Полный текст (6 200 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.
стр. 3781
خامسها: تأويل المأخوذ فحكي عن بعضهم أن المراد أن لكم أن تأخذوا من أعراضهم بألسنتكم وتذكروا للناس عيوبهم وتعقب بأن الأخذ من العرض وذكر العيب ندب في الشرع إلى تركه لا إلى فعله.
قال الحافظ ابن حجر: وأقوى الأجوبة الأول.
-[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]-
١ - التنفير من إقامة الضيف فوق ثلاث إذ عبر عن ذلك بأنه صدقة ونفي عنه الحل في الرواية الثانية قال النووي: وهذا محمول على ما إذا أقام بعد الثلاث من غير استدعاء من المضيف أما إذا استدعاه وطلب منه زيادة إقامته أو علم أو ظن أنه لا يكره إقامته فلا بأس بالزيادة لأن النهي إنما كان لكونه يؤثمه وقد زال هذا المعنى والحالة هذه أما لو شك في حال المنزول به هل يكره الزيادة؟ ويلحقه بها حرج أم لا؟ لم تحل له الزيادة لظاهر الحديث.
٢ - أنه ينبغي الإمساك عن الكلام الذي ليس فيه خير ولا شر لأنه مما لا يعنيه ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ولأنه قد ينجر الكلام المباح إلى حرام وهذا موجود في العادة وكثير وقد سبق شرح ذلك مبسوطا في كتاب الإيمان.
٣ - استدل بالرواية الثالثة على ما عرف بمسألة الظفر قصاص المظلوم من الظالم إذا وجد ماله.
وبها قال الشافعي فجزم بجواز الأخذ فيما إذا لم يكن تحصيل الحق بالقاضي كأن يكون غريمه منكرا ولا بينة له فعند وجود الجنس يجوز للمظلوم أخذه إن ظفر به وإن لم يجد الجنس ووجد غيره أخذ من غيره بقدره ويجتهد في التقويم ولا يحيف فإن أمكن تحصيل الحق بالقاضي فالأصح عند أكثر الشافعية الجواز أيضا وعند المالكية الخلاف وجوزه الحنفية في المثلى دون المتقوم لما يخشى فيه من الحيف واتفقوا على أن محل الجواز في الأموال لا في العقوبات البدنية لكثرة الغوائل في ذلك ومحل الجواز في الأموال أيضا أن يأمن الغائلة والوقوع تحت طائلة القانون كأن يتهم بالسرقة ونحو ذلك.
والله أعلم.
стр. 3782
(٤٦٧) باب استحباب المواساة بفضول المال واستحباب خلط الأزواد إذا قلت
٣٩٦٧ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بينما نحن في سفر مع النبي ﷺ إذ جاء رجل على راحلة له. قال: فجعل يصرف بصره يمينا وشمالا: فقال رسول الله ﷺ "من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له. ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له" قال: فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل.
٣٩٦٨ - عن إياس بن سلمة عن أبيه قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة فأصابنا جهد حتى هممنا أن ننحر بعض ظهرنا فأمر نبي الله ﷺ فجمعنا مزاودنا فبسطنا له نطعا فاجتمع زاد القوم على النطع. قال: فتطاولت لأحزره كم هو؟ فحزرته كربضة العنز ونحن أربع عشرة مائة. قال: فأكلنا حتى شبعنا جميعا ثم حشونا جربنا. فقال نبي الله ﷺ "فهل من وضوء؟ " قال: فجاء رجل بإداوة له فيها نطفة فأفرغها في قدح فتوضأنا كلنا ندغفقه دغفقة أربع عشرة مائة. قال: ثم جاء بعد ذلك ثمانية فقالوا هل من طهور؟ فقال رسول الله ﷺ "فرغ الوضوء".
-[المعنى العام]-
صور من صور انتفاع المسلم بمال غيره صور من صور التكافل الاجتماعي ومواساة بعضه بعضا فبعد أن مرت بنا صور اللقطة وحفظ مال الغير ومحاولة إيصال الضائع منه إلى صاحبه ثم الانتفاع به بدلا من هلاكه وبعد أن مر بنا حماية مال الغير وعدم الاعتداء عليه إلا بإذن صاحبه حتى اللبن في ضرع الماشية السائمة التي تأكل في كلأ الله تعالى وبعد أن مر بنا مواساة الضيف وإكرامه يأتينا في هذين الحديثين الأمر بالمواساة بصفة عامة بالمال والطعام والشراب ووسيلة الانتقال يأتينا الأمر بمد مظلة الخير التي فتحها الله للمسلم أن يمدها إلى من حوله فالمال مال الله فما زاد عن حاجتك فللمحتاجين حق فيه "من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له" وهكذا كل من كان عنده فوق حاجته من أي نعمة فليقدم ذلك إلى من هو في حاجة إليه.
стр. 3783
وكانت القدوة العملية والأسوة الحسنة في فعل الرسول ﷺ وأصحابه.
ففي شهر رجب سنة تسع من الهجرة وقبيل حجة الوداع بلغ المسلمين أن اليوم جمعوا جموعا لقتالهم فندب النبي ﷺ الناس لملاقاتهم وكان المسلمون في ضيق من العيش فاستعدوا بقليل الزاد الذي يملكون وجهز عثمان جزءا كبيرا من جيش العسرة لكنهم مع ذلك خرجوا في قلة من الظهر يتعاقب الأربعة منهم بعيرا والوقت صيف والحر شديد قطعوا مئات الأميال في اتجاه دمشق حتى وصلوا إلى موضع يسمى "تبوك" وقد بلغ بهم الجهد واشتد بهم العطش ولم يسعفهم ماء عين تبوك الناضبة فكانوا ينحرون البعير فيشربون ما في كرشه من الماء ونفذ طعام أكثرهم وأملقوا وأصابتهم مجاعة كبرى ولجأ بعضهم إلى النوى يمصه ويشرب عليه قليلا من الماء وذهب الناس إلى رسول الله ﷺ يستأذنونه في ذبح ما تبقى لديهم من إبلهم التي يركبونها ولم ير رسول الله ﷺ منقذا من هذه الضائقة إلا أن يأذن لهم ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرا.
ورأى عمر الناس يعقلون إبلهم لنحرها فقال لهم: ما شأنكم؟ قالوا: استأذنا رسول الله ﷺ في نحرها فأذن لنا فقال: وما بقاؤكم بعد إبلكم؟ أمسكوا حتى ألقى رسول الله ﷺ .
ودخل عمر فزعا على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ما بقاء الناس بعد إبلهم؟ فسكت رسول الله ﷺ وكأنه يقول: وماذا ينقذ الناس من هذه الضائقة غير ذلك؟ وعمر يؤمن بمعجزات النبي ﷺ ويطمع في رحمة الله بإنقاذ المسلمين على يد نبيه ﷺ فقال: يا رسول الله لو جمعت ما بقي من أزواد القوم فدعوت الله عليه بالبركة لكان في ذلك خير.
وسكت رسول الله ﷺ للمرة الثانية إنه لم يكن يغيب عنه ما أشار به عمر بل كان يؤمن بأن الله لن يخيب رجاءه إذا رجاه ولكنه ﷺ كان يقصد تعويد الأمة على الاعتماد على نواميس الحياة دون خوارق العادات أما وقد طلبت المعجزة -من عمر- فالطريق الموافقة عليها والاستجابة لطالبها.
فقال ﷺ لعمر: ناد في الناس فليأتوا ببقايا أطعمتهم ثم مد فراش الطعام على الأرض ليلقوا عليه ما جاءوا به. جاء بعضهم بما يملأ الكف من الذرة وجاء بعضهم بما يملأ الكف من الشعير والآخر يلقي ما يملأ الكف من القمح والآخر يلقي ما يملأ الكف من التمر والآخر يلقي كسرة خبز حتى ألقى بعضهم بعض النوى الذي كان يمصه ويشرب عليه الماء فاجتمع على الفراش قدر العنز الصغير فقام رسول الله ﷺ فدعا وبرك عليه ثم قال: خذوا بأيديكم وفي أوعيتكم فجعلوا يأخذون ويأكلون حتى شبعوا وكانوا أربعمائة وألفا وفضلت فضلة فقال خذوا في أوعيتكم فملئوا أوعيتهم ولم يتركوا في العسكر وعاء إلا ملئوه.
فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه سرورا بإكرام ربه له ولأمته ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يموت عبد وهو يشهد هاتين الشهادتين لا يشك فيهما إلا دخل الجنة.
стр. 3784
-[المباحث العربية]-
(بينما نحن في سفر إذ جاء رجل) "بينما" هي "بين" زيد عليها "ما" ظرف منصوب بمعنى "إذ" الفجائية والتقدير: فاجأنا رجل وقت وجودنا في سفر.
(فجعل يصرف بصره يمينا وشمالا) قال النووي: هكذا وقع في بعض النسخ وفي بعضها "يصرف" فقط بحذف "بصره" وفي بعضها "يضرب" وفي رواية أبي داود "يصرف راحلته" والمعنى يتعرض للمساعدة من غير سؤال.
(من كان معه فضل ظهر) من إضافة الصفة إلى الموصوف أي ظهر دابة فاضلة عن حاجته.
(فليعد به على من لا ظهر له) على الرغم من أن الرجل جاء على راحلة رغب رسول الله ﷺ في التصدق عليه بظهر يستعين به في حمل متاعه أو يبيعه فينتفع بثمنه أو هذه الدعوة عامة لا تخص الرجل توطئة لما يخصه.
(ومن كان له فضل من زاد) زاد المسافر طعام وشراب ولباس وغطاء أي من كان عنده زاد فاضل عن حاجته.
(فليعد به على من لا زاد له) أي فليرجع به وليأت به مرة بعد أخرى على من لا زاد له يقال: عاد يعود عودا وعيادة.
(فذكر من أصناف المال ما ذكر) أي كأن قال: من كان معه فضل شاة فليعد به من كان معه فضل ذهب أو فضة فليعد به من كان معه فضل مسكن فليعد به ونحو ذلك.
(حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل) رأى هنا ظنية والمعنى حتى ظننا أنه ليس لأحد منا حق في شيء فاضل عن حاجته وأن كل زائد عن الحاجة هو حق للفقير والمسكين وابن السبيل.
(خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة) الظاهر أنها غزوة تبوك وهي غزوة العسرة فقد ذكر مسلم الحديث برواية مشابهة في كتاب الإيمان باب زيادة فضلة الطعام ببركة دعاء النبي ﷺ .
(فأصابنا جهد) بفتح الجيم أي مشقة وفي رواية لمسلم في كتاب الإيمان "أصاب الناس مجاعة" وفي رواية له "فنفدت أزواد القوم" أي كادت تنفد أو نفدت أزواد أكثر القوم وفي رواية البخاري "خفت أزواد الناس وأملقوا".
(حتى هممنا أن ننحر بعض ظهرنا) في رواية مسلم في كتاب الإيمان "حتى هم بنحر بعض حمائلهم" والحمائل الإبل يحمل عليها واحدها حمولة بفتح الحاء وروي "جمائلهم" بالجيم بدل الحاء جمع جمالة بكسرها جمع جمل وهو الذكر.
стр. 3785
وفي رواية أخرى له "قالوا: يا رسول الله لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا فأكلنا وادهنا؟ -أي اتخذنا دهنا من شحومها- فقال رسول الله ﷺ : افعلوا".
(فأمر نبي الله ﷺ فجمعنا مزاودنا) الفاء في "فأمر" عاطفة على محذوف أظهرته رواية مسلم في كتاب الإيمان ولفظها "فجاء عمر فقال: يا رسول الله إن فعلت قل الظهر ولكن ادعهم بفضل أزوادهم ثم ادع الله لهم عليها بالبركة لعل الله أن يجعل في ذلك فقال رسول الله ﷺ : "نعم". فأمر .. إلخ والمأمور به محذوف تقديره: فأمر رسول الله ﷺ بجمع المزاود وفي رواية أخرى لمسلم "قال عمر: يا رسول الله لو جمعت ما بقي من أزواد القوم فدعوت الله عليها؟ قال: ففعل" أي فوافق على الفعل وفي رواية للبخاري "فقال رسول الله ﷺ : ناد في الناس يأتون بفضل أزواد".
