Полный текст (6 200 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.
стр. 3816
-[فقه الحديث]-
قال النووي: في هذا الحديث جواز قطع شجر الكفار وإحراقه وبه قال عبد الرحمن بن القاسم ونافع مولى ابن عمر ومالك والثوري وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق والجمهور وقال أبو بكر الصديق والليث بن سعد وأبو ثور والأوزاعي في رواية عنهم: لا يجوز. اهـ. أي مكروه وما أشار إليه النووي عن أبي بكر الصديق ﵁ هو وصيته لجيوشه أن لا يفعلوا شيئا من ذلك وأجيب بأنه إنما نهى أبو بكر جيوشه عن ذلك لأنه علم أن تلك البلاد ستفتح فأراد إبقاءها للمسلمين وأجاب الطبري بأن النهي محمول على القصد لذلك بخلاف ما إذا أصابوا ذلك في خلال القتال كما وقع في نصب المنجنيق على الطائف ومثل التحريق والقطع التغريق ونحوه.
والتحقيق أن قطع أشجار الكفار أو تحريقها أو تغريقها أو تهديم ديارهم أو تحريقها لا يصار إليه إلا إذا تعين وسيلة لهزيمتهم والغلبة عليهم.
والله أعلم.
стр. 3817
(٤٧٥) باب تحليل الغنائم لهذه الأمة خاصة
٤٠٠٣ - عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله ﷺ غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه: لا يتبعني رجل قد ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولما يبن ولا آخر قد بنى بنيانا ولما يرفع سقفها ولا آخر قد اشترى غنما أو خلفات وهو منتظر ولادها. قال: فغزا فأدنى للقرية حين صلاة العصر أو قريبا من ذلك فقال للشمس أنت مأمورة وأنا مأمور اللهم احبسها علي شيئا فحبست عليه حتى فتح الله عليه. قال: فجمعوا ما غنموا فأقبلت النار لتأكله فأبت أن تطعمه فقال فيكم غلول فليبايعني من كل قبيلة رجل فبايعوه فلصقت يد رجل بيده فقال فيكم الغلول فلتبايعني قبيلتك فبايعته. قال: فلصقت بيد رجلين أو ثلاثة فقال فيكم الغلول. أنتم غللتم. قال: فأخرجوا له مثل رأس بقرة من ذهب. قال: فوضعوه في المال وهو بالصعيد فأقبلت النار فأكلته. فلم تحل الغنائم لأحد من قبلنا ذلك بأن الله ﵎ رأى ضعفنا وعجزنا فطيبها لنا".
-[المعنى العام]-
كان من تقدم على الإسلام على ضربين منهم من لم يؤذن له في الجهاد فلم تكن لهم مغانم ومنهم من أذن له فيه لكن كانوا إذا غنموا شيئا لم يحل لهم أن يأكلوه وجاءت نار فأحرقته فمن مضى قبلنا من الأمم لم تحل لهم الغنائم أصلا.
وفي الصحيح أن النبي ﷺ قال: "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة".
فحل الغنائم لهذه الأمة ثابت ولها خاصة فلم تحل الغنائم لأحد ممن كان قبلنا ذلك لأن الله ﵎ رأى ضعفنا وعجزنا وحاجتنا إلى هذه الغنائم فأحلها لنا وجعلها لنا حلالا طيبا.
يؤكد هذا المعنى نبينا ﷺ إذ يحكي لنا قصة نبي من الأنبياء عزم على غزو قرية من القرى
стр. 3818
فخطب في قومه يجهزهم للحرب ويطلب منهم أن لا يخرج معه من هو مشغول بأمور دنياه ولا يخرج معه للغزو إلا من كان قوي العزيمة حازم الرأي فلا يخرج معه من هو مرتبط بالنساء أو بالبناء أو بالمواشي فغزا ووصل إلى الأعداء قبيل غروب الشمس ولم يكن صلى العصر. كيف يقاتل؟ وكيف يصلي العصر؟ إن الوقت لا يسمح بالأمرين فسأل الله تعالى أن يحبس الشمس عن المغيب حتى يقاتل ثم يصلي العصر فحبس الله الشمس وانتصر النبي وصلى العصر وجمع الغنائم وانتظر النار تأتي لتأكل الغنيمة علامة على قبول الغزو وجزاء الغزاة فجاءت النار فلم تأكل الغنيمة فدل على أن القربان غير مقبول لارتكاب معصية كبيرة وكان معلوما لهم أن من أكبر الكبائر السرقة من الغنائم وكانت علامة الغال أن تلتصق يده بيد النبي ﷺ إذا وضع يده في يده وبهذا استطاع النبي ﷺ أن يحدد الغالين وأن يعترفوا وأن يعيدوا إلى المغانم ما سرقوه فلما وضعوه مع بقية الغنيمة جاءت النار فأكلتها.
-[المباحث العربية]-
(غزا نبي من الأنبياء) فيه مجاز المشارفة أي أشرف على الغزو وأراد الغزو وهذا النبي هو يوشع بن نون كما رواه الحاكم وأخرجه أحمد من طريق صحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إن الشمس لم تحبس لبشر إلا ليوشع بن نون ليالي سار إلى بيت المقدس" وروي أن الشمس أخر طلوعها في الفجر لموسى ﵇ ولا تعارض بين الحديثين فتأخير طلوع الشمس غير تأخير غروبها ويوشع حبس له غروبها وموسى حبس له طلوعها الأمر كذلك بالنسبة لما روي من أن محمدا ﷺ حبس له شروق الشمس أيضا لما أخبر قريشا صبيحة الإسراء والمعراج أنه رأى العير التي لهم وأنها تقدم مع شروق الشمس فدعا الله فحبست الشمس حتى دخلت العير.
أما ما رواه الطبراني في الأوسط من حديث جابر من أن النبي ﷺ أمر الشمس فتأخرت ساعة من النهار فيجمع بينه وبين حديث أحمد بأن الحصر في حديث أحمد محمول على ما مضى للأنبياء قبل نبينا ﷺ فلم تحبس الشمس إلا ليوشع وليس فيه نفي أنها تحبس بعد ذلك لنبينا ﷺ فقد روى الطحاوي والطبراني في الكبير والحاكم والبيهقي في الدلائل عن أسماء بنت عميس أنه ﷺ دعا لما نام على ركبة علي ﵁ ففاتته صلاة العصر فردت الشمس حتى صلى علي ﵁ ثم غربت قال الحافظ ابن حجر: وقد أخطأ ابن الجوزي بإيراده هذا الحديث في الموضوعات وكذا ابن تيمية في كتاب الرد على الروافض في زعم وضعه.
أما ما حكى القاضي عياض: من أن الشمس ردت للنبي ﷺ يوم الخندق لما شغلوا عن صلاة العصر حتى غربت الشمس فردها الله عليه حتى صلى العصر فإن ثبت ما قال القاضي فهذه قصة أخرى وجاء أيضا أنها حبست لسليمان بن داود ﵉ ذكره الثعلبي ثم البغوي عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى ﴿ردوها علي﴾ [ص: ٣٣] وأنه ﵇ تشاغل بالخيل حتى غابت الشمس فقال للملائكة الموكلين بالشمس بإذن الله لهم: ردوها علي فردوها عليه حتى صلى العصر في وقتها.
стр. 3819
(لا يتبعني رجل) أي لا يخرج معي في جندي رجل صفته كذا وكذا.
(قد ملك بضع امرأة) بضم الباء وسكون الضاد أي فرج امرأة أي عقد عليها بالزواج.
(وهو يريد أن يبني بها ولما يبن) أي وهو يريد أن يدخل بها ولما يدخل بها والتعبير بلما يشعر بتوقع ذلك وفي التقييد بعدم الدخول يفيد أن الأمر بعد الدخول بخلاف ذلك فهناك فرق بين الأمرين وإن كان بعد الدخول ربما استمر تعلق القلب بها لكن ليس هو كما قبل الدخول غالبا.
(ولا آخر قد بنى بنيانا ولما يرفع سقفها) "سقفها" بضم السين والقاف جمع سقف وفي رواية البخاري "سقوفها" يقال: سقف وجمعه سقوف وأسقف وسقف.
(ولا آخر قد اشترى غنما أو خلفات وهو منتظر ولادها) الخلفات بفتح الخاء وكسر اللام جمع خلفة وهي الحامل من النوق وقد يطلق على غير النوق و"أو" هنا للتنويع ويحتمل أن تكون للشك والمعتمد أنها للتنويع ففي رواية أبي يعلى "ولا رجل له غنم أو بقر أو خلفات" و"ولادها" بكسر الواو مصدر ولد ولادا وولادة.
(قال: فغزا) معطوف على محذوف أي فتبعه وخرج معه من هم على غير هذه الصفة فغزا بهم.
(فأدنى للقرية حين صلاة العصر أو قريبا من ذلك) في رواية البخاري "فدنا من القرية" أي التي يقصدها بالغزو وهي أريحا قال النووي: هكذا هو في جميع النسخ "فأدنى" بهمزة قطع رباعي (متعد ومفعوله محذوف أي أدنى جيشه للقرية) أي قرب جموعه للقرية حين صلاة العصر اهـ. وفي الكلام مضاف محذوف أي حين انتهاء وقت صلاة العصر ففي رواية سعيد بن المسيب "فلقي العدو عند غيبوبة الشمس" وعند الحاكم "أنه وصل إلى القرية وقت عصر يوم الجمعة فكادت الشمس أن تغرب ويدخل الليل".
(فقال للشمس: أنت مأمورة وأنا مأمور) الشمس مأمورة أمر تسخير وهكذا أمر الجمادات وهو مأمور أمر تكليف وهكذا أمر العقلاء وخطابه للشمس يحتمل أن يكون على حقيقته وأنه تلفظ بالكلام فعلا يخاطبها على احتمال أن الله تعالى يخلق فيها تمييزا وإدراكا أو على استحضار وضعها وأنه لا يمكن تحولها عن عادتها إلا بخرق عادتها ويحتمل أنه لم يتلفظ بالخطاب وإنما قال ذلك واستحضره في نفسه وهذا الثاني أولى ففي رواية سعيد بن المسيب "اللهم إنها مأمورة وإني مأمور فاحبسها علي حتى تقضي بيني وبينهم فحبسها الله عليه".
(اللهم احبسها علي شيئا) من الزمن أي وقتا يسمح لي بالقتال والصلاة فشيئا منصوب نصب المصدر أي قدر ما تنقضي حاجتنا.
قال القاضي عياض: اختلف في حبس الشمس هنا فقيل: ردت على أدراجها وقيل: وقفت وقيل: بطئت حركتها وكل ذلك محتمل والثالث أرجح.
стр. 3820
(فحبست عليه حتى فتح الله عليه) في رواية أبي يعلى "فواقع القوم فظفر".
(فجمعوا ما غنموا) في رواية البخاري "فجمع الغنائم".
(فأقبلت النار لتأكله) في رواية البخاري "فجاءت -يعني النار- لتأكلها" زاد في رواية سعيد بن المسيب "وكانوا إذا غنموا غنيمة بعث الله عليها النار فتأكلها" وكانت هذه عادة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم في الغنائم أن يجمعوها فتجيء نار من السماء فتأكلها فيكون ذلك علامة لقبولها وعدم الغلول فلما جاءت في هذه المرة فأبت أن تأكلها علم أن فيهم غلولا.
(فأبت أن تطعمه) في رواية البخاري "فلم تطعمها" أي لم تذق لها طعما مبالغة في عدم أكلها.
(فيكم غلول) في رواية البخاري "إن فيكم غلولا" والغلول بضم الغين السرقة من الغنيمة أو الخيانة في المغنم قال ابن قتيبة: سمي بذلك لأن آخذه يغله في متاعه أي يخفيه فيه والخطاب في "فيكم" للجيش.
(فلصقت يد رجل بيده) أي لصقت يد مندوب قبيلة بيده.
(فقال: فيكم الغلول) الخطاب للقبيلة التي لصقت يد مندوبها بيده أي في قبيلتك غلول.
(فلتبايعني قبيلتك) أي ليبايعني أفراد القبيلة رجلا رجلا أو رجلين رجلين.
(فلصقت بيد رجلين أو ثلاثة) فاعل "لصقت" ضمير يعود على يد النبي ﵇.
وفي رواية البخاري "فلزقت يد رجلين أو ثلاثة" أي بيد النبي ﵇ قال ابن المنير: جعل الله علامة الغلول إلزاق يد الغال وفيه تنبيه على أنها يد عليها حق يطلب أن يتخلص منه أو أنها يد ينبغي أن يضرب عليها ويحبس صاحبها حتى يؤدي الحق إلى الإمام وهو من جنس شهادة اليد على صاحبها يوم القيامة.
(فقال: فيكم الغلول) في رواية سعيد بن المسيب "فقالا: أجل غللنا".
(فأخرجوا له مثل رأس بقرة من ذهب) في رواية البخاري "فجاءوا برأس مثل رأس بقرة من الذهب".
(فوضعوه في المال) أي فوضعوا مثل رأس البقرة في مال الغنيمة.
(وهو بالصعيد) الصعيد وجه الأرض والموضع الواسع والمعنى ومال الغنيمة بموضع واسع من الأرض.
(فطيبها لنا) أي فأحل الغنمية لنا قال تعالى ﴿فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا﴾ [الأنفال: ٦٩].
стр. 3821
-[فقه الحديث]-
-[ويؤخذ من هذا الحديث]-
١ - فيه أن الأمور المهمة ينبغي ألا تفوض إلا إلى أولى الحزم وفراغ البال لها ولا تفوض إلى متعلق القلب بغيرها لأن ذلك يضعف عزمه ويفوت كمال بذل وسعه فيه.
٢ - أن فتن الدنيا تدعو النفس إلى الهلع ومحبة البقاء لأن من ملك بضع امرأة ولم يدخل بها أو دخل بها وكان على قرب من ذلك فإن قلبه متعلق بالرجوع إليها ويجد الشيطان السبيل إلى شغل قلبه عما هو عليه من الطاعة وكذلك غير المرأة من أحوال الدنيا.
