Полный текст (6 200 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.
стр. 3851
٤٠٢٦ - عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ سألت أبا بكر بعد وفاة رسول الله ﷺ : أن يقسم لها ميراثها مما ترك رسول الله ﷺ مما أفاء الله عليه. فقال لها أبو بكر: إن رسول الله ﷺ قال "لا نورث ما تركنا صدقة" قال: وعاشت بعد رسول الله ﷺ ستة أشهر. وكانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول الله ﷺ من خيبر وفدك وصدقته بالمدينة. فأبى أبو بكر عليها ذلك. وقال: لست تاركا شيئا كان رسول الله ﷺ يعمل به إلا عملت به إني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى علي وعباس فغلبه عليها علي. وأما خيبر وفدك فأمسكهما عمر. وقال: هما صدقة رسول الله ﷺ كانتا لحقوقه التي تعروه ونوائبه وأمرهما إلى من ولي الأمر. قال: فهما على ذلك إلى اليوم.
٤٠٢٧ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "لا يقتسم ورثتي دينارا. ما تركت بعد نفقة نسائي ومئونة عاملي فهو صدقة".
٤٠٢٨ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "لا نورث ما تركنا صدقة".
-[المعنى العام]-
أحل الله الغنيمة وأموال الكفار والمحاربين لرسوله ﷺ وللمسلمين وإذا كانوا قد استباحوا دماء المسلمين واستباح المسلمون دماءهم في ميادين القتال فأموالهم ليست أعز من دمائهم وكانت الحروب في ديانات سابقة مشروعة والغنائم مشروعة لكنها لم تكن يملكها المجاهدون أما في الإسلام فقد أخذت صورا وأشكالا فما استولى عليه المجاهد المسلم من ملابس كافر وسلاحه وفرسه وما معه في مقاتلة بينه وبينه قبل المعركة هو للمجاهد الذي قتل الكافر ويسمى بالسلب وما استولى عليه جيش المسلمين من أموال الكفار نتيجة لقتال يقسم خمسة أقسام: أربعة منها للمجاهدين والخمس يصرفه الحاكم في مصالح المسلمين وما تم الاستيلاء عليه من أموال الكافرين ينفق منه على أهله ويصرف الباقي في مصالح المسلمين ومن هذا النوع الأخير كانت أموال بني النضير إذ اصطلحوا قبل القتال على أن يجلوا عن قريتهم ونخيلهم على أن يحملوا ما تستطيعه إبلهم عدا السلاح وكذلك أهل فدك من اليهود ونخيل وهبت لرسول الله ﷺ بالمدينة كل ذلك حازه رسول
стр. 3852
الله ﷺ وكان ينفق منه على أهله وعلى المحتاجين من المهاجرين وعلى الفقراء والمساكين واليتامى وابن السبيل وتوفى رسول الله ﷺ وترك أعيان هذه الأموال.
فظنت فاطمة وزوجها علي والعباس ونساء النبي ﷺ ﵅ أن رقاب وأعيان هذه الأراضي وهذه النخيل كانت ملكا لرسول الله ﷺ يورث لفاطمة النصف ولنساء النبي ﷺ الثمن وللعباس عمه الباقي فطلبوا من أبي بكر أن يسلمهم ميراثهم فقال لهم: سمعت رسول الله ﷺ يقول "لا نورث ما تركناه صدقة" وقال لهم: لكم عندي أن أنفق عليكم من هذه الممتلكات كما كان رسول الله ﷺ يفعل ولكن الأعيان وما زاد عن نفقاتكم ملك للدولة يصرفها الحاكم في الوجوه التي كان رسول الله ﷺ يصرفها فيها وغضب بعضهم من أبي بكر وقيل بعضهم حكم الله وبعد عامين استخلف عمر ﵁ فذهب إليه العباس وعلي يستطلعان رأيه فيما ترك رسول الله ﷺ فوجدا رأيه من رأي أبي بكر فطلبا منه أن يتوليا إدارة أرض بني النضير ونخيلهم وكلاء عن الخليفة على أن يصرفوها في الوجوه التي كان يصرفها فيها رسول الله ﷺ وأبو بكر فسلمها لهم دون قسمة فاختلفا وتنازعا وغلب علي عمه عليها فذهبا إلى عمر مرة أخرى يختصمان فأنبهما وهددهما باستيلائه عليها وانتزاعها منهما إن لم يتفقا على إدارتها وإن عجزا على أن يصلحا ما بينهما فقاما من عنده وتركا الخصومة وتنازل العباس لعلي ﵃ أجمعين.
-[المباحث العربية]-
(الفيء) الغنمية تنال بلا قتال يقال: فاء فيئا رجع وأفاء عليه الخير جلبه له وأفاء عليه المال جعله فيئا له دون مقابل.
(أيما قرية أتيتموها وأقمتم فيها فسهمكم فيها) "أيما" هي "أي" زيدت عليها "ما".
(وأيما قرية عصت الله ورسوله فإن خمسها لله ولرسوله ثم هي لكم) قال القاضي: يحتمل أن يكون المراد بالقرية الأولى الفيء الذي لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب بل جلا عنه أهله أو صالحوا عليه فيكون سهمهم فيها أي حقهم من العطايا كما يصرف الفيء ويكون المراد بالقرية الثانية ما أخذ عنوة فيكون غنيمة ويخرج منه الخمس وباقيه للغانمين وهو معنى قوله: "ثم هي لكم" أي باقيها.
(كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب) الإيجاف الإسراع ولم يختلف العلماء في أن أموال بني النضير كانت خاصة برسول الله ﷺ وأن المسلمين لم يوجفوا عليهم بخيل ولا ركاب وأنه لم يقع بينهم قتال أصلا.
وكان طوائف اليهود الثلاث قريظة والنضير وقينقاع قد وادعهم النبي ﷺ على أن لا يحاربوه ولا يمالئوا عليه عدوه فكان أول من نقض العهد من اليهود بنو قينقاع فحاربهم ﷺ في
стр. 3853
شوال بعد وقعة بدر فنزلوا على حكمه وأراد قتلهم فاستوهبهم منه عبد الله بن أبي وكانوا حلفاءه فوهبهم له وأخرجهم من المدينة إلى أذرعات ثم نقض العهد بنو النضير ثم نقضت قريظة.
وكانت غزوة بني النضير على رأس ستة أشهر بعد وقعة بدر وكانت منازلهم ونخلهم بناحية المدينة فحاصرهم رسول الله ﷺ حتى نزلوا على الجلاء وعلى أن لهم ما حملت الإبل من الأمتعة والأموال إلا السلاح فاحتملوا حتى أبواب بيوتهم فكانوا يخربون بيوتهم بأيديهم فيهدمونها ويحملون ما يوافقهم من خشبها وكان جلاؤهم إلى الشام وكان النبي ﷺ قبل بني النضير يجعل له الرجل من صحابته نخلات يأكل منها فلما جعل الله له مال بني النضير كان يرد عليهم ما كانوا أعطوه بل روي أنه ﷺ قال للأنصار لما فتح النضير: إن أحببتم قسمت بينكم ما أفاء الله علي وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في منازلكم وأموالكم وإن أحببتم أعطيتهم وخرجوا عنكم فاختاروا الثاني فكان يعطي من الفيء للمهاجرين المحتاجين.
(فكانت للنبي ﷺ خاصة) قال النووي: هذا يؤيد مذهب الجمهور أنه لا خمس في الفيء. اهـ. وسيأتي الكلام على ذلك في فقه الحديث.
(فكان ينفق على أهله نفقة سنة) أي يعزل لهم نفقة سنة ولكنه كان يضيق التقدير فتنفد قبل انقضاء السنة لصرف كثير منها في وجوه الخير ولهذا توفى ﷺ ودرعه مرهونة على شعير استدانه لأهله ولم يشبع ثلاثة أيام تباعا.
(وما بقي يجعله في الكراع والسلاح) الكراع بضم الكاف الخيل والكراع من الإنسان ما دون الركبة إلى الكعب ومن البقر والغنم مستدق الساق العاري من اللحم.
(مالك بن أوس) بن الحدثان بفتح الحاء والدال قال الحافظ ابن حجر: أبوه صحابي وأما هو فقد ذكر في الصحابة وقال ابن أبي حاتم وغيره: لا تصح له صحبه. قال الحافظ: لعله لم يدخل المدينة إلا بعد موت النبي ﷺ فدخل أبوه وصحب وتأخر هو مع إمكان ذلك.
(قال: أرسل إلى عمر بن الخطاب) في رواية البخاري "بينما أنا جالس في أهلي حين متع النهار" بفتح الميم والتاء أي علا وامتد وقيل: هو ما قبل الزوال وهذا معنى قوله في روايتنا: فجئته حين تعالى النهار-"إذا رسول عمر بن الخطاب يأتيني فقال: أجب أمير المؤمنين فانطلقت معه حتى أدخل على عمر" أي حتى دخلت على عمر ففيه التعبير عن الماضي بالمضارع استحضارا للصورة.
(فوجدته في بيته جالسا على سرير مفضيا إلى رماله) بضم الراء وكسرها والكسر أكثر وهو ما ينسج من سعف النخيل والرمال كل ما نسج وكان السرير قوائمه من الجريد وحصيره من الخوص والقصد من قوله "مفضيا إلى رماله" الإفادة بأنه لم يكن تحته فراش والعادة على أن يكون على السرير فراش ففي رواية البخاري "على رمال سرير ليس بينه وبينه فراش".
стр. 3854
(متكئا على وسادة من أدم) بفتح الألف والدال والأديم الجلد المدبوغ والأدمة بفتح الهمزة والدال باطن الجلد وفي رواية البخاري "فسلمت عليه ثم جلست"
(فقال لي: يا مال) أي يا مالك منادى حذف منه آخره ترخيما ويجوز في اللام الكسر على الأصل على لغة من ينتظر والضم على لغة من لا ينتظر أي على أنه صار اسما مستقلا فيعرب إعراب المنادى المفرد يبنى على الضم في محل نصب.
(إنه قد دف أهل أبيات من قومك) الدف المشي بسرعة كأنهم جاءوا مسرعين للضر الذي نزل بهم وقيل: معناه السير اليسير أي ورد جماعة من قومك شيئا بعد شيء يسيرون قليلا قليلا وفي رواية البخاري "إنه قدم علينا من قومك أهل أبيات" وكأنهم قد أصابهم جدب في بلادهم فانتجعوا إلى المدينة.
(وقد أمرت فيهم برضخ) بفتح الراء وسكون الضاد وهو العطية غير الكثيرة وغير المقدرة.
(قلت: لو أمرت بهذا غيري) "لو" للتمني أي أتمنى أن تأمر بهذا غيري ويحتمل أنها شرطية محذوفة الجواب أي لكان خيرا. قال ذلك تحرجا من قبول أمانة قد يخطئ فيها.
(قال: خذه يا مال) الظاهر أنه أخذه لعزم عمر عليه ثاني مرة وفي رواية البخاري "فاقبضه أيها المرء".
(قال: فجاء يرفا) بفتح الياء وإسكان الراء بعدها فاء ثم ألف غير مهموز هكذا ذكره الجمهور ومنهم من همزه وهو حاجب عمر بن الخطاب ففي رواية البخاري "قال: فبينما أنا جالس عنده أتاه حاجبه يرفا" وكان يرفا هذا من موالي عمر أدرك الجاهلية ولا تعرف له صحبة يقال: إنه عاش إلى خلافة معاوية.
(هل لك في عثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد؟ ) زاد في رواية "وطلحة" ونقص في رواية "عثمان بن عفان" والمراد هل تريد دخولهم فآذن لهم؟
(ثم جاء) يرفا مرة أخرى يستأذن عمر.
(فقال: هل لك في عباس وعلي) وفي رواية البخاري "هل لك في علي وعباس"؟ زاد في رواية "يستأذنان"؟
(فقال عباس: يا أمير المؤمنين. اقض بيني وبين هذا ... ) المشار إليه علي بن أبي طالب ﵁.
قال النووي: قال جماعة من العلماء: معناه هذا الكاذب إن لم ينصف -أي إن لم ينصفني من نفسه فهو كاذب فليس في ذلك اتهام ولا وصف بالكذب وغيره من الصفات المذكورة. وقال القاضي
стр. 3855
عياض: قال المازري: هذا اللفظ الذي وقع لا يليق ظاهره بالعباس -أي لا يليق أن يصدر من العباس وحاشا لعلي أن يكون فيه بعض هذه الأوصاف فضلا عن كلها لسنا نقطع بالعصمة إلا للنبي ﷺ ولمن شهد له بها ولكنا مأمورون بحسن الظن بالصحابة ﵃ أجمعين ونفي كل رذيلة عنهم وإذا انسدت طرق تأويلها نسبنا الكذب إلى رواتها (الأولى أن نقول: نسبنا الخطأ إلى رواتها) وقد حمل هذا المعنى بعض الناس على أن أزال هذا اللفظ من نسخته تورعا عن إثبات مثل هذا [من الذين لم يذكروا هذا اللفظ الإمام البخاري] ولعله حمل الوهم على رواته.
قال المازري: وإذا كان هذا اللفظ لا بد من إثباته ولم نضف الوهم إلى رواته فأجود ما حمل عليه أنه صدر من العباس على جهة الإدلال على ابن أخيه لأنه بمنزلة ابنه وقال مالا يعتقده وما يعلم براءة ذمة ابن أخيه منه ولعله قصد بذلك ردعه عما يعتقد أنه مخطئ فيه وأن هذه الأوصاف يتصف بها لو كان يفعل عن قصد وأن عليا كان لا يراها إلا موجبة لذلك في اعتقاده وهذا كما يقول المالكي: شارب النبيذ ناقص الدين والحنفي يعتقد أنه ليس بناقص فكل واحد محق في اعتقاده ولا بد من هذا التأويل لأن هذه القضية جرت في مجلس عمر ﵁ وهو الخليفة وعثمان وسعد والزبير وعبد الرحمن ﵃ ولم ينكر أحد منهم هذا الكلام مع تشددهم في إنكار المنكر وما ذلك إلا لأنهم فهموا بقرينة الحال أنه تكلم بما لا يعتقد ظاهره مبالغة في الزجر قال المازري: وكذلك قول عمر ﵁: إنكما جئتما أبا بكر فرأيتماه كاذبا آثما غادرا خائنا وكذلك ذكر عن نفسه أنهما رأياه كذلك وتأويل هذا نحو ما سبق وهو أن المراد أنكما تعتقدان أن الواجب أن يفعل في هذه القضية خلاف ما فعلته أنا وأبو بكر فنحن على مقتضى رأيكما لو أتينا ما أتينا ونحن معتقدان ما تعتقدانه لكنا بهذه الأوصاف أو يكون معناه أن الإمام إنما يخالف إذا كان على هذه الأوصاف ويتهم في قضاياه فكأن مخالفتكما لنا تشعر من رآها أنكم تعتقدان ذلك فينا. والله أعلم. اهـ.