(فجمعنا مزاودنا) قال النووي: هكذا هو في بعض النسخ أو أكثرها وفي بعضها "أزوادنا" والزاد يجمع على أزواد قياسا وأزودة على غير قياس والمزود بكسر الميم وسكون الزاي وفتح الواو وعاء الزاد وجمعه مزاود والمراد من جمع المزاود جمع ما فيها أو المعنى جمعنا مزاودنا فأفرغنا ما فيها.
(فبسطنا له نطعا) "له" أي للرسول ﷺ أو للشيء الذي في المزاود وهذا الخير أولى والنطع فيه أربع لغات مشهورة فتح الطاء وسكونها مع كسر النون وفتحها وهو ما يبسط على الأرض لوضع الطعام عليه وكان غالبه من خوص النخل وفي رواية لمسلم في كتاب الإيمان "فدعا بنطع فبسطه -أي أمر ببسطه- ثم دعا بفضل أزوادهم" ولعله أمر بالنداء في الناس ليجمعوا ما عندهم ثم بسط النطع ثم دعا بوضع فضل الأزواد عليه.
(فاجتمع زاد القوم على النطع) وفي رواية لمسلم قال أبو هريرة: "فجاء ذو البر ببره وذو التمر بتمره وذو النواة بنواه قال مجاهد. قلت: وما كانوا يصنعون بالنوى؟ قال: كانوا يمصونه ويشربون عليه الماء".
(قال -سلمة-: فتطاولت لأحزره. كم هو؟ ) أي رفعت رأسي ورقبتي ووقفت على أصابع قدمي لأرى الكومة وأقدر كميتها وأنا خلف بعض الناس يقال: حزر الشيء حزرا أي قدره بالتخمين، فهو حازر.
(فحزرته كربضة العنز) أي فقدرته كمكان مبرك العنز أو كالعنز وهي رابضة وربضة بفتح الراء في الرواية كما قال القاضي وحكاه ابن دريد بكسرها وفي رواية لمسلم "فدعا عليه رسول الله ﷺ بالبركة".
(فأكلنا حتى شبعنا جميعا) أي الألف والأربعمائة رجل وفي رواية لمسلم "فأكلوا حتى شبعوا وفضلت فضلة" وفي رواية للبخاري "فدعا وبرك عليه ثم دعاهم بأوعيتهم فاحتثى الناس أي أخذوا حثية -حتى فرغوا" والظاهر أن بعضهم أخذ من الكومة بوعائه وبعضهم أخذ منها بكفيه فأكلوا حتى شبعوا.
стр. 3786
(ثم حشونا جربنا) بضم الجيم وبضم الراء وإسكانها جمع جراب بكسر الجيم على المشهور ويقال بفتحها وفي رواية لمسلم "قال ﷺ : خذوا في أوعيتكم قال: فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملئوه".
(فهل من وضوء) سؤال عن الماء بعد أن حلت مشكلة الطعام والوضوء ما يتوضأ به وهو بفتح الواو على المشهور وحكي ضمها.
(فجاء رجل بإداوة له فيها نطفة فأفرغها في قدح) الإداوة إناء صغير يحمل فيه الماء أشبه بما يعرف اليوم بالإبريق والنطفة الماء القليل الصافي والقدح إناء يشرب به الماء أشبه بما يعرف اليوم بطاس الماء والعامة تقول: طاسة.
(فتوضأنا كلنا) منه معطوف على محذوف أي فدعا عليه رسول الله ﷺ بالبركة.
(ندغفقه دغفقة) أي نصبه صبا شديدا يقال: دغفق ماله أنفقه وفرقه وبذره.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: في هذا الحديث معجزتان ظاهرتان لرسول الله ﷺ وهما تكثير الطعام وتكثير الماء هذه الكثرة الظاهرة. قال المازري: في تحقيق المعجزة في هذا أنه كلما أكل منه جزء أو شرب جزء خلق الله تعالى جزءا آخر يخلفه وقيل: يحتمل أن يكون بتضعيف الأزواد وزيادة الكمية دفعة واحدة والأول أولى بالقبول حيث لم يتعرض الرواة لعظم الكمية ولو صح الاحتمال الثاني لقالوا مثلا: فكثر اليسير حتى صار مثل الجبل وقال: ومعجزات النبي ﷺ ضربان أحدهما القرآن وهو منقول تواترا والثاني مثل تكثير الطعام والشراب ونحو ذلك وذلك فيه طريقان أحدهما أن تقول: تواترت الأخبار على المعنى كتواتر جود حاتم الطائي وحلم الأحنف بن قيس فإنه لا ينقل في ذلك قصة بعينها متواترة ولكن تكاثرت أفرادها بالآحاد حتى أفاد مجموعها تواتر الكرم والحلم وكذلك تواتر انخراق العادة للنبي ﷺ بغير القرآن والطريق الثاني أن نقول: إذا روى الصحابي مثل هذا الأمر العجيب وأحال على حضوره فيه مع سائر الصحابة وهم يسمعون روايته ودعواه أو بلغهم ذلك ولا ينكرون عليه كان ذلك تصديقا له يوجب العلم بصحة ما قال.
-[ويؤخذ من الأحاديث]-
١ - من الحديث الأول الحث على الصدقة والجود والمواساة والإحسان إلى الرفقة والأصحاب والاعتناء بمصالح الأصحاب.
٢ - وأمر كبير القوم أصحابه بمواساة المحتاج.
٣ - وأنه يكفي في فهم حاجة المحتاج عرضه للعطاء من غير سؤال.
стр. 3787
٤ - وفيه مواساة ابن السبيل والصدقة عليه إذا كان محتاجا وإن كان له راحلة وعليه ثياب أو كان موسرا في وطنه ولهذا يعطى من الزكاة في هذه الحال.
٥ - ومن الحديث الثاني الشركة في الطعام والشراب وجواز أكل الشركاء بعضهم مع بعض بدون مساواة وليس هذا من الربا في شيء وإنما هو من نحو الإباحة وكل واحد مبيح لرفقته الأكل من طعامه سواء تحقق أن أحدا أكل أكثر من حصته أو دونها أو مثلها لكن يستحب لكل شريك الإيثار والتقلل وخاصة إن كان في الطعام قلة وقد اعترض على أخذ هذا الحكم من الحديث بأن الذي حصل جمع خاص للضرورة على أن الأكل لم يكن من الأزودة بل من الزيادة ولا حق لأحد فيها.
٦ - وفيه حمل الزاد في السفر وفي الغزو وأنه ليس منافيا للتوكل.
٧ - وحسن خلقه ﷺ وإجابته إلى ما يلتمس منه أصحابه.
٨ - وإجراؤهم وموافقتهم على العادة البشرية في الاحتياج إلى الزاد في السفر.
٩ - وجواز المشورة على الإمام بالمصلحة وإن لم يتقدم منه الاستشارة.
١٠ - قال ابن بطال: استنبط منه بعض الفقهاء أنه يجوز للإمام في الغلاء إلزام من عنده ما يفضل عن قوته أن يخرجه للبيع لما في ذلك من صلاح الناس.
والله أعلم.
стр. 3788
كتاب الجهاد والسير
стр. 3789
(٤٦٨) باب جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم دعوة الإسلام
٣٩٦٩ - عن ابن عون قال: كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال قال: فكتب إلي إنما كان ذلك في أول الإسلام قد أغار رسول الله ﷺ على بني المصطلق وهم غارون وأنعامهم تسقى على الماء فقتل مقاتلتهم وسبى سبيهم وأصاب يومئذ (قال يحيى أحسبه قال) جويرية (أو قال البتة) ابنة الحارث وحدثني هذا الحديث عبد الله بن عمر وكان في ذاك الجيش.
٣٩٧٠ - -/- وفي رواية عن ابن عون بهذا الإسناد مثله وقال: جويرية بنت الحارث ولم يشك.
٣٩٧١ - وفي رواية عن سفيان قال: أملاه علينا إملاء.
-[المعنى العام]-
إن الجهاد في سبيل الله هدفه تبليغ الدعوة الإسلامية إلى الناس وتحقيق حريتهم في اختيار دينهم ولا إكراه في الدين بعد أن تبين الرشد من الغي إن الحكام كانوا يخدعون الرعية بمعسول القول أحيانا ويخضعونهم ويلزمونهم دينا معينا بالبطش والقهر أحيانا أخرى فلإزالة هاتين العقبتين كان الجهاد وكان القتال وكان الحديث الشريف "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله" وكان كتاب النبي ﷺ لعظيم الروم "أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين" وكان رسول الله ﷺ قبل أن يقاتل يدعو القوم المقصودين إلى الإسلام أولا ولا يأخذهم على غرة فلما انتشر الإسلام بواسطة البعوث والوفود والسرايا وأصبح الكافرون كافرين بعد معرفة الإسلام معرفة كافية حتى كان اليهود والنصارى يعرفون نبي الإسلام كما يعرفون أبناءهم لم تكن هناك حاجة إلى دعوة الكافرين قبل قتالهم لئلا يستعدوا للقتال ويؤلبوا القبائل بل جاز أخذ أهل الغدر وهم غافلون على غرة كما فعل ﷺ مع بني المصطلق في السنة الخامسة من الهجرة.
стр. 3790
-[المباحث العربية]-
(أسأله عن الدعاء قبل القتال) أي دعاء الكفار إلى الإسلام قبل مقاتلتهم.
(إنما كان ذلك في أول الإسلام) أي في أوائل الهجرة وقبل غزوة بني المصطلق وكان ذلك لتعريف الناس بالإسلام وتبليغهم دعوته لتقام عليهم الحجة قبل قتالهم أما بعد أن ذاع الإسلام في الجزيرة العربية وانتشر وعرفه القاصي والداني فلم تعد هناك حاجة إلى دعوة الذين يقاتلون إلى الإسلام قبل قتالهم ثم استدل ببني المصطلق على ما يقول وفي المسألة خلاف يأتي في فقه الحديث.
(قد أغار رسول الله ﷺ على بني المصطلق وهم غارون) بتشديد الراء جمع غار بالتشديد أي غافل ويقال: أغار عليهم أي دفع عليهم الخيل وأوقع بهم على غرة أو على غير غرة.
وبنو المصطلق بضم الميم وسكون الصاد وفتح الطاء وكسر اللام بعدها قاف وهو لقب واسمه جزيمة بن سعد بن عمر بن ربيعة بن حارثة وبنو المصطلق بطن من بني خزاعة والإغارة عليهم كانت في شعبان سنة خمس من الهجرة على الصحيح.
(وأنعامهم تسقى على الماء) هذا دليل الأخذ على غرة "وتسقى" بالبناء للمجهول وكان لهم بئر ماء يسمى المريسيع وكان رئيسهم الحارث بن أبي ضرار وقد بلغ النبي ﷺ أن الحارث جمع جموعا لقتاله فندب النبي ﷺ الصحابة لمباغتته قبل أن يجمع أمره وكان الحارث قد أرسل عينا تأتيه بخبر المسلمين فظفروا به فقتلوه ووصل المسلمون فجأة إلى بئر المريسيع فصف الرسول ﷺ أصحابه للقتال ورموهم بالنبال وهم على الماء وحملوا عليهم حملة واحدة.
(فقتل مقاتلتهم) وأحاط بهم فلم ينج منهم أحد قتل منهم عشرة وأسر الباقون رجالا ونساء وذرية.
(وأصاب يومئذ "جويرية" -أو البتة- ابنة الحارث) أصل الإسناد: حدثنا يحيى بن يحيى التميمي. حدثنا سليم بن أخضر عن ابن عون قال النووي: معناه أن يحيى بن يحيى قال: أصاب يومئذ ابنة الحارث وأظن شيخي سليم بن أخضر سماها في روايته "جويرية" أو أعلم ذلك وأجزم به وأقول: البتة وحاصله أنها جويرية فيما أحفظه إما ظنا وإما علما. وفي ملحق الرواية قال: هي جويرية بنت الحارث بلا شك. اهـ.
ومعنى "البتة" أي جزما وقطعا فيحيى قبل أن يقول: "جويرية" وحين قالها كان يظن ويشك أن شيخه سماها ثم بعد أن نطق بها تذكر وتيقن أن ما قاله لا شك فيه فجزم به وقال: جزما وقطعا أن شيخي سماها: جويرية ابنة الحارث بن أبي ضرار المصطلقى.
