← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.

стр. 3711

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3712

فتح المنعم شرح صحيح مسلم ٧ -

стр. 3713

جميع حقوق النشر والطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤٢٣ - هـ - ٢٠٠٢ م دار الشروق القاهرة: ٨ شارع سيبويه المصري -رابعة العدوية- مدينة نصر ص. ب.: ٣٣ البانوراما -تليفون: ٤٠٢٣٣٩٩ - فاكس: ٤٠٣٧٥٦٧ (٢٠٢) e-mail: dar@ shorouk.com - www.shorouk.com بيروت: ص. ب.: ٨٠٦٤ - هاتف: ٣١٥٨٥٩ - ٨١٧٢١٣ - فاكس: ٣١٥٨٥٩ ١ (٩٦١)

стр. 3714

كتاب الأقضية

стр. 3715

(٤٥٤) باب اليمين ٣٩٢٦ - عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه". ٣٩٢٧ - عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قضى باليمين على المدعى عليه. ٣٩٢٨ - عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قضى بيمين وشاهد. -[المعنى العام]- من الناس من يخاف الله ويتقى الحرام بل والشبهات ومنهم من لا يبالي في كسبه من حلال أم من حرام بل من يتعمد أخذ الحرام والتحايل على الاستيلاء على الحرام فمن للمدعى عليه المظلوم يحميه من ادعاء الظالم؟ وما هي الوسائل التي يحفظ بها القاضي حقوق الناس؟ إن القرآن الكريم طلب من صاحب الحق المدعي أن يقدم البينة شاهدين من الرجال فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى فماذا إذا لم يجد المدعي إلا شاهدا واحدا؟ ولم يجد امرأتين معه؟ بين الحديث أن يمين المدعي مع الشاهد الواحد يقوم مقام الشاهد الآخر أو مقام المرأتين وماذا لو لم يجد المدعي إلا شاهدا واحدا؟ لا يثبت له حق في دعواه إلا بأحد أمرين إما بالشهود وإما بإقرار المدعى عليه ولولا هذين القيدين لاستبيحت الدماء والأموال بالادعاءات الكاذبة الباطلة وهل للمدعي حق مطلق في طلب يمين المدعى عليه لبراءته مما ادعى عليه؟ جمهور العلماء على ذلك على أساس أن المدعى عليه مهما كان وفي جميع الأحوال تلوثت ذمته بالاتهام والادعاء ولا تبرأ ذمته ولا تنقى ساحته إلا بيمينه ثم له بعد ذلك أن يرفع إلى القضاء طلبا برد الشرف أو تعويض الإساءة أما المالكية فيرون أن المدعي لا يستجاب لطلبه يمين المدعى عليه إلا إذا استقر عند الحاكم علاقة بينهما تجيز هذه الدعوى لئلا يمتهن السفهاء أهل الفضل والعظماء وذوات الخدور بكثرة الادعاءات وعلى القاضي أن يكون خبيرا بصيرا حكيما يضع الأمور في نصابها والله المستعان.

стр. 3716

-[المباحث العربية]- (الأقضية) القضاء في الأصل إحكام الشيء وانتهاؤه والفراغ منه ويكون بمعنى الحكم فمن الأول قوله تعالى ﴿فلما قضى موسى الأجل﴾ [القصص: ٢٩] ومن الثاني قوله تعالى ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين﴾ [الإسراء: ٤] وسمي القاضي قاضيا لأنه يدرس القضية ويصدر الحكم فيها ويكون بمعنى الإيجاب يقال: قضى بمعنى أوجب فيجوز أن يسمى قاضيا لإيجابه الحكم على من حكم عليه. فالقاضي يجمع بين المعاني الثلاثة يدرس المسألة وينتهي منها وينهيها ثم يصدر حكمه ثم يوجبه ويسمى القاضي حاكما وقراره حكما لمنعه الظالم من الظلم يقال: حكمت الرجل وأحكمته إذا منعته وسميت حكمة الدابة - بفتح الحاء والكاف لمنعها من الانفلات وسميت الحكمة حكمة -بكسر الحاء وسكون الكاف- لمنعها النفس من هواها. (لو يعطى الناس بدعواهم) أي لو يعطى الناس ما يدعونه على الآخرين لمجرد دعواهم بدون دليل. (لادعى ناس دماء رجال وأموالهم) عرف الناس في الأول للاستغراق ونكره في الثاني لصدقه على البعض المبهم والمعنى: لو أعطى كل أحد ما يدعيه لادعى بعض الناس ما ليس له وليس المقصود نفي الادعاء بل المقصود نفي التمكن والاستيلاء على دماء الغير وأموالهم فالمعنى: لو يعطى الناس ما يدعون لمجرد دعواهم لتمكن ناس واستولوا على حقوق غيرهم. (ولكن اليمين على المدعى عليه) أي ولكن يرد دعوى المدعي -إذا لم يكن له بينة- يمين المدعى عليه وهل العبارة تقصر اليمين على المدعى عليه دون المدعي فلا يحكم له بشاهد ويمين؟ أولا تقصر؟ خلاف يأتي في فقه الحديث واختلف الفقهاء في تعريف المدعي والمدعى عليه قال الحافظ ابن حجر: والمشهور فيه تعريفان: الأول: المدعي من يخالف قوله الظاهر والمدعى عليه بخلافه والثاني: من إذا سكت ترك وسكوته والمدعى عليه من لا يخلى سبيله إذا سكت والأول أشهر والثاني أسلم وقد أورد على الأول بأن المودع إذا ما ادعى الرد أو التلف فإن دعواه تخالف الظاهر ومع ذلك فالقول قوله. (قضى بيمين وشاهد) أي قضى للمدعي الذي ليس لديه إلا شاهد واحد أن يقوم يمينه مقام الشاهد الثاني فلم يعد اليمين في القضاء مقصورا على المدعى عليه وسيأتي تفصيل الحكم في فقه الحديث. -[فقه الحديث]- يقول النووي عن الرواية الأولى والثانية: هذا الحديث قاعدة كبيرة من قواعد أحكام الشرع ففيه

стр. 3717

أنه لا يقبل قول الإنسان فيما يدعيه بمجرد دعواه بل يحتاج إلى بينة أو تصديق المدعى عليه فإن طلب يمين المدعى عليه فله ذلك. وقد بين ﷺ الحكمة في كونه لا يعطى بمجرد دعواه لأنه لو كان يعطى بمجردها لادعى قوم دماء قوم وأموالهم ولا يمكن للمدعى عليه أن يصون ماله ودمه وأما المدعي فيمكنه صيانتها بالبينة. اهـ. وقد وضح بعض العلماء الحكمة في ذلك فقال: لأن جانب المدعي ضعيف لأنه يقول خلاف الظاهر فكلف الحجة القوية وهي البينة لأنها لا تجلب لنفسها نفعا ولا تدفع عنها ضررا فيقوى بها ضعف المدعي وجانب المدعى عليه قوي لأن الأصل فراغ ذمته فاكتفى منه باليمين وهي حجة ضعيفة لأن الحالف يجلب لنفسه النفع ويدفع الضرر فكان ذلك في غاية الحكمة. وهذا الذي ذكره النووي لا خلاف فيه بالنسبة للنقطة الأولى (لا يقبل قول المدعي بمجرد دعواه) أما النقطة الثانية وهي (أن للمدعي طلب يمين المدعى عليه مطلقا) ففيها خلاف ولذلك قال: وفي هذا الحديث دلالة لمذهب الشافعي والجمهور من سلف الأمة وخلفها أن اليمين توجه على كل من ادعى عليه حق سواء كان بينه وبينه اختلاط أم لا وقال مالك وجمهور أصحابه والفقهاء السبعة فقهاء المدينة: أن اليمين لا تتوجه إلى المدعى عليه إلا إذا كان بينه وبين المدعي خلطة (أي علاقة معاملة أو شبهة أو صلاحية معاملة) لئلا يبتذل السفهاء أهل الفضل بتحليفهم مرارا في اليوم الواحد فاشترطت الخلطة دفعا لهذه المفسدة واختلفوا في تفسير الخلطة فقيل: هي معرفته بمعاملته ومدينته وقيل: تكفي الشبهة وقيل: هي أن تليق به الدعوى بمثلها على مثله وقيل: أن يليق به أن يعامله بمثلها قال: ودليل الجمهور حديث الباب ولا أصل لا شتراط الخلطة في كتاب ولا سنة ولا إجماع. اهـ. ولست مع النووي ولا مع الجمهور في ذلك والنصوص تقيد وتخصص بالقرائن وليس من الحكمة أن يقف رئيس الدولة أو سيدات المجتمع المخدرات أمام القضاء للحلف كلما ادعى عليهم صعلوك بأمر ما ويعجبني قول الاصطخرى من الشافعية: إن قرائن الحال إذا شهدت بكذب المدعي لم يلتفت إلى دعواه. اهـ. ثم إن الكوفيين خصصوا اليمين على المدعى عليه في الأموال دون الحدود واستثنى مالك النكاح والطلاق والعتاق والفدية فقال: لا يجب في شيء منها اليمين حتى يقيم المدعي البينة ولو شاهدا واحدا. فتعميم الشافعية للحديث في الأفراد والأموال والحدود والنكاح ونحوه لا يخلو من تعقيب. وقد استدل بالحديث في قوله "ولكن اليمين على المدعى عليه" بأن المدعي لا يحلف استظهارا مع بينته ولا يحلف مع شاهد بدلا من الشاهد الثاني، وهي قضية الرواية الثالثة. ولكن هذه العبارة لا قصر فيها حتى يثبت الحكم للمذكور وينفي عما عداه. وعبارة

стр. 3718

الرواية الثالثة صريحة في قبول شاهد واحد ويمين ويمنع الحنفية والشعبي والحكم والأوزاعي والليث والأندلسيون من أصحاب مالك قبول شاهد واحد ويمين والحكم بناء على ذلك في الأموال وما يقصد به الأموال ويستدلون بقوله تعالى ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ... ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فالقول بالحكم بناء على شاهد ويمين زيادة على ما في القرآن فهو يشبه النسخ والسنة الآحادية لا تنسخ القرآن ولا تقبل الزيادة من الأحاديث إلا إذا كان الخبر بها مشهورا كما في أحاديث "لا يرث الكافر المسلم" و"لا يقتل الوالد بالولد" و"لا يرث القاتل من القتيل". ويجيب الجمهور بأنه لا يلزم من التنصيص على الشيء نفيه عما عداه والزيادة على ما في القرآن كما هنا ليست نسخا ولا تشبه النسخ لأن النسخ رفع الحكم ولا رفع هنا وأيضا فالناسخ والمنسوخ لا بد أن يتواردا على محل واحد وهذا غير متحقق في هذه الزيادة فهي أشبه بالتخصيص وتخصيص الكتاب بالسنة جائز كما في قوله تعالى ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ [النساء: ٢٤] مع تحريم نكاح العمة مع بنت أخيها وهو مجمع عليه على أن حديث القضاء بالشاهد واليمين مشهور جاء من طرق كثيرة مشهورة وثبت من طرق صحيحة متعددة فإن ادعى نسخه رد بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال. وتفرع على هذا هل يقضى باليمين مع الشاهد الواحد مع التمكن من الشاهدين؟ أو من شاهد وامرأتين؟ أو لا يقضى باليمين مع الشاهد الواحد إلا عند فقد الشاهدين؟ أو ما يقوم مقامهما من المرأتين؟ وجهان عند الشافعية والله أعلم. كما تفرع عليه لو حلف المدعى عليه ثم أراد المدعي إقامة البينة هل تقبل منه؟ أو لا؟ ذهب مالك إلى أن من رضي بيمين غريمه ثم أراد إقامة البينة بعد حلفه أنها لا تسمع إلا إن أتى بعذر يتوجه له في ترك إقامتها قبل استحلافه. كما استدل بقوله "ولكن اليمين على المدعى عليه" أن يمين الفاجر تسقط عنه الدعوى وفي حديث اليهودي الذي سبق في الأيمان والنذور أن النبي ﷺ قال للمدعي المسلم "بينتك أو يمينه" فلما اعترض المسلم بأن المدعى عليه يهودي فاجر لا يبالي باليمين قال له ﷺ "ليس لك منه إلا ذلك". والله أعلم.

