← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

بأن تسمع أي اسمع أو إنكاري بمعنى النفي دخل على نفي ونفي النفي إثبات أي تسمع إلى ما قال أبو حباب. (ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة أن يتوجوه فيعصبوه بالعصابة) "ولقد" بإثبات الواو في بعض الروايات وبحذفها في البعض الآخر ومعنى "اصطلحوا" اتفقوا و"البحيرة" بضم الباء على التصغير وفي رواية للبخاري "أهل هذه البحرة" بدون تصغير وهذا اللفظ يطلق على القرية وعلى البلد والمراد به هنا المدينة النبوية ونقل ياقوت الحموي أن البحرة من أسماء المدينة المنورة ومعنى "أن يتوجوه فيعصبوه بالعصابة أي ينصبوه ملكا عليهم يعني يرئسوه عليهم ويسودوه وسمي الرئيس معصبا لما يعصب برأسه من الأمور أو لأنهم يعصبون رءوسهم بعصابة لا تنبغي لغيرهم يمتازون بها وفي غير البخاري "فيعصبونه" والتقدير فهم يعصبونه والمراد هنا من التعصيب التتويج وصناعة تاج له فعند ابن إسحق "لقد جاءنا الله بك وإنا لننظم له الخرز لنتوجه". (فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق بذلك) "شرق بذلك" بفتح الشين وكسر الراء أي غص بذلك الحق وهو كناية عن الحسد والأصل يقال: شرق بالماء إذا اعترض شيء من الماء في الحلق فمنع الإساغة والمعنى فلما رد الله تنصيبه ملكا بسبب الحق الذي جئت به حسد. (فذلك فعل به ما رأيت) أي فذلك الحسد الداخلي دفعه إلى فعل ما فعل معك. (فعفا عنه النبي ﷺ زاد البخاري "وكان النبي ﷺ وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله ويصطبرون على الأذى قال الله ﴿ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا﴾ [آل عمران: ١٨٦] الآية وقال الله ﴿ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم﴾ [البقرة: ١٠٩] وكان النبي ﷺ يتأول العفو ما أمره الله به حتى أذن الله فيهم فلما غزا رسول الله ﷺ بدرا فقتل الله به صناديد كفار قريش قال ابن أبي بن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان: هذا أمر قد توجه -أي ظهر وجهه- فبايعوا الرسول ﷺ على الإسلام فأسلموا". قال الحافظ ابن حجر عن هذه الزيادة: هذا حديث آخر أفرده ابن حاتم في التفسير عن الذي قبله وإن كان الإسناد متحدا وقد أخرج مسلم الحديث الأول مقتصرا عليه ولم يخرج شيئا من هذا الحديث الآخر. فبلغنا أنها نزلت فيهم ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما﴾ [الحجرات: ٩] كذا ذكر المفسرون وقيل لنزولها سبب آخر بين الأوس والخزرج وقوله ﴿من المؤمنين﴾ مع بقية الآية يبعد أن يكون السبب حادثتنا وبخاصة أنه لم يكن فيها قتال بمعناه. -[فقه الحديث]- تعرضت أحاديث هذا الباب إلى أربع وقائع من وقائع أذى الرسول ﷺ على يد قومه.

стр. 4027

الواقعة الأولى: واقعة سلا الجزور وعنها تكلمت الرواية الأولى والثانية والثالثة. الواقعة الثانية: واقعة إيذاء أهل الطائف وعنها تكلمت الرواية الرابعة. الواقعة الثالثة: واقعة إبطاء الوحي وشماتة المشركين وأقوالهم وعنها تكلمت الرواية السادسة والسابعة. الواقعة الرابعة: واقعة إيذاء عبد الله بن أبي والمنافقين وعنها تكلمت الرواية الثامنة والتاسعة أما الرواية الخامسة فإن اعتبرنا لفظ الترمذي "رمى ﷺ بحجر في إصبعه" ألحقت بالواقعة الثانية إيذاء أهل الطائف. والمحقق في هذه الوقائع وهذه الأحاديث يرى أنها أمثلة وليست حصرا لما أوذي به من قومه فهناك كثير من وقائع الإيذاء لم تذكر وقد تكون أكثر إيلاما مما ذكر فقد روى البخاري عن عروة بن الزبير قال: سألت ابن عمرو بن العاص: أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون بالنبي ﷺ قال: بينما النبي ﷺ يصلي في حجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه في عنقه فخنقه خنقا شديدا فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي ﷺ قال: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟ . ومن ذلك حصارهم في شعب أبي طالب وما ناله من المقاطعة الاقتصادية والاجتماعية. ومن ذلك قول المنافقين ﴿لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل﴾ [المنافقون: ٨]. ومن ذلك مجيئهم بالإفك واتهام عائشة ﵂. ومن ذلك إيذاء كعب بن الأشرف لرسول الله ﷺ . والمحقق يرى بعض ما ذكر إيذاء جسديا ماديا وبعضه إيذاء نفسيا. والمحقق يرى بعض ما ذكر إيذاء بمكة قبل الهجرة وبعضه إيذاء بالمدينة ولذلك عدل الإمام النووي عن ترجمة البخاري لهذا الباب [بباب ما لقي النبي ﷺ وأصحابه بمكة] إلى باب [ما لقي النبي ﷺ من أذى المشركين والمنافقين]. -[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]- ١ - استدل بالرواية الأولى والثانية حيث استمر ﷺ في الصلاة وعلى ظهره سلا جزور على طهارة فرث ما يؤكل لحمه ومذهب مالك ومن وافقه أن روث ما يؤكل لحمه طاهر ومذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد أنه نجس ويردون الاستدلال المذكور بأن الفرث هنا لم يفرد بل كان مع الدم والدم نجس اتفاقا وأجيب بأن الفرث والدم كانا داخل السلا وجلدة السلا الظاهرة طاهرة فكان كحمل القارورة بداخلها نجس ورد بأنها ذبيحة وثني فجميع أجزائها نجسة لأنها ميتة وأجيب بأن ذلك كان قبل التعبد بتحريم ذبائحهم وتعقب بأنه يحتاج إلى تاريخ ولا يكفي فيه الاحتمال وقال النووي: الجواب المرضي أنه ﷺ لم يعلم ما وضع على ظهره فاستمر في سجوده استصحابا لأصل الطهارة وتعقب بأنه يشكل على قولنا

стр. 4028

بوجوب الإعادة في مثل هذه الصورة وأجاب بأن الإعادة إنما تجب في الفريضة فإن ثبت أنها فريضة فالوقت موسع فلعله أعاد وتعقب بأنه لو أعاد لنقل إلينا ولم ينقل وبأن الله تعالى لا يقره على التمادي في صلاة فاسدة فقد ثبت أنه خلع نعليه وهو في الصلاة لأن جبريل أخبره أن فيها قذرا ويدل على أنه علم بما ألقى على ظهره أن فاطمة ذهبت به قبل أن يرفع رأسه وعقب هو صلاته بالدعاء عليهم. ٢ - واستدل به على أن من حدث له في صلاته ما يمنع انعقادها ابتداء لا تبطل صلاته ولو تمادى وفيه نظر يفهم من المناقشة السابقة. ٣ - واستدل به على أن إزالة النجاسة ليست بفرض وهو ضعيف. ٤ - وفيه قوة نفس فاطمة الزهراء من صغرها لشرفها في قومها ونفسها لكونها صرخت بشتمهم وهم رءوس قريش فلم يردوا عليها. ٥ - استدل بطرح فاطمة ﵂ عن الرسول ﷺ على أن التصاق المرأة بالرجل في الصلاة لا يبطلها. ٦ - استدل بقوله "أشقى القوم" على أن المباشر للجريمة أكبر جرما من المتسبب فيها والمخطط لها والمعين عليها قال الحافظ ابن حجر: ولهذا قتلوا في الحرب وقتل عقبة صبرا. ٧ - وفيه استحباب الدعاء ثلاثا. ٨ - وفيه جواز الدعاء على الظالم لكن قال بعضهم: محله ما إذا كان كافرا فأما المسلم فيستحب الاستغفار له والدعاء بالتوبة ولو قيل: لا دلالة فيه على الدعاء على الكافر لما كان بعيدا لاحتمال أن يكون اطلع ﷺ على أن المذكورين لا يؤمنون والأولى أن يدعي لكل حي بالهداية. ٩ - وفيه تعظيم الدعاء بمكة قبل الإسلام وعند الكفار وما ازدادت عند المسلمين إلا تعظيما. ١٠ - وفيه معرفة الكفار لصدقه ﷺ لخوفهم من دعائه ولكن حملهم الحسد على ترك الانقياد له. ١١ - وفيه أن دعوته ﷺ مجابة. ١٢ - وفيه دفع أذى الرائحة الكريهة فقد ألقيت جثث المشركين في البئر لئلا يتأذى الناس برائحتهم قال النووي: وليس هو دفنا لأن الحربي لا يجب دفنه قال الشافعية: بل يترك في الصحراء إلا أن يتأذى به. ١٣ - واستدل به على أن أجساد الكفار لا ثمن لها ولا يؤخذ لها ثمن إذ لو أن أهل قتلى بدر لو فهموا أنه يقبل فداء أجسادهم لبذلوا فيها ما شاء الله.

стр. 4029

١٤ - ومن الرواية الرابعة مدى ما تحمل الرسول ﷺ من الأذى في سبيل الدعوة. ١٥ - ومدى تكريم الله تعالى لنبيه ﷺ . ١٦ - وحلمه ﷺ وصبره على الأذى وعدم انتقامه من المسيئين. ١٧ - ومن الرواية الخامسة أن النبي ﷺ كان يجوز له أن يحكي الشعر عن ناظمه إذا قلنا أن هذا البيت من نظم عبد الله بن رواحة وقد مضى في غزوة حنين الكلام عن مثل هذا الشعر. ١٨ - وفي الرواية الثامنة والتاسعة إيذاء المنافقين لرسول الله ﷺ . ١٩ - وأن ركوب الحمار ليس بنقص في حق الكبار. ٢٠ - وجواز الإرداف على الحمار وغيره من الدواب إذا كان مطيعا. ٢١ - وفيه عيادة الكبير لبعض أتباعه في بيته. ٢٢ - وجواز عيادة المريض راكبا. ٢٣ - قال النووي: وفيه جواز الابتداء بالسلام على قوم فيهم مسلمون وكفار وهذا مجمع عليه وقال الحافظ ابن حجر: فيه جواز السلام على المسلمين إذا كان معهم كفار وينوي حينئذ بالسلام المسلمين ويحتمل أن يكون اللفظ الذي سلم به عليهم صيغة عموم فيها تخصيص كقوله: السلام على من اتبع الهدى. ٢٤ - وفي صفحه عن عبد الله بن أبي ما كان عليه ﷺ من الحلم وتأليف القلوب. والله أعلم.

стр. 4030

(٤٩٧) باب قتل أبي جهل ٤٠٩٩ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من ينظر لنا ما صنع أبو جهل؟ " فانطلق ابن مسعود فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برك قال: فأخذ بلحيته فقال آنت أبو جهل؟ فقال: وهل فوق رجل قتلتموه (أو قال) قتله قومه؟ . قال: وقال أبو مجلز قال أبو جهل فلو غير أكار قتلني. ٤١٠٠ - -/- وفي رواية عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من يعلم لي ما فعل أبو جهل؟ " بمثل حديث ابن علية وقول أبي مجلز كما ذكره إسمعيل. -[المعنى العام]- سبق موضوع قتل أبي جهل في كتاب الجهاد -باب استحقاق القاتل سلب القتيل بما يغني عن الإعادة. -[المباحث العربية]- (قال رسول الله ﷺ : من ينظر لنا ما صنع أبو جهل؟ ) أي ما صنع بأبي جهل؟ ما مصيره؟ وكان هذا السؤال بعد انتهاء معركة بدر والعلم بمقتل صناديد قريش بصفة عامة وسبب السؤال عنه أن يعرف أنه مات ليستبشر المسلمون بذلك وبانتهاء شره عنهم وفي رواية "قال النبي ﷺ يوم بدر: من يأتينا بخبر أبي جهل"؟ وفي ملحق روايتنا "من يعلم لي ما فعل أبو جهل"؟ . (فانطلق ابن مسعود) وعند ابن خزيمة "فقال ابن مسعود: أنا فانطلق". (فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد) سبقت قصتهما في باب استحقاق القاتل سلب القتيل و"برد" بالراء والدال أي حتى مات أي صار في حالة قريبة من حالة من مات ولم يبق فيه إلا حركة مذبوح فأطلق عليه "مات" باعتبار ما سيئول إليه وفي رواية "حتى برك" بالكاف بدل الدال أي سقط. (فأخذ بلحيته فقال: أنت أبو جهل؟ ) استفهام تبكيت وتشف فقد كان أبو جهل يؤذي ابن مسعود في مكة أشد الأذى وكذلك الأخذ بلحيته للتشفي وعند ابن إسحق

стр. 4031

والحاكم "قال ابن مسعود: فوجدته بآخر رمق فوضعت رجلي على عنقه فقلت: أخزاك الله يا عدو الله. قال: وبم أخزاني"؟ وفي رواية قال له "لقد ارتقيت -يا رويع الغنم- أي يا راعي الغنم تحقيرا له -مرتقى صعبا". وفي رواية للبخاري "أنت أبا جهل" قال العلماء: هكذا نطق بها أنس عن ابن مسعود ووجهت الرواية بالحمل على لغة من يثبت الألف في الأسماء الخمسة في حالات الإعراب كلها كقوله: إن أباها وأبا أباها. وقيل: إن قوله: "آنت" مبتدأ حذف خبره و"أبا جهل" منادى والمعنى: أنت القتيل يا أبا جهل؟ والمراد أيضا التقريع والتشفي. (فقال: وهل فوق رجل قتلتموه؟ -أو قال: قتله قومه؟ ) هذا جواب عن قول ابن مسعود "أخزاك الله يا عدو الله" يريد: بم أخزاني؟ لقد قتلني قومي ولا خزي في ذلك أي لا عار علي في قتلكم إياي وليس فوق ذلك عذر مقبول. (فلو غير أكار قتلني) الأكار بتشديد الكاف الزراع وعني بذلك تنقيص من قتله وأنهما من الأنصار الفلاحين وفي رواية "قال لابن مسعود: لو غيرك كان قتلني" و"لو" هنا للتمني أو شرطية جوابها محذوف أي لكان خيرا وأفضل. وفي رواية "قال ابن مسعود: ثم احتززت رأسه فجئت به رسول الله ﷺ فقلت: هذا رأس عدو الله أبي جهل. فقال: والله الذي لا إله إلا هو؟ فحلفت له". -[فقه الحديث]- سبق عند باب استحقاق القاتل سلب القتيل ما يغني عن الإعادة.