وقصتها: أنها ﵂ وقعت في سبايا بني المصطلق سنة خمس أو ست من الهجرة
стр. 3791
وكانت تحت مسافع بن صفوان المصطلقى وكانت عند توزيع الغنائم في سهم ثابت بن قيس فكاتبته على نفسها وأتت رسول الله ﷺ تستعينه في كتابتها وقالت: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث سيد قومه وقد أصابني من البلايا ما لم يخف عليك وقد كاتبت على نفسي فأعني على كتابتي. فقال ﷺ : أو خير من ذلك؟ أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك؟ فقالت: نعم. ففعل ذلك فبلغ الناس أنه قد تزوجها فقالوا: أصهار رسول الله ﷺ ؟ فأرسلوا ما في أيديهم من بني المصطلق فلقد أعتق الله بها مائة أهل بيت من بني المصطلق.
فمعنى "وأصاب يومئذ جويرية" أي غنمها ضمن السبايا والمعنى حازها وتزوجها.
-[فقه الحديث]-
موضوع هذا الحديث: هل يشترط دعاء الكافرين إلى الإسلام عند قتالهم؟ قبل الإغارة عليهم؟ لجواز أن يسلموا فلا يقاتلوا؟ وهي مسألة خلافية. وظاهر الحديث أن اشتراط ذلك كان أول الهجرة حيث كان الكفار لم تبلغهم الدعوة ولم يتضح لهم الإسلام أما بعد أن بلغت دعوة الإسلام الجزيرة العربية وغيرها فلا يشترط ذلك. ذهب إلى ذلك الأكثرون قال النووي: في هذه المسألة ثلاثة مذاهب: أحدها: يجب الإنذار مطلقا -أي بلغتهم الدعوة أو لم تبلغهم الدعوة- قال: وهذا ضعيف والثاني: لا يجب مطلقا وهذا أضعف منه أو باطل الثالث: يجب إن لم تبلغهم الدعوة ولا يجب إن بلغتهم لكن يستحب وهذا هو الصحيح وبه قال نافع مولى ابن عمر والحسن البصري والثوري والليث والشافعي وأبو ثور وابن المنذر والجمهور قال ابن المنذر: وهو قول أكثر أهل العلم وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على معناه فمنها هذا الحديث وحديث قتل كعب بن الأشرف وحديث قتل أبي الحقيق. اهـ.
وقد نص الشافعي على أن من وجد ممن لم تبلغه الدعوة لم يقاتل حتى يدعى. وقال مالك: من قربت داره قوتل بغير دعوة لاشتهار الإسلام ومن بعدت داره فالدعوة أقطع للشك وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن أبي عثمان النهدي أحد كبار التابعين قال: كنا ندعو وندع قال الحافظ ابن الحجر: وهو منزل على الحالين المتقدمين.
قال النووي: وفي هذا الحديث جواز استرقاق العرب لأن بني المصطلق عرب من خزاعة وهذا قول الشافعي في الجديد وهو الصحيح وبه قال مالك وجمهور أصحابه وأبو حنيفة والأوزاعي وجمهور العلماء وقال جماعة من العلماء: لا يسترقون وهذا قول الشافعي في القديم.
والله أعلم.
стр. 3792
(٤٦٩) باب تأمير الأمراء على البعوث ووصاياهم
٣٩٧٢ - عن سليمان بن بريدة عن أبيه ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا ثم قال "اغزوا باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله. اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا. وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال (أو خلال) فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم. ثم ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم. ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين فإن هم أبوا فسلهم الجزية فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة نبيه ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك فإنكم أن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله. وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله ولكن أنزلهم على حكمك فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا".
٣٩٧٣ - وفي رواية عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث أميرا أو سرية دعاه فأوصاه وساق الحديث بمعنى حديث سفيان.
.
стр. 3793
٣٩٧٤ - عن أبي موسى ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث أحدا من أصحابه في بعض أمره قال "بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا".
٣٩٧٥ - عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن جده ﵁ أن النبي ﷺ بعثه ومعاذا إلى اليمن فقال "يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا وتطاوعا ولا تختلفا".
٣٩٧٦ - -/- عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن جده ﵁ عن النبي ﷺ نحو حديث شعبة وليس في حديث زيد بن أبي أنيسة "وتطاوعا ولا تختلفا".
٣٩٧٧ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "يسروا ولا تعسروا وسكنوا ولا تنفروا".
-[المعنى العام]-
إن حاكم الدولة هو السلطة العليا التي تعين السلطات الأخرى التي تحتها ولا يجوز الخروج عليها إلا في حالات حددها الشارع ولا يجوز أن يولي الإنسان نفسه على بعض الولايات الخاضعة لسلطان الحاكم الأعلى إلا في ضرورات حددها الشارع كأن يتعين للولاية وتتعذر مراجعة الإمام ويتفق عليه من سيدخل في حكمه وتحت إمرته حينئذ تثبت الولاية له شرعا وتجب طاعته حكما.
لقد كان رسول الله ﷺ حاكم الدولة الإسلامية لا يصدرون إلا عن أمره حتى في خاصة أنفسهم عملا بقوله تعالى ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا﴾ [الأحزاب: ٣٦] وكان يؤمر الأمراء ويولي الولاة والقضاة والعاملين على الزكاة والجزية ويبعث البعوث والمعلمين للدين وشريعته وما بعث اثنين إلا أمر أحدهما وما أمر أحدا إلا وعظه ونصحه ووصاه بتقوى الله في أمر نفسه وفي أمر من يتولى أمره وأن يرفق بمن ولي عليهم وأن يتفق مع شركائه في الولاية ويطيعهم وأن يبشر ولا ينفر وييسر ولا يعسر وأن يدعوهم بالتي هي أحسن إلى الإسلام ويبين لهم معالمه وشرائعه وأهدافه وحكم مشروعيته
стр. 3794
ليقنعهم به فإن أسلموا -وكان ذلك قبل فتح مكة- رغبهم في الهجرة إلى المدينة ليغزو مع الغازين وليغنموا مع الغانمين فإن هم أبوا أن يسلموا فعليهم الجزية دينار أو نحوه في العام مقابل حمايته وهو على دينه فإن أبى الإسلام والجزية فالسيف هو الحكم وكان ﷺ يوصي أمراء الجيوش أن لا يعطوا لأعدائهم عهد الله فقد يضطرون إلى مقابلة الغدر بالغدر ولكن يعطون عهد أنفسهم فإذا نقضوا عهد أنفسهم كان أهون من أن ينقضوا عهد الله تعالى.
-[المباحث العربية]-
(إذا أمر أميرا) يقال: أمر فلانا بتشديد الميم مع فتح الهمزة أي صيره أميرا أي حاكما والأصل أمر رجلا فصار بالتأمير أميرا.
(على جيش أو سرية) السرية بفتح السين وكسر الراء وتشديد الياء.
وهي القطعة من الجيش تخرج منه وتغير وترجع إليه وهي من مائة إلى خمسمائة فما زاد على خمسمائة يقال له: منسر فإن زاد على ثمانمائة سمي جيشا وما بينهما يسمى هبطة فإن زاد على أربعة آلاف يسمى جحفلا فإن زاد فجيش جرار والخميس الجيش العظيم والكتيبة ما اجتمع ولم ينتشر كذا ذكر الحافظ ابن حجر.
قيل: سميت سرية لأنها تسري في الليل غالبا فعيلة بمعنى فاعلة يقال: سرى وأسرى إذا ذهب ليلا وقيل: سميت بذلك لأنها تخفي ذهابها وكأنها مأخوذة من السر وهو لا يصح لاختلاف مادة الكلمة.
(أوصاه في خاصته) أي فيما يختص به دون غيره.
(ومن معه من المسلمين خيرا) "ومن معه" معطوف على "خاصته" والتقدير: أوصاه فيما يخصه بتقوى الله وأوصاه فيما يعم من معه من المسلمين خيرا.
(اغزوا ولا تغلوا) الأمر للأمير وجنده وكرر الأمر بالغزو للتأكيد للأهمية أو ليربط به عن قرب ما يتعلق بالغزو من الوصايا والغلول بضم الغين واللام الخيانة في المغنم سمي بذلك لأن آخذه يغله في متاعه أي يخفيه فيه يقال: غل بفتح الغين يغل بضمها غلولا أما غل بفتحها يغل بكسرها غلا بكسرها وغليلا فمعناه كان ذا حقد وضغن أو غش.
(ولا تغدروا) بكسر الدال أي لا تنقضوا العهد وأوفوا بالعهود يقال: غدر بفتحات يغدر بكسر الدال غدرا بسكونها فهو غادر وجمعه غدرة بفتح الغين والدال والراء وهو غدار بتشديد الدال وغدور بفتح الغين.
(ولا تمثلوا) بفتح التاء وضم الثاء بينهما ميم ساكنة كذا الرواية من مثل بفتح الميم والثاء
стр. 3795
يقال: مثل بفلان مثلا بفتح الميم وبسكون الثاء ومثلة بضم الميم وسكون الثاء أي نكل به بجدع أنفه أو قطع أذنه أو غيرهما من الأعضاء ومثله مثل بتشديد الثاء تمثيلا والتشديد للمبالغة.
(ولا تقتلوا وليدا) الوليد المولود حين يولد والصبي إلى أن يبلغ للذكر والأنثى ويقال: وليدة مؤنث وليد.
(وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال -أو خلال) وجه الأمر إلى القائد لأنه واجبه أما الأوامر والنواهي السابقة فهي تعمه هو وجنده والمراد ادعهم إلى واحدة من ثلاث خلال مرتبة لا تنتقل إلى الثانية إلا بعد رفض التي قبلها والخصلة بفتح الخاء وسكون الصاد في خلق الإنسان تكون فضيلة أو رذيلة والجمع خصال والخلة بفتح الخاء الخصلة يقال: فيه خلة حسنة وخلة سيئة وقوله "أو خلال" شك من الراوي.
(ثم ادعهم إلى الإسلام) قال النووي: هكذا هو في جميع نسخ صحيح مسلم "ثم ادعهم" قال القاضي عياض: صواب الرواية "ادعهم" بإسقاط "ثم" وقد جاء بإسقاطها على الصواب في كتاب أبي عبيد وفي سنن أبي داود وغيرهما لأنه تفسير للخصال الثلاث وليست غيرها وقال المازري: ليست "ثم" هنا زائدة بل دخلت لاستفتاح الكلام والأخذ. اهـ. ومعنى هذا أنها تفيد ابتداء الكلام وليست لترتيب ما بعدها على ما قبلها وهذا لا يختلف عن كلام القاضي إلا من حيث التوجيه بدلا من التخطئة.
(فإن أجابوك) إلى دعوتك وأسلموا.
(ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين) أي المدينة المنورة وسيأتي تفصيل الحكم الشرعي للهجرة في فقه الحديث.
(فإن أبوا فسلهم الجزية) "الجزية" من فعلة اسم هيئة من جزأت الشيء إذا قسمته ثم سهلت الهمزة وقيل: فعلة من جزي يجزي جزاء لأنها جزاء تركهم ببلاد الإسلام وحماية أهله لهم وقيل: فعلة من أجزأ يجزئ إجزاء لأنها تكفي من توضع عليه في عصمة دمه وسيأتي الكلام عن مقدارها وعمن تؤخذ منه في فقه الحديث.
(فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة نبيه) الذمة العهد والأمان والكفالة.
(فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم أهون) "تخفروا" بضم التاء وسكون الخاء وكسر الفاء من أخفر ذمته أي نقض عهده وغدر والخطاب لمن أعطى العهد وأصحابهم من غابوا عن إعطاء العهد ودخلوا فيه بإدخال قيادتهم لهم فيه ولما كانوا عرضة لنقض العهد مع الكفار كجزاء لنقض الكفار عهدهم كانت التوصية أن لا يقعوا شكلا في نقض عهد الله ولو كان مجازاة.
(إذا بعث أحدا من أصحابه في بعض أمره) أي بعث أحدا واليا أو عاملا لجمع الزكاة أو قاضيا أو معلما للدين أو مقاتلا في سرية أو غير ذلك.