стр. 3719

(٤٥٥) باب حكم الحاكم لا يغير الباطن ٣٩٢٩ - عن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ "إنكم تختصمون إلي. ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو مما أسمع منه فمن قطعت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له به قطعة من النار". ٣٩٣٠ - عن أم سلمة ﵂ زوج النبي ﷺ : أن رسول الله ﷺ سمع جلبة خصم بباب حجرته فخرج إليهم فقال "إنما أنا بشر وإنه يأتيني الخصم فلعل بعضهم أن يكون أبلغ من بعض فأحسب أنه صادق فأقضي له فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليحملها أو يذرها". ٣٩٣١ - وفي رواية عن الزهري بهذا الإسناد نحو حديث يونس وفي حديث معمر قالت: سمع النبي ﷺ لجبة خصم بباب أم سلمة. -[المعنى العام]- إن حكم الحاكم المبني على القواعد الشرعية واجب النفاذ وليس للمحكوم عليه أن يمتنع عن التنفيذ مادامت قد قامت البينة لدى الحاكم أو حلف المدعى عليه عند عدم البينة. وقد يكون الحق في جانب والحكم في جانب آخر نتيجة شهادة زور أو نتيجة عجز المدعي من إثبات دعواه أو فصاحة المدعى عليه بحيث يلبس على القاضي الحق بالباطل والباطل بالحق ومع ذلك يكون الحكم واجب النفاذ والإثم في هذه الحالة على المحكوم له بحق ليس له إن هو أخذ حق امرئ مسلم وإن كان شبرا من عود شجر وإن كان سواكا من أراك فهو قطعة من النار يأتي هذا العود يوم القيامة سيخا من نار حامية يحرق بدنه فيكوى به جبهته وجنبه وظهره ويقال له: هذا ما استوليت عليه بغير وجه حق. إن الدنيا لا تغني عن الآخرة وما متاع الدنيا في الآخرة إلا قليل فليحذر الذين يأكلون أموال الناس بالباطل يوم يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء.

стр. 3720

إن الرسول ﷺ يحذر الفصحاء من أن يستغلوا فصاحتهم في دعواهم الباطلة يحذر الذين يلبسون الحق بالباطل ويكتمون الحق وهم يعلمون ويعلن أنه ﷺ بشر لا يعلم الغيب وقد أمر أن يحكم بين الناس بمقتضى قواعد الشرع وربما حكم لامرئ بحق أخيه ظنا أنه صادق فمن قضى له بحق مسلم فليعلم أنها قطعة من النار فليأخذها أو يتركها وكل نفس بما كسبت رهينة. -[المباحث العربية]- (إنكم تختصمون إلي) الخطاب للخصوم الذين سمع أصواتهم وهو في بيت زوجه أم سلمة فخرج إليهم كما سيأتي في الرواية الثانية ولفظها "سمع جلبة خصم بباب حجرته فخرج إليهم فقال ... " والجلبة بفتح الجيم واللام اختلاط الأصوات وفي ملحق الرواية الثانية "لجبة" بتقديم اللام على الجيم وهي لغة فيها والخصم فتح الخاء وسكون الصاد مصدر يطلق على الواحد وعلى الاثنين وعلى الأكثر وعلى المذكر والمؤنث وقد يثنى كما في قوله تعالى ﴿هذان خصمان اختصموا﴾ [الحج: ١٩] وقد يجمع كما في رواية بلفظ "خصوم" كما جاء في رواية للبخاري "سمع خصوم" وقد وقع التصريح في بعض الروايات عند أبي داود أن الخصومة كانت بين اثنين وأنها كانت في مواريث لهما ولفظها "أتى رسول الله ﷺ رجلان يختصمان في مواريث لهما" فلعل الجمع في "إنكم تختصمون إلي" على لغة من يطلق الجمع على الاثنين فصاعدا أو الخطاب لهما ولمن تجمع من المارة على خصومتهما ولعل الرجلين كانا في طريقهما إليه ﷺ ليحكم بينهما وارتفعت أصواتهما بغير قصد أو بقصد إثارة انتباهه ليخرج إليهم إن شاء بدلا من طرق بابه أو أنهما كانا في الطريق إلى مكان آخر فوقعت الجلبة في هذا المكان صدفة ورواية أبي داود تفيد أنهما كانا قاصدين داره ﷺ . والمقصود من الباب ومن الحجرة الواردين في الرواية الثانية بلفظ "بباب حجرته" منزل أم سلمة كما صرح به في ملحق الرواية ولم تكن الخصومة بالباب بل عند الباب قريبة منه كأنها مصاحبة له. (ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض) اللحن القدرة على التعبير عما يريد وقال النووي: "ألحن" بالحاء معناه أبلغ وأعلم بالحجة كما صرح به في الرواية الثانية. اهـ. واختلف في تعريف البلاغة فقيل: أن يبلغ بعبارة لسانه كنه ما في قلبه وقيل: إيصال المعنى إلى الغير بأحسن لفظ وقيل إجمال اللفظ واتساع المعنى وعرفها المتأخرون من أهل المعاني والبيان بأنها مطابقة الكلام لمقتضى الحال والفصاحة خلو الكلام عن التعقيد. والمراد هنا لعل بعض الخصوم يكون أقدر على إلباس الحق ثوب الباطل والباطل ثوب الحق بأدلته من البعض الآخر. (فأقضي له على نحو مما أسمع منه) أي فأقضي له بناء على ما يقع من إقناعه لي بحجته

стр. 3721

وفي الرواية الثانية "فأحسب أنه صادق" وفي رواية "فأظنه صادقا" وفي الكلام حذف تقديره: وهو في الباطن والحقيقة كاذب. (فمن قطعت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه) أي فمن أعطيته من حق أخيه شيئا فلا يأخذه وفي الرواية الثانية "فمن قضيت له بحق مسلم" والتقييد بالمسلم خرج على الغالب إذ الكثير في معاملات المسلم أن تكون مع المسلم وليس المراد به الاحتراز عن الكافر فإن مال الذمي والمعاهد والمرتد في هذا كمال المسلم فالمراد من الأخوه الأخوة في الإنسانية. (فإنما أقطع له به قطعة من النار) الفاء للتعليل أي لا يأخذه لأنه قطعة من النار وليس المراد أنه الآن حين القضاء قطعة من نار تحرق فقد يكون نافعا للمحكوم له في الدنيا ولكن المراد أنه سيتحول إلى قطعة من النار يوم القيامة يجبر على أخذها لتحرقه وفي الرواية الثانية "فإنما هي قطعة من النار" قال الحافظ ابن حجر: ضمير "هي" للحالة أو القصة. اهـ ويصح أن يعود إلى القضية أي المقضي به أي فإن ما أقضي به بغير حق من مال المسلم قطعة من النار. (فليحملها أو يذرها) في رواية للبخاري "فليأخذها أو ليتركها" قال النووي: ليس معناه التخيير بل هو التهديد والوعيد كقوله تعالى ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ [الكهف: ٢٩] وكقوله سبحانه ﴿اعملوا ما شئتم﴾ [فصلت: ٤٠]. اهـ. وحاصله النهي والتحذير من أخذها لأنها غير حق ولأنها قطعة من النار. وقال ابن التين: هو خطاب للمقضي له (يقصد مطلقا سواء قضي له بحقه أو بحق أخيه) ومعناه أنه أعلم من نفسه هل هو محق؟ أو مبطل فإن كان محقا فليأخذ وإن كان مبطلا فليترك فإن الحكم لا ينقل الأصل عما كان عليه اهـ وهذا المعنى لا يستقيم مع الحكم السابق وأنه حق الغير وأنه قطعة من النار. (إنما أنا بشر) البشر الخلق يطلق على الجماعة والواحد والمراد أنه ﷺ مشارك للبشر في أصل الخلقة وإن زاد عليهم بمزايا اختص بها في ذاته وصفاته والحصر هنا مجازي قصر قلب لأنه أتى به ردا على من زعم أن من كان رسولا فإنه يعلم كل غيب حتى لا يخفى عليه المظلوم أي ما أنا إلا بشر والبشر لا يعلمون من الغيب وبواطن الأمور شيئا إلا أن يطلعهم تعالى على شيء من ذلك وأنه يجوز عليه في أمور الأحكام ما يجوز عليهم. -[فقه الحديث]- هذا الحديث حجة لمن يقول: إن النبي ﷺ قد يحكم بالشيء في الظاهر ويكون الأمر في الباطن خلافه ولا مانع من ذلك إنما الممتنع أن يخبر عن أمر بأن الحكم الشرعي فيه كذا ويكون ناشئا عن اجتهاده ويكون خطأ فهو في هذه الحالة لا يقر على الخطأ أما ما نحن فيه فهو الحكم في القضايا

стр. 3722

بين الناس بناء على البينة واليمين وقد أمر أن يحكم بالظاهر والله يتولى السرائر وهذا نحو قوله ﷺ "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله" ولو شاء الله لأطلعه ﷺ على باطن أمر الخصمين فحكم بالواقع واليقين من غير حاجة إلى شهادة أو يمين لكن لما أمر الله تعالى أمته باتباعه والإقتداء به في أقواله وأفعاله وأحكامه أجرى له حكمهم في عدم الاطلاع على باطن الأمور ليكون حكم الأمة في ذلك حكمه فأجرى الله تعالى أحكامه على الظاهر الذي يستوي فيه هو وغيره ليصح الاقتداء به وتطيب نفوس العباد للانقياد للأحكام الظاهرة التي سيحكم بها الحكام من بعده من غير نظر إلى الباطن والواقع. قال النووي: فإن قيل: هذا الحديث ظاهره أنه قد يقع منه ﷺ في الظاهر مخالف الباطن وقد اتفق الأصوليون على أنه ﷺ لا يقر على خطأ في الأحكام؟ فالجواب أنه لا تعارض بين الحديث وقاعدة الأصوليين لأن مراد الأصوليين فيما حكم فيه باجتهاده فهل يجوز أن يقع فيه الخطأ؟ فيه خلاف الأكثرون على جوازه ومنهم من منعه لكن الذين جوزوه قالوا: لا يقر على إمضائه بل يعلمه الله تعالى به ويتداركه وأما الذي في الحديث فمعناه إذا حكم بغير اجتهاد كما إذا حكم بالبينة واليمين فهذا إذا وقع منه ما يخالف ظاهره باطنه لا يسمى الحكم خطأ بل الحكم صحيح بناء على ما استقر به التكليف وهو وجوب العمل بشاهدين مثلا فإن كانا شاهدي زور فالتقصير منهما وممن ساعدهما وأما الحكم فلا حيلة له في ذلك ولا عيب عليه بسببه بخلاف ما إذا أخطأ في الاجتهاد فإن هذا الذي حكم به ليس هو حكم الشرع. اهـ. وزاد بعضهم الأمر إيضاحا فقال: في قصة ابن وليدة زمعة السابقة في باب "الولد للفراش" حكم ﷺ بالولد لعبد بن زمعة وألحقه بزمعة بناء على قاعدة: الولد للفراش فلما كان الوالد شبيها بعتبة وليس شبيها بزمعة قال لسودة بنت زمعة: احتجبي منه أي احتياطا أنه ليس أخاها وليس ابنا لزمعة فحكم بالظاهر واحتاط للباطن. وفي قصة المتلاعنين لما لاعنت المرأة فرق بينها وبين زوجها ولم يبطل لعانها ولم يحكم عليها بالزنا مع أن ابنها جاء مشبها من رميت به ولهذا قال ﷺ "لولا الإيمان (أي بحكم الله وقضاء الله والاحتكام إلى اللعان) لكان لي ولها شأن". ومنع قوم وقوع الخطأ في اجتهاده وقالوا: لو جاز وقوع الخطأ في حكمه للزم أمر المكلفين بالخطأ لثبوت الأمر باتباعه في جميع أحكامه حتى قال الله تعالى ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾ [النساء: ٦٥] وقالوا: إن الإجماع معصوم من الخطأ فالرسول أولى بذلك لعلو رتبته. قال الحافظ ابن حجر: والجواب عن الأول: أن الأمر إذا استلزم إيقاع الخطأ لا محذور فيه لأنه موجود في حق المقلدين فإنهم مأمورون باتباع المفتي والحاكم ولو جاز عليه الخطأ والجواب عن

