Полный текст (6 200 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.
стр. 4061
على جبل بني لحيان، ليحرس الرسول ﷺ وجنوده من غدر المشركين، في طريق عودتهم من الحديبية إلى المدينة.
أما حديثه عن غزوة خيبر فيدور أكثره عن عمه عامر بن الأكوع، وكان بطلا شجاعا، حسن الصوت يحدو للقافلة، فسمعه الرسول ﷺ في طريقهم إلى خيبر يغني شعرا، يقول:
والله لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا
ونحن عن فضلك ما استغنينا ... فثبت الأقدام إن لاقينا
وأنزلن سكينة علينا
قال: ﷺ : من صاحب هذا الصوت؟ قالوا: عامر. قال: يغفر الله له، وتعود الصحابة من قبل على أن هذه الكلمة من رسول الله ﷺ تشير إلى أن المقولة عنه سيموت شهيدا وقريبا فأسفوا، وكانت حقا، فقد خرج ملك خيبر "مرحب" على المسلمين يختال، ويطلب النزال فخرج له عامر فبارزه، وكاد يقتله، لكن سيف عامر كان قصيرا، فارتد عليه، فقتل عامر بسيف نفسه، فقال الصحابة: لم يمت شهيدا، بل حبط عمله، لأنه مات بسلاحه، فساء هذا القول سلمة، فسأل رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال ﷺ كذب من قال ذلك، إن له أجرين، مات جاهدا مجاهدا.
ويحكي لنا سلمة أنه كان الرسول الذي أرسله رسول الله ﷺ ، إلى علي ﵁ ليحضره وهو مريض يشكو عينيه فدعا له رسول الله ﷺ فبرأت عيناه في الحال، فسلمه راية الجيش، فبارز ملكهم "مرحب" فقتله، وفتح الله على يديه حصون خيبر، بعد حصار دام بضعة عشر يوما -رضي الله عن سلمة وعن الأصحاب أجمعين.
-[المباحث العربية]-
(غزوة ذي قرد وغيرها) ذكر مسلم في هذه الأحاديث غزوة ذي قرد في الرواية الأولى والثانية وغزوة الحديبية وخيبر في الرواية الثانية، وفي جميعها يتحدث سلمة بن الأكوع عن نفسه: والقرد -بفتح القاف والراء وحكي الضم فيها، وحكي ضم أوله وفتح ثانيه- في الأصل ما تساقط من الوبر والشعر، ويطلق أيضا على السعف سل خوصه، وهو هنا اسم ماء على عشرين ميلا من المدينة، مما يلي غطفان، بين المدينة وخيبر على طريق الشام.
وقول سلمة في الرواية الثانية "فوالله ما لبثنا إلا ثلاث ليال حتى خرجنا إلى خيبر" صريح في أن غزوة ذي قرد كانت قبيل خيبر، لكن قال القرطبي في شرح مسلم: لا يختلف أهل السير في أن غزوة ذي قرد كانت قبل الحديبية، فيكون ما وقع في حديث سلمة من وهم بعض الرواة، قال: ويحتمل أن يجمع بأن يقال: يحتمل أن يكون النبي ﷺ كان قد أغزى سرية فيهم سلمة بن الأكوع إلى خيبر
стр. 4062
قبل فتحها فأخبر سلمة من نفسه وعمن خرج معه يعني حيث قال "خرجنا إلى خيبر" قال: ويؤيده أن ابن إسحق ذكر أن النبي ﷺ أغزى إليها عبد الله بن رواحة مرتين قبل فتحها. اهـ قال الحافظ ابن حجر: وسياق الحديث يأبى ذلك الجمع، فإن فيه "خرجنا إلى خيبر مع رسول الله ﷺ فجعل عمر يرتجز بالقول" وفيه قول النبي ﷺ "من السائق"؟ وفيه مبارزة علي لمرحب، وقتل عامر وغير ذلك مما وقع في غزوة خيبر، فعلى هذا ما في الصحيح من التاريخ لغزوة ذي قرد أصح مما ذكره أهل السير، قال: ويحتمل في طريق الجمع أن تكون إغارة عيينة بن حصن على اللقاح وقعت مرتين. الأولى التي ذكرها ابن إسحق، وهي قبل الحديبية والثانية بعد الحديبية قبل الخروج إلى خيبر.
(خرجت قبل أن يؤذن بالأولى) يعني صلاة الصبح، يعني خرجت من بيتي بالمدينة إلى خارجها، ففي رواية "خرجت من المدينة ذاهبا نحو الغابة".
(وكانت لقاح رسول الله ﷺ ترعى بذي قرد) "اللقاح" بكسر اللام وتخفيف القاف، ذوات الدر من الإبل، أي الناقة التي تدر اللبن بالفعل، جمع لقحة بالكسر وبالفتح أيضا، واللقوح الحلوب، وذكر ابن سعد أنها كانت عشرين لقحة، وكانت هذه اللقاح ملكا لرسول الله ﷺ من الخمس أو من الفيء، وكان ينفق منها في سبيل الله.
(فلقيني غلام لعبد الرحمن بن عوف) يحتمل أن يكون هو رباح، لقول سلمة في وسط الرواية الثانية "فقلت: يا رباح خذ هذا الفرس" إلخ. قال الحافظ: وكأنه كان ملك رسول الله ﷺ ويخدم عبد الرحمن بن عوف، أو العكس، فنسب تارة "غلام رسول الله ﷺ ، وتارة غلام لعبد الرحمن بن عوف.
(فقال: أخذت لقاح رسول الله ﷺ ، فقلت: من أخذها؟ قال: غطفان) وفي الرواية الثانية "بعث رسول الله ﷺ بظهره" -أي بإبله- "مع رباح، غلام رسول الله ﷺ " -أي للرعي- "وأنا معه، وخرجت معه بفرس طلحة" -أي لم يكن سلمة راعيا ولا مسئولا عن ظهر رسول الله ﷺ ، بل خرج مع رباح بفرس طلحة، وقد كان سلمة تابعا وخادما لطلحة ففي الرواية الثانية "وكنت تبيعا لطلحة بن عبيد الله" أي خادما أتبعه "أسقي فرسه، وأحسه" أي أحك ظهره بالمحسة لأزيل عنه الغبار ونحوه "وأخدمه، وآكل من طعامه، وتركت أهلي ومالي، مهاجرا إلى رسول الله ﷺ "أنديه" بضم الهمزة وفتح النون وكسر الدال المشددة. قال النووي: هكذا ضبطناه ولم يذكر القاضي في الشرح عن أحد من رواة مسلم غير هذا، ونقله في المشارق عن جماهير الرواة، قال: ورواه بعضهم في مسلم "أبديه" بالباء بدل النون، أي أخرجه إلى البادية، وأبرزه إلى موضع الكلأ، وكل شيء أظهرته فقد أبديته. قال النووي: والصواب رواية الجمهور بالنون وهي رواية جميع المحدثين، ومعناها أن يورد الماشية الماء، فتسقي قليلا. ثم ترسل في المرعى، ثم ترد الماء قليلا، ثم ترد إلى المرعى.
وفي هذه الرواية " أخذها غطفان" وفي الرواية الثانية "فلما أصبحنا إذا عبد الرحمن الفزاري قد أغار على ظهر رسول الله ﷺ ، فاستاقه أجمع، وقتل راعيه، فقلت: يا رباح، خذ هذا الفرس، فأبلغه
стр. 4063
طلحة بن عبيد الله" أي لألحق أنا بالقوم ماشيا وراميا "وأخبر رسول الله ﷺ أن المشركين قد أغاروا على سرحه".
و"غطفان بفتح الغين والطاء والفاء، هو ابن سعد بن قيس بن عيلان، و"فزارة" من غطفان، فلا تعارض بين قوله في الرواية الأولى "أخذها غطفان" وقوله في الرواية الثانية "عبد الرحمن الفزاري" بل عند أحمد وابن سعد "أخذها عبد الرحمن بن عيينه بن حصن الفزاري" وفي روايتنا الثانية "فإذا هم قد أتاهم فلان بن بدر الفزاري" وعند الطبراني "فإذا عيينة بن حصن قد أغار على لقاح رسول الله ﷺ "قال الحافظ ابن حجر: ولا منافاة بين الروايات، فإن كلا من عيينة وعبد الرحمن بن عيينة كان في القوم، وعند موسى بن عقبة وابن إسحق أن مسعدة الفزاري كان أيضا رئيسا في فزارة في هذه الغزوة.