стр. 3796
(بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا) التبشير في الأصل الإخبار بخبر يظهر أثره على البشرة خير أو شر لكنه غلب على خبر الخير وهو المراد هنا.
وقوله "ولا تنفروا" ليس من المقابلة الحقيقية بل من المقابلة بالمعنى إذ مقابل التبشير الإنذار ومقابل التنفير الإيناس فجمع بينهما ليعم البشارة والإنذار والتأنيس والتنفير قاله الطيبي والتصريح بالمقابل أو اللازم للتأكيد وقد اختلف العلماء: هل الأمر بشيء نهي عن ضده؟ أو لا؟ فعلى القول بأنه يلزم فهو تصريح باللازم.
وفي الرواية الرابعة "وسكنوا ولا تنفروا" يقال: سكن المتحرك جعله يسكن أي هدئوا من روع الناس وعاملوهم المعاملة التي تريحهم.
(وتطاوعا ولا تختلفا) أي فليطع كل منكما صاحبه أما النهي عن اختلافهما فمقصوده استمرار المطاوعة ودوامها لأنهما قد يتطاوعان في وقت ويختلفان في وقت وقد يتطاوعان في شيء ويختلفان في شيء.
-[فقه الحديث]-
عن دعوتهم للهجرة يقول النووي: معنى هذا الحديث أنهم إذا أسلموا استحب لهم أن يهاجروا إلى المدينة فإن فعلوا ذلك كانوا كالمهاجرين قبلهم في استحقاق الفيء والغنيمة وغير ذلك وإلا فهم أعراب كسائر أعراب المسلمين الساكنين في البادية من غير هجرة ولا غزو فتجري عليهم أحكام الإسلام ولا حق لهم في الغنيمة والفيء وإنما يكون لهم نصيب من الزكاة إن كانوا بصفة استحقاقها قال الشافعي: الصدقات للمساكين ونحوهم ممن لا حق لهم في الفيء للأخبار قال: ولا يعطى أهل الفيء من الصدقات ولا أهل الصدقات من الفيء واحتج بهذا الحديث وقول مالك وأبي حنيفة: المالان سواء ويجوز صرف كل واحد منهما إلى النوعين وقال أبو عبيد: هذا الحديث منسوخ وإنما كان هذا الحكم في أول الإسلام لمن لم يهاجر ثم نسخ بقوله تعالى ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾ [الأنفال: ٧٥] قال النووي: وهذا الذي ادعاه أبو عبيد لا يسلم له.
أما موضوع الجزية ومن تقبل منهم ومن لا تقبل منهم ففيه خلاف فقهي عريض بعد اتفاقهم على قبولها من أهل الكتاب اليهود والنصارى لقوله تعالى ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ [التوبة: ٢٩].
والخلاف في قبول الجزية من المشركين ومن المجوس عربا أو عجما هل تقبل منهم كأهل الكتاب أو لا تقبل منهم الجزية؟ وليس أمامهم إلا الإسلام أو السيف؟
فعن مالك: تقبل من جميع الكفار إلا من ارتد وبه قال الأوزاعي وفقهاء الشام فيجوز عندهم أخذ الجزية من كل كافر عربيا كان أو عجميا كتابيا كان أو مجوسيا أو غيرهما.
стр. 3797
وهذا الحديث دليل لهم فلفظه "قاتلوا من كفر بالله ... فإن هم أبوا فسلهم الجزية"
وحكى ابن القاسم عن مالك: لا تقبل من قريش.
وقال الشافعي: تقبل من أهل الكتاب عربا كانوا أو عجما ويلتحق بهم المجوس في ذلك واحتج بالآية المذكورة فإن مفهومها أنها لا تقبل من غير أهل الكتاب واستثنى المجوس من هذا المفهوم لأن النبي ﷺ أخذها منهم. قال أبو عبيد: ثبتت الجزية على اليهود والنصارى بالكتاب وعلى المجوس بالسنة. اهـ.
وكان عمر يرفض أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ أخذها من مجوس هجر. رواه البخاري فكتب عمر لواليه: انظر مجوس من قبلك فخذ منهم الجزية فإن عبد الرحمن بن عوف أخبرني .. "قال ابن عباس: فأخذ الناس بقول عبد الرحمن بن عوف.
وفي الموطأ عن جعفر بن محمد عن أبيه "أن عمر قال: لا أدري ما أصنع بالمجوس؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: أشهد لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: سنوا بهم سنة أهل الكتاب" وأخرج الطبراني الحديث بلفظ "سنوا بالمجوس سنة أهل الكتاب".
قال مالك في الجزية: واستدل بقوله "سنة أهل الكتاب" على أنهم ليسوا أهل كتاب لكن روى الشافعي وعبد الرزاق وغيرهما بإسناد حسن عن علي "كان المجوس أهل كتاب يقرءونه وعلم يدرسونه فشرب أميرهم الخمر فوقع على أخته فلما أصبح دعا أهل الطمع فأعطاهم وقال: إن آدم كان ينكح أولاده بناته فأطاعوه وقتل من خالفه فأسرى على كتابهم وعلى ما في قلوبهم منه فلم يبق عندهم منه شيء".
وفرق الحنفية بين مجوس العجم ومجوس العرب فقالوا: تؤخذ من مجوس العجم دون مجوس العرب وحكى الطحاوي عنهم: تقبل الجزية من أهل الكتاب ومن جميع كفار العجم ولا يقبل من مشركي العرب إلا الإسلام أو السيف وحديثنا يعارضهم ففي لفظه "وإذا لقيت عدوك من المشركين .. فإن هم أبوا فسلهم الجزية فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم".
أما مقدار الجزية فيتفاوت وأقلها عند الجمهور دينار لكل سنة وخصه الحنفية بالفقير وأما المتوسط فعليه ديناران وعلى الغني أربعة دنانير وعند الشافعية أن للإمام أن يماكس حتى يأخذها أربعة منهم وبه قال أحمد وأخرج أصحاب السنن وصححه الترمذي والحاكم أن النبي ﷺ حين بعث معاذا إلى اليمن قال له: "خذ من كل حالم دينارا" واختلف السلف في أخذها من الصبي فالجمهور على أنها لا تؤخذ منه عملا بمفهوم الحديث السابق وكذا لا تؤخذ من شيخ فان ولا زمن ولا امرأة ولا مجنون ولا عاجز عن الكسب ولا أجير ولا أصحاب الصوامع.
-[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]-
١ - تحريم الغدر
стр. 3798
٢ - وتحريم الغلول
٣ - وتحريم قتل الصبيان إذا لم يقاتلوا
٤ - وكراهة المثلة.
٥ - واستحباب وصية الإمام أمراءه وجيوشه بتقوى الله تعالى والرفق بأتباعهم وتعريفهم ما يحتاجون في غزوهم وما يجب عليهم وما يحل لهم وما يحرم عليهم وما يكره وما يستحب.
٦ - وفيه حجة لمن يقول: ليس كل مجتهد مصيبا بل المصيب واحد وهو الموافق لحكم الله تعالى في نفس الأمر.
٧ - وفيه الأمر بالتبشير بفضل الله وعظيم ثوابه وجزيل عطائه وسعة رحمته
٨ - والنهي عن التنفير بذكر التخويف وأنواع الوعيد من غير ضمها إلى التبشير.
٩ - وفيه تأليف من قرب إسلامه وترك التشديد عليهم.
١٠ - وفيه أمر الولاة بالرفق واتفاق المشاركين في ولاية ونحوها.
١١ - وفيه وصية أهل الفضل والصلاح كمعاذ وأبي موسى ﵄ فإن الذكرى تنفع المؤمنين.
والله أعلم.
стр. 3799
(٤٧٠) باب تحريم الغدر
٣٩٧٨ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة يرفع لكل غادر لواء فقيل هذه غدرة فلان بن فلان".
٣٩٧٩ - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "إن الغادر ينصب الله له لواء يوم القيامة فيقال ألا هذه غدرة فلان".
٣٩٨٠ - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول "لكل غادر لواء يوم القيامة".
٣٩٨١ - عن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ قال "لكل غادر لواء يوم القيامة يقال هذه غدرة فلان".
٣٩٨٢ - -/- وفي رواية عن شعبة في هذا الإسناد وليس في حديث عبد الرحمن "يقال هذه غدرة فلان".
٣٩٨٣ - عن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به يقال هذه غدرة فلان".
٣٩٨٤ - عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به".
стр. 3800
٣٩٨٥ - عن أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ قال "لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة".
٣٩٨٦ - عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدره ألا ولا غادر أعظم غدرا من أمير عامة".
-[المعنى العام]-
يقول الله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ [المائدة: ١] ويقول ﴿والموفون بعهدهم إذا عاهدوا﴾ [البقرة: ١٧٧] ويقول ﴿وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم﴾ [النحل: ٩١] ويقول ﷺ "آية المنافق ثلاث. إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر".
فالغدر وعدم الوفاء بالعهد حرام باتفاق العلماء في الشريعة الإسلامية بل هو لا يليق بالرجال الأحرار ذوي الشهامة والمروءة والنجدة في عرف العقلاء وكان العرب يتمدحون بخلق الوفاء بالعهد ويفخرون به ويحرصون عليه ولو كان في ذلك قتل لأبنائهم فلذة أكبادهم.
وأكبر وعيد على جريمة الغدر بالعهود ذلك الوعيد المذكور في هذا الحديث حيث يعلن على ملأ الخلائق في الموقف العظيم يوم يجمع الله الأولين والآخرين يعلن إعلان عن كل غادر ترفع راية عالية على رءوس الخلائق مرتكزة على عجز الغادر مكتوب عليها انظروا أيها الناس إلى هذا الغادر إنه فلان بن فلان غدر بكذا يوم كذا فيكون في ذلك فضيحته جزاء غدره ﴿فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما﴾ [الفتح: ١٠].
-[المباحث العربية]-
(إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة) يبدأ يوم القيامة بالبعث من القبور وينتهي بدخول أهل الجنة الجنة وأهل النار وفيه الموقف العظيم وهو المقصود بجمع الأولين والآخرين.
(يرفع لكل غادر لواء) الغادر هو الذي يواعد على أمر ولا يفي به وفي حديث علامات المنافق "إذا عاهد غدر" يقال: غدر بفتح الدال يغدر بكسرها: نقض عهده وترك الوفاء به فهو غادر وجمعه غدرة بفتحات وهو غدار وغدور.
стр. 3801
واللواء بكسر اللام والمد هي الراية ويسمى أيضا العلم وكان الأصل أن يمسكه رئيس الجيش ثم صارت تحمل على رأسه وقيل: اللواء غير الراية فاللواء ما يعقد في طرف الرمح ويلوى عليه والراية ما يعقد فيه ويترك حتى تصفقه الرياح وقيل: اللواء دون الراية وقيل: اللواء العلم الضخم والعلم علامة على محل الأمير يدور معه حيث دار والراية يتولاها صاحب الحرب وجنح الترمذي إلى التفرقة فترجم بالألوية وأورد حديث جابر "أن رسول الله ﷺ دخل مكة ولواؤه أبيض" ثم ترجم للرايات وأورد حديث البراء "أن راية رسول الله ﷺ كانت سوداء مربعة من نمرة" وحديث ابن عباس "كانت رايته سوداء ولواؤه أبيض" وروى أبو داود عن رجل "رأيت راية رسول الله ﷺ صفراء" قال الحافظ ابن حجر: ويجمع بينها باختلاف الأوقات. وعند ابن أبي الشيخ "كان مكتوبا على رايته: لا إله إلا الله محمد رسول الله" وعن رفع اللواء للغادر يوم القيامة يقول القرطبي: هذا خطاب منه ﷺ للعرب بنحو ما كانت تفعل لأنهم كانوا يرفعون للوفاء راية بيضاء وللغدر راية سوداء ليلوموا الغادر ويذموه فاقتضى الحديث وقوع مثل ذلك للغادر ليشتهر بصفته يوم القيامة فيذمه أهل الموقف وأما الوفاء فلم يرد فيه رفع لواء مغاير ولا يبعد أن يقع ذلك. اهـ. فرفع اللواء حقيقة ولا يحتاج الرفع إلى من يحمله وأما مقدار رفعه فيكفي فيه أن يراه أهل الموقف وأما بدء اللواء المرفوع فقد تعرضت له الرواية السادسة ولفظها "عند استه" والاست العجز وقد يراد بها حلقة الدبر وهي مؤنث وهمزته همزة وصل وأصله السته وقد بينت الرواية الخامسة الغرض من رفع اللواء بأنه ليعرف أي ليشتهر بين الناس ليذم فهو من باب التشهير.