стр. 3723

الثاني: أن الملازمة مردودة فإن الإجماع إذا فرض وجوده دل على أن مستندهم ما جاء عن الرسول ﷺ فرجع الأتباع إلى رسول الله ﷺ لا إلى نفس الإجماع. -[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]- ١ - قال النووي: في هذا الحديث دلالة لمذهب مالك والشافعي وأحمد وجماهير علماء الإسلام وفقهاء الأمصار من الصحابة والتابعين فمن بعدهم: أن حكم الحاكم لا يحيل الباطن ولا يحل حراما فإذا شهد شاهدا زور لإنسان بمال فحكم به الحاكم لم يحل للمحكوم له ذلك المال ولو شهدا عليه بقتل لم يحل للولي قتله مع علمه بكذبهما وإن شهدا بالزور أنه طلق امرأته لم يحل لمن علم بكذبهما أن يتزوجها بعد حكم القاضي بالطلاق وقال أبو حنيفة: يحل حكم الحاكم الفروج دون الأموال فقال: يحل نكاح المذكورة وهذا مخالف لهذا الحديث الصحيح ولإجماع من قبله ومخالف لقاعدة وافق عليها هو وغيره وهي أن الأبضاع أولى بالاحتياط من الأموال. اهـ. قال الشافعي: إنه لا فرق في دعوى حل الزوجة لمن قام بتزويجها بشاهدي زور وهو يعلم بكذبهما وبين من ادعى على حر أنه في ملكه وأقام بذلك شاهدي زور وهو يعلم حريته فإذا حكم له الحاكم بأنه ملكه لم يحل له أن يسترقه بالإجماع. وقال القرطبي: شنعوا على من قال ذلك -يقصد أبا حنيفة- قديما وحديثا لمخالفة الحديث الصحيح ولأن في هذا القول صيانة المال وابتذال الفروج وهي أحق أن يحتاط لها وتصان. اهـ. وقد حاول بعض الحنفية تبرير هذا القول والدفاع عنه. فقال: أ- جاء عن علي ﵁ "أن رجلا خطب امرأة فأبت فادعى أنه زوجها وأقام شاهدين فقالت المرأة: إنهما شهدا بالزور فزوجني أنت منه فقد رضيت فقال شاهداك زوجاك وأمضى عليها النكاح". ورد بأن هذا لم يثبت عن علي ﵁ وكيف يتوهم أن عليا ﵁ حكم بصحة النكاح بعد علمه بشهادة الزور؟ وكيف يتوهم أنه حكم بصحة النكاح مع أن المرأة أنكرت الركن الأساسي فيه وهو الإيجاب والقبول؟ وكيف تقول المرأة: زوجني أنت منه فقد رضيت فلا يزوجها زواجا شرعيا صحيحا متفقا عليه ويمضي ويحكم بصحة زواج ثابت الفساد؟ أعتقد لو أن هذه القصة ثابتة لكان معنى "شاهداك زوجاك" أي كانا سببا في رضاها بك وقبولها اليوم بزواجك بعد أن كانت غير راضية بك وكان معنى قول الراوي "وأمضى عليها النكاح" أي زوجها وعقد لها عليه ويكفي في هذا الدليل هذا الاحتمال ليسقط به الاستدلال؟ ثم كيف ينهض هذا الأثر لمقاومة الحديث الصحيح؟ ب- وقال تبريرا لهذا الحكم: إن الحاكم في النكاح قضى بحجة شرعية أمر الله تعالى بها وهي البينة العادلة في علمه ولم يكلف بالاطلاع على صدقهم في باطن الأمر (وهذا يرد الأثر السابق فإن عليا ﵁ لم يحكم بناء على البينة العادلة في علمه بل ثبت له أن البينة غير

стр. 3724

عادلة) فإذا حكم بشهادتهم فقد امتثل ما أمر الله فلو قلنا: لا ينفذ في باطن الأمر للزم إبطال ما وجب بالشرع وصيانة الحكم عن الإبطال مطلوبة. ورد هذا من وجوه: أولا: صيانة الحكم عن الإبطال مطلوبة إذا صادف حجة صحيحة. ثانيا: لسنا في مسألة الحكم وإثم القاضي وإنما نحن في التنفيذ ولا يلزم من حكم الحاكم التنفيذ الفعلي في باطن الأمر فالرسول ﷺ إذا قضى لامرئ بحق امرئ لا إثم عليه ومع ذلك فالتنفيذ قطعة من النار فكيف يباح للمنفذ أن يأخذها وهو يعلم حقيقتها. ثالثا: أن أبا حنيفة يقع في هذه الاعتراضات حين يقول بعدم التنفيذ في الأموال فهو لم يصن الحكم عن الإبطال وأبطل ما وجب بالشرع. ج- وقال أيضا تبريرا لهذا الحكم: لو حكم الحاكم بالطلاق بناء على شهادتي زور فتزوجت رجلا غيره لو لم ينفذ هذا الحكم باطنا لبقيت حلالا للزوج الأول باطنا وللثاني ظاهرا ولو ابتلي الثاني بمثل ما ابتلي به الأول وحكم بالطلاق منه بناء على شاهدي زور حلت للثالث وهكذا فتحل لجمع متعدد في زمن واحد. ورد بأن هذا إلزام بما لا يقال من الذي أباح لها أن تتزوج الثاني بناء على حكم الحاكم؟ وهي وزوجها الثاني يعلمان أنه زور؟ إنهما إذا علما أن الحكم ترتب على شهادتي زور واعتمدا على هذا الحكم وتعمدا الدخول فقد ارتكبا المحرم كما لو كان الحكم بالمال فأكله ولو ابتلي الثاني كان الحكم كذلك بالنسبة للثالث وهكذا فكانوا كما لو زنوا ظاهرا واحدا بعد واحد. د- وأخيرا قال: إن الحديث صريح في المال وليس النزاع فيه. ورد بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ولفظ الحديث عام "فمن قضيت له بحق مسلم" والحق يكون في الأموال وفي النكاح وغيرهما. والحق أن هذا القول جدير بالتشنيع وليس قائله معصوما من الخطأ. والله أعلم. ٢ - ويؤخذ من الحديث أيضا إثم من خاصم في باطل حتى استحق به في الظاهر شيئا هو في الباطن ليس حقا له. ٣ - وإثم من احتال لأمر باطل بأي وجه من وجوه الحيل. ٤ - وفيه أن المجتهد قد يخطئ فيرد به على من زعم أن كل مجتهد مصيب. ٥ - وفيه أن المجتهد إذا أخطأ لا يلحقه إثم بل يؤجر على بذل الجهد. ٦ - وأن النبي صلي الله عليه وسلم كان يقضي بالاجتهاد فيما لم ينزل عليه فيه شيء قال الحافظ ابن حجر: وخالف في ذلك قوم وهذا الحديث من أصرح ما يحتج به عليهم.

стр. 3725

٧ - وفيه أن الحكم بين الناس يقع على ما يسمع من الخصمين بما لفظوا به وإن كان في قلوبهم غيره. ٨ - واستدل بالحديث لمن قال: إن الحاكم لا يحكم بعلمه أخذا من رواية "إنما أقضي له بما أسمع". بدليل الحصر فيها وفي المسألة خلاف لكن لو شهدت البينة مثلا بخلاف ما يعلمه علما حسيا بمشاهدة أو سماع يقينيا أو ظنيا راجحا لم يجزله أن يحكم بما قامت به البينة. ٩ - قال الحافظ ابن حجر: وفيه أن التعمق في البلاغة بحيث يحصل اقتدار صاحبها على تزيين الباطل في صورة الحق وعكسه مذموم. اهـ. وهذه العبارة غير سليمة وسلامتها أن يقال: إن استخدام القدرة البلاغية في تزيين الباطل وعكسه مذموم. ولذلك قال الحافظ ابن حجر بعد: لو كان ذلك في التوصل إلى الحق لم يذم وإنما يذم من ذلك ما يتوصل به إلى الباطل في صورة الحق فالبلاغة إذن لا تذم لذاتها وإنما تذم بحسب ما تستخدم فيه وهي في ذاتها ممدوحة وهذا كما يذم صاحبها إذا طرأ عليه بسببها الإعجاب وتحقير غيره ممن لم يصل إلى درجته ولا سيما إن كان هذا الغير من أهل الصلاح فإن البلاغة إنما تذم من هذه الحيثية بحسب ما ينشأ عنها من الأمور الخارجة عنها ولا فرق في ذلك بين البلاغة وغيرها بل كل فتنة توصل إلى المطلوب محمودة في حد ذاتها وقد تذم أو تمدح بحسب متعلقها. اهـ. ١٠ - وفيه أيضا موعظة الإمام الخصوم ليعتمدوا الحق. ١١ - وفيه عمل الحاكم بالنظر الراجح وبناء الحكم عليه وهو أمر إجماعي للحاكم والمفتي. والله أعلم

стр. 3726

(٤٥٦) باب قضية هند ٣٩٣٢ - عن عائشة ﵂ قالت: دخلت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان على رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني إلا ما أخذت من ماله بغير علمه فهل علي في ذلك من جناح؟ فقال رسول الله ﷺ "خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك". ٣٩٣٣ - عن عائشة ﵂ قالت: جاءت هند إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله والله ما كان على ظهر الأرض أهل خباء أحب إلي من أن يذلهم الله من أهل خبائك وما على ظهر الأرض أهل خباء أحب إلي من أن يعزهم الله من أهل خبائك فقال النبي ﷺ "وأيضا والذي نفسي بيده" ثم قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل ممسك فهل علي حرج أن أنفق على عياله من ماله بغير إذنه؟ فقال النبي ﷺ "لا حرج عليك أن تنفقي عليهم بالمعروف". ٣٩٣٤ - عن عائشة ﵂ قالت: جاءت هند بنت عتبة بن ربيعة فقالت: يا رسول الله والله ما كان على ظهر الأرض خباء أحب إلي من أن يذلوا من أهل خبائك وما أصبح اليوم على ظهر الأرض خباء أحب إلي من أن يعزوا من أهل خبائك فقال رسول الله ﷺ "وأيضا والذي نفسي بيده" ثم قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل مسيك فهل علي حرج من أن أطعم من الذي له عيالنا؟ فقال لها: لا إلا بالمعروف". -[المعنى العام]- هند بنت عتبة امرأة وافرة العقل من زعيمات نساء العرب زوجة أبي سفيان بن حرب أم معاوية ظلت رائدة في الكفر محاربة رسول الله ﷺ مؤلبة رجال قريش عليه، حتى ألقى الله في قلبها نور الإيمان بعد فتح مكة وبعد إسلام زوجها أبي سفيان لما أسلم زوجها وبخته وأنبته وأخذت

стр. 3727

بلحيته تهزه وتسخر منه ثم تلبث يومين أو ثلاثة حتى قالت لأبي سفيان: إني أريد أن أبايع رسول الله ﷺ . قال: فافعلي فذهبت في نسوة محجبات وبايعهن رسول الله ﷺ ولما ناقشته البيعة عرفها. فقال: أنت هند فكشفت عن أمرها برزانة وحكمة. قالت: يا رسول الله والله لقد مضى علي زمان كان بيتك أبغض البيوت إلى نفسي وكنت أتمنى أن يذل الله هذا البيت ذلا فوق ذل البشر وأصبحت اليوم أراك وأرى بيتك أحب البيوت إلى نفسي ولا أتمنى لأحد أن يعزه الله مثلما أتمنى لك قال لها رسول الله ﷺ : وأيضا سيزيدك الله حبا لي بتمكين الإيمان في قلبك واستراحت هند بهذا اللقاء وأنست بهذا الجواب وهذا الاستقبال فعرضت على رسول الله ﷺ دخيلة نفسها وخاصة أمرها وسر بيتها وما يقع بينها وبين زوجها قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح بخيل ممسك مقتر في النفقة علي وعلى أولاده لا يعطينا ما يكفينا وأستطيع أن أكمل نقص نفقتنا من ماله الذي تحت يدي بدون علمه دون أن يشعر فهل علي إثم إذا أنا أخذت من ماله بغير علمه؟ قال لها ﷺ لا إثم عليك إذا أخذت من ماله بغير علمه ما هو حق مستحق لك ولبنيك بشرط أن لا تزيدي عما تستحقين وعما هو معروف عرفا وعادة أنه يكفيك ويناسب معيشة أمثالك. -[المباحث العربية]- (دخلت هند) "هند" روي بالصرف وبدون الصرف ومن المعلوم أن ساكن الوسط يجوز فيه الأمران الصرف وتركه كما في نوح ودعد. وهند أم معاوية وكان من أمرها لما قتل أبوها عتبة وعمها شيبة وأخوها الوليد يوم بدر شق عليها فلما كان يوم أحد وقتل حمزة فرحت بذلك وعمدت إلى بطنه فشقتها وأخذت كبده فلاكتها فلما كان يوم الفتح ودخل أبو سفيان مكة مسلما -بعد أن أسرته خيل النبي ﷺ تلك الليلة فأجاره العباس- غضبت هند لأجل إسلامه وأخذت بلحيته ثم إنها بعد استقرار النبي ﷺ بمكة جاءت فأسلمت وبايعت. (إن أبا سفيان رجل شحيح) الشح البخل مع حرص والشح أعم من البخل لأن البخل يختص بمنع المال والشح بكل شيء وقيل: الشح لازم كالطبع والبخل غير لازم قال القرطبي: لم ترد هند وصف أبي سفيان بالشح في جميع أحواله وإنما وصفت حالها معه وأنه كان يقتر عليها وعلى أولادها وهذا لا يستلزم البخل مطلقا فإن كثيرا من الرؤساء يفعل ذلك مع أهله ويؤثر الأجانب استئلافا لهم. وقال الخطابي: إن أبا سفيان كان رئيس قومه ويبعد أن يمنع زوجته وأولاده النفقة فكأنه كان يعطيها قدر كفايتها وولدها. وفي الرواية الثانية "رجل ممسك" وفي الرواية الثالثة "رجل مسيك" بكسر الميم وتشديد السين على المبالغة مثل شريب وسكير وضبط بفتح الميم وكسر السين مخففا على وزن شحيح قال النووي: الأول أشهر في الرواية والثاني أصح من حيث اللغة. من إمساك المال ومنعه من الإنفاق وهو الشح.

