Полный текст (6 200 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.
стр. 3886
(٤٨٣) باب إجلاء اليهود من الحجاز
٤٠٣٤ - عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: بينا نحن في المسجد إذ خرج إلينا رسول الله ﷺ فقال "انطلقوا إلى يهود" فخرجنا معه حتى جئناهم فقام رسول الله ﷺ فناداهم فقال "يا معشر يهود أسلموا تسلموا" فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم فقال لهم رسول الله ﷺ "ذلك أريد أسلموا تسلموا" فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم. فقال لهم رسول الله ﷺ "ذلك أريد" فقال لهم الثالثة فقال "اعلموا أنما الأرض لله ورسوله وأني أريد أن أجليكم من هذه الأرض فمن وجد منكم بماله شيئا فليبعه وإلا فاعلموا أن الأرض لله ورسوله".
٤٠٣٥ - عن ابن عمر ﵄ أن يهود بني النضير وقريظة حاربوا رسول الله ﷺ . فأجلى رسول الله ﷺ بني النضير. وأقر قريظة ومن عليهم حتى حاربت قريظة بعد ذلك فقتل رجالهم وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين إلا أن بعضهم لحقوا برسول الله ﷺ فآمنهم وأسلموا. وأجلى رسول الله ﷺ يهود المدينة كلهم بني قينقاع وهم قوم عبد الله بن سلام ويهود بني حارثة وكل يهودي كان بالمدينة.
٤٠٣٦ - عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول "لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلما".
-[المعنى العام]-
اليهود في كل زمان شيمتهم الغدر يعاهدون ولا يوفون ويحلفون ويكذبون ويتظاهرون في حالة الضعف بالمسالمة وهم يبيتون الخيانة ولقد كانوا في المدينة وحولها شوكة في ظهر المسلمين
стр. 3887
وجنوبهم ومن الصعب على عاقل حكيم أن يأمن لعدو في داخل داره وكيف يأمن كيس لثعبان يسكنه في فراشه.
لقد غدر اليهود برسول الله ﷺ وبالمسلمين مرة ومرة ونقضوا مواثيقهم من بعد عهدهم وبدت البغضاء من أفواههم وما تخفى صدورهم أكبر.
ولما نفد الصبر وضاق بهم الصدر ولم يعد لاحتمالهم مجال خيرهم رسول الله ﷺ بين الإسلام وبين الجلاء وترك البلاد على أن لهم أن يبيعوا ما يملكون لمن شاءوا وكيف شاءوا.
مثل أعلى لمعاملة الأعداء المحاربين في حالة ضعفهم إنهم بضع مئات من البشر الجبناء أمام الآلاف من المؤمنين الأقوياء من السهل قتلهم في قتال ومن السهل أسرهم واغتنام أموالهم ونسائهم وأولادهم ولكن أن تترك أرواحهم وأموالهم وذراريهم لهم؟ هذا منتهى الرحمة والمسالمة والإحسان.
-[المباحث العربية]-
(بينا نحن في المسجد) "بينا" هي "بين" الظرفية زيدت عليها الألف وناصبها المفاجأة في "إذ" والتقدير: فاجأنا خروج النبي ﷺ إلينا وقت وجودنا بالمسجد النبوي بالمدينة.
(انطلقوا إلى يهود) أي انطلقوا معي و"يهود" ممنوع من الصرف.
قال الحافظ ابن حجر: ولم أر من صرح بنسب اليهود المذكورين هنا والظاهر أنهم بقايا من اليهود تأخروا بالمدينة بعد إجلاء بني قينقاع وقريظة والنضير والفراغ من أمرهم لأنه كان قبل إسلام أبي هريرة وإنما جاء أبو هريرة بعد فتح خيبر وقد أقر النبي ﷺ يهود خيبر على أن يعملوا في الأرض واستمروا إلى أن أجلاهم عمر قال: ويحتمل -والله أعلم- أن يكون النبي ﷺ بعد أن فتح خيبر سمح لمن كان قد بقى بالمدينة من اليهود بالاستمرار فيها معتمدين على الرضا بإبقائهم للعمل في أرض خيبر ثم منعهم هنا في هذا الحديث من سكنى المدينة أصلا.
وسياق كلام القرطبي في شرح مسلم يقتضي أنه فهم أن المراد بهؤلاء اليهود بنو النضير ولعل الذي أوهم ذلك أن مسلما أورد حديث ابن عمر في إجلاء بني النضير -روايتنا الثانية- عقب حديث أبي هريرة -روايتنا الأولى- فأوهم أن اليهود المذكورين في حديث أبي هريرة هم بنو النضير ولكن لا يصح لتقدمه على مجيء أبي هريرة وأبو هريرة يقول في الحديث إنه كان مع النبي ﷺ .
وقصة بني النضير كانت قبل بدر أو كانت بعد بئر معونة وعلى الحالين فهي قبل مجيء أبي هريرة وسياق إخراجهم مخالف لسياق هذه القصة فإنهم لم يكونوا داخل المدينة وإنهم إنما جاءهم النبي ﷺ ليستعين بهم في دية رجلين فأرادوا الغدر به فرجع إلى المدينة وأرسل إليهم يخيرهم بين الإسلام وبين الخروج فأبوا فحاصرهم فرضوا بالجلاء والرواية الثانية توضح ما كان من أمر يهود
стр. 3888
بني قريظة وتشير إلى أن المراد من اليهود هنا جماعة من الفرق المذكورة استمروا في المدينة معتمدين على الرضا ثم منعهم النبي ﷺ هنا.
(فقام رسول الله ﷺ فناداهم) القيام هنا ليس عن جلوس وإنما المراد به البدء والإنشاء وفي رواية "فنادى".
(فقال: يا معشر يهود) المعشر كل جماعة أمرهم واحد والجمع معاشر.
(أسلموا تسلموا) من القتال والقتل والإجلاء والمعاداة. وفيه جناس حسن لسهولة لفظه وعدم تكلفه.
(قد بلغت يا أبا القاسم) كلمة مكر وخداع ليوهموا بذلك أنهم قد سمعوا وسيطيعون أي فاطمئن.
(ذلك أريد أسلموا تسلموا) أي ذلك الاعتراف بأني بلغت ولا عذر لكم هو الذي أريده وفي الكلام قصر طريقه تقديم المفعول على الفعل أي لا أريد غير ذلك الاعتراف لأمضي فيما يستتبعه.
(فقال لهم الثالثة) أي فقال لهم: أسلموا تسلموا للمرة الثالثة.
(فقال: اعلموا أنما الأرض لله ورسوله) "اعلموا" جملة مستأنفة في جواب سؤال مقدر ناشئ عن الكلام السابق كأنهم قالوا في جواب "أسلموا تسلموا" لم قلت هذا وكررته؟ فقال: اعلموا أني أريد أن أجليكم فإن أسلمتم سلمتم من ذلك ومما هو أشق منه.
وفي رواية "أن الأرض لله ورسوله" قال الداودي "لله" افتتاح كلام -أي وتبرك غير مقصود والأصل لرسول الله- حقيقة لأنها مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب وقال غيره: إن المراد أن الحكم لله في ذلك ولرسوله لكونه المبلغ عنه والقائم بتنفيذ أوامره فهي لله ورسوله ملكا وحكما.
(وأني أريد أن أجليكم من هذه الأرض) "أجليكم" بضم الهمزة وسكون الجيم أي أخرجكم وزنا ومعنى قال الهروي: جلى القوم عن مواطنهم وأجلى القوم عن مواطنهم بمعنى واحد الاسم الجلاء والإجلاء.
(فمن وجد منكم بماله شيئا فليبعه) أي فمن وجد منكم مقابل ممتلكاته شيئا فليبعها فوجد من الوجدان أي من وجد مشتريا فليبع وقيل: من الوجد أي المحبة لأن بعضهم يشق عليه فراق شيء مما يملك مما لا يستطيع حمله وتحويله فأذن لهم ببيعه.
(أن يهود بني النضير وقريظة حاربوا رسول الله ﷺ إلخ طوائف اليهود الثلاثة قريظة والنضير وقينقاع وادعهم رسول الله ﷺ في السنة الأولى من الهجرة على أن لا يحاربوه ولا يمالئوا عليه
стр. 3889
عدوه فكان أول من نقض العهد منهم بنو قينقاع فحاربهم في شوال بعد وقعة بدر فنزلوا على حكمه وأراد قتلهم فاستوهبهم منه عبد الله بن أبي وكانوا حلفاءه فوهبهم له وأخرجهم من المدينة إلى أذرعات ثم نقض العهد بنو النضير فحاصرهم رسول الله ﷺ على رأس ستة أشهر من وقعة بدر وفي اليوم الثاني من حصاره لبني النضير حاصر بني قريظة فعاهدوه فأقرهم ومن عليهم فصاروا في أمان وذمة ثم واصل حصار بني النضير حتى نزلوا على الجلاء وأن لهم ما حملت الإبل إلا السلاح فأجلاهم إلى الشام ولما تحزبت قريش إلى غزوة الأحزاب مالأتهم قريظة وظاهروهم ونقضوا العهد فلما هزم الله الأحزاب أمر رسوله ﷺ بالخروج إلى بني قريظة فتحصنوا فحاربهم فنزلوا على حكم سعد بن معاذ فحكم بقتل مقاتلتهم - وكانوا نحو ثمانمائة رجل - وبسبي نسائهم وذرياتهم كما سيأتي في الباب التالي.
(بني قينقاع) "بني" بالنصب بدل من "يهود المدينة" وقينقاع بفتح القاف ويقال بضم النون وفتحها وكسرها ثلاث لغات مشهورات.
(لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب) أي إن عشت وكانت هذه الجملة بمثابة وصية كما صرح بها وصية عند موته ﷺ بلفظ "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب".
وجزيرة العرب قيل: مكة والمدينة واليمن واليمامة وعن ابن شهاب: جزيرة العرب المدينة وعن الزبير في أخبار المدينة: جزيرة العرب ما بين العذيب إلى حضرموت وحضرموت آخر اليمن وقال الأصمعي: هي ما لم يبلغه ملك فارس من أقصى عدن إلى أطراف الشام وقال أبو عبيد: من أقصى عدن على ريف العراق طولا ومن جدة وما والاها من الساحل إلى أطراف الشام عرضا.
وسميت جزيرة العرب لأن بحر فارس وبحر الحبشة والفرات ودجلة أحاطت بها وأضيفت إلى العرب لأنها كانت بأيديهم قبل الإسلام وبها أوطانهم ومنازلهم أما أرض الحجاز فهي ما يفصل بين نجد وتهامة.
(حتى لا أدع إلا مسلما) أي حتى لا أدع في جزيرة العرب إلا مسلما وكأنه عمم الكفار في الحكم بعد تخصيص اليهود والنصارى.
-[فقه الحديث]-
ترجم البخاري لهذا الحديث بباب إخراج اليهود من جزيرة العرب. قال الحافظ ابن حجر: وكأنه اقتصر على ذكر اليهود لأنهم يوحدون الله تعالى إلا القليل منهم ومع ذلك أمر بإخراجهم فيكون إخراج غيرهم من الكفار بطريق الأولى.
وقد أقر النبي ﷺ يهود خيبر على أن يعملوا في الأرض على أن يجليهم حين يريد وقال: نقركم
стр. 3890
بها على ذلك ما شئنا" ثم أوصى عند موته بإخراج اليهود والنصارى فأجلى عمر يهود خيبر وقد روى البخاري أن عبد الله بن عمر ﵄ خرج إلى ما له في خيبر فاعتدى عليه من الليل ففدعت يداه ورجلاه -أي نقلت مفاصلهما- وليس للمسلمين هناك عدو غيرهم فخطب عمر في المسلمين وقال: هم عدونا وتهمتنا وقد رأيت إجلاءهم فأجلاهم وأعطاهم قيمة ما كان لهم منه الثمر مالا وإبلا وعروضا.
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - قال النووي: يؤخذ منه أن المعاهد والذمي إذا نقض العهد صار حربيا وجرت عليه أحكام أهل الحرب وللإمام سبي من أراد منهم وله المن على من أراد.
٢ - وأنه إذا من عليه ثم ظهرت منه محاربة انتقض عهده وإنما ينفع المن فيما مضى لا فيما يستقبل.
٣ - من قوله "فمن وجد منكم بما له شيئا فليبعه" استدل به على جواز بيع المكره قال الحافظ ابن حجر: والحديث ببيع المضطر أشبه فإن المكره على البيع هو الذي يحمل على بيع الشيء شاء أو أبى واليهود لو لم يبيعوا لم يلزموا ولكنهم شحوا فاختاروا بيعها فصاروا كأنهم اضطروا إلى بيعها كمن رهقه دين فاضطر إلى بيع ماله فيكون جائزا ولو أكره عليه لم يجز.
٤ - قال الطبري: فيه أن على الإمام إخراج كل من دان بغير دين الإسلام من كل بلد غلب عليه المسلمون عنوة إذا لم يكن بالمسلمين ضرورة إليهم كعمل الأرض ونحو ذلك وزعم أن ذلك لا يختص بجزيرة العرب بل يلتحق بها ما كان على حكمها وهذا باطل.
٥ - قال النووي: أخذ بهذا الحديث مالك والشافعي وغيرهما من العلماء فأوجبوا إخراج الكفار من جزيرة العرب وقالوا: لا يجوز تمكينهم من سكناها ولكن الشافعي خص هذا الحكم ببعض جزيرة العرب وهو الحجاز وهو عنده مكة والمدينة واليمامة وأعمالها دون اليمن وغيره مما هو من جزيرة العرب بدليل آخر مشهور في كتبه وكتب أصحابه وقال:
أما مجرد الدخول فقد قال العلماء: لا يمنع الكفار من التردد مسافرين في الحجاز ولا يمكنون من الإقامة فيه أكثر من ثلاثة أيام وقال الشافعي وموافقوه: إلا مكة وحرمها فلا يجوز تمكين كافر من دخوله بحال فإن دخله في خفية وجب إخراجه فإن مات ودفن فيه نبش وأخرج ما لم يتغير هذا مذهب الشافعي وجماهير الفقهاء وجوز أبو حنيفة دخولهم الحرم إلا المسجد وعن مالك: يجوز دخولهم الحرم للتجارة وحجة الجماهير قول الله تعالى ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ [التوبة: ٢٨].
٦ - قال النووي: وفي هذا الحديث استحباب تجنيس الكلام "أسلموا تسلموا" وهو من بديع الكلام وأنواع الفصاحة.
والله أعلم.
стр. 3891
(٤٨٤) باب جواز قتال من نقض العهد وجواز إنزال أهل الحصن على حكم حاكم عدل أهل للحكم وجواز المبادرة بالغزو وتقديم أهم الأمرين المتعارضين
٤٠٣٧ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ فأرسل رسول الله ﷺ إلى سعد فأتاه على حمار فلما دنا قريبا من المسجد قال رسول الله ﷺ للأنصار "قوموا إلى سيدكم" أو خيركم ثم قال "إن هؤلاء نزلوا على حكمك" قال: تقتل مقاتلتهم وتسبي ذريتهم. قال: فقال النبي ﷺ "قضيت بحكم الله" وربما قال "قضيت بحكم الملك" ولم يذكر ابن المثنى وربما قال "قضيت بحكم الملك".
