← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.

стр. 3746

-[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]- ١ - أن الكتابة بالحديث كالسماع من الشيخ في وجوب العمل وأما في الرواية فمنع منها قوم والمشهور الجواز. ٢ - ذكر الحكم مع دليله في التعليم وكذا الفتوى. ٣ - وفيه شفقة الوالد على ولده وإعلامه بما ينفعه وتحذيره من الوقوع فيما يكره. ٤ - وفيه نشر العلم للعمل به والاقتداء وإن لم يسأل العالم عنه. والله أعلم

стр. 3747

(٤٦٠) باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور ٣٩٤٣ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". ٣٩٤٤ - عن سعد بن إبراهيم قال: سألت القاسم بن محمد عن رجل له ثلاثة مساكن فأوصى بثلث كل مسكن منها. قال: يجمع ذلك كله في مسكن واحد ثم قال: أخبرتني عائشة أن رسول الله ﷺ قال "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد". -[المعنى العام]- يقول الله تعالى ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ [المائدة: ٣] وقد تركنا رسول الله ﷺ على المحجة البيضاء ليلها كنهارها ترك لنا أمرين ما إن تمسكنا بهما لن نضل بعده أبدا كتاب الله وسنته ﷺ وما لحق ﷺ بالرفيق الأعلى إلا وكانت أمور الشريعة إما منصوصا عليها وإما داخلة تحت نص وأصل أرساه الشرع. نعم قد جدت في الحياة أمور لم تكن وستجد أمور كثيرة غير كائنة اليوم وواجب العلماء والمجتهدين إدخالها تحت أصل ونص شرعي فإن عجزوا قدموا درء المفاسد على جلب المصالح والحذر من المشتبهات خير من الوقوع فيها. فمثلا شهادات الاستثمار التي تصدرها البنوك لم تكن ثم كانت وبحثها العلماء المجتهدون فرادى وفي مؤتمرات وأجمعوا على إدخالها تحت أصل الربا ولم يشذ عنهم إلا من لا يعتد بشذوذه. إن رسول الله ﷺ يحذر من يوم تلعب فيه الأهواء وتأخذ بالعلماء ذات اليمين أو ذات اليسار ويدعو الجماعة القائمة على حدود الله في كل عصر أن يردوا أي عمل لا يتوافق مع أصول الشرع وقواعده ونصوصه. والله الهادي سواء السبيل. -[المباحث العربية]- (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) المراد من قوله "أمرنا" سنتنا أي من

стр. 3748

حكم بغير السنة جهلا أو غلطا يجب عليه الرجوع إلى حكم السنة وترك ما خالفها امتثالا لأمر الله تعالى بإيجاب طاعة رسول الله ﷺ والإشارة لتأكيد المراد. والأصل في الإحداث الابتداع والابتداء بالشيء وإنشاؤه على غير مثال سابق فالمعنى من اخترع في الدين مالا يشهد له أصل من أصوله فلا يعتد به ولا يلتفت إليه. وفي الرواية الثانية "من عمل عملا ليس عليه أمرنا" فعمم العمل بغير السنة سواء كان محدثا له مخترعا له لأول مرة أو كان مسبوقا به ومن هنا قال النووي: وفي الرواية الثانية زيادة وهي أنه قد يعاند بعض الفاعلين في بدعة سبق إليها فإذا احتج عليه بالرواية الأولى يقول: أنا ما أحدثت شيئا -فعله قبلي فلان فلست محدثا فلا أدخل فيه ولا يحتج به عليه بالثانية التي فيها التصريح برد كل المحدثات سواء أحدثها الفاعل أو سبق بإحداثها. اهـ. وقوله "رد" معناه مردود من إطلاق المصدر على اسم المفعول مثل الخلق يطلق على المخلوق كأنه قال: فهو باطل ولا يعتد به ولا يعتد بالثمرات المترتبة عليه. -[فقه الحديث]- قال الطرقي: هذا الحديث يصلح أن يسمى نصف أدلة الشرع لأن الدليل يتركب من مقدمتين وهذا الحديث مقدمة كبرى في إثبات كل حكم شرعي ونفيه لأن منطوقه مقدمة كلية في كل دليل ناف لحكم مثل أن يقال في الوضوء بماء نجس: هذا ليس من أمر الشرع وكل ما كان كذلك فهو مردود فهذا العمل مردود فالمقدمة الثانية ثابتة بهذا الحديث ومفهوم الحديث أن من عمل عملا عليه أمر الشرع فهو صحيح فحديث الباب نصف أدلة الشرع. وقال النووي: هذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام وهو من جوامع كلمه ﷺ فإنه صريح في رد كل البدع والمخترعات. اهـ. أي في الدين. وقد ذكره مسلم تحت كتاب الأقضية كمستدل به على رد الحكم الصادر من القاضي جهلا أو غلطا إذا خالف حكم السنة وقد ترجم البخاري ترجمة مساوية لهذا الحديث في كتاب الأحكام فقال (باب إذا قضى الحاكم بجور أو خلاف أهل العلم فهو رد) لكنه لم يذكر هذا الحديث تحت هذه الترجمة. وذكر قصة خالد بن الوليد مع الأسرى وقول النبي ﷺ : "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد مرتين". وذكر البخاري حديثنا تحت ترجمة (باب إذا اجتهد العامل أو الحاكم فأخطأ من غير علم فحكمه مردود). قال الكرماني: المراد بالعامل عامل الزكاة وبالحاكم القاضي وقوله "فأخطأ" أي في أخذ واجب الزكاة أو في قضائه قال الحافظ ابن حجر: على تقدير ثبوت هذه الرواية التي أخذ منها البخاري ترجمته فالمراد بالعالم المفتي أي أخطأ في فتواه. وذكر البخاري حديثنا أيضا في كتاب الصلح تحت (باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود).

стр. 3749

وقد أثارت الرواية الثانية إشكالا. قال الحافظ ابن حجر: قول القاسم "يجمع ذلك كله في مسكن واحد" مشكل جدا فالذي أوصى بثلث كل مسكن أوصى بأمر جائز اتفاقا وإلزام القاسم بأن يجمع في مسكن واحد فيه نظر لاحتمال أن يكون بعض المساكن أعلى قيمة من بعض لكن يحتمل أن تكون تلك المساكن متساوية فيكون الأولى أن تقع الوصية بمسكن واحد من الثلاثة ولعله كان في الوصية شيء زائد على ذلك يوجب إنكارها وقد استشكل القرطبي هذا الإشكال وأجاب عنه بالحمل على ما إذا أراد أحد الفريقين الفدية أو أراد أحد الموصى لهم القسمة وتمييز حقه وكانت المساكن بحيث يضم بعضها إلى بعض في القسمة فحينئذ تقوم المساكن قيمة التعديل ويجمع نصيب الموصى لهم في موضع ويبقى نصيب الورثة فيما عدا ذلك. وحاصل الدفاعات عن الإشكال أن في القضية عنصرا لم يذكر في الحديث بنى عليه القاسم حكمه والله أعلم. -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - قال النووي: فيه دليل لمن يقول من الأصوليين: إن النهي يقتضي الفساد ومن قال: لا يقتضي الفساد يقول: هذا خبر واحد ولا يكفي في إثبات هذه القاعدة المهمة قال النووي: وهذا جواب فاسد. ٢ - وفيه أن الصلح الفاسد منتقض والمأخوذ عليه مستحق الرد. ٣ - ويستفاد منه أن حكم الحكام لا يغير ما في باطن الأمر. ٤ - وفيه رد المحدثات. قال النووي: وهذا الحديث مما ينبغي حفظه واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به.

стр. 3750

(٤٦١) باب بيان خير الشهود ٣٩٤٥ - عن زيد بن خالد الجهني ﵁ أن النبي ﷺ قال "ألا أخبركم بخير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها". -[المعنى العام]- يقول الله تعالى ﴿وأقيموا الشهادة لله﴾ [الطلاق: ٢] ويقول ﴿ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه﴾ [البقرة: ٢٨٣] ويقول ﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]. من هنا كانت الشهادة واجبة الأداء لأنها وسيلة رد الحقوق إلى أصحابها وهي البينة التي يبني عليها القاضي حكمه وكانت حيطة الشارع لها من حيث أهلية الشاهد للشهادة ومن حيث الأداء على وجهها الصحيح فحذر من شهادة الزور وجعلها تعدل الشرك وحماها من العوامل النفسية ومن النوازع البشرية عندما تكون القضية لقريب أو ضد قريب فقال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين﴾ [النساء: ١٣٥]. هذه أمور مقررة واضحة ولكن المسألة الفرعية التي يتكلم عنها الحديث هي: هل يؤدي الشاهد شهادته لدى الحاكم متطوعا ودون أن تطلب منه؟ ظاهر الحديث أنه في هذه الحالة يكون خير الشهود لكن حديث آخر يجعل الشاهد الذي يؤدي الشهادة دون أن يستشهد من علامات سوء الزمان وفساد الأحوال وتكلم العلماء في الجمع بين الحديثين كما سيأتي في فقه الحديث. -[المباحث العربية]- (ألا أخبركم بخير الشهداء؟ ) الهمزة للاستفهام الإنكاري بمعنى النفي دخلت على "لا" النافية ونفي النفي إثبات فآل المعنى أخبركم بخير الشهداء. (الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها) الموصول خبر مبتدأ محذوف أي خير الشهداء الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها والخيرية هنا إضافية أي هذا خير من الذي يأتي بالشهادة بعد أن يسألها.

стр. 3751

-[فقه الحديث]- يعرف هذا الحديث بحديث زيد بن خالد وهو يتعارض مع حديث ابن مسعود "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته" وحديث عمران بن حصين "إن بعدكم قوما يخونون ولا يؤتمنون ويشهدون ولا يستشهدون وينذرون ولا يوفون" فإن هذين الحديثين ذم للشهادة قبل أن تسأل أمام هذا التعارض جنح بعض العلماء إلى الترجيح فرجح فريق حديث زيد بن خالد على رأسهم ابن عبد البر لكون الحديث من رواية أهل المدينة فقدمه على رواية أهل العراق وبالغ فزعم أن حديث عمران هذا لا أصل له ورجح فريق حديث عمران لاتفاق البخاري ومسلم عليه بخلاف حديث زيد الذي انفرد به مسلم. وجنح آخرون إلى الجمع بين الحديثين فأجابوا بأجوبة: أحدها: أن المراد بحديث زيد: من عنده شهادة لإنسان بحق لا يعلم به صاحبه فيأتي إليه فيخبره به أو يموت صاحبه العالم به ويخلف ورثة فيأتي الشاهد إليهم أو إلى من يتحدث عنهم فيعلمه به أجاب بهذا التخصيص لحديث زيد يحيى بن سعيد شيخ مالك ومالك وأصحاب الشافعي. قال الحافظ ابن حجر: وهو أحسن الأجوبة. اهـ. لأن الشهادة حينئذ أمانة واجبة الأداء. ثانيها: أن المراد بحديث زيد شهادة الحسبة وهي ما لا يتعلق بحقوق الآدميين المختصة بهم محضا ويدخل في الحسبة -ما يتعلق بحق الله أو فيه شائبة منه- كالعتاق والوقف والوصية العامة والعدة والطلاق والحدود ونحو ذلك. وحاصله أن المراد بحديث ابن مسعود: الشهادة في حقوق الآدميين والمراد بحديث زيد: الشهادة في حقوق الله فمن علم شيئا من هذا النوع وجب عليه رفعه إلى القاضي وإعلامه به والشهادة واجبة قال تعالى ﴿وأقيموا الشهادة لله﴾ [الطلاق: ٢]. ثالثها: أن حديث زيد محمول على المبالغة في الإجابة إلى أداء الشهادة بعد طلبها لا قبله فيكون لشدة استعداده لها وحرصه على أدائها كالذي أداها قبل أن يسألها كما يقال في وصف الجواد: إنه ليعطي قبل الطلب أي يعطي سريعا عقب السؤال من غير توقف. فالمعنى: الذي يبادر بالشهادة حين طلبها. رابعها: أن حديث عمران محمول على شهادة الزور فيشهد بما لا أصل له ولم يستشهد. خامسها: أن حديث عمران محمول على الحلف والإكثار منه واليمين قد تسمى شهادة فيصبح المعنى: ويكثرون من الحلف ولا يستحلفون. سادسها: أن حديث عمران يراد به الشهادة على المغيب من أمر الناس فيشهد على قوم أنهم في النار ولقوم بأنهم في الجنة بغير دليل كما يصنع ذلك أهل الأهواء.

стр. 3752

سابعها: أن المراد بحديث عمران من ينتصب شاهدا وليس من أهل الشهادة. هذا والأجوبة من الرابع إلى السابع مبنية على القول بجواز أداء الشهادة عند الحاكم قبل الطلب أما من يقول: إن الأصل في أداء الشهادة عند الحكام أن لا تكون إلا بعد الطلب من صاحب الحق فيكفيه الإجابات الثلاث الأوليات. والله أعلم.