(يقال: هذه غدرة فلان بن فلان) الظاهر أن القول هنا ليس على حقيقته وأن المراد به الإعلان أي يعلن اللواء عن مكان الغدرة وصاحبها وربما يكون اللواء مكتوبا عليه هذا المقول والغدرة اسم مرة وهل هذا اللواء لكل من وقع منه الغدر؟ قليلا؟ أو كثيرا؟ عظمت الغدرة؟ أو حقرت؟ الظاهر أن التشهير لا يكون إلا بمن تعود ذلك وكثر منه كما توحي عبارة الحديث "إذا عاهد غدر" أو كانت الغدرة عظيمة تلحق آثارها الكثيرين فهو في قوة غدرات أما قوله في الرواية السابعة "يرفع له بقدر غدره" فالمراد منه أن التشهير ينتشر ويعلن بالدرجة التي وقع بها الغدر لكن أصل التشهير لا يستحقه من وقع منه غدرة صغيرة.
(لا غادر أعظم غدرا من أمير عامة) "من أمير عامة" بدون تنوين "أمير" وأمير العامة أمير الناس عامة أي أمير الدولة وحاكمها وفي رواية للبخاري قال ابن عمر "وإنا قد بايعنا هذا الرجل أي يزيد بن معاوية على بيع الله ورسوله وإني لا أعلم غدرا أعظم من أن يبايع رجل على بيع الله ورسوله ثم ينصب له القتال".
-[فقه الحديث]-
الغدر حرام باتفاق سواء كان في حق المسلم أو الذمي وقد ترجم البخاري لهذا الحديث بعنوان: باب إثم الغادر للبر والفاجر قال الحافظ ابن حجر: أي سواء كان من بر لفاجر أو لبر أو من فاجر
стр. 3802
وفي الحديث غلظ تحريم الغدر لا سيما من صاحب الولاية العامة لأن غدره يتعدى ضرره إلى خلق كثيرين ولأنه غير مضطر للغدر لقدرته على الوفاء.
وقال عياض: المشهور أن هذا الحديث ورد في ذم الإمام إذا غدر في عهوده لرعيته أو لمقاتلته أو للإمامة التي تقلدها والتزم القيام بها فمتى خان فيها أو ترك الرفق فقد غدر بعهده وقيل: المراد نهي الرعية عن الغدر بالإمام فلا تخرج عليه ولا تتعرض لمعصيته لما يترتب على ذلك من الفتنة قال: والصحيح الأول قال الحافظ ابن حجر: ولا أدري ما المانع من حمل الخبر على أعم من ذلك؟ اهـ وبخاصة أن الذي فهمه ابن عمر من الحديث -كما ذكرنا في المباحث العربية- هو غدر الرعية بعهدهم للإمام.
ويؤخذ من قوله "هذه غدرة فلان بن فلان" أن الناس يدعون يوم القيامة بآبائهم قال ابن دقيق العيد: وإن ثبت أنهم يدعون بأمهاتهم فقد يخص هذا من العموم.
وتمسك بهذا الحديث قوم فقالوا بترك الجهاد مع ولاة الجور الذين يغدرون -حكاه الباجي.
وفيه أن العقوبة يوم القيامة قد تكون بنقيض القصد قاله ابن المنير أخذا من روايتنا السادسة من لفظ "لواء عند استه" لأن عادة اللواء أن يكون عند الرأس فنصب عند السفل زيادة في فضيحته لأن الأعين غالبا تمتد إلى الألوية فيكون ذلك سببا لامتدادها إلى التي بدت له ذلك اليوم فتزداد بها فضيحته.
والله أعلم.
стр. 3803
(٤٧١) باب جواز الخداع في الحرب
٣٩٨٧ - عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "الحرب خدعة".
٣٩٨٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "الحرب خدعة".
-[المعنى العام]-
للحرب أساليبها وفنونها وهي تعتمد في كثير من أحوالها على خداع كل طرف للطرف الآخر فليس الفوز فيها للقوة دائما بل كثيرا ما تكون الحيلة سبب النصر وكثيرا ما يكون إخفاء الخطط والتظاهر بغير ما في العزم والتصميم سببا في الفوز وقد كان ﷺ يبعث من يفت في عضد الأعداء وعزيمتهم ويخوفهم من قوة المسلمين وقد يكون في ذلك غير الصدق ولو التزم المسلمون الصدق في أخبارهم حين الحرب مع الكفار ولو التزم أبو بكر الصدق حين سأله الكفار عن الرسول ﷺ في الهجرة لساءت النتيجة على الإسلام وقد نام علي ﵁ مكان الرسول ﷺ خدعة وكانت أسماء ﵂ ترعى أغنامها في طريق الغار خدعة فالحرب خدعة رخص الإسلام في هذا الخداع للصالح العام ولدفع الضرر الأشد ولجلب المصلحة الأعظم.
-[المباحث العربية]-
(الحرب خدعة) في "خدعة" ثلاث لغات مشهورات اتفقوا على أن أفصحهن "خدعة" بفتح الخاء وإسكان الدال قال ثعلب وغيره: وهي لغة النبي ﷺ والثانية بضم الخاء وإسكان الدال والثالثة بضم الخاء وفتح الدال وحكى المنذري لغة رابعة بالفتح فيهما وحكى مكي لغة خامسة كسر أوله مع إسكان الدال أما فتح الخاء وإسكان الدال فعلى بناء المصدر من وصف الفاعل باسم المصدر أي إنها تخدع أهلها أو من وصف المفعول باسم المصدر كما يقال: هذا الدرهم ضرب الأمير أي مضروبه وقال الخطابي: إنها على بناء اسم المرة أي الحرب خدعة واحدة وأي خدعة؟ فمن خدعته مرة صرعته وأهلكته ولا عودة له أو على معنى -إن كان للمسلمين- اخدعوا أعداءكم في الحرب ولو مرة واحدة وإن كان من الكفار فالمعنى احذروا خداع الكفار ومكرهم ولو كان خداعهم لمرة واحدة فلا ينبغي التهاون بهم لما ينشأ عنهم من المفسدة ولو قل.
стр. 3804
وأما ضم الخاء وفتح الدال فعلى صيغة المبالغة أي كثيرة الخداع كهمزة ولمزة
وأما ضم الخاء مع إسكان الدال فعلى المصدر.
وأما الفتح فيهما فهو جمع خادع أي أهلها بهذه الصفة وكأنه قال: أهل الحرب خادعون.
هذا ويقال: خدعت الرجل أخدعه خدعا وخدعا وخديعة وخدعة إذا أظهرت له خلاف ما تخفي ورجل خداع وخدوع وخدع وخدعة إذا كان خبا وقال ابن العربي: الخديعة في الحرب تكون بالتورية وتكون بالكمين وتكون بخلف الوعد.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: اتفق العلماء على جواز خداع الكفار في الحرب وكيف أمكن الخداع إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يحل. اهـ.
وفي الحديث التحريض على أخذ الحذر في الحرب وفيه الإشارة إلى استعمال الرأي في الحرب بل الاحتياج إليه آكد من الشجاعة.
ويجرنا هذا الحديث إلى حكم الكذب في الحرب وعند الترمذي من حديث أسماء بنت يزيد مرفوعا "لا يحل الكذب إلا في ثلاث تحدث الرجل امرأته ليرضيها والكذب في الحرب وفي الإصلاح بين الناس"
وقد اختلف العلماء في جواز الكذب في هذه الثلاث؟ أو تقييده بالتلويح والتعريض فقال النووي: الظاهر إباحة حقيقة نفس الكذب في الأمور الثلاثة لكن التعريض أولى وقال ابن العربي: الكذب في الحرب من المستثنى الجائز بالنص رفقا بالمسلمين لحاجتهم إليه لضعفهم وليس للعقل في تحريمه ولا في تحليله أثر إنما هو إلى الشرع.
وقال ابن بطال: سألت بعض شيوخي فقال: الكذب المباح في الحرب ما يكون من المعاريض لا التصريح بالتأمين مثلا.
وقال المهلب: لا يجوز الكذب الحقيقي في شيء من الدين أصلا. اهـ.
وعندي أن الترخيص بالكذب في هذه الأمور الثلاثة نصا وفي غيرها قياسا إنما هو من قبيل احتمال أخف الضررين واحتمال أخف الضررين واجب أو مقدم ندبا على الأقل ولا يقال حينئذ إن فعل الضرر الأقل مباح في حد ذاته وكذا الكذب في الأمور الثلاثة ونحوها لا نقول إن الكذب حلال وجائز في حد ذاته ولكنها تبيحه بالنسبة للضرر المترتب على عدمه ومن غير هذه الثلاثة مثلا: لو أن مجرما قاتلا سفاكا يجري وراء إنسان ليقتله ظلما فرأيت هذا المظلوم يختبئ في خندق فسألك المجرم: قل رأيته؟ وأين هو؟ فهل تدل عليه ليقتله؟ أم تكذب؟ وهل تعاقب على الكذب حينئذ أو تثاب؟ الجواب واضح. والله أعلم.
стр. 3805
(٤٧٢) باب كراهة تمني لقاء العدو والأمر بالصبر عند اللقاء واستحباب الدعاء بالنصر عند اللقاء
٣٩٨٩ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال "لا تمنوا لقاء العدو فإذا لقيتموهم فاصبروا".
٣٩٩٠ - عن أبي النضر عن كتاب رجل من أسلم من أصحاب النبي ﷺ يقال له عبد الله بن أبي أوفى فكتب إلى عمر بن عبيد الله حين سار إلى الحرورية يخبره أن رسول الله ﷺ كان في بعض أيامه التي لقي فيها العدو ينتظر حتى إذا مالت الشمس قام فيهم فقال يا "أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف" ثم قام النبي ﷺ وقال "اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم".
٣٩٩١ - عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: دعا رسول الله ﷺ على الأحزاب فقال "اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الأحزاب. اللهم اهزمهم وزلزلهم".
٣٩٩٢ - وفي رواية عن ابن أبي أوفى ﵁ قال: دعا رسول الله ﷺ بمثل حديث خالد غير أنه قال "هازم الأحزاب" ولم يذكر قوله "اللهم".
٣٩٩٣ - -/- وفي رواية عن إسمعيل بهذا الإسناد وزاد ابن أبي عمر في روايته "مجري السحاب".
٣٩٩٤ - عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول يوم أحد "اللهم إنك إن تشأ لا تعبد في الأرض".
стр. 3806
-[المعنى العام]-
لم يشرع الجهاد وقتال الكفار لمجرد القتال والقتل بل لنشر دين الله وتبليغ رسالة الإسلام فإذا ما تحقق الهدف بدون قتال كان خيرا كبيرا من هنا نهي عن تمني لقاء العدو وقتاله فإن وقع كان الأمر بالثبات والصبر كما يقول الله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون* وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين* ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط﴾ [الأنفال: ٤٥ وما بعدها].
نعم لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية وتحقيق الغاية بدون قتال واسألوا الله العافية إذا وقع القتال فإذا لقيتم عدوكم فاثبتوا واصبروا على شدائد المعارك مؤمنين بوعد ربكم فقد تكفل للمجاهد بإحدى الحسنيين إما السلامة والغنيمة وإما الجنة فالجنة تحت ظلال سيوف المجاهدين واذكروا الله كثيرا قبل المعارك وفي شدتها فقد كان رسول الله ﷺ يستعين بالدعاء على النصر وكان يقول: اللهم يا منزل القرآن لخيري الدنيا والآخرة يا مجري السحاب والمطر نحن في حاجة إلى جريان رحمتك وفضلك ونصرك ويا من هزمت الأحزاب وحدك يوم الخندق من غير قتال اهزم الكفار وزلزل أقدامهم في الميدان وزلزل أحوالهم وأمورهم حتى لا يستقروا في دنياهم على حال.
-[المباحث العربية]-
(لا تمنوا لقاء العدو) بتاء واحدة وفتح النون المشددة وأصله لا تتمنوا بتاءين كما جاء في الرواية الثانية والمراد من لقاء العدو مقاتلته.