٤٠٣٨ - وفي رواية عن شعبة بهذا الإسناد وقال: في حديثه فقال رسول الله ﷺ "لقد حكمت فيهم بحكم الله" وقال مرة "لقد حكمت بحكم الملك".
٤٠٣٩ - عن عائشة ﵂ قالت: أصيب سعد يوم الخندق رماه رجل من قريش يقال له ابن العرقة رماه في الأكحل فضرب عليه رسول الله ﷺ خيمة في المسجد يعوده من قريب فلما رجع رسول الله ﷺ من الخندق وضع السلاح فاغتسل فأتاه جبريل وهو ينفض رأسه من الغبار فقال وضعت السلاح والله ما وضعناه اخرج إليهم فقال رسول الله ﷺ "فأين؟ " فأشار إلى بني قريظة فقاتلهم رسول الله ﷺ فنزلوا على حكم رسول الله ﷺ فرد رسول الله ﷺ الحكم فيهم إلى سعد قال: فإني أحكم فيهم أن تقتل المقاتلة وأن تسبى الذرية والنساء وتقسم أموالهم.
٤٠٤٠ - عن هشام قال: قال أبي: فأخبرت أن رسول الله ﷺ قال "لقد حكمت فيهم بحكم الله ".
стр. 3892
٤٠٤١ - عن عائشة ﵂ أن سعدا قال: وتحجر كلمه للبرء فقال: اللهم إنك تعلم أن ليس أحد أحب إلي أن أجاهد فيك من قوم كذبوا رسولك ﷺ وأخرجوه اللهم فإن كان بقي من حرب قريش شيء فأبقني أجاهدهم فيك. اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فافجرها واجعل موتي فيها فانفجرت من لبته فلم يرعهم وفي المسجد معه خيمة من بني غفار إلا والدم يسيل إليهم فقالوا: يا أهل الخيمة ما هذا الذي يأتينا من قبلكم فإذا سعد جرحه يغذ دما فمات منها.
٤٠٤٢ - وعن هشام بهذا الإسناد نحوه غير أنه قال: فانفجر من ليلته فمازال يسيل حتى مات وزاد في الحديث قال: فذاك حين يقول الشاعر:
ألا يا سعد سعد بني معاذ ... فما فعلت قريظة والنضير
لعمرك إن سعد بني معاذ ... غداة تحملوا لهو الصبور
تركتم قدركم لا شيء فيها ... وقدر القوم حامية تفور
وقد قال الكريم أبو حباب ... أقيموا قينقاع ولا تسيروا
وقد كانوا ببلدتهم ثقالا ... كما ثقلت بميطان الصخور
٤٠٤٣ - عن عبد الله ﵁ قال: نادى فينا رسول الله ﷺ يوم انصرف عن الأحزاب "أن لا يصلين أحد الظهر إلا في بني قريظة" فتخوف ناس فوت الوقت فصلوا دون بني قريظة وقال آخرون لا نصلي إلا حيث أمرنا رسول الله ﷺ وإن فاتنا الوقت قال: فما عنف واحدا من الفريقين.
-[المعنى العام]-
لما انصرف النبي ﷺ هو وأصحابه من غزوة الأحزاب راجعا إلى المدينة كان سعد بن معاذ سيد
стр. 3893
الأوس قد أصيب في الغزوة في عرق في ذراعه فأمر رسول الله ﷺ بإقامة خيمة له في المسجد النبوي يعالج فيها وهو قريب من منازل رسول الله ﷺ ليسهل عليه ﷺ زيارته والاطمئنان عليه ورعايته.
ودخل ﷺ بيته فوضع سلاحه وخلع ثياب الحرب ودخل فاغتسل وخرج من مغتسله ففوجئ بجبريل ﵇ بلباس الحرب على رأسه غبارها رآه واقفا خارج البيت فقام إليه رسول الله ﷺ فزعا فقال له جبريل: عذيرك من محارب أي هات من يلتمس لك العذر في سرعة نخلصك من آثار الحرب والحرب لم تنته بعد فأخذ رسول الله ﷺ يمسح الغبار عن وجه جبريل معتذرا إليه يسأل عن الخطب قال له جبريل: عفا الله عنك وضعت السلاح ولم تضعه ملائكة الله قم فشد عليك سلاحك قال ﷺ : إلى أين؟ فأشار إلى ديار بني قريظة إنهم الذين نقضوا العهد وتمالئوا مع الأحزاب فحان وقت عقابهم هيا فملائكة الله تسبقكم إليهم.
فأمر رسول الله ﷺ بلالا أن ينادي في الناس: يا خيل الله اركبي. من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة ومن لم يصل الظهر فلا يصل إلا في بني قريظة ومن كان لم يصل العصر فلا يصلين وقته إلا في بني قريظة وتسابق ثلاثة آلاف من المسلمين إلى بني قريظة وكادت الشمس تغرب وهم لم يصلوا بعد إلى ديار بني قريظة وممتلكاتهم فقال بعضهم: نؤخر صلاة العصر حتى نصل الديار ولو للعشاء فقد نهينا عن صلاتها إلا في بني قريظة وقال بعضهم: بل ننزل ونصلي العصر فرسول الله ﷺ لم يرد منا تأخير الصلاة وإنما أراد الإسراع ونفذ كل منهم ما رآه وبلغ رسول الله ﷺ ما فعلوا فلم يعنف أحدا من الفريقين فقد اجتهدوا ولهم أجورهم.
وحاصر المسلمون بني قريظة بضع عشرة ليلة ولما اشتد بهم الحصار وألقى الله في قلوبهم الرعب فكروا أن يقتلوا نساءهم وأولادهم ثم يخرجوا مقاتلين مستقتلين وتراجعوا عن الفكرة وفضلوا النزول على حكم رسول الله ﷺ على احتمال أن يقبل جلاءهم عن البلاد كما قبل جلاء بني النضير وكان بنو قينقاع قد حوصروا من قبل وهم حلفاء الخزرج فتشفع فيهم رئيس الخزرج عبد الله ابن أبي فلم يخرجوا فطلب الأوس وهم حلفاء بني قريظة أن يشفعوا لهم كما شفع الخزرج لحلفائهم فقال لهم رسول الله ﷺ : أترضون حكم رئيسكم سعد بن معاذ فيهم؟ قالوا: نعم وسئل بنو قريظة: تنزلون على حكم سعد بن معاذ؟ قالوا: نعم.
فطلب رسول الله ﷺ حضور سعد من مسجد المدينة فحملوه بجرحه على حمار حتى وصل إلى مقام رسول الله ﷺ وحوله الأنصار والمهاجرون فقال للأنصار: قوموا إلى سيدكم سعد قوموا له إجلالا وإكراما وإعزازا لمقامه وجهاده وقوموا له مهنئين على ما أنعم الله به عليه من أن يكون حكما بين رسول الله ﷺ وبين أعدائه قوموا له مساعدين على إنزاله عن الحمار وتوصيله إلى مكانه ونزل سعد وجلس بجوار رسول الله ﷺ فقال له رسول الله ﷺ : إن هؤلاء -بني قريظة قد نزلوا من حصارهم على أن تحكم أنت فيهم وقد رضوا حكمك فيهم ورضينا نحن حكمك فيهم فبماذا تحكم عليهم؟ تذكر سعد خيانتهم المرة بعد المرة وتذكر تآمرهم مع قريش والأحزاب وتذكر عداءهم لله
стр. 3894
ولرسوله وللمؤمنين وتذكر أنهم لم يستسلموا حين توجه إليهم رسول الله ﷺ والمسلمون ولم يطلبوا الصلح أو العفو أو الجلاء بل نصبوا أنفسهم للقتال وتحصنوا في حصونهم تذكر أنهم لو أن في مقدورهم قتل رسول الله ﷺ والمسلمين لما تأخروا طرفة عين تذكر أن بقاءهم على الحياة خطر على المسلمين وأن في استئصالهم إرهابا لعدو الله وعدو المؤمنين تذكر كل ذلك فقدمه على الحلف الذي كان بينه وبينهم وألهمه الله ما أراد فقال: أحكم فيهم بأن يقتل رجالهم المقاتلون وأن تسبى نساؤهم وأولادهم وتغنم أموالهم للمسلمين فقال له رسول الله ﷺ : حكمت فيهم بحكم الله فيهم من فوق سبع سموات حكمك هذا موافق لما أوحي إلي به أنه حكم الله فيهم ألهمك الله النطق بحكمه وجعل الحق فيهم على لسانك.
شق لهم خندق في الأرض وضربت أعناقهم فيه وكانوا نحو أربعمائة رجل أو أكثر ووزعت نساؤهم وأولادهم وأموالهم على جيش المسلمين.
وعاد سعد إلى خيمته راضيا حامدا شاكرا يفكر في مصير نفسه إنه جريح معركة بين المسلمين والكفار إن مات من جرحه مات شهيدا لكنه يتمنى أن يعيش ليجاهد في سبيل الله وليقاتل كفار قريش بصفة خاصة فهم في اعتقاده أعتى أعداء الله ورسوله فهم الذين آذوا رسول الله ﷺ وهم الذين أخرجوه وأصحابه من ديارهم وأموالهم وهم الذين يهاجمون المسلمين في ديارهم بالمدينة وهم الذين يؤلبون القبائل والأحزاب عليهم فجهادهم أعظم جهاد فماذا يتمنى سعد؟ وبماذا يدعو ربه؟ قال: اللهم إني أظن أن قريشا يئست من النصر وأنهم لن يقاتلوا المسلمين بعد الأحزاب اللهم إن كان في قدرك أن حربا ستقوم بيننا وبينهم فأحيني حتى أقاتلهم وأستشهد في معاركهم وإن كان قدرك أن الحرب قد وضعت أوزارها بيننا وبينهم وأنه لن يكون قتال يتوقع أن أستشهد فيه بيننا وبينهم فافجر جراحتي لأموت شهيد حرب قريش وكان جرحه قد ورم وسرى الورم من الذراع إلى الكتف إلى الصدر فانفجر الجرح من أعلى الصدر وأسفل الرقبة وجرى الدم على الأرض حتى دخل الخيمة المجاورة لخيمته بالمسجد ولقي ربه شهيدا مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
-[المباحث العربية]-
(نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ) بنو قريظة قبيلة من اليهود كانوا يسكنون ضاحية قريبة من المدينة وكانوا يزعمون أنهم من ذرية شعيب نبي الله ﵇ وهو محتمل وكانوا قبيل إجلاء بني النضير قد عاهدوا رسول الله ﷺ ثم نقضوا العهد عند غزوة الأحزاب وظاهروا المشركين فخرج إليهم رسول الله ﷺ عقب نصر الله المسلمين في غزوة الأحزاب كما تبين الرواية الثالثة وكان خروجه ﷺ إليهم لسبع بقين من ذي القعدة وخرج إليهم في ثلاثة آلاف فحاصرهم بضع عشرة ليلة فأجهدهم الحصار وقذف الله في قلوبهم الرعب فعرض عليهم رئيسهم كعب بن أسد أن يؤمنوا أو يقتلوا نساءهم وأبناءهم ويخرجوا مستقتلين أو يبغتوا المسلمين
стр. 3895
ليلة السبت فقالوا: لا نؤمن ولا نستحل ليلة السبت وأي عيش لنا بعد أبنائنا ونسائنا؟ فأرسلوا إلى أبي لبابة بن عبد المنذر وكانوا حلفاءه فاستشاروه في النزول على حكم رسول الله ﷺ فأشار إلى حلقه -يعني الذبح- ثم ندم فتوجه إلى مسجد النبي ﷺ فارتبط به حتى تاب الله عليه.
وفي الرواية الثالثة "فنزلوا على حكم رسول الله ﷺ فرد رسول الله ﷺ الحكم فيهم إلى سعد" وعند ابن إسحق قال: لما اشتد بهم الحصار أذعنوا إلى أن ينزلوا على حكم رسول الله ﷺ فتواثب الأوس: فقالوا: يا رسول الله قد فعلت في موالي الخزرج ما علمت -يريدون بني قينقاع حيث وهبهم لعبد الله بن أبي حيث كانوا حلفاءه فأخرجهم من المدينة إلى أذرعات- فقال: ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم؟ قالوا: بلى. قال: فذلك إلى سعد بن معاذ وكانوا حلفاءه.
ولا تعارض بل يجمع بأنهم نزلوا على حكمه ﷺ ثم رد الحكم إلى سعد فقبلوا النزول على حكم سعد فسبب رد الحكم إلى سعد على هذا سؤال الأوس.
(فأرسل رسول الله ﷺ إلى سعد) في الرواية الثالثة "أصيب سعد يوم الخندق رماه رجل من قريش يقال له: ابن العرقة" بفتح العين وكسر الراء بعدها قاف والعرقة أمه وهو حبان بكسر الحاء وتشديد الباء بن قيس من بني معيص بفتح الميم وكسر العين "رماه في الأكحل" بفتح الهمزة وسكون الكاف وفتح الحاء وهو عرق في وسط الذراع قال الخليل: هو عرق الحياة قيل: إذا قطع لم يرفأ الدم.
"فضرب عليه رسول الله ﷺ خيمة في المسجد يعوده من قريب" قال ابن إسحق: كان رسول الله ﷺ جعل سعدا في خيمة رفيدة وكانت امرأة تداوي الجرحى فقال اجعلوه في خيمتها لأعوده من قريب فلما خرج إلى بني قريظة وحاصرهم وسأله الأنصار أن ينزلوا على حكم سعد أرسل إليه فظاهر كلام ابن إسحق أن سعدا استقدم من مسجد النبي ﷺ بالمدينة وقيل: استقدم من مسجد كان النبي ﷺ أعده للصلاة فيه في ديار بني قريظة أيام حصارهم والأول هو الأوفق لما سيأتي.
(فأتاه على حمار) وعند ابن إسحق "فحملوه على حمار ووطؤوا له وكان جسيما" أي هيئوا له فراشا على الحمار مبالغة في راحته.
(فلما دنا قريبا من المسجد) أي المسجد الذي كان النبي ﷺ أعده للصلاة فيه في ديار بني قريظة أيام حصارهم وكان قريبا من مجلس الرسول ﷺ .
(قال رسول الله ﷺ للأنصار: قوموا إلى سيدكم -أو خيركم) قيام تكريم وتشريف أو قياما ليساعدوه على النزول وسيأتي الكلام على القيام للتشريف في فقه الحديث وهل المخاطبون بذلك الأنصار خاصة؟ أو هم وغيرهم؟
(ثم قال: إن هؤلاء نزلوا على حكمك) أي قال لسعد: إن هؤلاء بني قريظة نزلوا على حكمك
стр. 3896
ووافقناهم فاحكم فيهم وفي رواية "احكم فيهم يا سعد قال: الله ورسوله أحق بالحكم قال: قد أمرك الله تعالى أن تحكم فيهم".
(تقتل مقاتلتهم وتسبي ذريتهم) "تقتل" و"تسبي" بفتح التاء مبني للمعلوم والخطاب لرسول الله ﷺ أي تأمر بقتلهم وفي الرواية الثالثة "أن تقتل المقاتلة وأن تسبي الذرية والنساء وتقسم أموالهم" قال النووي: الذرية تطلق على النساء والصبيان معا. اهـ. وعليه فعطف النساء عليها في هذه الرواية من قبيل عطف الخاص على العام قال ابن إسحق: فخندق لهم خنادق فضربت أعناقهم فجرى الدم في الخنادق وقسم أموالهم ونساءهم وأبناءهم على المسلمين.