٣ - وفيه أن من مضى كانوا يغزون ويأخذون أموال أعدائهم وأسلابهم لكن لا يتصرفون فيها بل يجمعونها وعلامة قبول غزوهم ذلك أن تنزل النار من السماء فتأكلها وعلامة عدم قبوله أن لا تنزل ومن أسباب عدم القبول أن يقع فيهم الغلول وقد من الله على هذه الأمة ورحمها لشرف نبيها عنده فأحل لهم الغنيمة وستر عليهم الغلول فطوى عنهم فضيحة أمر عدم القبول.
قال بعضهم: ودخل في عموم أكل النار الغنيمة السبي قال الحافظ ابن حجر: وفيه بعد لأن مقتضاه إهلاك الذرية ومن لم يقاتل من النساء ويمكن أن يستثنوا من ذلك ويلزم استثناؤهم من تحريم الغنائم عليهم.
٤ - وفيه معاقبة الجماعة بفعل سفهائها.
٥ - وأن أحكام الأنبياء قد تكون بحسب الأمر الباطن كما في هذه القصة وقد تكون بحسب الأمر الظاهر كما في حديث "إنكم تختصمون إلي"
٦ - استدل به ابن بطال على جواز إحراق أموال المشركين وتعقب بأن ذلك كان في تلك الشريعة وقد نسخ بحل الغنائم لهذه الأمة.
والله أعلم.
стр. 3822
(٤٧٦) باب الأنفال
٤٠٠٤ - عن مصعب بن سعد عن أبيه ﵁ قال: أخذ أبي من الخمس سيفا فأتى به النبي ﷺ فقال: هب لي هذا فأبى. فأنزل الله ﴿يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول﴾ [الأنفال: ١].
٤٠٠٥ - عن مصعب بن سعد عن أبيه ﵁ قال: نزلت في أربع آيات أصبت سيفا فأتى به النبي ﷺ فقال يا رسول الله نفلنيه. فقال "ضعه" ثم قام. فقال له النبي ﷺ "ضعه من حيث أخذته" ثم قام فقال نفلنيه يا رسول الله فقال "ضعه" فقام فقال يا رسول الله نفلنيه أؤجعل كمن لا غناء له؟ فقال له النبي ﷺ "ضعه من حيث أخذته" قال: فنزلت هذه الآية ﴿يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول﴾
٤٠٠٦ - عن ابن عمر ﵄ قال: بعث النبي ﷺ سرية وأنا فيهم قبل نجد فغنموا إبلا كثيرة فكانت سهمانهم اثنا عشر بعيرا أو أحد عشر بعيرا ونفلوا بعيرا بعيرا.
٤٠٠٧ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ بعث سرية قبل نجد وفيهم ابن عمر وأن سهمانهم بلغت اثني عشر بعيرا. ونفلوا سوى ذلك بعيرا فلم يغيره رسول الله ﷺ .
٤٠٠٨ - عن ابن عمر ﵄ قال: بعث رسول الله ﷺ سرية إلى نجد
стр. 3823
فخرجت فيها فأصبنا إبلا وغنما فبلغت سهماننا اثني عشر بعيرا اثني عشر بعيرا ونفلنا رسول الله ﷺ بعيرا بعيرا.
٤٠٠٩ - عن سالم عن أبيه ﵁ قال: نفلنا رسول الله ﷺ نفلا سوى نصيبنا من الخمس فأصابني شارف (والشارف المسن الكبير).
٤٠١٠ - وفي رواية عن ابن عمر ﵄ قال: نفل رسول الله ﷺ سرية بنحو حديث ابن رجاء.
٤٠١١ - عن عبد الله ﵁ أن رسول الله ﷺ قد كان ينفل بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة سوى قسم عامة الجيش والخمس في ذلك واجب كله.
-[المعنى العام]-
أحل الله الغنيمة لهذه الأمة كما سبق وكانت السرايا التي خرجت قبل غزوة بدر تغنم فتقسم غنائمها بين أفرادها وكانوا يختلفون فجعل الله الغنيمة لرسول الله ﷺ بقوله ﴿يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول﴾ [الأنفال: ١] أي لرسول الله يصرفها حسبما يرى ثم نزل قوله تعالى ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ [الأنفال: ٤١] فأصبحت الغنائم تقسم أخماسا أربعة أخماسها للمقاتلين لا يشاركهم فيها أحد وخمسا لرسول الله ﷺ مفوض إلى رأيه وكذلك الإمام من بعده وقد حاول سعد بن أبي وقاص أن يهبه رسول الله ﷺ سيفا أعجبه في الغنمية ويبدو أنه حاول الاستئثار به قبل القسمة عن طريق هبة الرسول ﷺ من الخمس الذي له فأغلق رسول الله ﷺ باب الطمع في ذلك فأمره بإعادته إلى مكانه فلما وصل كومة الغنيمة ليضعه فيها غلبته نفسه أن يحاول مع الرسول ﷺ مرة أخرى فلما كانت المحاولة الثالثة نهره ﷺ بصوت فيه حدة وقال له ضعه حيث أخذته فذهب فوضعه فلما نزل قوله تعالى ﴿يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول﴾ دعاه فقال له: خذ سيفك فإنك سألتنيه وليس لي ولا لك وقد جعله الله لي وجعلته لك ثم نزل قوله تعالى ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول .. ﴾
الآية فصارت الغنيمة تقسم خمسة أقسام أربعة
стр. 3824
أخماسها للمقاتلين والخمس لرسول الله يصرفه في المواطن المذكورة في الآية وينفل منه ما شاء لمن شاء من المقاتلين أو لبعض السرايا كما حدث للسرية التي صحبها ابن عمر فقد غنموا إبلا كثيرة قيل: بلغت مائة وخمسين بعيرا وكانوا عشرة فكان نصيب الواحد من الأربعة أخماسها اثني عشر بعيرا ونفلهم رسول الله ﷺ كل واحد منهم بعيرا فكان نصيب ابن عمر ﵄ -بعيرا عجوزا كبيرا مسنا.
-[المباحث العربية]-
(الأنفال) جمع "نفل" كجمل وأجمال ووتد وأوتاد يقال: نفل الكريم فلانا بفتح الفاء إذا أعطاه نافلة من المعروف ينفل -بضم الفاء نفلا بسكونها ويقال: نفل القائد الجند أي جعل لهم ما غنموا أو أعطاهم زيادة على نصيبهم الواجب لهم وهذا الثاني هو المقصود هنا وتنفل المصلي صلى النوافل والنافلة ما زاد على النصيب أو ما زاد على الحق أو ما زاد على الفرض وتطلق على الغنيمة والهبة والغنيمة في الأصل هي المال المأخوذ من الكفار بإيجاف الخيل والركاب وأما الفيء فما أخذ منهم بغير ذلك كالأموال التي يصالحون عليها.
(عن مصعب بن سعد عن أبيه) سعد بن أبي وقاص.
(أخذ أبي من الخمس سيفا) "الخمس" بضم الخاء والميم ما يؤخذ من الغنيمة وكانت الغنائم تقسم على خمسة أقسام فيعزل خمس منها لرسول الله ﷺ يصرف في مصارف حددها قوله تعالى ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ وسيأتي في فقه الحديث متى فرض؟ وأوجه صرفه من بعده ﷺ .
وفي الرواية الثانية "أصبت سيفا" أي أخذت سيفا من الغنيمة من الخمس الذي خصص لرسول الله ﷺ .
وفي رواية لمسلم في كتاب فضائل سعد "أصاب رسول الله ﷺ غنيمة عظيمة فإذا فيها سيف فأخذته .. " الحديث.
(هب لي هذا) السيف "فأبى" في الرواية الثانية "نفلنيه" بتشديد الفاء المكسورة من نفل مشددة مفتوحة ووضحت الرواية الثانية إباء النبي ﷺ بقوله "ضعه" أي في مكانه الذي أخذته منه "ثم قام" سعد وأوضحت رواية مسلم في كتاب فضائل الصحابة تردد سعد فقالت "فأتيت به رسول الله ﷺ فقلت: نفلني هذا السيف فأنا من قد علمت حاله. فقال: رده من حيث أخذته فانطلقت حتى إذا أردت أن ألقيه في القبض" -أي المكان الذي قبضت وجمعت فيه الغنائم- "لامتني نفسي" أي كيف أستجيب بهذه السهولة ولا ألح في طلبي من رسول الله ﷺ ؟ "فرجعت إليه فقلت: أعطنيه قال: فشد لي صوته: رده من حيث أخذته" زادت روايتنا الثانية الطلب مرة
стр. 3825
ثالثة "نفلنيه أجعل كمن لا غناء له" بفتح الغين أي لا كفاية له أي أتجعلني يا رسول الله بدون سيف جيد؟ وبدون كفاية من السلاح؟ "فقال له النبي ﷺ : ضعه من حيث أخذته".
﴿يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين﴾ [الأنفال: ١] نزلت في بدر قيل: إن المسلمين اختلفوا في غنائم بدر وفي قسمتها فسألوا رسول الله ﷺ كيف تقسم؟ وما الحكم فيها؟ أهو للمهاجرين؟ أم للأنصار؟ أم لهم جميعا؟ فنزلت هذه الآية وفوضت أمر الغنائم لرسول الله ﷺ وأمرت المؤمنين بالتقوى واجتناب ما هم فيه من التشاجر والاختلاف وأمرتهم بإصلاح البين والخصومات وبطاعة رسول الله ﷺ فيما يأمر به وفيما ينهى عنه ليتحقق لهم وصف الإيمان الصحيح الكامل.
(نزلت في أربع آيات) لم يذكر في هذا الموضع من الأربع إلا هذه الواحدة الأنفال وقد ذكرت رواية مسلم في فضائل الصحابة بقية الأربع وفيها هذه وفيها "حلفت أم سعد ألا تكلمه أبدا حتى يكفر بدينه ولا تأكل ولا تشرب قالت: زعمت أن الله وصاك بوالديك وأنا أمك وأنا آمرك بهذا قال: مكثت ثلاثا حتى غشي عليها من الجهد فقام ابن لها يقال له: عمارة فسقاها فجعلت تدعو على سعد فأنزل الله في القرآن هذه الآية ﴿ووصينا الإنسان بوالديه ... وإن جاهداك على أن تشرك بي .. وصاحبهما في الدنيا معروفا﴾ [لقمان: ١٤ وما بعدها]. قال ومرضت فأرسلت إلى رسول الله ﷺ فأتاني فقلت: دعني أقسم مالي حيث شئت؟ قال: فأبى قلت: فالنصف؟ قال: فأبى: قلت: فالثلث؟ قال: فسكت فكان بعد الثلث جائزا قال: وأتيت على نفر من الأنصار والمهاجرين فقالوا: تعال نطعمك ونسقيك خمرا وذلك قبل أن تحرم الخمر قال: فأتيتهم في حش -والحش البستان- فإذا رأس جزور مشوي عندهم وزق من خمر قال: فأكلت وشربت معهم قال: فذكرت الأنصار والمهاجرين عندهم فقلت: المهاجرون خير من الأنصار قال: فأخذ رجل أحد لحيي الرأس فضربني به فجرح بأنفي فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته فأنزل الله في -يعني نفسه شأن الخمر ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان﴾ [المائدة: ٩٠].
(أصبت سيفا فأتى به النبي ﷺ قال النووي: هذا من تلوين الخطاب وتقديره عن مصعب بن سعد أنه حدث عن أبيه بحديث قال فيه: قال أبي: أصبت سيفا. اهـ.
أي كان النسق أن يقول مصعب: أصاب أبي سيفا فأتى به النبي ﷺ إلخ فيكون فاعل "قال" هو مصعب أو أن يكون فاعل "قال" هو أبوه سعد والنسق على هذا أن يقول: أصبت سيفا فأتيت به النبي ﷺ لكنه لون الكلام فقال: "نزلت في أربع آيات" ثم استأنف تفصيلها بقوله "أصبت سيفا" فالضمير ضمير المتكلم والقائل سعد أما "فأتى به النبي ﷺ " فالضمير ضمير الغيبة والمتكلم مصعب وفي هذا تلوين الضمائر وهو مقبول حيث أمن اللبس.
(بعث النبي ﷺ سرية -وأنا فيهم- قبل نجد) قيل: كانت هذه السرية بعد غزوة الطائف و"قبل" بكسر القاف وفتح الباء أي جهتها وفي الرواية الخامسة "بعث سرية إلى نجد فخرجت
стр. 3826
فيها" وفي الرواية الرابعة "بعث سرية قبل نجد وفيهم ابن عمر" والسرية قطعة من الجيش تخرج وتعود إليه.
(فغنموا إبلا كثيرة) في الرواية الخامسة "فأصبنا إبلا وغنما" ولا تعارض.
(فكانت سهمانهم اثني عشر بعيرا) أو أحد عشر بعيرا ونفلوا بعيرا بعيرا هكذا بالشك في الرواية الثالثة وفي الرواية الرابعة والخامسة "اثني عشر بعيرا" بدون شك ولم تبين الروايات في مسلم من الذي أعطى السهام؟ ولا من الذي نفل؟ إلا الرواية الخامسة والسادسة فذكرتا أن الرسول ﷺ هو الذي نفلهم.
لكن عند أبي داود "وأعطانا أميرنا بعيرا بعيرا لكل إنسان ثم قدمنا على النبي ﷺ فقسم بيننا غنيمتنا فأصاب كل رجل منا اثنا عشر بعيرا لكن ظاهر الرواية الرابعة أن الذي أعطى السهام ونفلهم أميرهم وأن النبي ﷺ "كان مقررا لذلك مجيزا له لأنه قال فيها" ولم يغيره النبي ﷺ ورواية ابن إسحق صريحة أن التنفيل كان من الأمير والقسم من النبي ﷺ ولهذا اختلف العلماء في القسم والتنفيل. هل كانا جميعا من أمير الجيش؟ أو من النبي ﷺ ؟ أو أحدهما من أحدهما؟ قال النووي: معناه أن أمير السرية نفلهم فأجازه النبي ﷺ فجازت نسبته لكل منهما.