(فإذا لقيتموهم فاصبروا) العدو يطلق على الواحد والجمع وحين إطلاقه على الجمع يكون مفردا لفظا جمعا معنى فيعود الضمير عليه مفردا باعتبار لفظه وجمعا -كما هنا- باعتبار معناه والمراد من الصبر تحمل الأذى والمجالدة والثبات.
(عن أبي النضر عن كتاب رجل من أسلم من أصحاب النبي ﷺ يقال له: عبد الله بن أبي أوفى فكتب إلى عمر بن عبيد الله حين سار إلى الحرورية) أبو النضر واسمه سالم مولى عمر بن عبيد الله وكان كاتبا له في رواية البخاري "قال: كنت كاتبا له قال: كتب إليه عبد الله بن أبي أوفى حين خرج إلى الحرورية فقرأته فإذا فيه .. الحديث فأبو النضر لم يسمع من ابن أبي أوفى وإنما قرأ كتابه فقال بعضهم: إن الحديث حجة في صحة رواية المكاتبة وتعقب بأن شرط صحة الرواية بالمكاتبة عند أهل الحديث أن تكون الرواية صادرة إلى المكتوب إليه وابن أبي أوفى لم يكتب إلى سالم إنما كتب إلى عمر بن عبيد الله فعلى هذا تكون رواية سالم
стр. 3807
للحديث عن عبد الله بن أبي أوفى من صور الوجادة ويمكن أن يقال: الظاهر أنه من رواية سالم عن مولاه عمر بن عبيد الله بقراءة سالم الكتاب على عمر لأنه كان كاتبه فهو من صور قراءة التلميذ على الشيخ المكتوب الموجه إلى الشيخ كأنه قال: عن عبد الله بن أبي أوفى أنه كتب إلى عمر فيصير حينئذ من صور المكاتبة من عبد الله بن أبي أوفى إلى عمر وعمر بن عبيد الله بن معمر التيمي وكان أميرا على حرب الخوارج والحرورية طائفة من الخوارج تنسب إلى حروراء بلدة بقرب الكوفة لأنه كان بها أول اجتماعهم وتحكيمهم حين خالفوا عليا ﵁ وكان عندهم تشدد في الدين حتى خرجوا عنه.
قال اللغويون: وهو من نوادر معدول النسب.
(كان في بعض أيامه) أي أيام غزواته.
(ينتظر) لا يبدأ القتال.
(حتى إذا مالت الشمس قام فيهم) أي في أصحابه وفي رواية للبخاري "كان إذا لم يقاتل أول النهار انتظر حتى تهب الأرواح وتحضر الصلوات" وعند أحمد أنه ﷺ كان يحب أن ينهض إلى عدوه عند زوال الشمس" وعند ابن منصور "كان رسول الله ﷺ يمهل إذا زالت الشمس ثم ينهض إلى عدوه" قال الحافظ ابن حجر: فيظهر أن فائدة التأخير لكون أوقات الصلاة مظنة إجابة الدعاء وهبوب الريح قد وقع النصر به في الأحزاب فصار مظنة لذلك.
وقد أخرج الترمذي عن النعمان بن مقرن ﵁ قال "غزوت مع النبي ﷺ فكان إذا طلع الفجر أمسك حتى تطلع الشمس فإذا طلعت قاتل فإذا انتصف النهار أمسك حتى تزول الشمس فإذا زالت الشمس قاتل فإذا دخل وقت العصر أمسك حتى يصليها ثم يقاتل وكان يقال: عند ذلك تهيج رياح النصر ويدعو المؤمنون لجيوشهم في صلاتهم".
(واسألوا الله العافية) السلامة من المكروهات في البدن والمال والأهل والدنيا والآخرة وخصت بالدعاء في هذا المقام لأن الحرب مجال الإصابات والابتلاء وهل المراد بها هنا عدم لقاء العدو مع تحقيق الهدف؟ أم السلامة مع لقائه؟ الظاهر الأول.
(واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف) الظلال جمع ظل وإذا تدانى الخصمان صار كل منهما تحت ظل سيف صاحبه لحرصه على رفعه عليه ولا يكون ذلك إلا عند التحام القتال ... وعند الطبراني بإسناد صحيح "الجنة تحت الأبارقة" أي تحت السيوف البارقة شديدة اللمعان.
وهو من الكلام النفيس الجامع الموجز المشتمل على ضروب من البلاغة مع الوجازة وعذوبة اللفظ فإنه أراد الحض على الجهاد والإخبار بالثواب عليه والحض على مقاربة العدو واستعمال السيوف والاجتماع حين الزحف حتى تصير السيوف تظل المتقاتلين.
стр. 3808
وقال ابن الجوزي: المراد أن الجنة تحصل بالجهاد وقال النووي: معناه ثواب الله عند الضرب بالسيوف في سبيل الله والسبب الموصل إلى الجنة ضرب السيوف في سبيل الله.
(اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب) "منزل" بضم الميم وسكون النون من أنزل وهو يشير بإنزال الكتاب إلى قوله تعالى ﴿قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم﴾ [التوبة: ١٤] ويشير بمجري السحاب إلى القدرة الظاهرة في تسخير السحاب حيث يحرك الريح السحاب بمشيئة الله وحيث يستمر في مكانه مع هبوب الريح بمشيئة الله وحيث يمطر السحاب تارة ولا يمطر أخرى فأشار بحركته إلى إعانة المجاهدين في حركتهم في القتال وبوقوفه إلى إمساك أيدي الكفار عنهم وبإنزال المطر إلى غنيمة ما معهم حيث يكون قتلهم وبعدمه إلى هزيمتهم حيث لا يحصل الظفر بشيء منهم وكلها أحوال صالحة للمسلمين وأشار بهازم الأحزاب إلى التوسل بالنعمة السابقة في غزوة الأحزاب وإلى تجريد التوكل واعتقاد أن الله هو المنفرد بالفعل قاله الحافظ ابن حجر.
(اللهم إنك إن تشأ لا تعبد في الأرض) مفعول المشيئة محذوف أي إن تشأ هزيمتنا واستئصالنا لا تعبد من الإنس في الأرض لأننا الذين نعبدك وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدوك وهذا الدعاء متضمن أيضا طلب النصر.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: إنما نهي عن تمني لقاء العدو لما فيه من صورة الإعجاب والاتكال على النفس والوثوق بالقوة وهو نوع بغي وقد ضمن الله تعالى لمن بغي عليه أن ينصره ولأنه يتضمن قلة الاهتمام بالعدو واحتقاره وهذا يخالف الاحتياط والحزم.
وتأوله بعضهم على النهي عن التمني في صورة خاصة وهي إذا شك في المصلحة فيه وحصول ضرر منه وإلا فالقتال كله فضيلة وطاعة فتمنيه لا ينهى عنه والصحيح الأول ولهذا تممه ﷺ بقوله "واسألوا الله العافية".
وقال ابن بطال: حكمة النهي أن المرء لا يعلم ما يؤول إليه الأمر وهو نظير سؤال العافية من الفتن وقد قال الصديق: لأن أعافى فأشكر أحب إلي من أن أبتلى فأصبر وأخرج سعيد بن منصور مرسلا "لا تمنوا لقاء العدو فإنكم لا تدرون عسى أن تبتلوا بهم"
وقال ابن دقيق العيد: لما كان لقاء الموت من أشق الأشياء على النفس وكانت الأمور الغائبة ليست كالأمور المحققة لم يؤمن أن يكون عند الوقوع فيكره التمني لذلك. اهـ.
وفي الحديث حث على الصبر في القتال وهو آكد أركان القتال وآدابه وقد جمعها الله تعالى في قوله ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون* وأطيعوا الله
стр. 3809
ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين* ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله﴾ [الأنفال: ٤٥ وما بعدها].
-[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]-
١ - استدل بقوله "لا تمنوا لقاء العدو" على منع طلب المبارزة وهو رأي الحسن البصري وكان علي ﵁ يقول: لا تدع إلى المبارزة فإذا دعيت فأجب تنصر لأن الداعي باغ.
٢ - وفي الدعاء المذكور التنبيه على عظم النعم الثلاث فإن بإنزال الكتاب حصلت النعمة الأخروية وهي الإسلام وبإجراء السحاب حصلت النعمة الدنيوية وهي الرزق وبهزيمة الأحزاب حصل حفظ النعمتين وكأنه قال: اللهم كما أنعمت بعظيم النعمتين الأخروية والدنيوية وحفظتهما فأبقهما.
٣ - وفيه الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة أي الدعاء عليهم بالهزيمة وإن انهزموا لا يقر لهم قرار.
٤ - وفي حديث ابن أبي أوفى صحة رواية المكاتبة والعمل بها قال الدارقطني: اتفاق البخاري ومسلم على روايته حجة في جواز العمل بالمكاتبة والإجازة وبه قال جماهير العلماء من أهل الحديث والأصول والفقه ومنعت طائفة الرواية بها. قال النووي: وهذا غلط.
٥ - قال المهلب: في هذه الأحاديث جواز القول بأن قتلى المسلمين في الجنة لكن على الإجمال لا على التعيين.
٦ - عن قوله في الرواية الرابعة "اللهم إنك إن تشأ لا تعبد في الأرض" قال النووي: فيه التسليم لقدر الله تعالى والرد على غلاة القدرية الزاعمين أن الشر غير مراد ولا مقدر -تعالى الله عن قولهم- وجاء في هذه الرواية أنه ﷺ قال هذا يوم أحد وجاء أنه قاله يوم بدر وهو المشهور في كتب السير والمغازي ولا معارضة بينهما فقاله في اليومين.
والله أعلم.
стр. 3810
(٤٧٣) باب تحريم قتل النساء والصبيان في الحرب وفي البيات
٣٩٩٥ - عن عبد الله ﵁ أن امرأة وجدت في بعض مغازي رسول الله ﷺ مقتولة فأنكر رسول الله ﷺ قتل النساء والصبيان.
٣٩٩٦ - عن ابن عمر ﵄ قال: وجدت امرأة مقتولة في بعض تلك المغازي فنهى رسول الله ﷺ عن قتل النساء والصبيان.
٣٩٩٧ - عن الصعب بن جثامة ﵁ قال: سئل النبي ﷺ عن الذراري من المشركين؟ يبيتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم فقال "هم منهم".
٣٩٩٨ - عن الصعب بن جثامة ﵁ قال: قلت: يا رسول الله إنا نصيب في البيات من ذراري المشركين قال "هم منهم".
٣٩٩٩ - عن الصعب بن جثامة ﵁ أن النبي ﷺ قيل له: لو أن خيلا أغارت من الليل فأصابت من أبناء المشركين؟ قال "هم من آبائهم".
-[المعنى العام]-
من أبرز البراهين على أن قتال المسلمين للكفار لم يكن للقتل وسفك الدماء فالإسلام دين المسالمة والسلم لا يقاتل إلا من تصدى لقتاله ولا يقتل إلا من يحاول أن يقتل المسلمين فقتال المسلمين للكفار من قبيل الدفاع عن النفس وفتح الطريق أمام دعوة الإسلام.
أبرز البراهين على ذلك نهي الرسول ﷺ عن قتل من لا يقاتل فقد نهى عن قتل النساء والصبيان الذين لا يقاتلون.
стр. 3811
وقد رأى رسول الله ﷺ امرأة مقتولة في بعض غزواته فقال: ما كانت هذه لتقاتل فلم قتلت؟ ثم نهى عن قتل الصبيان والنساء ورأى امرأة مقتولة فقال: ألم أنهكم عن قتل النساء؟ من قتل هذه؟ فقال رجل: أنا يا رسول الله أركبتها على راحلتي خلفي فأرادت قتلي ودفعتني عن دابتي فقتلتها فعذره رسول الله ﷺ وأمر بدفنها.
كما عذر المسلمين الذي يغيرون على البيوت ليلا وفيها رجال ونساء وصبيان لا يستطيعون أن يميزوا الرجال عن غيرهم إذا هم ضربوا بالسيف من يلاقونه دون قصد النساء ودون قصد الصبيان بالقتل عذر المسلمين المقاتلين إذا هم قتلوا في هذه الحالة النساء والصبيان فهؤلاء من هؤلاء والأبناء من الآباء يتبعونهم ويتحملون وزرهم فهم ثمرتهم ونتيجة سعيهم وشركاؤهم.