وهذا الذي ذكره المازري حسن بالنسبة لقول عمر ﵁ ومقبول فاختلاف وجهتي نظر بالنسبة لفهم حديث لا بأس به لكن الأمر يختلف في وصف أحد الخصمين الآخر بهذه الأوصاف في قضية يعرفها الرأي العام ويعرف الحق فيها من الباطل فالمسألة ليست عندية وإنما هناك حقيقة أرض أو ثمرتها واتفق على أن يتصرف فيها بأسلوب معين فقد روي عن عائشة قالت: كانت هذه الصدقة بيد علي منعها عباسا فغلبه عليها ثم كانت بيد الحسن ثم بيد الحسين ثم بيد علي بن الحسين والحسن بن الحسن ثم بيد زيد بن الحسن ثم بيد عبد الله بن الحسن حتى ولي العباسيون فقبضوها وزاد بعضهم أن إعراض العباس عنها كان في خلافة عثمان قال عمر بن شبة: سمعت أبا غسان يقول: إن الصدقة المذكورة اليوم بيد الخليفة يولي عليها من قبله من يقبضها ويفرقها في أهل الحاجة من أهل المدينة قال الحافظ ابن حجر: كان ذلك على رأس المائتين ثم تغيرت الأمور. اهـ.
وفي السنن لأبي داود "أرادا أن عمر يقسمها لينفرد كل منهما بنظر ما يتولاه فامتنع عمر من ذلك وروي أنه قال لهما: "فأصلحا أمركما وإلا لم يرجع -والله- إليكما فقاما وتركا الخصومة".
(فقال القوم: أجل يا أمير المؤمنين. فاقض بينهم وأرحهم) في
стр. 3856
رواية "فقال الزبير بن العوام: اقض بينهما" فالقائل واحد منهم ونسب القول إلى جميعهم لموافقتهم له.
(قال مالك بن أوس: يخيل إلي أنهم قد كانوا قدموهم لذلك) أي يظن أوس أن العباس وعليا قدما هذا الرهط من كبراء القوم ليدخلوا على عمر قبلهم. فيحضروا القضية ويتدخلوا في حلها.
(اتئدا) اسم فعل أمر أي اصبرا وتمهلا حتى أشرح حالكما وحال ما جئتماني من أجله حتى يكون قضائي مبنيا على حيثيات الحكم وفي رواية البخاري "تؤيدكم" وفي رواية "أتيدوا" وفي رواية "أيتد".
(أنشدكم بالله) الخطاب للقوم أي أسألكم بالله مأخوذ من النشيد وهو رفع الصوت يقال: أنشدتك ونشدتك بالله ونشدتك الله.
(لا نورث) أي نحن معشر الأنبياء لا نورث وقيل: يتحدث عن نفسه وسيأتي في فقه الحديث.
(ما تركنا صدقة) برفع صدقة و"ما" موصول والعائد في هذه الرواية محذوف ذكر في خطابه للعباس وعلي "ما تركناه" وبعض جهلة الشيعة يصحفه وفي رواية "ما تركناه فهو صدقة".
(ما أدري هل قرأ الآية التي قبلها؟ أم لا؟ ) هذا كلام مالك بن أوس وأنه يشك هل قرأ عمر الآية التي قبلها المشتملة على حكمة الخصوصية أو لم يقرأها؟ وهي قوله تعالى ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير﴾ [الحشر: ٦] نزلت في بني النضير سورة الحشر وقد ذكر في رواية البخاري الآية الأولى التي لم تذكر في رواية مسلم.
(فقسم رسول الله ﷺ بينكم أموال بني النضير) أي كان يوزع من ثمر نخل بني النضير على أهله وأقاربه كل حسب حاجته فيدخر لكل منهم قوت سنة مع إضافة احتياط للنوائب ثم يتصدق بجزء من الباقي ويجعل جزءا لشراء السلاح والعدة والخيل والركاب للجهاد في سبيل الله ومعنى ذلك أنه ﷺ لم يعط المجاهدين في هذه الغزوة شيئا من غنيمتها بصفتهم مجاهدين.
(فوالله ما استأثر عليكم) أي ما قدم نفسه عليكم في الانتفاع بهذه الأموال.
(ولا أخذها دونكم) في رواية البخاري "ووالله ما احتازها دونكم ولا استأثر بها عليكم قد أعطاكموه -أي هذا المال- وبثها فيكم" أي واساكم بها حسب حاجتكم.
(حتى بقى هذا المال) متجددا كل عام لهذه المصارف.
(فكان يأخذ منه نفقة سنة ثم يجعل ما بقي أسوة المال) أي
стр. 3857
متأسيا بمال الله وفي الرواية الرابعة "يحبس قوت أهله منه سنة ثم يجعل ما بقي منه مجعل مال الله ".
(فلما توفي رسول الله ﷺ قال أبو بكر: أنا ولي رسول الله ﷺ في رواية البخاري "ثم توفى الله نبيه فقال أبو بكر"
(فجئتما) أبا بكر.
(فرأيتماه كاذبا ... ) أي فظننتماه .. والكلام هنا غير الكلام في "اقض بيني وبين هذا الكاذب .. " لأن هناك مواجهة صريحة بعيدة التأويل أما هنا فهو تعبير من عمر ﵁ عما يظنان وقد يكون توهما وقد يكون على التشبيه أي حالكما كحال من يظن وقد يكون منه ومنهما من قبيل الخواطر والوساوس التي لا يؤاخذ عليها وليس في ذلك تصريح بانتقاصهما أبا بكر وعمر ومع ذلك كان الزهري الراوي عن مالك بن أوس يصرح بهذه الألفاظ تارة ويكنى عنها أخرى وكذلك كان يفعل مالك. وهي محذوفة في رواية البخاري.
(والله يعلم إنه لصادق بار راشد تابع للحق) في رواية البخاري "فقبضها أبو بكر فعمل فيها بما عمل رسول الله ﷺ ".
(ثم جئتني أنت وهذا) الخطاب للعباس والإشارة لعلي.
(وأنتما جميع وأمركما واحد) أي وأنتما مجتمعان على رأي واحد وأمر واحد وفي ذلك تبكيت على اختلافهما أمامه الساعة.
(فقلتما: ادفعها إلينا) أي ادفع أرض بني النضير إلينا نقوم نحن بتوزيع ثمارها بالطريقة التي كان رسول الله ﷺ يعمل فيها أي نكون وكلاء عن أمير المؤمنين في ذلك.
ولا إشكال في هذه الرواية لكن جاء في رواية أن عمر قال: "جئتني يا عباس تسألني نصيبك من ابن أخيك ... فقلت لكما: إن رسول الله ﷺ قال: لا نورث" قال الحافظ ابن حجر: وفي ذلك إشكال شديد وهو أن أصل القصة صريح في أن العباس وعليا قد علما بأنه ﷺ قال "لا نورث" فإن كانا قد سمعاه من النبي ﷺ فكيف يطلبانه من أبي بكر؟ وإن كانا إنما سمعاه من أبي بكر أو في زمنه بحيث أفاد عندهما العلم بذلك فكيف يطلبانه بعد ذلك من عمر؟ .
وفي رفع هذا الإشكال ذكر أقوالا. منها: احتمال أن يكونا قد ظنا أن أبا بكر فهم في الحديث فهما قد يفهم غيره عمر على احتمال أن عموم قوله "لا نورث" مخصوص ببعض ما يخلفه دون بعض ولذلك نسب عمر إليهما أنهما كانا يعتقدان ظلم من خالفهما في ذلك ومنها أن سؤال العباس لعمر نصيبه من ابن أخيه ليقسم الأرض بينه وبين علي يقوم كل منها بالولاية على نصيبه حيث حصل الخلاف على الولاية الشائعة بينهما يؤيد هذا ما جاء عند أبي داود بلفظ "أرادا أن عمر يقسمها
стр. 3858
لينفرد كل منهما بنظر ما يتولاه فامتنع عمر من ذلك وأراد أن لا يقع عليها اسم التقسيم" وعلى هذا اقتصر أكثر الشراح واستحسنوه.
(تسأله ميراثها) ولم يكن بقى من أولاده ﷺ غيرها.
(مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر) قال القاضي عياض: صدقات النبي ﷺ المذكورة في هذه الأحاديث صارت إليه بثلاثة حقوق. أحدها ما وهب له ﷺ وذلك وصية مخيريق اليهودي عند إسلامه يوم أحد وكانت سبع حوائط في بني النضير (وكان يهوديا من بقايا بني قينقاع نازلا ببني النضير وشهد أحدا فقال: إن أصبت فأموالي لمحمد يضعها حيث أراه الله فقتل وكانت أمواله في بني النضير) وما أعطى الأنصار من أرضهم وهو ما لا يبلغه الماء وكان هذا ملكا له ﷺ الثاني حقه من الفيء من أرض بني النضير حين أجلاهم فأعطى أكثرها للمهاجرين وبقى منها صدقة رسول الله ﷺ وأما منقولات بني النضير فحملوا منها ما حملته الإبل غير السلاح ثم قسم ﷺ الباقي بين المسلمين وكذلك نصف أرض فدك صالح أهلها بعد فتح خيبر على نصف أرضها وكان خالصا له وكذلك ثلث أرض وادي القرى أخذه في الصلح حين صالح أهلها اليهود وكذلك حصنان من حصون خيبر وهما الوطيخ والسلالم أخذهما صلحا.
الثالث: سهمه من خمس خيبر وما افتتح فيها عنوة فكانت هذه كلها ملكا لرسول الله ﷺ خاصة لاحق فيها لأحد غيره لكنه ﷺ كان لا يستأثر بها بل ينفقها على أهله والمسلمين وللمصالح العامة وكل هذه صدقات محرمات التملك بعده. اهـ.
(إنما يأكل آل محمد ﷺ في هذا المال) أي لهم النفقة منه وليس لهم تملك رقبته.
(وإني لا أغير شيئا من صدقة رسول الله ﷺ عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله ﷺ ولأعملن فيها بما عمل به رسول الله ﷺ أي إذا كان ﷺ لا يورث وإذا كان ما تركه لا تتملك رقابه للورثة من بعده بقيت منافع ما كان يملك على حالها ويقوم ولي الأمر مقام رسول الله ﷺ بتوزيعها.
(فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة شيئا) من أملاكه ﷺ لا للتملك ولا لتولي أمره وكذلك فعل أبو بكر مع العباس وعلي وإنما كان يعطيهم من ثمرته فلما كان عمر فعل ما كان يفعل أبو بكر غير أنه جعل العباس وعليا ولاة على أرض بني النضير كنظار وقف يصرفان ثمرته على ما كانت عليه في عهد الرسول ﷺ وأما خيبر وفدك فأمسكهما عمر ولم يدفعهما لأحد.
(فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك) "في" هنا تعليلية أي لذلك ولأجل ذلك وبسبب ذلك ومعنى "وجدت" غضبت يقال: وجد عليه -بفتح الجيم- يجد عليه -بكسرها موجدة أي غضب.
стр. 3859
(فهجرته لم تكلمه حتى توفيت) قال النووي: "فلم تكلمه" يعني في هذا الأمر أو لانقباضها لم تطلب منه حاجة أو لم تضطر إلى لقائه فتكلمه ولم ينقل قط أنهما التقيا فلم تسلم عليه ولا كلمته. اهـ.
وفي رواية البخاري "فغضبت فاطمة فهجرت أبا بكر فلم تزل مهاجرته حتى توفيت" وسيأتي في فقه الحديث بقية لهذه المسألة.
(وعاشت بعد رسول الله ﷺ ستة أشهر) هذا هو الصحيح المشهور وقيل ثمانية أشهر وقيل ثلاثة وقيل شهرين وقيل سبعين يوما وعلى الصحيح قالوا: توفيت لثلاث مضين من شهر رمضان سنة إحدى عشرة.
(وكان لعلي من الناس وجهة حياة فاطمة) "وجهة" بكسر الواو وضمها أي إقبال واتجاه وقصد.
(استنكر على وجوه الناس) أي انصرافهم عنه وضعف إقبالهم عليه.
(فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته) هذا ظن عائشة ﵂ في دوافع علي لمصالحة أبي بكر ﵄ وهو ظن يخالف ما صرح به في الحديث مما سنوضحه بعد وإن أضفنا إليه دافعا قلنا: إن غضب فاطمة ﵂ من أبي بكر كان حائلا بينه وبين المصالحة فلما توفيت زال الحائل وخف غضب علي ﵃ أجمعين.
(ولم ننفس عليك خيرا ساقه الله إليك) يقصد الخلافة يقال: نفس الشيء على فلان أي حسده ولم يره أهلاله "ننفس" بفتح النون الأولى وسكون الثانية وفتح الفاء وهو في الماضي بكسر الفاء.
(ولكنك استبددت بالأمر) يقال: استبد به إذا انفرد به وكأن عليا ﵁ كان يرى أنه لوجاهته ومكانته وفضيلته في نفسه وقربه من النبي ﷺ لا يقضي الأمر بدون مشورته وحضوره.
(وكنا نحن نرى لنا حقا) في أن تطلب رأينا وتحرص على مبايعتنا لك.
(لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلي أن أصل من قرابتي) "أن أصل" المصدر المنسبك مبتدأ ثان والتقدير: قرابة رسول الله ﷺ وصلى لها أحب إلي من وصلي لقرابتي.
(وأما الذي شجر بيني وبينكم من هذه الأموال) يقصد طلب فاطمة ﵂ ميراث أبيها يقال: شجر الأمر بينهم بفتح الجيم يشجر بضمها شجورا إذا اضطرب وتنازعوا فيه.
قال تعالى ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾ [النساء: ٦٥].
стр. 3860
(فإني لم آل فيها عن الحق) أي لم أقصر فيها عن الحق يقال: ألا بفتح الهمزة واللام يألو ألوا بسكون اللام وفتح الهمزة وألوا بضم الهمزة واللام وتشديد الواو وأليا بضم الهمزة وكسر اللام وتشديد الياء أي فتر وضعف وقصر ومنه: لا آلوك نصحا ولا آلو جهدا في رعايتك.
(موعدك العشية للبيعة) أمام الناس والعشية والعشي من زوال الشمس إلى المغرب أو من صلاة المغرب إلى العتمة وصلاتا العشى الظهر والعصر والعشاءان المغرب والعشاء.
(رقي على المنبر) بفتح الراء وكسر القاف وفتح الياء مضارعه يرقى بفتح الياء وسكون الراء وفتح القاء من باب علم يعلم.
(وذكر شأن علي) أي ما جرى بينه وبينه من عتب.