والسهمان بضم السين السهام جمع سهم وهو النصيب وفي كثير من الأصول "فكانت سهمانهم اثنا عشر بعيرا" قال النووي: وهو صحيح على لغة من يجعل المثنى بالألف سواء كان مرفوعا أو منصوبا أو مجرورا وهي لغة أربع قبائل من العرب وقد كثرت في كلام العرب ومنها قوله تعالى ﴿إن هذان لساحران﴾ [طه: ٦٣] ثم قال: والمعنى فكان سهم كل واحد منهم اثني عشر بعيرا وقيل: معناه أن سهام جميع الغانمين اثنا عشر بعيرا وهو غلط. اهـ.
قال ابن التين: وقد جاء أنهم كانوا عشرة وأنهم غنموا مائة وخمسين بعيرا فخرج منها الخمس وهو ثلاثون وقسم عليهم البقية فحصل لكل واحد اثنا عشر بعيرا ثم نفلوا بعيرا بعيرا فعلى هذا فقد نفلوا ثلث الخمس. اهـ.
(نفلنا رسول الله ﷺ نفلا سوى نصيبنا من الخمس) التقدير: نفلنا من الخمس الذي له سوى نصيبنا من الغنيمة فعند الطحاوي "نفل رسول الله ﷺ سرية بعثها قبل نجد من إبل جاءوا بها نفلا سوى نصيبهم من المغنم".
(فأصابني شارف) الشارف من الدواب المسن والمراد هنا بعير مسن.
(كان ينفل بعض من يبعث من السرايا) "ينفل" بضم الياء وفتح النون وتشديد الفاء المكسورة من نفل المضعف.
(لأنفسهم خاصة سوى قسم عامة الجيش) إذا خرج الجيش فاستقلت قطعة منه بمهمة فغنمت شيئا كانت الغنيمة للجميع لا يختلف الفقهاء في ذلك ويكون التنفيل من الخمس ولكن إذا
стр. 3827
خرجت قطعة من الجيش المقيم في بلده فإن الجيش لا يشارك السرية في غنيمتها كما حصل في سرية ابن عمر الواردة في الأحاديث السابقة.
(والخمس في ذلك واجب كله) قال النووي: "كله" مجرور تأكيد لقوله "في ذلك" وهذا تصريح بوجوب الخمس في كل الغنائم وهو إجماع.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: اختلفوا في محل النفل هل هو من أصل الغنيمة؟ أو من أربعة أخماسها؟ أو من خمس الخمس؟ وهي ثلاثة أقوال للشافعي وبكل منها قال جماعة من العلماء والأصح عندنا أنه من خمس الخمس وبه قال ابن المسيب ومالك وأبو حنيفة وآخرون وممن قال إنه من أصل الغنيمة الحسن البصري والأوزاعي وأحمد وأبو ثور وآخرون وأجاز النخعي أن تنفل السرية جميع ما غنمت دون باقي الجيش وهو خلاف ما قاله العلماء كافة قال أصحابنا: ولو نفلهم الإمام من أموال بيت المال العتيد دون الغنيمة جاز (سبق أن ذكرنا في المباحث العربية أن هذا في حالة ما إذا خرج الجيش كله وانفصلت عنه سرية بمهمة أما إذا خرجت السرية من جيش مقيم في بلده فلها ما غنمت).
والتنفيل إنما يكون لمن صنع صنعا جميلا في الحرب انفرد به. اهـ.
والظاهر أن إباء النبي ﷺ تنفيل السيف لسعد كان قبل أن يرخص له ﷺ بالتنفيل وقبل نزول قوله تعالى ﴿يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول﴾ سواء قلنا: إن التنفيل من الغنيمة أو من الخمس أو من خمس الخمس فقد ذكر النووي أنه روى في تمام هذا الحديث أن النبي ﷺ قال لسعد بعد نزول الآية "خذ سيفك فإنك سألتنيه وليس لي ولا لك وقد جعله الله لي وجعلته لك".
قال الحافظ ابن حجر: قال مالك وطائفة: لا نفل إلا من الخمس وقال الخطابي: أكثر ما روي من الأخبار يدل على أن النفل من أصل الغنيمة والذي يقرب من حديث ابن عمر أنه كان من الخمس لأنه أضاف الاثنى عشر إلى سهمانهم فكأنه أشار إلى أن ذلك قد تقرر لهم استحقاقه من الأخماس الأربعة الموزعة عليهم فيبقى للنفل الخمس. اهـ.
قال الحافظ ابن حجر: ويؤيده ما رواه النسائي بإسناد حسن "أن النبي ﷺ قال: ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس وهو مردود عليكم".
وقال ابن عبد البر: إن أراد الإمام تفضيل بعض الجيش لمعنى فيه فذلك من الخمس لا من رأس الغنيمة وإن انفردت قطعة فأراد أن ينفلها مما غنمت دون سائر الجيش فذلك من غير الخمس بشرط أن لا يزيد على الثلث. اهـ. وقال الحافظ ابن حجر: وهذا الشرط قال به الجمهور.
стр. 3828
وقال الشافعي: لا يتحدد بل هو راجع إلى ما يراه الإمام من المصلحة ويدل له قوله تعالى ﴿قل الأنفال لله والرسول﴾ ففوض أمرها إليه.
-[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]-
١ - استدل بالرواية الأولى وبالآية على أن للإمام أن ينفل من الغنائم ما شاء لمن شاء بحسب ما يراه فالآية محكمة عامة وقيل: محكمة مخصوصة بأنفال السرايا وبالخمس أو خمس الخمس.
٢ - وفي الحديث استحباب بعث السرايا قال النووي: وما غنمت تشترك فيه هي والجيش إن انفردت عن الجيش في بعض الطريق وأما إذا خرجت من البلد وأقام الجيش في البلد فتختص هي بالغنيمة ولا يشاركها الجيش. اهـ. وقيد مالك مشاركة الجيش للسرية في الغنيمة بأن يكون قريبا منها يلحقها عونه وغوثه لو احتاجت.
٣ - وفي الحديث أن أمير الجيش إذا فعل مصلحة لم ينقضها الإمام.
٤ - واستدل به على تعين قسمة أعيان الغنيمة لا أثمانها وفيه نظر لجواز أن يكون ذلك وقع اتفاقا.
٥ - قال ابن دقيق العيد: للحديث تعلق بمسائل الإخلاص في الأعمال. اهـ. والأولى أن يقال: فيه أن بعض المقاصد الخارجة عن محض التعبد لا تقدح في الإخلاص.
٦ - من الرواية السابعة تصريح بوجوب الخمس في كل الغنائم ورد علي من جهل وزعم أنه لا يجب فاغتربه بعض الناس قال النووي: وهذا مخالف للإجماع.
والله أعلم.
стр. 3829
(٤٧٧) باب استحقاق القاتل سلب القتيل
٤٠١٢ - عن أبي محمد الأنصاري وكان جليسا لأبي قتادة قال: قال أبو قتادة: واقتص الحديث.
٤٠١٣ - عن أبي قتادة ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حنين فلما التقينا كانت للمسلمين جولة قال: فرأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين فاستدرت إليه حتى أتيته من ورائه فضربته على حبل عاتقه وأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت ثم أدركه الموت فأرسلني. فلحقت عمر بن الخطاب فقال: ما للناس؟ فقلت أمر الله ثم إن الناس رجعوا وجلس رسول الله ﷺ فقال "من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه" قال: فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست ثم قال مثل ذلك فقال فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست. ثم قال ذلك الثالثة. فقمت: فقال رسول الله ﷺ "ما لك؟ يا أبا قتادة" فقصصت عليه القصة. فقال رجل من القوم صدق يا رسول الله سلب ذلك القتيل عندي فأرضه من حقه وقال أبو بكر الصديق: لاها الله إذا لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله وعن رسوله فيعطيك سلبه. فقال رسول الله ﷺ "صدق فأعطه إياه" فأعطاني. قال: فبعت الدرع فابتعت به مخرفا في بني سلمة فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام وفي حديث الليث فقال أبو بكر: كلا لا يعطيه أضيبع من قريش ويدع أسدا من أسد الله وفي حديث الليث لأول مال تأثلته.
٤٠١٤ - عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: بينا أنا واقف في الصف يوم بدر نظرت عن يميني وشمالي فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما. تمنيت لو كنت بين أضلع منهما فغمزني أحدهما فقال يا عم هل تعرف أبا جهل؟ قال: قلت: نعم. وما
стр. 3830
حاجتك إليه يا ابن أخي؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله ﷺ والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا. قال: فتعجبت لذلك. فغمزني الآخر فقال مثلها. قال: فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يزول في الناس فقلت: ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذي تسألان عنه. قال: فابتدراه فضرباه بسيفيهما حتى قتلاه ثم انصرفا إلى رسول الله ﷺ فأخبراه فقال "أيكما قتله؟ " فقال كل واحد منهما: أنا قتلت. فقال "هل مسحتما سيفيكما؟ " قالا: لا. فنظر في السيفين فقال "كلاكما قتله" وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح (والرجلان معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء).
٤٠١٥ - عن عوف بن مالك ﵁ قال: قتل رجل من حمير رجلا من العدو فأراد سلبه فمنعه خالد بن الوليد وكان واليا عليهم. فأتى رسول الله ﷺ عوف بن مالك فأخبره. فقال لخالد "ما منعك أن تعطيه سلبه؟ " قال: استكثرته يا رسول الله. قال "ادفعه إليه" فمر خالد بعوف فجر بردائه ثم قال: هل أنجزت لك ما ذكرت لك من رسول الله ﷺ ؟ فسمعه رسول الله ﷺ فاستغضب فقال "لا تعطه يا خالد. لا تعطه يا خالد. هل أنتم تاركون لي أمرائي؟ إنما مثلكم ومثلهم كمثل رجل استرعى إبلا أو غنما فرعاها ثم تحين سقيها فأوردها حوضا فشرعت فيه فشربت صفوه وتركت كدره فصفوه لكم وكدره عليهم".
٤٠١٦ - عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال: خرجت مع من خرج مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة ورافقني مددي من اليمن. وساق الحديث عن النبي ﷺ بنحوه غير أنه قال في الحديث: قال عوف: فقلت: يا خالد أما علمت أن رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل؟ قال: بلى ولكني استكثرته.
٤٠١٧ - عن سلمة بن الأكوع قال: غزونا مع رسول الله ﷺ هوازن فبينا نحن نتضحى مع رسول الله ﷺ إذ جاء رجل على جمل أحمر فأناخه ثم انتزع طلقا من حقبه
стр. 3831
فقيد به الجمل. ثم تقدم يتغدى مع القوم. وجعل ينظر وفينا ضعفة ورقة في الظهر وبعضنا مشاة. إذ خرج يشتد فأتى جمله فأطلق قيده ثم أناخه وقعد عليه فأثاره فاشتد به الجمل فاتبعه رجل على ناقة ورقاء. قال سلمة: وخرجت أشتد فكنت عند ورك الناقة ثم تقدمت حتى كنت عند ورك الجمل ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل فأنخته فلما وضع ركبته في الأرض اخترطت سيفي فضربت رأس الرجل فندر ثم جئت بالجمل أقوده عليه رحله وسلاحه فاستقبلني رسول الله ﷺ والناس معه فقال "من قتل الرجل؟ " قالوا: ابن الأكوع قال "له سلبه أجمع".
-[المعنى العام]-
أحل الله لرسوله محمد ﷺ وللمسلمين المقاتلين غنائم الكفار تشجيعا لهم على الجهاد وإرهابا لمن حارب الله ورسوله فكانت تقسم أخماسا أربعة أخماسها للمقاتلين للراجل سهم وللفارس سهمان سهم له وسهم لفرسه وخمسها لرسول الله ﷺ يصرفه في المصارف التي شرعها له الله.
أما الفيء وهو الغنائم التي يمنحها الله للرسول ﷺ بدون حرب من المسلمين وبدون إيجاف خيل أو ركاب فهي إلى رسول الله ﷺ يعطي منها من يشاء من المصارف التي ذكرها الله تعالى وزيادة في تشجيع المجاهدين للمسارعة إلى الجهاد والمخاطر والفداء شرع للقاتل الذي يقتل كافرا محاربا خرج لقتال المسلمين شرع للقاتل أن يأخذ سلبه وما معه من سلاح أو خيل أو ناقة أو ثياب ثمينة أو أمتعة أو ذهب أو فضة.
وكان لهذا التشريع أثره وإن كان المسلم يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا لكن المكافأة المالية ترغب في العمل وتدفع إليه بحكم الطبيعة البشرية وإن شئت فقل: إعطاء القاتل سلب القتيل نتيجة ومكافأة وليس هدفا ودافعا للمؤمن الذي يبتغي بذلك الجهاد وجه الله.
هذا أبو قتادة بعد أن ولى وفر في غزوة حنين مع الفارين ورجع مع الراجعين رأى فارسا من المشركين يركب على رجل من المسلمين يقتله فأسرع إليه فضربه بالسيف على رقبته فقتله وبعد المعركة وانتصار المسلمين وجمعهم لغنائم هوازن الكثيرة سمع رسول الله ﷺ يقول: من قتل قتيلا وله شاهد يشهد له بأنه وحده الذي قتله فله سلبه فقال أبو قتادة للجيش: من يشهد لي أنني القاتل للرجل الذي فعل كذا وكذا فقال صحابي أن أشهد وسلب هذا المقتول عندي فأعطاه رسول الله ﷺ سلبه.
وذاك الصبي معاذ بن عمرو بن الجموح يقتل أبا جهل في غزوة بدر الكبرى فيعطيه النبي ﷺ سلبه.
وهذا اليمني الحميري يقتل مشركا في غزوة مؤتة فيتوقف خالد بن الوليد قائد المعركة في
стр. 3832
إعطائه سلب القتيل ويتدخل صديقه ورفيقه عوف بن مالك ويذكر خالدا بقول رسول الله ﷺ "من قتل قتيلا فله سلبه" ويطلب منه أن يسلمه سلبه فيستكثر خالد السلب فيشكوه للنبي ﷺ فيأمر خالدا بأن يعطيه سلبه. وهذا سلمة بن الأكوع يقتل جاسوسا للمشركين فيقضي رسول الله ﷺ له بالسلب أجمع فنعم التشريع من لدن حكيم عليم.
