← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.

стр. 3956

وذكر حديث شهود الملائكة بدرا وقد ذكره مسلم قبل عشرة أبواب. وذكر حديث أبي طلحة "أن نبي الله ﷺ أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش فقذفوا في طوي من أطواء بدر [أي في بئر مهمل] خبيث مخبث وبعد ثلاث قام يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: يا فلان ابن فلان ويا فلان ابن فلان أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا؟ فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فقال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها؟ فقال رسول الله ﷺ : والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم". وذكر أحاديث في فضل من شهد بدرا وأحاديث للبدريين وأخيرا ذكر أسماء البدريين مرتبة على حروف المعجم فمن أراد البسط فليراجع. -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - استشارة الأصحاب وأهل الرأي والخبرة. ٢ - ومن انصرافه من الصلاة قال النووي: فيه استحباب تخفيف الصلاة إذا عرض أمر في أثنائها. ٣ - ومن ضرب الغلام جواز ضرب الكافر الذي لا عهد له وإن كان أسيرا قاله النووي: والأظهر أن فيه جواز الضرب لإظهار الحقيقة إذا ظن إخفاؤها هذا على أساس أن النبي ﷺ أقر ذلك. ٤ - وفي الحديث معجزتان من أعلام النبوة إحداهما إخباره ﷺ بمصرع جبابرتهم فلم يتعد أحد مصرعه الثانية إخباره ﷺ بأن الغلام الذي كانوا يضربونه يصدق إذا تركوه ويكذب إذا ضربوه وكان كذلك في نفس الأمر. ٥ - فيه منقبة عظيمة لسعد بن عبادة وجهاده لرفعة راية الإسلام. ٦ - ما كان عليه ﷺ من شغل أوقاته بالصلاة النافلة حتى في وقت الشدة. والله أعلم.

стр. 3957

(٤٩١) باب فتح مكة ٤٠٦١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: وفدت وفود إلى معاوية وذلك في رمضان. فكان يصنع بعضنا لبعض الطعام فكان أبو هريرة مما يكثر أن يدعونا إلى رحله فقلت: ألا أصنع طعاما فأدعوهم إلى رحلي. فأمرت بطعام يصنع. ثم لقيت أبا هريرة من العشي فقلت الدعوة عندي الليلة فقال: سبقتني؟ قلت: نعم فدعوتهم فقال أبو هريرة: ألا أعلمكم بحديث من حديثكم يا معشر الأنصار ثم ذكر فتح مكة فقال: أقبل رسول الله ﷺ حتى قدم مكة فبعث الزبير على إحدى المجنبتين وبعث خالدا على المجنبة الأخرى وبعث أبا عبيدة على الحسر فأخذوا بطن الوادي ورسول الله ﷺ في كتيبة. قال: فنظر فرآني فقال "أبو هريرة" قلت: لبيك يا رسول الله فقال "لا يأتيني إلا أنصاري" زاد غير شيبان فقال "اهتف لي بالأنصار" قال: فأطافوا به ووبشت قريش أوباشا لها وأتباعا فقالوا نقدم هؤلاء فإن كان لهم شيء كنا معهم وإن أصيبوا أعطينا الذي سئلنا فقال رسول الله ﷺ "ترون إلى أوباش قريش وأتباعهم" ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى ثم قال: "حتى توافوني بالصفا" قال فانطلقنا فما شاء أحد منا أن يقتل أحدا إلا قتله وما أحد منهم يوجه إلينا شيئا قال: فجاء أبو سفيان فقال يا رسول الله أبيحت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم ثم قال "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" فقالت الأنصار بعضهم لبعض: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته قال أبو هريرة وجاء الوحي وكان إذا جاء الوحي لا يخفى علينا فإذا جاء فليس أحد يرفع طرفه إلى رسول الله ﷺ حتى ينقضي الوحي فلما انقضى الوحي قال رسول الله ﷺ "يا معشر الأنصار" قالوا: لبيك يا رسول الله قال "قلتم أما الرجل فأدركته رغبة في قريته" قالوا: قد كان ذاك قال "كلا إني عبد الله ورسوله هاجرت إلى الله وإليكم والمحيا محياكم والممات مماتكم" فأقبلوا إليه يبكون ويقولون والله ما قلنا الذي قلنا إلى الضن بالله وبرسوله فقال رسول الله ﷺ "إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم" قال: فأقبل الناس إلى دار أبي سفيان وأغلق الناس أبوابهم قال: وأقبل رسول الله ﷺ حتى أقبل إلى الحجر

стр. 3958

فاستلمه ثم طاف بالبيت قال: فأتى على صنم إلى جنب البيت كانوا يعبدونه قال: وفي يد رسول الله ﷺ قوس وهو آخذ بسية القوس فلما أتى على الصنم جعل يطعنه في عينه ويقول: ﴿جاء الحق وزهق الباطل﴾ فلما فرغ من طوافه أتى الصفا فعلا عليه حتى نظر إلى البيت ورفع يديه فجعل يحمد الله ويدعو بما شاء أن يدعو. ٤٠٦٢ - وفي رواية عن سليمان بن المغيرة بهذا الإسناد: وزاد في الحديث: ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى "احصدوهم حصدا" وقال في الحديث: قالوا: قلنا ذاك يا رسول الله قال "فما اسمي إذا؟ كلا إني عبد الله ورسوله". ٤٠٦٣ - عن عبد الله بن رباح قال: وفدنا إلى معاوية بن أبي سفيان وفينا أبو هريرة فكان كل رجل منا يصنع طعاما يوما لأصحابه فكانت نوبتي فقلت: يا أبا هريرة اليوم نوبتي فجاءوا إلى المنزل ولم يدرك طعامنا فقلت: يا أبا هريرة لو حدثتنا عن رسول الله ﷺ حتى يدرك طعامنا فقال كنا مع رسول الله ﷺ يوم الفتح فجعل خالد بن الوليد على المجنبة اليمني وجعل الزبير على المجنبة اليسرى وجعل أبا عبيدة على البياذقة وبطن الوادي فقال "يا أبا هريرة ادع لي الأنصار" فدعوتهم فجاءوا يهرولون. فقال "يا معشر الأنصار هل ترون أوباش قريش" قالوا: نعم قال "انظروا إذا لقيتموهم غدا أن تحصدوهم حصدا" وأخفى بيده ووضع يمينه على شماله وقال "موعدكم الصفا" قال: فما أشرف يومئذ لهم أحد إلا أناموه قال: وصعد رسول الله ﷺ الصفا وجاءت الأنصار فأطافوا بالصفا فجاء أبو سفيان فقال يا رسول الله أبيدت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم قال أبو سفيان: قال رسول الله ﷺ "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن ألقى السلاح فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن" فقالت الأنصار: أما الرجل فقد أخذته رأفة بعشيرته ورغبة في قريته ونزل الوحي على رسول الله ﷺ قال "قلتم أما الرجل فقد أخذته رأفة بعشيرته ورغبة في قريته ألا فما اسمي إذا ثلاث مرات أنا محمد عبد الله ورسوله هاجرت إلى الله وإليكم فالمحيا محياكم والممات مماتكم" قالوا: والله ما قلنا إلا ضنا بالله ورسوله قال "فإن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم".

стр. 3959

٤٠٦٤ - عن عبد الله ﵁ قال: دخل النبي ﷺ مكة وحول الكعبة ثلاث مائة وستون نصبا فجعل يطعنها بعود كان بيده ويقول ﴿جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا﴾ [الإسراء: ٨١] ﴿جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد﴾ [سبأ: ٤٩]. زاد ابن أبي عمر يوم الفتح. ٤٠٦٥ - -/- وفي رواية عن ابن أبي نجيح بهذا الإسناد إلى قوله (زهوقا) ولم يذكر الآية الأخرى وقال بدل "نصبا" "صنما". ٤٠٦٦ - عن عبد الله بن مطيع عن أبيه ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول "يوم فتح مكة لا يقتل قرشي صبرا بعد هذا اليوم إلى يوم القيامة". ٤٠٦٧ - وفي رواية عن زكرياء بهذا الإسناد وزاد قال: ولم يكن أسلم أحد من عصاة قريش غير مطيع كان اسمه العاصي فسماه رسول الله ﷺ مطيعا. -[المعنى العام]- في ذي القعدة سنة ست من الهجرة خرج رسول الله ﷺ من المدينة قاصدا العمرة فصدهم المشركون عن الوصول إلى البيت عند الحديبية ووقع بينهم الصلح المشهور وفيه أن يرجع من عامه هذا على أن يدخل مكة في العام المقبل وفيه [من أحب أن يدخل في عقد رسول الله ﷺ وعهده فليدخل ومن أحب أن يدخل في عقد قريش فليدخل] فدخلت بنو بكر بن عبد مناة في عهد قريش ودخلت خزاعة في عهد الرسول ﷺ وكان بين بكر وخزاعة حروب وقتلى في الجاهلية فلما كانت الهدنة خرج نوفل بن معاوية من بني بكر حتى بيت خزاعة على ماء لهم يقال له الوثير فأصاب منهم رجلا يقال له منبه واستيقظت لهم خزاعة فاقتتلوا إلى أن دخلوا الحرم ولم يتركوا القتال وأمدت قريش بني بكر بالسلاح والطعام وقاتل بعضهم معهم ليلا في خفية وانتصرت بنو بكر على خزاعة فجاء وفد خزاعة يستنصر بالمسلمين وبرسول الله ﷺ فكتب رسول الله ﷺ إلى قريش أنهم نقضوا العهد وخيرهم بين ثلاث أن يودوا قتيل خزاعة وبين أن يبرءوا من حلف بكر وبين أن ينبذ إليهم على السواء فقالوا: لا نودي ولا نبرأ ولكننا ننبذ إليه سواء فخرج إليهم رسول الله ﷺ في عشرة آلاف من أصحابه على رأس ثمان سنين ونصف السنة من الهجرة على الأصح ولما علم بذلك أبو

стр. 3960

سفيان زعيم قريش وتأكد أن قريشا لا قبل لها بالمسلمين خرج إلى رسول الله ﷺ عند مر الظهران يطلب منه الأمان لقريش وأسلم فقال رسول الله ﷺ : من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن ومن أغلق عليه داره فهو آمن ودخلت القوات المسلمة مكة خالد بن الوليد على الميمنة والزبير بن العوام على الميسرة وأبو عبيدة بن الجراح على الساقة ونهاهم رسول الله ﷺ عن القتال وكانت قريش قد جمعت من حولها جموعا من أوباش القبائل وغوغائهم واستعدت لحرب المسلمين فلما وقع الأمان لأبي سفيان لم يلتزم به الغوغائيون وتعرضوا لقتال المسلمين ودخل الناس دورهم ودار أبي سفيان فأشار النبي ﷺ للأنصار: أن احصدوهم حصدا فحصدوا منهم أربعة وعشرين رجل وفر الباقون وأوقف رسول الله ﷺ إراقة الدماء بعد أن شكى إليه أبو سفيان وقال له أبيدت قريش وأعلن الأمان لقريش أمانا على الأرواح وأمانا على الممتلكات لا أسرى ولا غنائم ولا قتل وهذا أسلوب لم يعهده الأنصار في حروبهم السابقة فقال بعضهم لبعض: إن النبي ﷺ يحكم بشريته أخذته الرقة والرأفة بأهله فاتخذ هذا القرار ونخشى أن تأخذه عاطفة الوطن وحبه لمكة أن يقيم بها وينصرف عنا وعن ديارنا وأوحي إلى النبي ﷺ بما قالوا فدعاهم فسألهم فأقروا واعتذروا بأن هذا الكلام صدر منهم لشدة حرصهم عليه وعلى جواره فصدقهم وقبل عذرهم وطمأنهم بأنه عبد الله ورسوله لا يصدر إلا عن الوحي ولا ينفذ إلا ما أمره الله به وقد أمره ربه أن تكون حياته بالمدينة مع الأنصار فلا يفسد هجرته وأن يكون مماته بالمدينة بين الأنصار ففرحوا بهذا النبأ وبكوا لشدة فرحتهم بحيازتهم لرسول الله ﷺ . ثم أخذ رسول الله ﷺ طريقه إلى المسجد الحرام وإلى الكعبة والمسلمون من حوله فدخل المسجد واتجه نحو الحجر الأسود فاستلمه وطاف حول الكعبة وحطم الأصنام التي كانت في المسجد وعددها ثلاثمائة وستون صنما حطم بعضها بقوس كان في يده وهو يقول: جاء الحق وزهق الباطل ﴿إن الباطل كان زهوقا﴾ وأمر بتحطيم باقيها ثم عاد حاجب الكعبة وأمين مفتاحها عثمان بن طلحة فأخذ منه المفتاح ففتحها ودخلها وصلى بداخلها ومكث فيها ما شاء الله ثم أعاد المفتاح إلى عثمان بن طلحة وقال: "خذها -أي المفاتيح- خالدة مخلدة إني لم أدفعها إليكم ولكن الله دفعها إليكم ولا ينزعها منكم إلا ظالم فظلوا خزنة الكعبة وحافظي مفتاحها هم وورثتهم حتى اليوم. فلما فرغ ﷺ من طوافه أتى الصفا فارتقى ربوته ونظر إلى الكعبة وأخذ يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله ويدعوه بما شاء من الدعاء. ثم أعلن ﷺ قرار ربه "لا يقتل قريشي صبرا بعد هذا اليوم إلى يوم القيامة". "إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما ولا يعضد بها شجرا فإن أحد ترخص لقتال رسول الله ﷺ فيها فقولوا له: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم وإنما أذن له فيها ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس وليبلغ الشاهد الغائب". ومكث ﷺ بمكة تسعة عشر يوما وعاد إلى المدينة وهو يقرأ في

стр. 3961

صلاته ﴿إذا جاء نصر الله والفتح* ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا* فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا﴾ -[المباحث العربية]- (وفدت وفود إلى معاوية) يقال: وفد على القوم وإليهم بفتح الفاء يفد بكسرها وفدا ووفودا ووفادة. قدم وقائل ذلك عبد الله بن رباح ولما كان حديث رسول الله ﷺ هذا عن أبي هريرة قال في الإسناد: عن أبي هريرة وكان الأولى أن يقول: عن عبد الله بن رباح قال: وفدت وفود ... إلخ وفي الرواية الثانية "وفدنا إلى معاوية بن أبي سفيان وفينا أبو هريرة". (فكان يصنع بعضنا لبعض الطعام) في الرواية الثانية "فكان كل رجل منا يصنع طعاما يوما لأصحابه" (فكان أبو هريرة مما يكثر أن يدعونا إلى رحله) أي كان أبو هريرة من الأشخاص الذين يدعوننا بكثرة إلى منازلهم ورحالهم ويعني هذا أن بعضهم كان مقلا وبعضهم كان مكثرا. (فقلت: ألا أصنع طعاما فأدعوهم إلى رحلي؟ ) أي قلت في نفسي أو لأهلي أحضها على أن تفعل. (ثم لقيت أبا هريرة من العشي) أي آخر النهار. (فقلت: الدعوة عندي الليلة فقال: سبقتني؟ ) على الاستفهام وفي الرواية الثانية: "فقلت: يا أبا هريرة اليوم نوبتي". (فدعوتهم فقال أبو هريرة: ألا أعلمكم بحديث من حديثكم يا معشر الأنصار؟ ) أي أعرض عليكم أن أعلمكم وأخبركم وفي الكلام طي أوضحته الرواية الثانية وفيها "فجاءوا إلى المنزل ولم يدرك طعامنا -يقال: أدرك التمر أي نضج أي لم ينضج طعامنا- فقلت: يا أبا هريرة: لو حدثتنا عن رسول الله ﷺ ؟ حتى يدرك طعامنا؟ فقال .. ". (أقبل رسول الله ﷺ حتى قدم مكة) أي أقبل من المدينة في أول رمضان بعد ثمان سنوات ونصف السنة من الهجرة ليفتح مكة وسار بأصحابه حتى قارب مكة. (فبعث الزبير على إحدى المجنبتين وبعث خالدا على المجنبة الأخرى وبعث أبا عبيدة على الحسر فأخذوا بطن الوادي) في الرواية الثانية "فجعل خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى وجعل الزبير على المجنبة اليسرى وجعل أبا عبيدة على البياذقة وبطن الوادي" والمجنبة بضم الميم وفتح الجيم وكسر النون من الجيش جناحه وهما مجنبتان بينهما القلب.