(قال: فصرخت ثلاث صرخات: يا صباحاه، فأسمعت ما بين لابتي المدينة) في الرواية الثانية "ثم قمت على أكمة، فاستقبلت المدينة، فناديت ثلاثا: يا صباحاه" كلمة تقال عند الغارة وفي رواية "فصرخت بثلاث صرخات" بزيادة الباء، وهذا الصراخ للاستغاثة معروف، "ولا بتا المدينة" تثنية لابة، والمراد حرتاها، والحرة بفتح الحاء وتشديد الراء أرض بظاهر المدينة، فيها حجارة سود كثيرة.
وعند الطبراني "فصعدت في سلع، ثم صحت: يا صباحاه، فانتهى صياحي إلى النبي ﷺ ، فنودي في الناس: الفزع. الفزع" قال الحافظ ابن حجر: فيه إشعار بأنه كان واسع الصوت جدا، ويحتمل أن يكون ذلك من خوارق العادات.
(ثم اندفعت على وجهي) يعني لم ألتفت يمينا ولا شمالا، بل أسرعت الجري خلفهم، متبعا آثارهم، وفي الرواية الثانية "ثم خرجت في آثار القوم أرميهم بالنبل".
(حتى أدركتهم بذي قرد، وقد أخذوا يسقون من الماء)
في الكلام طي، وضحته الرواية الثانية، ففيها "ثم خرجت في آثار القوم أرميهم بالنبل، وأرتجز:
أنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضع
جمع راضع وهو اللئيم بضم الراء وتشديد الضاد.
قال النووي: قالوا: معناه: اليوم يوم هلاك اللئام، وهم الرضع، من قولهم: لئيم راضع، أي رضع اللؤم في بطن أمه، وقيل: لأنه يمص حلمة الشاة والناقة بفمه، بدلا من حلبها وشرب لبنها، لئلا يسمع الفقراء والضيفان صوت الحلاب فيقصدوه، وقيل: لأنه يرضع طرف الخلال الذي يخلل به أسنان، ويمص ما يتعلق به، وقيل: معناه اليوم يعرف من أنجبته كريمة فرضعها، ومن أنجبته لئيمة فرضعها، وقيل: معناه اليوم يعرف من أرضعته الحرب من صغره، وتدرب عليها، ويعرف غيره. اهـ وقيل: كان يمص حلمة الشاة والناقة بفمه لئلا يتبدد من اللبن شيء إذا حلب في الإناء، أو لئلا يبقى في الإناء
стр. 4064
شيء إذا شربه منه، فقيل في المثل: ألأم من راضع، وقيل: معناه: هذا يوم شديد عليكم، تفارق فيه المرضعة من أرضعته، فلا تجد من ترضعه.
"قال: فألحق رجلا منهم، فأصك سهما في رحله، حتى خلص نصل السهل إلى كتفه" فيه التعبير عن الماضي بالمضارع، استحضارا للصورة، أي فلحقت رجلا منهم، فصككته سهما. قال النووي: هكذا هو في معظم الأصول المعتمدة "رحله" بالحاء، و"كتفه" بالتاء بعدها فاء، وفي بعضها "رجله" بالجيم، "وكعبة" بالعين ثم الباء، قال: والصحيح الأول، لقوله في الرواية نفسها عن رجل آخر بعد وروده ماء ذي قرد "فأصكه بسهم في نغض كتفه" بضم النون ثم غين ساكنة ثم ضاد، وهو العظم الرقيق على طرف الكتف، سمي بذلك لكثرة تحركه، وهو الناغض أيضا، ومعنى "أصك" أضرب.
"قال: قلت: خذها وأنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضع
قال: فوالله مازلت أرميهم وأعقر بهم" أي مازلت أرميهم بالنبل وأعقر خيلهم.
قال القاضي: ورواه بعضهم "أرديهم" بالدال "فإذا رجع إلى فارس أتيت شجرة" أي أتيت شجرة حين فاجأني رجوع فارس منهم إلى "فجلست في أصلها" أي مختبئا عند جذعها، محتميا به "ثم رميته، فعقرت به" أي فعقرت فرسه به، ثم جعلت أرميهم "حتى إذا تضايق الجبل، فدخلوا في تضاييقه" أي وصعب على رميهم وإصابتهم بالنبل "علوت الجبل، فجعلت أرديهم بالحجارة" بضم الهمزة وفتح الراء وتشديد الدال المكسورة، أي أرميهم بالحجارة التي توقعهم وتسقطهم عن سفح الجبل "قال: فمازلت كذلك أتبعهم حتى ما خلق الله بعيرا من ظهر رسول الله ﷺ " أي حتى ما وجدت بعيرا مخلوقا لله هو من ظهر وسرح رسول الله ﷺ "إلا خلفته وراء ظهري، وخلوا بيني وبينه، ثم اتبعتهم أرميهم، حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة، وثلاثين رمحا يستخفون" بكسر الخاء وتشديد الفاء المضمومة، أي يتخلصون منها ليكونوا خفافا، يسهل عليهم الجري والهرب من رمي سلمة "ولا يطرحون شيئا إلا" أخذته وخبأته "جعلت عليه آراما من الحجارة" جمع إرم كعنب وأعناب، أي علامات من الحجارة، تجمع وتنصب بطريقة خاصة في الصحراء "يعرفها رسول الله ﷺ وأصحابه، حتى أتوا متضايقا من ثنية" أي من طريق في الجبل" فإذا هم قد أتاهم فلان بن بدر الفزاري" أحد كبرائهم ورؤسائهم، "فجلسوا" معه "يتضحون" أي يأكلون طعام الضحى، وفسره الراوي بقوله "يتغذون" أي يتناولون من الطعام ما به النماء "وجلست على رأس قرن" بفتح القاف وإسكان الراء، وهو كل جبل صغير منقطع عن الجبل الكبير "قال الفزاري" لأصحابه "ما هذا الذي أرى" من الرعب الذي بكم؟ ونقص أمتعتكم وغنيمتكم"؟ قالوا: لقينا من هذا البرح" بفتح الباء وإسكان الراء الشدة، أي لقينا من هذا المسلم الشدة والأذى الكثير، يقال: برح به الضرب أي اشتد، وضربه ضربا مبرحا، أي شديدا وشاقا، "والله ما فارقنا منذ غلس" أي منذ ظلمة الليل المختلطة بضوء النهار حتى
الآن الضحى "يرمينا، حتى انتزع كل شيء في أيدينا، قال: فليقم إليه نفر منكم أربعة، قال: فصعد إلي منهم أربعة في الجبل، قال: فلما أمكنوني من الكلام" أي فلما قربوا مني، وأصبحوا مني بحيث يسمعون كلامي، وأسمع كلامهم "قلت: هل تعرفوني؟ قالوا: لا. ومن أنت؟ " استفهام سخرية
стр. 4065
واحتقار "قال: قلت: أنا سلمة بن الأكوع، والذي كرم وجه محمد ﷺ ، لا أطلب رجلا منكم إلا أدركته، ولا يطلبني رجل منكم فيدركني" المراد من الإدراك الإصابة والقتل، ويحتمل الوصول إليه بالجري وراءه، وكان سلمة كذلك في الاحتمالين، فكان في العدو والجري لا يسبق، كما سيذكر عن نفسه في هذا الحديث، وكان راميا متمكنا، يجيد بري النبل واختيار مادته وحجمه، ويجيد إعداد القوس وقوته في الدفع، ويجيد إصابة الهدف "قال أحدهم: أنا أظن" الظن هنا مراد به الاعتقاد والمظنون محذوف للعلم به من المقام أي أنا أعتقد أن ما تقول حقا، وأنك تدركنا ولا ندركك، فخير لنا أن نخليك وشأنك ونرجع "فرجعوا. قال فما برحت مكاني حتى رأيت فوارس رسول الله ﷺ " أي فلم ألبث طويلا حتى رأيت مقدم أصحاب رسول الله ﷺ ، ركبانا، فوارسه على خيولهم "يتخللون الشجر" أي يدخلون بين الأشجار "قال: فإذا أولهم الأخرم الأسدي، على إثره أبو قتادة الأنصاري، وعلى إثره المقداد بن الأسود الكندي، قال: فأخذت بعنان الأخرم" أي بعنان فرس الأخرم، أحول بينه وبين الإسراع نحو القوم، خوفا عليه منهم، فقد أصبحوا موتورين، وهو كثرة، وهو منفرد "قال: فولوا مدبرين" فقد رأوا مقدمة المدد وجيش المسلمين.
