← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.

стр. 3676

٦ - ومن "قول عمر" فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله" كرامة من كرامات عمر ﵁ ويحتمل أنه علم بذلك من جهة النبي ﷺ . ٧ - ومن قوله "إذا قامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف" قال النووي: وأجمعوا على أن البينة أربعة شهداء ذكور وعدول، هذا إذا شهدوا على نفس الزنا، ولا يقبل دون الأربعة، وإن اختلفوا في صفاتهم. وأجمعوا على وجوب الرجم على من اعترف بالزنا، وهو محصن، يصح إقراره بالحد واختلفوا في اشتراط تكرار إقراره أربع مرات. وأما الحبل وحده فمذهب عمر بن الخطاب ﵁ وجوب الحد به، إذا لم يكن لها زوج ولا سيد، وتابعه مالك وأصحابه، فقالوا: إذا حبلت، ولم يعلم لها زوج ولا سيد، ولا عرفنا إكراهها، لزمها الحد، إلا أن تكون غريبة طارئة، وتدعي أنه من زوج أو سيد، قالوا: ولا تقبل دعواها الإكراه، إذا لم تقم بالاستغاثة عند الإكراه، قبل ظهور الحمل. وقال الشافعي وأبو حنيفة وجماهير العلماء: لا حد عليها بمجرد الحبل، سواء كان لها زوج أو سيد، أم لا، سواء الغريبة وغيرها، وسواء ادعت الإكراه أم سكتت، فلا حد عليها مطلقًا، إلا ببينة أو اعتراف، لأن الحدود تسقط بالشبهات. والحق مع الجمهور، فالحمل يحصل بوسائل كثيرة غير الزنا، وبخاصة في هذه الأزمنة التي تقدم فيها العلم. والله أعلم. ٨ - ومن الرواية الرابعة إلى العاشرة قصة ماعز والغامدية من إعراض الرسول ﷺ عن ماعز التعريض للمقر بالزنا، بأن يرجع، ويقبل رجوعه، وجاء عن مالك رواية: أنه لا أثر لرجوعه، وهو ضعيف. ٩ - واحتج أبو حنيفة وسائر الكوفيين وأحمد وموافقوهم بإقرار ماعز أربع مرات، على أن الإقرار بالزنا لا يثبت، ولا يرجم به المقر، حتى يقر أربع مرات، واشترط ابن أبي ليلى وغيره من العلماء، إقراره أربع مرات، في أربع مجالس، وقال مالك والشافعي وآخرون: يثبت الإقرار بالزنا بمرة واحدة، ويرجم، واحتجوا بقوله ﷺ "واغد يا أنيس إلي امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها" ولم يطلب إليه سماع أربعة إقرارات، وحديث الغامدية ليس فيه أربعة إقرارات، واستند الأولون إلى القياس على عدد شهود الزنا، دون غيره من الحدود، ورده الجمهور بأنه لو كان هذا القياس صحيحًا لم يقتل القاتل بإقراره حتى يقر مرتين، لأنه لا يقبل فيه إلا شاهدان، مع أن الجميع يتفقون على أنه يكفي فيه مرة واحدة. والجمهور على أن إقرار ماعز المتعدد كان لزيادة التثبت من النبي ﷺ . ١٠ - ومن سؤال أهل ماعز عنه استحباب تثبت الإمام، والمبالغة في هذا التثبت قدر الإمكان. ١١ - وفي الحديث منقبة عظيمة لماعز بن مالك، لأنه استمر على طلب إقامة الحد عليه، مع توبته، ليتم تطهيره، ولم يرجع عن إقراره، مع أن الطبع البشري يقتضي ألا يستمر على الإقرار، بما يقتضي إزهاق نفسه، فجاهد نفسه على ذلك، وغلب نفسه، وأقر من غير اضطرار إلى إقامة ذلك، مع وضوح الطريق إلى سلامته من القتل بالتوبة، ولا يقال لعله لم يعلم أن الحد بعد أن يرفع إلى الإمام يرتفع بالرجوع، لأنه في الرواية التاسعة قد طلب منه الرجوع والاستغفار والتوبة.

стр. 3677

١٢ - ويؤخذ من طلب الرجوع والتوبة والاستغفار أنه يستحب لمن وقع له مثل قضيته أن يتوب إلى الله تعالى، ويستر نفسه، ولا يذكر ذلك لأحد. ١٣ - وأنه يستحب لمن اطلع على ذلك أن يستر عليه، ولا يفضحه، ولا يرفعه إلى الإمام، كما قال ﷺ في هذه القضية "لو سترته بثوبك لكان خيرًا لك" وبهذا جزم الشافعي، فقال: أحب لمن أصاب ذنبًا، فستره الله عليه أن يستره على نفسه ويتوب، واحتج بقصة ماعز، وقال ابن العربي: هذا كله في غير المجاهر، فأما إذا كان متظاهرًا بالفاحشة، فإني أحب مكاشفته، والتبريح به، لينزجر هو وغيره، وقد استشكل استحباب الستر، مع ما وقع من الثناء على ماعز والغامدية، وأجيب بأن الغامدية كان قد ظهر بها الحمل، مع كونها غير ذات زوج، فتعذر الاستتار، ومن هنا قيد بعضهم ترجيح الاستتار حيث لا يكون هناك ما يشعر بضده، فإن وجد فالرفع إلى الإمام، ليقيم عليه الحد أفضل. قال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر أن الستر مستحب، والرفع لقصد المبالغة في التطهير أحب. ١٤ - وفيه مشروعية الإقرار بفعل الفاحشة، عند الإمام وفي المسجد، والتصريح فيه بما يستحى من التلفظ به من أنواع الرفث في القول، من أجل الحاجة الملجئة إلى ذلك. ١٥ - ومن قوله "أبك جنون"؟ أن إقرار المجنون لاغ، لا يعمل به، ولا يرجم المجنون، إن زنى في حال الجنون، وهو إجماع. ١٦ - ومن قوله "أشرب خمرًا" أن إقرار السكران لاغ لا يعمل به، والذين اعتبروه قالوا: إن عقله زال بمعصيته، وقد تكون قصة ماعز متقدمة على تحريم الخمر. ١٧ - ومن قوله في الرواية الخامسة "لعلك" أن الإمام يلقن الرجوع عن الإقرار بالزنا، ومحاولة التعلق بشبهة ليدرأ عنه الحد، وأنه يقبل رجوعه، لأن الحدود مبنية على المساهلة والدرء، بخلاف حقوق الآدميين وحقوق الله المالية، كالزكاة والكفارة وغيرهما، فلا يجوز التلقين فيها، ولو رجع لم يقبل رجوعه، وقد جاء التلقين للرجوع عن الإقرار بالحدود عن النبي ﷺ وعن الخلفاء الراشدين، ومن بعدهم، واتفق العلماء عليه. ١٨ - ومن قوله في الرواية الرابعة "فهل أحصنت"؟ أن الإمام يسأل عن شروط الرجم، من الإحصان وغيره، سواء ثبت بالإقرار، أو بالبينة، ومؤاخذة الإنسان بإقراره. ١٩ - وفيه ترك سجن من اعترف بالزنا في مدة الاستثبات، وفي الحامل حتى تضع وقيل: إن المدينة لم يكن بها حينئذ سجن، وإنما كان يسلم كل جان لوليه، وقال ابن العربي: إنما لم يؤمر بسجنه ولا التوكيل به، لأن رجوعه مقبول، فلا فائدة في سجنه مع جواز الإعراض عنه إذا رجع. ٢٠ - وفيه أن الإمام لا يشترط أن يبدأ بالرجم فيمن أقر، وإن كان ذلك مستحبًا، لأن الإمام إذا بدأ مع كونه مأمورًا بالتثبت والاحتياط فيه، كان ذلك أدعى إلى الزجر عن التساهل في الحكم، ولهذا يبدأ إذا ثبت الرجم بالبينة.

стр. 3678

٢١ - وفي تفويض أنيس وأمره للصحابة برجم ماعز، جواز تفويض الإمام إقامة الحد لغيره. ٢٢ - ومن قوله في الرواية الثامنة "فما أوثقناه، ولا حفرنا له" قال النووي: هكذا الحكم عند الفقهاء في الإيثاق، أما الحفر للمرجوم والمرجومة ففيه مذاهب للعلماء، قال مالك وأبو حنيفة وأحمد في المشهور عنهم: لا يحفر لواحد منهما، وقال قتادة وأبو ثور وأبو يوسف، وأبو حنيفة في رواية: يحفر لهما، وقال بعض المالكية: يحفر لمن يرجم بالبينة، لا من يرجم بالإقرار، أما أصحابنا فقالوا: لا يحفر للرجل، سواء ثبت زناه بالبينة أم بالإقرار. وأما المرأة ففيها ثلاثة أوجه لأصحابنا: أحدها: يستحب الحفر لها إلى صدرها، ليكون أستر لها، والثاني: لا يستحب ولا يكره. بل هو إلى خبرة الإمام. والثالث: وهو الأصح إن ثبت زناها بالبينة استحب، وإن ثبت بالإقرار فلا، ليمكنها الهرب إن رجعت. فمن قال بالحفر لها احتج بأنه حفر للغامدية، ففي الرواية العاشرة "ثم أمر بها، فحفر لها إلى صدرها" وكذا لماعز في الرواية العاشرة "فلما كان الرابعة حفر له حفرة" ويجيب هؤلاء عن الرواية الأخرى في ماعز "أنه لم يحفر له" أن المراد لم يحفر له حفرة عظيمة عميقة، وإنما حفر له حفيرة، تمكن من تسلقها والهرب. وأما من قال: لا يحفر، فاحتج برواية "فما أوثقناه ولا حفرنا له" قال النووي: وهذا المذهب ضعيف، لأنه منابذ لحديث الغامدية، ولرواية الحفر لماعز، وأما من قال بالتخيير فظاهر، وأما من فرق بين الرجل والمرأة، فيحمل رواية الحفر لماعز على أنه لبيان الجواز، وهذا تأويل ضعيف، ومما احتج به من ترك الحفر حديث اليهوديين. اهـ روايتنا الثالثة عشرة. ٢٣ - ومن شم رائحة الخمر أخذ أصحاب مالك وجمهور الحجازيين أنه يحد -حد الخمر- من وجد منه ريح الخمر، وإن لم تقم عليه بينة بشربها، وإن لم يقر بالشرب، ومذهب الشافعي وأبي حنيفة وغيرهما أنه لا يحد بمجرد ريحها، بل لا بد من بينة على شرابه، أو إقراره، وليس في هذا الحديث دلالة لأصحاب مالك، فالسؤال هنا عن شربه الخمر، وشم رائحته، لا لإقامة حد الخمر بالرائحة، ولكن لإيجاد شبهة في إقراره بالزنا، ليدرأ عنه الحد. ٢٤ - وعن قوله في الرواية الرابعة "فرجمناه بالمصلى" قال البخاري وغيره من العلماء: فيه دليل على أن مصلى الجنائز والأعياد، إذا لم يكن قد وقف مسجدًا، لا يثبت له حكم المسجد، إذ لو كان له حكم المسجد لتجنب الرجم فيه، خشية تلطخه بالدماء والميتة. وذكر الدارمي -وهو من الشافعية- أن المصلى الذي للعيد ولغيره -إذا لم يكن مسجدًا- هل يثبت له حكم المسجد؟ فيه وجهان، أصحهما: ليس له حكم المسجد. ٢٥ - وعن قوله "فلما أذلقته الحجارة هرب، فأدركناه بالحرة، فرجمناه" قال النووي: اختلف العلماء في المحصن إذا أقر بالزنا، فشرعوا في رجمه، ثم هرب، هل يترك؟ أم

стр. 3679

يتبع ليقام عليه الحد؟ فقال الشافعي وأحمد وغيرهما: يترك ولا يتبع، فإن رجع عن الإقرار ترك، وإن أعاد الإقرار رجم، وقال مالك في رواية وغيره: إنه يتبع ويرجم، واحتج الشافعي وموافقوه بما جاء في رواية أبي داود أن النبي ﷺ قال "ألا تركتموه حتى أنظر في شأنه"؟ وفي رواية "هلا تركتموه؟ فلعله يتوب، فيتوب الله عليه"؟ واحتج الآخرون بأن النبي ﷺ لم يلزمهم ذنبه، مع أنهم قتلوه بعد هربه، وأجاب الشافعي وموافقوه عن هذا بأنه لم يصرح بالرجوع، وقد ثبت إقراره، فلا يتركه حتى يصرح بالرجوع، قالوا: وإنما قلنا: لا يتبع في هربه، لعله يريد الرجوع، ولم نقل: إنه سقط الرجم بمجرد الهرب. ٢٦ - ويؤخذ من قوله "فرميناه بالعظام والمدر والخزف" دليل لما اتفق عليه العلماء أن الرجم يحصل بالحجر أو المدر أو العظام أو الخزف أو الخشب وغير ذلك مما يحصل به القتل، ولا تتعين الأحجار. ٢٧ - ومن قوله ﷺ في الرواية التاسعة لماعز "ارجع فاستغفر الله، وتب إليه" دليل على سقوط المعاصي الكبائر بالتوبة، وهو بإجماع المسلمين، إلا ما جاء عن ابن عباس في عدم قبول توبة القاتل خاصة، قال النووي: فإن قيل: فما بال ماعز والغامدية لم يقنعا بالتوبة، وهي محصلة لغرضهما، وهو سقوط الإثم؟ بل أصرا على الإقرار، واختارا الرجم؟ فالجواب أن تحصيل البراءة بالحدود، وسقوط الإثم متيقن على كل حال، لا سيما وإقامة الحد بأمر النبي ﷺ ، وأما التوبة فيخاف ألا تكون نصوحًا، وأن يخل من شروطها، فتبقى المعصية وإثمها دائمًا عليه، فأرادا حصول البراءة بطريق متيقن، دون ما يتطرق إليه احتمال. ٢٨ - ومن قوله ﷺ في الرواية التاسعة: "استغفروا لماعز ... لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم". ومن لوم خالد على سبه الغامدية ومن قوله ﷺ في الرواية العاشرة والحادية عشرة "لقد تابت توبة ... إلخ" دليل على أن الحد يكفر ذنب المعصية التي حد لها، وقد جاء ذلك صريحًا في حديث عبادة بن الصامت، وهو قوله ﷺ "من فعل شيئًا من ذلك، فعوقب به في الدنيا، فهو كفارة له" قال النووي: ولا نعلم في هذا خلافًا. اهـ أما قوله عن ماعز في الرواية الثامنة "فما استغفر له، ولا سبه" فقد قال النووي: أما عدم السب فلأن الحد كفارة له، مطهرة له من معصيته، وأما عدم الاستغفار -أي في نفس وقت الرجم- فلئلا يغتر عليه، فيقع في الزنا اتكالاً على استغفار رسول الله ﷺ . ٢٩ - ومن خطبة النبي ﷺ بعد رجم ماعز استحباب خطبة الإمام عند الأمور المهمة وتبصير المسلمين بالأخطار، والاستفادة من ظروف الأحداث في الترغيب والترهيب. ٣٠ - ومن قوله "حتى تضعي ما في بطنك" في الرواية التاسعة أنه لا ترجم الحبلى حتى تضع، سواء كان حملها من زنا أو غيره، وهذا مجمع عليه، لئلا يقتل جنينها، قال النووي: وكذا لو كان حدها الجلد وهي حامل، لم تجلد بالإجماع، حتى تضع.

