Полный текст (6 200 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.
стр. 3991
من الدين أصلا ومحال أن يأمر بالكذب من يقول: "من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار".
وقال ابن العربي: الكذب في الحرب من المستثنى الجائز بالنص رفقا بالمسلمين لحاجتهم إليه وليس للعقل فيه مجال ولو كان تحريم الكذب بالعقل ما انقلب حلالا.
قال الحافظ ابن حجر: والجواب المستقيم أن نقول: المنع مطلقا من خصائص النبي ﷺ فلا يتعاطى شيئا من ذلك وإن كان مباحا لغيره.
والتحقيق: أن الكذب لذاته لا يحل أصلا والترخيص به في مثل هذه المواطن من قبيل ارتكاب أخف المفسدتين أو الحصول على أعظم المنفعتين فالترخيص به لما يجره من منفعة أو لما يدفع به من مضرة مقابلا بإثمه كخبر غير مطابق للواقع. والله أعلم.
وأما عن النقطة الثانية فقد قال النووي: اختلف العلماء في الأسير يعاهد الكفار ألا يهرب منهم فقال الشافعي وأبو حنيفة والكوفيون: لا يلزمه ذلك بل متى أمكنه الهرب هرب وقال مالك: يلزمه واتفقوا على أنه لو أكرهوه فحلف لا يهرب لا يمين عليه لأنه مكره وأما قضية حذيفة وأبيه فإن الكفار استحلفوهما لا يقاتلان مع النبي ﷺ في غزوة بدر فأمرهما النبي ﷺ بالوفاء وهذا ليس للإيجاب فإنه لا يجب الوفاء بترك الجهاد مع الإمام ونائبه ولكن أراد النبي ﷺ ألا يشيع عن أصحابه نقض العهد وإن كان لا يلزمهم ذلك لأن المشيع عليهم لا يذكر تأويلا. اهـ.
وترجم البخاري بباب: هل للأسير أن يقتل أو يخادع الذين أسروه حتى ينجو من الكفرة وأشار إلى قصة أبي بصير التي ذكرناها في صلح الحديبية قال الحافظ ابن حجر: قال الجمهور: إن ائتمنوه يف لهم بالعهد حتى قال مالك: لا يجوز أن يهرب منهم وخالفه أشهب فقال: لو خرج به الكافر ليفادي به فله أن يقتله وقال أبو حنيفة والطبري: إعطاؤه العهد على ذلك باطل ويجوز له أن لا يفي لهم به وقال الشافعية: يجوز أن يهرب من أيديهم ولا يجوز له أن يأخذ من أموالهم قالوا: وإن لم يكن بينهم عهد جاز له أن يتخلص منهم بكل طريق ولو بالقتل وأخذ المال وتحريق الدار وغير ذلك.
والله أعلم.
стр. 3992
(٤٩٤) باب غزوة الأحزاب
٤٠٧٨ - عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: كنا عند حذيفة فقال رجل: لو أدركت رسول الله ﷺ قاتلت معه وأبليت. فقال حذيفة: أنت كنت تفعل ذلك لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ ليلة الأحزاب وأخذتنا ريح شديدة وقر فقال رسول الله ﷺ "ألا رجل يأتيني بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة" فسكتنا فلم يجبه منا أحد ثم قال "ألا رجل يأتينا بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة" فسكتنا فلم يجبه منا أحد. ثم قال "ألا رجل يأتينا بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة" فسكتنا فلم يجبه منا أحد فقال "قم يا حذيفة فأتنا بخبر القوم" فلم أجد بدا إذ دعاني باسمي أن أقوم قال "اذهب فأتني بخبر القوم ولا تذعرهم علي" فلما وليت من عنده جعلت كأنما أمشي في حمام حتى أتيتهم فرأيت أبا سفيان يصلي ظهره بالنار فوضعت سهما في كبد القوس فأردت أن أرميه فذكرت قول رسول الله ﷺ "ولا تذعرهم علي" ولو رميته لأصبته. فرجعت وأنا أمشي في مثل الحمام فلما أتيته فأخبرته بخبر القوم وفرغت قررت فألبسني رسول الله ﷺ من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها فلم أزل نائما حتى أصبحت فلما أصبحت قال "قم يا نومان".
-[المعنى العام]-
حارب رسول الله ﷺ قريشا في غزوة بدر في السنة الثانية ونصره الله عليهم وحاربته قريش في غزوة أحد في السنة الثالثة ولم يكتب للمسلمين النصر عليهم وتوعدته قريش للعام القادم ولم تحاربه في السنة الرابعة وأخذت تعبئ لحربه قبائل العرب واليهود وتجمع الكفار وتحزب وتناسى الكل ما بينه وبين بعضه من عداوات وتناسى اليهود ما بينهم وبين محمد ﷺ من عهود ومواثيق.
وعلم رسول الله ﷺ بهذا التحزب فاستشار أصحابه هل يخرج إليهم في العراء والمسلمون ثلاثة آلاف والأحزاب -كما بلغه- يزيدون على عشرة آلاف؟ أم يعسكر في المدينة فإذا جاءوا حاربوهم من حي إلى حي؟ ومن شارع إلى شارع؟ ومن بيت إلى بيت؟ وأشار عليه سلمان الفارسي بحفر خندق حول المدينة يحول بين المهاجمين وبين دخولهم المدينة خندق مكشوف أشبه بترعة لا ماء فيها عريض عميق لا يسهل على الخيل ولا على المشاة اختراقه وراقت الفكرة عند رسول الله ﷺ فأمر بحفره وحدد لكل
стр. 3993
عشرة من المسلمين عشرة أذرع وشارك فيه بنفسه تارة بالمعول وتارة بحمل التراب على كتفه ﷺ ونقله من العمق إلى الشاطئ.
عشرون يوما وليلة قضاها المسلمون في عمل شاق مجهد وهم قليلو الزاد يشتد بهم الجوع ويربط الواحد منهم الحجر على بطنه لئلا يتقوس ظهره وليخفف ألم الجوع وعلى رأسهم مثلهم الأعلى في ذلك رسول الله ﷺ وما إن فرغ المسلمون من حفر الخندق حتى جاء الأحزاب فعسكروا في جانب والمسلمون في الجانب الآخر وظهرهم إلى المدينة واشتد الحصار بالمسلمين وطال عشرون يوما أو تزيد لا يستطيعون مغادرة الموقع ولم يكونوا يملكون من المؤن وضرورات الحياة ما يكفي لطول حصار وتفلت المنافقون ومرضى القلوب من الميدان يستأذن فريق منهم النبي ﷺ يقولون إن بيوتنا عورة ونخشى أن يهاجمها الكفار فاسمح لنا بحراستها والذهاب إلى المدينة ولم يكن بد من الإذن لهم فذهابهم وحالتهم هذه خير من بقائهم ولم يبق مع الرسول ﷺ في الميدان سوى ثلاثمائة مسلم في مقابل عشرة آلاف زاغت أبصارهم وبلغت قلوبهم حناجرهم ولم يعد عندهم أمل في النصر أو السلامة إلا أن ينقذهم الله فلجئوا إليه بالدعاء فتدخلت عناية الله ففتح على الأحزاب فتحة من ريح وبرد لم تتجاوز خيامهم فقلعتها وألقتها بعيدا يمسكون بها فتجرهم وراءها وتفرقت خيلهم وإبلهم فلم يعودوا يسيطرون عليها وتناثرت قدورهم وأمتعتهم فانشغلوا بجمعها ولم يكن أمامهم إلا الرحيل.
المسلمون في حاجة لمعرفة ما يجري في معسكر الأحزاب فمن الفدائي الذي يخاطر بنفسه؟ قال ﷺ أمام أبطال المسلمين: من يتطوع ويتخفى ويصل إلى معسكر القوم فيأتينا بأخبارهم؟ وله أن يكون معي وفي صحبتي يوم القيامة؟ ولم يجب أحد فالمهمة خطيرة جدا أعادها ﷺ فلم يجبه أحد أعادها الثالثة فلم يجبه أحد قال أبو بكر لرسول الله ﷺ : حذيفة شجاع وذو حيلة فمر حذيفة فقال ﷺ قم يا حذيفة فائتنا بخبر القوم واقترب منهم برفق واستعمل الخدعة والمسالمة ولا تهيجهم علينا ودعا له ﷺ بأن يعينه الله على مهمته وأن يحفظه ويرجعه سالما كيف يخرج حذيفة من خيمته والليلة شاتية باردة تكاد الأطراف تتجمد من برودتها لكن الأمر قد صدر والاسم قد تعين ولا اعتذار فليستعن بالله عجبا لقد تحول عنه البرد إن جسمه يحس بالدفء إنه يمشي في جو دافئ كأنه يمشي في حمام ساخن لقد وصل إلى عسكرهم وها هو يرى أبا سفيان وقد أوقد نارا وعرض للنار ظهره يدفئه من شدة البرد إنه يستطيع أن يصوب سهما من كنانته إلى ظهر أبي سفيان فيرديه قتيلا فليخرج سهما من كنانته وليثبته في قوسه استعدادا لإطلاقه لكنه في تلك اللحظة تذكر قول رسول الله ﷺ : لا تهيجهم وأي تهييج أعظم من إصابة زعيمهم في ظهره؟ أعاد السهم إلى الكنانة وتلمس التعرف على أحوالهم إنهم يجمعون أمتعتهم ويحملونها على إبلهم ويحلون خيامهم إنهم يستعدون للرحيل بل قد رحل كثير منهم وعاد حذيفة وهو لا يحس بالبرد كأنما يمشي في جو يوم دافئ حتى وصل إلى رسول الله ﷺ وأخبره بخبر القوم وانتهت المهمة التي وكلت إليه.
стр. 3994
يا سبحان الله ما إن انتهى من الحديث حتى أحس بالبرد الذي يحس به كان أصحابه لقد ذهب الدفء الذي لازمه مدة البعثة إنه يرتعش ويرتجف وفي حاجة إلى غطاء ورآه رسول الله ﷺ كعصفور ينتفض من البرد فضمه ﷺ إليه وبسط طرف عباءة كانت عليه ﷺ فغطى به حذيفة وحصلت بركة عباءة رسول الله ﷺ لحذيفة فعاد إليه الدفء ونام.
نام مستغرقا حتى أذن الفجر بل ظل مستغرقا حتى أيقظه رسول الله ﷺ للصلاة وداعبه عند إيقاظه بقوله: قم يا نومان قم يا كثير النوم فالوقت ليس وقت نوم بل وقت جهاد في سبيل الله.
-[المباحث العربية]-
(فقال رجل: لو أدركت رسول الله ﷺ قاتلت معه وأبليت) يقال: أبلى في الأمر إذا اجتهد فيه وبالغ وعند البيهقي في الدلائل "أن رجلا قال لحذيفة: أدركتم رسول الله ﷺ ولم ندركه. فقال حذيفة يا ابن أخي والله لا تدري لو أدركته كيف تكون؟ لقد رأيتنا .. إلخ قال النووي: فهم حذيفة من الرجل أنه لو أدرك النبي ﷺ لبالغ في نصرته ولزاد على الصحابة ﵃ فأخبره بخبره في الأحزاب وقصد زجره عن ظنه أنه يفعل أكثر مما فعل الصحابة.
(أنت كنت تفعل ذلك؟ ) استفهام إنكاري بمعنى النفي. أي ما كنت تفعل أكثر مما فعل الصحابة.
(لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ ليلة الأحزاب) "رأيتنا" بضم التاء للمتكلم حذيفة و"نا" ضمير المتكلمين مفعول أي لقد رأيت نفسي وأصحابي المسلمين.
"وليلة الأحزاب" أي ليلة غزوة الأحزاب وهي لم تكن ليلة بل كانت أكثر من عشرين ليلة ولكنه يقصد ليلة من لياليها وغزوة الأحزاب هي غزوة الخندق وسميت بالخندق لأجل الخندق الذي حفر حول المدينة وسميت الأحزاب لاجتماع طوائف من المشركين على حرب المسلمين وهم قريش وغطفان واليهود ومن تبعهم ونزل في هذه القصة صدر سورة الأحزاب والأحزاب جمع حزب وهو الطائفة.
(وأخذتنا ريح شديدة وقر) الجملة حالية بتقدير "قد" عند من يشترطها و"قر" بضم القاف وتشديد الراء وهو البرد يقال: قر اليوم يقر -بكسر القاف وفتحها في المضارع قرا بفتحها برد والقر بالفتح اليوم البارد ويقال: قر الرجل بضم القاف أي أصابه القر وفي آخر الحديث "فلما أتيته فأخبرته بخبر القوم وفرغت -أي من الإخبار- قررت" بضم القاف وكسر الراء أي بردت أي أنه أثناء المهمة لم يكن يحس بالبرد فلما انتهى منها أحس به وفي رواية البيهقي "في ليلة باردة مطيرة".
(ألا رجل يأتيني بخبر القوم؟ ) طلب رقيق عن طريق العرض والتحضيض.
стр. 3995
(جعله الله معي يوم القيامة) معية شرف وتنعم وصحبة وقد جاءت هذه العبارة هنا ثلاث مرات بنفسها وفي رواية البيهقي "جعله الله رفيق إبراهيم يوم القيامة" في المرة الأولى.
(فقال: قم يا حذيفة) في رواية البيهقي "فقال أبو بكر: ابعث حذيفة فقال اذهب فقلت: أخشى أن أؤسر؟ قال: إنك لن تؤسر".
(فلم أجد بدا -إذ دعاني باسمي- أن أقوم) أي لم أجد مندوحة ولا عوضا ولا مفرا من القيام وقت أن ناداني باسمي.
(ولا تذعرهم علي) بفتح التاء وسكون الذال أي لا تفزعهم ولا تحركهم علي ولا تنفرهم ولا تثرهم على نفسك لأنهم إن أخذوك أو آذوك كان ذلك ضررا علي لأنك رسولي وصاحبي.
(فلما وليت من عنده جعلت كأنما أمشي في حمام) الحمام من الحميم وهو الماء الحار يقال: حم الماء حمما بفتح الميم سخن يعني أنه لم يجد البرد الذي يجده الناس ولم يجد من تلك الريح الشديدة شيئا بل عافاه الله منه ببركة إجابته للنبي ﷺ وذهابه فيما وجهه له واستمر ذلك اللطف به حتى عاد إلى النبي ﷺ وقص ما حصل ثم عاد إليه البرد الذي يجده الناس وفي رواية الحاكم "فدعا لي فأذهب الله عني القر والفزع".
(حتى أتيتهم) أي حتى أتيت منزل الكفار وفي رواية الحاكم "فدخلت عسكرهم فإذا الريح لا تجاوزه شبرا".