"قلت: يا أخرم، احذرهم" ولا تسرع إليهم "لا يقتطعوك" لا تمكنهم من أن ينفردوا بك "حتى يلحق رسول الله ﷺ وأصحابه" بنا "قال: يا سلمة إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر، وتعلم أن الجنة حق، والنار حق، فلا تحل بيني وبين الشهادة، قال فخليته، قال: فالتقى هو وعبد الرحمن" الفزاري رئيس جماعة المشركين، فعقر بعبد الرحمن فرسه" أي عقر الأخرم فرس عبد الرحمن الفزاري وهو عليه، فنزل عبد الرحمن، وأمسك بالرمح، وسدده نحو الأخرم "وطعنه عبد الرحمن فقتله، وتحول" عبد الرحمن "على فرسه" أي على فرس الأخرم "ولحق أبو قتادة فارس رسول الله ﷺ بعبد الرحمن، فطعنه، فقتله، فوالذي كرم وجه محمد ﷺ لتبعتهم" أي لقد تبعتهم "أعدو على رجلي" وتقدمت على فوارس رسول الله ﷺ ، وبعدت عنهم "حتى ما أرى ورائي من أصحاب محمد ﷺ " أحدا ولا "أرى من "غبارهم شيئا، حتى يعدلوا" فيه التعبير عن الماضي بالمضارع استحضارا للصورة، أي حتى عدل المشركون "قبل غروب الشمس إلى شعب فيه ماء، يقال له ذو قرد" قال النووي: كذا في بعض النسخ، وهو الوجه، وفي أكثر النسخ "ذا قرد". اهـ كل تلك الأحداث مطوية في الرواية الأولى.
(وقد أخذوا يسقون من الماء، فجعلت أرميهم بنبلي وكنت راميا وأقول: أنا ابن الأكوع
واليوم يوم الرضع،
فأرتجز) في الرواية الثانية "يقال له: ذو قرد، ليشربوا منه، وهم عطاش، قال: فنظروا إلى أعدو وراءهم، فحليتهم عنه" قال النووي: هو بحاء ولام مشددة، أي طردتهم عنه، وقد فسره في الحديث بقوله "يعني أجليتهم عنه" بالجيم، قال القاضي: كذا روايتنا فيه هنا، غير مهموز، قال: وأصله الهمز، فسهله. اهـ. وفي كتب اللغة: حلأه عن الشيء بفتح الحاء وتشديد اللام وبالهمز، تحليئا وتحلئة منعه منه. "فما ذاقوا منه قطرة، قال: ويخرجون" من الشعب "فيشتدون" أي يسرعون بالجري "في ثنية" في طريق ضيق من الجبل "قال: فأعدو فألحق" أي فعدوت فلحقت "رجلا منهم، فأصكه بسهم" أي فصككته بسهم "في نغض كتفه، قال: قلت: .
خذها
стр. 4066
وأنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضع
قال: يا ثكلته أمه. أكوعه بكرة؟ قلت: نعم" معنى "ثكلته أمه" فقدته، وقوله "أكوعه" هو برفع العين، أي أنت الأكوع الذي كنت بكرة هذا النهار ترمينا؟ أنت متابعنا بالرمي حتى الليل؟ ولهذا قال: نعم، و"بكرة" منصوب غير منون، قال النووي: قال أهل اللغة: يقال: أتيته بكرة، بالتنوين، إذا أردت أنك لقيته باكرا في يوم غير معين، قالوا: وإذا أردت بكرة يوم بعينه قلت: أتيته بكرة، غير مصروف، لأنها من الظروف غير المتمكنة. اهـ.
"يا عدو نفسه، أكوعك بكرة، قال: وأردوا فرسين على ثنية" قال النووي: قال القاضي: رواية الجمهور بالدال -أي بفتح الهمزة وإسكان الراء وفتح الدال- ورواه بعضهم بالذال. قال: وكلاهما متقارب المعنى، فبالذال معناه خلفوهما، والرذي الضعيف من كل شيء -وفي كتب اللغة: أرذى ناقته هزلها وخلفها- وبالدال معناه أهلكوهما وأتعبوهما حتى أسقطوهما وتركوهما ومنه التردية "قال: فجئت بهما أسوقهما إلى رسول الله ﷺ ، قال: ولحقني عامر" عمه "بسطيحة" وهي إناء من جلد سطح بعضها على بعض "فيها مذقة من لبن" بفتح الميم وإسكان الذال، أي قليل من لبن "وسطيحة فيها ماء، فتوضأت "من الماء" وشربت" من اللبن، "ثم أتيت رسول الله ﷺ ، وهو على الماء الذي حليتهم عنه، فإذا رسول الله ﷺ قد أخذ تلك الإبل، وكل شيء استنقذته من المشركين وكل رمح وبردة، وإذا بلال نحر ناقة من الإبل الذي استنقذت من القوم" قال النووي: كذا في أكثر النسخ "الذي" وفي بعضها "التي" وهو أوجه، لأن الإبل مؤنثة، وكذا أسماء الجموع من غير الآدميين، والأول صحيح أيضا، وأعاد الضمير إلى الشيء الذي غنمه، لا إلى لفظ الإبل "وإذا هو يشوي لرسول الله ﷺ من كبدها وسنامها.
(فقلت: يا نبي الله، إني قد حميت القوم الماء، وهم عطاش) أي منعتهم إياه.
(فابعث إليهم الساعة) أي وافرض عليهم شروطك، فهم اليوم ضعاف محتاجون.
(يا ابن الأكوع. ملكت فأسجح) بهمزة قطع، بعدها سين، ثم جيم مكسورة، ثم حاء، ومعناه: فأحسن وارفق، والسجاحة السهولة، أي لا تأخذ بالشدة، بل ارفق، فقد حصلت النكاية في العدو، والحمد لله.
وفي الرواية الثانية "قال: قلت: يا رسول الله، خلني" أي اتركني "فأنتخب" أي فأختار "من القوم" أي من الصحابة "مائة رجل، فأتبع القوم، فلا يبقى منهم مخبر" أي حي يستطيع أن يتكلم ويخبر "إلا قتلته، قال: فضحك رسول الله ﷺ ، حتى بدت نواجذه" أي فتبسم حتى بدت أنيابه "في ضوء النار، فقال: يا سلمة، أتراك كنت فاعلا؟ " أي أتظن أنك بالمائة رجل تستطيع أن تفعل ذلك؟ "قلت: نعم. والذي أكرمك، فقال": إنك لم تكن تستطيع، لأنهم الآن قد وصلوا إلى قبيلتهم ومقاتليهم، فأصبحوا في منعة، لا يواجهها إلا جيش كبير "إنهم الآن ليقرون في أرض غطفان" أي إنهم اليوم في ضيافة أهليهم في أراضيهم "فجاء رجل من غطفان" أي قادم من أرض غطفان "فقال: نحر لهم
стр. 4067
فلان" الغطفاني "جزورا، فلما كشفوا جلدها" وسلخوها، ليشووا لحمها، ليأكلوا "رأوا غبارا" ظنوه المسلمين "فقالوا: أتاكم القوم، فخرجوا" من مضرب مضيفهم "هاربين" نحو مضاربهم مذعورين "فلما أصبحنا قال رسول الله ﷺ : كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجالتنا" بتشديد الجيم، جمع رجال بتشديد الجيم، أي المشاة على أرجلهم "سلمة، قال: ثم أعطاني رسول الله ﷺ سهمين، سهم الفارس، وسهم الراجل، فجمعهما لي جميعا" قال النووي: هو محمول على أن الزائد على سهم الراجل كان نفلا، وهو جدير بالنفل ومستحق له ﵁، لبديع صنعه في هذه الغزوة.
(ثم رجعنا) أي نحو المدينة، أي أردنا الرجوع، وقصدنا الرجوع، ففيه مجاز المشارفة.
(ويردفني رسول الله ﷺ على ناقته) فيه التعبير عن الماضي بالمضارع لاستحضار الصورة.
وفي الرواية الثانية "ثم أردفني رسول الله ﷺ وراءه على العضباء، راجعين إلى المدينة".
(حتى دخلنا المدينة) وهنا أيضا طي لأحداث بينتها الرواية الثانية، ففيها "قال: فبينما نحن نسير -وكان رجل من الأنصار لا يسبق شدا" أي عدوا على رجليه "قال: فجعل يقول: ألا مسابق إلى المدينة؟ هل من مسابق؟ فجعل يعيد ذلك" متحديا "قال: فلما سمعت كلامه قلت" له: "أما تكرم كريما"؟ أي أما تحترم الناس، وتراعي مشاعر الكرماء منهم؟ "ولا تهاب شريفا"؟ أي أما تعمل حسابا لكبار القوم وأشرافهم؟ "قال: لا، إلا أن يكون رسول الله ﷺ ، قال: قلت: يا رسول الله، بأبي وأمي، ذرني" أنزل عن ناقتك "فلأسابق الرجل. قال: إن شئت. قال: قلت" للرجل: "اذهب" أي ابدأ الجري والسباق "إليك" أي خذ البداية "وثنيت رجلي" أي بدأت الجري، والجري لا يكون إلا بثني الرجلين، واحدة بعد الأخرى "فطفرت" أي فقفزت ووثبت "فعدوت" أي فجريت، قال: فربطت عليه" نفسي، يقال: ربط نفسه عن كذا، أي منعها "شرفا أو شرفين" والشرف ما ارتفع من الأرض، والمعنى توقفت عن الجري حتى سبقني مرتفعا أو مرتفعين والأرض إلى المدينة ارتفاع وانخفاض "أستبقى نفسي" بإسكان الفاء، أي احفظها من أن يضربها استمرار الجري، "ثم عدوت في إثره" حتى قربت منه "فربطت نفسي شرفا أو شرفين، ثم إني رفعت" درجة العدو "حتى ألحقه" أي حتى لحقته "فأصكه" أي فصككته "بين كتفيه، قلت: قد سبقت والله" فيه التعبير عن المضارع بالماضي لتحقق الوقوع، والمراد ستسبق والله "قال: أنا أظن" ذلك، أي أعتقد أنني سأسبق، وأنت ستكون السابق. "قال: فسبقته إلى المدينة".