стр. 3680

٣١ - وأن المرأة ترجم إذا زنت، وهي محصنة، كما يرجم الرجل، وهذا الحديث محمول على أنها كانت محصنة، لأن الأحاديث الصحيحة والإجماع متطابقان على أنه لا يرجم غير المحصن. ٣٢ - وأنه من وجب عليها قصاص وهي حامل لا يقتص منها، حتى تضع، وهذا مجمع عليه. ٣٣ - ومن قوله في الرواية التاسعة "لا نرجمها وندع ولدها صغيرًا، ليس له من يرضعه" أن الحامل الزانية لا ترجم، ولا يقتص منها بعد الوضع، حتى تسقي الولد اللبن، ويستغني عنها، ولو بلبن غيرها. قال النووي: واعلم أن مذهب الشافعي وأحمد وإسحق والمشهور من مذهب مالك أنها لا ترجم، حتى تجد من ترضعه، فإن لم تجد أرضعته، حتى تفطمه، ثم ترجم. وقال أبو حنيفة ومالك في رواية عنه: إذا وضعت رجمت، ولا ينتظر حصول مرضعة. ٣٤ - ومن قوله في الرواية الحادية عشرة "فشكت عليها ثيابها" استحباب جمع أثوابها عليها عند الرجم، وشدها بحيث لا تنكشف عورتها في تقلبها وتكرار اضطرابها، قال النووي: واتفق العلماء على أنه لا ترجم إلا قاعدة، وأما الرجل، فالجمهور على أنه يرجم قائمًا، وقال مالك: قاعدًا، وقال غيره: يخير الإمام بينهما. ٣٥ - ومن قوله "فأمر بها، فرجمت" وقوله "وأمر الناس فرجموها" وفي حديث ماعز "أمرنا أن نرجمه "فيها كلها دلالة لمذهب الشافعي ومالك وموافقيهما أنه لا يلزم الإمام حضور الرجم، وكذا لو ثبت بشهود لم يلزمه الحضور، وقال أبو حنيفة وأحمد: يحضر الإمام مطلقًا، وكذا الشهود إن ثبت ببينة. ويبدأ الإمام بالرجم، إن ثبت بالإقرار، وإن ثبت بالشهود بدأ الشهود، وحجة الشافعي أن النبي ﷺ لم يحضر أحدًا ممن رجم. ٣٦ - ومن الرواية الحادية عشرة، من صلاة النبي ﷺ على الغامدية بعد رجمها قال النووي: وقد اختلف العلماء في الصلاة على المرجوم، فكرهها مالك وأحمد للإمام ولأهل الفضل، دون باقي الناس، ويصلي عليه غير الإمام وأهل الفضل، وقال الشافعي وآخرون: يصلي عليه الإمام وأهل الفضل وغيرهم، والخلاف بين الشافعي ومالك إنما هو في الإمام وأهل الفضل، وأما غيرهم فاتفقا على أنه يصلي، وبه قال جماهير العلماء، قالوا: فيصلى على الفساق والمقتولين في الحدود والمحاربة وغيرهم، وقال الزهري: لا يصلي أحد على المرجوم وقاتل نفسه، وقال قتادة "لا يصلى على ولد الزنا" واحتج الجمهور بهذا الحديث. وأجاب أصحاب مالك بجوابين: أحدهما: أنهم ضعفوا رواية الصلاة، لكون أكثر الرواة لم يذكروها. والثاني: تأولوها على أنه ﷺ أمر بالصلاة، أو دعا، فسمي صلاة على المعنى اللغوي، قال النووي: وهذان الجوابان فاسدان. أما الأول فإن هذه الزيادة ثابتة في الصحيح،

стр. 3681

وزيادة الثقة مقبولة، وأما الثاني فهذا التأويل مردود، لأن التأويل إنما يصار إليه إذا اضطربت الأدلة الشرعية، ولم يكن بد من ارتكابه، وليس هنا شيء من ذلك، فوجب حمله على ظاهره. ٣٧ - ومن قوله ﷺ في الرواية الرابعة "اذهبوا به فارجموه" جواز استنابه الإمام من يقيم الحد، قال العلماء: لا يستوفي الحد إلا الإمام أو فوض ذلك إليه. ٣٨ - ومن الرواية الثانية عشرة، قصة العسيف، من قول الرجل "فسألت أهل العلم" قال النووي: فيه جواز استفتاء غير النبي ﷺ في زمنه، لأنه ﷺ لم ينكر ذلك عليه، وأن الصحابة كانوا يفتون في حياة النبي ﷺ وفي بلده. ٣٩ - وجواز استفتاء المفضول مع وجود الفاضل، أو من هو أفضل منه. ٤٠ - ومن قوله "الوليدة والغنم رد" أن الصلح الفاسد يرد، وأن أخذ المال فيه باطل، يجب رده، قال ابن دقيق العيد: وبهذا يتبين ضعف عذر من اعتذر من الفقهاء عن بعض العقود الفاسدة، بأن المتعاوضين تراضيا، وأذن كل منهما للآخر في التصرف، والحق أن الإذن في التصرف مقيد بالعقود الصحيحة. ٤١ - وأن الحدود لا تقبل الفداء. ٤٢ - ومن قوله "وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام" بعد إقرار الأب في حضور الابن وسكوت الابن، أخذ بعضهم صحة إقرار الأب على الابن، والصحيح أن إقرار الأب على الابن لا يقبل، ويحمل ما حصل على أن الابن اعترف، وتبين أن الابن زنى وهو بكر، أو يكون هذا إفتاء، أي إن كان ابنك زنى وهو بكر فعليه جلد مائة وتغريب عام، والأول أقرب. ٤٣ - وعن قوله "واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها" قال النووي: بعث أنيس محمول عند العلماء من أصحابنا وغيرهم، على إعلام المرأة، بأن هذا الرجل قذفها بابنه، فلها عنده حد القذف، فتطالب به، أو تعفو عنه، إلا أن تعترف بالزنا، فلا يجب عليه حد القذف، بل يجب عليها حد الزنا، وهو الرجم، لأنها كانت محصنة "امرأة هذا" فذهب إليها أنيس، فاعترفت بالزنا، فأمر النبي ﷺ برجمها، فرجمت، قال النووي: ولا بد من هذا التأويل، لأن ظاهره أنه بعث لإقامة حد الزنا، وهذا غير مراد، لأن حد الزنا لا يتوصل إليه بالتجسس والتفتيش عنه، بل لو أقر به الزاني استحب أن يلقن الرجوع، فحينئذ يتعين التأويل المذكور. ٤٤ - وذهب بعض العلماء إلى أن هذا البعث واجب على القاضي، فإذا قذف إنسان إنسانًا معينًا في مجلسه، وجب عليه أن يبعث إليه من يعرفه بحقه، من حد القذف، وقيل: لا يجب، قال النووي: والأصح وجوبه. ٤٥ - وفي الحديث الرجوع إلى كتاب الله نصًا، أو استنباطًا. ٤٦ - وجواز القسم على الأمر من غير استحلاف، لتأكيده.

стр. 3682

٤٧ - وحسن خلقه ﷺ ، وحلمه على من يخاطبه بشيء من جفاء الأعراب، مما لا يليق بمقامه. ٤٨ - واستحباب التأسي به في ذلك، فلا ينزعج الحاكم، ولا يغضب إذا قيل له مثلاً: احكم بيننا بالحق. قال البيضاوي: إنما تواردا على سؤال الحكم بكتاب الله، مع أنهما يعلمان أنه لا يحكم إلا بحكم الله، ليحكم بينهما بالحق الصرف، لا بالمصالحة، ولا الأخذ بالأرفق، لأن للحاكم أن يفعل ذلك برضا الخصمين. اهـ. أي فليس في كلامهما جفاء، ولا مجال هنا لاستنباط حلمه ﷺ . ٤٩ - وأن للإمام أن يأذن لمن شاء من الخصمين في الدعوى، إذا جاءا معًا، وأمكن أن كلاً منهما يدعي. وهذا على أساس أن الرجل وابنه مدعى عليهما، أما على أساس أن الرجل جاء يطلب استرداد الغنم والوليدة، فهو المدعي، وصاحب الحق في عرض الدعوى. ٥٠ - ومن قوله "وائذن لي" استحباب استئذان المدعي والمستفتي الحاكم والعالم في الكلام. ٥١ - وفيه أن من أقر بحد، وجب على الإمام إقامته عليه، ولو لم يعترف مشاركه في الجريمة. ٥٢ - وأن من قذف غيره، لا يقام عليه حد القذف، إلا إن طلبه المقذوف. وفيه نظر، لأن المقذوف هنا لم يكن حاضرًا، وقد سبق أن بعث أنيس لها كان لإعلامها بحقها. ٥٣ - وفيه أن المخدرة التي لا تعتاد البروز، لا تكلف الحضور لمجلس الحكم، بل يجوز أن يرسل إليها من يحكم لها وعليها. ٥٤ - وأنه يجوز لمن يعرض مسألته أن يتعرض لبعض الجوانب الخارجة عنها، ليخدم مسألته، فإن الرجل قال: إن ابني كان عسيفًا على هذا. ومسألته حكم الزنا، لكنه أراد أن يقيم لابنه معذرة ما، وأن ابنه لم يكن مشهورًا بالعهر، ولم يهجم على المرأة مثلاً، ولا استكرهها، وإنما وقع له ذلك لطول الملازمة، المقتضية لمزيد التأنيس والإدلال، فيستفاد منه الحث على إبعاد الأجنبي من الأجنبية، مهما أمكن، لأن العشرة قد تفضي إلى الفساد، ويتسور بها الشيطان إلى الإفساد. ٥٥ - وفيه جواز الاستنابة في الحكم والحد، إذا قلنا: إن أنيسًا أنيب في ذلك، وبعث حاكمًا، فاستوفى شروط الحكم، ثم استأذن في رجمها، فأذن له في رجمها. ٥٦ - قال القاضي عياض: احتج قوم -بقصة أنيس- بجواز حكم الحاكم في الحدود وغيرها بما أقر به الخصم عنده، وهو أحد قولي الشافعي، وبه قال أبو ثور، وأبي ذلك الجمهور، فقال بوجوب ضبط بشهادة عليه، قالوا: ويحتمل أن يكون أنيس قد أشهد على إقرارها، قبل رجمها، ثم إنها واقعة عين، لا يحتج بها. ٥٧ - وفيه الاكتفاء في الاعتراف بالمرة الواحدة، لأنه لم ينقل أن المرأة تكرر اعترافها. ٥٨ - والاكتفاء بالرجم، من غير جلد.

стр. 3683

٥٩ - وجواز استئجار الحر. ٦٠ - وجواز إجارة الأب ولده الصغير لمن يستخدمه، إذا احتاج لذلك. ٦١ - وأن حال الزانيين إذا اختلفا أقيم على كل واحد حده، لأن العسيف جلد، والمرأة رجمت، فكذا لو كان أحدهما حرًا، والآخر رقيقًا، وكذا لو زنى بالغ بصبية، أو عاقل بمجنونة، حد البالغ والعاقل، دونهما، وكذا عكسه. ٦٢ - وفيه أن من قذف ولده، لا يحد له، لأن الرجل قال: إن ابني زنى، ولم يثبت عليه حد القذف. كذا قال الحافظ ابن حجر، وفيه نظر، فقد أقر الابن، وجلد. ٦٣ - ومن قصة اليهوديين في الروايات من الثالثة عشرة، حتى السادسة عشرة، دليل على وجوب حد الزنا على الكافر الذمي، وهو قول الجمهور، وفيه خلاف عند الشافعية، وأنه يصح نكاحه، لأنه لا يجب الرجم إلا على محصن فلو لم يصح نكاحه لم يثبت إحصانه، ولم يرجم. وقال المالكية ومعظم الحنفية وربيعة شيخ مالك: شرط الإحصان الإسلام، وأجابوا عن حديث الباب بأنه ﷺ إنما رجمهما بحكم التوراة، وليس هو من حكم الإسلام في شيء، وإنما هو من باب تنفيذ الحكم عليهم بما في كتابهم، فإن في التوراة الرجم على المحصن وغير المحصن. قالوا: وكان ذلك أول دخول النبي ﷺ المدينة، وكان مأمورًا باتباع حكم التوراة والعمل بها حتى ينسخ ذلك في شرعه، فرجم اليهوديين على ذلك الحكم، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى ﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا﴾ [النساء: ١٥] ثم نسخ ذلك بالتفرقة بين من أحصن، ومن لم يحصن. قال الحافظ ابن حجر: وفي دعوى الرجم على من لم يحصن نظر. وقال مالك: إنما رجم اليهوديين، لأن اليهود يومئذ لم يكن لهم ذمة، فتحاكموا إليه، ورده الطحاوي بأنه لو لم يكن واجبا عليه ما فعله. أقول: وليس بلازم أن يكون ما يفعله واجبًا عليه. ثم قال الطحاوي: وإذا أقام الحد على من لا ذمة له، فلأن يقيمه على من له ذمة أولى. اهـ. وسلم بعض المالكية بأنهما كانا من أهل العهد والذمة، واحتج بأن الحاكم مخير، إذا تحاكم إليه أهل الذمة بين أن يحكم فيهم بحكم الله، وبين أن يعرض عنهم، على ظاهر قوله تعالى ﴿فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئًا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين﴾ [المائدة: ٤٢]. فاختار ﷺ في هذه الواقعة أن يحكم بينهم. ورد بأن ذلك لا يستقيم على مذهب مالك، لأن شرط الإحصان عنده الإسلام، وهما كانا كافرين، ودافع ابن العربي عن هذا بأنهما كانا محكمين له في الظاهر، ومختبرين ما عنده في الباطن. هل هو نبي حق؟ أو مسامح في الحق؟ قال الحافظ ابن حجر: وهذا لا يرفع الإشكال، ولا يخلص عن الإيراد. اهـ أي لأنه ﷺ في النهاية حكم ورجم، كيف؟ وهما