(فرأيت أبا سفيان يصلي ظهره بالنار) "يصلي" بفتح الياء وسكون الصاد وكسر اللام أي يدفئ ظهره بتعريضه لحرارة النار وفي كتب اللغة: صلى الشيء -بفتح اللام مخففة- يصليه -بفتح الياء وسكون الصاد- صليا -بسكون اللام- ألقاه في النار وصلى النار وبها -بفتح الصاد وكسر اللام وفتح الياء- يصلى -بفتح الياء وسكون الصاد وفتح اللام- احترق وفي القرآن الكريم ﴿لا يصلاها إلا الأشقى﴾ [الليل: ١٥] وأصلاه النار وصلاه النار وبها وفيها وعليها شواه.
(فوضعت سهما في كبد القوس) أريد أن أرميه بسهم وكبد كل شيء وسطه.
(فأخبرته بخبر القوم) عددهم وأسلحتهم وطوائفهم وأمتعتهم إلخ.
(فألبسني رسول الله ﷺ من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها) أي رأى رسول الله ﷺ ما أنا فيه من البرد فغطاني بطرف عباءة كانت عليه.
(فلما أصبحت) أي دخلت في الصباح بطلوع الفجر.
(قم يا نومان) بفتح النون وسكون الواو وهو كثير النوم وأكثر ما يستعمل في النداء.
стр. 3996
-[فقه الحديث]-
ذكر البخاري تحت باب غزوة الخندق مجموعة من الأحاديث نذكر منها:
١ - عن سهل بن سعد ﵁ قال: "كنا مع رسول الله ﷺ في الخندق وهم يحفرون ونحن ننقل التراب على أكتافنا فقال رسول الله ﷺ :
اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة
فاغفر للمهاجرين والأنصار
وهذا الحديث سيأتي في مسلم بعد باب قتل كعب بن الأشرف.
٢ - عن أنس ﵁ قال: "خرج رسول الله ﷺ إلى الخندق فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال:
اللهم إن العيش عيش الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة
فقالوا مجيبين له:
نحن الذين بايعوا محمدا ... على الإسلام ما بقينا أبدا
قال: يقول النبي ﷺ وهو يجيبهم: اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة فبارك في الأنصار والمهاجرة قال: يؤتون بملء كفي من الشعير -أي يؤتي جيش المسلمين بملء كف أنس من الشعير- فيصنع لهم الشعير ويطبخ بقليل من الدهن المتغير طعما ولونا ولها ريح منتن توضع بين يدي القوم والقوم جياع" وهذا الحديث سيأتي جزؤه في مسلم بعد باب قتل كعب بن الأشرف.
٣ - عن جابر ﵁ قال: "إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة -قطعة كبيرة صلبة من الحجر لم يستطعوا تفتيتها -فجاء النبي ﷺ فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق فقال: أنا نازل -إليها- ثم قام وبطنه معصوب بحجر ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا فأخذ النبي ﷺ المعول فضرب في الكدية فعاد كثيبا أهيل فقلت: يا رسول الله ائذن لي إلى البيت" أي فأذن لي فقلت لامرأتي: رأيت بالنبي ﷺ شيئا" أي جوعا جعله يشد الحجر على بطنه "ما كان في ذلك صبر فعندك شيء" من طعام "نطعم به النبي ﷺ ؟ فقالت: عندي شعير وعناق" في رواية "صاع من شعير" والعناق بفتح العين الأنثى من المعز "فذبحت العناق وطحنت امرأتي الشعير وجعلنا اللحم بالبرمة ثم جئت النبي ﷺ والعجين قد انكسر" وقارب أن يختمر "والبرمة قد كادت أن تنضج" فقلت: يا رسول الله طعيم فقم أنت ونفر معك رجل أو رجلان فقال: كم هو؟ " ما مقدار الطعام فذكرت له" عنز صغير وصاع من شعير "فقال: كثير طيب.
قال: قل لها: لا تنزع البرمة" عن النار "ولا الخبز من التنور حتى آتى فقال" لأصحابه "قوموا" فصاح النبي ﷺ : يا أهل الخندق إن جابرا قد صنع لنا طعاما فأهلا بكم فقام المهاجرون والأنصار قال: فدخلت على امرأتي فقلت: ويحك جاء النبي ﷺ بالمهاجرين والأنصار ومن معهم" جاءك بالخندق أجمعين نحو ألف رجل "قال: ولقيت من الحياء
стр. 3997
مالا يعلمه إلا الله قالت: هل سألك كم طعامك؟ فقلت: نعم فقالت: الله ورسوله أعلم ونحن قد أخبرناه بما عندنا فكشفت عني غما شديدا وجاء رسول الله ﷺ يقدم الناس فأخرجت له عجينا فباركه ثم عمد إلى برمتنا فباركها ثم قال: ادع خابزة فلتخبز وجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم ويخمر البرمة والتنور إذا أخذ منه ويقرب إلى أصحابه ثم ينزع حتى شبعوا وبقيت بقية قال: كلي هذا وأهدي. قال جابر: فأقسم بالله لقد أكلوا -وهم ألف- حتى تركوه وانحرفوا وإن برمتنا لتغط كما هي وإن عجيننا ليخبز كما هو".
٤ - عن البراء ﵁ قال: "كان النبي ﷺ ينقل التراب يوم الخندق حتى أغمر بطنه" وفي رواية "رأيته ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني التراب جلدة بطنه -وكان كثير الشعر- وكان يرتجز بكلمات ابن رواحة وهو ينقل من التراب يقول:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا
إن الأولى قد بغوا علينا ... وإن أرادوا فتنة أبينا
وهذا الحديث سيأتي في مسلم بعد باب قتل كعب بن الأشرف.
٥ - عن أبي هريرة ﵁ "أن رسول الله ﷺ كان يقول: لا إله إلا الله وحده أعز جنده ونصر عبده وغلب الأحزاب وحده فلا شيء بعده".
تاريخ غزوة الخندق: قال موسى بن عقبة: كانت في شوال سنة أربع وتابعه على ذلك مالك وقال ابن إسحق: كانت في شوال سنة خمس قال الحافظ ابن حجر: ويؤيد قول ابن إسحق أن أبا سفيان قال للمسلمين لما رجع من أحد: موعدكم العام المقبل ببدر فخرج النبي ﷺ من السنة المقبلة إلى بدر فتأخر مجيء أبي سفيان تلك السنة للجدب الذي كان حينئذ وقال لقومه: إنما يصلح الغزو سنة الخصب فرجعوا بعد أن وصلوا إلى عسفان أو دونها ذكر ذلك ابن إسحق وغيره من أهل المغازي وقد بين البيهقي سبب هذا الاختلاف وهو أن جماعة من السلف كانوا يعدون التاريخ من المحرم الذي وقع بعد الهجرة ويلغون الأشهر التي قبل ذلك إلى ربيع الأول وعلى ذلك جرى يعقوب بن سفيان في تاريخه فذكر أن غزوة بدر الكبرى كانت في السنة الأولى وأن غزوة أحد كانت في السنة الثانية وأن الخندق كانت في الرابعة وهذا عمل صحيح على ذلك البناء لكنه بناء واه مخالف لما عليه الجمهور من جعل التاريخ من المحرم سنة الهجرة وعلى ذلك تكون بدر في الثانية وأحد في الثالثة والخندق في الخامسة وهو المعتمد.
سبب الغزوة ووقائعها: ذكر موسى بن عقبة في المغازي قال: خرج حيي بن أخطب بعد قتل بني النضير إلى مكة يحرض قريشا على حرب رسول الله ﷺ وخرج كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق يسعى في بني غطفان ويحضهم على قتال رسول الله ﷺ على أن لهم نصف تمر خيبر فأجابه عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري إلى ذلك وكتبوا إلى حلفائهم بني أسد فأقبل إليهم طلحة بن
стр. 3998
خويلد فيمن أطاعه وخرج أبو سفيان بن حرب بقريش فأنزلوا بمر الظهران فجاءهم من أجابهم من بني سليم مددا لهم فصاروا في جمع عظيم فهم الذين سماهم الله تعالى الأحزاب.
وذكر ابن إسحق أن عدتهم كانت عشرة آلاف وكان المسلمون ثلاثة آلاف.
واستشار الرسول ﷺ أصحابه هل يخرج إليهم في العراء وسيأتون من الشرق والغرب؟ أو يبقى هو والمسلمون بالمدينة؟ فإذا دخلوا عليهم حاربوهم في الدروب؟ قال سلمان الفارسي لرسول الله ﷺ : كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا فأمر النبي ﷺ بحفر الخندق حول المدينة وعمل فيه بنفسه ترغيبا للمسلمين في العمل فيه وخط ﷺ لكل عشرة أناس عشرة أذرع وتسابق المسلمون في الحفر مستعجلين يبادرون قدوم العدو فأقاموا في عمله قريبا من عشرين ليلة وقيل: أربعا وعشرين ليلة وقيل: نحو شهر.
وجاء الكفار نزلت قريش بمجتمع السيول -يقول ابن إسحق: في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وتهامة ونزل عيينة بن حصن في غطفان ومن معهم من أهل نجد إلى جانب أحد بباب نعمان وخرج رسول الله ﷺ والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف والخندق بينه وبين القوم وتوجه حيي بن أخطب إلى بني قريظة فلم يزل بهم حتى غدروا وبلغ المسلمين غدرهم فاشتد بهم البلاء فأراد النبي ﷺ أن يعطي عيينة بن حصن ومن معه ثلث ثمار المدينة على أن يرجعوا فمنعه من ذلك سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وقالا: كنا نحن وهم على الشرك لا يطمعون منا في شيء من ذلك فكيف نفعله بعد أن أكرمنا الله بالإسلام وأعزنا بك؟ نعطيهم أموالنا؟ ما لنا بهذا من حاجة ولا نعطيهم إلا السيف فاشتد بالمسلمين الحصار حتى حاول المنافقون التهرب من الميدان وفيهم يقول الله تعالى ﴿وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا﴾ [الأحزاب: ١٢] ﴿وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا﴾ [الأحزاب: ١٣] وفي هذا الموقف الصعب يقول جل شأنه ﴿إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنون* هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا﴾ [الأحزاب: ١٠، ١١] وكان الذين جاءوهم من فوقهم بني قريظة ومن أسفل منهم قريشا وغطفان.
يقول ابن إسحق: إن نعيم بن مسعود الأشجعي أتى النبي ﷺ ولم يعلم به قومه فقال له النبي ﷺ : خذل عنا الكفار فمضى إلى بني قريظة -وكان نديما لهم- فقال: عرفتم محبتي لكم؟ قالوا: نعم فقال: إن قريشا وغطفان ليست هذه بلادهم وإنهم إن رأوا فرصة انتهزوها وإلا رجعوا إلى بلادهم وتركوكم في البلاء مع محمد ولا طاقة لكم به قالوا: فما ترى؟ قال: لا تقاتلوا معهم حتى تأخذوا رهنا منهم فقبلوا رأيه فتوجه إلى قريش فقال لهم: إن اليهود ندموا على الغدر بمحمد فراسلوه في الرجوع إليه فراسلهم بأنا لا نرضى حتى تبعثوا إلى قريش فتأخذوا منهم رهنا فتقتلوهم ثم جاء
стр. 3999
غطفان بنحو ذلك فلما أصبح أبو سفيان بعث عكرمة بن أبي جهل إلى بني قريظة بأنا قد ضاق بنا المنزل ولم نجد مرعى فاخرجوا بنا حتى نناجز محمدا فأجابوهم: إن اليوم يوم السبت ولا نعمل فيه شيئا ولا بد لنا من الرهن منكم لئلا تغدروا بنا فقالت قريش لبعضها: هذا ما حذركم نعيم فراسلوهم ثانيا أن لا نعطيكم رهنا فإن شئتم أن تخرجوا فافعلوا فقالت قريظة: هذا ما أخبرنا نعيم. فكان ذلك من أسباب خذلانهم ورحيلهم.
وأخرج الإمام أحمد من حديث أبي سعيد قال: "قلنا يوم الخندق: يا رسول الله هل من شيء نقوله؟ قد بلغت القلوب الحناجر. قال: نعم اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا قال: فضرب الله وجوه أعدائنا بالريح فهزمهم الله بالريح" قال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا﴾ [الأحزاب: ٩] قال مجاهد: سلط الله عليهم الريح فكفأت قدورهم ونزعت خيامهم حتى أظعنتهم وعند البيهقي في الدلائل "بعث الله عليهم الريح فما تركت لهم بناء إلا هدمته ولا إناء إلا أكفأته وحملت قريش أمتعتها وإن الريح لتغلبهم على بعض أمتعتهم.
وكانت مدة الحصار عشرين يوما ولم يكن بينهم قتال إلا مراماة بالنبال والحجارة وأصيب منها سعد بن معاذ بسهم فكان سبب موته وقال ابن إسحق في رواية "لم يكن بينهم حرب إلا مراماة بالنبل لكن كان عمرو بن عبد ود العامري قد اقتحم الخندق هو ونفر معه بخيولهم من ناحية ضيقة حتى صاروا بالسبخة فبارزه على فقتله وبرز نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي فبارزه الزبير فقتله ويقال قتله علي ورجعت بقية الخيول منهزمة.
-[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]-
١ - منقبة لحذيفة وفضيلة له وتكريم النبي ﷺ له حيث غطاه بطرف عباءته حتى دفئ هذا وقد روى البخاري عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب: من يأتينا بخبر القوم؟ فقال الزبير: أنا ثم قال: من يأتينا بخبر القوم؟ فقال الزبير أنا ثم قال: من يأتينا بخبر القوم؟ فقال الزبير: أنا ثم قال: إن لكل نبي حواريا وإن حواريي الزبير".
قال الحافظ ابن حجر: إن القصة التي ذهب الزبير لكشفها غير القصة التي ذهب حذيفة لكشفها فقصة الزبير كانت لكشف خبر بني قريظة هل نقضوا العهد بينهم وبين المسلمين؟ ووافقوا قريشا على محاربة المسلمين؟ وقصة حذيفة كانت لما اشتد الحصار على المسلمين بالخندق ووقع الاختلاف بين الأحزاب وأرسل الله تعالى عليهم الريح واشتد البرد تلك الليلة فانتدب النبي ﷺ من يأتيه بخبر قريش فانتدب له حذيفة بعد تكراره طلب ذلك.
٢ - وفيه أنه ينبغي للإمام وأمير الجيش بعث الجواسيس والطلائع لكشف خبر العدو.
٣ - قال النووي: وفيه جواز الصلاة في الصوف وهو جائز بإجماع من يعتد به وسواء الصلاة عليه وفيه ولا كراهة في ذلك قال العبدري من أصحابنا: وقالت الشيعة: لا تجوز الصلاة على الصوف
стр. 4000
وتجوز فيه وقال مالك: يكره كراهة تنزيه اهـ. وفي استدلال النووي على هذا الحكم بهذا الحديث نظر فإن قوله "من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها" ليس فيه أن العباءة كانت من صوف.
٤ - أخذ من دعاء النبي ﷺ لحذيفة وعدم شعوره بالبرد في ذهابه وإيابه للمهمة معجزة لرسول الله ﷺ قاله النووي.