(ولكنا كنا نرى لنا في الأمر نصيبا) في الكلام التفات من الغيبة إلى التكلم وكان النسق أن يقال: ولكنه كان يرى .. إلخ والمراد من "الأمر" أمر البيعة والتشاور فيها وليس المراد الاشتراك في الخلافة.
(فكان المسلمون إلى علي قريبا حين راجع الأمر المعروف) الأمر المعروف هو التصالح والبيعة وراجع الأمر أي رجع إليه والمعنى أصبح المسلمون قريبين إلى علي راضين عنه مقبلين عليه مادحين فعله حين رجع إلى الصف والصلح والبيعة وفي الرواية السابعة "حين قارب الأمر بالمعروف" أي حين دنا ودخل الأمر بالمعروف.
(إني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ) أي أن أميل عن الحق إلى الباطل يقال: زاغ يزوغ زوغا وزوغانا وزاغ يزيغ زيغا وزيوغا وزيغانا أي مال عن القصد وعن الطريق الحق.
(فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى علي وعباس) تقصد أرض بني النضير وقد سبق إيضاحها.
(كانتا لحقوقه التي تعروه) أي ما يعتريه وما يطرأ عليه من الحقوق الواجبة والمندوبة يقال: عروته واعتريته وعررته واعتررته إذا أتيته تطلب منه حاجة.
(ونوائبه) جمع نائبة وهي ما ينزل بالرجل من الكوارث والحوادث المؤلمة.
(فهما على ذلك إلى اليوم) الضمير لخيبر وفدك وهذه الجملة من كلام الزهري أي إلى اليوم الذي حدث فيه الزهري لكن لما كان عثمان تصرف في فدك بحسب ما رآه فأقطعها مروان وتأول أن الذي يختص بالنبي ﷺ يكون للخليفة بعده فاستغنى عثمان عنها بأمواله.
(لا يقتسم ورثتي دينارا) التقييد بالدينار من باب التمثيل والتنبيه على ما سواه كما في قوله تعالى ﴿ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك﴾ [آل عمران: ٧٥] وفي رواية "دينارا ولا درهما".
стр. 3861
وسماهم ورثة له مع أنهم لا يرثونه باعتبار أنهم ورثته بالقوة وإن كانوا غير ورثة له بالفعل فهم ورثته لو كان يورث والذي منعهم من الإرث الفعلي الدليل الشرعي وهو قوله "لا نورث" كالوارث القاتل لمورثه هو وارث في الأصل وبالقوة لكن منعه من الميراث الفعلي القتل.
وقوله "لا يقتسم" ورواية البخاري "لا تقتسم" بإسكان الميم على النهي وبضمها على النفي وهو الأشهر قال النووي: وهو الصحيح لأنه إنما ينهي عما يمكن وقوعه وإرثه ﷺ غير ممكن وإنما هو بمعنى الإخبار معناه لا يقتسمون شيئا لأني لا أورث. اهـ.
وتوضيحه أنه ﷺ لم يترك مالا حتى يورث فإرث من لا مال له غير ممكن فلا يصح النهي عنه ووجه بعضهم النهي بأنه لم يقطع بأنه لا يخلف شيئا بل كان ذلك محتملا فنهاهم عن قسمة ما يخلف إن وقع أنه خلف.
(ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤونة عاملي فهو صدقة) وفي رواية "إنما يأكل آل محمد من هذا المال" ونفقة نسائه ﷺ تشمل الكسوة والسكنى ولذلك اختصصن بمساكنهن كل واحدة في مسكنها حياتها لكونهن محبوسات عن الأزواج بسببه ولعظم حقهن في بيت المال لفضلهن وكونهن أمهات المؤمنين. لكن لم يرث هذه البيوت ورثتهن.
والمراد من عامله ﷺ هنا قيل: هو القائم على هذه الصدقات والناظر فيها وترجم البخاري لهذا الحديث في كتاب الوقف بعنوان: باب نفقة القيم للوقف ليستدل به على مشروعية أجرة العامل على الوقف وقيل: كل عامل للمسلمين من خليفة وغيره لأنه عامل للنبي ﷺ ونائب عنه في أمته وقيل: المراد من عامله هنا خادمه ﷺ وقيل: المراد به حافر قبره ﷺ وهو أبعد الأقوال.
وحاول السبكي الكبير أن يفرق بين النفقة والمؤونة وعن سر التعبير بالنفقة في جانب نسائه والمؤونة في جانب العامل فقال: إن المؤونة في اللغة القيام بالكفاية والإنفاق بذل القوت وهذا يقتضي أن النفقة دون المؤونة فلنسائه القوت أما العامل لما كان في صورة الأجير احتاج إلى ما يكفيه كذا قال وفيه نظر فقد كان الخلفاء يقدمون لأمهات المؤمنين ما يكفيهن وزيادة.
-[فقه الحديث]-
هناك اصطلاحات تكرر التفريق بينها:
الغنيمة -السلب -التنفيل -الخمس -الفيء.
فالغنيمة: ما استولى عليه المسلمون من أموال وممتلكات الكفار بعد معركة معهم وحكمها الشرعي أن خمسها لرسول الله ﷺ وأربعة أخماسها يقسم بين المجاهدين.
وأما السلب فهو ما يوجد مع المحارب من ملبوس وغيره إذا قتله مسلم قبل المعركة وحكمه الشرعي أنه للمقاتل وقد سبق الكلام فيه قريبا.
стр. 3862
وأما التنفيل: فهو إعطاء القائد أحد المجاهدين شيئا نافلة وزيادة على سهمه مقابل عمل زائد فعله وقد سبق قريبا أيضا.
وأما الخمس: فيراد به خمس الغنيمة وهو عند الجمهور مفوض إلى الإمام ورأيه بعد رسول الله ﷺ وكان ﷺ يجعله لنوائب المسلمين وكان يؤثر أهل الصفة والأرامل على أهله وأقاربه فقد طلبت منه ابنته فاطمة ﵂ خادما من خمس إحدى الغنائم فمنعها ولو كان لذوي القربى سهم معين لازم لما منع ابنته وأعز الناس عليه من أقاربه وصرفه إلى غيرهم فدل ذلك على أن خمس الغنيمة للإمام يقسمه حيث يرى وله أن يؤثر بعض مستحقيه على بعض ويعطي الأوكد فالأوكد.
وبعضهم يقسم خمس الغنيمة إلى خمسة أقسام للرسول ﷺ قسم سواء حضر القتال أم لم يحضر وهل كان يملكه أو لا؟ وجهان للشافعية والأخماس الأربعة لمن جاء ذكرهم في الآية ذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل.
وأما الفيء وهو موضوع أحاديثنا فهو الغنيمة التي يستولى عليها المسلمون دون قتال والرواية الثانية ظاهرة في أن الفيء خاص برسول الله ﷺ وأنه لا يخمس وهكذا يقول جمهور العلماء أما الشافعي فيخمس الفيء ويجعل منه أربعة أخمسه وخمس خمسه الباقي لرسول الله ﷺ فيكون له واحد وعشرون سهما من خمسة وعشرين والأربعة الباقية لذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ويتأول هذا الحديث "كانت أموال بني النضير" أي معظمها.
قال ابن المنذر: لا نعلم أحدا قبل الشافعي قال بالخمس في الفيء. اهـ.
-[ويؤخذ من الأحاديث من الأحكام]-
١ - أن أموال بني النضير كانت خاصة برسول الله ﷺ وأن المسلمين لم يوجفوا عليهم بخيل ولا ركاب ولم يختلف العلماء في ذلك.
٢ - من قوله في الرواية الثانية "فكان ينفق على أهله نفقة سنة" وقوله في الرواية الثالثة "فكان رسول الله ﷺ يأخذ منه نفقة سنة" وقوله في الرواية الرابعة "يحبس قوت أهله منه سنة "جواز ادخار المسلم قوت سنة وجواز الادخار للعيال وأن هذا لا يقدح في التوكل قال النووي: وأجمع العلماء على جواز الادخار فيما يستغله الإنسان من قريته كما جرى للنبي ﷺ وأما إذا أراد أن يشتري من السوق ويدخره لقوت عياله فإن كان في وقت ضيق الطعام لم يجز بل يشترى مالا يضيق على المسلمين كقوت أيام أو شهر وإن كان في وقت سعة اشترى قوت سنة وأكثر. هكذا نقل القاضي هذا التفصيل عن أكثر العلماء وعن قوم إباحته مطلقا.
٣ - من قوله "وما بقي يجعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله" وجوب استعداد المسلمين بالسلاح للدفاع عن أنفسهم ودينهم قال تعالى ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم﴾ [الأنفال: ٦٠].
стр. 3863
٤ - من الرواية الثالثة من قول عمر: "يا مال" جواز ذكر الرجل وندائه باسمه من غير كنية وإن كان عظيما وكذلك من غير لقب وبالترخيم حيث لم يرد بذلك تنقيصه.
٥ - ومن قوله "فوجدته في بيته" جواز احتجاب الوالي عن الرعية في وقت الحاجة إلى طعامه أو وضوئه أو راحته أو نحو ذلك.
٦ - ومن قوله "جالسا على سرير" جواز الجلوس على مرتفع عن الأرض من مقعد وسرير ونحوهما.
٧ - ومن قوله "مفضيا إلى رماله متكئا على وسادة من أدم" زهد عمر وتقشفه وهو الذي ملئت خزائنه بأموال كسرى وقيصر.
٨ - ومن طلب عمر من مالك أن يأخذ العطية ويقسمها بين أهله أنه ينبغي أن يولي أمر كل قبيلة سيدهم وتفوض إليه مصلحتهم لأنه أعرف وأرفق بهم وهم لا يأنفون أن ينقادوا له وفي مثل ذلك ستر لهم في أخذ العطاء ولهذا قال الله تعالى ﴿فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما﴾ [النساء: ٣٥].
٩ - وفي اعتذار مالك جواز استعفاء المرء من الولاية.
١٠ - وسؤال الإمام ذلك برفق.
١١ - وجواز اتخاذ الحاجب.
١٢ - وفي حضور كبار الصحابة قضية العباس وعلي جواز استعانة الحاكم برأي أولي النهي وتدخلهم في القضايا أمامه حيث قالوا: "أجل يا أمير المؤمنين فاقض بينهم وأرحهم".
١٣ - وجواز أن يشرح الحاكم ظروف القضية وملابساتها دون أن يسمع كلام الخصمين إذا كان عليما بها ليبين وجه الحكمة في حكمه.
١٤ - واستشهاد الإمام على ما يقوله بحضرة الخصمين استشهاده بالحضور العدول لتقوى حجته في إقامة الحق وقمع الخصم.
١٥ - واستحلافهم على ما يعرض من حقائق.
١٦ - واستحلاف الخصمين على مقدمات الحكم.
١٧ - ومن قوله "فقسم رسول الله ﷺ بينكم أموال بني النضير ... إلخ تذكير الخصوم بالمنة عليهم حتى يسهل إنهاء الخصومة.
١٨ - من قوله ﷺ "لا نورث" قال عمر ﵁ في رواية البخاري "يريد رسول الله ﷺ نفسه" إشارة إلى أن النون في "نورث" للمتكلم خاصة لا للجمع.
أن الحديث يتعرض لعدم إرثه ﷺ ولا دليل فيه على عدم إرث جميع الأنبياء.
قال الحافظ ابن حجر: وأما ما اشتهر في كتب أهل الأصول وغيرهم بلفظ "نحن معاشر الأنبياء لا نورث" فقد أنكره جماعة من الأئمة قال: وهو كذلك بالنسبة لخصوص لفظ "نحن" لكن
стр. 3864
أخرجه النسائي بلفظ "إنا معاشر الأنبياء لا نورث" وهو كذلك في مسند الحميدي عن محمد بن منصور عن ابن عيينة وهو من أتقن أصحاب ابن عيينة فيه وأخرجه الطبراني في الأوسط والدارقطني في العلل قال ابن بطال وغيره: ووجه ذلك -والله أعلم- أن الله بعثهم مبلغين رسالته وأمرهم أن لا يأخذوا على ذلك أجرا فكانت الحكمة في أن لا يورثوا لئلا يظن أنهم جمعوا المال لوارثهم قال: وقوله تعالى ﴿وورث سليمان داوود﴾ [النمل: ١٦] حمله أهل العلم بالتأويل على العلم والحكمة وكذا قول زكريا ﴿فهب لي من لدنك وليا* يرثني ويرث من آل يعقوب﴾ [مريم: ٥ , ٦] وقد حكى ابن عبد البر أن للعلماء في ذلك قولين وأن الأكثر على أن الأنبياء لا يورثون وذهب البعض إلى أن الأنبياء يورثون وأن عدم الإرث من خصائصه ﷺ بل قول عمر "يريد نفسه" يؤيد اختصاصه بذلك.
وقيل: الحكمة في كونه لا يورث حسم المادة في تمني الوارث موت المورث من أجل المال إذ يؤمن في الورثة من يتمنى موته فيهلك ولئلا يظن بهم الرغبة في الدنيا لوارثهم فيهلك الظان وينفر الناس عنه وقيل: لكون النبي ﷺ كالأب لأمته فيكون ميراثه للجميع وهذا معنى الصدقة العامة.
١٩ - ادعى بعض الشيعة أن الحديث لا يدل على عدم ميراث الرسول ﷺ ليدين بذلك أبا بكر وعمر في منعهما فاطمة ﵃ أجمعين من ميراثها من أبيها فقرءوا الحديث أحيانا "لا يورث" بالياء لا بالنون وقرءوا أحيانا "صدقة" بالنصب وجعلوا "ما" نافية أي لم نترك صدقة قال الحافظ ابن حجر: والذي توارد عليه أهل الحديث في القديم والحديث "لا نورث" بالنون و"صدقة" بالرفع وأن الكلام جملتان و"ما تركنا" في موضع الرفع بالابتداء و"صدقة" خبره وقد احتج بعض المحدثين على بعض الإمامية بأن أبا بكر احتج بهذا الكلام على فاطمة ﵂ حين التمست منه ميراثها من الذي خلفه رسول الله ﷺ من الأراضي وهما من أفصح الفصحاء وأعلمهم بمدلولات الألفاظ ولو كان الأمر كما يقرؤه الرافضي لم يكن فيما احتج به أبو بكر حجة ولم يكن جوابه مطابقا لسؤالها وهذا واضح لمن أنصف. اهـ.