стр. 3728

(لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني) لم تبين إن كان بنوها صغارا أو كبارا. (إلا ما أخذت من ماله بغير علمه) في رواية البخاري "إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم" زاد الشافعي في روايته "سرا". (فهل علي في ذلك من جناح) "من" زائدة داخلة على المبتدأ في سياق الاستفهام والأصل فهل على جناح وإثم في أخذى من ماله بغير علمه؟ وبينت الرواية الثانية والثالثة مصرف ما تأخذه ففي الثانية "فهل علي حرج أن أنفق على عياله من ماله بغير إذنه"؟ وفي الثالثة "فهل علي حرج من أن أطعم من الذي له عيالنا"؟ أي هل علي إثم إن أطعمت عيالنا من ماله الذي له بغير إذنه؟ ولما كان سؤالها غير محدد المقدار مما يدخل الإسراف كان جوابه ﷺ مانعا الإسراف. (خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك) والمراد من المعروف هنا ما يقره الشرع والعرف والعادة من مقدار نفقة مثيلاتها دون تقتير أو إسراف عملا بقوله تعالى ﴿لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله﴾ [الطلاق: ٧] وفي الرواية الثانية "لا حرج عليك أن تنفقي عليهم بالمعروف" وفي الرواية الثالثة "لا. إلا بالمعروف" وبالرغم من أن الروايات كلها تفيد الإذن لها بأن تأخذ من ماله بغير علمه إلا أنها لم تصرح نصا بذلك بل أطلقت الأخذ "خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك وما يكفي بنيك" "لا حرج عليك أن تنفقي عليهم بالمعروف" وقوله "لا. إلا بالمعروف" هكذا هو في جميع النسخ وهو صحيح والاستثناء استدراك بمعنى لكن والمعنى لا أي لا حرج عليك أن تأخذي من ماله من غير علمه لكن بالمعروف. (والله ما كان على ظهر الأرض خباء أحب إلي من أن يذلهم الله من أهل خبائك) قال القاضي عياض: أرادت بقولها "أهل خباء" نفسه ﷺ فكنت عنه بأهل الخباء إجلالا له قال: ويحتمل أن تريد بأهل الخباء أهل بيته والخباء يعبر عن مسكن الرجل وداره وأصل الخباء خيمة من وبر أو صوف ثم أطلقت على البيت كيفما كان. (وأيضا والذي نفسي بيده) يقال: آض يئيض إذا رجع والمعنى ورجوعا مني على قولك. قال ابن التين: فيه تصديق لها فيما ذكرته قال الحافظ ابن حجر: كأن ابن التين رأى أن المعنى: وأنا أيضا بالنسبة إليك مثل ذلك على معنى وأنا كذلك لم يكن على ظهر الأرض أحب إلي من أن يذلها الله منك. قال الحافظ ابن حجر: وتعقب قول ابن التين من جهة طرفي البغض والحب -أي هذه الجملة طرف البغض والجملة الآتية طرف الحب- فقد كان في المشركين من كان أشد أذى للنبي ﷺ من هند وأهلها وكان في المسلمين -بعد أن أسلمت- من هو أحب إلى النبي ﷺ منها ومن أهلها فلا يمكن حمل الخبر على ظاهره- أي ويحمل على المبالغة. وقال النووي وغيره: "وأيضا" خاص بما يتعلق بها أي زال ورجعت عن بغضك لي وحل محله ورجعت إلي حبك لي وأيضا سيزيد زوال بغضك لي وسيزيد حبك لي كلما تمكن الإيمان من قلبك ويصبح بغضه ﷺ لها وحبه لها مسكوتا عنه.

стр. 3729

(وما على ظهر الأرض أهل خباء أحب إلي من أن يعزهم الله من أهل خبائك) هكذا هو في الرواية الثانية "وما على ظهر الأرض" والقيد فيها ملاحظ كما صرح به في الرواية الثالثة حيث جاء فيها "وما أصبح اليوم على ظهر الأرض". -[فقه الحديث]- -[يؤخذ من الحديث]- ١ - فيه دلالة على وفور عقل هند وحسن تأنيها في المخاطبة. ٢ - وأن صاحب الحاجة يستحب له أن يقدم بين يدي حاجته ما يزيل موجدة الذي يخاطبه. ٣ - وأن المعتذر يستحب له أن يقدم ما يؤكد صدقه عند من يعتذر إليه لأن هندا قدمت الاعتراف بذكر ما كانت عليه من البغض لتؤكد صدقها فيما ادعته من الحب. ٤ - وجواز سماع كلام الأجنبية عند الإفتاء والحكم وكذا ما في معناهما وأما عند من يقول: إن صوتها عورة فيقول: جاز هنا للضرورة. ٥ - وفيه وجوب نفقة الزوجة. ٦ - وأنها مقدرة بالكفاية وهو قول أكثر العلماء والمشهور عن الشافعي أنه قدرها بالأمداد فعلى الموسر كل يوم مدان والمتوسط مد ونصف والمعسر مد وتقديرها بالأمداد رواية عن مالك أيضا قال النووي: والحديث حجة على أصحابنا. اهـ. قال الحافظ ابن حجر: وليس صريحا في الرد عليهم لكن التقدير بالأمداد محتاج إلى دليل فإن ثبت حملت الكفاية في حديث الباب على القدر بالأمداد فكأنه كان يعطيها وهو موسر ما يعطي المتوسط فأذن لها في أخذ التكملة. وتمسك بعض الشافعية بأنها لو قدرت بالحاجة لسقطت نفقة المريضة التي لا تنفق ونفقة الغنية لأنها غير محتاجة فوجب إلحاقها بما يشبه الدوام وهو الكفارة لاشتراكهما في الاستقرار في الذمة ويقويه قوله تعالى ﴿من أوسط ما تطعمون أهليكم﴾ [المائدة: ٨٩] فاعتبروا الكفارة بها والأمداد معتبرة في الكفارة ويخدش هذا الدليل أن الشافعية صححوا الاعتياض عنه وبأنها لو أكلت معه على العادة سقطت بخلاف الكفارة فيها وبأن الشافعية جعلوا نفقة القريب مقدرة بالكفاية ففرقوا بدون موجب بين نفقة الزوجة ونفقة الأولاد قال الحافظ ابن حجر: والراجح من حيث الدليل أن الواجب الكفاية ولا سيما وقد نقل بعض الأئمة الإجماع الفعلي في زمن الصحابة والتابعين على ذلك ولا يحفظ عن أحد منهم خلافه. ٧ - وفيه جواز ذكر الإنسان بما لا يعجبه إذا كان على وجه الاستفتاء والاشتكاء ونحو ذلك وهو أحد المواضع التي تباح فيها الغيبة. ٨ - وجواز خروج المرأة لحاجتها إذا أذن زوجها لها في ذلك أو علمت رضاه به وهذا مبني على أن أبا

стр. 3730

سفيان علم وسمح وفيه نظر والأولى أن يقال: فيه جواز خروج الزوجة للفتوى والقضاء ولو لم يأذن الزوج. ٩ - وأن للمرأة مدخلا في كفالة أولادها والإنفاق عليهم من مال أبيهم. قال النووي: قال أصحابنا: إذا امتنع الأب من الإنفاق على الولد الصغير أو كان غائبا أذن القاضي لأمه في الأخذ من آل الأب أو الاستقراض عليه والإنفاق على الصغير بشرط أهليتها. وهل لها الاستقلال بالأخذ من ماله بغير إذن القاضي؟ فيه وجهان مبنيان على وجهين لأصحابنا في أن إذن النبي ﷺ لهند امرأة أبي سفيان كان إفتاء -فيعم غيرها دون إذن القاضي -أم قضاء- فيحتاج إلى إذن -والأصح أنه كان إفتاء وأن هذا يجري في كل امرأة أشبهتها فيجوز. ١٠ - واستدل به على أن القول قول الزوجة في قبض النفقة لأنه لو كان القول قول الزوج أنه منفق لكلفت هند البينة على إثبات عدم الكفاية. ١١ - وعلى جواز إطلاق الفتوى مع إرادة تعليقها وتقييدها فإن رسول الله ﷺ أطلق الإباحة لكنه أراد: إن صح ما ذكرت يا هند فخذي ما يكفيك كذا قال القرطبي وقال غيره: يحتمل أن يكون ﷺ علم صدقها فيما ذكرت فاستغنى عن التقييد ولم يقصده. ١٢ - وفيه جواز استماع كلام أحد الخصمين في غيبة الآخر. ١٣ - واستدل به بعضهم على اعتبار حال الزوجة حين تقدير النفقة وهو قول الحنفية والفتوى عند الحنفية على اعتبار حال الزوجين معا والشافعية على اعتبار حال الزوج تمسكا بقوله تعالى ﴿لينفق ذو سعة من سعته﴾ [الطلاق: ٧]. ١٤ - واستدل به بعض الشافعية على جواز القضاء على الغائب وفي المسألة خلاف للعلماء قال أبو حنيفة وسائر الكوفيين: لا يقضى عليه بشيء وقال الشافعي والجمهور: يقضى عليه في حقوق الآدميين ولا يقضى عليه في حدود الله تعالى ولا يصح الاستدلال بهذا الحديث لهذه المسألة لأن هذه القضية كانت بمكة بعد إسلام هند وأبي سفيان وكان أبو سفيان حاضرا بها وشرط القضاء على الغائب أن يكون غائبا عن البلد أو مستترا لا يقدر عليه أو متعذرا لا يقدر عليه ولم يكن هذا الشرط في أبي سفيان موجودا فلم يكن قضاء على الغائب بل هو إفتاء اهـ. قال الحافظ ابن حجر: وفي بعض الروايات الضعيفة أن أبا سفيان كان معها حاضرا وذهب الأكثرون إلى أن الموضوع فتوى لا قضاء فلا يصح الاستدلال به على القضاء على الغائب. ورجح القائلون بأنه قضاء بالتعبير بصيغة الأمر حيث قال لها "خذي" ولو كان فتيا لقال مثلا: لا حرج عليك إذا أخذت وبأن الأغلب في تصرفاته ﷺ إنما هو الحكم ورجح القائلون بأنه فتوى بوقوع الاستفهام من هند في القضية "هل على جناح"؟ ولأنه فوض تقدير الاستحقاق إليها ولو كان قضاء لم يفوضه إلى المدعي ولأنه لم يستحلفها على ما ادعته ولا طلب منها البينة.