стр. 3962

و"الحسر" بضم الحاء وتشديد السين المفتوحة الذين لا دروع عليهم ولا مغافر. وعند ابن إسحق وموسى بن عقبة أن رسول الله ﷺ بعث الزبير بن العوام على المهاجرين وخيلهم وأمره أن يدخل من كداء من أعلى مكة وأمره أن يغرز رايته بالحجون ولا يبرح حتى يأتيه وبعث خالد بن الوليد في قبائل قضاعة وسليم وغيرهم وأمره أن يدخل من أسفل مكة وأن يغرز رايته عند أدنى البيوت وبعث سعد بن عبادة في كتيبة الأنصار في مقدمة رسول الله ﷺ . "والبياذقة" الرجالة قال النووي: قالوا: فارسي معرب وأصله بالفارسية أصحاب ركاب الملك ومن يتصرف في أموره وقيل: سموا بذلك لخفتهم وسرعة حركتهم وقال: هكذا الرواية في هذا الحرف هنا وفي غير مسلم أيضا قال القاضي: هكذا روايتنا فيه ووقع في بعض الروايات "الساقة" وهم الذين يكونون آخر العسكر وقد يجمع بينه وبين البياذقة بأنهم رجاله وساقة ورواه بعضهم "الشارفة" وفسروه بالذين يشرفون على مكة قال القاضي: وهذا ليس بشيء لأنهم أخذوا في بطن الوادي والبياذقة هنا هم الحسر في الرواية الأولى وهم رجالة لا دروع عليهم اهـ. ومعنى "أخذوا بطن الوادي" أي جعلوا طريقهم في بطن الوادي. (اهتف لي بالأنصار قال: فأطافوا به) أي ادعهم إلي. (لا يأتيني إلا أنصاري) قال النووي: إنما خصهم لثقته بهم ورفعا لمراتبهم وإظهارا لجلالتهم وخصوصيتهم. اهـ. وفي الرواية الثانية "ادع لي الأنصار فدعوتهم فجاءوا يهرولون" وأحاطوا به يقال: أطاف به أو عليه وطاف وأطاف به ألم به وقاربه وأحاط به. (ووبشت قريش أوباشا لها وأتباعا فقالوا: نقدم هؤلاء فإن كان لهم شيء كنا معهم وإن أصيبوا أعطينا الذي سئلنا) يقال: وبش فلان للحرب بتشديد الباء المفتوحة أي جمع جموعا من قبائل شتى والوبش بسكون الباء واحد الأوباش من الناس وهم الأخلاط والسفلة والمعنى أن قريشا كانت قد جمعت جموعا من قبائل شتى وقدموهم للحرب في المقدمة على أساس أنهم إن انتصروا واستفادوا شاركتهم قريش وإن قتلوا كانوا وحدهم طعمة لنيران الحرب واستسلمت قريش سليمة دون إصابة. (ترون إلى أوباش قريش وأتباعهم؟ ) في الرواية الثانية "يا معشر الأنصار هل ترون أوباش قريش؟ قالوا: نعم". (ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى ثم قال: حتى توافوني بالصفا) في الرواية الثانية "انظروا -إذا لقيتموهم غدا- أي الأوباش والأتباع -أن تحصدوهم حصدا وأخفى بيده ووضع يمينه على شماله وقال: موعدكم الصفا" "احصدوهم" بضم الصاد وكسرها والمعنى أنه ﷺ أشار بيديه إشارة القتل والاستئصال والحصد فوضع شماله أسفل يمينه فأخفاها ومرر يمينه عليها ذهابا وجيئة ثم أكد هذه الإشارة بالتعبير والكلام وقوله "موعدكم الصفا" قال

стр. 3963

النووي: يعني قال هذا لخالد ومن معه الذين أخذوا أسفل من بطن الوادي وأخذ هو ﷺ ومن معه أعلى مكة. (فانطلقنا فما شاء أحد منا أن يقتل أحدا -من الأوباش- إلا قتله وما أحد منهم يوجه إلينا شيئا) من اللوم أو المنع وفي الرواية الثانية "فما أشرف يومئذ لهم أحد" أي فما ظهر من الأوباش للمسلمين أحد "إلا أناموه" قال النووي: أي ما ظهر لهم أحد إلا قتلوه فوقع على الأرض أو يكون بمعنى أسكنوه بالقتل كالنائم يقال: نامت الريح إذا سكنت وضربه حتى سكن أي مات ونامت الشاة وغيرها ماتت قال الفراء: النائمة الميتة هكذا تأول هذه اللفظة القائلون بأن مكة فتحت عنوة ومن قال: فتحت صلحا يقول "أناموه" ألقوه إلى الأرض من غير قتل إلا من قاتل. (أبيحت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم) قال النووي: كذا في هذه الرواية "أبيحت" وفي الرواية الثانية "أبيدت" وهما متقاربتان أي استؤصلت قريش بالقتل وأفنيت وخضراؤهم بمعنى جماعتهم ويعبر عن الجماعة المجتمعة بالسواد والخضرة ومنه السواد الأعظم. اهـ. (ثم قال: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن) في الرواية الثانية "قال أبو سفيان: قال رسول الله ﷺ : من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن ألقى السلاح فهو آمن ومن أغلق عليه بابه فهو آمن". وظاهرها أن النبي ﷺ قال ذلك لأبي سفيان وأن أبا سفيان أعلنها للناس. (أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته) أي رغبة في الإقامة في مكة قال النووي: معنى هذه الجملة أنهم رأوا رأفة النبي ﷺ بأهل مكة وكف القتل عنهم فظنوا أنه يرجع إلى سكنى مكة والمقام فيها دائما ويرحل عنهم ويهجر المدينة فشق ذلك عليهم فقالوا ما قالوا. اهـ. وعبروا عنه ﷺ بالرجل دون النبوة والرسالة إشارة إلى أن هذا من طبع الناس لا يلام عليه. (وجاء الوحي .. فلما انقضى الوحي قال) ظاهر في أن النبي ﷺ علم مقالتهم عن طريق الوحي لا عن طريق الصحابة. (قال: كلا) يحتمل أن تكون بمعنى "حقا" أي حقا أدركتني رغبة في قريتي ورأفة في عشيرتي ولكني لا أصدر في سلوكياتي عن الرغبات الشخصية والعواطف البشرية ويحتمل أن تكون بمعنى النفي أي لم تدركني رغبة في الإقامة بقريتي لأني هاجرت إلى الله وإلى دياركم لاستيطانها فلا أتركها ولا أرغب في الرجوع عن هجرتي ولم تدركني رأفة في عشيرتي ولكنه الإسلام القتل ليس بقصد القتل وللقتل وقد انتهى الهدف منه وفي الرواية الثانية "ألا فما اسمي إذن؟ -ثلاث مرات-؟ أنا محمد عبد الله ورسوله" والمقصود من الاسم ما تبعه من العبودية لله والرسالة التي لا يصدر فعله إلا عنها.

стр. 3964

(إني عبد الله ورسوله) قال النووي: يحتمل وجهين أحدهما: إني رسول الله حقا فيأتيني الوحي وأخبر بالمغيبات كهذه القضية وشبهها فثقوا بما أقول لكم وأخبركم به في جميع الأحوال والآخر لا تفتتنوا بإخباري إياكم بالمغيبات وتطروني كما أطرت النصارى عيسى ﵇ فإني عبد الله ورسوله. اهـ. وهكذا ربط النووي هذه الجملة بنزول الوحي وربطناها نحن بالقضية المثارة. والله أعلم. (المحيا محياكم والممات مماتكم) أي مكان حياتي مكان حياتكم ومكان مماتي مكان مماتكم أي أنا ملازم لكم لا أحيا إلا عندكم ولا أموت إلا عندكم. (فأقبلوا إليه يبكون) الإقبال هنا معنوي فهم معه مقبلون عليه ويحتمل أنهم تحركوا نحوه حبا وانعطافا والتصاقا وكان بكاؤهم فرحا بما قال لهم وحياء مما خافوا أن يكون بلغه عنهم مما يستحى منه. (والله ما قلنا الذي قلنا إلا الضن بالله وبرسوله) "الضن" بكسر الضاد وفتحها الشح والبخل الشديد يقال: ضن به عليه ضنا وضنا وضنانه و"الضن" هنا مستثنى من عموم العلل أي ما قلنا الذي قلنا لعلة من العلل وبدافع من الدوافع إلا لعلة الضن بك أن تفارقنا ويحظى بك غيرنا وإلا بدافع الحرص عليك وعلى مصاحبتك ودوامك عندنا لنستفيد منك ونتبرك بك. (إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم) أي يصدقانكم في اعتذاركم ويقبلان عذركم يقال: عذره فيما صنع -بفتح العين والذال- يعذره -بكسر الذال- رفع عنه اللوم فيه. (وأقبل رسول الله ﷺ حتى أقبل إلى الحجر) الأسود أي أقبل نحو البيت واستمر حتى واجه الحجر فأقبل إليه. (فاستلمه) أي لمسه بالقبلة أو اليد أو كلتاهما. (وهو أخذ بسية القوس) "سية القوس" بكسر السين وفتح الياء مخففة المنعطف من طرفي القوس وللقوس سيتان والقوس آلة على هيئة هلال ترمى بها السهام تذكر وتؤنث. (جعل يطعنه في عينه) أي شرع و"يطعنه" قال النووي: بضم العين على المشهور ويجوز فتحها في لغة قال: وهذا الطعن قصد به الإذلال للأصنام ولعابديها وإظهار كونها لا تضر ولا تنفع ولا تدفع عن نفسها. ﴿جاء الحق وزهق الباطل﴾ في الرواية الثانية ﴿إن الباطل كان زهوقا﴾ الآية (٨١) من سورة الإسراء ومعناها جاء الإسلام والدين الثابت الراسخ وزال الشرك واضمحل الكفر وتسويلات الشيطان من زهقت نفسه إذا خرجت من الأسف إن الباطل كائنا ما كان مضمحل غير ثابت وزاد في الرواية الثانية ﴿جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد﴾ الآية (٤٩ من سورة سبأ) والمعنى: جاء

стр. 3965

الإسلام والتوحيد أما الكفر والشرك فلا يفيد شيئا فـ "ما" في "وما يبدئ الباطل" نافية والجملة حالية أي الباطل والشرك لا يبدأ شيئا ولا يعيد شيئا كناية عن عدم الأثر كما يقال: لا يأكل ولا يشرب ولا يقدم ولا يؤخر. (وحول الكعبة ثلاثمائة وستون نصبا) في رواية البخاري "دخل النبي ﷺ مكة يوم الفتح وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب" والنصب بضم النون والصاد وقد تسكن الصاد وهي واحدة الأنصاب وهو ما ينصب للعبادة من دون الله تعالى ووقع في رواية ابن أبي شيبة وفي ملحق روايتنا الثالثة "صنما" بدل "نصبا" ويطلق النصب ويراد به الحجارة التي كانوا يذبحون عليها للأصنام. وليست مرادة هنا إنما قد يراد في قوله تعالى ﴿وما ذبح على النصب﴾ زاد عند الفاكهي وصححه ابن حبان "فيسقط الصنم ولا يمسه" وفي رواية له وللطبراني "فلم يبق وثن استقبله إلا سقط على قفاه مع أنها كانت ثابتة في الأرض" (لا يقتل قرشي صبرا بعد هذا اليوم إلى يوم القيامة) قال النووي: قال العلماء: معناه الإعلام بأن قريشا يسلمون كلهم ولا يرتد أحد منهم كما ارتد غيرهم بعده ﷺ ممن حورب وقتل صبرا وليس المراد أنهم لا يقتلون ظلما صبرا فقد جرى على قريش بعد ذلك ما هو معلوم. اهـ. وحاصل هذا الإخبار بأنهم لا يأتون مستقبلا ما يستحقون عليه القتل صبرا ويحتمل أن المراد منح قريش خصوصية عدم إباحة قتلهم صبرا حتى إن أتوا ما يستحقون عليه القتل صبرا فيقتلون بغير هذه الهيئة والقتل صبرا هو الحبس حتى الموت. (ولم يكن أسلم أحد من عصاة قريش غير مطيع) أي لم يكن أحد ممن اسمه العاص في قريش غير مطيع قال النووي: قال القاضي عياض: "عصاة" هنا جمع العاص من أسماء الأعلام لا من الصفات أي ما أسلم ممن كان اسمه العاص مثل العاص بن وائل السهمي والعاص بن هشام أبو البختري والعاص بن سعيد بن العاص بن أمية والعاص بن هشام بن المغيرة المخزومي (وليس المراد الصفة في "عصاة قريش" فقد أسلمت عصاة قريش وعتاتهم كلهم بحمد الله تعالى). (كان اسمه العاص فسماه رسول الله ﷺ مطيعا) قيل لم يلتزم هذا في كل من أسلم ممن اسمه العاص فقد ترك أبا جندل بن سهيل بن عمر وكان اسمه العاص قيل: ويحتمل أنه ترك التغيير لأبي جندل لأنه غلبت عليه كنيته وجهل اسمه والله أعلم. -[فقه الحديث]- اختلف العلماء في فتح مكة هل فتحت عنوة؟ أو فتحت صلحا فقال مالك وأبو حنيفة وأحمد وجماهير العلماء وأهل السير: فتحت عنوة وقال الشافعي: فتحت صلحا وادعى المازني أن الشافعي انفرد بهذا القول.