стр. 3753

(٤٦٢) باب اختلاف المجتهدين ٣٩٤٦ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "بينما امرأتان معهما ابناهما جاء الذئب فذهب بابن إحداهما. فقالت: هذه لصاحبتها إنما ذهب بابنك أنت. وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك. فتحاكمتا إلى داود فقضى به للكبرى. فخرجتا على سليمان بن داود ﵉ فأخبرتاه. فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما. فقالت الصغرى: لا يرحمك الله هو ابنها. فقضى به للصغرى. قال: قال أبو هريرة: والله إن سمعت بالسكين قط إلا يومئذ ما كنا نقول إلا المدية. -[المعنى العام]- جاءت الشريعة الإسلامية بنصوص محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما المحكمات فلا اجتهاد فيها وأما المتشابهات فكانت مجالا للنظر والاجتهاد وكذلك أمور الحياة منها ما هو بديهي حقائق ثابتة واضحة ومنها ما هو في حاجة إلى اجتهاد وفكر ونظر واستنباط وكانت ميزة الشريعة الإسلامية أن جعلت للعقل نصيبا كبيرا في إدارة شئون الحياة بل وفي كثير من أمور العباد وكان القضاء والعلم والفتوى في كثير من الأحيان في حاجة ماسة إلى الاجتهاد ونتيجة لذلك كان اختلاف المجتهدين وكان تشجيع الشريعة للاجتهاد وسبق أن مر بنا أنها جعلت للمصيب أجرين وللمخطئ أجرا واحدا. والشرع الحكيم يحكي لنا في هذا الحديث قصة رسولين اجتهدا في قضية وكان الصواب في جانب الابن وكان للأب أجره على اجتهاده. امرأتان كانتا في بادية الشام ترعيان أغنامهما أو تحتطبان ومع كل منهما ابنها الرضيع تركتا ابنيهما على الأرض متجاورين وذهبتا لبعض شأنهما وعادتا وقد عدا الذئب على الطفلين فذهب بأحدهما فلما رجعتا وجدتا طفلا واحدا ادعت كل واحدة منهما أنه ابنها وقالت كل منهما للأخرى: إنما ذهب الذئب بابنك أنت فتحاكمتا إلى داود ﵇ والكبرى تحمل الطفل والصغرى لا شاهد معها ولا دليل فقضى داود للكبرى بالطفل وخرجتا على سليمان بن داود ﵉ الكبرى مسرورة فرحة والصغرى حزينة باكية قال لهما: ما شأنكما؟ فقصتا عليه القصة

стр. 3754

وخطر لسليمان أن كلا من المرأتين تعرف الحقيقة فالأم تعرف ابنها معرفة لا تخلطه بغيره بعد أيام من ولادته لونه ولون عينيه وتقاسيم وجهه ووزنه إلى غير ذلك لكن أنى له الوصول إلى الحقيقة فلجأ إلى حيلة يستخرج منها الحقيقة. قال لمن حوله: هاتوا لي سكين. قالت الصغرى: ولم؟ قال: أشقه بينكما كل منكما تأخذ نصفه وثارت عاطفة الأم. إنها تقبل أن يعيش ابنها في أحضان أخرى تراه حيا ولو من بعيد ولا تقبل أن يموت وأما غير الأم التي تعلم أن ابنها أكله الذئب لا تعبأ أن يقتل ابن الأخرى بل قتله قد يخفف عنها مصابها فإذا عمت البلوى هانت أمام هذه المشاعر قبلت غير الأم وهي الكبرى وسكتت سكوت الراضية أما الأم فأزعجها قول سليمان فقالت على الفور وبلهفة وجزع: لا لا تشقه يرحمك الله هو ابنها سلمه لها وعرف سليمان أنها الأم الحقيقية فحكم به لها يذكر لنا الحديث هذه القصة لنجتهد يذكرها وهو يستحسن الاجتهاد والرأي الآخر يذكرها وهو لا يذم المخطئ لكنه يستحسن المصيب وصدق الله العظيم إذ يقول ﴿ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما﴾ [الأنبياء: ٧٩]. -[المباحث العربية]- (بينما امرأتان معهما ابناهما جاء الذئب) "بينما" هي "بين" الظرفية زيدت عليها "ما" وناصبها هنا "جاء الذئب" وجملة "معهما ابناهما" صفة "امرأتان" والتقدير: جاء الذئب وقت كون امرأتين معهما ابناهما. و"أل" في "الذئب" للجنس المتمثل في فرد من أفراده. (فذهب بابن إحداهما) أي خطفه وجرى ليأكله. (فقالت هذه لصاحبتها) الإشارة لإحداهما من غير تعيين الصغرى أو الكبرى كأنه قال قالت إحداهما للأخرى. (فتحاكمتا إلى داود) ﵇ وفي رواية البخاري "فحاكما" وفي نسخة له "فاختصما" والتذكير باعتبارهما شخصين. (فقضى به للكبرى) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسم واحدة من هاتين المرأتين ولا على اسم واحد من ابنيهما في شيء من الطرق. اهـ. والظاهر أن فارق السن وشكل الجسم كان مميزا لهما وسيأتي في فقه الحديث توجيه حكمه للكبرى. (ائتوني بالسكين) المخاطبون بذلك حاشيته وخاصته ويحتمل أنه خطاب للمرأتين مع من حولهما أما قوله "أشقه بينكما" فهو خطاب للمرأتين. (أشقه بينكما) الجملة مستأنفة استئنافا تعليليا. كأن سائلا سأل: لماذا نأتي بالسكين؟ (لا يرحمك الله) "لا" في قوة جملة: لا تشقه. وتم الكلام عندها وجملة "يرحمك الله" خبرية

стр. 3755

لفظا إنشائية دعائية معنى وينبغي في الكتابة وضع نقطة بين "لا" وبين ما بعدها وينبغي في النطق أن يقف قليلا بعد "لا" حتى يتبين للسامع أن الذي بعدها كلام مستأنف لأنه إذا وصلها بما بعدها يتوهم السامع أنه دعا عليه بينما المراد أنه يدعو له وعلم البلاغة يزيد واوا ليزول الإيهام فيقال: لا. ويرحمك الله. (والله إن سمعت بالسكين قط) "إن" نافية أي ما سمعت بالسكين و"قط" مبني على الضم أي أبدا. والسكين تذكر وتؤنث قيل لها ذلك لأنها تسكن حركة الحيوان. (ما كنا نقول إلا المدية) بضم الميم وكسرها وفتحها قيل: سميت بذلك لأنها تقطع مدى حياة الحيوان. قاله النووي وعلق محقق نسخة النووي على نفي أبي هريرة سماعه بالسكين فقال: والعجب من أبي هريرة هل ما قرأ سورة يوسف وهي مكية وإسلامه متأخر كان عام خيبر ففي هذه السورة ﴿وآتت كل واحدة منهن سكينا﴾ [يوسف: ٣١]. اهـ. وكان على المحقق أن يعتذر عن أبي هريرة بأنه كان يمنيا هاجر إلى المدينة عام خيبر ولعل سماعه هذا الحديث كان عقب وصوله المدينة والعبرة بسماعه لا بتحديثه فكأنه قال: ما كنت سمعت بالسكين إلا يومئذ يوم سمعت الحديث. -[فقه الحديث]- يثير هذا الحديث أربع قضايا: الأولى: علام بنى داود ﵇ حكمه للكبرى؟ وأجاب ابن الجوزي بأنهما استويا عنده في وضع اليد فقدم الكبرى للسن وتعقبه القرطبي وحكي أنه قيل: كان من شرع داود أن يحكم للكبرى قال: وهو فاسد لأن الكبرى والصغرى وصف طردي كالطول والقصر والسواد والبياض ولا أثر لشيء من ذلك في الترجيح قال: وهذا مما يكاد يقطع بفساده قال: والذي ينبغي أن يقال: إن داود ﵇ قضى به للكبرى لسبب اقتضى به عنده ترجيح قولها إذ لا بينة لواحدة منهما وكون هذا السبب لم يذكر في الحديث اختصارا لا يلزم منه عدم وقوعه فيحتمل أن يقال: إن الولد الباقي كان في يد الكبرى وعجزت الصغرى عن إقامة البينة قال: وهذا تأويل حسن جار على القواعد الشرعية وليس في السياق ما يأباه ولا يمنعه. اهـ. وقيل: لعل داود قضى به للكبرى لشبه رآه فيها أو نحو ذلك. ويؤيد هذا التوجيه أن الله تعالى اعتبر ما وصل إليه داود علما وحكمة فقال ﴿ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما﴾ [الأنبياء: ٧٩]. ٢ - القضية الثانية: كيف ساغ لسليمان نقض حكم أبيه داود ﵉؟ مع أن المجتهد لا ينقض حكم المجتهد؟ وأجيب بأجوبة: أحدها أن داود ﵇ لم يكن جزم بالحكم بل كان

стр. 3756

الوقت وقت دراسة الحيثيات فليس هناك نقض للحكم وتعقب بأن التعبير بقوله "فقضى للكبرى" يأباه ويفيد صدور الحكم من داود ثانيها: أن ذلك كان فتوى من داود ﵇ لا حكما ونقض الفتوى أو فتوى المجتهد يمكن أن تغاير فتوى مجتهد آخر وتعقب بأن التعبير بقوله "فتحاكمتا" .. وقوله "فقضى" يأبى ذلك. ثالثها: لعله كان في شرعهم فسخ الحكم إذا رفعه الخصم إلى حكم آخر يرى خلافه وبهذا يقول بعض العلماء فقد استنبط النسائي من هذا الحديث نقض الحاكم ما حكم به غيره ممن هو مثله أو أجل إذا اقتضى الأمر ذلك. وعلى هذا محاكم الاستئناف والنقض في مصر وغيرها. رابعها: أن سليمان لم ينقض الحكم عمدا وإنما فعل ذلك حيلة إلى إظهار الحق وظهور الصدق فلما أقرت به الكبرى عمل بإقرارها وإن كان بعد الحكم كما لو اعترف المحكوم له بعد الحكم أن الحق لخصمه فليس هذا من قبيل نقض الحكم وإنما هو من قبيل تبدل الأحكام بتبدل الأسباب. القضية الثالثة: كيف ساغ لسليمان أن يلغي إقرار المدعية" فقد أقرت الصغرى بأنه ابن الكبرى "لا يرحمك الله هو ابنها" فكيف يحكم لها بنقيضه؟ وأجيب بأنه لم يلتفت إلى إقرارها لأنه علم أنها آثرت حياته وأن إقرارها لم يكن عن حقيقة فظهر له من القرائن ما يدفعه إلى هذا الحكم وقد يكون سليمان ﵇ ممن يسوغ له أن يحكم بعلمه وقد استنبط النسائي من الحديث أنه يجوز للحاكم الحكم بخلاف ما يعترف به المحكوم له إذا تبين للحاكم أن الحق غير ما اعترف به. القضية الرابعة: كيف ساغ لسليمان ﵇ أن يحكم هذا الحكم دون بينة أو يمين؟ مع احتمال أن جزع الصغرى كان من مزيد الشفقة عامة لا من موقع الأمومة؟ واحتمال أن رضا الكبرى بالشق كان من قساوة القلب عامة لا من موقع عدم الأمومة؟ وأجيب باحتمال أن يكون سليمان ﵇ ممن أجيز له الحكم بما يستقر في علمه أو احتمال أن تكون الكبرى في تلك الحالة قد أقرت بالحق واعترفت به لما رأت من سليمان ﵇ الجد والعزم في ذلك. -[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]- ١ - أن الفطنة والفهم موهبة من الله تعالى لا تتعلق بكبر سن ولا صغره قال تعالى ﴿ففهمناها سليمان﴾ ٢ - وأن الحق في جهة واحدة. ٣ - وأن الأنبياء يسوغ لهم الحكم بالاجتهاد وإن كان وجود النص ممكنا لديهم بالوحي لكن ذلك يزيد في أجورهم. ٤ - استنبط منه النسائي في السنن الكبرى التوسعة للحاكم أن يقول للشيء الذي لا يفعله سأفعل كذا ليستبين له الحق. ٥ - وفيه الحكم بالاستدلال.

