← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الرابعة: العزم والتصميم، وهو الميل إلى الشيء وعدم النفور عنه والتصميم على فعله، وقوة قصده، ورفع التردد فيه. فإذا افترضنا درجة حسابية مئوية أعطينا الخاطر ما دون الـ ٥٠/ وتختلف مراتبه، وأعطينا التردد والتأرجح ٥٠/ وأعطينا الهم من ٥١/ إلى ٩٠/ مثلا، وتتفاوت مراتبه، وأعطينا العزم ما فوق ذلك، وتتفاوت مراتبه أيضا. ولما كانت هذه المراتب الأربع يطلق عليها حديث النفس، خشي الصحابة أن يؤاخذوا بها كلها، حين نزل قوله تعالى: ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾ فبين لهم أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها - كما تقدم في الحديث السابق- ووضح لهم في هذه الأحاديث أن الله تجاوز لأمة محمد ﷺ عما حدثت به نفسها، وأن من هم بحسنة فله كذا، ومن هم بسيئة فحكمه كذا. وقد قدمت أن المراتب الثلاث الأولى لا خلاف في تجاوز الله عنها، أما المرتبة الرابعة وهي العزم والتصميم، واستقرار الفعل في النفس، وعدم التردد فيه، فهي من حيث ما يتعلق بها به قسمان: قسم خاص بالعقيدة وهو من أعمال القلوب وحدها، كالإيمان بالله تعالى وبالرسول ﷺ وباليوم الآخر وبما علم من الدين بالضرورة، فالشك فيه وإنكاره قلبا كفر، ويعاقب عليه بلا خلاف. وقسم دون ذلك من المعاصي، وفي تجاوز الله عنه خلاف بين العلماء. إذ ذهب فريق الورع وتغليب الخوف على الرجاء إلى المؤاخذة عليه، مستدلين بقوله تعالى: ﴿إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة﴾ [النور: ١٩] وبقوله: ﴿ولم يصروا على ما فعلوا﴾ [آل عمران: ١٣٥] وقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم﴾ [الحجرات: ١٢] وقوله: ﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾ [البقرة: ٢٢٥] وقوله ﷺ : "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قيل: هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه". وحملوا أحاديث العفو التي معنا على ما دون العزم والتصميم من الخاطر والتردد والهم، نعم قالوا: إن العزم على السيئة يكتب سيئة مجردة، وليست السيئة التي هم أن يعملها، فسيئة العزم غير سيئة الفعل. ثم افترق هؤلاء فقالت طائفة: بل يعاقب عليه يوم القيامة، ولكن بالعتاب لا بالعذاب، وحملوا عليه النجوى. وذهب الذين يغلبون الرجاء إلى أن الله قد تجاوز عن حديث النفس، ولا يؤاخذ -في غير الكفر- إلا على أفعال الجوارح، واستدلوا بقوله ﷺ "إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به" فما قبل الكلام والفعل متجاوز عنه بنص الحديث. ثم الحديث القدسي يقول: "إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه، فإن عملها فاكتبوها سيئة" ويقول في الرواية الأخرى: "وإذا هم بسيئة ولم يعملها لم أكتبها عليه، فإن عملها كتبتها سيئة واحدة" ويقول في الرواية التي بعدها: "وإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها ما لم يعملها، فإذا

стр. 422

عملها فأنا أكتبها عليه بمثلها" ويقول للملائكة في الرواية التي بعدها "ارقبوه، فإن عملها فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، إنما تركها من جراي". كل هذه الأحاديث واضحة وصريحة في أن الكتابة والمؤاخذة موقوفة على العمل، أي العمل بالجوارح، لأن العمل إذا أطلق في مقابلة الهم كان ظاهرا في عمل الجوارح، بعيدا عن العزم والتصميم، ثم إن المقام مقام الفضل والتسامح، فلا يليق التضييق فيه. وأجابوا عن الآية التي في سورة النور بأن المعنى: إن الذين يشيعون الفاحشة ويحبون ذلك، فالعذاب متوعد به على إشاعة الفاحشة مع حبها، لا على الحب وحده، لأنه أمر لا يملك، فلا عقاب عليه ولا مؤاخذة، وإنما العقاب على أسبابه المكتسبة، وعلى الآثار المترتبة عليه. وعن قوله تعالى: ﴿ولم يصروا على ما فعلوا﴾ بأن عدم الإصرار ذكر كشرط لقبول التوبة، لا على أنه أساس عقوبة جديدة، إذ الآية تقول: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَاّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥ - ١٣٦] ومن المعلوم أن الإصرار على الذنب الذي ارتكب إنما هو امتداد لهذا الذنب. وعن قوله تعالى: ﴿اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم﴾ [الحجرات: ١٢] بأن الظن المطلوب اجتنابه هو ذو الأسباب المكتسبة، أو ذو الآثار المترتبة عليه المقدورة، وسيأتي تمام إيضاحه. وعن قوله تعالى: ﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾ بأنه ليس وعيدا لما كسبت القلوب وحدها، وإنما هو في مصاحبة القلوب للأعمال، والعفو عن الأعمال التي لم تصاحبها النية، إذ الآية كاملة تقول: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٥] ومن الواضح أنه لو عزم على الحلف ولم يحلف لا يعد حالفا. وعن قوله ﷺ : "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" أجابوا بأن مؤاخذة المقتول ليست على العزم وحده، وإنما هي على الالتقاء، وشهر السلاح، وهو المراد بالحرص على قتل صاحبه، وهذا الفعل يؤاخذ به، حصل القتل أو لم يحصل. وهؤلاء القائلون بعدم المؤاخذة على العزم إذا لم يصاحبه عمل افترقوا ثلاث فرق: فرقة تقول بذلك على الإطلاق بدون استثناء. وفرقة تستثني منه العزم على المعصية في الحرم استدلالا بقوله تعالى: ﴿ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم﴾ [الحج: ٢٥] وتعقب هذا بأن تعظيم الله آكد من تعظيم الحرم، ومع ذلك لا يؤاخذ من عزم على معصيته، فكيف يؤاخذ بما دونه؟ ويجاب عن هذا التعقب بأن المعصية في الحرم فيها ترك تعظيم الله، وترك تعظيم الحرم، فصارت المعصية فيه أشد من المعصية في غيره،

стр. 423

فيحتمل المؤاخذة على العزم فيه، ويمكن أن يلحق به من عزم على المعصية قاصدا الاستخفاف بالمعاصي، وهو ملحظ حسن. وفرقة تستثني منه العزم على المعاصي التي محلها القلب، ولا تتعلق بفعل خارجي، كالكبر والعجب والمكر والحسد والظن، والتحقيق أن المؤاخذ عليه في مثل هذه الأمور إنما هو تناول الأسباب المكتسبة المؤدية إليها، والآثار الخارجية المترتبة عليها، يدل على ذلك قوله ﷺ : "ثلاث لا يسلم منها أحد: الطيرة، والظن، والحسد، قيل: فما المخرج منهن يا رسول الله؟ قال: إذا تطيرت فلا ترجع، وإذا ظننت فلا تحقق، وإذا حسدت فلا تبغ". "أما بعد" ففي هذه الأحاديث موضوع البحث أحاديث قدسية، وأحاديث نبوية، وقد قيل في الفرق بينهما: إن الحديث القدسي لفظه ومعناه من عند الله، والحديث النبوي لفظه من عند الرسول ﷺ ومعناه من عند الله، وأن الحديث القدسي يسند إلى الله تعالى فيقال عنه: قال الله تعالى، والحديث النبوي يسند إلى النبي ﷺ . والفرق بين القرآن الكريم والحديث القدسي -بناء على هذا- أن القرآن متواتر يكفر من جحد شيئا منه، بخلاف الحديث القدسي، وأن القرآن قصد بلفظه التحدي والإعجاز بخلاف الحديث القدسي، وإن كان في أعلى درجات البلاغة، وأن القرآن يتعبد بقراءته في الصلاة وغيرها بخلاف الحديث القدسي. -[ويؤخذ من مجموعة أحاديث الباب]- ١ - أن المؤاخذة إنما تقع لمن هم على المعصية، فشرع فيها، لا من هم بها ولم يتصل بها العمل، ولو كان لمانع خارج عن إرادته، كمن قصد امرأة يزني بها، فلم تحضر، أو جاءه من يخلف موعده. ٢ - أن من تركها خوف الله كتبت له حسنة، أخذا من قوله في الرواية الخامسة، "وإن تركها فاكتبوها له حسنة، إنما تركها من جراي" وفي رواية البخاري: "وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة". ٣ - فيها دليل على أن الملك يطلع على ما في قلب الآدمي، ليكتب الحسنة إذا هم بها، وذلك إما بإطلاع الله إياه، أو بأن يخلق له علما يدرك به ذلك. يؤيد الأول ما أخرجه ابن أبي الدنيا، عن أبي عمران الجوني قال: "ينادي الملك: اكتب لفلان كذا كذا، فيقول: يا رب إنه لم يعمله. فيقول: إنه نواه". ٤ - إن الهم بالحسنة يكتب حسنة كاملة، لأن إرادة الخير خير، ولا يقال: إذا كانت إرادة الحسنة حسنة فلم لم تضاعف والله يقول: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ [الأنعام: ١٦٠]؟ لأنا نقول إن ذلك التضعيف خاص بأعمال الجوارح، لأن الله تعالى يقول: ﴿من جاء بالحسنة﴾ والمجيء بها هو العمل، وإلا لزم مساواة من نوى الخير بمن فعله.

стр. 424

٥ - أنه إن فعل الحسنة التي هم بها كتبت له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، وليس معنى ذلك أن حسنة الإرادة تضاف إلى عشرة التضعيف فتكون الجملة إحدى عشرة كما هو ظاهر قوله: "فإذا عملها فأنا أكتبها له بعشر أمثالها" بل إن القصد أن حسنة الإرادة تندرج في عشر العمل، ولا يقال: إنه يلزم من ذلك مساواة من عمل الحسنة بغتة دون عزم، ومن عملها بعد الهم والعزم، لأنا نقول: لعل حسنة من هم وعزم تكون أعظم قدرا ممن لم يهم بها ولم يعزم. ٦ - وأنه إن ترك عمل الحسنة التي هم بها كتبت له حسنة كاملة بقطع النظر عن سبب الترك، سواء أكان لمانع أم لا، نعم يمكن أن يتفاوت عظم الحسنة بحسب المانع، فإن كان خارجيا، مع بقاء قصد المحسن فهي عظيمة القدر، خصوصا إذا صاحبه ندم على التفويت، وإن كان الترك من جهة الشخص نفسه فالحسنة أقل قدرا، فإن قارنها وصاحبها في هذه الحالة قصد الإعراض عنها، والرغبة عن فعلها جملة كانت أقل قدرا من سابقتها، فإن تركها وأوقع العمل في عكسها، كأن يريد أن يتصدق بدرهم مثلا، فصرفه بعينه في معصية، فحسنة عزمه الأول أقل وأقل، بل رجح الحافظ ابن حجر ألا يكتب له حسنة أصلا. ٧ - يؤخذ من قوله في الرواية السابعة: "إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة" أن الزيادة على السبعمائة ضعف ليس خاصا بالنفقة في سبيل الله -كما قيل- وإنما هو عام في وجوه الخير من حيث الزيادة في الإخلاص، وصدق العزم، وحضور القلب، وتعدي النفع. ٨ - قال ابن بطال: في هذا الحديث بيان فضل الله العظيم على هذه الأمة، لأنه لولا ذلك لكاد أن لا يدخل أحد الجنة، لأن عمل العباد للسيئات أكثر من عملهم الحسنات، ويؤيد ما دل عليه حديث الباب من الإثابة على الهم بالحسنة، وعدم المؤاخذة على الهم بالسيئة قوله تعالى: ﴿لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾ [البقرة: ٢٨٦] إذ ذكر في السوء الافتعال الذي يدل على المعالجة والتكلف فيه، بخلاف الحسنة. ٩ - وفيه أن الله بفضله وكرمه جعل العدل في السيئة والفضل في الحسنة، فضاعف الحسنة، ولم يضاعف السيئة، بل أضاف فيها إلى العدل الفضل، فأدارها بين العقوبة والعفو، بقوله في الرواية السابعة "ومحاها" وفي رواية البخاري "فجزاؤه مثلها أو أغفر". ١٠ - استدل به على أن الحفظة لا تكتب المباح، للتقييد بالحسنات والسيئات. ١١ - وفيه رد على الكعبي في زعمه أنه ليس في الشرع مباح، بل الفاعل إما عاص وإما مثاب، فمن اشتغل عن المعصية بشيء فهو مثاب، ووجه الرد أن تارك المعصية لا يثاب على الترك إلا إذا قصد به رضا الله تعالى كما قدمنا. ١٢ - أخذ بعضهم من قوله: "إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها" أن هذا خصوصية لأمة محمد ﷺ . والله أعلم.