стр. 4032

(٤٩٨) باب قتل كعب بن الأشرف طاغوت اليهود ٤١٠١ - عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله" فقال محمد بن مسلمة: يا رسول الله أتحب أن أقتله؟ قال "نعم" قال: ائذن لي فلأقل قال "قل" فأتاه فقال له وذكر ما بينهما وقال إن هذا الرجل قد أراد صدقة وقد عنانا فلما سمعه قال وأيضا والله لتملنه. قال إنا قد اتبعناه الآن ونكره أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير أمره. قال: وقد أردت أن تسلفني سلفا قال: فما ترهنني؟ قال: ما تريد قال: ترهنني نساءكم قال: أنت أجمل العرب أنرهنك نساءنا؟ قال له: ترهنوني أولادكم قال: يسب ابن أحدنا فيقال رهن في وسقين من تمر ولكن نرهنك اللأمة (يعني السلاح) قال: فنعم وواعده أن يأتيه بالحارث وأبي عبس بن جبر وعباد بن بشر قال: فجاءوا فدعوه ليلا فنزل إليهم. قال سفيان: قال غير عمرو قالت له امرأته: إني لأسمع صوتا كأنه صوت دم قال: إنما هذا محمد بن مسلمة ورضيعه وأبو نائلة. إن الكريم لو دعي إلى طعنة ليلا لأجاب. قال محمد: إني إذا جاء فسوف أمد يدي إلى رأسه فإذا استمكنت منه فدونكم قال: فلما نزل نزل وهو متوشح. فقالوا: نجد منك ريح الطيب. قال: نعم تحتي فلانة هي أعطر نساء العرب قال: فتأذن لي أن أشم منه؟ قال: نعم فشم فتناول فشم ثم قال: أتأذن لي أن أعود؟ قال: فاستمكن من رأسه ثم قال دونكم قال: فقتلوه. -[المعنى العام]- لما هاجر الرسول ﷺ إلى المدينة وقف اليهود منه موقف العداء لكنهم من طبعهم الجبن والإيقاع والغدر عقد رسول الله ﷺ بينه وبينهم عهد موادعه فخانوه وأخذوا في الدس سرا للإيقاع به وتحزيب الكفار ضده وإثارة قريش على حربه وكان من زعمائهم كعب بن الأشرف القرظي وكان بنو قريظة وبنو النضير يقيمون في قرى حول المدينة فلما انتصر المسلمون على قريش في بدر عز على اليهود ذلك فبدءوا ينفخون نار قريش لقتال محمد ﷺ فذهب كعب بن الأشرف إلى مكة والتقى بزعمائها ووعدهم النصرة وأخذ يعيب محمدا ﷺ والمسلمين ويهجوهم بشعره وبلغ رسول الله ﷺ شعره وهجاؤه وكان كعب قد حاول اغتيال رسول الله ﷺ فحماه الله حينئذ ومعاملة بالمثل

стр. 4033

طلب رسول الله ﷺ من أصحابه أن يتخلصوا من كعب بن الأشرف لكنه كالثعلب في جحره لا يستمكن منه إلا بالحيلة فتطوع لهذه المهمة محمد بن مسلمة صديق قديم لكعب وأخ له من الرضاع وهو يثق فيه وعرض على رضيعه الثاني أبي نائلة أن يشاركه المهمة فقبل ووافقهما على مشاركتهما ثلاثة من الصحابة استأذن محمد بن مسلمة رسول الله ﷺ في أن يتناوله بالعيب وأن يكذب للحيلة فأذن له ذهب هو وأبو نائلة وشكيا إليه رسول الله ﷺ وأنه يكلف المسلمين صدقات لا يستطيعونها وأنه جعل العرب يعادونهم عن يمين وشمال ثم طلبا منه أن يسلفهما تمرا فطلب رهنا فواعده برهن أسلحتهما وتواعدا المساء على أن يكون معهما ثلاثة وافق عليهم فجاءوه ليلا ومعهم السلاح ونادوه فنزل إليهم من حصنه مصمخا بالطيب قالوا له: ما هذا الطيب الجميل؟ قال: طيب امرأتي فلانه أعطر نساء العرب فاستأذنوه أن يقربوا رأسه ليشموا شعره فأذن لهم فأمسك محمد بن مسلمه برأسه من ضفائره بقوة وقال لأصحابه: اقتلوا عدو الله فقتلوه بسيوفهم وقطعوا رأسه صرخ صرخة واحدة وصرخت امرأته: يا بني قريظة يا بني النضير وخرج اليهود واتخذوا طريقا غير طريقهم ووصلوا آمنين إلى رسول الله ﷺ فحمد الله وشكرهم وجاء اليهود إلى رسول الله ﷺ يشكون المسلمين أن قتلوا زعيمهم غيلة فذكر لهم عداءه للمسلمين وإيذاءه لهم فخافوا وجبنوا وسكتوا وهكذا تخلص المسلمون من شوكة يهودية كانت تؤذي رسول الله ﷺ . -[المباحث العربية]- (كعب بن الأشرف) اليهودي القرظي قال ابن إسحق وغيره: كان الأشرف عربيا من بني نبهان وهم بطن من طيئ وكان قد أصاب دما في الجاهلية فأتى المدينة فحالف بني النضير فشرف فيهم وتزوج عقيلة بنت أبي الحقيق فولدت له كعبا وكان طويلا جسيما ذا بطن وهامة. (من لكعب بن الأشرف) أي من الذي يقدر على قتله؟ فنفوضه له؟ ففي الكلام مضاف محذوف تقديره: من لقتل كعب بن الأشرف؟ (فإنه قد آذى الله ورسوله) إيذاء الله كناية عن مخالفة الله جل شأنه وإيذاء رسول الله ﷺ معصية لله وإغضاب له ويحتمل أن "آذى الله" تمهيد والمقصود آذى رسول الله وفي رواية عند الحاكم في الإكليل "فقد آذانا بشعره وقوي المشركين" وعند ابن عائذ "أن كعب بن الأشرف قدم على مشركي قريش فحالفهم عند أستار الكعبة على قتال المسلمين" وفي رواية "أنه كان يهجو النبي ﷺ ويحرض قريشا عليهم وأنه لما قدم على قريش قالوا له: أديننا أهدي أم دين محمد؟ قال: دينكم فقال النبي ﷺ : من لنا بابن الأشرف فإنه قد استعلن بعداوتنا وفي رواية مرسلة "أنه صنع طعاما وواطأ جماعة من اليهود على أن يدعو النبي ﷺ إلى الوليمة فإذا حضر فتكوا به ثم دعاه فجاء ومعه بعض أصحابه فأعلمه جبريل بما أضمروه بعد أن جالسه فقام فخرج فلما فقدوه تفرقوا فقال ﷺ حينئذ: من لكعب بن الأشرف؟

стр. 4034

(فقال محمد بن مسلمة) بفتح الميم واللام ابن مسلمة بن خالد بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن أوس حليف لبني عبد الأشهل شهد بدرا والمشاهد كلها ومات بالمدينة سنة ثلاث وأربعين على أرجح الأقوال وصلى عليه مروان بن الحكم أمير المدينة آنذاك وكان من فضلاء الصحابة واعتزل الفتنة وأقام بالربذة. (أتحب أن أقتله)؟ الهمزة للاستفهام الحقيقي. (قال: نعم) في رواية "فقال: أنت له" وفي رواية "قال: فافعل إن قدرت على ذلك" وفي رواية "فسكت رسول الله ﷺ فقال محمد بن مسلمة: أقر صامت" قال الحافظ ابن حجر: فإن ثبتت هذه الرواية احتمل أن يكون سكت أولا ثم أذن له وفي رواية "قال له: إن كنت فاعلا فلا تعجل حتى تشاور سعد بن معاذ قال: فشاوره فقال له: توجه إليه واشك إليه الحاجة وسله أن يسلفكم طعاما". (قال: ائذن لي فلأقل. قال: قل) كأنه استأذنه أن يفتعل شيئا يحتال به عليه وقد بوب البخاري للحديث "باب الكذب في الحرب" وعند ابن سعد أنهم استأذنوا أن يشكوا منه ويعيبوا رأيه". وعند ابن إسحق "فقال: يا رسول الله لا بد لنا أن نقول؟ فقال: قولوا ما بدا لكم فأنت في حل من ذلك". وفي مرسل عكرمة "وائذن لنا أن نصيب منك فيطمئن إلينا قال: قولوا ما شئتم". (فأتاه) أي فأتى محمد بن مسلمة كعب بن الأشرف وظاهر الرواية أنه أتاه وحده لكن الروايات الأخرى تبين أن أبا نائلة وهو أخو كعب من الرضاع كان مع محمد بن مسلمة وكان نديمه في الجاهلية وكان يركن إليه ومحمد بن مسلمة ابن أخت أبي نائلة وهو أخو كعب من الرضاع أيضا فعند ابن إسحق أن الذي عرض التسليف أبو نائلة. قال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يكون كل منهما كلمه في ذلك. (فقال له: وذكر ما بينهما) المقول محذوف أشار إليه بقوله: وذكر ما بينهما أي من المودة والحرص على مصالح بعضهما البعض ونحو ذلك مما يؤكد الثقة فيه وفي كلامه. (إن هذا الرجل قد أراد صدقة) يعني الرسول ﷺ وأنه طلب منهم التصدق من أموالهم وفي رواية البخاري "إن هذا الرجل قد سألنا صدقة" وفي رواية "سألنا الصدقة ونحن لا نجد ما نأكله". (وقد عنانا) بتشديد النون الأولى أي أتعبنا وكلفنا المشقة قال الجوهري: عني بكسر النون يعني بفتحها عناء أي تعب ونصب وعنيته بتشديد النون أتعبته. قال النووي: وهذا من التعريض الجائز بل المستحب لأن معناه في الباطن أنه أدبنا بآداب الشرع

стр. 4035

التي فيها تعب لكنه تعب في مرضاة الله تعالى فهو محبوب لنا والذي فهم المخاطب منه العناء الذي ليس بمحبوب. (قال: وأيضا) أي قال كعب: وأيضا أي وزيادة على ذلك وقد فسره بعد ذلك بقوله: (والله لتملنه) بفتح التاء والميم وتشديد اللام من مل بمعنى ضجر والمعنى والله لتزيدن ملالتكم له أكثر من هذا. وعند الواقدي "أن كعبا قال لأبي نائلة: أخبرني ما في نفسك ما الذي تريدون في أمره؟ قال: خذلانه والتخلي عنه قال: سررتني". (قال: إنا قد اتبعناه الآن) أي وقعنا في إعلان الإسلام واتباعه. (ونكره أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير أمره) زاد ابن إسحق "قال محمد: كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء من البلاء عادتنا العرب ورمتنا عن قوس واحدة وقطعت عنا السبل حتى جاع العيال وجهدت الأنفس وأصبحنا قد جهدنا وجهد عيالنا فقال كعب بن الأشرف: أما والله لقد أخبرتكم أن الأمر يصير إلى هذا". (قال: وقد أردت أن تسلفني سلفا) وفي رواية "قال كعب: أما مالي فليس عندي اليوم ولكن عندي التمر" وفي رواية البخاري "وقد أردنا أن تسلفنا وسقا أو وسقين" وقوله "أو وسقين" شك من الراوي والوسق بفتح الواو وكسرها مكيلة معلومة للعرب سعتها ستون صاعا والصاع خمسة أرطال وثلث زاد في رواية "قال كعب: وأين ذهب طعامكم؟ قالوا: أنفقناه على هذا الرجل وعلى أصحابه قال: ألم يأن لكم أن تعرفوا ما أنتم عليه من الباطل؟ " (قال: فما ترهنني؟ ) بفتح التاء أي فماذا تضع عندي رهنا مقابل التمر؟ وفي رواية البخاري "فقال: نعم ارهنوني". (قال: ما تريد؟ ) في رواية البخاري "أي شيء تريد"؟ (قال: ترهنني نساءكم) في رواية البخاري "ارهنوني نساءكم". (قال: أنت أجمل العرب أنرهنك نساءنا؟ ) في رواية البخاري "كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب؟ " زاد ابن سعد "ولا نأمنك وأي امرأة تمنع منك؟ وفي رواية "وأنت رجل حسان -بضم الحاء وتشديد السين- تعجب النساء" ولعلهم قالوا ذلك تهكما أو خداعا وترضية وإثارة للعجب والزهو وكان فعلا جميلا. (قال: ترهنوني أولادكم قال: يسب ابن أحدنا فيقال: رهن في وسقين من تمر) في رواية البخاري "كيف نرهنك أبناءنا؟ فيسب أحدهم فيقال: رهن بوسق أو وسقين؟ هذا عار

стр. 4036

علينا" "يسب" بضم الياء وفتح السين بالبناء للمجهول من السب وعند بعض رواة مسلم "يشب" بفتح الياء وكسر الشين من الشباب قال النووي: والصواب الأول. (ولكن نرهنك اللأمة) بتشديد اللام وسكون الهمزة وفسرها سفيان الراوي عن عمرو الراوي عن جابر بالسلاح قال النووي: وهو كما قال اهـ. وقال بعض أهل اللغة: اللأمة الدرع فعلى هذا إطلاق السلاح عليها من إطلاق اسم الكل على البعض وفي رواية "ولكنا نرهنك سلاحنا مع علمك بحاجتنا إليه قال: نعم" وفي رواية للواقدي "وإنما قالوا ذلك - وعرضوا عليه رهن السلاح- لئلا ينكر مجيئهم بالسلاح". (وواعده أن يأتيه بالحارث وأبي عبس بن جبر وعباد بن بشر) أي أخذ إذنه وموافقته على أن يستصحب معه في الليل هؤلاء الثلاثة وفي رواية البخاري "فجاءه ليلا ومعه أبو نائلة" فعلى هذا كانوا خمسة. أما الحارث فهو الحارث بن أوس بن أخي سعد بن عبادة وأما أبو عبس -بالباء- فاسمه عبد الرحمن وقيل: عبد الله والصحيح الأول وهو ابن جبر بإسكان الباء ويقال: ابن جابر وهو أنصاري من كبار الصحابة شهد بدرا وسائر المشاهد وكان اسمه في الجاهلية عبد العزى قال النووي: ووقع في بعض نسخ مسلم "وأبو عبس" بالواو وهو صحيح ويكون معطوفا على الضمير المستتر في "يأتيه". (فجاءوا فدعوه ليلا) وعند الخرساني في مرسل عكرمة "فلما كان في القائلة أتوه ومعهم السلاح" والصحيح أن إتيانهم كان ليلا والذي دعاه وناداه منهم أبو نائلة فعند ابن إسحق "فهتف به أبو نائلة". (فنزل إليهم) فيه مجاز المشارفة ليصح ترتيب الأحداث أي فأراد النزول إليهم فقالت له امرأته ... وعند ابن إسحق "لما انتهى هؤلاء إلى حصن كعب هتف به أبو نائلة -وكان حديث عهد بعرس فوثب في ملحفة له فأخذت امرأته بناحيتها وقالت: إلى أين في مثل هذه الساعة؟ أنت امرؤ محارب لا تنزل في هذه الساعة. (إني لأسمع صوتا كأنه صوت دم) كناية عن صوت طالب الشر وفي رواية البخاري "أسمع صوتا كأنه يقطر منه الدم" (قال: إنما هذا محمد بن مسلمة ورضيعه وأبو نائلة إن الكريم لو دعي إلى طعنة ليلا لأجاب) قال النووي: هكذا هو في جميع النسخ قال القاضي رحمه الله تعالى: قال لنا شيخنا القاضي الشهيد: صوابه أن يقال: إنما هو محمد ورضيعه أبو نائلة وكذا ذكر أهل السير أن أبا نائلة كان رضيعا لمحمد بن مسلمة ووقع في صحيح البخاري "ورضيعي أبو نائلة" اهـ. وعند ابن إسحق "إنه أبو نائلة لو وجدني نائما ما أيقظني -أي لحرصه على راحتي- فقالت: والله إني لأعرف من صوته الشر فقال لها: لو دعي الفتى إلى طعنة لأجاب".