стр. 3684

كافران؟ وقال ابن العربي - وهو مالكي - والحق أحق أن يتبع، ولو جاءوني لحكمت عليهم بالرجم، ولم أعتبر الإسلام في الإحصان. اهـ وفي وجهات النظر تفصيلات أخرى لا يتسع لها المقام. ٦٤ - وفي الحديث قبول شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض. قال القرطبي: الجمهور على أن الكافر لا تقبل شهادته على مسلم، ولا على الكافر، لا في حد، ولا في غيره، ولا فرق بين السفر والحضر في ذلك، وقبل شهادتهم جماعة من التابعين وبعض الفقهاء، إذا لم يوجد مسلم، واستثنى أحمد حالة السفر، إذا لم يوجد مسلم. وقال النووي: الظاهر أنه رجمهما بالاعتراف، فإن ثبت حديث جابر عند أبي داود "فدعا بالشهود" فلعل الشهود كانوا مسلمين، وإلا فلا عبرة بشهادتهم، ويتعين أنهما أقرا بالزنا، قال الحافظ ابن حجر: لم يثبت أنهم كانوا مسلمين، ولم يحكم ﷺ فيهم، إلا مستندًا لما أطلعه الله تعالى، فحكم في ذلك بالوحي، وألزمهم الحجة بينهم، كما قال تعالى ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ [يوسف: ٢٦] وأن شهودهم شهدوا عليهم عند أحبارهم بما ذكر، فلما رفعوا الأمر إلى النبي ﷺ كان مستند حكمه ما أطلعه الله عليه. ٦٥ - استدل بقول ابن عمر في نهاية الرواية الثالثة عشرة "فلقد رأيته يقيها من الحجارة بنفسه" أن الرجل يرجم قائمًا والمرأة قاعدة، وتعقب أنه واقعة عين، فلا دلالة فيها، وفعلهما وقت الرجم ليس حجة، وقد يقيها وهما واقفان، أو وهما قاعدان. ٦٦ - وفيه أن اليهود كانوا ينسبون إلى التوراة ما ليس فيها، ويخفون بعض ما فيها. ٦٧ - استدل به بعضهم على أن اليهود لم يسقطوا شيئًا من ألفاظها. والاستدلال به لذلك غير واضح، لاحتمال خصوص ذلك بهذه الواقعة فلا يدل على التعميم. ٦٨ - واستدل به بعضهم على أن التوراة التي أحضرت حينئذ كانت كلها صحيحة، سليمة من التبديل، وهو مردود، باحتمال خصوص ذلك بهذه الواقعة أيضًا. ٦٩ - ومن الرواية الثامنة عشرة وما بعدها "زنا الأمة" من قوله في الرواية الثامنة عشرة "إذا زنت أمة أحدكم، فتبين زناها، فليجلدها الحد" وقوله في الرواية الواحدة والعشرين "أقيموا على أرقائكم الحد" استدل على أن السيد يقيم الحد على من يملكه من جارية وعبد، أما الجارية فبالنص، وأما العبد فبالإلحاق. وقد اختلف السلف فيمن يقيم الحدود على الأرقاء، فقالت طائفة: لا يقيمها إلا الإمام، أو من يأذن له، وهو قول الحنفية، وعن الأوزاعي والثوري: لا يقيم السيد إلا حد الزنا، وقال آخرون: يقيمها السيد، ولو لم يأذن الإمام له، وهو قول الشافعي، وعن ابن عمر، في الأمة إذا زنت، ولا زوج لها، يحدها سيدها، فإن كانت ذات زوج، فأمرها إلى الإمام. أخرجه عبد الرزاق، وبه قال مالك، إلا إن كان زوجها عبدًا لسيدها، فأمرها إلى السيد، واستثنى مالك القطع في السرقة، وهو

стр. 3685

وجه الشافعية، وفي آخر: يستثنى حد الشرب. وحجة الجمهور حديث علي ﵁ روايتنا الواحدة والعشرين، واحتج ابن العربي لقول مالك في الأمة المتزوجة بأن للزوج تعلقًا بالفرج في حفظه عن النسب الباطل والماء الفاسد، فكان الأمر إليه، ورد هذا بأن حديث النبي ﷺ أولى أن يتبع، وفيه "من أحصن منهم، ومن لم يحصن". ٧٠ - في قوله "إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فيجلدها الحد" غير مقيد بالإحصان، أنه لا أثر للإحصان، وأن موجب الحد في الأمة مطلق الزنا، ومعنى "فليجلدها الحد" أي الحد اللائق بها المبين في الآية، وهو نصف ما على الحرة، ففيه دليل على أن العبد والأمة لا يرجمان، سواء كانا مزوجين، أم لا. ٧١ - ومن قوله "ولا يثرب عليها" أنه لا يوبخ الزاني، بل يقام عليه الحد فقط، قاله النووي. ٧٢ - وأن الزاني إذا حد، ثم زنى ثانيًا يلزمه حد آخر فإن زنى ثالثة لزمه حد آخر، فإن حد، ثم زنى لزمه حد آخر، وهكذا أبدًا، فأما إذا زنى مرات، ولم يحد لواحدة منهن، فيكفيه حد واحد للجميع. ٧٣ - أخذ بعضهم من قوله "ثم إن زنت الثالثة، فتبين زناها، فليبعها" وفي رواية "البيع بعد الرابعة" أن محصل الاختلاف هل يجلدها في الرابعة قبل البيع؟ أو يبيعها بلا جلد؟ والراجح الأول. ٧٤ - وفي الحديث أن الزنا عيب، يرد به الرقيق، للأمر بالحط من قيمة المرقوق إذا وجد منه الزنا. ٧٥ - وفيه جواز عطف الأمر المقتضي للندب على الأمر المقتضي للوجوب، لأن الأمر بالجلد واجب، والأمر بالبيع مندوب عند الجمهور، خلافًا لأبي ثور وأهل الظاهر، وادعى بعض الشافعية أن سبب صرف الأمر عن الوجوب أنه منسوخ. قال ابن بطال: حمل الفقهاء الأمر بالبيع على الحض على مساعدة من تكرر منه الزنا، لئلا يظن بالسيد الرضا بذلك، ولما في ذلك من الوسيلة إلى تكثير أولاد الزنا، وحمله بعضهم على الوجوب، ولا سلف له من الأمة، فلا يستقل به. وقد ثبت النهي عن إضاعة المال، فكيف يجب بيع الأمة ذات القيمة، بحبل من شعر، لا قيمة له. فدل على أن المراد الزجر عن معاشرة من تكرر منه ذلك. ٧٦ - وفيه جواز بيع الشيء النفيس بثمن حقير، قال النووي: وهذا مجمع عليه، إذا كان البائع عالمًا به، فإن كان جاهلاً، فكذلك عندنا وعند الجمهور، ولأصحاب مالك فيه خلاف. ٧٧ - أخذ من الحديث بعضهم أن يلزم السيد عند بيع الأمة أن يبين حالها للمشتري، لأنه عيب، والإخبار بالعيب واجب. قال النووي: فإن قيل: كيف يكره شيئًا ويرتضيه لأخيه المسلم؟ فالجواب لعلها تستعف عند المشتري، بأن يعفها بنفسه، أو يصونها بهيبته، أو بالإحسان إليها، والتوسعة عليها، أو يزوجها، فالسبب الذي باعها لأجله، غير محقق الوقوع عند المشتري، وكثيرًا ما يتغير الحال بتغير المحل. ٧٨ - ومن الرواية الواحدة والعشرين أن النفساء والمريضة ونحوهما يؤخر جلدهما إلى البرء. والله أعلم

стр. 3686

(٤٥٠) باب حد الخمر ٣٩١٣ - عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ أتي برجل قد شرب الخمر فجلده بجريدتين نحو أربعين. قال: وفعله أبو بكر فلما كان عمر استشار الناس. فقال عبد الرحمن: أخف الحدود ثمانين. فأمر به عمر. ٣٩١٤ - - وفي رواية "أتي رسول الله ﷺ برجل" فذكر نحوه. ٣٩١٥ - عن أنس بن مالك ﵁ أن نبي الله ﷺ جلد في الخمر بالجريد والنعال، ثم جلد أبو بكر أربعين. فلما كان عمر ودنا الناس من الريف والقرى، قال: ما ترون في جلد الخمر؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: أرى أن تجعلها كأخف الحدود. قال: فجلد عمر ثمانين. ٣٩١٦ - عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان يضرب في الخمر بالنعال والجريد أربعين. ثم ذكر نحو حديثهما ولم يذكر الريف والقرى. ٣٩١٧ - عن حصين بن المنذر أبي ساسان قال: شهدت عثمان بن عفان وأتي بالوليد قد صلى الصبح ركعتين، ثم قال أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان أحدهما حمران أنه شرب الخمر وشهد آخر أنه رآه يتقيأ، فقال: عثمان إنه لم يتقيأ حتى شربها، فقال: يا علي قم فاجلده. فقال علي: قم يا حسن فاجلده. فقال الحسن، ول حارها من تولى قارها (فكأنه وجد عليه) فقال يا عبد الله بن جعفر: قم فاجلده. فجلده وعلي يعد حتى بلغ أربعين. فقال: أمسك. ثم قال: جلد النبي ﷺ أربعين وجلد أبو بكر أربعين وعمر ثمانين وكل سنة وهذا أحب إلي.

стр. 3687

٣٩١٨ - عن علي ﵁ قال: ما كنت أقيم على أحد حدًا فيموت فيه فأجد منه في نفسي إلا صاحب الخمر، لأنه إن مات وديته، لأن رسول الله ﷺ لم يسنه. -[المعنى العام]- العقل هبة الله تعالى، ميز به الإنسان على سائر مخلوقات الأرض، به يحس بالخير والشر، فيستكثر من الخير، ويتباعد عن السوء، فالاعتداء على العقل، ولو للحظة واحدة، اعتداء على أقدس مخلوق، وأشرف الأعضاء، والإنسان بجهله أحيانًا يعالج مشاكله بالهروب منها بعض الوقت، مع أنه يعلم يقينًا أنه بذلك لا يحلها، بل ستظل معه حتى يعود إليها، إنه حين يلجأ إلى شرب الخمر، فيغيب عن حقائق حياته، ويدخل في متاهات الفكر، وسراديب الخيال، يهذي، وينفلت لسانه من عقاله، فيسب حيث لا داعي للسب، ويتهارج ويتقاتل، وهو لا يدرك ما يفعل، ويكشف سرًا، ويهتك سترًا، ويقلب صورته التي خلقها الله في أحسن تقويم، إلى شبح متمايل، وهيكل مترنح مضحك، مثير للسخرية منه والاستهزاء به. من هنا حرم الله شرب الخمر، وجعل لشاربها عقابًا وحدًا زاجرًا لمن له قلب أو ألقى السمع، عقاب يسوده الإهانة والذلة، وهو الضرب بالنعال أربعين، يضربه عامة الناس، وإن كان الشارب من الخاصة، يضربه العظيم والحقير، والشريف والوضيع، مهما كان الشارب شريفًا، فهذا الوليد بن عقبة، في عهد الخليفة عثمان بن عفان، وهو أخوه لأمه، وقد عينه واليًا على الكوفة، يشرب ويسكر، فيأتي به رعيته إلى عثمان فيأمر بضربه، ثم عزله، نعم عقاب الخمر رادع للنفوس الأبية الكريمة العزيزة، في زمن كان نور الإسلام يشاغف القلوب، فلما بعد النور، وفي عهد عمر بن الخطاب، ضعفت النفوس، وكثر شاربو الخمر، المستهينون بعقوبته، فاستشار عمر كبار الصحابة أن يضيف إلى حد الخمر زيادة على سبيل التعزير والتخويف، والتأديب والتهذيب، فأشاروا عليه بأن يجعل العقوبة ثمانين ضربة، وأن يجعل الضرب جلدًا بالسوط، بدلاً من الضرب باليد، والثياب والنعال، ففعل، فحسم الداء، وقل المرضى، وأصلح الله بالراعي الحازم القوي أمور المسلمين. -[المباحث العربية]- (الخمر) اللغة الفصحى تأنيث الخمر، وأثبت بعضهم فيها التذكير، ويقال لها: الخمرة بفتح الخاء وسكون الميم، قيل سميت بذلك لأنها تخامر العقل، أي تخالطه وتغطيه، وقيل: لأنها هي تخمر - بفتح الميم، مبني للمجهول، أي تغطي حتى تغلي، أو لأنها تختمر، كالعجين حين يتفاعل بالخميرة، قال الكرماني: هذا تعريف من حيث اللغة، وأما بحسب