стр. 425

(٧٩) باب الوسوسة في الإيمان ٢٢٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء ناس من أصحاب النبي ﷺ فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به. قال "وقد وجدتموه؟ " قالوا: نعم. قال: "ذاك صريح الإيمان". بهذا الحديث. ٢٢٣ - عن عبد الله ﵁ قال: سئل النبي ﷺ عن الوسوسة. قال: "تلك محض الإيمان". -[المعنى العام]- لا يفتأ الشيطان يحارب المؤمن، يأتيه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، ليحول بينه وبين الجنة، ليخرجه من حزب الله إلى حزب إبليس وجنوده. وللشيطان في هذه الحرب وسائله التي تختلف باختلاف عدوه، فمع ضعيف الإيمان يستعمل الإغواء في الشهوات، والترغيب في المعاصي والموبقات، والإبعاد عن الطاعات والتكاسل عن الواجبات حتى يصل به إلى سهولة الخلاعة من الدين، وزعزعة الإيمان واليقين. أما المؤمن القوي الذي يئس الشيطان من جره إلى المعاصي، ومنعه من الطاعات فإنه يدخل عليه باسم التفكير في الخالق وصفاته وكماله وقدرته التي خلقت السماء والأرض والكائنات، ثم يقفز به إلى التساؤل عن الذي خلق الله، فيتعاظم هذا الهاجس في نفس المؤمن، ويكبر أمام عقيدته هذه الوسوسة، ويعجب كيف وصل به الشيطان إلى هذه النقطة؟ ويستحي أن ينطق أمام أحد بما يسول له الشيطان، أمام هذا سأل ناس من الصحابة رسول الله ﷺ عما يجدون، فطمأنهم على إيمانهم، وأخبرهم أنه إذا وصل المؤمن إلى استعظام ما يوسوس به الشيطان فإنه يكون قد وصل إلى محض

стр. 426

الإيمان، وصريح الإيمان، وخالص الإيمان، وعلى المؤمن أن يمسك حينئذ عن الاسترسال فيه، وأن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم. -[المباحث العربية]- (إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به) "ما" نكرة موصوفة، و"أن" وما دخلت عليه في تأويل مصدر مفعول "يتعاظم" وفي القاموس: تعاظم الرجل الأمر أي عظم عليه، وجملة "إنا نجد" مستأنفة استئنافا بيانيا، في جواب سؤال، تقديره: ماذا قالوا في سؤالهم؟ فقيل: إنا نجد في أحاديث النفس شيئا قبيحا يعظم علينا أن ننطق به لقبحه ونفورنا عنه. فما حكمه؟ (وقد وجدتموه؟ ) الواو عاطفة على محذوف، والجملة استفهامية على تقدير حرف الاستفهام، أي أوقع هذا في نفوسكم وقد وجدتموه؟ (ذلك صريح الإيمان) المشار إليه هو اليقين والاطمئنان الذي منعهم من قبول ما يلقيه الشيطان في أنفسهم، وهو الذي دفعهم إلى تعاظمه واستنكار النطق به، و"صريح الإيمان" من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي ذاك اليقين هو الإيمان الصريح الواضح الخالص من الشوائب، وفي القاموس: الصريح هو الخالص من كل شيء. (سئل عن الوسوسة) الوسوسة: حديث النفس وحديث الشيطان بما لا نفع فيه ولا خير، و"أل" في "الوسوسة" للعهد، أي الوسوسة في الإيمان. (تلك محض الإيمان) أي تلك الحالة التي تقف أمام الوسوسة هي الإيمان المحض الخالص، ففي القاموس: فضة محضة أي خالصة. -[فقه الحديث]- في مضمون روايات هذا الحديث أخرج أبو داود عن أبي هريرة قال: جاء ناس إلى النبي ﷺ من أصحابه، فقالوا: يا رسول الله، إنا نجد في أنفسنا الشيء يعظم أن نتكلم به، ما نحب أن لنا الدنيا وأنا تكلمنا به (أي لو أعطينا زينة الدنيا مقابل أن نتكلم به ما قبلنا وما تكلمنا) فقال: أوقد وجدتموه؟ ذاك صريح الإيمان. ولابن أبي شيبة من حديث ابن عباس "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: أحدث نفسي بالأمر، لأن أكون حممة (بضم الحاء وفتح الميمين، أي نارا مستعرة) أحب إلي من أن أتكلم به. قال: الحمد لله الذي رد أمره إلى الوسوسة". وفي معناه وفقهه قال بعضهم: ليس المراد أن الوسوسة نفسها صريح الإيمان، بل هي من قبل

стр. 427

الشيطان وكيده، وإنما صريح الإيمان هو العلم بقبح تلك الوساوس، وامتناع قبولها، ووجود النفرة عنها، كل ذلك دليل على خلوص الإيمان من الشوائب، فإن الكافر يصر على ما في قلبه من الكفر ولا ينفر عنه "وإن ضعيف الإيمان يتشكك بمجرد الوسوسة ولا يتعاظم عليه أمرها، ولا يستنكر الكلام بها. وكان هؤلاء السائلون من الصحابة على درجة كبيرة من اليقين الذي لا يتزعزع، والعقيدة الراسخة التي لا تؤثر فيها هواجس النفس والشيطان. ولمعرفة هذه الوسوسة وطريقة الشيطان لزعزعة الإيمان، ووسيلة الوقاية والعلاج انظر شرح الحديث التالي. والله أعلم

стр. 428

تابع باب الوسوسة في الإيمان ٢٢٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا، خلق الله الخلق، فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئا فليقل: آمنت بالله". ٢٢٥ - عن هشام بن عروة، بهذا الإسناد. أن رسول الله ﷺ قال: "يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق السماء؟ من خلق الأرض؟ فيقول: الله" ثم ذكر بمثله. وزاد "ورسله". ٢٢٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا وكذا؟ حتى يقول له: من خلق ربك؟ فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته". ٢٢٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "يأتي العبد الشيطان فيقول: من خلق كذا وكذا؟ " مثل حديث ابن أخي ابن شهاب. ٢٢٨ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "لا يزال الناس يسألونكم عن العلم، حتى يقولوا: هذا الله خلقنا. فمن خلق الله؟ ". قال، وهو آخذ بيد رجل فقال: صدق الله ورسوله. قد سألني اثنان وهذا الثالث. أو قال: سألني واحد وهذا الثاني. قال أبو هريرة ﵁، "لا يزال الناس"، بمثل حديث عبد الوارث. غير أنه لم يذكر النبي ﷺ في الإسناد. ولكن قد قال في آخر الحديث: صدق الله ورسوله.

стр. 429

٢٢٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ "لا يزالون يسألونك، يا أبا هريرة، حتى يقولوا: هذا الله. فمن خلق الله؟ " قال، فبينا أنا في المسجد إذ جاءني ناس من الأعراب. فقالوا: يا أبا هريرة! هذا الله. فمن خلق الله؟ قال، فأخذ حصى بكفه فرماهم. ثم قال: قوموا. قوموا. صدق خليلي. ٢٣٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "ليسألنكم الناس عن كل شيء حتى يقولوا: الله خلق كل شيء. فمن خلقه؟ ". ٢٣١ - عن أنس بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "قال الله : إن أمتك لا يزالون يقولون: ما كذا؟ ما كذا؟ حتى يقولوا: هذا الله خلق الخلق. فمن خلق الله؟ ". وعن أنس ﵁، عن النبي ﷺ ، بهذا الحديث غير أن إسحق لم يذكر "قال قال الله إن أمتك". -[المعنى العام]- من وسوسة الشيطان أن يحدث إلى المؤمن، من خلق السماء؟ فيجيب المؤمن: الله، فيسأل: من خلق الأرض؟ فيجيب: الله. فيسأل: الله هو الذي خلقنا وخلق كل شيء فمن خلق الله؟ وقد يتجه المؤمن بهذا التساؤل إلى العلماء لعله يجد جوابا تسكن إليه نفسه ويثبت يقينه وإيمانه. حدث بهذا رسول الله ﷺ ، فقال: يأتي الشيطان أحدكم، فيقول له: من خلق كذا وكذا؟ فإذا قال: الله، قال: إذا كان الله هو خالق كل شيء فمن خلق الله؟ كان الله قبل كل شيء، فمن كان قبله؟ يقول ﷺ : إذا بلغ الشيطان بالمؤمن إلى هذا السؤال فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم، وليمسك عن هذا التفكير، وليتفل عن شماله وليقل: آمنت بالله ورسوله ﴿الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].

стр. 430

ثم يوصي رسول الله ﷺ علماء الصحابة (إذا جاءهم العامة يسألون) أن يوصدوا باب هذا التفكير أمامهم، وأن يأمروهم ألا يسترسلوا فيما لا يفيدهم، فإن استرسال العوام في ذلك لا يزيدهم إلا حيرة وعليهم أن يلتجئوا إلى الله، وأن يعتصموا به، ﴿ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم﴾ [آل عمران: ١٠١]. -[المباحث العربية]- (لا يزال الناس يتساءلون) أي يسأل بعضهم بعضا فيما لا يفيد، وفي رواية البخاري "لن يبرح الناس يتساءلون" وفي رواية "يسألون". (حتى يقال) مبني للمجهول، وقد أبرز الفاعل في بعض الروايات على أنه الشيطان "أو على أنهم القائلون. ففي الرواية الثانية والثالثة والرابعة "يأتي الشيطان أحدكم فيقول" وفي الرواية الخامسة والسادسة "حتى يقولوا" أي في أنفسهم أو لغيرهم، كما يأتي. (هذا خلق الله الخلق) قيل: إن اسم الإشارة نائب فاعل "يقال" أو مفعول "يقولون" والمعنى: حتى يقال هذا، أو حتى يقولون هذا القول وهو: خلق الله الخلق إلخ، وقيل: إن اسم الإشارة مبتدأ حذف خبره. أي هذا الأمر قد علم. (فمن خلق الله) في جواب شرط مقدر، و"من" اسم استفهام مبتدأ، والجملة بعده خبر، والتقدير: إذا ثبت أن الله خلق كل شيء فمن خلق الله؟ . (فمن وجد من ذلك شيئا) أي من هذه الوسوسة في نفسه، أو من سائل. (فليقل: آمنت بالله) أي فليقل في نفسه، أو يتلفظ لنفسه أو لغيره بقوله: آمنت بالله، وأنه منزه عن هذا، وأنه أحد صمد. لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. والمقصود من هذا القول قطع الوسوسة، والاشتغال بإثبات نقيضها. (يأتي الشيطان أحدكم) الظاهر أن المراد به شيطان الجن، إبليس أو جنده، وإتيانه إنما يعرف بالوسوسة، لأننا لا نراه. (فيقول: من خلق السماء؟ من خلق الأرض؟ فيقول: الله) فاعل "يقول" الأولى الشيطان، وفاعل الثانية "أحدكم" وسؤال الشيطان هذين السؤالين للاستدراج لما بعدهما، ولفظ الجلالة خبر مبتدأ محذوف أي خالق ذلك الله. (وزاد: ورسله) أي فليقل: آمنت بالله ورسله. (من خلق كذا وكذا) "كذا" أصلها كاف التشبيه "وذا" الإشارية، ثم استعملتا هنا كلمة واحدة مكنيا بها عن غير عدد، فهي في محل النصب، مفعول "خلق".