стр. 4037

(قال محمد) بن مسلمة لأصحابه في الفترة التي بين ندائهم له وبين نزوله. (إني إذا جاء فسوف أمد يدي إلى رأسه فإذا استمكنت منه فدونكم) في رواية البخاري "إني إذا ما جاء فإني قائل بشعره فأشمه فإذا رأيتموني استمكنت منه فدونكم فاضربوه" ومعنى "إني قائل بشعره" إني جاذب وممسك بشعره وقد استعملت العرب لفظ القول في موضع الفعل كقولهم: قال بيده هكذا وهكذا ومعنى "فدونكم" أي خذوه بأسيافكم. (لما نزل نزل وهو متوشح) أي متلبس بثوبه وسلاحه وفي رواية البخاري "فنزل إليهم متوشحا وهو ينفح منه ريح الطيب". (فقالوا: نجد منك ريح الطيب) وكانوا يضعونه في شعورهم وفي رواية الواقدي "وكان كعب يدهن بالمسك المفتت والعنبر حتى يتلبد الشعر في صدغيه" والمراد بهذا القول شغله عن التفكير في الأمر وفي رواية البخاري "فقال: ما رأيت كاليوم ريحا" أي قال محمد: ما أطيب هذه الريح. (قال: نعم تحتي فلانة هي أعطر نساء العرب) في رواية البخاري "عندي أعطر نساء العرب وأكمل العرب" وفي رواية "وأجمل العرب" وهذه الرواية أقرب إلى المراد من رواية "أكمل". (قال: فتأذن لي أن أشم منه؟ قال: نعم فشم) محمد بن مسلمة رأس كعب ثم قال: (أتأذن لي أن أعود) فأشم في الكلام طي صرحت به رواية البخاري ولفظها "أتأذن لي أن أشم رأسك؟ قال: نعم فشمه ثم أشم أصحابه" أي أعطاهم يشمون ثم قال: أتأذن لي أن أعود؟ فأمسك برأسك؟ فأشم ثانية؟ (قال: فقتلوه) في رواية ابن سعد أن محمد بن مسلمة لما أخذ بقرون شعره قال لأصحابه: اقتلوا عدو الله فضربوه بأسيافهم قال محمد: فذكرت معولا أي حديدة تشبه المعول في قبضة السيف كان في سيفي فوضعته في سرته ثم تحاملت عليه فغططته -أي كبسته وغطسته- حتى انتهى إلى عانته فصاح وصاحت امرأته: يا آل قريظة والنضير. مرتين. -[فقه الحديث]- -[يؤخذ من الحديث]- ١ - قال النووي: استدل بهذا الحديث بعضهم على جواز اغتيال من بلغته الدعوة من الكفار من غير دعاء إلى الإسلام أي جواز قتل المشرك بغير دعوة إذا كانت الدعوة العامة قد بلغته. ٢ - قال: وفيه دليل على جواز التعريض وهو أن يأتي بكلام باطنه صحيح ويفهم منه المخاطب غير ذلك فهذا جائز في الحرب وغيرها ما لم يمنع به حقا شرعيا.

стр. 4038

٣ - وفيه جواز الكلام الذي يحتاج إليه في الحرب ولو لم يقصد قائله إلى حقيقته فهم لم يقصدوا تأمينه. وقد وضعه البخاري تحت باب الكذب في الحرب قال النووي: هذا ليس في الحرب وإنما في القتل على غرة ووجهه الحافظ ابن حجر بأن البخاري لم يرد الإذن بالكذب في الحرب بل معنى الترجمة باب الكذب في الحرب هل يسوغ مطلقا؟ أو يجوز منه الإيماء دون التصريح. لكن يستدل بإقراره وتصريحه ﷺ لمحمد بن مسلمة حين قال: ائذن لي أن أقول قال: قل" على دخول الإذن في الكذب تصريحا وتلويحا وقد جاء التصريح بالكذب في الحرب فيما أخرجه الترمذي "لا يحل الكذب إلا في ثلاث: تحدث الرجل امرأته ليرضيها والكذب في الحرب وفي الإصلاح بين الناس" قال النووي: الظاهر إباحة حقيقة الكذب في الأمور الثلاثة لكن التعريض أولى وقال ابن العربي: الكذب في الحرب من المستثنى الجائز بالنص رفقا بالمسلمين لحاجتهم إليه. ٤ - قال الحافظ ابن حجر: وفيه دلالة على قوة فطنة امرأته المذكورة وفي صحة حديثها وبلاغتها في إطلاقها أن الصوت يقطر منه الدم. اهـ. وفي إثبات قولها هذا نظر فمن الذي سمعه منها ونقله إلينا؟ إن كان كعبا فنقله غير معتبر وإن كانت هي ذكرته لآخرين فكذلك ولم يثبت شيء من ذلك في طريق صحيح. والله أعلم.

стр. 4039

(٤٩٩) باب غزوة خيبر ٤١٠٢ - عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ غزا خيبر قال: فصلينا عندها صلاة الغداة بغلس فركب نبي الله ﷺ وركب أبو طلحة وأنا رديف أبي طلحة. فأجرى نبي الله ﷺ في زقاق خيبر، وإن ركبتي لتمس فخذ نبي الله ﷺ وانحسر الإزار عن فخذ نبي الله ﷺ وإني لأرى بياض فخذ نبي الله ﷺ فلما دخل القرية قال "الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم ﴿فساء صباح المنذرين﴾ قالها ثلاث مرار قال: وقد خرج القوم إلى أعمالهم، فقالوا: محمد قال عبد العزيز وقال بعض أصحابنا "والخميس" قال "وأصبناها عنوة". ٤١٠٣ - عن أنس ﵁ قال: كنت ردف أبي طلحة يوم خيبر، وقدمي تمس قدم رسول الله ﷺ قال: فأتيناهم حين بزغت الشمس، وقد أخرجوا مواشيهم، وخرجوا بفؤوسهم ومكاتلهم ومرورهم فقالوا: محمد والخميس قال: وقال رسول الله ﷺ "خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم ﴿فساء صباح المنذرين﴾ قال: فهزمهم الله . ٤١٠٤ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما آتى رسول الله ﷺ خيبر، قال "إنا إذا نزلنا بساحة قوم ﴿فساء صباح المنذرين﴾ ٤١٠٥ - عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى خيبر فتسيرنا ليلا، فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع: ألا تسمعنا من هنيهاتك؟ وكان عامر رجلا شاعرا، فنزل يحدو بالقوم يقول: اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا فاغفر فداء لك ما اقتفينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا

стр. 4040

وألقين سكينة علينا ... إنا إذا صيح بنا أتينا وبالصياح عولوا علينا فقال رسول الله ﷺ "من هذا السائق" قالوا عامر قال "يرحمه الله" فقال رجل من القوم وجبت يا رسول الله لولا أمتعتنا به قال: فأتينا خيبر فحاصرناهم حتى أصابتنا مخمصة شديدة ثم قال "إن الله فتحها عليكم" قال: فلما أمسى الناس مساء اليوم الذي فتحت عليهم أوقدوا نيرانا كثيرة فقال رسول الله ﷺ "ما هذه النيران؟ على أي شيء توقدون؟ " فقالوا: على لحم. قال "أي لحم؟ " قالوا: لحم حمر الإنسية. فقال رسول الله ﷺ "أهريقوها واكسروها" فقال رجل: أو يهريقوها ويغسلوها؟ فقال "أو ذاك" قال: فلما تصاف القوم كان سيف عامر فيه قصر، فتناول به ساق يهودي ليضربه ويرجع ذباب سيفه، فأصاب ركبة عامر، فمات منه. قال: فلما قفلوا، قال سلمة: وهو آخذ بيدي، قال: فلما رآني رسول الله ﷺ ساكتا، قال "ما لك؟ " قلت له: فداك أبي وأمي زعموا أن عامرا حبط عمله. قال "من قاله؟ " قلت: فلان وفلان وأسيد بن حضير الأنصاري. فقال "كذب من قاله إن له لأجرين" وجمع بين إصبعيه "إنه لجاهد مجاهد قل عربي مشى بها مثله" وخالف قتيبة محمدا في الحديث في حرفين. وفي رواية ابن عباد "وألق سكينة علينا". ٤١٠٦ - عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: لما كان يوم خيبر، قاتل أخي قتالا شديدا مع رسول الله ﷺ فارتد عليه سيفه فقتله. فقال أصحاب رسول الله ﷺ في ذلك وشكوا فيه رجل مات في سلاحه، وشكوا في بعض أمره. قال سلمة: فقفل رسول الله ﷺ من خيبر، فقلت: يا رسول الله ائذن لي أن أرجز لك. فأذن له رسول الله ﷺ . فقال عمر بن الخطاب أعلم ما تقول: قال: فقلت: والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا فقال رسول الله ﷺ "صدقت". وأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا والمشركون قد بغوا علينا

стр. 4041

قال: فلما قضيت رجزي قال رسول الله ﷺ "من قال هذا؟ قلت: قاله أخي فقال رسول الله ﷺ "يرحمه الله" قال: فقلت يا رسول الله إن ناسا ليهابون الصلاة عليه يقولون رجل مات بسلاحه. فقال رسول الله ﷺ "مات جاهدا مجاهدا" قال ابن شهاب: ثم سألت ابنا لسلمة بن الأكوع فحدثني عن أبيه مثل ذلك غير أنه قال (حين قلت: إن ناسا يهابون الصلاة عليه) فقال رسول الله ﷺ "كذبوا. مات جاهدا مجاهدا فله أجره مرتين" وأشار بإصبعيه. -[المعنى العام]- كان بعض اليهود الذين أجلوا عن بني النضير قد ذهبوا إلى يهود خيبر، يتكتلون معهم، ويجمعون ما استطاعوا جمعه من العرب لمحاربة المسلمين، وقد أقاموا أحلافا مع بعض القبائل كغطفان، وعلم الرسول ﷺ بما يكيدون، فقرر غزوهم، وقرروا حربه، واستعدوا للقائه هم وحلفاؤهم وفي المحرم سنة سبع من الهجرة سار جيش المسلمين نحو خيبر، المدينة الكبيرة، ذات المزارع والنخيل، وذات الحصون المنيعة، بلغهم مسير جيش المسلمين، فكانوا لا يخرجون إلى مزارعهم إلا مسلحين مستعدين، ولما طال بهم الانتظار خرجوا إلى مزارعهم بالفئوس والمكاتل وأدوات الزرع والحرث العادية في اليوم الذي وصل فيه المسلمون إلى مشارف مدينتهم وصل المسلمون إلى المشارف ليلا، فنزلوا، وضربوا عسكرهم، وناموا حتى أصبحوا، وظهر ضوء النهار، فصلوا الصبح، ورآهم الفلاحون الذاهبون إلى زراعتهم، فنادى بعضهم بعضا: محمد وجيشه محمد وجيشه، وجروا إلى طرقات وزقاق مدينتهم يتحصنون بحصونها، وركب رسول الله ﷺ ركوبته، وأردف خلفه أبا طلحة، وأردف عليها خلف أبي طلحة أنس بن مالك، واتجه يعدو نحو الحارات والزقاق الواقعة في ضواحي المدينة، ومن خلفه جنود المسلمين، ومع أن غطفان خذلوا أهل خيبر كان اليهود في خيبر قد أعدوا لهذا اليوم عدته فجمعوا في حصونهم أقواتهم وأسلحتهم، ودخلوا وتحصنوا فيها، وهي حصون منيعة، عالية الأسوار، قوية الأبواب، لم يجد المسلمون وسيلة لحربهم سوى الحصار، وكان اليهود يخرجون من الحصون وظهورهم محمية بها يقاتلون ويناوشون المسلمين كل يوم، مرة بالمبارزة، ومرة بالتشابك بالسيوف والنبال، وهم كثعلب في حجر، لا يبتعدون عن حصونهم فيقضي عليهم، ولا يكفون عن المناوشة والمشاكسة، وطال الحصار والقتال بضعة عشر يوما، ونفذت أزودة المسلمين، فلجئوا إلى المزارع يأكلون من ثومها وبصلها، ولم يكن أمامهم من الحيوانات الأليفة سوى الحمر الأهلية، فذبحوها، ووضعوا لحومها في القدور وأوقدوا عليها النار، يطبخونها، ليأكلوها، إنهم في مجاعة شديدة، فماذا أمامهم؟ ورأى رسول الله ﷺ في المعسكر نيرانا كثيرة، فقال: ما هذه