٥ - تضحيات الصحابة وجهادهم في سبيل الله.
٦ - جواز ذكر المرء لبطولاته أمام من يدعي البطولة ما لم يكن عن عجب وفخر.
٧ - ومن قوله ﷺ "جعله الله معي يوم القيامة" قرن الطلب بالترغيب الذي يشجع عليه وبخاصة إذا كان مهما وخطيرا.
والله أعلم.
стр. 4001
(٤٩٥) باب غزوة أحد
٤٠٧٩ - عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش فلما رهقوه قال "من يردهم عنا وله الجنة أو هو رفيقي في الجنة" فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل. ثم رهقوه أيضا فقال "من يردهم عنا وله الجنة أو هو رفيقي في الجنة" فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل. فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة فقال رسول الله ﷺ لصاحبيه "ما أنصفنا أصحابنا".
٤٠٨٠ - عن عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه أنه سمع سهل بن سعد يسأل عن جرح رسول الله ﷺ يوم أحد. فقال: جرح وجه رسول الله ﷺ وكسرت رباعيته وهشمت البيضة على رأسه فكانت فاطمة بنت رسول الله ﷺ تغسل الدم وكان علي بن أبي طالب يسكب عليها بالمجن فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة حصير فأحرقته حتى صار رمادا ثم ألصقته بالجرح فاستمسك الدم.
٤٠٨١ - عن أبي حازم أنه سمع سهل بن سعد وهو يسأل عن جرح رسول الله ﷺ فقال: أم والله إني لأعرف من كان يغسل جرح رسول الله ﷺ ومن كان يسكب الماء وبماذا دووي جرحه. ثم ذكر نحو حديث عبد العزيز غير أنه زاد. وجرح وجهه وقال مكان هشمت كسرت.
٤٠٨٢ - وفي رواية عن سهل بن سعد بهذا الحديث عن النبي ﷺ في حديث ابن أبي هلال أصيب وجهه وفي حديث ابن مطرف جرح وجهه.
٤٠٨٣ - عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ كسرت رباعيته يوم أحد وشج في رأسه فجعل يسلت الدم عنه ويقول "كيف يفلح قوم شجوا نبيهم
стр. 4002
وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى الله؟ " فأنزل الله ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ [آل عمران: ١٢٨].
٤٠٨٤ - عن عبد الله ﵁ قال: كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول "رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون".
٤٠٨٥ - -/- وفي رواية عن الأعمش بهذا الإسناد غير أنه قال فهو ينضح الدم عن جبينه.
٤٠٨٦ - عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها وقال رسول الله ﷺ "اشتد غضب الله على قوم فعلوا هذا برسول الله ﷺ " وهو حينئذ يشير إلى رباعيته وقال رسول الله ﷺ "اشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله في سبيل الله ".
-[المعنى العام]-
إن الهزيمة التي تعقب النصر وتكون نهاية المعركة أشد على النفس من هزيمة يعقبها انتصار وتنتهي معركتها بالانتصار من هنا كانت هزيمة أحد أصعب على المسلمين من هزيمة حنين وإن المعركة التي يتعالى فيها العدو ويزهو ويحرض فيها على التشفي وينال ما كان يتمنى ويبالغ في النكاية والإيلام أشد على الأعزة الأحرار من هزيمة لا تنضوي ملابساتها على ذلك. وإن هزيمة ينال فيها العدو من الرءوس والمثل والقيم والهامات أصعب من هزيمة لا ينال فيها العدو ذلك.
من هنا كانت هزيمة المسلمين في أحد أقسى هزيمة في تاريخ الغزوات النبوية ومن هنا احتلت أحداثها قدرا كبيرا من آيات القرآن الكريم نقتطف منها قوله تعالى في سورة آل عمران ﴿إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين* وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين* أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين* ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون* وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين* وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته
стр. 4003
منها وسنجزي الشاكرين* وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين* وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين﴾ [آل عمران: ١٤٠ - ١٤٧] ﴿إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون* ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور* إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم﴾ [آل عمران: ١٥٣ -
١٥٥ - ].
﴿أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أني هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير* وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين* وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون* الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين* ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون* فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون* يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين﴾ [آل عمران: ١٦٥ - ١٧١].
لقد أرادت قريش أن تثأر لهزيمتها في بدر فجهزت جيوشها في عام وجمعت معها ما أمكنها جمعه من قبائل العرب وسار بهم أبو سفيان إلى المدينة يغزوها وعلم الرسول ﷺ بجموعهم فاستشار أصحابه وعرض عليهم التحصن في المدينة فإذا دخل المشركون قاتلوهم في أزقتها ومن فوق بيوتها لكن بعض من فاتهم شرف بدر تحمسوا للقتال فتمسكوا بالخروج ونزل الرسول ﷺ على رغبتهم رغم الرؤيا التي رآها في منامه وذكرها وأولها لهم بما يفيد التضحية الكبيرة للمسلمين ليقضي الله أمرا كان مفعولا.
نزل الجيشان عند أحد على بعد أربعة أميال من المدينة وكان المسلمون ألفا وكان المشركون أربعة آلاف ورجع من جيش المسلمين عبد الله بن أبي في ثلاثمائة فبقي المسلمون سبعمائة في مقابل أربعة آلاف. شكل رسول الله ﷺ فريق الرماة من خمسين راميا وأمرهم أن لا يتركوا مكانهم هزم المسلمون أم انتصروا وبدأ القتال وحمل المسلمون على المشركين فغلبوهم وأجلوهم عن مضاربهم وأثقالهم ودخل المسلمون عسكرهم يجمعون الغنائم وظن الرماة أن المعركة قد انتهت فنزلوا إلى معسكر المشركين يشاركون في جمع الغنيمة ورأى خالد بن الوليد قائد مائة فارس مشرك انكشاف المسلمين بترك الرماة مواقعهم فاستغل هذه الثغرة وصعد بفرسانه وحملوا على المسلمين
стр. 4004
فمزقوهم وأصابوهم بالذعر والارتباك حتى قتل بعضهم بعضا لا يدري وفر كثير منهم نحو المدينة ودخل الكثيرون الشعاب مولين الأدبار ولم يبق مع النبي ﷺ إلا عدد قليل ما بين تسعة وبين ثلاثين وحاول بعض الكافرين الوصول إلى النبي ﷺ فدافع عنه من معه واستشهد بين يديه سبعة من تسعة على أصح الروايات وجرح وجه رسول الله ﷺ وشفته السفلى وكسرت سن من أسنانه ﷺ وجرحت رأسه بعد أن كسرت الخوذة الحديدية التي كان يلبسها وسال الدم على وجهه، وانشغل المشركون بقتلاهم وانشغلوا أكثر بقتلى المسلمين ينفثون فيهم حقدهم وغلهم فيقطعون الأنوف والآذان ويبقرون البطون ويمثلون وأخذوا يجمعون أمتعتهم للرحيل ونادى زعيمهم أبو سفيان: يوم بيوم بدر والحرب سجال ولنا عودة إليكم وعاد المسلمون يبحثون عن قتلاهم ويجمعونهم ويدفنونهم بثيابهم من غير غسل ولا صلاة وخرج النساء المسلمات من المدينة تبكي قتلاهن وخرجت فاطمة بنت رسول الله ﷺ فيمن خرجن فرأت أباها والدم يسيل على وجهه فاحتضنته وأخذت تغسل الدم بالماء الذي يصبه عليها زوجها علي ﵁ فلما رأت
أن الماء يزيد الدم سيلانا لجأت إلى قطعة من حصير قديم بجوارها فأحرقتها ثم أخذت رمادها فكتمت به منفذ الجروح فانقطع الدم. وعز على الرسول ﷺ ما فعله به قومه فقال: إنهم لن يفلحوا ثم أدركه العفو والرفق فقال: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.
-[المباحث العربية]-
(أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش) "يوم أحد" أي يوم غزوة أحد ومعركتها و"أحد" بضم الهمزة والحاء جبل معروف بينه وبين المدينة أقل من فرسخ وهو الذي قال فيه ﷺ "جبل يحبنا ونحبه" وكانت عنده الوقعة المشهورة.
و"أفرد" بضم الهمزة مبني للمجهول أي تركه أصحابه مفردا في هذا العدد أما الرجلان من قريش من المهاجرين فهما طلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص وعند محمد بن سعد أنه ثبت معه ﷺ سبعة من المهاجرين منهم أبو بكر فيحتمل أن الخمسة عادوا وثبتوا مع الرجلين فكل من الروايتين تتحدث عن لحظة.
وأما السبعة من الأنصار فقد ذكر الواقدي في المغازي أنه ثبت يوم أحد من الأنصار: أبو دجانة والحباب بن المنذر وعاصم بن ثابت والحارث بن الصمة وسهل بن حنيف وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير وذكر في رواية سعد بن عبادة بدل سعد بن معاذ ومحمد بن مسلمة بدل أسيد بن حضير.
وللنسائي والبيهقي في الدلائل عن جابر قال: "تفرق الناس عن النبي ﷺ يوم أحد وبقى معه أحد عشر رجلا من الأنصار وطلحة" قال الحافظ: وإسناده جيد. قال: وهو كحديث أنس -روايتنا الأولى- إلا أن فيه زيادة أربعة فلعلهم جاءوا بعد ذلك.
(فلما رهقوه) قال النووي بكسر الهاء أي غشوه وقاربوه يقال: رهقته وأرهقته أي أدركته وكل
стр. 4005
شيء دنوت منه فقد رهقته. اهـ. وفي كتب اللغة: رهق فلان بكسر الهاء يرهق بفتحها ركب الشر والظلم وغشي المآثم وفي القرآن الكريم ﴿فزادوهم رهقا﴾ [الجن: ٦] والمعنى: فلما دنا الكفار منه ﷺ ورغب في أن يدافع عنه من معه خرج إليهم واحد فلما استشهد دنوا من رسول الله ﷺ .
(فقال رسول الله ﷺ لصاحبيه: ما أنصفنا أصحابنا) المراد من "صاحبيه" القرشيان قال النووي: الرواية المشهورة فيه "ما أنصفنا" بإسكان الفاء و"أصحابنا" منصوب مفعول به هكذا ضبطه جماهير العلماء من المتقدمين والمتأخرين والمراد من "نحن" -الرسول ﷺ وطلحة وسعد- أي لم ننصف الأنصار السبعة الذين ضحوا بأنفسهم واحدا بعد واحد حيث لم يخرج طلحة وسعد المهاجران ولم يبرزا للقتال وذكر القاضي وغيره: أن بعضهم رواه بفتح الفاء "أصحابنا" مرفوع فاعل والمراد على هذا أن أصحابنا الذين فروا لم ينصفونا لفرارهم وتركنا.
(وكسرت رباعيته) بفتح الراء وفتح الباء مخففة وكسر العين وفتح الياء مخففة وهي السن التي تلي الثنية وللإنسان أربع ثنايا ثنتان من فوق وثنتان من تحت في وسط الفك من الأمام وله أربع رباعيات ثنتان من فوق يمين الثنيتين وشمالها وثنتان من تحت كذلك فالرباعية هي التي بين الناب والثنية ومعنى كسر الرباعية كسر جزء منها وسقوطه ولم تخلع كلها.
(وهشمت البيضة على رأسه) "هشمت" بضم الهاء مبني للمجهول والهشم كسر الشيء اليابس والأجوف وبابه ضرب يضرب و"البيضة" والخوذة بضم الخاء عدة من عدد التسلح من حديد توضع على الرأس لحمايته وتربط بأسفل الذقن وهي تشبه نصف بيضة النعام.
قال الحافظ ابن حجر: ومجموع ما ذكر في الأخبار مما أصاب النبي ﷺ من الجراح يوم أحد أنه شج وجهه وكسرت رباعيته وجرحت وجنته وشفته السفلى من باطنها ووهى منكبه من ضربة ابن قمئة وجحشت ركبته أي خدشت ﷺ وفي سيرة ابن هشام: أن عتبة بن أبي وقاص هو الذي كسر رباعية النبي ﷺ السفلى وجرح شفته السفلى وأن عبد الله بن شهاب الزهري هو الذي شجه في جبهته وأن عبد الله بن قمئة جرحه في وجنته فدخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته ﷺ .
(فكانت فاطمة بنت رسول الله ﷺ تغسل الدم) في الرواية الثالثة "والله إني لأعرف من كان يغسل جرح رسول الله ﷺ "وفي الرواية الرابعة "كسرت رباعيته يوم أحد وشج في رأسه فجعل يسلت الدم منه" يقال: سلت الدم بفتح اللام يسلت بضمها وكسرها أي سله وسحبه ومسحه أي فجعل رسول الله ﷺ يمسح الدم الذي يسيل من رأسه وفي الرواية الخامسة "وهو يمسح الدم عن وجهه" وفي ملحقها: "فهو ينضح الدم عن جبينه" أي يدفع الدم عن جبينه وعند الطبراني: سبب مجيء فاطمة بنت رسول الله ﷺ ولفظه "لما كان يوم أحد وانصرف المشركون خرج النساء إلى الصحابة يعينونهم فكانت
стр. 4006
فاطمة فيمن خرج فلما رأت النبي ﷺ اعتنقته وجعلت تغسل جراحاته بالماء فيزداد الدم .. الحديث بمثل روايتنا.
(وكان علي بن أبي طالب يسكب عليها بالمجن) أي يسكب عليها الماء من المجن وهو الترس وهو لوح من الحديد مقوس يتوقى به في الحرب أي كان يملؤه بالماء ويصب عليها منه وهي تغسل الدم.
(فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة) لأنه يمنع التجلط ويساعد الدم على الخروج من المنفذ.
(أخذت قطعة حصير فأحرقته) الضمير للحصير وفي رواية "قطعة حصير خلق".
(حتى صار رمادا ثم ألصقته بالجرح فاستمسك الدم) عند الطبراني "فأحرقته بالنار وكمدته به حتى لصق بالجرح فاستمسك الدم" وفي رواية له "فأحرقت حصيرا حتى صارت رمادا فأخذت من ذلك الرماد فوضعته فيه حتى رقأ الدم" وعن هذه المداواة قالت الرواية الثالثة "والله إني لأعرف .. بماذا دووى جرحه".
(أم والله إني لأعرف) "أم" بفتح الهمزة وفتح الميم مخففة وأصلها "أما" بفتح الميم مع التخفيف حرف استفتاح بمنزلة "ألا" وتكثر قبل القسم وتحذف ألفها تخفيفا كما هنا.
﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون﴾ وقد ذكر في سبب نزول الآية سبب آخر فقد روى البخاري عن سالم عن أبيه "أنه سمع رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع من الركعة الآخرة من الفجر يقول: اللهم العن فلانا وفلانا وفلانا بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد فأنزل الله: ﴿ليس لك من الأمر شيء ... ﴾ إلى قوله ﴿فإنهم ظالمون﴾ قال الحافظ ابن حجر: والثلاثة الذين دعا عليهم قد أسلموا يوم الفتح ولعل هذا هو السر في نزول قوله تعالى ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ والمعنى: ﴿أو يتوب عليهم﴾ فيسلموا ﴿أو يعذبهم﴾ إن ماتوا كفارا ويحتمل أن الآية نزلت للسببين جميعا.
(يحكي نبيا من الأنبياء) أي يحكي عن نفسه ويقول "كيف يفلح قوم شجوا نبيهم .. إلخ" ويقول النووي: هذا النبي ﷺ المشار إليه من المتقدمين وقد جرى لنبينا ﷺ مثل هذا يوم أحد.
(ويقول: رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) في رواية "ثم قال يومئذ -أي حين وضع رماد الحصير على الجرح- "اشتد غضب الله على قوم دموا وجه رسوله ثم مكث ساعة ثم قال: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون".
(اشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله ﷺ في سبيل الله) زاد سعيد بن منصور في روايته "يقتله رسول الله بيده" ولعل هذا كان المانع من أن يقتل رسول الله ﷺ بيده. اهـ.
стр. 4007
-[فقه الحديث]-
كانت وقعة أحد المشهورة في شوال سنة ثلاث باتفاق الجمهور وشذ من قال: سنة أربع وقال مالك: كانت بعد بدر بسنة وفيه تجوز لأن بدرا كانت في رمضان باتفاق فهي بعدها بسنة وشهر لم يكتمل.
وكان السبب فيها ما ذكره ابن إسحق عن شيوخه وموسى بن عقبة قالوا: لما رجعت قريش مهزومين من غزوة بدر استجلبوا من استطاعوا من العرب في هذه السنة وسار بهم أبو سفيان حتى نزلوا ببطن الوادي من قبل أحد -يهددون المدينة انتقاما من المسلمين وأخذا بثأر يوم بدر- وكان رجال من المسلمين قد أسفوا على ما فاتهم من مشهد بدر وتمنوا لقاء العدو ورأى رسول الله ﷺ رؤيا فلما أصبح قال: رأيت البارحة في منامي بقرا تذبح والله خير وأبقى ورأيت سيفي ذا الغفار انقصم من عند ظبته -أو قال: به فلول- فكرهته وهما مصيبتان ورأيت أني في دروع حصينة وأني مردف كبشا قالوا: وما أولتها؟ قال: أولت البقر بقرا يكون فينا وأولت الكبش كبش الكتيبة وأولت الدرع الحصينة المدينة فامكثوا فإن دخل القوم الأزقة قاتلناهم ورموا من فوق البيوت فقال أولئك القوم: يا نبي الله كنا نتمنى هذا اليوم وأبى كثير من الناس إلا الخروج فلما صلى الجمعة وانصرف دعا باللأمة فلبسها ثم أذن في الناس بالخروج فندم ذوو الرأي منهم فقالوا: يا رسول الله امكث كما أمرتنا. فقال: ما ينبغي لنبي إذا أخذ لأمة الحرب أن يرجع حتى يقاتل فنزل فخرج بهم وهم ألف رجل وكان المشركون ثلاثة آلاف حتى نزل بأحد ورجع عنه عبد الله بن أبي بن سلول في ثلاثمائة فبقى في سبعمائة فلما رجع عبد الله سقط في أيدي طائفتين من المؤمنين وهما بنو حارثة وبنو سلمة.
أحداث المعركة: صف المسلمون بأصل أحد وصف المشركون بالسبخة وتهيئوا للقتال وعلى خيل المشركين -وهي مائة فرس- خالد بن الوليد وليس مع المسلمين فرس وصاحب لواء المشركين طلحة بن عثمان وأمر رسول الله ﷺ عبد الله بن جبير على الرماة وهم خمسون رجلا وعهد إليهم ألا يتركوا منازلهم وكان صاحب لواء المسلمين مصعب بن عمير فبارز طلحة بن عثمان فقتله وحمل المسلمون على المشركين حتى أبعدوهم عن أثقالهم وحملت خيل المشركين فنضحتهم الرماة بالنبل ثلاث مرات فدخل المسلمون عسكر المشركين فانتهبوهم فرأى ذلك الرماة فتركوا مكانهم ودخلوا العسكر فأبصر ذلك خالد بن الوليد ومن معه فعلا بخيل المشركين فوقهم فقتل من بقي من الرماة ومنهم أميرهم عبد الله بن جبير ولما رأى المشركون خيلهم ظاهرة تراجعوا فحملوا على المسلمين فمزقوهم وصرخ صارخ: قتل محمد فعطف المسلمون يقتل بعضهم بعضا وهم لا يشعرون وفر طائفة منهم إلى جهة المدينة وتفرق سائرهم في الشعاب وثبت نبي الله ﷺ حين انكشفوا عنه وهو يدعوهم في أخراهم واستقبله المشركون فرموا وجهه فأدموه وكسروا رباعيته
стр. 4008
وتوجه النبي ﷺ يلتمس أصحابه وشغل المشركون بقتلى المسلمين يمثلون بهم يقطعون الآذان والأنوف والفروج ويبقرون البطون وهم يظنون أنهم أصابوا النبي ﷺ وكبار أصحابه حتى اتخذت هند من أجزاء قتلى المسلمين حزما وقلائد وأعطت حزمها وقلائدها اللاتي كن عليها لوحشي جزاء له على قتل حمزة وبقرت عن كبد حمزة فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها وقال أبو سفيان يفتخر بآلهته: اعل هبل فناداه عمر: الله أعلى وأجل ورجع المشركون إلى أثقالهم فحملوها ورحلوا ورجع المسلمون إلى قتلاهم فدفنوهم في ثيابهم ولم يغسلوهم ولم يصلوا عليهم وبكى المسلمون على قتلاهم فسر المنافقون وظهر غش اليهود وفارت المدينة بالنفاق فقالت اليهود: لو كان نبيا ما ظهروا عليه وقال
المنافقون: لو أطاعونا ما أصابهم هذا ما ماتوا وما قتلوا قال ابن إسحق: وأنزل الله في شأن أحد ستين آية من سورة آل عمران ذكرناها في المعنى العام.
حصيلة المعركة: كان المسلمون في بدر قد أصابوا من المشركين أربعين ومائة سبعين قتيلا وسبعين أسيرا واستشهد من المسلمين يوم أحد سبعون شهيدا على أرجح الأقوال: أربعة من المهاجرين حمزة ومصعب بن عمير وعبد الله بن جحش وشماس بن عثمان والباقون من الأنصار وقد روى البخاري في غزوة أحد مجموعة من الأحاديث تلقي ضوءا على أحداث المعركة نذكر منها:
١ - عن البراء ﵁ قال: "لقينا المشركين يومئذ وأجلس النبي ﷺ جيشا من الرماة وقال: لا تبرحوا إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا فلما لقيناهم هربوا حتى رأيت النساء" أي النساء المشركات وكانت قريش قد خرجوا معهم بالنساء لأجل الحفيظة والثبات وسمي منهن ابن إسحق: هند بنت عتبة وأم حكيم بنت الحارث بن هشام وفاطمة بنت الوليد بن المغيرة وبرزة بنت مسعود الثقفية وريطة بنت شيبة السهمية وسلافة بنت سعد وخناس بنت مالك والدة مصعب بن عمير وعمرة بنت علقمة بن كنانة وقيل خرجت إلى أحد خمس عشرة امرأة "يشتددن في الجبل رفعن عن سوقهن قد بدت خلاخلهن" وفي رواية عند ابن إسحق قال الزبير بن العوام: "والله لقد رأيتني أنظر إلى خدم هند بنت عتبة وصواحباتها مشمرات هوارب ما دون إحداهن قليل ولا كثير" فقال الرماة من المسلمين: "الغنيمة الغنيمة. فقال عبد الله لأصحابه: عهد إلي النبي ﷺ أن لا تبرحوا فأبوا فأصيب سبعون قتيلا وأشرف أبو سفيان فقال: أفي القوم محمد؟ فقال: لا تجيبوه فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ قال: لا تجيبوه فقال أفي القوم ابن الخطاب؟ .. فقال: إن هؤلاء قتلوا فلو كانوا أحياء لأجابوا فلم يملك عمر نفسه فقال: كذبت يا عدو الله أبقى الله عليك ما يخزيك. قال أبو سفيان: اعل هبل فقال النبي ﷺ : أجيبوه. قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجل قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم فقال النبي ﷺ : أجيبوه قالوا: ما نقول؟ قال: قالوا: الله مولانا ولا مولى لكم. قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر والحرب سجال وتجدون مثلة لم آمر بها ولم تسئني" أي لم أكرهها وإن كان وقوعها بغير أمري.
٢ - عن زيد بن ثابت ﵁ قال: "لما خرج النبي ﷺ إلى غزوة أحد رجع ناس ممن خرج معه وكان أصحاب النبي ﷺ فرقتين فرقة تقول: نقاتلهم وفرقة تقول: لا نقاتلهم فنزلت ﴿فما لكم في
стр. 4009
المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا﴾ [النساء: ٨٨] وقال: إنها طيبة تنفي الذنوب كما تنفي النار خبث الفضة".
٣ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: نزلت هذه الآية فينا (آل عمران ١٢٢) ﴿إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا﴾ بني سلمة وبني حارثة وما أحب أنها لم تنزل والله يقول ﴿والله وليهما﴾ (والفشل الجبن وبنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة أقاربهم من الأوس).
٤ - عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: "رأيت رسول الله ﷺ يوم أحد ومعه رجلان يقاتلان عنه عليهما ثياب بيض كأشد القتال ما رأيتهما قبل ولا بعد" قال الحافظ ابن حجر: هما جبريل وميكائيل كذا وقع في مسلم من طريق آخر.
٥ - عن أنس ﵁ قال: "لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي ﷺ وأبو طلحة بين يدي النبي ﷺ مجوب عليه بحجفة له" أي محصنه ومحيطه بترس له يقال: جوب عليه بترس أي وقاه به والحجفة الترس من جلد ونحوه "وكان أبو طلحة رجلا راميا شديد النزع" أي شديد رمي السهم "كسر يومئذ قوسين أو ثلاثا وكان الرجل يمر معه بجعبة من النبل فيقول: انثرها لأبي طلحة قال: ويشرف النبي ﷺ ينظر إلى القوم فيقول أبو طلحة "للنبي ﷺ " بأبي أنت وأمي. لا تشرف يصيبك سهم من سهام القوم نحرى دون نحرك ولقد وقع السيف من يدي أبي طلحة إما مرتين وإما ثلاثا"
٦ - عن عثمان بن موهب قال: جاء رجل حج البيت فرأى قوما جلوسا فقال: من هؤلاء القعود؟ قالوا: هؤلاء قريش قال: من الشيخ؟ قالوا: ابن عمر فأتاه فقال: إني سائلك عن شيء أتحدثني؟ ثم قال: أنشدك بحرمة هذا البيت. أتعلم أن عثمان بن عفان فر يوم أحد؟ قال: نعم. قال: فتعلمه تغيب عن بدر؟ فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال: فتعلم أنه تخلف عن بيعة الرضوان؟ فلم يشهدها؟ قال نعم قال فكبر. قال ابن عمر: تعال لأخبرك ولأبين لك عما سألتني عنه أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه" أي بقوله تعالى ﴿إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم﴾ "وأما تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت رسول الله ﷺ وكانت مريضة فقال له النبي ﷺ : إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فإنه لو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان بن عفان لبعثه مكانه فبعث عثمان وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة فقال النبي ﷺ بيده اليمنى: هذه يد عثمان فضرب بها على يده فقال: هذه لعثمان اذهب بها الآن معك".
٧ - عن البراء بن عازب ﵁ قال: جعل النبي ﷺ على الرجالة يوم أحد عبد الله بن جبير وأقبلوا منهزمين فذاك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم" يشير بذلك إلى قوله تعالى ﴿إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون﴾ [آل عمران: ١٣٥].
الحكمة في الهزيمة: أفعال الله لا تخلو من الحكمة علمناها أو لم نعلمها ويحاول
стр. 4010
العلماء في مثل هذه الظروف تلمس الحكم والعبر والمواعظ من المواقف الصعبة فيقول الحافظ ابن حجر: قال العلماء: وكان في قصة أحد وما أصيب به المسلمون من الفوائد والحكم الربانية أشياء عظيمة منها:
أ- تعريف المسلمين سوء عاقبة المعصية وشؤم ارتكاب النهي لما وقع من ترك الرماة موقفهم الذي أمرهم به الرسول ﷺ وهو أن لا يبرحوا مواقعهم وأن هذا الشؤم يعم ضرره من لم يقع منه.
ب- وتعريف المسلمين أن عادة الرسل أن تبتلى وتكون لها العاقبة كما تقدم في قصة هرقل مع أبي سفيان والحكمة في ذلك أنهم لو انتصروا دائما دخل في المؤمنين من ليس منهم ولم يتميز الصادق من غيره ولو انكسروا دائما لم يحصل المقصود من البعثة فاقتضت الحكمة الجمع بين الأمرين لتمييز الصادق من الكاذب وذلك أن نفاق المنافقين كان مخفيا عن المسلمين فلما جرت هذه القصة وأظهر أهل النفاق ما أظهروا من الفعل والقول عاد التلويح صريحا وعرف المسلمون أن لهم عدوا في دورهم فاستعدوا لهم وتحرزوا منهم.
ج- ومنها أن في تأخير النصر في بعض المواطن هضما للنفس وكسرا لشماختها فلما ابتلي المؤمنون صبروا وجزع المنافقون.
د- ومنها أن الله هيأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته لا تبلغها أعمالهم فقيض لهم أسباب الابتلاء والمحن ليصلوا إليها.
هـ- ومنها أن الشهادة من أعلى مراتب الأولياء فساقها إليهم.
و- ومنها أنه أراد إهلاك أعدائه فقيض لهم الأسباب التي يستوجبون بها ذلك من كفرهم وبغيهم وطغيانهم في أذى أوليائه فمحص بذلك ذنوب المؤمنين ومحق بذلك الكافرين.
ز- وفي هذا وقوع الانتقام والابتلاء بالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم لينالوا جزيل الأجر قاله النووي وقال القاضي: وليعلم أنهم من البشر تصيبهم محن الدنيا ويطرأ على أجسامهم ما يطرأ على أجسام البشر ليتيقنوا أنهم مخلوقون مربوبون ولا يفتتن بما ظهر على أيديهم من المعجزات وتلبيس الشيطان من أمرهم ما لبسه على النصارى وغيرهم. اهـ. وليعظم لهم الأجر وتزداد درجاتهم رفعة وليتأسى بهم أتباعهم في الصبر على المكاره والعاقبة للمتقين.