واختلف في عدتهم فيما بين أربعمائة وتسعمائة على أساس عد أتباعهم أو عدم عدهم.
(قضيت بحكم الله -قضيت بحكم الملك) بكسر اللام أي حكم الله والشك من أحد الرواة في أي اللفظين صدر عن رسول الله ﷺ ووقع عند الكرماني بفتح اللام وقرره بجبريل لأنه الذي ينزل بالأحكام وفي رواية "لقد حكمت فيهم اليوم بحكم الله الذي حكم به من فوق سبع سموات" وفي رواية "لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة" جمع رقيع وهو اسم من أسماء السماء قيل: سميت بذلك لأنها رقعت بالنجوم ومعناه أن الحكم نزل من فوق ولا يستحيل وصفه تعالى بالفوق على المعنى الذي يليق بجلاله.
(فلما رجع من الخندق وضع السلاح فاغتسل فأتاه جبريل وهو ينفض رأسه من الغبار) وعند الطبراني والبيهقي أن عائشة قالت: سلم علينا رجل ونحن في البيت فقام رسول الله ﷺ فزعا فقمت في إثره فإذا بدحية الكلبي فقال: "هذا جبريل" وفي رواية "يأمرني أن أذهب إلى بني قريظة" وفي رواية "فكأني برسول الله ﷺ يمسح الغبار عن وجه جبريل" وعند أحمد والطبراني "فأتاه جبريل وإن على ثناياه لنقع الغبار" إشارة إلى أن آثار غزوة الخندق مازالت باقية على جبريل ﵇" وإلى أن المعركة لم تنته وإلى أن الوقت لا يسمح بالاغتسال بل يوجب الإسراع.
(وضعت السلاح؟ والله ما وضعناه. اخرج إليهم) عند ابن سعد "فقال له جبريل: عفا الله عنك وضعت السلام ولم تضعه ملائكة الله" وفي رواية "قم فشد عليك سلاحك فوالله لأدقنهم دق البيض على الصفا".
(أن سعدا قال -وتحجر كلمه للبرء- ... فقال) الكلم بفتح الكاف الجرح وتحجر أي يبس والجملة حالية أي قال هذا القول حالة قرب التئام جرحه وشفائه.
(أن ليس أحد أحب إلي أن أجاهد فيك من قوم كذبوا رسولك ﷺ "أن" الأولى مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن محذوف وخبرها جملة "ليس أحد أحب" وجملة أن وخبرها سدت مسد مفعولي "تعلم" والتقدير: اللهم إنك تعلم أن الحال ليس جهاد في سبيلك أحب إلي من جهاد أحارب فيه قوما كذبوا رسولك.
стр. 3897
(اللهم فإن كان ... ) الفاء عاطفة للجملة بعدها على الجملة قبلها وإعادة "اللهم" لزيادة الاستعطاف.
(اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم) قال بعض الشراح: ولم يصب في هذا الظن لأنه قد وقعت حروب وغزوات بعد ذلك فيحمل على أنه دعا بذلك فلم تجب دعوته بعينها وادخر له ما هو أفضل من ذلك كما ورد في حديث دعاء المؤمن أو أن سعدا أراد بوضع الحرب أي في تلك الغزوة الخاصة لا فيما بعدها قال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر لي أن ظن سعد كان مصيبا وأن دعاءه في هذه القصة كان مجابا وذلك أنه لم يقع بين المسلمين وبين قريش من بعد وقعة الخندق حرب يكون ابتداء القصد فيها من المشركين فإنه ﷺ تجهز إلى العمرة فصدوه عن دخول مكة وكادت الحرب أن تقع بينه وبينهم فلم تقع كما قال الله تعالى ﴿وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم﴾ [الفتح: ٢٤] ثم وقعت الهدنة واعتمر ﷺ من قابل واستمر ذلك إلى أن نقضوا العهد فتوجه إليهم غازيا ففتحت مكة فعلى هذا فالمراد بقوله: "أظن أنك وضعت الحرب" أي أن يقصدونا محاربين. اهـ.
والذي يظهر لي أن توجيه الحافظ ابن حجر بعيد وفيه تعسف فسعد كان يتمنى جهاد قريش ومحاربتهم وغلبتهم وإذلالهم وأن يكون له في ذلك إسهام سواء أكانوا مهاجمين أو كانوا مهاجمين -بكسر الجيم وفتحها- وقصر تمنيه على كونهم مهاجمين -بكسر الجيم- لا يليق بسعد ولا بتمنيه فكون المسلم مدافعا فقط لا يليق بنشر الدعوة ولا بأبطالها الأوائل ثم إن وضع الحرب بين فريقين يشمل الهجوم والدفاع ولا قرينة تخصصه بأحدهما وهذا من حيث الظن ولا ينقص المسلم أن يظن شيئا فلا يتحقق أما دعاؤه فشيء آخر ويبدو أنه قصد بدعائه أن يموت شهيدا مجاهدا لكفار قريش إما بحرب مقبلة وإما بهذه الحرب فأجاب الله دعاءه فمات بسبب جرح ناتج عن إصابته في غزوة الخندق.
(فافجرها واجعل موتي فيها) أي فافجر الإصابة والجراحة وكان الجرح قد ورم وسرى الورم من الذراع إلى الصدر ثم إلى الرقبة.
(فانفجرت من لبته) بفتح اللام وتشديد الباء وهي موضع القلادة من الصدر أي كان انفجار الجراحة من نهاية الورم من اللبة لا من الذراع وفي رواية "فإذا لبته قد انفجرت من كلمه" وفي رواية الكشميهني وروايتنا الخامسة "من لبته" قال الحافظ ابن حجر: وهو تصحيف.
(فلم يرعهم -وفي المسجد معه خيمة من بني غفار- إلا والدم يسيل إليهم) جملة "وفي المسجد معه خيمة من بني غفار" حالية ومعنى "يرعهم" يفزعهم والضمير فيها لأهل الخيمة وكانت -على ما يقول ابن إسحق- لرفيدة الأسلمية قال الحافظ: فيحتمل أن تكون لها زوج من بني
стр. 3898
غفار اهـ. والاستثناء مفرغ من عموم الفاعل والتقدير: فلم يفزعهم شيء إلا منظر فظيع والدم يجري إليهم من الخيمة المجاورة.
(ما هذا الذي يأتينا من قبلكم؟ ) بكسر القاف وفتح الباء أي من جهتكم؟
(فإذا سعد جرحه يغذ دما) قال النووي: هكذا هو في معظم الأصول المعتمدة "يغذ" بكسر الغين وتشديد الذال ونقله القاضي عن جمهور الرواة وفي بعضها "يغذو" بإسكان الغين وضم الذال وكلاهما صحيح ومعناه يسيل يقال غذ الجرح يغذ إذا دام سيلانه وغذا يغذو سال. اهـ.
(فما فعلت قريظة والنضير) قال النووي: هكذا هو في معظم النسخ وكذا حكاه القاضي عن المعظم وفي بعضها "لما فعلت" باللام بدل الفاء وقال: وهو الصواب والمعروف في السير. اهـ.
تركتم قدركم لا شيء فيها
وقدر القوم حامية تفور
الخطاب للأوس ويوبخ به الشاعر جبل بن جوال الثعلبي وكان حينئذ كافرا يوبخ سعد بن معاذ على حكمه بقتل مقاتلة بني قريظة وهذا البيت مثل يضرب لعدم الناصر فكأن الأوس بهذا الحكم فرغوا قدرهم من الطعام بفقدهم لبني قريظة حلفائهم وكانوا بهم أقوياء وأشار بعض القوم إلى الخزرج الذين تقووا بحلفائهم بني قينقاع حيث تشفعوا لهم عند النبي ﷺ فأبقاهم.
وقد قال الكريم أبو حباب
أقيموا قينقاع ولا تسيروا
يمدح عبد الله بن أبي وهو أبو حباب رئيس الخزرج حيث شفع لبني قينقاع فأقاموا.
وقد كانوا ببلدتهم ثقالا
كما ثقلت بميطان الصخور
الكلام عن بني قريظة وأنهم كانوا في بلادهم بسبب كثرة مالهم أقوياء راسخين رسوخ الصخر في جبل ميطان المعروف في أرض الحجاز في ديار بني مزينة وميطان بفتح الميم على المشهور وحكي بكسرها.
(ألا يصلين أحد الظهر إلا في بني قريظة) "ألا" أصلها "أن" المفسرة دخلت على "لا" الناهية.
قال النووي: هكذا رواه مسلم "لا يصلين أحد الظهر" ورواه البخاري في باب صلاة الخوف من رواية ابن عمر أيضا قال: قال رسول الله ﷺ لنا لما رجع من الأحزاب: لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة فأدرك بعضهم العصر في الطريق وقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها وقال بعضهم بل نصلي ولم يرد ذلك منا فذكر ذلك للنبي ﷺ فلم يعنف واحدا منهم" ويجمع بين الروايتين في كونها الظهر أو العصر باحتمال أن هذا النهي كان بعد دخول وقت الظهر وقد صلى الظهر بالمدينة بعضهم دون بعض فقيل للذين لم يصلوا الظهر: لا تصلوا الظهر إلا في بني قريظة وللذين صلوا بالمدينة: لا تصلوا العصر إلا في بني قريظة (ويبعد هذا الاحتمال أن النداء صدر مرات بلفظ واحد من شخص واحد وهذا الاحتمال يحتاج نداءين مختلفين) كما يبعده اتحاد مخرج الحديث لأنه عند الشيخين بإسناد واحد من مبدئه إلى منتهاه فيبعد أن يكون كل من رجال الإسناد قد حدث به على الوجهين
стр. 3899
إذ لو كان كذلك لحمله واحد منهم عن بعض رواته على الوجهين ولم يوجد ذلك قال الحافظ ابن حجر: ثم تأكد عندي أن الاختلاف المذكور من حفظ بعض رواته فإن لفظ البخاري مخالف للفظ مسلم كما سبق فالذي يظهر من تغاير اللفظين أن عبد الله بن محمد بن أسماء شيخ الشيخين فيه حدث البخاري على هذا اللفظ وحدث مسلما والآخرين بلفظ آخر -فتغيير اللفظ على هذا من شيخ الشيخين والنهي كان عن وقت واحد- أو أن البخاري كتبه من حفظه ولم يراع اللفظ كما عرف من مذهبه في تجويز ذلك بخلاف مسلم فإنه يحافظ على اللفظ كثيرا وإنما لم أجوز عكسه لموافقة من وافق مسلما على لفظه بخلاف البخاري -فتغيير اللفظ على هذا من البخاري والنهي كان عن وقت واحد وهو الظهر- قال الحافظ: وهذا كله من حيث حديث ابن عمر أما بالنظر إلى حديث غيره فالاحتمالان المتقدمان في كونه قال الظهر لطائفة والعصر لطائفة متجه فيحتمل أن تكون رواية الظهر هي التي سمعها
ابن عمر ورواية العصر هي التي سمعها كعب بن مالك وعائشة. اهـ.
قال النووي: ويحتمل أنه قيل للجميع: لا تصلوا الظهر ولا العصر إلا في بني قريظة ويحتمل أنه قيل للذين ذهبوا أولا: لا تصلوا الظهر إلا في بني قريظة وللذين ذهبوا بعدهم: لا تصلوا العصر إلا في بني قريظة.
-[فقه الحديث]-
-[يؤخذ من الروايات الثلاث الأولى]-
١ - جواز التحكيم في أمور المسلمين وفي مهماتهم العظام وقد أجمع العلماء عليه ولم يخالف فيه إلا الخوارج فإنهم أنكروا على "علي" التحكيم وأقام الحجة عليهم.
٢ - وجواز مصالحة أهل قرية أو حصن على حكم حاكم مسلم عدل صالح للحكم أمين على هذا الأمر وعليه الحكم بما فيه مصلحة للمسلمين.
٣ - وإذا حكم بالشيء لزم حكمه ولا يجوز للإمام ولا لهم الرجوع عنه ولهم الرجوع قبل الحكم.
قاله النووي.
٤ - وفي قوله "قوموا إلى سيدكم" في الرواية الأولى إكرام أهل الفضل وتلقيهم بالقيام لهم إذا أقبلوا قال النووي: هكذا احتج به جماهير العلماء لاستحباب القيام قال القاضي: وليس هذا من القيام المنهي عنه وإنما ذلك فيمن يقومون عليه وهو جالس ويمثلون قياما طول جلوسه.
قال النووي: القيام للقادم من أهل الفضل مستحب وقد جاء فيه أحاديث ولم يصح في النهي عنه شيء صريح وقد جمعت كل ذلك مع كلام العلماء عليه في جزء وأجبت فيه عما توهم النهي عنه. اهـ.
٥ - قال ابن بطال: في هذا الحديث أمر الإمام الأعظم بإكرام الكبير من المسلمين.
стр. 3900
٦ - ومشروعية إكرام أهل الفضل في مجلس الإمام الأعظم والقيام فيه لغيره من أصحابه.
٧ - قال الخطابي: فيه أن قيام المرءوس للرئيس الفاضل والإمام العادل والمتعلم للعالم مستحب وإنما يكره لمن كان بغير هذه الصفات.
قال الحافظ ابن حجر: وقد منع من ذلك قوم واحتجوا بحديث أبي أمامة قال "خرج علينا النبي ﷺ متوكئا على عصا فقمنا له فقال: لا تقوموا كما تقوم الأعاجم بعضهم لبعض" وأجاب عنه الطبري بأنه حديث ضعيف مضطرب السند فيه من لا يعرف.
واحتجوا أيضا بحديث عبد الله بن بريدة: أن أباه دخل على معاوية فأخبره أن النبي ﷺ قال: "من أحب أن يتمثل له الرجال قياما وجبت له النار" وأجاب عنه الطبري بأن هذا الخبر إنما فيه نهي من يقام له عن السرور بذلك لا نهي من يقوم له إكراما له وأجاب عنه ابن قتيبة بأن معناه: من أراد أن يقوم الرجال على رأسه كما يقام بين يدي ملوك الأعاجم وليس المراد به نهي الرجل عن القيام لأخيه إذا سلم عليه.
واحتج ابن بطال للجواز بما أخرجه النسائي عن عائشة "كان رسول الله ﷺ إذا رأى فاطمة بنته قد أقبلت رحب بها ثم قام فقبلها ثم أخذ بيدها حتى يجلسها في مكانه".
وذكر البخاري في الأدب المفرد حديث كعب بن مالك في قصة توبته وفيه "فقام إلى طلحة ابن عبيد الله يهرول".
قال الحافظ ابن حجر: ومحصل المنقول عن مالك إنكار القيام مادام الذي يقام لأجله لم يجلس ولو كان في شغل نفسه فإنه سئل عن المرأة تبالغ في إكرام زوجها فتلقاه وتنزع ثيابه وتقف حتى يجلس؟ فقال: أما التلقي فلا بأس به وأما القيام حتى يجلس فلا فإن هذا فعل الجبابرة.
وقد أنكره عمر بن عبد العزيز.