стр. 3688

العرف فهو ما يخامر العقل من عصير العنب خاصة، ورده الحافظ ابن حجر، وسيأتي بسط الكلام في ذلك في فقه الحديث. (أتي برجل) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه صريحًا، ووقع عند الإسماعيلي أنه النعيمان، وقال ابن عبد البر: إن الذي كان قد أتي به قد شرب الخمر هو ابن النعيمان، فإنه قيل في ترجمة النعيمان: كان رجلاً صالحًا، وكان له ابن انهمك في شرب الخمر، فجلده النبي ﷺ ، ثم قال: وأظن أن ابن النعيمان جلد في الخمر أكثر من خمسين مرة. وفي البخاري عن عمر بن الخطاب ﵁: "أن رجلاً كان على عهد رسول الله ﷺ ، كان اسمه عبد الله، وكان يلقب حمارًا، وكان يضحك رسول الله ﷺ ، وكان النبي ﷺ قد جلده في الشراب، فأتي به يومًا، فأمر به، فجلد ... " فيحتمل هذا ويحتمل غيرهما، فالذين أمر بهم رسول الله ﷺ أن يجلدوا كثيرون. (قد شرب الخمر) في رواية للبخاري "قد شرب" بحذف المفعول، للعلم به، وفي رواية له "وهو سكران". (فجلده) أي أمر بجلده. (بجريدتين نحو أربعين) قال النووي: اختلفوا في معناه، فأصحابنا يقولون: معناه أن الجريدتين كانتا مفردتين، جلد بكل منهما عددًا، حتى كمل من الجميع أربعون، فالحد أربعون، وقال آخرون ممن يقول: جلد الخمر ثمانون: معناه أنه جمعهما، وجلده بهما أربعين جلدة، فيكون البالغ ثمانين. قال: وتأويل أصحابنا أظهر، لأن الرواية الأخرى [روايتنا الثانية والثالثة] مبينة لهذه، وأيضًا فحديث علي ﵁ [روايتنا الرابعة] مبين لها. اهـ وفي الرواية الثانية "جلد في الخمر بالجريد والنعال". (فلما كان عمر استشار الناس) أي فلما كان عمر خليفة استشار الناس، وظاهرها أن الاستشارة وقعت في أول خلافة عمر، وليس كذلك، ففي الرواية الثانية "فلما كان عمر، ودنا الناس من الريف والقرى، قال: ما ترون في جلد الخمر"؟ والريف المواضع التي فيها المياه، والقريبة منها، أي لما كان زمن عمر بن الخطاب ﵁، وفتحت الشام والعراق، وسكن الناس في الريف، وأقاموا في مواضع الخصب وسعة العيش وكثرة الأعناب والثمار، أكثروا من شرب الخمر، فاستشار عمر في زيادة حد الخمر، تغليظًا عليهم، وزجرًا لهم. وفي رواية للبخاري عن السائب بن يزيد قال: "كنا نؤتى بالشارب على عهد رسول الله ﷺ ، وإمرة أبي بكر، فصدرا من خلافة عمر، فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا، حتى كان آخر إمرة عمر، فجلد أربعين، حتى إذا عتوا، وفسقوا جلد ثمانين" وهذه الرواية ظاهرها أن

стр. 3689

الاستشارة وقعت في نهاية خلافة عمر، وليس كذلك أيضًا، فإن الذي رجحه ابن حجر أن الاستشارة وقعت وسط إمارته. والمراد من "الناس" من كان حوله في مجلسه بالمسجد حينئذ من الصحابة، من المهاجرين والأنصار، ذكروا فيهم عليًا وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف. (فقال عبد الرحمن بن عوف: أخف الحدود ثمانين) هكذا وقع لبعض رواة مسلم "ثمانين" بالنصب ورواية الرفع ثابتة، وأعربت مبتدأ وخبرًا، قال الفاكهي: الذي يظهر أن راوي النصب وهم، واحتمال توهيمه أولى من ارتكاب ما لا يجوز لفظًا ولا معنى، ووجهها بعضهم على تقدير حذف عامل النصب، أي أخف الحدود أجده ثمانين، أو أجد أخف الحدود ثمانين، ويؤيد هذا التوجيه ظاهرالعبارة في الرواية الثانية، ولفظها "أرى أن تجعلها - أي تجعل العقوبة، التي هي للخمر حد - كأخف الحدود" يعني المنصوص عليها في القرآن، وهي حد السرقة بقطع اليد، وحد الزنا بالجلد مائة، وحد القذف بالجلد ثمانين، فاجعلها ثمانين كأخف هذه الحدود. فعامل النصب المحذوف تقديره: اجعل الحد أخف الحدود ثمانين، والكلام على التشبيه، أي كأخف الحدود. وفي رواياتنا أن المشير على عمر ﵁ هو عبد الرحمن بن عوف، وفي غير مسلم روايات تفيد أن المشير بذلك علي ﵁، أخرجها مالك والطبراني والطحاوي، والبيهقي وعبد الرزاق وابن أبي شيبة، ومثلها عند أبي داود والنسائي، ولا تعارض، فقد يكون كل من علي وعبد الرحمن قد أشار بذلك، فذكر بعض الرواة عبد الرحمن لكبره، وذكر آخرون عليًا لفضله. (فأمر به عمر) أي فأمر بهذا القدر من الجلد عمر، وفي الرواية الثانية "فجلد عمر ثمانين". (عن حضين بن المنذر) قال النووي: هو بالضاد المعجمة، وليس في الصحيح حضين بالمعجمة غيره. (شهدت عثمان بن عفان، وأتي بالوليد) جملة "وأتي بالوليد" حالية، أي وقد أتي بالوليد على أنه شرب خمرًا، ليقيم عليه الحد. والوليد هو ابن عقبة بن أبي معيط الأموي، أخو عثمان بن عفان لأمه، كان أبوه شديدًا على المسلمين، كثير الأذى لرسول الله ﷺ ، وكان ممن أسر ببدر، فأمر النبي ﷺ بقتله، نشأ الوليد وتربى في كنف عثمان، فلما استخلف عثمان ولاه الكوفة، بعد عزل سعد بن أبي وقاص، واستعظم الناس ذلك، وصلى بالناس الصبح، فلما فرغ وكان في سكره قال للمصلين: أزيدكم للصبح ركعتين أخريين؟ بل روي أنه صلى بالناس الصبح أربعًا، وهو سكران، فجلده عثمان، وعزله بعد جلده عن الكوفة، وولاها سعيد بن العاص، قيل: كانت ولايته الكوفة سنة خمس وعشرين، وعزل عنها سنة تسع وعشرين، واعتزل الفتنة، ولكنه كان يحرض معاوية على قتال علي، ومات في خلافة معاوية. (فقال عثمان: يا علي، قم. فاجلده) أي فأقم عليه الحد، بنفسك، أو بأن تأمر من ترى بذلك.

стр. 3690

قال ذلك لعلي على سبيل التكريم له، وتفويض الأمر إليه في استيفاء الحد، ويحتمل أن عثمان ﵁ أراد أن لا يضرب أخاه لأمه، وواليه على الكوفة أمام عامة الناس، ولذا نرى عليًا، وقد قبل التفويض، يأمر أحب وأقرب الناس إليه، ابنه الأكبر الحسن، ليقوم بالمهمة. (ول حارها من تولى قارها) الحسن يخاطب أباه ﵄، ويطلب منه أن يفوض هذه المهمة لأحد أقارب عثمان، فقوله "ول" فعل أمر، يقال: ولى بتشديد اللام - فلانًا الأمر جعله واليًا عليه، و"الحار" بتشديد الراء الساخن، ومن العمل شاقه وشديده، و"القار" بتشديد الراء البارد الهنيء الطيب، وهذا مثل من أمثال العرب، معناه: ول شدتها وأوساخها من تولى هنيئها ولذاتها، والضمير عائد إلى الخلافة والولاية، أي كما أن عثمان وأقاربه يتولون هنيء الخلافة، ويختصون به، يتولون نكدها وقاذوراتها، ومعناه: ليتول عثمان بنفسه هذا الجلد، أو ليول ذلك أقاربه الأدنين. (فكأنه وجد عليه) أي فكأن عليًا غضب وتألم على ابنه، لرفضه أمره، وإن كان محقًا. يقال: وجد عليه، بفتح الجيم، يجد بكسرها، وجدًا بسكونها، وموجدة بكسرها، أي غضب عليه. (فقال: يا عبد اللَّه بن جعفر) أي فطلب علي ﵁، من عبد الله بن أخيه جعفر بن أبي طالب أن يقوم بالمهمة. (وكل سنة) أي الاقتصار على الأربعين سنة النبي ﷺ ، وبلوغ الثمانين سنة خلفائه ﵃، ومعناه أن عليًا ﵁ يعظم آثار عمر ﵁، ويعتبر حكمه سنة، وأن أمره حق. (وهذا أحب إلي) الإشارة قبل: إلى الثمانين التي فعلها عمر ﵁، وقيل: إن عليًا جلد الوليد ثمانين، والإشارة إلى فعله. (ما كنت أقيم على أحد حدًا، فيموت فأجد منه في نفسي إلا صاحب الخمر) الفاء في "فيموت" للسببية، والفعل منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية، وكذا "أجد" معطوف على "يموت" ومعناه أحزن، والمراد من صاحب الخمر شاربها، والمعنى لم أكن أحزن على موت يتسبب عن إقامة حد إلا موت شارب الخمر المتسبب عن حده. (لأنه إن مات وديته) بفتح الواو والدال وسكون الياء أي غرمت ديته، وأعطيتها لمن يستحق قبضها، وعند النسائي وابن ماجه عن علي ﵁ قال: "من أقمنا عليه حدًا، فمات، فلا دية له، إلا من ضربناه في الخمر". قال بعض العلماء: "فإنه إن مات وديته" بالفاء، لا باللام، وهكذا هو في رواية البخاري بالفاء. (لأن رسول اللَّه ﷺ لم يسنه) أي لم يقدر فيه حدًا مضبوطًا، ولم يحدد فيه عددًا معينًا، فوق الأربعين وفي رواية "فإنما هو شيء صنعناه" أي فإنما تحديده بثمانين وقع باجتهاد منا في عهد عمر، تعزيرًا لا حدًا.

стр. 3691

-[فقه الحديث]- حرمت الخمر بقوله تعالى ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون * إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون﴾ [المائدة: ٩٠، ٩١]. والصحيح أنه كان في عام الفتح، قبل الفتح، وذهب بعضهم إلى أنه كان عام الحديبية سنة ست، قال الرازي في أحكام القرآن: يستفاد تحريم الخمر من هذه الآية من تسميتها رجسًا، وقد سمى الله به ما أجمع على تحريمه، وهو لحم الخنزير، كما يستفاد التحريم من قوله ﴿من عمل الشيطان﴾ فكل ما كان من عمل الشيطان حرم تناوله، ومن الأمر بالاجتناب، وهو للوجوب، وما وجب اجتنابه حرم تناوله، ومن الفلاح المرتب على الاجتناب، ومن كون الشرب سببًا للعداوة والبغضاء بين المؤمنين، وتعاطي ما يوقع ذلك حرام، ومن كونها تصد عن ذكر الله، وعن الصلاة، ومن ختام الآية بقوله تعالى ﴿فهل أنتم منتهون﴾ فإنه استفهام معناه الردع والزجر، ولهذا قال عمر لما سمعها: انتهينا. انتهينا. اهـ. وقد روى البخاري "من شرب الخمر في الدنيا، ثم لم يتب منها، حرمها في الآخرة" وروى "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها، وهو مؤمن". قال الحافظ ابن حجر: وقد انعقد الإجماع على أن القليل من الخمر المتخذ من العنب يحرم، كما يحرم كثيره، وقال في موضع آخر: والمجمع على تحريمه عصير العنب إذا اشتد، فإنه يحرم تناول قليله وكثيره بالاتفاق، وحكى ابن قتيبة عن قوم من مجان أهل الكلام أن النهي عنها للكراهة، وهو قول مهجور، لا يلتفت إلى قائله، وحكى أبو جعفر النحاس عن قوم أن الحرام ما أجمعوا عليه، وما اختلفوا فيه ليس بحرام، قال: وهذا عظيم من القول، يلزم منه القول بحل كل شيء اختلف في تحريمه، ولو كان مستند الخلاف واهيًا. ونقل الطحاوي في "اختلاف العلماء" عن أبي حنيفة: الخمر حرام قليلها وكثيرها، والسكر من غيرها حرام، وليس كتحريم الخمر، والنبيذ المطبوخ لا بأس به، من أي شيء كان، وإنما يحرم منه القدر الذي يسكر، وعن أبي يوسف: لا بأس بالنقيع من كل شيء، وإن غلى، إلا الزبيب والتمر. قال: وكذا حكاه محمد عن أبي حنيفة، وعن محمد: ما أسكر كثيره، فأحب إلي أن لا أشربه، ولا أحرمه، وقال الثوري: أكره نقيع التمر إذا غلي، ونقيع العسل لا بأس به. وقد ذكرنا في المباحث العربية معنى الخمر، وأصل اشتقاقها في اللغة، وأما المراد منها في عرف الشرع واصطلاحه، فالحنفية يقصرونها على ما يخامر العقل من عصير العنب خاصة. والجمهور على أن المراد بها ما خامر العقل من الشراب، ويستدلون بما رواه البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: "خطب عمر على منبر رسول الله ﷺ ، فقال: إنه قد نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة أشياء: العنب والتمر والحنطة والشعير والعسل، والخمر ما خامر العقل" وسئل ابن عمر عن شيء يصنع بالسند من الأرز؟ فقال: ذاك لم يكن على عهد النبي ﷺ : أو قال: على عهد عمر - وفي رواية مكان "العنب". "والزبيب" قال الحافظ ابن حجر: هذا الحديث أورده أصحاب المسانيد والأبواب