стр. 4042

النيران؟ قالوا: نيران تحت قدور تفور بلحوم الحمر الأهلية. قال: أكفئوا القدور، وأريقوها واكسروها فقد طبخ فيها النجس المحرم، قال أحدهم: نرجو الترخيص لنا بغسلها بعد إراقتها، والاحتفاظ بها لحاجتنا إليها، فرخص لهم ﷺ بذلك. وأحاديثنا تتعرض لبطل من أبطال المسلمين، عامر بن الأكوع، عم سلمة بن الأكوع، وكان شاعرا، وكانت رفقته في السفر تطلب منه أن يقول شعرا، يحدو به للإبل، والإبل تحب الحداء، فكان هذا الشاعر يحدو لها ويقول: اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا فاغفر -فداء لك- ما اقتفينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا وألقين سكينة علينا ... إنا إذا صيح بنا أتينا وبالصياح عولوا علينا هذا البطل بارز مليك اليهود في خيبر، بعد أن أبلى في هذه الحرب وغيرها بلاء حسنا، لكنه في هذه المبارزة ارتد إليه سيفه، فأصاب شريان ركبته، فاستشهد، فقال بعض الصحابة: إنه قتل بسلاحه فأحبط عمله، وعز على ابن أخيه سلمة بن الأكوع أن يكون مصير عمه البطل هذا الذي يقولون، فسأل رسول الله ﷺ عن ذلك، فبشره رسول الله ﷺ بأنه شهيد، وأن له أجرين، وأنه جاهد الكفار بكل جهد وعزيمة، وأنه لا يكاد يوجد عربي مثله، وتتعرض أحاديث البخاري لبطل آخر في هذه الغزوة، ذاك علي بن أبي طالب ﵁، فقد أعطاه رسول الله ﷺ الراية بعد طول حصار فأصبح يحملها، فبارزه ملك اليهود، فضربه على رأسه فقتله، ثم فتح الله على يديه الحصون، واستسلم اليهود على أن يجلوا عن البلاد على أن يحملوا معهم ما يستطيعون، فشرط عليهم الرسول ﷺ أن يكشفوا له أماكن أموالهم فقبلوا، لكنهم كشأنهم دائما نكثوا العهد، وأخفوا كنزا أظهره الله للمسلمين، فطلبوا من الرسول ﷺ أن يبقيهم في الأرض مزارعين لهم مقابل زراعتها نصف ثمارها، فأقرهم رسول الله ﷺ على ذلك وظلوا هكذا حتى أجلاهم عمر بن الخطاب ﵁. -[المباحث العربية]- (أن رسول الله ﷺ غزا خيبر) "خيبر" على وزن جعفر، مدينة كبيرة، ذات حصون ومزارع على نحو مائة وثلاثين ميلا من المدينة من جهة الشام، وكانت الغزوة في المحرم سنة سبع، ومعنى "غزا خيبر" بدأ السير لغزوها. (فصلينا عندها صلاة الغداة بغلس) في الرواية الرابعة "خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى خيبر، فتسيرنا ليلا" وفي رواية البخاري "فسرنا ليلا" وذكر ابن إسحق أنه ﷺ نزل بواد، يقال له الرجيع، بينهم وبين غطفان، لئلا يمدوهم، وكانوا حلفاءهم، قال: فبلغني أن غطفان

стр. 4043

تجهزوا، وقصدوا خيبر، فسمعوا أصواتا خلفهم، فظنوا أن المسلمين أغاروا على ذراريهم، فرجعوا فأقاموا، وخذلوا أهل خيبر. وفي الصحيح "أن النبي ﷺ كان لا يغير على قوم حتى يصبح، وينظر، فإن سمع أذانا كف عنهم، وإلا أغار، فانتهى إلى خيبر ليلا، فلما أصبح ولم يسمع أذانا ركب" والغداة ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس، والمراد هنا من صلاة الغداة صلاة الصبح، والغلس ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصباح، أي أنهم قدموها ليلا، فناموا دونها، ثم أصبحوا فصلوا. (فركب نبي الله ﷺ ، وركب أبو طلحة، وأنا رديف أبي طلحة، فأجرى نبي الله ﷺ في زقاق خيبر) أي سير رسول الله ﷺ راحلته في زقاقها، أي في طرقها الضيقة. والمراد أنهم دخلوا البيوت المتطرفة عن المدينة وحصونها، فإن المسلمين حاصروا المدينة بضع عشرة ليلة إلى أن فتحها الله عليهم. (وانحسر الإزار عن فخذ نبي الله ﷺ قال النووي: أي انحسر بغير اختياره، لضرورة الإغارة والإجراء. (فلما دخل القرية) أي أطراف المدينة. (خربت خيبر) قال ذلك ﷺ تفاؤلا، لأنه لما رأى آلات الهدم في أيديهم، أخذ منها أن مدينتهم ستخرب، وقيل: أخذه من اسمها، قال الحافظ: ويحتمل أن يكون قال ذلك بطريق الوحي، ويؤيده قوله "إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين" والساحة الفناء، وأصلها الفضاء بين المنازل. (وقد خرج القوم إلى أعمالهم) عند الواقدي أن أهل خيبر سمعوا بقصد محمد ﷺ لهم قبل وصوله بأيام، فكانوا يخرجون في كل يوم متسلحين، مستعدين للقتال، فلا يرون أحدا، حتى إذا كانت الليلة التي قدم فيها المسلمون ناموا، فلم تتحرك لهم دابة، ولم يصح لهم ديك، وخرجوا مبكرين، طالبين مزارعهم، فوجدوا المسلمين. وفي الرواية الثانية "وقد أخرجوا مواشيهم، وخرجوا بفئوسهم ومكاتلهم ومرورهم" و"الفئوس" بالهمزة جمع فأس، كرأس ورءوس، وهي آلة معروفة، ذات يد ملساء من الخشب، وسن عريضة من الحديد، يحفر بها، ويعزق، والمكاتل جمع مكتل، بكسر الميم، وهو القفة التي يحول فيها التراب وغيره، والمرور جمع مر بفتح الميم، قيل: هي المساحي، فعند البخاري "خرجت اليهود بمساحيهم" والمساحي جمع مسحاة، وهي آلة الحرث، وقيل: هي حبالهم التي يصعدون بها إلى النخل، واحدها مروة. (فقالوا: محمد والخميس) قالوا ذلك حينما رأوا المسلمين في طريقهم إلى مزارعهم، "والخميس" الجيش، قال النووي: قالوا: سمي الجيش خميسا لأنه خمسة أقسام: ميمنة، وميسرة

стр. 4044

ومقدمة، ومؤخرة وقلب، قال القاضي: رويناه برفع الخميس، عطفا على قوله "محمد" وبنصبها على أنه مفعول معه. والظاهر أنهم رجعوا إلى حصونهم، وتحصنوا بها، فحاصرهم المسلمون، وكانوا يخرجون لمناوشة وقتال المسلمين، ويعودون إلى حصونهم ليلا. (وأصبناها عنوة) بفتح العين، أي قهرا، لا صلحا. قال المازري: ظاهر هذا أنها كلها فتحت عنوة، وروى مالك عن ابن شهاب أن بعضها فتح عنوة، وبعضها صلحا. (فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع: ألا تسمعنا من هنيهاتك)؟ في بعض النسخ "هنياتك" والهنة يقع على كل شيء، أي أسمعنا من حاجاتك، والمراد هنا أراجيزك، والهنيهات جمع هنيهة، وهي تصغير هنة، كما قالوا في تصغير سنة سنيهة، والهنيات جمع هنية، كسنة وسنية، وفي رواية للبخاري "لو أسمعتنا من هناتك"؟ بغير تصغير، قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسم الرجل الذي قال لعامر، صريحا، وعند ابن إسحق من حديث نصر بن دهر الأسلمي أنه سمع رسول الله ﷺ يقول في مسيره إلى خيبر لعامر بن الأكوع، وهو عم سلمة بن الأكوع، واسم الأكوع سنان: "انزل يا ابن الأكوع، فاحد لنا من هنياتك" ففي هذا أن النبي ﷺ هو الذي أمره بذلك. اهـ لكن هذا الاحتمال لا يتفق مع قول النبي ﷺ في الرواية بعد "من هذا السائق"؟ فلعل ذلك في نزلة أخرى غير التي معنا. (فنزل يحدو بالقوم) من الحدو، وهو سوق الإبل والغناء لها، يقال: حدوت الإبل حدوا، وحداء، والإبل تحب الحداء، ولا يكون الحداء إلا شعرا أو رجزا، وأول من سن حداء الإبل مضر بن نزار، لما نزل عن بعيره، فكسرت يده، فبقي يقول: وايداه. وايداه. (اللهم لولا أنت ما اهتدينا) قال النووي: كذا الرواية، قالوا: وصوابه في الوزن: "لاهم"، أو "والله لولا أنت" كما في الحديث الآخر "والله لولا الله". (فاغفر فداء لك) بكسر الفاء وبالمد، وحكى ابن التين "فدى لك" بفتح الفاء وبالقصر، وزعم أنه هنا بكسر الفاء مع القصر، لضرورة الوزن، قال العيني: وليس كما قال، فإنه لا يتزن إلا بالمد على ما لا يخفى. قال النووي: قال المازري: هذه اللفظة مشكلة، فإنه لا يقال: فدى الباري ، ولا يقال له سبحانه: فديتك، لأن ذلك إنما يستعمل في مكروه يتوقع حلوله بالشخص، فيختار شخص آخر أن يحل ذلك به ويفديه منه. قال: ولعل هذا وقع من غير قصد إلى حقيقة معناه كما يقال: قاتله الله ولا يراد بذلك حقيقة الدعاء عليه، وكقوله ﷺ "تربت يداك" و"تربت يمينك" و"ويل أمه" وفيه كله ضرب من الاستعارة، لأن الفادي مبالغ في طلب رضى المفدي، حين بذل نفسه عن نفسه للمكروه، فكان مراد الشاعر أني أبذل نفسي في رضاك، وعلى كل حال فإن المعنى -وإن أمكن صرفه إلى جهة صحيحة، فإطلاق اللفظ واستعارته والتجوز به- يفتقر إلى ورود الشرع بالإذن فيه، قال: وقد يكون المراد بقوله "فدا لك" رجلا يخاطبه، وفصل بين الكلام، فكأنه قال: "فاغفر" ثم

стр. 4045

دعا إلى رجل ينبهه، فقال" فدا لك" ثم دعا إلى تمام الكلام الأول، فقال "ما اقتفينا" قال: وهذا تأويل يصح معه اللفظ والمعنى، لولا أن فيه تعسفا، اضطررنا إليه لتصحيح الكلام، وقد يقع في كلام العرب من الفصل بين الجمل المتعلق بعضها ببعض ما يسهل هذا التأويل. انتهى كلام المازري. وفي توجيهه كما قال تعسف كبير، والأولى أن يقال: إن الرواية دخلها تصحيف، وأصلها "نداء لك" بالنون بدل الفاء، وفي الحداء قد يشتبه الحرف على السامع. والله أعلم. (فاغفر ... ما اقتفينا) بقاف ساكنة بعدها تاء مفتوحة، أي ما تبعنا من الخطايا، من قفوت الأثر، واقتفيته إذا تبعته. وهي أشهر الروايات، وروي "ما اتقينا" بتاء مشددة، بعدها قاف، وهي أكثر الروايات، ومعناها ما تركنا من الأوامر، وروي "ما أبقينا" أي ما أبقيناه وراءنا من الذنوب فلم نتب منه، وفي رواية "ما لقينا" بكسر القاف، أي ما وجدنا من المناهي. (وألقين سكينة علينا) في رواية "وألق السكينة علينا" بحذف النون وزيادة ألف ولام في السكينة وليس بموزون وفي ملحق الرواية الرابعة "وألق سكينة علينا". (إنا إذا صيح بنا أتينا) بألف وتاء، أي جئنا إذا دعينا إلى القتال أو إلى الحق، وروي "أبينا" بالباء بدل التاء، فإن ثبتت الرواية فمعناها إذا دعينا إلى غير الحق امتنعنا، ويحتمل أن يكون معناها أبينا الفرار والامتناع. (وبالصياح عولوا علينا) أي قصدونا واعتمدوا علينا إذا صاحوا واستغاثوا. تقول: عولت على فلان، وعولت بفلان بمعنى استغثت به، واعتمدت عليه، وقال الخطابي: المعنى جلبوا علينا بالصوت، من العويل، وتعقب بأنه لو كان من العويل لقال أعولوا. (فقال رسول الله ﷺ من هذا السائق؟ قالوا: عامر. قال: يرحمه الله) وفي باب غزوة ذي قرد الآتي "من هذا؟ قال: أنا عامر. قال: غفر لك ربك". (فقال رجل من القوم: وجبت يا رسول الله) أي ثبتت له الشهادة، وسيأتي في باب غزوة ذي قرد وغيرها، في حديث سلمة بن الأكوع قوله "وما استغفر رسول الله ﷺ لإنسان يخصه إلا استشهد" قال النووي: وكان معلوما عندهم أن من دعا له النبي ﷺ هذا الدعاء في هذا الموطن استشهد. اهـ. (لولا أمتعتنا به؟ ) في حديث سلمة في باب غزوة ذي قرد "فنادى عمر بن الخطاب، وهو على جمل له: يا نبي الله، لولا ما متعتنا بعامر؟ " وعمر نفسه الذي قال: وجبت، أي ثبتت. فعند ابن إسحق "فقال عمر: وجبت يا رسول الله" ومعنى "لولا" هلا، و"أمتعتنا" أي متعتنا، أي أبقيته لنا لنتمتع به، أي بشجاعته وصحبته، والتمتع الترف إلى مدة، أي وددنا لو أنك أخرت الدعاء له بهذا إلى وقت آخر.

стр. 4046

(فأتينا خيبر فحاصرناهم) أي فأتينا أهل خيبر فحاصرناهم، مدة طويلة، نفد فيها زادنا. (حتى أصابتنا مخمصة شديدة) أي مجاعة شديدة، يبين بذلك سبب لجوئهم إلى طبخ الحمر الإنسية الآتي، والمخمصة المجاعة. (ثم قال: إن الله فتحها عليكم) أي قال رسول الله ﷺ ذلك في نهاية مدة الحصار، وفي الليلة التي فتحت في صبيحتها، أي إن الله سيفتحها عليكم، وسيأتي في آخر الباب التالي، باب غزوة ذي قرد وغيرها قول سلمة: "ثم أرسلني إلى علي، وهو أرمد" وعند البخاري ومسلم "كان علي ﵁ تخلف عن النبي ﷺ في خيبر، وكان رمدا -يقال رمد الإنسان بكسر الميم يرمد بفتحها، رمدا فهو رمد وأرمد، إذا هاجت عينه- فقال: أنا أتخلف عن النبي ﷺ ؟ -لام نفسه على عدم مصاحبته جيش خيبر بسبب مرض عينيه- فلحق به، فلما بتنا الليلة التي فتحت- أي التي ستفتح في صبيحتها- قال ﷺ لأصحابه- لأعطين الراية غدا، أو ليأخذن الراية غدا رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، يفتح عليه، أو يفتح الله على يديه، فبات الناس يفكرون ليلتهم، أيهم يعطاها؟ وعند مسلم أن عمر ﵁ قال: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ" وفي حديث بريدة "فما منا رجل له منزلة عند رسول الله ﷺ إلا وهو يرجو أن يكون ذلك الرجل حتى تطاولت أنا لها" قال: فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجو أن يعطاها، فقال ﷺ : أين علي بن أبي طالب؟ فقيل: هو يا رسول الله يشتكي عينيه. قال: فأرسلوا إليه" هذا من البخاري. ونعود إلى مسلم، يقول سلمة: "فأتيت عليا، فجئت به أقوده، وهو أرمد، حتى أتيت به رسول الله ﷺ ، فبصق في عينيه، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية" وعند الحاكم "قال علي: فوضع رأسي في حجره ثم بزق في إلية راحته فدلك بها عيني" وعند الطبراني "فما رمدت، ولا صدعت منذ دفع النبي ﷺ إلى الراية يوم خيبر" وفي رواية له "فما اشتكيتها حتى الساعة" وكانت راية النبي ﷺ سوداء، مكتوب عليها: لا إله إلا الله محمد رسول الله. (فلما أمسى الناس مساء اليوم الذي فتحت عليهم أوقدوا نيرانا كثيرة) يطبخون عليها لحوم الحمر الإنسية. (لحم حمر الإنسية) قال النووي: هكذا هو بإضافة "حمر" وهو من إضافة الموصوف إلى صفته وهو على ظاهره عند الكوفيين، وتقديره عند البصريين: حمر الحيوانات الإنسية، قال: وأما الإنسية ففيها لغتان وروايتان حكاهما القاضي عياض وآخرون، أشهرهما كسر الهمزة وإسكان النون، قال القاضي: هذه رواية الأكثر، والثانية فتحهما جميعا، وهما جميعا نسبة إلى الإنس، وهم الناس، وسميت بذلك لاختلاطها بالناس، بخلاف حمر الوحش. (أهريقوها واكسروها) أي اهرقوا القدور، واكسروا القدور، وسيأتي هذا الموضوع في كتاب الصيد والذبائح.