وقد أطال الحافظ ابن حجر في عرض وجهتي نظر الفريقين في موضوع النزاع فقال:
نقل المنذري عن بعض من منع ذلك مطلقا أنه رد على قصة سعد هذه بأن النبي ﷺ إنما أمرهم بالقيام لسعد لينزلوه عن الحمار لكونه كان مريضا ويستأنس لهذا بما في مسند عائشة عند أحمد بلفظ "قوموا إلى سيدكم فأنزلوه" قال الحافظ: وسنده حسن وهذه الزيادة تخدش الاستدلال بقصة سعد على مشروعية القيام المتنازع فيه.
واحتج النووي بحديث سعد ونقل عن البخاري ومسلم وأبي داود أنهم احتجوا به ولفظ مسلم: لا أعلم في قيام الرجل للرجل حديثا أصح من هذا وقد اعترض عليه الشيخ أبو عبد الله ابن الحاج فقال ما ملخصه: لو كان القيام المأمور به لسعد هو المتنازع فيه لما خص به الأنصار فإن الأصل في أفعال القرب التعميم ولو كان القيام لسعد على سبيل البر والإكرام لكان هو ﷺ أول من فعله وأمر به من حضر من كبار الصحابة فلما لم يأمر به ولا فعله ولا فعلوه دل ذلك
стр. 3901
على أن الأمر بالقيام لغير ما وقع فيه النزاع وإنما هو لينزلوه عن دابته لما كان فيه من المرض ولأن عادة العرب أن القبيلة تخدم كبيرها فلذلك خص الأنصار بذلك دون المهاجرين وعلى تقدير تسليم أن القيام المأمور به حينئذ لم يكن للإعانة فليس هو المتنازع فيه بل لأنه غائب قدم والقيام للغائب إذا قدم مشروع ويحتمل أن يكون القيام المذكور إنما هو لتهنئته بما حصل له من تلك المنزلة الرفيعة من التحكيم والرضا بما يحكم به والقيام لأجل التهنئة مشروع أيضا.
وأجاب ابن الحاج على احتجاج النووي بقيام طلحة لكعب بن مالك بأن طلحة إنما قام لتهنئته ومصافحته ولذلك لم يحتج به البخاري للقيام وإنما أورده في المصافحة ولو كان قيامه محل النزاع لما انفرد به فلم ينقل أن النبي ﷺ قام له ولا أمر به ولا فعله أحد ممن حضر وإنما انفرد طلحة لقوة المودة بينهما على ما جرت به العادة أن التهنئة والبشارة ونحو ذلك تكون على قدر المودة والخلطة بخلاف السلام فإنه مشروع على من عرفت ومن لم تعرف وإذا حمل فعل طلحة على محل النزاع لزم أن يكون من حضر من المهاجرين قد ترك ما هو مندوب ولا يظن بهم ذلك.
وأجاب ابن الحاج عن احتجاج النووي بقيام النبي ﷺ لفاطمة باحتمال أن يكون القيام لها لأجل إجلاسها في مكانه إكراما لها لا على وجه القيام المنازع فيه ولا سيما ما عرف من ضيق بيوتهم وقلة الفرش فيها فكانت إرادة إجلاسها في موضعه مستلزمة لقيامه.
واحتج النووي أيضا بما أخرجه أبو داود "أن النبي ﷺ كان جالسا يوما فأقبل أبوه من الرضاعة فوضع له بعض ثوبه فجلس عليه ثم أقبلت أمه فوضع لها شق ثوبه من الجانب الآخر ثم جاء أخوه من الرضاعة فقام فأجلسه بين يديه" واعترضه ابن الحاج بأن هذا القيام لو كان محل النزاع لكان الوالدان أولى به من الأخ وإنما قام للأخ إما لأن يوسع له في الرداء أو في المجلس.
واحتج النووي أيضا بما أخرجه مالك في قصة عكرمة بن أبي جهل أنه لما فر إلى اليمن يوم الفتح ورحلت امرأته إليه حتى أعادته إلى مكة مسلما فلما رآه النبي ﷺ وثب إليه فرحا وما عليه رداء واحتج أيضا بقيام النبي ﷺ لجعفر لما قدم من الحبشة فقال: ما أدري بأيهما أنا أسر: بقدوم جعفر؟ أو بفتح خيبر؟
وبحديث عائشة "قدم زيد بن حارثة المدينة والنبي ﷺ في بيتي فقرع الباب فقام إليه فاعتنقه وقبله" وأجاب ابن الحاج بأنها ليست من محل النزاع.
واحتج النووي بعمومات تنزيل الناس منازلهم وإكرام ذي الشيبة وتوقير الكبير واعترضه ابن الحاج بما حاصله أن القيام على سبيل الإكرام داخل في العمومات المذكورة لكن محل النزاع قد ثبت النهي عنه فيخص من العمومات.
وأخرج الترمذي عن أنس قال: "لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله ﷺ وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك" قال الترمذي: حسن صحيح غريب وترجم له: باب كراهة قيام الرجل للرجل وأجاب النووي عن هذا الحديث من وجهين. أحدهما أنه خاف عليهم الفتنة
стр. 3902
إذا أفرطوا في تعظيمه فكره قيامهم له لهذا المعنى كما قال "لا تطروني" ولم يكره قيام بعضهم لبعض فإنه قد قام لبعضهم وقاموا لغيره بحضرته فلم ينكر عليهم بل أقره وأمر به ثانيهما أنه كان بينه وبين أصحابه من الأنس وكمال الود والصفاء ما لا يحتمل زيادة بالإكرام بالقيام فلم يكن في القيام مقصود ورد عليه ابن الحاج بما لا يسمح له المقام.
وقال الغزالي: القيام على سبيل الإعظام مكروه وعلى سبيل الإكرام لا يكره قال الحافظ: وهو تفصيل حسن.
وعن الوليد بن رشد: أن القيام يقع على أربعة أوجه: الأول محظور وهو أن يقع لمن يريد أن يقام له تكبرا وتعاظما على القائمين إليه والثاني مكروه وهو أن يقع لمن لا يتكبر ولا يتعاظم على القائمين ولكن يخشى أن يدخل نفسه بسبب ذلك ما يحذر ولما فيه من التشبه بالجبابرة. والثالث جائز وهو أن يقع على سبيل البر والإكرام لمن لا يريد ذلك ويؤمن معه التشبيه بالجبابرة والرابع مندوب وهو أن يقوم لمن قدم من سفر فرحا بقدومه ليسلم عليه أو إلى من تجددت له نعمة فيهنئه بحصولها أو مصيبة فيعزيه بسببها. والله أعلم.
٨ - قال الخطابي: في الحديث جواز إطلاق السيد على الخير الفاضل.
٩ - وفي الحديث تحكيم الأفضل من هو مفضول.
١٠ - وجواز الاجتهاد في زمن النبي ﷺ والمسألة خلافية في أصول الفقه والمختار الجواز سواء كان بحضور النبي ﷺ أم لا واستبعد المانعون وقوع الاعتماد على الظن مع إمكان القطع لكن لا يضر ذلك لأنه بالتقرير يصير قطعيا.
١١ - ومن ضرب الخيمة في المسجد لسعد جواز النوم في المسجد.
١٢ - وجواز مكث المريض فيه وإن كان جريحا.
١٣ - واتخاذ المسجد مكانا لعلاج الجرحى.
١٤ - ومن دعاء سعد بجعل موته في الجراحة جواز تمني الشهادة وهو مخصوص من عموم النهي عن تمني الموت وقيل: هذا ليس من تمني الموت المنهي عنه لأن المنهي عنه تمني الموت لضر أصابه ونزل به هذا إنما تمنى انفجارها ليكون شهيدا.
١٥ - ومن الرواية السادسة مدى اهتمام الصحابة بالصلاة في وقتها.
١٦ - ومن عدم تعنيف النبي ﷺ لأحد من الفريقين أنه لا يعنف المجتهد فيما فعله باجتهاده إذا بذل وسعه في الاجتهاد.
١٧ - وأنه لا يعاب على من أخذ بظاهر حديث أو آية.
١٨ - ولا على من استنبط من النص معنى يخصصه.
стр. 3903
١٩ - قال السهيلي: وفيه أنه لا يستحيل أن يكون الشيء صوابا في حق إنسان وخطأ في حق غيره وإنما المحال أن يحكم في النازلة بحكمين متضادين في حق شخص واحد قال: والأصل في ذلك أن الحظر والإباحة صفات أحكام لا أعيان قال: فكل مجتهد وافق اجتهاده وجها من التأويل فهو مصيب. اهـ. فكل مختلفين في الفروع من المجتهدين مصيب.
قال الحافظ ابن حجر: والمشهور أن الجمهور ذهبوا إلى أن المصيب في القطعيات واحد وخالف الجاحظ والعنبري وأما ما لا قطع فيه قال الجمهور أيضا: المصيب واحد وقد ذكر ذلك الشافعي وقرره ونقل عن الأشعري أن كل مجتهد مصيب وأن حكم الله تابع لظن المجتهد وقال بعض الحنفية وبعض الشافعية: هو مصيب باجتهاده وإن لم يصب ما في نفس الأمر فهو مخطئ وله أجر واحد.
وحديث "إنما أنا بشر وإنه يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض فأحسب أنه صادق فأقضي له بذلك فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها" هذا الحديث يدل على أن المجتهد قد يخطئ وليس كل مجتهد مصيبا غاية الأمر أن المجتهد إذا أخطأ لا يلحقه إثم بل يؤجر.
قال الحافظ ابن حجر: ثم الاستدلال بهذه القصة على أن كل مجتهد مصيب على الإطلاق ليس بواضح وإنما فيه ترك تعنيف من بذل وسعه واجتهد فيستفاد منه عدم تأثيمه قال: وحاصل ما وقع في القصة أن بعض الصحابة حملوا النهي على حقيقته ولم يبالوا بخروج الوقت ترجيحا للنهي الثاني على النهي الأول وهو ترك تأخير الصلاة عن وقتها واستدلوا بجواز التأخير لمن اشتغل بأمر الحرب بنظير ما وقع في تلك الأيام بالخندق فقد صلوا العصر بعد ما غربت الشمس لشغلهم بأمر الحرب فجوزوا أن يكون ذلك عاما في كل شغل يتعلق بأمر الحرب ولا سيما والزمان زمان التشريع والبعض الآخر حملوا النهي على غير الحقيقة وأنه كناية عن الحث والاستعجال والإسراع إلى بني قريظة اهـ.
ونعود إلى قولهم: كل مجتهد مصيب. مصيب ماذا؟ هل مصيب عين الواقع المراد للمتكلم؟ أو مصيب في حكم الشرع مأمور بالعمل بما أدى إليه اجتهاده؟ ونزيد الأمر وضوحا على قصتنا. لو أن رسول الله ﷺ قصد من نهيه "لا يصلين أحد الظهر إلا في بني قريظة" تأخير صلاة الظهر فعلا لمن لم يصلها إلى أن يصليها في ممتلكات بني قريظة كان الذين أخروها مصيبين الواقع المقصود والذين صلوا في الطريق مخطئين الواقع المقصود وإن كانوا معذورين لا يعنفون فمصيب الواقع هنا واحد ولا شك ولو أن رسول الله ﷺ قصد من نهيه الحث على الإسراع ولم يرد أصلا تأخير صلاة من لم يصل كان المصلون في الطريق مصيبين الواقع المراد إذا أسرعوا المسير وكان المؤخرون للصلاة مخطئين الواقع المراد غاية الأمر أننا لم نعرف المصيب من المخطئ لأن النبي ﷺ لم يعلن عن قصده ومراده من النهي ولو أنه أبان عن مقصوده لتحدد الفريق المصيب من الفريق المخطئ أما لو كان قصده ﷺ كلا من الأمرين
стр. 3904
وإباحة كل من الأمرين لمن شاء فكلا الفريقين مصيب للواقع المراد وفي جميع الحالات الكل مصيب في حكم الشرع له أجره مصيب عين الحقيقة له أجران عند الله ومخطئ عين الحقيقة له أجر واحد.
وقد حاول ابن القيم ترجيح رأي الذين صلوا في الطريق على أساس أنهم حازوا الفضيلتين: امتثال الأمر في الإسراع وامتثال الأمر في المحافظة على الوقت لا سيما في صلاة العصر.
قال: فاجتهاد الذين صلوا أصوب من اجتهاد الطائفة الأخرى.
٢٠ - واستدل به ابن حبان على أن تارك الصلاة حتى يخرج وقتها لا يكفر وفيه نظر لأن التأخير هنا بطلب من الشارع وما يقصده ابن حبان التأخير بدون طلب من الشارع وبدون عذر.
٢١ - واستدل به بعضهم على أن الذي يتعمد تأخير الصلاة حتى يخرج وقتها يقضيها بعد ذلك لأن الذين لم يصلوا في الطريق حتى خرج وقتها صلوها بعد ذلك روي أنهم صلوها في وقت العشاء وروي أنهم صلوها بعد أن غابت الشمس وفي هذا الاستدلال نظر لأنهم لم يؤخروها إلا لعذر تأولوه والنزاع إنما هو فيمن أخر عمدا بغير تأويل.
٢٢ - استدل به بعضهم على جواز الصلاة على الدواب في شدة الخوف وادعى أن الطائفة الذين صلوا العصر لما أدركتهم في الطريق إنما صلوها وهم على الدواب واستند إلى أن النزول إلى الصلاة ينافي مقصود الإسراع في الوصول فصلوا ركبانا ليجمعوا بين دليل وجوب الصلاة ودليل وجوب الإسراع لأنهم لو صلوا نزولا لكانوا تاركين لما أمروا به من الإسراع ولا يظن بهم ذلك مع ثقوب أفهامهم.
وفي هذا الاستدلال نظر لأن دعوى أنهم صلوا ركبانا تحتاج إلى دليل ولم يرد صريحا في شيء من طرق هذه القصة أنهم صلوا ركبانا.
٢٣ - قال النووي: في الحديث دلالة لمن يقول بالمفهوم والقياس ومراعاة المعنى.
والله أعلم.
стр. 3905
(٤٨٥) باب رد المهاجرين إلى الأنصار منائحهم من الشجر والثمر حين استغنوا عنها بالفتوح
٤٠٤٤ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما قدم المهاجرون من مكة المدينة قدموا وليس بأيديهم شيء. وكان الأنصار أهل الأرض والعقار. فقاسمهم الأنصار على أن أعطوهم أنصاف ثمار أموالهم كل عام ويكفونهم العمل والمئونة. وكانت أم أنس ابن مالك وهي تدعى أم سليم وكانت أم عبد الله بن أبي طلحة كان أخا لأنس لأمه وكانت أعطت أم أنس رسول الله ﷺ عذاقا لها فأعطاها رسول الله ﷺ أم أيمن مولاته أم أسامة ابن زيد قال ابن شهاب: فأخبرني أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ لما فرغ من قتال أهل خيبر وانصرف إلى المدينة رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم التي كانوا منحوهم من ثمارهم. قال: فرد رسول الله ﷺ إلى أمي عذاقها وأعطى رسول الله ﷺ أم أيمن مكانهن من حائطه قال ابن شهاب: وكان من شأن أم أيمن أم أسامة بن زيد أنها كانت وصيفة لعبد الله بن عبد المطلب وكانت من الحبشة. فلما ولدت آمنة رسول الله ﷺ بعد ما توفي أبوه فكانت أم أيمن تحضنه حتى كبر رسول الله ﷺ فأعتقها ثم أنكحها زيد بن حارثة ثم توفيت بعد ما توفي رسول الله ﷺ بخمسة أشهر.