-[ويؤخذ من أحاديث الباب فوق ما تقدم]-
١ - من لبس رسول الله ﷺ البيضة على رأسه في الحرب استحباب لبسها هي والدروع وغيرها من أسباب التحصن والتوقي في الحرب وأن ذلك لا يقدح في التوكل.
٢ - ومن موقف الأنصار السبعة واستشهادهم في الدفاع عن الرسول ﷺ مدى شجاعتهم وإيمانهم وتضحيتهم فداء لرسول الله ﷺ .
٣ - في الأحاديث منقبة وفضيلة لطلحة وسعد لثباتهما وعدم فرارهما مع الشدة.
стр. 4011
٤ - في علاج فاطمة ﵂ لجروح رسول الله ﷺ جواز العلاج والمداواة وأنها لا تقدح في التوكل.
٥ - قال المهلب: فيه أن قطع الدم بالرماد كان معلوما عندهم لا سيما إن كان الحصير من ديس السعد فهي معلومة بالقبض وطيب الرائحة فالقبض يسد أفواه الجرح وطيب الرائحة يذهب بزهم الدم وأما غسل الدم أولا فينبغي أن يكون إذا كان الجرح غير غائر أما لو كان غائرا فلا يؤمن معه ضرر الماء إذا صب فيه. اهـ. وقد ظن أبو الحسن القابسي أن هذه الخاصية لنوع معين من الحصير فقال:
وددنا لو علمنا ذلك الحصير مم كان؟ لنتخذه دواء لقطع الدم وقال ابن بطال: زعم أهل الطب أن الحصير بأنواعه إذا أحرقت تبطل زيادة الدم بل الرماد كله كذلك لأن الرماد من شأنه القبض ولهذا ترجم الترمذي لهذا الحديث بعنوان (التداوي بالرماد).
والظاهر أن كتم منافذ الدم بأي شيء يمنع تدفقه وشرطه أن يكون معقما غير ملوث قالوا: وأهم التعقيم ما كان بالنار فالتراب المتخلف عن النار في مثل هذه الحالة خير ما يسد منافذ الجروح وبعض الناس كانوا يستخدمون مسحوق البن الخاص بالقهوة المصرية بدلا من رماد الحصير وليس معنى ذلك أن هذه الوسيلة خير من الوسائل الطبية الحديثة ولكنها كانت أفضل الوسائل المتاحة في عصرها وظروفها.
٦ - وفي الأحاديث أنه ينبغي للمرء أن يتذكر نعمة الله تعالى عليه وأن يعترف بالتقصير فإن النعم تظهر قيمتها عند فقدها وقديما قالوا: الصحة تاج على رءوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى.
٧ - واستفيد من هذه الحادثة أخذ الصحابة حذرهم من العود لمثلها والمبالغة في الطاعة والتحرز من العدو المنافق بينهم وإلى ذلك أشار تعالى بقوله في سورة آل عمران ﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس .. ﴾ [آل عمران: ١٤٠] إلى أن قال: ﴿وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين﴾ وقال: ﴿ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب﴾ [آل عمران: ١٧٩].
٨ - ومن الرواية الخامسة ما كان عليه الأنبياء من الحلم والصبر وعفوهم عن أعدائهم الذين آذوهم والدعاء لهم بالهداية والمغفرة فترتفع بذلك درجاتهم ويتأسى بهم أتباعهم.
والله أعلم.
стр. 4012
(٤٩٦) باب ما لقي النبي ﷺ من أذى المشركين والمنافقين
٤٠٨٧ - عن ابن مسعود ﵁ قال: بينما رسول الله ﷺ يصلي عند البيت وأبو جهل وأصحاب له جلوس وقد نحرت جزور بالأمس فقال أبو جهل أيكم يقوم إلى سلا جزور بني فلان فيأخذه فيضعه في كتفي محمد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم فأخذه فلما سجد النبي ﷺ وضعه بين كتفيه. قال: فاستضحكوا وجعل بعضهم يميل على بعض وأنا قائم أنظر لو كانت لي منعة طرحته عن ظهر رسول الله ﷺ والنبي ﷺ ساجد ما يرفع رأسه حتى انطلق إنسان فأخبر فاطمة فجاءت وهي جويرية فطرحته عنه ثم أقبلت عليهم تشتمهم فلما قضى النبي ﷺ صلاته رفع صوته ثم دعا عليهم وكان إذا دعا دعا ثلاثا. وإذا سأل سأل ثلاثا. ثم قال "اللهم عليك بقريش" ثلاث مرات. فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك وخافوا دعوته. ثم قال "اللهم عليك بأبي جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عقبة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط" (وذكر السابع ولم أحفظه). فوالذي بعث محمدا ﷺ بالحق لقد رأيت الذين سمى صرعى يوم بدر ثم سحبوا إلى القليب قليب بدر. قال أبو إسحق الوليد بن عقبة غلط في هذا الحديث.
٤٠٨٨ - عن عبد الله ﵁ قال: بينما رسول الله ﷺ ساجد وحوله ناس من قريش إذ جاء عقبة بن أبي معيط بسلا جزور فقذفه على ظهر رسول الله ﷺ فلم يرفع رأسه. فجاءت فاطمة فأخذته عن ظهره ودعت على من صنع ذلك فقال "اللهم عليك الملأ من قريش: أبا جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وعقبة بن أبي معيط وشيبة بن ربيعة وأمية بن خلف أو أبي بن خلف (شعبة الشاك) " قال: فلقد رأيتهم قتلوا يوم بدر فأقلوا في بئر غير أن أمية أو أبيا تقطعت أوصاله فلم يلق في البئر.
٤٠٨٩ - وفي رواية عن أبي إسحق بهذا الإسناد نحوه وزاد وكان يستحب ثلاثا يقول "اللهم عليك بقريش اللهم عليك بقريش اللهم عليك بقريش" ثلاثا وذكر فيهم الوليد بن عتبة وأمية بن خلف ولم يشك قال أبو إسحق: ونسيت السابع.
стр. 4013
٤٠٩٠ - عن عبد الله ﵁ قال: استقبل رسول الله ﷺ البيت فدعا على ستة نفر من قريش فيهم أبو جهل وأمية بن خلف وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وعقبة بن أبي معيط. فأقسم بالله لقد رأيتهم صرعى على بدر قد غيرتهم الشمس وكان يوما حارًا.
٤٠٩١ - عن عائشة زوج النبي ﷺ ﵂ أنها قالت لرسول الله ﷺ : يا رسول الله هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال "لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت. فانطلقت وأنا مهموم على وجهي. فلم أستفق إلا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم قال: فناداني ملك الجبال وسلم علي ثم قال يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك وأنا ملك الجبال وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين" فقال له رسول الله ﷺ "بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا".
٤٠٩٢ - عن جندب بن سفيان ﵁ قال: دميت إصبع رسول الله ﷺ في بعض تلك المشاهد فقال:
٤ - هل أنت إلا إصبع دميت
وفي سبيل الله ما لقيت
٤٠٩٣ - وفي رواية عن الأسود بن قيس بهذا الإسناد وقال: كان رسول الله ﷺ في غار فنكبت إصبعه.
٤٠٩٤ - عن جندب ﵁ قال: أبطأ جبريل على رسول الله ﷺ فقال المشركون: قد ودع محمد فأنزل الله ﴿والضحى* والليل إذا سجى* ما ودعك ربك وما قلى﴾ [الضحى: ١ و ٢ و ٣].
стр. 4014
٤٠٩٥ - عن جندب بن سفيان ﵁ قال: اشتكى رسول الله ﷺ فلم يقم ليلتين أو ثلاثا فجاءته امرأة فقالت: يا محمد إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاث قال: فأنزل الله ﴿والضحى* والليل إذا سجى* ما ودعك ربك وما قلى﴾
٤٠٩٦ - عن عروة أن أسامة بن زيد ﵁ أخبره أن النبي ﷺ ركب حمارا عليه إكاف تحته قطيفة فدكية وأردف وراءه أسامة وهو يعود سعد بن عباة في بني الحارث بن الخزرج وذاك قبل وقعة بدر حتى مر بمجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود فيهم عبد الله بن أبي وفي المجلس عبد الله بن رواحة فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه. ثم قال لا تغبروا علينا فسلم عليهم النبي ﷺ ثم وقف فنزل فدعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن فقال عبد الله بن أبي: أيها المرء لا أحسن من هذا إن كان ما تقول حقا: فلا تؤذنا في مجالسنا وارجع إلى رحلك فمن جاءك منا فاقصص عليه. فقال عبد الله بن رواحة: اغشنا في مجالسنا فإنا نحب ذلك قال: فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى هموا أن يتواثبوا فلم يزل النبي ﷺ يخفضهم ثم ركب دابته حتى دخل على سعد بن عبادة فقال "أي سعد ألم تسمع إلى ما قال أبو حباب؟ (يريد عبد الله بن أبي) قال كذا وكذا" قال اعف عنه يا رسول الله واصفح فوالله لقد أعطاك الله الذي أعطاك ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة أن يتوجوه فيعصبوه بالعصابة فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق بذلك فذلك فعل به ما رأيت فعفا عنه النبي ﷺ .
٤٠٩٧ - -/- وفي رواية عن ابن شهاب في هذا الإسناد بمثله وزاد وذلك قبل أن يسلم عبد الله.
стр. 4015
٤٠٩٨ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: قيل للنبي ﷺ لو أتيت عبد الله بن أبي قال فانطلق إليه وركب حمارا وانطلق المسلمون وهي أرض سبخة فلما آتاه النبي ﷺ قال: إليك عني فوالله لقد آذاني نتن حمارك قال: فقال رجل من الأنصار: والله لحمار رسول الله ﷺ أطيب ريحا منك قال: فغضب لعبد الله رجل من قومه قال: فغضب لكل واحد منهما أصحابه قال: فكان بينهم ضرب بالجريد وبالأيدي وبالنعال. قال: فبلغنا أنها نزلت فيهم ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما﴾ [الحجرات: ٩].
-[المعنى العام]-
تحمل الأذى في سبيل الله والدعوة إليه شأن الرسل وأصحابهم منذ بعث الله الرسل إلى البشر وتكذيب الأمم لرسلهم وإيذاؤهم لهم قديم وأليم وصل إلى درجة قتل الأنبياء بغير حق ووصل إلى شق الأتباع بالمنشار لمجرد أنهم يقولون: ربنا الله ومن قبل قال فرعون لموسى ﵇: ﴿قال لئن اتخذت إله غيري لأجعلنك من المسجونين﴾ [الشعراء: ٢٩] وقال لأتباع موسى ﵇: ﴿لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين﴾ [الأعراف: ١٢٤].
وما يعرض في هذا الباب من الأحاديث مثل لما لقي ﷺ من أذى المشركين والمنافقين وليس شرطا أن يكون المثال أعلى الدرجات فقد يكون التمثيل بما هو أقل إشارة لما هو أكبر وأعظم ولقد وقف مشركو مكة من دعوة محمد ﷺ موقف المعارضة والتسفيه منذ اللحظة الأولى ومنذ قال أبو لهب: تبا لك. ألهذا جمعتنا؟
ولقد كان النبي ﷺ يعبد الله في المسجد الحرام عند الكعبة كما كانوا يسجدون لأصنامهم هناك ولم يكونوا يتعرضون له في عهد عمه أبي طالب الذي كان يحميه من أذاهم وكانوا يخشونه ويهابونه فلما مات أبو طالب بعد عشر سنوات من البعثة والحماية بدأ المشركون النيل والإيذاء المباشر لرسول الله ﷺ وأكبر الإيذاء هو إيذاء السخرية والتنكيل والاستهزاء وقد لجأ إلى ذلك فريق من الجالسين في المسجد حول الكعبة بزعامة أبي جهل رأوه ﷺ قد دخل فوقف فبدأ يصلي صلاتنا وهم يعلمون أنها ذات ركوع وسجود فقال أبو جهل: من منكم يذهب إلى بيت فلان وقد ولدت ناقته منذ قليل فيأتي لنا بكيس مولودها بقذارته فيضعه على رقبة محمد إذا سجد؟ فقال عقبة: أنا آتيك به فذهب فجاء به فوضعه على رقبة رسول الله ﷺ وهو ساجد ولم يرفع رسول الله ﷺ رأسه خشية أن يصيب ثيابه وبدنه أوساخ هذا الفرث وتضاحك المشركون ولم يستطع أحد من ضعفاء المسلمين كابن مسعود أن يفعل شيئا وهو يشاهد هذا المنظر الأليم خوفا من هؤلاء الصناديد فأرسلوا إلى فاطمة ﵂ سرا يخبرونها فجاءت والبيت قريب ورفعت الفرث
стр. 4016
عن أبيها واتجهت إليهم تشتمهم وتسبهم فلم يردوا عليها فلما انتهى ﷺ من صلاته توجه إلى الكعبة ورفع يديه ودعا على زعماء قريش الجالسين أصحاب هذا التخطيط والراضين عنه وكرر الدعاء ثلاثا وكتم المشركون أنفاسهم واستبد الخوف والرعب بهم يخافون على أنفسهم من دعائه ﷺ ولم تمض بضع سنوات بل لم تمض أربع سنوات حتى صرعهم الله في غزوة بدر وألقيت جثثهم في بئر بعد أن صارت جيفة وتحقق فيهم ما دعا به ﷺ .
ولما ابتلى رسول الله ﷺ في غزوة أحد وكسرت سنه وجرح وجهه وشجت رأسه وسال الدم منه على وجهه الشريف ورأت عائشة زوجه ﵂ هذا المنظر الصعب واسته ﵂ بقولها: هل رأيت شدة وأذى في حياتك يا رسول الله آلم من هذا الذي حدث لك؟ قال لها: إن الآلام الجسدية قد تهون ولكن الصعب الآلام النفسية ولقد رأيت من قريش من الآلام النفسية الشيء الكثير وأصعب ما رأيت منها يوم ذهبت إلى الطائف أستجير بزعيمها ابن عبد ياليل من إيذاء أهل مكة لي بعد موت أبي طالب طلبت منه أن يحميني من أذاهم -وكان من عادة العرب إذا أعلن كبير حماية أحد أو أنه في جواره لم يتعرض له ويصبح أذاه من أذاه واستمر في الإسلام أن يجير المسلمون من أجاره واحد منهم- وأقمت في الطائف عشر أيام أستعطفهم حمايتي وتمكيني من تبليغ دعوة ربي فسخروا مني وقالوا إن قومك الذين آذوك ويؤذونك أعلم بك منا ولولا أنك تستحق ما آذوك وأغروا بي سفهاءهم وصبيانهم يتبعونني بالشتم والاستهزاء وقذف الحجارة حتى أدموا قدمي وسرت لا أدري إلى أين أسير مهموما مهزوما مشغولا بما أنا فيه وقد كنت كالمستجير من الرمضاء بالنار ولم أنتبه لنفسي ولم أستفق من غشيتي إلا بعد عدة أميال في طريق وصلت فيه إلى ما يعرف بقرن الثعالب وقد رجع السفهاء والصبية فوقفت وأسندت ظهري إلى سور حديقة ورفعت رأسي إلى السماء أقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ثم أظلتني سحابة فرفعت رأسي إلى السماء فنظرت فإذا فيها جبريل ﵇ فناداني: يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت في قومك فناداني الملك الموكل بالجبال: يا محمد إن الله قد سمع ما رد به قومك عليك وأنا ملك الجبال وقد بعثني ربك لأأتمر بأمرك إن شئت أطبقت عليهم الجبلين المحيطين بهم فبماذا تأمرني؟ فقال
رسول الله ﷺ بل أعفو وأصفح وأسأل الله أن يهديهم إلى الإسلام فإن لم يسلموا فأرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا.