وهكذا رسم رسول الله ﷺ طريق الشهامة والعزة والكرامة والرحمة بالضعيف وعدم الاعتداء على المسالمين.
-[المباحث العربية]-
(أن امرأة وجدت في بعض مغازي رسول الله ﷺ مقتولة) أخرج الطبراني في الأوسط من حديث ابن عمر قال: "لما دخل رسول الله ﷺ مكة أتى بامرأة مقتولة فقال: ما كانت هذه تقاتل ونهى" وأخرج أبو داود في المراسيل عن عكرمة "أن النبي ﷺ رأى امرأة مقتولة بالطائف فقال: ألم أنه عن قتل النساء؟ من صاحبها؟ فقال رجل: أنا يا رسول الله أردفتها فأرادت أن تصرعني فتقتلني فقتلتها فأمر بها أن توارى" وأخرج ابن حبان في حديث الصعب زيادة في آخره "ثم نهى عنهم يوم حنين" فذهب بعضهم إلى التعدد وذهب بعضهم إلى الجمع وأن النهي عن قتل النساء والصبيان كان في غزوة حنين وفتح مكة وغزوة حنين في عام واحد.
(سئل عن الذراري من المشركين يبيتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم) قال النووي: هكذا هو في أكثر نسخ بلادنا "سئل عن الذراري" وفي رواية "عن أهل الدار من المشركين" ونقل القاضي هذه عن رواية جمهور رواة صحيح مسلم. قال: وهي الصواب فأما الرواية الأولى فقال: ليست بشيء بل هي تصحيف قال: وما بعده هو تبيين الغلط فيه. قال النووي: قلت: وليست باطلة كما ادعى القاضي بل لها وجه وتقديره سئل عن حكم صبيان المشركين الذين يبيتون فيصاب من نسائهم وصبيانهم بالقتل؟ فقال: هم من آبائهم" أي لا بأس بذلك والسائل هو الراوي كما هو صريح في الرواية الرابعة.
والذراري بتشديد الياء وتخفيفها لغتان التشديد أفصح وأشهر والمراد بالذراري هنا النساء والصبيان ومعنى "يبيتون" مبني للمجهول أي يغار عليهم ليلا بحيث لا يعرف الرجل من المرأة والصبي يقال: بيت الشيء أي عمله ليلا ودبره ليلا قال تعالى ﴿بيت طائفة منهم غير الذي تقول﴾ [النساء: ٨١] ويقال: بيت القوم أي أوقع بهم ليلا فالمعنى:
стр. 3812
سئل عن أهل الدار من المشركين يغير عليهم المسلمون ليلا وبغته فيصيبون أي يقتلون من النساء والذرية دون قصد النساء والذرية يوضح هذا المعنى الرواية الخامسة ولفظها "لو أن خيلا أغارت من الليل فأصابت من أبناء المشركين؟ أي قتلت من الذرية قال: هم من آبائهم".
ومعنى "إنا نصيب في البيات" إنا نقتل في الإغارة ليلا من ذراري المشركين فقال: "هم منهم" أي في الحكم في تلك الحالة.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: أجمع العلماء على العمل بهذا الحديث وتحريم قتل النساء والصبيان إذا لم يقاتلوا فإن قاتلوا قال جماهير العلماء: يقتلون.
وقال ابن بطال: اتفق الجميع على منع القصد إلى قتل النساء والولدان أما النساء فلضعفهن وأما الولدان فلقصورهم عن فعل الكفر ولما في استبقائهم جميعا من الانتفاع بهم إما بالرق وإما بالفداء فيما يجوز أن يفادي به وحكى الحازمي قولا بجواز قتل النساء والصبيان على ظاهر حديث الصعب (وفيه "هم منهم" أي هم من آبائهم أي لا بأس بذلك لأن أحكام آبائهم جارية عليهم في الميراث وفي النكاح وفي القصاص والديات وغير ذلك) وزعم أنه ناسخ لأحاديث النهي. قال الحافظ ابن حجر: وهو غريب.
وقال الشافعي والكوفيون: إذا قاتلت المرأة جاز قتلها وقال ابن حبيب من المالكية: لا يجوز القصد إلى قتلها إلا إن باشرت القتل وقصدت إليه قال: وكذلك الصبي المراهق.
ويؤيد قول الجمهور ما أخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان من حديث رباح قال: "كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة فرأى الناس مجتمعين فرأى امرأة مقتولة فقال: ما كانت هذه لتقاتل" فإن مفهومه أنها لو قاتلت لقتلت.
وقال مالك والأوزاعي: لا يجوز قتل النساء والصبيان بحال حتى لو تترس أهل الحرب بالنساء والصبيان أو تحصنوا بحصن أو سفينة وجعلوا معهم النساء والصبيان لم يجز رميهم ولا تحريقهم.
قال النووي: وأما شيوخ الكفار فإن كان فيهم رأي قتلوا وإلا ففيهم وفي الرهبان خلاف قال مالك وأبو حنيفة: لا يقتلون والأصح في مذهب الشافعي قتلهم.
-[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]-
١ - جواز البيات ومفاجأة الكفار بغتة ليلا.
٢ - وجواز الإغارة على من بلغتهم الدعوة من غير إعلامهم بذلك.
٣ - أن أولاد الكفار حكمهم في الدنيا حكم آبائهم وأما في الآخرة ففيهم إذا ماتوا قبل البلوغ
стр. 3813
ثلاثة مذاهب الصحيح أنهم في الجنة والثاني: هم في النار والثالث: لا يجزم فيهم بشيء.
٤ - جواز قتل النساء والصبيان في البيات إذا لم يتميزوا هذا مذهب الشافعية ومذهب مالك وأبي حنيفة.
٥ - وفي الحديث دليل على جواز العمل بالعام حتى يرد الخاص لأن الصحابة تمسكوا بالعمومات الدالة على قتل أهل الشرك ثم نهى النبي ﷺ عن قتل النساء والصبيان فخص ذلك العموم.
٦ - واستدل به بعضهم على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة.
٧ - قال الحافظ ابن حجر: ويستنبط منه الرد على من يتخلى عن النساء وغيرهن من أصناف الأموال زهدا لأنهم وإن كان قد يحصل منهم الضرر في الدين لكن يتوقف تجنبهم على حصول ذلك الضرر فمتى حصل اجتنب وإلا فليتناول من ذلك بقدر الحاجة.
والله أعلم.
стр. 3814
(٤٧٤) باب جواز قطع أشجار الكفار وتحريقها
٤٠٠٠ - عن عبد الله ﵁ أن رسول الله ﷺ حرق نخل بني النضير وقطع وهي البويرة. زاد قتيبة وابن رمح في حديثهما فأنزل الله ﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين﴾ [الحشر: ٥].
٤٠٠١ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قطع نخل بني النضير وحرق ولها يقول حسان:
٤ - وهان على سراة بني لؤي
حريق بالبويرة مستطير
وفي ذلك نزلت ﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها﴾ الآية.
٤٠٠٢ - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: حرق رسول الله ﷺ نخل بني النضير.
-[المعنى العام]-
على رأس ستة أشهر من وقعة بدر الكبرى كانت غزوة بني النضير وهم طائفة من اليهود كانت منازلهم ونخلهم بضاحية المدينة وقبل الغزوة ذهب إليهم رسول الله ﷺ يستعينهم في دية رجلين فخلا بعضهم ببعض وقالوا: إنكم لن تجدوه على مثل هذه الحال وكان جالسا إلى جانب جدار لهم فقالوا: يعلو رجل على هذا البيت فيلقي هذه الصخرة عليه فيقتله ويريحنا منه فأتاه الخبر من السماء فقام مظهرا أنه يقضي حاجة وقال لأصحابه لا تبرحوا ورجع مسرعا إلى المدينة فأمر المسلمين بحربهم وخرج إليهم فحاصرهم بعد أن تحصنوا بحصونهم وكان ناس من المنافقين قد بعثوا إليهم أن اثبتوا فإن قوتلتم قاتلنا معكم ولئن أخرجتم لنخرجن معكم ﴿والله يشهد إنهم لكاذبون* لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون﴾ [الحشر: ١١ وما بعدها] ﴿وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله﴾ وعندهم خزائن الزاد الذي يكفيهم شهورا وأمامهم نخيلهم تضمن لهم رزقا طويلا فلم يعبئوا بالحصار فأمر
стр. 3815
رسول الله ﷺ أصحابه بقطع نخيلهم وتحريقها ﴿فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب﴾ [الحشر: ٢] ويئسوا من صلاحية المقام في هذا المكان بعد ست ليال من الحصار نزلوا على الجلاء عن دورهم على أن لهم ما حملت إبلهم إلا السلاح فقاموا يخربون بيوتهم بأيديهم يحملون منها ما يقدرون على حمله حتى الأبواب والنوافذ والأخشاب حملوها وهدموا ما استطاعوا هدمه من بيوتهم وكان جلاؤهم إلى الشام ونزلت فيهم سورة الحشر وفيها قوله تعالى ﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين﴾ وفي صدرها يقول تعالى ﴿هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا﴾ [الحشر: ٢] وهان على أشراف قريش حلفائهم هذا التحريق وهذا الإخراج كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال: إني بريء منك
وهكذا حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون.
-[المباحث العربية]-
(حرق نخل بني النضير وقطع) ضبطوه "حرق" بفتح الحاء وتشديد الراء رباعي والتضعيف للمعالجة والتكلف وبذل الجهد أو للتكثير والمخفف صحيح من حيث اللغة يقال: حرقت النار الشيء والفاعل حارق والمفعول محروق.
وبنو النضير -بفتح النون وكسر الضاد- قبيلة كبيرة من اليهود وكانت منازلهم ونخلهم في ضواحي المدينة و"قطع" بتشديد الطاء وتخفيفها معطوف على "حرق" وتنازعا كلمة "نخل" أي حرق وقطع نخل بني النضير أي حرق بعضه وقطع بعضه وفي الرواية الثانية "قطع نخل بني النضير وحرق".
(وهي البويرة) اسم للبقعة التي كان بها نخلهم وهي مكان معروف بين المدينة وتيماء وهي من جهة قبلة مسجد قباء إلى جهة الغرب والبويرة أصلها البؤيرة تصغير بؤرة وهي الحفرة خففت الهمزة.
﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها﴾ اللينة المذكورة في القرآن هي أنواع ثمر النخلة كلها إلا العجوة وقيل: كرام النخل وقيل النخل وقيل: كل الأشجار للينها.
وهان على سراة بني لؤي
حريق بالبويرة مستطير
"سراة بني لؤي" بفتح السين وتخفيف الراء أي أشراف بني لؤي ورؤسائهم والمراد من بني لؤي قريشا وذلك أن قريشا كانوا يظاهرون كل من عادى النبي ﷺ وكانوا قد وعدوا بني النضير المساعدة والنصرة فلما وقع ببني النضير ما وقع خذلتهم قريش فقال حسان هذه الأبيات توبيخا لهم ومعنى "مستطير" منتشر.
стр. 3816
-[فقه الحديث]-
قال النووي: في هذا الحديث جواز قطع شجر الكفار وإحراقه وبه قال عبد الرحمن بن القاسم ونافع مولى ابن عمر ومالك والثوري وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق والجمهور وقال أبو بكر الصديق والليث بن سعد وأبو ثور والأوزاعي في رواية عنهم: لا يجوز. اهـ. أي مكروه وما أشار إليه النووي عن أبي بكر الصديق ﵁ هو وصيته لجيوشه أن لا يفعلوا شيئا من ذلك وأجيب بأنه إنما نهى أبو بكر جيوشه عن ذلك لأنه علم أن تلك البلاد ستفتح فأراد إبقاءها للمسلمين وأجاب الطبري بأن النهي محمول على القصد لذلك بخلاف ما إذا أصابوا ذلك في خلال القتال كما وقع في نصب المنجنيق على الطائف ومثل التحريق والقطع التغريق ونحوه.
والتحقيق أن قطع أشجار الكفار أو تحريقها أو تغريقها أو تهديم ديارهم أو تحريقها لا يصار إليه إلا إذا تعين وسيلة لهزيمتهم والغلبة عليهم.