٤٠٤٥ - عن أنس ﵁ أن رجلا وقال حامد وابن عبد الأعلى: أن الرجل كان يجعل للنبي ﷺ النخلات من أرضه حتى فتحت عليه قريظة والنضير فجعل بعد ذلك يرد عليه ما كان أعطاه قال أنس: وإن أهلي أمروني أن آتي النبي ﷺ فأسأله ما كان أهله أعطوه أو بعضه وكان نبي الله ﷺ قد أعطاه أم أيمن. فأتيت النبي ﷺ فأعطانيهن فجاءت أم أيمن فجعلت الثوب في عنقي وقالت: والله لا نعطيكاهن وقد أعطانيهن فقال نبي الله ﷺ "يا أم أيمن اتركيه ولك كذا وكذا" وتقول كلا والذي لا إله إلا هو. فجعل يقول كذا حتى أعطاها عشرة أمثاله أو قريبا من عشرة أمثاله.
стр. 3906
-[المعنى العام]-
هاجر المؤمنون من مكة إلى المدينة فرارا بدينهم تاركين ديارهم وأموالهم وأهليهم وأوطانهم وهاجروا خفية من كفار قريش متسربلين بجنح الظلام أخرجوا من ديارهم فوصلوا المدينة وهم ليس في أيديهم مال يتعيشون منه نزلوا على الأنصار نزول الضيف على صاحب البيت والأنصار في المدينة يملكون البيوت والمزارع والحدائق والأشجار والأرض والمياه والإبل والبقر والغنم والخيل والقمح والشعير والتمر والكساء والغطاء والذهب والفضة والنساء.
لم يكن بد من التكافل الاجتماعي فآخى رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار وربط أخوة إسلامية وتكافلية بين رجل من هنا ورجل من هناك وكان الأنصار -بحق- كراما أحبوا من هاجر إليهم ولم يحفظوا في صدورهم حقدا أو غلا أو كرها أو تبرما بسبب ما يعطونه للمهاجرين بل عرضوا عليهم نصف ما يملكون عن طيب خاطر بل كانوا يؤثرون المهاجرين على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة وكان الأنصاري يقول لأخيه المهاجر: انظر أي زوجتي هويت نزلت لك عنها فإذا حلت فتزوجها.
وكان المهاجرون كرام النفوس أعزة يأبون الضيم والذل يأبون أن يكونوا عالة وكلا على غيرهم فقبلوا أن يعملوا في أرض الأنصار وأشجارهم في مقابل نسبة من ثمارهم لكن هذا لم يرفع من قيمة المهاجرين ليعيشوا على قدم المساواة مع الأنصار فمازال هؤلاء عمالا وأولئك ملاكا ومازال هؤلاء ممنوحين وأولئك مانحين فلما حانت الفرصة وأفاء الله على رسوله من الغنائم ما أفاء وفي ظل التفويض الذي منحه الله له أن يصرف هذا الفيء كيف شاء عرض على الأنصار -بعد غنائم خيبر- أن يختاروا أحد الأمرين:
إما أن يشترك الأنصار والمهاجرون في عطائه ﷺ من فيء خيبر على أن يظل المهاجرون مشاركين للأنصار في أموالهم على ما هم عليه وإما أن يخص بهذا الفيء المهاجرين دون الأنصار على أن يرد المهاجرون للأنصار عطاياهم ومنائحهم فاختاروا أن ترد لهم منائحهم فردها المهاجرون حتى أم أنس التي كانت قد وهبت رسول الله ﷺ ثمار نخلات من نخلها استردت هبتها وعاد إليها ثمارها وعادت العزة والكرامة وتكافؤ الفرص بين المهاجرين والأنصار مع شكر الأنصار والاعتراف بفضلهم وقوة إيمانهم وسماحة أخلاقهم ﵃ أجمعين.
-[المباحث العربية]-
(لما قدم المهاجرون من مكة المدينة) يقال: قدم البلد -بكسر الدال يقدم بفتحها- إذا دخلها فهو قادم فالجار والمجرور مقدم على المفعول والأصل: لما قدم المهاجرون المدينة من مكة.
(قدموا وليس بأيديهم شيء) أي ليس معهم شيء من مال لأنهم أخرجوا من ديارهم
стр. 3907
وأموالهم وينسب خلو الإنسان من المال إلى خلو اليد كما ينسب الكسب إليها فيقال: هذا ما كسبت أيديهم لأن أكثر الأفعال وأقواها تقع بها فالكلام كناية عن الخلو من الأملاك والأموال وجملة "وليس بأيديهم شيء" حالية.
(وكان الأنصار أهل الأرض والعقار) بالمدينة والمراد بالعقار هنا النخل كذا قال النووي: قال الزجاج: العقار كل ما له أصل وقيل: إن النخل خاصة يقال له العقار اهـ.
وهو بفتح العين ولما كانت القصة هنا عن النخل حمل عليه العقار وهو كل ملك ثابت له أصل كالأرض والدار ولا مانع من إرادة المعنى الأصلي من قبيل عطف العام على الخاص.
(فقاسمهم الأنصار) الضمير للمهاجرين و"الأنصار" بالرفع فاعل أي قاسم الأنصار المهاجرين يقال: قاسم فلان فلانا إذا أخذ كل منهما قسمه والمقصود المقاسمة في ثمر النخل فقد روى البخاري أن الأنصار قالوا للنبي ﷺ : "اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل" -أي الأرض والنخيل تملكا- قال ﷺ : "لا" لأنه ﷺ علم أن الفتوح ستفتح عليهم فكره أن يخرج الأنصار شيئا من أملاكهم فلما فهم الأنصار ذلك جمعوا بين المصلحتين امتثال ما أمرهم به ﷺ من عدم المشاركة في الأرض وأصل النخيل ومواساة الأنصار لإخوانهم المهاجرين فعرضوا المقاسمة في الثمار مقابل مساعدة المهاجرين للأنصار بالعمل في أرضهم بالسقي والرعاية وهذه هي المساقاة عند الفقهاء.
وهذا لم يكن عاما للمهاجرين فقد اعتذر بعضهم عن عدم قبول المواساة وقبل بعضهم أصول أملاك الأنصار وزعم الداودي وأقره ابن التين أن المراد بقوله هنا "قاسمهم الأنصار" أي حالفوهم أي جعله من القسم بفتح القاف وفتح السين لا من القسم بسكون السين وهو بعيد.
(على أن أعطوهم أنصاف ثمار أموالهم كل عام ويكفونهم العمل والمؤونة) المؤنة بضم الميم وسكون الهمزة والمؤونة بفتح الميم القوت والمراد منه هنا تكاليف رعاية النخل أي المقاسمة في الثمر على أساس أن أعطى -أي يعطي- الأنصار المهاجرين نصف ثمار نخيلهم كل عام مقابل أن يقوم المهاجرون مقام الأنصار في سقي النخيل ورعايتها فضمير الفاعل في "أعطوهم" للأنصار وفي "يكفونهم" للمهاجرين.
(وكانت أم أنس بن مالك -وهي تدعي أم سليم وكانت أم عبد الله بن أبي طلحة كان أخا لأنس لأمه- وكانت أعطت أم أنس رسول الله ﷺ عذاقا لها) الظاهر أن هذا الكلام من كلام الزهري الراوي عن أنس وفيه استطرادات والأصل: وكانت أم أنس قد أعطت رسول الله ﷺ عذاقا لها أي نخلا حاملا ثمرا كانت تملكه وأم أنس هي أم عبد الله بن أبي طلحة فهو وأنس أخوان لأم واسمها أم سليم.
стр. 3908
وإذا لم يكن هذا الكلام من كلام الزهري وكان من كلام أنس حمل على التجريد كأن أنسا جرد من نفسه شخصا آخر يتحدث عنه والأصل أن يقول: وكانت أمي قد أعطت .. إلخ.
والعذاق بكسر العين جمع عذق بفتح العين وسكون الذال كحبل وحبال والعذق النخلة إذا كان حملها موجودا والمراد أنها وهبت له ثمرها.
(فأعطاها رسول الله ﷺ أم أيمن مولاته) أي فأعطى رسول الله ﷺ العذاق وثمر النخل الذي منحته له أم أنس إلى أم أيمن وذلك قبل زمن رد المنائح قال النووي: وهو محمول على أن أم أنس أعطته ﷺ الثمرة يفعل فيها ما شاء من أكله بنفسه وعياله وضيفه وإيثاره بذلك من يشاء فلهذا آثر بها أم أيمن ولو كانت أم أنس أباحت الثمرة له خاصة لما أباحها لغيره لأن المباح له بنفسه لا يجوز له أن يبيح ذلك الشيء لغيره بخلاف الموهوب له نفس رقبة الشيء فإنه يتصرف فيه كيف شاء.
(لما فرغ من قتال أهل خيبر وانصرف إلى المدينة رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم التي كانوا منحوهم من ثمارهم) "خيبر" مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع على بعد نحو مائة وثلاثين ميلا من المدينة إلى جهة الشام وكانت الغزوة في المحرم وصفر سنة سبع من الهجرة على الصحيح وغنم المسلمون منها مغانم كثيرة حتى قال بعضهم: ما شبعنا من التمر حتى فتحنا خيبر غنموا البقر والإبل والمتاع والحوائط.
فخير النبي ﷺ الأنصار بين أن يقتسموا الغنائم مع المهاجرين وبين أن يعطيها المهاجرين مقابل أن يتركوا لهم منائحهم فاختاروا عودة منائحهم إليهم فقد روى الحاكم في الإكليل "قال النبي ﷺ للأنصار لما فتح النضير: إن أحببتم قسمت بينكم ما أفاء الله علي وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في منازلكم وأموالكم وإن أحببتم أعطيتهم وخرجوا عنكم فاختاروا الثاني" وعائد الصلة في قوله "منائحهم التي كانوا منحوهم" محذوف تقديره: التي كانوا منحوهم إياها من ثمارهم و"منائح" جمع منيحة والمنيحة والمنحة العطية.
(فرد رسول الله ﷺ إلى أمي عذاقها وأعطى أم أيمن مكانهن من حائطه) في الرواية الثانية زيادة تفصيل ففيها "وإن أهلي أمروني أن آتى النبي ﷺ فأسأله ما كان أهله أعطوه أو بعضه" يحتمل أن يكون من سبيل التجريد والأصل ما كان أهلي أعطوه والمراد بأهله أمه "وكان النبي ﷺ قد أعطاه أم أيمن فأتيت النبي ﷺ فأعطانيهن" أي أمر بإعطائي إياها وردها إلى أمي "فجاءت أم أيمن" فعلمت بالأمر بإعادة العذاق إلينا "فجعلت الثوب في عنقي" أي شدت ثوبه من عنقه "وقالت: والله لا نعطيكهن وقد أعطانيهن" أي ورسول الله ﷺ يرى ويسمع "فقال نبي الله ﷺ : يا أم أيمن. أتركيه ولك كذا وكذا" كناية عن نخلات مماثلة عرضها في مكان آخر "وتقول: كلا" لا أرضى بديلا "والذي لا إله إلا هو فجعل يقول: كذا" أي يعرض عليها مضاعفا "حتى أعطاها عشرة أمثاله" أي أمثال العذق "أو قريبا من عشرة أمثاله" وفي معظم النسخ "والله لا يعطيكاهن" قال
стр. 3909
النووي: وهو صحيح كأنه أشبع فتحة الكاف فتولدت منها ألف وفي بعض النسخ "والله ما نعطاكهن" وفي بعضها "لا نعطيكهن".
وقوله "مكانهن من حائطه" هكذا هو في رواية مسلم وفي رواية للبخاري "مكانهن من خالصه" أي من خالص ماله قال ابن التين: المعنى واحد لأن حائطه صار له خالصا.
(وكان من شأن أم أيمن -أم أسامة بن زيد- أنها كانت وصيفة لعبد الله بن عبد المطلب [أي خادمة له] وكانت من الحبشة) قال النووي: هذا تصريح من ابن شهاب أن أم أيمن -أم أسامة بن زيد- حبشية وكذا قال الواقدي وغيره ويؤيده ما ذكره بعض المؤرخين أنها كانت من سبي الحبشة أصحاب الفيل وقيل إنها لم تكن حبشية وإنما الحبشية امرأة أخرى واسم أم أيمن التي هي أم أسامة بركة كنيت بابنها أيمن بن عبيد الحبشي صحابي استشهد يوم خيبر. قاله الشافعي وغيره.
(فلما ولدت آمنة رسول الله ﷺ -بعد ما توفي أبوه- فكانت أم أيمن تحضنه حتى كبر رسول الله ﷺ جواب "لما" محذوف تقديره: فلما ولدت آمنة رسول الله ﷺ بعد ما توفي أبوه انتقل ملكها إلى رسول الله ﷺ فكانت تحضنه إلخ وكان رسول الله ﷺ يقول: "بركة أمي بعد أمي".
(ثم أنكحها زيد بن حارثة) فولدت له أسامة وكان أسود أفطس توفي آخر أيام معاوية سنة ثمان أو تسع وخمسين ومات النبي ﷺ وهو ابن عشرين سنة.
-[فقه الحديث]-
-[يؤخذ من الحديث]-
١ - قال النووي: فيه فضيلة ظاهرة للأنصار في مواساتهم وإيثارهم وما كانوا عليه من حب الإسلام وإكرام أهله وأخلاقهم الجميلة ونفوسهم الطاهرة وقد شهد الله تعالى لهم بذلك فقال تعالى ﴿والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم﴾ [الحشر: ٩].
٢ - وفيه فضيلة للمهاجرين حيث لم تطب نفوسهم أن يقبلوا منيحة خالصة بدون مقابل وكرهوا أن يكونوا كلا على غيرهم.
٣ - في قوله "رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم التي كانوا منحوهم من ثمارهم" دليل على أن هذه المنائح كانت منائح ثمار وليست تمليكا لرقاب النخل إذ لو كانت هبة لرقبة النخل لم يرجعوا فيها فإن الرجوع في الهبة بعد القبض لا يجوز وإباحة الثمر يجوز الرجوع فيها.
стр. 3910
٤ - في إعطاء أم أيمن منيحة أم أنس تكريم لها وتقدير لدورها في تربيته ﷺ واعتراف وشكر لجميلها. وكذا في تعويضها والزيادة فيه حتى رضيت.
٥ - استطابة قلب من تعلقت نفسه بشيء قبل أخذ هذا الشيء وإنما رفضت أم أيمن تسليم المنيحة لمعطيها لتعلق نفسها بها تعلقا يصعب عليها التسليم بسهولة قال النووي: لأنها ظنت أنها كانت هبة مؤبدة وتمليكا لأصل الرقبة. اهـ. وأقول: ومع ذلك لم يكن لها أن تتوقف عن تنفيذ الأمر الصادر إليها من الرسول ﷺ فالظاهر أن هذا التوقف منها كان على سبيل الإدلال والطمع في كرمه والرغبة في الحصول على زيادة خيره وعطائه وقد تحقق لها بهذا الإدلال ما أرادت.
٦ - في الحديث منقبة وفضيلة ظاهرة لأم أيمن ﵂.
٧ - وفي الحديث مشروعية هبة المنفعة دون الرقبة.
٨ - وفيه فرط جوده وكرمه وحلمه ﷺ .