فصدق الله العظيم إذ يقول ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ [التوبة: ١٢٨].
نعم لقد كانت يد الرحمن الرحيم تحنو على محمد ﷺ كلما أوذي وتأسو جراحه كلما جرح فحينما فرح المشركون بتأخر نزول الوحي وأظهروا الشماتة وقالوا: ودع رب محمد محمدا وأبغضه وقلاه نزل قوله تعالى: ﴿والضحى* والليل إذا سجى* ما ودعك ربك وما قلى﴾ ولم يقتصر الأذى
стр. 4017
الذي لحق برسول الله ﷺ على كفار قريش في مكة بل كان العدو الثاني له بالمدينة المنافقون الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر والذين ينتهزون الفرص لإبداء البغضاء من أفواههم فهذا عبد الله بن أبي رأس المنافقين قبل أن يظهر إسلامه كان يجمع علانية بعض المسلمين وبعض المشركين كزعيم لهم يجلس معهم مجلس رئيس القوم فقد كان أهل المدينة يعدون له التاج ليضعوه فوق رأسه علامة على رئاسته وملكه فلما أتى الله بمحمد ﷺ إلى المدينة وتقلد أمور أصحابه وصار كحاكم عام للمدينة ضاع الملك على عبد الله بن أبي فحقد وحسد.
وأصبح يؤذي رسول الله ﷺ كلما سنحت له الفرصة وأشار بعض الصحابة على رسول الله ﷺ أن يلتقي بعبد الله بن أبي وأن يعرض عليه الإسلام برفق لعله يرضي غروره ويستحي ويسلم فقال: حسنا سأفعل ذلك في طريقي لعيادة سعد بن عبادة فهو مريض وركب حمارا وسار ومعه بعض الصحابة حتى وصلوا مجلس عبد الله بن أبي في أرض ترابية سبخة ارتفع غبارها بإثارة القوم فوضع عبد الله بن أبي يده على أنفه يسدها من التراب وليظهر التأذي من رائحة حمار رسول الله ﷺ ووقف رسول الله ﷺ وسلم ونزل عن حماره ودعاه إلى الإسلام فقال عبد الله بن أبي: أيها المرء. لقد آذيتنا بغبارك وآذيتنا بنتن حمارك فأمسك ما تقول واجلس في بيتك فمن أراد ما تقول ذهب إليك وثار الصحابي الجليل عبد الله بن رواحة وكان جالسا في مجلس عبد الله بن أبي فقال له: والله إن ريح حمار رسول الله ﷺ أطيب ريحا منك وغضب مع ابن رواحة أناس وتشابكت أيدي الفريقين فهدأهم رسول الله ﷺ ثم أكمل مسيره إلى عيادة سعد بن عبادة وشكا إليه ما قال ابن أبي فقال له سعد: اعف عنه يا رسول الله واعذره وقدر ظروفه فقد كان يعد نفسه ليكون ملكا على المدينة فلم يرد الله له ذلك فهو موتور فاعف عنه فعفا عنه ولم يجد ابن أبي مخرجا من الحلقة التي ضاقت عليه بإسلام من حوله واحدا بعد الآخر فلجأ إلى إعلان إسلامه وبقي رأس المنافقين.
-[المباحث العربية]-
(بينما رسول الله ﷺ يصلي عند البيت) "البيت" علم بالغلبة على الكعبة وعند البخاري "كان النبي ﷺ يصلي في ظل الكعبة".
(وأبو جهل وأصحاب له جلوس) عند البيت أيضا وأصحابه هم السبعة المدعو عليهم بعد وفي الرواية الثانية "وحوله ناس من قريش".
(وقد نحرت جزور بالأمس) الجزور من الإبل بفتح الجيم ما يجزر أي يقطع وفي كتب اللغة: الجزور ما يصلح لأن يذبح من الإبل ولفظه أنثى يقال للبعير: هذه جزور سمينة.
(فقال أبو جهل) في رواية للبخاري "إذ قال بعضهم لبعض" فالمراد من البعض القائل أبو جهل.
стр. 4018
(أيكم يقوم إلى سلا جزور بني فلان فيأخذه فيضعه في كتفي محمد إذا سجد) في الكلام هنا حذف والأصل: فيأخذه فيجيء به فيضعه .. إلخ وعند البخاري "أيكم يجيء بسلا جزور بني فلان فيضعه على ظهر محمد إذا سجد"؟ والسلا مقصور بفتح السين وتخفيف اللام وهو اللفافة التي يكون فيها الولد في بطن الناقة وسائر الحيوان وهو غشاء رقيق ويسمى من الآدمية "المشيمة".
(فانبعث أشقى القوم فأخذه فلما سجد النبي ﷺ وضعه بين كتفيه) في الكلام حذف أي فذهب أشقى القوم فأخذه فجاء به فانتظر حتى سجد فلما سجد وضعه يقال: بعثه يبعثه بفتح العين أي أرسله وحده فانبعث وفي رواية "أشقى قوم" بالتنكير ففيه مبالغة أي أشقى الناس عموما لكن المقام يقتضي الأول لأن الشقاء هنا بالنسبة إلى هؤلاء القوم المعهودين والمراد من أشقى القوم هنا عقبة بن أبي معيط كما صرح به في الرواية الثانية وظاهر الرواية الثانية أن عقبة فعل ذلك ابتداء دون إرسال لكنه محمول على الرواية الأولى ففي الرواية الثانية اختصار.
(فاستضحكوا وجعل بعضهم يميل على بعض) السين والتاء للصيرورة أو للطلب بأن طلب كل منهم من نفسه الضحك أو طلب بعضهم من بعض أن يضحك ويميل بعضهم على بعض من كثرة الضحك وفي رواية للبخاري "فجعلوا يضحكون ويحيل بعضهم على بعض" بالحاء بدل الميم قال الحافظ ابن حجر: من الإحالة والمراد أن بعضهم ينسب فعل ذلك إلى بعض بالإشارة تهكما ويحتمل أن يكون من حال يحيل -بالفتح- إذا وثب على ظهر دابته أي يثب بعضهم على بعض من المرح والبطر.
(وأنا قائم أنظر) ما فعلوا لا أستطيع أن أتكلم أو أفعل شيئا وهذا كلام ابن مسعود.
(لو كانت لي منعة طرحته عن ظهر رسول الله ﷺ المنعة بفتح النون القوة وحكي إسكان النون وهو ضعيف وجزم القرطبي بسكون النون قال: ويجوز الفتح على أنه جمع مانع ككاتب وكتبة وإنما قال ابن مسعود ذلك لأنه لم يكن له بمكة عشيرة لكونه هذليا حليفا وكان حلفاؤه إذ ذاك كفارا وجاء عند البزار "فأنا أرهب" أي أخاف منهم وفي رواية البخاري "لا أغني شيئا" وفي رواية "لا أغير شيئا" أي لا أغني في كف شرهم أو لا أغير شيئا من فعلهم.
(ما يرفع رأسه) مخافة أن يلوث أكثر مما لوث وفي رواية "وثبت النبي ﷺ ساجدا".
(حتى انطلق إنسان فأخبر فاطمة فجاءت وهي جويرية) في الرواية الثانية "فجاءت فاطمة" ففيها حذف وفي رواية "فأقبلت تسعى" وفاطمة بنت رسول الله ﷺ كانت صغيرة والجارية الفتية الصغيرة قيل: لأنها تجري من مكان إلى مكان تلعب دون قيود الفتاة.
(فطرحته عنه) في الرواية الثانية "فأخذته عن ظهره" أي وطرحته بعيدا عنه.
(ثم أقبلت عليهم تشتمهم) يقال: شتمه بفتح التاء يشتمه بضمها وكسرها سبه
стр. 4019
وذكره بقبيح الكلام وفي الرواية الثانية "ودعت على من صنع ذلك" زاد البزار "فلم يردوا عليها شيئا".
(فلما قضى النبي ﷺ صلاته رفع صوته ثم دعا عليهم) يحتمل أن المعنى رفع صوته بالدعاء عليهم لكن روايات أخرى تدل على أنه ﷺ رفع صوته بكلام آخر قبل الدعاء عليهم فعند البزار "رفع رأسه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد. اللهم .. " قال الحافظ ابن حجر: والتعبير بثم يشعر بمهلة بين الرفع والدعاء وروايتنا صريحة في أن الكلام والدعاء عليهم كان خارج الصلاة لكنه رفع وهو مستقبل الكعبة كما ثبت في الرواية الثالثة.
(ثم دعا عليهم ثم قال: اللهم عليك بقريش) العطف تفسيري فالدعاء عليهم هو قوله: اللهم عليك بقريش وفيها مضاف محذوف أي عليك بإهلاك قريش والمراد الكفار منهم أو من سمي منهم فهو عام أريد به الخصوص و"عليك" اسم فعل بمعنى التزم أو الزم.
وفي الرواية الثانية "اللهم عليك الملأ من قريش" أي هذه الجماعة من قريش.
(ثلاث مرات) في بعض روايات الصحيح "اللهم عليك بقريش اللهم عليك بقريش اللهم عليك بقريش" مكررة لفظا لا عددا وهو المراد الذي وقع.
(فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك وخافوا دعوته) في رواية البخاري "فشق عليهم إذ دعا عليهم وكانوا يرون أن الدعوة في ذلك البلد مستجابة" أي وكانوا يعتقدون أن الدعوة في مكة وفي الحرم مستجابة ويمكن أن يكون ذلك مما بقي عندهم من شريعة إبراهيم ﵇.
(ثم قال: اللهم عليك بأبي جهل بن هشام) أي التزم بإهلاك أبي جهل وفي رواية "اللهم عليك بعمرو بن هشام وهو اسم أبي جهل فلعله سماه وكناه معا.
(وعتبة بن ربيعة) في رواية البخاري "وعليك بعتبة بن ربيعة"
(والوليد بن عقبة) هكذا الرواية هنا "عقبة" بالقاف وهي وهم قديم نبه عليه ابن سفيان الراوي عن مسلم قال أبو إسحق في آخر الرواية: الوليد بن عقبة غلط في هذا الحديث.
ورواها البخاري على الصواب "بن عتبة" بالتاء وكذا في ملحق الرواية الثانية والوليد هذا هو ابن عتبة بن ربيعة المدعو عليه قال النووي: قال العلماء: الوليد بن عقبة بالقاف هو ابن أبي معيط ولم يكن ذلك الوقت موجودا أو كان طفلا صغيرا جدا فقد أتى به النبي ﷺ يوم الفتح وهو قد ناهز الاحتلام ليمسح على رأسه.
(وأمية بن خلف) كذا ذكر في الرواية الأولى والثالثة بدون شك وهو الصحيح وفي الرواية الثانية "أمية بن خلف أو أبي بن خلف" الشك من شعبة الراوي عن أبي إسحق الراوي عن عمرو بن ميمون الراوي عن عبد الله بن مسعود والصحيح أمية فقد أطبق
стр. 4020
أصحاب السير والمغازي على أن المقتول ببدر أمية وعلى أن أخاه "أبيا" قتل بأحد (وعقبة بن أبي معيط) بضم الميم وفتح العين.
(وذكر السابع ولم أحفظه) في ملحق الرواية الثانية "قال أبو إسحق: ونسيت السابع" فالذي ذكر السابع لأبي إسحق شيخه عمرو بن ميمون وفي رواية البخاري "وعد السابع فلم نحفظه" قال الكرماني: فاعل "عد" رسول الله ﷺ أو ابن مسعود وفاعل "فلم نحفظه" ابن مسعود أو عمرو بن ميمون. اهـ. وهو مستبعد مع صريح رواية مسلم "قال ابن إسحق: ونسيت السابع" قال الحافظ ابن حجر: على أن أبا إسحق قد تذكره مرة أخرى فسماه عمارة بن الوليد كذا أخرجه البخاري في الصلاة وعلى هذا ففاعل "ذكر" و"عد" عمرو بن ميمون قال: واستشكل بعضهم عد عمارة بن الوليد في المذكورين لأنه لم يقتل ببدر بل ذكر أصحاب المغازي أنه مات بأرض الحبشة والجواب أن كلام ابن مسعود في أنه رآهم صرعى في القليب محمول على الأكثر ويدل عليه أن عقبة بن أبي معيط لم يطرح في القليب وإنما حمل من بدر أسيرا وقيل صبرا بعد أن رحلوا عن بدر مرحلة.
(فوالذي بعث محمدا ﷺ بالحق) في الرواية الثالثة "فأقسم بالله" وفي رواية النسائي "والذي أنزل عليه الكتاب" وكأن ابن مسعود قال ذلك تأكيدا.
(لقد رأيت الذين سمى صرعى يوم بدر ثم سحبوا إلى القليب قليب بدر) مفعول "سمى" وهو عائد الصلة محذوف أي الذين سماهم والمراد أكثرهم كما سبق و"القليب" بفتح القاف هو البئر التي لم تطو أي المحفورة التي لم يتم بناؤها وقيل: العادية القديمة التي لا يعرف صاحبها و"قليب" من "قليب بدر" بالجر بدل من "القليب" وإنما أمر بإلقائهم في البئر تحقيرا لهم ولئلا يتأذى الناس بريحهم ففي الرواية الثالثة "قد غيرتهم الشمس" أي غيرت أجسادهم بالانتفاخ ورائحتهم بالنتن وألوانهم إلى السواد وقد بين سبب هذا التغيير السريع بقوله "وكان يوما حارا".
وفي الرواية الثانية "فألقوا في بئر غير أن أمية -أو أبيا- تقطعت أوصاله فلم يلق في البئر" قال النووي: هكذا هو في بعض النسخ "فلم يلق" بالقاف فقط وفي أكثرها "فلم يلقى" بالألف وهو جائز على لغة والأوصال المفاصل. اهـ. زاد في رواية "تقطعت أوصاله لأنه كان بادنا" فمعنى "فلم يلق في البئر" أي لم يلق كاملا متماسكا وإنما ألقى قطعا ومن المعلوم أن قتلى بدر من الكفار كانوا نحو السبعين وكأن الذين طرحوا في القليب كانوا الرؤساء منهم وطرح باقي القتلى في أمكنة أخرى.
(لقد لقيت من قومك) أي من قريش والمفعول محذوف للتهويل ولتذهب النفس فيه أي مذهب أي لقيت من قومك الكثير من الأذى والشدة.
(وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة) العقبة في الأصل المرقى الصعب من الجبال والمراد هنا موضع معروف قريب من مكة وقعت عنده بيعة الأنصار الأولى والثانية.
стр. 4021
(إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت) ذكر ابن إسحق وغيره أن النبي ﷺ كان بعد موت أبي طالب قد خرج إلى ثقيف بالطائف يدعوهم إلى نصره وكان ابن عبد ياليل من أكابر أهل الطائف من ثقيف قيل هو أحد المقصودين بقوله تعالى ﴿على رجل من القريتين عظيم﴾ [الزخرف: ٣١] وله أخوان فعمد إليهم يشكو إليهم ما أصابه من قومه رجاء أن يؤووه وكان ذلك في شوال سنة عشر من المبعث وكان بعد موت أبي طالب وخديجة فردوا عليه أقبح رد وقالوا له: قوم الرجل أعلم به وأغروا به سفهاءهم وصبيانهم يجرون خلفه يقذفونه بالحجارة حتى أدموا قدميه ﷺ .
ومعنى عرض نفسه أنه كان يسألهم أن يؤووه ويمنعوه يقول: أنما لا أكره أحدا على شيء بل أريد أن تمنعوا من يؤذيني حتى أبلغ رسالة ربي ويقول: هل من رجل يحملني إلى قومه؟ فإن قريشا منعوني أن أبلغ كلام ربي؟
و"ابن عبد ياليل" بكسر اللام ابن عبد كلال بضم الكاف وتخفيف اللام واسمه كنانة وقد ذكر موسى بن عقبة وابن إسحق أن كنانة بن عبد ياليل وفد مع وفد الطائف سنة عشر فأسلموا وذكره ابن عبد البر في الصحابة لذلك لكن ذكر المديني أن الوفد أسلموا إلا كنانة فخرج إلى الروم ومات بها بعد ذلك.
(فانطلقت وأنا مهموم على وجهي) أي على الجهة المواجهة لي أي أمشي إلى الأمام دون قصد جهة معينة من غير وعي لما حولي من كثرة انشغالي بهمومي.
(فلم أستفق إلا بقرن الثعالب) أصل القرن كل جبل صغير منقطع من جبل كبير وقرن الثعالب ويقال له: قرن المنازل هو ميقات أهل نجد وهو على مرحلتين من مكة أي نحو مائة وثلاثين ميلا.
حكى القاضي عياض أن بعض الرواة ذكره بفتح الراء قال: وهو غلط وحكى القابسي أن من سكن الراء أراد الجبل ومن حركها أراد الطريق التي يقرب منه.
وأفاد ابن سعد أن مدة إقامته ﷺ بالطائف كانت عشرة أيام.
قال النووي: والمعنى لم أفطن لنفسي وأنتبه لحالي وللموضع الذي أنا ذاهب إليه وللطريق الذي أسير فيه إلا عند قرن الثعالب.
(قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك) عائد الصلة محذوف تقديره: وما ردوا به عليك والمراد من قول قومه له: يحتمل أن يكون هو ردهم على عرضه فالعطف تفسيري ويحتمل أن يكون قولا آخر غير رد العرض فقد أقام بينهم عشرة أيام كما سبق.
والمراد من الإخبار بالسمع لازمه وهو الاستجابة لما سمع والعمل على مقتضاه.
стр. 4022
(وقد بعث إليك ملك الجبال) أي الملك الموكل بالجبال.
(لتأمرني بأمرك) أي لتأمرني بالأمر الذي تريده فأنفذه وعند الطبراني "يا محمد إن الله بعثني إليك وأنا ملك الجبال لتأمرني بأمرك فيما شئت إن شئت" وفي روايتنا "فما شئت"؟ وفي رواية البخاري "فقال: ذلك فيما شئت إن شئت أن أطبق عليهم ... " إلخ فذلك خبر لمبتدأ محذوف تقديره الأمر ذلك الذي علمته أو الأمر ذلك الذي أخبرك به جبريل.
(إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين) جزاء الشرط محذوف تقديره: فعلت والمراد من ضمير "عليهم" قومه الذين آذوه وفي مقدمتهم أهل مكة الذين ألجئوه إلى أهل الطائف والأخشبان هما جبلا مكة أبو قبيس والذي يقابله وهو جبل قيقعان وقال بعضهم: بل هو الجبل الأحمر الذي يشرف على قيقعان ووهم من قال: هو ثور وسميا بالأخشبين لصلابتهما وغلظ حجارتهما والخشب الصلب من النبات ويقال: خشب بكسر الشين يخشب بفتحها إذا غلظ وخشن.
(بل أرجو) كذا في روايتنا وفي أكثر الروايات وفي بعضها "أنا أرجو"
(دميت إصبع رسول الله ﷺ في بعض تلك المشاهد) وفي ملحق الرواية "كان رسول الله ﷺ في غار فنكبت إصبعه" قال النووي: كذا هو في الأصول "في غار" قال القاضي عياض: قال أبو الوليد الكناني: لعله "غازيا" فتصحف كما قال في الرواية "في بعض المشاهد" وكما جاء في رواية البخاري "بينما النبي ﷺ يمشي إذ أصابه حجر فعثر فدميت إصبعه" قال القاضي: وقد يراد بالغار هنا الجيش لا الغار الذي هو الكهف فيوافق رواية "بعض المشاهد" اهـ. وفي رواية أحمد عن جندب ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ في غار" وظاهر قوله في البخاري "أصابه حجر فعثر" أن الإصبع كانت من أصابع القدم لأن العثرة بالقدم لكن جاء عند الترمذي بلفظ "رمي ﷺ بحجر في إصبعه" وهي تحتمل إصبع القدم وإصبع اليد. والله أعلم.
ويمكن الجمع بين الروايات باحتمال أن يكون ﷺ قد دخل مغارة في بعض الغزوات فخرج منها يمشي فاصطدمت قدمه بحجر فسال الدم من إصبع رجله .. إلخ قال: دمي الجرح بفتح الدال وكسر الميم وفتح الياء يدمى بفتح الميم أي خرج منه الدم ولم يسل ويقال: نكبت الحجارة رجله أي لثمتها وأدمتها ونكبت رجله بالبناء للمجهول أي أصيبت بحجر فدميت.
هل أنت إلا إصبع دميت
وفي سبيل الله ما لقيت
الاستفهام هنا إنكاري بمعنى النفي و"ما" اسم موصول أي الذي لقيته محسوب في سبيل الله قال النووي: والرواية المعروفة "دميت" و"لقيت" بكسر التاء وبعضهم أسكنها وزعم بعضهم أن النبي ﷺ تعمد إسكانها ليخرج عن الشعر قال الحافظ ابن حجر: وهو مردود فإنه يصير من ضرب إلى آخر من الشعر قال عياش: وقد غفل بعض الناس فروي "دميت" و"لقيت" بغير مد فخالف الرواية ليسلم من الإشكال فلم يصب وقد اختلف هل قاله النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 4023
متمثلا؟ أو قاله من قبل نفسه غير قاصد لإنشائه؟ فخرج موزونا؟ بالأول جزم الطبري وغيره.
(أبطأ جبريل على رسول الله ﷺ أي أبطأ النزول عليه ومثل ذلك لا يعلم إلا عن طريقه ﷺ فلعله استوحش فشكا فعلم بذلك المشركون والمرأة فقالوا ما قالوا وفي مدة الإبطاء وسببه اختلفت الأخبار فظاهر الرواية السابعة أنها كانت ليلتين أو ثلاثا وأخرج ابن أبي شيبة في مسنده والطبراني أنها كانت أربعة أيام وبسبب جرو ميت في بيته وجد تحت سريره ﷺ وعن ابن جريج أنها كانت اثنى عشر يوما وعن الكلبي كانت خمسة عشر يوما وعن ابن عباس كانت خمسة وعشرين يوما وعن السدي ومقاتل كانت أربعين يوما قال المحققون: إن مثل هذا مما يتفاوت العلم بمبدئه ولا يكاد يعلم على التحقيق إلا منه ﷺ ولم يثبت في ذلك حديث صحيح وقال جمع من المفسرين في سبب الإبطاء: إن اليهود سألوه ﵊ عن أصحاب الكهف وعن الروح وعن قصة ذي القرنين فقال ﷺ : سأخبركم غدا ولم يقل: إن شاء الله فاحتبس عنه الوحي.
(فقال المشركون) في الرواية الثانية "فجاءت امرأة" وأخرج الحاكم عن زيد بن أرقم قال "لما نزلت ﴿تبت يدا أبي لهب﴾ قيل لامرأة أبي لهب: إن محمدا ﷺ قد هجاك فأتته ﵊ وهو جالس في الملأ فقالت: يا محمد علام تهجوني؟ قال: إني والله ما هجوتك ما هجاك إلا الله تعالى فقالت: هل رأيتني أحمل حطبا أو في جيدي حبلا من مسد؟ ثم انطلقت فمكث رسول الله ﷺ لا ينزل عليه الوحي فأتته فقالت: ما أرى صاحبك إلا قد ودعك وقلاك فأنزل الله تعالى ﴿والضحى* والليل إذا سجى﴾
وربط الترمذي بين روايتنا الخامسة والسادسة في حديث واحد فبعد أن ذكر بيت الرجز قال: "فمكث ليلتين أو ثلاثا لا يقوم فقالت له امرأة: ما أرى شيطانك إلا قد تركك".
وفي بعض الروايات ما يدل على أن قائل ذلك هو النبي ﷺ وأنه قال لخديجة يشكو إليها: إن ربي ودعني وقلاني فقالت: كلا والذي بعثك بالحق فنزلت وأخرج ابن جرير أن قائل ذلك خديجة وفيه "أبطأ" جبريل عن النبي ﷺ فجزع جزعا شديدا فقالت خديجة: أرى ربك قد قلاك مما أرى من جزعك فنزلت ﴿والضحى* والليل إذا سجى﴾ والمعول عليه من هذه الأقوال ما عليه الجمهور وصحت به الأخبار أن قائل ذلك هم المشركون.
(قد ودع محمد) بضم الواو وكسر الدال مشددة مبني للمجهول من التوديع وتوديع المسافر في الأصل من الدعة وهو أن تدعو للمسافر بأن يرفع الله عنه كآبة السفر وأن يبلغه الدعة وخفض العيش كما أن التسليم دعاء له بالسلامة ثم صار التوديع متعارفا في تشييع المسافر وتركه ثم استعمل في الترك مطلقا وفسر بهذا في الآية أي ما تركك ربك.
وقد حمل كلام المشركين هذا على التهكم والسخرية والاستهزاء لأنهم لا يعتقدون ابتداء أن لمحمد منزلة من ربه.
стр. 4024
وفي الرواية السابعة "إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاث" قال النووي: "قربك" بكسر الراء والمضارع يقرب بفتحها. اهـ. هذا في المتعدي أما اللازم فهو قرب يقرب بضم الراء فيهما أي دنا.
﴿والضحى* والليل إذا سجى* ما ودعك ربك وما قلى﴾ أقسم بالضحى والمراد به هنا وقت ارتفاع الشمس الذي يلي وقت بروزها للناظرين وهو وقت شباب النهار -كما يقولون- والمراد من "الليل" جنس الليل ﴿إذا سجى﴾ أي إذا سكن أهله وسكن الناس والأصوات فيه وهذا في الغالب ﴿ما ودعك ربك﴾ بتشديد الدال على القراءة الصحيحة المشهورة التي قرأ بها القراء السبعة وقرئ في الشاذ بتخفيفها وخرجت على أن "ودع" مخفف "ودع" بالتشديد ومعناه معناه ويعكر عليه قول النحاة: أماتت العرب ماضي "يدع" و"يذر" ومصدرهما واسم فاعلهما واسم مفعولهما واستغنوا عن ذلك بـ"ترك" لكن بعض النحاة يثبتون "ودع" مخففا "وما قلى" أي وما أبغضك وحذف المفعول لئلا يواجه ﷺ بنسبة القلى لطفا به وشفقة عليه كذا قال المفسرون.
(ركب حمارا عليه إكاف) بكسر الهمزة وتخفيف الكاف وهو ما يوضع على الدابة مما يلي ظهرها كالبرذعة.
(تحته قطيفة فدكية) الضمير في "تحته" للنبي ﷺ وليس للإكاف لأن الإكاف يلي الحمار والقطيفة فوق الإكاف والراكب فوق القطيفة والقطيفة كساء غليظ له خمل وفي رواية البخاري "ركب على حمار على إكاف على قطيفة فدكية" قال الحافظ ابن حجر: "على" الثالثة بدل من الثانية وهي بدل من الأولى. اهـ. والبدل على نية تكرار العامل فيصبح المراد: ركب على حمار ركب على إكاف ركب على قطيفة فدكية بفتح الفاء والدال وكسر الكاف نسبة إلى فدك المشهور كأنها صنعت فيها وهي مدينة على مرحلتين من المدينة وحكى بعضهم أنه جاء في رواية "فركبه" بدل "فدكية" وهو تصحيف بين.
(وهو يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج) أي في منازل بني الحارث وهم قوم سعد بن عبادة وفي الرواية التاسعة "قيل للنبي ﷺ : لو أتيت عبد الله بن أبي؟ قال: فانطلق إليه" فهل كان المقصود بالخروج سعدا؟ أو عبد الله بن أبي؟ أو هما؟ الظاهر أن المقصود الأول سعد ولقاء عبد الله باعتباره في الطريق قد قصد أيضا.
(وذلك قبل وقعة بدر) في رواية "قبل وقيعة بدر" وفي ملحق الرواية الثامنة "قبل أن يسلم عبد الله" أي قبل أن يظهر الإسلام وإلا فقد كان كافرا منافقا ظاهر النفاق.
(حتى مر بمجلس) "حتى غاية لمحذوف دل عليه المقام أي وسار حتى مر بمجلس.
стр. 4025
(فيه أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود) في رواية البخاري "فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود والمسلمين" بتكرار لفظ "المسلمين" والأولى حذف أحدهما.
(فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه ثم قال: لا تغبروا علينا) "عجاجة الدابة" بفتح العين وفتح الجيم مخففة أي غبارها بسبب ما ارتفع من غبار حوافرها في أرض ترابية ففي الرواية التاسعة "وهي أرض سبخة" بفتح السين وكسر الباء وهي التي لا تنبت لملوحتها ونعومة ترابها ومعنى "خمر أنفه" أي غطاه ومعنى "لا تغبروا علينا" بضم التاء وفتح الغين وتشديد الباء المكسورة أي لا تثيروا الغبار علينا وهذا القول منه كان قبل وصول النبي ﷺ وقبل أن يسلم عليهم.
(فسلم عليهم) أي ألقى السلام عليهم وهو على الحمار.
(فدعاهم إلى الله) أي إلى الإسلام.