стр. 4047

(فلما تصاف القوم كان سيف عامر فيه قصر، فتناول به ساق يهودي ليضربه) ظاهر هذا أن مبارزة عامر لليهودي كانت بعد إعطاء الراية لعلي، وليس كذلك، بل هو وصف لمعركة في يوم سابق، وكان يهود خيبر طيلة مدة الحصار يخرجون فيقاتلون المسلمين، وظهورهم إلى حصونهم، فإذا جاء الليل دخلوا حصونهم، ورجع المسلمون إلى عسكرهم. وقد أوضحت رواية سلمة في آخر باب غزوة ذي قرد معركة عمه عامر، فقال سلمة: "خرج ملكهم مرحب" بفتح الميم وسكون الراء وفتح الحاء "يخطر بسيفه" بكسر الطاء، أي يرفعه مرة، ويضعه أخرى "ويقول: قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهب أي تام السلاح، يقال: رجل شاكي السلاح، وشاك السلاح، وشاك في السلاح، من الشوكة، وهي القوة، والشوكة أيضا السلاح، ومنه قوله تعالى: ﴿وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم﴾ [الأنفال: ٧] "بطل مجرب" أي مجرب بالشجاعة وقهر الفرسان، والبطل الشجاع، يقال: بطل الرجل، بضم الطاء يبطل بطالة وبطولة، أي صار شجاعا "إذا الحروب أقبلت تلهب" أي يتلهب، يقال: تلهبت النار اتقدت، أي يثور ويتحرق للنزال. قال سلمة "وبرز له عمي عامر فقال: قد علمت خيبر أني عامر ... شاكي السلاح بطل مغامر فاختلفا ضربتين، فوقع سيف مرحب في ترس عامر" أي اشتبك في الترس، وتعلق به "وذهب عامر يسفل له" بفتح الياء، وإسكان السين وضم الفاء، أي يضربه من أسفله" وفي روايتنا "فتناول به ساق يهودي ليضربه". (ويرجع ذباب سيفه، فأصاب ركبة عامر) "يرجع" تعبير بالمضارع عن الماضي رجع، لاستحضار الصورة. وذباب السيف حد طرفه، وفي آخر غزوة ذي قرد "فرجع سيفه على نفسه، فقطع أكحله، فكانت فيها نفسه" أي فكان في هذه الرجعة خروج نفسه، بسكون الفاء، أي روحه، والأكحل وريد في وسط الذراع، أو الساق. والمراد هنا وريد الساق، وفي رواية البخاري "فأصاب عين ركبة عامر أي رأس ركبته" وفي آخر غزوة ذي قرد قال سلمة: "وخرج مرحب" أي في يوم الفتح " فقال: قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهب فقال علي: أنا الذي سمتني أمي حيدرة ... كليث غابات كريه المنظرة

стр. 4048

"أو فيهمو بالصاع كيل السندرة" و"حيدرة" اسم للأسد، وكان علي ﵁ سمته أمه أسدا في أول ولادته، باسم جده لأمه أسد بن هشام بن عبد مناف، وكان أبو طالب غائبا، فلما قدم سماه عليا، وسمي الأسد حيدرة لغلظه، والحادر الغليظ القوي، ومراده أنا الأسد على جرأته وإقدامه وقوته، ومعنى "أوفيهمو بالصاع كيل السندرة" أقتل الأعداء قتلا واسعا ذريعا، والسندرة مكيال واسع، وقيل: هي العجلة، أي أقتلهم عاجلا، قال سلمة "فضرب" على "رأس مرحب فقتله ثم كان الفتح على يديه" قال النووي: هذا هو الأصح، أن عليا هو قاتل مرحب، وقيل: إن قاتل مرحب هو محمد بن مسلمة، قال ابن الأثير: الصحيح الذي عليه أكثر أهل الحديث وأهل السير أن عليا هو قاتله. (فلما قفلوا قال سلمة -وهو آخذ بيدي أي ورسول الله ﷺ آخذ بيدي- قال: فلما رآني رسول الله ﷺ ساكتا قال مالك؟ ) وفي رواية "رآني شاحبا" وعند البخاري "فلما قفلوا. قال سلمة: رآني رسول الله ﷺ ، وهو آخذ بيدي، قال مالك؟ " وفي الرواية الخامسة "قفل رسول الله ﷺ من خيبر، فقلت: يا رسول الله، ائذن لي أن أرجز لك؟ فأذن له رسول الله ﷺ ، فقال عمر بن الخطاب: أعلم ما تقول" أي لفراسه عمر استطاع أن يتنبأ بما سيقوله سلمة أخذا من حزنه على عمه "قال: فقلت: والله لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا فقال رسول الله ﷺ : صدقت" أي فقلت: وأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا والمشركون قد بغوا علينا قال: فلما قضيت رجزي قال رسول الله ﷺ : من قال هذا" أي ممن سمعت هذا؟ قال: قلت: أخي" قال النووي: قال عن عامر مرة عمي، ومرة أخي، فلعله كان أخاه من الرضاعة، وكان عمه من النسب "فقال رسول الله ﷺ : يرحمه الله. قال: فقلت ... إلخ. وفي آخر غزوة ذي قرد قال سلمة: "فأتيت النبي ﷺ وأنا أبكي، فقلت ... " إلخ. فهذه أحوال ثلاث لوضع سلمة حين شكواه للنبي ﷺ من قول أصحابه، وحين سؤاله عن مصير عمه. ويمكن الجمع بينها بأنه ﷺ رأه ساكتا، فسأله: مالك؟ فبكى، فقال يا رسول الله ائذن لي أن أرجز لك، فقال الرجز، ثم سأل عن عمه. (فقال أصحاب رسول الله ﷺ في ذلك) قولا، بينه في الروايات الأخرى، قالوا: رجل مات في سلاحه؟ بطل عمله؟ قتل نفسه؟ كيف نصلي عليه وندعو له؟ (وشكوا فيه) بتشديد الكاف، أي شكوا في مصيره، هل أحبط عمله؟ أولا؟

стр. 4049

(قلت: فلان وفلان وأسيد بن حضير الأنصاري) "فلان وفلان" كناية عن اسمين من الصحابة، ذكرهما سلمة لرسول الله ﷺ . (كذب من قاله) أي لم يطابق قوله الواقع، وإن كان لم يتعمد ذلك، فهو مخطئ. (إن له لأجرين، وجمع بين إصبعيه) السبابة والوسطى، يؤكد القول بالإشارة والفعل. قال النووي: وفي معظم النسخ "إن له لأجران" بالألف، وهي صحيحة. لكن الأولى هو الأشهر الأفصح، والثاني لغة أربع قبائل من العرب، ومنها قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣] لغة من يلزم المثنى الألف في أوجه الإعراب المختلفة. والأجران: أجر لأنه جاهد، وأجر لأنه مجاهد، كما سيأتي، وفي رواية "إنه لشهيد، وصلى عليه". (إنه لجاهد مجاهد) قال النووي: "جاهد" بكسر الهاء وتنوين الدال، و"مجاهد" بضم الميم وتنوين الدال أيضا، وفسروا "لجاهد" بالجاد في علمه وعمله، أي لجاد في طاعة الله، والمجاهد هو المجاهد في سبيل الله، وهو الغازي، اهـ واللام في "لجاهد" للتأكيد، وفي رواية بدونها. و"جاهد" اسم فاعل من جهد، و"مجاهد" اسم فاعل من جاهد، قال القاضي: وفيه وجه آخر، وهو أنه جمع اللفظين "جاهد مجاهد" توكيدا، والعرب إذا بالغت في تعظيم شيء اشتقت له من لفظه لفظا آخر، على غير بنائه، زيادة في التوكيد، وأعربوه بإعرابه، فيقولون: جاد مجد، وليل لائل، وشعر شاعر، ونحو ذلك. وفي رواية "إنه لجاهد وجاهد" بالواو العاطفة، بدل الميم، وبلفظ الفعل الماضي. قال القاضي: والأول هو الصواب. (قل عربي مشى بها مثله) "قل" بفتح القاف وتشديد اللام، فعل ماض، قال النووي: ضبطنا هذه اللفظة "مشى بها" هنا في مسلم بوجهين، وذكرهما القاضي أيضا، الصحيح المشهور الذي عليه جماهير رواة البخاري ومسلم "مشى بها" بفتح الميم، فعل ماض من المشي، و"بها" جار ومجرور، ومعناه مشى بالأرض، أو في الحرب، والثاني "مشابها" بضم الميم وتنوين الهاء، من المشابهة، أي مشابها لصفات الكمال في القتال أو غيره مثله، ويكون "مشابها" منصوبا بفعل محذوف، أي رأيته مشابها، ومعناه: قل عربي يشبهه في جميع صفات الكمال، وضبطه بعض رواة البخاري "نشأ بها" بالنون والهمزة، أي شب وكبر، والهاء عائدة إلى الحرب أو الأرض أو بلاد العرب أو المدينة أو الخصلة. -[فقه الحديث]- روى البخاري في غزوة خيبر هذه الأحاديث وغيرها، نذكر مما رواه:

стр. 4050

١ - عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ جاءه جاء، فقال: أكلت الحمر، فسكت، ثم أتاه الثانية، فقال: أكلت الحمر، فسكت ثم أتاه الثالثة. فقال: أفنيت الحمر، فأمر مناديا، فنادى في الناس: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية، فأكفئت القدور، وإنها لتفور باللحم" وسيأتي بنحوه في كتاب الصيد والذبائح، باب تحريم أكل لحوم الحمر الأهلية. ٢ - ومن رواية عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ في غزوة خيبر قتل المقاتلة، وسبي الذرية، وكان في السبي صفية، فصارت إلى دحية الكلبي، ثم صارت إلى النبي ﷺ ، فجعل عتقها صداقها". ٣ - عن ابن عمر ﵄ قال: قسم رسول الله ﷺ يوم خيبر للفرس سهمين وللراجل سهما". ٤ - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: أعطى النبي ﷺ خيبر لليهود أن يعملوها ويزرعوها، ولهم شطر ما يخرج منها". هذا. وقد روى البيهقي بإسناد رجاله ثقات "أن النبي ﷺ لما ترك من ترك من أهل خيبر، على أن لا يكتموه شيئا من أموالهم، فإن فعلوا فلاذمة لهم ولا عهد، قال: فغيبوا مسكا فيه مال وحلي لحيي بن أخطب، كان قد احتمله معه إلى خيبر، فسألهم عنه، فقالوا: أذهبته النفقات، فقال: العهد قريب، والمال أكثر من ذلك؟ فوجد بعد ذلك في خربة، وكان في ذلك نكث لعهدهم. -[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]- ١ - عن قوله في الرواية الأولى "فصلينا عندها صلاة الغداة بغلس" قال النووي: فيه استحباب التبكير بالصلاة في أول وقتها. ٢ - وأنه لا يكره تسمية صلاة الصبح غداة، فيكون ردا على من قال من الشافعية: إنه مكروه. ٣ - ومن ركوب أبي طلحة وأنس خلف رسول الله ﷺ أخذ جواز الإرداف على الدابة، إذا كانت مطيقة. ٤ - وفي إجراء النبي ﷺ في زقاق خيبر أن إجراء الفرس والإغارة ليس بنقص، ولا هادم للمروءة، بل هو سنة وفضيلة، وهو من مقاصد القتال. ٥ - استدل أصحاب مالك ومن وافقهم بانحسار الإزار عن فخذ النبي ﷺ على أن الفخذ ليست بعورة من الرجل، ومذهب الجمهور أنها عورة، قال النووي: وقد جاءت بكونها عورة أحاديث كثيرة مشهورة، وتأول الشافعية هذا الحديث على أنه انحسر بغير اختياره، لضرورة الإغارة والإجراء، وليس فيه استدامة كشف الفخذ مع إمكان الستر". ٦ - كما استدلوا على أن الفخذ ليست بعورة بقول أنس "وإني لأرى بياض فخذه ﷺ إذ لو كانت عورة ما نظر إليها، ويجيب الجمهور بأن ذلك محمول على أنه وقع بصره عليه فجأة، لا أنه تعمده، كما يستدل المالكية برواية البخاري "أن النبي ﷺ حسر الإزار" ويجيب الجمهور