ويرد هذا الفهم الشيعي أنه لما صارت الخلافة إلى علي ﵁ لم يغيرها عن كونها صدقة وقد احتج بهذا السفاح على الشيعي فإنه لما خطب أول خطبة قام إليه رجل معلق في عنقه المصحف فقال: أنشدك الله إلا ما حكمت بيني وبين خصمي بهذا المصحف فقال: من هو خصمك؟ قال أبو بكر في منعه فدك. قال: أظلمك؟ قال: نعم قال فمن بعده؟ قال: عمر قال: أظلمك؟ قال: نعم. قال: فمن بعده؟ قال: عثمان. قال أظلمك؟ قال: نعم. قال: فعلي ظلمك؟ فسكت الرجل فأغلظ له السفاح.
٢٠ - من دفع عمر أرض بني النضير إلى العباس وعلي جواز إقامة الإمام من ينظر الوقف نيابة عنه.
٢١ - والتشريك بين الاثنين في ذلك وجواز أكثر من اثنين إذا اقتضت المصلحة.
٢٢ - ومن حكم عمر جواز حكم الحاكم بعلمه وأن الإمام إذا قام عنده الدليل صار إليه وقضى بمقتضاه ولم يحتج إلى أخذه من غيره.
стр. 3865
٢٣ - واستدل بالحديث على أن النبي ﷺ كان لا يملك شيئا من الفيء ولا من خمس الغنيمة إلا قدر حاجته وحاجة من يمونه وما زاد على ذلك كان له فيه التصرف بالقسم والعطية وقال آخرون: لم يجعل الله لنبيه ملك رقبة ما غنمه وإنما ملكه منافعه وجعل له منها قدر حاجته وكذلك القائم بالأمر بعده.
٢٤ - ومن الرواية السادسة يؤخذ من هجران فاطمة ﵂ أبا بكر أن الانقباض عن اللقاء والاجتماع ليس من الهجران المحرم لأن شرطه أن يلتقيا فيعرض هذا ويعرض هذا ولم يؤثر أنهما التقيا وكأن فاطمة ﵍ لما خرجت غضبى من عند أبي بكر انشغلت بمرضها وحزنها على أبيها.
٢٥ - ومن قول أبي بكر "وإني والله لا أغير شيئا من صدقة رسول الله ﷺ عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله ﷺ ولأعملن فيها بما عمل به رسول الله ﷺ ".
أخذ بعضهم أن سهم النبي ﷺ يصرفه الخليفة بعده لمن كان النبي ﷺ يصرفه له وما بقي منه يصرف في المصالح وعن الشافعي: يصرف في المصالح وفي وجه: هو للإمام وقال مالك والثوري: يجتهد فيه الإمام وقال أحمد: يصرف في الخيل والسلاح وقال أبو حنيفة: يرد مع سهم ذوي القربى إلى الثلاثة (اليتامى والمساكين وابن السبيل) وقيل: يرد خمس الخمس من الغنيمة إلى الغانمين ومن الفيء إلى المصالح.
٢٦ - ومن دفن علي لفاطمة ليلا. قال النووي: فيه جواز الدفن ليلا وهو مجمع عليه لكن النهار أفضل إذا لم يكن عذر.
٢٧ - ومن تأخر علي ﵁ عن البيعة لأبي بكر أن تأخر وجيه من وجهاء القوم أو من كبرائهم لا يمنع البيعة من الإتمام ولا يقدح فيها فقد اتفق العلماء على أنه لا يشترط لصحتها مبايعة كل الناس ولا كل أهل الحل والعقد وإنما يشترط مبايعة من تيسر إجماعهم من العلماء والرؤساء ووجوه الناس.
٢٨ - وأن التأخير في مثل هذا لا يقدح في علي ﵁ قال النووي: وأما عدم القدح في علي فلأنه لا يجب على كل واحد أن يأتي إلى الإمام فيضع يده في يده ويبايعه وإنما يلزمه إذا عقد أهل الحل والعقد للإمام الانقياد له وأن لا يظهر خلافا ولا يشق العصا وهكذا كان شأن علي ﵁ في تلك المدة التي كانت قبل بيعته إنه لم يظهر على أبي بكر خلافا ولا شق العصا ولكنه تأخر عن الحضور للعذر المذكور في الحديث ولم يكن انعقاد البيعة وانبرامها متوقفا على حضوره فلم يجب عليه الحضور لذلك ولا لغيره فلما لم يجب لم يحضر (في هذا نظر) وما نقل عنه قدح في البيعة ولا مخالفة ولكن بقى في نفسه عتب فتأخر حضوره إلى أن زال العتب وكان سبب العتب أنه مع وجاهته وفضيلته في نفسه في كل شيء وقر به من النبي ﷺ وغير ذلك رأى أنه لا يستبد بأمر إلا بمشورته وحضوره وكان عذر أبي بكر وعمر وسائر الصحابة واضحا لأنهم رأوا المبادرة بالبيعة من أعظم مصالح المسلمين وخافوا من تأخيرها حصول خلاف ونزاع يترتب
стр. 3866
عليه مفاسد عظيمة ولهذا أخروا دفن النبي ﷺ حتى عقدوا البيعة لكونها كانت أهم الأمور كيلا يقع نزاع في مدفنه أو كفنه أو غسله أو الصلاة عليه أو غير ذلك وليس لهم من يفصل الأمور فرأوا تقدم البيعة أهم الأشياء. اهـ.
وهذا توجيه سديد فقد أمرنا بحسن الظن بالصحابة أجمعين والدوافع البشرية وما يقع في الصدور وما يبعث على تصرف من التصرفات أمور يعلمها الله وما جاء على لسان علي ﵁ في كتب الشيعة من نقد البيعة لأبي بكر والاعتراض عليها وأحقيته لها لا يعتد به. والله أعلم.
٢٩ - ومن قول علي ﵁ لأبي بكر "أن ائتنا" جواز طلب حضور الخليفة إلى منزل وجيه من الوجهاء وأن ذلك لا يعد استكبارا وتعاليا على الخليفة بل قد يكون نوعا من التقارب والإدلال المقبول.
٣٠ - ومن استجابة أبي بكر لهذا المطلب تواضع أبي بكر وسماحته وحسن خلقه ولين طبعه وجميل فعله مع رعيته.
٣١ - ومن طلب علي من أبي بكر ألا يكون معه أحد جواز مثل ذلك حرصا على نجاح مهمة الصلح فقد علم وعلموا شدة عمر وجهره بما يرى أنه الحق وحدته حين يرى أو يسمع ما لا يرضيه ومجلس الصلح لا يخلو من نحو هذا فخاف على أن ينتصر عمر لأبي بكر فيتكلم بكلام يثير نفس علي ويوحش قلبه على أبي بكر وكانت قلوبهم قد طابت عليه وانشرحت له فخاف أن يكون حضور عمر سببا لتغيرها.
٣٢ - ومن قول عمر لأبي بكر" والله لا تدخل عليهم وحدك" حرص عمر على حماية الخليفة ووقايته مما يسيء إليه ولو بكلمة لأنه خاف أن يغلظوا لأبي بكر في المعاتبة اعتمادا على لينه وصبره عن الرد عن نفسه ولو حضر عمر لأحجموا عن الإغلاظ.
٣٣ - ومن تحنيث أبي بكر لعمر في حلفه دليل على أن إبرار القسم إنما يؤمر به الإنسان إذا أمكن احتماله بلا مشقة ولا تكون فيه مفسدة وعلى هذا يحمل حديث الحث على إبرار القسم.
٣٤ - ومن مبايعة علي لأبي بكر صحة خلافة أبي بكر وانعقاد الإجماع عليها.
٣٥ - ومن حديث أبي هريرة -روايتنا التاسعة- دلالة على صحة وقف المنقولات وأن الوقف لا يختص بالعقار لعموم قوله "ما تركت بعد نفقة نسائي".
٣٦ - ومن عموم هذه الأحاديث وأن النبي ﷺ وما تركه صدقة تخصيص السنة القرآن فهذه الأحاديث تخصص قوله تعالى ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ [النساء: ١١] إما بعدم دخوله ﷺ في الخطاب لما عرف من كثرة خصائصه وإما بتخصيص الممتلكات التي تركها المتوفى فإذا ثبت أن المتوفى وقف شيئا قبل موته فإنه لا يدخل في الميراث وإن كان مما ترك.
والله أعلم.
стр. 3867
(٤٨٠) باب كيفية قسمة الغنيمة بين الحاضرين
٤٠٢٩ - عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قسم في النفل للفرس سهمين وللرجل سهما.
٤٠٣٠ - -/- وفي رواية عن عبيد الله بهذا الإسناد مثله. ولم يذكر في النفل.
-[المعنى العام]-
يقول الله تعالى ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم﴾ [الأنفال: ٦٠] فالخيل كانت عدة العرب في القتال أو العدة الأساسية المهمة ولذلك عطفت خاصة على عموم القوة في الآية الكريمة وهي فوق ذلك مظهر من مظاهر العزة والكرامة والعز والسؤدد ومن هنا رغب الإسلام أنصاره الأوائل في اقتناء الخيل وقال الرسول الكريم "الخيل في نواصبها الخير إلى يوم القيامة".
وزادهم ترغيبا في اقتناء الفرس والقتال عليه بأن جعل للفرس من الغنيمة سهمين وللفارس سهما ليكون للفارس بفرسه ثلاثة أسهم حين تقسم الغنمية إلى خمسة أسهم خمسها لرسول الله ﷺ وأربعة أخماسها للمقاتلين فيحسب الفارس بثلاثة ويحسب الراجل بواحد ثم توزع أسهما اللهم إلا إذا رأى الإمام أو القائد نفل أحد المجاهدين لعمل مجيد قام به فيعطيه نافلة فوق سهمه إما من الأخماس الأربعة وإما من الخمس الذي للإمام.
هكذا كانت قسمة الغنائم في عهد الرسول ﷺ وفي عهد الخلفاء الراشدين ﵃ أجمعين.
-[المباحث العربية]-
(قسم في النفل للفرس سهمين) أي قسم في الغنيمة وقلنا في باب الأنفال قريبا إن أصلها إعطاء النافلة والزيادة وإنها تطلق على الغنمية كلها وهي المرادة هنا باعتبارها عطية من الله تعالى زائدة على أجر المجاهدين أو زائدة على الأمم السابقة الذين لم تحل لهم الغنائم.
стр. 3868
والفرس واحد الخيل الذكر والأنثى سواء والجمع أفراس وفروس والحصان الذكر منها وأما البغل فهو ابن الفرس من الحمار والبرذون بكسر الباء وسكون الراء وفتح الذال يطلق على غير العربي من الخيل والبغال وسيأتي الخلاف في سهم هذه الحيوانات واللام في "للفرس" للاختصاص وفي الحقيقة السهمان لصاحب الفرس ولكن لما كانا له بسبب الفرس أضيفا إليه.
(فائدة) قال العيني: كان للنبي ﷺ أربعة وعشرون فرسا كل واحد منها كان مسمى باسم مخصوص مثل السكب والمرتجز واللحيف وكان له حمار يقال له: يعفور وغيره وكان له بغلة تسمى دلدل وكانت له لقاح تسمى الخناء والسمراء وغير ذلك وكانت له ناقة تسمى القصوى والأخرى العضباء وغيرهما وكانت له غنم منها سبعة أعنز كل واحدة منها مسماة باسم وشاة تدعى عيثة. اهـ. والسهم الجزء.
وهل السهمان للفرس وحده غير سهم الفارس؟ أو للفرس مع الفارس؟ لكل منهما سهم؟ خلاف فقهي سيأتي في فقه الحديث.
(وللرجل سهما) هذا أعم من رواية البخاري ولفظها "ولصاحبه سهما" فهي قاصرة على الفارس الذي معه فرس وقد فسرها نافع بما يتفق ولفظ مسلم بقوله: إذا كان مع الرجل فرس فله ثلاثة أسهم وإن لم يكن معه فرس فله سهم قال النووي: هكذا هو في أكثر الروايات "للرجل" وفي بعضها "للراجل" وهو المحارب ماشيا على رجليه.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: اختلف العلماء في سهم الفارس والراجل من الغنيمة فقال الجمهور: يكون للراجل سهم واحد وللفارس ثلاثة أسهم سهمان بسبب فرسه وسهم بسبب نفسه بهذا قال مالك والأوزاعي والثوري والليث والشافعي وأبو يوسف ومحمد وأحمد وإسحق وأبو عبيد وابن جرير وآخرون.
وقال أبو حنيفة: للفارس سهمان فقط سهم لفرسه وسهم له وحجة الجمهور هذا الحديث وهو صريح على رواية من روي "للفرس سهمين وللرجل سهما" بغير ألف في الرجل وهي رواية الأكثرين ومن روي "وللراجل" بالألف روايته محتملة فيتعين حملها على موافقة الأولى جمعا بين الروايتين قال: قال أصحابنا وغيرهم: ويرفع هذا الاحتمال ما ورد مفسرا في غير هذه الرواية في حديث ابن عمر هذا بلفظ: "أسهم رسول الله ﷺ لرجل ولفرسه ثلاثة أسهم سهما له وسهمين لفرسه" اهـ.
وفي الباب أحاديث كثيرة تؤيد الجمهور منها ما رواه أبو داود عن أبي عمرة عن أبيه قال: "أتينا رسول الله ﷺ أربعة نفر ومعنا فرس فأعطى كل إنسان منا سهما وأعطى الفرس سهمين" وما رواه النسائي من حديث يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن جده قال: "ضرب رسول الله ﷺ عام خيبر للزبير أربعة أسهم سهم للزبير وسهم لذي القربى لصفية بنت عبد المطلب أم الزبير (رضي الله تعالى عنهم) وسهمين للفرس" وما رواه أحمد من حديث مالك بن أوس عن عمر وطلحة بن
стр. 3869
عبيد الله والزبير قالوا: "كان رسول الله ﷺ يسهم للفرس سهمين" وروى الدارقطني من حديث أبي رهم قال: "غزونا مع النبي ﷺ أنا وأخي ومعنا فرسان فأعطانا ستة أسهم أربعة لفرسينا وسهمين لنا" وروى الدارقطني أيضا من حديث أبي كبشة قال: "لما فتح رسول الله ﷺ قال: إني جعلت للفرس سهمين والفارس سهما فمن أنقصهما أنقصه الله " وروي أيضا من حديث ضباعة بنت الزبير عن المقداد قال: "أسهم لي رسول الله ﷺ يوم بدر سهما ولفرسي سهمين" وروي أيضا من حديث عطاء عن ابن عباس "أن رسول الله ﷺ قسم لكل فرس بخيبر سهمين سهمين" وروي أيضا من حديث هشام بن عروة عن أبي صالح عن جابر قال: "شهدت مع رسول الله ﷺ غزاة فأعطى الفارس منا ثلاثة أسهم وأعطى الراجل سهما" وروي أيضا من حديث الواقدي عن محمد بن يحيى بن سهل بن أبي خيثمة عن أبيه عن جده أنه شهد حنينا مع النبي ﷺ "فأسهم لفرسه سهمين وله سهما".