-[المباحث العربية]-
(عام حنين) أي لغزوة حنين بعد شهر من فتح مكة سنة ثمان من الهجرة وحنين بضم الحاء مصغر واد بين مكة والطائف على بعد بضعة عشر ميلا من مكة من جهة عرفات.
(فلما التقينا كانت للمسلمين جولة) أي فلما التقى المسلمون والمشركون والجولة بفتح الجيم هزيمة غير مستقرة يقال: جال القوم في الحرب جولة أي فروا ثم كروا قال النووي: وهذا إنما كان في بعض الجيش وأما رسول الله ﷺ وطائفة معه فلم يولوا. اهـ. وسيأتي بسط المعركة وما وقع فيها في غزوة حنين.
(فرأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين) يعني ظهر عليه وغلبه وكاد يقتله فالعلو معنوي أو صرعه وقعد عليه ليقتله فالعلو مادي.
(فاستدرت إليه) أي كان أبو قتادة موليا عن مكان المعركة فرجع بوجهه نحوها ونحو الرجل المشرك.
(فضربته على حبل عاتقه) العاتق ما بين العنق والكتف وفي رواية البخاري "فضربته من ورائه على حبل عاتقه بالسيف فقطعت الدرع".
(فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت) قال النووي: يحتمل أنه أراد شدة كشدة الموت -فالكلام كناية عن الشدة- ويحتمل قاربت الموت. وفي رواية البخاري "فأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت".
(ثم أدركه الموت فأرسلني) أي أطلقني ولم يعد يمسكني.
(فلحقت عمر بن الخطاب) معطوف على محذوف ذكر في رواية البخاري أي "ثم برك" فتحلل ودفعته ثم قتلته وانهزم المسلمون وولوا ووليت معهم فإذا بعمر بن الخطاب في الناس".
(فقال: ما للناس؟ فقلت: أمر الله) في روايتي البخاري أن السائل أبو قتادة والجواب من عمر ولفظ إحداهما "فلحقت عمر فقلت: ما بال الناس؟ قال: أمر الله " أي حكمه وقضاؤه وروايتا البخاري أكثر قبولا.
стр. 3833
(ثم إن الناس رجعوا) في رواية للبخاري "ثم تراجعوا" وسيأتي في غزوة حنين كيف رجعوا.
(وجلس رسول الله ﷺ معطوف على مطوي أي وشدوا على المشركين فهزموهم وغنموا أموالهم.
(من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه) بفتح السين واللام وهو ما يوجد مع المحارب من ملبوس وغيره عن الجمهور وعن أحمد: لا تدخل الدابة وعن الشافعي: يختص بأداة الحرب وسيأتي الكلام عن البينة في فقه الحديث والمراد بها الشهود.
(من يشهد لي؟ ) أي بأني قتلت قتيلا؟ صفته كذا؟ في مكان كذا؟ فلم يجبه أحد ففي بعض الروايات "فلم أر أحدا يشهد لي".
(فقصصت عليه القصة) أي والقوم يسمعون.
(فقال رجل من القوم) في رواية للبخاري "فقال رجل من جلسائه" ذكر الواقدي أن اسمه أسود بن خزاعي قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر لأن في الرواية الصحيحة أن الذي أخذ السلب قرشي.
(سلب ذلك القتيل عندي فأرضه من حقه) في رواية "فأرضه مني"
(لاها الله إذا) "إذا" بالألف والتنوين قال الحافظ ابن حجر: هكذا ضبطناه في الأصول المعتمدة من الصحيحين وغيرهما. فأما "لاها" فقال الجوهري "ها" للتنبيه وحرف القسم محذوف والأصل: لا والله قال ابن مالك: فيه شاهد على جواز الاستغناء عن واو القسم بحرف التنبيه قال: ولا يكون ذلك إلا مع الله. اهـ. وقد نقل الأئمة الاتفاق على جر لفظ الجلالة.
وأما "إذا" فثبتت في جميع الروايات المعتمدة والأصول المحققة من الصحيحين وغيرها بكسر الألف ثم ذال منونة وأنكر ذلك الخطابي وأهل اللغة وقالوا: هو تغيير من الرواة وصوابه "لاها الله ذا" بغير ألف في أوله والمعنى لا -والله- يكون ذا أو وإن ذا يميني وقسمي أي لا والله هذا ما أقسم به وقد أطال الحافظ ابن حجر في هذا اللفظ فمن أراد الإطناب فيه فليرجع إليه.
(لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله وعن رسوله فيعطيك سلبه) أي سلب قتيله أي لا يقصد رسول الله ﷺ إلى رجل كأنه أسد في الشجاعة يقاتل عن دين الله ورسوله فيأخذ حقه ويعطيك بغير طيبة من نفسه و"لا يعمد" ضبطوه بالياء والنون وكذا قوله "فيعطيك" بالياء والنون.
(صدق فأعطه إياه فأعطاني) أي صدق القائل والأمر في "فأعطه" للرجل الذي اعترف بأن السلب عنده والمفعول الثاني في "فأعطاني" محذوف أي فأعطاني السلب.
стр. 3834
(فبعت الدرع) ذكر الواقدي أن الذي اشتراه منه حاطب بن أبي بلتعه وأن الثمن كان سبع أواق.
(فابتعت به مخرفا في بني سلمة) أي فاشتريت به مخرفا بفتح الميم والراء ويجوز كسر الراء أي بستانا سمي بذلك لأنه يخترف منه الثمر أي يجتني يقال: خرف الثمر خرفا وخرافا جناه في الخريف وقيل: المخرف السكة من النخل تكون صفين يخرف من أيهما شاء وقال ابن وهب: هي الجنينة الصغيرة وقال غيره: هي نخلات يسيرة وأما المخرف بكسر الميم وفتح الراء فهو الوعاء الذي يجعل فيه ما يجتني من الثمار وقال القاضي: رويناه بفتح الميم وكسر الراء كالمسجد. أي مكان الخرف وجني الثمار وبنو سلمة بكسر اللام قاله النووي وهم بطن من الأنصار وهم قوم أبي قتادة.
(فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام) هو بالثاء بعد الألف أي اقتنيته وتأصلته وأثلة الشيء أصله وفي ملحق الرواية لم يذكر "في الإسلام".
(كلا لا يعطيه أصيبغ من قريش) قال القاضي: اختلف رواة كتاب مسلم في هذا الحرف أحدهما "أصيبغ" بالصاد والغين والثاني "أضيبع" بالضاد والعين وكذا اختلف فيه رواة البخاري فعلى الثاني هو تصغير ضبع على غير قياس كأنه لما وصف أبا قتادة بأنه أسد صغر هذا بالإضافة إليه وشبهه بالضبيع لضعف افتراسها وما توصف به من العجز والحمق وأما على الوجه الأول فوصفه به لتغير لونه وقيل: حقره وذمه بسواد لونه وقيل: معناه أنه صاحب لون غير محمود وقيل: وصفه بالمهانة والضعف قال الخطابي: الأصيبغ نوع من الطير قال: ويجوز أنه شبهه بنبات ضعيف يقال له: الصيبغا أول ما يطلع من الأرض يكون مما يلي الشمس منه أصفر.
(بينا أنا واقف في الصف يوم بدر نظرت) "بينا" هي "بين" الظرفية أشبعت الفتحة منصوب بمعنى المفاجأة في "فإذا أنا بين غلامين" ويضاف إلى جملة ويحتاج إلى جواب والمعنى فاجأني وجودي بين غلامين وقت وقوفي في صف القتال يوم غزوة بدر ووقت نظري يميني وشمالي والغلام من فوق البلوغ وهو الطار الشارب.
(حديثة أسنانهما) "حديثة" بالجر صفة لغلامين و"أسنانهما" بالرفع فاعل "حديثة".
(تمنيت لو كنت بين أضلع منهما) قال النووي: هكذا هو في جميع النسخ "أضلع" بالضاد وبالعين وكذا حكاه القاضي عن جميع نسخ صحيح مسلم وهو الأصوب قال: ووقع في بعض روايات البخاري "أصلح" بالصاد والحاء قال النووي: وكذا في حاشية بعض نسخ صحيح مسلم ولكن الأول أصح وأجود مع أن الاثنين صحيحان ولعله قالهما جميعا ومعنى "أضلع" أقوى أفعل من الضلاعة وهي القوة.
(لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا) "سوادي سواده" بفتح
стр. 3835
السين أي لا يفارق شخصي شخصه وأصل الشخص يرى في البعد سوادا حتى يموت الأقرب الأعجل منا أي حتى يموت أحدنا وقيل: إن لفظ "الأعجل" تحريف وإنما هو "الأعجز".
(فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل) أي فلم ألبث يقال: نشب بعضهم في بعض أي دخل وتعلق أي لم أتعلق بشيء ولم يخطر ببالي شيء بعد هذا القول حتى نظرت إلى أبي جهل.
(يزول في الناس) أي يضطرب ويتنقل في المواضع ولا يستقر في المكان والزوال القلق وفي رواية للبخاري "يجول" بالجيم وقال النووي: هكذا هو في جميع نسخ بلادنا "يزول" بالزاي والواو قال القاضي: ووقع عند بعضهم "يرفل" بالراء والفاء والأول أظهر وأوجه فإن صحت الرواية الثانية فمعناه يسبل ثيابه ودرعه ويجره.
(فابتدراه) أي سبقاه مسرعين.
(حتى قتلاه) وفي رواية "ضرباه حتى برد" أي حتى صار في حالة من مات وقيل حتى فتر وسكن يقال: جد في الأمر حتى برد أي فتر وفي رواية "حتى برك" أي سقط على الأرض.
(ثم انصرفا إلى رسول الله ﷺ فأخبراه) بأنهما قتلاه.
(أيكما قتله؟ ) لما أخبراه بأنهما قتلاه احتمل الأمر أن يكون القاتل أحدهما وأن الآخر مساعد أو أحدهما على الحقيقة والآخر على المجاز فسأل عن القاتل الحقيقي.
(فقال كل واحد منهما: أنا قتلت) في رواية البخاري "أنا قتلته" اعتقادا من كل منهما أن ضربه هو الذي قتل.
(فقال: هل مسحتما سيفيكما) من الدم؟ .
(قالا: لا فنظر في السيفين فقال: كلاكما قتله) قال المهلب: نظر ﷺ في السيفين ليرى ما بلغ الدم من سيفيهما ومقدار عمق دخولهما في جسم المقتول ليحكم للسيف الذي هو أبلغ في ذلك وقيل: ليستدل بالسيفين على كيفية قتلهما وأن أحدهما ضرب الرجل مثلا والآخر ضرب الرقبة أو البطن أو الصدر وأيا ما كان فالهدف من النظر في السيفين الوصول إلى القاتل الحقيقي. فماذا وجد؟ قيل: وجد السيفين متشابهين وأن عمل كل من السيفين كعمل الآخر فقال كلاكما قتله أما أنه ﷺ قضى بالسلب لأحدهما فلأن الإمام مخير في السلب يفعل فيه ما يشاء هذا ما يقوله أصحاب مالك قال الطحاوي: فيه دليل على أن السلب لا يجب للقاتل بالقتل إذ لو وجب بذلك لقضى بالسلب لهما مناصفة ولم يكن النبي ﷺ ينتزعه من أحدهما فيدفعه إلى الآخر لأن كل واحد منهما -على هذا- له فيه من الحق مثل ما لصاحبه.
وقيل: وجد السيفين متشابهين فقال: كلاكما قتله لكنه علم أن معاذ بن عمرو بن الجموح سبق
стр. 3836
بالضرب فصار في حكم المثبت لجراحه المثخن له وجاءت الضربة الثانية فاشتركا في القتل إلا أن الأول قتله وهو ممتنع يمكن أن يدفع عن نفسه أما الثاني فقتله وهو مثبت فحكم بالسلب للأول لأن القتل الشرعي الذي يتعلق به استحقاق السلب هو الإثخان وإخراجه عن كونه ممتنعا.
وقيل: وجد سيف معاذ بن عمرو بن الجموح السيف القاتل دون الآخر فحكم له بالسلب وقال: كلاكما قتله تطييبا لقلب الآخر من حيث إن له مشاركة في قتله.
وقد جاء في البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه أتى أبا جهل وبه رمق يوم بدر فأخذ بلحيته وقال: أنت أبو جهل؟ وفي رواية الطبراني: أخزاك الله يا عدو الله وروى الحاكم في إكليله "مر ابن مسعود على أبي جهل فقال: الحمد لله الذي أعز الإسلام فقال أبو جهل: تشتمني يا رويعي هذيل؟ فقال: نعم والله وأقتلك. فحذفه أبو جهل بسيفه وقال: دونك هذا إذا فأخذه عبد الله فضربه حتى قتله وعن الحاكم قال ابن مسعود: فوجدته بآخر رمق فوضعت رجلي على عنقه فقال: لقد ارتقيت -يا رويع الغنم- مرتقى صعبا قال: ثم احتززت رأسه فجئت به رسول الله ﷺ .
فهذه الروايات لا تعارض قوله في روايتنا "كلاكما قتله" لأن معناه كلاكما جعله في حالة من مات ولم يبق فيه سوى حركة المذبوح فأطلق عليه القتل باعتبار ما سيئول إليه وهذه الرواية وإن أثبتت الاشتراك في إنهاء القتل لكن السلب ثبت للذي أثخنه كما سبق.
(والرجلان معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء) قال النووي: هكذا رواه البخاري ومسلم وجاء في صحيح البخاري أيضا أن الذي ضربه ابنا عفراء. اهـ.
وعفراء أمه بنت عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار وهو معاذ بن الحارث بن رفاعة بن سواد هكذا قال محمد بن إسحق وقال ابن هشام: هو معاذ بن الحارث بن عفراء بن سواد بن مالك بن النجار وادعى القرطبي أن رواية "ابنا عفراء" وهم من الرواة التبس عليهم معاذ بن الجموح بمعاذ بن عفراء وقال ابن الجوزي: ابن الجموح ليس من ولد عفراء ومعاذ بن عفراء ممن باشر قتل أبي جهل ولعل الحديث "ابن عفراء" فغلط الرواي فقال: ابنا عفراء وقال ابن التين: يحتمل أن يكونا أخوين لأم أو يكون بينهما رضاع. والله أعلم.