стр. 3731

١٥ - وفيه وجوب نفقة الأولاد وإن كانوا كبارا لقولها "بني" على الإطلاق ورد بأنها واقعة عين لا تعم قال ابن المنذر: اختلف في نفقة من بلغ من الأولاد ولا مال له ولا كسب فأوجبت طائفة النفقة لجميع الأولاد أطفالا كانوا أو بالغين إناثا وذكرانا إذا لم يكن أموال يستغنون بها وذهب الجمهور إلى أن الواجب أن ينفق عليهم حتى يبلغ الذكر أو تتزوج الأنثى ثم لا نفقة على الأب إلا إذا كانوا زمني فإن كانت لهم أموال فلا وجوب على الأب وألحق الشافعي ولد الولد وإن سفل بالولد في ذلك. ١٦ - قال الخطابي: وفيه وجوب نفقة خادم المرأة على الزوج لأن أبا سفيان كان رئيس قومه ويبعد أن يمنع زوجته وأولاده النفقة فكأنه كان يعطيها قدر كفايتها وولدها دون من يخدمهم فأضافت ذلك لنفسها لأن خادمها داخل في جملتها. اهـ. وهو غير مسلم. ١٧ - واستدل به على أن من له عند غيره حق وهو عاجز عن استيفائه جاز له أن يأخذ من ماله قدر حقه بغير إذنه وهو قول الشافعي وجماعة وتسمى هذه المسألة مسألة الظفر والراجح عندهم أن لا يأخذ غير جنس حقه إلا إذا تعذر جنس حقه وعن أبي حنيفة المنع وعنه يأخذ جنس حقه ولا يأخذ من غير جنس حقه إلا أحد النقدين بدل الآخر وعن مالك ثلاث روايات كهذه الآراء وعن أحمد المنع مطلقا قال الخطابي: يؤخذ من حديث هند جواز أخذ الجنس وغير الجنس لأن منزل الشحيح لا يجمع كل ما يحتاج إليه من النفقة والكسوة وسائر المرافق اللازمة وقد أطلق لها الإذن في أخذ الكفاية من ماله وعقب عليه الحافظ ابن حجر بما يحتاج إلى تعقيب. ١٨ - وفي الحديث تحكيم العرف والعادة في الأمور التي ليس فيها تحديد شرعي قال القرطبي: فيه اعتبار العرف في الشرعيات خلافا لمن أنكر ذلك لفظا وعمل به معنى كالشافعية ورد عليه الحافظ ابن حجر فقال: إن الشافعية إنما أنكروا العمل بالعرف إذا عارضه النص الشرعي أو لم يرشد النص الشرعي إلى العرف. والله أعلم.

стр. 3732

(٤٥٧) باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة والنهي عن منع وهات ٣٩٣٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إن الله يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ويكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال". ٣٩٣٦ - عن سهيل بهذا الإسناد مثله غير أنه قال "ويسخط لكم ثلاثا" ولم يذكر "ولا تفرقوا". ٣٩٣٧ - عن المغيرة بن شعبة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال "إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنعا وهات. وكره لكم ثلاثا: قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال". ٣٩٣٨ - -/- وفي رواية عن منصور بهذا الإسناد مثله غير أنه قال "وحرم عليكم رسول الله ﷺ " ولم يقل "إن الله حرم عليكم". ٣٩٣٩ - عن الشعبي حدثني كاتب المغيرة بن شعبة قال: كتب معاوية إلى المغيرة اكتب إلي بشيء سمعته من رسول الله ﷺ فكتب إليه أني سمعت رسول الله ﷺ يقول "إن الله كره لكم ثلاثا: قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال". ٣٩٤٠ - عن وراد قال: كتب المغيرة إلى معاوية سلام عليك أما بعد فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول "إن الله حرم ثلاثا ونهى عن ثلاث حرم عقوق الوالد ووأد البنات ولا وهات ونهى عن ثلاث: قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال".

стр. 3733

-[المعنى العام]- رضا الله في اتباع أوامره واجتناب نواهيه ﴿فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين﴾ [التوبة: ٩٦] وأهم أوامره وأولها أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وثانيها أن تعتصموا بحبل الله جميعا المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا ثالث هذه الأوامر النهي عن التفرق والنهي عن الشيء أمر بضده فالأمر الثالث في الحديث المحافظة على الوحدة واستمرارها وزيادتها فلا يرفع المسلم سلاحه في وجه مسلم إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار ويرتد عن الإسلام ويخرج من دائرته التارك لدينه المفارق للجماعة. وسخط الله -وهو المقابل للرضا- في ارتكاب معاصيه وبين الأمرين مكروهات لله تعالى ليست بالمعاصي الكبيرة ولكنها تسيء إلى الإيمان وتعكره وتضعفه وتزيد في السيئات والذنوب ويحسبها المسلم أمرا هينا وهو عند الله عظيم اختار الحديث ثلاثة من هذا النوع كمثل ورمز لما يشبهها أولها كثرة الكلام فيما ينفع وما لا ينفع مما يوقع في الخطأ والآثام والتعرض لأخبار الناس ونقل أحوالهم وغيبتهم ثانيها كثرة سؤال الناس ما في أيديهم أعطوه أو منعوه فهذه ذلة بعيدة عن سيما المؤمنين فلله العزة ولرسوله وللمؤمنين ثالثها: إضاعة المال وإنفاقه في غير وجهه المشروع مهما كان المنفق غنيا إن الله لا يحب المسرفين وإن المبذرين كانوا إخوان الشياطين ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا﴾ [الإسراء: ٢٩] -[المباحث العربية]- (إن الله يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا) قال النووي: قال العلماء: الرضا والسخط والكراهة من الله تعالى المراد بها أمره ونهيه وثوابه وعقابه أو إرادته الثواب لبعض العباد والعقاب لبعضهم. (فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا) إن أريد من العبادة التوحيد كان قوله ﴿ولا تشركوا به شيئا﴾ تأكيدا وإن أريد منها مطلق الطاعة كان تأسيسا والثاني هو الظاهر ليكون المطلوب ثلاثا. (وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) الاعتصام افتعال من العصمة والمراد التمسك والامتثال والحبل يطلق على العهد وعلى الأمان وعلى الوصلة وعلى السبب وأصله من استعمال العرب الحبل في مثل هذه الأمور لاستمساكهم بالحبل عند شدائد أمورهم ويوصلون به المتفرق والمراد هنا التمسك بعهد الله وهو اتباع كتابه العزيز وحدوده والتأدب بآدابه ففي الكلام

стр. 3734

استعارة شبه الكتاب العزيز وتعاليمه بالحبل بجامع أن كلا منهما سبب لحصول المقصود به وحذف المشبه وأقيم المشبه به مقامه على سبيل الاستعارة التصريحية الأصلية. والمراد من النهي عن التفرق الأمر بلزوم جماعة المسلمين وتآلف بعضهم ببعض وهذه الجملة منتزعة من قوله تعالى في سورة آل عمران ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. (ويكره لكم قيل وقال) في الرواية الثالثة "ونهى عن ثلاث: قيل وقال" واختلفوا في إعراب هذين اللفظين فقيل: إنهما فعلان. الأول ماض مبني للمجهول والثاني ماض مبني للمعلوم وهما في الرواية الأولى مفعول به مبني على الفتح في محل نصب مقصود حكايته وعلى الرواية الثالثة مقصود حكايتهما في محل جر بدل من "ثلاث" على أنهما فعلان. الرأي الثاني أنهما اسمان مصدران من الفعل قال تقول: قلت قولا وقالا وقيلا ويؤيد ذلك دخول الألف واللام عليهما فتقول: كثر القيل والقال وهما في الرواية الثالثة مجروران منونان وأما المراد منهما فقيل: كثرة الكلام لأنه يؤدي غالبا إلى الخطأ وقيل المراد منهما حكاية أقاويل الناس والخوض في أخبارهم فيقول: قال فلان كذا وقيل كذا ومحل النهي نقل ذلك من غير تثبت ولا احتياط وقيل: المراد منهما حكاية الاختلاف في أمور الدين ومحل النهي النقل تقليدا دون احتياط فهو من قبيل "كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع". (وكثرة السؤال) حذف المسئول عنه جعل في هذه العبارة احتمالات: الأول: سؤال الناس أموالهم وما في أيديهم وقد كثرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن ذلك. الثاني: كثرة السؤال عن أخبار الناس وأحداث الزمان وما جرى لهم مما لا يعني فهو الطرف المقابل لقيل وقال واحد يسأل ويطلب الغيبة والآخر يجيب: قيل كذا وكذا إلخ. الثالث: كثرة سؤال إنسان بعينه عن تفاصيل حاله مما يكرهه المسئول فيترتب على ذلك حرج المسئول وألمه إذا أجاب بصدق أو الوقوع في الإثم إذا أجاب بكذب أو تكلف المشقة إذا تكلف التعريض أو سوء الأدب إن أهمل جوابه. الرابع: كثرة السؤال عن أمور غير مهمة قد يؤذي جوابها كما وقع في سبب نزول قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبدلكم تسؤكم﴾ [المائدة: ١٠١]. الخامس: كثرة التكلف والتنطع وتتبع الغرائب والأغلوطات والتقعر في المسائل العلمية. السادس: العموم فيراد كل ذلك وسنعرض ونبسط المسألة في فقه الحديث. (وإضاعة المال) أي صرفه في غير وجوهه الشرعية فهذا بمثابة إتلافه لأن الله تعالى جعل المال في أيدي الناس ليقوم بمصالحهم وصرفها في غير وجوهها الشرعية تضييع لتلك المصالح.

стр. 3735

(إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات) في ملحق الرواية "وحرم عليكم رسول الله ﷺ " ولا تعارض فما حرمه رسول الله ﷺ إنما هو بتحريم الله. وعقوق الوالدين بضم العين مشتق من العق وهو القطع والمراد به صدور ما يتأذى به الوالد من ولده من قول أو فعل إلا في شرك أو معصية ما لم يتعنت الوالد وضبطه ابن عطية بوجوب طاعتهما في المباحات فعلا وتركا واستحبابها في المندوبات وفروض الكفاية والأمهات جمع أمهة والأمهات لفظ لمن يعقل بخلاف لفظ أم فإنه أعم. وخص الأمهات هنا بالذكر بدلا من الوالدين من قبيل تخصيص الشيء بالذكر وإظهارا لعظم موقعه قال النووي: لأن حرمتهن آكد من حرمة الآباء ولهذا قال ﷺ حين قال له السائل: من أبر؟ قال: أمك .. ثلاثا ثم قال في الرابعة "ثم أباك" ولأن أكثر العقوق يقع للأمهات لضعفهن وطمع الأولاد فيهن. اهـ. وعقوق الأب مثل عقوق الأم وقد جاءت الرواية الرابعة بلفظ "حرم عقوق الوالد". (ووأد البنات) بسكون الهمزة وهو دفن البنات بالحياة فيمتن تحت التراب وكان أهل الجاهلية من العرب يفعلون ذلك كراهة فيهن ويقال: إن أول من فعل ذلك قيس بن عاصم التميمي وكان بعض أعدائه أغار عليه فأسر بنته فاتخذها لنفسه ثم حصل بينهم صلح فخير ابنته فاختارت زوجها فآلى قيس على نفسه ألا تولد له بنت إلا دفنها حية فتبعه العرب في ذلك وكانوا في صفة الوأد على طريقين أحدهما أن يأمر امرأته حين يأتيها المخاض أن تلد بجوار حفيرة فإذا وضعت ذكرا أبقته وإذا وضعت أنثى طرحتها في الحفيرة ومنهم من كان ينتظر بحياتها أشهرا يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون؟ أم يدسه في التراب ثم يزينها ويطيبها ويخرج بها إلى الصحراء فيلقي بها في حفرة ويهيل عليها التراب ومن العرب من كان يفعل ذلك في الأولاد حتى الذكور خشية الفقر والحاجة وإنما خص الوأد هنا بالبنات لأنه كان المعتاد والكثير عند العرب. (ومنعا وهات) "منعا" هنا بسكون النون وتنوين آخره وفي رواية للبخاري "ومنع" بدون تنوين مع سكون النون وهي في الموضعين مصدر منع يمنع وهي بدون تنوين على نية الإضافة أي منع إعطاء الحقوق أما "هات" فبكسر التاء فعل أمر من الإيتاء قال الخليل: أصل هات آت فقلبت الألف هاء والحاصل من النهي منع ما أمر بإعطائه وطلب مالا يستحق أخذه و"هات" معطوف على "منع" مقصود حكايتها مفعول "حرم" وفي الرواية الرابعة "لا وهات" أي لا أعطيك حقك وأعطني ما ليس حقي. (كتب المغيرة إلى معاوية) قال الحافظ ابن حجر: ظاهره أن المغيرة باشر الكتابة وليس كذلك فقد أخرجه ابن حبان بلفظ "كتب معاوية إلى المغيرة: اكتب إلي بحديث سمعته فدعا غلامه ورادا فقال: اكتب .. " فذكره وأخرجه الطبراني عن وراد بلفظ "كتب معاوية إلى المغيرة: اكتب إلي بشيء سمعته من رسول الله ﷺ قال: فكتبت إليه بخطى ... "