стр. 3966

واحتج الجمهور بهذا الحديث وفيه: أ- "أبيدت خضراء قريش" ب- "من ألقى سلاحه فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن" فلو كانوا كلهم آمنين لم يحتج إلى هذا. جـ- "فما أشرف لهم أحد إلا أناموه" "فما شاء أحد منا أن يقتل أحدا إلا قتله وما أحد منهم يوجه إلينا شيئا". د- وفيه الأمر بالقتال "انظروا إذا لقيتموهم غدا أن تحصدوهم حصدا". هـ- وفيه وقوع القتال من خالد بن الوليد وقتله من قتل منهم. كما استدلوا بحديث أم هانئ ﵂ حين أجارت رجلين أراد علي ﵁ قتلهما فقال النبي ﷺ "قد أجرنا من أجرت" فكيف يدخلها صلحا ويخفى ذلك على علي ﵁ حتى يريد قتل رجلين دخلا في الأمان؟ وما حاجتهما حينئذ إلى إجارة أم هانئ ماداما في الأمان العام؟ كما استدلوا بقوله ﷺ "أحلت ساعة من نهار". أما الشافعي فيستدل على أنها فتحت صلحا وأن تأمينها صدر من النبي ﷺ لأبي سفيان والعباس وحكيم فعند موسى بن عقبة في المغازي "أن أبا سفيان وحكيم قالا: يا رسول الله ادع الناس بالأمان أرأيت إن اعتزلت قريش فكفت أيديها؟ أأمنون هم؟ قال: من كف يده وأغلق داره فهو آمن قالوا: فابعثنا نؤذن بذلك فيهم قال: انطلقوا فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن دخل دار حكيم فهو آمن" ودار أبي سفيان بأعلى مكة ودار حكيم بأسفلها وفي ذلك تصريح بعموم التأمين فكان هذا أمانا منه لكل من لم يقاتل من أهل مكة فكانت مكة مأمونة ولم يكن فتحها عنوة والأمان كالصلح وأما الذين تعرضوا للقتال أو استثنوا من الأمان فلا يلزم منهم أنها فتحت عنوة فقد يكون التأمين مقيدا بترك المجاهرة بالقتال فلما تفرقوا إلى دورهم ورضوا بالتأمين المذكور كانوا آمنين ولا يضره أن أوباشهم لم يلتزموا كف أيديهم فقاتلوا خالد بن الوليد ومن معه فقاتلهم حتى قتلهم وهزمهم يؤيد ذلك أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه "ما هذا وقد نهيت عن القتال؟ فقالوا: نظن أن خالدا قوتل وبدئ بالقتال فلم يكن له بد من أن يقاتل ثم قال لخالد: لم قاتلت وقد نهيت عن القتال؟ فقال: هم بدءونا بالقتال: ووضعوا فينا السلاح وقد كففت يدي ما استطعت فقال ﷺ : قضاء الله خير" وقد ذكر ابن سعد أن عدة من أصيب من الكفار أربعة وعشرون رجلا وقيل: مجموع من قتل منهم ثلاثة عشر رجلا. ويستدل الشافعي أيضا بأن دور مكة لم تقسم وأن الغانمين لم يملكوا دورها وإلا لجاز إخراج أهل الدور منها. وأجاب الجمهور عن هذا الدليل بأن تقسيم الدور غير لازم للفتح عنوة فقد تفتح البلد عنوة ويمن

стр. 3967

على أهلها ويترك لهم دورهم وغنائمهم لأن قسمة الأرض المغنومة ليست متفقا عليها بل الخلاف ثابت عن الصحابة فمن بعدهم وقد فتحت أكثر البلاد عنوة فلم تقسم وذلك في زمن عمر وعثمان مع وجود أكثر الصحابة وقد زادت مكة عن ذلك بأمر يمكن أن يدعي اختصاصها به دون بقية البلاد وهي أنها دار النسك ومتعبد الخلق وقد جعلها الله حرما سواء العاكف فيه والباد. ويستدل الشافعي أيضا بما ثبت بلا خلاف من أنه لم يجر فيها غنيمة ولا سبي من أهلها ممن باشر القتال أحد فعند أبي داود عن جابر ﵁ سئل: هل غنمتم يوم الفتح شيئا؟ قال: لا. وجنحت طائفة منهم الماوردي إلى أن بعضها فتح عنوة لما وقع من قصة خالد بن الوليد قال الحافظ ابن حجر: والحق أن صورة فتحها كان عنوة ومعاملة أهلها كانت معاملة من دخل في الأمان والله أعلم. ويجرنا الكلام عن دور مكة عن دار الرسول ﷺ التي هاجر منها ولم لم ينزل فيها ﷺ ؟ وأجاب عن ذلك الخطابي فقال: إنما لم ينزل النبي ﷺ فيها لأنها دور هجروها في الله تعالى بالهجرة فلم ير أن يرجع في شيء تركه لله تعالى وقد عقب عليه الحافظ ابن حجر: بأن الذي يختص بالترك إنما هو إقامة المهاجر في البلد التي هاجر منها لا مجرد نزوله في دار يملكها إذا أقام المدة المأذون له فيها وهي أيام النسك وثلاثة أيام بعده. وأجاب عن السؤال بأن أبا طالب ورثه عقيل وطالب ابناه ولم يرث جعفر ولا علي شيئا لأنهما كانا مسلمين وكان عقيل وطالب كافرين وكان أبو طالب قد وضع يده على ما خلفه عبد الله والد النبي ﷺ لأنه كان شقيقه وكان النبي ﷺ عند أبي طالب بعد موت جده عبد المطلب فلما مات أبو طالب ثم وقعت الهجرة ولم يسلم طالب وتأخر إسلام عقيل استوليا على ما خلف أبو طالب ومات طالب قبل بدر وتأخر عقيل فلما تقرر حكم الإسلام بترك توريث المسلم من الكافر استمر ذلك بيد عقيل وكان عقيل قد باع تلك الدور كلها واختلف في تقرير النبي ﷺ عقيلا على داره ﷺ وعلى ما كان يملكه بمكة فقيل: ترك ذلك تفضلا عليه وقيل استمالة له وتأليفا وقيل: تصحيحا لتصرفات الجاهلية كما تصحح أنكحتهم. وقد روى البخاري في باب فتح مكة أحاديث لم يذكرها مسلم هنا منها: ١ - عن علي ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد فقال انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها قال: فانطلقنا حتى أتينا الروضة فإذا نحن بالظعينة قلنا لها: أخرجي الكتاب قالت ما معي كتاب فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب قال: فأخرجته من عقاصها فأتينا به رسول الله ﷺ فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة -إلى ناس بمكة من المشركين- يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ وفي رواية أن لفظ الكتاب "أما بعد فإن رسول الله ﷺ أذن في الناس بالغزو ولا أراه يريد غيركم فانظروا لأنفسكم وقد أحببت أن يكون لي عندكم يد والسلام.

стр. 3968

وعند بعض أهل المغازي أن لفظ الكتاب: "يا معشر قريش فإن رسول الله ﷺ جاءكم بجيش كالليل يسير كالسيل فوالله لو جاءكم وحده لنصره الله وأنجز له وعده فانظروا لأنفسكم والسلام. فقال رسول الله ﷺ : يا حاطب. ما هذا؟ قال: يا رسول الله ﷺ لا تعجل علي إني كنت امرأ ملصقا في قريش ولم أكن من أنفسها وكان من معك من المهاجرين من لهم بها قرابات يحمون أهليهم وأموالهم فأحببت إذا فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدا يحمون قرابتي ولم أفعله ارتدادا عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام فقال رسول الله ﷺ : أما إنه قد صدقكم فقال عمر: يا رسول الله ﷺ دعني أضرب عنق هذا المنافق فقال: إنه شهد بدرا وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدرا فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. ٢ - عن هشام عن أبيه ﵁ قال: "لما سار الرسول ﷺ عام الفتح فبلغ ذلك قريشا خرج أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يلتمسون الخبر عن رسول الله ﷺ فأقبلوا يسيرون حتى أتوا مر الظهران فإذا هم بنيران كأنها نيران عرفة فقال أبو سفيان: ما هذه؟ لكأنها نيران عرفة؟ فقال بديل بن ورقاء: نيران بني عمرو فقال أبو سفيان: عمرو أقل من ذلك. فرآهم ناس من حرس رسول الله ﷺ (كان النبي ﷺ قد أمر بسد الطرق إلى مكة كيلا يصلهم خبر قدومه وبث أمام الجيش العيون والحراس) فأدركوهم فأخذوهم فأتوا بهم رسول الله ﷺ وفي رواية "فلقيهم العباس فأجارهم وأدخلهم إلى رسول الله ﷺ " وأسلم أبو سفيان -وأسلم بديل وحكيم -[فقال العباس للنبي ﷺ : لا آمن أن يرجع أبو سفيان فيكفر فاحبسه حتى تريه جنود الله للمشركين وما أعده الله للمشركين] فقال ﷺ : احبسه عند خطم الجبل حتى ينظر إلى المسلمين [فأخذه العباس فحبسه فقال أبو سفيان: أغدرا يا بني هاشم؟ قال العباس: لا ولكن لي إليك حاجة فتصبح فتنظر جنود الله فأصبحوا] فجعلت القبائل تمر مع النبي ﷺ تمر كتيبة كتيبة على أبي سفيان فمرت كتيبة فقال: يا عباس .. من هذه؟ فقال هذه غفار. قال: ما لي ولغفار ثم مرت جهينة قال مثل ذلك ثم مرت .. ثم مرت .. حتى أقبلت كتيبة لم ير مثلها قال: من هذه؟ قال: هؤلاء الأنصار عليهم سعد بن عبادة معه الراية فقال سعد بن عبادة يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الكعبة فقال أبو سفيان: يا عباس -حبذا يوم الذمار- أي حماية الأهل والأعراض- ثم جاءت كتيبة وهي أقل الكتائب فيهم رسول الله ﷺ وأصحابه وراية النبي ﷺ مع الزبير بن العوام فلما مر رسول الله ﷺ بأبي سفيان قال أبو سفيان: ألم تعلم ما قال سعد بن عبادة؟ قال: ما قال؟ قال كذا وكذا فقال: كذب سعد ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة ويوم تكسى فيه الكعبة قال: وأمر رسول الله ﷺ أن تركز رايته بالحجون. ٣ - وعن ابن عباس ﵁ "أن رسول الله ﷺ لما قدم مكة أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة فأمر بها فأخرجت فأخرج صورة إبراهيم وإسماعيل في أيديهما من الأزلام فقال النبي ﷺ : قاتلهم الله. لقد علموا ما استقسموا بها قط ثم دخل البيت فكبر في نواحي البيت". ٤ - عن عبد الله بن عمر-﵄ أن رسول الله ﷺ أقبل يوم الفتح من أعلى مكة على

стр. 3969

راحلته مردفا أسامة بن زيد ومعه بلال ومعه عثمان بن طلحة من الحجبة حتى أناخ في المسجد فأمره أن يأتي بمفتاح البيت فدخل رسول الله ﷺ ومعه أسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة فمكث فيه نهارا طويلا ثم خرج". ٥ - عن ابن عباس ﵄ قال: "أقام النبي ﷺ بمكة تسعة عشر يوما يصلي ركعتين" أي يقصر الصلاة. ٦ - عن مجاهد "أن رسول الله ﷺ قام يوم الفتح فقال: إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض فهي حرام بحرام الله إلى يوم القيامة لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي ولم تحل لي قط إلا ساعة من الدهر لا ينفر صيدها ولا يعضد شجرها ولا يختلى خلاها ولا تحل لقطتها إلا لمنشد" فقال العباس بن عبد المطلب: إلا الإذخر يا رسول الله فإنه لا بد منه للقين والبيوت فسكت ثم قال: إلا الإذخر فإنه حلال. هذا وللحديث علاقة بأحاديث ذكرت في كتاب الحج فلتراجع. -[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]- ١ - من قوله "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" أخذ الشافعي وموافقوه أن دور مكة مملوكة يصح بيعها وإجارتها لأن أصل الإضافة إلى الآدميين تقتضي الملك وما سوى ذلك مجاز. ٢ - وفيه تأليف لأبي سفيان وإظهار لشرفه. ٣ - من موقف الأنصار يتبين مدى حبهم لرسول الله ﷺ . ٤ - من إخباره ﷺ الأنصار بما قالوا دون أن يبلغه أحد معجزة لرسول الله ﷺ . ٥ - في إقباله ﷺ إلى الحجر ثم إلى الطواف الابتداء بالطواف في أول دخول مكة سواء كان محرما بحج أو بعمرة أو غير محرم وكان النبي ﷺ دخلها في هذا اليوم وهو يوم الفتح غير محرم بإجماع المسلمين وكان على رأسه المغفر والأحاديث متظاهرة على ذلك. ٦ - استدل به على أن من دخل مكة لحرب فله دخولها حلالا قال النووي: وأما قول القاضي عياض: [أجمع العلماء على تخصيص النبي ﷺ بذلك ولم يختلفوا في أن من دخلها بعده لحرب أو بغي أنه لا يحل له دخولها حلال] فليس كما نقل بل مذهب الشافعي وأصحابه وآخرين أنه يجوز حلالا للمحارب بلا خلاف وكذا لمن خاف من ظالم لو ظهر للطواف وغيره وأما من لا عذر له أصلا فللشافعي فيه قولان مشهوران أصحهما أنه يجوز له دخولها بغير إحرام لكن يستحب له الإحرام والثاني لا يجوز. ٧ - من قراءته ﷺ للآيتين استحباب قراءتهما عند إزالة المنكر. ٨ - من صنع بعضهم لبعض الطعام عن طريق النوبات دليل على استحباب اشتراك المسافرين في الأكل واستعمالهم مكارم الأخلاق وليس هذا من باب المعاوضة حتى

стр. 3970

يشترط فيه المساواة في الطعام وأن لا يأكل بعضهم أكثر من بعض بل هو من باب المروءات ومكارم الأخلاق. ٩ - من قوله "فجاءوا إلى المنزل ولم يدرك طعامنا .. إلخ" استحباب الاجتماع على الطعام. ١٠ - وجواز دعاء المدعوين إلى الطعام قبل إداركه. ١١ - واستحباب حديثهم في حال الاجتماع بما فيه بيان أحوال النبي ﷺ وأصحابه وغزواتهم ونحوها مما تنشط النفوس لسماعه وكذلك غيرها من الحروب ونحوها مما لا إثم فيه ولا يتولد منه في العادة ضرر في دين ولا في دنيا ولا أذى لأحد لتسهل بذلك مدة الانتظار ولا يضجروا ولا ينشغل بعض مع بعض في غيبة أو نحوها من الكلام المذموم. ١٢ - أنه يستحب إذا كان في الجمع مشهور بالفضل أو بالصلاح أن يطلب منه الحديث فإن لم يطلبوا استحب له الابتداء بالحديث كما كان النبي ﷺ يبتديهم بالحديث من غير طلب منهم. ١٣ - استحباب الأسماء الحسنة وتغيير الأسماء غير الحسنة. والله أعلم.