أما أبو حنيفة فاحتج بما رواه الطبراني عن المقداد بن عمرو أنه كان يوم بدر على فرس فأسهم له النبي ﷺ سهمين لفرسه سهم واحد وله سهم" وبما رواه الواقدي أيضا في المغازي "قال الزبير: شهدت بني قريظة فارسا فضرب لي بسهم ولفرسي بسهم" وبما رواه ابن مردويه في تفسير سورة الأنفال من حديث عروة عن عائشة قالت: "أصاب رسول الله ﷺ سبايا بني المصطلق فأخرج الخمس منها ثم قسم بين المسلمين فأعطى الفارس سهمين والراجل سهما" وبما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن ابن عمر "أن النبي ﷺ جعل للفارس سهمين وللراجل سهما" وقال أبو حنيفة: أكره أن أفضل بهيمة على مسلم.
قال ابن سحنون: انفرد أبو حنيفة بذلك دون فقهاء الأمصار وفي التوضيح: خالف أبو حنيفة عامة العلماء قديما وحديثا وخالفه أصحابه فبقي وحده.
والتحقيق أن ما استند إليه أبو حنيفة من أحاديث كلها واهية لا يخلو واحد منها من لين وأما قوله: أكره أن أفضل بهيمة على مسلم فغير وارد لأن السهام كلها في الحقيقة للرجل والفرس ما قام بما قام به إلا بالرجل فالرجل على الفرس يبذل من الجهد ما لا يبذله الراجل من سرعة الكر والفر على أن الاعتماد في ذلك على الحديث والله أعلم.
وهل كل دابة ركبت في الحرب واستعين بها في القتال يسهم لها ما يسهم للفرس؟ قال مالك: يسهم للخيل والبراذين منها لقوله تعالى ﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة﴾ [النحل: ٨] فامتن الله تعالى بركوب الخيل وقد أسهم لها رسول الله ﷺ واسم الخيل يقع على البرذون والهجين وبقول مالك قال أبو حنيفة والثوري والشافعي وأبو ثور وقال الليث: للهجين والبرذون سهم دون سهم الفرس ولا يلحق الهجين والبرذون بالفرس العربي وعند أبي داود في المراسيل "أن رسول الله ﷺ هجن الهجين يوم خيبر وعرب العربي للعربي سهمان وللهجين سهم" وفي الأم للشافعي "أغارت الخيل فأدركت العراب وتأخرت البراذن فقام ابن المنذر الوادعي فقال: لا أجعل ما أدرك كمن لم يدرك
стр. 3870
فأقره عمر ﵁ فكان أول من أسهم للبراذين دون سهام العراب وقال ابن حزم: للراجل وراكب البغل والحمار والجمل سهم واحد فقط وقال أحمد: للفارس ثلاثة أسهم ولراكب البعير سهمان.
هذا ومادامت المسألة قياسية على الفرس المنصوص عليه فيحسن أن يكون مرجع المساواة أو عدمها للإمام حسب الجهود والنتائج والله أعلم.
وهناك مسائل فرعية: منها: هل يسهم لأكثر من فرس لفارس واحد؟ قال مالك والجمهور: لا يسهم لأكثر من فرس وقال الأوزاعي والثوري والليث وأحمد وأبو يوسف وإسحق: يسهم لفرسين.
ومنها: هل يسهم للفرس ولو لم تقاتل؟ قال مالك والشافعي والأوزاعي وأبو ثور: إذا كان المسلمون في سفن فلقوا العدو فغنموا -ولم تتحرك الخيل- أنه يضرب للخيل التي معهم في السفن بسهمها؟ وقال بعض الفقهاء: القياس أن لا يسهم لها.
ومنها: هل يسهم لفرس يموت قبل القتال؟ قال مالك: يسهم له وقال الشافعي وأبو ثور والباقون: لا يسهم له إلا إذا حضر القتال فلو مات الفرس في الحرب استحق صاحبه وإن مات صاحبه استمر استحقاقه وهو للورثة ومنها: لو باع فرسه في موضع القتال فكيف يسهم له؟ الظاهر استحقاق البائع مما غنموا قبل العقد واستحقاق المشتري مما غنموا بعد العقد وما اشتبه فيه يقسم بينهما وقيل: يوقف حتى يصطلحا وعن أبي حنيفة: من دخل أرض العدو راجلا لا يقسم له إلا سهم راجل ولو اشترى فرسا وقاتل عليه.
والله أعلم.
стр. 3871
(٤٨١) باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم
٤٠٣١ - عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاث مائة وتسعة عشر رجلا فاستقبل نبي الله ﷺ القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه "اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم آت ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض" فمازال يهتف بربه مادا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه. ثم التزمه من ورائه وقال يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك فأنزل الله ﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين﴾ [الأنفال: ٩] فأمده الله بالملائكة.
قال أبو زميل: فحدثني ابن عباس ﵄ قال: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول أقدم حيزوم فنظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقيا فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه كضربة السوط فاخضر ذلك أجمع. فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله ﷺ فقال "صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة" فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين.
قال أبو زميل: قال ابن عباس ﵄. فلما أسروا الأسارى قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر "ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ " فقال أبو بكر: يا نبي الله هم بنو العم والعشيرة أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوة على الكفار فعسى الله أن يهديهم للإسلام. فقال رسول الله ﷺ "ما ترى؟ يا ابن الخطاب" قلت: لا والله يا رسول الله ما أرى الذي رأى أبو بكر ولكني أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم. فتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه. وتمكني من فلان نسيبا لعمر فأضرب عنقه. فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها فهوي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت. فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر قاعدين يبكيان. قلت: يا رسول الله أخبرني من أي
стр. 3872
شيء تبكي أنت وصاحبك فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما فقال رسول الله ﷺ "أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة (شجرة قريبة من نبي الله ﷺ وأنزل الله ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض﴾ إلى قوله ﴿فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا﴾ [الأنفال: ٦٧ - ٦٩] فأحل الله الغنيمة لهم.
-[المعنى العام]-
هاجر المسلمون من مكة إلى المدينة أخرجهم المشركون بثيابهم التي هي عليهم لم يسمحوا لأحدهم أن يصحب مالا أو متاعا أخرجوهم من ديارهم وأموالهم فأذن الله لهم في المدينة أن يتعرضوا لقوافل المشركين أهل مكة القادمة من الشام والمارة بالمدينة ليعوضوا بعض أموالهم التي استولى عليها المشركون وعلم رسول الله ﷺ أن قافلة كبيرة تضم عيرا كثيرة نحو ألف بعير تحمل تجارة غالية تقدر بخمسين ألف دينار على قيادتها أبو سفيان ومعه عمرو بن العاص ومخرمة بن نوفل وآخرون يزيدون على أربعين رجلا فطلب من المسلمين بالمدينة الخروج لاعتراض هذه القافلة فخرج ثلاثمائة رجل وبضعة عشر رجلا بما تيسر لهم من سلاح وركاب وعلم أبو سفيان بخروج المسلمين فغير طريقه إلى طريق الساحل وأسرع المسير وأرسل إلى أهل مكة أن يخرجوا للدفاع عن تجارتهم وأموالهم وحمايتها من المسلمين فخرج من أهل مكة ما يزيد على الألف مدججين بما يملكون من سلاح ووصل المسلمون إلى ماء بدر ووصل مشركو مكة إلى ماء بدر وأرسل أبو سفيان إليهم أن عودوا إلى مكة فقد نجت العير وأمنت تجارتكم فأخذتهم العزة وقالوا: لا والله لا نرجع حتى نلقن المسلمين درسا حتى لا يعودوا لمثل ما فعلوا. واستشار رسول الله ﷺ أصحابه قال: إن الله وعدني إحدى الطائفتين.
العير أو الحرب وقد أفلتت العير فماذا ترون في الحرب؟ وكانت العير بطبيعة الحال أحب إليهم فإنها غير ذات شوكة وهي غنيمة كبرى ولكن الله أراد لهم الأخرى وكان جواب المسلمين إيمانا صادقا وشجاعة نادرة وعزة وإباء قال قائلهم: يا رسول الله امض لما أمرك الله لعلك خرجت لأمر فأحدث الله غيره فامض لما شئت وصل حبال من شئت واقطع حبال من شئت وسالم من شئت وعاد من شئت وخذ من أموالنا ما شئت لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: ﴿فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون﴾ [المائدة: ٢٤] ولكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون والله لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك ما تخلف منا أحد فسر رسول الله ﷺ وصف المسلمين للقتال وطلبت المبارزة فخرج علي للوليد وخرج حمزة لشيبة بن ربيعة وخرج عبيدة بن الحارث لعتبة بن ربيعة فقتل الوليد وشيبة وعتبة ثم التحمت الجيوش ووقف رسول الله ﷺ مستقبل القبلة ورفع
стр. 3873
يديه إلى السماء وأخذ يدعو ربه ويستغيث اللهم أنجز لي وعدك الذي وعدتني اللهم اهزمهم وانصرنا عليهم اللهم إن هذه الجماعة هي التي تعبدك في الأرض من بني آدم واستغرق ﷺ في الاستغاثة بصوت مرتفع حتى سقط رداؤه عن كتفيه فضمه أبو بكر ﵁ وأعاد عليه رداءه وقال له: رفقا بنفسك يا رسول الله فلن يخذلك ربك أبدا وسينجز وعده لك وما هي إلا جولات وانجلت المعركة عن هزيمة المشركين وفرارهم مخلفين وراءهم سبعين قتيلا من كبرائهم وسبعين أسيرا من ساداتهم وسيق الأسرى إلى المسجد النبوي وربطوا في سواريه واستشار الرسول ﷺ فيهم القتل؟ أو المن؟ أو الفداء؟ فأشار أبو بكر ﵁ بالفداء وأشار عمر بالقتل ودخل ﷺ بيته يفكر ثم خرج مرتاحا لرأي أبي بكر فأخذ منهم الفداء وفي اليوم الثاني نزل عتاب الله لنبيه على أخذ الفداء نزل الوحي الأمين مؤيدا لما قاله عمر رضي
الله عنه مؤاخذا على تنفيذ إشارة أبي بكر فجلس ﷺ هو وصاحبه أبو بكر يبكيان وأنزل الله تعالى ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة﴾ [الأنفال: ٦٧] لكن الله تعالى أباح لهم ما أخذوا من فداء وكان هذا النصر من الله وبمدد جاءهم من السماء أمدهم الله في معركتهم بألف من الملائكة مردفين ﴿وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم﴾ [آل عمران: ١٢٦].
-[المباحث العربية]-
(لما كان يوم بدر) "لما" شرطية و"كان" تامة بمعنى حصل ووقع ووجد و"يوم" بالرفع فاعل و"بدر" بئر لرجل يسمى بدر بن الحارث كناني قال الشعبي وقيل: سميت البئر بدرا لاستدارتها كالبدر وقيل لصفائها ورؤية البدر فيها وقيل: هي قرية عامرة كانت سوقا بأرض العرب ومجمعا من مجامعهم في الجاهلية وبها آبار ومياه عذبة وعينان جاريتان عليهما الموز والنخل والعنب تقع بين المدينة ومكة على ثمانية وعشرين فرسخا من المدينة وكان بهذا الوادي غزوة بدر الكبرى قال الحافظ: والمحفوظ أنها كانت يوم الجمعة.
(نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا) في البخاري "كان المهاجرون يوم بدر نيفا على ستين والأنصار نيفا وأربعين ومائتين" وقال ابن إسحق: كان المهاجرون ثلاثة وثمانين وكان من الأوس واحد وستون رجلا ومن الخزرج مائة وسبعون رجلا منهم رسول الله ﷺ فكان جميعهم ثلاثمائة وأربعة عشر رجلا وقال ابن سعد: خرج رسول الله ﷺ في ثلاثمائة رجل وخمسة نفر كان المهاجرون منهم أربعة وسبعين وسائرهم من الأنصار وثمانية تخلفوا لعلة ضرب رسول الله ﷺ بسهامهم وآجرهم وهم عثمان بن عفان تخلف على امرأته رقية وطلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد بعثهما ﵊ يتجسسان خبر العير وأبو لبابة خلفه رسول الله ﷺ على المدينة وعاصم بن عدي خلفه على أهل العالية والحارث
стр. 3874
بن حاطب رده من الروحاء إلى بني عمرو بن عوف لشيء بلغه عنهم والحارث بن الصمة كسر بالروحاء وخوات بن جبير كسر أيضا فهؤلاء ثمانية لا خلاف فيهم عندنا وقيل غير ذلك وحاول بعضهم الجمع بين هذه الأقوال بأن الذي زاد ضم إلى العدد من استصغر ولم يؤذن له في القتال يومئذ كالبراء وابن عمر وأنس وجابر وذكر بعضهم في العدد سعد بن مالك الساعدي والد سهل وقد مات في الطريق واختلف في سعد بن عبادة هل شهدها؟ أورد لحاجة.
(فجعل يهتف) بفتح الياء وكسر التاء بينهما هاء ساكنة معناه يصيح ويستغيث بالله بالدعاء وفي القرآن الكريم ﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم﴾ [الأنفال: ٩] قال المفسرون: والظاهر أن المستغيث هم المؤمنون قيل: إنهم لما علموا أن لا محيص من القتال أخذوا يقولون: أي رب انصرنا على عدونا أغثنا يا غياث المستغيثين وقال الزهري: إنه رسول الله ﷺ والمسلمون معه وظاهر حديثنا يدل على أنه رسول الله ﷺ وعليه فالجمع في الآية للتعظيم.
(اللهم أنجز لي ما وعدتني) يقال: نجز الشيء بفتح النون والجيم ينجز بضم الجيم نجزا تم وقضى لازم ونجز الشيء متعد أتمه وقضاه وأنجز الشيء نجزه وقضاه ومنه المثل: أنجز حر ما وعد فألف "أنجز لي" ألف وصل أو قطع والذي وعده ﷺ هو ما جاء في قوله تعالى ﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم﴾ [الأنفال: ٧] أي العير أو النفير وكانت العير قد ذهبت وفاتت فكان الدعاء بإنجاز الوعد بالنصر.
(اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض) قال النووي: ضبطوه "تهلك" بفتح التاء وضمها فعلى الأول ترفع "العصابة" على أنها فاعل وعلى الثاني تنصب مفعول و"العصابة" الجماعة اهـ وإنما قال ذلك لأنه علم أنه خاتم النبيين فلو هلك هو ومن معه حينئذ لم يبعث أحد ممن يدعو إلى الإيمان فيستمر المشركون يعبدون غير الله فالمعنى لا تعبد في الأرض بهذه الشريعة.