فقوله في الرواية الأولى "ويردفني رسول الله ﷺ على ناقته حتى دخلنا المدينة" فيه طي، و"حتى" ليست غاية للإرداف، بل هي غاية لمحذوف، كما وضح من الرواية الثانية.
(قدمنا الحديبية مع رسول الله ﷺ قصة الحديبية قصة أخرى، لا علاقة لها بغزوة ذي قرد، ذكرها سلمة محدثا عن نفسه، وعن بطولته، كما كان أمره في غزوة ذي قرد، وغزوة الحديبية قد تقدمت. والمراد من الحديبية هنا بئرها، لقوله فيما بعد "وعليها خمسون شاة لا ترويها".
стр. 4068
(ونحن أربع عشرة مائة) قال النووي: هذا هو الأشهر، وفي رواية "ثلاث عشرة مائة" وفي رواية "خمس عشرة مائة".
وفي رواية البخاري "والحديبية بئر، فنزحناها، فلم نترك فيها قطرة، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، وفيه أيضا "عطش الناس يوم الحديبية، ورسول الله ﷺ بين يديه ركوة، فتوضأ منها، ثم أقبل الناس نحوه، فقال رسول الله ﷺ : ما لكم؟ قالوا: يا رسول الله، ليس عندنا ماء نتوضأ به، ولا نشرب إلا ما في ركوتك".
(فقعد رسول الله ﷺ على جبا الركية) الجبا بفتح الجيم وتخفيف الباء ما حول البئر، وفي كتب اللغة: ما حول الحوض والبئر من التراب، إذ هو مساعد على الجبو وجمع الماء، والركي بفتح الراء وكسر الكاف وتشديد الياء البئر، والمشهور "ركي" بغير هاء، ووقع هنا "الركية" بالهاء، وهي لغة حكاها الأصمعي وغيره، وفي رواية البخاري "فجلس على شفيرها" وفي رواية أخرى له "فأتى البئر، وقعد على شفيرها".
(فإما دعا) ربه ليفيض عليهم الماء.
(وإما بصق فيها) مع الدعاء أيضا، قال النووي: هكذا هو في النسخ "بسق" بالسين، وهي صحيحة، يقال: بزق، وبصق، وبسق، ثلاث لغات بمعنى، والسين قليلة الاستعمال. اهـ.
وفي رواية للبخاري "ثم دعا بإناء من ماء، فتوضأ، ثم مضمض ودعا، ثم صبه فيها" وفي أخرى له "ثم قال: ائتوني بدلو من مائها، فأتي به، فبصق، فدعا، ثم قال: دعوها ساعة" وفي دلائل البيهقي "أنه أمر بسهم، فوضع في قعر البئر، فجاشت بالماء" وفي رواية له عن جابر "فقيل لجابر: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا".
(فجاشت) أي ارتفع ماؤها وفاض، يقال: جاش الشيء يجيش جيشانا إذا ارتفع.
(فسقينا واستقينا) أي فسقينا أنفسنا ودوابنا، وأخذنا من مائها في أوعيتنا، يقال: استقى من البئر إذا أخذ من مائها، ويقال: استقى المعارف والأخبار من كذا، أي استمدها وحصل عليها من كذا، وفي رواية للبخاري "فأرووا أنفسهم وركابهم حتى ارتحلوا"
(ثم إن رسول الله ﷺ دعانا للبيعة في أصل الشجرة) بيعة الرضوان، وقد سبق الكلام عنها في غزوة الحديبية.
(قال: وأيضا) أي وبايع في وسطهم أيضا، يقال: آض يئيض أيضا، أي عاد، وهو هنا مصدر منصوب بفعله المحذوف، والجملة معطوفة على محذوف معلوم، أي بايعت أول الناس، وتبايع في وسطهم عودا.
(فأعطاني رسول الله ﷺ حجفة أو درقة) الحجفة الترس من جلود بلا خشب ولا رباط من عصب، والدرقة شبيهة بها.
стр. 4069
(التي أعطيتك) عائد الصلة محذوف، المفعول الثاني لأعطي، أي التي أعطيتكها.
(لقيني عمي عامر عزلا) منصوب على الحال من الفاعل، قال النووي: ضبطوه بوجهين، أحدهما فتح العين مع كسر الزاي، والثاني ضمهما، وقد فسره بالذي لا سلاح معه، ويقال له أيضا: أعزل، وهو أشهر استعمالا.
(إنك كالذي قال الأول: اللهم أبغني حبيبا هو أحب إلي من نفسي) أي إنك تشبه أول من قال: اللهم أعطني حبيبا هو أحب إلي من نفسي، فقد أعطيت عمك ما أنت أحوج إليه منه، فكأنه أحب إليك من نفسك.
(ثم إن المشركين راسلونا الصلح) قال النووي: هكذا هو في أكثر النسخ "راسلونا" من المراسلة وفي بعضها "راسونا" بفتح الراء الممدودة وتشديد السين مضمومة وحكى القاضي فتحها أيضا وهما بمعنى راسلونا مأخوذ من قولهم: رس الحديث يرسه إذا ابتدأه وقيل: من رس بينهم إذا أصلح وقيل: معناه فاتحونا من قولهم: بلغني رس من الخبر أي أوله ووقع في بعض النسخ "واسونا" بفتح السين أي اتفقنا نحن وهم على الصلح والواو فيه بدل من الهمزة وهو من الأسوة.
(أتيت شجرة فكسحت شوكها) الساقط منها على الأرض أي كنست ما تحتها من الشوك.
(فاضطجعت في أصلها) أي بجوار جذعها وجذورها.
(فأتاني أربعة من المشركين) أي فأتوا إلى شجرتي يستريحون تحتها.
(فجعلوا يقعون في رسول الله ﷺ يقال: وقع فلان في فلان وقيعة ووقوعا سبه واغتابه وعابه.
(قتل ابن زنيم) بضم الزاي وفتح النون.
(فاخترطت سيفي) أي سللته من غمده.
(ثم شددت على أولئك الأربعة) أي عدوت عليهم لأصحبهم إلى رسول الله ﷺ رهينة من أجل ابن زنيم.
(فأخذت سلاحهم فجعلته ضغثا في يدي) أي حزمة في يدي.
(إلا ضربت الذي فيه عيناه) أي إلا ضربت رأسه وقطعتها.
(وجاء عمي عامر برجل من العبلات) بفتح العين والباء وهم أمية الصغرى من قريش والنسبة إليهم عبلى ترده إلى الواحد واسم أمهم عبلة قال القاضي: أمية الأصغر وأخواه نوفل وعبد الله بن عبد شمس بن عبد مناف نسبوا إلى أم لهم من بني تميم اسمها عبلة بنت عبيد.
стр. 4070
(يقال له: مكرز) بكسر الميم وسكون الكاف وكسر الراء بعدها زاي.
(يقوده إلى رسول الله ﷺ على فرس مجفف في سبعين من المشركين) الفرس المجفف بفتح الجيم وفتح الفاء الأولى المشددة أي عليه تجفاف بكسر التاء وهو ثوب كالجل يلبسه الفرس ليقيه من السلاح وجمعه تجافيف.
(دعوهم يكن لهم بدء الفجور وثناه) "بدء الفجور" بفتح الباء وسكون الدال ثم همز أي ابتداؤه قال النووي: وأما "ثناه" فوقع في أكثر النسخ هكذا بثاء مكسورة وفي بعضها "ثنياه" بضم الثاء وبالياء بعد النون قال القاضي: والأول هو الصواب أي عودة ثانية. اهـ. والمعنى دعوهم دون أذى فإن كانوا بدءوا الفجور بقتل زنيم فإننا نعفو عن الأولى وننتظر الثانية لنأخذهم بالفجورين.