(أيها المرء لا أحسن من هذا؟ ) قال النووي: هكذا هو في جميع نسخ بلادنا بألف في "أحسن" أي ليس شيء أحسن من هذا؟ اهـ. والكلام على الاستفهام أي هل عندك شيء أحسن مما تقول؟ وفي رواية البخاري "إنه لا أحسن مما تقول" بنصب أحسن على أنه أفعل تفضيل اسم لا النافية للجنس والرفع على أنه خبر لا والاسم محذوف أي لا شيء أحسن مما تقول قال ذلك تهكما ووقع في رواية أخرى "لأحسن من هذا" بحذف الألف وفتح السين وضم النون على أنها لام القسم كأنه قال: لأحسن من هذا أن تقعد في بيتك وحكى ابن الجوزي تشديد السين بغير نون من الحس بمعنى لا أحس مما تقول شيئا أي لا أعلم ولا أفهم منه شيئا وفي رواية "أيها المرء الأحسن من هذا" أي اذكر الأحسن من هذا أو الأحسن من هذا أن تقعد في بيتك ولا تأتينا وفي الرواية التاسعة "إليك عني فوالله لقد آذاني نتن حمارك فقال رجل من الأنصار" الظاهر أنه عبد الله بن رواحة "والله لحمار رسول الله ﷺ أطيب ريحا منك".
(فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى هموا أن يتواثبوا) في الرواية التاسعة "فغضب لعبد الله رجل من قومه فغضب لكل واحد منهما أصحابه فكان بينهم ضرب بالجريد وبالأيدي وبالنعال" وفي رواية البخاري "حتى كادوا يتثاورون" أي يثب بعضهم على بعض أي بالسلاح والقتال فقد وثب بعضهم على بعض بغير السلاح كما ذكر.
(فلم يزل النبي ﷺ يخفضهم) أي يهدئهم وفي رواية البخاري "حتى سكنوا".
(أي سعد) أي حرف نداء وفي رواية البخاري "أيا سعد".
(ألم تسمع إلى ما قال أبو حباب؟ ) بضم الحاء وتخفيف الباء والاستفهام تقريري أي قر
стр. 4026
بأن تسمع أي اسمع أو إنكاري بمعنى النفي دخل على نفي ونفي النفي إثبات أي تسمع إلى ما قال أبو حباب.
(ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة أن يتوجوه فيعصبوه بالعصابة) "ولقد" بإثبات الواو في بعض الروايات وبحذفها في البعض الآخر ومعنى "اصطلحوا" اتفقوا و"البحيرة" بضم الباء على التصغير وفي رواية للبخاري "أهل هذه البحرة" بدون تصغير وهذا اللفظ يطلق على القرية وعلى البلد والمراد به هنا المدينة النبوية ونقل ياقوت الحموي أن البحرة من أسماء المدينة المنورة ومعنى "أن يتوجوه فيعصبوه بالعصابة أي ينصبوه ملكا عليهم يعني يرئسوه عليهم ويسودوه وسمي الرئيس معصبا لما يعصب برأسه من الأمور أو لأنهم يعصبون رءوسهم بعصابة لا تنبغي لغيرهم يمتازون بها وفي غير البخاري "فيعصبونه" والتقدير فهم يعصبونه والمراد هنا من التعصيب التتويج وصناعة تاج له فعند ابن إسحق "لقد جاءنا الله بك وإنا لننظم له الخرز لنتوجه".
(فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق بذلك) "شرق بذلك" بفتح الشين وكسر الراء أي غص بذلك الحق وهو كناية عن الحسد والأصل يقال: شرق بالماء إذا اعترض شيء من الماء في الحلق فمنع الإساغة والمعنى فلما رد الله تنصيبه ملكا بسبب الحق الذي جئت به حسد.
(فذلك فعل به ما رأيت) أي فذلك الحسد الداخلي دفعه إلى فعل ما فعل معك.
(فعفا عنه النبي ﷺ زاد البخاري "وكان النبي ﷺ وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله ويصطبرون على الأذى قال الله ﴿ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا﴾ [آل عمران: ١٨٦] الآية وقال الله ﴿ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم﴾ [البقرة: ١٠٩] وكان النبي ﷺ يتأول العفو ما أمره الله به حتى أذن الله فيهم فلما غزا رسول الله ﷺ بدرا فقتل الله به صناديد كفار قريش قال ابن أبي بن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان: هذا أمر قد توجه -أي ظهر وجهه- فبايعوا الرسول ﷺ على الإسلام فأسلموا".
قال الحافظ ابن حجر عن هذه الزيادة: هذا حديث آخر أفرده ابن حاتم في التفسير عن الذي قبله وإن كان الإسناد متحدا وقد أخرج مسلم الحديث الأول مقتصرا عليه ولم يخرج شيئا من هذا الحديث الآخر.
فبلغنا أنها نزلت فيهم ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما﴾ [الحجرات: ٩] كذا ذكر المفسرون وقيل لنزولها سبب آخر بين الأوس والخزرج وقوله ﴿من المؤمنين﴾ مع بقية الآية يبعد أن يكون السبب حادثتنا وبخاصة أنه لم يكن فيها قتال بمعناه.
-[فقه الحديث]-
تعرضت أحاديث هذا الباب إلى أربع وقائع من وقائع أذى الرسول ﷺ على يد قومه.
стр. 4027
الواقعة الأولى: واقعة سلا الجزور وعنها تكلمت الرواية الأولى والثانية والثالثة.
الواقعة الثانية: واقعة إيذاء أهل الطائف وعنها تكلمت الرواية الرابعة.
الواقعة الثالثة: واقعة إبطاء الوحي وشماتة المشركين وأقوالهم وعنها تكلمت الرواية السادسة والسابعة.
الواقعة الرابعة: واقعة إيذاء عبد الله بن أبي والمنافقين وعنها تكلمت الرواية الثامنة والتاسعة أما الرواية الخامسة فإن اعتبرنا لفظ الترمذي "رمى ﷺ بحجر في إصبعه" ألحقت بالواقعة الثانية إيذاء أهل الطائف.
والمحقق في هذه الوقائع وهذه الأحاديث يرى أنها أمثلة وليست حصرا لما أوذي به من قومه فهناك كثير من وقائع الإيذاء لم تذكر وقد تكون أكثر إيلاما مما ذكر فقد روى البخاري عن عروة بن الزبير قال: سألت ابن عمرو بن العاص: أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون بالنبي ﷺ قال: بينما النبي ﷺ يصلي في حجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه في عنقه فخنقه خنقا شديدا فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي ﷺ قال: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟ .
ومن ذلك حصارهم في شعب أبي طالب وما ناله من المقاطعة الاقتصادية والاجتماعية.
ومن ذلك قول المنافقين ﴿لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل﴾ [المنافقون: ٨].
ومن ذلك مجيئهم بالإفك واتهام عائشة ﵂.
ومن ذلك إيذاء كعب بن الأشرف لرسول الله ﷺ .
والمحقق يرى بعض ما ذكر إيذاء جسديا ماديا وبعضه إيذاء نفسيا.
والمحقق يرى بعض ما ذكر إيذاء بمكة قبل الهجرة وبعضه إيذاء بالمدينة ولذلك عدل الإمام النووي عن ترجمة البخاري لهذا الباب [بباب ما لقي النبي ﷺ وأصحابه بمكة] إلى باب [ما لقي النبي ﷺ من أذى المشركين والمنافقين].
-[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]-
١ - استدل بالرواية الأولى والثانية حيث استمر ﷺ في الصلاة وعلى ظهره سلا جزور على طهارة فرث ما يؤكل لحمه ومذهب مالك ومن وافقه أن روث ما يؤكل لحمه طاهر ومذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد أنه نجس ويردون الاستدلال المذكور بأن الفرث هنا لم يفرد بل كان مع الدم والدم نجس اتفاقا وأجيب بأن الفرث والدم كانا داخل السلا وجلدة السلا الظاهرة طاهرة فكان كحمل القارورة بداخلها نجس ورد بأنها ذبيحة وثني فجميع أجزائها نجسة لأنها ميتة وأجيب بأن ذلك كان قبل التعبد بتحريم ذبائحهم وتعقب بأنه يحتاج إلى تاريخ ولا يكفي فيه الاحتمال وقال النووي: الجواب المرضي أنه ﷺ لم يعلم ما وضع على ظهره فاستمر في سجوده استصحابا لأصل الطهارة وتعقب بأنه يشكل على قولنا
стр. 4028
بوجوب الإعادة في مثل هذه الصورة وأجاب بأن الإعادة إنما تجب في الفريضة فإن ثبت أنها فريضة فالوقت موسع فلعله أعاد وتعقب بأنه لو أعاد لنقل إلينا ولم ينقل وبأن الله تعالى لا يقره على التمادي في صلاة فاسدة فقد ثبت أنه خلع نعليه وهو في الصلاة لأن جبريل أخبره أن فيها قذرا ويدل على أنه علم بما ألقى على ظهره أن فاطمة ذهبت به قبل أن يرفع رأسه وعقب هو صلاته بالدعاء عليهم.
٢ - واستدل به على أن من حدث له في صلاته ما يمنع انعقادها ابتداء لا تبطل صلاته ولو تمادى وفيه نظر يفهم من المناقشة السابقة.
٣ - واستدل به على أن إزالة النجاسة ليست بفرض وهو ضعيف.
٤ - وفيه قوة نفس فاطمة الزهراء من صغرها لشرفها في قومها ونفسها لكونها صرخت بشتمهم وهم رءوس قريش فلم يردوا عليها.
٥ - استدل بطرح فاطمة ﵂ عن الرسول ﷺ على أن التصاق المرأة بالرجل في الصلاة لا يبطلها.
٦ - استدل بقوله "أشقى القوم" على أن المباشر للجريمة أكبر جرما من المتسبب فيها والمخطط لها والمعين عليها قال الحافظ ابن حجر: ولهذا قتلوا في الحرب وقتل عقبة صبرا.
٧ - وفيه استحباب الدعاء ثلاثا.
٨ - وفيه جواز الدعاء على الظالم لكن قال بعضهم: محله ما إذا كان كافرا فأما المسلم فيستحب الاستغفار له والدعاء بالتوبة ولو قيل: لا دلالة فيه على الدعاء على الكافر لما كان بعيدا لاحتمال أن يكون اطلع ﷺ على أن المذكورين لا يؤمنون والأولى أن يدعي لكل حي بالهداية.
٩ - وفيه تعظيم الدعاء بمكة قبل الإسلام وعند الكفار وما ازدادت عند المسلمين إلا تعظيما.
١٠ - وفيه معرفة الكفار لصدقه ﷺ لخوفهم من دعائه ولكن حملهم الحسد على ترك الانقياد له.
١١ - وفيه أن دعوته ﷺ مجابة.
١٢ - وفيه دفع أذى الرائحة الكريهة فقد ألقيت جثث المشركين في البئر لئلا يتأذى الناس برائحتهم قال النووي: وليس هو دفنا لأن الحربي لا يجب دفنه قال الشافعية: بل يترك في الصحراء إلا أن يتأذى به.
١٣ - واستدل به على أن أجساد الكفار لا ثمن لها ولا يؤخذ لها ثمن إذ لو أن أهل قتلى بدر لو فهموا أنه يقبل فداء أجسادهم لبذلوا فيها ما شاء الله.
стр. 4029
١٤ - ومن الرواية الرابعة مدى ما تحمل الرسول ﷺ من الأذى في سبيل الدعوة.
١٥ - ومدى تكريم الله تعالى لنبيه ﷺ .
١٦ - وحلمه ﷺ وصبره على الأذى وعدم انتقامه من المسيئين.
١٧ - ومن الرواية الخامسة أن النبي ﷺ كان يجوز له أن يحكي الشعر عن ناظمه إذا قلنا أن هذا البيت من نظم عبد الله بن رواحة وقد مضى في غزوة حنين الكلام عن مثل هذا الشعر.
١٨ - وفي الرواية الثامنة والتاسعة إيذاء المنافقين لرسول الله ﷺ .
١٩ - وأن ركوب الحمار ليس بنقص في حق الكبار.
٢٠ - وجواز الإرداف على الحمار وغيره من الدواب إذا كان مطيعا.
٢١ - وفيه عيادة الكبير لبعض أتباعه في بيته.
٢٢ - وجواز عيادة المريض راكبا.
٢٣ - قال النووي: وفيه جواز الابتداء بالسلام على قوم فيهم مسلمون وكفار وهذا مجمع عليه وقال الحافظ ابن حجر: فيه جواز السلام على المسلمين إذا كان معهم كفار وينوي حينئذ بالسلام المسلمين ويحتمل أن يكون اللفظ الذي سلم به عليهم صيغة عموم فيها تخصيص كقوله: السلام على من اتبع الهدى.
٢٤ - وفي صفحه عن عبد الله بن أبي ما كان عليه ﷺ من الحلم وتأليف القلوب.
والله أعلم.
стр. 4030
(٤٩٧) باب قتل أبي جهل
٤٠٩٩ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من ينظر لنا ما صنع أبو جهل؟ " فانطلق ابن مسعود فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برك قال: فأخذ بلحيته فقال آنت أبو جهل؟ فقال: وهل فوق رجل قتلتموه (أو قال) قتله قومه؟ . قال: وقال أبو مجلز قال أبو جهل فلو غير أكار قتلني.
٤١٠٠ - -/- وفي رواية عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من يعلم لي ما فعل أبو جهل؟ " بمثل حديث ابن علية وقول أبي مجلز كما ذكره إسمعيل.
-[المعنى العام]-
سبق موضوع قتل أبي جهل في كتاب الجهاد -باب استحقاق القاتل سلب القتيل بما يغني عن الإعادة.
-[المباحث العربية]-
(قال رسول الله ﷺ : من ينظر لنا ما صنع أبو جهل؟ ) أي ما صنع بأبي جهل؟ ما مصيره؟ وكان هذا السؤال بعد انتهاء معركة بدر والعلم بمقتل صناديد قريش بصفة عامة وسبب السؤال عنه أن يعرف أنه مات ليستبشر المسلمون بذلك وبانتهاء شره عنهم وفي رواية "قال النبي ﷺ يوم بدر: من يأتينا بخبر أبي جهل"؟ وفي ملحق روايتنا "من يعلم لي ما فعل أبو جهل"؟ .
(فانطلق ابن مسعود) وعند ابن خزيمة "فقال ابن مسعود: أنا فانطلق".
(فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد) سبقت قصتهما في باب استحقاق القاتل سلب القتيل و"برد" بالراء والدال أي حتى مات أي صار في حالة قريبة من حالة من مات ولم يبق فيه إلا حركة مذبوح فأطلق عليه "مات" باعتبار ما سيئول إليه وفي رواية "حتى برك" بالكاف بدل الدال أي سقط.
(فأخذ بلحيته فقال: أنت أبو جهل؟ ) استفهام تبكيت وتشف فقد كان أبو جهل يؤذي ابن مسعود في مكة أشد الأذى وكذلك الأخذ بلحيته للتشفي وعند ابن إسحق
следующие страницы →