стр. 431

(فليستعذ بالله ولينته) أي فليستعذ بالله من وسوسة الشيطان، ولينته عن الاسترسال في ذلك. (يأتي العبد الشيطان) بتقديم المفعول به على الفاعل. (هذا الله خلقنا) "هذا" مبتدأ خبره محذوف، أي هذا الأمر معلوم، وهو أن الله خلقنا، ويصح أن يكون مبتدأ، ولفظ الجلالة عطف بيان، و"خلقنا" الخبر. (قال: وهو آخذ بيد رجل فقال) أعاد كلمة "قال" لطول الفصل بينها وبين مقولها، والقائل أبو هريرة: وإمساكه بيد الرجل ليشير إليه بأنه السائل الثالث. (صدق الله ورسوله) في كل ما أخبر به، وفي قوله: "لا يزال الناس يسألونكم". (قد سألني اثنان) عمن خلق الله. (أو قال: سألني واحد) شك من الراوي عن أبي هريرة [وهو محمد بن سيرين] في أي العبارتين صدر عن أبي هريرة. (هذا الله) مبتدأ وخبر، أي هذا الخالق لكل شيء الله. (فبينا أنا في المسجد إذ جاءني ناس) "بين" ظرف زمان، أشبعت فتحة النون فجاءت الألف، وهو ملازم للإضافة إلى جملة، ولا بد لها من جواب هو العامل فيها إذا كان الكلام مجردا عن كلمة المفاجأة، فإن وجدت -كما هنا- فالعامل معنى المفاجأة. (قوموا. قوموا) تأكيد لفظي، والمقصود من الأمر بالقيام الانصراف عن السؤال. (صدق خليلي) محمد ﷺ في أخباره عامة، وفي قوله "لا يزالون يسألونك". (ليسألنكم الناس عن كل شيء) مبالغة في كثرة الأسئلة، وليس المقصود كل شيء حقيقة. (حتى يقولوا: الله خلق كل شيء) قال النووي: هكذا هو في بعض الأصول "يقولوا" بغير نون، وفي بعضها "يقولون" بالنون وكلاهما صحيح، وإثبات النون مع الناصب لغة قليلة، ذكرها جماعة من محققي النحويين، وجاءت متكررة في الأحاديث الصحيحة. اهـ. -[فقه الحديث]- ليضع المؤمن نصب عينيه قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٧] وقوله: ﴿إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما

стр. 432

يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير﴾ [فاطر: ٦] ويذكر قول إبليس: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٦ - ١٧] وهذا الحديث يبين أسلوبا من أساليب إضلاله. قال ابن بطال: إن هذا السؤال [من خلق الله] لا ينشأ إلا عن جهل مفرط، فإن الموسوس إن قال: ما المانع أن يخلق الخالق نفسه؟ قيل له: هذا ينقض بعضه بعضا، لأنك أثبت خالقا، وأوجبت وجوده، ثم قلت: يخلق نفسه، فأوجبت عدمه، والجمع بين كونه موجودا معدوما فاسد لتناقضه، لأن الفاعل يتقدم وجوده على وجود فعله، فيستحيل كون نفسه فعلا له. اهـ. وقال الخطابي: هذا السؤال متهافت، ينقض آخره أوله، لأن العقل أثبت أن المحدثات مفتقرة إلى محدث، فلو كان هو مفتقرا إلى محدث لكان من المحدثات. وقال ابن التين: لو جاز لمخترع الشيء أن يكون له مخترع لتسلسل، فلا بد من الانتهاء إلى موجد قديم، والقديم من لا يتقدمه شيء، ولا يصح عدمه، وهو فاعل لا مفعول، وهو الله ﵎. اهـ. فإن قيل: لم أمر الرسول ﷺ بالإمساك عن التفكير وبالاستعاذة دون الحجة الواضحة الموصلة لرفع الشبهة، والإجابة عن السؤال؟ . قلنا: أما بالنسبة لوسوسة الشيطان فإنه ليس لوسوسته انتهاء، بل كلما ألزم حجة زاغ إلى غيرها، ومهما عورض بالدليل وجد مسلكا آخر من المغالطة والاسترسال، فيضيع الوقت على المؤمن إن سلم من الفتنة والحيرة، نعوذ بالله من ذلك. فلا تدبير في دفعه أقوى من الالتجاء إلى الله تعالى بالاستعاذة به، كما قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠]. وأما بالنسبة إلى المؤمن السائل فلنا عنه جوابان: الأول: ما أشار إليه الطيبي، وهو أن العلم باستغناء الله جل وعلا عن الموجد أمر بديهي لا يقبل المناظرة، والاسترسال فيها لا يزيد البعض إلا حيرة. وقال الكرماني: لما عرف بالضرورة أن الخالق غير المخلوق، أو بالكسب الذي يقارب الصدق كان السؤال عن ذلك تعنتا، ولا يجاب عن سؤال التعنت، وقال الحافظ ابن حجر: لما كان السؤال واهيا لم يستحق جوابا، أو الكف عن ذلك نظير الأمر بالكف عن الخوض في الذات والصفات. الثاني: أن المؤمن السائل إما أن يكون من العوام، لا يستطيع هضم الدليل العقلي، ولا فهم الحجة والبرهان، وعلاجه في إيقافه عن التفكير وعدم الاسترسال معه فيما قد يدخله في تيه عميق، وفي رده إلى الله وقرآنه، والاستعاذة به من الشيطان الرجيم. وإما أن يكون ممن يستطيع الفهم والنظر والاستدلال، فهذا ينبغي أن يجاب بالحجة والبرهان. وروايات الحديث أمرت صاحب الوسوسة بالانتهاء والاستعاذة، ولم تأمر المسئول برفض السؤال

стр. 433

أو الإعراض عنه، وعدم الإجابة عليه، ولعل أبا هريرة رأى سائليه من النوع الأول، بدليل قوله "من الأعراب" فزجرهم عن البحث وأمرهم بالقيام عنه. -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - ذم السؤال عما لا يعني. ٢ - وفيه علم من أعلام النبوة لإخباره بوقوع ما سيقع فوقع. ٣ - وفيه وسوسة الشيطان وعلاجها. ٤ - وأن الشيطان يندفع بالاستعاذة بالله منه. ٥ - وفيه الأمر بالكف عن التفكير عند خوف الزلل. والله أعلم

стр. 434

(٨٠) باب من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة ٢٣٢ - عن أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه، فقد أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة". فقال له رجل: وإن كان شيئا يسيرا، يا رسول الله؟ قال "وإن قضيبا من أراك". بمثله. ٢٣٣ - عن عبد الله ﵁ عن رسول الله ﷺ ، قال "من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم، هو فيها فاجر، لقي الله وهو عليه غضبان" قال، فدخل الأشعث بن قيس فقال: ما يحدثكم أبو عبد الرحمن؟ قالوا: كذا وكذا. قال: صدق أبو عبد الرحمن. في نزلت. كان بيني وبين رجل أرض باليمن فخاصمته إلى النبي ﷺ . فقال "هل لك بينة؟ ". فقلت: لا. قال "فيمينه" قلت: إذن يحلف. فقال رسول الله ﷺ عند ذلك "من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان". فنزلت ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا﴾ [آل عمران: ٧٧] إلى آخر الآية. ٢٣٤ - عن عبد الله ﵁ قال: من حلف على يمين يستحق بها مالا هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان. ثم ذكر نحو حديث الأعمش. غير أنه قال: كانت بيني وبين رجل خصومة في بئر. فاختصمنا إلى رسول الله ﷺ فقال "شاهداك أو يمينه". ٢٣٥ - عن ابن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من

стр. 435

حلف على مال امرئ مسلم بغير حقه، لقي الله وهو عليه غضبان" قال عبد الله: ثم قرأ علينا رسول الله ﷺ مصداقه من كتاب الله ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا﴾ [آل عمران: ٧٧] إلى آخر الآية. ٢٣٦ - عن علقمة بن وائل، عن أبيه، قال: جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي ﷺ فقال الحضرمي: يا رسول الله إن هذا قد غلبني على أرض لي كانت لأبي. فقال الكندي: هي أرضي في يدي أزرعها ليس له فيها حق. فقال رسول الله ﷺ للحضرمي "ألك بينة؟ " قال: لا. قال "فلك يمينه" قال: يا رسول الله إن الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه. وليس يتورع من شيء. فقال "ليس لك منه إلا ذلك" فانطلق ليحلف. فقال رسول الله ﷺ ، لما أدبر "أما لئن حلف على ماله ليأكله ظلما، ليلقين الله وهو عنه معرض". ٢٣٧ - عن وائل بن حجر قال: كنت عند رسول الله ﷺ . فأتاه رجلان يختصمان في أرض. فقال أحدهما: إن هذا انتزى على أرضي، يا رسول الله، في الجاهلية. (وهو امرؤ القيس ابن عابس الكندي. وخصمه ربيعة بن عبدان) قال: "بينتك" قال: ليس لي بينة. قال "يمينه" قال: إذن يذهب بها. قال "ليس لك إلا ذاك" قال، فلما قام ليحلف، قال رسول الله ﷺ "من اقتطع أرضا ظالما، لقي الله وهو عليه غضبان" قال إسحاق في روايته: ربيعة بن عيدان. -[المعنى العام]- إن القوة مصدر الطغيان، وكل طغيان عاقبته الهلاك والخسران، وإن الإسلام ليحرص كل الحرص على تقييد القوة بقانون العدالة، وعلى أن يقيم حارسا من النفس، ورادعا من الخلق والدين قبل الخوف من القوانين، لأن الإنسان قد يستطيع أن يفلت من عقوبة القوانين بشيء من الدهاء والحيلة، وأن يستر جريمته بالعهود والأيمان، لكنه والحالة هذه يقع في عقوبة أخروية عظيمة، ويقتص منه بنار شديدة أليمة.

стр. 436

من هذا الهدي الكريم، ومن هذا المبدأ الحكيم، يحذر الرسول ﷺ من أن يستغل الإنسان فرصة تضليل القضاء ليستولي على حق من حقوق المسلمين. فمن قضي له بما ليس له فيه حق فإنما قضي له بقطعة من النار، فليأخذها أو ليدعها، ومن اقتطع حقا من حقوق المسلمين بيمين فاجرة ظالمة، فقد أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة، ولا يستهين الظالم بحقارة ظلمه، فمعظم العذاب من محقرات الذنوب، كما أن معظم النار من مستصغر الشرر، وليحذر حق الغير وماله، ولو كان هذا الحق عودا صغيرا من شجر البوادي. ولقد أنزل الله وعيدا شديدا لمثل هذا الآثم، حين اختصم الأشعث بن قيس ورجل من بني عمه في بئر في قطعة أرض، هي تحت يد ابن عمه، والأشعث يدعيها لنفسه، حيث كانت ملكا لأبيه، فسطا عليها ابن عمه، قال الأشعث: يا رسول الله، بيني وبين هذا الرجل أرض غلبني عليها وجحدني، فسأل رسول الله ﷺ خصمه عن موقفه من هذه الدعوى. فقال الرجل: إنها أرضي، وتحت يدي، وأنا منذ زمن أزرعها، ولا حق له فيها. قال رسول الله ﷺ للأشعث: ما بينتك؟ وما شهودك على دعواك؟ قال: ليس عندي شهود. قال رسول الله ﷺ : إذن يحلف خصمك فتسقط دعواك. قال: يا رسول الله، إن أرضي أعظم شأنا من أن يحلف عليها. قال: إن يمين المسلم يدرأ بها أعظم من ذلك، قال: يا رسول الله إن الرجل فاجر لا يتورع عن الحلف زورا أو بهتانا، ولا يبالي على ما يحلف إن كان حقا أو باطلا. قال: ليس لك منه إلا ذلك، قال: إذن يحلف ويذهب بمالي. فلما تهيأ الرجل ليحلف، وأخذ إلى منبر رسول الله ﷺ ليوقع اليمين هناك نزل قوله تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧] فقرأها رسول الله ﷺ على أصحابه. وقال لهم: إن هو حلف كاذبا أدخله الله النار، فمن حلف على يمين يلزمه بها القضاء، وهو فيها كاذب فاجر ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله يوم القيامة وهو عنه معرض وهو عليه غضبان، ومن غضب الله عليه فهو من أهل النار، فذهبوا إليه قبل أن يحلف، وأخبروه الخبر: فجاء إلى رسول الله ﷺ . فقال: ماذا لي لو تركتها يا رسول الله؟ قال: الجنة. قال أشهدك أني قد تركتها له كلها، وتنازل الخصم للأشعث بأرض البئر وما حولها. وهكذا كانت العظات تهز القلوب، وكان الإسلام إن تزعزع عند بعض الناس واهتز، لا يلبث أن يعود ويثبت. وكانت زينة الحياة الدنيا إذا غلبت على الحق أسرع الحق إلى الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق. أما اليوم فما أكثر الحقوق الضائعة، وما أكثر الظالمين الباغين. ﴿ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين﴾ [الروم: ٥٢، النمل: ٨٠] فاللهم اجعلنا من ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٨].