стр. 3692

في الأحاديث المرفوعة، لأن له عندهم حكم الرفع، لأنه خبر صحابي، شهد التنزيل، أخبر عن سبب نزول الآية، وقد خطب به عمر على المنبر، بحضرة كبار الصحابة وغيرهم، فلم ينقل عن أحد منهم إنكاره، وأراد عمر بنزول تحريم الخمر الآية المذكورة في سورة المائدة ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر .... ﴾ فأراد عمر التنبيه على أن المراد بالخمر في هذه الآية ليس خاصًا بالمتخذ من العنب، بل يتناول المتخذ من غير العنب، قال الحافظ: ويوافقه حديث أنس الذي رواه البخاري "قال أنس: كنت قائمًا على الحي أسقيهم الفضيخ، فجاء آت، فقال: إن الخمر قد حرمت. فقال أبو طلحة: قم يا أنس، فاهرقها، قال: فهرقتها" وفي رواية "أن أنس بن مالك حدثهم أن الخمر حرمت، والخمر يومئذ البسر والتمر" والفضيخ اسم للبسر إذا نبذ، والبسر الذي يحمر أو يصفر، قبل أن يترطب. وفي رواية عن أنس "وإنا نعدها يومئذ الخمر". فحديث أنس يدل على أن الصحابة فهموا من تحريم الخمر تحريم كل مسكر، سواء كان من العنب أم من غيرها، وقد جاء هذا الذي قاله عمر، عن النبي ﷺ صريحًا، أخرجه أصحاب السنن الأربعة، وصححه ابن حبان، فعند أبي داود وابن حبان، عن النعمان بن بشير، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الخمر من العصير والزبيب، والتمر والحنطة والشعير والذرة، وإني أنهاكم عن كل مسكر" ولأبي داود بلفظ "إن من العنب خمرًا، وإن من التمر خمرًا، وإن من العسل خمرًا، وإن من البر خمرًا، وإن من الشعير خمرًا" وكذا لأصحاب السنن. فعمر ﵁ على المنبر لم يكن في مقام تعريف اللغة، بل كان في مقام تعريف الحكم الشرعي، فكأنه قال: "الخمر الذي وقع تحريمه في لسان الشرع هو ما خامر العقل". ثم إن الحكم الشرعي ينزل على ما يعهده المخاطبون وقد أخرج البخاري عن ابن عمر ﵄ "نزل تحريم الخمر، وإن بالمدينة يومئذ خمسة أشربة، ما فيها شراب العنب". ماذا يقول الحنفية في هذه الأحاديث؟ جعل الطحاوي هذه الأحاديث متعارضة. حديث لأبي هريرة في صحيح مسلم "الخمر من هاتين الشجرتين، النخلة والعنبة" فكون الخمر من شيئين يعارض حديث عمر والنعمان بن بشير وابن عمر، وأنس يعد الخمر في البر والتمر. فلما اختلفت الصحابة في ذلك، ووجدنا اتفاق الأمة على أن عصير العنب إذا اشتد وغلي وقذف بالزبد، فهو خمر، ومستحله كافر، دل على أنهم لم يعملوا بحديث أبي هريرة، إذ لو عملوا به لكفروا مستحل نبيذ التمر، فثبت أنه لم يدخل في الخمر غير المتخذ من عصير العنب. اهـ. ورد عليه الحافظ ابن حجر بقوله: لا يلزم من كونهم لم يكفروا مستحل نبيذ التمر أن يمنعوا تسميته خمرًا، فقد يشترك الشيئان في التسمية، ويفترقان في بعض الأوصاف، مع أن الطحاوي يوافق على أن حكم المسكر من نبيذ التمر حكم قليل العنب في التحريم، فلم تبق المشاحة إلا في التسمية، والجمع بين حديث أبي هريرة وغيره بحمل حديث أبي هريرة على الغالب والكثير، وليس في

стр. 3693

أسلوبه قصر، وبحمل حديث عمر وحديث من وافقه على إرادة استيعاب ما هو معهود حينئذ أن يتخذ منه الخمر، وذكر بعض الأمور لا يتنافى مع ذكر الكل أو الأغلب. وقال صاحب الهداية من الحنفية: لنا إطباق أهل اللغة على تخصيص الخمر بالعنب. اهـ ورده الحافظ ابن حجر بثبوت النقل عن بعض أهل اللغة بأن غير المتخذ من العنب يسمى خمرًا. قال الخطابي: وزعم قوم أن العرب لا تعرف الخمر إلا من العنب، فقال لهم: إن الصحابة الذين سموا غير المتخذ من العنب خمرًا عرب فصحاء، فلو لم يكن هذا الاسم صحيحًا لما أطلقوه. وقال بعض الحنفية: إن الخمر من العنب، لقوله تعالى ﴿إني أراني أعصر خمرًا﴾ فهو يدل على أن الخمر ما يعتصر، لا ما ينتبذ، ورد بأنه لا يفيد القصر، ولا دليل فيه على الحصر. هذا. وفي الموضوع كلام آخر كثير، وسنعود إليه عند أحاديث كتاب الأشربة إن شاء الله، وإنما تعجلنا هذه العجالة لإلقاء الضوء على حد الخمر، هل يثبت على من شرب النبيذ، ولم يسكر؟ أو لا يثبت؟ قال النووي: اختلف العلماء فيمن شرب النبيذ - وهو ما سوى عصير العنب من الأنبذة المسكرة - فقال الشافعي ومالك وأحمد - رحمهم الله تعالى - وجماهير العلماء من السلف والخلف: هو حرام، يجلد فيه، كجلد شارب الخمر، الذي هو عصير العنب، سواء كان يعتقد إباحته، أو تحريمه، وقال أبو حنيفة والكوفيون - رحمهم الله تعالى - لا يحرم ولا يحد شاربه، وقال أبو ثور: هو حرام، يجلد بشربه من يعتقد تحريمه، دون من يعتقد إباحته. والهدف من أحاديث الباب بيان حد الخمر، وعنه قال النووي: واختلف العلماء في قدر حد الخمر، فقال الشافعي، وأبو ثور وداود وأهل الظاهر وآخرون: حده أربعون. قال الشافعي وللإمام أن يبلغ به ثمانين، وتكون الزيادة على الأربعين تعزيرات، على تسببه في إزالة عقله، وفي تعرضه للقذف والقتل، وأنواع الإيذاء، وترك الصلاة، وغير ذلك. ونقل القاضي عن الجمهور من السلف والفقهاء، منهم مالك وأبو حنيفة والأوزاعي والثوري وأحمد وإسحق أنهم قالوا: حده ثمانون، واحتجوا بأنه الذي استقر عليه إجماع الصحابة، وأن فعل النبي ﷺ لم يكن للتحديد، ولهذا قال في الرواية الأولى "نحو أربعين" وحجة الشافعي وموافقيه أن النبي ﷺ إنما جلد أربعين، كما صرح به في الرواية الثالثة، وأما زيادة عمر فتعزيرات، والتعزير إلى رأي الإمام، وأما الأربعون فهي الحد المقدر الذي لا بد منه، ولو كانت الزيادة حدًا لم يتركها النبي ﷺ وأبو بكر، ولم يتركها علي ﵁ بعد فعل عمر. ولهذا قال علي "وكل سنة" ومعناه الاقتصار على الأربعين، وبلوغ الثمانين سنة، قال النووي: وهذا الذي قاله الشافعي هو الظاهر الذي تقتضيه هذه الأحاديث، ولا يشكل شيء منها. اهـ. قال الحافظ ابن حجر: وفي سياق قصة استشارة عمر ما يقتضي أنهم كانوا يعرفون أن الحد أربعون، وإنما تشاوروا في أمر يحصل به الارتداع، يزيد على ما كان مقررًا، ويشير إلى ذلك ما وقع من التصريح في بعض طرقه أنهم احتقروا العقوبة، وانهمكوا في الشرب، فاقتضى رأيهم أن يضيفوا إلى

стр. 3694

الحد المذكور قدره، إما اجتهادًا، بناء على جواز دخول القياس في الحدود، فيكون الكل حدًا، أو استنبطوا من النص معنى يقتضي الزيادة في الحد، لا النقصان منه، أو القدر الذي زادوه كان على سبيل التعزير، تحذيرًا وتخويفًا، لأن من احتقر العقوبة إذا عرف أنها غلظت في حقه، كان أقرب إلى ارتداعه، فيحتمل أنهم ارتدعوا بذلك، ورجع الأمر إلى ما كان عليه قبل ذلك، فرأى علي ﵁ الرجوع إلى الحد المنصوص، وأعرض عن الزيادة، لانتفاء سببها، ويحتمل أن يكون القدر الزائد كان عندهم خاص بمن تمرد، وظهرت منه أمارات الاشتهار بالفجور، ويدل على ذلك أن في بعض الروايات عند الدارقطني وغيره "فكان عمر إذا أتي بالرجل الضعيف، تكون منه الزلة، جلده أربعين" وكذلك عثمان، جلد أربعين وثمانين. وقد فهم بعضهم من قول علي ﵁ في الرواية الخامسة "لأن رسول الله ﷺ لم يسنه" أن مراده لم يشرع في الخمر حدًا معينًا أصلاً، لا دون الأربعين ولا الزيادة عليها، قال المازري: لو فهم الصحابي أن النبي ﷺ حد في الخمر حدًا معينًا، لما قالوا فيه بالرأي، كما لم يقولوا بالرأي في غيره، فلعلهم فهموا أنه ضرب فيه باجتهاده في حق من ضربه. اهـ وقد يستأنس لهذا القول بما أخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير قال: "كان الذي يشرب الخمر يضربونه بأيديهم ونعالهم، فلما كان عمر فعل ذلك، حتى خشي، فجعله أربعين سوطًا، فلما رآهم لا يتناهون جعله ثمانين سوطًا". فظاهره أن عمر كان يضرب دون عدد، ثم جعله أربعين، وهذا الظاهر مستبعد، لورود النص بالأربعين في روايتنا الثانية، وإنما مراد رواية عبد الرزاق أن عمر جعل السوط آلة، بعد أن كان الضرب باليد والنعال، قال الحافظ ابن حجر: فيحمل النفي في قوله "لم يسنه" على أنه لم يحد الثمانين، أي لم يسن الثمانين وقيل: أي لم يسن شيئًا زائدًا على الأربعين، وعلى هذا فقوله، في روايتنا الخامسة "لو مات لوديته" أي لو مات بسبب ما زاد على الأربعين وبذلك جزم البيهقي وابن حزم، ويحتمل أن يكون الضمير في "لم يسنه" لصفة الضرب، وكونها بسوط الجلد، أي لم يسن الجلد بالسوط، وإنما كان يضرب فيه بالنعال وغيرها، أشار إلى ذلك البيهقي وابن حزم، وقال ابن حزم: لو جاء عن غير علي من الصحابة في حكم واحد أنه مسنون، وأنه غير مسنون، لوجب حمل أحدهما على غير ما حمل عليه الآخر، فضلاً عن علي، مع سعة علمه، وقوة فهمه، وإذا تعارض خبر عمير بن سعيد - روايتنا الخامسة - وخبر أبي ساسان - روايتنا الرابعة - فخبر أبي ساسان أولى بالقبول، لأنه مصرح فيه برفع الحديث عن علي، وخبر عمير موقوف على علي، وإذا تعارض المرفوع والموقوف قدم المرفوع. قال القاضي عياض: أجمعوا على وجوب الحد في الخمر، واختلفوا في تقديره. وتعقب بأن الطبري وابن المنذر وغيرهما حكوا عن طائفة من أهل العلم أن الخمر لا حد فيها، وإنما فيها التعزير، واستندوا إلى ما أخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج ومعمر: سئل ابن شهاب: كم جلد رسول الله ﷺ في الخمر؟ فقال: لم يكن فرض فيها حدًا، كان يأمر من حضره أن يضربوا بأيديهم ونعالهم حتى يقول لهم: "ارفعوا" وما أخرجه أبو داود والنسائي بسند قوي، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ لم يوقت في الخمر حدًا، قال ابن عباس: "وشرب رجل فسكر، فانطلق به إلى النبي ﷺ ، فلما حاذى دار العباس انفلت، فدخل على العباس، فالتزمه، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فضحك ولم يأمر فيه بشيء". وأخرج

стр. 3695

الطبري عن ابن عباس "ما ضرب رسول الله ﷺ في الخمر إلا أخيرًا، ولقد غزا تبوك، فغشي حجرته من الليل سكران، فقال: ليقم إليه رجل، فيأخذه بيده، حتى يرده إلى رحله". والجواب عن هذه الشبهة الواهية أن الإجماع انعقد بعد ذلك على وجوب الحد، لأن أبا بكر تحرى ما كان النبي ﷺ ضرب السكران، فصيره حدًا، واستمر عليه، وكذلك استمر من بعده، وإن اختلفوا في العدد، وجمع القرطبي بين الأخبار، بأنه لم يكن أولاً في شرب الخمر حد، وعلى ذلك يحمل حديث ابن عباس في الذي استجار بالعباس، ثم شرع فيه التعزير، على ما في سائر الأحاديث التي لا تقدير فيها، ثم شرع الحد، ولم يطلع أكثرهم على تعيينه صريحًا، مع اعتقادهم أن فيه الحد المعين، ومن هنا توخى أبو بكر ما فعل بحضرة النبي ﷺ ، فاستقر عليه الأمر، ثم رأى عمر ومن وافقه الزيادة على الأربعين، إما حدًا، وإما تعزيرًا. اهـ. أما كيفية الضرب ففي روايتنا الأولى "فجلده بجريدتين" وفي روايتنا الثالثة "كان يضرب في الخمر بالنعال والجريد" وفي رواية للبخاري عن أبي هريرة ﵁ قال "أتي النبي ﷺ برجل قد شرب، فقال: اضربوه. قال أبو هريرة: فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه". وقد اختلف في ذلك على ثلاثة أقوال، وهي ثلاثة أوجه عند الشافعية، أصحها يجوز الجلد بالسوط، ويجوز الاقتصار على الضرب بالأيدي والنعال والثياب، ثانيها يتعين الجلد، ثالثها يتعين الضرب. وحجة جواز الأمرين أن أحدهما فعل في عهد النبي ﷺ ، ولم يثبت نسخه، وفعل ثانيهما في عهد الصحابة فدل على جوازه، وأما تعين الجلد بالسوط فقد صرح به القاضي حسين من الشافعية، واحتج بأنه إجماع الصحابة، وتعقب بأنه لا يسلم فيه إجماع الصحابة، واعتبر النووي هذا القول شاذًا غلطًا ومنابذًا للأحاديث الصحيحة، وقال: أجمعوا على الاكتفاء بالجريد والنعال وأطراف الثياب. اهـ. وأما تعين الضرب، ومنع الجلد بالسوط فقد جاء عن الشافعي في الأم: لو أقام عليه الحد بالسوط فمات، وجبت الدية. اهـ فسوى بينه وبين ما إذا زاد، فدل على أن الأصل الضرب بغير السوط. قال الحافظ ابن حجر: وتوسط بعض المتأخرين، فعين السوط للمتمردين، وأطراف الثياب والنعال للضعفاء، ومن عداهم بحسب ما يليق بهم. وهو متجه. قال النووي: قال أصحابنا: وإذا ضربه بالسوط، يكون سوطًا معتدلاً في الحجم، بين القضيب والعصا، فإن ضربه بجريدة فلتكن خفيفة بين اليابسة والرطبة، ويضربه ضربًا بين ضربين، فلا يرفع يده فوق رأسه، ولا يكتفي بالوضع، بل يرفع ذراعه رفعًا معتدلاً. -[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]- ١ - يؤخذ من قول عبد الرحمن بن عوف في الرواية الثانية "أرى أن تجعلها كأخف الحدود" جواز القياس. ٢ - ومن فعل عمر ﵁ مشاورة القاضي والمفتي والحاكم أصحابه وحاضري مجلسه في الأحكام.