стр. 3736

-[فقه الحديث]- وجه إدخال هذا الحديث في كتاب الأقضية أنه يتضمن قضايا "قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال وعقوق الأمهات ووأد البنات ومنع وهات". ومن مجموع الروايات نحصل على ثلاثة واجبات وثلاثة محرمات وثلاثة مكروهات. ومن المعلوم أن ترك الواجب محرم فتصبح المحرمات ستة: العصيان وعدم الطاعة والإشراك بالله والتفرق والخروج على الجماعة ثم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنع وهات. والثلاثة الأولى معلومة من الدين بالضرورة أما الثلاثة الثانية: فقد وردت في جميع الروايات بلفظ التحريم ومن المعلوم أن المحرمات درجات أكبر الكبائر. الكبائر. محرمات دون الكبائر فليس يلزم من اقترانها في الذكر أنها في درجة سواء. والمكروهات الثلاثة صدرت بلفظ "يكره" و"كره" و"نهى" وليس معنى ذلك أنها مكروهات في عرف الفقهاء على الإطلاق وستأتي الأحكام بالتفصيل. أما عقوق الأمهات ومثله عقوق الآباء فقد سبق في كتاب الإيمان أنه من أكبر الكبائر ومن السبع الموبقات وقرن بالإشراك بالله وقتل النفس ولا خلاف في ذلك بين علماء المسلمين. ووأد البنات: من الكبائر الموبقات بل من أكبر الكبائر فقتل النفس بغير حق من أكبر الكبائر وقرن بالإشراك بالله فمن باب أولى قتل نفس لها حرمة كبرى وحق أكبر. أما منع وهات: والمراد منها الامتناع عن إعطاء الحقوق للآخرين وطلب ومحاولة أخذ ما ليس بحق من الآخرين فحكمها يختلف باختلاف قيمة هذا الحق فقد يكون كبيرة وقد يكون مكروها لكن ذكره تحت عنوان المحرمات يجعل المراد منه من قصد الأمور الكبيرة أو من أصبحت تلك عادته حتى اشتهر بها ولو كانت الحقوق صغائر فالإصرار على الصغيرة كبيرة والإصرار على الصغائر يحولها إلى كبائر وهل الكبيرة في الجمع بين الصفتين؟ أو كل منها مستقلا كبيرة؟ أميل إلى الثاني فمن اعتاد منع الحقوق أو منع حقا كبيرا فقد دخل في هذا وإن لم يأخذ من الآخرين ما ليس حقا له ومن أخذ ما ليس حقه متعمدا من الآخرين دخل في هذا وإن لم يمنع الآخرين حقهم عنده ومن جمع بين الأمرين فهو من باب أولى. وأما قيل وقال: فالحكمة في النهي عن ذلك أن الكثرة من ذلك لا يؤمن معها وقوع الخطأ إذا أريد من المقول ما لا فائدة فيه من الكلام فإن كانت الكثرة من قيل وقال في أمور الخير فلا يكره. وأما كثرة السؤال: فقد ذكرنا في المباحث العربية خمسة أنواع من السؤال. النوع الأول: سؤال الناس أموالهم وما في أيديهم والأحاديث كثيرة في الحض على التعفف عن المسألة "لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يأتي رجلا فيسأله أعطاه أو منعه".

стр. 3737

ودوافع هذه المسألة مختلفة. الدافع الأول: مسألة الفقير المحتاج العاجز عن الكسب عجزا لا دخل له فيه والمسألة في هذه الحالة مباحة والمطلوب من صاحبها الرفق في السؤال وعدم الإلحاح وعدم الاستكثار والأولى له العفة والصبر على الحاجة ما أمكن فقد مدح الله هذا الصنف بقوله ﴿وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم﴾ [البقرة: ٢٧٢ وما بعدها]. والخلاف بين الفقهاء في حدود الفقير المحتاج الذي يباح له السؤال وقد قال الرسول ﷺ في تحديده "ليس المسكين الذي يطوف على الناس فترده اللقمة واللقمتان ولكن المسكين الذي لا يجد غني يغنيه" وقد اتفقوا على أن من استطاع ضربا في الأرض وكان قادرا على الاكتساب فهو غني وهو واجد نوعا من الغنى وقد قال تعالى في وصف الفقراء ﴿لا يستطيعون ضربا في الأرض﴾ [البقرة: ٢٧٣]. تقول: إن الخلاف بين الفقهاء في حدود الفقير المحتاج الذي يباح له السؤال فقال بعضهم: أن الفقير من لا يملك خمسين درهما أو قيمتها من الذهب واستندوا إلى حديث ضعيف رواه الترمذي من حديث ابن مسعود مرفوعا "من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش قيل: يا رسول الله وما يغنيه؟ قال: خمسون درهما أو قيمتها من الذهب". وقال بعضهم: إن الفقير هو من لا يملك قوت يومه واستندوا إلى حديث رواه أبو داود وصححه ابن حبان عن سهل ابن الحنظلية قال: قال رسول الله ﷺ "من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من النار فقالوا: يا رسول الله وما يغنيه؟ قال: قدر ما يغديه ويعشيه". وقال أبو حنيفة: إن الغني من ملك نصابا. وقال الشافعي: قد يكون الرجل غنيا بالدرهم مع الكسب ولا يغنيه الألف مع ضعفه في نفسه وكثرة عياله. الدافع الثاني: مسألة الفقير المحتاج القادر على الكسب وهي المقصودة من الحديث والأصح عند الشافعية أن سؤال من هذا حاله حرام وينظر فيمن يعطيه هل يكون معينا ومساعدا على الحرام؟ أميل إلى هذا إذا تأكد من حاله. وإنما قبح الشارع السؤال سواء أعطى المسئول السائل أو منعه لما يدخل على السائل من ذل السؤال وعظم المنة إذا أعطى ومن ذلك السؤال والخسة والحرمان إذا لم يعط ولما يدخل على المسئول من الضيق في ماله إذا أعطى ومن الحرج إذا لم يعط. الدافع الثالث: من يسأل ليجمع الكثير من غير احتياج إليه وهذا النوع حرام باتفاق

стр. 3738

وورد فيه وعيد شديد ففي البخاري "ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه قزعة لحم" أي قطعة لحم وفي مسلم "من سأل الناس تكثرا فإنما يسأل جمرا" وعند الترمذي "ومن سأل الناس ليثري ماله كان خموشا في وجهه يوم القيامة فمن شاء فليقل ومن شاء فليكثر" وعند الطبراني "لا يزال العبد يسأل وهو غني حتى يخلق وجهه -أي يبلى وجهه- فلا يكون له عند الله وجه". النوع الثاني: كثرة السؤال عن أخبار الناس. والنوع الثالث: كثرة سؤال إنسان بعينه عن تفاصيل أموره وأحواله. وهذان النوعان واضحان في النهي عنهما لكنهما في ضعف أهميتهما يبعد أن يكونا المرادين من هذا الحديث. النوع الرابع: السؤال عن أمور غير مهمة قد يؤذي جوابها كقول رجل دعي إلى غير أبيه قال: "يا رسول الله .. من أبي .. " لو أن هذا الرجل قدر أنه في نفس الأمر لم يكن لأبيه فبين الرسول ﷺ أباه الحقيقي لافتضح وافتضحت أمه. ورجل آخر سأل رسول الله ﷺ عن مصير أبيه الذي مات وألح في السؤال فكان الجواب: أبوك في النار. النوع الخامس: سؤال التنطع والتكلف وتتبع الغرائب والأغلوطات والتقعر في المسائل العلمية. قال بعض الأئمة: والتحقيق في ذلك أن البحث عما لا يوجد فيه نص على قسمين أحدهما أن يبحث عن دخوله في دلالة النص على اختلاف وجوهها فهذا مطلوب لا مكروه بل ربما كان فرضا على من تعين عليه من المجتهدين. ثانيهما: أن يدقق النظر في وجوه الفروق فيفرق بين متماثلين بفرق ليس له أثر في الشرع مع وجود وصف الجمع أو بالعكس فيجمع بين متفرقين بوصف طردي مثلا فهذا الذي ذمه السلف وعليه ينطبق حديث ابن مسعود رفعه "هلك المتنطعون" أخرجه مسلم. فرأوا أن فيه تضييع الزمان بما لا طائل تحته ومثله الإكثار من التخريج على مسألة لا أصل لها في الكتاب ولا السنة ولا الإجماع وهي نادرة الوقوع جدا فيصرف فيها زمانا كان صرفه في غيرها أولى ولا سيما إن لزم من ذلك إغفال التوسع في بيان ما يكثر وقوعه وأشد من ذلك البحث عن أمور مغيبة ورد الشرع بالإيمان بها مع ترك كيفيتها ومنها ما لا يكون له شاهد في عالم الحس كالسؤال عن وقت الساعة وعن الروح وعن مدة هذه الأمة إلى أمثال ذلك مما لا يعرف إلا بالنقل الصرف والكثير منه لم يثبت فيه شيء فيجب الإيمان به من غير بحث. وأشد من ذلك ما يوقع كثرة البحث عنه في الشك والحيرة كحديث أبي هريرة رفعه "لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا. الله خلق الخلق فمن خلق الله"؟

стр. 3739

وقال بعض الشراح: مثال التنطع في السؤال حتى يفضى بالمسئول إلى الجواب بالمنع بعد أن يفتى بالإذن أن يسأل عن السلع التي توجد في الأسواق هل يجوز له أن يشتري سلعة مجهول مصدرها عند البائع فيجاب بنعم يجوز فإذا سأل: أخشى أن تكون مسروقة أو منهوبة ونحن في زمن يكثر فيه ذلك فيجاب بلا لا تشتر لأنك إن جزمت بأن مصدرها حرام الشراء وإذا تشككت كره أو كان خلاف الأولى. وإذا تقرر ذلك فمن يسد باب المسائل حتى يفوته كثير من الأحكام التي يكثر وقوعها فإنه يقل فهمه وعلمه ومن توسع في تفريع المسائل وتوليدها ولا سيما فيما يقل وقوعه أو يندر ولا سيما إن كان الحامل على ذلك المباهاة والمغالبة فإنه يذم فعله وهو عين الذي كرهه السلف. وأظهر الأنواع مناسبة في هذا الحديث النوع الأول والله أعلم. وأما إضاعة المال: فالأكثرون حملوه على الإسراف في الإنفاق وقيده بعضهم بالإنفاق في الحرام والأقوى أنه ما أنفق في غير وجهه المأذون فيه شرعا سواء كانت دينية أو دنيوية فمنع منه لأن الله تعالى جعل الأموال قياما لمصالح العباد وفي تبذيرها تفويت تلك المصالح إما في حق مضيعها وإما في حق غيره ويستثنى من ذلك كثرة إنفاقه في وجوه البر لتحصيل ثواب الآخرة ما لم يفوت حقا أخرويا أهم منه. قال الحافظ ابن حجر: والحاصل في كثرة الإنفاق ثلاثة أوجه الأول إنفاقه في الوجوه المذمومة شرعا فلا شك في منعه والثاني إنفاقه في الوجوه المحمودة شرعا فلا شك في كونه مطلوبا بالشروط المذكورة والثالث إنفاقه في المباحات بالأصالة كملاذ النفس فهذا ينقسم إلى قسمين أحدهما أن يكون على وجه يليق بحال المنفق وبقدر ماله فهذا ليس بإسراف والثاني مالا يليق به عرفا وهو ينقسم أيضا إلى قسمين أحدهما ما يكون لدفع مفسدة إما ناجزة أو متوقعة فهذا ليس بإسراف والثاني ما لا يكون في شيء من ذلك فالجمهور على أنه إسراف وذهب بعض الشافعية إلى أنه ليس بإسراف قال: لأنه تقوم به مصلحة البدن وهو غرض صحيح وإذا كان في غير معصية فهو مباح له قال ابن دقيق العيد: وظاهر القرآن يمنع ما قال. اهـ. وقد صرح بالمنع القاضي حسين وتبعه الغزالي وجزم به الرافعي وفي المحرر أنه ليس بتبذير وتبعه النووي. قال الحافظ ابن حجر: والذي يترجح أنه ليس مذموما لذاته لكنه يفضي غالبا إلى ارتكاب المحذور كسؤال الناس وما أدى إلى المحذور فهو محذور نعم يجوز التصدق بجميع المال لمن عرف من نفسه الصبر على المضايقة وجزم الباجي من المالكية بمنع استيعاب جميع المال بالصدقة قال: ويكره كثرة إنفاقه في مصالح الدنيا ولا بأس به إذا وقع نادرا لحادث يحدث كضيف أو عيد أو وليمة ومما لا خلاف في كراهته مجاوزة الحد في الإنفاق على البناء زيادة على قدر الحاجة ولا سيما إن أضاف إلى ذلك المبالغة في الزخرفة. ويدخل في إضاعة المال سوء الإنفاق على الرقيق والبهائم حتى تهلك ودفع المال لمن لا يؤمن منه الرشد.

