← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.

стр. 3921

(فقال: أيكم أقرب نسبا من هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ ) الظاهر أن هذا السؤال وجه إليهم عن طريق ترجمان آخر غير الذي سيدعي وإنما سأل عن الأقرب نسبا لأنه أحرى بالاطلاع على أموره ظاهرا وباطنا أكثر من غيره ولأن الأبعد لا يؤمن أن يقدح في نسبه بخلاف الأقرب وفي رواية البخاري "أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل"؟ بالباء بدل "من" على تضمين "أقرب" معنى "أوصل" والزعم يستعمل كثيرا في المكذوب والمشكوك فيه وقد يستعمل بمعنى القول ويأتي في المستيقن كما في حديث "زعم جبريل". (قال أبو سفيان: فقلت: أنا) وفي رواية البخاري "قلت: أنا أقربهم نسبا" وفي رواية ابن السكن "فقالوا: هذا أقربنا به نسبا هو ابن عمه أخي أبيه" وعند البخاري "قال: ما قرابتك منه؟ قلت: هو ابن عمي" "قال أبو سفيان: ولم يكن في الركب من بني عبد مناف غيري". وعبد مناف الأب الرابع للنبي ﷺ وكذا لأبي سفيان فعبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف هو ابن عم أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ففي كونه ابن عمه تجوز وفي رواية ابن السكن "هو ابن عم أخي أبيه" نظر. (فأجلسوني بين يديه) أي قربوني منه وقدموني على أصحابي. (وأجلسوا أصحابي خلفي) عند البخاري "فقال: أدنوه مني وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره" أي لئلا يستحيوا أن يواجهوه بالتكذيب إن كذب فكونهم خلفه يجعل تكذيبهم له أهون عليهم. (ثم دعا بترجمانه) بضم التاء وفتحها والفتح أفصح وهو المعبر عن لغة بلغة أخرى قال النووي: والتاء فيه أصلية وأنكروا على الجوهري كونه جعلها زائدة. (فقال له: قل لهم: إني سائل هذا عن الرجل الذي يزعم أنه نبي) أي إن السؤال في ظاهره سيتوجه إلى أبي سفيان ولكنه في الحقيقة موجه إليكم جميعا. (فإن كذبني فكذبوه) "كذبني" بتخفيف الذال أي إن نقل إلى كذبا فقولوا له: كذبت وأصدقوني القول. (وايم الله) اسم وضع للقسم وألفه ألف وصل عند أكثر النحويين وهو مبتدأ خبره محذوف أي وايم الله قسمي. (لولا مخافة أن يؤثر على الكذب لكذبت) "يؤثر" بضم الياء وسكون الهمزة وفتح الثاء مبني للمجهول يقال: أثر الحديث بفتح الألف والثاء نقله ورواه عن غيره يأثر بضم الثاء أثرا بسكونها وأثارة والمعنى هنا لولا مخافة أن ينقل عني رفقتي إلى قومي أني كذبت ويتحدثون بذلك عني في بلادي لكذبت عليه لبغضي إياه ومحبتي تنقيصه وفي رواية البخاري "فوالله لولا الحياء

стр. 3922

من أن يأثروا على كذبا لكذبت عنه" أي لكذبت عند الإخبار بحاله فعدم كذبه ناشئ من خوفه أن ينقلوا عنه أنه كذب لا خوف تكذيبهم له في المجلس فقد كان واثقا منهم بعدم التكذيب أن لو كذب لاشتراكهم معه في عداوة النبي ﷺ لكنه ترك ذلك استحياء وأنفة أن يتحدثوا بذلك بعد أن يرجعوا فيصير عند سامعي ذلك كذابا صرح بذلك في رواية ابن إسحق إذ قال "فوالله لو قد كذبت ما ردوا علي ولكني كنت امرأ سيدا أتكرم عن الكذب وعلمت أن أيسر ما في ذلك إن أنا كذبته -أن يحفظوا ذلك عني ثم يتحدثوا به فلم أكذبه" ثم يقول أبو سفيان عن هرقل وعن مهارته "فوالله ما رأيت من رجل قط كان أدهى من ذلك الأقلف" أي غير المختون. (كيف حسبه فيكم؟ ) المراد من الحسب -بفتح الحاء والسين- النسب وذلك أنهم كانوا يعدون مناقب الآباء وشرفهم حين التفاخر بهم أي ما حال نسبه فيكم؟ أهو من أشرافكم؟ أم لا؟ . (هو فينا ذو حسب) التنوين في "حسب" للتعظيم وليس للتحقير كما ظن بعض الشارحين. (فهل كان من آبائه ملك)؟ وفي رواية "فهل كان من آبائه من ملك" بزيادة "من" حرف جر بكسر الميم قال النووي: هكذا هو في جميع نسخ صحيح مسلم "فهل كان من آبائه ملك" ووقع في صحيح البخاري "فهل كان في آبائه من ملك" وروي هذا اللفظ بكسر الميم و"ملك" بفتح الميم وكسر اللام وروي بفتح ميم "من" و"ملك" بفتح الميم واللام فعل ماض والمعنى في الكل واحد. (فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ ) أي هل كنتم تتهمونه بالكذب على الناس؟ ولم يقل: هل عهدتم عليه الكذب؟ مبالغة في صدقه لأن إقرارهم بنفي التهمة بالكذب أدل على إقرارهم بصدقه من نفي الكذب فالتهمة بالكذب قد تكون مع وقوع الكذب غالبا ومع عدم وقوعه فإذا انتفت انتفى العلم بكذبه من باب أولى. وقوله "قبل أن يقول ما قال" من دعوى الرسالة لمحة ذكاء من هرقل لأنه علم أنهم لم يتبعوه فهم لم يصدقوه. (ومن يتبعه؟ أشراف الناس أم ضعفاؤهم؟ ) يعني بأشرافهم: كبارهم وأهل الأحساب فيهم وقيل: إن المراد بالأشراف هنا أهل النخوة والتكبر منهم لا كل شريف حتى لا يكون كاذبا في مثل أبي بكر وعمر ممن أسلم قبل هذا السؤال وفي رواية البخاري "فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم"؟ وفي رواية "أيتبعه أشراف الناس"؟ . (قلت: بل ضعفاؤهم) في رواية ابن إسحق "تبعه منا الضعفاء والمساكين فأما ذوو الأنساب والشرف فما تبعه منهم أحد" وهو محمول على الأكثر الأغلب. (قلت: لا بل يزيدون) "لا" رد للنقصان أي لا ينقصون فلما كان المحتمل: لا يزيدون ولا ينقصون أضرب واستدرك بقوله: بل يزيدون.

стр. 3923

(هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له؟ ) "سخطة" بفتح السين وحكي بضمها والسخط كراهة الشيء وعدم الرضا به وأخرج بهذا القيد من ارتد مكرها أو لرغبة في حظ نفساني أو غيره كما وقع لعبيد الله بن جحش بالحبشة. (تكون الحرب بيننا وبينه سجالا) بكسر السين أي نوبا -بضم النون وفتح الواو جمع نوبة -أي نوبة لنا ونوبة له والسجل الدلو الملآى فكأنه شبه المحاربين بالمستقين يستقي هذا دلوا وهذا دلوا أي يكون لكل واحد منا سجل. (يصيب منا ونصيب منه) في رواية البخاري: "ينال منا وننال منه" يشير بذلك إلى ما وقع بينهم في غزوة بدر وغزوة أحد وفي رواية "قال أبو سفيان: غلبنا مرة يوم بدر وأنا غائب ثم غزوتهم في بيوتهم ببقر البطون وجدع الآذان" وقد صرح بذلك أبو سفيان يوم أحد إذ قال: يوم بيوم بدر والحرب سجال. (فهل يغدر؟ ) بكسر الدال والغدر عدم الوفاء. (قلت: لا ونحن منه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها) يعني ونحن معه في مدة الهدنة والصلح الذي جرى بالحديبية ويلمح بذلك إلى أنه يخشى غدره في هذه الهدنة لأن أتباع أبي سفيان وحلفاءه من شيمتهم الغدر الذي يفتح الباب لمحمد ﷺ أن يرد هذا الغدر بغدر. وجاء في رواية "إلا أن يغدر في هدنته هذه فقال: وما يخاف من هذه؟ فقال: إن قومي أمدوا حلفاءهم على حلفائه قال: إن كنتم بدأتم فأنتم أغدر". (قال: فوالله ما أمكنني من كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه) أي لم أتمكن في أثناء حديثي مع هرقل من كلمة أنتقصه فيها وبها إلا هذه الكلمة ووجه الانتقاص بها أن من يقطع بعدم غدره أرفع رتبة ممن يحتمل وقوع ذلك منه ولما كان هذا الأمر غيبا أمن أبو سفيان أن ينسب إليه أصحابه الكذب فيها ولهذا أوردها بالتردد ولهذا لم يعرج عليها هرقل ففي رواية ابن إسحق: قال أبو سفيان: فوالله ما التفت إليها مني. (فهل قال هذا القول أحد قبله؟ ) ممن عاصره وأمكنه الأخذ عنه؟ (وكذلك الرسل تبعث في أحساب قومها) يعني في أفضل أنسابهم وأشرفها قيل: الحكمة في ذلك أنه أبعد من انتحاله الباطل وأقرب إلى انقياد الناس له والظاهر أن إخبار هرقل بذلك بالجزم كان عن العلم المقرر عنده في الكتب السابقة. (بل ضعفاؤهم وهم أتباع الرسل) لكون الأشراف يأنفون من تقدم مثلهم عليهم والضعفاء لا يأنفون فيسرعون إلى الانقياد واتباع الحق. (وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب) أي وكذلك أمر الإيمان وشأنه إذا خالط

стр. 3924

انشراح الصدور تمكن منها وعند ابن إسحق "وكذلك حلاوة الإيمان لا تدخل قلبا فتخرج منه" وأصل البشاشة اللطف بالإنسان عند قدومه وإظهار السرور برؤيته يقال: بش به وتبشش به فهو بش وبشاش أي تهلل وضحك إليه. وكذلك الإيمان يدخل نوره في القلب فيظل في زيادة بسبب التعمق والترقي في تشاريعه حتى يتم قال تعالى ﴿ويأبى الله إلا أن يتم نوره﴾ [التوبة: ٣٢]. و"بشاشة القلوب" روي هكذا بنصب "بشاشة" وجر "القلوب" على الإضافة وروي في البخاري بلفظ "بشاشته" بالهاء ورفع بشاشة ونصب "القلوب" أي إذا خالطت بشاشته ونوره وشرحه القلوب. (وكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة) أي يبتليهم الله بذلك ليعظم أجرهم بكثرة صبرهم وبذلهم وسعهم في طاعة الله وفي النهاية يكون النصر لهم ﴿إنا لننصر رسلنا﴾ [غافر: ٥١]. (وكذلك الرسل لا تغدر) لأنها لا تطلب حظ الدنيا ومن طلب الآخرة لم يرتكب غدرا ولا شيئا من القبائح لكن من طلب الدنيا لم يبال بالغدر وغيره. (رجل ائتم بقول قيل قبله) في رواية البخاري "رجل يأتسى بقول قيل قبله" وفي رواية "رجل تأسى بقول قيل قبله" وفي رواية "يتأسى". (بم يأمركم؟ ) في رواية البخاري "بماذا يأمركم"؟ (يأمرنا بالصلاة والزكاة والصلة والعفاف) قال النووي: أما الصلة فالمراد منها صلة الأرحام وكل ما أمر الله به أن يوصل وذلك بالبر والإكرام وحسن المراعاة وأما العفاف فهو الكف عن المحارم وخوارم المروءة قال صاحب المحكم: العفة الكف عما لا يحل ولا يجمل من قول أو فعل يقال: عف يعف عفة وعفافا وعفافة وتعفف واستعف ورجل عف وعفيف والأنثى عفيفة وجمع العفيف أعفة وأعفاء. اهـ. وفي رواية البخاري "ويأمرنا بالصلاة والصدق" وفي رواية له "بالصلاة والصدقة" بدل "الصدق" ورجحها بعضهم لرواية "الزكاة" واقتران الصلاة بالزكاة معتاد في الشرع ويرجحها أيضا أنهم كانوا يستقبحون الكذب فذكر ما لم يألفوه أولى قال الحافظ ابن حجر: وليس الأمر بالصدق ممتنعا فقد جاء في رواية أمرهم بوفاء العهد وأداء الأمانة وقد كانا من مألوف عقلائهم وقد ثبت الصدق والصدقة معا في رواية للبخاري في الجهاد ولفظها "بالصلاة والصدق والصدقة". وقد جاء في رواية البخاري "ماذا يأمركم؟ قلت: يقول اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا واتركوا ما يقول آباؤكم ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة" فذكر بعض الرواة ما لم يذكر الآخر.

стр. 3925

قال المازني: هذه الأشياء التي سأل عنها هرقل ليست قاطعة على النبوة إلا أنه يحتمل أنها كانت عنده علامات على هذا النبي بعينه لأنه قال بعد ذلك: قد كنت أعلم أنه خارج ولم أكن أظن أنه منكم وقيل: هذا الذي قاله هرقل أخذه من الكتب القديمة ففي التوراة هذا أو نحوه من علامات رسول الله ﷺ فعرفه بالعلامات وأما الدليل القاطع على النبوة فهو المعجزة الظاهرة الخارقة للعادة. (ولو أني أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه) قال النووي: هكذا هو في مسلم ووقع في البخاري "لتجشمت لقاءه" وهو أصح في المعنى ومعناه لتكلفت الوصول إليه وارتكبت المشقة في ذلك ولكن أخاف أن أقتطع دونه ولا عذر له في هذا لأنه قد عرف صدق النبي ﷺ وإنما شح في الملك ورغب في الرياسة فآثرها على الإسلام وقد جاء ذلك مصرحا به في رواية البخاري ولفظها "ولو أراد الله هدايته لوفقه كما وفق النجاشي ومازالت عنه الرياسة" اهـ. والظاهر أنه كان يتحقق أنه لا يسلم من القتل إن هاجر إلى النبي ﷺ اعتبارا بالقس الذي أعلن الإيمان بمحمد فقتلوه. (ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه) اختلف في قول هرقل ما قال: هل آمن؟ وهل استمر على إيمانه أم لا؟ أو لم يؤمن أصلا؟ وسيأتي في فقه الحديث. (ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ فقرأه) في رواية البخاري "ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ الذي بعث به دحية إلى عظيم بصري فدفعه [عظيم بصرى] إلى هرقل فقرأه" أي دعا هرقل من وكل إليه أمر الكتاب قبل هذه الجلسة فقرأه الترجمان. (عظيم الروم) فيه عدول عن ذكره بالملك أو الأمير قيل: لأنه معزول بحكم الإسلام لكنه أكرمه للتأليف بلفظ "عظيم الروم". (سلام على من اتبع الهدى) في البخاري في الاستئذان "السلام" بالتعريف. (أما بعد) "أما" في معنى "مهما يكن من شيء" وهي هنا مستأنفة ليست لتفصيل ما قبلها وقد ترد لتفصيل ما قبلها بما يذكر بعدها وقال الكرماني: هي هنا للتفصيل وتقديره: أما الابتداء فهو اسم الله وأما المكتوب فهو من محمد رسول الله ... إلخ كذا قال. اهـ. و"بعد" ظرف مبني على الضم وكان الأصل أن تفتح لو استمرت على الإضافة فلما قطعت عن الإضافة بنيت على الضم. (فإني أدعوك بدعاية الإسلام) "دعاية" بكسر الدال من قولك دعا يدعو دعاية نحو شكا يشكو شكاية وفي ملحق الرواية "بداعية الإسلام" أي بالكلمة الداعية إلى الإسلام وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله والباء في "بداعية الإسلام" بمعنى إلى. (أسلم تسلم) فيه جناس الاشتقاق وهو نوع من البديع غاية في البلاغة. (وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين) قيل: "أسلم" الأولى للدخول في الإسلام و"أسلم" الثانية