стр. 3757

٦ - وفيه استلحاق الأم. قال ابن بطال: أجمعوا على أن الأم لا تستلحق بالزوج ما ينكره فإن أقامت البينة قبلت حيث تكون في عصمته فلو لم تكن ذات زوج وقالت لمن لا يعرف له أب: هذا ابني ولم ينازعها فيه أحد فإنه يعمل بقولها وترثه ويرثها ويرثه إخوته لأمه ونازعه ابن التين فحكى عن ابن القاسم: لا يقبل قولها إذا ادعت اللقيط. (إضافة) يروى أن سليمان ﵇ أصاب الحق في قضايا أخرى غير هذه القضية. منها: ١ - ما جاء في القرآن الكريم في سورة الأنبياء من قوله تعالى ﴿وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما﴾ [الآيتان ٧٨ - ٧٩]. والقصة -كما جاءت في الروايات- أن جماعة لهم حرث من عنب دخلت فيه غنم قوم ليلا فرعت العنب فقضى داود بأن يأخذوا الغنم ملكا لهم في مقابل ثمرة الحرث التي فسدت وحكم سليمان حكما آخر قال: إن الحرث لا يخفي على صاحبه ما يخرج منه كل عام فلصاحب الحرث من صاحب الغنم قيمة ما أفسدت الغنم فتدفع الغنم لصاحب الحرث يرعاها ويحصل منها على الصوف والألبان وما يخرج من أولادها حولا فيستوفي ثمن حرثه ويقوم أهل الغنم على الحرث حولا يصلحونه ويراعونه حتى يعود كما كان ثم يدفع الحرث إلى صاحبه وترد الأغنام لأهلها. ٢ - القصة الثانية: قصة المرأة التي اتهمت بالزنا فشهد عليها أربعة بذلك فأمر داود برجمها فعمد سليمان -وهو غلام فصور ومثل قصتها بين غلمان أمام الشهود ثم فرق بين الشهود وسألهم وامتحنهم فيما رأوا فتخالفوا فدرأ الرجم عنها. ٣ - وقصة ثالثة قصة المرأة التي صب عند فرجها ماء البيض وهي نائمة ثم اتهمت بالزنا فأمر داود برجمها فقال سليمان: يشوى ذلك الماء على النار فإن اجتمع فهو بيض وإلا فهو مني فشوى فاجتمع. والله أعلم.

стр. 3758

(٤٦٣) باب استحباب إصلاح الحاكم بين الخصمين ٣٩٤٧ - عن همام بن منبه ﵁ قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها وقال رسول الله ﷺ "اشترى رجل من رجل عقارا له فوجد الرجل الذي اشترى العقار في عقاره جرة فيها ذهب. فقال له الذي اشترى العقار خذ ذهبك مني إنما اشتريت منك الأرض ولم أبتع منك الذهب. فقال الذي شرى الأرض إنما بعتك الأرض وما فيها. قال: فتحاكما إلى رجل فقال الذي تحاكما إليه ألكما ولد؟ فقال: أحدهما لي غلام. وقال الآخر: لي جارية. قال: أنكحوا الغلام الجارية وأنفقوا على أنفسكما منه وتصدقا". -[المعنى العام]- رأينا في الباب السابق صورة من التنازع على ما ليس بحق ونرى في هذا الحديث صورة من الورع عن أخذ ما هو بحق وهكذا نجد الإنسانية تنحرف بها الأهواء نحو الظلم والافتراء والبغي تارة وينحو بها الضمير والروح نحو السمو والعلو والترفع والرقي والأمانة الغالية تارة أخرى. رجلان يبيع أحدهما للآخر دارا بمبلغ من المال قبضه وسلمه الدار وأراد المشتري هدم جدار في الدار فوجد تحته جرة فيها كمية كبيرة من الذهب فذهب المشتري للبائع يقول له: تعال فخذ الجرة وما فيها من ذهب فإنها حقك وملكك لأنني اشتريت منك الدار ولم أشتر منك جرة فيها ذهب قال له البائع ليست الجرة حقي فأنا لم أدفنها ولم أعلم عنها شيئا وقد بعتك الدار وما فيها أرضها ومبانيها وما عساه يكون بداخلها. فكان لا بد من حكم يقضي من يستحق جرة الذهب فاتجها إلى حكم وعرضا عليه القضية وتحير الحكم لكل من الخصمين وجهة نظر وهما مشكوران على إيثارهما وورعهما وبالغ أمانتهما ومن كان كذلك استحق التقدير والجزاء ماذا يفعل هذا الحكم؟ أيقسم الذهب بينهما؟ وما حيثيات هذا الحكم؟ إذن فليلجأ إلى وسيلة يكافأ بها الرجلان على ورعهما بطريق غير مباشر فسألهما عن أولادهما فوجد أحدهما عنده ولد ووجد الآخر عنده بنت فطلب منهما أن يزوجا الولد للبنت وأن يصرف من المال على العرس وأن يعطي العروسان ما يبقى ينفقان منه حياتهما.

стр. 3759

المباحث العربية (اشترى رجل من رجل عقارا له) أي عقارا يملكه ليس وكيلا عن غيره في البيع والعقار بفتح العين -في اللغة المنزل والضيعة وخصه بعضهم بالنخل ويقال للمتاع النفيس الذي للمنزل عقار أيضا وقال عياض: العقار الأصل من المال وقيل: المنزل والضيعة وقيل: متاع البيت فجعله خلافا والمعروف في اللغة أنه مقول بالاشتراك على الجميع. والمراد به هنا الدار صرح بذلك في بعض الروايات. (فقال له الذي اشترى العقار: خذ ذهبك مني) هكذا هو في الأصول وفي البخاري فضمير "له" يعود على البائع وقد بعد المرجع لكنه مغتفر حيث حدده المقام. (ولم أبتع منك الذهب) أي ولم أشتر منك الذهب. (فقال الذي شرى الأرض) أي الذي باعها كما في قوله تعالى ﴿وشروه بثمن بخس﴾ [يوسف: ٢٠] وهكذا هو في أكثر نسخ مسلم "شرى" وفي بعضها "اشترى" ووهمها القرطبي قال: إلا إن ثبت أن لفظ "اشترى" من الأضداد كشري فلا وهم. (إنما بعتك الأرض وما فيها) الظاهر أن العقد إنما وقع بينهما على الأرض خاصة فاعتقد البائع دخول ما فيها ضمنا واعتقد المشتري أنه لا يدخل. (فتحاكما إلى رجل) ظاهره أنهما حكما رجلا غير المنصبين للقضاء لكن في بعض الروايات أنه كان حاكما منصوبا للناس وجزم الغزالي في "نصيحة الملوك" أنهما تحاكما إلى كسرى. (ألكما ولد) بفتح الواو واللام والمراد الجنس لأنه يستحيل أن يكون للرجلين ولد واحد والمعنى: ألكل منكما ولد؟ ويجوز أن يكون بضم الواو وسكون اللام جمع ولد ويجوز كسر الواو مع سكون اللام أي أولاد. (فقال أحدهما: لي غلام) في بعض الروايات أن الذي قال: لي غلام هو الذي اشترى العقار. (أنكحوا الغلام الجارية) في بعض الروايات "اذهبا. فزوج ابنتك من ابن هذا". (وأنفقوا على أنفسكما منه وتصدقا) هكذا هو في مسلم "على أنفسكما" وعند البخاري "وأنفقوا على أنفسهما منه" وهي أوجه وفي بعض الروايات "وجهزوهما من هذا المال وادفعا إليهما ما بقي يعيشان به".

стр. 3760

-[فقه الحديث]- ذكر البخاري هذا الحديث في كتاب الأنبياء تحت "باب" لم يحدد عنوانه وذكر معه أمورا حدثت قبل الإسلام وقد اختلف العلماء في شرع من قبلنا. هل هو شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما يعارضه؟ أو ليس شرعا لنا حتى يرد في شرعنا ما يؤيده؟ أما حكم الإسلام في مثل هذه القضية فيقول الحافظ ابن حجر: لفظ الحديث صريح في أن العقد إنما وقع على الأرض خاصة وأما صورة الدعوى بينهما فوقعت على هذه الصورة وأنهما لم يختلفا في صورة العقد التي وقعت والحكم في شرعنا على هذا في مثل ذلك أن القول قول المشتري وأن الذهب باق على ملك البائع ويحتمل أنهما اختلفا في صورة العقد بأن يقول المشتري لم يقع تصريح ببيع الأرض وما فيها بل بيع الأرض خاصة والبائع يقول: وقع التصريح بذلك والحكم في هذه الصورة أن يتحالفا ويستردا المبلغ وهذا كله بناء على ظاهر اللفظ أنه وجد فيه جرة من ذهب لكن في رواية أن المشتري قال: إنه اشترى دارا فعمرها فوجد فيها كنزا وأن البائع قال له لما دعاه إلى أخذه: ما دفنت ولا علمت وأنهما قالا للقاضي: ابعث من يقبضه وتضعه حيث رأيت فامتنع وعلى هذا فحكم هذا المال حكم الركاز في هذه الشريعة إن عرف أنه من دفين الجاهلية وإلا فإن عرف أنه من دفين المسلمين فهو لقطة وإن جهل فحكمه حكم المال الضائع يوضع في بيت المال. ولعلهم لم يكن في شرعهم هذا التفصيل فلهذا حكم القاضي بما حكم به. ثم قال: فإن ثبت أنهما تحاكما إلى كسرى ارتفعت هذه المباحث الماضية والمتعلقة بالتحكيم لأن الكافر لا حجة فيما يحكم به. اهـ. وقد احتج بهذا الحديث من جوز للمتداعين أن يحكما بينهما رجلا وينفذا حكمه فإن ثبت أنه كان حاكما منصوبا للناس فلا حجة فيه لهم وهي مسألة مختلف فيها فأجاز ذلك مالك والشافعي بشرط أن يكون فيه أهلية الحكم وأن يحكم بينهما بالحق سواء وافق ذلك رأي قاضي البلد أم لا واستثنى الشافعي الحدود وشرط أبو حنيفة أن لا يخالف ذلك رأي قاضي البلد وجزم القرطبي بأنه لم يصدر منه حكم على أحد منهما وإنما أصلح بينهما لما ظهر له أن حكم المال المذكور حكم المال الضائع فرأى أنهما أحق بذلك من غيرهما لما ظهر له من ورعهما وحسن حالهما وارتجى طيب نسلهما وصلاح ذريتهما. ويثور هنا سؤال: أي الرجلين أكثر أمانة؟ البائع؟ أم المشتري؟ وقع في بعض الروايات عن أبي هريرة: لقد رأيتنا يكثر تمارينا -أي جدالنا- ومنازعتنا عند النبي ﷺ أيهما أكثر أمانة؟ والله أعلم

стр. 3761

كتاب اللقطة

стр. 3762

(٤٦٤) باب اللقطة ٣٩٤٨ - عن زيد بن خالد الجهني ﵁ أنه قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن اللقطة؟ فقال "اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها". فقال: فضالة الغنم؟ قال "لك أو لأخيك أو للذئب". قال: فضالة الإبل؟ قال "ما لك ولها معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها" قال يحيى: أحسب قرأت عفاصها. ٣٩٤٩ - عن زيد بن خالد الجهني ﵁ أن رجلا سأل رسول الله ﷺ عن اللقطة؟ فقال "عرفها سنة ثم اعرف وكاءها وعفاصها ثم استنفق بها فإن جاء ربها فأدها إليه" فقال: يا رسول الله فضالة الغنم؟ قال "خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب". قال: يا رسول الله فضالة الإبل؟ قال: فغضب رسول الله ﷺ حتى احمرت وجنتاه (أو احمر وجهه) ثم قال "ما لك ولها؟ معها حذاؤها وسقاؤها حتى يلقاها ربها". ٣٩٥٠ - وفي رواية عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن بهذا الإسناد مثل حديث مالك غير أنه زاد قال: أتى رجل رسول الله ﷺ وأنا معه فسأله عن اللقطة؟ قال: وقال عمرو في الحديث "فإذا لم يأت لها طالب فاستنفقها". ٣٩٥١ - عن زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: أتى رجل رسول الله ﷺ فذكر نحو حديث إسمعيل بن جعفر غير أنه قال: فاحمار وجهه وجبينه وغضب وزاد (بعد قوله ثم عرفها سنة) "فإن لم يجيء صاحبها كانت وديعة عندك".