٩ - وفيه حرص الإسلام على العزة والكرامة ورفع الهامة لتخليص المهاجرين من عطاء الأنصار ومن عملهم في أرضهم.
والله أعلم.
стр. 3911
(٤٨٦) باب جواز الأكل من طعام الغنيمة في دار الحرب
٤٠٤٦ - عن عبد الله بن مغفل ﵁ قال: أصبت جرابا من شحم يوم خيبر قال: فالتزمته. فقلت: لا أعطي اليوم أحدا من هذا شيئا قال: فالتفت فإذا رسول الله ﷺ متبسما.
٤٠٤٧ - عن عبد الله بن مغفل ﵁ يقول: رمي إلينا جراب فيه طعام وشحم يوم خيبر فوثبت لآخذه قال: فالتفت فإذا رسول الله ﷺ فاستحييت منه.
٤٠٤٨ - -/- وفي رواية عن شعبة بهذا الإسناد غير أنه قال "جراب من شحم" ولم يذكر "الطعام".
-[المعنى العام]-
الغلول وهو أخذ شيء من الغنيمة قبل قسمتها من أكبر الكبائر ورد فيه وعيد شديد في القرآن الكريم والسنة النبوية قال تعالى ﴿ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة﴾ [آل عمران: ١٦١] وحذر منه ﷺ ولو كان شراكا خيطا يربط به النعل لكن الضرورات -كما يقول الأصوليون- تبيح المحظورات والضرورات تقدر بقدرها.
الجائع شديد الجوع يجد طعاما ملكا للكفار في دار الحرب يحصل عليه بطريق ما كغنيمة هل ينتظر حتى يحوزه الجيش ويقسمه الإمام كغنيمة؟ أو يسد منه جوعته؟ وفي ذلك بلا شك إذن عام من الإمام وكذا لو كانت دابته جائعة وحصل على علف لها في دار الحرب أيطعمها لتقوى على حمله؟ أو ينتظر حتى تقسم الغنائم؟ الصحابي الجليل عبد الله بن مغفل مقاتل من جنود الله في غزوة خيبر وقد حاصروا حصنا من حصونها وطال بهم انتظار الفتح ونفدت أزوادهم فأكلوا لحوم الحمر الأهلية وأكلوا النباتات الأرضية حتى البصل والثوم وحتى مص النوى وفي هذه المجاعة يتبرع ساكن أو ساكنة من القصر المحاصر بكيس من جلد يملؤه طعاما ويلقيه على جند الإسلام فيثب ويقفز عبد الله بن المغفل فيلتقطه ويسارع فيلتقم لقمة منه ويراه جامع الغنيمة فيحاول أخذه منه ويلتفت الرجلان وراءهما فإذا النبي ﷺ مبتسما وهو يقول لجامع الغنمية: اتركه ويقول
стр. 3912
لعبد الله: هو لك ويخجل عبد الله لما أتى من القفز والحرص والاقتناص للجراب أمام الرسول ﷺ وكان ينبغي أن يكون على غير هذا وأن يحافظ على وقاره ومروءته وقناعته ﵁.
-[المباحث العربية]-
(أصبت جرابا من شحم يوم خيبر) الجراب بكسر الجيم وفتحها لغتان الكسر أفصح وأشهر وهو وعاء من جلد يحفظ فيه الزاد ونحوه والجمع أجربة وجرب بضم الجيم وسكون الراء وفي الرواية الثانية "رمى إلينا جراب فيه طعام وشحم يوم خيبر" وعند البخاري "كنا محاصرين قصر خيبر فرمى إنسان بجراب فيه شحم" وعند أحمد "دلى جراب من شحم يوم خيبر" وكانت قد أصابت المسلمين مجاعة أيام الحصار.
(قال: فالتزمته) أي فتعلقت به فأخذته وفي الرواية الثانية "فوثبت لأخذه" أي فأخذته وعند البخاري "فنزوت لآخذه" أي وثبت مسرعا يقال: نزا الفحل نزوا بفتح النون وسكون الزاي ونزوا بضم النون والزاي وتشديد الواو ونزوانا بفتح النون والزاي والواو وثب.
وعند ابن وهب أن صاحب المغانم كعب بن عمرو بن زيد الأنصاري أخذ منه الجراب فقال النبي ﷺ "خل بينه وبين جرابه".
(قال: فالتفت فإذا رسول الله ﷺ مبتسما) في الرواية الثانية "فاستحييت منه" فلعله استحيا من وثبه وإسراعه وحرصه مما لا يليق بالكرامة والمروءة وفي الرواية الأولى "فقلت: لا أعطي اليوم أحدا من هذا شيئا" فربما كان قد قالها بصوت مرتفع فسمعها رسول الله ﷺ فاستحيا من قوله هذه العبارة وزاد أبو داود الطيالسي في آخره "فقال: هو لك".
-[فقه الحديث]-
ترجم البخاري لهذا الحديث بباب ما يصيب من الطعام في أرض الحرب قال الحافظ ابن حجر: أي ما يصيب المجاهد من الطعام في أرض الحرب هل يجب تخميسه في الغانمين؟ أو يباح أكله للمقاتلين؟ وهي مسألة خلاف والجمهور على جواز أخذ الغانمين من القوت وما يصلح به القوت وكل طعام يعتاد أكله عموما وكذلك علف الدواب سواء كان قبل القسمة أو بعدها بإذن الإمام وبغير إذنه والمعنى فيه: أن الطعام يعز في دار الحرب فأبيح للضرورة [والحديث ظاهر في هذا وموضع الحجة منه عدم إنكار النبي ﷺ بل فيه ما يدل على رضاه لقوله "مبتسما" ويؤيد هذا ما في بعض الروايات من قوله "هو لك"] قال: والجمهور أيضا على جواز الأخذ ولو لم تكن الضرورة ناجزة واتفقوا على جواز ركوب دوابهم ولبس ثيابهم واستعمال سلاحهم في حال الحرب ورد ذلك بعد انقضاء الحرب وشرط الأوزاعي فيه إذن الإمام وعليه أن يرده إذا فرغت حاجته ولا يستعمله
стр. 3913
في غير الحرب ولا ينتظر برده انقضاء الحرب لئلا يعرضه للهلاك قال: وحجته حديث رويفع بن ثابت مرفوعا "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يأخذ دابة من المغنم فيركبها حتى إذا أعجفها ردها إلى المغانم" وذكر في الثوب مثل ذلك وهو حديث أخرجه أبو داود والطحاوي ونقل عن أبي يوسف أنه حمله على ما إذا كان الآخذ غير محتاج عنده دابته وثوبه بخلاف ما ليس له ثوب ولا دابة وقال الزهري: لا يأخذ شيئا من الطعام ولا غيره إلا بإذن الإمام وقال سليمان بن موسى: يأخذ إلا إن نهي الإمام وقال ابن المنذر: قد وردت الأحاديث الصحيحة في التشديد في الغلول واتفق علماء الأمصار على جواز أكل الطعام وجاء الحديث بنحو ذلك فليقتصر عليه وأما العلف فهو في معناه وقال مالك: يباح ذبح الأنعام للأكل كما يجوز أخذ الطعام وقيده الشافعي بالضرورة إلى الأكل حيث لا طعام.
وقال القاضي: أجمع العلماء على جواز أكل طعام الحربيين مادام المسلمون في دار الحرب فيأكلون منه قدر حاجتهم وجمهورهم على أنه لا يجوز أن يخرج معه منه شيئا إلى عمارة دار الإسلام فإن أخرجه لزمه رده إلى المغنم وأجمعوا على أنه لا يجوز بيع شيء منه في دار الحرب ولا غيرها.
وفي هذا الحديث: دليل لجواز أكل شحوم ذبائح اليهود وإن كانت شحومها محرمة عليهم وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وجماهير العلماء وقال الشافعي وأبو حنيفة والجمهور: لا كراهة فيها وقال مالك: هي مكروهة وقال بعض أصحاب أحمد: هي محرمة وحكي هذا أيضا عن مالك واحتج الشافعي والجمهور بقوله تعالى ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ [المائدة: ٥] قال المفسرون: المراد به الذبائح ولم يستثن منها شيئا لا لحما ولا شحما ولا غيره.
وفيه حل ذبائح أهل الكتاب: وهو مجمع عليه ولم يخالف إلا الشيعة قال النووي: ومذهبنا ومذهب الجمهور إباحتها سواء سموا الله تعالى عليها أم لا وقال قوم: لا يحل إلا أن يسموا الله تعالى فأما إذا ذبحوا على اسم المسيح أو كنيسة أو نحوها فلا تحل تلك الذبيحة عندنا وبه قال جماهير العلماء.
وفيه ما كان عليه الصحابة ﵃ من توقير النبي ﷺ ومن معاناة التنزه عن خوارم المروءة.
стр. 3914
(٤٨٧) باب كتب النبي ﷺ إلى هرقل ملك الشام وإلى ملوك الكفار يدعوهم إلى الإسلام
٤٠٤٩ - عن ابن عباس ﵄ أن أبا سفيان أخبره من فيه إلى فيه. قال: انطلقت في المدة التي كانت بيني وبين رسول الله ﷺ . قال: فبينا أنا بالشام إذ جيء بكتاب من رسول الله ﷺ إلى هرقل يعني عظيم الروم. قال: وكان دحية الكلبي جاء به فدفعه إلى عظيم بصرى فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل فقال: هرقل هل هاهنا أحد من قوم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ قالوا: نعم. قال: فدعيت في نفر من قريش فدخلنا على هرقل فأجلسنا بين يديه فقال أيكم أقرب نسبا من هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: فقلت: أنا فأجلسوني بين يديه وأجلسوا أصحابي خلفي ثم دعا بترجمانه فقال له: قل لهم إني سائل هذا عن الرجل الذي يزعم أنه نبي فإن كذبني فكذبوه قال: فقال أبو سفيان: وايم الله لولا مخافة أن يؤثر علي الكذب لكذبت. ثم قال لترجمانه: سله كيف حسبه فيكم؟ قال: قلت: هو فينا ذو حسب قال: فهل كان من آبائه ملك؟ قلت: لا قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا قال: ومن يتبعه أشراف الناس أم ضعفاؤهم؟ قال: قلت: بل ضعفاؤهم. قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قال: قلت: لا بل يزيدون قال: هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له؟ قال: قلت: لا.
قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قال: قلت: تكون الحرب بيننا وبينه سجالا يصيب منا ونصيب منه قال: فهل يغدر؟ قلت: لا ونحن منه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها قال: فوالله ما أمكنني من كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه قال: فهل قال هذا القول أحد قبله؟ قال: قلت: لا قال لترجمانه: قل له إني سألتك عن حسبه فزعمت أنه فيكم ذو حسب وكذلك الرسل تبعث في أحساب قومها وسألتك هل كان في آبائه ملك فزعمت أن لا فقلت لو كان من آبائه ملك قلت رجل يطلب ملك آبائه وسألتك عن أتباعه أضعفاؤهم أم أشرافهم فقلت بل ضعفاؤهم وهم أتباع الرسل وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فزعمت أن لا فقد عرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على الله وسألتك هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخله
стр. 3915
سخطة له فزعمت أن لا وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب وسألتك هل يزيدون أو ينقصون فزعمت أنهم يزيدون وكذلك الإيمان حتى يتم وسألتك هل قاتلتموه فزعمت أنكم قد قاتلتموه فتكون الحرب بينكم وبينه سجالا ينال منكم وتنالون منه وكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة وسألتك هل يغدر فزعمت أنه لا يغدر وكذلك الرسل لا تغدر وسألتك هل قال هذا القول أحد قبله فزعمت أن لا فقلت لو قال هذا القول أحد قبله قلت رجل ائتم بقول قيل قبله قال: ثم قال بم يأمركم؟ قلت: يأمرنا بالصلاة والزكاة والصلة والعفاف. قال: إن يكن ما تقول فيه حقا فإنه نبي وقد كنت أعلم أنه خارج ولم أكن أظنه منكم ولو أني أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه وليبلغن ملكه ما تحت قدمي. قال: ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ فقرأه فإذا فيه "بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم.
سلام على من اتبع الهدى أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين و ﴿يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون﴾ [آل عمران: ٦٤] فلما فرغ من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عنده وكثر اللغط وأمر بنا فأخرجنا. قال: فقلت لأصحابي حين خرجنا: لقد أمر أمر ابن أبي كبشة إنه ليخافه ملك بني الأصفر قال: فمازلت موقنا بأمر رسول الله ﷺ أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام.
٤٠٥٠ - -/- وفي رواية عن ابن شهاب بهذا الإسناد وزاد في الحديث: وكان قيصر لما كشف الله عنه جنود فارس مشى من حمص إلى إيلياء شكرا لما أبلاه الله وقال في الحديث "من محمد عبد الله ورسوله" وقال "إثم اليريسيين" وقال "بداعية الإسلام".
٤٠٥١ - عن أنس ﵁ أن نبي الله ﷺ كتب إلى كسرى وإلى قيصر وإلى النجاشي وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله تعالى وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي ﷺ .
стр. 3916
٤٠٥٢ - -/- وفي رواية عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ بمثله ولم يقل وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي ﷺ .
-[المعنى العام]-
في أوائل سبع من الهجرة كتب النبي ﷺ كتبا إلى الملوك والأمراء ورؤساء القبائل والعشائر يدعوهم في هذه الكتب إلى الله تعالى وإلى الإسلام.
كتب إلى كسرى ملك الفرس فمزق الكتاب فقال ﷺ حين بلغه ذلك: مزق الله ملكه كما مزق كتابي.
وكتب إلى النجاشي ملك الحبشة فأحسن وفادة حامل الكتاب وظل كافرا مع أن أباه النجاشي كان قد أسلم وكان قد آوى المهاجرين إلى الحبشة وزوج الرسول ﷺ أم حبيبة وأصدقها عنه ولما مات صلى عليه رسول الله ﷺ .
وكتب إلى هوذة بن علي حاكم اليمامة والمنذر بن ساوى حاكم هجر وجيفر وعباد ابني الجلندي بعمان وابن أبي شمر الغساني وإلى مسيلمة وإلى المقوقس.