﴿وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا﴾ [الفتح: ٢٤] أي وهو الذي كف أيدي كفار مكة والمراد ببطن مكة الحديبية وبعضها من حرم مكة ﴿من بعد أن أظفركم عليهم﴾ أي من بعد أن أظهركم وأقدركم عليهم وسيأتي سبب آخر لنزول هذه الآية سيأتي في الحديث التالي.
(ثم خرجنا) من الحديبية.
(فنزلنا منزلا بيننا وبين بني لحيان جبل وهم المشركون) "لحيان" بكسر اللام وفتحها لغتان وهم مشركون في ذلك الوقت وأل في "المشركون" للكمال في الصفة أي المشركون المتأصلون في الشرك الموغلون فيه المتعصبون له وقال النووي: "وهم المشركون" بضم الهاء على الابتداء والخبر هكذا ضبطت كما ضبطت بفتح الهاء وتشديد الميم أي هموا النبي ﷺ وأصحابه وخافوا عائلتهم يقال: همني الأمر أذابني.
(فاستغفر رسول الله ﷺ لمن رقي هذا الجبل الليلة كأنه طليعة للنبي ﷺ وأصحابه) كان النبي ﷺ لا يكلف أحدا من أصحابه بمهمة خطيرة بل كان يعرض ويعرض الأمر عرضا رقيقا ليتطوع بها من يرى نفسه أهلا لها ومن عنده استعداد وطيب نفس وكأنه ﷺ قال: اللهم اغفر لمن يصعد هذا الجبل ليطلع على تحركات المشركين فينذرنا إذا أرادونا بسوء.
(فرقيت تلك الليلة مرتين أو ثلاثا) القاف مكسورة في "رقي" و"رقيت" رقي بكسر القاف وفتح الياء يرقى بفتح القاف رقيا بفتح الراء وسكون القاف ورقيا بضم الراء وإسكان القاف ورقية بفتح الراء وسكون القاف وفتح الياء أي صعد ومفعول "رقيت" محذوف أي رقيت الجبل أي علوته وصعدته أما "رقى" بفتح القاف يرقي بكسرها فمن الرقية.
(فبعث رسول الله ﷺ بظهره) هذا ابتداء كلام عن غزوة ذي قرد وقد سبق القول عنها ثم
стр. 4071
انتقل سلمة عن غزوة ذي قرد إلى علاقته بغزوة خيبر فقال: "فوالله ما لبثنا إلا ثلاث ليال حتى خرجنا إلى خيبر" وقد شرحنا بقية كلامه هناك في غزوة خيبر.
-[فقه الحديث]-
يتعرض هذا الحديث إلى ثلاث وقائع:
الأولى: غزوة ذي قرد سببها أحداثها نتائجها دور سلمة بن الأكوع فيها.
ويؤخذ منها
١ - منقبة لسلمة بن الأكوع.
٢ - جواز الصياح العالي للإنذار بالعدو ونحوه.
٣ - جواز تعريف الإنسان بنفسه في الحرب إذا كان شجاعا وقوله مثل قول سلمة: أنا ابن الأكوع ليرعب خصمه وليبعث في نفسه الإقدام.
٤ - من قوله ﷺ "كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة وخير رجالتنا سلمة" استحباب الثناء على الشجعان وسائر أهل الفضل لا سيما عند صنيعهم الجميل لما فيه من الترغيب لهم ولغيرهم في الإكثار من ذلك الجميل وهذا كله في حق من يأمن الفتنة عليه بإعجاب ونحوه.
٥ - وفيه منقبة لأبي قتادة.
٦ - وفي إخباره ﷺ بأنهم يقرون في غطفان معجزة لرسول الله ﷺ .
٧ - وجواز عقر خيل العدو في القتال حيث كان سلمة يعقر خيل المشركين.
٨ - واستحباب الرجز في الحرب.
٩ - ومن مناقشة الأخرم لسلمة ما كان عليه الصحابة من حب الشهادة والحرص عليها.
١٠ - وإلقاء النفس في غمرات القتال قال النووي: وقد اتفقوا على جواز التغرير بالنفس في الجهاد في المبارزة ونحوها.
١١ - ومن أكل النبي ﷺ من الناقة جواز الأكل من الغنيمة -قال النووي وفيه نظر إذ يحتمل أن الناقة التي نحرت كانت من سرح النبي ﷺ الذي استنقذ من القوم.
١٢ - وفي صعود سلمة على جبل بني لحيان بناء على طلب النبي ﷺ بعث الطلائع.
١٣ - وفي موافقة الرسول ﷺ على موافقة سلمة للرجل جواز المسابقة على الأرجل بلا عوض ولا خلاف في جوازه أما بالعوض فالصحيح أنه لا يجوز.
١٤ - وفي إعطاء سلمة سهمين جواز التنفيل للمستحق.
стр. 4072
١٥ - وفي ثناء الرسول ﷺ على أبي قتادة وسلمة مدح القوة والشجاعة في الحرب.
١٦ - وفي جري سلمة في مواقفه المختلفة جواز العدو الشديد في الغزو.
١٧ - وفي قوله ﷺ "ملكت فأسجح" الحث على العفو عند المقدرة.
١٨ - وفيه الإرداف على الناقة بشرط إطاقتها.
الواقعة الثانية أو الحدث الثاني الحديبية وبيعة الرضوان ويؤخذ من حديثها:
١ - منقبة لسلمة في مبايعته ثلاث مرات.
٢ - ومعجزة لرسول الله ﷺ في زيادة ماء البئر.
٣ - وتفقد القائد لأحوال جنده والعمل على مصالحهم ومساعدة المحتاج منهم للسلاح.
٤ - ومن إعطاء سلمة الحجفة لعمه فضيلة الإيثار.
٥ - وجواز إهداء هدية الغير.
٦ - وفي قول النبي ﷺ "أنت كالذي قال الأول إلخ" ضرب المثل لتقريب المعنى.
٧ - وفيه ضحك الرسول ﷺ عند سماع ما سمع من سلمة وأن ضحكه تبسم.
٨ - وجواز المصالحة مع العدو.
الواقعة الثالثة واقعة غزوة خيبر ويؤخذ من حديثها:
١ - معجزة الرسول ﷺ في إبراء عين علي ﵁.
٢ - ومعجزته ﷺ في إخباره بالفتح وبأنه على يدي علي ﵁.
٣ - ومنقبة ظاهرة لعلي ﵁.
٤ - وأن من مات في حرب الكفار بسبب القتال يكون شهيدا سواء مات بسلاحهم أو سقط عن دابة أو غيرها أو عاد عليه سلاحه.
٥ - وجواز المبارزة بغير إذن الإمام.
٦ - وأن استغفار الرسول ﷺ لإنسان يخصه إيذان بأنه يموت شهيدا.
٧ - ومن طلب عمر حب الصحابة ﵃ لعامر.
٨ - ومن مبارزة علي ﵁ لمرحب وقتله إياه شجاعة علي ﵁ وقوته وبطولته.
والله أعلم.
стр. 4073
(٥٠٢) باب قول الله تعالى: ﴿وهو الذي كف أيديهم عنكم ... ﴾
٤١١٦ - عن أنس بن مالك ﵁ أن ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على رسول الله ﷺ من جبل التنعيم متسلحين. يريدون غرة النبي ﷺ وأصحابه. فأخذهم سلما فاستحياهم. فأنزل الله ﴿وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم﴾ [الفتح: ٢٤]
-[المعنى العام]-
كثيرا ما نكث المشركون عهدهم، وكثيرا ما نقضوا ميثاقهم، وهم يبدءون المسلمين بالغدر في كل مرة، وهذه حادثة من حوادث غدرهم، لقد عقد المسلمون وكفار مكة صلح الحديبية، على أن يعيش كل من الفريقين في أمن وأمان من الآخر، وأن يختلط بعضهم ببعض من غير غدر أو خيانة، لكن قبل أن يجف مداد هذا الصلح، وقبل أن يتحول المسلمون من أماكنهم، يحاول ثمانون رجلا شابا مسلحا أن يستغلوا غفلة المسلمين واعتمادهم على الصلح، وتركهم للسلاح، وعدم أخذهم حذرهم، يحاولون أن يستغلوا ذلك، فيهجموا على رسول الله ﷺ ليقضوا عليه، وعلى من يتعرض لهم من أصحابه، وفعلا يهجمون، ويواجههم رسول الله ﷺ وجها لوجه، ومعه بعض أصحابه، وليس معهم من سلاح، فيلجأ رسول الله ﷺ إلى ربه، يسأله الحماية، فيعمي الله أبصارهم، ويأخذ بأسماعهم، فيقفون كالمشلولين، فيمسك بهم الصحابة، ويجردونهم من أسلحتهم، فيعفو رسول الله ﷺ عنهم فينزل قوله تعالى: ﴿وهو الذي كف أيديهم عنكم﴾ فأعماهم وأصمهم وشل حركتهم ﴿وأيديكم عنهم﴾ فعفوتم عنهم ﴿ببطن مكة﴾ في الحديبية ﴿من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا﴾ [الفتح: ٢٤]
-[المباحث العربية]-
﴿كف أيديهم عنكم﴾ كناية عن عدم قتالهم لكم، أو وصول آذاهم إليكم.