стр. 3763

٣٩٥٢ - عن زيد بن خالد الجهني ﵁ صاحب رسول الله ﷺ قال: سئل رسول الله ﷺ عن اللقطة الذهب أو الورق؟ فقال "اعرف وكاءها وعفاصها ثم عرفها سنة فإن لم تعرف فاستنفقها ولتكن وديعة عندك فإن جاء طالبها يوما من الدهر فأدها إليه". وسأله عن ضالة الإبل؟ فقال "ما لك ولها؟ دعها فإن معها حذاءها وسقاءها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها" وسأله عن الشاة؟ فقال "خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب". ٣٩٥٣ - عن زيد بن خالد الجهني ﵁ أن رجلا سأل النبي ﷺ عن ضالة الإبل؟ زاد ربيعة فغضب حتى احمرت وجنتاه واقتص الحديث بنحو حديثهم وزاد "فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها وعددها ووكاءها فأعطها إياه وإلا فهي لك". ٣٩٥٤ - عن زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن اللقطة؟ فقال "عرفها سنة فإن لم تعترف فاعرف عفاصها ووكاءها ثم كلها فإن جاء صاحبها فأدها إليه". ٣٩٥٥ - وفي رواية عن الضحاك بن عثمان بهذا الإسناد وقال في الحديث "فإن اعترفت فأدها وإلا فاعرف عفاصها ووكاءها وعددها". ٣٩٥٦ - عن سويد بن غفلة قال: خرجت أنا وزيد بن صوحان وسلمان بن ربيعة غازين فوجدت سوطا فأخذته. فقالا لي. دعه. فقلت: لا ولكني أعرفه فإن جاء صاحبه وإلا استمتعت به. قال: فأبيت عليهما. فلما رجعنا من غزاتنا قضي لي أني حججت فأتيت المدينة فلقيت أبي بن كعب فأخبرته بشأن السوط وبقولهما. فقال: إني وجدت صرة فيها مائة دينار على عهد رسول الله ﷺ فأتيت بها رسول الله ﷺ فقال "عرفها حولا" قال: فعرفتها فلم أجد من يعرفها ثم أتيته فقال "عرفها حولا" فعرفتها فلم أجد من يعرفها ثم أتيته فقال "عرفها حولا" فعرفتها فلم أجد من يعرفها فقال "احفظ عددها ووعاءها ووكاءها فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها" فاستمتعت بها. فلقيته بعد ذلك بمكة. فقال: لا أدري بثلاثة أحوال أو حول واحد؟ . ٣٩٥٧ - -/- وفي رواية عن سويد بن غفلة قال: خرجت مع زيد بن صوحان وسلمان بن ربيعة فوجدت سوطا. واقتص الحديث بمثله إلى قوله فاستمتعت بها. قال شعبة: فسمعته بعد عشر سنين يقول عرفها عاما واحدا. ٣٩٥٨ - وفي رواية نحو حديث شعبة وفي حديثهم جميعا ثلاثة أحوال إلا حماد بن سلمة فإن في حديثه "عامين أو ثلاثة" وفي حديث سفيان وزيد بن أبي أنيسة وحماد بن سلمة "فإن جاء أحد يخبرك بعددها ووعائها

стр. 3764

ووكائها فأعطها إياه" وزاد سفيان في رواية وكيع "وإلا فهي كسبيل مالك". وفي رواية ابن نمير "وإلا فاستمتع بها". ٣٩٥٩ - عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي أن رسول الله ﷺ نهى عن لقطة الحاج. ٣٩٦٠ - عن زيد بن خالد الجهني ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال "من آوى ضالة فهو ضال ما لم يعرفها". -[المعنى العام]- من تشريعات الإسلام السامية المحافظة على الملكية الفردية وحماية أموال الناس من الناس حمايتها وهي في حرز مثلها من أن تغتصب أو تسرق أو تنهب أو يتحايل على الاستيلاء عليها بطريق النصب أو بطريق القضاء الخاطئ "كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه" "من اغتصب قيد شبر من أرض طوقه من سبع أرضين يوم القيامة" "من قضيت له بحق امرئ مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو يدعها"

стр. 3765

هذا بعد نهى القرآن بقوله ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون﴾ [البقرة: ١٨٨]. كثير من نصوص الكتاب والسنة تحذر من أكل أموال الناس بالباطل وهي في حرز مثلها ولكن الأرقى تشريعا والأسمى معاملة حماية أموال الناس الضائعة من أصحابها حين نجدها ولا نعلم أصحابها وما واجبنا نحوها؟ هذه الأحاديث ترسم لنا طريق التكافل الاجتماعي وأن المسلمين كاليدين تغسل إحداهما الأخرى وأن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وأن على المؤمن إذا وجد شيئا ضائعا من صاحبه أن يحميه من نفسه الأمارة بالسوء التي بين جنبيه الطامعة فيه وأن يلتقطه ليحفظه لصاحبه ليس هذا فحسب بل يجب عليه أن يعلن عنه في مكان التقاطه وفي الأسواق وفي أماكن اجتماع الناس سنة كاملة على الأقل تكون اللقطة وديعة لدى الملتقط خلالها لا يحل له منها نتاجها المنفصل ولا المتصل ولا أجرة له على حفظها اللهم إلا ما ينفقه عليها لتحيا إن كانت ذات حياة أما لقطة المال والمتاع الذي لا يفسد بمرور الأيام فيعلن عنها إن جاء صاحبها وأخبر بأوصافها واطمأنت لصدقه نفس الملتقط سلمها له أما بعد مرور العام فتنتقل من الوديعة التي لا يجوز التصرف فيها ولا الانتفاع بها إلى وديعة يتصرف فيها الملتقط تصرف الملكية مع الضمان إن جاء صاحبها في يوم من الأيام فإن كانت اللقطة إبلا أو نحوها مما لا خطر منها ولا عليها إن هي تركت في مكانها فعلى المسلم تركها حتى يعود إليها مالكها في مكان ضياعها فهل هناك تشريع أرقى من هذا التشريع؟ إنه بحق تشريع الحكيم الخبير. -[المباحث العربية]- (جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله) في الرواية الثالثة "أتى رجل رسول الله ﷺ وأنا معه" وفي رواية البخاري "جاء أعرابي النبي ﷺ " وقد ذهب بعض المتأخرين أن السائل المذكور هو بلال المؤذن وفيه بعد لأنه لا يوصف بأنه أعرابي وقيل: السائل هو الراوي نفسه زيد بن خالد الجهني وفيه بعد أيضا لظاهر الرواية الثالثة ولأنه لا يوصف بأنه أعرابي نعم في رواية لأحمد عن زيد بن خالد "أنه سأل النبي ﷺ أو أن رجلا سأل" على الشك قال الحافظ ابن حجر: لعله نسب السؤال إلى نفسه لكونه كان مع السائل قال: وقد ظفرت باسم السائل فيما أخرجه الحميدي والطبراني وغيرهما عن عقبة بن سويد الجهني عن أبيه قال: سألت رسول الله ﷺ ... " وهو أولى ما يفسر به المبهم. اهـ. فالسائل سويد الجهني ﵁ اهـ وقد سأل آخرون في غير هذا الحديث عن اللقطة بألفاظ مختلفة. (عن اللقطة) بضم اللام وفتح القاف على المشهور عند أهل اللغة والمحدثين وقال عياض: لا يجوز غيره وقال الزمخشري في الفائق: اللقطة بفتح القاف والعامة تسكنها وجزم الخليل بأنها

стр. 3766

بالسكون قال: وأما بالفتح فهو اللاقط قال الأزهري: هذا الذي قاله هو القياس ولكن الذي سمع من العرب وأجمع عليه أهل اللغة والحديث الفتح وقال ابن برى: التحريك للمفعول نادر فاقتضى أن الذي قاله الخليل هو القياس وفيها لغتان أيضا: لقاطة بضم اللام ولقطة بفتحها. اهـ. والمراد من اللقطة ما وجده الإنسان ضائعا أو ساقطا من صاحبه من غير الحيوان أما الحيوان فيقال عنه: ضالة. قال الأزهري وغيره: يقال للضوال الهوامي والهوافي واحدتها هامية وهافية وهمت وهفت وهملت إذا ذهبت على وجهها بلا راع. وفي الرواية الخامسة "عن اللقطة الذهب أو الورق" بكسر الراء وهو الفضة و"الذهب" بالجر بدل من اللقطة وذكر الذهب أو الفضة كالمثال ولا فرق بينهما وبين الجوهر واللؤلؤ والأمتعة والأدوات والمقصود من السؤال عن اللقطة السؤال عن جواز التقاطها من عدمه وعما يفعل فيها إذا التقطت. (اعرف عفاصها) بكسر العين بعدها فاء ممدودة بعدها صاد الوعاء الذي تكون فيه النفقة جلدا كان أو غيره وقيل له العفاص أخذا من العفص وهو الثني لأن الوعاء يثنى على ما فيه وفي بعض الروايات "خرقتها" بدل "عفاصها" والعفاص أيضا الجلد الذي يكون على رأس القارورة وأما الذي يدخل فم القارورة من جلد أو غيره فهو الصمام بكسر الصاد المهملة قال الحافظ ابن حجر: فحيث ذكر العفاص مع الوعاء فالمراد به الثاني وحيث لم يذكر العفاص مع الوعاء فالمراد به الأول. والغرض معرفة الآلات التي تحفظ النفقة ويلتحق بما ذكر حفظ الجنس والصفة والقدر والكيل فيما يكال والوزن فيما يوزن والذرع فيما يذرع. والمراد من الأمر بالمعرفة العلم والحفظ وقال بعض الشافعية يستحب تقييدها بالكتابة خوف النسيان. (ووكاءها) بكسر الواو الخيط الذي يشد به الوعاء يقال: أوكيته إيكاء فهو موكى بلا همز وفي ملحق الرواية السابعة "اعرف عفاصها ووكاءها وعددها" وفي ملحق الرواية الثامنة "فإن جاء أحد يخبرك بعددها ووعائها ووكائها". (ثم عرفها سنة) معناه إذا أخذتها فعرفها سنة أما أن الأخذ واجب أو مستحب فسيأتي في فقه الحديث والمراد من التعريف الإعلان عنها بالصوت أو بالكتابة في الموضع الذي وجدها فيه وفي الأسواق وعلى أبواب المساجد ومواضع اجتماع الناس فيقول مثلا: من ضاع منه شيء؟ من ضاع منه حيوان؟ من ضاع منه دراهم؟ ونحو ذلك ويكرر ذلك بحسب العادة فيعرفها أولا في كل يوم ثم في كل أسبوع ثم في كل شهر. (فإن جاء صاحبها) في الرواية الأولى جواب الشرط محذوف تقديره: فأدها إليه. ظهر هذا الجواب في الرواية الثانية ولفظها "فإن جاء ربها فأدها إليه" والرواية الخامسة ولفظها "فإن جاء طالبها يوما من الدهر فأدها إليه" والرواية السادسة ولفظها "فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها وعددها ووكاءها فأعطها إياه" والرواية السابعة ولفظها "فإن جاء صاحبها فأدها إليه". (وإلا فشأنك بها) أي وإن لم يجيء صاحبها فحذف فعل الشرط و"شأن" منصوب على

стр. 3767

الإغراء أي الزم شأنك ويجوز الرفع على الابتداء والجار والمجرور "بها" متعلق بمحذوف خبر أي شأنك متعلق بها والشأن الحال أي تصرف فيها وفي الرواية الثانية "ثم استنفق بها" أي صيرها نفقة لك وفي الرواية الثالثة "فإذا لم يأت لك طالب فاستنفقها" وفي الرواية الرابعة "فإن لم يجيء صاحبها كانت وديعة عندك" وفي الرواية الخامسة "فإن لم تعرف فاستنفقها ولتكن وديعة عندك" و"تعرف" بضم التاء وسكون العين وفتح الراء مبني للمجهول أي: إن لم يعرفها أحد. وفي الرواية السادسة "وإلا فهي لك" وفي الرواية السابعة "فإن لم تعترف فاعرف عفاصها ووكاءها ثم كلها" أي تملكها و"تعترف" بضم التاء وسكون العين وفتح التاء الثانية مبني للمجهول أي وإن لم يعترف بها أحد ويخبر أنها له فاعرف عفاصها ووكاءها ثم كلها وهذه معرفة أخرى فيكون الملتقط مأمورا بمعرفتين فيتعرفها أول ما يلتقطها حتى يعلم صدق واصفها إذا وصفها ولئلا تختلط وتشتبه بماله فإذا عرفها سنة وأراد تملكها استحب له أن يتعرفها أيضا مرة أخرى تعرفا وافيا محققا ليعلم قدرها وصفتها فيردها إلى صاحبها إذا جاء بعد تملكها وتلفها. وسيأتي مزيد لهذا في فقه الحديث. (قال: فضالة الغنم؟ ) مبتدأ خبره محذوف أو خبر لمبتدأ محذوف والفاء فصيحة في جواب شرط مقدر أي إذا كان هذا حكم لقطة الأشياء والنقود فما حكم لقطة ضالة الغنم؟ أي الغنم الضالة؟ وفي الرواية الخامسة "وسأله عن الشاة" أي عن الشاة الضالة؟ (قال: لك أو لأخيك أو للذئب) قال النووي: معناه الإذن في أخذها و"لك" خبر مبتدأ محذوف وفي الرواية الثانية والخامسة "خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب" كأنه قال: هي ضعيفة معرضة للهلاك مترددة بين أن تأخذها أنت أو أخوك في الإنسانية أعم من صاحبها أو ملتقط آخر والمراد بالذئب جنس ما يأكل الشاة من السباع ففيه حث له على أخذها لأنه إذا علم أنه إن لم يأخذها بقيت للذئب دفعه ذلك إلى أخذها. (قال: فضالة الإبل؟ ) أي ما حكم لقطة الإبل الضالة؟ (قال: مالك ولها؟ ) أي أي شيء لك معها؟ والاستفهام إنكاري بمعنى النفي أي لا شيء لك معها ولا شأن لك بها وفي الرواية الثانية "فغضب رسول الله ﷺ حتى احمرت وجنتاه -أو احمر وجهه- ثم قال: مالك ولها" الوجنة ما ارتفع من الخدين وإنما غضب ﷺ لكثرة أسئلة الرجل وفي الرواية الرابعة "فاحمار وجهه وجبينه وغضب". (معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها) المراد من سقائها كرشها فهي تملؤه مرة واحدة بحيث يكفيها أياما بدون حاجة للشرب والمراد من حذائها أخفافها فهي تقوى بأخفافها على السير الطويل وقطع الصحارى المترامية الأطراف التي لا ماء فيها فهي مستغنية عن الحفظ لها بما ركب في طباعها من الجلادة على العطش وتناول المأكول من غير تعب فلا تحتاج إلى ملتقط ثم هي ممتنعة من الذئاب وغيرها من صغار السباع التي كانت في صحارى العرب.