стр. 437

-[المباحث العربية]- (من اقتطع حق امرئ) افتعل من القطع، كأنه قطعه عن صاحبه، أو أخذ قطعة منه وهو أبلغ من قطع لإشعاره بالعمد، والحق أعم من المال، كما سيأتي في فقه الحديث. (مسلم) القيد ليس للاحتراز، وقيل للاحتراز، وسيأتي توضيحه. (وإن كان شيئا يسيرا) اسم كان يعود على الحق المقتطع. (وإن قضيبا من أراك) نصب "قضيبا" على أنه خبر "كان" المحذوفة مع اسمها. وهو كثير مشهور بعد "إن" و"لو" وفي بعض الأصول "وإن قضيب من أراك" برفع "قضيب" على حذف "كان" وخبرها، والتقدير: وإن كان قضيب من أراك موجودا، وهو قليل، وقضيب الأراك هو عود من شجر يستاك به. (من حلف على يمين صبر) هو بإضافة "يمين" إلى "صبر" بفتح الصاد وسكون الباء. ويمين الصبر هي التي يحبس الحالف نفسه عليها، ويلزم بها عند حاكم ونحوه، وأصل الصبر الحبس والإمساك. (هو فيها فاجر) أي متعمد الكذب، وتسمى اليمين الغموس. وفي رواية "هو عليها فاجر" وتقديرهما: هو في الإقدام عليها فاجر، والتقييد بكونه فاجرا لا بد منه، ومعناه: هو فيها آثم، ولا يكون آثما إلا إذا كان متعمدا عالما بأنه غير حق. (وهو عليه غضبان) وفي الرواية الخامسة "وهو عنه معرض" والغضب والإعراض من الله هو إرادته إبعاد ذلك المغضوب عليه من رحمته، وتعذيبه وإنكار فعله وذمه. (قال: فدخل الأشعث) فاعل [قال] عبد الله بن مسعود. (ما يحدثكم أبو عبد الرحمن)؟ "ما" اسم استفهام مفعول ثان مقدم، وأبو عبد الرحمن هي كنية ابن مسعود. (قالوا: كذا وكذا) كناية عن الحديث السابق. (قال: صدق أبو عبد الرحمن) أي في الحديث الذي رواه، أي صدق في روايته. (في نزلت) الجار والمجرور متعلق بنزلت، والفاعل ضمير يعود على الآية التي ذكرها ابن مسعود في حديثه، وإن لم تذكر في هذه الرواية اختصارا من الراوي، كما هو واضح من الرواية الرابعة. (كان بيني وبين رجل أرض باليمن) لم يذكر اسمه جريا على عاداتهم الكريمة من الستر،

стр. 438

والمعنى: كان بيني وبين رجل خصومة ونزاع في أرض، بدليل "فخاصمته" وفي الرواية الثالثة "خصومة في بئر". (هل لك بينة؟ ) أي شاهدان يشهدان بحقك؟ . (قال: فيمينه) "يمينه" مبتدأ خبره محذوف، والفاء في جواب شرط مقدر، أي إذا لم تكن بينة فلك يمينه. (إذن يحلف) "إذن" حرف نصب وجواب، وفي كتابتها خلاف، فالجمهور يكتبونها بالألف، وكذا رسمت في المصاحف، والمازني والمبرد يكتبانها بالنون، وعن الفراء إن عملت كتبت بالألف، وإلا كتبت بالنون للفرق بينها وبين إذا، وتبعه ابن خروف. و"يحلف" قال السهيلي: بالنصب لا غير لوجود شرائطه من الاستقبال والاتصال، وحكى ابن خروف جواز الرفع في مثل هذا، على إهمال "إذن" أو على تقدير: إذن هو يحلف. ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم﴾ العهد كتابة الشيء ومراعاته، ويطلق على الأمان، والوفاء، والوصية واليمين والمعرفة واللقاء عن قرب الزمان، والمراد منه هنا: ما أمر الله به أمرا مؤكدا، فعطف اليمين عليه عطف مغاير، وهل يعتبر قول القائل: على عهد الله لأفعلن - هل يعتبر يمينا أو لا؟ خلاف بين الفقهاء. (جاء رجل من حضرموت) بفتح الحاء وإسكان الضاد وفتح الراء والميم، ممنوع من الصرف للعلمية والتركيب المزجي، والنسب إليها حضرمي. (ورجل من كندة) بكسر الكاف وسكون النون حي باليمن، والنسب إليها كندي بسكون النون. (أما لئن حلف) "أما" بفتح الهمزة وتخفيف الميم حرف استفتاح بمنزلة "ألا". (إن هذا انتزى على أرضي) معناه غلب عليها واستولى، وأصل النزو الوثب، ثم كثر استعماله في كل ما يشبهه. (في الجاهلية) أي ما قبل النبوة، سميت بذلك لكثرة جهلهم. -[فقه الحديث]- يرد على ظاهر هذه الروايات خمس شبه: الشبهة الأولى: صريح الرواية الثانية أن الآية ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا .. ﴾ نزلت في الأشعث بن قيس وخصمه، لقوله "في نزلت" وقوله "فنزلت".

стр. 439

لكن جاء في حديث عبد الله بن أبي أوفى ﵁ أنها نزلت في رجل أقام سلعته في السوق، فحلف لقد أعطي بها ما لم يعطه. وذكر الطبري أن الآية نزلت في حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف وغيرهما من اليهود الذين كتموا ما أنزل الله في التوراة، من شأن النبي ﷺ ، وحلفوا. ويمكن الجمع بتعدد الأسباب لمنزل واحد، ولفظ الآية عام يشمل هذه الأسباب. الشبهة الثانية: ظاهر الرواية الرابعة أن الآية نزلت قبل تخاصم الأشعث بن قيس إذ فيها: "ثم قرأ علينا رسول الله ﷺ مصداقه من كتاب الله ﴿إن الذين يشترون بعهد الله﴾ لكن يمكن أن يقال: إن الآية نزلت في الخصومة المذكورة، وسماع عبد الله بن مسعود كان متأخرا عنها، فقرأ له رسول الله ﷺ الآية مصداقا للحديث. الشبهة الثالثة: جاء في الرواية الثانية "فدخل الأشعث بن قيس، فقال: ما يحدثكم أبو عبد الرحمن"؟ وجاء في رواية للبخاري في كتاب الرهن "ثم إن الأشعث بن قيس خرج إلينا، فقال: ما يحدثكم أبو عبد الرحمن"؟ وفي رواية "ما حدثكم عبد الله اليوم"؟ فالتعبير بدخل وخرج، وبيحدث وحدث ظاهره التعارض، ويمكن رفعه بأن الأشعث خرج عليهم من مكان كان فيه، فدخل المكان الذي فيه عبد الله، وبأن دخوله وقع في نهاية حديث عبد الله فسأل أصحابه عما حدثهم به، وتعبيره بالمضارع "يحدثكم" لقرب العهد واستحضار الصورة. الشبهة الرابعة: جاء في الرواية الثالثة أن الخصومة كانت في بئر، وفي غيرها من الروايات أنها كانت في أرض مما ظاهره التعارض. قال الحافظ ابن حجر: ويجمع بأن المراد أرض البئر، لا جميع الأرض التي تحيط به. الشبهة الخامسة: يؤخذ من الرواية الخامسة أن المدعي حضرمي، وأن المدعى عليه كندي، مع أن الأشعث ابن قيس كندي جزما. وليس من السهل الجمع، فينبغي أن يقال بتعدد القصة المتشابهة، وخصوصا أنه لم يرد في هذه الرواية ذكر للأشعث، ولا لنزول الآية. أما الرواية السادسة فالظاهر أنها قصة أخرى مشابهة.

стр. 440

-[ويؤخذ من الحديث]- ١ - غلظ تحريم حقوق المسلمين. ٢ - وجوب النار لمقتطع الحقوق، وهو محمول على من مات من غير توبة، وشاء الله أن يعذبه، أو على المستحل لذلك إذا مات على ذلك، فإنه يكفر ويخلد في النار، أو معناه فقد استحق النار، ويجوز العفو عنه وقد حرم عليه دخول الجنة أول وهلة مع الفائزين. وأما تقييده ﷺ بالمسلم فلا يدل على عدم تحريم حق الذمي، بل معناه أن هذا الوعيد الشديد لمن اقتطع حق المسلم، وأما الذمي فاقتطاع حقه حرام، لكن لا يلزم أن تكون فيه هذه العقوبة العظيمة. هذا كله على مذهب من يقول بالمفهوم، أما من لا يقول به فلا يحتاج إلى تأويل، قاله النووي. وقال القاضي عياض: تخصيص المسلم لكونهم المخاطبين، وعامة المتعاملين في الشريعة، لا أن غير المسلم بخلافه، بل حكمه حكمه في ذلك. والله أعلم. ٣ - يدخل في الوعيد من اقتطع حقا غير مال، كجلد الميتة والسرجين وغيرهما مما ينتفع به، وكذا سائر الحقوق، كنصيب الزوجة في القسم والقذف. ٤ - أنه لا فرق بين قليل الحق وكثيرة لقوله ﷺ : "وإن قضيبا من أراك" قاله النووي. وقال الحافظ ابن حجر: كأن مراده عدم الفرق في غلظ التحريم، لا في مراتب الغلظ، وقد صرح ابن عبد السلام في "القواعد" بالفرق بين القليل والكثير، وكذا بين ما يترتب عليه كثير المفسدة وحقيرها. ٥ - وفيه المبادأة بالسماع من الطالب. ٦ - ثم من المطلوب، هل يقر أو ينكر؟ ٧ - ثم طلب البينة من المدعي. ٨ - وأنه لا يطلب من المدعي غير البينة، ولا يطلب منه يمين الاستظهار لأن بينته شهدت له بحق، إذ لو كانت اليمين من تمام الحكم له لقال له: بينتك ويمينك عن صدقها. ٩ - أن البينة تقدم على اليد. ١٠ - أن المدعى عليه يلزمه اليمين إذا لم يقر. ١١ - أنه لا يشترط في الخصمين أن يكونا ممن يتهم، بل ولو كان فوق الشبه، فالبينة على المدعي واليمين على من أنكر. ١٢ - أن وصف المدعى به وتحديده ليس بلازم لذاته، بل يكفي في صحة الدعوى تمييز المدعى به. ١٣ - وأنه إذا حلف المدعى عليه سقطت دعوى المدعي، لقوله ﷺ : "ليس لك منه إلا ذلك".