стр. 3971

(٤٩٢) باب صلح الحديبية ٤٠٦٨ - عن البراء بن عازب ﵁ قال: كتب علي بن أبي طالب الصلح بين النبي ﷺ وبين المشركين يوم الحديبية فكتب "هذا ما كاتب عليه محمد رسول الله" فقالوا: لا تكتب رسول الله فلو نعلم أنك رسول الله لم نقاتلك فقال النبي ﷺ لعلي "امحه" فقال: ما أنا بالذي أمحاه. فمحاه النبي ﷺ بيده. قال: وكان فيما اشترطوا أن يدخلوا مكة فيقيموا بها ثلاثا ولا يدخلها بسلاح إلا جلبان السلاح؟ قلت لأبي إسحق: وما جلبان السلاح؟ قال: القراب وما فيه. ٤٠٦٩ - عن البراء بن عازب ﵁ قال: لما صالح رسول الله ﷺ أهل الحديبية كتب علي كتابا بينهم. قال: فكتب "محمد رسول الله" ثم ذكر بنحو حديث معاذ غير أنه لم يذكر في الحديث "هذا ما كاتب عليه". ٤٠٧٠ - عن البراء ﵁ قال: لما أحصر النبي ﷺ عند البيت صالحه أهل مكة على أن يدخلها فيقيم بها ثلاثا ولا يدخلها إلا بجلبان السلاح السيف وقرابه ولا يخرج بأحد معه من أهلها ولا يمنع أحدا يمكث بها ممن كان معه قال لعلي "اكتب الشرط بيننا بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله" فقال له المشركون: لو نعلم أنك رسول الله تابعناك ولكن اكتب محمد بن عبد الله فأمر عليا أن يمحاها فقال علي: لا والله لا أمحاها فقال رسول الله ﷺ "أرني مكانها" فأراه مكانها فمحاها. وكتب "ابن عبد الله" فأقام بها ثلاثة أيام فلما أن كان يوم الثالث قالوا لعلي: هذا آخر يوم من شرط صاحبك فأمره فليخرج فأخبره بذلك فقال "نعم" فخرج وقال ابن جناب في روايته مكان تابعناك بايعناك. ٤٠٧١ - عن أنس ﵁ أن قريشا صالحوا النبي ﷺ فيهم سهيل بن عمرو فقال النبي ﷺ لعلي "اكتب بسم الله الرحمن الرحيم" قال سهيل: أما باسم الله فما ندري ما

стр. 3972

بسم الله الرحمن الرحيم ولكن اكتب ما نعرف باسمك اللهم فقال اكتب "من محمد رسول الله" قالوا: لو علمنا أنك رسول الله لاتبعناك ولكن اكتب اسمك واسم أبيك فقال النبي ﷺ اكتب "من محمد بن عبد الله" فاشترطوا على النبي ﷺ أن من جاء منكم لم نرده عليكم ومن جاءكم منا رددتموه علينا. فقالوا: يا رسول الله أنكتب هذا؟ قال "نعم إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجا ومخرجا". ٤٠٧٢ - عن أبي وائل قال: قام سهل بن حنيف يوم صفين فقال: أيها الناس اتهموا أنفسكم لقد كنا مع رسول الله ﷺ يوم الحديبية ولو نرى قتالا لقاتلنا وذلك في الصلح الذي كان بين رسول الله ﷺ وبين المشركين فجاء عمر بن الخطاب فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ألسنا على حق وهم على باطل؟ قال "بلى" قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: "بلى" قال: ففيم نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال "يا ابن الخطاب إني رسول الله ولن يضيعني الله أبدا" قال: فانطلق عمر فلم يصبر متغيظا فأتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر ألسنا على حق وهم على باطل؟ قال بلى قال أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال: يا ابن الخطاب إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبدا. قال: فنزل القرآن على رسول الله ﷺ بالفتح فأرسل إلى عمر فأقرأه إياه فقال يا رسول الله أو فتح هو؟ قال "نعم" فطابت نفسه ورجع. ٤٠٧٣ - عن شقيق قال سمعت سهل بن حنيف يقول بصفين: أيها الناس اتهموا رأيكم والله لقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أني أستطيع أن أرد أمر رسول الله ﷺ لرددته والله ما وضعنا سيوفنا على عواتقنا إلى أمر قط إلا أسهلن بنا إلى أمر نعرفه إلا أمركم هذا. لم يذكر ابن نمير إلى أمر قط. ٤٠٧٤ - -/- وفي رواية عن الأعمش بهذا الإسناد وفي حديثهما "إلى أمر يفظعنا". ٤٠٧٥ - عن أبي وائل قال: سمعت سهل بن حنيف بصفين يقول: اتهموا رأيكم

стр. 3973

على دينكم فلقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله ﷺ ما فتحنا منه في خصم إلا انفجر علينا منه خصم. ٤٠٧٦ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما نزلت ﴿إنا فتحنا لك فتحا* مبينا ليغفر لك الله﴾ إلى قوله ﴿فوزا عظيما﴾ [الفتح الآيات ١ - ٥] مرجعه من الحديبية وهم يخالطهم الحزن والكآبة وقد نحر الهدي بالحديبية فقال: لقد أنزلت علي آية هي أحب إلي من الدنيا جميعا. -[المعنى العام]- بعد حروب بين المسلمين وبين كفار قريش في بدر وأحد والخندق وبعد أن زاد مسلمو المدينة على ألف وخمسمائة مسلم رأى رسول الله ﷺ في منامه أنه والمسلمين يدخلون المسجد الحرام ويطوفون بالكعبة ويسعون بين الصفا والمروة ورؤيته ﷺ حق وصدق أصبح فأخبر أصحابه ففرحوا وبخاصة المهاجرون الذين يحنون إلى وطنهم العزيز ونادى ﷺ أنه سيخرج إلى العمرة فمن شاء وعنده هدى إلى الكعبة فليعده وفي مطلع ذي القعدة سنة ست من الهجرة ساق النبي ﷺ والمسلمون هديهم وساروا نحو مكة وهم قريبون من ألف وأربعمائة مسلم ليس معهم سلاح المحارب بل سلاح المسافر فحسب فقد خرجوا يقصدون البيت الحرام لأداء النسك وقلدوا هديهم وأشعروه قلدوا الإبل والبقر والغنم بحبل مفتول من صوف مصبوغ وعلموا صفحة عنق الإبل والبقر بكية نار علامة على أنه هدى موهوب لأهل الحرم له حرمة وقدسية لا يعتدي عليه ولا يستغل في منافع الحرث والسقي وبعضهم كساه بالحبرة أو الحرير أو القباطي أو اللحف. ساروا متجهين إلى مكة بعد أن أحرموا للعمرة من ذي الحليفة ساروا يهللون ويكبرون ويلبون وقد أرسل رسول الله ﷺ عينا يسبق المسلمين يستطلع لهم سلامة الطريق وجاء النذير يخبر أن قريشا أرسلت كتيبة قوامها مائتا فارس بقيادة خالد بن الوليد ليصدوا المسلمين قبل وصولهم وقد جمعوا له الجموع من القبائل المحيطة بمكة ليمنعوه من دخولها فغير طريقه عن طريق خالد بن الوليد ووصل إلى الحديبية عند ما يعرف بالتنعيم ونزل المسلمون عند مائها وأرسلوا عثمان بن عفان يخبر قريشا أنهم ما جاءوا محاربين وإنما جاءوا معتمرين وأصرت قريش على منعهم من الوصول إلى المسجد الحرام

стр. 3974

واحتجزوا عثمان ﵁ وتراسلوا مع رسول الله ﷺ يفاوضونه وفي هذه الأثناء أشيع أن الكفار قتلوا عثمان فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة بايع المسلمون رسول الله ﷺ على القتال وعدم الفرار حتى النصر أو الاستشهاد وفيهم نزل قوله تعالى: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا﴾ [الفتح: ١٨] وبعد تعدد الوساطات وظهور كذب إشاعة مقتل عثمان انتهت المفاوضات إلى صلح الحديبية يمثل قريشا فيه سهيل بن عمرو ويمثل المسلمين رسول الله ﷺ وقد تعنت ممثل قريش في نصوص الصلح شكلا وموضوعا فمن حيث الشكل لم يقبل عبارة "محمد رسول الله" وأصر على ذكر الاسم واسم الأب فقط ولم يقبل بسم الله الرحمن الرحيم وأصر على ذكر باسمك اللهم ووافقه ﷺ ومن حيث الموضوع كانت النصوص في ظاهرها إجحافا للمسلمين فكانت تنص على أن يرجع محمد وأصحابه دون الوصول إلى المسجد الحرام على أن يعودوا في العام القابل بدون سلاح فتترك لهم قريش مكة ثلاثة أيام يعتمرون فيها ويخرجون على أن لا يخرج معهم أحد من أهل مكة وإن كان مسلما ما لم يقدم معهم وأن من أراد ممن جاء معهم أن يبقى بمكة خلى بينه وبين البقاء ومن جاء إلى المسلمين مسلما من أهل مكة ردوه إلى أهله بمكة ومن جاء كفار مكة ممن كان قد أسلم لا يرده الكفار إلى المسلمين وأن توضع الحرب بين قريش وبين المسلمين سنوات فيأمن الناس على أموالهم ودمائهم لم يقبل المسلمون هذه النصوص وقبلها رسول الله ﷺ وكيف يقبلون الضيم حسب مفهومهم ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين؟ شهد على الوثيقة أبو بكر وعمر وعثمان ولو استطاعوا أن يردوها لردوها شأن مشاعر جميع المسلمين. لقد أمرهم رسول الله ﷺ بعد إتمام الصلح أن يقوموا إلى الهدى فينحروه وإلى رأسهم فيحلقوها للتحلل من الإحصار في العمرة ليعودوا بعد ذلك إلى المدينة ولم يتحرك منهم أحد لتنفيذ الأمر فدخل ﷺ مغضبا على زوجته أم سلمة يقول لها: كاد المسلمون يهلكون آمرهم بالأمر فلا يستجيبون؟ قالت: هون عليك يا رسول الله واقبل عذرهم فقد دخلهم من الهم والغم من هذا الصلح ما دخلهم ثم قالت: أو تحب أن يفعلوا ما أمرتهم؟ قال: نعم قالت: اخرج إليهم فلا تكلم أحدا منهم وانحر بدنك وادع حالقك يحلق شعرك فإنك إن تفعل يئسوا من نسخ الحكم ومن التغيير ولم يجدوا بدا من الامتثال فاقتنع رسول الله ﷺ برأيها فقام بتنفيذه فنفذ المسلمون. وأذن فيهم بالرحيل إلى المدينة فرحلوا وفي نفوسهم انكسار وذلة وتحسر وهم وغم وأنزل الله على رسوله ﷺ في الطريق ﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا* ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما* وينصرك الله نصرا عزيزا* هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما* ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما﴾ [الفتح: ١ - ٥] وهنا دعا رسول الله ﷺ عمر وكبار أصحابه فقرأ الآيات عليهم فطابت نفوسهم ﵃ وأرضاهم أجمعين.

стр. 3975

-[المباحث العربية]- (الحديبية) قال النووي: فيها لغتان تخفيف الياء وهو الأفصح والتشديد اهـ. قال المحب الطبري: الحديبية قرية قريبة من مكة أكثرها في الحرم وقيل: هي بئر سمي المكان بها وقيل: شجرة حدباء صغرت وسمي المكان بها والمكان معروف وبه مسجد التنعيم. وكان خروجه ﷺ من المدينة يوم الإثنين مستهل ذي القعدة سنة ست من الهجرة خرج يسوق الهدى قاصدا العمرة يريد زيارة البيت لا يريد قتالا ومعه ألف وأربعمائة من أصحابه فلما أتى ذا الحليفة [بيار علي] قلد الهدى وأشعره وأحرم منها بعمرة وبعث عينا من خزاعة يدعى "ناجية" وقيل: بسر يأتيه بخبر قريش وسار النبي ﷺ حتى بلغ غدير الأشطاط قريبا من عسفان فأتاه عينه فقال له: إن قريشا جمعوا جموعا وقد جمعوا لك الأحابيش وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ومانعوك فقال ﷺ : أشيروا أيها الناس علي أترون أن أميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم -يقصد ذراري أهل غدير الأشطاط الذين تجمعوا مع قريش لحرب رسول الله ﷺ والذين يريدون أن يصدونا عن البيت؟ فإن يأتونا كان الله قد قطع عنقا من المشركين وإلا تركناهم محرومين؟ قال أبو بكر: يا رسول الله خرجت عامدا لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه قال: امضوا على اسم الله وسار ﷺ حتى بلغ كراع الغميم -قريبا من رابغ والجحفة بين مكة والمدينة- فقال لأصحابه: إن خالد بن الوليد في مائتي فارس فيهم عكرمة بن أبي جهل يعسكرون قريبا منا كطليع لجيش قريش فمن الخبير بالطرق يخرجنا على طريق غير طريقهم؟ قال رجل من أسلم: أنا يا رسول الله ونزل عن دابته فسلك بهم طريقا وعرا أفضى بهم إلى أرض سهلة وما شعر بهم خالد حتى رأى غبارا من بعيد فانطلق يركض نذيرا لقريش وسار ﷺ حتى وصل قريبا من الحديبية فبركت ناقته فقال الناس: تعبت القصواء أو غضبت من السير فقال النبي ﷺ : واحرنت القصواء وما ذلك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل والذي نفسي بيده لا يسألونني -كفار قريش- خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ثم زجر الناقة فوثبت حتى نزل بأقصى الحديبية على ماء قليل وشكى العطش إلى رسول الله ﷺ فنزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه في البئر فمازال يجيش لهم بالماء حتى ارتووا وفاض ماؤهم فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة وكانوا موضع نصح رسول الله ﷺ فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا على مياه الحديبية ومعهم ذوات الألبان من الإبل ليتزودوا بلبنها وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت فقال رسول الله ﷺ : إنا لم نجيء لقتال أحد ولكنا جئنا معتمرين وإن قريشا أضعفتهم الحرب وأضرت بهم فإن شاءوا

стр. 3976

جعلت بيني وبينهم مدة دون حرب ويخلوا بيني وبين الناس فإذا ظهرت فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد استجموا واستراحوا وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفصل رأسي عن جسدي ولينفذن الله أمره فقال بديل: سأبلغهم ما تقول قال: فانطلق حتى أتى قريشا قال: إنا جئناكم من هذا الرجل وسمعناه يقول قولا فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرونا عنه بشيء وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته يقول قال: سمعته يقول كذا وكذا فحدثهم بما قال النبي ﷺ فقام عروة بن مسعود فقال: أي قوم ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى قال أو لست بالولد؟ قالوا: بلى قال: فهل تتهموني؟ قالوا: لا. قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ فلما تراجعوا وامتنعوا جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى قال فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد اقبلوها ودعوني آته قالوا: ائته فأتاه فجعل يكلم النبي ﷺ فقال النبي ﷺ نحوا من قوله لبديل فقال عروة عند ذلك: أي محمد أرأيت إن استأصلت أمر قومك؟ هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى فإني والله لا أرى وجوها وإني لأرى أشوابا من الناس -أي أخلاطا شتى سيفرون ويدعوك وكأني بهم لوقد لقيت قريشا قد أسلموك فتؤخذ أسيرا فأي شيء أشد عليك من هذا؟ فقال له أبو بكر: امصص بظر اللات [اللات طاغية عروة التي كان يعبدها والبظر -بفتح الباء وسكون الظاء قطعة تبقى بعد الختان في فرج المرأة وكانت عادة العرب الشتم بهذا لكن بلفظ الأم بدل اللات] أنحن نفر عنه وندعه؟ فقال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر قال: أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك عليها لأجبتك قال: وجعل يكلم النبي ﷺ فكلما تكلم كلمة أخذ بلحية النبي ﷺ والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي ﷺ ومعه السيف والمغفر وقد لبس لأمته ليشتفي من عروة لأنه عمه فلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي ﷺ ضرب يده بنعل السيف وقال له: أخر يدك عن لحية رسول الله ﷺ فرفع عروة رأسه فقال: من هذا؟ قال: المغيرة بن شعبة فقال: أي غدر ألست أسعى في غدرتك؟ وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم -فقال النبي ﷺ : أما الإسلام فأقبل وأما المال فلست منه في شيء ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي ﷺ بعينيه فرأى أنهم يبتدرون أمره ويقتتلون على وضوئه وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده وما يرفعون فيه النظر إجلالا له وتعظيما فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي والله ما رأيت مليكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد [ ﷺ ]: هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له [مقلدة مشعرة هديا لا للقتال] فبعثت له واستقبله المسلمون يلبون فلما رأى ذلك قال: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت فما أرى أن يصدوا عن البيت فقام رجل منهم يقال له: مكرز بن حفص فقال: دعوني آته فقالوا: ائته فلما أشرف