(قتل رجل من حمير رجلا من العدو) في الرواية الرابعة يقول عوف بن مالك: "خرجت مع من خرج مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة ورافقني مددي من اليمن" يعني رافقني أثناء الغزوة رجل من المدد أي الذين جاءوا يمدون جيش مؤتة ويساعدونهم والقاتل هو مرافق عوف اليمني الحميري ففي رواية لأحمد قال عوف: فانضم إلينا رجل من أمداد حمير فأوى إلى رحلنا ليس معه شيء إلا سيف ليس معه سلاح غيره فلقينا عدونا وفيهم رجل من الروم على فرس أشقر وسرج مذهب ومنطقة ملطخة ذهبا وسيف مثل ذلك فجعل يحمل على القوم ويغري بهم فلم يزل ذلك المددي يحتال لذلك الرومي حتى مر به فاستقفاه فضرب عرقوب فرسه بالسيف فوقع ثم أتبعه ضربا بالسيف حتى قتله.
стр. 3837
وغزوة مؤتة -بضم الميم وسكون الهمزة- قال النووي: ويجوز ترك الهمز كما في نظائره وهي قرية معروفة في طرف الشام عند الكرك. اهـ.
قال ابن إسحق: وهي بالقرب من البلقاء وقال غيره: هي على مرحلتين من بيت المقدس وكانت في جمادى من السنة الثامنة على الصحيح ويقال: إن السبب فيها أن شرحبيل بن عمرو الغساني -وهو من أمراء قيصر على الشام قتل رسولا أرسله النبي ﷺ إلى صاحب بصرى فجهز النبي ﷺ إليهم جيشا في ثلاثة آلاف كان فيهم عوف بن مالك.
(فأراد سلبه فمنعه خالد بن الوليد وكان واليا عليهم) أي فأراد الرجل الحميري سلب المقتول أي ما كان معه من سيف وسرج ومنطقة مذهبة وغير ذلك فمنع خالد السلب عن الرجل أو منع خالد الرجل من الاستيلاء على السلب كله ففي رواية لأحمد "فلما فتح الله الفتح أقبل يسأل السلب وقد شهد له الناس بأنه قاتله فأعطاه خالد بعض سلبه وأمسك سائره" وكان خالد واليا عليهم يعني كان خالد قائدا لهذا الجيش وذلك لأن النبي ﷺ أمر على الجيش زيد بن حارثة وقال: إن قتل زيد فجعفر بن أبي طالب وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة" فقتل زيد فأخذ الراية جعفر فقتل جعفر فأخذ الراية عبد الله بن رواحة فقتل عبد الله بن رواحة فأمر نفسه على الجيش خالد بن الوليد وأمره الجيش واختاروه وارتضوه فأخذ الراية ففتح الله به وأوحى إلى رسول الله ﷺ وهو بالمدينة ما حصل للجيش في الشام فأخبر به أصحابه وقال لهم: "أخذ الراية زيد فأصيب ثم أخذها جعفر فأصيب ثم أخذها ابن رواحة فأصيب حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم" فمنذ ذلك الحين سمي خالد بن الوليد سيف الله.
(فأتى رسول الله ﷺ عوف بن مالك) وذلك بعد أن رجع الجيش وفي حضور خالد بن الوليد وفي رواية لأحمد: "فلما رجع الحميري إلى رحل عوف ذكر ما جرى بينه وبين خالد فقال له عوف: ارجع إليه فليعطك ما بقي فرجع إليه فأبى عليه فمشى عوف حتى أتى خالدا فقال: أما تعلم أن رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل؟ قال: بلى. قال: فما يمنعك أن تدفع إليه سلب قتيله؟ قال خالد: استكثرته له. قال عوف: لئن رأيت وجه رسول الله ﷺ لأذكرن ذلك له فلما قدم المدينة بعثه عوف فاستعدى إلى النبي ﷺ فدعا خالدا وعوف قاعد".
(فمر خالد بعوف فجر بردائه) أي فانصرفوا من عند رسول الله ﷺ فمر خالد بعوف في مكان قريب من رسول الله ﷺ فجر عوف برداء خالد أي شده وجذبه تشفيا واستهتارا واستهزاء.
(ثم قال: هل أنجزت لك ما ذكرت لك من رسول الله ﷺ ؟ ) أي هل أنجزت لك وعيدي لك بأن أشكوك إلى رسول الله ﷺ ؟ والاستفهام توبيخي يستهزئ به ويتشفى فيه إذ حكم الرسول ﷺ وفي رواية لأحمد "ليجزى لك ما ذكرت لك من رسول الله ﷺ " أي ليكفيك موقف رسول الله ﷺ منك ومحاسبته لك وإرغامك على تنفيذ ما طلبته منك.
стр. 3838
(فسمعه رسول الله ﷺ فاستغضب) أي فغضب أي فصار مغضبا بسبب تشفي البعض في البعض وبسبب استهانة الرعية بالولاة وكان قد سمع أن عوفا والحميري أطلقا لسانهما في خالد ﵁ وانتهكا حرمة الوالي ومن ولاه.
(فقال: لا تعطه يا خالد) مرتين أي لا تعط القاتل سلبه مطلقا؟ أو مؤقتا؟ تنكيلا به وعقوبة له.
(هل أنتم تاركون لي أمرائي؟ ) يخاطب ﷺ عوف بن مالك والحميري ومن يظاهرهما.
قال النووي في بعض النسخ "هل أنتم تاركو لي أمرائي" بغير نون وفي بعضها "تاركون" بالنون وهو الأصل والأول صحيح أيضا وهي لغة معروفة وقد جاءت بها أحاديث كثيرة منها قوله ﷺ "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا" اهـ.
والاستفهام مراد منه الطلب على سبيل العرض والتحضيض أي اتركوا لي أمرائي لا تنقصوا من كرامتهم ولا تستهينوا بهم فالاستهانة بهم استهانة بمن ولاهم ووثق في صلاحيتهم.
(إنما مثلكم ومثلهم كمثل رجل استرعى إبلا أو غنما فرعاها ثم تحين سقيها فأوردها حوضا فشرعت فيه فشربت صفوه وتركت كدره فصفوه لكم وكدره عليهم) هذا تشبيه تمثيل تشبيه هيئة بهيئة ويعود إلى تشبيهات مفردة فشبه الحاكم الأعلى براع وشبه الرعية عوف بن مالك والحميري وأضرابهما بإبله وغنمه وشبه عناية الحاكم بشعبه برعاية إبله وغنمه أكلا وشربا على أحسن ما يستطيع وشبه أعمال أمرائه بالماء صفوه وكدره فمعاملة الأمراء حسنة لا تخلو من إساءة كبشر وشبه معاملة الرعية للأمراء واستفادتهم من محاسنهم ثم تلمس أخطائهم والتشهير بهم بشرب الماء الصفو وتحميل الماء صورة الكدر وهكذا كانوا مع خالد بن الوليد سيف الله المسلول أفاد منه المسلمون النصر يوم مؤتة وهاهم يشهرون به من أجل سلب قتيل.
ثم شبه الهيئة الحاصلة من المشبهات بالهيئة الحاصلة من المشبهات بها على سبيل التشبيه التمثيلي.
ومعنى "ثم تحين سقيها" أي اختار لها الوقت والموضع المناسب لشربها عطشا وماء ومعنى "فأوردها حوضا" أي جاء بها إلى بئر ماء عذب عليه حوض لسقي الدواب فرفع الماء من البئر وملأ لها الحوض ومعنى "فشرعت فيه" بفتح الراء أي شربت منه يقال: شرع الوارد شرعا إذا تناول الماء بفيه والصفو في اللغة بفتح الصاد لا غير وهو الخالص قال النووي: فإذا ألحقوه الهاء فقالوا: الصفوة كانت الصاد مضمومة ومفتوحة ومكسورة ثلاث لغات.
ثم قال: ومعنى الحديث أن الرعية يأخذون صفو الأمور فتصلهم أعطياتهم بغير نكد وتبتلى الولاة
стр. 3839
بمقاساة الأمور وجمع الأموال على وجوهها وصرفها في وجهها وحفظ الرعية والشفقة عليهم والذب عنهم وإنصاف بعضهم من بعض ثم متى وقعت غلطة أو عتب في بعض ذلك توجه على الأمراء دون الناس.
(غزونا مع رسول الله ﷺ هوازن) "هوازن" قبيلة كبيرة من العرب فيها عدة بطون ينسبون إلى هوازن بن منصور بن عكرمة .. ابن مضر وهم القوم الذين قاتلهم المسلمون في غزوة حنين.
(فبينما نحن نتضحى) أي نتغذى مأخوذ من الضحاء بفتح الضاد وهو الوقت الذي بعد امتداد النهار وبعد الضحى بضم الضاد وفي رواية لأحمد "ورسول الله ﷺ وأصحابه يتصبحون" أي يأكلون وجبة الصباح.
(إذ جاء رجل على جمل أحمر فأناخه) قريبا من المسلمين وقد نزلوا منزلا يستريحون في الطريق قبل المعركة ففي رواية لأحمد "نزل رسول الله ﷺ منزلا فجاء عين من المشركين" وفي رواية له "رجل شاب".
(ثم انتزع طلقا من حقبه فقيد به الجمل) قال النووي: أما الطلق بفتح الطاء واللام وهو العقال من جلد وأما قوله "من حقبه" فهو بفتح الحاء والقاف وهو حبل الشد على حقو البعير قال القاضي: لم يرد هذا الحرف إلا بفتح القاف قال: وكان بعض شيوخنا يقول: صوابه بإسكانها أي مما احتقب خلفه وجعله في حقيبته وهي الرمادة في مؤخر القتب ووقع هذا الحرف في سنن أبي داود. "حقوه" وفسره مؤخره قال القاضي: والأشبه عندي أن يكون "حقوه" في هذه الرواية "حجزته وخرامه" والحقو: معقد الإزار من الرجل وبه سمي الإزار حقوا ووقع في رواية "من جعبته" فإن صح ولم يكن تصحيفا فله وجه بأن علقه بجعبة سهامه وأدخله فيها. اهـ.
والمقصود أن الرجل استخرج حبلا قيد به جمله ففي رواية لأحمد "فانتزع شيئا من حقب البعير فقيد به البعير".
(ثم تقدم يتغدى مع القوم) في رواية لأحمد "ثم جاء يمشي حتى قعد معنا يتغدى" وفي رواية "فدعوه إلى طعامهم".
(وجعل ينظر) في القوم يجمع في نفسه معلومات عن المسلمين عددا وظهرا وصحة وقوة وعتادا.
(وفينا ضعفة ورقة في الظهر وبعضنا مشاة) قال النووي: "ضعفة" ضبطوه على وجهين الصحيح المشهور ورواية الأكثرين بفتح الضاد وإسكان العين أي حالة ضعف وهزال قال القاضي: وهذا الوجه هو الصواب والثاني بفتح العين جمع ضعيف وفي بعض النسخ "وفينا ضعف" بحذف الهاء. اهـ. وفي رواية لأحمد "وعامتنا مشاة" وفي رواية "فنظر في القوم فإذا ظهرهم فيه قلة وأكثرهم مشاة".
стр. 3840
(إذ خرج يشتد) أي يعدو أي يشتد في سيره ويسرع وفي رواية لأحمد "فلما رأى ضعفهم وقلة ظهرهم خرج إلى جمله" وفي رواية له "فلما طعم انسل" وفي رواية "فلما نظر إلى القوم خرج يعدو".
(فأتى جمله فأطلق قيده ثم أناخه وقعد عليه فأثاره فاشتد به الجمل) أي فحل عقال الجمل فوقف الجمل فأناخه وركبه وهيجه ليقوم ويجري فجرى به مسرعا وفي رواية "فقال رسول الله ﷺ "على الرجل اقتلوه" قال: فابتدر القوم أي تسابقوا إلى اللحاق به.
(فاتبعه رجل على ناقة ورقاء وخرجت أشتد) الورقاء رمادية اللون وفي رواية لأحمد "فاتبعه رجل منا من أسلم على ناقة له ورقاء" وفي رواية "على ناقة ورقاء هي أمثل ظهر القوم فاتبعته وخرجت أعدو" وفي رواية "فاتبعته أعدو على رجلي" وفي رواية يقول إياس بن سلمة: "وكان أبي يسبق الفرس شدا فسبقهم إليه".
(فكنت عند ورك الناقة) أي ناقة الصحابي الذي يجري خلف الرجل.
(ثم تقدمت حتى كنت عند ورك الجمل) جمل الجاسوس.
(ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل فأنخته) أي شددت الخطام إلى أسفل وطلبت منه أن ينخ وفي رواية لأحمد "ثم أخذت بخطام الجمل فقلت له أخ. أخ".
(فلما وضع ركبته في الأرض اخترطت سيفي فضربت رأس الرجل فندر) أي فلما برك الجمل اخترطت سيفي -أي سللته من غمده- فضربت عنق الرجل فندر رأسه أي سقط منفصلا عن العنق.
(ثم جئت بالجمل أقوده عليه رحله وسلاحه) في رواية لأحمد "ثم جئت براحلته وما عليها أقودها".
(له سلبه أجمع) أي كله.