стр. 4051

بأنها محمولة على أنه انحسر، كما في رواية مسلم. ويقول بعض المالكية: النبي ﷺ أكرم على الله تعالى أن يبتليه بانكشاف عورته فلو كانت عورة ما انكشفت، ويجيب الشافعية بأنه إذا كان بغير اختيار الإنسان فلا نقص عليه فيه، ولا يمتنع مثله. ٧ - من قوله "الله أكبر، خربت خيبر" استحباب التكبير عند اللقاء. ٨ - من قوله "إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين" جواز الاستشهاد في مثل هذا السياق بالقرآن في الأمور المحققة، كما جاء في قوله ﴿وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا﴾ [الإسراء: ٨١] لكن قال العلماء: يكره من ذلك ما كان على ضرب الأمثال في المحاورات والمزاح ولغو الحديث، تعظيما لكتاب الله تعالى. ٩ - واستدل بعضهم بقوله "وأصبناها عنوة" على أن خيبر كلها فتحت عنوة لا صلحا، قال المازري: وقد يشكل على هذا ما روي في سنن أبي داود أنه قسمها نصفين، نصفا لنوائبه وحاجته، ونصفا للمسلمين. قال: وجوابه ما قال بعضهم: إنه كان حولها ضياع وقرى، أجلى عنها أهلها، فكانت خالصة للنبي ﷺ ، وما سواها للغانمين، فكان قدر الذين خلوا عنه النصف، فلهذا قسمها النبي ﷺ نصفين، قال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر أن الشبهة في ذلك قول ابن عمر: إن النبي ﷺ قاتل أهل خيبر، فغلب على النخل، وألجأهم إلى القصر، فصالحوه على أن يجلوا منها، وله الصفراء والبيضاء والحلقة، ولهم ما حملت ركابهم، على أن لا يكتموا ولا يغيبوا ... فسبى نساءهم وذراريهم وقسم أموالهم للنكث الذي نكثوا، وأراد أن يجليهم، فقالوا: دعنا في هذه الأرض نصلحها، فعلى هذا كان قد وقع الصلح، ثم حدث النقض منهم فزال أثر الصلح، ثم من عليهم بترك القتل، وإبقائهم عمالا بالأرض، ليس لهم فيها ملك، ولذا أجلاهم عمر ﵁، كما تقدم في المزارعة، فلو كانوا صولحوا على أرضهم لم يجلوا منها. ١٠ - قال القاضي: في هذا الحديث أن الإغارة على العدو يستحب كونها أول النهار عند الصبح، لأنه وقت غرتهم وغفلة أكثرهم، ثم يضيء لهم النهار لما يحتاج إليه، بخلاف ملاقاة الجيوش ومصاففتهم ومناصبة الحصون، فإن هذا يستحب كونه بعد الزوال، ليدوم النشاط ببرد الوقت بخلاف ضده. اهـ وأقول: هذا يخضع للظروف والملابسات والخطط الحربية. ١١ - ومن قوله "ألا تسمعنا من هنيهاتك" جواز إنشاد الأراجيز وغيرها من الشعر وسماعها، ما لم يكن فيه مذموم، والشعر كلام، حسنه حسن، وقبيحه قبيح. ١٢ - ومن قوله "فنزل يحدو القوم" استحباب الحداء في الأسفار، لتنشط النفوس والدواب على قطع الطريق، واشتغالها بسماعه عن الإحساس بألم السير. ١٣ - استدل بقوله "أهريقوها واكسروها" على نجاسة لحوم الحمر الأهلية، قال النووي: وهو مذهبنا ومذهب الجمهور، إذ الأمر بإراقته سببه الصحيح أنها نجسة محرمة، وقيل: إن النهي عن لحوم

стр. 4052

الحمر الأهلية للحاجة إليها، وقيل: لأنهم كانوا أخذوها قبل القسمة، قال: وهذان التأويلان هما لأصحاب مالك، القائلين بإباحة لحومها. ١٤ - ومن قول الرجل "أو يهرقوها ويغسلوها" وموافقة النبي ﷺ على ذلك أن النبي ﷺ كان يجتهد، وقيل: إنما وافق بوحي أوحي إليه. ١٥ - فيه فضيلة لعامر بن الأكوع. ١٦ - من المخمصة التي أصابتهم حتى أكلوا الثوم، وحاولوا أكل لحوم الحمر علامة ظاهرة على مالقي أصحاب النبي ﷺ في سبيل الله والدعوة إلى الله. والله وأعلم

стр. 4053

(٥٠٠) باب غزوة الأحزاب وهي الخندق ٤١٠٧ - عن البراء ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يوم الأحزاب ينقل معنا التراب. ولقد وارى التراب بياض بطنه، وهو يقول: ٤ - والله لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا ... إن الألى قد أبوا علينا قال: وربما قال: إن الملا قد أبوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا ويرفع بها صوته. ٤١٠٨ - -/- وفي رواية عن البراء فذكر مثله إلا أنه قال "إن الألى قد بغوا علينا". ٤١٠٩ - عن سهل بن سعد ﵁ قال: جاءنا رسول الله ﷺ ونحن نحفر الخندق وننقل التراب على أكتافنا. فقال رسول الله ﷺ "اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للمهاجرين والأنصار". ٤١١٠ - عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال "اللهم لا عيش إلا عيش الآخره فاغفر للأنصار والمهاجره". ٤١١١ - عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول "اللهم إن العيش عيش الآخرة" قال شعبة: أو قال "اللهم لا عيش إلا عيش الآخره فأكرم الأنصار والمهاجره".

стр. 4054

٤١١٢ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: كانوا يرتجزون ورسول الله ﷺ معهم وهم يقولون: اللهم لا خير إلا خير الآخره فانصر الأنصار والمهاجره وفي حديث شيبان (بدل فانصر) فاغفر. ٤١١٣ - عن أنس ﵁ أن أصحاب محمد ﷺ كانوا يقولون يوم الخندق نحن الذين بايعوا محمدا على الإسلام ما بقينا أبدا أو قال على الجهاد. شك حماد. والنبي ﷺ يقول "اللهم إن الخير خير الآخره فاغفر للأنصار والمهاجره". -[المعنى العام]- هذه الأحاديث سبقت مع ما فيها من مباحث عربية وفقه الحديث وبالعنوان نفسه، قبل ستة أبواب بما يغني عن الإعادة.

стр. 4055

(٥٠١) باب غزوة ذي قرد وغيرها ٤١١٤ - عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: خرجت قبل أن يؤذن بالأولى. وكانت لقاح رسول الله ﷺ ترعى بذي قرد. قال: فلقيني غلام لعبد الرحمن بن عوف فقال: أخذت لقاح رسول الله ﷺ . فقلت: من أخذها؟ قال: غطفان. قال: فصرخت ثلاث صرخات. يا صباحاه. قال: فأسمعت ما بين لابتي المدينة. ثم اندفعت على وجهي حتى أدركتهم بذي قرد. وقد أخذوا يسقون من الماء. فجعلت أرميهم بنبلي. وكنت راميا. وأقول أنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع. فأرتجز. حتى استنقذت اللقاح منهم. واستلبت منهم ثلاثين بردة. قال: وجاء النبي ﷺ والناس. فقلت: يا نبي الله إني قد حميت القوم الماء. وهم عطاش. فابعث إليهم الساعة. فقال "يا ابن الأكوع، ملكت فأسجح" قال: ثم رجعنا ويردفني رسول الله ﷺ على ناقته حتى دخلنا المدينة. ٤١١٥ - عن إياس بن سلمة حدثني أبي قال: قدمنا الحديبية مع رسول الله ﷺ . ونحن أربع عشرة مائة، وعليها خمسون شاة لا ترويها. قال: فقعد رسول الله ﷺ على جبا الركية، فإما دعا، وإما بصق فيها. قال: فجاشت فسقينا واستقينا. قال: ثم إن رسول الله ﷺ دعانا للبيعة في أصل الشجرة. قال: فبايعته أول الناس. ثم بايع وبايع حتى إذا كان في وسط من الناس. قال "بايع يا سلمة" قال: قلت: قد بايعتك يا رسول الله في أول الناس. قال: "وأيضا" قال ورآني رسول الله ﷺ عزلا (يعني ليس معه سلاح) قال: فأعطاني رسول الله ﷺ حجفة أو درقة. ثم بايع حتى إذا كان في آخر الناس. قال: "ألا تبايعني يا سلمة" قال: قلت: قد بايعتك يا رسول الله في أول الناس وفي أوسط الناس قال "وأيضا" قال: فبايعته الثالثة. ثم قال لي "يا سلمة أين حجفتك أو درقتك التي أعطيتك؟ " قال: قلت: يا رسول الله لقيني عمي عامر عزلا فأعطيته إياها. قال: فضحك رسول الله ﷺ وقال "إنك كالذي قال الأول اللهم أبغني حبيبا هو أحب إلي من نفسي" ثم إن المشركين راسلونا الصلح حتى

стр. 4056

مشى بعضنا في بعض واصطلحنا. قال: وكنت تبيعا لطلحة بن عبيد الله، أسقي فرسه وأحسه وأخدمه، وآكل من طعامه، وتركت أهلي ومالي مهاجرا إلى الله ورسوله ﷺ . قال: فلما اصطلحنا نحن وأهل مكة واختلط بعضنا ببعض، أتيت شجرة فكسحت شوكها فاضطجعت في أصلها. قال: فأتاني أربعة من المشركين من أهل مكة، فجعلوا يقعون في رسول الله ﷺ فأبغضتهم. فتحولت إلى شجرة أخرى. وعلقوا سلاحهم واضطجعوا. فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي يا للمهاجرين، قتل ابن زنيم. قال: فاخترطت سيفي ثم شددت على أولئك الأربعة وهم رقود، فأخذت سلاحهم فجعلته ضغثا في يدي. قال: ثم قلت: والذي كرم وجه محمد لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه. قال: ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله ﷺ قال: وجاء عمي عامر برجل من العبلات، يقال له مكرز يقوده إلى رسول الله ﷺ على فرس مجفف في سبعين من المشركين. فنظر إليهم رسول الله ﷺ فقال "دعوهم يكن لهم بدء الفجور وثناه" فعفا عنهم رسول الله ﷺ . وأنزل الله ﴿وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم﴾ [الفتح: ٢٤] الآية كلها. قال: ثم خرجنا راجعين إلى المدينة. فنزلنا منزلا بيننا وبين بني لحيان جبل وهم المشركون. فاستغفر رسول الله ﷺ لمن رقي هذا الجبل الليلة، كأنه طليعة للنبي ﷺ وأصحابه. قال سلمة: فرقيت تلك الليلة مرتين أو ثلاثا. ثم قدمنا المدينة. فبعث رسول الله ﷺ بظهره مع رباح غلام رسول الله ﷺ . وأنا معه. وخرجت معه بفرس طلحة أنديه مع الظهر. فلما أصبحنا إذا عبد الرحمن الفزاري قد أغار على ظهر رسول الله ﷺ فاستاقه أجمع وقتل راعيه. قال: فقلت: يا رباح خذ هذا الفرس فأبلغه طلحة بن عبيد الله، وأخبر رسول الله ﷺ أن المشركين قد أغاروا على سرحه. قال: ثم قمت على أكمة فاستقبلت المدينة فناديت ثلاثا يا صباحاه. ثم خرجت في آثار القوم أرميهم بالنبل. وأرتجز. أقول: ٤ أنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع فألحق رجلا منهم فأصك سهما في رحله حتى خلص نصا السهم إلى كتفه. قال: قلت: خذها وأنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع قال: فوالله ما زلت أرميهم وأعقر بهم. فإذا رجع إلي فارس، أتيت شجرة، فجلست في أصلها، ثم رميته فعقرت به. حتى إذا تضايق الجبل فدخلوا في تضايقه، علوت الجبل، فجعلت أرديهم بالحجارة. قال: فمازلت كذلك أتبعهم حتى ما خلق الله من بعير من ظهر رسول الله ﷺ إلا خلفته وراء ظهري. وخلوا بيني وبينه. ثم اتبعتهم أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة، وثلاثين رمحا يستخفون، ولا يطرحون شيئا إلا جعلت عليه آراما من الحجارة

стр. 4057

يعرفها رسول الله ﷺ وأصحابه. حتى أتوا متضايقا من ثنية، فإذا هم قد أتاهم فلان بن بدر الفزاري، فجلسوا يتضحون يعني يتغدون. وجلست على رأس قرن. قال: الفزاري ما هذا الذي أرى؟ قالوا: لقينا من هذا البرح والله ما فارقنا منذ غلس يرمينا حتى انتزع كل شيء في أيدينا. قال: فليقم إليه نفر منكم أربعة. قال: فصعد إلي منهم أربعة في الجبل. قال: فلما أمكنوني من الكلام. قال: قلت: هل تعرفوني؟ قالوا: لا. ومن أنت؟ قال: قلت: أنا سلمة بن الأكوع والذي كرم وجه محمد ﷺ لا أطلب رجلا منكم إلا أدركته. ولا يطلبني رجل منكم فيدركني. قال أحدهم: أنا أظن. قال: فرجعوا. فما برحت مكاني حتى رأيت فوارس رسول الله ﷺ يتخللون الشجر. قال: فإذا أولهم الأخرم الأسدي، على إثره أبو قتادة الأنصاري، وعلى إثره المقداد بن الأسود الكندي. قال: فأخذت بعنان الأخرم. قال: فولوا مدبرين. قلت: يا أخرم احذرهم لا يقتطعوك حتى يلحق رسول الله ﷺ وأصحابه. قال: يا سلمة إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر، وتعلم أن الجنة حق والنار حق، فلا تحل بيني وبين الشهادة. قال: فخليته. فالتقى هو وعبد الرحمن. قال: فعقر بعبد الرحمن فرسه وطعنه عبد الرحمن، فقتله، وتحول على فرسه. ولحق أبو قتادة فارس رسول الله ﷺ بعبد الرحمن فطعنه، فقتله. فوالذي كرم وجه محمد ﷺ لتبعتهم أعدو على رجلي حتى ما أرى ورائي من أصحاب محمد ﷺ ولا غبارهم شيئا. حتى يعدلوا قبل غروب الشمس إلى شعب فيه ماء يقال له ذو قرد، ليشربوا منه، وهم عطاش. قال: فنظروا إلي أعدو وراءهم، فحليتهم عنه (يعني أجليتهم عنه) فما ذاقوا منه قطرة. قال: ويخرجون فيشتدون في ثنية. قال: فأعدو فألحق رجلا منهم فأصكه بسهم في نغض كتفه. قال: قلت: خذها وأنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع قال: يا ثكلته أمه أكوعه بكرة. قال: قلت: نعم يا عدو نفسه أكوعك بكرة. قال: وأردوا فرسين على ثنية. قال: فجئت بهما أسوقهما إلى رسول الله ﷺ . قال: ولحقني عامر بسطيحة فيها مذقة من لبن، وسطيحة فيها ماء، فتوضأت وشربت. ثم أتيت رسول الله ﷺ وهو على الماء الذي حلأتهم عنه. فإذا رسول الله ﷺ قد أخذ تلك الإبل، وكل شيء استنقذته من المشركين، وكل رمح وبردة. وإذا بلال نحر ناقة من الإبل الذي استنفذت من القوم، وإذا هو يشوي لرسول الله ﷺ من كبدها وسنامها. قال: قلت: يا رسول الله، خلني فأنتخب من القوم مائة رجل فأتبع القوم، فلا يبقى منهم مخبر إلا قتلته. قال: فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه في ضوء النار. فقال: "يا سلمة أتراك كنت فاعلا" قلت: نعم والذي أكرمك. فقال "إنهم الآن ليقرون في أرض غطفان" قال: فجاء رجل من غطفان.