стр. 3696

٣ - ومن قول علي ﵁ في الرواية الرابعة "وكل سنة" أن فعل الصحابي سنة، يعمل بها، وهو موافق لقوله ﷺ "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ" قاله النووي. ٤ - وفي هذا دليل على أن عليًا ﵁ كان معظمًا لآثار عمر، وأن حكمه وقوله سنة، وأن أمره حق، وكذلك أبو بكر ﵃ جميعًا - وهذا يخالف ما عليه الشيعة. ٥ - استدل بقول علي ﵁ في الرواية الخامسة "إلا صاحب الخمر، لأنه إن مات وديته" على أن من وجب عليه الحد، فجلده الإمام أو جلاده الحد الشرعي، فمات، فلا دية فيه، ولا كفارة، لا على الإمام، ولا على جلاده، ولا في بيت المال، وأما من مات من التعزير فمذهب الشافعية وجوب ضمانه بالدية والكفارة، وفي محل ضمانه قولان للشافعي، أصحهما: تجب ديته على عاقلة الإمام، والكفارة في مال الإمام، والثاني تجب الدية في بيت المال، وفي الكفارة وجهان، في بيت المال، أو في مال الإمام. وقال جماهير العلماء: لا ضمان فيه، لا على الإمام، ولا على عاقلته، ولا في بيت المال. أما من مات في حد الخمر فمذهب علي ﵁ واضح وصريح، وقال الشافعي: إن ضرب بغير السوط فلا ضمان، وإن جلد بالسوط ضمن، قيل: الدية، وقيل: قدر تفاوت ما بين الجلد بالسوط وبغيره، والدية في ذلك على عاقلة الإمام، وكذلك لو مات فيما زاد على الأربعين. ٦ - وقد يستدل بالرواية الأولى والرابعة، وبما رواه البخاري عن عقبة بن الحارث قال: "جيء بالنعيمان شاربًا، فأمر النبي ﷺ من كان في البيت أن يضربوه. قال فضربوه، فكنت أنا فيمن ضربه بالنعال" قد يستدل بذلك على جواز إقامة الحد في البيت، خلافًا لمن قال: لا يضرب الحد سرًا، وقد ورد عن عمر في قصة ولده أبو شحمة، لما ضرب بمصر، فحده عمرو بن العاص في البيت، أن عمر أنكر عليه، وأحضره إلى المدينة، وضربه الحد جهرًا، روى ذلك ابن سعد، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن ابن عمر مطولاً. قال الحافظ ابن حجر: وجمهور أهل العلم على الاكتفاء، وحملوا صنيع عمر على المبالغة في تأديب ولده، لا أن إقامة الحد لا تصح إلا جهرًا. ٧ - ومن قول عثمان ﵁ في الرواية الرابعة "إنه لم يتقيأ حتى شربها" استدل لمالك وموافقيه على أن من تقيأ الخمر يحد حد الشارب. قال النووي: ومذهبنا أنه لا يحد بمجرد ذلك، لاحتمال أنه شربها جاهلاً كونها خمرًا، أو مكرها عليها، أو غير ذلك من الأعذار المسقطة للحدود. قال: ودليل مالك هنا قوي، لأن الصحابة اتفقوا على جلد الوليد بن عقبة المذكور في هذا الحديث، وقد يجيب أصحابنا عن هذا بأن عثمان ﵁ علم شرب الوليد، فقضى بعلمه في الحدود، وهذا تأويل ضعيف وظاهر كلام عثمان يرد على هذا التأويل. اهـ. ٨ - وقد يستدل بالرواية الأولى، وبرواية البخاري "جيء بالنعيمان، وهو سكران" على جواز إقامة الحد على السكران في حال سكره، وبه قال أهل الظاهر، والجمهور على خلافه، لأن المعنى المقصود بالضرب في الحد الإيلام، ليحصل به الردع.

стр. 3697

٩ - وفي هذه الأحاديث تحريم الخمر، ووجوب الحد على شاربها، سواء شرب كثيرًا أم قليلاً، وسواء سكر أم لا. (إضافة) ذكر الحافظ ابن حجر: أحاديث كثيرة تأمر بقتل شارب الخمر، إذا تكرر شربه خامسة، ونقد هذه الأحاديث نقدًا علميًا، ثم قال: مال الخطابي إلى تأويل الحديث في الأمر بالقتل، فقال: قد يرد الأمر بالوعيد، ولا يراد به وقوع الفعل، وإنما يراد الردع والتحذير، ثم قال: ويحتمل أن يكون القتل في الخامسة كان واجبًا، ثم نسخ بحصول الإجماع من الأمة، على أنه لا يقتل، وأما ابن المنذر فقال: كان العمل فيمن شرب الخمر أن يضرب وينكل به، ثم نسخ بالأمر بجلده، فإن تكرر ذلك أربعًا قتل، ثم نسخ ذلك بالأخبار الثابتة، وبإجماع أهل العلم، إلا من شذ، ممن لا يعد خلافه خلافًا. اهـ وهو يشير بذلك إلى بعض أهل الظاهر، وقد استمر على هذا القول ابن حزم، واستدل له، وادعى أن لا إجماع. ورد عليه الحافظ ابن حجر، بما لا يتسع له المقام. والله أعلم

стр. 3698

(٤٥١) باب قدر سوط التعزير ٣٩١٩ - عن أبي بردة الأنصاري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول "لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله". -[المعنى العام]- قدر الله عقوبات دنيوية لبعض المعاصي كالسرقة والزنا، والقذف والقتل، وسميت هذه العقوبات في الشريعة الإسلامية حدًا، وترك العقوبات الدنيوية لبعض الذنوب، ليقدرها ولاة الأمور حسب حالة المعصية وأثرها وظروفها، وحالة من عصي الله والناس بها، وسميت هذه العقوبات في الشريعة الإسلامية بالتعزيرات. ولما كانت المعاصي الأولى أكبر جرمًا - غالبًا - من الثانية كانت عقوبتها المقدرة أشد إيلامًا وإيذاء وتخويفًا، فكان الإرشاد الإلهي لمن يقوم بمعاقبة الجاني في المعاصي الثانية أن لا يبلغ بعقوبتها أقل العقوبات التي شرعت للمعاصي الأولى أو أن لا يزيد على عشرة أسواط، إذا جردنا هذه المعاصي عن الظروف والملابسات التي تستدعي مضاعفة العقوبات، على أن يؤدي التعزير إلى معالجة المعاصي وتأديب العاصي وتحذير وتخويف من تسول له نفسه الوقوع فيها. -[المباحث العربية]- (التعزير) مصدر عزره، بفتح العين وتشديد الزاي المفتوحة، أي منعه ورده وأدبه، يقال: عزره القاضي أي أدبه ودفعه ورده عن العودة إلى القبيح، ويكون بالفعل والقول، بحسب ما يليق. (لا يجلد أحد) قال النووي: ضبطوه بوجهين، أحدهما بفتح الياء وكسر اللام، والثاني بضم الياء وفتح اللام، وكلاهما صحيح. وهل الفعل مرفوع؟ و"لا" نافية؟ أو مجزوم؟ و"لا" ناهية؟ قولان، ويؤيد النهي رواية للبخاري بلفظ "لا تجلدوا". (فوق عشرة أسواط) في رواية "فوق عشر جلدات" وفي أخرى "لا عقوبة فوق عشر ضربات". (إلا في حد من حدود اللَّه) قال الحافظ ابن حجر: ظاهره أن المراد بالحد ما ورد فيه من الشارع عدد مخصوص من الجلد أو الضرب، أو ورد فيه عقوبة مخصوصة. قال: والمتفق عليه من ذلك

стр. 3699

الزنا والسرقة وشرب الخمر والحرابة والقذف بالزنا والقتل، واختلف في أشياء كثيرة، يستحق مرتكبها العقوبة، هل تسمى عقوبته حدًا؟ أو لا؟ منها جحد العارية، واللواط، والقذف بشرب الخمر، وترك الصلاة تكاسلاً. وذهب بعضهم إلى أن المراد بالحد في هذا الحديث حق الله، فيشمل كل معصية، فالحدود أوامر الله ونواهيه، وهي المراد بقوله تعالى ﴿ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون﴾ [البقرة: ٢٢٩] وبقوله ﴿فقد ظلم نفسه﴾ [الطلاق: ١] وقوله ﴿تلك حدود الله فلا تقربوها﴾ [البقرة: ١٨٧] وقوله ﴿ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارًا﴾ [النساء: ١٤] فمعنى الحديث على هذا، لا يزاد على عشرة أسواط إلا على معصية ومحرم، فيزاد عليها. -[فقه الحديث]- اختلف السلف في مدلول هذا الحديث، فأخذ بظاهره الليث وأحمد - في المشهور عنه - وإسحق وبعض الشافعية وأشهب من المالكية، وقالوا: لا تجوز الزيادة على عشرة أسواط. وقال الجمهور: تجوز الزيادة على العشر، ولكن إلى أي حد؟ اختلفوا. فقال الشافعي وجمهور أصحابه: لا يبلغ أدنى الحدود. واختلفوا. هل الاعتبار بحد الحر؟ فلا يبلغ في تعزير الحر أو العبد أربعين؟ أو الاعتبار بحد العبد؟ فلا يبلغ بالتعزير للحر أو العبد عشرين؟ أو لا يبلغ بتعزير كل إنسان أدنى حدوده؟ فلا يبلغ بتعزير الحر أربعين؟ ولا يبلغ بتعزير العبد عشرين؟ أقوال. وقال أبو حنيفة: لا يبلغ بالتعزير أربعين. وعن ابن أبي ليلى - في رواية - وأبي يوسف: لا يزاد على خمس وتسعين. وعن ابن أبي ليلى - في رواية - لا يزاد على خمس وسبعين، وهي رواية عن مالك. وعن عمر ﵁: لا يجاوز به ثمانين، وهي رواية عن مالك، وأبي يوسف. وعن عمر ﵁ أيضًا أنه كتب إلى أبي موسى: لا تجلد في التعزير أكثر من عشرين. وعن عثمان ﵁ ثلاثين، ومثله عن عمر. وعن عمر وابن مسعود أنه يبلغ بالتعزير مائة سوط. وعن مالك وأبي ثور وعطاء: لا يعزر إلا من تكرر منه، وأما من وقع منه معصية مرة واحدة، من المعاصي التي لا حد فيها، فلا يعزر. وقال ابن أبي ذؤيب وابن أبي يحيى: لا يضرب أكثر من ثلاثة في الأدب.

стр. 3700

وقال باقي الجمهور: التعزير إلى رأي الإمام بالغًا ما بلغ، ولا ضبط لعدد ضرباته، وهو اختيار أبي ثور. وأجاب الجمهور عن الحديث بأجوبة، منها: ١ - أن الحديث مقصور على الجلد، فلا يزاد فيه على العشر وأما الضرب بالعصا والجريد واليد، فيجوز الزيادة، لكن لا يبلغ أدنى الحدود. وهذا رأي الاصطرخي من الشافعية، قال الحافظ ابن حجر: وكأنه لم يقف على الرواية الواردة بلفظ الضرب. ٢ - ومنها أن الحديث منسوخ، دل على نسخه إجماع الصحابة، ورد بأنه قال به بعض التابعين. ٣ - ومنها معارضة الحديث بما هو أقوى منه، وهو الإجماع على أن التعزير يخالف الحدود. ٤ - ومنها أن التعزير موكول إلى رأي الإمام من حيث التشديد في الضرب أو التخفيف فيه، لا من حيث العدد. واللَّه أعلم

стр. 3701

(٤٥٢) باب الحدود كفارات لأهلها ٣٩٢٠ - عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في مجلس، فقال "تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا ولا تزنوا ولا تسرقوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق. فمن وفى منكم فأجره على الله. ومن أصاب شيئًا من ذلك فعوقب به فهو كفارة له. ومن أصاب شيئًا من ذلك فستره الله عليه فأمره إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه". ٣٩٢١ - وفي رواية عن الزهري بهذا الإسناد وزاد في الحديث فتلا علينا آية النساء ﴿أن لا يشركن بالله شيئًا﴾ الآية [الممتحنة/ ١٢]. ٣٩٢٢ - عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: أخذ علينا رسول الله ﷺ كما أخذ على النساء أن لا نشرك بالله شيئًا ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا يعضه بعضنا بعضًا "فمن وفى منكم فأجره على الله. ومن أتى منكم حدًا فأقيم عليه فهو كفارته. ومن ستره الله عليه فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له". ٣٩٢٣ - عن عبادة بن الصامت ﵁ أنه قال: إني لمن النقباء الذين بايعوا رسول الله ﷺ وقال: بايعناه على أن لا نشرك بالله شيئًا ولا نزني ولا نسرق ولا نقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا ننتهب ولا نعصي. فالجنة إن فعلنا ذلك. فإن غشينا من ذلك شيئًا كان قضاء ذلك إلى الله. وقال ابن رمح "كان قضاؤه إلى الله". -[المعنى العام]- خلق الله آدم وذريته ليعبدوه، ولا يشركوا به شيئًا، نعم كان قد خلق الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، يسبحون بحمده، ويقدسون له، بالليل والنهار لا يفترون، لكنه لحكمته أراد خلقًا يكافح غرائز وطباعًا، وهوى وشحًا مطاعًا، وشيطانًا وسواسًا، يأتيهم من بين أيديهم ومن خلفهم، وعن أيمانهم، وعن شمائلهم، ليزين لهم المعاصي ويغويهم.