-[فقه الحديث]-
يمكن حصر نقاط هذا الموضوع في خمس:
١ - هل السلب للقاتل سواء قال الإمام: من قتل قتيلا فله سلبه أم لم يقل؟
٢ - وهل السلب حق للقاتل وإن لم يكن مقاتلا هو؟ أو المقتول؟
٣ - وهل السلب لمن ادعى القتل وإن لم يقم البينة؟
٤ - وهل السلب يخمس كالغنيمة؟
٥ - وماذا يؤخذ من الأحاديث من الأحكام غير ما تقدم؟
стр. 3841
وهذا هو التفصيل:
١ - هل السلب للقاتل سواء قال الإمام: من قتل قتيلا فله سلبه أم لم يقل؟
قال الشافعي ومالك والأوزاعي والليث وأبو ثور والثوري وأحمد وإسحق وابن جرير وغيرهم: يستحق القاتل سلب القتيل في جميع الحروب سواء قال أمير الجيش (من قتل قتيلا فله سلبه) أم لم يقل ذلك قالوا: وما حدث من النبي ﷺ هو فتوى وإخبار عن حكم الشرع فلا يتوقف استحقاق السلب على قول أحد وقال أبو حنيفة ومالك ومن تابعهما: لا يستحق القاتل سلب القتيل بمجرد القتل بل هو لجميع الغانمين كسائر الغنمية إلا أن يقول الأمير قبل القتال: من قتل قتيلا فله سلبه وحملوا الحديث على هذا وجعلوا هذا إطلاقا من النبي ﷺ وليس بفتوى ولا إخبار عام قال النووي: وهذا الذي قالوه ضعيف لأنه صرح في هذا الحديث بأن النبي ﷺ قال هذا بعد الفراغ من القتال واجتماع الغنائم. اهـ. وهذا واضح من الرواية الأولى ورسول الله ﷺ أعطى سلب أبي جهل ولم يكن قد قال ذلك قبل المعركة وخالد بن الوليد لم يقل ذلك وسلم السلب للقاتل وكذا لم يقل رسول الله ﷺ ذلك وأعطى السلب لسلمة بن الأكوع قال مالك: يكره للإمام أن يقول: من قتل قتيلا فله سلبه لئلا تضعف نيات المجاهدين وعند الحنفية: لا كراهة له في ذلك.
٢ - وهل السلب حق للقاتل وإن لم يكن مقاتلا؟ هو؟ أو المقتول؟ .
ثم إن الشافعي يشترط في استحقاق السلب أن يغزو بنفسه في قتل كافر ممتنع في حال القتال قال النووي: والأصح أن القاتل لو كان ممن له رضخ ولا سهم له كالمرأة والصبي والعبد استحق السلب وقال مالك: لا يستحقه إلا المقاتل وقال الأوزاعي والشاميون: لا يستحق السلب إلا في قتيل قتله قبل الالتحام في الحرب فأما من قتل في التحام الحرب فلا يستحقه. اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر: استدل بعموم قوله "من قتل قتيلا فله سلبه" على دخول من لا يسهم له وعن الشافعي في قول وبه قال مالك: لا يستحق السلب إلا من استحق السهم قال: لأنه إذا لم يستحق السهم فلا يستحق السلب بطريق الأولى وعورض بأن السهم علق على المظنة والسلب يستحق للقاتل بالفعل فهو أولى وهذا هو الأصل قال الحافظ: واستدل به على أن السلب للقاتل في كل حال حتى قال أبو ثور وابن المنذر: يستحقه ولو كان المقتول منهزما وقال أحمد: لا يستحق إلا بالمبارزة قال الحافظ: واستدل به على أن السلب يستحقه القاتل من كل مقتول حتى ولو كان المقتول امرأة وبه قال أبو ثور وابن المنذر وقال الجمهور: شرطه أن يكون المقتول من المقاتلة.
٣ - وهل السلب لمن ادعى القتل وإن لم يقم البينة؟ .
قال الحافظ ابن حجر: واتفقوا (أي الشافعية) على أنه لا يقبل قول من ادعى السلب إلا ببينة تشهد له بأنه قتله والحجة فيه قوله في الحديث (في روايتنا الأولى) "له عليه بينة" فمفهومه أنه إذا لم تكن له بينة لا يقبل وسياق أبي قتادة يشهد لذلك. اهـ. قال النووي: وقال مالك والأوزاعي: يعطى بقوله بلا بينة قالا: لأن النبي ﷺ أعطاه السلب في هذا الحديث [روايتنا الأولى] بقول واحد
стр. 3842
ولم يحلفه قال الحافظ: وقع في مغازي الواقدي أن أوس بن خولى شهد لأبي قتادة وعلي تقدير أنه لا يصح فيحمل على أن النبي ﷺ علم أنه القاتل بطريق من الطرق وأبعد من قال من المالكية أن المراد بالبينة (في الحديث) هنا الذي أقر له أن السلب عنده فهو شاهد والشاهد الثاني وجود السلب فإنه بمنزلة الشاهد على أنه قتله ولذلك جعل لوثا في باب القسامة.
وقيل: إنما استحقه أبو قتادة بإقرار الذي هو بيده وهذا ضعيف لأن الإقرار إنما يفيد إذا كان المال منسوبا لمن هو بيده فيؤاخذ بإقراره والمال هنا منسوب لجميع الجيش ونقل ابن عطية عن أكثر الفقهاء أن البينة هنا شاهد واحد يكتفى به.
٤ - وهل السلب يخمس كالغنيمة؟ .
وفي تخميس السلب أربعة أقوال: لا يخمس مطلقا -يخمس مطلقا -يخمس إذا كان كثيرا- الإمام بالخيار.
فالجمهور على أن القاتل يستحق السلب كله دون تخميس قل السلب أو كثر وهو قول ضعيف للشافعي وبه قال أحمد وابن جرير وابن المنذر وآخرون وعن مكحول والثوري ومالك: يخمس مطلقا وقد حكي عن الشافعي أيضا وتمسكوا بعموم قوله تعالى ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه﴾ ولم يستثن شيئا واحتج الجمهور بقوله ﷺ "من قتل قتيلا فله سلبه" فإنه خصص ذلك العموم وتعقب بأنه ﷺ لم يقل "من قتل قتيلا فله سلبه" إلا يوم حنين قال مالك: لم يبلغني ذلك غير حنين وأجاب الشافعي وغيره بأن ذلك حفظ عن النبي ﷺ في عدة مواطن منها يوم بدر في حديث مقتل أبي جهل فقد أعطى سلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح ومنها حديث حاطب بن أبي بلتعة أنه قتل رجلا يوم أحد فسلم له رسول الله ﷺ سلبه أخرجه البيهقي ومنها حديث جابر أن عقيل بن أبي طالب قتل يوم مؤتة رجلا فنفله النبي ﷺ درعه ثم كان ذلك مقررا عند الصحابة كما في روايتنا الثالثة ومحاورة عوف بن مالك وخالد بن الوليد ومنها حديث أحمد عن عبد الله بن الزبير قال: "كانت صفية في حصن حسان بن ثابت يوم الخندق" فذكر الحديث في قصة قتلها اليهودي وقولها لحسان "انزل فاسلبه فقال: ما لي بسلبه حاجة".
وقال عمر بن الخطاب: يخمس إذا كثر وبه قال إسحق وابن راهويه.
وعن مالك رواية اختارها إسماعيل القاضي أن الإمام بالخيار إن شاء خمس وإلا فلا.
-[٥ - ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]-
١ - من الحديث الأول من قوله "كانت للمسلمين جولة" تحاشى الصحابة ذكر رسول الله ﷺ في الهزيمة قال النووي: الأحاديث الصحيحة المشهورة أن رسول الله ﷺ لم يول هو وطائفة معه في غزوة حنين وقد نقلوا إجماع المسلمين على أنه لا يجوز أن يقال: "انهزم النبي ﷺ ولم يرو أحد قط أنه انهزم بنفسه ﷺ في موطن من المواطن بل ثبتت الأحاديث الصحيحة بإقدامه وثباته ﷺ في جميع المواطن.
стр. 3843
٢ - استدل بقول أبي بكر "لاها الله" أن هذه اللفظة تكون يمينا قال الشافعية: إن نوى بها اليمين كانت يمينا وإلا فلا لأنها ليست متعارفة في الأيمان.
٣ - في قول أبي بكر "إذن لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله" إلخ فضيلة ظاهرة لأبي بكر في إفتائه بحضرة النبي ﷺ واستدلاله لذلك وتصديق النبي ﷺ في ذلك.
٤ - وفيه منقبة وفضيلة ظاهرة لأبي قتادة فإن أبا بكر سماه أسدا من أسد الله تعالى يقاتل عن الله ورسوله وصدقه النبي ﷺ بقوله "صدق".
٥ - ومن الرواية الثانية المبادرة إلى الخيرات والاستباق إلى الفضائل.
٦ - والغضب لله ورسوله ﷺ .
٧ - وينبغي أن لا يحتقر أحد فقد يكون بعض من يستصغر عن القيام بأمر أكبر مما في النفوس وأحق بذلك الأمر كما جرى لهذين الغلامين.
٨ - ومن الرواية الثالثة أن الأمير يجتهد وإن أخطأ.
٩ - وحماية الوالي من الانتقاص بدون وجه والاستهزاء به وإن أخطأ.
١٠ - وتعزير المخطئ وعقابه بالحرمان من الخير وقد يقال: إذا كان السلب حقا للقاتل فكيف منعه رسول الله ﷺ عنه؟ أجاب النووي: فقال: لعله أعطاه بعد ذلك للقاتل وإنما أخره تعزيرا له ولعوف بن مالك لكونهما أطلقا ألسنتهما في خالد ﵁ وانتهكا حرمة الوالي ومن ولاه.
الوجه الثاني: لعله استطاب قلب صاحب السلب فتركه صاحبه باختياره وجعله للمسلمين وكان المقصود بذلك استطابة قلب خالد للمصلحة في إكرام الأمراء. اهـ. والوجه الأول أحرى بالقبول ويمكن أن يستدل بهذا على أن الإمام مخير في السلب إن شاء أعطاه للقاتل وإن شاء جعله غنيمة.
١١ - وجواز القضاء في حالة الغضب ونفوذه وأن النهي في ذلك للتنزيه.
١٢ - ومن الرواية الرابعة من قوله "فاستقبلني رسول الله ﷺ والناس معه" استقبال السرايا.
١٣ - والثناء على من فعل جميلا.
١٤ - وقتل الجاسوس الكافر الحربي إذا دخل بغير أمان والظاهر أنه أوهم المسلمين أنه مؤمن له أمان فلما قضى حاجته انطلق مسرعا ففطن له أنه حربي دخل بغير أمان قال النووي: وهو كذلك بإجماع المسلمين وأما الجاسوس المعاهد والذمي فقال مالك والأوزاعي: يصير ناقضا للعهد فإن رأى استرقاقه أرقه ويجوز قتله وقال جماهير العلماء: لا ينتقض عهده بذلك قال الشافعية: إلا أن يكون قد شرط عليه انتقاض العهد بذلك.
стр. 3844
وأما الجاسوس المسلم فقال الشافعي والأوزاعي وأبو حنيفة وبعض المالكية وجماهير العلماء: يعزره الإمام بما يرى من ضرب وحبس ونحوهما ولا يجوز قتله وقال مالك: يجتهد فيه الإمام ولم يفسر الاجتهاد وقال القاضي عياض: قال كبار أصحابه: يقتل وقال: واختلفوا في تركه بالتوبة قال ابن الماجشون: إن عرف بذلك قتل وإلا عزر.
١٥ - وفيه استحباب مجانسة الكلام إذا لم يكن فيه تكلف ولا فوات مصلحة.
والله أعلم.
стр. 3845
(٤٧٨) باب التنفيل وفداء المسلمين بالأسارى
٤٠١٨ - عن إياس بن سلمة حدثني أبي قال: غزونا فزارة وعلينا أبو بكر أمره رسول الله ﷺ علينا. فلما كان بيننا وبين الماء ساعة أمرنا أبو بكر فعرسنا ثم شن الغارة فورد الماء فقتل من قتل عليه وسبى. وأنظر إلى عنق من الناس فيهم الذراري فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل فرميت بسهم بينهم وبين الجبل فلما رأوا السهم وقفوا فجئت بهم أسوقهم وفيهم امرأة من بني فزارة عليها قشع من أدم قال: القشع النطع معها ابنة لها من أحسن العرب فسقتهم حتى أتيت بهم أبا بكر فنفلني أبو بكر ابنتها فقدمنا المدينة وما كشفت لها ثوبا فلقيني رسول الله ﷺ في السوق فقال "يا سلمة هب لي المرأة" فقلت: يا رسول الله والله لقد أعجبتني وما كشفت لها ثوبا ثم لقيني رسول الله ﷺ من الغد في السوق فقال لي "يا سلمة هب لي المرأة لله أبوك" فقلت: هي لك يا رسول لله. فوالله ما كشفت لها ثوبا. فبعث بها رسول الله ﷺ إلى أهل مكة ففدى بها ناسا من المسلمين كانوا أسروا بمكة".
-[المعنى العام]-
يقول الله تعالى ﴿يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول﴾ بهذا فطم الله نفوس الجند المشرئبة إلى الغنائم وبهذا التنفيل الذي منحه الله لرسوله ومنحه رسول الله ﷺ لولاته وقادته تنافس المسلمون بعامة والمجاهدون في سبيل الله بخاصة في وجوه الخير والدفاع عن الإسلام ومواجهة أعداء الدعوة بحزم وشجاعة وقوة.
وإذا كان للإمام حق التنفيل والإكرام والمكافأة فمن حسن خلقه -إذا احتاج إلى ما وهب لمصلحة أكبر- أن يطلب من الموهوب له أن يهبه ﷺ ما حصل عليه ومن حق الموهوب له في مثل هذه الحالة أن يتمسك بما ملك وإن كان الأكرم له أن يبادر إلى إجابة رسول الله ﷺ عملا بقوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾ [الأنفال: ٢٤].