والله أعلم.
стр. 3817
(٤٧٥) باب تحليل الغنائم لهذه الأمة خاصة
٤٠٠٣ - عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله ﷺ غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه: لا يتبعني رجل قد ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولما يبن ولا آخر قد بنى بنيانا ولما يرفع سقفها ولا آخر قد اشترى غنما أو خلفات وهو منتظر ولادها. قال: فغزا فأدنى للقرية حين صلاة العصر أو قريبا من ذلك فقال للشمس أنت مأمورة وأنا مأمور اللهم احبسها علي شيئا فحبست عليه حتى فتح الله عليه. قال: فجمعوا ما غنموا فأقبلت النار لتأكله فأبت أن تطعمه فقال فيكم غلول فليبايعني من كل قبيلة رجل فبايعوه فلصقت يد رجل بيده فقال فيكم الغلول فلتبايعني قبيلتك فبايعته. قال: فلصقت بيد رجلين أو ثلاثة فقال فيكم الغلول. أنتم غللتم. قال: فأخرجوا له مثل رأس بقرة من ذهب. قال: فوضعوه في المال وهو بالصعيد فأقبلت النار فأكلته. فلم تحل الغنائم لأحد من قبلنا ذلك بأن الله ﵎ رأى ضعفنا وعجزنا فطيبها لنا".
-[المعنى العام]-
كان من تقدم على الإسلام على ضربين منهم من لم يؤذن له في الجهاد فلم تكن لهم مغانم ومنهم من أذن له فيه لكن كانوا إذا غنموا شيئا لم يحل لهم أن يأكلوه وجاءت نار فأحرقته فمن مضى قبلنا من الأمم لم تحل لهم الغنائم أصلا.
وفي الصحيح أن النبي ﷺ قال: "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة".
فحل الغنائم لهذه الأمة ثابت ولها خاصة فلم تحل الغنائم لأحد ممن كان قبلنا ذلك لأن الله ﵎ رأى ضعفنا وعجزنا وحاجتنا إلى هذه الغنائم فأحلها لنا وجعلها لنا حلالا طيبا.
يؤكد هذا المعنى نبينا ﷺ إذ يحكي لنا قصة نبي من الأنبياء عزم على غزو قرية من القرى
стр. 3818
فخطب في قومه يجهزهم للحرب ويطلب منهم أن لا يخرج معه من هو مشغول بأمور دنياه ولا يخرج معه للغزو إلا من كان قوي العزيمة حازم الرأي فلا يخرج معه من هو مرتبط بالنساء أو بالبناء أو بالمواشي فغزا ووصل إلى الأعداء قبيل غروب الشمس ولم يكن صلى العصر. كيف يقاتل؟ وكيف يصلي العصر؟ إن الوقت لا يسمح بالأمرين فسأل الله تعالى أن يحبس الشمس عن المغيب حتى يقاتل ثم يصلي العصر فحبس الله الشمس وانتصر النبي وصلى العصر وجمع الغنائم وانتظر النار تأتي لتأكل الغنيمة علامة على قبول الغزو وجزاء الغزاة فجاءت النار فلم تأكل الغنيمة فدل على أن القربان غير مقبول لارتكاب معصية كبيرة وكان معلوما لهم أن من أكبر الكبائر السرقة من الغنائم وكانت علامة الغال أن تلتصق يده بيد النبي ﷺ إذا وضع يده في يده وبهذا استطاع النبي ﷺ أن يحدد الغالين وأن يعترفوا وأن يعيدوا إلى المغانم ما سرقوه فلما وضعوه مع بقية الغنيمة جاءت النار فأكلتها.
-[المباحث العربية]-
(غزا نبي من الأنبياء) فيه مجاز المشارفة أي أشرف على الغزو وأراد الغزو وهذا النبي هو يوشع بن نون كما رواه الحاكم وأخرجه أحمد من طريق صحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إن الشمس لم تحبس لبشر إلا ليوشع بن نون ليالي سار إلى بيت المقدس" وروي أن الشمس أخر طلوعها في الفجر لموسى ﵇ ولا تعارض بين الحديثين فتأخير طلوع الشمس غير تأخير غروبها ويوشع حبس له غروبها وموسى حبس له طلوعها الأمر كذلك بالنسبة لما روي من أن محمدا ﷺ حبس له شروق الشمس أيضا لما أخبر قريشا صبيحة الإسراء والمعراج أنه رأى العير التي لهم وأنها تقدم مع شروق الشمس فدعا الله فحبست الشمس حتى دخلت العير.
أما ما رواه الطبراني في الأوسط من حديث جابر من أن النبي ﷺ أمر الشمس فتأخرت ساعة من النهار فيجمع بينه وبين حديث أحمد بأن الحصر في حديث أحمد محمول على ما مضى للأنبياء قبل نبينا ﷺ فلم تحبس الشمس إلا ليوشع وليس فيه نفي أنها تحبس بعد ذلك لنبينا ﷺ فقد روى الطحاوي والطبراني في الكبير والحاكم والبيهقي في الدلائل عن أسماء بنت عميس أنه ﷺ دعا لما نام على ركبة علي ﵁ ففاتته صلاة العصر فردت الشمس حتى صلى علي ﵁ ثم غربت قال الحافظ ابن حجر: وقد أخطأ ابن الجوزي بإيراده هذا الحديث في الموضوعات وكذا ابن تيمية في كتاب الرد على الروافض في زعم وضعه.
أما ما حكى القاضي عياض: من أن الشمس ردت للنبي ﷺ يوم الخندق لما شغلوا عن صلاة العصر حتى غربت الشمس فردها الله عليه حتى صلى العصر فإن ثبت ما قال القاضي فهذه قصة أخرى وجاء أيضا أنها حبست لسليمان بن داود ﵉ ذكره الثعلبي ثم البغوي عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى ﴿ردوها علي﴾ [ص: ٣٣] وأنه ﵇ تشاغل بالخيل حتى غابت الشمس فقال للملائكة الموكلين بالشمس بإذن الله لهم: ردوها علي فردوها عليه حتى صلى العصر في وقتها.
стр. 3819
(لا يتبعني رجل) أي لا يخرج معي في جندي رجل صفته كذا وكذا.
(قد ملك بضع امرأة) بضم الباء وسكون الضاد أي فرج امرأة أي عقد عليها بالزواج.
(وهو يريد أن يبني بها ولما يبن) أي وهو يريد أن يدخل بها ولما يدخل بها والتعبير بلما يشعر بتوقع ذلك وفي التقييد بعدم الدخول يفيد أن الأمر بعد الدخول بخلاف ذلك فهناك فرق بين الأمرين وإن كان بعد الدخول ربما استمر تعلق القلب بها لكن ليس هو كما قبل الدخول غالبا.
(ولا آخر قد بنى بنيانا ولما يرفع سقفها) "سقفها" بضم السين والقاف جمع سقف وفي رواية البخاري "سقوفها" يقال: سقف وجمعه سقوف وأسقف وسقف.
(ولا آخر قد اشترى غنما أو خلفات وهو منتظر ولادها) الخلفات بفتح الخاء وكسر اللام جمع خلفة وهي الحامل من النوق وقد يطلق على غير النوق و"أو" هنا للتنويع ويحتمل أن تكون للشك والمعتمد أنها للتنويع ففي رواية أبي يعلى "ولا رجل له غنم أو بقر أو خلفات" و"ولادها" بكسر الواو مصدر ولد ولادا وولادة.
(قال: فغزا) معطوف على محذوف أي فتبعه وخرج معه من هم على غير هذه الصفة فغزا بهم.
(فأدنى للقرية حين صلاة العصر أو قريبا من ذلك) في رواية البخاري "فدنا من القرية" أي التي يقصدها بالغزو وهي أريحا قال النووي: هكذا هو في جميع النسخ "فأدنى" بهمزة قطع رباعي (متعد ومفعوله محذوف أي أدنى جيشه للقرية) أي قرب جموعه للقرية حين صلاة العصر اهـ. وفي الكلام مضاف محذوف أي حين انتهاء وقت صلاة العصر ففي رواية سعيد بن المسيب "فلقي العدو عند غيبوبة الشمس" وعند الحاكم "أنه وصل إلى القرية وقت عصر يوم الجمعة فكادت الشمس أن تغرب ويدخل الليل".
(فقال للشمس: أنت مأمورة وأنا مأمور) الشمس مأمورة أمر تسخير وهكذا أمر الجمادات وهو مأمور أمر تكليف وهكذا أمر العقلاء وخطابه للشمس يحتمل أن يكون على حقيقته وأنه تلفظ بالكلام فعلا يخاطبها على احتمال أن الله تعالى يخلق فيها تمييزا وإدراكا أو على استحضار وضعها وأنه لا يمكن تحولها عن عادتها إلا بخرق عادتها ويحتمل أنه لم يتلفظ بالخطاب وإنما قال ذلك واستحضره في نفسه وهذا الثاني أولى ففي رواية سعيد بن المسيب "اللهم إنها مأمورة وإني مأمور فاحبسها علي حتى تقضي بيني وبينهم فحبسها الله عليه".
(اللهم احبسها علي شيئا) من الزمن أي وقتا يسمح لي بالقتال والصلاة فشيئا منصوب نصب المصدر أي قدر ما تنقضي حاجتنا.
قال القاضي عياض: اختلف في حبس الشمس هنا فقيل: ردت على أدراجها وقيل: وقفت وقيل: بطئت حركتها وكل ذلك محتمل والثالث أرجح.
стр. 3820
(فحبست عليه حتى فتح الله عليه) في رواية أبي يعلى "فواقع القوم فظفر".
(فجمعوا ما غنموا) في رواية البخاري "فجمع الغنائم".
(فأقبلت النار لتأكله) في رواية البخاري "فجاءت -يعني النار- لتأكلها" زاد في رواية سعيد بن المسيب "وكانوا إذا غنموا غنيمة بعث الله عليها النار فتأكلها" وكانت هذه عادة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم في الغنائم أن يجمعوها فتجيء نار من السماء فتأكلها فيكون ذلك علامة لقبولها وعدم الغلول فلما جاءت في هذه المرة فأبت أن تأكلها علم أن فيهم غلولا.
(فأبت أن تطعمه) في رواية البخاري "فلم تطعمها" أي لم تذق لها طعما مبالغة في عدم أكلها.
(فيكم غلول) في رواية البخاري "إن فيكم غلولا" والغلول بضم الغين السرقة من الغنيمة أو الخيانة في المغنم قال ابن قتيبة: سمي بذلك لأن آخذه يغله في متاعه أي يخفيه فيه والخطاب في "فيكم" للجيش.
(فلصقت يد رجل بيده) أي لصقت يد مندوب قبيلة بيده.
(فقال: فيكم الغلول) الخطاب للقبيلة التي لصقت يد مندوبها بيده أي في قبيلتك غلول.
(فلتبايعني قبيلتك) أي ليبايعني أفراد القبيلة رجلا رجلا أو رجلين رجلين.
(فلصقت بيد رجلين أو ثلاثة) فاعل "لصقت" ضمير يعود على يد النبي ﵇.
وفي رواية البخاري "فلزقت يد رجلين أو ثلاثة" أي بيد النبي ﵇ قال ابن المنير: جعل الله علامة الغلول إلزاق يد الغال وفيه تنبيه على أنها يد عليها حق يطلب أن يتخلص منه أو أنها يد ينبغي أن يضرب عليها ويحبس صاحبها حتى يؤدي الحق إلى الإمام وهو من جنس شهادة اليد على صاحبها يوم القيامة.
(فقال: فيكم الغلول) في رواية سعيد بن المسيب "فقالا: أجل غللنا".
(فأخرجوا له مثل رأس بقرة من ذهب) في رواية البخاري "فجاءوا برأس مثل رأس بقرة من الذهب".
(فوضعوه في المال) أي فوضعوا مثل رأس البقرة في مال الغنيمة.
(وهو بالصعيد) الصعيد وجه الأرض والموضع الواسع والمعنى ومال الغنيمة بموضع واسع من الأرض.
(فطيبها لنا) أي فأحل الغنمية لنا قال تعالى ﴿فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا﴾ [الأنفال: ٦٩].
следующие страницы →