стр. 3768

(خرجت أنا وزيد بن صوحان وسلمان بن ربيعة غازين) سويد بن غفلة بفتح الغين وفتح الفاء أبو أمية الجعفي تابعي كبير مخضرم أدرك النبي ﷺ وكان في زمنه رجلا ولم يره على الصحيح وأعطى الصدقة وقيل: إنه صلى خلفه ولم يثبت وإنما قدم المدينة حين نفضوا أيديهم من دفنه ﷺ ثم شهد الفتوح ونزل الكوفة ومات بها سنة ثمانين أو بعدها وله مائة وثلاثون سنة أو أكثر. أما زيد بن صوحان -بضم الصاد- العبدي فتابعي كبير مخضرم أيضا وزعم الكلبي أن له صحبة وكان قدومه في عهد عمر وقتل يوم الجمل في صفوف علي ﵃. وأما سلمان بن ربيعة الباهلي فيقال: إن له صحبة ويقال له: سليمان الخيل لخبرته بها وكان أميرا على بعض المغازي في فتوح العراق في عهد عمر وعثمان وكان أول من ولي قضاء الكوفة واستشهد في خلافة عثمان في فتوح العراق. (فأبيت عليهما) أي امتنعت عن تنفيذ رأيهما. (قال شعبة: فلقيته بعد ذلك بمكة فقال: لا أدري: بثلاثة أحوال؟ أو حول واحد؟ ) أصل الإسناد عند مسلم: وحدثني أبو بكر بن نافع -واللفظ له- حدثنا غندر -حدثنا شعبة عن سلمة ابن كهيل قال: سمعت سويد بن غفلة .. الحديث وقد بينت إحدى روايات مسلم أن القائل: فلقيته هو شعبة وأنه لقى شيخه سلمة ابن كهيل فالشك من سلمة وأغرب بعض العلماء فقال: إن الشك من أبي بن كعب والقائل هو سويد بن غفلة وقد رواه غير شعبة عن سلمة ابن كهيل بغير شك جماعة كلهم قالوا في حديثهم ثلاثة أحوال إلا حماد بن سلمة فإن في حديثه "عامين أو ثلاثة" وقد حاول بعض العلماء الجمع والتوجيه وسيأتي في فقه الحديث وفي ملحق الرواية الثامنة "قال شعبة: فسمعته بعد عشر سنين يقول عرفها عاما واحدا" وفي رواية "عامين أو ثلاثة" والرواية التي في الأصل "بثلاثة أحوال أو حول واحد" بالجر وتقديرها: لا أدري. أمر بثلاثة أعوام؟ أو بعام واحد. ورواية البخاري "لا أدري. ثلاثة أحوال؟ أو حولا واحدا" بالنصب وهو ظاهر. (وإلا فهي كسبيل مالك) أي وإن لم يجيء صاحبها فطريقها طريق ما تملك. (نهى عن لقطة الحاج) أي عن التقاط ما ضاع من الحاج في الحرم قال النووي: يعني نهى عن التقاطها للتملك وأما التقاطها للحفظ فقط فلا مانع منه وقد أوضح هذا ﷺ في الحديث الآخر "ولا تحل لقطتها إلا لمنشد" وقد سبقت المسألة مبسوطة في آخر كتاب الحج. (من أوى ضالة فهو ضال ما لم يعرفها) قال النووي: يجوز أن يكون المراد بالضالة هنا ضالة الإبل ونحوها مما لا يجوز التقاطها للتملك بل إنها تلتقط للحفظ على صاحبها فيكون معناه: من آوى ضالة فهو ضال ما لم يعرفها أبدا ولا يتملكها والمراد بالضال المفارق للصواب.

стр. 3769

-[فقه الحديث]- يتعلق باللقطة وهذه الأحاديث مسائل فقهية: الأولى: حكم أخذ اللقطة من مكان وجودها وفي ذلك يقول النووي: فيه مذاهب عند أصحابنا الشافعية أصحها أنه مستحب ولا يجب. والثاني: يجب والثالث: إن كانت اللقطة في موضع يأمن عليها إذا تركها استحب الأخذ وإلا وجب. اهـ. والذي تستريح إليه النفس أنه إن كان الملتقط معرضا للهلاك أو الفساد أو الإفساد وكان هذا الشخص متعينا أو نادرا ما يمر غيره وجب أخذها لأن الله لا يحب المفسدين وإن كان الملتقط آمنا مأمونا يغلب على الظن عودة صاحبه إليه فلا يجوز أخذها وإن كان غير ذلك جاز أو استحب حسب ظروف الملتقط والآخذ والصاحب. النقطة أو المسألة الثانية: التعريف قالوا: إذا أخذها وجب عليه أن يعرفها سنة على الأقل بإجماع المسلمين إذا كانت اللقطة ليست تافهة ولا في معنى التافهة ولم يرد حفظها على صاحبها بل أراد تملكها قال النووي: ولا بد من تعريفها سنة بالإجماع فأما إذا لم يرد تملكها بل أراد حفظها على صاحبها فهل يلزمه التعريف؟ فيه وجهان لأصحابنا: أحدهما لا يلزمه بل إن جاء صاحبها وأثبتها دفعها إليه وإلا دام حفظها والثاني: وهو الأصح: أنه يلزمه التعريف لئلا تضيع على صاحبها فإنه لا يعلم أين هي؟ حتى يطلبها فوجب تعريفها. اهـ. ولعل القول الأول يعتمد على أن صاحبها سينشدها وسيعلن عنها فهو أحق بالبحث عنها ممن وجدها. وأما الشيء الحقير فيجب تعريفه زمنا يظن أن فاقده لا يطلبه في العادة أكثر من ذلك الزمان وفي حديث أبي بن كعب روايتنا الثامنة أنه ﷺ أمر بتعريفها ثلاث سنين وفي رواية سنة وفي رواية أن الراوي شك قال: لا أدري؟ أقال حولا أو ثلاثة أحوال وفي رواية "عامين أو ثلاثة" قال القاضي عياض: قيل في الجمع بين الروايات قولان. أحدهما: أن يطرح الشك والزيادة ويكون المراد سنة في رواية الشك وترد الزيادة لمخالفتها باقي الأحاديث والثاني أنهما قضيتان فروايات زيد في التعريف سنة محمولة على أقل ما يجزئ ورواية أبي بن كعب "ثلاث سنين" محمولة على الورع وزيادة الفضيلة. قال: وقد أجمع العلماء على الاكتفاء بتعريف سنة ولم يشترط أحد تعريف ثلاثة أعوام إلا ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ ولعله لم يثبت عنه وقد يحمل ذلك على عظم اللقطة وحقارتها وجزم ابن حزم وابن الجوزي بأن هذه الزيادة غلط قال: والذي يظهر أن سلمة أخطأ فيها ثم تثبت واستذكر واستمر على عام واحد ولا يؤخذ إلا بما لا يشك فيه راويه وقال ابن الجوزي: يحتمل أن يكون ﷺ عرف أن تعريف أبي لم يقع على الوجه الذي ينبغي فأمره بإعادة التعريف كما قال للمسيئ صلاته "ارجع فصل فإنك لم تصل" قال الحافظ ابن حجر: ولا يخفى بعد هذا على مثل أبي مع كونه من فقهاء الصحابة وفضلائهم وقد حكى صاحب الهداية من الحنفية رواية عندهم أن

стр. 3770

الأمر في التعريف مفوض لأمر الملتقط فعليه أن يعرفها إلى أن يغلب على ظنه أن صاحبها لا يطلبها بعد ذلك. المسألة الثالثة: إذا جاء صاحبها أثناء مدة التعريف قال النووي: قال أصحابنا: إذا عرفها فجاء صاحبها في أثناء مدة التعريف فأثبت أنه صاحبها أخذها بزيادتها المتصلة والمنفصلة فالمتصلة كالزيادة في الوزن والشحم في الحيوان وتعليم الحرث والسقي وتدريب الفرس ونحو ذلك والمنفصلة كالولد واللبن والصوف ونحو ذلك. اهـ. وللملتقط أن يطالب صاحبها بما أنفقه عليها. فإذا جاء من يدعيها ولم يصدقه الملتقط لم يجز له دفعها إليه وإن صدقه جاز له الدفع إليه ولا يلزمه إلا أن يقيم البينة فيجبر على تسليمها كذا عند الشافعي وأبي حنيفة وذهب مالك وأحمد إلى وجوب تسليمها لمن جاء فأخبر بأوصافها عملا بظاهر ملحق روايتنا الثامنة ولفظه "فإن جاء أحد يخبرك بعددها ووعائها ووكائها فأعطها إياه" وظاهر روايتنا الخامسة ولفظها "فإن جاء طالبها يوما من الدهر فأدها إليه". أي فإن جاء من وصفها فأصاب أو أقام البينة فادفعها إليه فإن جاء آخر فوصفها فأصاب أو أقام بينة أخرى ففي ذلك تفاصيل في المذاهب الفقهية. وقال بعض متأخري الشافعية: يمكن أن يحمل وجوب الدفع لمن أصاب الوصف على ما إذا كان ذلك قبل التملك لأنه حينئذ مال ضائع لم يتعلق به حق ثان بخلاف ما بعد التملك فإنه حينئذ يحتاج المدعي إلى البينة لعموم قوله ﷺ "البينة على المدعي". المسألة الرابعة: إذا لم يجيء صاحبها بعد تعريفها سنة فهي لمن وجدها غنيا كان أو فقيرا له أن يتملكها وله أن يديم حفظها لصاحبها فإن أراد تملكها فقد قال جمهور الشافعية: لا يملكها إلا بلفظ التملك بأن يقول: تملكتها أو اخترت تملكها وقال بعضهم: لا يملكها إلا بالتصرف فيها بالبيع ونحوه وقال بعضهم: يكفيه نية التملك ولا يحتاج إلى لفظ وقيل: يملكها بمجرد مضي السنة. فإذا تملكها ولم يظهر لها صاحب فلا شيء عليه بل هو كسب طيب لا مطالبة عليه به في الآخرة وإن جاء صاحبها بعد تملكها أخذها بزيادتها المتصلة دون المنفصلة فإن كانت قد تلفت بعد التملك لزم الملتقط بدلها عندنا وعند الجمهور كذا قال النووي. وقال الحافظ ابن حجر: اختلف العلماء فيما إذا تصرف في اللقطة بعد تعريفها سنة ثم جاء صاحبها هل يضمنها له؟ أم لا؟ فالجمهور على وجوب الرد إن كانت العين موجودة أو البدل إن كانت استهلكت وخالف في ذلك بعض الشافعية وداود الظاهري. واحتج الجمهور بروايتنا الثانية وفيها "عرفها سنة ثم اعرف وكاءها وعفاصها ثم استنفق بها فإن جاء ربها فأدها إليه" وروايتنا الرابعة ولفظها "ثم عرفها سنة فإن لم يجيء صاحبها كانت وديعة عندك" والخامسة ولفظها "ثم عرفها سنة فإن لم تعرف فاستنفقها ولتكن وديعة عندك فإن جاء طالبها يوما من الدهر فأدها إليه" والسابعة ولفظها "عرفها سنة فإن لم تعترف فاعرف عفاصها