وقصة هذا الحديث تحكي هذا الموقف -سلمة بن الأكوع البطل الشجاع الفقير الذي لا يملك في الجهاد ما يحمله إلا ساقين مسرعتين تسبقان الإبل غزا مع أبي بكر الصديق ﵁ قبيلة فزارة
стр. 3846
وقبل الهجوم طلب قائد الجيش أبو بكر من جنده الاستراحة آخر الليل على بعد ساعة من ماء القوم فلما أشرق الصباح أمر بالهجوم على الأعداء فقتل منهم من قتل وسبى من سبى وهرب الباقون ورأى سلمة جماعة من الأعداء يحاولون في فرارهم اللجوء إلى شعاب الجبل فأرسل سهما بينهم وبين الجبل يوهمهم أن الجبل في سيطرة المسلمين فوقفوا رجالا ونساء وأطفالا. فقال لهم: استسلموا. من يرفع رأسه منكم فسأقطع رقبته فاستسلموا وساقهم سلمة إلى أبي بكر فكافأه أبو بكر بابنة جميلة من أشراف القوم زيادة على سهمه من الغنيمة وكان كثيرا ما يسهم له سهمان كالفارس الذي معه فرس لأنه في سرعته وشجاعته يعدل من معه فرس فلما قدموا المدينة وأخبر رسول الله ﷺ بما جرى طلب من سلمة أن يهبه الفتاة ليفدي بها أناسا من المسلمين أسروا لدى قريش بمكة فاعتذر سلمة بأنه أحبها ويصعب عليه التنازل عنها وكان من كريم خلقه ﷺ أن سكت ولم يرغمه بل لم يعنفه بل لم يلمه وانصرف عنه فلما قابله في اليوم الثاني قال له: يا سلمة هب لي المرأة لأفدي بها جماعة من أسرى المسلمين فهي عندك فتاة وسأعوضك خيرا منها لكنها عند قومها ذات قدر يفدي بها عدد من الرجال فوهبها له سلمة ففدى بها ناسا من المسلمين.
-[المباحث العربية]-
(عن إياس بن سلمة عن أبيه) سلمة بن الأكوع ﵁.
(غزونا فزارة) وهي من غطفان.
(فلما كان بيننا وبين الماء ساعة) قال النووي: هكذا رواه جمهور رواة صحيح مسلم وفي رواية بعضهم "بيننا وبين الماء ساعة" والصواب الأول اهـ. أي ذكر "فلما كان".
(أمرنا أبو بكر فعرسنا) التعريس النزول آخر الليل أي أمرنا بالتوقف عن المسير والاستراحة آخر الليل.
(ثم شن الغارة) أي فرقها وبدأها.
(وأنظر إلى عنق من الناس) أي إلى جماعة من الناس أي ورأيت جماعة من الرجال معهم النساء والأطفال وهم من الأعداء يريدون أن يدخلوا الجبل ليتفرقوا في شعابه ويحتموا به.
(فيهم الذراري) أي مع هؤلاء الرجال النساء والأطفال.
(فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل) فلا أقدر عليهم.
(فرميت بسهم بينهم وبين الجبل) فتوقفوا وظنوا أن الجبل عليه رماة من المسلمين فخافوا أن يتجهوا نحوه.
стр. 3847
(فلما رأوا السهم وقفوا) خائفين مستسلمين.
(فجئت بهم أسوقهم) أمامي أسرى.
(وفيهم امرأة من بني فزارة عليها قشع من أدم) "القشع" بفتح القاف وكسرها لغتان مشهورتان مع سكون الشين.
وفسره الراوي بالنطع وهو صحيح. اهـ. أي عليها كساء من جلد مدبوغ.
(فنفلني أبو بكر ابنتها) "فنفلني" بتشديد الفاء والتنفيل إعطاء نافلة زائدة على الحق الواجب.
(وما كشفت لها ثوبا) كناية عن عدم مواقعتها.
(فلقيني رسول الله ﷺ في السوق) أي في سوق المدينة.
(هب لي المرأة) التي نفلك أبو بكر إياها وهي ابنة الفزارية.
(فقلت: يا رسول الله ﷺ والله لقد أعجبتني) اعتذار عن عدم الإجابة إلى الهبة المطلوبة لكن بأدب.
-[فقه الحديث]-
الحديث ظاهر في جواز تنفيل الإمام أو القائد بعض الرعية أو أحد أفراد الجيش تشجيعا وإكراما له على جهد في الخير قال النووي: وقد يحتج به من يقول: التنفيل من أصل الغنيمة وقد يجيب عنه الآخرون بأنه حسب قيمتها ليعوض أهل الخمس عن حصتهم كما هو ظاهر فيما ترجم له من جواز فداء أسرى المسلمين.
وجواز التفريق بين الأم وولدها البالغ ولا خلاف في جوازه عن الشافعية.
وجواز استيهاب الإمام أهل جيشه بعض ما غنموه ليفادي به مسلما أو يصرفه في مصالح المسلمين أو يتألف به من في تألفه مصلحة كما فعل ﷺ هنا وفي غنائم حنين.
وجواز قول الإنسان للآخر: لله أبوك ولله درك.
ولهذا الحديث علاقة بباب الأنفال المذكور قبل باب.
والله أعلم.
стр. 3848
(٤٧٩) باب حكم الفيء
٤٠١٩ - عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها: وقال قال رسول الله ﷺ "أيما قرية أتيتموها وأقمتم فيها فسهمكم فيها. وأيما قرية عصت الله ورسوله فإن خمسها لله ولرسوله ثم هي لكم".
٤٠٢٠ - عن عمر ﵁ قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب فكانت للنبي ﷺ خاصة. فكان ينفق على أهله نفقة سنة وما بقي يجعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله.
٤٠٢١ - عن مالك بن أوس قال: أرسل إلي عمر بن الخطاب فجئته حين تعالى النهار قال: فوجدته في بيته جالسا على سرير مفضيا إلى رماله متكئا على وسادة من أدم فقال لي: يا مال إنه قد دف أهل أبيات من قومك وقد أمرت فيهم برضخ فخذه فاقسمه بينهم. قال: قلت: لو أمرت بهذا غيري قال: خذه يا مال. قال: فجاء يرفا فقال هل لك يا أمير المؤمنين في عثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد؟ فقال عمر: نعم فأذن لهم فدخلوا ثم جاء فقال: هل لك في عباس وعلي؟ قال: نعم فأذن لهما. فقال عباس يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن فقال القوم أجل يا أمير المؤمنين فاقض بينهم وأرحهم فقال مالك بن أوس: يخيل إلي أنهم قد كانوا قدموهم لذلك. فقال عمر اتئدا أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض أتعلمون أن رسول الله ﷺ قال "لا نورث ما تركنا صدقة"؟ قالوا: نعم ثم أقبل على العباس وعلي فقال: أنشدكما بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض أتعلمان أن رسول الله ﷺ قال "لا نورث ما تركناه صدقة"؟ قالا: نعم. فقال عمر: إن الله جل وعز كان خص رسوله ﷺ بخاصة لم يخصص بها أحدا غيره قال ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول﴾ [الحشر: ٧] (ما أدري هل قرأ الآية التي قبلها أم لا) قال: فقسم رسول الله ﷺ بينكم أموال
стр. 3849
بني النضير فوالله ما استأثر عليكم ولا أخذها دونكم حتى بقي هذا المال فكان رسول الله ﷺ يأخذ منه نفقة سنة ثم يجعل ما بقي أسوة المال. ثم قال: أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض أتعلمون ذلك؟ قالوا: نعم ثم نشد عباسا وعليا بمثل ما نشد به القوم أتعلمان ذلك؟ قالا: نعم.
قال: فلما توفي رسول الله ﷺ قال أبو بكر: أنا ولي رسول الله ﷺ فجئتما تطلب ميراثك من ابن أخيك ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها فقال أبو بكر: قال رسول الله ﷺ "ما نورث ما تركناه صدقة" فرأيتماه كاذبا آثما غادرا خائنا والله يعلم إنه لصادق بار راشد تابع للحق ثم توفي أبو بكر وأنا ولي رسول الله ﷺ وولي أبي بكر فرأيتماني كاذبا آثما غادرا خائنا والله يعلم إني لصادق بار راشد تابع للحق فوليتها. ثم جئتني أنت وهذا وأنتما جميع وأمر كما واحد فقلتما ادفعها إلينا. فقلت: إن شئتم دفعتها إليكما على أن عليكما عهد الله أن تعملا فيها بالذي كان يعمل رسول الله ﷺ فأخذتماها بذلك. قال أكذلك؟ قالا: نعم. قال: ثم جئتماني لأقضي بينكما ولا والله لا أقضي بينكما بغير ذلك حتى تقوم الساعة فإن عجزتما عنها فرداها إلي.
٤٠٢٢ - عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: أرسل إلي عمر بن الخطاب فقال: إنه قد حضر أهل أبيات من قومك بنحو حديث مالك غير أن فيه فكان ينفق على أهله منه سنة وربما قال معمر: يحبس قوت أهله منه سنة ثم يجعل ما بقي منه مجعل مال الله .
٤٠٢٣ - عن عائشة ﵂ أنها قالت: إن أزواج النبي ﷺ حين توفي رسول الله ﷺ أردن أن يبعثن عثمان بن عفان إلى أبي بكر فيسألنه ميراثهن من النبي ﷺ قالت عائشة لهن: أليس قد قال رسول الله ﷺ "لا نورث ما تركنا فهو صدقة"؟ .
٤٠٢٤ - عن عائشة ﵂ أنها أخبرته أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ أرسلت إلى أبي بكر الصديق تسأله ميراثها من رسول الله ﷺ مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر فقال أبو بكر: إن رسول الله ﷺ قال "لا نورث ما تركنا صدقة إنما يأكل آل محمد ﷺ في هذا المال" وإني والله لا أغير شيئا من صدقة رسول
стр. 3850
الله ﷺ عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله ﷺ ولأعملن فيها بما عمل به رسول الله ﷺ . فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة شيئا فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك قال: فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت. وعاشت بعد رسول الله ﷺ ستة. أشهر فلما توفيت دفنها زوجها علي بن أبي طالب ليلا ولم يؤذن بها أبا بكر. وصلى عليها علي وكان لعلي من الناس وجهة حياة فاطمة فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته ولم يكن بايع تلك الأشهر فأرسل إلى أبي بكر أن ائتنا ولا يأتنا معك أحد كراهية محضر عمر بن الخطاب فقال عمر لأبي بكر والله لا تدخل عليهم وحدك فقال أبو بكر وما عساهم أن يفعلوا بي إني والله لآتينهم فدخل عليهم أبو بكر. فتشهد علي بن أبي طالب ثم قال: إنا قد عرفنا يا أبا بكر فضيلتك وما أعطاك الله ولم ننفس عليك خيرا ساقه الله إليك ولكنك استبددت علينا بالأمر وكنا نحن نرى لنا حقا لقرابتنا من رسول الله ﷺ فلم يزل يكلم أبا بكر. حتى فاضت عينا أبي بكر فلما تكلم أبو بكر قال: والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلي أن أصل من قرابتي. وأما الذي شجر بيني وبينكم من هذه الأموال فإني لم آل فيها عن الحق ولم أترك أمرا رأيت رسول الله ﷺ يصنعه فيها إلا صنعته. فقال علي لأبي بكر: موعدك العشية للبيعة.
فلما صلى أبو بكر صلاة الظهر رقي على المنبر فتشهد وذكر شأن علي وتخلفه عن البيعة وعذره بالذي اعتذر إليه. ثم استغفر وتشهد علي بن أبي طالب فعظم حق أبي بكر وأنه لم يحمله على الذي صنع نفاسة على أبي بكر ولا إنكارا للذي فضله الله به ولكنا كنا نرى لنا في الأمر نصيبا فاستبد علينا به فوجدنا في أنفسنا. فسر بذلك المسلمون وقالوا: أصبت. فكان المسلمون إلى علي قريبا حين راجع الأمر المعروف.
٤٠٢٥ - عن عائشة ﵂ أن فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله ﷺ وهما حينئذ يطلبان أرضه من فدك وسهمه من خيبر فقال لهما أبو بكر: إني سمعت رسول الله ﷺ وساق الحديث بمثل معنى حديث عقيل عن الزهري غير أنه قال: ثم قام علي فعظم من حق أبي بكر وذكر فضيلته وسابقته. ثم مضى إلى أبي بكر فبايعه فأقبل الناس إلى علي: فقالوا أصبت وأحسنت فكان الناس قريبا إلى علي حين قارب الأمر المعروف.
стр. 3851
٤٠٢٦ - عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ سألت أبا بكر بعد وفاة رسول الله ﷺ : أن يقسم لها ميراثها مما ترك رسول الله ﷺ مما أفاء الله عليه. فقال لها أبو بكر: إن رسول الله ﷺ قال "لا نورث ما تركنا صدقة" قال: وعاشت بعد رسول الله ﷺ ستة أشهر. وكانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول الله ﷺ من خيبر وفدك وصدقته بالمدينة. فأبى أبو بكر عليها ذلك. وقال: لست تاركا شيئا كان رسول الله ﷺ يعمل به إلا عملت به إني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى علي وعباس فغلبه عليها علي. وأما خيبر وفدك فأمسكهما عمر. وقال: هما صدقة رسول الله ﷺ كانتا لحقوقه التي تعروه ونوائبه وأمرهما إلى من ولي الأمر. قال: فهما على ذلك إلى اليوم.
٤٠٢٧ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "لا يقتسم ورثتي دينارا. ما تركت بعد نفقة نسائي ومئونة عاملي فهو صدقة".
٤٠٢٨ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "لا نورث ما تركنا صدقة".
-[المعنى العام]-
أحل الله الغنيمة وأموال الكفار والمحاربين لرسوله ﷺ وللمسلمين وإذا كانوا قد استباحوا دماء المسلمين واستباح المسلمون دماءهم في ميادين القتال فأموالهم ليست أعز من دمائهم وكانت الحروب في ديانات سابقة مشروعة والغنائم مشروعة لكنها لم تكن يملكها المجاهدون أما في الإسلام فقد أخذت صورا وأشكالا فما استولى عليه المجاهد المسلم من ملابس كافر وسلاحه وفرسه وما معه في مقاتلة بينه وبينه قبل المعركة هو للمجاهد الذي قتل الكافر ويسمى بالسلب وما استولى عليه جيش المسلمين من أموال الكفار نتيجة لقتال يقسم خمسة أقسام: أربعة منها للمجاهدين والخمس يصرفه الحاكم في مصالح المسلمين وما تم الاستيلاء عليه من أموال الكافرين ينفق منه على أهله ويصرف الباقي في مصالح المسلمين ومن هذا النوع الأخير كانت أموال بني النضير إذ اصطلحوا قبل القتال على أن يجلوا عن قريتهم ونخيلهم على أن يحملوا ما تستطيعه إبلهم عدا السلاح وكذلك أهل فدك من اليهود ونخيل وهبت لرسول الله ﷺ بالمدينة كل ذلك حازه رسول
стр. 3852
الله ﷺ وكان ينفق منه على أهله وعلى المحتاجين من المهاجرين وعلى الفقراء والمساكين واليتامى وابن السبيل وتوفى رسول الله ﷺ وترك أعيان هذه الأموال.