стр. 3702

شرع الله لبني آدم الشرائع التي تصلح بها دنياهم وأخراهم، وأول هذه الفرائض أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، ولا يسرقوا، ولا يزنوا، ولا يقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأن يطيعوا الله فيما أمر، ولا يعصوه فيما نهى عنه وزجر. ولما كان الالتزام شاقًا وصعبًا، وكانت أخطار المعاصي ودوافعها البشرية غالبة، فتح الله باب تكفيرها، ومحوها وغفرانها بعد وقوعها، فشرع الحدود، لتكون رادعة لأمثال العاصي، مكفرة لذنب من عصى، وأنزل البلايا والمصائب، من الخوف والجوع والنقص من الأموال والأنفس والثمرات، فما من مسلم يصاب بمصيبة من هم ولا غم ولا حزن ولا أذى، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر له من خطاياه، ثم فتح للمسلم باب التوبة، يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، فمن تاب وآمن وعمل عملاً صالحًا، فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات، وفوق هذا وذلك أعلن أنه الغفور الرحيم، وقال في كتابه العزيز ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا إنه هو الغفور الرحيم﴾ [الزمر: ٥٣] وعلى هذا الأساس الإسلامي، والقانون الإلهي كان رسول الله ﷺ يبايع المسلمين والمسلمات. -[المباحث العربية]- (عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: كنا مع رسول اللَّه ﷺ في مجلس، فقال: تبايعوني .. ) عبادة بن الصامت شهد بيعة العقبة الأولى، وكان أحد النقباء في بيعة العقبة الثانية، وشهد بيعة ثالثة بعد الفتح، فبيعة العقبة الأولى كانت قبل الهجرة بثلاث سنوات، لما مات أبو طالب، وعرض الرسول ﷺ نفسه على أهل الطائف، فآذوه، أخذ يعرض نفسه على القبائل في موسم الحج، يكلم كل شريف قوم، يقول: هل من رجل يحملني إلى قومه؟ فيمنعني ممن يؤذيني، حتى أبلغ رسالة ربي؟ فإن قريشًا منعوني أن أبلغ رسالة ربي؟ فكان الناس يخافون قريشًا، فيتهربون منه حتى أتى مجلسًا فيه ستة نفر، من الأوس والخزرج، وهم الذين سماهم رسول الله ﷺ الأنصار، وكان فيهم عبادة بن الصامت، دعاهم إلى الإسلام، وتلا عليهم القرآن، وكانوا يعلمون من جيرانهم اليهود أن نبيًا يبعث الآن، فقال بعضهم لبعض: لا تسبقنا إليه اليهود، فآمنوا، وصدقوا، ووعدوه أن يخبروا قومهم، وأن يدعوا إلى الإسلام، وأن يعودوا إليه في العام المقبل، وواعدوه العقبة، فجاءوا في السنة الثانية في نحو سبعين رجلاً، قيل: ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان، فطلب منهم رسول الله ﷺ أن يخرجوا منهم اثنى عشر نقيبًا، يكونون كفلاء على قومهم، ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم. وكان عبادة بن الصامت أحد النقباء. قالوا: تكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ما أحببت، وأخذ البراء بن معرور بيده، يبايعه، فقال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم حين أقدم إليكم، وأسالم من سالمتم، وأحارب من حاربتم، وعلي السمع والطاعة في النشاط والكسل، وأن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وأسألكم لنفسي ولأصحابي أن تئوونا وتنصرونا. قالوا: فما لنا إن نحن فعلنا ذلك؟ قال لكم الجنة. قال العباس عمه، وكان معه: إن محمدًا منا من حيث علمتم، وقد منعناه، وهو في عز

стр. 3703

ومنعة، فإن كنتم تريدون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وذاك، وإلا فمن الآن؟ قالوا: قد بايعناه. البيعة الثالثة التي شهدها عبادة بيعة الرجال على مثل ما بويع عليه النساءٍ، المذكورة في سورة الممتحنة في قوله تعالى ﴿يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئًا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم﴾ [الممتحنة: ١٢]. وكانت هذه البيعة بعد الفتح، وحضرها عبادة بن الصامت، وروايات الباب تتحدث عن هذه البيعة الثالثة، لكن عبارة "إني لمن النقباء الذين بايعوا رسول الله ﷺ " الواردة في الرواية الثالثة، أوهمت أن المذكور في البيعة كان في بيعة العقبة الثانية، التي كان فيها عبادة نقيبًا، وليس كذلك، ففي ملحق الرواية الأولى قال "فتلا علينا آية النساء. أن لا يشركن بالله شيئًا" وعند النسائي "ألا تبايعونني على ما بايع عليه النساء؟ أن لا تشركوا بالله شيئًا .. " الحديث، وهناك روايات كثيرة تصرح بأن أحاديث الباب تتكلم عن البيعة التي كانت بعد فتح مكة، وإنما حصل الالتباس من جهة أن عبادة بن الصامت حضر البيعتين معًا، وكانت بيعة العقبة من أعظم ما يتمدح به، فكان يذكرها إذا حدث، تنويهًا بسابقيته، فلما ذكر هذه البيعة التي صدرت على مثل بيعة النساء عقب ذكر كونه أحد النقباء، توهم من لم يقف على حقيقة الحال أن بيعة العقبة وقعت على ذلك. والمبايعة عبارة عن المعاهدة، سميت بذلك تشبيهًا لها بالمعاوضة المالية. (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق) في الرواية الثانية "ولا نقتل أولادنا" قال بعضهم: خص القتل بالأولاد لأنه قتل وقطيعة رحم، فالعناية بالنهي عنه آكد، أي عناية بالأهم، ولأنه كان شائعًا فيهم، وهو وأد البنات، وقتل البنين خشية الإملاق، وقيل: خصهم بالذكر لضعفهم، لأنهم يعجزون عن الدفاع عن أنفسهم. (فمن وفى منكم فأجره على الله) "وفى" في رواية بتخفيف الفاء، وفي رواية بتشديدها وهما بمعنى، أي فمن ثبت على العهد فأجره على الله، ولم يحدد أجره، بل أطلق على سبيل التفخيم، وعبر بلفظ "على" للمبالغة في تحقق وقوعه كالواجبات، وليس للوجوب، فإن الله لا يجب عليه شيء، وقد بينت الرواية الثالثة هذا الأجر، ففيها "فالجنة إن فعلنا ذلك" وقال النووي: قال "فأجره على الله" في الرواية الأولى، ولم يقل: فالجنة، لأنه لم يقل في الرواية الأولى: ولا نعصي، وقد يعصي الإنسان بغير الذنوب المذكورة في هذا الحديث، كشرب الخمر، وأكل الربا وشهادة الزور، مع تجنب المعاصي المذكورة في الحديث، فيعطى أجره على الوفاء بما ذكر في الحديث. ويجازى على المعاصي الأخرى. اهـ أما الرواية الثالثة ففيها "ولا نعصي" فكان الأجر الجنة لمن وفى. (ومن أصاب شيئًا من ذلك) في الرواية الثالثة "فإن غشينا من ذلك شيئًا". (فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب شيئًا من ذلك، فستره الله عليه، فأمره إلى

стр. 3704

الله) الإشارة إلى المذكورات. الإشراك بالله، والزنا، والسرقة، وقتل النفس، أو قتل الأولاد على الرواية الثانية، زاد في الرواية الثانية "ولا يعضه بعضنا بعضًا" بفتح الياء والضاد، أي لا يؤذي بعضنا بعضًا، وقيل: لا يأتي بعضنا ببهتان على بعض، وقيل: لا يأتي بعضنا نميمة على بعض. وزاد في الرواية الثالثة "ولا ننتهب، ولا نعصي" والانتهاب أخذ مال الغير مواجهة، وفي رواية البخاري "ولا تعصوا في معروف" وفيها "ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم" والبهتان الكذب الذي يبهت سامعه وخص الأيدي والأرجل بالافتراء، لأن معظم الأفعال تقع بهما، ولأنها كانت العوامل والحوامل للمباشرة والسعي، وقد يعاقب الرجل بجناية قولية، ويقال: هذا بما كسبت يداك. ويحتمل أن يكون المراد: ولا تبهتوا الناس كفاحًا، وبعضكم يشاهد بعضًا، كما يقال: قلت كذا بين يدي فلان، أي بمشاهدته. فالعمدة الأيدي، وذكر الأرجل مبالغة وتأكيد، ويحتمل أن يراد بما بين الأيدي والأرجل القلب، لأنه الذي تترجم الجوارح عنه، وقيل: أصل هذا كان في بيعة النساء، وكني بذلك عن نسبة المرأة الولد الذي تزني به، أو تلتقطه إلى زوجها، فجيء به كما هو لبيعة الرجال، وأريد به مطلق الافتراء. فهل الإشارة إلى كل تلك المعاصي، ما كانت منها ذات حد، وما لم تكن ذات حد؟ ظاهر الرواية الثانية أن المراد ذوات الحدود وأن المراد بالعقوبة الدنيوية إقامة الحد، ولفظها "ومن أتى منكم حدًا، فأقيم عليه، فهو كفارته" على أن يستثنى من ذلك الشرك، لأن المرتد إذا قتل على ارتداده لا يكون القتل كفارة له، لهذا قيل: الإشارة لذوات الحدود المذكورة بعد الشرك، بقرينة أن المخاطب بذلك المسلمون. وظاهر الروايات الأخرى أن الإشارة للمعاصي المذكورة، ذات الحدود وغيرها، ويشملها لفظ "ولا نعصي" في الرواية الثالثة، فالمراد بالعقوبة الدنيوية ما هو أعم من الحدود من نحو البلايا والمصائب التي تصيب، والرواية الأولى تعرضت لأمرين: معصية عوقب بها في الدنيا بالحد أو بالبلاء مع الستر فالله أكرم من أن يعاقبه على ذنب مرتين، ومعصية سترها الله، ولم يعاقب عليها في الدنيا بالبلاء، فأمر عقوبتها يوم القيامة إلى الله، وعلى هذا فالمراد من قوله في الرواية الثانية "ومن ستره الله عليه، فأمره إلى الله" أي من ستره الله عليه، ولم يعاقبه في الدنيا بالآلام والأسقام، فأمره إلى الله. أما الرواية الثالثة فقد أشارت إلى الحالة الأخيرة فقط، وهي المعصية مع الستر، وعدم العقوبة في الدنيا. -[فقه الحديث]- قال القاضي عياض: ذهب أكثر العلماء إلى أن الحدود كفارات، واستدلوا بهذه الأحاديث، ومنهم من توقف، لحديث أبي هريرة [وقد أخرجه الحاكم في المستدرك والبزار، وهو صحيح على شرط

стр. 3705

الشيخين] أن النبي ﷺ قال: "لا أدري. الحدود كفارة لأهلها أم لا" لكن حديث عبادة أصح إسنادًا، ويمكن (للجمع بينهما) أن يكون حديث أبي هريرة ورد أولاً، قبل أن يعلمه الله، ثم أعلمه بعد ذلك. اهـ وهذا على أن أبا هريرة سمع الحديث من صحابي آخر، فقد كان إسلام أبي هريرة عام خيبر، وعلى أنه لم يسمع بعد ذلك من النبي ﷺ ، أن الحدود كفارة. قال الحافظ ابن حجر: ولا وجه للتوقف في كون الحدود كفارة، ولم ينفرد عبادة برواية هذا المعنى بل روي عن علي ﵁ مرفوعًا، "من أصاب ذنبًا، فعوقب به في الدنيا، فالله أكرم من أن يثني العقوبة على عبده في الآخرة"، رواه الترمذي وصححه الحاكم، وعند أحمد بإسناد حسن عن خزيمة بن ثابت، مرفوعًا "من أصاب ذنبًا، أقيم عليه ذلك الذنب، فهو كفارة له" وللطبراني عن ابن عمرو، مرفوعًا "ما عوقب رجل على ذنب، إلا جعله الله كفارة لما أصاب من ذلك الذنب". وقال المازري: وفي الحديث رد على الخوارج الذين يكفرون بالذنوب، ورد على المعتزلة الذين يوجبون تعذيب الفاسق، إذا مات بلا توبة، فقوله ﷺ "إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه" يشمل من تاب من ذلك، ومن لم يتب، والجمهور على أن من تاب لا يبقى عليه مؤاخذة، ومع ذلك فلا يأمن مكر الله، لأنه لا اطلاع له على قبول توبته أو عدم قبولها. وقيل: يفرق بين ما يجب فيه الحد، وما لا يجب، واختلف في من أتى ما يوجب الحد، فقيل: يجوز أن يتوب سرًا، ويكفيه ذلك، وقيل: بل الأفضل أن يأتي الإمام، ويعترف، ويطلب أن يقيم عليه الحد، كما وقع لماعز والغامدية، وفصل بعض العلماء بين المعلن بالفجور، فيستحب أن يعلن توبته، وإلا فلا. وحكى ابن التين عن بعضهم أن قتل القاتل إنما هو رادع لغيره، وأما في الآخرة فالطلب للمقتول قائم، لأنه لم يصل إليه حق. قال الحافظ ابن حجر: بل وصل إليه حق، وأي حق؟ فإن المقتول ظلمًا تكفر ذنوبه بالقتل، كما ورد في الخبر الذي صححه ابن حبان وغيره "إن السيف محاء للخطايا" وعند الطبراني "إذا جاء القتل محا كل شيء" وللبزار "لا يمر القتل بشيء إلا محاه" فلولا القتل ما كفرت ذنوبه، وأي حق يصل إليه أعظم من هذا؟ ولو أن حد القتل شرع للردع فقط لم يشرع العفو عن القاتل. اهـ. وعندي أن قتل القاتل هو رادع لغيره بالدرجة الأولى، لقوله تعالى ﴿ولكم في القصاص حياة﴾ [البقرة: ١٧٩] وشفاء لصدور أولياء المقتول بالدرجة الثانية، ولا يستفيد المقتول نفسه شيئًا بقتل القاتل، وما ذكره الحافظ ابن حجر هو أجر المقتول ظلمًا من عند الله على سبيل الفضل، وهذا حاصل، سواء قتل القاتل أم لا، فليس قتل القاتل مكفرًا لذنب من قتله، وفي تكفيره لذنب نفسه نظر، لأنه لم يقتل مظلومًا، بل ظالمًا. والله أعلم. وقال الطيبي: في الحديث إشارة إلى الكف عن الشهادة بالنار على أحد، أو بالجنة لأحد، إلا ما ورد النص فيه بعينه. واللَّه أعلم

стр. 3706

(٤٥٣) باب جرح العجماء جبار، والمعدن، والبئر ٣٩٢٤ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال "العجماء جرحها جبار. والبئر جبار. والمعدن جبار. وفي الركاز الخمس". ٣٩٢٥ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: البئر جرحها جبار. والمعدن جرحه جبار. والعجماء جرحها جبار. وفي الركاز الخمس". -[المعنى العام]- ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦] و ﴿كل نفس بما كسبت رهينة﴾ [المدثر: ٣٨]. ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ [فاطر: ١٨] قانون سماوي أقيمت على أساسه الحدود والتعزيرات والضمانات، وبنيت عليه قواعد هذا الحديث الشريف. إن مسئولية الإضرار بالآخرين مرتبة بفعل تفعله غير مأذون فيه شرعًا، فإن وقع ضرر لغيرك بسب لست مسئولا عنه، فلا ضمان عليك، ولا مسئولية. لقد كانت البهائم في الماضي لا تحبس ولا تربط نهارًا، وكانت الأرض كلأ مباحًا، إلا ما أحيط منها بحائط يحفظها، ويحميها من الدواب، وكانت الدواب تأوي إلى مالكيها في الليل يعلفونها، ويحلبون لبنها، ويراعون رضيعها، فكان حفظ الحوائط في النهار على أهلها، وحفظ الماشية في الليل على أهلها، وكان ما أتلفت البهائم دون تقصير من صاحبها هدرًا لا ضمان فيه، وكان البئر المأذون فيه، والذي يستسقى منه بعامة، أو يحفر في ملك المالك، فيستسقى منه خاصة، إذا وقع فيه إنسان، أو هلك فيه شيء، هدرًا لا ضمان فيه على الحافر ولا على المالك، وكذا كل حفرة، مأذون بحفرها شرعًا، إذا تلف فيها شيء، دون تسبب أو تقصير، لا ضمان له، وإذا كان الضدان يتلازمان ذكرًا، تلازم الليل والنهار، والنور والإظلام، كان الضمان والنفع يتلازمان ذكرًا أيضًا، فقرن الحديث بين الضمان وبين الركاز فذكر حكم كل قرين.