стр. 441

١٤ - أن يمين الفاجر المدعى عليه تقبل كيمين العدل، وتسقط عنه المطالبة. ١٥ - وفيه بناء الأحكام على الظاهر وإن كان المحكوم له في نفس الأمر مبطلا. ١٦ - أن حكم الحاكم لا يبيح للإنسان ما لم يكن حلالا له، وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على أن الحكم لا يحل حراما في الباطن في الأموال. ١٧ - أن يمين المدعى عليه لا تثبت له ملكية ما حلف عليه، وإنما تصرف دعوى المدعي لا غير، فإن جاء مدع آخر نظرت دعواه، ولذلك ينبغي للحاكم إذا حلف المدعى عليه ألا يحكم له بملك المدعي به: بل يقره فقط على حكم يمينه. ١٨ - أن كل ما يجرى بين المتداعيين من تساب بخيانة وفجور هدر. ١٩ - وفيه موعظة الحاكم للمدعى عليه إذا أراد أن يحلف، خوفا من أن يحلف باطلا، لعله يرجع إلى الحق بالموعظة. ٢٠ - استدل به على أن اليمين الغموس لا كفارة فيها. ٢١ - وفيه إشارة إلى أن لليمين مكانا يختص به لقوله: "فانطلق ليحلف" وقد عهد في عهده ﷺ الحلف عند منبره. والله أعلم

стр. 442

(٨١) باب من قتل دون ماله فهو شهيد ٢٣٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال جاء رجل إلى رسول الله ﷺ . فقال: يا رسول الله! أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال "فلا تعطه مالك" قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال "قاتله" قال: أرأيت إن قتلني؟ قال "فأنت شهيد" قال: أرأيت إن قتلته؟ قال "هو في النار". -[المعنى العام]- مما هو مستقر في النفوس الأبية الدفاع عن المال، ومما جاءت به الشريعة الإسلامية حق المسلم في الذود عن ماله وعرضه ونفسه، وكأن هذا السائل فهم من العفو والإحسان اللذين دعا إليهما الإسلام عدم المقاتلة دون المال، فسأل رسول الله ﷺ فقال: أخبرني يا رسول الله عما أفعله إذا جاء معتد لأخذ مالي، هل أدعه يأخذه ويمضي؟ قال: لا تمكنه من أخذه، قال: فماذا أفعل إن قاتلني من أجله؟ قال: قاتله وامنعه، قال: فما حكم الله في أمري إن قتلني؟ قال: إن قتلك فأنت شهيد لك الجنة. قال: فإن قاتلني فقتلته فما حكم الله في أمري وأمره؟ قال: لا شيء عليك وهو في النار. -[المباحث العربية]- (أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي) أي أخبرني عما ينبغي أن أفعله فجواب الشرط محذوف، تقديره: فماذا أفعل؟ . (فلا تعطه مالك) الفاء في جواب شرط مقدر، أي إن جاء فلا تعطه مالك، ومعناه: لا يلزمك أن تعطيه، وليس المراد تحريم الإعطاء. (أرأيت إن قاتلني) فماذا أفعل؟ (قال: قاتله) هذا دليل الجواب، وليس جواب شرط وإلا لاقترن بالفاء، والتقدير: قاتله إن قاتلك. (أرأيت إن قتلني) جواب الشرط محذوف، أي فما حكم الله في أمري؟ (قال: فأنت شهيد) أصل الشهادة التبيين، ومنه قوله تعالى: ﴿شهد الله﴾ [آل عمران: ١٨]

стр. 443

أي بين، وشهود الحق يتبين بهم الحكم، وسمي الشهيد شهيدا من "شهد" إذا حضر، لأنه يحضر دار السلام قبل غيره، أو لأن الله شهد له بالجنة، فشهيد بمعنى مشهود له، أو لأنه يشهد مع النبي ﷺ على الأمم يوم القيامة، فشهيد بمعنى شاهد، وقيل: لأنه يشاهد عند موته ما أعد الله له من الكرامة، وقيل: لأن ملائكة الرحمة يشهدون فيأخذون روحه، وقيل: لأنه شهد له بالإيمان وخاتمة الخير بحسب الظاهر، وقيل: لأن عليه شاهدا يشهد بكونه شهيدا، وهو دمه، فإنه يبعث يوم القيامة وجرحه يثعب دما. -[فقه الحديث]- في الحديث دليل على جواز قتال المحارب، وعلى جوازه عامة العلماء، لكن الخلاف في قتالهم إذا طلبوا الشيء اليسير، كالثوب والطعام، هل يعطونه أو يقاتلون دونه؟ جمهور العلماء على جواز مقاتلة القاصد لأخذ المال بغير حق، وإن كان المال قليلا، لعموم الحديث، وشذ من أوجبه، وقال بعض المالكية: لا يجوز إذا طلب المال الخفيف، قال القرطبي: سبب الخلاف عندنا: هل الإذن في ذلك من باب تغيير المنكر، فلا يفترق الحال بين القليل والكثير؟ أو من باب دفع الضرر، فيختلف الحال. قال الأبي: والقول بمنع إعطائهم الشيء الخفيف هو المشهور. وقال النووي: المدافعة عن المال جائزة غير واجبة، والمدافعة عن الحريم واجبة بلا خلاف، وفي المدافعة عن النفس بالقتل خلاف. وحكى ابن المنذر عن الشافعي قال: من أريد ماله، أو نفسه، أو حريمه فله الاختيار أن يكلمه (أي يجرحه) أو يستغيث، فإن منع الصائل أو امتنع لم يكن لصاحب المال قتاله، وإلا فله أن يدفعه عن ذلك ولو أتى على نفسه وليس عليه عقل ولا دية ولا كفارة. لكن ليس له عمد قتله. اهـ. قال ابن المنذر: والذي عليه أهل العلم أن للرجل أن يدفع عما ذكر -إذا أريد ظلما- بغير تفصيل، إلا أن كل من يحفظ عنه من علماء الحديث كالمجمعين على استثناء السلطان، للآثار الواردة بالأمر بالصبر على جوره وترك القيام عليه. وفرق الأوزاعي بين الحال التي للناس فيها جماعة وإمام، فحمل الحديث عليها، وأما في حالة الفتنة والاختلاف والفرقة والغوغاء واختلاط الأمر، فليستسلم ولا يقاتل أحدا، وإذا كان الحديث الذي معنا يعارض رأي الأوزاعي، لأن لفظه عام يشمل جميع الأحوال، فإن ما رواه أحمد من حديث ابن مسعود في الفتن يقيد هذا الحديث ويؤيد الأوزاعي، إذ فيه قلت: يا رسول الله، فما تأمرني إن أدركت ذلك؟ قال: كف يدك ولسانك وادخل دارك. قلت: يا رسول الله، أرأيت إن دخل رجل على داري؟ قال: فادخل بيتك (أي حجرتك) قال: قلت: أفرأيت إن دخل على بيتي؟ قال: فادخل مسجدك (أي الركن الذي تصلي فيه من حجرتك) - وقبض بيمينه على الكوع - وقل: ربي الله، حتى تموت على ذلك. وفي رواية

стр. 444

"قال: أرأيت إن دخل على أحدنا بيته؟ قال ليمسك بيده. وليكن عبد الله المقتول، لا القاتل". ولما كان مذهب أهل السنة أن المؤمن لا يخلد في النار وإن كان صائلا فقد وجهوا قوله ﷺ : "هو في النار" إلى أن معناه أنه يستحق ذلك، وقد يجازى، وقد يعفى عنه، إلا أن يكون مستحلا لذلك بغير تأويل فإنه يكفر، ولا يعفى عنه، (وللحديث تتمة في فقه الحديث الآتي فليراجع). والله أعلم

стр. 445

٢٣٩ - عن ثابت مولى عمر بن عبد الرحمن أنه لما كان بين عبد الله بن عمرو وبين عنبسة بن أبي سفيان ما كان. تيسروا للقتال. فركب خالد بن العاص إلى عبد الله بن عمرو، فوعظه خالد. فقال عبد الله بن عمرو: أما علمت أن رسول الله ﷺ قال: "من قتل دون ماله فهو شهيد". -[المعنى العام]- كان عنبسة بن أبي سفيان عاملا على الطائف من قبل أخيه معاوية، وكان لآل عمرو بن العاص بستان وحائط في الطائف، فأجرى عنبسة عينا من ماء ليسقي بها أرضا، فدنا من حائط آل عمرو، فأراد أن يخرقه ليجري العين منه إلى الأرض. فأقبل عبد الله بن عمرو ومواليه بالسلاح يدافعون عن مالهم، وقالوا: والله لا تخرقون حائطنا حتى لا يبقى منا أحد. وتأهب الفريقان للقتال. وعلم خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزومي وكان عمر ﵁ قد استعمله على مكة، وكذا استعمله عثمان، ثم معاوية، فرأى باعتباره أقرب وال من الأزمة أن يركب من مكة إلى الطائف، وتوجه إلى عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم القرشي السهمي، وأخذ ينصحه بالمسالمة والتسليم لعنبسة، باعتباره صاحب سلطة وأخا للسلطان العام، فعز على عبد الله بن عمرو أن يخضع، وكبر عليه أن يستسلم لعنبسة - وأبوه عمرو صاحب الفضل الأول في ملك معاوية -إن كبرياءه وعزته تأنفان أن يخضع للجبروت، وإنه ليؤثر الموت في عزة وإباء على حياة الذل والهوان، وإنه يحس أن معاوية جرح كرامته بعزله عن ولاية مصر، وولى مكانه أخاه عتبة بن أبي سفيان فلا يحتمل بطشا وهوانا آخرين على يد عنبسة بن أبي سفيان. وإنه ليؤمن بأنه في موقفه لكريم، له إحدى الحسنيين، إن عاش عاش عزيزا مرفوع الرأس، وإن مات مات شهيدا وله الجنة. فقال لخالد بن العاص يرد عليه نصيحته: ألم تعلم يا خالد أن رسول الله ﷺ قال: "من قتل دون ماله فهو شهيد"؟

стр. 446

-[المباحث العربية]- (لما كان ... ما كان) "كان" تامة، و"ما" فاعل "كان" الأولى، وفاعل الثانية ضمير يعود على "ما" و"لما" بتشديد الميم حرف وجود لوجود، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب تدخل على الماضي، فتقتضي جملتين، وجدت ثانيتهما عند وجود أولاهما. (تيسروا للقتال) أي تأهبوا وتهيئوا له، عنبسة وأتباعه، وعبد الله بن عمرو ومواليه. (فركب خالد بن العاص) بن هشام بن المغيرة المخزومي. فليس عم عبد الله بن عمرو كما يوهمه تشابه الأسماء قال النووي: ضبطناه "فركب" بالفاء وفي بعض الأصول "وركب" بالواو، وفي بعضها "ركب" من غير فاء ولا واو، وكله صحيح ا. هـ أما بالفاء أو الواو فإعرابه واضح، وأما بدونهما فعلى أن الجملة بدل من جملة "تيسروا للقتال" والمعنى: لما كان ... ما كان ركب خالد ... إلخ. والفصيح في العاص إثبات الياء. ويجوز حذفها، وهو الذي يستعمله معظم المحدثين، أو كلهم. (أما علمت) "أما" حرف استفتاح للتنبيه على الاهتمام بما بعدها. (من قتل دون ماله) قال القرطبي: "دون" في أصلها ظرف مكان بمعنى تحت، وتستعمل للسببية على المجاز، ووجهه أن الذي يقاتل عن ماله غالبا إنما يجعله خلفه أو تحته ثم يقاتل عليه. اهـ فالمعنى من قتل بسبب الدفاع عن ماله فهو شهيد. -[فقه الحديث]- في معنى هذا الحديث روى أبو داود والترمذي "من أريد ماله بغير حق، فقاتل فقتل فهو شهيد" وروى الترمذي وبقية أصحاب السنن الحديث السابق مع زيادة ذكر الأهل والدم والدين، وروى ابن ماجه "من أريد ماله ظلما فقتل فهو شهيد" وقد تقدم في فقه الحديث السابق كثير مما يتعلق بهذا الحديث. ولا يعترض على موقف عبد الله بن عمرو بحديث البخاري "لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره" لأنه قد يقال: إنه خاص بالجار للضرورة، وعنبسة لم يكن جارا، ثم إن النهي المذكور للتنزيه وهو مشروط بإذن المالك، فإن امتنع لم يجبر عند الحنفية وبعض الشافعية جمعا بين الحديث وبين الأحاديث الدالة على تحريم مال المسلم إلا برضاه. ثم إن من ألزم الجار بقبول غرز خشبة جاره اشترط عدم الإضرار بالمالك، إذ الخشبة تقوي الجدار ولا تضعفه، حتى لو ثقب الجدار فإن الخشبة تسد الثقب، بخلاف ثقب الحائط لمرور الماء منه، فإن الضرر محقق. والله أعلم.