стр. 3926

للدوام عليه وإعطاؤه الأجر مرتين لكونه كان مؤمنا بنبيه ثم آمن بمحمد ﷺ ويحتمل أن يكون تضعيف الأجر له من جهة إسلامه ومن جهة أن إسلامه يكون سببا لدخول أتباعه. (وإن توليت) أعرضت عن الإجابة إلى الدخول في الإسلام وحقيقة التولي إنما هي بالوجه ثم استعمل مجازا في الإعراض عن الشيء استعارة تبعية. (فإن عليك إثم الأريسيين) جمع أريسى وهو منسوب إلى أريس بوزن فعيل وقد تقلب همزته ياء كما في ملحق الرواية الأولى قال ابن سيدة: الأريس الأكار أي الفلاح وقيل: الأريس هو الأمير وأنكر ابن فارس أن تكون الكلمة عربية وقد جاء في رواية "إثم الأكارين" زاد في هذه الرواية "يعني الحراثين" وفي رواية مرسلة "إثم الفلاحين" والمراد بالفلاحين الفلاحون في مملكته قال الخطابي: أراد أن عليك إثم الضعفاء والأتباع إذا لم يسلموا تقليدا له لأن الأصاغر أتباع الأكابر قال الحافظ ابن حجر: وفي الكلام حذف دل المعنى عليه وهو: فإن عليك مع إثمك إثم الأريسيين لأنه إذا كان عليه إثم الأتباع بسبب أنهم تبعوه على استمرار الكفر فلأن يكون عليه إثم نفسه أولى وهذا يعد من مفهوم الموافقة وقال أبو عبيد: ليس المراد بالفلاحين الزراعيين خاصة بل المراد بهم جميع أهل مملكته وقيل المراد بالأريسيين اليهود والنصارى أتباع عبد الله بن أريس الذي تنسب إليه الأروسية من النصارى ولهم مقالات في كتب المقالات ويقال لهم الأروسيون وقيل المراد بالأريسيين الملوك الذين يقودون الناس إلى المذاهب الفاسدة ويأمرونهم بها. قال النووي: "الأريسيين" هكذا وقع في الرواية الأولى وهو الأشهر في روايات الحديث وفي كتب أهل اللغة وعلى هذا اختلف في ضبطه على أوجه: أحدها بياءين بعد السين والثاني بياء واحدة بعد السين وعلى هذين الوجهين الهمزة مفتوحة والراء مكسورة مخففة والثالث بكسر الهمزة وتشديد الراء وياء واحدة بعد السين. ﴿يا أهل الكتاب تعالوا﴾ الآية الكريمة بدون الواو قال الحافظ ابن حجر: وهكذا وقع بإثبات الواو في أوله وذكر القاضي عياض أن الواو ساقطة في رواية الأصيلي وأبي ذر وعلى ثبوتها فهي داخلة على مقدر معطوف على قوله "أدعوك" فالتقرير: أدعوك بدعاية الإسلام وأقول لك ولأتباعك: يا أهل الكتاب ويحتمل أن تكون من كلام أبي سفيان لأنه لم يحفظ جميع ألفاظ الكتاب فاستحضر منها أول الكتاب فذكره وكذا الآية وكأنه قال فيه: كان فيه كذا وكذا وكان فيه: يا أهل الكتاب فالواو من كلامه لا من نفس الكتاب وقيل: إن النبي ﷺ كتب ذلك قبل نزول الآية فوافق لفظه لفظها لما نزلت والسبب في هذا أن هذه الآية في قصة وفد نجران وكانت قصتهم سنة الوفود سنة تسع وقصة أبي سفيان كانت قبل ذلك سنة ست وجوز بعضهم نزول الآية مرتين وهو بعيد. اهـ. (فلما فرغ من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عنده وكثر اللغط) "اللغط" بفتح الغين وإسكانها الأصوات المختلفة المتداخلة وهو الصخب واختلاط الأصوات في المخاصمة وفي رواية

стр. 3927

البخاري "فلما قال ما قال وفرغ من قراءة الكتاب كثر عنده الصخب وارتفعت الأصوات" وزاد في رواية "فلا أدري ما قالوا" والضمير في "فرغ" يعود على هرقل باعتباره الآمر. (وأمر بنا فأخرجنا) "أمر" بفتح الهمزة والميم وضمير الفاعل لهرقل وفي رواية البخاري "فأخرجنا" بالبناء للمجهول في الروايتين. (فقلت لأصحابي حين خرجنا) في رواية البخاري "حين أخرجنا" زاد في رواية "حين خلوت بهم". (لقد أمر أمر ابن أبي كبشة) "أمر" الأولى بفتح الهمزة وكسر الميم المخففة فعل ماض معناه عظم يقال: أمر الشيء يأمر من باب سمع يسمع أمرا وإمارة كثر ونما فهو أمر بفتح الهمزة وكسر الميم المخففة فالمعنى لقد عظم أمر ابن أبي كبشة يعني محمدا ﷺ قال النووي وغيره: قيل أبو كبشة أحد أجداد النبي ﷺ وعادة العرب إذا انتقصت نسبت إلى جد غامض دون النسب المشهور إذا لم يمكنهم الطعن في نسبه المعلوم وقال أبو قتيبة وكثيرون: أبو كبشة جد النبي ﷺ من قبل أمه جد وهب جد النبي ﷺ لأمه قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر لأن وهبا جد النبي ﷺ اسم أمه عاتكة بنت الأوقص بن مرة بن هلال ولم يقل أحد من أهل النسب: إن الأوقص يكنى أبا كبشة وقيل: هو جد عبد المطلب لأمه وفيه نظر أيضا لأن أم عبد المطلب سلمى بنت عمرو بن زيد الخزرجي ولم يقل أحد من أهل النسب: إن عمرو بن زيد يكنى أبا كبشة لكن ذكر ابن حبيب في المجتبى جماعة من أجداد النبي ﷺ من قبل أبيه ومن قبل أمه كان واحد منهم يكنى أبا كبشة وقيل: هو أبوه من الرضاعة واسمه الحارث بن عبد العزى السعدي قيل: إنه أسلم وكانت له بنت تسمى كبشة يكنى بها وقيل: أبو كبشة عم والد حليمة مرضعته ﷺ وقيل أبو كبشة رجل من خزاعة كان يعبد الشعري وهو كوكب في السماء ولم يوافقه أحد من العرب في عبادتها فشبهوا النبي ﷺ به لمخالفتهم إياه في دينهم قال بعضهم: ولم يريدوا انتقاصه بذلك بل أرادوا مجرد التشبيه. (إنه ليخافه ملك بني الأصفر) "ملك" بفتح الميم وكسر اللام وبنو الأصفر هم الروم وهم في الأصل بيض لكن يقال: إن جدهم روم بن عيص تزوج بنت ملك الحبشة فجاء لون ولده بين البياض والسواد فقيل له: الأصفر وقيل: لقبوا بالأصفر لأن جيشا من الحبشة غلب على بلادهم في وقت فوطئ نساءهم فولدن أولادا صفرا من سواد الحبشة وبياض الروم والأول أشبه بالصواب. والجملة مستأنفة استئنافا تعليليا كأنه قيل: لم عظم أمر ابن أبي كبشة؟ فقيل: إنه ليخافه والضمير في "إنه" بكسر الهمزة لرسول الله ﷺ وجملة "يخافه ملك بني الأصفر" خبر إن. (فمازلت موقنا بأمر رسول الله ﷺ أنه سيظهر حتى أدخل الله على الإسلام) أي فمنذ ذلك الحين وأنا موقن بأن محمدا نبي وبأنه سيظهر دينه وينتشر حتى أدخل الله على طاعته

стр. 3928

وإعلان ما في قلبي وأسلمت وليس معنى ذلك أنه كان مؤمنا إيمانا شرعيا باطنا وانقيادا باطنا بل كان هذا اليقين مع الرفض والعناد كشأن اليهود الذين كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم لكنهم كفروا وجحدوا وعادوه. وقيل: المراد اليقين بظهوره وغلبته على من حوله وليس اليقين بالنبوة وفي رواية الطبراني "فمازلت مرعوبا من محمد حتى أسلمت" والغاية داخلة فهذا اليقين قد استمر ولم يرتفع. (وكان قيصر لما كشف الله عنه جنود فارس مشى من حمص إلى إيلياء شكرا لما أبلاه الله) "قيصر" لقب هرقل كما سبق وإيلياء هو بيت المقدس بهمزة مكسورة بعدها ياء ثم لام مكسورة بعدها ياء مفتوحة ثم ألف ثم همزة وحكي فيها القصر ويقال لها: الياء بدون الياء الأولى وسكون اللام وبالمد والهمزة قيل معناه بيت الله و"حمص" مدينة معروفة كانت عاصمة ملك هرقل ومعنى "شكرا لما أبلاه الله" أي شكرا لما أنعم الله به عليه من هزيمة الفرس وعودة الأمن إلى بلاده والنعمة ابتلاء والنقمة ابتلاء وكان كسرى قد غزا جيشه بلاد هرقل فخربوا كثيرا من بلاده ثم أراد كسرى أن يغير قائد الحملة وعزم على قتله فعلم القائد فتآمر القائد مع هرقل على كسرى وانهزم بجيشه أمام جنود هرقل فمشى هرقل على قدميه من حمص إلى بيت المقدس زاد ابن إسحق أنه كان يبسط له البسط وتوضع عليها الرياحين فيمشي عليها. (أن النبي ﷺ كتب إلى كسرى وإلى قيصر وإلى النجاشي وإلى كل جبار) قال النووي: "كسرى" بفتح الكاف وكسرها وهو لقب لكل ملك من ملوك الفرس و"قيصر" لقب لكل من ملك الروم و"النجاشي" لكل من ملك الحبشة و"خاقان" لكل من ملك الترك و"فرعون" لكل من ملك القبط و"العزيز" لكل من ملك مصر "وتبع" لكل من ملك حمير. اهـ. وأهل السير يختلفون في تاريخ هذه الكتب فقيل: سنة سبع في زمن الهدنة منصرفه من الحديبية وقيل: سنة تسع لما رجع من تبوك وقيل: إن الكتب تكررت. والمراد بكل جبار بعض الحكام ذكر منهم الطبراني أنه ﷺ بعث بكتبه سليط بن عمرو إلى هوذة بن علي باليمامة والعلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى بهجر وعمرو بن العاص إلى جيفر وعباد بن الجلندي بعمان وشجاع بن وهب إلى ابن أبي شمر الغساني فرجعوا جميعا قبل وفاة النبي ﷺ غير عمرو بن العاص وزاد أصحاب السير أنه بعث المهاجر بن أبي أمية وجريرا إلى ذي الكلاع والسائب إلى مسيلمة وحاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس. (وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي ﷺ النجاشي الذي صلى عليه النبي ﷺ كان قد أسلم وهو الذي آوى المهاجرين إلى الحبشة ورد وفد كفار قريش خائبين وهو الذي زوج رسول الله ﷺ أم حبيبة وقد كاتبه رسول الله ﷺ لكن المقصود هنا النجاشي الذي ولي بعده وكان كافرا. وكاتبه ﷺ سنة تسع وقيل: قبيل مرضه ووفاته ﷺ .

стр. 3929

-[فقه الحديث]- -[يؤخذ من الحديث]- ١ - جواز تحمل الكافر للحديث على أن يكون مسلما حين الأداء. ٢ - من قوله "من فيه إلى فيه" دقة الصحابة في الرواية والتصريح بما يؤكد التوثيق والاتصال. ٣ - جواز مكاتبة الكفار ودعاؤهم إلى الإسلام. ٤ - دعاء الكفار إلى الإسلام قبل قتالهم قال النووي: وهذا الدعاء واجب والقتال قبله حرام إن لم تكن بلغتهم دعوة الإسلام وإن كانت بلغتهم فالدعاء مستحب هذا مذهبنا وفيه خلاف للسلف حكاه المازري والقاضي على ثلاثة مذاهب: أحدها: يجب الإنذار مطلقا قاله مالك وغيره وهو ضعيف. والثاني: لا يجب مطلقا وهذا أضعف منه أو باطل. والثالث: يجب إن لم تبلغهم الدعوة ولا يجب إن بلغتهم لكن يستحب وهذا هو الصحيح. قال ابن المنذر: وهو قول أكثر أهل العلم وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على معناه. ٥ - من أسئلة هرقل يتبين ذكاؤه وحكمته ودقته وسعة علمه. ٦ - من قول أبي سفيان: لولا مخافة أن يؤثر على الكذب لكذبت قبح الكذب في الجاهلية كما هو قبيح في الإسلام. ٧ - من كتاب رسول الله ﷺ إلى هرقل استحباب تصدير الكتاب بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) وإن كان المبعوث إليه كافرا قال النووي: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أجذم" فالمراد بحمد الله فيه ذكر الله تعالى وقد جاء في رواية له "بذكر الله تعالى" وقد بدأ ﷺ هذا الكتاب ببسم الله دون الحمد لله وهذا الكتاب كان ذا بال بل من المهمات العظام. ٨ - وأنه يجوز للمسافر إلى أرض العدو أن يصحب معه الآية والآيتين ونحوهما وأن يبعث بذلك إلى الكفار وإنما نهي عن المسافرة بالقرآن إلى أرض العدو أي بكماله أو بجملة من سوره وذلك أيضا محمول على ما إذا خيف وقوعه في أيدي الكفار وأغرب ابن بطال فادعى أن ذلك نسخ بالنهي عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو ويحتاج هذا القول إلى إثبات التاريخ. ٩ - وأنه يجوز للمحدث والكافر مس آية أو آيات يسيرة منفصلة عن القرآن وقيل: في هذا دليل على جواز قراءة الجنب للآية أو الآيتين وفي الاستدلال بذلك من هذه القصة نظر فإنها واقعة عين لا عموم فيها فيفيد الجواز على ما إذا وقع احتياج إلى ذلك كالإبلاغ والإنذار كما في هذه القصة وأما الجواز مطلقا حيث لا ضرورة فلا يتجه.