﴿ببطن مكة﴾ بطن كل شيء جوفه، ففي الكلام مجاز المجاورة، أي بجوار بطن مكة: أي بالحديبية، وجزء منها في داخل الحرم، والقرب العام يكفي، ويكون التعبير ببطن مكة عن القريب منها مبالغة.
﴿من بعد أن أظفركم عليهم﴾ "أظفر" تتعدى بالباء، يقال: أظفره الله بعدوه مكنه منه، وعدى هنا بعلى بتضمين "أظفر" معنى "أعلى" أي من بعد أن أظهركم وأعلاكم عليهم.
стр. 4074
(أن ثمانين رجلا من أهل مكة) عند أبي نعيم في الدلائل عن عبد الله بن معقل قال: "كنا مع رسول الله ﷺ في أصل الشجرة التي قال الله تعالى في القرآن .... إلى أن قال: فبينما نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شابا عليهم السلاح، فثاروا في وجوهنا، فدعا عليهم رسول الله ﷺ فأخذ الله بأسماعهم" -ولفظ الحاكم "بأبصارهم" وكونهم ثمانين أصح، كما في الصحيح.
(هبطوا على رسول الله ﷺ من جبل التنعيم متسلحين) جبل التنعيم جزء من الحديبية، وهو أول الحل.
(يريدون غرة النبي ﷺ وأصحابه) أي يريدون استغلال فرصة غفلته، أي يستغلون غفلته وغفلة أصحابه عن الحرب، اعتمادا على الصلح الذي تم، والغرة بكسر الغين الغفلة في اليقظة، أما الغرة بضم الغين من كل شيء أوله وأكرمه، وبياض في جبهة الفرس، ومن الهلال طلعته، ومن الأسنان بياضها وأولها، ومن الرجل وجهه، ومن القوم شريفهم وسيدهم.
(فأخذهم سلما فاستحياهم) قال النووي: ضبطوه بوجهين أحدهما بفتح السين وفتح اللام، والثاني بكسر السين وفتحها مع إسكان اللام، قال الحميدي: ومعناه الصلح. قال القاضي في المشارق: هكذا ضبطه الأكثرون، والرواية الأولى أظهر، ومعناها أسرهم، والسلم الأسر، وجزم الخطابي بفتح اللام والسين، قال: والمراد به الاستسلام والإذعان، كقوله تعالى: ﴿وألقوا إليكم السلم﴾ [النساء: ٩٠] أي الانقياد، وهو مصدر يقع على الواحد والاثنين والجمع. قال ابن الأثير: هذا هو الأشبه بالقصة، فإنهم لم يؤخذوا صلحا، وإنما أخذوا قهرا، وأسلموا أنفسهم عجزا. قال: وللقول الآخر وجه، وهو أنه لما لم يجر معهم قتال، بل عجزوا عن الدفاع والنجاة رضوا بالأسر، فكأنهم قد صولحوا على ذلك. اهـ.
وقد أخرج أحمد والنسائي والحاكم وصححه كيفية أخذهم عن عبد الله بن معقل، إذ قال: فدعا عليهم رسول الله ﷺ فأخذ الله تعالى بأسماعهم" وعند الحاكم "بأبصارهم" قال: "فقمنا إليهم، فأخذناهم، فقال لهم رسول الله ﷺ : "هل جئتم في عهد أحد؟ أو هل جعل لكم أحد أمانا؟ " فقالوا: لا. فخلى سبيلهم فأنزل الله تعالى: ﴿وهو الذي كف أيديهم عنكم﴾ ... إلخ ومعنى "فاستحياهم" أي أبقى على حياتهم.
-[فقه الحديث]-
في الباب السابق يقول سلمة: "لما اصطلحنا نحن وأهل مكة، واختلط بعضنا ببعض أتيت شجرة، فكسحت شوكها، فاضطجعت في أصلها، فأتاني أربعة من المشركين من أهل مكة، فجعلوا يقعون في رسول الله ﷺ فأبغضتهم، فتحولت إلى شجرة أخرى، وعلقوا سلاحهم واضطجعوا، فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي: يا للمهاجرين، قتل ابن زنيم. قال: فاخترطت سيفي، ثم شددت على أولئك الأربعة، وهو رقود، فأخذت سلاحهم، فجعلته ضغثا في يدي، ثم قلت: والذي كرم
стр. 4075
وجه محمد لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه، ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله ﷺ قال: وجاء عمي عامر برجل من العبلات -قبيلة قرشية- يقال له: مكرز، يقوده إلى رسول الله ﷺ ، على فرس مجفف، في سبعين من المشركين، فنظر إليهم رسول الله ﷺ فقال: دعوهم، يكن لهم بدء الفجور وثناه، فعفا عنهم رسول الله ﷺ وأنزل الله: ﴿وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم﴾ الآية كلها.
فهذا سبب آخر لنزول الآية، ويقول العلماء: قد تتعدد الأسباب لنزول آية واحدة، فلا تعارض بين السببين، ولا بين الحديثين، وهذا أولى من توحيد الحادثتين وحمل إحداهما على الأخرى، والتعسف في الجمع.
والله أعلم.
стр. 4076
(٥٠٣) باب غزوة النساء مع الرجال، والرضخ لهن
٤١١٧ - عن أنس ﵁ أن أم سليم اتخذت يوم حنين خنجرا فكان معها. فرآها أبو طلحة، فقال: يا رسول الله هذه أم سليم معها خنجر. فقال لها رسول الله ﷺ : "ما هذا الخنجر؟ " قالت: اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت به بطنه، فجعل رسول الله ﷺ يضحك. قالت: يا رسول الله اقتل من بعدنا من الطلقاء انهزموا بك. فقال رسول الله ﷺ : "يا أم سليم إن الله قد كفى وأحسن".
٤١١٨ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يغزو بأم سليم ونسوة من الأنصار معه إذا غزا فيسقين الماء ويداوين الجرحى.
٤١١٩ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما كان يوم أحد انهزم ناس من الناس عن النبي ﷺ وأبو طلحة بين يدي النبي ﷺ مجوب عليه بحجفة. قال: وكان أبو طلحة رجلا راميا شديد النزع، وكسر يومئذ قوسين أو ثلاثا. قال: فكان الرجل يمر معه الجعبة من النبل. فيقول انثرها لأبي طلحة. قال: ويشرف نبي الله ﷺ ينظر إلى القوم. فيقول أبو طلحة: يا نبي الله بأبي أنت وأمي لا تشرف لا يصبك سهم من سهام القوم. نحري دون نحرك. قال: ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم وإنهما لمشمرتان، أرى خدم سوقهما تنقلان القرب على متونهما، ثم تفرغانه في أفواههم، ثم ترجعان فتملآنها، ثم تجيئان تفرغانه في أفواه القوم. ولقد وقع السيف من يدي أبي طلحة إما مرتين وإما ثلاثا من النعاس.
٤١٢٠ - عن يزيد بن هرمز أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن خمس خلال.
стр. 4077
فقال ابن عباس: لولا أن أكتم علما ما كتبت إليه. كتب إليه نجدة. أما بعد، فأخبرني هل كان رسول الله ﷺ يغزو بالنساء؟ وهل كان يضرب لهم بسهم؟ وهل كان يقتل الصبيان؟ ومتى ينقضي يتم اليتيم؟ وعن الخمس لمن هو؟ فكتب إليه ابن عباس: كتبت تسألني هل كان رسول الله ﷺ يغزو بالنساء؟ وقد كان يغزو بهن؛ فيداوين الجرحى، ويحذين من الغنيمة. وأما بسهم فلم يضرب لهن. وإن رسول الله ﷺ لم يكن يقتل الصبيان؛ فلا تقتل الصبيان. وكتبت تسألني متى ينقضي يتم اليتيم؟ فلعمري إن الرجل لتنبت لحيته وإنه لضعيف الأخذ لنفسه ضعيف العطاء منها، فإذا أخذ لنفسه من صالح ما يأخذ الناس فقد ذهب عنه اليتم. وكتبت تسألني عن الخمس لمن هو؟ وإنا كنا نقول هو لنا فأبى علينا قومنا ذاك.