стр. 447

وفي المراد من الشهادة هنا قال النووي: اعلم أن الشهيد ثلاثة أقسام: أحدها المقتول في حرب الكفار بسبب من أسباب القتال، فهذا له حكم الشهداء، في ثواب الآخرة، وفي أحكام الدنيا، وهو أنه لا يغسل، ولا يصلى عليه. والثاني: شهيد في الثواب دون أحكام الدنيا، وهو المبطون والمطعون، وصاحب الهدم، ومن قتل دون ماله، وغيرهم ممن جاءت الأحاديث الصحيحة بتسميته شهيدا، فهذا يغسل ويصلى عليه، وله في الآخرة ثواب الشهداء، ولا يلزم أن يكون مثل ثواب الأول. والثالث: من غل في الغنيمة وشبهه ممن وردت الآثار بنفي تسميته شهيدا إذا قتل في حرب الكفار، فهذا له حكم الشهداء في الدنيا فلا يغسل، ولا يصلى عليه، وليس له ثوابهم الكامل في الآخرة. والله أعلم

стр. 448

(٨٢) باب الوالي الغاش لرعيته ٢٤٠ - عن الحسن قال: عاد عبيد الله بن زياد معقل بن يسار المزني في مرضه الذي مات فيه. فقال معقل: إني محدثك حديثا سمعته من رسول الله ﷺ لو علمت أن لي حياة ما حدثتك، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من عبد يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته، إلا حرم الله عليه الجنة". ٢٤١ - عن الحسن، قال: دخل عبيد الله بن زياد على معقل بن يسار وهو وجع، فسأله فقال: إني محدثك حديثًا لم أكن حدثتكه، إن رسول الله ﷺ قال: "لا يسترعي الله عبدا رعية، يموت حين يموت وهو غاش لها، إلا حرم الله عليه الجنة" قال: ألا كنت حدثتني هذا قبل اليوم؟ قال: ما حدثتك، أو لم أكن لأحدثك. ٢٤٢ - عن الحسن، قال: كنا عند معقل بن يسار نعوده، فجاء عبيد الله بن زياد، فقال له معقل: إني سأحدثك حديثا سمعته من رسول الله ﷺ ، ثم ذكر بمعنى حديثهما. ٢٤٣ - عن أبي المليح، أن عبيد الله بن زياد عاد معقل بن يسار في مرضه، فقال له معقل: إني محدثك بحديث لولا أني في الموت لم أحدثك به. سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من أمير يلي أمر المسلمين، ثم لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم الجنة". -[المعنى العام]- قدم عبيد الله بن زياد أميرا على البصرة من قبل معاوية، قدم غلاما سفيها، يسفك الدماء سفكا شديدا، ولا يرعى حرمات الناس: ولا يقيم حدود الله، وخشي الناس من ظلمه وبطشه، ولم يجرؤ أحد

стр. 449

أن يصارحه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا من قربت منيته، روي أن عبد الله بن مغفل المزني دخل عليه ذات يوم فقال له: انته عما أراك تصنع. فقال له: وما أنت وذاك؟ فلما خرج ابن مغفل إلى المسجد قال له أصحابه: لم صنعت ما صنعت؟ ولما كلمت هذا السفيه على رءوس الناس؟ فقال: إنه كان عندي علم، فأحببت ألا أموت حتى أقول به على رءوس الناس. ثم قام. فما لبث أن مرض مرضه الذي توفي فيه فأتاه عبيد الله بن زياد يعوده، فوعظه بمثل الحديث الذي معنا. وهذا معقل بن يسار، الصحابي الجليل، قد مرض مرضه الأخير يعوده أصحابه وفيهم الحسن البصري، ثم يدخل عليهم عبيد الله بن زياد يعوده ويسأله الدعاء له، فيقول له معقل: سأحدثك حديثًا ما حدثتك به من قبل، ولولا أني في عداد الموتى ما حدثتك به. سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من وال يلي رعية من المسلمين فيموت وهو غاش لهم، إلا حرم الله عليه الجنة. قال له عبيد الله بن زياد موبخا ومهددا: لم لم تحدثني بهذا قبل اليوم؟ قال له: لم أكن لأفعل، ولو علمت أن حياتي ستمتد بعد مرضي هذا ما حدثتك به، فخرج عبيد الله يضحك ساخرا من معقل، غير عابئ بما حدث به، وبلغ معقل الأمانة، ولقي ربه راضيا مرضيا. -[المباحث العربية]- (عن الحسن) البصري. (عاد عبيد الله بن زياد) ابن أبيه، الذي يقال له: زياد بن أبي سفيان. (في مرضه الذي مات فيه) كانت وفاة معقل بالبصرة فيما بين الستين إلى السبعين من الهجرة، في خلافة يزيد بن معاوية. (قال معقل) مخاطبا عبيد الله بن زياد. (إني محدثك حديثا) "حديثا" مفعول به ثان لمحدث. (لو علمت أن لي حياة ما حدثتك) أي لو علمت أن حياتي تطول بعد مرضي هذا ما حدثتك خوفا من بطشك. (ما من عبد) "ما" نافية و"من" زائدة، لتأكيد النفي و"عبد" مبتدأ. (يسترعيه الله رعية) السين والتاء للصيرورة، أي يصيره الله راعيا لرعية، والجملة صفة (عبد) وفي رواية (استرعاه). (يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته) جملة "وهو غاش" في محل النصب على الحال من "يموت" وهذا القيد هو المقصود في الجملة وجملة "يموت" صفة ثانية لعبد.

стр. 450

(إلا حرم الله عليه الجنة) "إلا" ملغاة، والجملة خبر "عبد". (وهو وجع) بفتح الواو وكسر الجيم، أي متألم من مرضه، والجملة حال من "معقل". (فسأله) أي سأل عبيد الله معقلا ﵁ عن حاله، والأولى أن يقال: سأله الدعاء له، فإن معقلا كان من أهل الفضل الذين يزارون ويطلب دعاؤهم. (قال: ألا كنت حدثتني هذا قبل اليوم)؟ "ألا" في الأصل للتحضيض وهي هنا للتوبيخ. (كنا عند معقل بن يسار نعوده) جملة "نعوده" في محل النصب على الحال من الضمير المستكن في خبر "كان". (لولا أني في الموت) في الكلام مضاف محذوف، أي في مرض الموت وفي مقدماته. (ثم لا يجهد لهم) "يجهد" بفتح الياء وسكون الجيم وفتح الهاء أي يجتهد، وفي القاموس: جهد كمنع جد واجتهد، وفي رواية "ثم لا يجد" بكسر الجيم وتشديد الدال من الجد ضد الهزل. (وينصح) في القاموس: نصحه ونصح له. وقال المازري: النصيحة مشتقة من نصحت العسل إذا صفيته، يقال: نصح الشيء إذا خلص، ونصح له القول إذا أخلصه له، أو مشتقة من النصح وهي الخياطة بالمنصحة وهي الإبرة، والمعنى: أنه يلم شعث رعيته بالنصح كما تلم المنصحة، ومنه التوبة النصوح، كأن الذنب يمزق الدين، والتوبة تخيطه. وقال الخطابي: النصيحة كلمة جامعة، معناها حيازة الحظ للمنصوح له. -[فقه الحديث]- في سبب عدم تحديث معقل قبل مرضه. قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: إنما فعل هذا لأنه علم قبل هذا أنه ممن لا ينفعه الوعظ، كما ظهر منه مع غيره، ثم خاف معقل من كتمان الحديث، ورأى تبليغه، أو فعله لأنه خافه لو ذكره في حياته، لما يهيج عليه هذا الحديث ويثبته في قلوب الناس من سوء حاله. اهـ. قال النووي: والاحتمال الثاني هو الظاهر، والأول ضعيف، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يسقط باحتمال عدم قبوله. اهـ. وقال الحافظ ابن حجر: سبب ذلك هو ما وصفه به الحسن البصري من سفك الدماء، إذ جاء في بعض الروايات (لولا أني ميت ما حدثتك) فكأنه كان يخشى بطشه، فلما نزل به الموت أراد أن يكف بذلك بعض شره عن المسلمين. اهـ. وهذا هو السبب الراجح، ويضم إليه الرغبة في براءة الذمة من كتمان العلم، وبذل النصيحة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بكل ما يستطيع المؤمن.

стр. 451

أما تحريم الجنة على الراعي الغاش لرعيته ففيه التأويلان المتقدمان في أمثاله. أحدهما: أنه محمول على المستحل. والثاني: معناه حرم الله عليه دخولها مع الفائزين السابقين، ومعنى التحريم هنا المنع. قاله النووي. ويؤيد التأويل الثاني الرواية الرابعة، إذ فيها: "إلا لم يدخل معهم الجنة". وهذا مبني على أن الله سينفذ عليه وعيده، ولا يرضى عنه المظلومين. وأما حقيقة غش الرعية فتحصل بظلمه لهم بأخذ أموالهم، أو سفك دمائهم، أو انتهاك أعراضهم، أو حبس حقوقهم، أو ترك تعريفهم ما يجب عليهم في أمر دينهم ودنياهم أو بإهمال إقامة الحدود فيهم وردع المفسدين منهم، أو ترك حمايتهم وحماية حوزتهم، أو مجاهدة عدوهم، أو ترك سيرة العدل فيهم، فإنما استرعاه الله ليرعى شئونهم ويعينهم، ويستر عوراتهم، ويسد خلاتهم، ويدفع المضار عنهم، ويجلب المنافع لهم، ويوقر كبيرهم، ويرحم صغيرهم، ويحب لهم ما يحب لنفسه ويكره لهم ما يكره لنفسه. فمن قلب القضية وضيع ما استرعاه الله أو خانهم أو ظلمهم فقد توجه إليه الطلب بمظالم العباد يوم القيامة ﴿ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٢٨]. والله أعلم

стр. 452

(٨٣) باب رفع الأمانة ٢٤٤ - عن حذيفة ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ حديثين قد رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر. حدثنا "أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال. ثم نزل القرآن. فعلموا من القرآن وعلموا من السنة". ثم حدثنا عن رفع الأمانة قال: "ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه. فيظل أثرها مثل الوكت. ثم ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه. فيظل أثرها مثل المجل. كجمر دحرجته على رجلك. فنفط فتراه منتبرا وليس فيه شيء (ثم أخذ حصى فدحرجه على رجله) فيصبح الناس يتبايعون. لا يكاد أحد يؤدي الأمانة حتى يقال: إن في بني فلان رجلا أمينا. حتى يقال للرجل: ما أجلده! ما أظرفه! ما أعقله! وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان". ولقد أتى علي زمان وما أبالي أيكم بايعت. لئن كان مسلما ليردنه علي دينه، ولئن كان نصرانيا أو يهوديا ليردنه علي ساعيه. وأما اليوم فما كنت لأبايع منكم إلا فلانا وفلانا. -[المعنى العام]- من علامات الساعة رفع الأمانة بين الأفراد، وإهدارهم حقوق بعضهم بعضا، وبين الحكام والمحكومين وسيطرة الولاة على حقوق الرعية. وقد ورد في الصنف الثاني قوله ﷺ : "إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة قيل: كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة" وفي الصنف الأول حديث حذيفة الذي يربط الأمانة بقوة الإيمان، فحيث نزل الإيمان في القلوب، وثبت في النفوس، واستوثق بقراءة القرآن والتفقه فيه، ورسخ بالسنة والعمل بها، تحققت الأمانة، وتمكنت، وأصبح الدين مانعا من الخيانة، وحائلا بين شهوات النفس والشيطان وبين حقوق الآخرين. أما حيث يضعف الدين، وتغلب الشهوات، وتسيطر المادية، فإن الأمانة ترتفع من النفوس، كما يرتفع النور من القلوب، ويحل محل هذا النور الإلهي الران والغشاوة، وينكت في القلب نكتة سوداء، وكما بدأ الإسلام غريبا سيعود غريبا، وستقل الأمانة، حتى لا يكاد الأمين يوجد، وحتى تسري بذكره