стр. 3930

١٠ - وأن السنة في المكاتبة والرسائل بين الناس أن يبدأ الكتاب بنفسه فيقول: من فلان بن فلان إلى فلان وهذه مسألة مختلف فيها قال الإمام أبو جعفر في كتابه (صناعة الكتاب) قال: أكثر العلماء يستحب أن يبدأ بنفسه ثم روي فيه أحاديث كثيرة وآثارا قال: وهذا هو الصحيح عند أكثر العلماء لأنه إجماع الصحابة قال: وسواء في هذا تصدير الكتاب والعنوان قال: ورخص جماعة في أن يبدأ بالمكتوب إليه فيقول في التصدير والعنوان: إلى فلان من فلان ثم روي بإسناده أن زيد بن ثابت كتب إلى معاوية فبدأ باسم معاوية وعن محمد بن الحنفية أنه لا بأس بذلك قال: وأما العنوان فالصواب أن يكتب عليه: إلى فلان ولا يكتب لفلان لأنه إليه لا له إلا على سبيل المجاز قال: هذا هو الصواب الذي عليه أكثر العلماء من الصحابة والتابعين. ١١ - والتوقي في المكاتبة واستعمال الورع فيها فلا يفرط ولا يفرط ولهذا قال النبي ﷺ : إلى هرقل عظيم الروم فلم يقل: ملك الروم لأنه لا ملك له ولا غيره إلا بحكم دين الإسلام ولا سلطان لأحد إلا لمن ولاه رسول الله ﷺ أو ولاه من أذن له رسول الله ﷺ بشرط وإنما ينفذ من تصرفات الكفار ما تنفذه الضرورة ولم يقل: إلى هرقل فقط بل أتى بنوع من الملاطفة فقال: عظيم الروم أي الذي يعظمونه ويقدمونه وقد أمر الله تعالى بإلانة القول لمن يدعي إلى الإسلام فقال تعالى ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة﴾ [النحل: ١٢٥] وقال تعالى ﴿فقولا له قولا لينا﴾ [طه: ٤٤]. ١٢ - واستحباب البلاغة والإيجاز وتحري الألفاظ الجزلة في المكاتبة فإن قوله ﷺ "أسلم تسلم" في نهاية من الاختصار وغاية من الإيجاز والبلاغة وجمع المعاني مع ما فيه من بديع التجنيس وشموله لسلامته من خزي الدنيا بالحرب والسبي والقتل وأخذ الديار والأموال ومن عذاب الآخرة. ١٣ - ومن قوله "يؤتك الله أجرك مرتين" أن من أدرك من أهل الكتاب نبينا ﷺ فآمن به فله أجران وفي الحديث "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم أدرك النبي ﷺ فآمن به واتبعه وعبد مملوك أدى حق الله وحق مواليه فله أجران ورجل كانت له أمة فغذاها فأحسن غذاءها وأدبها فأحسن أدبها فأعتقها وتزوجها فله أجران". ١٤ - البيان الواضح أن من كان سببا لضلالة أو سبب منع من هداية كان آثما لقوله ﷺ "وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين" ومن هذا المعنى قوله تعالى ﴿وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم﴾ [العنكبوت: ١٣] ولا يعارض بقوله تعالى ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ [فاطر: ١٨] لأن وزر الآثم لا يتحمله غيره ولكن الفاعل المتسبب والمتلبس بالسيئات يتحمل من جهتين جهة فعله وجهة تسببه. ١٥ - واستحباب "أما بعد" في الخطب والمكاتبات. ١٦ - ومن قوله "سلام على من اتبع الهدى" جواز مثله مع الكفار ولا يقال: إن الكافر لا يبدأ بالسلام

стр. 3931

فإنه ليس المراد هنا التحية وإنما المعنى سلم من عذاب الله من أسلم ولهذا جاء بعده ﴿أن العذاب على من كذب وتولى﴾ [طه: ٤٨] حين قال موسى ﵇ ﴿والسلام على من اتبع الهدى﴾ [طه: ٤٧] وكذلك جاء في هذا الكتاب "فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين" فمحصل المقام أنه لم يبدأ الكافر بالسلام قصدا لأنه ليس ممن اتبع الهدى فلم يسلم عليه. مع أن المسألة خلافية فمذهب الشافعي وجمهور أصحابه وأكثر العلماء أنه لا يجوز للمسلم أن يبتدئ كافرا بالسلام وأجازه كثيرون من السلف قال النووي: وهذا مردود بالأحاديث الصحيحة في النهي عن ذلك وجوزه آخرون لاستئلاف أو لحاجة إليه أو نحو ذلك. ١٧ - وفي الحديث العمل بالكتاب. ١٨ - وفيه العمل بخبر الواحد. ١٩ - أخذ بعضهم من قول هرقل "ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه" وقوله في رواية البخاري "فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه" وقوله في رواية الطبراني "أعرف أنه كذلك ولكن لا أستطيع أن أفعل إن فعلت ذهب ملكي وقتلني الروم" أن هرقل أقر بنبوة محمد ﷺ وآمن وأنه لم يصرح بالإيمان خوفا على نفسه من القتل وهكذا أطلق صاحب الاستيعاب فقال: إن هرقل آمن قال الحافظ ابن حجر: أمر هرقل في الإيمان عند كثير من الناس مشتبه لأنه يحتمل أن يكون عدم تصريحه بالإيمان للخوف على نفسه من القتل ويحتمل أن يكون استمر على الشك حتى مات كافرا. والجمهور على أن هرقل آثر ملكه على الإيمان واستمر على الضلال فقد حارب المسلمين في غزوة مؤتة سنة ثمان بعد هذه القصة بنحو السنتين وفي السير أن رسول الله ﷺ كتب إليه من تبوك يدعوه إلى الإسلام وأنه قارب الإجابة ولم يجب مما يدل على أنه استمر على الكفر أما قول بعضهم: يحتمل أنه كان يضمر الإيمان ويفعل هذه المعاصي مراعاة لملكه وخوفا من أن يقتله قومه فهذا القول مستبعد. ففي مسند أحمد أنه كتب إلى النبي ﷺ من تبوك: إني مسلم فقال النبي ﷺ : "كذب بل هو على نصرانيته" وفي رواية أبي عبيد في كتاب الأموال "كذب عدو الله ليس بمسلم". فالتحقيق: أنه أظهر بهذه القرائن التصديق لكنه لم يستمر عليه ولم يعمل بمقتضاه بل شح بملكه وآثر الفانية على الباقية وقد سبق في المعنى العام نبذة عن آخر شأن هرقل تؤكد ما ذهبنا إليه وهي مستقاة من الروايات. ثم قال الحافظ ابن حجر: واختلف الإخباريون. هل هرقل هذا هو الذي حاربه المسلمون في زمن أبي بكر وعمر؟ أو ابنه؟ والأظهر أنه هو. اهـ. والله أعلم.

стр. 3932

(٤٨٨) باب غزوة حنين ٤٠٥٣ - عن عباس بن عبد المطلب ﵁ قال: شهدت مع رسول الله ﷺ يوم حنين فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله ﷺ فلم نفارقه ورسول الله ﷺ على بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين فطفق رسول الله ﷺ يركض بغلته قبل الكفار قال عباس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله ﷺ أكفها إرادة أن لا تسرع وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ "أي عباس ناد أصحاب السمرة" فقال عباس -وكان رجلا صيتا- فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة؟ قال: فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها فقالوا: يا لبيك يا لبيك. قال: فاقتتلوا والكفار والدعوة في الأنصار يقولون يا معشر الأنصار يا معشر الأنصار قال: ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج فقالوا يا بني الحارث بن الخزرج يا بني الحارث بن الخزرج فنظر رسول الله ﷺ وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم فقال رسول الله ﷺ "هذا حين حمي الوطيس" قال: ثم أخذ رسول الله ﷺ حصيات فرمى بهن وجوه الكفار ثم قال "انهزموا ورب محمد" قال: فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى قال: فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته فمازلت أرى حدهم كليلا وأمرهم مدبرا. ٤٠٥٤ - وفي رواية عن الزهري بهذا الإسناد نحوه غير أنه قال فروة بن نعامة الجذامي وقال "انهزموا ورب الكعبة انهزموا ورب الكعبة" وزاد في الحديث "حتى هزمهم الله" قال: وكأني أنظر إلى النبي ﷺ يركض خلفهم على بغلته. ٤٠٥٥ - عن أبي إسحق قال: قال رجل للبراء يا أبا عمارة أفررتم يوم حنين؟ قال: لا والله ما ولى رسول الله ﷺ ولكنه خرج شبان أصحابه وأخفاؤهم حسرا ليس عليهم سلاح أو كثير سلاح فلقوا قوما رماة لا يكاد يسقط لهم سهم جمع هوازن وبني نصر

стр. 3933

فرشقوهم رشقا ما يكادون يخطئون فأقبلوا هناك إلى رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ على بغلته البيضاء وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يقود به فنزل فاستنصر وقال: أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب ثم صفهم. ٤٠٥٦ - عن أبي إسحق قال: جاء رجل إلى البراء فقال: أكنتم وليتم يوم حنين يا أبا عمارة؟ فقال: أشهد على نبي الله ﷺ ما ولى ولكنه انطلق أخفاء من الناس وحسر إلى هذا الحي من هوازن وهم قوم رماة فرموهم برشق من نبل كأنها رجل من جراد فانكشفوا فأقبل القوم إلى رسول الله ﷺ وأبو سفيان بن الحارث يقود به بغلته فنزل ودعا واستنصر وهو يقول: ٤ - أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب اللهم نزل نصرك" قال البراء كنا والله إذا احمر البأس نتقي به وإن الشجاع منا للذي يحاذي به يعني النبي ﷺ . ٤٠٥٧ - عن أبي إسحق قال: سمعت البراء وسأله رجل من قيس أفررتم عن رسول الله ﷺ يوم حنين؟ فقال البراء: ولكن رسول الله ﷺ لم يفر. وكانت هوازن يومئذ رماة وإنا لما حملنا عليهم انكشفوا فأكببنا على الغنائم فاستقبلونا بالسهام ولقد رأيت رسول الله ﷺ على بغلته البيضاء وإن أبا سفيان بن الحارث آخذ بلجامها وهو يقول: ٤ - أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب ٤٠٥٨ - عن إياس بن سلمة حدثني أبي قال: غزونا مع رسول الله ﷺ حنينا فلما واجهنا العدو تقدمت فأعلو ثنية فاستقبلني رجل من العدو فأرميه بسهم فتوارى عني فما دريت ما صنع ونظرت إلى القوم فإذا هم قد طلعوا من ثنية أخرى فالتقوا هم وصحابة النبي ﷺ فولى صحابة النبي ﷺ وأرجع منهزما وعلي بردتان متزرا بإحداهما مرتديا

стр. 3934

بالأخرى فاستطلق إزاري فجمعتهما جميعا ومررت على رسول الله ﷺ منهزما وهو على بغلته الشهباء فقال رسول الله ﷺ "لقد رأى ابن الأكوع فزعا" فلما غشوا رسول الله ﷺ نزل عن البغلة ثم قبض قبضة من تراب من الأرض ثم استقبل به وجوههم فقال "شاهت الوجوه" فما خلق الله منهم إنسانا إلا ملأ عينيه ترابا بتلك القبضة فولوا مدبرين فهزمهم الله وقسم رسول الله ﷺ غنائمهم بين المسلمين. -[المعنى العام]- في النصف الأول من رمضان على رأس ثمان سنين ونصف السنة من وصول النبي ﷺ مهاجرا إلى المدينة سار رسول الله ﷺ إلى مكة لفتحها بدأ خروجه من المدينة ومعه عشرة آلاف وانضم إليهم في الطريق من قبائل العرب المسلمين ألفان. جيش عظيم جرار فتح الله به مكة دون قتال يذكر وقبل أن ينعم المسلمون بهذا الفتح العظيم بلغ النبي ﷺ أن مالك بن عوف النضري جمع القبائل الكافرة القريبة من مكة وعلى رأسها هوازن ووافقهم الثقفيون أهل الطائف وتجمعوا في حنين لمحاربة المسلمين وبلغ النبي ﷺ أن هوازن خرجت بنسائهم وذراريهم ونعمهم وشائهم خرجوا إما للفناء على بكرة أبيهم وإما للحياة العزيزة بعد هزيمة المسلمين فندب النبي ﷺ أصحابه وجيشه للتحرك نحو تجمعاتهم في حنين وتحرك الجيش جيش لا يكاد يرى أوله أو آخره جيش الفتح ومن انضم إليهم من أهل مكة من مسلميها والطلقاء والمنافقين والمؤلفة قلوبهم جيش يغتر أهله بكثرته حتى قال أحدهم: لن نغلب اليوم عن قلة جيش كثير العدد حقا لكن تداخله شبان لا يجيدون القتال ولا يصبرون على حره وشدته ولم يتمرسوا عليه ولم يستعدوا له خرجوا مكشوفي الصدور دون دروع مكشوفي الرءوس دون مغافر خرجوا يحسبونها نزهة يعودون بعدها بالغنائم الكثيرة خرجوا لا يحسنون الرمي ولا كيف يتقنونه كما تداخله بعض المسلمين حديثا من المؤلفة قلوبهم من مسلمة الفتح لا يقاتلون عن عقيدة ثابتة ولا تعنيهم التضحية في سبيل الله ولا يحرصون على الشهادة. جيش كثير العدد حقا لكنه يهاجم قوما أدرى بشعابهم ووديانهم وهو لا يعرف طبيعة أرضهم يهاجم قوما سيستميتون في الدفاع عن وطنهم وأرضهم وشرفهم وكبريائهم وأولادهم ونسائهم وهم مع ذلك يجيدون القتال ورمي النبال والكر والفر والهجوم والخديعة وقد تحصنوا في وديانهم ومنعطفات جبالهم قوم صفوا نفوسهم كالبنيان الفرسان ثم المشاة ثم النساء ثم الأطفال ثم النعم والشياه ونزل المسلمون إلى الوديان المجهولة في عماية الغلس ومع ذلك التقوا بالكفار وقاتلوهم وأزالوهم عن مواقعهم وحسبوا أن المعركة قد انتهت فانكبوا على الغنائم يجمعون الإبل والشاة والنساء والذراري فجأة كانت الخديعة التي أعدها الكفار وهوازن فاستقبلوا المسلمين بنبال كأسراب الجراد كثيرة متتالية كلها تصيب لا تكاد نبل تخطئ إصابة أصابت المفاجأة المسلمين

стр. 3935

بالهول والذهول والفزع والارتباك والتفكك فولوا الأدبار منهزمين واتجهوا فرارا إلى الشعاب المختلفة متناثرين ورأى رسول الله ﷺ الموقف وهو على بغلته البيضاء فنادى بصوت مرتفع: يا للمهاجرين؟ فسمع الرد من بعيد: لبيك يا رسول الله نحن معك نادى: يا معشر الأنصار فسمع الإجابة المتناثرة من بعيد: لبيك يا رسول الله نحن معك قال: يا عباس -وهو يمسك رأس بغلته: يا عباس ناد أصحاب الشجرة شجرة الرضوان الذين بايعوا الله ورسوله على الجهاد حتى النصر فنادى: يا أصحاب الشجرة فكانت الإجابة: يا لبيك يا لبيك وكاد الكفار يحيطون بالنبي ﷺ وابن عمه الحارث بن عبد المطلب يشارك عمه العباس في قيادة بغلة الرسول ﷺ ورسول الله ﷺ يدفعها إلى الأمام نحو الكفار وهو يقول: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب والعباس والحارث يكفونها عن الإقدام خوفا على رسول الله ﷺ وسمع نداء كل مجموعة لأفرادها الأنصار ينادون الأنصار والمهاجرون ينادون المهاجرين والأوس ينادون الأوس والخزرج ينادون الخزرج وتجمع المتفرقون وعاد الفارون المنهزمون وكر المسلمون على قتال الكافرين وحمى الوطيس واشتد البأس فنزل رسول الله ﷺ عن بغلته وأخذ شيئا من حصى الأرض وترابها ورماها نحو الأعداء وقال: شاهت وجوه الكفار ثم دعا ربه وطلب نصره: اللهم أنزل نصرك الذي وعدتني فما هي إلا جولة قصيرة حتى انهزم الكافرون وولوا الأدبار واستولى المسلمون على الغنائم الكثيرة التي لم يسبق لهم مثلها وقسمها رسول الله ﷺ بين المجاهدين من المهاجرين والمؤلفة قلوبهم وبعد أيام جاءت هوازن مسلمين يرجون استعادة أموالهم ونسائهم وذراريهم فأعاد رسول الله ﷺ لهم نساءهم وأولادهم وفي هذه الغزوة يقول الله تعالى ﴿ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين* ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين﴾ [التوبة: ٢٥ وما بعدها]. -[المباحث العربية]- (حنين) بضم الحاء وفتح النون مصغر واد إلى جنب ذي المجاز بين مكة والطائف بينه وبين مكة بضعة عشر ميلا من جهة عرفات قيل: سمي باسم حنين بن قابئة بن مهلائيل وهو مصروف كما جاء في القرآن الكريم. (شهدت مع رسول الله ﷺ يوم حنين) أي شهدت وقعة وغزوة حنين. (فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله ﷺ المراد من الملازمة المصاحبة المتصلة على الهيئة التي سيذكرها فقوله "فلم نفارقه" تأكيد وأبو سفيان هذا