стр. 3771

ووكاءها ثم كلها فإن جاء صاحبها فأدها إليه" فهذه الروايات تدل على وجوب ردها لصاحبها إذا جاء قبل التصرف فيها أو بعده والأمر بردها بعد الأمر بأكلها ظاهر في وجوب رد البدل. وقد يحتج لداود ومن قال بقوله بروايتنا الأولى ولفظها "وإلا فشأنك بها" وروايتنا السادسة ولفظها "وإلا فهي لك" وملحق روايتنا الثامنة ولفظه "وإلا فهي كسبيل مالك" وبقوله عن الغنم "هي لك أو لأخيك أو للذئب" فتمسك به مالك في أنه يملكها بالأخذ ولا يلزمه غرامة ولو جاء صاحبها لأنه سوى بين الذئب والملتقط والذئب لا غرامة عليه فكذلك الملتقط وأجيب بأن اللام ليست للتمليك لأن الذئب لا يملك وإنما يملكها الملتقط بعد التعريف على شرط ضمانها. فيصبح الفرق بين سنة التعريف وما بعد سنة التعريف أن سنة التعريف لا يجوز له أن يتصرف في اللقطة مطلقا إلا إذا تعرضت للفساد وهو ضامن على كل حال أما بعد سنة التعريف فشأنه بها والتصرف فيها وهي كسبيل ماله وهي له تصرفا مع الضمان". المسألة الخامسة: جاء أن عثمان بن عفان وعليا ﵄ أمرا بالتقاط ضالة الإبل وأنهما بذلك خالفا أمر الرسول ﷺ والحق أنهما أمرا بذلك حين أصبحت الإبل الضالة غير آمنة إذ اتسعت رقعة البلاد الإسلامية وداخلهم غير المسلمين واللصوص وكثر الخطف والسرقة حتى للإبل غير الضالة فكان الأمر بالتقاطها أمرا بحفظها لصاحبها وهو مفهوم الأحاديث دون أية مخالفة لها فالحكمة والعلة في أمر الرسول ﷺ بتركها وعدم التقاطها أنها ممتنعة مأمونة محفوظة لصاحبها حتى يجدها فتغير الوضع في عهد عثمان وأصبحت غير آمنة فتغير الحكم وعمل بلفظ الحديث في حالة أمنها وعمل بمفهوم الحديث في حالة عدم أمنها فتحقق العمل بالحديث في الحالين لأن مؤداه. لا تلتقطها مادامت آمنة ومفهومه: التقطها مادامت غير آمنة. -[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]- ١ - استدل بعضهم بالرواية الثانية على جواز الحكم والفتوى وقت الغضب دون كراهة وقيل: إن ذلك من خصوصياته ﷺ فإن غضبه ﷺ لا يخرجه عن الحق بخلاف غيره فيكره له الحكم في حال الغضب وإن كان نافذا كما سبق قريبا. ٢ - جواز قول كلمة "رب" في مثل رب المال ورب المتاع ورب الماشية بمعنى صاحبها الآدمي قال النووي: وهذا هو الصحيح الذي عليه جماهير العلماء ومنهم من كره إضافته إلى ما له روح دون المال والدار ونحوه وهذا غلط لقوله ﷺ "فإن جاء ربها فأدها إليه" و"حتى يلقاها ربها" ونظائر ذلك كثيرة. ٣ - قال النووي: في قوله "من آوى ضالة فهو ضال ما لم يعرفها" دليل للمذهب المختار أنه يلزمه تعريف اللقطة مطلقا سواء أراد تملكها أو حفظها على صاحبها وهذا هو الصحيح. ٤ - يؤخذ من أحاديث الباب أن التقاط اللقطة وتملكها لا يفتقر إلى حكم حاكم ولا إلى إذن السلطان وهذا مجمع عليه.

стр. 3772

٥ - ويؤخذ من عمومها وإطلاقها أنه لا فرق فيها بين الغني والفقير وهذا مذهب الشافعية ومذهب الجمهور. ٦ - استدل بقوله "فإن لم يجيء صاحبها كانت وديعة عندك" في روايتنا الرابعة أنها لو تلفت لم يكن عليه ضمانها وهو اختيار البخاري تبعا لجماعة من السلف وقد سبق تفصيل القول فيه. ٧ - استدل بروايتنا التاسعة أن لقطة مكة لا تلتقط للتمليك بل للتعريف خاصة وهو قول الجمهور وإنما اختصت بذلك عندهم لإمكان إيصالها إلى ربها لأنها إن كانت للمكي فظاهر وإن كانت للأفاقي فلا يخلو أفق غالبا من وارد إليها فإذا عرفها واجدها كل عام سهل التوصل إلى معرفة صاحبها وقال أكثر المالكية وبعض الشافعية: هي كغيرها من البلاد وإنما تختص مكة بالمبالغة في التعريف لأن الحاج يرجع إلى بلده وقد لا يعود فاحتاج الملتقط بها إلى المبالغة في التعريف. والله أعلم.

стр. 3773

(٤٦٥) باب تحريم حلب الماشية بدون إذن صاحبها ٣٩٦١ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال "لا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته فتكسر خزانته فينتقل طعامه؟ إنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم فلا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه". ٣٩٦٢ - -/- وفي رواية عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ نحو حديث مالك غير أن في حديثهم جميعا "فينتثل" إلا الليث بن سعد فإن في حديثه "فينتقل طعامه" كرواية مالك. -[المعنى العام]- مظهر ثالث من مظاهر المحافظة على أموال الناس فقد حرم على الخصوم أن يستولى أحدهم على مال الغير عن طريق القضاء وحدد طريقة حفظ الملتقط للمال الضائع وها هو في هذا الحديث يحفظ اللبن في ضروع المواشي من أن يستولى عليه أحد من غير إذن صاحبه. لقد كانت المواشي ترعى قطعانا في الكلأ المباح منطلقة في نباتات الأرض المباحة وكان الناس يقطعون الفيافي والقفار على أقدامهم يمرون بتلك المواشي وهم جياع وعطاشى ومن يملك إبلا أو بقرا أو غنما كثيرات يكفيه لبن بعض ما يملك فرخصت الشريعة لابن السبيل والمحتاج أن يشرب حاجته من لبن هذه المواشي إن لم يجد صاحبها ولم يجد راعيها يشرب قدر الحاجة ولا يحمل فلما استغنى ابن السبيل بحمل زاده وشحت النفوس نهى رسول الله ﷺ أن يحلب أحد ماشية أحد بغير إذنه وشبه اللبن في الضرع بالحب في المخازن وكما لا يجوز لأحد أن يكسر خزانة أحد ويستولى على ما فيها من طعام لا يجوز لأحد أن يحلب ماشية أحد بدون إذنه. -[المباحث العربية]- (لا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه) "لا يحلبن" بفتح الياء وضم اللام بينهما حاء ساكنة وفي رواية "لا يحتلبن" بزيادة التاء وكسر اللام وفي رواية البخاري "لا تحتلب ماشية أحد" بالبناء

стр. 3774

للمجهول وفي رواية له "لا يحلبن أحد ماشية امرئ بغير إذنه" وفي رواية عند أحمد "نهى أن يحتلب مواشي الناس إلا بإذنهم" والماشية تقع على الإبل والبقر والغنم ولكنه في الغنم يقع أكثر. (أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته؟ ) بضم الراء وقد تفتح أي غرفته وبفتح الراء مكان شربه. (فتكسر خزانته؟ ) بكسر الخاء المكان أو الوعاء الذي يخزن فيه ما يراد حفظه وفي رواية أحمد "فيكسر بابها". (فينتقل طعامه؟ ) بضم الياء وسكون النون وفتح التاء والقاف أي يحول من مكان إلى آخر وفي رواية "فينتثل" بالثاء بدل القاف والنثل النثر مرة واحدة وبسرعة وقيل: الاستخراج وهو أخص من النقل. (وإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم) "تخزن" بفتح التاء وسكون الخاء وضم الزاي وفي رواية "تحرز" بضم التاء وسكون الحاء وكسر الراء والضروع جمع ضرع وهو للبهائم كالثدي للمرأة. وفي رواية للبخاري "أطعماتهم" جمع أطعمة والأطعمة جمع طعام والمراد به هنا اللبن. ومعنى الحديث أنه ﷺ شبه اللبن في الضرع بالطعام المخزون المحفوظ في الخزانة في أنه لا يحل أخذه بغير إذن مالكه. -[فقه الحديث]- ظاهر الحديث وصريحه النهي عن حلب الماشية بدون إذن صاحبها لكن أخرج أبو داود والترمذي وصححه "إذا أتى أحدكم على ماشية فإن لم يكن صاحبها فيها فليصوت ثلاثا فإن أجاب فليستأذنه فإن أذن له وإلا فليحلب وليشرب ولا يحمل" وأخرج ابن ماجه والطحاوي وصححه ابن حبان والحاكم "إذا أتيت على راع فناده ثلاثا فإن أجابك وإلا فاشرب من غير أن تفسد وإذا أتيت على حائط بستان ... " إلى آخر الحديث. أمام هذا التعارض بين حديثنا وهذه الأحاديث قال بعض العلماء: إن حديث النهي أصح فهو أولى بأن يعمل به وإن الأحاديث المعارضة لا يعمل بها ولا يلتفت إليها لأنها معارضة للقواعد الشرعية القطعية في تحريم مال المسلم بغير إذنه. ومن العلماء من حاول الجمع بين حديثنا وبينها فقال بعضهم: يحمل الإذن على ما إذا علم طيب نفس صاحبه ويحمل النهي على ما إذا لم يعلم. وقال بعضهم: أحاديث الإذن والشرب مخصوصة بابن السبيل دون غيره أو بالمضطر أو بحال المجاعة مطلقا وهذه التخصيصات متقاربة.

стр. 3775

وقال ابن بطال: إن حديث الإذن بالشرب كان في زمنه ﷺ وحديث النهي أشار به إلى ما سيكون بعده من التشاح وترك المواساة. وقال بعضهم: حديث النهي محمول على ما إذا كان المالك أحوج من المار لحديث أبي هريرة "بينما نحن مع رسول الله ﷺ في سفر إذ رأينا إبلا مصرورة -أي مملوء ضرعها باللبن- فابتدرها القوم ليحلبوها فقال لنا رسول الله ﷺ إن هذه الإبل لأهل بيت من المسلمين هو قوتهم أيسركم لو رجعتم إلى مزاودكم فوجدتم ما فيها قد ذهب؟ قالوا: لا. قال: فإن ذلك كذلك" قالوا: فيحمل حديث الإذن بالحلب على ما إذا لم يكن المالك محتاجا ويحمل حديث النهي على ما إذا كان المالك محتاجا. وقال بعضهم: يقصر الإذن بالشرب على ماشية أهل الذمة ويحمل النهي على ما كان للمسلمين واستؤنس لهذا القول بما شرطه بعض الصحابة على أهل الذمة من ضيافة المسلمين وصح ذلك عن عمر لكن جاء عن مالك في المسافر ينزل بالذمي قال: لا يأخذ منه شيئا إلا بإذنه قيل له: فالضيافة التي جعلت عليهم؟ قال: كانوا يومئذ يخفف عنهم بسببها وأما الآن فلا. وجنح بعضهم إلى نسخ الإذن وحملوه على أنه كان قبل إيجاب الزكاة قالوا: وكانت الضيافة واجبة حينئذ ثم نسخ ذلك بفرض الزكاة. واختار ابن العربي الحمل على العادة قال: وكانت عادة أهل الحجاز والشام وغيرهم المسامحة في ذلك بخلاف بلدنا. وقال النووي: في شرح المهذب: اختلف العلماء فيمن مر ببستان أو زرع أو ماشية: قال الجمهور: لا يجوز أن يأخذ منه شيئا إلا في حال الضرورة فيأخذ ويغرم عند الشافعي والجمهور وقال بعض السلف: لا يلزمه شيء وقال أحمد إذا لم يكن على البستان حائط جاز له الأكل من الفاكهة الرطبة في أصح الروايتين ولو لم يحتج لذلك وفي الرواية الأخرى إذا احتاج ولا ضمان عليه في الحالين. وعلق الشافعي القول بذلك على صحة حديث "إذا مر أحدكم بحائط فليأكل ولا يتخذ خبيئة" قال الحافظ ابن حجر: والحديث بمجموع طرقه لا يقصر عن درجة الصحيح وقد احتجوا في كثير من الأحكام بما هو دونه. اهـ. قلت: الاحتجاج بما دونه في كثير من الأحكام حيث لا يوجد غيره شيء وكونه معارضا بحديث صحيح أقوى منه شيء آخر. -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - ضرب الأمثال للتقريب للأفهام وتمثيل ما قد يخفى بما هو أوضح منه ٢ - واستعمال القياس في النظائر. ٣ - وفيه ذكر الحكم بعلته وإعادته بعد ذكر العلة تأكيدا وتقريرا.

стр. 3776

٤ - وأن القياس لا يشترط في صحته مساواة الفرع للأصل بكل اعتبار بل ربما كان للأصل مزية لا يضر سقوطها في الفرع إذا تشاركا في أصل الصفة لأن الضرع لا يساوي الخزانة في الحرز كما أن الصر لا يساوي القفل فيه ومع ذلك فقد ألحق الشارع الضرع المصرور في الحكم بالخزانة المقفلة في تحريم تناول كل منهما بغير إذن صاحبه أشار إلى ذلك ابن المنير. ٥ - وفيه إباحة خزن الطعام واحتكاره إلى وقت الحاجة إليه خلافا لغلاة المتزهدة المانعين من الادخار مطلقا قاله القرطبي. ٦ - وفيه أن اللبن يسمى طعاما فيحنث من حلف لا يتناول طعاما إلا أن يكون له نية في إخراج اللبن. قاله النووي. ٧ - قال النووي: وفيه أن بيع لبن الشاة بشاة في ضرعها لبن باطل وبه قال الشافعي والجمهور وأجازه الأوزاعي. اهـ. وهذا المأخذ غير واضح. ٨ - وفيه كما قال النووي: تحريم أخذ مال الإنسان بغير إذنه والأكل منه والتصرف فيه وأنه لا فرق بين اللبن وغيره وسواء المحتاج وغيره إلا المضطر الذي لا يجد ميتة ويجد طعاما لغيره فيأكل الطعام للضرورة ويلزمه بدله لمالكه عندنا وعند الجمهور وقال بعض السلف وبعض المحدثين: لا يلزمه وهذا ضعيف فإن وجد ميتة وطعاما لغيره ففيه خلاف مشهور للعلماء وفي مذهبنا الأصح عندنا أكل الميتة أما غير المضطر إذا كان له إدلال على صاحب اللبن أو غيره من الطعام بحيث يعلم أو يظن أن نفسه تطيب بأكله منه بغير إذنه فله الأكل بغير إذنه وأما شرب النبي ﷺ وأبي بكر وهما قاصدان المدينة في الهجرة من لبن غنم الراعي فيحتمل أنهما شرباه إدلالا على صاحبه لأنهما كانا يعرفانه أو أنه أذن للراعي أن يسقي منه من مر به أو أنه كان عرفهم إباحة ذلك أو أنه مال حربي لا أمان له. والله أعلم.