٤١٢١ - عن يزيد بن هرمز، أن نجدة كتب إلى ابن عباس، يسأله عن خلال بمثل حديث سليمان بن بلال، غير أن في حديث حاتم: وإن رسول الله ﷺ لم يكن يقتل الصبيان فلا تقتل الصبيان، إلا أن تكون تعلم ما علم الخضر من الصبي الذي قتل. وزاد إسحق في حديثه عن حاتم: وتميز المؤمن فتقتل الكافر وتدع المؤمن.
٤١٢٢ - عن يزيد بن هرمز قال: كتب نجدة بن عامر الحروري إلى ابن عباس يسأله عن العبد والمرأة يحضران المغنم، هل يقسم لهما؟ وعن قتل الولدان، وعن اليتيم. متى ينقطع عنه اليتم؟ وعن ذوي القربى من هم؟ فقال ليزيد: اكتب إليه فلولا أن يقع في أحموقة ما كتبت إليه. اكتب إنك كتبت تسألني عن المرأة والعبد يحضران المغنم هل يقسم لهما شيء؟ وإنه ليس لهما شيء إلا أن يحذيا. وكتبت تسألني عن قتل الولدان. وإن رسول الله ﷺ لم يقتلهم. وأنت فلا تقتلهم إلا أن تعلم منهم ما علم صاحب موسى من الغلام الذي قتله. وكتبت تسألني عن اليتيم متى ينقطع عنه اسم اليتيم؟ وإنه لا ينقطع عنه اسم اليتم حتى يبلغ ويؤنس منه رشد. وكتبت تسألني عن ذوي القربى من هم؟ وإنا زعمنا أنا هم فأبى ذلك علينا قومنا.
стр. 4078
٤١٢٣ - عن يزيد بن هرمز قال: كتب نجدة بن عامر إلى ابن عباس. قال: فشهدت ابن عباس حين قرأ كتابه وحين كتب جوابه. وقال ابن عباس والله لولا أن أرده عن نتن يقع فيه ما كتبت إليه ولا نعمة عين. قال: فكتب إليه إنك سألت عن سهم ذي القربى الذي ذكر الله من هم؟ وإنا كنا نرى أن قرابة رسول الله ﷺ هم نحن. فأبى ذلك علينا قومنا. وسألت عن اليتيم متى ينقضي يتمه؟ وإنه إذا بلغ النكاح وأونس منه رشد ودفع إليه ماله فقد انقضى يتمه. وسألت هل كان رسول الله ﷺ يقتل من صبيان المشركين أحدا؟ فإن رسول الله ﷺ لم يكن يقتل منهم أحدا. وأنت فلا تقتل منهم أحدا إلا أن تكون تعلم منهم ما علم الخضر من الغلام حين قتله. وسألت عن المرأة والعبد هل كان لهما سهم معلوم إذا حضروا البأس؟ فإنهم لم يكن لهم سهم معلوم إلا أن يحذيا من غنائم القوم.
٤١٢٤ - وفي رواية عن يزيد بن هرمز قال: كتب نجدة إلى ابن عباس. فذكر بعض الحديث ولم يتم القصة كإتمام من ذكرنا حديثهم.
٤١٢٥ - عن أم عطية الأنصارية ﵂ قالت: غزوت مع رسول الله ﷺ سبع غزوات. أخلفهم في رحالهم، فأصنع لهم الطعام، وأداوي الجرحى، وأقوم على المرضى.
-[المعنى العام]-
كانت قريش -إذا خرجت للغزو- خرجوا بكثير من نسائهم معهم، يقيمونهن خلف الجيش، ليدفعن الرجال إلى الثبات، حيث يصبح المحارب مدافعا عن نفسه، وعن حريمه، فوجودهن يثير الحمية في الرجال، فضلا عن أن بعضهن كان يثير بكلماته، كما قيل إنهن في بعض الحروب كن يقلن للرجال:
إن تقبلوا -أي إن تتقدموا وتهزموا العدو- نعانق ونفرش النمارق، وإن تدبروا نفارق، فراق غير وامق.
كما كان الهدف عندهم من الخروج بنسائهم مساعدة الرجال في إعداد طعامهم وتحضير مائهم
стр. 4079
ومساعدة جريحهم، وقد ثبت أن قريشا في غزوة أحد كان معهم الكثيرات من نسائهم، فقد خرجت هند بنت عتبة مع زوجها أبي سفيان، وأم حكيم بنت الحارث بن هشام مع زوجها عكرمة بن أبي جهل، وفاطمة بنت الوليد بن المغيرة مع زوجها الحارث بن هشام، وبرزة بنت مسعود الثقفية مع زوجها صفوان بن أمية، وريطة بنت شيبة السهمية مع زوجها عمرو بن العاصي، وسلافة بنت سعد مع زوجها طلحة بن أبي طلحة الحجبي، وخناس بنت مالك، والدة مصعب بن عميرة، وعمرة بنت علقمة بن كنانة، وغيرهن، حتى قيل: إن نساء المشركين في غزوة أحد كن خمس عشرة امرأة.
واقتصر المسلمون في أول غزواتهم على الرجال، أما في غزوة أحد فقد خرجت على حسب العرف والعادة بعض النساء، منهن عائشة وأم سليم أم أنس، وارتفع عددهن في بعض الغزوات إلى خمس من النسوة، فاستغرب ﷺ كثرتهن، فسألهن: ما الذي جاء بكن؟ فقلن: جئنا نساعد الجيش، نعد السويق ونسقيه، ونحضر الماء ونسقيه ونداوي الجرحى، جهادا في سبيل الله. وسكت ﷺ سكوت عدم الرضا، فطلبت منه سادسة أن تخرج في غزوة، فقال: لا. قالت: إنك أذنت لفلانة وفلانة، وفلانة، فأذن لي. فقال: لا، أجل أن يقال: إن محمدا يغزو بالنساء.
إن المرأة إذا خرجت إلى ميدان القتال كانت عرضة للسبي، والسبي مذلة وعار للمرأة ولأهلها، فالأكرم لها ولقومها أن لا تخرج إلى الميدان، وقد عوضها الله تعالى عن أجر المجاهد، ففي الصحيح "أن رسول الله ﷺ سئل: هل على النساء جهاد؟ فقال: جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة" ولما جاءت خطيبة النساء إلى رسول الله ﷺ قالت: يا رسول الله، إن الله بعثك للرجال والنساء جميعا، فآمنا بك، واتبعناك، وقد فضل علينا الرجال بالجمعات والجنازة والجهاد، وإذا خرجوا إلى الجهاد حفظنا لهم أموالهم وأولادهم. فهل نشاركهم في الأجر؟ فقال ﷺ : اعلمي يا أسماء وأعلمي من وراءك من جماعة النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها يعدل كل ذلك.
إن الإسلام بعدم تشجيع النساء على الخروج إلى ميدان القتال يعتز بهن وبصيانتهن وبالحفاظ عليهن وعلى كرامتهن، فإن هي أصرت على أن تشارك الرجل ما لا تحتمله فلتجرب، وستكون كمن يلعب بالنار، ولتعلم أنها إن خرجت مع الرجل إلى الميدان، فلن يكون لها مثل أجره الدنيوي ولا مثل أجره الأخروي، فأحاديث عبد الله بن عمر تصرح بأنه لا يسهم لها كالرجال، وإنما تعطى قليلا من الغنيمة، وعند المالكية لا تعطى شيئا من الغنيمة، إن القتل والضرب بالسيف وإراقة الدماء كل ذلك يتنافى وطبيعة المرأة، فخروجها إلى ميدان القتال ضد طبيعتها التي خلقها الله عليها. وليس في خروج ست من النساء المسلمات في غزوات الرسول ﷺ دليل على شرف ذلك، والاقتداء به، فمن بعده ﷺ ، وعلى مر العصور والأجيال بدءا من الخلفاء الراشدين وإلى اليوم لا يستسيغ المسلمون خروج نسائهم في الحروب.
هذا هو الموضوع الرئيسي في مجموعة أحاديث الباب، أما ما تعرضت له من قتل نساء المشركين وصبيانهم في الحرب بيننا وبينهم فقد بينت هذه الأحاديث أن النبي ﷺ في حروبه مع الكفار لم يكن يقتل الصبيان ولا النساء، بل نهى قادته وجيوشه عن قتل الولدان والنساء، فكل مولود
стр. 4080
يولد على الفطرة، والمسئولية على والديه، هما اللذين يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه وليس هو مسئولا عن ذلك حتى يبلغ، فقتله قتل بغير ذنب، ولا نحمله مسئولية مستقبلة ونقول إنه لو بلغ بلغ كافرا محاربا، فأمر المستقبل إلى الله، وإن كثيرا ممن أسلم وحسن إسلامهم كان أباؤهم مشركين، ولا نقول: إن الخضر ﵇ قتل الغلام، لأن الخضر ﵇ علم من الله تعالى أن هذا الغلام بالذات سيكون كذا بعد بلوغه، وما فعل ذلك عن أمر نفسه، نعم إن قاتل الصبيان المشركون قتلوا كالبالغين.