стр. 3977

عليهم قال النبي ﷺ هذا مكرز وهو رجل فاجر وجعل يكلم النبي ﷺ وكان رسول الله ﷺ أحب أن يبعث إلى قريش رجلا يخبرهم بأنه إنما جاء معتمرا فبعث عثمان وأمره أن يبشر المستضعفين من المؤمنين بالفتح القريب فتوجه عثمان وأجاره أبان بن سعيد بن العاص وبعثت قريش سهيل بن عمرو ليعقد عنهم صلحا مع محمد ﷺ -فجاء وكانت قصة الحديث الذي نحن بصدد شرحه. فلما انتهوا من كتابة الصلح بلغ المسلمين أن عثمان قتل فاحتفظوا بسهيل رهينة وبايعوا رسول الله ﷺ تحت الشجرة على القتال وعلى أن لا يفروا فبلغهم بعد ذلك أن الخبر باطل ورجع عثمان. (كتب علي بن أبي طالب الصلح بين النبي ﷺ وبين المشركين يوم الحديبية فكتب) "كتب" الأولى فيها مجاز المشارفة ليصح ترتيب وتعقيب "كتب" الثانية عليها أي أشرف على الكتابة فكتب كما نقول: توضأ فغسل .. " وخطب فقال كذا وكذا ونحوه في الرواية الثانية "لما صالح رسول الله ﷺ أهل الحديبية -أي من المشركين- كتب علي كتابا" على أن الكتاب هو الصلح. وقد جاء عند عمر بن شيبة "أن كاتب الصلح هو محمد بن مسلمة قال الحافظ ابن حجر: ويجمع بأن أصل كتاب الصلح بخط علي كما هو في الصحيح ونسخ مثله محمد بن مسلمة لسهيل بن عمرو. (هذا ما كاتب عليه محمد رسول الله ﷺ الطرف الثاني للمكاتبة محذوف والتقدير: هذا ما كاتب عليه محمد رسول الله ﷺ المشركين أو أهل مكة وفي الرواية الثالثة "هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله" أي أهل مكة قال النووي: قال العلماء: معنى "قاضى" هنا "فاصل وأمضى أمره" ومنه: قضى القاضي أي فصل الحكم وأمضاه ولهذا سميت تلك السنة عام المقاضاة وعمرة القضية وعمرة القضاء وكله من هذا وغلطوا من قال: إنها سميت عمرة القضاء لقضاء العمرة التي صد عنها لأنه لا يجب قضاء المصدود عنها إذا تحلل بالإحصار وقيل غير ذلك وسيأتي مزيد لهذا في فقه الحديث. (فقالوا: لا تكتب "رسول الله") القائل واحد وهو سهيل بن عمرو كما هو واضح من الرواية الرابعة فقد كان مبعوث قريش إلى رسول الله ﷺ ليعقد بينه وبينهم الصلح نائبا عنهم فنسب الصلح والقول إليهم لرضاهم به وتفويضهم إياه وفي الرواية الثالثة "صالحه أهل مكة" وفي الرواية الرابعة "أن قريشا صالحوا النبي ﷺ وفيهم سهيل بن عمرو" وذكر ابن إسحق أن قريشا بعثت للصلح بديل بن ورقاء مع سهيل بن عمرو ولكن مضى قريبا نقلا عن رواية البخاري أن بديل بن ورقاء كان رسول قريش في نفر من خزاعة في المراسلات والمفاوضات السابقة على الصلح لكن يحتمل أنه عاد مرة ثانية مع سهيل

стр. 3978

وعند البخاري "فقال النبي ﷺ " والله إني لرسول الله وإن كذبتموني أكتب محمد بن عبد الله". وروايتنا الأولى لم تذكر الاعتراض الأول الذي ذكرته الرواية الرابعة وهو الاعتراض على "بسم الله الرحمن الرحيم" وقول سهيل "أما اسم الله فما ندري: ما بسم الله الرحمن الرحيم" وفي الكلام حذف حذف فيه جواب "أما" أي أما اسم الله فنعلمه ونسلم به وأما الرحمن الرحيم فما ندري ما معناهما. والظاهر أن عليا ﵁ لم يكن كتب ابتداء "بسم الله الرحمن الرحيم" حتى يتعرض لمحوها كما في "رسول الله" فالاعتراض من سهيل صدر عند إشارة رسول الله ﷺ بكتابتها وقبل أن يكتب علي أما "رسول الله" فيبدو أن عليا ﵁ أسرع بكتابتها قبل الاعتراض أو أنه لم يستمع ولم يقبل الاعتراض ابتداء فكتبها على الرغم من الاعتراض. (لو نعلم أنك رسول الله لم نقاتلك) في الرواية الثالثة "فلو نعلم أنك رسول الله تابعناك" وفي ملحقها "بايعناك" وفي رواية البخاري "ما صددناك عن البيت وما قاتلناك". (امحه. فقال: ما أنا بالذي أمحاه فمحاه النبي ﷺ وفي الرواية الثالثة "فأمر عليا أن يمحاها" قال النووي: هكذا هو في جميع النسخ "بالذي أمحاه" وهي لغة في "أمحوه" اهـ. وفي لسان العرب: محا الشيء يمحوه ويمحاه محوا ومحيا أذهب أثره وطيئ تقول: محيته محيا ومحوا. (فمحاه النبي ﷺ بيده) في الرواية الثالثة "فقال رسول الله ﷺ : أرني مكانها فأراه مكانها فمحاها" والظاهر أن المحو لم يكن بممحاة مزيلة للأثر بل كان يطمس المكتوب بالمداد. (وكان فيما اشترطوا أن يدخلوا مكة فيقيموا بها ثلاثا) الظاهر أن ضمير "اشترطوا" لقريش أهل مكة والمعنى: كان فيما اشترط المشركون أن يدخل المسلمون مكة فيقيموا بها ثلاثا -أي ثلاث ليال بأيامها وهذا الشرط وإن كان للمسلمين لا عليهم فإن توابعه أو تضييقه بهذه المدة تجعله عليهم لا لهم. وضمير الإفراد في "ولا يدخلها بسلاح" مراد به هو ومن معه لأنهم أتباعه ومثله في الرواية الثالثة "أن يدخلها فيقيم بها ثلاثا" .. فأقام .. فليخرج .. فخرج". (ولا يدخلها بسلاح إلا جلبان السلاح) قال القاضي: ضبطناه بضم الجيم واللام وتشديد الباء قال: وكذا رواه الأكثرون وصوبه ابن قتيبة وغيره ورواه بعضهم بإسكان اللام وكذا ذكره الهروي وصوبه وهو ألطف من الجراب يكون من الجلد يوضع فيه السيف مغمدا ويطرح فيه الراكب سوطه وأداته ويعلقه في رحله اهـ وقد فسره الراوي أبو إسحاق في ملحق الرواية الأولى بالقراب وما فيه وفي الرواية الثانية "السيف وقرابه" أي في قرابه. (لما أحصر النبي ﷺ عند البيت) العندية على التساهل والتسامح أو هي مقولة بالتشكيك

стр. 3979

إذ هي أمر نسبي ففي المسافات البعيدة لها معنى غير المسافاة القريبة فقد يقال: بلد كذا عند بلد كذا وبينهما أميال والمراد هنا بالحديبية. وقال النووي: هكذا هو في جميع نسخ بلادنا "أحصر عند البيت" وكذا نقله القاضي عن رواية جميع الرواة سوى ابن الحذاء فإن في روايته "عن البيت" وهو الوجه. وعن كلمة الإحصار قال النخعي والكوفيون: الحصر: الكسر والمرض والخوف. وقال كثيرون من الصحابة وغيرهم: الإحصار كل حابس حبس الحاج من عدو ومرض وغير ذلك. وأخرج الشافعي عن ابن عباس: لا حصر إلا من حبسه عدو. والمشهور عن أكثر أهل اللغة: أن الإحصار إنما يكون بالمرض وأما بالعدو فهو الحصر وأثبت بعضهم أن أحصر وحصر بمعنى واحد يقال في جميع ما يمنع الإنسان من التصرف. (ولا يخرج بأحد معه من أهلها) أي إذا أراد مسلم بمكة أن يخرج مع محمد ﷺ وهو خارج ولم يكن جاء معه فلا يجوز لمحمد ﷺ أن يخرج به ولا أن يدافع عن مصاحبته. بل في الرواية الرابعة "من جاءكم منا رددتموه علينا". (ولا يمنع أحدا يمكث بها ممن كان معه) أي لا يمنع مسلما أن يرتد عن الإسلام ويمكث بمكة ممن جاء معه بل في الرواية الرابعة "من جاء منكم لم نرده عليكم" وفي ذلك بسط لحماية الكفار لمن رغب في الكفر ومنع لحماية المسلمين لمن رغب في الإسلام. (فلما أن كان يوم الثالث) قال النووي: هكذا هو في النسخ كلها بإضافة "يوم" إلى "الثالث" وهو من إضافة الموصوف إلى الصفة ومذهب الكوفيين جوازه ومذهب البصريين تقدير محذوف أي يوم الزمان الثالث. (فقالوا: يا رسول الله أنكتب هذا؟ قال: نعم) الظاهر أن هذا القول من المسلمين وقع بعد كتابة الصلح وأن هذا كان من الصحابة استغرابا وتعجبا وتبرما فبين الرسول ﷺ حكمة موافقته على هذا الشرط فقال: (إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجا ومخرجا) أي من ارتد عن الإسلام وذهب إليهم فهو شر أبعده الله عنا ومن جاءنا مسلما فرددناه لن يضره ردنا لأن الله سيجعل له فرجا ومخرجا وفي رواية البخاري "كان فيما اشترط سهيل بن عمرو على النبي ﷺ : أن لا يأتيك منا أحد -وإن كان على دينك- إلا رددته إلينا وخليت بيننا وبينه فكره المؤمنون ذلك وامتعضوا منه وأبى سهيل إلا ذلك فكاتبه النبي ﷺ " وفي رواية أخرى للبخاري "فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده" ويمشي مشيا بطيئا بسبب قيده وكان أبوه سهيل قد حبسه وأوثقه ومنعه من الهجرة وعذبه بسبب إسلامه فأفلت من سجنه

стр. 3980

-وقد خرج من أسفل مكة وتنكب الطريق وركب الجبال حتى هبط على المسلمين ورمي بنفسه بين أظهر المسلمين ففرح به المسلمون وتلقوه وعند ابن إسحق "فقام سهيل بن عمرو إلى أبي جندل فضرب وجهه وأخذ يلببه" "فقال سهيل: هذا -يا محمد- أول من أقاضيك عليه أن ترده إلي فقال النبي ﷺ : إنا لم نقض الكتاب بعد قال: فوالله إذن لم أصالحك على شيء أبدا قال النبي ﷺ : فأجزه لي" أي امض لي فعلي فيه فلا أرده إليك واستثنه من العقد "قال: ما أنا بمجيزه لك. قال: بلى فافعل قال: ما أنا بفاعل قال أبو جندل: يا معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلما؟ ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عذب عذابا شديدا في الله"، زاد ابن إسحق فقال رسول الله ﷺ " يا أبا جندل اصبر واحتسب فإنا لا نغدر وإن الله جاعل لك فرجا ومخرجا" وفي رواية "فوثب عمر مع أبي جندل يمشي إلى جنبه ويقول: اصبر فإنما هم مشركون وإنما دم أحدهم كدم كلب وأخذ يدني قائمة سيفه من أبي جندل يلوح له أن يأخذه يقول عمر: رجوت أن يأخذه مني فيضرب به أباه فضن الرجل بأبيه وأعيد أبو جندل في أسر أبيه وجاء إلى المدينة مسلم قريشي يدعى أبا بصير فأرسلوا في طلبه رجلين فقالا: العهد الذي جعلت لنا؟ فدفعه ﷺ إلى الرجلين وقال له: إن هؤلاء القوم صالحونا على ما علمت وإنا لا نغدر فالحق بقومك فقال: يا رسول الله أتردني للمشركين يفتنونني عن ديني ويعذبونني؟ قال: اصبر واحتسب فإن الله جاعل لك فرجا ومخرجا وفي رواية "فقال له عمر: أنت رجل وهو رجل ومعه السيف" يحرضه على قتلهما "فخرجا به حتى بلغ ذا الحليفة فنزلوا يأكلون من تمر معهم فقال أبو بصير لأحد الرجلين: إني لأرى سيفك جيدا أرني أنظر إليه فأمكنه منه فضربه به حتى قتله وفر الآخر حتى أتى المدينة وجاء أبو بصير إلى النبي ﷺ فعرف أنه سيرده إليهم فخرج حتى أتى سيف البحر وانفلت من مشركي مكة أبو جندل فلحق بأبي بصير فكونا عصابة من مسلمي مكة المضطهدين قيل: بلغت ثلاثمائة رجل ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوا وأخذوا أموالهم فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ : نناشدك الله والرحم من خرج منا إليك فهو حلال لك فكتب رسول الله ﷺ إلى أبي بصير فقدم الكتاب وأبو بصير يموت فمات وكتاب رسول الله ﷺ في يده فدفنه أبو جندل مكانه وجعل عند قبره مسجدا وقدم أبو جندل وممن معه إلى المدينة. (فأراه مكانها فمحاها وكتب: ابن عبد الله فأقام بها ثلاثة أيام) هكذا في الرواية الثالثة وفيها طي واختصار والمقصود أن هذا الكلام لم يقع في عام صلح الحديبية وإنما وقع في السنة الثانية وهي عمرة القضاء وكانوا شارطوا النبي ﷺ في عام الحديبية أن يرجعوا دون دخول الحرم وأن يجيئوا العام المقبل فتترك لهم قريش مكة فيعتمرون ولا يقيمون فيها أكثر من ثلاثة أيام فجاء في العام المقبل فأقام إلى أواخر اليوم الثالث فحذف واستغنى عن ذكره بكونه معلوما وقد جاء مبينا في روايات أخرى. (قام سهيل بن حنيف يوم صفين) أي يوم حرب صفين بين علي ومعاوية ﵄ وقال هذا القول حين ظهر من أصحاب علي ﵁ كراهة التحكيم.