стр. 3707

-[المباحث العربية]- (العجماء جرحها جبار) "العجماء" بفتح العين وسكون الجيم وبالمد، تأنيث أعجم، وهي البهيمة، ويقال أيضًا لكل حيوان غير الإنسان، ويقال لمن لا يفصح، والمراد هنا الأول. قيل: سميت البهيمة عجماء لأنها لا تتكلم. و"جرحها" بفتح الجيم لا غير، كما نقله في النهاية عن الأزهري، والمراد بجرحها ما يحصل منها من الإتلاف، فليس الحكم قاصرًا على الجراحة، بل كل الإتلافات ملحقة بها، وإنما عبر بالجرح لأنه الأغلب، أو هو مثال، نبه به على ما عداه، والحكم على جميع الإتلافات بها سواء كان على نفس أو مال. وفي رواية للبخاري "العجماء عقلها جبار" والمراد بالعقل الدية، أي لا دية فيما تتلفه، وفي رواية عند أحمد والبزار "السائمة جبار" وفيها إشعار بأن المراد بالعجماء البهيمة التي ترعى في كلأ مباح ولا تعلف، كما في الزكاة، لكنه ليس مقصودًا هنا. ومعنى "جبار" بضم الجيم، أي هدر، لا غرامة فيه، ولا ضمان. (والبئر جبار) وفي الرواية الثانية "البئر جرحها جبار" والمراد بجرحها إتلافها كما سبق، والبئر بكسر الباء وسكون الهمزة، ويجوز تسهيلها إلى الياء، وهي مؤنثة، ويجوز تذكيرها على معنى القليب والطوي، والجمع أبؤر، وآبار. (والمعدن جبار) معناه أن الرجل يحفر معدنًا في ملكه أو في موات، وفي الرواية الثانية "والمعدن جرحه جبار" والمراد الحفر التي تحفر في المعادن كالحديد والنحاس والذهب والفضة والرصاص، لقطعها واستخراجها. (وفي الركاز الخمس) "الركاز" بكسر الراء وتخفيف الكاف آخره زاي، المال المدفون، مأخوذ من الركز بفتح الراء، يقال: ركزه ركزًا، إذا دفنه، فهو مركوز، وفي المراد منه هنا خلاف يأتي في فقه الحديث. -[فقه الحديث]- قال النووي: "العجماء جرحها جبار" محمول على ما إذا أتلفت شيئًا بالنهار أو بالليل، بغير تفريط من مالكها، أو أتلفت شيئًا وليس معها أحد، فهذا غير مضمون، وهو مراد الحديث، فأما إذا كان معها سائق أو قائد أو راكب، فأتلفت بيدها أو برجلها أو فمها ونحوه، وجب ضمانه في مال الذي هو معها، سواء كان مالكًا، أو مستأجرًا، أو مستعيرًا، أو غاصبًا، أو مودعًا، أو وكيلا، أو غيره، إلا أن تتلف آدميًا فتجب ديته على عاقلة الذي معها، والكفارة في ماله.

стр. 3708

قال القاضي عياض: أجمع العلماء على أن جناية البهائم بالنهار لا ضمان فيها، إذا لم يكن معها أحد، فإن كان معها أحد راكب أو سائق أو قائد فجمهور العلماء على ضمان ما أتلفته، وقال داود وأهل الظاهر: لا ضمان بكل حال، إلا أن يحملها الذي هو معها على ذلك، أو يقصده، كان يلوي عنانها نحو شيء فتتلفه، أو يطعنها عند شيء فتفزع وتتلف، وجمهور العلماء على أن الضارية من الدواب - أي المؤذية العنيفة - كغيرها على ما ذكرناه، وقال مالك وأصحابه: يضمن مالكها ما أتلفت، وكذا قال أصحاب الشافعي: يضمن إذا كانت معروفة بالإفساد، لأن عليه ربطها والحالة هذه. وأما إذا أتلفت ليلا فقال مالك: يضمن صاحبها ما أتلفته، وقال الشافعي وأصحابه: يضمن إن فرط في حفظها، وإلا فلا، وقال أبو حنيفة: لا ضمان فيما أتلفته البهائم، لا في ليل ولا في نهار، وجمهورهم على أنه لا ضمان فيما رعته نهارًا، وقال الليث وسحنون: يضمن. اهـ واستدل الحنفية والظاهرية بالحديث على أنه لا يفرق في إتلاف البهيمة للزروع وغيرها في الليل والنهار، فحملوه على عمومه، مع أنهم لا يقولون بالعموم، فالظاهرية استثنوا ما إذا حملها راكبها أو سائقها على ذلك، كما سبق، والحنفية فرقوا فيما أصابت الدابة بيدها، أو رجلها، فقالوا: لا يضمن الراكب ما أصابت برجلها وذنبها، ولو كانت الإصابة بسببه، ويضمن ما أصابت بيدها أو فمها، واحتج لهم الطحاوي بأنه لا يمكن للراكب أن يتحفظ من الرجل والذنب، لأنه لا سلطان له عليهما، بخلاف اليد والفم، فإنه يمكنه منعها منهما باللجام ونحوه، بل بعض الحنفية فرقوا بين الراكب والسائق، فقالوا: يضمن السائق لما أصابت برجلها أو يدها، لأن ضربة الرجل بمرأى عينه، فيمكنه الاحتراز عنها. واستند الحنفية إلى حديث و"الرجل جبار" أخرجه الدارقطني، وهو ضعيف، وهذه الزيادة وهم. وعلى فرض صحته فالمراد بالرجل الدابة كلها. وعلى هذا فالحديث ليس على عمومه عند الجميع، وحجة الشافعية في عدم الفرق بين ما أتلفت بيدها أو برجلها وإذا كان معها راكب أو سائق أو لا إن الإتلاف لا فرق فيه بين العمد وغيره، ومن هو مع البهيمة حاكم عليها، فهي كالآلة بيده، ففعلها منسوب إليه، سواء حملها عليه أم لا، سواء علم به أم لا، ولهذه الحجة لا يفرقن بين ما أتلفته ليلا أو نهارًا، إذا كان معها سائق أو راكب، أما إذا لم يكن معها أحد، فهم يفرقون بين ما أتلفت نهارًا، فهو جبار، وأما أتلفت ليلا، ففيه الضمان، لأن على مالكها حفظها ليلا، فإذا أتلفت ليلا فمن تقصيره في حفظها، ويستدلون على ذلك بما أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه، من أن البراء بن عازب كانت له ناقة ضاربة، فدخلت حائطًا، فأفسدت فيه، فقضى رسول الله ﷺ أن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها، وأن حفظ الماشية بالليل على أهلها، وأن على أهل المواشي ما أصابت ماشيتهم بالليل". والشافعية في ذلك يحكمون العرف، إذ قالوا: إذا جرت عادة القوم إرسال المواشي ليلا، وحبسها نهارًا، انعكس الحكم على الأصح، متبعين في ذلك المعنى وحكمة التشريع، قالوا: ونظيره القسم بين الزوجات، لو كان الزوج يتكسب ليلا، ويأتي إلى أهله نهارًا، انعكس الحكم في حقه، مع أن عماد

стр. 3709

القسم الليل، نعم لو اضطربت العادة في بعض البلاد، فكان بعضهم يرسلها ليلاً، وبعضهم يرسلها نهارًا، فإنه يقضي بما دل عليه الحديث. وأما البئر فقد قال أبو عبيد، المراد بها هنا البئر العادية القديمة، التي لا يعلم لها مالك، تكون في البادية فيقع فيها إنسان أو دابة، فلا شيء في ذلك على أحد، وكذلك لو حفر بئرًا في ملكه، أو في موات، فوقع فيها إنسان أو غيره، فتلف، فلا ضمان، إذا لم يكن منه تسبب إلى ذلك، ولا تغرير، وكذا لو استأجر إنسانًا ليحفر له البئر، فانهارت عليه، فلا ضمان، وأما من حفر بئرًا في طريق المسلمين، أو في ملك غيره، بغير إذن، فتلف بها إنسان فإنه يجب ضمانه على عاقلة الحافر، والكفارة في ماله، وإن تلف بها غير آدمي وجب ضمانه في مال الحافر، ويلتحق بالبئر كل حفرة، على التفصيل المذكور. قال ابن بطال: وخالف الحنفية في ذلك، فضمنوا حافر البئر مطلقًا، قياسًا على راكب الدابة، ولا قياس مع النص. وأما المعدن: فحكمه حكم البئر في كل ما ذكر. ويمكن أن يلحق بالبئر والمعدن في ذلك كل أجير على عمل، كمن استؤجر على صعود نخلة، فسقط منها فمات، كما يلحق بذلك كل جماد، كمن أوقد نارًا، مما يجوز له، فتعدت، حتى أتلفت شيئًا، فلا ضمان عليه، ولو أن شخصًا عثر، فوقع رأسه في جدار فمات، أو انكسر لم يجب على صاحب الجدار شيء. وأما الركاز: فقد قال النووي: في الحديث تصريح بوجوب الخمس فيه، وهو زكاة عندنا، والركاز عندنا هو دفين الجاهلية، وهذا مذهبنا ومذهب أهل الحجاز وجمهور العلماء، وقال أبو حنيفة وغيره من أهل العراق: هو المعدن. وهما عندهم لفظان مترادفان، وهذا الحديث يرد عليهم، لأن النبي ﷺ فرق بينهما، وعطف أحدهما على الآخر. اهـ وقد روي عن مالك أنه قال: الركاز دفن الجاهلية، الذي يؤخذ من غير أن يطلب بمال، ولا يتكلف له كثير عمل. واللَّه أعلم

стр. 3710

فتح المنعم شرح صحيح مسلم كتاب الأقضية - كتاب اللقطة - كتاب الجهاد والسير - كتاب الإمارة - كتاب الصيد والذبائح الجزء السابع الأستاذ الدكتور موسى شاهين لاشين دار الشروق

стр. 3711

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3712

فتح المنعم شرح صحيح مسلم ٧ -

стр. 3713

جميع حقوق النشر والطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤٢٣ - هـ - ٢٠٠٢ م دار الشروق القاهرة: ٨ شارع سيبويه المصري -رابعة العدوية- مدينة نصر ص. ب.: ٣٣ البانوراما -تليفون: ٤٠٢٣٣٩٩ - فاكس: ٤٠٣٧٥٦٧ (٢٠٢) e-mail: dar@ shorouk.com - www.shorouk.com بيروت: ص. ب.: ٨٠٦٤ - هاتف: ٣١٥٨٥٩ - ٨١٧٢١٣ - فاكس: ٣١٥٨٥٩ ١ (٩٦١)

стр. 3714

كتاب الأقضية

стр. 3715

(٤٥٤) باب اليمين ٣٩٢٦ - عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه". ٣٩٢٧ - عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قضى باليمين على المدعى عليه. ٣٩٢٨ - عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قضى بيمين وشاهد. -[المعنى العام]- من الناس من يخاف الله ويتقى الحرام بل والشبهات ومنهم من لا يبالي في كسبه من حلال أم من حرام بل من يتعمد أخذ الحرام والتحايل على الاستيلاء على الحرام فمن للمدعى عليه المظلوم يحميه من ادعاء الظالم؟ وما هي الوسائل التي يحفظ بها القاضي حقوق الناس؟ إن القرآن الكريم طلب من صاحب الحق المدعي أن يقدم البينة شاهدين من الرجال فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى فماذا إذا لم يجد المدعي إلا شاهدا واحدا؟ ولم يجد امرأتين معه؟ بين الحديث أن يمين المدعي مع الشاهد الواحد يقوم مقام الشاهد الآخر أو مقام المرأتين وماذا لو لم يجد المدعي إلا شاهدا واحدا؟ لا يثبت له حق في دعواه إلا بأحد أمرين إما بالشهود وإما بإقرار المدعى عليه ولولا هذين القيدين لاستبيحت الدماء والأموال بالادعاءات الكاذبة الباطلة وهل للمدعي حق مطلق في طلب يمين المدعى عليه لبراءته مما ادعى عليه؟ جمهور العلماء على ذلك على أساس أن المدعى عليه مهما كان وفي جميع الأحوال تلوثت ذمته بالاتهام والادعاء ولا تبرأ ذمته ولا تنقى ساحته إلا بيمينه ثم له بعد ذلك أن يرفع إلى القضاء طلبا برد الشرف أو تعويض الإساءة أما المالكية فيرون أن المدعي لا يستجاب لطلبه يمين المدعى عليه إلا إذا استقر عند الحاكم علاقة بينهما تجيز هذه الدعوى لئلا يمتهن السفهاء أهل الفضل والعظماء وذوات الخدور بكثرة الادعاءات وعلى القاضي أن يكون خبيرا بصيرا حكيما يضع الأمور في نصابها والله المستعان.
следующие страницы →