وعلى رأس هؤلاء وهذه الكتب كتاب هرقل وهو ما يحدثنا عنه في هذا الحديث أبو سفيان بن حرب الذي أسلم يوم فتح مكة وكان في زمن كتاب هرقل هذا زعيم مشركي مكة وقائد أعداء رسول الله ﷺ
يقول أبو سفيان: في أوائل سريان الهدنة بين قريش وبين محمد ﷺ المنصوص عليها في صلح الحديبية انطلقت على رأس نفر من قريش إلى الشام تجارا وبينما نحن في سوق الشام نتاجر إذ هجم علينا شرطة هرقل أنتم من مكة؟ قلنا نعم أنتم من قريش؟ قلنا: نعم أنتم تعرفون محمد بن عبد الله الذي يدعي أنه نبي؟ قلنا: نعم قالوا: هيا معنا إلى هرقل وساقونا جميعا نحوا من ثلاثين رجلا قلنا لهم ما الخبر؟ قالوا: إن هرقل جاءه كتاب من محمد الذي يدعي أنه نبي سلمه إليه حاكم بصرى إحدى مدن مملكة هرقل بعد أن سلمه إياه عربي مسلم يدعي دحية الكلبي ليوصله إلى هرقل فلما قرأ هرقل كتاب محمد ﷺ قال: إن هذا كتاب خطير يهتم به كل الاهتمام ثم جمع حاشيته وخواصه وقال لهم: هل هنا في الشام في حمص هذه عاصمة ملكي أحد من قوم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ قالوا: نعم إن الكثيرين منهم في سوق المدينة فنادى رئيس شرطته وبلهجة الحزم والشدة قال له: قلب المدينة ظهرا لبطن حتى تأتيني برجل أو رجال من قوم هذا الذي يدعي أنه نبي
стр. 3917
بحثنا عنكم حتى وجدناكم فهيا إلى القصر فلما علم بوصولنا دعانا إلى مجلسه فأدخلنا عليه فإذا هو جالس في مجلس ملكه وعليه التاج المرصع باللؤلؤ والجواهر وحوله عظماء الروم وعنده بطارقته والقسيسون والرهبان وبين يديه حراس مدججون بالسلاح منظرهم يثير الرعب والرهبة فأمر بنا أن نجلس أمامه بين يديه فجلسنا على فراش الأرض فدعا بترجمانه وطلب منه أن يسألنا: أيكم أقرب نسبا من هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ قال أبو سفيان: فقلت: أنا أقربهم إليه نسبا قال: ما قرابتك منه؟ قلت: هو ابن عمي قال: اقترب وأجلسوني وحدي بين يديه وأجلسوا أصحابي خلفي عند ظهري يا لهذا الداهية؟ إنه يخص الأقرب نسبا بالأسئلة لأنه الأكثر إطلاعا على أموره ظاهرا وباطنا ولأن الأبعد لا يؤمن أن يقدح في نسبه يا لهذا الداهية؟ أنه أجلسه وحده بين يديه وأجلس أصحابه
خلفه لئلا يستحيوا منه إذ يكذبونه إن كذب لأن المواجهة بالتكذيب وبتكذيب السيد الكبير صعبة محرجة فكونهم خلفه يجعل تكذيبهم له أهون عليه.
ثم قال لترجمانه: قل لهم: إني سائل هذا عن الرجل الذي يدعي أنه نبي والسؤال في الحقيقة موجه إليكم جميعا فإن كذبني فكذبوه وإن أخطأ فصوبوه وأصدقوني القول ولا تخفوا علي شيئا من الأمر يقول أبو سفيان: وكنت في داخلي أتمنى أن أسيء إلى محمد ولو كذبا ولكني كنت أخاف أن يمسك على قومي كذبا فأظل في نظرهم بعد عودتنا كذابا والكذب عند العرب لا يليق بكرام الرجال فضلا عن رؤسائهم إنني لا أخاف من أصحابي أن يكذبوني أمام هرقل فأنا واثق من عدم تكذيبهم لي لو كذبت لمقامي عندهم ولاشتراكهم معي في عداوة محمد ﷺ فوالله لو كذبت ما ردوا علي ولكني كنت امرأ سيدا أتكرم عن الكذب وأخشى أن يأخذ على رفقائي كذبا وسألني هرقل:
هذا الذي يزعم أنه نبي كيف حسبه فيكم؟ أهو من أشرافكم؟ ومن ذوي الأصل فيكم؟
قال أبو سفيان قلت: هو صاحب حسب كبير فينا.
سأل هرقل عن طريق الترجمان: هل كان من آبائه ملك؟ قال أبو سفيان: لا لم يكن من آبائه من ملك.
سأل هرقل: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ أجاب أبو سفيان: لا.
سأل هرقل: ومن الذين يتبعونه؟ أشراف الناس؟ أم ضعفاؤهم؟ أجاب أبو سفيان: بل ضعفاؤهم.
سأل هرقل: أيزيدون؟ أم ينقصون؟ أجاب أبو سفيان: بل يزيدون.
سأل هرقل: هل يرتد أحد منهم عن دينه؟ ساخطا عليه بعد أن يدخله؟ أجاب أبو سفيان: لا.
سأل هرقل: هل قاتلتموه؟ أجاب أبو سفيان: نعم.
سأل هرقل: كيف كان قتالكم إياه؟ يغلبكم؟ أم تغلبونه؟ أجاب أبو سفيان: تارة يغلبنا وتارة
стр. 3918
نغلبه فالحرب بيننا وبينه نوبا نوبة له ونوبة لنا غلبنا مرة يوم بدر وأنا غائب وغزوته في بيته فبقرنا البطون وجدعنا الآذان.
سأل هرقل: فهل يغدر بكم إذا عاهد؟ قال أبو سفيان: لا وأراد أبو سفيان أن ينال من محمد ﷺ فلم يجد إلا أن يشكك في وفائه بالعهد فقال: وبيننا وبينه عهد لا ندري أيغدر بنا؟ أم يفي؟ .
سأل هرقل: هل ادعى أحد منكم قبله مثل ما يدعي؟ قال: لا.
وهنا بدأ هرقل يعلن لهم هدفه من الأسئلة واستنتاجاته من الإجابات فقال:
سألتك عن حسبه؟ فقلت: إنه فينا ذو حسب وكذلك الرسل تبعث في أفضل أنساب قومها.
وسألتك هل كان في آبائه ملك؟ فزعمت أن لا فقلت: لو كان من آبائه ملك جاز أن يكون طالبا ملك آبائه وسألتك عن أتباعه الأشراف أم الضعفاء؟ فقلت: الضعفاء.
وهكذا أتباع الرسل لأن الأشراف يأنفون من تقدم مثلهم عليهم والضعفاء لا يأنفون فيسرعون للانقياد واتباع الحق وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب؟ فقلت: لا فعرفت أنه ما كان ليترك الكذب على الناس ثم يكذب على الله وسألتك: هل يرتد أحد منهم عن دينه الجديد ساخطا عليه بعد أن يدخله؟ فقلت: لا وكذلك الإيمان إذا خالط غشاء القلوب لا يزول عنه وسألتك هل قاتلتموه؟ وكيف كانت نتيجة قتالكم إياه؟ فقلت: إن الحرب بينكم وبينه سجالا وهكذا الرسل يبتلون بالهزيمة ثم تكون لهم العاقبة وسألتك هل يغدر بكم؟ فقلت: لا وكذلك الرسل لا تغدر وسألتك: هل قال هذا القول أحد معاصر قبله؟ فقلت: لا قلت: لو قال هذا القول أحد قبله قلت: رجل يأتم بغيره ويقول ما يقولون ثم سألتك بم يأمركم؟ قلت: يأمرنا بالصلاة والصدقة وصلة الأرحام والعفة وكذلك الرسل ولقد كنت أعلم أن نبيا سيرسل في آخر الزمان لكني كنت أتوقعه من بني إسرائيل وليس منكم أما اليوم فقد ظهر أنه من العرب لقد كنت أقرأ أوصافه التي ذكرت ففي التوراة نحو ما سمعت من علامات النبوة إن يكن ما قلته حقا فهو النبي ﷺ الذي سيملك أتباعه مكان قدمي وملكي ولو كنت أستطيع أن أصل إليه ماشيا لفعلت ولغسلت بيدي رجليه خضوعا له وتبركا به ولكني أخاف من قومي أن يقتلوني لقد كان لي صديق قسيس أسقف أظهر إسلامه وألقى ثيابه التي كانت عليه ولبس ثيابا بيضا وخرج على الروم فدعاهم إلى الإسلام وشهد شهادة الحق فقاموا إليه فضربوه حتى قتلوه إنني أخافهم ولولا ذلك لتكلفت المشي إليه ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ فقرأه القارئ وترجمه الترجمان وسمعه بالعربية أبو سفيان فسمع: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى "أما بعد" فإني أدعوك بدعوة الإسلام أسلم تسلم في الدنيا والآخرة أسلم يؤتك الله أجرك مرتين مرة على إيمانك بعيسى ومرة على إيمانك بمحمد عليهما
الصلاة والسلام فإن توليت ورفضت ولم تسلم فإنما عليك إثمك وإثم أتباعك الذين يقتدون بك ويتبعونك في دينك ثم ختم الكتاب بالآية الكريمة ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أرباب من دون الله﴾ [آل عمران: ٦٤].
стр. 3919
ثم طوى الكتاب وبمظاهر التكريم حفظه وظهر عليه الميل نحو الإيمان فكثر اللغط في المجلس وارتفعت الأصوات باستنكار الكتاب واستنكار ما فيه فأمر هرقل بإخراج أبي سفيان وأصحابه فخرجوا فقال أبو سفيان لأصحابه لما خلا بهم إن أمر محمد سيعظم إن هرقل يخاف محمدا قال أبو سفيان: ودخلني الخوف من محمد وأيقنت أنه لا محالة ظاهر وغالب حتى أدخل الله في قلبي الإسلام فأسلمت عام الفتح بعد هذه الحادثة بسنتين.
هذا ما كان مع أبي سفيان وأما ما كان من شأن هرقل فقد غزا جيش كسرى بلاده ثم انهزم الفرس فمشى هرقل على قدميه من حمص إلى بيت المقدس شكرا لله تعالى وهو مازال في داخله يعالج أمر الإيمان بمحمد ﷺ ويجاهد أن يؤمن ويعلن إسلامه مع الاحتفاظ بعرشه وملكه إنه كان يتمنى أن يسلم قومه الروم بل حاول أن يدعوهم إلى ذلك صريحا فقد روى البخاري أنه دعا زعماء الروم وعظماءهم إلى قصره وأغلق عليهم أبوابه ثم طلع عليهم من شرفة عالية فقال لهم: يا معشر الروم هل لكم في الفلاح والرشد؟ وأن يثبت ملككم؟ بايعوا هذا النبي. فحاصوا حيصة حمر الوحش واتجهوا إلى الأبواب نفورا من هذه الدعوة ورفضا لها فوجدوا الأبواب مغلقة فأعادهم هرقل وهدأ من روعهم وغضبهم وقال لهم: إني قلت لكم ما قلت لأمتحن مدى تمسككم بدينكم فشكرا لكم على شدة تمسككم به فقد رأيت منكم ما سرني فسجدوا له ورضوا عنه.
واستمر هرقل مظاهرا الروم وأعد جيوشه ووجهها لحروب المسلمين.
-[المباحث العربية]-
(أن أبا سفيان أخبره من فيه إلى فيه) هذا من أبي سفيان من قبيل التحمل كافرا والأداء مسلما وهذا جائز ولا شيء فيه لأن العبرة أن يكون الراوي لأداء ما تحمل وهو عاقل.
وقوله "من فيه إلى فيه" قصد به التحقق من السماع والتوثيق بالرواية كقولهم سمعته أذناي ووعاه قلبي وهو أيضا يرفع إيهام الواسطة بين التلميذ والشيخ وكان حقه أن يقول: من فيه إلى أذني أي من فم أبي سفيان إلى أذن ابن عباس لكنه آثر المشاكلة لظهور المراد وهذا نوع بليغ من البديع.
(انطلقت في المدة التي كانت بيني وبين رسول الله ﷺ المعنى انطلقت إلى الشام تاجرا في مدة سريان صلح الحديبية الذي عقد أواخر سنة ست من الهجرة وكانت مدة الصلح عشر سنين وقيل: أربع سنين والأول أشهر لكن قريشا نقضوا العهد فغزاهم النبي ﷺ سنة ثمان وفتح مكة والظاهر أن انطلاق أبي سفيان كان في السنة الأولى من صلح الحديبية في المحرم سنة سبع وقوله "بيني وبين رسول الله ﷺ " أي بيننا معشر قريش في مكة وبين رسول الله ﷺ وكان حينذاك زعيمهم والمتحدث باسمهم والمتعاقد عنهم وعند ابن إسحق في المغازي عن أبي سفيان قال: "كنا قوما تجارا
стр. 3920
وكانت الحرب قد حصبتنا فلما كانت الهدنة خرجت تاجرا إلى الشام مع رهط من قريش فوالله ما علمت بمكة امرأة ولا رجلا إلا وقد حملتني بضاعة"
(فبينا أنا بالشام إذ جيء بكتاب رسول الله ﷺ إلى هرقل يعني عظيم الروم) "بينا" "بين" زيدت عليها الألف ظرف زمان منصوب بمعنى المفاجأة في "إذ" مضاف إلى الجملة بعده أي فاجأ كتاب رسول الله ﷺ هرقل وقت وجودي بالشام.
"وهرقل" هو ملك الروم وهو بكسر الهاء وفتح الراء وسكون القاف هذا هو المشهور وحكي بكسر الهاء وإسكان الراء وكسر القاف وهو اسم علم لهذا الملك ولقبه قيصر وكذا كل ملك من ملوك الروم يقال له: قيصر كما يلقب ملك الفرس كسرى.
(وكان دحية الكلبي جاء به) من رسول الله ﷺ و"دحية" بكسر الدال وحكي فتحها لغتان ويقال: إن معناه الرئيس بلغة أهل اليمن وهو ابن خليفة الكلبي صحابي جليل كان أحسن الناس وجها وأسلم قديما ومات في خلافة معاوية.
(فدفعه إلى عظيم بصرى) أي أميرها و"بصرى" بضم الباء وسكون الصاد والقصر مدينة ذات قلاع وأعمال بين المدينة ودمشق قريبة من طرف البرية التي بين الشام والحجاز وهي مدينة حوران.
(فقال هرقل) لحاشيته وخواصه: هذا كتاب لم أسمع بمثله.
(هل هنا) في الشام.
(أحد من قوم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ ) وعند ابن إسحق "فقال هرقل لصاحب شرطته: قلب الشام ظهرا لبطن حتى تأتي برجل من قوم هذا أسأله عن شأنه قال أبو سفيان: فوالله إني وأصحابي بغرة إذ هجم علينا فساقنا جميعا".
(فدعيت في نفر من قريش) الفاء فصيحة أفصحت عن جمل محذوفة أي فبحثوا فوجدونا فأخبروه فدعانا قيل: كانوا ثلاثين رجلا وقيل كانوا نحوا من عشرين رجلا وسمي منهم المغيرة بن شعبة.
(فدخلنا على هرقل) عند البخاري "فدعاهم في مجلسه" أي دعاهم حالة كونه في مجلسه "وحوله عظماء الروم ثم دعاهم ودعا بترجمانه" وعند البخاري في الجهاد "فأدخلنا عليه فإذا هو جالس في مجلس ملكه وعليه التاج" وعند ابن السكن "فأدخلنا عليه وعنده بطارقته والقسيسون والرهبان".
(فأجلسنا بين يديه) أي أمامه.
стр. 3921
(فقال: أيكم أقرب نسبا من هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ ) الظاهر أن هذا السؤال وجه إليهم عن طريق ترجمان آخر غير الذي سيدعي وإنما سأل عن الأقرب نسبا لأنه أحرى بالاطلاع على أموره ظاهرا وباطنا أكثر من غيره ولأن الأبعد لا يؤمن أن يقدح في نسبه بخلاف الأقرب وفي رواية البخاري "أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل"؟ بالباء بدل "من" على تضمين "أقرب" معنى "أوصل" والزعم يستعمل كثيرا في المكذوب والمشكوك فيه وقد يستعمل بمعنى القول ويأتي في المستيقن كما في حديث "زعم جبريل".