стр. 3981

(فقال: يا أيها الناس اتهموا أنفسكم لقد كنا مع رسول الله ﷺ يوم الحديبية ولو نرى قتالا لقاتلنا) في الرواية السادسة "أيها الناس. اتهموا رأيكم على دينكم لقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله ﷺ لرددته" يوم أبي جندل يوم الحديبية يوم الصلح وقد سبق بيانه قريبا وإنما نسبه إلى أبي جندل لأنه لم يكن في هذا اليوم على المسلمين أشد من قصته والمراد باتهام الرأي عدم الإسراع في اتخاذ القرار والتروي فيه والاتجاه به نحو الصلح بدلا من رفضه فالصلح خير ويرجى بعده الخير وإن كان ظاهره أحيانا تأنف منه النفوس الأبية كما حصل في صلح الحديبية فقد كانت نفوسنا تأباه وكان رأينا القتال. (والله ما وضعنا سيوفنا على عواتقنا إلى أمر قط إلا أسهلن بنا إلى أمر نعرفه إلا أمركم هذا) وضع السيوف على العواتق كناية عن حملها وهي عادة تتدلى من علاقة معلقة بالكتف والمعنى ما حملنا سيوفنا لمعركة ما إلا كنا نعرف هدفنا ونتبين طريقنا إلا هذا الأمر الذي نحن فيه فقد عمى علينا الحق واختلط بالباطل فلم نعد ندري هل القتال حق أو لا؟ " أسهلن" بفتح الهمزة وسكون السين وفتح الهاء وسكون اللام ونون النسوة أي يسرن وكشفن وأدت بنا إلى أمر واضح فاالضمير للسيوف مجازا. وفي ملحق الرواية السادسة "ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله ﷺ " بحذف جواب "لو" المذكور في أصل الرواية وحذف جواب "لو" للعلم به كثير ومنه قوله تعالى ﴿ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت﴾ [الأنعام: ٩٣]. (ما فتحنا منه في خصم إلا انفجر علينا منه خصم) قال النووي: الضمير في "منه" عائد إلى قوله "اتهموا رأيكم" ومعناه ما أصلحنا من رأيكم وأمركم هذا ناحية إلا انفتحت أخرى ولا يصح عود الضمير إلى غير ما ذكرناه وأما قوله "ما فتحنا منه خصما" فكذا هو في مسلم قال القاضي وهو غلط أو تغيير وصوابه: ما سددنا منه خصما وكذا هو في رواية البخاري "ما سددنا" وبه يستقيم المعنى ويتقابل "سددنا" بقوله "إلا انفجر" وأما الخصم فبضم الخاء وخصم كل شيء طرفه وناحيته وشبهه بخصم الراوية وانفجار الماء من طرفها أو بخصم الغرارة والخرج وانصباب ما فيه بانفجاره. اهـ. وفي ملحق الرواية السادسة "إلى أمر يفظعنا" أي يشق علينا ونخافه". (ففيم نعطي الدنية في ديننا؟ ) "الدنية" بفتح الدال وكسر النون وتشديد الياء المفتوحة النقيصة والحالة الناقصة. (فنزل القرآن على رسول الله ﷺ بالفتح) أي بسورة الفتح أي صدرها. (فأقرأه إياه) يقال: أقرأ فلانا السورة أي جعله يقرؤها والمعنى قرأها عليه وسمعها منه والضمير في "إياه" للقرآن ويطلق على جزئه وكله. والمراد بالفتح في السورة صلح الحديبية.

стр. 3982

(أو فتح هو؟ ) الهمزة للاستفهام والواو عاطفة على محذوف والتقدير: أنسعد بالصلح؟ وفتح هو؟ قال رسول الله ﷺ : نعم أي لما فيه من الفوائد التي سنتعرض لها. (وهم يخالطهم الحزم والكآبة وقد نحر الهدي بالحديبية) يقال: كئب كآبة تغيرت نفسه وانكسرت من شدة الهم والحزن وحديث البخاري يرسم هذه الصورة فيقول "قال عمر لأبي بكر: أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى فأخبرك أنك تأتيه العام؟ قال: قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به فلما فرغ رسول الله ﷺ من قضية الكتاب قال رسول الله ﷺ لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس". وفي رواية ابن إسحق "فقال لها: ألا ترين إلى الناس؟ إني آمرهم بالأمر فلا يفعلونه؟ هلك المسلمون أمرتهم أن يحلقوا وينحروا فلم يفعلوا" "فقالت: يا رسول الله إنهم قد دخلهم أمر عظيم مما أدخلت على نفسك من المشقة في أمر الصلح ورجوعهم بغير فتح" "ثم قالت: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك. نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما" وعند ابن إسحق "ثم انصرف رسول الله ﷺ قافلا حتى إذا كان بين مكة والمدينة نزلت سورة الفتح. -[فقه الحديث]- اشتملت رواياتنا على بندين فقط من بنود صلح الحديبية البند الأول أن يرجع المسلمون هذا العام بدون عمرة وأن يرخص لهم بالعمرة في العام القادم لمدة ثلاثة أيام بدون سلاح ونص هذا البند عن ابن إسحق: ترجع عنا عامك هذا فلا تدخل مكة علينا وإنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك -أي خرجنا نحن من مكة إلى الجبال وتركناها لك- فدخلتها بأصحابك فأقمت بها ثلاثا معك سلاح الراكب -أي المسافر وليس المحارب- السيوف في القرب. البند الثاني: من أوى إلى المسلمين من أهل مكة يرده المسلمون إلى الكفار ومن أوى إلى الكفار من المسلمين لا يرده الكفار للمسلمين وقريب منه ما جاء في روايتنا الثالثة بلفظ "ولا يخرج بأحد معه من أهلها ولا يمنع أحدا يمكث بها ممن كان معه" ولفظه عند البخاري "أن لا يأتيك منا أحد -وإن كان على دينك- إلا رددته إلينا وخليت بيننا وبينه" وفي لفظ للبخاري "وعلى أنه لا يأتيك منا رجل -وإن كان على دينك- إلا رددته إلينا" ولفظه عند ابن إسحق "أنه من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه رده عليهم ومن جاء قريشا ممن يتبع محمدا لم يردوه عليه". واختلف العلماء: هل كان هذا البند يشمل النساء؟ أو لا يشمل النساء؟ فظاهر بعض الروايات يعم الرجال والنساء وبعضها خصه بالرجال.

стр. 3983

وقد روى البخاري عن المسور بن مخرمة قال: "وجاءت المؤمنات مهاجرات" أي بعد الصلح "وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله ﷺ يومئذ -وهي عاتق- أي شابة لم تدرك وقيل شابة أدركت ولم تتزوج بعد -فجاء أهلها يسألون النبي ﷺ أن يرجعها إليهم فلم يرجعها إليهم لما أنزل الله فيهن ﴿إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار﴾ [الممتحنة: ١٠] فمن قال: إن البند لا يشمل النساء فالآية توضيح لنص الصلح وتحديد للمراد من النص العام "أحد" و"من" واعتماد لقيد "رجل" في بعض الروايات ومن قال إن النص يشمل النساء قال: إن الآية ناسخة لشق البند المذكور. واختلف العلماء كذلك هل يجوز الصلح مع المشركين على أن يرد إليهم من جاء مسلما ممن عندهم إلى بلاد المسلمين أم لا؟ فقيل: نعم على ما دلت عليه قصة أبي جندل وأبي بصير وقيل: لا وأن الذي وقع في القصة منسوخ وأن ناسخه حديث "أنا بريء من مسلم بين مشركين" وهو قول الحنفية وعند الشافعية تفصيل بين العاقل والمجنون والصبي فلا يردان وقال بعض الشافعية: ضابط جواز الرد أن يكون المسلم بحيث لا تجب عليه الهجرة من دار الحرب. وهناك بنود أخرى في الصلح لم تتناولها رواياتنا منها: ١ - ما جاء في رواية ابن إسحق من أن الصلح نص على أن توضع الحرب بينهما عشر سنين. وفي مغازي ابن عائذ أنه كان سنتين. قال الحافظ ابن حجر: ويجمع بينهما بأن الذي قاله ابن إسحق هي المدة التي وقع الصلح عليها والذي ذكره ابن عائذ وغيره هي المدة التي انتهى إليها أمر الصلح فيها حتى وقع نقضه على يد قريش ثم قال الحافظ ابن حجر: وأما الذي وقع في كامل ابن عدي ومستدرك الحاكم والأوسط للطبراني من حديث ابن عمر من أن مدة الصلح كانت أربع سنين فهو مع ضعف إسناده منكر مخالف للصحيح. قال: وقد اختلف العلماء في المدة التي تجوز المهادنة فيها مع المشركين فقيل: لا تجاوز أربع سنين وقيل: ثلاثا وقيل سنتين والأول هو الراجح. والله أعلم. ٢ - وأن يأمن الناس بعضهم بعضا في نفوسهم وأموالهم سرا وجهرا وفي رواية ابن إسحق "وعلى أن بيننا عيبة مكفوفة" أي أمرا مطويا في صدور سليمة وهو إشارة إلى ترك المؤاخذة عما تقدم بينهم من أسباب الحرب وغيرها والمحافظة على العهد الذي وقع بينهم" وفي رواية ابن إسحق أيضا "وأنه لا إسلال ولا إغلال" أي لا سرقة ولا خيانة. ٣ - وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد ﷺ وعهده دخل فيه ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه. وكان هذا البند هو الذي نقضته قريش بمعاونتهم بني بكر الداخلين في عهدهم على خزاعة الذين دخلوا في عهد محمد ﷺ وكان السبب المباشر لفتح مكة كما سبق في الباب الذي قبله.

стр. 3984

موقف الصحابة من هذا الصلح: نكاد نقول: إنه لم يكن أحد من الصحابة يرضى بهذا الصلح والرواية السادسة توضح الموقف وتبرز مشاعر سهل بن حنيف ﵁ بقوله "ولو أني أستطيع أن أرد أمر رسول الله ﷺ لرددته". وكان أبرزهم نفورا من الصلح عمر بن الخطاب ﵁ فقد روى البخاري أن عمر ﵁ أتى نبي الله ﷺ فقال له: ألست نبي الله حقا؟ قال: بلى قال: ألسنا على الحق؟ وعدونا على الباطل؟ قال: بلى قال: فلم نعطي الدنية في ديننا إذن؟ قال: إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري قال: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى فأخبرتك أنا نأتيه العام؟ قال عمر: لا قال رسول الله ﷺ فإنك آتيه ومطوف به وذهب إلى أبي بكر فقال له مثل ما قال لرسول الله ﷺ وسمع منه مثل ما سمع من رسول الله ﷺ . وعند البزار قال عمر: "لقد رأيتني أرد أمر رسول الله ﷺ برأي وما ألوت عن الحق قال: فرضي رسول الله ﷺ وأبيت حتى قال لي: يا عمر: تراني رضيت وتأبى؟ " ولم يكن موقف عمر شكا في رسول الله ﷺ وفي حكمه وقراره بل طلبا لكشف ما خفي عليه وحثا على إذلال الكفار وظهور الإسلام كما عرف من خلقه ﵁ وقوته في نصرة الدين وإذلال المبطلين وكان أكثرهم استسلاما للصلح -وليس رضى به- أبو بكر ﵁ فمع قوة إيمانه وزيادة تصديقه وإذعانه لم ينفذ أمر الحلق والنحر. وسبب هذا الموقف من الصحابة ما قاله ابن إسحق بلفظ "كان الصحابة لا يشكون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله ﷺ فلما رأوا الصلح دخلهم من ذلك أمر عظيم حتى كادوا يهلكون" وعند الواقدي "أن النبي ﷺ كان رأى في منامه أن يعتمر وأنه دخل هو أصحابه البيت فلما رأوا تأخير ذلك شق عليهم" ويقول الحافظ ابن حجر: وقد وقع التصريح في الحديث الصحيح بأن المسلمين استنكروا الصلح المذكور وكانوا على رأي عمر في ذلك والظاهر أن الصديق لم يكن في ذلك موافقا لهم بل كان قلبه على قلب رسول الله ﷺ . اهـ. أما النبي ﷺ فإنه كان يتحرك في هذا الأمر بوحي الله يبدو هذا جليا من قوله لعمر ﵁: "إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري" فقبوله هذه النصوص عن أمر الله تعالى وليس عن اجتهاد أو مقدمات تسوق إلى نتائج فالمقدمات كلها لا تتفق مع هذا الصلح حتى الرجوع لا يتفق مع قوتهم وعزتهم وقد جاءوا معتمرين فكيف يقبلون الصد عن البيت الحرام؟ ثم النصوص غير متكافئة وتكاد كلها تنطق بعقد الإذعان نعم عدم كتابة "رسول الله" و"الرحمن الرحيم" كان لمصلحة إتمام الصلح وليس في تركها مفسدة أما البسملة وباسمك اللهم فمعناهما واحد وكذا قوله "محمد بن عبد الله" هو أيضا رسول الله ﷺ وليس في ترك وصف الله في هذا الموضع بالرحمن الرحيم ما ينفي ذلك ولا في ترك وصفه أيضا ﷺ هنا بالرسالة ما ينفيها فلا مفسدة فيما طلبوه وإنما كانت المفسدة تكون لو طلبوا أن يكتب مالا يحل من تعظيم آلهتهم ونحو ذلك وأما بقية الشروط ففيها من حيث الظاهر إجحاف بالمسلمين ومن الصعب على أصحاب العزة

стр. 3985

والنفوس الأبية قبولها لهذا دخلهم من الهم والغم ما دخلهم أما عدم انصياعهم لأمر رسول الله ﷺ بالنحر والحلق فلم يكن ردا لأمره ﷺ ولكنه كان توقفا على أمل أن ينزل وحي يغير الموقف وقد تكرر نحو هذا في قوله تعالى: ﴿إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة﴾ إذ نزل بعدها ﴿أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ [المجادلة: ١٢، ١٣] قال الحافظ ابن حجر عند شرحه لجملة "فوالله ما قام منهم رجل" قيل: كأنهم توقفوا لاحتمال أن يكون الأمر بذلك للندب أو لرجاء نزول الوحي بإبطال الصلح المذكور أو تخصيصه بالإذن بدخولهم مكة ذلك العام لإتمام نسكهم وسوغ ذلك لهم أنه كان زمن وقوع النسخ ويحتمل أنهم انشغلوا بالفكر لما لحقهم من الذل عند أنفسهم مع ظهور قوتهم واقتدارهم في اعتقادهم على بلوغ غرضهم وقضاء نسكهم بالقهر والغلبة أو أخروا الامتثال لاعتقادهم أن الأمر المطلق لا يقتضي الفور ويحتمل مجموع هذه الأمور لمجموعهم وليس فيه حجة لمن أثبت أن الأمر للفور ولا لمن نفاه ولا لمن قال: إن الأمر للوجوب لا للندب لما يتطرق القصة من الاحتمال. اهـ. نعم كان الغيب يحتفظ لهذه النصوص نتائج عظيمة فيها خير كبير للإسلام والمسلمين ﴿وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم﴾ [البقرة: ٢١٦]. فشرط رد من جاء منهم وعدم رد من جاءهم -وإن شرح النبي ﷺ وجهة نظره فيه بقوله "من ذهب منا إليهم فأبعده الله ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجا ومخرجا" كانت نتيجته شوكة في ظهر مشركي مكة آلمتهم وأوجعتهم حتى أرسلوا إلى رسول الله ﷺ يتنازلون عن هذا الشرط ويرجونه أن يضم إليه من آوى إليه من المسلمين أمثال أبي بصير وأبي جندل وأما شرط الرجوع دون نسك فقد عوض في العام القابل بضعف عدد ما كان في ذلك العام. قال النووي: قال العلماء والمصلحة المترتبة على هذا الصلح ظهرت من ثمراته الباهرة وفوائدة المتظاهرة التي كانت عاقبتها فتح مكة وإسلام أهلها كلهم ودخول الناس في دين الله أفواجا وذلك أنهم قبل الصلح لم يكونوا يختلطون بالمسلمين ولا تتظاهر عندهم أمور النبي ﷺ كما هي ولا يلتقون بمن يعلمهم بها مفصلة فلما حصل صلح الحديبية اختلطوا بالمسلمين وجاءوا إلى المدينة وذهب المسلمون إلى مكة ونزلوا على أهلهم وأصدقائهم وغيرهم ممن يستنصحونهم وسمعوا منهم أحوال النبي ﷺ مفصلة بجزئياتها ومعجزاته الظاهرة وأعلام ثبوته المتظاهرة وحسن سيرته وجميل طريقته وعاينوا بأنفسهم كثيرا من ذلك فبادر خلق كثير إلى الإسلام قبل فتح مكة -ولقد دخل الإسلام في هاتين السنتين أكثر ممن أسلم قبلهما وليس أدل على ذلك من أنهم كانوا في الحديبية ألفا وأربعمائة مسلم وكانوا في فتح مكة عشرة آلاف مسلم وازداد أهل مكة ميلا إلى الإسلام فلما كان يوم الفتح أسلموا كلهم لما كان قد تمهد لهم من الميل وكانت العرب من غير قريش في البوادي ينتظرون إسلام قريش ليسلموا فلما أسلمت قريش أسلمت العرب في البوادي قال تعالى: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح* ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا* فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا﴾ ولذلك يقول الزهري فيما ذكره ابن إسحق: لم يكن في الإسلام فتح قبل فتح الحديبية أعظم منه وروى البخاري عن البراء