стр. 3936

ابن عم النبي ﷺ وكان إسلامه قبل فتح مكة لقي النبي ﷺ وهو في طريقه إلى فتح مكة فأسلم وحسن إسلامه وخرج إلى غزوة حنين فكان فيمن ثبت. (ورسول الله ﷺ على بغلة له بيضاء) في الرواية الخامسة يصف سلمة بن الأكوع بغلة رسول الله ﷺ بالشهباء أي التي يخالط بياضها سواد قال النووي: قال العلماء: لا يعرف له ﷺ بغلة سواها وهي التي يقال لها دلدل. قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر لأن دلدل أهداها له المقوقس قال القطب الحلبي: يحتمل أن يكون يومئذ ركب كلا من البغلتين إن ثبت أنها كانت صحبته. اهـ. وهذا الذي قاله القطب بعيد جدا وما قاله النووي لا غرابة فيه والأشهب إذا كثر بياضه قيل عنه أبيض فلا تعارض والذي أوقع في هذا اللبس أن بغلته ﷺ اشتهرت باسم الشهباء. (أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي) "نفاثة" بنون مضمومة ثم فاء ثم ألف ثم ثاء مثلثة قال القاضي: واختلفوا في إسلامه فقال الطبري: أسلم وعمر عمرا طويلا وقال غيره: لم يسلم قال النووي: وفي صحيح البخاري أن الذي أهداها له ملك أيلة واسم ملك أيلة فيما ذكره ابن إسحق: يحنة بن رونة وفي ملحق الرواية الأولى "فروة بن نعامة" بالنون والعين والألف والميم والأول هو الصحيح المعروف. (فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين) ظاهره أن المسلمين ولوا الأدبار بمجرد اللقاء وليس كذلك فقد وضحت الرواية الرابعة أن المسلمين حملوا على الكفار حتى انكشف الكفار فأكب المسلمون على الغنائم فاستقبلوا بسهام لا قبل لهم بها فولوا. (فطفق رسول الله ﷺ يركض بغلته قبل الكفار) "قبل" بكسر القاف وفتح الباء أي جهة الكفار والركض العدو مسرعا. (وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله ﷺ أكفها إرادة أن لا تسرع) أي أمنعها من العدو نحو الكفار خوفا على رسول الله ﷺ . (وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله ﷺ الركاب لسرج الدابة ما توضع فيه رجل الراكب وهما ركابان والمراد أخذه وإمساكه بأحدهما حماية وتكريما لرسول الله ﷺ وفي الرواية الثانية "وأبو سفيان يقود به" مع أن القيادة لممسك اللجام وفي الثالثة "يقود به بغلته" وفي الرواية الرابعة "وإن أبا سفيان بن الحارث أخذ بلجامها" وعند البخاري "وإن أبا سفيان آخذ بزمامها" وهو الحبل الذي يربط في رأس الدابة وفيه "وأبو سفيان بن الحارث آخذ برأس بغلته البيضاء" قال الحافظ ابن حجر: ويمكن الجمع بأن أبا سفيان كان آخذا أولا بزمامها فلما ركضها النبي ﷺ إلى جهة المشركين خشي العباس فأخذ بلجام البغلة يكفها وأخذ أبو سفيان بالركاب وترك اللجام إجلالا له لأنه عمه اهـ. وظاهر هذا الجمع أن العباس في البداية كان آخذا بالركاب أو لم يكن آخذا

стр. 3937

بشيء مما لا يتفق وعبارة الرواية الأولى ففيها أن الركض بدأ والعباس ممسك باللجام وأبو سفيان ممسك بالركاب فالأولى أن يقال: إن أبا سفيان لما خشي تغلب البغلة على عمه ساعده في كفها فشاركه في الإمساك بالزمام وترك الركاب والرواية الثانية والثالثة والرابعة تصرح بأن النبي ﷺ نزل عن البغلة وأبو سفيان ممسك بالزمام فإمساكه باللجام كان آخرا وليس أولا. (أي عباس) "أي" حرف نداء أي يا عباس. (ناد أصحاب السمرة) بفتح السين وضم الميم في كتب اللغة: السمر بفتح السين وضم الميم ضرب من شجر الطلح والطلح شجر عظام من شجر العضاه ترعاه الإبل ويطلق على الموز والمراد هنا الأول واحدته سمرة والمقصود الشجرة التي بايعوا تحتها بيعة الرضوان والمعنى: ناد أهل بيعة الرضوان يوم الحديبية. (وكان رجلا صيتا) الصيت: بفتح الصاد وتشديد الياء المكسورة شديد الصوت قوية وعالية. والجملة لا محل لها من الإعراب معترضة. (فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها) يقال: عطف يعطف بفتح الطاء في الماضي وكسرها في المضارع إذا مال وتحول وحمل وكر والعطفة الكرة ووجه الشبه هنا سرعة الميل والعودة والكر. (يا لبيك يا لبيك) أي إجابة لك بعد إجابة والنداء هنا معناه يا إجابة هذا وقتك فاحضري وأعلني عن نفسك. (فاقتتلوا والكفار) قال النووي: هكذا هو في النسخ وهو بنصب الكفار أي مع الكفار مفعول معه. (والدعوة في الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار يا معشر الأنصار) يقال: دعا فلانا أي صاح به وناداه. والمعنى: ودعا الأنصار بعضهم بعضا واستغاث بعضهم ببعض وصرخ بعضهم في بعض بالكر والقتال. (ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج فقالوا: يا بني الحارث بن الخزرج يا بني الحارث بن الخزرج) يقال: قصر الشيء على الشيء أي رده إليه لم يجاوز به إلى غيره والمعنى أن الاستغاثة والمناداة انتقلت إلى الخزرج خاصة بعد أن توجهت للأنصار عامة. أي ثم توجهت إلى الفرق بعضها إلى بعض حتى نادى الأفراد بعضهم بعضا. (فنظر رسول الله ﷺ -وهو على بغلته كالمتطاول عليها- إلى قتالهم) يقال: تطاول أي تمدد قائما لينظر إلى بعيد وجملة "وهو على بغلته" حال وشبه جملة

стр. 3938

"كالمتطاول عليها" حال متداخلة من جملة الحال الأولى والمعنى فرأى القتال شديدا ورأى أصحابه في شدة. (فقال رسول الله ﷺ هذا حين حمى الوطيس) بفتح الواو وكسر الطاء قال الأكثرون: هو شبه التنور يوقد فيه حتى يحمى ويضرب مثلا لشدة الحرب التي يشبه حرها حره وقال آخرون: الوطيس هو التنور نفسه وقال الأصمعي: هي حجارة مدورة إذا حميت لم يقدر أحد أن يطأ عليها فيقال: الآن حمى الوطيس وقيل: هو الضرب في الحرب وقيل: هو الحرب الذي يطيس الناس أي يدقهم قالوا: هذه اللفظة من فصيح الكلام وبديعه الذي لم يسمع من أحد قبل النبي ﷺ والإشارة في "هذا" للفعل والقول الآتيين أي أخذ الحصيات وقال: انهزموا ورب محمد حين حمى الوطيس. (قال: ثم أخذ رسول الله ﷺ حصيات فرمى بهن وجوه الكفار) في الرواية الخامسة "فلما غشوا رسول الله ﷺ نزل عن البغلة ثم قبض قبضة من تراب الأرض ثم استقبل به وجوههم" يقال: غشي فلان فلانا بكسر الشين وفتح الياء أي غطاه وحواه والمراد هنا: لما قرب المشركون من رسول الله ﷺ وكادوا يحيطون به وبمن معه والقتال مستعر بين المشركين وبين أصحابه الذين كروا بعد فرارهم ورأى رسول الله ﷺ الوطأة على أصحابه في هذا الوقت نزل عن بغلته ليأخذ التراب والحصى ويدعو ويرمي بها في وجوه القوم ثم يعود فيركب بغلته فعند أحمد وأبي داود والترمذي "ثم اقتحم عن فرسه فأخذ كفا من تراب" وللجمع بين رواية "الحصى" ورواية "التراب" قال العلماء: يحتمل أنه أخذ قبضة من حصى وقبضة من تراب فرمي بهذا مرة وبهذا مرة ويحتمل أنه أخذ قبضة واحدة مخلوطة من حصى وتراب ولأحمد والحاكم من حديث ابن مسعود "فقال: ناولني كفا من تراب فضرب به وجوههم" وعند البزار من حديث ابن عباس "أن عليا ناول النبي ﷺ التراب فرمي به في وجوه المشركين يوم حنين" ويجمع بين هذه الأحاديث بأنه ﷺ قال أولا لصاحبه: ناولني فناوله فرماهم ثم نزل عن البغلة. فأخذ بيده فرماهم أيضا ويحتمل أن الحصى كان في إحدى المرتين وكان التراب في الأخرى. (ثم قال: انهزموا ورب محمد) "انهزموا" فعل ماض لفظا مضارع معنى بفتح الزاي إخبار عن أنهم سينهزمون إن شاء الله أخذا من وعد الله له وثقته بربه ﷺ ولهذا أقسم برب محمد وبرب الكعبة مرتين في ملحق الرواية وفي الرواية الثانية "فنزل فاستنصر" أي دعا بالنصر. "وقال: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب وفي الرواية الثالثة. "فنزل ودعا واستنصر وهو يقول: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب. اللهم نزل نصرك" وفي الرواية الخامسة "فقال: شاهت الوجوه" أي قبحت وجوه الكفار. (قال: فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى) من الشدة والقسوة وكأن هذا النظر وقع ساعة الدعاء وساعة أخذ الحصى قبل أن يصل التراب وجوه القوم.

стр. 3939

(فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته) ضمير "هو" للحال والشأن. (فمازلت أرى حدهم كليلا وأمرهم مدبرا) الحد هو الشدة والقوة والكليل الضعيف أي ما هو إلا أن دعا ورش الحصيات في وجوه الكفار حتى رأيت قوتهم ضعفا وإقبالهم إدبارا حتى هزمهم الله ورأيت النبي ﷺ يركض خلفهم على بغلته وفي الرواية الخامسة "فما خلق الله منهم إنسانا إلا ملأ عينيه ترابا بتلك القبضة فولوا مدبرين فهزمهم الله ". (يا أبا عمارة) كنية البراء. (أفررتم يوم حنين؟ قال: لا والله ما ولى رسول الله ﷺ ولكنه خرج شبان أصحابه وأخفاؤهم حسرا ليس عليهم سلاح أو كثير سلاح) قال النووي: هذا الجواب الذي أجاب به البراء ﵁ من بديع الأدب لأن تقدير الكلام: أفررتم كلكم؟ فيقتضي أن النبي ﷺ وافقهم في ذلك فقال البراء: لا ما فر رسول الله ﷺ ولكن جماعة الصحابة جرى لهم كذا وكذا و"شبان" بضم الشين وتشديد الباء جمع شاب و"الأخفاء" بفتح الهمزة وكسر الخاء وتشديد الفاء جمع خفيف والمراد بهم المسارعون المستعجلون ورويت هذه الكلمة "وجفاؤهم" بالجيم وفسرت بسرعانهم قالوا: تشبيها بجفاء السيل وهو غثاؤه. قال القاضي: إن صحت هذه الرواية فمعناها ما سبق من خروج من خرج معهم من أهل مكة ومن انضم إليهم ممن لم يستعدوا وإنما خرجوا للغنمية من النساء والصبيان ومن في قلبه مرض فشبهوا بغثاء السيل ومعنى "حسرا" بضم الحاء وتشديد السين المفتوحة أي بغير دروع جمع حاسر وهو من لا درع عليه وقد فسره بقوله "ليس عليهم سلاح أو كثير سلاح" وفي كتب اللغة: حسر بفتح السين يحسر بضمها حسورا انكشف والحاسر من الجنود من لا درع له ولا مغفر ومن الرجال من لا غطاء على رأسه ومن النساء المكشوفة الرأس والذراعين والتي ألقت عنها ثيابها والجمع حسر وحواسر. (فلقوا قوما رماة لا يكاد يسقط لهم سهم جمع هوازن وبني نصر) "جمع هوازن" بالنصب بدل من "قوما". (فرشقوهم رشقا) التنوين في "رشقا" للتكثير والتعظيم والرشق رمي السهام يقال: رشقه وأرشقه ثلاثي ورباعي والثلاثي أشهر وأفصح وفي الرواية الثالثة "فرموهم برشق من نبل كأنها رجل من جراد فانكشفوا" والرشق بكسر وسكون الشين الشوط من الرمي وما يرمى به أو اسم للسهام التي ترميها الجماعة دفعة واحدة وأما الرشق بفتح الراء فهذا المصدر والنبل بفتح النون وسكون الباء السهام والمعنى فرموهم بمجموعة من السهام دفعة واحدة شبيهة بأرجل الجراد في التجمع والتتابع "فانكشفوا" أي انهزموا وفارقوا مواضعهم وكشفوها. (كنا إذا احمر البأس نتقي به) أي نجعل النبي ﷺ لنا وقاية أي نحتمي به واحمرار البأس كناية عن شدة الحرب واستعير ذلك لحمرة الدماء الحاصلة فيها عادة أو لاستعار الحرب