стр. 453

الركبان، وحتى يقال إن في مكان كذا رجلا أمينا، وترى الرجل فيعجبك منظره وقوته وذكاؤه، فإذا ما عاملته وجدته خائنا غير أمين. إن الخيانة مرض ووباء ينتقل بالعدوى، وإذا كانت بعض المواطن الإسلامية اليوم لا تزال تحتفظ بقدر من الأمانة، فإن اتصالها بالخائنين سيؤدي بها عما قريب إلى رفعها، وإن من العجيب أن الأمانة ارتفعت بين المسلمين، بينما تمسك بها وحافظ عليها كثير من الكفار في عصرنا الحديث، حتى أصبح المسلمون صورة سيئة للإسلام، وما الأمانة المادية المالية إلا صورة من صور الأمانة المشروعة، التي تتمثل في أمانة الله لدى خلقه، فالعين أمانة، والأذن أمانة، واللسان أمانة، والتكاليف الشرعية أمانة، كل ذلك طلب صاحبها وخالقها أن يحافظ عليها، وأن توضع وتستعمل في مواضعها المشروعة، فمن خالف فقد ضيع الأمانة وإذا كان حذيفة ﵁ وهو المتوفى سنة ست وثلاثين من الهجرة قد أسف على الأمانة ونعى على المسلمين ضياعها، فمن لها اليوم ينعاها ويبكي عليها؟ اللهم رحمتك وهدايتك وتوفيقك فليس لنا اليوم سواك. -[المباحث العربية]- (عن حذيفة) بن اليمان، ولاه عثمان على المدائن، وقتل عثمان وهو عليها، وبايع لعلي، وحرض على المبايعة له، والقيام في نصره ومات في أوائل خلافته، وحديثه هذا إنما ساقه - والله أعلم - بالمدائن وليس بالمدينة لكثرة الأمناء بها حينئذ من الصحابة والتابعين، وكانوا يتجرون فلا يصح أن يقال: إلا فلانا وفلانا. (حدثنا رسول الله ﷺ حديثين) معناه: حدثنا حديثين في الأمانة وإلا فروايات حذيفة كثيرة في الصحيحين وغيرهما، قال صاحب التحرير: وعني بأحد الحديثين قوله: حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، وبالثاني قوله: ثم حدثنا عن رفع الأمانة .... إلخ، وقيل: هذان حديث واحد، ولعل الثاني في حديث عرض الفتن الآتي في الباب التالي. (فنزلت في جذر قلوب الرجال) "الجذر" بفتح الجيم وكسرها، الأصل في كل شيء، وذكر الرجال للتغليب، ونزولها في جذر قلوب الرجال كناية عن خلق الله تعالى في تلك القلوب قابلية التزام حفظها. (فعلموا من القرآن وعلموا من السنة) في رواية البخاري "علموا من السنة" والمراد من السنة ما يتلقونه عن النبي ﷺ واجبا كان أو مندوبا. (ثم حدثنا عن رفع الأمانة) المراد برفع الأمانة إذهابها وحدها أو إذهاب الأمناء وقبضهم، بحيث يكون الأمين معدوما أو شبه معدوم. والأمانة ضد الخيانة، وقيل الفرائض والتكاليف، وسيأتي توضيح هذا البحث في فقه الحديث.

стр. 454

(ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة) بعض القبض، وذكر النوم كناية عن ذهابها في الغفلة وضعف العقيدة والإيمان، وليس المراد أنها تقبض في الليل دون النهار، وفي القاموس: قبض مبني للمجهول: مات، فشبه ذهاب الأمانة بالموت. (فيظل أثرها مثل الوكت) بفتح الواو وسكون الكاف، الأثر اليسير، وقيل: السواد اليسير، وقيل: أثر النار من السواد في اللون. وأصل "يظل" معناه يعمل بالنهار، ثم أطلق على كل وقت، وهي هنا على بابها، لأنه ذكر الحالة التي تكون بعد النومة، والمعنى: أن الأمانة تذهب حتى لا يبقى منها إلا الأثر الخفيف الذي يشبه الوكت في ظاهر البدن. (فيظل أثرها مثل المجل) بفتح الميم وسكون الجيم وفتحها. لغتان، والمشهور الإسكان، يقال: مجلت يده بكسر الجيم تمجل بفتحها مجلا بفتحها أيضا ومجلت يده بفتح الجيم تمجل بضمها مجلا بسكونها لغتان مشهورتان، والمجل: ارتفاع في الجلد يظهر في اليد من العمل بفأس أو نحوها، وفي الرجل بسبب الحذاء ونحوه، ويصير مثل القبة، ويمتلئ بالماء. (كجمر دحرجته على رجلك) أي كأثر جمر، أو كمكان جمر، ففي الكلام مضاف محذوف. (فنفط فتراه منتبرا) نفط بفتح النون وكسر الفاء: انتفخ، وانتبر الجرح وانتفط إذا ورم وامتلأ ماء، قال النووي: ولم يقل نفطت مع أن الرجل مؤنثة، إما أن يكون ذكر "نفط" إتباعا للفظ الرجل، وإما أن يكون إتباعا لمعنى الرجل، وهو العضو. اهـ. ولكننا قلنا سابقا: إن في الكلام مضافا محذوفا، تقديره: كمكان جمر دحرجته على رجلك فنفط، ففاعل نفط يعود على مكان دحرجة الجمر وليس على الرجل. قال صاحب التحرير: معنى الحديث أن الأمانة تزول عن القلوب شيئا فشيئا، فإذا زال أول جزء منها زال نورها، وخلفته ظلمة كالوكت، وهو اعتراض لون مخالف للون الذي قبله، فإذا زال شيء آخر صار كالمجل وهو أثر محكم لا يكاد يزول إلا بعد مدة، وهذه الظلمة فوق التي قبلها، ثم شبه زوال ذلك النور بعد وقوعه في القلب وخروجه بعد استقراره فيه واعتقاب الظلمة إياه بجمر يدحرجه على رجله، حتى يؤثر فيها، ثم يزول الجمر، ويبقى التنفط، وأخذه الحصى ودحرجته إياه أراد به زيادة البيان وإيضاح المذكور. (فيصبح الناس يتبايعون) أي يبيعون ويشترون. (لا يكاد أحد يؤدي الأمانة) تصوير لقلة الأمانة وندرتها، وقرب رفعها نهائيًا. (حتى يقال: إن في بني فلان أمينا) في رواية البخاري (فيقال) وهذا تصوير ثان وكناية عن ندرة الأمين. (حتى يقال للرجل ما أجلده، ما أظرفه، ما أعقله) (ما أجلده) أي ما أقواه وأصلبه،

стр. 455

و"ما أظرفه" أي: ما أحسن وجهه وهيئته ولسانه، و"ما أعقله" أي: ما أقوى عقله وذهنه وتفكيره وتمييزه الحسن من القبيح. (وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان) الخردل نبات له حب أسود مقرح، صغير جدا، يضرب به المثل في الصغر بين الحبوب والواحدة خردلة، وليس المقصود من حبة الخردل هنا وزنها على الحقيقة، بل المراد المبالغة في الصغر، وهل المراد من الإيمان الأمانة باعتبارها لازمة له، أو حقيقة الإيمان؟ سيأتي توضيحه في فقه الحديث. (ولقد أتى علي زمان) يقصد زمان الصدر الأول في الإسلام. (وما أبالي أيكم بايعت) من المبايعة بالخلافة، أو من البيع والشراء. التحقيق سيأتي بيانه في فقه الحديث، و"أيكم" بالنصب مفعول مقدم لبايعت، والجملة معمول "أبالي" والمعنى: كنت في هذا الزمان لوثوقي بوجود الأمانة في الناس، أقدم على مبايعة من اتفق، من غير بحث عن حاله. (لئن كان مسلما) أي لئن كان من بايعته مسلما، وأخذ حقي خطأ. (ليردنه علي دينه) أي ليرجعنه دينه وأمانته إلي بحقي، ويحول بينه وبين الخيانة. (ليردنه علي ساعيه) أي الوالي عليه، فإنه أيضا كان يقوم بالأمانة في ولايته، فيستخرج حقي منه، وأكثر ما يستعمل الساعي في ولاة الصدقة ويحتمل أن يراد به هنا الذي يتولى قبض الجزية. (وأما اليوم فما كنت لأبايع منكم إلا فلانا وفلانا) يحتمل أن يكون ذكره بهذا اللفظ، وأبهم لعدم جرح المخاطبين بما يعادل اتهامهم بالخيانة، ويحتمل أن يكون قد سمى اثنين من المشهورين بالأمانة إذ ذاك، فأبهمهما الراوي، والأول، هو الظاهر، لأنهم إنما يبهمون في الذم، أما في الوصف بالمدح فلا داعي للإبهام، ولكن إبهامه هو ليحسن كل من المخاطبين الظن بنفسه، والمعنى: لست أثق بأحد أأتمنه على بيع ولا شراء إلا فلانا وفلانا. -[فقه الحديث]- قال الله تعالى: ﴿إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا﴾ [الأحزاب: ٧٣]. قال صاحب التحرير: الأمانة المذكورة في الحديث هي الأمانة المذكورة في الآية، وهي عين الإيمان، فإن استمكنت في القلب قام بأداء ما أمر به، واجتنب ما نهي عنه.

стр. 456

وقال ابن التين: الأمانة كل ما يخفى ولا يعلمه إلا الله من المكلف، وعن ابن عباس: هي الفرائض التي أمروا بها ونهوا عنها، وقيل: هي الطاعة، وقيل: هي التكاليف، وقال ابن العربي: المراد بالأمانة في حديث حذيفة الإيمان، وتحقيق ذلك فيما ذكر من رفعها: أن الأعمال السيئة لا تزال تضعف الإيمان، حتى إذا ما تناهى الضعف لم يبق إلا أثر الإيمان وهو التلفظ باللسان والاعتقاد الضعيف في ظاهر القلب، وقال حذيفة هذا القول لما تغيرت الأحوال التي كان يعرفها على عهد النبوة والخليفتين فأشار إلى ذلك بالمبايعة، وكني عن الإيمان بالأمانة، وعما يخالف أحكامه بالخيانة. اهـ. فالأمانة في قول جميعهم: الطاعة والفرائض التي يتعلق بأدائها الثواب وبتضييعها العقاب. وما الأمانة في الأموال إلا جزئية من جزئيات الأمانة في معناها الشرعي العام. أما المبايعة المذكورة في الحديث فالمراد منها المبادلة بالبيع والشراء. قال النووي: حمل بعض العلماء المبايعة هنا على بيعة الخلافة وغيرها من المعاقدة والتحالف في أمور الدين. قال صاحب التحرير، والخطابي: وهذا خطأ من قائله، وفي الحديث مواضع تبطل قوله، منها قوله: "ولئن كان نصرانيًا أو يهوديًا" ومعلوم أن النصراني واليهودي لا يعاقد على شيء من أمور الدين. اهـ. وقد يشكل على حديث حذيفة أن ظاهر قوله: "وأنا أنتظر الآخر" يفيد أن الأمانة لم ترفع، وأنه ينتظر رفعها، وقوله: "أما اليوم فما كنت لأبايع إلا فلانا وفلانا" يفيد أنها قد رفعت، وفي هذا تعارض. وقد أجاب عن هذا الحافظ ابن حجر، فقال: إن آخر الحديث يدل على قلة من ينسب للأمانة بالنسبة إلى حال الأولين، فالذين أشار إليهم بقوله: "ما كنت لأبايع إلا فلانا وفلانا" هم من أهل العصر الأخير الذي أدركه، والأمانة فيهم بالنسبة إلى العصر الأول أقل، وأما الذي ينتظره، فإنه حيث تفقد الأمانة من الجميع إلا النادر. والله أعلم.