стр. 3986

بن عازب ﵁ قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة -وقد كان فتح مكة فتحا- ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية". ولم يختلف أحد في أن المراد بالفتح في قوله تعالى: ﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا﴾ هو الحديبية فقد نزلت هذه الآيات على رسول الله ﷺ منصرفه من الحديبية -كما هو صريح روايتنا السابعة فأرسل ﷺ إلى عمر فقال له: لقد أنزلت على الليلة آيات هي خير من الدنيا وما فيها ثم أقرأه الآيات فقال: يا رسول الله أو فتح هو؟ قال: نعم فطابت نفسه ﵁. ومن الحكمة في قبول هذا الصلح أن الصحابة لو دخلوا مكة على هذه الصورة وصدهم قريش عن ذلك لوقع بينهم قتال يفضي إلى سفك الدماء ونهب الأموال وكان بمكة آنذاك جمع كثير مؤمنون مستضعفون من الرجال والنساء والولدان فلو طرق الصحابة مكة لما أمن أن يصاب ناس منهم بغير عمد وإلى هذا يشير القرآن الكريم بقوله: ﴿وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم﴾ [الفتح: ٢٤]. وبقوله: ﴿هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما﴾ [الفتح: ٢٥]. -[ويؤخذ من أحاديثنا فوق ما تقدم]- ١ - قال القاضي عياض: احتج بعض الناس بقوله في الرواية الثالثة "أرني مكانها فأراه مكانها فمحاها وكتب: ابن عبد الله" على أن النبي ﷺ كتب ذلك بيده على ظاهر اللفظ وعلى ظاهر لفظ البخاري في رواية ففيها "أخذ رسول الله ﷺ الكتاب فكتب" وفي رواية "ولا يحسن أن يكتب فكتب" قال أصحاب هذا المذهب: إن الله تعالى أجرى ذلك على يده إما بأن كتب القلم بيده ذلك وهو غير عالم بما يكتب أو أن الله تعالى علمه ذلك حينئذ حتى كتب وجعل هذا زيادة في معجزاته. وهذا لا يقدح في كونه أميا فقد علمه ما لم يكن يعلم من العلم وجعله يقرأ ما لم يكن يقرأ ويتلو ما لم يكن يتلو كذلك علمه أن يكتب ما لم يكن يكتب ويخط ما لم يكن يخط. واحتجوا بآثار جاءت في هذا المعنى عن الشعبي وبعض السلف وأن النبي ﷺ لم يمت حتى كتب قال القاضي: وإلى جواز هذا ذهب الباجي وحكاه عن السمعاني وأبي ذر وغيره. وذهب الأكثرون إلى منع هذا كله قالوا: وهذا الذي زعمه الذاهبون إلى القول الأول يبطله وصف الله تعالى إياه بالنبي الأمي ﷺ وقوله تعالى: ﴿وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك﴾ [العنكبوت: ٤٨] وقوله ﷺ "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب" قالوا: وقوله في هذا الحديث "كتب" معناه أمر بالكتابة كما يقال: رجم ماعزا وقطع السارق وجلد الشارب أي أمر بذلك واحتجوا بالرواية

стр. 3987

الرابعة وفيها "فقال لعلي ﵁ اكتب من محمد بن عبد الله" قال القاضي: وأجاب الأولون عن قوله تعالى: ﴿وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك﴾ أي لم يتل ولم يخط أي من قبل تعليمه فكما جاز أن يتلو جاز أن يكتب ولا يقدح هذا في كونه أميا إذ ليست المعجزة مجرد كونه أميا فإن المعجزة حاصلة بكونه ﷺ كان أولا كذلك ثم جاء بالقرآن وبعلوم لا يعلمها الأميون قال القاضي: وهذا الذي قالوه ظاهر. قال: وقوله في الرواية التي ذكرناها عن البخاري "ولا يحسن أن يكتب فكتب" كالنص أنه كتب بنفسه. قال: والعدول إلى غير ذلك مجاز ولا ضرورة إليه. قال: وقد طال كلام كل فرقة في هذه المسألة وشنعت كل فرقة على الأخرى في هذا. والله أعلم. ٢ - عن قوله "هذا ما كاتب عليه محمد رسول الله ﷺ " قال النووي: فيه دليل على أنه يجوز أن يكتب في أول الوثائق وكتب الأملاك والصداق والعتق والوقف والوصية ونحوها: هذا ما اشترى فلان أو هذا ما أصدق أو وقف أو أعتق ونحوه. وهذا هو الصواب الذي عليه الجمهور من العلماء وعليه عمل المسلمين في جميع الأزمان والبلدان من غير إنكار. ٣ - قال القاضي: وفيه دليل على أنه يكتفى في العقود بذكر الاسم واسم الأب بالنسبة للشخص المشهور -عن غير زيادة خلافا لمن قال: لا بد من أربعة أسماء المذكور وأبيه وجده ونسبه. ٤ - وفي الأحاديث أن للإمام أن يعقد الصلح على ما رآه مصلحة للمسلمين وإن كان لا يظهر ذلك لبعض الناس في بادئ الرأي. قاله النووي وفيه نظر فما حصل من النبي ﷺ كان بأمر ربه الذي يعلم الغيب ولذلك ضرب صفحا عن رأي الآخرين والاقتداء به في هذا يفسد الحكم ويضر الرعية. ٥ - وفيها احتمال المفسدة اليسيرة لدفع أعظم منها أو لتحصيل مصلحة أعظم منها إذ لم يمكن ذلك إلا بذلك. ٦ - جواز تجريد المسلم من سلاحه أو تخفيفه عند الأعداء للمصلحة قال النووي: وإنما شرط الكفار ذلك لوجهين الأول أن لا يظهر من دخول المسلمين مكة مسلحين أنهم دخلوها دخول الغالبين القاهرين الثاني أنه إن عرضت فتنة أو نحوها يكون في استخدام السلاح صعوبة. ٧ - استدل بشرط الإقامة بمكة ثلاثا أن الثلاث ليس لها حكم الإقامة وأما ما فوقها فله حكم الإقامة قال النووي: وقد رتب الفقهاء على هذا قصر الصلاة فيمن نوى إقامة في بلد في طريقه وقاسوا على هذا الأصل مسائل كثيرة. ٨ - وفي موقف أبي بكر ورده على عمر ﵄ دلائل ظاهرة على عظيم فضله وبارع علمه وزيادة عرفانه ورسوخه في كل ذلك وزيادته فيه كله على غيره ﵁.

стр. 3988

٩ - ومن إرسال النبي ﷺ إلى عمر وإقرائه ما نزل إعلام الإمام والعالم كبار أصحابه بما يقع له من الأمور المهمة والبعث إليهم لإعلامهم بذلك. ١٠ - وفي الأحاديث دليل على جواز مصالحة الكفار إذا كان فيها مصلحة وهو مجمع عليه عند الحاجة قال النووي: ومذهبنا أن مدتها لا تزيد على عشر سنين إذا لم يكن الإمام مستظهرا عليهم وإن كان مستظهرا لم يزد على أربعة أشهر وفي قول: يجوز دون سنة وقال مالك: لا حد لذلك بل يجوز ذلك قل أم كثر بحسب رأي الإمام. ١١ - أدب علي ﵁ في توقفه عن محو كلمة "رسول الله" وهو من الأدب المستحب لأنه لم يفهم من النبي ﷺ تحتيم محو الكلمة بنفسه ولهذا لم ينكر عليه موقفه ولو حتم محوه بنفسه لم يجز لعلي تركه ولما أقره النبي ﷺ . ١٢ - ومن مراجعة عمر ﵁ جواز المراجعة في العلم والبحث فيه حتى يظهر المعنى. ١٣ - وأن الكلام يحمل على عمومه وإطلاقه حتى تظهر إرادة التخصيص والتقييد. ١٤ - ومن رد الرسول ﷺ وأبي بكر على عمر بأنه ﷺ لم يحدد عام دخول مكة أخذ بعضهم أن من حلف على فعل شيء ولم يذكر مدة معينة لم يحنث حتى تنقضي أيام حياته. ١٥ - وفي الأحاديث التزام الصحابة بالصلح وعدم رده ومدى ما كانوا عليه من تنفيذ أوامره ﷺ وإن خفيت عليهم حكمة القرار. ١٦ - وفيه حكم الإحصار عن العمرة وأنه يتحلل بالحلق وينحر الهدي في مكانه وقد سبق شرحه في كتاب الحج. والله أعلم.

стр. 3989

(٤٩٣) باب الوفاء بالعهد ٤٠٧٧ - عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: ما منعني أن أشهد بدرا إلا أني خرجت أنا وأبي حسيل قال: فأخذنا كفار قريش. قالوا: إنكم تريدون محمدا. فقلنا: ما نريده ما نريد إلا المدينة. فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة ولا نقاتل معه. فأتينا رسول الله ﷺ فأخبرناه الخبر. فقال "انصرفا نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم". -[المعنى العام]- من أسمى تعاليم الإسلام الحث على الصدق واجتناب الكذب فإن الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة وإن الكذب يهدي إلى الفجور والفجور يهدي إلى النار ومن أسمى تعاليم الإسلام الوفاء بالعهد حتى للمشركين الذين لا عهد لهم والذين إن يظهروا على المسلمين لا يرقبو إلا ولا ذمة وهذا الحديث صورة مشرقة على فم الزمان تشهد للإسلام بأنه دين الهدى والنور. في زمن غزوة بدر وقبل خروج النبي ﷺ من المدينة إلى بدر خرج حذيفة بن اليمان هو وأبوه من المدينة للزيارة أو للتجارة في الأرض التي يسيطر عليها كفار مكة وعند عودتهم إلى المدينة كان رسول الله ﷺ وأصحابه قد نزلوا بدرا وكان الكفار يجمعون أنفسهم لقتاله ووقع حذيفة وأبوه في أيدي الكفار قد يكونون يعلمون أنهما مسلمان ولأمر ما لم يأسروهما أو لم يقتلوهما وقد يكونون لا يعلمون أنهما مسلمان الذي حرصوا عليه أن لا يقاتلا مع محمد ﷺ فأخذوا عليهما العهد والميثاق على ذلك وأطلقوهما وصلا إلى النبي ﷺ ببدر وذكرا له ﷺ القصة وهو في حاجة ماسة إلى مقاتل فالكفار يزيدون على الألف والمسلمون ثلاثمائة وبضعة عشر فهل يعامل المشركين الغادرين بعدم الوفاء لهم؟ أم يعلو الخلق الكريم ويأمر بالوفاء بالعهد؟ ويطلب العون من الله؟ لقد اختار الثانية وأمر حذيفة وأباه أن ينصرفا عن القتال إلى المدينة وفاء بعهدهما وقال: نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم ﷺ . -[المباحث العربية]- (ما منعني أن أشهد بدرا إلا أني خرجت) الاستثناء من أعم الفاعلين و"أن" وما دخلت عليه في تأويل مصدر بدل من المستثنى منه المحذوف والتقدير ما منعني شيء إلا خروجي أي منعني خروجي.

стр. 3990

(خرجت أنا وأبي حسيل) بضم الحاء وفتح السين ويقال له أيضا "حسل" بكسر الحاء وسكون السين وهو والد حذيفة فهو هنا بدل من "أبي" مرفوع وليس كنية وكأنه قال: خرجت أنا ووالدي حسيل واليمان لقب لحذيفة قال النووي: والمشهور في استعمال المحدثين أنه اليمان بالنون من غير ياء بعدها وهي لغة قليلة والصحيح اليماني بالياء وكذا عمرو بن العاصي والمشهور للمحدثين حذف الياء والصحيح إثباتها والمراد أنهما خرجا من المدينة إلى منطقة الكفار وأرادا العودة إلى المدينة ورسول الله ﷺ في بدر. (فأخذوا منا عهد الله وميثاقه) لفظ العهد مشترك لفظي بين معان كثيرة منها الزمان والمكان فيقال: قريب عهد بجاهلية وعهدي بهذا المكان كذا ومنها الذمة والصحة والميثاق والأيمان والنصيحة والوصية والمطر وقال الراغب: العهد حفظ الشيء ومراعاته ومن هنا قيل للوثيقة عهدة ويطلق عهد الله على ما فطر عليه عباده من الإيمان به عند أخذ الميثاق ويراد به أيضا ما أمر به في الكتاب والسنة مؤكدا وما التزمه المرء من قبل نفسه كالنذر. والمراد به هنا اليمين أو قولهم: على عهد الله أو الالتزام مؤكدا باليمين. (لننصرفن إلى المدينة) لا إلى بدر للقتال. (فأتينا رسول الله ﷺ ببدر. (انصرفا) من ميدان القتال ببدر إلى المدينة. -[فقه الحديث]- في هذا الحديث نقطتان أساسيتان: الأولى الكذب في الحرب والثانية الوفاء للمشركين بالعهد. أما عن النقطة الأولى فقال النووي: في هذا الحديث جواز الكذب في الحرب وإذا أمكن التعريض فهو أولى ومع هذا يجوز الكذب في الحرب. اهـ. وأخرج الترمذي من حديث أسماء بنت يزيد مرفوعا "لا يحل الكذب إلا في ثلاث: يحدث الرجل امرأته ليرضيها والكذب في الحرب وفي الإصلاح بين الناس" وعند مسلم والنسائي "ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس: إنه كذب إلا في ثلاث .. " فذكرها. قال الطبري: ذهبت طائفة إلى أن الثلاث المذكورة كالمثال وقالوا: الكذب المذموم إنما هو فيما فيه مضرة أو ما ليس فيه مصلحة وقال آخرون: لا يجوز الكذب في شيء مطلقا وحملوا الكذب المراد في الحديث المرخص على التورية والتعريض قال ابن بطال: سألت بعض شيوخي عن معنى هذا الحديث فقالوا: الكذب المباح في الحرب ما يكون من المعاريض لا التصريح بالتأمين مثلا وقال المهلب: لا يجوز الكذب الحقيقي في شيء

стр. 3991

من الدين أصلا ومحال أن يأمر بالكذب من يقول: "من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار". وقال ابن العربي: الكذب في الحرب من المستثنى الجائز بالنص رفقا بالمسلمين لحاجتهم إليه وليس للعقل فيه مجال ولو كان تحريم الكذب بالعقل ما انقلب حلالا. قال الحافظ ابن حجر: والجواب المستقيم أن نقول: المنع مطلقا من خصائص النبي ﷺ فلا يتعاطى شيئا من ذلك وإن كان مباحا لغيره. والتحقيق: أن الكذب لذاته لا يحل أصلا والترخيص به في مثل هذه المواطن من قبيل ارتكاب أخف المفسدتين أو الحصول على أعظم المنفعتين فالترخيص به لما يجره من منفعة أو لما يدفع به من مضرة مقابلا بإثمه كخبر غير مطابق للواقع. والله أعلم. وأما عن النقطة الثانية فقد قال النووي: اختلف العلماء في الأسير يعاهد الكفار ألا يهرب منهم فقال الشافعي وأبو حنيفة والكوفيون: لا يلزمه ذلك بل متى أمكنه الهرب هرب وقال مالك: يلزمه واتفقوا على أنه لو أكرهوه فحلف لا يهرب لا يمين عليه لأنه مكره وأما قضية حذيفة وأبيه فإن الكفار استحلفوهما لا يقاتلان مع النبي ﷺ في غزوة بدر فأمرهما النبي ﷺ بالوفاء وهذا ليس للإيجاب فإنه لا يجب الوفاء بترك الجهاد مع الإمام ونائبه ولكن أراد النبي ﷺ ألا يشيع عن أصحابه نقض العهد وإن كان لا يلزمهم ذلك لأن المشيع عليهم لا يذكر تأويلا. اهـ. وترجم البخاري بباب: هل للأسير أن يقتل أو يخادع الذين أسروه حتى ينجو من الكفرة وأشار إلى قصة أبي بصير التي ذكرناها في صلح الحديبية قال الحافظ ابن حجر: قال الجمهور: إن ائتمنوه يف لهم بالعهد حتى قال مالك: لا يجوز أن يهرب منهم وخالفه أشهب فقال: لو خرج به الكافر ليفادي به فله أن يقتله وقال أبو حنيفة والطبري: إعطاؤه العهد على ذلك باطل ويجوز له أن لا يفي لهم به وقال الشافعية: يجوز أن يهرب من أيديهم ولا يجوز له أن يأخذ من أموالهم قالوا: وإن لم يكن بينهم عهد جاز له أن يتخلص منهم بكل طريق ولو بالقتل وأخذ المال وتحريق الدار وغير ذلك. والله أعلم.