стр. 3940

واشتعالها كاحمرار الحجر والبأس الشدة في الحرب أو الحرب أو العذاب الشديد والبأساء المشقة والحرب الداهية. أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب قال النووي: قال القاضي عياض: قال المازري: أنكر بعض الناس كون الرجز شعرا لوقوعه من النبي ﷺ مع قوله تعالى ﴿وما علمناه الشعر وما ينبغي له﴾ [يس: ٦٩] وهذا مذهب الأخفش واحتج به على فساد مذهب الخليل في أنه شعر وأجابوا عن هذا بأن الشعر هو ما قصد إليه واعتمد الإنسان أن يوقعه موزونا مقفى يقصده إلى القافية ويقع في ألفاظ العامة كثير من الألفاظ الموزونة ولا يقول أحد: إنها شعر ولا صاحبها شاعر وهكذا الجواب عما في القرآن من الموزون كقوله تعالى ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ [آل عمران: ٩٢] وقوله تعالى ﴿نصر من الله وفتح قريب﴾ [الصف: ١٣] ولا شك أن هذا لا يسميه أحد من العرب شعرا لأنه لم يقصد تقفيته وجعله شعرا قال: وقد غفل بعض الناس عن هذا القول فأوقعه ذلك في أن قال: الرواية "لا كذب" بفتح الباء حرصا منه على أن يفسد الروي فيستغنى عن الاعتذار مع أن الرواية بالإسكان قال النووي: لكن قال الإمام أبو القاسم على ابن جعفر بن علي السعدي الصقلي المعروف بابن القطاع في كتابه الشافي في علم القوافي: قد رأى قوم منهم الأخفش وهو شيخ الصناعة بعد الخليل أن مشطور الرجز ومنهوكه ليس بشعر كقول النبي ﷺ : "الله مولانا ولا مولى لكم" وقوله ﷺ "هل أنت إلا أصبع دميت"؟ وفي سبيل الله ما لقيت" وقوله ﷺ أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب وأشباه هذا قال ابن القطاع: وهذا الذي زعمه الأخفش وغيره غلط بين وذلك لأن الشاعر إنما سمي شاعرا لوجوه منها أنه شعر القول وقصده وأراده واهتدى إليه وأتى به كلاما موزونا على طريقة العرب مقفى فإن خلا من هذه الأوصاف أو بعضها لم يكن شعرا ولا يكون قائله شاعرا بدليل أنه لو قال كلاما موزونا على طريقة العرب وقصد الشعر أو أراده ولم يقفه لم يسم شاعرا ولم يسم ذلك الكلام شعرا بإجماع العلماء والشعراء وكذا لوقفاه وقصد به الشعر ولكن لم يأت به موزونا لم يكن شعرا وكذا لو أتى به موزونا مقفى ولكن لم يقصد به الشعر لا يكون شعرا ويدل عليه أن كثيرا من الناس يأتون بكلام موزون مقفى غير أنهم ما قصدوه ولا أرادوه ولا يسمى شعرا وإذا تفقد ذلك وجد كثيرا في كلام الناس فدل على أن الكلام الموزون لا يكون شعرا إلا بالشروط المذكورة وهي القصد وغيره مما سبق والنبي ﷺ لم يقصد بكلامه ذلك الشعر ولا أراده فلا يعد شعرا وإن كان موزونا. اهـ. وحاصل هذا الرد أن مشطور الرجز شعر إذا توفرت له الشروط المذكورة لكن هذا القول من الرسول ﷺ ليس شعرا لعدم توفر شروط الشعر لا لأن مشطور الرجز ليس شعرا. ومعنى "أنا النبي لا كذب" أي أنا النبي حقا فلا أفر ولكن أثبت.

стр. 3941

(تقدمت فأعلو ثنية) أي فعلوت ثنية ولكنه عبر عن الماضي بالمضارع لاستحضار الصورة والثنية بفتح الثاء وكسر النون بعدها ياء مشددة مفتوحة وبكسر الثاء وسكون النون وفتح الياء مخففة الطريق في الجبل. (فأرميه بسهم) أي فرميته بسهم. (ونظرت إلى القوم فإذا هم قد طلعوا من ثنية أخرى) غير التي توارى فيها الرجل وغير المتوقعة. (فأرجع منهزما وعلي بردتان متزرا بإحداهما مرتديا بالأخرى فاستطلق إزاري فجمعتهما جميعا) أي فرجعت ووليت منهزما والبردة كساء مخطط يلتحف به والإزار ثوب يحيط بالنصف الأسفل من البدن يقال: ائتزر واتزر لبس الإزار والرداء الثوب يستر النصف الأعلى من البدن ويقال: ارتدى الرداء وبالرداء لبسه ومعنى "استطلق إزاري" أي انحل وتحرر من قيده من شدة الخوف والعدو ومعنى "فجمعتهما جميعا" أي جمعت إزاري على ردائي وجعلتهما رداءين مع ارتخائهما بحيث يستران العورة ومثل هذا المنظر الذي لا يؤتزر فيه ولا يستر الإزار نصف الساق مظهر من مظاهر الهلع ولذا قال ﷺ "لقد رأى ابن الأكوع فزعا". (وقسم رسول الله ﷺ غنائمهم بين المسلمين) أي من انهزم وفر ثم عاد ومن ثبت ولم يفر. وكانت الغنائم كثيرة كانت الإبل أربعة وعشرين ألفا والغنم أربعين ألف شاة والأنفس ستة آلاف نفس من النساء والأطفال وكان رسول الله ﷺ قد أمر بجمع الغنائم هذه وحبسها بالجعرانة حتى يرجع من حصار الطائف فلما رجع من الطائف قسمها في المهاجرين والمؤلفة قلوبهم والطلقاء الذين من عليهم يوم الفتح ولم يعط الأنصار منها شيئا ولم يمض وقت طويل والمسلمون بالجعرانة حتى أسلمت هوازن وجاء وفدها يطلب إعادة الغنائم فخيرهم رسول الله ﷺ بين الأموال وبين السبي فاختاروا السبي وسيأتي مزيد لذلك في فقه الحديث. -[فقه الحديث]- يقول الطبري: الانهزام المنهي عنه هو ما وقع على غير نية العود وأما الاستطراد للكثرة فهو كالتحيز إلى فئة. اهـ. ويقول الحافظ ابن حجر: والعذر لمن انهزم من غير المؤلفة قلوبهم أن العدو كانوا ضعفهم في العدد وأكثر من ذلك. وقد وردت روايات في المنهزمين والتائبين والمعلوم أن جيش المسلمين كان يزيد على عشرة آلاف وقد روى الترمذي من حديث ابن عمر بإسناد حسن أنه لم يبق مع الرسول ﷺ مائة رجل" قال الحافظ: وهذا أكثر ما وقفت عليه من عدد من ثبت يوم حنين وروى أحمد والحاكم عن عبد الله بن

стр. 3942

مسعود "قال: كنت مع النبي ﷺ يوم حنين فولى عنه الناس وثبت معه ثمانون رجلا من المهاجرين والأنصار فكنا على أقدامنا ولم نولهم الدبر وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة" فابن عمر نفى أن يكونوا مائة وابن مسعود أثبت أنهم كانوا ثمانين فلا تعارض. وأما ما ذكره النووي أنه ثبت معه اثنا عشر رجلا فكأنه أخذه مما ذكره ابن إسحق في حديثه أنه ثبت معه العباس وابنه الفضل وعلي وأبو سفيان بن الحارث وأخوه ربيعة وأسامة بن زيد وأخوه من أمه أيمن ابن أم أيمن ومن المهاجرين أبو بكر وعمر فهؤلاء تسعة وقد تقدم ذكر ابن مسعود فهؤلاء عشرة فلعل هذا هو الثبت ومن زاد على ذلك يكون عجل في الرجوع فعد في من لم ينهزم. اهـ. وفي سبب هزيمة المسلمين تذكر الرواية الثانية سببا من جانب المسلمين وهو استهتارهم بهوازن وإعجابهم بكثرتهم حتى أثر عن بعضهم قوله" لن نغلب اليوم عن قلة" واشتمال جيشهم على مؤلفة قلوبهم وشبان متسرعين لم يجربوا القتال خرجوا دون سلاح وسببا من جانب المشركين وهو أنهم قوم رماة لا يكادون يسقط لهم سهم دون إصابة وذكرت الرواية الرابعة سببا آخر وهو تعجل المسلمين إلى الغنيمة وانكبابهم عليها بمجرد الفوز في الجولة الأولى فوقعوا في الخديعة وفي الشرك الذي نصبه لهم المشركون وذكرت رواية أنس عند مسلم سببا آخر فقال أنس "افتتحنا مكة ثم إنا غزونا حنينا قال: فجاء المشركون بأحسن صفوف رأيت صف الخيل ثم المقاتلة ثم النساء من وراء ذلك ثم الغنم ثم النعم" وذكر ابن إسحق من حديث جابر وغيره في سبب انكشاف المسلمين أمرا آخر وهو "أن مالك بن عوف سبق بهم إلى حنين فأعدوا وتهيئوا في مضايق الوادي وأقبل النبي ﷺ وأصحابه حتى انحط بهم الوادي في عماية الصبح" وعن وقائع هذه الغزوة ونتائجها يروي البخاري مجموعة من الأحاديث نذكر منها: ١ - عن أنس ﵁ قال: "لما كان يوم حنين أقبلت هوازن وغطفان وغيرهم بنعمهم وذراريهم ومع النبي ﷺ عشرة آلاف والطلقاء فأدبروا عنه حتى بقي وحده فنادى يومئذ نداءين لم يخلط بينهما التفت عن يمينه فقال: يا معشر الأنصار قالوا: لبيك يا رسول الله. أبشر نحن معك ثم التفت عن يساره فقال: يا معشر الأنصار قالوا: لبيك يا رسول الله أبشر نحن معك وهو على بغلة بيضاء فنزل فقال: أنا عبد الله ورسوله فانهزم المشركون فأصاب يومئذ غنائم كثيرة فقسم في المهاجرين والطلقاء ولم يعط الأنصار شيئا فقالت الأنصار: إذا كانت شديدة فنحن ندعى ويعطى الغنيمة غيرنا فبلغه ذلك فجمعهم في قبة فقال: يا معشر الأنصار ما حديث بلغني عنكم؟ فسكتوا فقال: يا معشر الأنصار ألا ترضون أن يذهب الناس بالدنيا وتذهبون برسول الله ﷺ تحوزونه إلى بيوتكم؟ قالوا: بلى فقال النبي ﷺ لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار شعبا لأخذت شعب الأنصار". ٢ - وفي رواية عنه ﵁ قال: "لما كان يوم حنين التقى هوازن ومع النبي ﷺ عشرة آلاف والطلقاء فأدبروا قال: يا معشر الأنصار قالوا: لبيك يا رسول الله وسعديك لبيك نحن بين يديك فنزل النبي

стр. 3943

صلى الله عليه وسلم فقال: أنا عبد الله ورسوله فانهزم المشركون فأعطى الطلقاء والمهاجرين ولم يعط الأنصار شيئا فقالوا .. فدعاهم فأدخلهم في قبة فقال: أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير؟ وتذهبون برسول الله ﷺ ؟ ". ٣ - وفي رواية عنه ﵁ قال: جمع النبي ﷺ ناسا من الأنصار فقال: إن قريشا حديث عهد بجاهلية ومصيبة [فتح مكة] وإني أردت أن أجبرهم وأتألفهم أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا وترجعون برسول الله ﷺ إلى بيوتكم"؟ . ٤ - وفي رواية عنه ﵁ قال: "قال ناس من الأنصار -حين أفاء الله على رسوله ﷺ ما أفاء من أموال هوازن فطفق النبي ﷺ يعطي رجالا المائة من الإبل فقالوا: يغفر الله لرسول الله ﷺ يعطي قريشا ويتركنا؟ وسيوفنا تقطر من دمائهم؟ قال أنس: فحدث رسول الله ﷺ بمقالتهم فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من أدم [من جلد] ولم يدع معهم غيرهم فلما اجتمعوا قام النبي ﷺ فقال: ما حديث بلغني عنكم؟ فقال فقهاء الأنصار: أما رؤساؤنا يا رسول الله فلم يقولوا شيئا وأما ناس منا حديثة أسنانهم فقالوا: يغفر الله لرسول الله ﷺ يعطي قريشا ويتركنا؟ وسيوفنا تقطر من دمائهم؟ فقال النبي ﷺ : فإني أعطي رجالا حديثي عهد بكفر أتألفهم أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال وتذهبون بالنبي [ ﷺ ] إلى رحالكم؟ فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به قالوا: يا رسول الله قد رضينا فقال لهم النبي ﷺ : ستجدون أثرة شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله [ ﷺ ]-فإني على الحوض". ٥ - وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "لما كان يوم حنين آثر النبي ﷺ ناسا أعطى الأقرع مائة من الإبل وأعطى عيينة مثل ذلك وأعطى ناسا فقال رجل من الأنصار: ما أريد بهذه القسمة وجه الله فقلت: لأخبرن رسول الله ﷺ فقال: رحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر". ٦ - وعن عبد الله بن زيد بن عاصم ﵁ قال: لما أفاء الله على رسوله ﷺ يوم حنين قسم في الناس في المؤلفة قلوبهم ولم يعط الأنصار شيئا فكأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصاب الناس فخطبهم فقال: يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي وعالة فأغناكم الله بي؟ كلما قال شيئا قالوا: الله ورسوله أمن. قال: ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله [ ﷺ ؟ ] قال: كلما قال شيئا قالوا: الله ورسوله أمن قال: لو شئتم قلتم: جئتنا كذا وكذا [في بعض الروايات "لو شئتم لقلتم فصدقتم: أتيتنا مكذبا فصدقناك ومخذولا فنصرناك وطريدا فآويناك وعائلا فواسيناك". ٧ - وعن مروان والمسور بن مخرمة أن رسول الله ﷺ قام حين جاء وفد هوازن مسلمين فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم وفي المغازي "ثم انصرف رسول الله ﷺ من الطائف إلى الجعرانة وبها سبي هوازن وقدمت عليه وفد هوازن مسلمين فيهم تسعة نفر من أشرافهم فأسلموا وبايعوا ثم كلموه فقالوا: يا رسول الله إن فيمن أصبتم الأمهات والأخوات والعمات والخالات [وهن مخازي

стр. 3944

الأقوام] "فقال": [سأطلب لكم وقد وقعت المقاسم] " معي من ترون وأحب الحديث إلي أصدقه فاختاروا إحدى الطائفتين إما السبي وإما المال وقد كنت استأنيت بكم -وكان أنظرهم رسول الله ﷺ بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف- فلما تبين لهم أن رسول الله ﷺ غير راد إليهم إلا إحدى الطائفتين قالوا: فإنا نختار سبينا فقام رسول الله ﷺ في المسلمين فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد فإن إخوانكم قد جاءونا تائبين وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم فمن أحب منكم أن يطيب ذلك فليفعل ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل فقال الناس: قد طيبنا ذلك يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ : إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم ثم رجعوا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه أنهم طيبوا وأذنوا". وفي رواية "فمن أحب منكم أن يعطي غير مكره فليفعل ومن كره أن يعطي فعلى فداؤهم فأعطى الناس ما بأيديهم إلا قليلا من الناس سألوا الفداء". وفي رواية "فقال المهاجرون: ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ -وقالت الأنصار كذلك وقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا وقال عيينة: أما أنا وبنو فزارة فلا وقال العباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا فقالت بنو سليم: بل ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : من تمسك منكم بحقه فله بكل إنسان ست فرائض -الفريضة من الدواب المسنة- من أول فيء نصيبه فردوا إلى الناس نساءهم". -[يؤخذ من الحديث]- ١ - من موقف العباس وأبي سفيان عطف الأقارب بعضهم على بعض عند الشدائد وذب بعضهم عن بعض. ٢ - قيل في إهداء فروة بن نفاثة البغلة لرسول الله ﷺ وقبوله ﷺ الهدية قبول هدية الكافر قال النووي: فإن قيل: هذا مع الحديث الآخر "هدايا العمال غلول" ومع حديث ابن اللتبية عامل الصدقات وفي الحديث الآخر "أنه رد بعض هدايا المشركين وقال: إنا لا نقبل زبد المشركين" أي رفدهم فكيف يجمع بين هذه الأحاديث؟ قال القاضي: قال بعض العلماء: إن هذه الأحاديث ناسخة لقبول الهدية وقال الجمهور: لا نسخ بل سبب القبول أن النبي ﷺ مخصوص بالفيء الحاصل بلا قتال بخلاف غيره فقبل النبي ﷺ ممن طمع في إسلامه وتأليفه لمصلحة يرجوها للمسلمين وكافأ بعضهم ورد هدية من لم يطمع في إسلامه ولم يكن في قبولها مصلحة لأن الهدية توجب المحبة والمودة وأما غير النبي ﷺ من العمال والولاة فلا يحل له قبولها لنفسه عند جمهور العلماء فإن قبلها كانت فيئا للمسلمين فإنه لم يهدها إليه إلا لكونه إمامهم وإن كانت من قوم هو محاصرهم فهي غنيمة قال القاضي: وهذا قول الأوزاعي ومحمد بن الحسن وابن القاسم وابن حبيب وبعض أهل العلم وقال آخرون هي للإمام خالصة قاله أبو يوسف وأشهب وسحنون وقال الطبري: إنما رد النبي ﷺ من هدايا المشركين ما علم أنه أهدى