(قال أبو سفيان: فقلت: أنا) وفي رواية البخاري "قلت: أنا أقربهم نسبا" وفي رواية ابن السكن "فقالوا: هذا أقربنا به نسبا هو ابن عمه أخي أبيه" وعند البخاري "قال: ما قرابتك منه؟ قلت: هو ابن عمي" "قال أبو سفيان: ولم يكن في الركب من بني عبد مناف غيري".
وعبد مناف الأب الرابع للنبي ﷺ وكذا لأبي سفيان فعبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف هو ابن عم أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ففي كونه ابن عمه تجوز وفي رواية ابن السكن "هو ابن عم أخي أبيه" نظر.
(فأجلسوني بين يديه) أي قربوني منه وقدموني على أصحابي.
(وأجلسوا أصحابي خلفي) عند البخاري "فقال: أدنوه مني وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره" أي لئلا يستحيوا أن يواجهوه بالتكذيب إن كذب فكونهم خلفه يجعل تكذيبهم له أهون عليهم.
(ثم دعا بترجمانه) بضم التاء وفتحها والفتح أفصح وهو المعبر عن لغة بلغة أخرى قال النووي: والتاء فيه أصلية وأنكروا على الجوهري كونه جعلها زائدة.
(فقال له: قل لهم: إني سائل هذا عن الرجل الذي يزعم أنه نبي) أي إن السؤال في ظاهره سيتوجه إلى أبي سفيان ولكنه في الحقيقة موجه إليكم جميعا.
(فإن كذبني فكذبوه) "كذبني" بتخفيف الذال أي إن نقل إلى كذبا فقولوا له: كذبت وأصدقوني القول.
(وايم الله) اسم وضع للقسم وألفه ألف وصل عند أكثر النحويين وهو مبتدأ خبره محذوف أي وايم الله قسمي.
(لولا مخافة أن يؤثر على الكذب لكذبت) "يؤثر" بضم الياء وسكون الهمزة وفتح الثاء مبني للمجهول يقال: أثر الحديث بفتح الألف والثاء نقله ورواه عن غيره يأثر بضم الثاء أثرا بسكونها وأثارة والمعنى هنا لولا مخافة أن ينقل عني رفقتي إلى قومي أني كذبت ويتحدثون بذلك عني في بلادي لكذبت عليه لبغضي إياه ومحبتي تنقيصه وفي رواية البخاري "فوالله لولا الحياء
стр. 3922
من أن يأثروا على كذبا لكذبت عنه" أي لكذبت عند الإخبار بحاله فعدم كذبه ناشئ من خوفه أن ينقلوا عنه أنه كذب لا خوف تكذيبهم له في المجلس فقد كان واثقا منهم بعدم التكذيب أن لو كذب لاشتراكهم معه في عداوة النبي ﷺ لكنه ترك ذلك استحياء وأنفة أن يتحدثوا بذلك بعد أن يرجعوا فيصير عند سامعي ذلك كذابا صرح بذلك في رواية ابن إسحق إذ قال "فوالله لو قد كذبت ما ردوا علي ولكني كنت امرأ سيدا أتكرم عن الكذب وعلمت أن أيسر ما في ذلك إن أنا كذبته -أن يحفظوا ذلك عني ثم يتحدثوا به فلم أكذبه" ثم يقول أبو سفيان عن هرقل وعن مهارته "فوالله ما رأيت من رجل قط كان أدهى من ذلك الأقلف" أي غير المختون.
(كيف حسبه فيكم؟ ) المراد من الحسب -بفتح الحاء والسين- النسب وذلك أنهم كانوا يعدون مناقب الآباء وشرفهم حين التفاخر بهم أي ما حال نسبه فيكم؟ أهو من أشرافكم؟ أم لا؟ .
(هو فينا ذو حسب) التنوين في "حسب" للتعظيم وليس للتحقير كما ظن بعض الشارحين.
(فهل كان من آبائه ملك)؟ وفي رواية "فهل كان من آبائه من ملك" بزيادة "من" حرف جر بكسر الميم قال النووي: هكذا هو في جميع نسخ صحيح مسلم "فهل كان من آبائه ملك" ووقع في صحيح البخاري "فهل كان في آبائه من ملك" وروي هذا اللفظ بكسر الميم و"ملك" بفتح الميم وكسر اللام وروي بفتح ميم "من" و"ملك" بفتح الميم واللام فعل ماض والمعنى في الكل واحد.
(فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ ) أي هل كنتم تتهمونه بالكذب على الناس؟ ولم يقل: هل عهدتم عليه الكذب؟ مبالغة في صدقه لأن إقرارهم بنفي التهمة بالكذب أدل على إقرارهم بصدقه من نفي الكذب فالتهمة بالكذب قد تكون مع وقوع الكذب غالبا ومع عدم وقوعه فإذا انتفت انتفى العلم بكذبه من باب أولى.
وقوله "قبل أن يقول ما قال" من دعوى الرسالة لمحة ذكاء من هرقل لأنه علم أنهم لم يتبعوه فهم لم يصدقوه.
(ومن يتبعه؟ أشراف الناس أم ضعفاؤهم؟ ) يعني بأشرافهم: كبارهم وأهل الأحساب فيهم وقيل: إن المراد بالأشراف هنا أهل النخوة والتكبر منهم لا كل شريف حتى لا يكون كاذبا في مثل أبي بكر وعمر ممن أسلم قبل هذا السؤال وفي رواية البخاري "فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم"؟ وفي رواية "أيتبعه أشراف الناس"؟ .
(قلت: بل ضعفاؤهم) في رواية ابن إسحق "تبعه منا الضعفاء والمساكين فأما ذوو الأنساب والشرف فما تبعه منهم أحد" وهو محمول على الأكثر الأغلب.
(قلت: لا بل يزيدون) "لا" رد للنقصان أي لا ينقصون فلما كان المحتمل: لا يزيدون ولا ينقصون أضرب واستدرك بقوله: بل يزيدون.
стр. 3923
(هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له؟ ) "سخطة" بفتح السين وحكي بضمها والسخط كراهة الشيء وعدم الرضا به وأخرج بهذا القيد من ارتد مكرها أو لرغبة في حظ نفساني أو غيره كما وقع لعبيد الله بن جحش بالحبشة.
(تكون الحرب بيننا وبينه سجالا) بكسر السين أي نوبا -بضم النون وفتح الواو جمع نوبة -أي نوبة لنا ونوبة له والسجل الدلو الملآى فكأنه شبه المحاربين بالمستقين يستقي هذا دلوا وهذا دلوا أي يكون لكل واحد منا سجل.
(يصيب منا ونصيب منه) في رواية البخاري: "ينال منا وننال منه" يشير بذلك إلى ما وقع بينهم في غزوة بدر وغزوة أحد وفي رواية "قال أبو سفيان: غلبنا مرة يوم بدر وأنا غائب ثم غزوتهم في بيوتهم ببقر البطون وجدع الآذان" وقد صرح بذلك أبو سفيان يوم أحد إذ قال: يوم بيوم بدر والحرب سجال.
(فهل يغدر؟ ) بكسر الدال والغدر عدم الوفاء.
(قلت: لا ونحن منه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها) يعني ونحن معه في مدة الهدنة والصلح الذي جرى بالحديبية ويلمح بذلك إلى أنه يخشى غدره في هذه الهدنة لأن أتباع أبي سفيان وحلفاءه من شيمتهم الغدر الذي يفتح الباب لمحمد ﷺ أن يرد هذا الغدر بغدر.
وجاء في رواية "إلا أن يغدر في هدنته هذه فقال: وما يخاف من هذه؟ فقال: إن قومي أمدوا حلفاءهم على حلفائه قال: إن كنتم بدأتم فأنتم أغدر".
(قال: فوالله ما أمكنني من كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه) أي لم أتمكن في أثناء حديثي مع هرقل من كلمة أنتقصه فيها وبها إلا هذه الكلمة ووجه الانتقاص بها أن من يقطع بعدم غدره أرفع رتبة ممن يحتمل وقوع ذلك منه ولما كان هذا الأمر غيبا أمن أبو سفيان أن ينسب إليه أصحابه الكذب فيها ولهذا أوردها بالتردد ولهذا لم يعرج عليها هرقل ففي رواية ابن إسحق: قال أبو سفيان: فوالله ما التفت إليها مني.
(فهل قال هذا القول أحد قبله؟ ) ممن عاصره وأمكنه الأخذ عنه؟
(وكذلك الرسل تبعث في أحساب قومها) يعني في أفضل أنسابهم وأشرفها قيل: الحكمة في ذلك أنه أبعد من انتحاله الباطل وأقرب إلى انقياد الناس له والظاهر أن إخبار هرقل بذلك بالجزم كان عن العلم المقرر عنده في الكتب السابقة.
(بل ضعفاؤهم وهم أتباع الرسل) لكون الأشراف يأنفون من تقدم مثلهم عليهم والضعفاء لا يأنفون فيسرعون إلى الانقياد واتباع الحق.
(وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب) أي وكذلك أمر الإيمان وشأنه إذا خالط
стр. 3924
انشراح الصدور تمكن منها وعند ابن إسحق "وكذلك حلاوة الإيمان لا تدخل قلبا فتخرج منه" وأصل البشاشة اللطف بالإنسان عند قدومه وإظهار السرور برؤيته يقال: بش به وتبشش به فهو بش وبشاش أي تهلل وضحك إليه.
وكذلك الإيمان يدخل نوره في القلب فيظل في زيادة بسبب التعمق والترقي في تشاريعه حتى يتم قال تعالى ﴿ويأبى الله إلا أن يتم نوره﴾ [التوبة: ٣٢].
و"بشاشة القلوب" روي هكذا بنصب "بشاشة" وجر "القلوب" على الإضافة وروي في البخاري بلفظ "بشاشته" بالهاء ورفع بشاشة ونصب "القلوب" أي إذا خالطت بشاشته ونوره وشرحه القلوب.
(وكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة) أي يبتليهم الله بذلك ليعظم أجرهم بكثرة صبرهم وبذلهم وسعهم في طاعة الله وفي النهاية يكون النصر لهم ﴿إنا لننصر رسلنا﴾ [غافر: ٥١].
(وكذلك الرسل لا تغدر) لأنها لا تطلب حظ الدنيا ومن طلب الآخرة لم يرتكب غدرا ولا شيئا من القبائح لكن من طلب الدنيا لم يبال بالغدر وغيره.
(رجل ائتم بقول قيل قبله) في رواية البخاري "رجل يأتسى بقول قيل قبله" وفي رواية "رجل تأسى بقول قيل قبله" وفي رواية "يتأسى".
(بم يأمركم؟ ) في رواية البخاري "بماذا يأمركم"؟
(يأمرنا بالصلاة والزكاة والصلة والعفاف) قال النووي: أما الصلة فالمراد منها صلة الأرحام وكل ما أمر الله به أن يوصل وذلك بالبر والإكرام وحسن المراعاة وأما العفاف فهو الكف عن المحارم وخوارم المروءة قال صاحب المحكم: العفة الكف عما لا يحل ولا يجمل من قول أو فعل يقال: عف يعف عفة وعفافا وعفافة وتعفف واستعف ورجل عف وعفيف والأنثى عفيفة وجمع العفيف أعفة وأعفاء. اهـ.
وفي رواية البخاري "ويأمرنا بالصلاة والصدق" وفي رواية له "بالصلاة والصدقة" بدل "الصدق" ورجحها بعضهم لرواية "الزكاة" واقتران الصلاة بالزكاة معتاد في الشرع ويرجحها أيضا أنهم كانوا يستقبحون الكذب فذكر ما لم يألفوه أولى قال الحافظ ابن حجر: وليس الأمر بالصدق ممتنعا فقد جاء في رواية أمرهم بوفاء العهد وأداء الأمانة وقد كانا من مألوف عقلائهم وقد ثبت الصدق والصدقة معا في رواية للبخاري في الجهاد ولفظها "بالصلاة والصدق والصدقة".
وقد جاء في رواية البخاري "ماذا يأمركم؟ قلت: يقول اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا واتركوا ما يقول آباؤكم ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة" فذكر بعض الرواة ما لم يذكر الآخر.
стр. 3925
قال المازني: هذه الأشياء التي سأل عنها هرقل ليست قاطعة على النبوة إلا أنه يحتمل أنها كانت عنده علامات على هذا النبي بعينه لأنه قال بعد ذلك: قد كنت أعلم أنه خارج ولم أكن أظن أنه منكم وقيل: هذا الذي قاله هرقل أخذه من الكتب القديمة ففي التوراة هذا أو نحوه من علامات رسول الله ﷺ فعرفه بالعلامات وأما الدليل القاطع على النبوة فهو المعجزة الظاهرة الخارقة للعادة.
(ولو أني أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه) قال النووي: هكذا هو في مسلم ووقع في البخاري "لتجشمت لقاءه" وهو أصح في المعنى ومعناه لتكلفت الوصول إليه وارتكبت المشقة في ذلك ولكن أخاف أن أقتطع دونه ولا عذر له في هذا لأنه قد عرف صدق النبي ﷺ وإنما شح في الملك ورغب في الرياسة فآثرها على الإسلام وقد جاء ذلك مصرحا به في رواية البخاري ولفظها "ولو أراد الله هدايته لوفقه كما وفق النجاشي ومازالت عنه الرياسة" اهـ.
والظاهر أنه كان يتحقق أنه لا يسلم من القتل إن هاجر إلى النبي ﷺ اعتبارا بالقس الذي أعلن الإيمان بمحمد فقتلوه.
(ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه) اختلف في قول هرقل ما قال: هل آمن؟ وهل استمر على إيمانه أم لا؟ أو لم يؤمن أصلا؟ وسيأتي في فقه الحديث.
(ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ فقرأه) في رواية البخاري "ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ الذي بعث به دحية إلى عظيم بصري فدفعه [عظيم بصرى] إلى هرقل فقرأه" أي دعا هرقل من وكل إليه أمر الكتاب قبل هذه الجلسة فقرأه الترجمان.
(عظيم الروم) فيه عدول عن ذكره بالملك أو الأمير قيل: لأنه معزول بحكم الإسلام لكنه أكرمه للتأليف بلفظ "عظيم الروم".
(سلام على من اتبع الهدى) في البخاري في الاستئذان "السلام" بالتعريف.
(أما بعد) "أما" في معنى "مهما يكن من شيء" وهي هنا مستأنفة ليست لتفصيل ما قبلها وقد ترد لتفصيل ما قبلها بما يذكر بعدها وقال الكرماني: هي هنا للتفصيل وتقديره: أما الابتداء فهو اسم الله وأما المكتوب فهو من محمد رسول الله ... إلخ كذا قال. اهـ. و"بعد" ظرف مبني على الضم وكان الأصل أن تفتح لو استمرت على الإضافة فلما قطعت عن الإضافة بنيت على الضم.
(فإني أدعوك بدعاية الإسلام) "دعاية" بكسر الدال من قولك دعا يدعو دعاية نحو شكا يشكو شكاية وفي ملحق الرواية "بداعية الإسلام" أي بالكلمة الداعية إلى الإسلام وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله والباء في "بداعية الإسلام" بمعنى إلى.
(أسلم تسلم) فيه جناس الاشتقاق وهو نوع من البديع غاية في البلاغة.
(وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين) قيل: "أسلم" الأولى للدخول في الإسلام و"أسلم" الثانية
следующие страницы →