стр. 3740

وقال السبكي الكبير: الضابط في إضاعة المال أن لا يكون لغرض ديني ولا دنيوي فإن انتفيا حرم قطعا وإن وجد أحدهما وجودا له بال وكان الإنفاق لائقا بالحال ولا معصية فيه جاز قطعا وبين الرتبتين وسائط كثيرة لا تدخل تحت ضابط فعلى المفتي أن يرى فيها رأيه. فالإنفاق في المعصية حرام كله ولا نظر إلى ما يحصل في مطلوبه من قضاء شهوة ولذة حسنة وأما إنفاقه في الملاذ المباحة وهو موضع الاختلاف فظاهر قوله تعالى ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما﴾ [الفرقان: ٦٧] أن الزائد الذي لا يليق بحال المنفق إسراف ثم قال: وبذل مال كثير في غرض يسير تافه عده العقلاء مضيعا والله أعلم. -[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]- ١ - قال النووي: عن قوله "نهي عن ثلاث قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال" هذا الحديث دليل لمن يقال: إن النهي لا يقتضي التحريم والمشهور أنه يقتضي التحريم وهو الأصح ويجاب عن هذا بأنه خرج بدليل آخر. ٢ - واستدل النووي بكتابة المغيرة إلى معاوية "سلام عليك أما بعد" على استحباب المكاتبة على هذا الوجه فيبدأ بـ"سلام عليك" كما كتب النبي ﷺ إلى هرقل: السلام على من اتبع الهدى. ٣ - وفي مكاتبة المغيرة حجة على من لم يعمل في الرواية بالمكاتبة قال الحافظ ابن حجر: اعتل بعضهم بأن العمدة حينئذ على الذي بلغ الكتاب كأن يكون الذي أرسله أمره أن يوصل الكتاب وأن يبلغ ما فيه مشافهة وتعقب بأن هذا يحتاج إلى نقل وعلى تقدير وجوده تكون الرواية عن مجهول ولو فرض أنه ثقة عند من أرسله ومن أرسل إليه فتجيء فيه مسألة التعديل على الإبهام والمرجح عدم الاعتداد به. ٤ - قال الطيبي: هذا الحديث أصل في معرفة حسن الخلق وهو تتبع جميع الأخلاق الحميدة والخلال الجميلة. والله أعلم.

стр. 3741

(٤٥٨) باب بيان أجر الحاكم إذا أخطأ ٣٩٤١ - عن عمرو بن العاص ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ قال "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر". -[المعنى العام]- دعوة للقضاة والحكام والعلماء والمفتين إلى الاجتهاد وبذل الوسع وعدم التقصير في البحث والتنقيب مع الأهلية والاستعداد. إن الأحكام من أهل الأحكام يترتب عليها مصالح العباد الدنيوية والأخروية فالتصدي لها دون أهلية تعرض الناس لضلال في معايشهم ومآلهم يتحمل وزر هذا الضلال من حكم ومن أفتى فمن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة. فالحكم أو الفتوى لا بد أن تصدر بعد الاجتهاد الكامل من أهل الاجتهاد فالقاضي الذي عرف الحق وقضى به هو الناجي أما الذي عرف الحق وقضى بخلافه فهو في النار والذي قضى عن جهل هو أيضا في النار. وأما الحاكم المؤهل والمفتي العالم المتفقه إذا اجتهد كل منهما وبذل قصارى وسعه وحقق ودقق وعمق البحث والنظر فأصاب فله أجران أجر الاجتهاد والبحث وأجر إفادة الغير بالحق فإن هو أخطأ بعد اجتهاده فله أجر واحد أجر تعبه ومشقته في سبيل الوصول إلى الحق وبهذا تتم الدعوة إلى الاجتهاد والتشجيع عليه فهو ميزة للدين الإسلامي على غيره من الأديان. -[المباحث العربية]- (إذا حكم الحاكم فاجتهد) كان الظاهر أن يقول: إذا اجتهد الحاكم فحكم فالاجتهاد مقدم على الحكم والأصل في الفاء ترتيب وتعقيب ما بعدها لما قبلها.

стр. 3742

قال القرطبي: هكذا وقع في الحديث بدأ بالحكم قبل الاجتهاد والأمر بالعكس فإن الاجتهاد يتقدم الحكم إذ لا يجوز الحكم قبل الاجتهاد اتفاقا لكن التقدير في قوله "إذا حكم" إذا أراد أن يحكم اهـ ففي الكلام مجاز المشارفة أي إذا أشرف على الحكم وأراده فاجتهد فترتيب الاجتهاد على إرادة الحاكم لا على الحكم. وقال الحافظ ابن حجر: ويجوز أن تكون الفاء تفسيرية لا تعقيبية اهـ. والقول الأول أقعد لأن الفاء التفسيرية يكون ما بعدها مساويا ومبينا لما قبلها كما في قولنا: توضأ فغسل وجهه ويديه .. إلخ. وكقولنا: خطب فقال كذا وكذا. أما هنا فليس الاجتهاد مفسرا للحكم. (ثم أصاب) "ثم" ليست للتراخي الزمني وعند أحمد "فأصاب" وهو معطوف على "اجتهد". والمراد من الإصابة مطابقة حكمه لما في نفس الأمر أو مطابقته لحكم الله تعالى. (فله أجران) أجر الاجتهاد وأجر الإصابة وعند عبد الرزاق "فله أجران اثنان". (ثم أخطأ) أي ظن أن الحق في جهة فصادف أن الذي في نفس الأمر بخلاف ذلك. (فله أجر) واحد أجر الاجتهاد. -[فقه الحديث]- قال ابن المنذر: إنما يؤجر الحاكم إذا أخطأ إذا كان عالما بالاجتهاد فاجتهد وأما إذا لم يكن عالما فلا واستدل بحديث "القضاء ثلاثة" وفيه "وقاض قضي بغير حق فهو في النار وقاض قضي وهو لا يعلم فهو في النار". وقال النووي: من ليس بأهل للاجتهاد والحكم فلا يحل له الحكم فإن حكم فلا أجر له بل هو آثم ولا ينفذ حكمه سواء وافق الحق أم لا لأن إصابته اتفاقية ليست صادرة عن أصل شرعي فهو عاص في جميع أحكامه سواء وافق الصواب أم لا وهي مردودة كلها ولا يعذر في شيء من ذلك. اهـ. والقضية التي يثيرها هذا الحديث قضية تعدد الحق أو عدم تعدده وبعبارة أخرى هل يكون الحق في طرفين؟ وكل مجتهد مصيب؟ أم الحق لا يكون إلا في جهة واحدة؟ والمصيب واحد؟ أهل التحقيق من الفقهاء والمتكلمين مع الأول وهو مروي عن الأئمة الأربعة لكن حكي عن كل منهم قول بالرأي الآخر والعجيب أن كلا من الفريقين المختلفين في هذه القضية يستدل بهذا الحديث. فالقائلون إن الحق لا يكون مع الطرفين وإن الحق في جهة واحدة يقولون: لو كان كل من الطرفين مصيبا لم يطلق على أحدهما الخطأ لاستحالة النقيضين في حالة واحدة وبعبارة أخرى: سماه مخطئا ولو كان مصيبا لم يسمه مخطئا وأما الأجر الذي له فإنه حصل له على تعبه في الاجتهاد.

стр. 3743

أما الذين يجيزون كون الحق في الطرفين وأن كل مجتهد مصيب فيقولون: إن النبي ﷺ جعل له أجرا فلو كان لم يصب لم يؤجر وأجابوا عن تسميته مخطئا بأنه محمول على من أخطأ النص أو اجتهد فيما لا يسوغ فيه الاجتهاد كالمجمع عليه ونحوه فإن مثل هذا إن اتفق له الخطأ نسخ حكمه وفتواه ولو اجتهد بالإجماع فهذا الذي يصح إطلاق الخطأ عليه وأما من اجتهد في قضية ليس فيها نص ولا إجماع فلا يطلق عليه الخطأ. والتحقيق في هذه القضية التفصيل وليس الإطلاق ففي حالة تنازع زيد وعمرو على ملكية شيء هو ملك لزيد في واقع الأمر فإذا قضى به لزيد فهو مصيب وثبت له أجر لاجتهاده وأجر إعطاء الحق لمستحقه أما إن قضى به لعمرو بعد الاجتهاد وبعد بذل الجهد ربما لأن عمرا ألحن بحجته من زيد فهذا الحاكم مخطئ معذور ولا يمكن أن يقال عنه: إنه مصيب للحق فالحق لا يتعدد بالنسبة لواقع الأمر ومن وافق في حكمه الواقع فهو مصيب وإلا فهو مخطئ لكن إذا نظرنا لحكم الشرع وقوانينه والحكم بالبينة للمدعي فالحاكم مصيب لقواعد الشرع وقوانينه وإن حكم لعمرو أي وإن لم يوافق الواقع فهو مصيب قواعد الشرع مخطئ واقع الأمر فيؤجر على اجتهاده ولا يأثم بخطئه وإعطاء الحق لغير مستحقه مادام قد بذل وسعه في الاجتهاد وكان من أهله ووزر المحكوم له قاصر عليه وقد سبق في ذلك قريبا حديث "إنما أنا بشر وإنه يأتيني الخصم فلعل بعضهم أن يكون أبلغ من بعض فأحسب أنه صادق فأقضي له فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليحملها أو يذرها". فهذه حالة لا يصح أن نقول فيها إن الحق مع الطرفين وإن صح أن نقول: كل مجتهد مصيب فموافق الواقع مصيب غير مخطئ وغير الموافق للواقع مصيب في تطبيق قواعد الشرع مخطئ الواقع. أما حالة اختلاف المجتهدين في الفروع نتيجة لاختلافهم في استنباط الحكم من الدليل فيمكن أن يطلق على كل منهم أنه مصيب لأن صاحب النص أراد لهم أن يختلفوا وأن يقبل منهم ما يصلون إليه ولو أن المشرع أراد جعل الصواب في ناحية والخطأ في أخرى لحرر الحكم ونص عليه نصا لا يقبل الخلاف كما في أصول التوحيد فالمصيب فيها واحد بإجماع من يعتد به قال النووي: ولم يخالف في ذلك إلا عبد الله بن الحسن العبتري وداود الظاهري فصوبا المجتهدين في ذلك أيضا. اهـ. وإذا كان المختلفون في الفروع مصيبين في أحكامهم بعد استفراغ جهدهم في الاجتهاد رجونا لهم جميعا أجرين واعتبرناهم غير داخلين في الحديث وجعلناه خاصا بالقضاة. والله أعلم.

стр. 3744

(٤٥٩) باب كراهة قضاء القاضي وهو غضبان ٣٩٤٢ - عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ﵁ قال: كتب أبي وكتبت له إلى عبيد الله بن أبي بكرة وهو قاض بسجستان أن لا تحكم بين اثنين وأنت غضبان فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول "لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان". -[المعنى العام]- أبو بكرة أخو زياد لأمه فحين تولى زياد على العراق أراد أن يكرم أخاه في شخص أبناء أخيه فقربهم إليه وشرفهم وأقطعهم وولي عبيد الله بن أبي بكرة سجستان فكتب أبو بكرة إلى ابنه كتابا ينصحه فيه ويقول له: إنك توليت القضاء والحكم بين الناس فاقصد الحق وابذل وسعك في الوصول إليه وجرد نفسك من شواغلها حين النظر في القضايا ولا تصدر الحكم وأنت مشغول البال بشيء غير القضية واحذر الحكم وأنت غضبان فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان". -[المباحث العربية]- (كتب أبي -وكتبت له- إلى عبيد الله بن أبي بكرة) قيل: معناه كتب أبو بكرة بنفسه مرة وأمر ولده عبد الرحمن -راوي الحديث- أن يكتب لأخيه فكتب له مرة أخرى فالضمير المجرور في "له" ضمير عبيد الله أخيه وهو خلاف الظاهر قال الحافظ ابن حجر: ولا يتعين ذلك بل الذي يظهر أن قوله "كتب أبي" أي أمر بالكتابة وقوله "وكتبت له" أي باشرت الكتابة التي أمر بها أبي والأصل عدم تعدد الكتابة في شيء واحد ويزيد القول الأول بعدا عن الواقع قوله في المكتوب "فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول .. " فإنه لا يصح أن يقع على لسان عبد الرحمن فإنه لا صحبة له. (وهو قاض بسجستان) بكسر السين والجيم وسين ساكنة بعدها تاء ممدودة بعدها