стр. 3945

له في خاصة نفسه وقبل ما كان خلاف ذلك مما فيه استئلاف المسلمين. قال: ولا يصح قول من ادعى النسخ قال: وحكم الأئمة إجراؤها مجرى مال الكفار من الفيء أو الغنيمة بحسب اختلاف الحال وهذا معنى "هدايا العمال غلول" أي إذا خصوا بها أنفسهم لأنها لجماعة المسلمين بحكم الفيء والغنيمة قال القاضي: وقيل: إنما قبل النبي ﷺ هدايا كفار أهل الكتاب ممن كان على النصرانية كالمقوقس وملوك الشام فلا معارضة بينه وبين قوله ﷺ " لا يقبل زبد المشركين" وقد أبيح لنا ذبائح أهل الكتاب ومناكحتهم بخلاف المشركين عبدة الأوثان. قال النووي: وقال أصحابنا: متى أخذ القاضي أو العامل هدية محرمة لزمه ردها إلى مهديها فإن لم يعرفه وجب عليه أن يجعلها في بيت المال. والله أعلم. ٣ - ومن ركوبه ﷺ البغلة إشارة إلى مزيد الثبات لأن ركوب الفرس مظنة الاستعداد للفرار والتولي قال النووي: فركوبه ﷺ البغلة -وهي أضعف من الفرس- في موطن الحرب وعند اشتداد الناس هو النهاية في الشجاعة والثبات وإذا كان رأس الجيش قد وطن نفسه على عدم الفرار وأخذ بأسباب ذلك كان ذلك أدعى لأتباعه على الثبات وإنما فعل النبي ﷺ ذلك عمدا وإلا فقد كانت له أفراس معروفة. ٤ - ومن ثباته ﷺ شجاعته في الحروب والشدائد ففي هذا الحديث أنه كان يركض بغلته نحو الكفار وقد فر الناس وأنه نزل إلى الأرض حين غشوه وهذه مبالغة في الثبات والشجاعة والصبر -وقيل: فعل ذلك مواساة لمن كان نازلا على الأرض من المسلمين وقد أخبر البراء في هذا الحديث أن الشجاع من الصحابة هو الذي يحاذي برسول الله ﷺ فلا أشجع منه وأنهم كانوا يتقون به ويحتمون فيه وأخبار الصحابة بشجاعته ﷺ كثيرة. ٥ - ومن موقفه هذا ﷺ جواز التعرض إلى الهلاك في سبيل الله ولا يقال: كان النبي ﷺ متيقنا للنصر لوعد الله تعالى له بذلك وهو حق لأن أبا سفيان بن الحارث قد ثبت معه آخذا بلجام بغلته وليس هو في اليقين مثل النبي ﷺ وقد استشهد في تلك الحالة أيمن ابن أم أيمن. ٦ - وفي الحديث معجزة الحصى. ٧ - وفي جواب البراء حسن الأدب في الخطاب والإرشاد إلى حسن السؤال بحسن الجواب. ٨ - وفيه ذم الإعجاب. ٩ - ومن قوله "أنا ابن عبد المطلب" جواز الانتساب إلى الآباء ولو ماتوا في الجاهلية والنهي عن ذلك محمول على ما هو خارج الحرب قال النووي: فإن قيل: كيف قال النبي ﷺ : أنا ابن عبد الطلب؟ فانتسب إلى جده دون أبيه وافتخر بذلك؟ مع أن الافتخار في حق أكثر الناس من عمل الجاهلية؟ فالجواب أنه ﷺ كانت شهرته بجده أكثر لأن أباه عبد الله توفي

стр. 3946

شابا في حياة أبيه عبد المطلب قبل اشتهار عبد الله وكان عبد المطلب مشهورا شهرة ظاهرة شائعة وكان سيد أهل مكة وكان كثير من الناس يدعون النبي ﷺ ابن عبد المطلب ينسبونه إلى جده لشهرته ومنه حديث ضمام بن ثعلبة في قوله "أيكم ابن عبد المطلب"؟ وقد كان مشتهرا عندهم أن عبد المطلب بشر بالنبي ﷺ وأنه سيظهر وسيكون شأنه عظيما فأراد النبي ﷺ تذكيرهم بذلك وتنبيههم بأنه ﷺ لا بد من ظهوره على الأعداء وأن العاقبة له لتقوى نفوسهم وأعلمهم أيضا بأنه ثابت ملازم للحرب لم يول مع من ولى وعرفهم موضعه ليرجع إليه الراجعون. اهـ. ١٠ - وجواز قول الإنسان في الحرب: أنا فلان وأنا ابن فلان ومنه قول سلمة بن الأكوع وقول علي ﵁: أنا الذي سمتني أمي حيدرة وأشباه ذلك قال النووي: وقد صرح بجوازه علماء السلف قالوا: وإنما يكره ذلك على وجه الافتخار كفعل الجاهلية. ١١ - وفيه جواز الرجز والشعر. ١٢ - والدعاء عند الحرب. ١٣ - ومن نفي البراء لهزيمة النبي ﷺ قال النووي: لم ينقل أحد قط أنه ﷺ انهزم في موطن من المواطن وقد نقلوا إجماع المسلمين على أنه لا يجوز أن يعتقد انهزامه ﷺ ولا يجوز ذلك عليه. ١٤ - وفيه شجاعة الصحابة وجهادهم في سبيل الله واستجابتهم لنداء الإسلام واعتزازهم بمواقفهم المشهورة. والله أعلم.

стр. 3947

(٤٨٩) باب غزوة الطائف ٤٠٥٩ - عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: حاصر رسول الله ﷺ أهل الطائف فلم ينل منهم شيئا فقال "إنا قافلون إن شاء الله" قال: أصحابه نرجع ولم نفتتحه؟ فقال لهم رسول الله ﷺ "اغدوا على القتال فغدوا عليه فأصابهم جراح" فقال لهم رسول الله ﷺ "إنا قافلون غدا" قال: فأعجبهم ذلك. فضحك رسول الله ﷺ . -[المعنى العام]- نصر الله رسوله ﷺ في غزوة حنين على هوازن وعجل له غنيمة كبيرة من هزيمتهم وكان معهم في حنين بنو نضر بقيادة مالك بن عوف النضري وهم من سكان أعمال الطائف فلما انهزموا في حنين فر مالك بن عوف وأتباعه نحو الطائف ولما كانت القيادة الحكيمة تقضي بتتبع فلول الجيش المنهزم قبل أن تتجمع أو تكيد رأى رسول الله ﷺ أن يلحق بأتباع مالك ويحاصر الطائف فلم يقسم غنائم حنين على المجاهدين بل جمعها في الجعرانة في طريق الطائف حتى يعود من غزوه وكان أهل الطائف قد حسبوا لهذا اليوم حسابا فجمعوا في حصونهم ما يكفيهم سنة وكانت حصونهم منيعة ذات أسوار عالية قوية لم يؤثر الحصار فيهم أو لم يرغمهم على الاستسلام بل كانوا في موقف المهاجم جيش المسلمين في العراء وهم في قلاع وطواب وشرفات يصيدون ولا يصادون وهم قوم رماة أهل قوة وشكيمة وحضارة كانوا يحمون قطعة الحديد في النار ويقذفونها على جند المسلمين وكانت نبالهم تصيد المسلمين من أعلاهم ولا تصل نبال المسلمين إليهم. فلما يئس رسول الله ﷺ من هزيمتهم واعتبر حصارهم درسا كافيا وهو يرجو أن يسلموا طلب من أصحابه العودة فعز عليهم أن يحاصروا هذه المدة ثم يعودوا دون فتح فأبدوا الأسى والأسف للعودة وقالوا: يعز علينا أن نرجع دون أن نفتح ونحن في عزة وقوة ونشوة انتصار على هوازن. فقال لهم ﷺ : إذن استمروا في القتال وفي الصباح بدءوا مناوشة أهل الطائف فأصابهم أهل الطائف بما آلمهم وأوجعهم فأعاد عليهم ﷺ طلب الرجوع فرضوا به وسروا فتبسم ﷺ لاقتناعهم بإشارته بعد أن جربوا غيرها تجربة مريرة. -[المباحث العربية]- (عن عبد الله بن عمرو) قال النووي: هكذا هو في نسخ صحيح مسلم "عن عبد الله بن عمرو"

стр. 3948

بفتح العين وهو ابن عمرو بن العاص قال القاضي: كذا هو في رواية الجلودي وأكثر أهل الأصول عن ابن ماهان قال: وقال القاضي الشهيد أبو علي: صوابه "ابن عمر بن الخطاب" كذا ذكره البخاري وكذا صوبه الدارقطني وذكر ابن أبي شيبة الحديث في مسنده عن سفيان فقال: عبد الله بن عمرو ابن العاص ثم قال: إن ابن عقبة حدث به مرة أخرى عن عبد الله بن عمر هذا ما ذكره القاضي عياض وقد ذكر خلف الواسطي هذا الحديث في كتاب الأطراف في مسند ابن عمر ثم في مسند ابن عمرو وأضافه في الموضعين إلى البخاري ومسلم جميعا وأنكروا هذا على خلف وذكره أبو مسعود الدمشقي في الأطراف عن ابن عمر بن الخطاب وأسنده إلى البخاري ومسلم: وذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند ابن عمر ثم قال: هكذا أخرجه البخاري ومسلم في كتب الأدب عن قتيبة وأخرجه هو ومسلم جميعا في المغازي عن ابن عمرو بن العاص قال: والحديث من حديث ابن عيينة وقد اختلف فيه عليه فمنهم من رواه عنه هكذا ومنهم من رواه بالشك قال الحميدي: قال أبو بكر البرقاني: الأصح ابن عمر بن الخطاب قال: وكذا أخرجه ابن مسعود في مسند ابن عمر بن الخطاب قال الحميدي: وليس لأبي العباس هذا في مسند ابن عمر بن الخطاب غير هذا الحديث المختلف فيه وقد ذكره النسائي في سننه في كتاب السير عن ابن عمرو بن العاص فقط. (حاصر رسول الله ﷺ أهل الطائف) الطائف بلد كبير مشهور كثير الأعناب والنخيل على ثلاث مراحل أو اثنتين من مكة من جهة المشرق. سار النبي ﷺ إليهم بعد منصرفه من حنين وحبس الغنائم بالجعرانة وكان مالك بن عوف النضري قائد هوازن لما انهزم دخل الطائف وكان له حصن قبل الطائف على أميال منها فمر به النبي ﷺ وهو سائر إلى الطائف فأمر بهدمه. قال أهل المغازي: وصل رسول الله ﷺ إلى الطائف في شوال سنة ثمان وقيل: بل وصل إليها في أول ذي القعدة. واستمر الحصار مدة قيل: أربعين يوما وقيل: عشرين يوما وقيل: بضع عشرة ليلة. (فلم ينل منهم شيئا) أي فلم يفتحه ولم يهزم أهله لأنهم كانوا قد أعدوا في حصونهم ما يكفيهم لحصار سنة وكانوا يرمون على المسلمين من الأسوار قطع الحديد المحماة ورموهم بالنبل فأصابوا قوما ولما أوذي المسلمون منهم قالوا: يا رسول الله أحرقتنا نبال ثقيف فادع الله عليهم فقال: اللهم اهد ثقيفا واستشار نوفل بن معاوية الديلي في شأنهم فقال: هم ثعلب في جحر إن أقمت عليه أخذته وإن تركته لم يضرك. (فقال: إنا قافلون إن شاء الله) أي راجعون إلى الجعرانة غدا إن شاء الله. (قال أصحابه: نرجع ولم نفتتحه؟ ) في رواية البخاري "فثقل عليهم وقالوا: نذهب ولا نفتحه"؟ أي لما أخبرهم بالرجوع بغير فتح لم يعجبهم.

стр. 3949

(فقال لهم رسول الله ﷺ اغدوا على القتال) أي فلما رأى أنهم لم يعجبهم الرأي أمرهم بالقتال أي اذهبوا غدوة للقتال والغدوة والغداة ما بين الفجر وطلوع الشمس وقد يراد بالأمر "اغدوا" أي اذهبوا وانطلقوا بقطع النظر عن زمانه. (فغدوا عليه) أي استمروا على الحصار مع المناوشة بالنبال فكانت سهامهم لا تصل إلى من على السور وكانوا تحت سهام ثقيف. (فأصابهم جراح) التنكير للتكثير أي جراح كثيرة شديدة. (فضحك رسول الله ﷺ لأنه لما أعاد عليهم القول بالرجوع أعجبهم حينئذ فقد تبين لهم تصويب القول الأول والإعلان عن الرجوع وفي رواية "فتبسم ﷺ ". -[فقه الحديث]- -[يؤخذ من الحديث]- ١ - أن النبي ﷺ كان قائدا حكيما. ٢ - وأنه كان رحيما بأصحابه عزيزا عليه عنتهم وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ [التوبة: ١٢٨]. ٣ - ترك المخالف للرأي الحكيم حتى يلمس بنفسه صحته ولو كانت النتيجة الكي. ٤ - نتيجة مخالفة إشارة رسول الله ﷺ . ٥ - التبسم عند الإعجاب وبيان صحة الرأي لتنبيه المخالف إلى ما كان ينبغي لا شماتة فيه وفيما أصابه.