(كفاك مناشدتك ربك) المناشدة السؤال مأخوذ من النشيد وهو رفع الصوت يقال: نشد فلانا إذا قصده وسأله ونشد فلانا بكذا ذكره به واستعطفه يقال: نشدتك الله وبه ونشدتك الرحم وبها و"كفاك" هكذا هو وقع لبعضهم ووقع لجماهير رواة مسلم "كذاك" بالذال وفي رواية البخاري "حسبك مناشدتك ربك" وكل بمعنى وضبطوا "مناشدتك" بالرفع والنصب وهو الأشهر قال القاضي: من رفعه جعله فاعلا بكفاك ومن نصبه فعلى المفعول بما في حسبك وكفاك وكذاك من معنى الفعل من الكف.
﴿أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين﴾ "أني ممدكم" أي معينكم والإمداد الإعانة وقيل: إعطاء الشيء بعد الشيء وقيل: المد في الشر والإمداد في الخير و"مردفين" أي متتابعين أي وراء كل ملك ملك وقيل: مردفين المؤمنين أي جائين
стр. 3875
خلفهم وقرئ "مردفين" بفتح الدال أي مردفين بالمؤمنين فيكون الملائكة في المقدمة أو جعلهم الله مردفين للمؤمنين فيكون الملائكة في مؤخرة الجيش.
والتنصيص على الألف هنا لا ينافي الثلاثة آلاف الواردة في قوله تعالى ﴿ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون* إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين﴾ [آل عمران: ١٢٣، ١٢٤] ولا ينافي الخمسة آلاف الواردة في قوله تعالى ﴿بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين﴾ [آل عمران: ١٢٥] لأن معنى "مردفين" يردفهم غيرهم ويتبعهم ألوف أخر مثلهم قال الربيع بن أنس: أمد الله المسلمين بالألف ثم صاروا ثلاثة آلاف ثم صاروا خمسة آلاف ومعنى "مسومين" بفتح الواو أي معلمين قيل: كانت علامتهم الصوف الأبيض وقيل: العهن الأحمر وقيل: عمائم حمر وقيل: عمائم سود و"مسومين" بكسر الواو أي معلمين أنفسهم أو معلمين خيولهم في نواصيها.
(إذ سمع ضربة بالسوط فوقه) أي فوق المشرك الذي أمامه.
(وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم) أي وسمع صوت الفارس الضارب -وهو لا يراه- يقول لفرسه: أقدم يا حيزوم. قال النووي: "حيزوم" هو بحاء مفتوحة ثم ياء ساكنة ثم زاي مضمومة ثم واو ثم ميم قال القاضي: ووقع في رواية "حيزون" بالنون والصواب الأول وهو المعروف لسائر الرواة والمحفوظ وهو اسم فرس الملك وهو منادى بحذف حرف النداء وأما "أقدم" فضبطوه بوجهين أصحهما وأشهرهما -ولم يذكر ابن دريد وكثيرون أو الأكثرون غيره- أنه بهمزة قطع مفتوحة وبكسر الدال من الإقدام قالوا: وهي كلمة زجر للفرس معلومة في كلامهم والثاني بضم الدال وبهمزة وصل مضمومة من التقدم.
(فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه) الخطم بالخاء الأثر على الأنف. يقال: خطمه بفتح الطاء يخطمه بكسرها أي ضرب خطمه بسكونها والخطم بسكون الطاء الأنف ويقال: خطم أنفه أي جعل عليه خطاما والخطام الزمام وما وضع على خطم الجمل ليقاد به والمعنى هنا أن المشرك الذي وقع بضربة من سوط الملك كان أنفه مجروحا ووجهه مشقوقا من أثر الضربة أو من أثر شيء يشبه الضربة و"خطم" بضم الخاء وكسر الطاء مبني للمجهول و"أنفه" نائب فاعل.
(فاخضر ذلك أجمع) أي انقطع الأنف والوجه أجمع وتشوه كل منهما يقال: اخضره أي قطعه واستأصله.
(ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ ) بضم الهمزة وعند أحمد والترمذي والحاكم "لما كان يوم بدر جيء بالأسارى وفيهم العباس فقال رسول الله ﷺ : ما ترون في هؤلاء الأسارى؟
(هم بنو العم والعشيرة) بالجر أي وبنو العشيرة وعشيرة الرجل بنو أبيه الأقربون وقبيلته
стр. 3876
وفي القرآن الكريم ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ [الشعراء: ٢١٤] والجمع عشائر وفي رواية "يا رسول الله ﷺ قومك وأهلك استبقهم لعل الله تعالى أن يتوب عليهم".
(ولكني أرى أن تمكنا) بضم التاء وفتح الميم وتشديد الكاف المكسورة أي تمكنا منهم ومن ضرب رقابهم وفي رواية "يا رسول الله كذبوك وأخرجوك وقاتلوك قدمهم فاضرب أعناقهم".
(فتمكن عليا من عقيل) أخيه ابن أبي طالب.
(وتمكني من فلان -نسيبا لعمر- فأضرب عنقه) "فلان" كنى به الراوي عن اسم نطق به عمر و"نسيبا" حال منه وفي رواية أحمد "قريبا لعمر وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين".
(فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها) "الصناديد" جمع صنديد بفتح الصاد وكسرها وهو الشديد وكان الظاهر أن يقول "وصناديده" ليعود الضمير على الكفر أو "وصناديدهم" ليعود الضمير على أئمة الكفر قال النووي: والضمير في "صناديدها" يعود على "أئمة الكفر" أو مكة اهـ. وفي عوده على أئمة الكفر نظر وفي عوده على مكة عود على ما لم يسبق له ذكر والأولى منه على هذا أن يعود على قريش فصناديد قريش أشهر من صناديد مكة ورواية أحمد "هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم" فلعل اللفظ في روايتنا سهو من الناسخ.
وفي رواية أحمد والترمذي والحاكم "وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله انظر واديا كثير الحطب فأضرمه عليهم نارا فدخل النبي ﷺ ولم يرد عليهم شيئا فقال أناس: يأخذ بقول أبي بكر وقال أناس: يأخذ بقول عمر وقال أناس: يأخذ بقول عبد الله بن رواحة فخرج رسول الله ﷺ فقال: إن الله تعالى ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن وإن الله سبحانه ليشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم ﵇ قال ﴿فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم﴾ [إبراهيم: ٣٦] ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى ﵇ قال ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾ [المائدة: ١١٨] ومثلك يا عمر كمثل موسى ﵇ إذ قال ﴿ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم﴾ [يونس: ٨٨] ومثلك يا عمر مثل نوح ﵇ إذ قال ﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا﴾ [نوح: ٢٦] ثم قال لأصحابه: أنتم عالة -أي فقراء محتاجون فلا يفلتن أحد من الأسرى إلا بفداء أو ضرب عنق.
(فهوي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت) أي فنفذ إشارة أبي بكر وفي رواية لأحمد "فأخذ منهم الفداء" و"هوي" بكسر الواو أي أحب ذلك واستحسنه يقال: هوي الشيء بكسر الواو يهوى بفتحها هوى والهوى المحبة أما هوى بفتح الواو يهوي بكسرها فمعناه سقط قال النووي: "ولم يهو ما قلت" هكذا هو في بعض النسخ "ولم يهو" وفي كثير منها "ولم يهوي" وهي لغة قليلة بإثبات حرف العلة مع الجازم ومنه قراءة من قرأ ﴿إنه من يتق ويصبر﴾ [يوسف: ٩٠] بالياء ومنه قول الشاعر: ألم يأتيك والأنباء تنمي.
стр. 3877
(أبكي للذي عرض على أصحابك) اللام للتعليل وعائد الصلة محذوف والتقدير: أبكي من أجل الذي عرضه على أصحابك والمقصود من أصحابه أبو بكر ومن وافقه ﵃ وفي رواية "أبكي على أصحابك".
(لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة) أي لقد رأيت ما كان سيحل بهم من العذاب الدنيوي الذي كان قريب الوقوع بهم قرب هذه الشجرة لولا كتاب من الله سبق إثباته في اللوح المحفوظ وهو أن لا يعذب قوما على فعل قبل أن يبين لهم حكمه أمرا أو نهيا لمسهم العذاب العظيم.
(ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض) أي ما صح وما استقام لنبي من الأنبياء أن يكون له أسرى حتى يبالغ في القتل ويكثر منه حتى يذل الكفر ويضعف حزبه ويعز الإسلام ويرفع أهله وأصل معنى الثخانة الغلظ والكثافة في الأجسام ثم استعير هنا للمبالغة في القتل والجراحة لأنها لمنعها من الحركة صيرته كالثخين الذي لا يسيل وقرئ "يثخن" بفتح الثاء وتشديد الخاء المكسورة للمبالغة في المقاتلة.
﴿تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة﴾ وثوابها لكم.
﴿فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا﴾ فأحل الله الغنيمة لهم روي أنه لما نزلت الآية الأولى كف أصحاب رسول الله ﷺ أيديهم عما أخذوا من الفداء فنزلت هذه الآية فالمراد "مما غنمتم" إما الفدية وإما مطلق الغنائم والمقصود ما اندرج فيها من الفدية وإلا فحل الغنائم قد علم سابقا من قوله سبحانه ﴿واعلموا أنما غنمتم﴾ إلخ أي لا أؤاخذكم بم أخذتم من فداء فكلوه أكلا حلالا طيبا.
-[فقه الحديث]-
نزول الملائكة في ساحة القتال يوم بدر ثابت بالقرآن الكريم والأحاديث الكثيرة البالغة حد الشهرة فالقرآن الكريم يقول ﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين* وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم* إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام* إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان﴾ [الأنفال: ٩ وما بعدها].
ويقول: ﴿ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون* إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين* بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين* وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم
стр. 3878
به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم﴾ [آل عمران: ١٢٣ وما بعدها] وحديثنا عن عمر بن الخطاب صريح في نزول الملائكة يوم بدر والخلاف بين العلماء في قتال الملائكة مع المؤمنين أو عدم قتالهم.
والجمهور على أنهم قاتلوا مع المؤمنين يوم بدر ويستدلون بالآيات السابقة ويفسرون ﴿فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان﴾ بأنه أمر من الله للملائكة أن يضربوا رقاب الكافرين ويقطعوا أصابعهم وأطرافهم.
وقول ابن عباس في حديثنا "بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد .. إلخ" ثم قول الأنصاري ما رأى من قتل المشرك وخطم أنفه وتصديق النبي ﷺ له وقوله "ذلك من مدد السماء الثالثة" دليل على أنهم قاتلوا وقد أخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن أبي داود المازني قال: "بينما أنا أتبع رجلا من المشركين يوم بدر فأهويت بسيفي إليه فوقع رأسه قبل أن يصل سيفي إليه فعرفت أنه قد قتله غيري" فإن قيل: ما الحكمة في قتال الملائكة مع النبي ﷺ ؟ مع أن جبريل قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه؟ أجيب بأن ذلك وقع لإرادة أن يكون الفعل للنبي ﷺ وأصحابه وتكون الملائكة مددا على عادة مدد الجيوش رعاية لصورة الأسباب التي أجراها الله تعالى في عباده والله تعالى هو فاعل الجميع.
القول الثاني: أن الملائكة كانت مهمتها تثبيت المؤمنين ﴿فثبتوا الذين آمنوا﴾ وهذا الفريق يجعل الخطاب في قوله تعالى ﴿فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان﴾ للمؤمنين.
ومن حجته أن قدرة ملك واحد كفيلة بهزيمة المشركين فلو كانت مهمتهم قتالا لكان ملك واحد كافيا وقد وردت أحاديث في تثبيتهم المؤمنين قيل: كان ذلك بظهورهم لهم في صورة بشرية يعرفونها ووعدهم إياهم النصر على أعدائهم فقد أخرج البيهقي في الدلائل "أن الملك كان يأتي الرجل في صورة الرجل يعرفه فيقول: أبشروا فإنهم ليسوا بشيء والله معكم كروا عليهم" وفي رواية "كان الملك يتشبه بالرجل فيأتي ويقول: إني سمعت المشركين يقولون: والله لئن حملوا علينا لنكشفن ويمشي بين الصفوف فيقول: أبشروا فإن الله تعالى ناصركم".
وقيل: كان التثبيت بأشياء يلقونها في قلوبهم تصح بها عزائمهم ويتأكد جدهم وللملك قوة إلقاء الخير في القلب ويقال له الإلهام كما أن للشيطان قوة إلقاء الشر ويقال له الوسوسة وقيل: كان التثبيت بمجرد تكثير السواد والله أعلم.
-[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]-
١ - من مناشدة رسول الله ﷺ ربه بهذه الحالة استحباب استقبال القبلة في الدعاء.
٢ - ورفع اليدين فيه.
٣ - وأنه لا بأس برفع الصوت في الدعاء ليراه الناس فيدعوا كما يدعو أو تقوى بدعائه قلوبهم.
стр. 3879
٤ - وأن الدعاء بشيء موثوق من حصوله مشروع فقد كان الله تعالى قد وعد نبيه ﷺ إحدى الطائفتين إما العير وإما النصر وكانت العير قد ذهبت وفاتت فكان على ثقة من حصول الأخرى ومع ذلك استغاث وسأل إنجاز الوعد مع ثقته في الإنجاز كما قال له أبو بكر.
قال الخطابي: لا يجوز أن يتوهم أحد أن أبا بكر كان أوثق بربه من النبي ﷺ في تلك الحال بل الحامل للنبي ﷺ على ذلك شفقته على أصحابه وتقوية قلوبهم لأنها كانت أول معركة يشهدها فبالغ في التوجه والدعاء والابتهال لتسكن نفوسهم عند ذلك لأنهم كانوا يعلمون أن دعاءه مستجاب فلما قال له أبو بكر ما قال كف عن ذلك وعلم أنه استجيب له. اهـ.
وقال غيره: كان رسول الله ﷺ في تلك الحالة في مقام الخوف وهو أكمل حالات القرب وجاز عنده أن لا يقع النصر يومئذ لأن وعده بالنصر لم يكن معينا لتلك الواقعة وإنما كان مجملا وهذا ليس بشيء لقوله ﷺ في مناشدته" اللهم أنجز ما وعدتني اللهم آت ما وعدتني" والتوجيه الأول حسن.
والله أعلم.