стр. 4058

فقال: نحر لهم فلان جزورا فلما كشفوا جلدها رأوا غبارا. فقالوا: أتاكم القوم فخرجوا هاربين. فلما أصبحنا قال رسول الله ﷺ "كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة وخير رجالتنا سلمة" قال: ثم أعطاني رسول الله ﷺ سهمين سهم الفارس وسهم الراجل، فجمعهما لي جميعا. ثم أردفني رسول الله ﷺ وراءه على العضباء راجعين إلى المدينة: قال: فبينما نحن نسير. قال: وكان رجل من الأنصار لا يسبق شدا. قال: فجعل يقول ألا مسابق إلى المدينة هل من مسابق، فجعل يعيد ذلك. قال: فلما سمعت كلامه، قلت: أما تكرم كريما ولا تهاب شريفا؟ قال: لا، إلا أن يكون رسول الله ﷺ . قال قلت: يا رسول الله بأبي وأمي ذرني فلأسابق الرجل. قال "إن شئت" قال: قلت: اذهب إليك وثنيت رجلي فطفرت فعدوت. قال: فربطت عليه شرفا أو شرفين، أستبقي نفسي. ثم عدوت في إثره، فربطت عليه شرفا أو شرفين. ثم إني رفعت حتى ألحقه. قال: فأصكه بين كتفيه. قال: قلت: قد سبقت والله. قال: أنا أظن قال: فسبقته إلى المدينة. قال: فوالله ما لبثنا إلا ثلاث ليال حتى خرجنا إلى خيبر مع رسول الله ﷺ . قال: فجعل عمي عامر يرتجز بالقوم: تالله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا ونحن عن فضلك ما استغنينا ... فثبت الأقدام إن لاقينا وأنزلن سكينة علينا فقال رسول الله ﷺ "من هذا" قال: أنا عامر. قال "غفر لك ربك" قال: وما استغفر رسول الله ﷺ لإنسان يخصه إلا استشهد. قال: فنادى عمر بن الخطاب وهو على جمل له يا نبي الله لولا ما متعتنا بعامر. قال: فلما قدمنا خيبر، قال: خرج ملكهم مرحب يخطر بسيفه، ويقول: قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهب قال: وبرز له عمي عامر، فقال: قد علمت خيبر أني عامر ... شاكي السلاح بطل مغامر قال: فاختلفا ضربتين فوقع سيف مرحب في ترس عامر. وذهب عامر يسفل له فرجع سيفه على نفسه فقطع أكحله، فكانت فيها نفسه. قال سلمة: فخرجت فإذا نفر من أصحاب النبي ﷺ يقولون بطل عمل عامر قتل نفسه. قال: فأتيت النبي ﷺ وأنا أبكي، فقلت: يا

стр. 4059

رسول الله، بطل عمل عامر؟ قال رسول الله ﷺ "من قال ذلك" قال: قلت: ناس من أصحابك. قال "كذب من قال ذلك بل له أجره مرتين" ثم أرسلني إلى علي وهو أرمد فقال "لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله أو يحبه الله ورسوله" قال: فأتيت عليا. فجئت به أقوده وهو أرمد، حتى أتيت به رسول الله ﷺ ، فبسق في عينيه فبرأ وأعطاه الراية وخرج مرحب فقال: قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهب فقال علي: أنا الذي سمتني أمي حيدره ... كليث غابات كريه المنظره أوفيهم بالصاع كيل السندره قال: فضرب رأس مرحب فقتله. ثم كان الفتح على يديه. قال إبراهيم حدثنا محمد بن يحيى حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث عن عكرمة بن عمار بهذا الحديث بطوله -[المعنى العام]- سلمة بن الأكوع، الصحابي الجليل، الذي يمتاز بخفة الجسم، ورقة الساقين، وسرعة الجري، وحدة الذهن، وتعلم فوق ذلك صنعة الرمي، يعد ويبري نبله، كما يبري المعلم قلمه، ويختاره من فروع الأشجار الصلبة، بحيث ينفذ في جسم هدفه فيؤذيه ويختار قوسه ووتره بحيث يقوى على دفع نبله إلى أبعد مدى، وبعد هذا وذاك كان راميا، قوي البصر، دقيق تحديد الهدف يجيد الإصابة، لا يكاد يخطئ فهو بهذه الصفات يصيب غيره، ولا يصيبه غيره، إن طلب هدفا أو رجلا أدركه، وإن طلبه وقصد إيذاءه رجل لم يدركه. إنه بطل شجاع، مهاجم مغامر، جريء محاور، يرعب خصمه، ولا يرهب عدوا، وفوق كل هذا مؤمن بقضيته، يحارب من أجل عقيدته، يحب الرسول ﷺ ، حتى لا يكاد يحلف بربه إلا بتكريم نبيه، فتراه يقول كثيرا: والذي كرم وجه محمد ﷺ وتراه يحرص دائما على أن يكون الجندي الوفي الأول للنبي محمد ﷺ ، فلا عجب أن يقول عنه ﷺ "خير رجالتنا اليوم سلمة" أي خير الجنود المشاة على أرجلهم في هذه المعركة سلمة، ولا عجب أن يحكي هو بنفسه لنا عن بطولاته في ثلاث معارك، ليس ذلك من قبيل الفخر والخيلاء، وإنما من قبيل ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾ [الضحى: ١١] وفي ذلك حث وإثارة لغيره أن يقتدي به، ليس من قبيل الفخر والخيلاء، فهو المتواضع الذي لا يستحيي أن يقول عن نفسه: كنت

стр. 4060

تابعا وخادما لطلحة بن عبيد الله أخدم فرسه وأسقيه وأرعاه وآكل من طعامه وأشرب من شرابه فقد تركت أهلي ومالي في مكة، وهاجرت خاليا في سبيل الله. يحكى لنا عن مواقفه البطولية المشرفة في معركة غزوة ذي قرد في الرواية الأولى، وعن مواقفه وشجاعته في غزوة الحديبية في الرواية الثانية، ويحكى لنا صورة الحب والوفاء لعمه عامر في غزوة خيبر في آخر الرواية الثانية. وقارئ هذه الأحاديث يدرك معناها ومغزاها، ولا يحتاج إلى المعنى العام، لكننا سنضع للقارئ علامات على الطريق، وأضواء ومصابيح على المنحنيات. فسبب غزوة ذي قرد أن المشركين من غطفان أغاروا على إبل الصدقة التي هي في حماية رسول الله ﷺ أغاروا عليها، وهي ترعى في الكلأ خارج المدينة، يرعاها ويشرف على رعيها غلام صغير، استاقوها وأخذوها كلها، وقتلوا راعيها، كان سلمة قريبا من مكان الجريمة معه فرس طلحة يرعى ويشرب، جاءه غلام يدعى رباح، فأخبره بالحادثة، وهنا تظهر بطولة سلمة وشهامته وذكاؤه، مجموعة من الرجال قد يصل عددهم إلى الثلاثين، ومعهم أسلحتهم، وهم كقطاع الطريق، نهبوا نهبا وساروا به نحو مضاربهم، وهي في ناحية، والمدينة في الناحية الأخرى. ماذا يفعل؟ أيذهب إلى المدينة يستصرخ الرسول ﷺ وصحابته، ليهبوا لإنقاذ إبلهم؟ إذن يكون المنتهبون قد فروا بنهبتهم، أم يجري وحده خلف اللصوص؟ وقد يضحي بنفسه ولا ينفذ شيئا؟ وماذا يفعل مع فرس طلحة وهو ليس بفارس؟ وكيف يعرضه للضياع وهو لا يملكه؟ إن الذكاء والحيلة وحسن التصرف في مثل هذه المواقف خير سلاح. قال للغلام: خذ هذه الفرس، فأبلغه إلى صاحبه طلحة، وبلغ رسول الله ﷺ وأصحابه الخبر، ثم صعد على جبل ووجهه إلى المدينة، وصرخ يا صباحاه، يا صباحاه. صوت معلوم عندهم للنجدة، سمعه النبي ﷺ فعبأ أصحابه، وبلغهم الغلام الخبر، فهبوا. أما سلمة فتبع القوم، يرميهم بالنبال من بعيد، فيجرون، وتشرد منهم الإبل فيخليها خلفه، ويتخففون مما يحملون، فيلقون الأغطية والرماح فيستولى عليها سلمة ويضع عليها أحجارا بطريقة خاصة، يعرفها رسول الله ﷺ وأصحابه، وهي في الوقت نفسه علامات لهم على الطريق المسلوك ليتابعوه، منذ الصباح وحتى الليل وسلمة يتابع القوم، وهم يجرون أمامه، حتى وصلوا إلى ماء ذي قرد، وهم وما معهم من الإبل عطاش، فنزلوا يشربون، فأمطرهم سلمة بوابل من النبل فتركوا البئر وهم عطاش. ولحقه جيش الرسول ﷺ ، ونزلوا عند البئر، وقد استنقذت إبل رسول الله ﷺ ، ومعها غنائم المشركين، ثم رجعوا إلى المدينة ورسول الله ﷺ يردف سلمة خلفه على ناقته، وقد أعطاه من الغنيمة سهمين، بدلا من سهم واحد. أما موقفه في غزوة الحديبية فهو يحكي أن النبي ﷺ طلب منه أن يبايع بيعة الرضوان ثلاث مرات، في أول القوم، وفي أوسطهم، وفي آخرهم، ويحكي لنا معجزة الرسول ﷺ في امتلاء البئر بالماء بعد أن نضب، ويحكي لنا عن المشركين الأربعة الذي عابوا واغتابوا رسول الله ﷺ ، فأسرهم، وأخذ سلاحهم، وسلمهم لرسول الله ﷺ ، ويحكي لنا أنه -بناء على إشارة رسول الله ﷺ قام بالصعود

стр. 4061

على جبل بني لحيان، ليحرس الرسول ﷺ وجنوده من غدر المشركين، في طريق عودتهم من الحديبية إلى المدينة. أما حديثه عن غزوة خيبر فيدور أكثره عن عمه عامر بن الأكوع، وكان بطلا شجاعا، حسن الصوت يحدو للقافلة، فسمعه الرسول ﷺ في طريقهم إلى خيبر يغني شعرا، يقول: والله لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا ونحن عن فضلك ما استغنينا ... فثبت الأقدام إن لاقينا وأنزلن سكينة علينا قال: ﷺ : من صاحب هذا الصوت؟ قالوا: عامر. قال: يغفر الله له، وتعود الصحابة من قبل على أن هذه الكلمة من رسول الله ﷺ تشير إلى أن المقولة عنه سيموت شهيدا وقريبا فأسفوا، وكانت حقا، فقد خرج ملك خيبر "مرحب" على المسلمين يختال، ويطلب النزال فخرج له عامر فبارزه، وكاد يقتله، لكن سيف عامر كان قصيرا، فارتد عليه، فقتل عامر بسيف نفسه، فقال الصحابة: لم يمت شهيدا، بل حبط عمله، لأنه مات بسلاحه، فساء هذا القول سلمة، فسأل رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال ﷺ كذب من قال ذلك، إن له أجرين، مات جاهدا مجاهدا. ويحكي لنا سلمة أنه كان الرسول الذي أرسله رسول الله ﷺ ، إلى علي ﵁ ليحضره وهو مريض يشكو عينيه فدعا له رسول الله ﷺ فبرأت عيناه في الحال، فسلمه راية الجيش، فبارز ملكهم "مرحب" فقتله، وفتح الله على يديه حصون خيبر، بعد حصار دام بضعة عشر يوما -رضي الله عن سلمة وعن الأصحاب أجمعين. -[المباحث العربية]- (غزوة ذي قرد وغيرها) ذكر مسلم في هذه الأحاديث غزوة ذي قرد في الرواية الأولى والثانية وغزوة الحديبية وخيبر في الرواية الثانية، وفي جميعها يتحدث سلمة بن الأكوع عن نفسه: والقرد -بفتح القاف والراء وحكي الضم فيها، وحكي ضم أوله وفتح ثانيه- في الأصل ما تساقط من الوبر والشعر، ويطلق أيضا على السعف سل خوصه، وهو هنا اسم ماء على عشرين ميلا من المدينة، مما يلي غطفان، بين المدينة وخيبر على طريق الشام. وقول سلمة في الرواية الثانية "فوالله ما لبثنا إلا ثلاث ليال حتى خرجنا إلى خيبر" صريح في أن غزوة ذي قرد كانت قبيل خيبر، لكن قال القرطبي في شرح مسلم: لا يختلف أهل السير في أن غزوة ذي قرد كانت قبل الحديبية، فيكون ما وقع في حديث سلمة من وهم بعض الرواة، قال: ويحتمل أن يجمع بأن يقال: يحتمل أن يكون النبي ﷺ كان قد أغزى سرية فيهم سلمة بن الأكوع إلى خيبر