فظنت فاطمة وزوجها علي والعباس ونساء النبي ﷺ ﵅ أن رقاب وأعيان هذه الأراضي وهذه النخيل كانت ملكا لرسول الله ﷺ يورث لفاطمة النصف ولنساء النبي ﷺ الثمن وللعباس عمه الباقي فطلبوا من أبي بكر أن يسلمهم ميراثهم فقال لهم: سمعت رسول الله ﷺ يقول "لا نورث ما تركناه صدقة" وقال لهم: لكم عندي أن أنفق عليكم من هذه الممتلكات كما كان رسول الله ﷺ يفعل ولكن الأعيان وما زاد عن نفقاتكم ملك للدولة يصرفها الحاكم في الوجوه التي كان رسول الله ﷺ يصرفها فيها وغضب بعضهم من أبي بكر وقيل بعضهم حكم الله وبعد عامين استخلف عمر ﵁ فذهب إليه العباس وعلي يستطلعان رأيه فيما ترك رسول الله ﷺ فوجدا رأيه من رأي أبي بكر فطلبا منه أن يتوليا إدارة أرض بني النضير ونخيلهم وكلاء عن الخليفة على أن يصرفوها في الوجوه التي كان يصرفها فيها رسول الله ﷺ وأبو بكر فسلمها لهم دون قسمة فاختلفا وتنازعا وغلب علي عمه عليها فذهبا إلى عمر مرة أخرى يختصمان فأنبهما وهددهما باستيلائه عليها وانتزاعها منهما إن لم يتفقا على إدارتها وإن عجزا على أن يصلحا ما بينهما فقاما من عنده وتركا الخصومة وتنازل العباس لعلي ﵃ أجمعين.
-[المباحث العربية]-
(الفيء) الغنمية تنال بلا قتال يقال: فاء فيئا رجع وأفاء عليه الخير جلبه له وأفاء عليه المال جعله فيئا له دون مقابل.
(أيما قرية أتيتموها وأقمتم فيها فسهمكم فيها) "أيما" هي "أي" زيدت عليها "ما".
(وأيما قرية عصت الله ورسوله فإن خمسها لله ولرسوله ثم هي لكم) قال القاضي: يحتمل أن يكون المراد بالقرية الأولى الفيء الذي لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب بل جلا عنه أهله أو صالحوا عليه فيكون سهمهم فيها أي حقهم من العطايا كما يصرف الفيء ويكون المراد بالقرية الثانية ما أخذ عنوة فيكون غنيمة ويخرج منه الخمس وباقيه للغانمين وهو معنى قوله: "ثم هي لكم" أي باقيها.
(كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب) الإيجاف الإسراع ولم يختلف العلماء في أن أموال بني النضير كانت خاصة برسول الله ﷺ وأن المسلمين لم يوجفوا عليهم بخيل ولا ركاب وأنه لم يقع بينهم قتال أصلا.
وكان طوائف اليهود الثلاث قريظة والنضير وقينقاع قد وادعهم النبي ﷺ على أن لا يحاربوه ولا يمالئوا عليه عدوه فكان أول من نقض العهد من اليهود بنو قينقاع فحاربهم ﷺ في
стр. 3853
شوال بعد وقعة بدر فنزلوا على حكمه وأراد قتلهم فاستوهبهم منه عبد الله بن أبي وكانوا حلفاءه فوهبهم له وأخرجهم من المدينة إلى أذرعات ثم نقض العهد بنو النضير ثم نقضت قريظة.
وكانت غزوة بني النضير على رأس ستة أشهر بعد وقعة بدر وكانت منازلهم ونخلهم بناحية المدينة فحاصرهم رسول الله ﷺ حتى نزلوا على الجلاء وعلى أن لهم ما حملت الإبل من الأمتعة والأموال إلا السلاح فاحتملوا حتى أبواب بيوتهم فكانوا يخربون بيوتهم بأيديهم فيهدمونها ويحملون ما يوافقهم من خشبها وكان جلاؤهم إلى الشام وكان النبي ﷺ قبل بني النضير يجعل له الرجل من صحابته نخلات يأكل منها فلما جعل الله له مال بني النضير كان يرد عليهم ما كانوا أعطوه بل روي أنه ﷺ قال للأنصار لما فتح النضير: إن أحببتم قسمت بينكم ما أفاء الله علي وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في منازلكم وأموالكم وإن أحببتم أعطيتهم وخرجوا عنكم فاختاروا الثاني فكان يعطي من الفيء للمهاجرين المحتاجين.
(فكانت للنبي ﷺ خاصة) قال النووي: هذا يؤيد مذهب الجمهور أنه لا خمس في الفيء. اهـ. وسيأتي الكلام على ذلك في فقه الحديث.
(فكان ينفق على أهله نفقة سنة) أي يعزل لهم نفقة سنة ولكنه كان يضيق التقدير فتنفد قبل انقضاء السنة لصرف كثير منها في وجوه الخير ولهذا توفى ﷺ ودرعه مرهونة على شعير استدانه لأهله ولم يشبع ثلاثة أيام تباعا.
(وما بقي يجعله في الكراع والسلاح) الكراع بضم الكاف الخيل والكراع من الإنسان ما دون الركبة إلى الكعب ومن البقر والغنم مستدق الساق العاري من اللحم.
(مالك بن أوس) بن الحدثان بفتح الحاء والدال قال الحافظ ابن حجر: أبوه صحابي وأما هو فقد ذكر في الصحابة وقال ابن أبي حاتم وغيره: لا تصح له صحبه. قال الحافظ: لعله لم يدخل المدينة إلا بعد موت النبي ﷺ فدخل أبوه وصحب وتأخر هو مع إمكان ذلك.
(قال: أرسل إلى عمر بن الخطاب) في رواية البخاري "بينما أنا جالس في أهلي حين متع النهار" بفتح الميم والتاء أي علا وامتد وقيل: هو ما قبل الزوال وهذا معنى قوله في روايتنا: فجئته حين تعالى النهار-"إذا رسول عمر بن الخطاب يأتيني فقال: أجب أمير المؤمنين فانطلقت معه حتى أدخل على عمر" أي حتى دخلت على عمر ففيه التعبير عن الماضي بالمضارع استحضارا للصورة.
(فوجدته في بيته جالسا على سرير مفضيا إلى رماله) بضم الراء وكسرها والكسر أكثر وهو ما ينسج من سعف النخيل والرمال كل ما نسج وكان السرير قوائمه من الجريد وحصيره من الخوص والقصد من قوله "مفضيا إلى رماله" الإفادة بأنه لم يكن تحته فراش والعادة على أن يكون على السرير فراش ففي رواية البخاري "على رمال سرير ليس بينه وبينه فراش".
стр. 3854
(متكئا على وسادة من أدم) بفتح الألف والدال والأديم الجلد المدبوغ والأدمة بفتح الهمزة والدال باطن الجلد وفي رواية البخاري "فسلمت عليه ثم جلست"
(فقال لي: يا مال) أي يا مالك منادى حذف منه آخره ترخيما ويجوز في اللام الكسر على الأصل على لغة من ينتظر والضم على لغة من لا ينتظر أي على أنه صار اسما مستقلا فيعرب إعراب المنادى المفرد يبنى على الضم في محل نصب.
(إنه قد دف أهل أبيات من قومك) الدف المشي بسرعة كأنهم جاءوا مسرعين للضر الذي نزل بهم وقيل: معناه السير اليسير أي ورد جماعة من قومك شيئا بعد شيء يسيرون قليلا قليلا وفي رواية البخاري "إنه قدم علينا من قومك أهل أبيات" وكأنهم قد أصابهم جدب في بلادهم فانتجعوا إلى المدينة.
(وقد أمرت فيهم برضخ) بفتح الراء وسكون الضاد وهو العطية غير الكثيرة وغير المقدرة.
(قلت: لو أمرت بهذا غيري) "لو" للتمني أي أتمنى أن تأمر بهذا غيري ويحتمل أنها شرطية محذوفة الجواب أي لكان خيرا. قال ذلك تحرجا من قبول أمانة قد يخطئ فيها.
(قال: خذه يا مال) الظاهر أنه أخذه لعزم عمر عليه ثاني مرة وفي رواية البخاري "فاقبضه أيها المرء".
(قال: فجاء يرفا) بفتح الياء وإسكان الراء بعدها فاء ثم ألف غير مهموز هكذا ذكره الجمهور ومنهم من همزه وهو حاجب عمر بن الخطاب ففي رواية البخاري "قال: فبينما أنا جالس عنده أتاه حاجبه يرفا" وكان يرفا هذا من موالي عمر أدرك الجاهلية ولا تعرف له صحبة يقال: إنه عاش إلى خلافة معاوية.
(هل لك في عثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد؟ ) زاد في رواية "وطلحة" ونقص في رواية "عثمان بن عفان" والمراد هل تريد دخولهم فآذن لهم؟
(ثم جاء) يرفا مرة أخرى يستأذن عمر.
(فقال: هل لك في عباس وعلي) وفي رواية البخاري "هل لك في علي وعباس"؟ زاد في رواية "يستأذنان"؟
(فقال عباس: يا أمير المؤمنين. اقض بيني وبين هذا ... ) المشار إليه علي بن أبي طالب ﵁.
قال النووي: قال جماعة من العلماء: معناه هذا الكاذب إن لم ينصف -أي إن لم ينصفني من نفسه فهو كاذب فليس في ذلك اتهام ولا وصف بالكذب وغيره من الصفات المذكورة. وقال القاضي
стр. 3855
عياض: قال المازري: هذا اللفظ الذي وقع لا يليق ظاهره بالعباس -أي لا يليق أن يصدر من العباس وحاشا لعلي أن يكون فيه بعض هذه الأوصاف فضلا عن كلها لسنا نقطع بالعصمة إلا للنبي ﷺ ولمن شهد له بها ولكنا مأمورون بحسن الظن بالصحابة ﵃ أجمعين ونفي كل رذيلة عنهم وإذا انسدت طرق تأويلها نسبنا الكذب إلى رواتها (الأولى أن نقول: نسبنا الخطأ إلى رواتها) وقد حمل هذا المعنى بعض الناس على أن أزال هذا اللفظ من نسخته تورعا عن إثبات مثل هذا [من الذين لم يذكروا هذا اللفظ الإمام البخاري] ولعله حمل الوهم على رواته.
قال المازري: وإذا كان هذا اللفظ لا بد من إثباته ولم نضف الوهم إلى رواته فأجود ما حمل عليه أنه صدر من العباس على جهة الإدلال على ابن أخيه لأنه بمنزلة ابنه وقال مالا يعتقده وما يعلم براءة ذمة ابن أخيه منه ولعله قصد بذلك ردعه عما يعتقد أنه مخطئ فيه وأن هذه الأوصاف يتصف بها لو كان يفعل عن قصد وأن عليا كان لا يراها إلا موجبة لذلك في اعتقاده وهذا كما يقول المالكي: شارب النبيذ ناقص الدين والحنفي يعتقد أنه ليس بناقص فكل واحد محق في اعتقاده ولا بد من هذا التأويل لأن هذه القضية جرت في مجلس عمر ﵁ وهو الخليفة وعثمان وسعد والزبير وعبد الرحمن ﵃ ولم ينكر أحد منهم هذا الكلام مع تشددهم في إنكار المنكر وما ذلك إلا لأنهم فهموا بقرينة الحال أنه تكلم بما لا يعتقد ظاهره مبالغة في الزجر قال المازري: وكذلك قول عمر ﵁: إنكما جئتما أبا بكر فرأيتماه كاذبا آثما غادرا خائنا وكذلك ذكر عن نفسه أنهما رأياه كذلك وتأويل هذا نحو ما سبق وهو أن المراد أنكما تعتقدان أن الواجب أن يفعل في هذه القضية خلاف ما فعلته أنا وأبو بكر فنحن على مقتضى رأيكما لو أتينا ما أتينا ونحن معتقدان ما تعتقدانه لكنا بهذه الأوصاف أو يكون معناه أن الإمام إنما يخالف إذا كان على هذه الأوصاف ويتهم في قضاياه فكأن مخالفتكما لنا تشعر من رآها أنكم تعتقدان ذلك فينا. والله أعلم. اهـ.
وهذا الذي ذكره المازري حسن بالنسبة لقول عمر ﵁ ومقبول فاختلاف وجهتي نظر بالنسبة لفهم حديث لا بأس به لكن الأمر يختلف في وصف أحد الخصمين الآخر بهذه الأوصاف في قضية يعرفها الرأي العام ويعرف الحق فيها من الباطل فالمسألة ليست عندية وإنما هناك حقيقة أرض أو ثمرتها واتفق على أن يتصرف فيها بأسلوب معين فقد روي عن عائشة قالت: كانت هذه الصدقة بيد علي منعها عباسا فغلبه عليها ثم كانت بيد الحسن ثم بيد الحسين ثم بيد علي بن الحسين والحسن بن الحسن ثم بيد زيد بن الحسن ثم بيد عبد الله بن الحسن حتى ولي العباسيون فقبضوها وزاد بعضهم أن إعراض العباس عنها كان في خلافة عثمان قال عمر بن شبة: سمعت أبا غسان يقول: إن الصدقة المذكورة اليوم بيد الخليفة يولي عليها من قبله من يقبضها ويفرقها في أهل الحاجة من أهل المدينة قال الحافظ ابن حجر: كان ذلك على رأس المائتين ثم تغيرت الأمور. اهـ.
وفي السنن لأبي داود "أرادا أن عمر يقسمها لينفرد كل منهما بنظر ما يتولاه فامتنع عمر من ذلك وروي أنه قال لهما: "فأصلحا أمركما وإلا لم يرجع -والله- إليكما فقاما وتركا الخصومة".
(فقال القوم: أجل يا أمير المؤمنين. فاقض بينهم وأرحهم) في
следующие страницы →