стр. 3777

(٤٦٦) باب الضيافة ونحوها ٣٩٦٣ - عن أبي شريح العدوي ﵁ أنه قال: سمعت أذناي وأبصرت عيناي حين تكلم رسول الله ﷺ فقال "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته" قالوا: وما جائزته؟ يا رسول الله؟ قال "يومه وليلته. والضيافة ثلاثة أيام فما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه" وقال "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت". ٣٩٦٤ - عن أبي شريح الخزاعي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "الضيافة ثلاثة أيام وجائزته يوم وليلة. ولا يحل لرجل مسلم أن يقيم عند أخيه حتى يؤثمه" قالوا: يا رسول الله وكيف يؤثمه؟ قال "يقيم عنده ولا شيء له يقريه به". ٣٩٦٥ - عن أبي شريح الخزاعي ﵁ قال: سمعت أذناي وبصر عيني ووعاه قلبي حين تكلم به رسول الله ﷺ فذكر بمثل حديث الليث وذكر فيه "ولا يحل لأحدكم أن يقيم عند أخيه حتى يؤثمه" بمثل ما في حديث وكيع. ٣٩٦٦ - عن عقبة بن عامر ﵁ أنه قال: قلنا: يا رسول الله إنك تبعثنا فننزل بقوم فلا يقروننا فما ترى؟ فقال لنا رسول الله ﷺ "إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم". -[المعنى العام]- إكرام الضيف وإتحافه والاحتفاء به من أخلاق الإنسانية المحمودة وبها جاءت الشرائع وقد مدح الله إبراهيم ﵇ بإكرامه ضيفه فقال ﴿هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين* ... *فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين* فقربه إليهم ... ﴾ [الذاريات: ٢٤ وما بعدها] وكانت العرب تعتز بهذا الخلق وتفخر به وتبالغ فيه حتى قال قائلهم لعبده وخادمه:

стр. 3778

أوقد فإن الليل ليل قر ... والريح يا غلام ريح صر لعل أن يبصرها المعتر ... إن جلبت ضيفا فأنت حر وللضيافة آداب للنازل وآداب للمنزول به بسطناها في كتاب الإيمان وحاصلها أن لا يحرج أحدهما الآخر فالهدف الإسلامي هو ترابط المجتمع وتعاطف أفراده ليكون المسلمان كمثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى. وفي القرآن الكريم آية تعرف بآية الثقلاء تعيب على الضيف أن يكون ثقيلا على صاحب البيت يقول تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق﴾ [الأحزاب: ٥٣]. إن على الضيف أن لا يلجأ للضيافة إلا عند الحاجة أو عند الرغبة في الترابط بين الزائر والمزور لله وفي الله وعلى صاحب البيت كذلك أن يستفيد من الضيافة دنيويا وأخرويا. وبذلك تحقق الضيافة هدفها ويحقق الإسلام أن يكون أبناؤه كالجسد الواحد إذا اشتكى عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. -[المباحث العربية]- (سمعت أذناي وأبصرت عيناي حين تكلم رسول الله ﷺ مفعول "سمعت" و"أبصرت" محذوف والتقدير: سمعت أذناي صوت رسول الله ﷺ وأبصرت عيناي رسول الله ﷺ حين تكلم وهاتان العبارتان تذكران كثيرا قبل الأحاديث لتوثيق الراوي من روايته وتستعملان بكثرة في الكلام العربي. سمعته بأذني هاتين. رأيته بعيني هاتين. (فقال) الفاء تفسيرية و"قال" وما بعدها تفسير لقوله "تكلم". (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر) ذكر المبدأ والنهاية كناية عن الكل كقولنا: باع ما أمامه وما خلفه وقولنا: هو الأول والآخر وذكر هذه العبارة قبل الأوامر والنواهي للإثارة وإلهاب العزائم للاستجابة كقولنا: يا ابن الرجل الصالح افعل كذا والمعنى يا من تتحلى بصفة الإيمان بالله وباليوم الآخر وما بين ذلك من لوازم الإسلام أكرم ضيفك. قال الطوخي: ظاهر الحديث انتفاء الإيمان عمن لا يكرم ضيفه وليس مرادا بل أريد المبالغة كما يقول القائل: إن كنت ابني فأطعني -تهييجا له على الطاعة لا أنه بانتفاء طاعته ينتفي أنه ابنه. (فليكرم ضيفه جائزته) لفظ "ضيف" يطلق على الواحد وعلى الجمع وجمع القلة أضياف وجمع الكثرة ضيوف وضيفان قال تعالى ﴿هل أتاك حديث ضيف إبراهيم

стр. 3779

المكرمين* إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما﴾ [الذاريات: ٢٤ وما بعدها] " فضيف فلان معناه أضيافه. و"جائزته" بدل أي يكرم جائزته والجائزة في الأصل ما يجوز به المسافر ويحمله ويكفيه من مكان إلى مكان وتطلق على العطية. وفي الرواية الثانية "جائزته يوم وليلة" وفي الرواية الأولى "قالوا: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: يومه وليلته" والمعنى فليكرمه يوما وليلة. (والضيافة ثلاثة أيام فما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه) قال ابن بطال: سئل عنه مالك فقال: يكرمه ويتحفه يوما وليلة وثلاثة أيام ضيافة واختلفوا هل الثلاثة غير اليوم الأول؟ أو به فقال أبو عبيد: يتكلف له في اليوم الأول بالبر والإلطاف وفي الثاني والثالث يقدم له ما حضره ولا يزيده على عادته ثم يعطيه ما يجوز به مسافة يوم وليلة وقال الخطابي: معناه أنه إذا نزل به الضيف أن يتحفه ويزيده في البر على ما في حضرته يوما وليلة وفي اليومين الأخيرين يقدم له ما يحضره فإذا مضى الثلاث فقد قضى حقه فما زاد عليها مما يقدمه له يكون صدقة قال الحافظ ابن حجر: وقد وقع عند مسلم (روايتنا الثانية) بلفظ "الضيافة ثلاثة أيام وجائزته يوم وليلة" وهذا يدل على المغايرة ويؤيده ما قال أبو عبيد. (ولا يحل لرجل مسلم أن يقيم عند أخيه حتى يؤثمه) وفي ملحق الرواية "ولا يحل لأحدكم أن يقيم عند أخيه حتى يؤثمه" وعند البخاري "ولا يحل له أن يثوي عنده يحرجه" يقال: ثوى يثوي أي أقام يقيم بفتح الواو في الماضي وكسرها في المضارع ومعنى "حتى يؤثمه" حتى يوقعه في الإثم لأنه قد يغتابه لطول مقامه أو يعرض بما يؤذيه أو يظن به ظنا سيئا وهذا معنى "حتى يحرجه". (يقيم عنده ولا شيء له يقريه به) "يقريه" بفتح الياء يقال: قريت الضيف أقريه قرى وقرى الضيف ما يقدم له. (إنك تبعثنا) البعوث التي تدعو إلى الإسلام. (فننزل بقوم) ضيوفا. (فلا يقروننا) بفتح الياء وفي رواية "لا يقرونا" بنون واحدة ومنهم من شددها وفي رواية الترمذي "فلا هم يضيفوننا ولا هم يؤدون ما لنا من الحق". (فما ترى؟ ) أي فما رأيك فيهم؟ يقال: رآه رأيا أي اعتقده والمعنى أخبرنا عن حكم ضيافتهم لنا وفي رواية البخاري "فما ترى فيه" أي في عدم قراهم لنا. (إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا) وفي رواية البخاري "فأمر لكم". (فإن لم يفعلوا) في رواية للبخاري "فإن أبوا".

стр. 3780

(فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم) وفي رواية البخاري "فخذوا منهم" أي من مالهم. وسيأتي الكلام عن حق الضيف في فقه الحديث وقال: "الذي ينبغي لهم" ولم يقل: لكم لأن الضيافة على قدر سعة المنزول عليه لا على قدر النازل. -[فقه الحديث]- ظاهر الرواية الثالثة أن قرى الضيف واجب يوما وليلة وأن المنزول عليه لو امتنع من الضيافة أخذت منه قهرا وبهذا قال الليث مطلقا وخصه أحمد بأهل البوادي لأن النازل بهم لا يجد من يبيعه طعاما أو شرابا غالبا. بخلاف أهل القرى والمدن وفي رواية خصه بأهل البوادي والقرى دون أهل المدن. وقال الشافعي ومالك وأبو حنيفة والجمهور: هي سنة ليست بواجبة واهتمام الأحاديث بها لعظم موقعها وأنها من متأكدات مكارم الأخلاق كحديث "غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم" أي متأكد الاستحباب. ووجه الجمهور حديث حق الضيف وأجابوا عن ظاهر روايتنا الثالثة بأجوبة: أحدها: حمل الحديث على المضطرين فإن ضيافتهم واجبة فإن لم يضيفوهم فلهم أن يأخذوا حاجتهم من مال الممتنعين ثم اختلفوا هل يلزم المضطر العوض أم لا؟ ثانيها: أن ذلك كان أول الإسلام وكانت المواساة واجبة فلما فتحت الفتوح نسخ ذلك ويدل على نسخه قوله "جائزته يوم وليلة" والجائزة تفضل لا واجبة قال الحافظ ابن حجر: وهذا ضعيف لاحتمال أن يراد بالتفضل تمام اليوم والليلة لا أصل الضيافة وفي حديث المقدام بن معد يكرب مرفوعا "أيما رجل ضاف قوما فأصبح الضيف محروما فإن نصره حق على كل مسلم حتى يأخذ بقرى ليلته من زرعه وماله" أخرجه أبو داود وهو محمول على ما إذا لم يظفر منه بشيء. ثالثها: أنه مخصوص بالعمال المبعوثين لقبض الصدقات من جهة الإمام فكان على المبعوث إليهم إنزالهم في مقابلة عملهم الذي يتولونه لأنه لا قيام لهم إلا بذلك حكاه الخطابي وقال: وكان هذا في ذلك الزمان إذ لم يكن للمسلمين بيت مال فأما اليوم فأرزاق العمال من بيت المال قال: وإلى هذا نحا أبو يوسف في الضيافة على أهل نجران خاصة وتعقب بأن في رواية الترمذي "إنا نمر بقوم". رابعها: أنه خاص بأهل الذمة وقد شرط عمر حين ضرب الجزية على نصارى الشام ضيافة من نزل بهم وتعقب بأنه تخصيص يحتاج إلى دليل خاص ولا حجة لذلك فيما صنعه عمر لأنه متأخر عن زمان السؤال.

стр. 3781

خامسها: تأويل المأخوذ فحكي عن بعضهم أن المراد أن لكم أن تأخذوا من أعراضهم بألسنتكم وتذكروا للناس عيوبهم وتعقب بأن الأخذ من العرض وذكر العيب ندب في الشرع إلى تركه لا إلى فعله. قال الحافظ ابن حجر: وأقوى الأجوبة الأول. -[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]- ١ - التنفير من إقامة الضيف فوق ثلاث إذ عبر عن ذلك بأنه صدقة ونفي عنه الحل في الرواية الثانية قال النووي: وهذا محمول على ما إذا أقام بعد الثلاث من غير استدعاء من المضيف أما إذا استدعاه وطلب منه زيادة إقامته أو علم أو ظن أنه لا يكره إقامته فلا بأس بالزيادة لأن النهي إنما كان لكونه يؤثمه وقد زال هذا المعنى والحالة هذه أما لو شك في حال المنزول به هل يكره الزيادة؟ ويلحقه بها حرج أم لا؟ لم تحل له الزيادة لظاهر الحديث. ٢ - أنه ينبغي الإمساك عن الكلام الذي ليس فيه خير ولا شر لأنه مما لا يعنيه ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ولأنه قد ينجر الكلام المباح إلى حرام وهذا موجود في العادة وكثير وقد سبق شرح ذلك مبسوطا في كتاب الإيمان. ٣ - استدل بالرواية الثالثة على ما عرف بمسألة الظفر قصاص المظلوم من الظالم إذا وجد ماله. وبها قال الشافعي فجزم بجواز الأخذ فيما إذا لم يكن تحصيل الحق بالقاضي كأن يكون غريمه منكرا ولا بينة له فعند وجود الجنس يجوز للمظلوم أخذه إن ظفر به وإن لم يجد الجنس ووجد غيره أخذ من غيره بقدره ويجتهد في التقويم ولا يحيف فإن أمكن تحصيل الحق بالقاضي فالأصح عند أكثر الشافعية الجواز أيضا وعند المالكية الخلاف وجوزه الحنفية في المثلى دون المتقوم لما يخشى فيه من الحيف واتفقوا على أن محل الجواز في الأموال لا في العقوبات البدنية لكثرة الغوائل في ذلك ومحل الجواز في الأموال أيضا أن يأمن الغائلة والوقوع تحت طائلة القانون كأن يتهم بالسرقة ونحو ذلك. والله أعلم.