стр. 3992

(٤٩٤) باب غزوة الأحزاب ٤٠٧٨ - عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: كنا عند حذيفة فقال رجل: لو أدركت رسول الله ﷺ قاتلت معه وأبليت. فقال حذيفة: أنت كنت تفعل ذلك لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ ليلة الأحزاب وأخذتنا ريح شديدة وقر فقال رسول الله ﷺ "ألا رجل يأتيني بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة" فسكتنا فلم يجبه منا أحد ثم قال "ألا رجل يأتينا بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة" فسكتنا فلم يجبه منا أحد. ثم قال "ألا رجل يأتينا بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة" فسكتنا فلم يجبه منا أحد فقال "قم يا حذيفة فأتنا بخبر القوم" فلم أجد بدا إذ دعاني باسمي أن أقوم قال "اذهب فأتني بخبر القوم ولا تذعرهم علي" فلما وليت من عنده جعلت كأنما أمشي في حمام حتى أتيتهم فرأيت أبا سفيان يصلي ظهره بالنار فوضعت سهما في كبد القوس فأردت أن أرميه فذكرت قول رسول الله ﷺ "ولا تذعرهم علي" ولو رميته لأصبته. فرجعت وأنا أمشي في مثل الحمام فلما أتيته فأخبرته بخبر القوم وفرغت قررت فألبسني رسول الله ﷺ من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها فلم أزل نائما حتى أصبحت فلما أصبحت قال "قم يا نومان". -[المعنى العام]- حارب رسول الله ﷺ قريشا في غزوة بدر في السنة الثانية ونصره الله عليهم وحاربته قريش في غزوة أحد في السنة الثالثة ولم يكتب للمسلمين النصر عليهم وتوعدته قريش للعام القادم ولم تحاربه في السنة الرابعة وأخذت تعبئ لحربه قبائل العرب واليهود وتجمع الكفار وتحزب وتناسى الكل ما بينه وبين بعضه من عداوات وتناسى اليهود ما بينهم وبين محمد ﷺ من عهود ومواثيق. وعلم رسول الله ﷺ بهذا التحزب فاستشار أصحابه هل يخرج إليهم في العراء والمسلمون ثلاثة آلاف والأحزاب -كما بلغه- يزيدون على عشرة آلاف؟ أم يعسكر في المدينة فإذا جاءوا حاربوهم من حي إلى حي؟ ومن شارع إلى شارع؟ ومن بيت إلى بيت؟ وأشار عليه سلمان الفارسي بحفر خندق حول المدينة يحول بين المهاجمين وبين دخولهم المدينة خندق مكشوف أشبه بترعة لا ماء فيها عريض عميق لا يسهل على الخيل ولا على المشاة اختراقه وراقت الفكرة عند رسول الله ﷺ فأمر بحفره وحدد لكل

стр. 3993

عشرة من المسلمين عشرة أذرع وشارك فيه بنفسه تارة بالمعول وتارة بحمل التراب على كتفه ﷺ ونقله من العمق إلى الشاطئ. عشرون يوما وليلة قضاها المسلمون في عمل شاق مجهد وهم قليلو الزاد يشتد بهم الجوع ويربط الواحد منهم الحجر على بطنه لئلا يتقوس ظهره وليخفف ألم الجوع وعلى رأسهم مثلهم الأعلى في ذلك رسول الله ﷺ وما إن فرغ المسلمون من حفر الخندق حتى جاء الأحزاب فعسكروا في جانب والمسلمون في الجانب الآخر وظهرهم إلى المدينة واشتد الحصار بالمسلمين وطال عشرون يوما أو تزيد لا يستطيعون مغادرة الموقع ولم يكونوا يملكون من المؤن وضرورات الحياة ما يكفي لطول حصار وتفلت المنافقون ومرضى القلوب من الميدان يستأذن فريق منهم النبي ﷺ يقولون إن بيوتنا عورة ونخشى أن يهاجمها الكفار فاسمح لنا بحراستها والذهاب إلى المدينة ولم يكن بد من الإذن لهم فذهابهم وحالتهم هذه خير من بقائهم ولم يبق مع الرسول ﷺ في الميدان سوى ثلاثمائة مسلم في مقابل عشرة آلاف زاغت أبصارهم وبلغت قلوبهم حناجرهم ولم يعد عندهم أمل في النصر أو السلامة إلا أن ينقذهم الله فلجئوا إليه بالدعاء فتدخلت عناية الله ففتح على الأحزاب فتحة من ريح وبرد لم تتجاوز خيامهم فقلعتها وألقتها بعيدا يمسكون بها فتجرهم وراءها وتفرقت خيلهم وإبلهم فلم يعودوا يسيطرون عليها وتناثرت قدورهم وأمتعتهم فانشغلوا بجمعها ولم يكن أمامهم إلا الرحيل. المسلمون في حاجة لمعرفة ما يجري في معسكر الأحزاب فمن الفدائي الذي يخاطر بنفسه؟ قال ﷺ أمام أبطال المسلمين: من يتطوع ويتخفى ويصل إلى معسكر القوم فيأتينا بأخبارهم؟ وله أن يكون معي وفي صحبتي يوم القيامة؟ ولم يجب أحد فالمهمة خطيرة جدا أعادها ﷺ فلم يجبه أحد أعادها الثالثة فلم يجبه أحد قال أبو بكر لرسول الله ﷺ : حذيفة شجاع وذو حيلة فمر حذيفة فقال ﷺ قم يا حذيفة فائتنا بخبر القوم واقترب منهم برفق واستعمل الخدعة والمسالمة ولا تهيجهم علينا ودعا له ﷺ بأن يعينه الله على مهمته وأن يحفظه ويرجعه سالما كيف يخرج حذيفة من خيمته والليلة شاتية باردة تكاد الأطراف تتجمد من برودتها لكن الأمر قد صدر والاسم قد تعين ولا اعتذار فليستعن بالله عجبا لقد تحول عنه البرد إن جسمه يحس بالدفء إنه يمشي في جو دافئ كأنه يمشي في حمام ساخن لقد وصل إلى عسكرهم وها هو يرى أبا سفيان وقد أوقد نارا وعرض للنار ظهره يدفئه من شدة البرد إنه يستطيع أن يصوب سهما من كنانته إلى ظهر أبي سفيان فيرديه قتيلا فليخرج سهما من كنانته وليثبته في قوسه استعدادا لإطلاقه لكنه في تلك اللحظة تذكر قول رسول الله ﷺ : لا تهيجهم وأي تهييج أعظم من إصابة زعيمهم في ظهره؟ أعاد السهم إلى الكنانة وتلمس التعرف على أحوالهم إنهم يجمعون أمتعتهم ويحملونها على إبلهم ويحلون خيامهم إنهم يستعدون للرحيل بل قد رحل كثير منهم وعاد حذيفة وهو لا يحس بالبرد كأنما يمشي في جو يوم دافئ حتى وصل إلى رسول الله ﷺ وأخبره بخبر القوم وانتهت المهمة التي وكلت إليه.

стр. 3994

يا سبحان الله ما إن انتهى من الحديث حتى أحس بالبرد الذي يحس به كان أصحابه لقد ذهب الدفء الذي لازمه مدة البعثة إنه يرتعش ويرتجف وفي حاجة إلى غطاء ورآه رسول الله ﷺ كعصفور ينتفض من البرد فضمه ﷺ إليه وبسط طرف عباءة كانت عليه ﷺ فغطى به حذيفة وحصلت بركة عباءة رسول الله ﷺ لحذيفة فعاد إليه الدفء ونام. نام مستغرقا حتى أذن الفجر بل ظل مستغرقا حتى أيقظه رسول الله ﷺ للصلاة وداعبه عند إيقاظه بقوله: قم يا نومان قم يا كثير النوم فالوقت ليس وقت نوم بل وقت جهاد في سبيل الله. -[المباحث العربية]- (فقال رجل: لو أدركت رسول الله ﷺ قاتلت معه وأبليت) يقال: أبلى في الأمر إذا اجتهد فيه وبالغ وعند البيهقي في الدلائل "أن رجلا قال لحذيفة: أدركتم رسول الله ﷺ ولم ندركه. فقال حذيفة يا ابن أخي والله لا تدري لو أدركته كيف تكون؟ لقد رأيتنا .. إلخ قال النووي: فهم حذيفة من الرجل أنه لو أدرك النبي ﷺ لبالغ في نصرته ولزاد على الصحابة ﵃ فأخبره بخبره في الأحزاب وقصد زجره عن ظنه أنه يفعل أكثر مما فعل الصحابة. (أنت كنت تفعل ذلك؟ ) استفهام إنكاري بمعنى النفي. أي ما كنت تفعل أكثر مما فعل الصحابة. (لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ ليلة الأحزاب) "رأيتنا" بضم التاء للمتكلم حذيفة و"نا" ضمير المتكلمين مفعول أي لقد رأيت نفسي وأصحابي المسلمين. "وليلة الأحزاب" أي ليلة غزوة الأحزاب وهي لم تكن ليلة بل كانت أكثر من عشرين ليلة ولكنه يقصد ليلة من لياليها وغزوة الأحزاب هي غزوة الخندق وسميت بالخندق لأجل الخندق الذي حفر حول المدينة وسميت الأحزاب لاجتماع طوائف من المشركين على حرب المسلمين وهم قريش وغطفان واليهود ومن تبعهم ونزل في هذه القصة صدر سورة الأحزاب والأحزاب جمع حزب وهو الطائفة. (وأخذتنا ريح شديدة وقر) الجملة حالية بتقدير "قد" عند من يشترطها و"قر" بضم القاف وتشديد الراء وهو البرد يقال: قر اليوم يقر -بكسر القاف وفتحها في المضارع قرا بفتحها برد والقر بالفتح اليوم البارد ويقال: قر الرجل بضم القاف أي أصابه القر وفي آخر الحديث "فلما أتيته فأخبرته بخبر القوم وفرغت -أي من الإخبار- قررت" بضم القاف وكسر الراء أي بردت أي أنه أثناء المهمة لم يكن يحس بالبرد فلما انتهى منها أحس به وفي رواية البيهقي "في ليلة باردة مطيرة". (ألا رجل يأتيني بخبر القوم؟ ) طلب رقيق عن طريق العرض والتحضيض.

стр. 3995

(جعله الله معي يوم القيامة) معية شرف وتنعم وصحبة وقد جاءت هذه العبارة هنا ثلاث مرات بنفسها وفي رواية البيهقي "جعله الله رفيق إبراهيم يوم القيامة" في المرة الأولى. (فقال: قم يا حذيفة) في رواية البيهقي "فقال أبو بكر: ابعث حذيفة فقال اذهب فقلت: أخشى أن أؤسر؟ قال: إنك لن تؤسر". (فلم أجد بدا -إذ دعاني باسمي- أن أقوم) أي لم أجد مندوحة ولا عوضا ولا مفرا من القيام وقت أن ناداني باسمي. (ولا تذعرهم علي) بفتح التاء وسكون الذال أي لا تفزعهم ولا تحركهم علي ولا تنفرهم ولا تثرهم على نفسك لأنهم إن أخذوك أو آذوك كان ذلك ضررا علي لأنك رسولي وصاحبي. (فلما وليت من عنده جعلت كأنما أمشي في حمام) الحمام من الحميم وهو الماء الحار يقال: حم الماء حمما بفتح الميم سخن يعني أنه لم يجد البرد الذي يجده الناس ولم يجد من تلك الريح الشديدة شيئا بل عافاه الله منه ببركة إجابته للنبي ﷺ وذهابه فيما وجهه له واستمر ذلك اللطف به حتى عاد إلى النبي ﷺ وقص ما حصل ثم عاد إليه البرد الذي يجده الناس وفي رواية الحاكم "فدعا لي فأذهب الله عني القر والفزع". (حتى أتيتهم) أي حتى أتيت منزل الكفار وفي رواية الحاكم "فدخلت عسكرهم فإذا الريح لا تجاوزه شبرا". (فرأيت أبا سفيان يصلي ظهره بالنار) "يصلي" بفتح الياء وسكون الصاد وكسر اللام أي يدفئ ظهره بتعريضه لحرارة النار وفي كتب اللغة: صلى الشيء -بفتح اللام مخففة- يصليه -بفتح الياء وسكون الصاد- صليا -بسكون اللام- ألقاه في النار وصلى النار وبها -بفتح الصاد وكسر اللام وفتح الياء- يصلى -بفتح الياء وسكون الصاد وفتح اللام- احترق وفي القرآن الكريم ﴿لا يصلاها إلا الأشقى﴾ [الليل: ١٥] وأصلاه النار وصلاه النار وبها وفيها وعليها شواه. (فوضعت سهما في كبد القوس) أريد أن أرميه بسهم وكبد كل شيء وسطه. (فأخبرته بخبر القوم) عددهم وأسلحتهم وطوائفهم وأمتعتهم إلخ. (فألبسني رسول الله ﷺ من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها) أي رأى رسول الله ﷺ ما أنا فيه من البرد فغطاني بطرف عباءة كانت عليه. (فلما أصبحت) أي دخلت في الصباح بطلوع الفجر. (قم يا نومان) بفتح النون وسكون الواو وهو كثير النوم وأكثر ما يستعمل في النداء.
следующие страницы →