стр. 3950

(٤٩٠) باب غزوة بدر ٤٠٦٠ - عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان قال: فتكلم أبو بكر فأعرض عنه ثم تكلم عمر فأعرض عنه فقام سعد بن عبادة فقال: إيانا تريد يا رسول الله والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا. قال: فندب رسول الله ﷺ الناس فانطلقوا حتى نزلوا بدرا ووردت عليهم روايا قريش وفيهم غلام أسود لبني الحجاج فأخذوه فكان أصحاب رسول الله ﷺ يسألونه عن أبي سفيان وأصحابه فيقول ما لي علم بأبي سفيان ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف فإذا قال ذلك ضربوه فقال: نعم أنا أخبركم هذا أبو سفيان فإذا تركوه فسألوه فقال ما لي بأبي سفيان علم ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف في الناس. فإذا قال هذا أيضا ضربوه ورسول الله ﷺ قائم يصلي فلما رأى ذلك انصرف قال "والذي نفسي بيده لتضربوه إذا صدقكم وتتركوه إذا كذبكم" قال: فقال رسول الله ﷺ "هذا مصرع فلان" قال: ويضع يده على الأرض هاهنا هاهنا قال: فما ماط أحدهم عن موضع يد رسول الله ﷺ . -[المعنى العام]- أوذي المسلمون بمكة على أيدي جبابرة قريش إيذاء لا يحتمله بشر فهاجر بعضهم إلى الحبشة مرتين ثم هاجروا إلى المدينة فرارا بدينهم وكان من يخرج منهم يترك وطنه وبيته وأملاكه وأمواله ويخرج سرا أو بحجة التجارة أو الزيارة بل كان صناديد قريش يشترطون على من يأذنوا له بالهجرة أن يتنازل عن ممتلكاته وما معه من مال فيخرج بالثياب التي على جسده حتى وصفهم الله في مهجرهم بالفقراء وجعلهم من مستحقي الصدقة وإن كانوا قبل ذلك بمكة من الأغنياء فقال تعالى ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب* للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون﴾ [الحشر: ٧ وما بعدها]. ماذا يحق شرعا وقانونا وعقلا لهؤلاء الذين اغتصبت أموالهم إذا قويت شوكتهم؟ واستطاعوا أن يستردوا شيئا من أموالهم المنهوبة من أيدي من نهبوهم؟ هذا ما كان منهم كانت قريش تجارا

стр. 3951

يرتحلون في تجارتهم إلى الشام فيمرون بقرب المدينة فعلم المسلمون بالمدينة أن أبا سفيان في ثلاثين رجلا من قريش يقودون قافلة تجارية من مكة إلى الشام فخرجوا ليتعرضوا لها في غزوة عرفت بغزوة العشيرة ولم يكن النبي ﷺ معهم ففاتتهم فترقبوا رجوعها وأوحى الله إلى نبيه أن يخرج إلى هذه القافلة ووعده أن يغنم إحدى الطائفتين إما عير هذه القافلة وأموالها وإما غنيمة أموال قريش الذين يخرجون لحربه فاستنفر النبي ﷺ أصحابه فخرجوا في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا نيفا على الستين رجلا من المهاجرين ونيفا وأربعين ومائتين من الأنصار حتى وصلوا ماء يعرف ببدر قريب من طريق القافلة وترصدوها كان أبو سفيان قائد القافلة يتجسس الأخبار ويتوقع من النبي ﷺ ومن المسلمين أن يتعرضوا له وبلغه أن النبي ﷺ استنفر أصحابه يقصد القافلة فأرسل رجلا من قافلته يدعى ضمضما إلى قريش بمكة يحرضهم على المجيء لحفظ أموالهم ويحذرهم المسلمين فاستنفرهم ضمضم فخرجوا في ألف راكب مسلح ومعهم مائة فرس واشتد حذر أبي سفيان فغير الطريق المعتاد المرتقب وأخذ طريق الساحل وأسرع في السير حتى فات موقع المسلمين فلما أمن أرسل من يلقى قريشا يأمرهم بالرجوع لكن أبا جهل زعيم المستنفرين أقسم أن لا يرجع مكة حتى يلقن المسلمين درسا ويحتل الماء الذي ينزلون عنده ويشرب بنفسه من ماء بدر. ووصلت عيون المسلمين بأخبار المشركين وبعددهم وعددهم فقال النبي ﷺ لأصحابه: أشيروا علي أيها الناس إن الله وعدني إحدى الطائفتين غنيمة العير أو غنيمة الحرب وقد أفلتت العير واستعدت قريش للحرب وهاهم على مرمى جيشنا فهل ننسحب ونرجع؟ أو نثبت ونقاتل؟ وأجابه أبو بكر فأحسن الجواب. امض يا رسول الله إلى ما أمرك الله فنحن معك عن يمينك وشمالك وبين يديك ومن خلفك أرواحنا ملك لله ورسوله فلم يعقب رسول الله ﷺ على كلام أبي يكر فهو لم يكن يقصده بالسؤال وصرف بصره عنه إلى جهة أخرى وتكلم عمر فأحسن بمثل كلام أبي بكر فلم يعقب رسول الله ﷺ على كلامه فهو لم يكن يقصد المهاجرين أصلا وصرف بصره ناحية زعماء الأنصار إنه لم يكن بايعهم على أن يخرجوا معه للقتال وطلب العدو وإنما بايعهم على أن يمنعوه ممن يقصده فما موقفهم من طلبه العدو؟ وقتالهم له؟ وفهم الأنصار قصده فقال زعيمهم سعد بن معاذ: كأنك تريدنا يا رسول الله؟ امض يا رسول الله لما أمرت به فنحن معك فوالله لئن أمرتنا أن نخوض بخيلنا هذا البحر لخضناه معك ما تخلف منا أحد ولو أمرتنا أن نضرب أكباد خيولنا إلى أبعد مكان تقصده لفعلنا ما تخلف منا أحد ولا نكون كالذين قالوا لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ولكنا نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ولعلك -يا رسول الله- خرجت لأمر فأحدث الله غيره فامض لما شئت وصل حبال من شئت واقطع حبال من شئت وسالم من شئت وعاد من شئت وخذ من أموالنا ما شئت فسر النبي ﷺ وتكلم المقداد بن الأسود بمثل ذلك فأشرق وجهه ﷺ وقرر القتال وصف الصفوف إنه يعلم أن أصحابه كانوا يتمنون العير غير ذي الشوكة ولكن يريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ولقد صف المشركون صفوفهم وخيلهم في مواجهة المسلمين وأخذ أبو جهل يصول ويجول ويتبختر بين

стр. 3952

صفوفهم وطلب المشركون المبارزة وخرج من بين صفوفهم عتبة ابن ربيعة ينادي من يبارزني من المسلمين؟ وتبعه ابنه الوليد ينادي نفس النداء وتبعه أخوه شيبة بن ربيعة ينادي كذلك فبرزلهم ثلاثة من شباب الأنصار فقال لهم عتبة: لا حاجة لنا فيكم إنما أردنا بني عمنا فقال رسول الله ﷺ : قم يا حمزة قم يا علي قم يا عبيدة فأقبل حمزة إلى عتبة فقتله وأقبل علي إلى شيبة فقتله وتبادل عبيدة والوليد الضربات فأثخن كل منهما الآخر فمال حمزة وعلى على الوليد فقتلاه واحتملا عبيدة وتلاحمت الصفوف وحمى الوطيس والقوتان غير متكافئتين ولكن نصر الله نزل من السماء فأنزل الله ماء قليلا على المسلمين لينشطهم ويثبت به أقدامهم على الرمال وأنزل ملائكة مددا إجابة لاستغاثة رسول الله ﷺ لربه إذ رفع يديه إلى السماء ينادي: اللهم نصرك الذي وعدتني اللهم إني أنشدك ما وعدتني اللهم إن شئت لم تعبد في الأرض حتى وقع رداؤه ﷺ عن كتفيه فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه فقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك ولم يكن أبو بكر بذلك أوثق بربه من النبي ﷺ بل الحامل على هذه المناشدة الحامية شفقته ﷺ على أصحابه فاستقرت نفسه ﷺ لما رأى من نزول الملائكة وقال: سيهزم الجمع ويولون الدبر وانهزم المشركون وفروا تاركين وراءهم سبعين من القتلى وسبعين من الرجال الأسرى وغنم المسلمون الإبل والشاة والأموال وكان على رأس القتلى أبو جهل زعيم العصابة المشركة. وأنزل الله تعالى ﴿ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون* إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين* بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين* وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحيكم* ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين﴾ [آل عمران: ١٢٣ - ١٢٧] وأنزل ﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين* ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون* إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين* وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم* إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام* إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان* ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب* ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار* يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار* ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير* فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم﴾ [الأنفال: ٧ - ١٧].

стр. 3953

-[المباحث العربية]- (بدر) قرية مشهورة بقرب ينبع والصفراء والجار والجحفة وهو موسم من مواسم العرب ومجمع من مجامعهم في الجاهلية وبها آبار ومياه على نحو خمسمائة ميل من المدينة قيل: سميت باسم بدر بن الحارث وقيل: باسم بئر بها لصفائه واستدارته. (أن رسول الله ﷺ شاور) مفعوله محذوف أي شاور أصحابه أبا بكر وعمر وغيرهما أو نزل منزلة اللازم فلم يقصد له مفعول أي حدثت منه المشاورة كأن قال: ماذا نفعل أيها الناس؟ وهذا هو الظاهر. (فتكلم أبو بكر) وأبدى رأيه في الموقف يقاتلون؟ أو يرجعون؟ وعند ابن إسحق أن هذه المشاورة كانت بعد أن وصل النبي ﷺ الصفراء وبلغه أن قريشا قصدت بدرا وأن أبا سفيان نجا بمن معه فاستشار الناس فقام أبو بكر فقال فأحسن ثم قام عمر كذلك. (فأعرض عنه) أي لم يعلق على كلامه لأنه لم يكن يقصده بل كان يقصد الأنصار. (فقام سعد بن عبادة) كذا في مسلم "سعد بن عبادة" وكذا عند ابن أبي شيبة قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر لأن سعد بن عبادة لم يشهد بدرا وإن كان يعد فيهم لكونه ممن ضرب له بسهمه والمحفوظ أن هذا الكلام لسعد بن معاذ كذا ذكره موسى بن عقبة وغيره من كتاب السير وزادوا "فقال رسول الله ﷺ : أشيروا علي فعرفوا أنه يريد الأنصار لأنه لم يكن بايعهم على أن يخرجوا معه للقتال وطلب العدو وإنما بايعهم على أن يمنعوه ممن يقصده فكان يتخوف أن لا يوافقوه على القتال فقال له سعد بن معاذ: امض يا رسول الله لما أمرت به فنحن معك لئن سرت حتى تأتي برك الغماد من ذي يمن لنسيرن معك ولا نكون كالذين قالوا لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ولكنا نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ولعلك -يا رسول الله- خرجت لأمر فأحدث الله غيره فامض لما شئت وصل حبال من شئت واقطع حبال من شئت وسالم من شئت وعاد من شئت وخذ من أموالنا ما شئت" والمحفوظ أيضا أن المقداد بن الأسود قال هذا القول فقد روى البخاري عن ابن مسعود ﵁ قال: شهدت من المقداد بن الأسود مشهدا -لأن أكون صاحبه أحب إلي مما عدل به أتى النبي ﷺ وهو يدعو على المشركين فقال: لا نقول كما قال قوم موسى: اذهب أنت وربك فقاتلا ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك فرأيت النبي ﷺ أشرق وجهه وسره" قال الحافظ ابن حجر: ويمكن الجمع بأن النبي ﷺ استشارهم في غزوة بدر مرتين الأولى وهو بالمدينة أول ما بلغه خبر العير مع أبي سفيان وذلك بين في رواية مسلم ولفظه "أن النبي ﷺ شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان" والثانية كانت بعد أن خرج ووقع عند الطبراني أن سعد بن عبادة قال ذلك بالحديبية وهذا أولى بالصواب. اهـ. (فقال: إيانا [معشر الأنصار] تريد يا رسول الله؟ ) وعلم من أسارير رسول الله ﷺ أن نعم فقال:

стр. 3954

(والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها) "نخيضها" بضم النون وكسر الخاء يعني الخيل يعني نجعلها تخوض البحر وتخترقه لجعلناها كذلك. (ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا) قال النووي: أما "برك" فهو بفتح الباء وسكون الراء هذا هو المعروف المشهور في كتب الحديث وروايات المحدثين قال القاضي عياض: قال بعض أهل اللغة: صوابه كسر الراء قال النووي: وذكره جماعة من أهل اللغة بالكسر لا غير واتفق الجميع على أن الراء ساكنة إلا ما حكى القاضي عن الأصيلي أنه ضبطه بإسكانها وفتحها وهذا غريب ضعيف. وأما "الغماد" فبكسر الغين وضمها لغتان مشهورتان لكن الكسر أفصح وهو المشهور في روايات المحدثين والضم هو المشهور في كتب اللغة وهو موضع من وراء مكة بخمس ليال بناحية الساحل وقيل: بلدتان وقيل: موضع بأقاصي هجر وقيل: برك الغماد وسعفات هجر كناية تقال فيما تباعد أي من غير قصد حقيقة الأمكنة. (فندب رسول الله ﷺ الناس فانطلقوا حتى نزلوا بدرا) أي دعاهم إلى الخروج للقاء العير وهذا ظاهر في أن المشاورة كانت بالمدينة. (ووردت عليهم روايا قريش) الروايا من الإبل الحوامل للماء واحدتها راوية فالمراد مرت بهم إبل قريش التي يستقون عليها وتروي القوم والمراد الروايا ورعاتها. (وفيهم غلام أسود) أي وفي رعاتها ومرافقيها غلام أسود. (ما لي علم بأبي سفيان) هذه حقيقة الغلام فهو لا يعلم عن أبي سفيان وقافلته شيئا وإنما هو مع قريش الذين خرجوا من مكة ونزلوا بدرا لحرب رسول الله ﷺ . (ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف في الناس) أي هؤلاء الذين أعرفهم وهم الذين أستقي لهم في طائفة كبيرة من قريش إن أبا سفيان أرسل إلى قريش: أن أدركوا أموالكم مع أبي سفيان فقد عرض لها محمد فاستنفر أبو جهل الناس وغير أبو سفيان الطريق فنجا بالعير لكن أبا جهل وعصابته أبوا إلا أن يواجهوا محمدا في بدر. (فلما رأى ذلك انصرف) عن الصلاة بالتسليم بعد أن أكملها مخففة. (لتضربوه إذا صدقكم وتتركوه إذا كذبكم) قال النووي: هكذا وقع في النسخ "تضربوه" و"تتركوه" بغير نون [وكان الأصل أن يقول: تضربونه وتتركونه] وهي لغة تحذف النون بغير نصب ولا جزم. (فقال رسول الله ﷺ : هذا مصرع فلان قال: ويضع يده على الأرض ههنا) أي فكان ﷺ يشير بيده إلى أماكن مصارع زعماء قريش فيما صار ميدان المعركة وممن

стр. 3955

ذكرهم: عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة وأمية بن خلف وأبو جهل بن هشام وكان يدعو عليهم بمكة. (فما ماط أحدهم عن موضع يد رسول الله ﷺ أي فما بعد مصرع أحدهم عن موضع إشارة يده ﷺ يقال: ماط عني ميطا وميطانا وأماط أي تنحى وبعد وذهب ومنه إماطة الأذى عن الطريق أي تنحيته. -[فقه الحديث]- ذكر البخاري تحت غزوة بدر مجموعة من الأحاديث منها: تحت باب ذكر النبي ﷺ من يقتل ببدر "عن سعد بن معاذ أنه قال: كان صديقا لأمية بن خلف وكان أمية إذا مر بالمدينة نزل على سعد وكان سعد إذا مر بمكة نزل على أمية فلما قدم رسول الله ﷺ انطلق سعد معتمرا فنزل على أمية بمكة فقال لأمية: انظر لي ساعة خلوة لعلي أن أطوف البيت فخرج به قريبا من نصف النهار فلقيهما أبو جهل فقال: يا أبا صفوان من هذا معك؟ فقال: هذا سعد. فقال له أبو جهل: ألا أراك تطوف بمكة آمنا وقد آويتم الصباة [جمع صابي وهو الذي ينتقل من دين إلى دين] وزعمتم أنكم تنصرونهم وتعينونهم؟ أما والله لولا أنك مع أبي صفوان ما رجعت إلى أهلك سالما فقال له سعد -ورفع صوته عليه- أما والله لئن منعتني هذا لأمنعنك ما هو أشد عليك منه طريقك على المدينة [أي ما يقاربها ويحاذيها في طريق الشام] فقال له أمية: لا ترفع صوتك يا سعد على أبي الحكم سيد أهل الوادي فقال سعد: دعنا عنك يا أمية فوالله لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنهم قاتلوك قال: بمكة؟ قال: لا أدري ففزع لذلك أمية فزعا شديدا فلما رجع أمية إلى أهله قال: يا أم صفوان ألم ترى ما قال لي سعد؟ قالت: وماذا قال لك؟ قال: زعم أن محمدا أخبرهم أنهم قاتلي فقلت له: بمكة؟ قال: لا أدري فقال أمية: والله لا أخرج من مكة فلما كان يوم بدر استنفر أبو جهل الناس قال: أدركوا عيركم فكره أمية أن يخرج فأتاه أبو جهل فقال: يا أبا صفوان إنك متى يراك الناس قد تخلفت وأنت سيد أهل الوادي تخلفوا معك فلم يزل به أبو جهل حتى قال: أما إذ غلبتني فوالله لأشترين أجود بعير بمكة ثم قال أمية: يا أم صفوان جهزيني فقالت له: يا أبا صفوان وقد نسيت ما قال لك أخوك اليثربي؟ قال: ما أريد أن أجوز معهم إلا قريبا فلم يزل حتى قتله الله ببدر". قيل: قتله ابن إساف وقيل: قتله رجل من بني مازن من الأنصار وقال ابن هشام: اشترك في قتله معاذ ابن عفراء وخارجة بن زيد وخبيب وذكر الحاكم أن رفاعة بن رافع طعنه بالسيف ويقال: قتله بلال وأما ابنه علي بن أمية فقتله عمار. وذكر البخاري هنا أيضا حديث قتل أبي جهل وسيذكره مسلم بعد ستة أبواب وسبق حديث ابني عفراء بخصوصه في باب استحقاق القاتل سلب القتيل قبل خمسة عشر بابا".