стр. 3782

(٤٦٧) باب استحباب المواساة بفضول المال واستحباب خلط الأزواد إذا قلت ٣٩٦٧ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بينما نحن في سفر مع النبي ﷺ إذ جاء رجل على راحلة له. قال: فجعل يصرف بصره يمينا وشمالا: فقال رسول الله ﷺ "من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له. ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له" قال: فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل. ٣٩٦٨ - عن إياس بن سلمة عن أبيه قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة فأصابنا جهد حتى هممنا أن ننحر بعض ظهرنا فأمر نبي الله ﷺ فجمعنا مزاودنا فبسطنا له نطعا فاجتمع زاد القوم على النطع. قال: فتطاولت لأحزره كم هو؟ فحزرته كربضة العنز ونحن أربع عشرة مائة. قال: فأكلنا حتى شبعنا جميعا ثم حشونا جربنا. فقال نبي الله ﷺ "فهل من وضوء؟ " قال: فجاء رجل بإداوة له فيها نطفة فأفرغها في قدح فتوضأنا كلنا ندغفقه دغفقة أربع عشرة مائة. قال: ثم جاء بعد ذلك ثمانية فقالوا هل من طهور؟ فقال رسول الله ﷺ "فرغ الوضوء". -[المعنى العام]- صور من صور انتفاع المسلم بمال غيره صور من صور التكافل الاجتماعي ومواساة بعضه بعضا فبعد أن مرت بنا صور اللقطة وحفظ مال الغير ومحاولة إيصال الضائع منه إلى صاحبه ثم الانتفاع به بدلا من هلاكه وبعد أن مر بنا حماية مال الغير وعدم الاعتداء عليه إلا بإذن صاحبه حتى اللبن في ضرع الماشية السائمة التي تأكل في كلأ الله تعالى وبعد أن مر بنا مواساة الضيف وإكرامه يأتينا في هذين الحديثين الأمر بالمواساة بصفة عامة بالمال والطعام والشراب ووسيلة الانتقال يأتينا الأمر بمد مظلة الخير التي فتحها الله للمسلم أن يمدها إلى من حوله فالمال مال الله فما زاد عن حاجتك فللمحتاجين حق فيه "من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له" وهكذا كل من كان عنده فوق حاجته من أي نعمة فليقدم ذلك إلى من هو في حاجة إليه.

стр. 3783

وكانت القدوة العملية والأسوة الحسنة في فعل الرسول ﷺ وأصحابه. ففي شهر رجب سنة تسع من الهجرة وقبيل حجة الوداع بلغ المسلمين أن اليوم جمعوا جموعا لقتالهم فندب النبي ﷺ الناس لملاقاتهم وكان المسلمون في ضيق من العيش فاستعدوا بقليل الزاد الذي يملكون وجهز عثمان جزءا كبيرا من جيش العسرة لكنهم مع ذلك خرجوا في قلة من الظهر يتعاقب الأربعة منهم بعيرا والوقت صيف والحر شديد قطعوا مئات الأميال في اتجاه دمشق حتى وصلوا إلى موضع يسمى "تبوك" وقد بلغ بهم الجهد واشتد بهم العطش ولم يسعفهم ماء عين تبوك الناضبة فكانوا ينحرون البعير فيشربون ما في كرشه من الماء ونفذ طعام أكثرهم وأملقوا وأصابتهم مجاعة كبرى ولجأ بعضهم إلى النوى يمصه ويشرب عليه قليلا من الماء وذهب الناس إلى رسول الله ﷺ يستأذنونه في ذبح ما تبقى لديهم من إبلهم التي يركبونها ولم ير رسول الله ﷺ منقذا من هذه الضائقة إلا أن يأذن لهم ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرا. ورأى عمر الناس يعقلون إبلهم لنحرها فقال لهم: ما شأنكم؟ قالوا: استأذنا رسول الله ﷺ في نحرها فأذن لنا فقال: وما بقاؤكم بعد إبلكم؟ أمسكوا حتى ألقى رسول الله ﷺ . ودخل عمر فزعا على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ما بقاء الناس بعد إبلهم؟ فسكت رسول الله ﷺ وكأنه يقول: وماذا ينقذ الناس من هذه الضائقة غير ذلك؟ وعمر يؤمن بمعجزات النبي ﷺ ويطمع في رحمة الله بإنقاذ المسلمين على يد نبيه ﷺ فقال: يا رسول الله لو جمعت ما بقي من أزواد القوم فدعوت الله عليه بالبركة لكان في ذلك خير. وسكت رسول الله ﷺ للمرة الثانية إنه لم يكن يغيب عنه ما أشار به عمر بل كان يؤمن بأن الله لن يخيب رجاءه إذا رجاه ولكنه ﷺ كان يقصد تعويد الأمة على الاعتماد على نواميس الحياة دون خوارق العادات أما وقد طلبت المعجزة -من عمر- فالطريق الموافقة عليها والاستجابة لطالبها. فقال ﷺ لعمر: ناد في الناس فليأتوا ببقايا أطعمتهم ثم مد فراش الطعام على الأرض ليلقوا عليه ما جاءوا به. جاء بعضهم بما يملأ الكف من الذرة وجاء بعضهم بما يملأ الكف من الشعير والآخر يلقي ما يملأ الكف من القمح والآخر يلقي ما يملأ الكف من التمر والآخر يلقي كسرة خبز حتى ألقى بعضهم بعض النوى الذي كان يمصه ويشرب عليه الماء فاجتمع على الفراش قدر العنز الصغير فقام رسول الله ﷺ فدعا وبرك عليه ثم قال: خذوا بأيديكم وفي أوعيتكم فجعلوا يأخذون ويأكلون حتى شبعوا وكانوا أربعمائة وألفا وفضلت فضلة فقال خذوا في أوعيتكم فملئوا أوعيتهم ولم يتركوا في العسكر وعاء إلا ملئوه. فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه سرورا بإكرام ربه له ولأمته ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يموت عبد وهو يشهد هاتين الشهادتين لا يشك فيهما إلا دخل الجنة.

стр. 3784

-[المباحث العربية]- (بينما نحن في سفر إذ جاء رجل) "بينما" هي "بين" زيد عليها "ما" ظرف منصوب بمعنى "إذ" الفجائية والتقدير: فاجأنا رجل وقت وجودنا في سفر. (فجعل يصرف بصره يمينا وشمالا) قال النووي: هكذا وقع في بعض النسخ وفي بعضها "يصرف" فقط بحذف "بصره" وفي بعضها "يضرب" وفي رواية أبي داود "يصرف راحلته" والمعنى يتعرض للمساعدة من غير سؤال. (من كان معه فضل ظهر) من إضافة الصفة إلى الموصوف أي ظهر دابة فاضلة عن حاجته. (فليعد به على من لا ظهر له) على الرغم من أن الرجل جاء على راحلة رغب رسول الله ﷺ في التصدق عليه بظهر يستعين به في حمل متاعه أو يبيعه فينتفع بثمنه أو هذه الدعوة عامة لا تخص الرجل توطئة لما يخصه. (ومن كان له فضل من زاد) زاد المسافر طعام وشراب ولباس وغطاء أي من كان عنده زاد فاضل عن حاجته. (فليعد به على من لا زاد له) أي فليرجع به وليأت به مرة بعد أخرى على من لا زاد له يقال: عاد يعود عودا وعيادة. (فذكر من أصناف المال ما ذكر) أي كأن قال: من كان معه فضل شاة فليعد به من كان معه فضل ذهب أو فضة فليعد به من كان معه فضل مسكن فليعد به ونحو ذلك. (حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل) رأى هنا ظنية والمعنى حتى ظننا أنه ليس لأحد منا حق في شيء فاضل عن حاجته وأن كل زائد عن الحاجة هو حق للفقير والمسكين وابن السبيل. (خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة) الظاهر أنها غزوة تبوك وهي غزوة العسرة فقد ذكر مسلم الحديث برواية مشابهة في كتاب الإيمان باب زيادة فضلة الطعام ببركة دعاء النبي ﷺ . (فأصابنا جهد) بفتح الجيم أي مشقة وفي رواية لمسلم في كتاب الإيمان "أصاب الناس مجاعة" وفي رواية له "فنفدت أزواد القوم" أي كادت تنفد أو نفدت أزواد أكثر القوم وفي رواية البخاري "خفت أزواد الناس وأملقوا". (حتى هممنا أن ننحر بعض ظهرنا) في رواية مسلم في كتاب الإيمان "حتى هم بنحر بعض حمائلهم" والحمائل الإبل يحمل عليها واحدها حمولة بفتح الحاء وروي "جمائلهم" بالجيم بدل الحاء جمع جمالة بكسرها جمع جمل وهو الذكر.

стр. 3785

وفي رواية أخرى له "قالوا: يا رسول الله لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا فأكلنا وادهنا؟ -أي اتخذنا دهنا من شحومها- فقال رسول الله ﷺ : افعلوا". (فأمر نبي الله ﷺ فجمعنا مزاودنا) الفاء في "فأمر" عاطفة على محذوف أظهرته رواية مسلم في كتاب الإيمان ولفظها "فجاء عمر فقال: يا رسول الله إن فعلت قل الظهر ولكن ادعهم بفضل أزوادهم ثم ادع الله لهم عليها بالبركة لعل الله أن يجعل في ذلك فقال رسول الله ﷺ : "نعم". فأمر .. إلخ والمأمور به محذوف تقديره: فأمر رسول الله ﷺ بجمع المزاود وفي رواية أخرى لمسلم "قال عمر: يا رسول الله لو جمعت ما بقي من أزواد القوم فدعوت الله عليها؟ قال: ففعل" أي فوافق على الفعل وفي رواية للبخاري "فقال رسول الله ﷺ : ناد في الناس يأتون بفضل أزواد". (فجمعنا مزاودنا) قال النووي: هكذا هو في بعض النسخ أو أكثرها وفي بعضها "أزوادنا" والزاد يجمع على أزواد قياسا وأزودة على غير قياس والمزود بكسر الميم وسكون الزاي وفتح الواو وعاء الزاد وجمعه مزاود والمراد من جمع المزاود جمع ما فيها أو المعنى جمعنا مزاودنا فأفرغنا ما فيها. (فبسطنا له نطعا) "له" أي للرسول ﷺ أو للشيء الذي في المزاود وهذا الخير أولى والنطع فيه أربع لغات مشهورة فتح الطاء وسكونها مع كسر النون وفتحها وهو ما يبسط على الأرض لوضع الطعام عليه وكان غالبه من خوص النخل وفي رواية لمسلم في كتاب الإيمان "فدعا بنطع فبسطه -أي أمر ببسطه- ثم دعا بفضل أزوادهم" ولعله أمر بالنداء في الناس ليجمعوا ما عندهم ثم بسط النطع ثم دعا بوضع فضل الأزواد عليه. (فاجتمع زاد القوم على النطع) وفي رواية لمسلم قال أبو هريرة: "فجاء ذو البر ببره وذو التمر بتمره وذو النواة بنواه قال مجاهد. قلت: وما كانوا يصنعون بالنوى؟ قال: كانوا يمصونه ويشربون عليه الماء". (قال -سلمة-: فتطاولت لأحزره. كم هو؟ ) أي رفعت رأسي ورقبتي ووقفت على أصابع قدمي لأرى الكومة وأقدر كميتها وأنا خلف بعض الناس يقال: حزر الشيء حزرا أي قدره بالتخمين، فهو حازر. (فحزرته كربضة العنز) أي فقدرته كمكان مبرك العنز أو كالعنز وهي رابضة وربضة بفتح الراء في الرواية كما قال القاضي وحكاه ابن دريد بكسرها وفي رواية لمسلم "فدعا عليه رسول الله ﷺ بالبركة". (فأكلنا حتى شبعنا جميعا) أي الألف والأربعمائة رجل وفي رواية لمسلم "فأكلوا حتى شبعوا وفضلت فضلة" وفي رواية للبخاري "فدعا وبرك عليه ثم دعاهم بأوعيتهم فاحتثى الناس أي أخذوا حثية -حتى فرغوا" والظاهر أن بعضهم أخذ من الكومة بوعائه وبعضهم أخذ منها بكفيه فأكلوا حتى شبعوا.
следующие страницы →