стр. 3880
(٤٨٢) باب ربط الأسير وحبسه وجواز المن عليه
٤٠٣٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ خيلا قبل نجد. فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة فربطوه بسارية من سواري المسجد فخرج إليه رسول الله ﷺ فقال "ماذا عندك؟ يا ثمامة" فقال: عندي يا محمد خير إن تقتل تقتل ذا دم وإن تنعم تنعم على شاكر وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت. فتركه رسول الله ﷺ حتى كان بعد الغد فقال "ما عندك يا ثمامة؟ " قال: ما قلت لك إن تنعم تنعم على شاكر وإن تقتل تقتل ذا دم وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت فتركه رسول الله ﷺ حتى كان من الغد فقال "ماذا عندك؟ يا ثمامة" فقال: عندي ما قلت لك إن تنعم تنعم على شاكر وإن تقتل تقتل ذا دم وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت فقال رسول الله ﷺ "أطلقوا ثمامة" فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. يا محمد والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلي. والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك فأصبح دينك أحب الدين كله إلي. والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إلي. وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى؟ فبشره رسول الله ﷺ وأمره أن يعتمر فلما قدم مكة قال له قائل: أصبوت؟ فقال: لا ولكني أسلمت مع رسول الله ﷺ ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله ﷺ .
٤٠٣٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ خيلا له نحو أرض نجد فجاءت برجل يقال له ثمامة بن أثال الحنفي سيد أهل اليمامة. وساق الحديث بمثل حديث الليث إلا أنه قال "إن تقتلني تقتل ذا دم".
стр. 3881
-[المعنى العام]-
صورة مشرقة لسماحة الإسلام وكرم رسوله الرحيم وحسن معاملته وعفوه عمن أساء بل والإحسان إليه صورة تبرز كيف انتشر هذا الدين الحنيف؟ وكيف دخل القلوب؟ وكيف أحبه وأحب تعاليمه من دخل فيه؟ صورة تلقم الحجر كل من يدعي أن الإسلام انتشر بالسيف وأن الناس دخلوا فيه عن طريق الإرهاب.
في السنة السادسة من الهجرة وفيما قبلها وفيما بعدها كان رسول الله ﷺ يرسل فرسانا مسلحين على خيلهم يجوبون الصحاري حول المدينة يؤمنونها من الأعداء ويأتون بأخبار المتآمرين عليهم ويحذرون ويخيفون من تسول له نفسه التحزب ضدهم وفي طلعة من هذه الطلعات لقي الجنود رجلا تبدو على ملامحه السيادة قبضوا عليه سألوه عرفوا أنه سيد قبيلة بني حنيفة باليمامة جهة نجد بين اليمن ومكة وكانت القبيلة كافرة تعين الكافرين على قتال المسلمين جاءوا به إلى المسجد النبوي أسيرا وربطوه في عمود من أعمدته وخرج إليه رسول الله ﷺ وهو يعرفه إنه ثمامة بن أثال قال له ﷺ : كيف حالك يا ثمامة؟ ما تظن أني فاعل بك؟ قال: ما أظن إلا خيرا فقد علمت العرب أنك تعفو وتغفر وتكرم إن قتلتني فمن حقك تقتل عدوا لك عنده ثأر وإن تعف عني وتنعم علي وجدتني شاكرا مقدرا للمعروف غير منكر لجميل وإن أردت مالا فداء لي فسل منه ما شئت فتركه رسول الله ﷺ حتى كان اليوم الثاني أعاد عليه السؤال وأعاد ثمامة نفس الجواب فتركه لليوم الثالث فأعاد عليه نفس السؤال وأعاد ثمامة نفس الجواب وفي الأيام الثلاثة يقدم لثمامة أفضل ما في بيته ﷺ من طعام وشراب قال ﷺ لأصحابه في اليوم الثالث: أطلقوا ثمامة حلوا وثاقه وحرروه يذهب كيف شاء.
بهذا دخل الإسلام قلب ثمامة تحول بغضه لمحمد ﷺ حبا له وبغضه للإسلام عشقا له وبغضه للمدينة اعتزازا بها طلب أن يعتمر ثم يعود إلى بلده فأذن له وعلم أهل مكة بإسلامه فأرادوا إيذاءه فهددهم بمنع حنطة اليمامة عنهم فأطلقوه فلما وصل منع أهله أن يبيعوا الحنطة لأهل مكة وقال: والله لا آذن بحبه حنطة من اليمامة إلى أهل مكة حتى يأذن بها رسول الله ﷺ فكتب أهل مكة إلى رسول الله ﷺ فتشفع ﷺ لهم عند ثمامة حتى باعهم وبعد عامين أو يزيد ذهب وفد بني حنيفة إلى رسول الله ﷺ مسلمين مبايعين بفضل حسن معاملة الإسلام وسماحة رسوله الكريم.
-[المباحث العربية]-
(بعث رسول الله ﷺ خيلا) أي سرية وقطعة من الجيش على خيل وفي الرواية الثانية "خيلا له"
(قبل نجد) أي جهة نجد وفي الرواية الثانية "نحو أرض نجد"
стр. 3882
(فجاءت برجل من بني حنيفة) قال الحافظ ابن حجر: زعم سيف في كتاب الزهد أن الذي أخذ ثمامة العباس بن عبد المطلب وفيه نظر لأن العباس إنما قدم على رسول الله ﷺ في زمان فتح مكة وقصة ثمامة تقتضي أنها كانت قبل ذلك بحيث اعتمر ثمامة ثم رجع إلى بلاده ثم منعهم أن يميروا أهل مكة ثم شكا أهل مكة إلى النبي ﷺ ذلك .. " فكانت قصته قبل وفد بني حنيفة بزمان وكان وفد بني حنيفة سنة تسع.
و"حنيفة" بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل قبيلة كبيرة شهيرة تنزل اليمامة بين مكة واليمن
(يقال له: ثمامة بن أثال) بضم الهمزة مصروف وهو ابن النعمان بن مسلمة الحنفي وكان من فضلاء الصحابة.
(سيد أهل اليمامة) "سيد" بالرفع صفة "ثمامة".
(فربطوه في سارية من سواري المسجد) النبوي بالمدينة والسارية الأسطوانة والعمود وكان مثل هذا الربط بديلا عن سجون اليوم.
(فخرج إليه رسول الله ﷺ أي خرج للصلاة في المسجد فمر به.
(ماذا عندك يا ثمامة؟ ) أي ماذا استقر في ذهنك وفي ظنك أن نفعله بك يا ثمامة؟ بعد عدائك لنا وللإسلام؟ وبعد أسرنا لك؟ و"ماذا" اسم استفهام مبتدأ و"عندك" خبره ويحتمل أن تكون "ما" استفهامية و"ذا" موصولة و"عندك" صلة أي ما الذي استقر في ظنك؟
(عندي -يا محمد- خير) جملة النداء لا محل لها من الإعراب معترضة بين الخبر المقدم والمبتدأ المؤخر أي استقر في ذهني ما هو خير واطمئنان لأنك لست ممن يظلم بل ممن يعفو ويحسن.
(إن تقتل تقتل ذا دم) "دم" بالدال المفتوحة والميم المخففة وهي رواية الأكثر وفي رواية "ذم" بالذال بدل الدال قال النووي: ومعنى رواية الأكثرين: إن تقتلني [كما في رواية البخاري وروايتنا الثانية] تقتل صاحب دم لدمه أي تثأر ممن لك عنده ثأر فتشفي نفسك بالثأر منه وهو مستحق لما يفعل به وهو إن لم يقتل مسلما لكنه كان لرئاسته وعظمته وسيادته يعتبر نفسه مسئولا عما فعله أهل اليمامة بالمسلمين ويحتمل أن يكون المعنى أنه عليه دم فعلا -ولو لغير المسلمين- فهو مطلوب ويستحق القتل وأما رواية "ذا ذم" بالذال المعجمة فمعناها ذا ذمة وضعفها عياض لأنها تقلب المعنى لأنه إذا كان ذا ذمة يمتنع قتله قال النووي: ويمكن تصحيحها بأن يحمل على الوجه الأول والمراد بالذمة الحرمة في قومه.
(وإن تنعم تنعم على شاكر) ومقدر لجميلك وإنعامك وقد قدمت هذه الجملة في اليوم الثاني
стр. 3883
والثالث على الجملة الأولى خلافا لليوم الأول لأنه بالمقابلة الأولى ازداد اطمئنانا على عدم القتل وأصبح الإنعام عنده أرجح الاحتمالات.
(حتى كان بعد الغد) هكذا هو في مسلم بعد اللقاء الأول وبعد اللقاء الثاني "حتى كان من الغد" وهو مشكل والأولى عكسهما كما في رواية البخاري.
(عندي ما قلت لك) رواية البخاري اقتصرت في اليوم الثاني على قوله "ما قلت لك إن تنعم تنعم على شاكر" واقتصرت في اليوم الثالث على "عندي ما قلت لك" ووجهها الحافظ ابن حجر بقوله: هكذا اقتصر في اليوم الثاني على أحد الشقين -كان حقه أن يقول: على شق من الثلاثة -وحذف الأمرين في اليوم الثالث- وكان حقه أن يقول: وحذف الأمور الثلاثة في اليوم الثالث- وذلك أنه قدم أول يوم أشق الأمرين عليه وأشفى الأمرين لصدر خصومه وهو القتل فلما لم يقع اقتصر على ذكر الاستعطاف وطلب الإنعام في اليوم الثاني: فكأنه في اليوم الأول رأى أمارات الغضب فقدم ذكر القتل فلما لم يقتله طمع في العفو فاقتصر عليه فلما لم يعمل شيئا مما قال اقتصر في اليوم الثالث على الإجمال تفويضا إلى جميل خلقه ﷺ .
وهذا الذي ذكره الحافظ -على الرغم من أنه عد شقين وأهمل الثالث- إن صلح مع رواية البخاري لا يصلح مع رواية مسلم فالأولى أن نقول: إن بعض الرواة ذكر ما لم يذكر الآخر وهو في الأيام الثلاثة ردد بين الأمور الثلاثة وإن قدم الأول في اليوم الأول للعلة السابقة.
(أطلقوا ثمامة) في رواية "قال: قد عفوت عنك يا ثمامة وأعتقتك" وفي رواية ابن إسحق "أنه لما كان في الأسر جمعوا ما كان في أهل النبي ﷺ من طعام ولبن فلم يقع ذلك من ثمامة موقعا فلما أسلم جاءوه بالطعام فلم يصب منه إلا قليلا فتعجبوا فقال النبي ﷺ "إن الكافر يأكل في سبعة أمعاء وإن المؤمن يأكل في معي واحد".
(فانطلق إلى نخل قريب من المسجد) قال النووي: هكذا هو في البخاري ومسلم وغيرهما "نخل" بالخاء وتقديره انطلق إلى نخل فيه ماء فاغتسل منه قال القاضي: قال بعضهم: صوابه "نجل" بالجيم وهو الماء القليل المنبعث وقيل: الجاري قلت: بل الصواب الأول لأن الروايات صحت به ولم يرو إلا هكذا وهو صحيح ولا يجوز العدول عنه.
(فبشره رسول الله ﷺ يعني بشره بما حصل له من الخير العظيم بالإسلام وأن الإسلام يهدم ما كان قبله.
(فلما قدم مكة) زاد ابن هشام قال: بلغني أنه خرج معتمرا فلما كان ببطن مكة لبى فكان أول من دخل مكة يلبي فأخذته قريش فقالوا: لقد اجترأت علينا وأرادوا قتله فقال قائل منهم: دعوه فإنكم تحتاجون إلى الطعام من اليمامة فتركوه.
стр. 3884
(قال له قائل: أصبوت؟ ) قال النووي: هكذا هو في الأصول "أصبوت"؟ وهي لغة والمشهور "أصبأت" بالهمزة وعلى الأول جاء قولهم: الصباة كقاض وقضاة.
(فقال: لا. ولكني أسلمت مع رسول الله ﷺ كأنه قال: لا ما خرجت من الدين لأن عبادة الأوثان ليست دينا فإذا تركتها لا أكون خرجت من دين بل استحدثت دين الإسلام وقوله "مع محمد" أي وافقته على دينه فصرنا متصاحبين في الإسلام أنا بالابتداء وهو بالاستدامة وفي رواية ابن هشام "ولكن تبعت خير الدين دين محمد"
(ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله ﷺ "ولا والله" فيه حذف تقديره: والله لا أرجع إلى دينكم ولا أرفق بكم فأترك الميرة تأتيكم من اليمامة زاد ابن هشام: ثم خرج إلى اليمامة فمنعهم أن يحملوا إلى مكة شيئا فكتبوا إلى النبي ﷺ : إنك تأمر بصلة الرحم؟ فكتب إلى ثمامة أن يخلي بينهم وبين الحمل إليهم.
-[فقه الحديث]-
-[يؤخذ من هذا الحديث]-
١ - جواز ربط الأسير وحبسه.
٢ - وجواز إدخال الكافر المسجد ومذهب الشافعي جوازه بإذن مسلم سواء كان كافرا كتابيا أو غيره وقال عمر بن عبد العزيز وقتادة ومالك: لا يجوز وقال أبو حنيفة: يجوز لكتابي دون غيره. قال النووي: ودليلنا على الجميع هذا الحديث وأما قوله تعالى ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام﴾ [التوبة: ٢٨] فهو خاص بالحرم ونحن نقول: لا يجوز إدخاله الحرم.
٣ - ويؤخذ من إطلاق ثمامة جواز المن على الأسير. قال النووي: وهو مذهبنا ومذهب الجمهور.
٤ - وتعظيم أمر العفو عن المسيء لأن ثمامة أقسم أن بغضه انقلب حبا في ساعة واحدة لما أسداه النبي ﷺ إليه من العفو والمن بغير مقابل.
٥ - وأن الإحسان يزيل البغض ويثبت الحب.
٦ - وأن الكافر إذا أراد عمل خير ثم أسلم شرع له أن يستمر في عمل ذلك الخير.
٧ - ومن قوله "ما عندك يا ثمامة" فيه الملاطفة بمن يرجى إسلامه من الأسارى إذا كان في ذلك مصلحة للإسلام ولا سيما من يتبعه على إسلامه العدد الكثير من قومه.
٨ - وعن غسله ثم إعلان إسلامه قال الشافعية: إذا أراد الكافر الإسلام بادر به ولا يؤخره للاغتسال ولا يحل لأحد أن يأذن له في تأخيره بل يبادر به ثم يغتسل قال النووي: ومذهبنا أن اغتساله واجب إن كان عليه جنابة في الشرك سواء كان اغتسل منها أم
стр. 3885
لا وقال بعض أصحابنا إن كان اغتسل أجزأه وإلا وجب وقال بعض أصحابنا وبعض المالكية: لا غسل عليه وسقط حكم الجنابة بالإسلام كما تسقط الذنوب وضعفوا هذا بالوضوء فإنه يلزمه بالإجماع ولا يسقط أثر الحدث بالإسلام هذا كله إذا كان أجنب في الكفر أما إذا لم يجنب أصلا ثم أسلم فالغسل مستحب له وليس بواجب هذا مذهبنا ومذهب مالك وآخرين وقال أحمد وآخرون: يلزمه الغسل.