стр. 3956

وذكر حديث شهود الملائكة بدرا وقد ذكره مسلم قبل عشرة أبواب. وذكر حديث أبي طلحة "أن نبي الله ﷺ أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش فقذفوا في طوي من أطواء بدر [أي في بئر مهمل] خبيث مخبث وبعد ثلاث قام يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: يا فلان ابن فلان ويا فلان ابن فلان أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا؟ فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فقال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها؟ فقال رسول الله ﷺ : والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم". وذكر أحاديث في فضل من شهد بدرا وأحاديث للبدريين وأخيرا ذكر أسماء البدريين مرتبة على حروف المعجم فمن أراد البسط فليراجع. -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - استشارة الأصحاب وأهل الرأي والخبرة. ٢ - ومن انصرافه من الصلاة قال النووي: فيه استحباب تخفيف الصلاة إذا عرض أمر في أثنائها. ٣ - ومن ضرب الغلام جواز ضرب الكافر الذي لا عهد له وإن كان أسيرا قاله النووي: والأظهر أن فيه جواز الضرب لإظهار الحقيقة إذا ظن إخفاؤها هذا على أساس أن النبي ﷺ أقر ذلك. ٤ - وفي الحديث معجزتان من أعلام النبوة إحداهما إخباره ﷺ بمصرع جبابرتهم فلم يتعد أحد مصرعه الثانية إخباره ﷺ بأن الغلام الذي كانوا يضربونه يصدق إذا تركوه ويكذب إذا ضربوه وكان كذلك في نفس الأمر. ٥ - فيه منقبة عظيمة لسعد بن عبادة وجهاده لرفعة راية الإسلام. ٦ - ما كان عليه ﷺ من شغل أوقاته بالصلاة النافلة حتى في وقت الشدة. والله أعلم.

стр. 3957

(٤٩١) باب فتح مكة ٤٠٦١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: وفدت وفود إلى معاوية وذلك في رمضان. فكان يصنع بعضنا لبعض الطعام فكان أبو هريرة مما يكثر أن يدعونا إلى رحله فقلت: ألا أصنع طعاما فأدعوهم إلى رحلي. فأمرت بطعام يصنع. ثم لقيت أبا هريرة من العشي فقلت الدعوة عندي الليلة فقال: سبقتني؟ قلت: نعم فدعوتهم فقال أبو هريرة: ألا أعلمكم بحديث من حديثكم يا معشر الأنصار ثم ذكر فتح مكة فقال: أقبل رسول الله ﷺ حتى قدم مكة فبعث الزبير على إحدى المجنبتين وبعث خالدا على المجنبة الأخرى وبعث أبا عبيدة على الحسر فأخذوا بطن الوادي ورسول الله ﷺ في كتيبة. قال: فنظر فرآني فقال "أبو هريرة" قلت: لبيك يا رسول الله فقال "لا يأتيني إلا أنصاري" زاد غير شيبان فقال "اهتف لي بالأنصار" قال: فأطافوا به ووبشت قريش أوباشا لها وأتباعا فقالوا نقدم هؤلاء فإن كان لهم شيء كنا معهم وإن أصيبوا أعطينا الذي سئلنا فقال رسول الله ﷺ "ترون إلى أوباش قريش وأتباعهم" ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى ثم قال: "حتى توافوني بالصفا" قال فانطلقنا فما شاء أحد منا أن يقتل أحدا إلا قتله وما أحد منهم يوجه إلينا شيئا قال: فجاء أبو سفيان فقال يا رسول الله أبيحت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم ثم قال "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" فقالت الأنصار بعضهم لبعض: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته قال أبو هريرة وجاء الوحي وكان إذا جاء الوحي لا يخفى علينا فإذا جاء فليس أحد يرفع طرفه إلى رسول الله ﷺ حتى ينقضي الوحي فلما انقضى الوحي قال رسول الله ﷺ "يا معشر الأنصار" قالوا: لبيك يا رسول الله قال "قلتم أما الرجل فأدركته رغبة في قريته" قالوا: قد كان ذاك قال "كلا إني عبد الله ورسوله هاجرت إلى الله وإليكم والمحيا محياكم والممات مماتكم" فأقبلوا إليه يبكون ويقولون والله ما قلنا الذي قلنا إلى الضن بالله وبرسوله فقال رسول الله ﷺ "إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم" قال: فأقبل الناس إلى دار أبي سفيان وأغلق الناس أبوابهم قال: وأقبل رسول الله ﷺ حتى أقبل إلى الحجر

стр. 3958

فاستلمه ثم طاف بالبيت قال: فأتى على صنم إلى جنب البيت كانوا يعبدونه قال: وفي يد رسول الله ﷺ قوس وهو آخذ بسية القوس فلما أتى على الصنم جعل يطعنه في عينه ويقول: ﴿جاء الحق وزهق الباطل﴾ فلما فرغ من طوافه أتى الصفا فعلا عليه حتى نظر إلى البيت ورفع يديه فجعل يحمد الله ويدعو بما شاء أن يدعو. ٤٠٦٢ - وفي رواية عن سليمان بن المغيرة بهذا الإسناد: وزاد في الحديث: ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى "احصدوهم حصدا" وقال في الحديث: قالوا: قلنا ذاك يا رسول الله قال "فما اسمي إذا؟ كلا إني عبد الله ورسوله". ٤٠٦٣ - عن عبد الله بن رباح قال: وفدنا إلى معاوية بن أبي سفيان وفينا أبو هريرة فكان كل رجل منا يصنع طعاما يوما لأصحابه فكانت نوبتي فقلت: يا أبا هريرة اليوم نوبتي فجاءوا إلى المنزل ولم يدرك طعامنا فقلت: يا أبا هريرة لو حدثتنا عن رسول الله ﷺ حتى يدرك طعامنا فقال كنا مع رسول الله ﷺ يوم الفتح فجعل خالد بن الوليد على المجنبة اليمني وجعل الزبير على المجنبة اليسرى وجعل أبا عبيدة على البياذقة وبطن الوادي فقال "يا أبا هريرة ادع لي الأنصار" فدعوتهم فجاءوا يهرولون. فقال "يا معشر الأنصار هل ترون أوباش قريش" قالوا: نعم قال "انظروا إذا لقيتموهم غدا أن تحصدوهم حصدا" وأخفى بيده ووضع يمينه على شماله وقال "موعدكم الصفا" قال: فما أشرف يومئذ لهم أحد إلا أناموه قال: وصعد رسول الله ﷺ الصفا وجاءت الأنصار فأطافوا بالصفا فجاء أبو سفيان فقال يا رسول الله أبيدت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم قال أبو سفيان: قال رسول الله ﷺ "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن ألقى السلاح فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن" فقالت الأنصار: أما الرجل فقد أخذته رأفة بعشيرته ورغبة في قريته ونزل الوحي على رسول الله ﷺ قال "قلتم أما الرجل فقد أخذته رأفة بعشيرته ورغبة في قريته ألا فما اسمي إذا ثلاث مرات أنا محمد عبد الله ورسوله هاجرت إلى الله وإليكم فالمحيا محياكم والممات مماتكم" قالوا: والله ما قلنا إلا ضنا بالله ورسوله قال "فإن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم".

стр. 3959

٤٠٦٤ - عن عبد الله ﵁ قال: دخل النبي ﷺ مكة وحول الكعبة ثلاث مائة وستون نصبا فجعل يطعنها بعود كان بيده ويقول ﴿جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا﴾ [الإسراء: ٨١] ﴿جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد﴾ [سبأ: ٤٩]. زاد ابن أبي عمر يوم الفتح. ٤٠٦٥ - -/- وفي رواية عن ابن أبي نجيح بهذا الإسناد إلى قوله (زهوقا) ولم يذكر الآية الأخرى وقال بدل "نصبا" "صنما". ٤٠٦٦ - عن عبد الله بن مطيع عن أبيه ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول "يوم فتح مكة لا يقتل قرشي صبرا بعد هذا اليوم إلى يوم القيامة". ٤٠٦٧ - وفي رواية عن زكرياء بهذا الإسناد وزاد قال: ولم يكن أسلم أحد من عصاة قريش غير مطيع كان اسمه العاصي فسماه رسول الله ﷺ مطيعا. -[المعنى العام]- في ذي القعدة سنة ست من الهجرة خرج رسول الله ﷺ من المدينة قاصدا العمرة فصدهم المشركون عن الوصول إلى البيت عند الحديبية ووقع بينهم الصلح المشهور وفيه أن يرجع من عامه هذا على أن يدخل مكة في العام المقبل وفيه [من أحب أن يدخل في عقد رسول الله ﷺ وعهده فليدخل ومن أحب أن يدخل في عقد قريش فليدخل] فدخلت بنو بكر بن عبد مناة في عهد قريش ودخلت خزاعة في عهد الرسول ﷺ وكان بين بكر وخزاعة حروب وقتلى في الجاهلية فلما كانت الهدنة خرج نوفل بن معاوية من بني بكر حتى بيت خزاعة على ماء لهم يقال له الوثير فأصاب منهم رجلا يقال له منبه واستيقظت لهم خزاعة فاقتتلوا إلى أن دخلوا الحرم ولم يتركوا القتال وأمدت قريش بني بكر بالسلاح والطعام وقاتل بعضهم معهم ليلا في خفية وانتصرت بنو بكر على خزاعة فجاء وفد خزاعة يستنصر بالمسلمين وبرسول الله ﷺ فكتب رسول الله ﷺ إلى قريش أنهم نقضوا العهد وخيرهم بين ثلاث أن يودوا قتيل خزاعة وبين أن يبرءوا من حلف بكر وبين أن ينبذ إليهم على السواء فقالوا: لا نودي ولا نبرأ ولكننا ننبذ إليه سواء فخرج إليهم رسول الله ﷺ في عشرة آلاف من أصحابه على رأس ثمان سنين ونصف السنة من الهجرة على الأصح ولما علم بذلك أبو

стр. 3960

سفيان زعيم قريش وتأكد أن قريشا لا قبل لها بالمسلمين خرج إلى رسول الله ﷺ عند مر الظهران يطلب منه الأمان لقريش وأسلم فقال رسول الله ﷺ : من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن ومن أغلق عليه داره فهو آمن ودخلت القوات المسلمة مكة خالد بن الوليد على الميمنة والزبير بن العوام على الميسرة وأبو عبيدة بن الجراح على الساقة ونهاهم رسول الله ﷺ عن القتال وكانت قريش قد جمعت من حولها جموعا من أوباش القبائل وغوغائهم واستعدت لحرب المسلمين فلما وقع الأمان لأبي سفيان لم يلتزم به الغوغائيون وتعرضوا لقتال المسلمين ودخل الناس دورهم ودار أبي سفيان فأشار النبي ﷺ للأنصار: أن احصدوهم حصدا فحصدوا منهم أربعة وعشرين رجل وفر الباقون وأوقف رسول الله ﷺ إراقة الدماء بعد أن شكى إليه أبو سفيان وقال له أبيدت قريش وأعلن الأمان لقريش أمانا على الأرواح وأمانا على الممتلكات لا أسرى ولا غنائم ولا قتل وهذا أسلوب لم يعهده الأنصار في حروبهم السابقة فقال بعضهم لبعض: إن النبي ﷺ يحكم بشريته أخذته الرقة والرأفة بأهله فاتخذ هذا القرار ونخشى أن تأخذه عاطفة الوطن وحبه لمكة أن يقيم بها وينصرف عنا وعن ديارنا وأوحي إلى النبي ﷺ بما قالوا فدعاهم فسألهم فأقروا واعتذروا بأن هذا الكلام صدر منهم لشدة حرصهم عليه وعلى جواره فصدقهم وقبل عذرهم وطمأنهم بأنه عبد الله ورسوله لا يصدر إلا عن الوحي ولا ينفذ إلا ما أمره الله به وقد أمره ربه أن تكون حياته بالمدينة مع الأنصار فلا يفسد هجرته وأن يكون مماته بالمدينة بين الأنصار ففرحوا بهذا النبأ وبكوا لشدة فرحتهم بحيازتهم لرسول الله ﷺ . ثم أخذ رسول الله ﷺ طريقه إلى المسجد الحرام وإلى الكعبة والمسلمون من حوله فدخل المسجد واتجه نحو الحجر الأسود فاستلمه وطاف حول الكعبة وحطم الأصنام التي كانت في المسجد وعددها ثلاثمائة وستون صنما حطم بعضها بقوس كان في يده وهو يقول: جاء الحق وزهق الباطل ﴿إن الباطل كان زهوقا﴾ وأمر بتحطيم باقيها ثم عاد حاجب الكعبة وأمين مفتاحها عثمان بن طلحة فأخذ منه المفتاح ففتحها ودخلها وصلى بداخلها ومكث فيها ما شاء الله ثم أعاد المفتاح إلى عثمان بن طلحة وقال: "خذها -أي المفاتيح- خالدة مخلدة إني لم أدفعها إليكم ولكن الله دفعها إليكم ولا ينزعها منكم إلا ظالم فظلوا خزنة الكعبة وحافظي مفتاحها هم وورثتهم حتى اليوم. فلما فرغ ﷺ من طوافه أتى الصفا فارتقى ربوته ونظر إلى الكعبة وأخذ يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله ويدعوه بما شاء من الدعاء. ثم أعلن ﷺ قرار ربه "لا يقتل قريشي صبرا بعد هذا اليوم إلى يوم القيامة". "إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما ولا يعضد بها شجرا فإن أحد ترخص لقتال رسول الله ﷺ فيها فقولوا له: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم وإنما أذن له فيها ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس وليبلغ الشاهد الغائب". ومكث ﷺ بمكة تسعة عشر يوما وعاد إلى المدينة وهو يقرأ في
следующие страницы →