стр. 3745

نون ممنوعة من الصرف للعلمية والعجمة أو للعلمية وزيادة الألف والنون والجملة في محل النصب على الحال. (أن لا تحكم بين اثنين وأنت غضبان) "أن" تفسيرية بمعنى أي فما بعدها مفسر للمكتوب "ولا" ناهية والفعل بعدها محزوم و"غضبان" غير مصروف للوصفية وزيادة الألف والنون وفي رواية البخاري "أن لا تقضي بين اثنين". (فإني سمعت رسول الله ﷺ الفاء تعليلية. (لا يحكم أحد بين اثنين) في رواية البخاري "لا يقضين حكم بين اثنين" وفي رواية للشافعي "لا يقضي القاضي -أو لا يحكم الحاكم- بين اثنين" والحكم بفتح الحاء والكاف هو الحاكم. -[فقه الحديث]- قال المهلب: سبب هذا النهي أن الحكم حالة الغضب قد يتجاوز بالحاكم إلى غير الحق وقال ابن دقيق العيد: النهي عن الحكم حالة الغضب لما يحصل بسببه من التغير الذي يختل به النظر فلا يحصل استيفاء الحكم على الوجه قال: وعداه الفقهاء بهذا المعنى إلى كل ما يحصل به تغير الفكر كالجوع والعطش المفرطين وغلبة النعاس وألحق به بعض العلماء الهم البالغ والفرح المفرط ومدافعة الحدث وما يتعلق به القلب تعلقا يخل بانتظام الفكر واستقامته. قال الحافظ ابن حجر: وهو قياس مظنة على مظنة وكأن الحكمة في الاقتصار على ذكر الغضب لاستيلائه على النفس وصعوبة مقاومته بخلاف غيره. فالعلماء استنبطوا معنى دل عليه النص جعلوه علة للحكم وهو تغير الفكر فألحقوا بالغضب ما في معناه وإن كانت درجة تغير الفكر في كل تختلف والمقصود حماية الحكم من القصور الذي ينشأ من تغير الفكر واشتغال البال بغير القضية. وجمهور العلماء يطلقون الغضب فلا فرق بين مراتبه ولا أسبابه وفصل إمام الحرمين والبغوي فقيدا الكراهية بما إذا كان الغضب لغير الله واستغرب الروياني هذا التفصيل واستبعده غيره لمخالفته لظواهر الأحاديث وللمعنى الذي نهى عن الحكم حالة الغضب لأجله. والجمهور على أن الحكم في هذه الحالات مكروه فإن وقع صح ونفذ وقال بعض الحنابلة: لا ينفذ الحكم في حالة الغضب لثبوت النهي عنه والنهي يقتضي الفساد وفصل بعضهم بين أن يكون الغضب طرأ عليه بعد أن استبان له الحكم أو قبل أن يستبين ففي الحالة الأولى لا يؤثر الغضب والحالة الثانية هي محل الخلاف قال الحافظ ابن حجر: وهو تفصيل معتبر. واستدل للجمهور بأن النبي ﷺ قضى وهو غضبان وأجاب المخالفون بأن النبي ﷺ مأمون من التعدي والقصور أو أن غضبه كان للحق فمن كان في مثل حاله جاز.

стр. 3746

-[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]- ١ - أن الكتابة بالحديث كالسماع من الشيخ في وجوب العمل وأما في الرواية فمنع منها قوم والمشهور الجواز. ٢ - ذكر الحكم مع دليله في التعليم وكذا الفتوى. ٣ - وفيه شفقة الوالد على ولده وإعلامه بما ينفعه وتحذيره من الوقوع فيما يكره. ٤ - وفيه نشر العلم للعمل به والاقتداء وإن لم يسأل العالم عنه. والله أعلم

стр. 3747

(٤٦٠) باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور ٣٩٤٣ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". ٣٩٤٤ - عن سعد بن إبراهيم قال: سألت القاسم بن محمد عن رجل له ثلاثة مساكن فأوصى بثلث كل مسكن منها. قال: يجمع ذلك كله في مسكن واحد ثم قال: أخبرتني عائشة أن رسول الله ﷺ قال "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد". -[المعنى العام]- يقول الله تعالى ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ [المائدة: ٣] وقد تركنا رسول الله ﷺ على المحجة البيضاء ليلها كنهارها ترك لنا أمرين ما إن تمسكنا بهما لن نضل بعده أبدا كتاب الله وسنته ﷺ وما لحق ﷺ بالرفيق الأعلى إلا وكانت أمور الشريعة إما منصوصا عليها وإما داخلة تحت نص وأصل أرساه الشرع. نعم قد جدت في الحياة أمور لم تكن وستجد أمور كثيرة غير كائنة اليوم وواجب العلماء والمجتهدين إدخالها تحت أصل ونص شرعي فإن عجزوا قدموا درء المفاسد على جلب المصالح والحذر من المشتبهات خير من الوقوع فيها. فمثلا شهادات الاستثمار التي تصدرها البنوك لم تكن ثم كانت وبحثها العلماء المجتهدون فرادى وفي مؤتمرات وأجمعوا على إدخالها تحت أصل الربا ولم يشذ عنهم إلا من لا يعتد بشذوذه. إن رسول الله ﷺ يحذر من يوم تلعب فيه الأهواء وتأخذ بالعلماء ذات اليمين أو ذات اليسار ويدعو الجماعة القائمة على حدود الله في كل عصر أن يردوا أي عمل لا يتوافق مع أصول الشرع وقواعده ونصوصه. والله الهادي سواء السبيل. -[المباحث العربية]- (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) المراد من قوله "أمرنا" سنتنا أي من

стр. 3748

حكم بغير السنة جهلا أو غلطا يجب عليه الرجوع إلى حكم السنة وترك ما خالفها امتثالا لأمر الله تعالى بإيجاب طاعة رسول الله ﷺ والإشارة لتأكيد المراد. والأصل في الإحداث الابتداع والابتداء بالشيء وإنشاؤه على غير مثال سابق فالمعنى من اخترع في الدين مالا يشهد له أصل من أصوله فلا يعتد به ولا يلتفت إليه. وفي الرواية الثانية "من عمل عملا ليس عليه أمرنا" فعمم العمل بغير السنة سواء كان محدثا له مخترعا له لأول مرة أو كان مسبوقا به ومن هنا قال النووي: وفي الرواية الثانية زيادة وهي أنه قد يعاند بعض الفاعلين في بدعة سبق إليها فإذا احتج عليه بالرواية الأولى يقول: أنا ما أحدثت شيئا -فعله قبلي فلان فلست محدثا فلا أدخل فيه ولا يحتج به عليه بالثانية التي فيها التصريح برد كل المحدثات سواء أحدثها الفاعل أو سبق بإحداثها. اهـ. وقوله "رد" معناه مردود من إطلاق المصدر على اسم المفعول مثل الخلق يطلق على المخلوق كأنه قال: فهو باطل ولا يعتد به ولا يعتد بالثمرات المترتبة عليه. -[فقه الحديث]- قال الطرقي: هذا الحديث يصلح أن يسمى نصف أدلة الشرع لأن الدليل يتركب من مقدمتين وهذا الحديث مقدمة كبرى في إثبات كل حكم شرعي ونفيه لأن منطوقه مقدمة كلية في كل دليل ناف لحكم مثل أن يقال في الوضوء بماء نجس: هذا ليس من أمر الشرع وكل ما كان كذلك فهو مردود فهذا العمل مردود فالمقدمة الثانية ثابتة بهذا الحديث ومفهوم الحديث أن من عمل عملا عليه أمر الشرع فهو صحيح فحديث الباب نصف أدلة الشرع. وقال النووي: هذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام وهو من جوامع كلمه ﷺ فإنه صريح في رد كل البدع والمخترعات. اهـ. أي في الدين. وقد ذكره مسلم تحت كتاب الأقضية كمستدل به على رد الحكم الصادر من القاضي جهلا أو غلطا إذا خالف حكم السنة وقد ترجم البخاري ترجمة مساوية لهذا الحديث في كتاب الأحكام فقال (باب إذا قضى الحاكم بجور أو خلاف أهل العلم فهو رد) لكنه لم يذكر هذا الحديث تحت هذه الترجمة. وذكر قصة خالد بن الوليد مع الأسرى وقول النبي ﷺ : "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد مرتين". وذكر البخاري حديثنا تحت ترجمة (باب إذا اجتهد العامل أو الحاكم فأخطأ من غير علم فحكمه مردود). قال الكرماني: المراد بالعامل عامل الزكاة وبالحاكم القاضي وقوله "فأخطأ" أي في أخذ واجب الزكاة أو في قضائه قال الحافظ ابن حجر: على تقدير ثبوت هذه الرواية التي أخذ منها البخاري ترجمته فالمراد بالعالم المفتي أي أخطأ في فتواه. وذكر البخاري حديثنا أيضا في كتاب الصلح تحت (باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود).

стр. 3749

وقد أثارت الرواية الثانية إشكالا. قال الحافظ ابن حجر: قول القاسم "يجمع ذلك كله في مسكن واحد" مشكل جدا فالذي أوصى بثلث كل مسكن أوصى بأمر جائز اتفاقا وإلزام القاسم بأن يجمع في مسكن واحد فيه نظر لاحتمال أن يكون بعض المساكن أعلى قيمة من بعض لكن يحتمل أن تكون تلك المساكن متساوية فيكون الأولى أن تقع الوصية بمسكن واحد من الثلاثة ولعله كان في الوصية شيء زائد على ذلك يوجب إنكارها وقد استشكل القرطبي هذا الإشكال وأجاب عنه بالحمل على ما إذا أراد أحد الفريقين الفدية أو أراد أحد الموصى لهم القسمة وتمييز حقه وكانت المساكن بحيث يضم بعضها إلى بعض في القسمة فحينئذ تقوم المساكن قيمة التعديل ويجمع نصيب الموصى لهم في موضع ويبقى نصيب الورثة فيما عدا ذلك. وحاصل الدفاعات عن الإشكال أن في القضية عنصرا لم يذكر في الحديث بنى عليه القاسم حكمه والله أعلم. -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - قال النووي: فيه دليل لمن يقول من الأصوليين: إن النهي يقتضي الفساد ومن قال: لا يقتضي الفساد يقول: هذا خبر واحد ولا يكفي في إثبات هذه القاعدة المهمة قال النووي: وهذا جواب فاسد. ٢ - وفيه أن الصلح الفاسد منتقض والمأخوذ عليه مستحق الرد. ٣ - ويستفاد منه أن حكم الحكام لا يغير ما في باطن الأمر. ٤ - وفيه رد المحدثات. قال النووي: وهذا الحديث مما ينبغي حفظه واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به.

стр. 3750

(٤٦١) باب بيان خير الشهود ٣٩٤٥ - عن زيد بن خالد الجهني ﵁ أن النبي ﷺ قال "ألا أخبركم بخير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها". -[المعنى العام]- يقول الله تعالى ﴿وأقيموا الشهادة لله﴾ [الطلاق: ٢] ويقول ﴿ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه﴾ [البقرة: ٢٨٣] ويقول ﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]. من هنا كانت الشهادة واجبة الأداء لأنها وسيلة رد الحقوق إلى أصحابها وهي البينة التي يبني عليها القاضي حكمه وكانت حيطة الشارع لها من حيث أهلية الشاهد للشهادة ومن حيث الأداء على وجهها الصحيح فحذر من شهادة الزور وجعلها تعدل الشرك وحماها من العوامل النفسية ومن النوازع البشرية عندما تكون القضية لقريب أو ضد قريب فقال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين﴾ [النساء: ١٣٥]. هذه أمور مقررة واضحة ولكن المسألة الفرعية التي يتكلم عنها الحديث هي: هل يؤدي الشاهد شهادته لدى الحاكم متطوعا ودون أن تطلب منه؟ ظاهر الحديث أنه في هذه الحالة يكون خير الشهود لكن حديث آخر يجعل الشاهد الذي يؤدي الشهادة دون أن يستشهد من علامات سوء الزمان وفساد الأحوال وتكلم العلماء في الجمع بين الحديثين كما سيأتي في فقه الحديث. -[المباحث العربية]- (ألا أخبركم بخير الشهداء؟ ) الهمزة للاستفهام الإنكاري بمعنى النفي دخلت على "لا" النافية ونفي النفي إثبات فآل المعنى أخبركم بخير الشهداء. (الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها) الموصول خبر مبتدأ محذوف أي خير الشهداء الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها والخيرية هنا إضافية أي هذا خير من الذي يأتي بالشهادة بعد أن يسألها.
следующие страницы →