وهذا الحديث محمول على أنها كانت محصنة، لأن الأحاديث الصحيحة والإجماع متطابقان على أنه لا يرجم غير المحصن. ٣٢ - وأنه من وجب عليها قصاص وهي حامل لا يقتص منها، حتى تضع، وهذا مجمع عليه. ٣٣ - ومن قوله في الرواية التاسعة "لا نرجمها وندع ولدها صغيرًا، ليس له من يرضعه" أن الحامل الزانية لا ترجم، ولا يقتص منها بعد الوضع، حتى تسقي الولد اللبن، ويستغني عنها، ولو بلبن غيرها. قال النووي: واعلم أن مذهب الشافعي وأحمد وإسحق والمشهور من مذهب مالك أنها لا ترجم، حتى تجد من ترضعه، فإن لم تجد أرضعته، حتى تفطمه، ثم ترجم. وقال أبو حنيفة ومالك في رواية عنه: إذا وضعت رجمت، ولا ينتظر حصول مرضعة. ٣٤ - ومن قوله في الرواية الحادية عشرة "فشكت عليها ثيابها" استحباب جمع أثوابها عليها عند الرجم، وشدها بحيث لا تنكشف عورتها في تقلبها وتكرار اضطرابها، قال النووي: واتفق العلماء على أنه لا ترجم إلا قاعدة، وأما الرجل، فالجمهور على أنه يرجم قائمًا، وقال مالك: قاعدًا، وقال غيره: يخير الإمام بينهما. ٣٥ - ومن قوله "فأمر بها، فرجمت" وقوله "وأمر الناس فرجموها" وفي حديث ماعز "أمرنا أن نرجمه "فيها كلها دلالة لمذهب الشافعي ومالك وموافقيهما أنه لا يلزم الإمام حضور الرجم، وكذا لو ثبت بشهود لم يلزمه الحضور، وقال أبو حنيفة وأحمد: يحضر الإمام مطلقًا، وكذا الشهود إن ثبت ببينة. ويبدأ الإمام بالرجم، إن ثبت بالإقرار، وإن ثبت بالشهود بدأ الشهود، وحجة الشافعي أن النبي ﷺ لم يحضر أحدًا ممن رجم. ٣٦ - ومن الرواية الحادية عشرة، من صلاة النبي ﷺ على الغامدية بعد رجمها قال النووي: وقد اختلف العلماء في الصلاة على المرجوم، فكرهها مالك وأحمد للإمام ولأهل الفضل، دون باقي الناس، ويصلي عليه غير الإمام وأهل الفضل، وقال الشافعي وآخرون: يصلي عليه الإمام وأهل الفضل وغيرهم، والخلاف بين الشافعي ومالك إنما هو في الإمام وأهل الفضل، وأما غيرهم فاتفقا على أنه يصلي، وبه قال جماهير العلماء، قالوا: فيصلى على الفساق والمقتولين في الحدود والمحاربة وغيرهم، وقال الزهري: لا يصلي أحد على المرجوم وقاتل نفسه، وقال قتادة "لا يصلى على ولد الزنا" واحتج الجمهور بهذا الحديث. وأجاب أصحاب مالك بجوابين: أحدهما: أنهم ضعفوا رواية الصلاة، لكون أكثر الرواة لم يذكروها. والثاني: تأولوها على أنه ﷺ أمر بالصلاة، أو دعا، فسمي صلاة على المعنى اللغوي، قال النووي: وهذان الجوابان فاسدان. أما الأول فإن هذه الزيادة ثابتة في الصحيح،
следующие страницы →