стр. 457

(٨٤) باب الفتن التي تموج موج البحر ٢٤٥ - عن حذيفة ﵁ قال: كنا عند عمر، فقال: أيكم سمع رسول الله ﷺ يذكر الفتن؟ فقال قوم: نحن سمعناه. فقال: لعلكم تعنون فتنة الرجل في أهله وجاره؟ قالوا: أجل، قال: تلك تكفرها الصلاة والصيام والصدقة. ولكن أيكم سمع النبي ﷺ يذكر الفتن التي تموج موج البحر؟ قال حذيفة: فأسكت القوم. فقلت: أنا. قال: أنت لله أبوك! قال حذيفة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا. فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء. وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء. حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا. فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض. والآخر أسود مربادا، كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا. إلا ما أشرب من هواه". قال حذيفة: وحدثته، أن بينك وبينها بابا مغلقا يوشك أن يكسر. قال عمر: أكسرا، لا أبا لك! فلو أنه فتح لعله كان يعاد. قلت: لا بل يكسر. وحدثته، أن ذلك الباب رجل يقتل أو يموت. حديثا ليس بالأغاليط. قال أبو خالد: فقلت لسعد: يا أبا مالك! ما أسود مربادا؟ قال: شدة البياض في سواد، قال قلت: فما الكوز مجخيا؟ قال: منكوسا. ٢٤٦ - عن ربعي، قال: لما قدم حذيفة من عند عمر، جلس فحدثنا. فقال: إن أمير المؤمنين أمس لما جلست إليه سأل أصحابه: أيكم يحفظ قول رسول الله ﷺ في الفتن؟ وساق الحديث بمثل حديث أبي خالد. ولم يذكر تفسير أبي مالك لقوله "مربادا مجخيا". ٢٤٧ - عن حذيفة ﵁ أن عمر قال: من يحدثنا، أو قال: أيكم يحدثنا (وفيهم حذيفة) ما قال رسول الله ﷺ في الفتنة؟ قال حذيفة: أنا. وساق الحديث كنحو حديث أبي مالك عن ربعي. وقال في الحديث: قال حذيفة: حدثته حديثا ليس بالأغاليط. وقال: يعني أنه عن رسول الله ﷺ .

стр. 458

-[المعنى العام]- صورة رائعة لمجالس الحكام والأمراء، صورة خالية من الغيبة والنميمة والوشاية والإيقاع بالناس، صورة يجتمع فيها الملك والدين والوعظ وملائكة الرحمة، صورة يفتتحها الخليفة عمر بن الخطاب ﵁ بسؤال رعيته عما يحفظون من حديث رسول الله ﷺ في الفتن، وصورة يجيب الصحابة فيها بما يعلمون، يجيبون بفتنة الرجل وامتحانه في زوجه وولده وماله وجاره، فيقول عمر: لست عن هذه أسأل، ليس هذا أريد، لم أسأل عن فتنة الخاصة، ولكن عن التي تموج كموج البحر، فسكت الحاضرون، حيث لم يكونوا يحفظون. قال حذيفة: أنا يا أمير المؤمنين، أحفظها كما قالها رسول الله ﷺ قال له عمر: أنت تحفظها يا حذيفة؟ حسنا. لله أبوك، هات إنك على ذكرها لجريء. قال حذيفة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: تعرض الفتن على القلوب فتنة فتنة، كما يعرض ناسج الحصير على الخيط عودا عودا، فكل قلب يقبلها ينقط فيه نقطة سوداء، حتى يتحول نوره إلى ظلام، وحتى يطبع عليه الران، وحتى يغلق عن سماع الخير والمعروف، وحتى ينصرف إلى الشر والهوى، وحتى يندفع في تيار الإيذاء وسفك الدماء. وكل قلب ينكرها يزداد نورا على نور، وإيمانا فوق إيمان، حتى يصبح الناس أمام الفتنة أحد رجلين، رجل قلبه بياض ناصع، لا يقبل الدخن، كالحجر الأملس الذي لا يقبل الشر، ورجل قلبه أسود لا يبصر ولا يعقل، فرفع عمر يديه، وقال: اللهم لا تدركني، فقال حذيفة: لا تخف لا بأس عليك منها يا أمير المؤمنين، إن بينك وبينها بابا مغلقا، يوشك أن يكسر، قال عمر: لا أب لك يا حذيفة، يكسر أو يفتح؟ قال: لا يفتح، بل يكسر. قال: أكسرا؟ قال: نعم. قال: إذا كسر لم يغلق، لو أنه فتح لعله كان يعاد. قال: يكسر ولا يغلق إلى يوم القيامة. ثم قال حذيفة: يا أمير المؤمنين، إن هذا الباب الذي بينك وبينها رجل يقتل أو يموت وكان عمر ﵁ يعلم أنه هو الباب علما مؤكدا، كما يعلم أن بعد النهار ليلا فاستعاذ من الفتنة. نعوذ بالله منها، ونسأله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة رب العالمين. -[المباحث العربية]- (يذكر الفتن) قال أهل اللغة: أصل الفتنة في كلام العرب الابتلاء والامتحان والاختبار، قال الراغب: أصل الفتن إدخال الذهب في النار لتظهر جودته من رداءته ويستعمل في إدخال الإنسان النار، ويطلق على العذاب، كقوله: ﴿ذوقوا فتنتكم﴾ [الذاريات: ١٤]، وعلى الاختبار كقوله: ﴿وفتناك فتونا﴾ [طه: ٤٠] وفيما يدفع إليه الإنسان من شدة ورخاء، وفي الشدة أظهر معنى، وأكثر استعمالا، قال تعالى: ﴿ونبلوكم بالشر والخير فتنة﴾ [الأنبياء: ٣٥] ومنه قوله: ﴿وإن كادوا ليفتنونك﴾ [الإسراء: ٧٣] أي يوقعونك

стр. 459

في بلية وشدة في صرفك عن العمل بما أوحي إليك، وقال غيره: أصل الفتنة الاختبار، ثم استعملت فيما أخرجته المحنة والاختبار إلى المكروه، ثم أطلقت على كل مكروه، أو آيل إليه، كالكفر والإثم والتحريق والفضيحة والفجور وغير ذلك. (لعلكم تعنون) بفتح التاء، أي تريدون وتقصدون. (فتنة الرجل في أهله وجاره) فتنة الرجل في أهله وماله وولده ضروب من فرط محبته لهم، وشحه عليهم، وانشغاله بهم عن كثير من الخير، كما قال تعالى: ﴿إنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾ [الأنفال: ٢٨] أو لتفريطه في ما يلزم من القيام بحقوقهم وتأديبهم وتعليمهم، فإنه راع لهم ومسئول عن رعيته، وكذلك فتنة الرجل في جاره من هذا القبيل. وذكر "الرجل" لأنه الغالب، وصاحب الحكم في داره وأهله وإلا فالنساء شقائق الرجال في الحكم. (قالوا: أجل) حرف جواب مثل نعم، وعن الأخفش: هي بعد الخبر أحسن من نعم. (التي تموج موج البحر) أي تضطرب، ويرفع بعضها بعضا، وشبهها بموج البحر لشدة عظمها، وكثرة شيوعها، قال الحافظ ابن حجر: كني بذلك عن شدة المخاصمة وكثرة المنازعة، وما ينشأ عن ذلك من المشاتمة والمقاتلة. (فأسكت القوم) "أسكت" بهمزة قطع، كذا هو في الأصول قال جمهور أهل اللغة: سكت وأسكت لغتان بمعنى صمت، وقال الأصمعي: سكت صمت وأسكت أطرق. وإنما سكت القوم لأنهم لم يكونوا يحفظون هذا النوع من الفتنة، بل حفظوا النوع الأول. (فقلت: أنا) في رواية البخاري: قلت: "أنا كما قاله" أي أحفظه كما قاله، وفي رواية أخرى للبخاري "أنا أحفظه كما قال". (قال: أنت؟ لله أبوك) كلمة مدح تعتاد العرب الثناء بها، فإن الإضافة إلى العظيم تشريف كبيت الله وناقة الله. قال صاحب التحرير: إذا وجد من الولد ما يحمد قيل: لله أبوك حيث أتى بمثلك، وفي رواية البخاري "هات إنك لجريء" وفي رواية أخرى "إنك عليه [أي على الرسول ﷺ ] أو عليها [على المقالة] لجريء، فكيف قال؟ ". (تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا) اختلف في ضبط "عودا عودا" على ثلاثة أوجه: بضم العين وبالدال، وهو أظهرها وأشهرها، وبفتح العين وسكون الواو مع دال في آخره، أي تعاد وتكرر شيئا بعد شيء، وبفتح العين وسكون الواو مع ذال معجمة بدل الدال، ومعناه سؤال الاستعاذة منها، كما يقال غفرانا غفرانا، أي نسألك أن تعيذنا من ذلك، ومعنى تعرض تلصق بعرض القلوب، أي جانبها كما يلصق الحصير بجنب النائم، ويؤثر شدة التصاقها به، وقال بعضهم: معناه:

стр. 460

تظهر على القلوب، أي تظهر على القلوب فتنة بعد أخرى، كما ينسج الحصير عودا عودا، وشظية بعد أخرى، وذلك أن ناسج الحصير عند العرب كلما صنع عودا أخذ آخر ونسجه. (فأي قلب أشربها) أي دخلت فيه دخولا تاما وألزمها، وحلت منه محل الشراب، ومنه قوله تعالى: ﴿وأشربوا في قلوبهم العجل﴾ [البقرة: ٩٣] أي حب العجل، ومنه قولهم ثوب مشرب بحمرة، أي خالطته الحمرة مخالطة لا انفكاك لها. (نكت فيه نكتة سوداء) أي نقط فيه نقطة، قال ابن دريد وغيره: كل نقطة في شيء بخلاف لونه فهو نكت. (وأي قلب أنكرها) أي ردها ولم يقبلها. (حتى تصير على قلبين) أي حتى تكون الفتنة أمام نوعين من القلوب. (على أبيض مثل الصفا) "الصفا" الحجر الأملس الذي لا يعلق به شيء و (أبيض) صفة لموصوف محذوف و"مثل الصفا" صفة أخرى للموصوف المحذوف، وليس صفة لأبيض، والتقدير: على قلب أبيض على قلب مثل الصفا، فشبه شدة القلب على عقد الإيمان وسلامته من الخلل وأن الفتن لا تلصق به ولا تؤثر فيه بالحجر الأملس الذي لا يعلق به شيء. (والآخر أسود مربادا) منصوب على الحال من الضمير في "أسود" وهو بتشديد الدال، وروي "مربئد" بتشديد الدال أيضا، مع الرفع على الوصف، والمربد الذي يجمع بين شبه البياض مع السواد، أي هو ما فيه شيء من بياض يسير يخالط السواد، وقيل: مربد لون بين السواد والغبرة، وقيل: أن يختلط السواد بكدرة. (كالكوز مجخيا) "الكوز" إناء له يد يغرف به الماء "مجخيا" بضم الميم وفتح الجيم وتشديد الخاء المكسورة، أي مائلا منكوسا مقلوبا. فوصف القلب الآخر بوصفين، بالسواد مع الغبرة، وشبهه بالكوز المنكوس، فكما أن الكوز المنكوس لا يعلق به ماء كذلك هذا القلب لا يعلق به خير ولا حكمة، كما قال: (لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا) صفة ثالثة للقلب، أي لا ينصاع إلى معروف ولا يرفض منكرا. (إلا ما أشرب من هواه) استثناء منقطع، أي لكن يتبع هواه الذي تمكن منه. (قال حذيفة: وحدثته) أي وحدثت عمر ﵁. (أن بينك وبينها بابا مغلقا) أي بينك وبين الفتن المذكورة بابا مغلقا، وأنه لا يخرج منها شيء في حياتك، وفي رواية البخاري "ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين، إن بينك وبينها بابا
следующие страницы →