стр. 4062

قبل فتحها فأخبر سلمة من نفسه وعمن خرج معه يعني حيث قال "خرجنا إلى خيبر" قال: ويؤيده أن ابن إسحق ذكر أن النبي ﷺ أغزى إليها عبد الله بن رواحة مرتين قبل فتحها. اهـ قال الحافظ ابن حجر: وسياق الحديث يأبى ذلك الجمع، فإن فيه "خرجنا إلى خيبر مع رسول الله ﷺ فجعل عمر يرتجز بالقول" وفيه قول النبي ﷺ "من السائق"؟ وفيه مبارزة علي لمرحب، وقتل عامر وغير ذلك مما وقع في غزوة خيبر، فعلى هذا ما في الصحيح من التاريخ لغزوة ذي قرد أصح مما ذكره أهل السير، قال: ويحتمل في طريق الجمع أن تكون إغارة عيينة بن حصن على اللقاح وقعت مرتين. الأولى التي ذكرها ابن إسحق، وهي قبل الحديبية والثانية بعد الحديبية قبل الخروج إلى خيبر. (خرجت قبل أن يؤذن بالأولى) يعني صلاة الصبح، يعني خرجت من بيتي بالمدينة إلى خارجها، ففي رواية "خرجت من المدينة ذاهبا نحو الغابة". (وكانت لقاح رسول الله ﷺ ترعى بذي قرد) "اللقاح" بكسر اللام وتخفيف القاف، ذوات الدر من الإبل، أي الناقة التي تدر اللبن بالفعل، جمع لقحة بالكسر وبالفتح أيضا، واللقوح الحلوب، وذكر ابن سعد أنها كانت عشرين لقحة، وكانت هذه اللقاح ملكا لرسول الله ﷺ من الخمس أو من الفيء، وكان ينفق منها في سبيل الله. (فلقيني غلام لعبد الرحمن بن عوف) يحتمل أن يكون هو رباح، لقول سلمة في وسط الرواية الثانية "فقلت: يا رباح خذ هذا الفرس" إلخ. قال الحافظ: وكأنه كان ملك رسول الله ﷺ ويخدم عبد الرحمن بن عوف، أو العكس، فنسب تارة "غلام رسول الله ﷺ ، وتارة غلام لعبد الرحمن بن عوف. (فقال: أخذت لقاح رسول الله ﷺ ، فقلت: من أخذها؟ قال: غطفان) وفي الرواية الثانية "بعث رسول الله ﷺ بظهره" -أي بإبله- "مع رباح، غلام رسول الله ﷺ " -أي للرعي- "وأنا معه، وخرجت معه بفرس طلحة" -أي لم يكن سلمة راعيا ولا مسئولا عن ظهر رسول الله ﷺ ، بل خرج مع رباح بفرس طلحة، وقد كان سلمة تابعا وخادما لطلحة ففي الرواية الثانية "وكنت تبيعا لطلحة بن عبيد الله" أي خادما أتبعه "أسقي فرسه، وأحسه" أي أحك ظهره بالمحسة لأزيل عنه الغبار ونحوه "وأخدمه، وآكل من طعامه، وتركت أهلي ومالي، مهاجرا إلى رسول الله ﷺ "أنديه" بضم الهمزة وفتح النون وكسر الدال المشددة. قال النووي: هكذا ضبطناه ولم يذكر القاضي في الشرح عن أحد من رواة مسلم غير هذا، ونقله في المشارق عن جماهير الرواة، قال: ورواه بعضهم في مسلم "أبديه" بالباء بدل النون، أي أخرجه إلى البادية، وأبرزه إلى موضع الكلأ، وكل شيء أظهرته فقد أبديته. قال النووي: والصواب رواية الجمهور بالنون وهي رواية جميع المحدثين، ومعناها أن يورد الماشية الماء، فتسقي قليلا. ثم ترسل في المرعى، ثم ترد الماء قليلا، ثم ترد إلى المرعى. وفي هذه الرواية " أخذها غطفان" وفي الرواية الثانية "فلما أصبحنا إذا عبد الرحمن الفزاري قد أغار على ظهر رسول الله ﷺ ، فاستاقه أجمع، وقتل راعيه، فقلت: يا رباح، خذ هذا الفرس، فأبلغه

стр. 4063

طلحة بن عبيد الله" أي لألحق أنا بالقوم ماشيا وراميا "وأخبر رسول الله ﷺ أن المشركين قد أغاروا على سرحه". و"غطفان بفتح الغين والطاء والفاء، هو ابن سعد بن قيس بن عيلان، و"فزارة" من غطفان، فلا تعارض بين قوله في الرواية الأولى "أخذها غطفان" وقوله في الرواية الثانية "عبد الرحمن الفزاري" بل عند أحمد وابن سعد "أخذها عبد الرحمن بن عيينه بن حصن الفزاري" وفي روايتنا الثانية "فإذا هم قد أتاهم فلان بن بدر الفزاري" وعند الطبراني "فإذا عيينة بن حصن قد أغار على لقاح رسول الله ﷺ "قال الحافظ ابن حجر: ولا منافاة بين الروايات، فإن كلا من عيينة وعبد الرحمن بن عيينة كان في القوم، وعند موسى بن عقبة وابن إسحق أن مسعدة الفزاري كان أيضا رئيسا في فزارة في هذه الغزوة. (قال: فصرخت ثلاث صرخات: يا صباحاه، فأسمعت ما بين لابتي المدينة) في الرواية الثانية "ثم قمت على أكمة، فاستقبلت المدينة، فناديت ثلاثا: يا صباحاه" كلمة تقال عند الغارة وفي رواية "فصرخت بثلاث صرخات" بزيادة الباء، وهذا الصراخ للاستغاثة معروف، "ولا بتا المدينة" تثنية لابة، والمراد حرتاها، والحرة بفتح الحاء وتشديد الراء أرض بظاهر المدينة، فيها حجارة سود كثيرة. وعند الطبراني "فصعدت في سلع، ثم صحت: يا صباحاه، فانتهى صياحي إلى النبي ﷺ ، فنودي في الناس: الفزع. الفزع" قال الحافظ ابن حجر: فيه إشعار بأنه كان واسع الصوت جدا، ويحتمل أن يكون ذلك من خوارق العادات. (ثم اندفعت على وجهي) يعني لم ألتفت يمينا ولا شمالا، بل أسرعت الجري خلفهم، متبعا آثارهم، وفي الرواية الثانية "ثم خرجت في آثار القوم أرميهم بالنبل". (حتى أدركتهم بذي قرد، وقد أخذوا يسقون من الماء) في الكلام طي، وضحته الرواية الثانية، ففيها "ثم خرجت في آثار القوم أرميهم بالنبل، وأرتجز: أنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضع جمع راضع وهو اللئيم بضم الراء وتشديد الضاد. قال النووي: قالوا: معناه: اليوم يوم هلاك اللئام، وهم الرضع، من قولهم: لئيم راضع، أي رضع اللؤم في بطن أمه، وقيل: لأنه يمص حلمة الشاة والناقة بفمه، بدلا من حلبها وشرب لبنها، لئلا يسمع الفقراء والضيفان صوت الحلاب فيقصدوه، وقيل: لأنه يرضع طرف الخلال الذي يخلل به أسنان، ويمص ما يتعلق به، وقيل: معناه اليوم يعرف من أنجبته كريمة فرضعها، ومن أنجبته لئيمة فرضعها، وقيل: معناه اليوم يعرف من أرضعته الحرب من صغره، وتدرب عليها، ويعرف غيره. اهـ وقيل: كان يمص حلمة الشاة والناقة بفمه لئلا يتبدد من اللبن شيء إذا حلب في الإناء، أو لئلا يبقى في الإناء

стр. 4064

شيء إذا شربه منه، فقيل في المثل: ألأم من راضع، وقيل: معناه: هذا يوم شديد عليكم، تفارق فيه المرضعة من أرضعته، فلا تجد من ترضعه. "قال: فألحق رجلا منهم، فأصك سهما في رحله، حتى خلص نصل السهل إلى كتفه" فيه التعبير عن الماضي بالمضارع، استحضارا للصورة، أي فلحقت رجلا منهم، فصككته سهما. قال النووي: هكذا هو في معظم الأصول المعتمدة "رحله" بالحاء، و"كتفه" بالتاء بعدها فاء، وفي بعضها "رجله" بالجيم، "وكعبة" بالعين ثم الباء، قال: والصحيح الأول، لقوله في الرواية نفسها عن رجل آخر بعد وروده ماء ذي قرد "فأصكه بسهم في نغض كتفه" بضم النون ثم غين ساكنة ثم ضاد، وهو العظم الرقيق على طرف الكتف، سمي بذلك لكثرة تحركه، وهو الناغض أيضا، ومعنى "أصك" أضرب. "قال: قلت: خذها وأنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضع قال: فوالله مازلت أرميهم وأعقر بهم" أي مازلت أرميهم بالنبل وأعقر خيلهم. قال القاضي: ورواه بعضهم "أرديهم" بالدال "فإذا رجع إلى فارس أتيت شجرة" أي أتيت شجرة حين فاجأني رجوع فارس منهم إلى "فجلست في أصلها" أي مختبئا عند جذعها، محتميا به "ثم رميته، فعقرت به" أي فعقرت فرسه به، ثم جعلت أرميهم "حتى إذا تضايق الجبل، فدخلوا في تضاييقه" أي وصعب على رميهم وإصابتهم بالنبل "علوت الجبل، فجعلت أرديهم بالحجارة" بضم الهمزة وفتح الراء وتشديد الدال المكسورة، أي أرميهم بالحجارة التي توقعهم وتسقطهم عن سفح الجبل "قال: فمازلت كذلك أتبعهم حتى ما خلق الله بعيرا من ظهر رسول الله ﷺ " أي حتى ما وجدت بعيرا مخلوقا لله هو من ظهر وسرح رسول الله ﷺ "إلا خلفته وراء ظهري، وخلوا بيني وبينه، ثم اتبعتهم أرميهم، حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة، وثلاثين رمحا يستخفون" بكسر الخاء وتشديد الفاء المضمومة، أي يتخلصون منها ليكونوا خفافا، يسهل عليهم الجري والهرب من رمي سلمة "ولا يطرحون شيئا إلا" أخذته وخبأته "جعلت عليه آراما من الحجارة" جمع إرم كعنب وأعناب، أي علامات من الحجارة، تجمع وتنصب بطريقة خاصة في الصحراء "يعرفها رسول الله ﷺ وأصحابه، حتى أتوا متضايقا من ثنية" أي من طريق في الجبل" فإذا هم قد أتاهم فلان بن بدر الفزاري" أحد كبرائهم ورؤسائهم، "فجلسوا" معه "يتضحون" أي يأكلون طعام الضحى، وفسره الراوي بقوله "يتغذون" أي يتناولون من الطعام ما به النماء "وجلست على رأس قرن" بفتح القاف وإسكان الراء، وهو كل جبل صغير منقطع عن الجبل الكبير "قال الفزاري" لأصحابه "ما هذا الذي أرى" من الرعب الذي بكم؟ ونقص أمتعتكم وغنيمتكم"؟ قالوا: لقينا من هذا البرح" بفتح الباء وإسكان الراء الشدة، أي لقينا من هذا المسلم الشدة والأذى الكثير، يقال: برح به الضرب أي اشتد، وضربه ضربا مبرحا، أي شديدا وشاقا، "والله ما فارقنا منذ غلس" أي منذ ظلمة الليل المختلطة بضوء النهار حتى الآن الضحى "يرمينا، حتى انتزع كل شيء في أيدينا، قال: فليقم إليه نفر منكم أربعة، قال: فصعد إلي منهم أربعة في الجبل، قال: فلما أمكنوني من الكلام" أي فلما قربوا مني، وأصبحوا مني بحيث يسمعون كلامي، وأسمع كلامهم "قلت: هل تعرفوني؟ قالوا: لا. ومن أنت؟ " استفهام سخرية

стр. 4065

واحتقار "قال: قلت: أنا سلمة بن الأكوع، والذي كرم وجه محمد ﷺ ، لا أطلب رجلا منكم إلا أدركته، ولا يطلبني رجل منكم فيدركني" المراد من الإدراك الإصابة والقتل، ويحتمل الوصول إليه بالجري وراءه، وكان سلمة كذلك في الاحتمالين، فكان في العدو والجري لا يسبق، كما سيذكر عن نفسه في هذا الحديث، وكان راميا متمكنا، يجيد بري النبل واختيار مادته وحجمه، ويجيد إعداد القوس وقوته في الدفع، ويجيد إصابة الهدف "قال أحدهم: أنا أظن" الظن هنا مراد به الاعتقاد والمظنون محذوف للعلم به من المقام أي أنا أعتقد أن ما تقول حقا، وأنك تدركنا ولا ندركك، فخير لنا أن نخليك وشأنك ونرجع "فرجعوا. قال فما برحت مكاني حتى رأيت فوارس رسول الله ﷺ " أي فلم ألبث طويلا حتى رأيت مقدم أصحاب رسول الله ﷺ ، ركبانا، فوارسه على خيولهم "يتخللون الشجر" أي يدخلون بين الأشجار "قال: فإذا أولهم الأخرم الأسدي، على إثره أبو قتادة الأنصاري، وعلى إثره المقداد بن الأسود الكندي، قال: فأخذت بعنان الأخرم" أي بعنان فرس الأخرم، أحول بينه وبين الإسراع نحو القوم، خوفا عليه منهم، فقد أصبحوا موتورين، وهو كثرة، وهو منفرد "قال: فولوا مدبرين" فقد رأوا مقدمة المدد وجيش المسلمين. "قلت: يا أخرم، احذرهم" ولا تسرع إليهم "لا يقتطعوك" لا تمكنهم من أن ينفردوا بك "حتى يلحق رسول الله ﷺ وأصحابه" بنا "قال: يا سلمة إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر، وتعلم أن الجنة حق، والنار حق، فلا تحل بيني وبين الشهادة، قال فخليته، قال: فالتقى هو وعبد الرحمن" الفزاري رئيس جماعة المشركين، فعقر بعبد الرحمن فرسه" أي عقر الأخرم فرس عبد الرحمن الفزاري وهو عليه، فنزل عبد الرحمن، وأمسك بالرمح، وسدده نحو الأخرم "وطعنه عبد الرحمن فقتله، وتحول" عبد الرحمن "على فرسه" أي على فرس الأخرم "ولحق أبو قتادة فارس رسول الله ﷺ بعبد الرحمن، فطعنه، فقتله، فوالذي كرم وجه محمد ﷺ لتبعتهم" أي لقد تبعتهم "أعدو على رجلي" وتقدمت على فوارس رسول الله ﷺ ، وبعدت عنهم "حتى ما أرى ورائي من أصحاب محمد ﷺ " أحدا ولا "أرى من "غبارهم شيئا، حتى يعدلوا" فيه التعبير عن الماضي بالمضارع استحضارا للصورة، أي حتى عدل المشركون "قبل غروب الشمس إلى شعب فيه ماء، يقال له ذو قرد" قال النووي: كذا في بعض النسخ، وهو الوجه، وفي أكثر النسخ "ذا قرد". اهـ كل تلك الأحداث مطوية في الرواية الأولى. (وقد أخذوا يسقون من الماء، فجعلت أرميهم بنبلي وكنت راميا وأقول: أنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع، فأرتجز) في الرواية الثانية "يقال له: ذو قرد، ليشربوا منه، وهم عطاش، قال: فنظروا إلى أعدو وراءهم، فحليتهم عنه" قال النووي: هو بحاء ولام مشددة، أي طردتهم عنه، وقد فسره في الحديث بقوله "يعني أجليتهم عنه" بالجيم، قال القاضي: كذا روايتنا فيه هنا، غير مهموز، قال: وأصله الهمز، فسهله. اهـ. وفي كتب اللغة: حلأه عن الشيء بفتح الحاء وتشديد اللام وبالهمز، تحليئا وتحلئة منعه منه. "فما ذاقوا منه قطرة، قال: ويخرجون" من الشعب "فيشتدون" أي يسرعون بالجري "في ثنية" في طريق ضيق من الجبل "قال: فأعدو فألحق" أي فعدوت فلحقت "رجلا منهم، فأصكه بسهم" أي فصككته بسهم "في نغض كتفه، قال: قلت: . خذها
следующие страницы →