٩ - وفي الحديث بعث السرايا إلى بلاد الكفار وأسر من وجد منهم.
١٠ - والتخيير بعد ذلك في قتله أو الإبقاء عليه.
والله أعلم.
стр. 3886
(٤٨٣) باب إجلاء اليهود من الحجاز
٤٠٣٤ - عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: بينا نحن في المسجد إذ خرج إلينا رسول الله ﷺ فقال "انطلقوا إلى يهود" فخرجنا معه حتى جئناهم فقام رسول الله ﷺ فناداهم فقال "يا معشر يهود أسلموا تسلموا" فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم فقال لهم رسول الله ﷺ "ذلك أريد أسلموا تسلموا" فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم. فقال لهم رسول الله ﷺ "ذلك أريد" فقال لهم الثالثة فقال "اعلموا أنما الأرض لله ورسوله وأني أريد أن أجليكم من هذه الأرض فمن وجد منكم بماله شيئا فليبعه وإلا فاعلموا أن الأرض لله ورسوله".
٤٠٣٥ - عن ابن عمر ﵄ أن يهود بني النضير وقريظة حاربوا رسول الله ﷺ . فأجلى رسول الله ﷺ بني النضير. وأقر قريظة ومن عليهم حتى حاربت قريظة بعد ذلك فقتل رجالهم وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين إلا أن بعضهم لحقوا برسول الله ﷺ فآمنهم وأسلموا. وأجلى رسول الله ﷺ يهود المدينة كلهم بني قينقاع وهم قوم عبد الله بن سلام ويهود بني حارثة وكل يهودي كان بالمدينة.
٤٠٣٦ - عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول "لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلما".
-[المعنى العام]-
اليهود في كل زمان شيمتهم الغدر يعاهدون ولا يوفون ويحلفون ويكذبون ويتظاهرون في حالة الضعف بالمسالمة وهم يبيتون الخيانة ولقد كانوا في المدينة وحولها شوكة في ظهر المسلمين
стр. 3887
وجنوبهم ومن الصعب على عاقل حكيم أن يأمن لعدو في داخل داره وكيف يأمن كيس لثعبان يسكنه في فراشه.
لقد غدر اليهود برسول الله ﷺ وبالمسلمين مرة ومرة ونقضوا مواثيقهم من بعد عهدهم وبدت البغضاء من أفواههم وما تخفى صدورهم أكبر.
ولما نفد الصبر وضاق بهم الصدر ولم يعد لاحتمالهم مجال خيرهم رسول الله ﷺ بين الإسلام وبين الجلاء وترك البلاد على أن لهم أن يبيعوا ما يملكون لمن شاءوا وكيف شاءوا.
مثل أعلى لمعاملة الأعداء المحاربين في حالة ضعفهم إنهم بضع مئات من البشر الجبناء أمام الآلاف من المؤمنين الأقوياء من السهل قتلهم في قتال ومن السهل أسرهم واغتنام أموالهم ونسائهم وأولادهم ولكن أن تترك أرواحهم وأموالهم وذراريهم لهم؟ هذا منتهى الرحمة والمسالمة والإحسان.
-[المباحث العربية]-
(بينا نحن في المسجد) "بينا" هي "بين" الظرفية زيدت عليها الألف وناصبها المفاجأة في "إذ" والتقدير: فاجأنا خروج النبي ﷺ إلينا وقت وجودنا بالمسجد النبوي بالمدينة.
(انطلقوا إلى يهود) أي انطلقوا معي و"يهود" ممنوع من الصرف.
قال الحافظ ابن حجر: ولم أر من صرح بنسب اليهود المذكورين هنا والظاهر أنهم بقايا من اليهود تأخروا بالمدينة بعد إجلاء بني قينقاع وقريظة والنضير والفراغ من أمرهم لأنه كان قبل إسلام أبي هريرة وإنما جاء أبو هريرة بعد فتح خيبر وقد أقر النبي ﷺ يهود خيبر على أن يعملوا في الأرض واستمروا إلى أن أجلاهم عمر قال: ويحتمل -والله أعلم- أن يكون النبي ﷺ بعد أن فتح خيبر سمح لمن كان قد بقى بالمدينة من اليهود بالاستمرار فيها معتمدين على الرضا بإبقائهم للعمل في أرض خيبر ثم منعهم هنا في هذا الحديث من سكنى المدينة أصلا.
وسياق كلام القرطبي في شرح مسلم يقتضي أنه فهم أن المراد بهؤلاء اليهود بنو النضير ولعل الذي أوهم ذلك أن مسلما أورد حديث ابن عمر في إجلاء بني النضير -روايتنا الثانية- عقب حديث أبي هريرة -روايتنا الأولى- فأوهم أن اليهود المذكورين في حديث أبي هريرة هم بنو النضير ولكن لا يصح لتقدمه على مجيء أبي هريرة وأبو هريرة يقول في الحديث إنه كان مع النبي ﷺ .
وقصة بني النضير كانت قبل بدر أو كانت بعد بئر معونة وعلى الحالين فهي قبل مجيء أبي هريرة وسياق إخراجهم مخالف لسياق هذه القصة فإنهم لم يكونوا داخل المدينة وإنهم إنما جاءهم النبي ﷺ ليستعين بهم في دية رجلين فأرادوا الغدر به فرجع إلى المدينة وأرسل إليهم يخيرهم بين الإسلام وبين الخروج فأبوا فحاصرهم فرضوا بالجلاء والرواية الثانية توضح ما كان من أمر يهود
стр. 3888
بني قريظة وتشير إلى أن المراد من اليهود هنا جماعة من الفرق المذكورة استمروا في المدينة معتمدين على الرضا ثم منعهم النبي ﷺ هنا.
(فقام رسول الله ﷺ فناداهم) القيام هنا ليس عن جلوس وإنما المراد به البدء والإنشاء وفي رواية "فنادى".
(فقال: يا معشر يهود) المعشر كل جماعة أمرهم واحد والجمع معاشر.
(أسلموا تسلموا) من القتال والقتل والإجلاء والمعاداة. وفيه جناس حسن لسهولة لفظه وعدم تكلفه.
(قد بلغت يا أبا القاسم) كلمة مكر وخداع ليوهموا بذلك أنهم قد سمعوا وسيطيعون أي فاطمئن.
(ذلك أريد أسلموا تسلموا) أي ذلك الاعتراف بأني بلغت ولا عذر لكم هو الذي أريده وفي الكلام قصر طريقه تقديم المفعول على الفعل أي لا أريد غير ذلك الاعتراف لأمضي فيما يستتبعه.
(فقال لهم الثالثة) أي فقال لهم: أسلموا تسلموا للمرة الثالثة.
(فقال: اعلموا أنما الأرض لله ورسوله) "اعلموا" جملة مستأنفة في جواب سؤال مقدر ناشئ عن الكلام السابق كأنهم قالوا في جواب "أسلموا تسلموا" لم قلت هذا وكررته؟ فقال: اعلموا أني أريد أن أجليكم فإن أسلمتم سلمتم من ذلك ومما هو أشق منه.
وفي رواية "أن الأرض لله ورسوله" قال الداودي "لله" افتتاح كلام -أي وتبرك غير مقصود والأصل لرسول الله- حقيقة لأنها مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب وقال غيره: إن المراد أن الحكم لله في ذلك ولرسوله لكونه المبلغ عنه والقائم بتنفيذ أوامره فهي لله ورسوله ملكا وحكما.
(وأني أريد أن أجليكم من هذه الأرض) "أجليكم" بضم الهمزة وسكون الجيم أي أخرجكم وزنا ومعنى قال الهروي: جلى القوم عن مواطنهم وأجلى القوم عن مواطنهم بمعنى واحد الاسم الجلاء والإجلاء.
(فمن وجد منكم بماله شيئا فليبعه) أي فمن وجد منكم مقابل ممتلكاته شيئا فليبعها فوجد من الوجدان أي من وجد مشتريا فليبع وقيل: من الوجد أي المحبة لأن بعضهم يشق عليه فراق شيء مما يملك مما لا يستطيع حمله وتحويله فأذن لهم ببيعه.
(أن يهود بني النضير وقريظة حاربوا رسول الله ﷺ إلخ طوائف اليهود الثلاثة قريظة والنضير وقينقاع وادعهم رسول الله ﷺ في السنة الأولى من الهجرة على أن لا يحاربوه ولا يمالئوا عليه
стр. 3889
عدوه فكان أول من نقض العهد منهم بنو قينقاع فحاربهم في شوال بعد وقعة بدر فنزلوا على حكمه وأراد قتلهم فاستوهبهم منه عبد الله بن أبي وكانوا حلفاءه فوهبهم له وأخرجهم من المدينة إلى أذرعات ثم نقض العهد بنو النضير فحاصرهم رسول الله ﷺ على رأس ستة أشهر من وقعة بدر وفي اليوم الثاني من حصاره لبني النضير حاصر بني قريظة فعاهدوه فأقرهم ومن عليهم فصاروا في أمان وذمة ثم واصل حصار بني النضير حتى نزلوا على الجلاء وأن لهم ما حملت الإبل إلا السلاح فأجلاهم إلى الشام ولما تحزبت قريش إلى غزوة الأحزاب مالأتهم قريظة وظاهروهم ونقضوا العهد فلما هزم الله الأحزاب أمر رسوله ﷺ بالخروج إلى بني قريظة فتحصنوا فحاربهم فنزلوا على حكم سعد بن معاذ فحكم بقتل مقاتلتهم - وكانوا نحو ثمانمائة رجل - وبسبي نسائهم وذرياتهم كما سيأتي في الباب التالي.
(بني قينقاع) "بني" بالنصب بدل من "يهود المدينة" وقينقاع بفتح القاف ويقال بضم النون وفتحها وكسرها ثلاث لغات مشهورات.
(لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب) أي إن عشت وكانت هذه الجملة بمثابة وصية كما صرح بها وصية عند موته ﷺ بلفظ "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب".
وجزيرة العرب قيل: مكة والمدينة واليمن واليمامة وعن ابن شهاب: جزيرة العرب المدينة وعن الزبير في أخبار المدينة: جزيرة العرب ما بين العذيب إلى حضرموت وحضرموت آخر اليمن وقال الأصمعي: هي ما لم يبلغه ملك فارس من أقصى عدن إلى أطراف الشام وقال أبو عبيد: من أقصى عدن على ريف العراق طولا ومن جدة وما والاها من الساحل إلى أطراف الشام عرضا.
وسميت جزيرة العرب لأن بحر فارس وبحر الحبشة والفرات ودجلة أحاطت بها وأضيفت إلى العرب لأنها كانت بأيديهم قبل الإسلام وبها أوطانهم ومنازلهم أما أرض الحجاز فهي ما يفصل بين نجد وتهامة.
(حتى لا أدع إلا مسلما) أي حتى لا أدع في جزيرة العرب إلا مسلما وكأنه عمم الكفار في الحكم بعد تخصيص اليهود والنصارى.
-[فقه الحديث]-
ترجم البخاري لهذا الحديث بباب إخراج اليهود من جزيرة العرب. قال الحافظ ابن حجر: وكأنه اقتصر على ذكر اليهود لأنهم يوحدون الله تعالى إلا القليل منهم ومع ذلك أمر بإخراجهم فيكون إخراج غيرهم من الكفار بطريق الأولى.
وقد أقر النبي ﷺ يهود خيبر على أن يعملوا في الأرض على أن يجليهم حين يريد وقال: نقركم
стр. 3890
بها على ذلك ما شئنا" ثم أوصى عند موته بإخراج اليهود والنصارى فأجلى عمر يهود خيبر وقد روى البخاري أن عبد الله بن عمر ﵄ خرج إلى ما له في خيبر فاعتدى عليه من الليل ففدعت يداه ورجلاه -أي نقلت مفاصلهما- وليس للمسلمين هناك عدو غيرهم فخطب عمر في المسلمين وقال: هم عدونا وتهمتنا وقد رأيت إجلاءهم فأجلاهم وأعطاهم قيمة ما كان لهم منه الثمر مالا وإبلا وعروضا.
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - قال النووي: يؤخذ منه أن المعاهد والذمي إذا نقض العهد صار حربيا وجرت عليه أحكام أهل الحرب وللإمام سبي من أراد منهم وله المن على من أراد.
٢ - وأنه إذا من عليه ثم ظهرت منه محاربة انتقض عهده وإنما ينفع المن فيما مضى لا فيما يستقبل.
٣ - من قوله "فمن وجد منكم بما له شيئا فليبعه" استدل به على جواز بيع المكره قال الحافظ ابن حجر: والحديث ببيع المضطر أشبه فإن المكره على البيع هو الذي يحمل على بيع الشيء شاء أو أبى واليهود لو لم يبيعوا لم يلزموا ولكنهم شحوا فاختاروا بيعها فصاروا كأنهم اضطروا إلى بيعها كمن رهقه دين فاضطر إلى بيع ماله فيكون جائزا ولو أكره عليه لم يجز.
٤ - قال الطبري: فيه أن على الإمام إخراج كل من دان بغير دين الإسلام من كل بلد غلب عليه المسلمون عنوة إذا لم يكن بالمسلمين ضرورة إليهم كعمل الأرض ونحو ذلك وزعم أن ذلك لا يختص بجزيرة العرب بل يلتحق بها ما كان على حكمها وهذا باطل.
٥ - قال النووي: أخذ بهذا الحديث مالك والشافعي وغيرهما من العلماء فأوجبوا إخراج الكفار من جزيرة العرب وقالوا: لا يجوز تمكينهم من سكناها ولكن الشافعي خص هذا الحكم ببعض جزيرة العرب وهو الحجاز وهو عنده مكة والمدينة واليمامة وأعمالها دون اليمن وغيره مما هو من جزيرة العرب بدليل آخر مشهور في كتبه وكتب أصحابه وقال:
أما مجرد الدخول فقد قال العلماء: لا يمنع الكفار من التردد مسافرين في الحجاز ولا يمكنون من الإقامة فيه أكثر من ثلاثة أيام وقال الشافعي وموافقوه: إلا مكة وحرمها فلا يجوز تمكين كافر من دخوله بحال فإن دخله في خفية وجب إخراجه فإن مات ودفن فيه نبش وأخرج ما لم يتغير هذا مذهب الشافعي وجماهير الفقهاء وجوز أبو حنيفة دخولهم الحرم إلا المسجد وعن مالك: يجوز دخولهم الحرم للتجارة وحجة الجماهير قول الله تعالى ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ [التوبة: ٢٨].
٦ - قال النووي: وفي هذا الحديث استحباب تجنيس الكلام "أسلموا تسلموا" وهو من بديع الكلام وأنواع الفصاحة.
والله أعلم.
следующие страницы →