وأما ما تعرضت له الأحاديث من أحكام اليتيم فقد أظهرت الروايات المذكورة أن آثار اليتيم لا تنتهي بالبلوغ، بل لا بد أن ينضم إلى البلوغ الرشد والصلاحية لإدارة الأموال حتى يدفع الولي إلى الصبي ماله، لأنه لو لم يكن رشيدا عرضنا أمواله إلى الفساد والضياع، ولو على يديه، ونحن مأمورون بالمحافظة الشديدة على أمواله، والقرآن الكريم يقول ﴿فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم﴾ [النساء: ٦]
وأما ما تعرضت له من الخمس الذي كان لرسول الله ﷺ من الغنائم وأنه كان ﷺ ينفقه على قرابته، بني هاشم وبني المطلب فإن ابن عباس في أحاديثه يرى بقاء هذا الخمس لقرابة رسول الله ﷺ حتى بعد موته، ورأى العلماء والفقهاء والخلفاء الراشدون أن أمره يرجع إلى حاكم المسلمين، من رآه محتاجا من قرابته ﷺ أعطاه، ومن رآه غنيا أعطى غيره من فقراء المسلمين.
-[المباحث العربية]-
(والرضخ لهن) يقال: رضخ له وأرضخ له من ماله، أي أعطاه قليلا من كثير، والمقصود هنا إعطاؤهن من الغنيمة شيئا يسيرا، لا يصل إلى السهم الذي يعطاه الغازي. وسيأتي الخلاف الفقهي.
(أن أم سليم اتخذت يوم حنين خنجرا) "أم سليم" بضم السين وفتح اللام، وهي أم أنس بن مالك، وزوجة أبي طلحة، اشتهرت بكنيتها، واختلف في اسمها، فقيل: سهلة، وقيل: رملة، وقيل: مليكة، تزوجت مالك بن النضر في الجاهلية، فولدت أنسا في الجاهلية، وأسلمت مع السابقين إلى الإسلام من الأنصار، فغضب مالك، وخرج إلى الشام، ومات بها، فتزوجت بعده أبا طلحة. وروي أن أم سليم لما قدم النبي ﷺ المدينة قالت: يا رسول الله، هذا أنس، يخدمك، وكان حينئذ ابن عشر سنين، فخدم النبي ﷺ منذ قدم المدينة، حتى مات، فاشتهر بخادم النبي ﷺ .
قال النووي: هكذا هو في النسخ المعتمدة "يوم حنين" بضم الحاء وفتح النون الأولى، وفي بعضها "يوم خيبر" بالخاء، والأول هو الصواب، والخنجر بكسر الخاء وفتحها، لغتان، وهي سكين كبيرة، ذات حدين.
(ما هذا؟ ) السؤال ليس عن حقيقة ما معها، فالخنجر مشاهد، ونطق باسم الخنجر في السؤال، وإنما السؤال عن سبب حملها. ولذلك أجابت بالغرض من حملها.
стр. 4081
(إن دنا مني أحد من المشركين بقرت به بطنه) أي شققت بطنه، يقال: بقر بطنه، بفتح القاف يبقرها بضم القاف، شقها.
(فجعل رسول الله ﷺ يضحك) لغرابة الأمر، فالمرأة عادة تخاف السلاح، ولا تقوى على استعماله، بل لا تقوى على رؤية الدم.
(اقتل من بعدنا من الطلقاء) "من" الأولى بفتح الميم، اسم موصول و"من" الثانية حرف جر و"الطلقاء" بضم الطاء وفتح اللام، وهم الذين أسلموا من أهل مكة يوم الفتح، سموا بذلك لأن النبي ﷺ من عليهم وأطلقهم، وكان في إسلامهم ضعف، فاعتقدت أم سليم أنهم منافقون وأنهم استحقوا القتل بانهزامهم، أو كانوا السبب في الهزيمة في حنين التي وقعت للمسلمين ابتداء، ومعنى "من بعدنا" أي من وراءنا، ومن سوى المسلمين الذين جاءوا مع الرسول ﷺ في الفتح، وهذه الكلمة أيضا من أم سليم غريبة على النساء.
(انهزموا بك) جملة مستأنفة استئنافا تعليليا. في جواب سؤال مقدر، تقديره: لم أقتلهم؟ والباء في "بك" للمجاوزة، كعن، والمعنى انهزموا متجاوزينك.
(إن الله قد كفى وأحسن) أي كفانا الشر، وحفظنا، وأحسن إلينا بالنصر بعد الهزيمة.
(كان رسول الله ﷺ يغزو بأم سليم) الباء هنا للمصاحبة، أي مصاحبة له.
(ونسوة من الأنصار معه إذا غزا) "نسوة" مبتدأ و"معه" متعلق بالخبر أي يصاحبنه إذا غزا، وقد بلغ عددهن فيما وصلت إليه في بعض الغزوات خمسا.
(فيسقين الماء) أي يحملنه في القرب من البئر إلى مكان الجيش، أو يحملن الجرار الصغيرة والأكواب ويقدمنها للعطاش، كما في الرواية الثالثة تنقلان القرب على متونهما، ثم تفرغانه في أفواههم.
(ويداوين الجرحى) ولأبي داود "أن النبي ﷺ سألهن عن سبب خروجهن معه؟ فقلن: خرجنا نغزل الشعر، ونعين في سبيل الله، ونداوي الجرحى، ونناول السهام، ونسقي السويق" وعند البخاري عن الربيع بنت معوذ قالت: "كنا مع النبي ﷺ نسقي ونداوي الجرحى، ونرد القتلى إلى المدينة" وفي رواية لها أيضا "فنسقي القوم ونخدمهم، ونرد الجرحى والقتلى إلى المدينة" زاد في رواية "ولا نقاتل".
(لما كان يوم أحد انهزم ناس من الناس عن النبي ﷺ "كان" تامة، بمعنى حصل، و"يوم" فاعل، وفي رواية البخاري "لما كان يوم أحد انهزم الناس" أي بعضهم، قال الحافظ ابن حجر: والواقع أنهم صاروا ثلاث فرق. فرقة استمروا في الهزيمة إلى قرب المدينة، فما رجعوا حتى انفض القتال، وهم قليل، وهم الذين نزل فيهم (آل عمران ١٥٥) ﴿إن الذين تولوا منكم يوم التقى
стр. 4082
الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا﴾ وفرقة صاروا حيارى، لما سمعوا أن النبي ﷺ قتل، فصار غاية الواحد منهم أن يذب عن نفسه، أو يستمر في القتال حتى يقتل، وهم أكثر الصحابة، وفرقة تثبتت مع النبي ﷺ ، ثم تراجع إليه القسم الثاني شيئا فشيئا، لما عرفوا أنه حي. وبهذا يجمع بين الأخبار المختلفة في عدة من بقي مع النبي ﷺ .
(وأبو طلحة بين يدي النبي ﷺ هو زيد بن سهل الأنصاري، زوج والدة أنس، وكان أنس قد حمل هذا الحديث عنه.
(مجوب عليه بحجفة) "مجوب" بضم الميم وفتح الجيم وتشديد الواو المكسورة، أي مترس عليه بترس، ليقيه سلاح الكفار، وعند البخاري "مجوب عليه بحجفة له" والحجفة الترس ويقال للترس جوبة.
(وكان أبو طلحة رجلا راميا شديد النزع) بفتح النون وسكون الزاي، أي شديد رمي السهم.
(وكسر يومئذ قوسين أو ثلاثا) من شدة الرمي.
(فكان الرجل يمر ومعه الجعبة من النبل، فيقول) ﷺ للرجل: .... والجعبة بفتح الجيم، وضمها مع سكون العين، وهي الآلة التي يوضع فيها النبل.
(انثرها لأبي طلحة) أي أعط ما معك من النبل لأبي طلحة ليرمي به.
(ويشرف نبي الله ﷺ أي على القوم، يقال: أشرف على الشيء، أي اطلع عليه من فوق، وكان النبي ﷺ يرفع رأسه إلى أعلى، ويتطاول ليرى الأعداء.
(ينظر إلى القوم) المشركين.
(فيقول أبو طلحة: يا نبي الله بأبي أنت وأمي) أي أفتديك أنت بأبي وأمي.
(لا تشرف) أي لا ترفع رأسك إلى أعلى، بضم التاء وسكون الشين من الإشراف.
(لا يصبك سهم من سهام القوم) بإسكان الباء، على أن "لا" ناهية، وفي رواية البخاري "لا تشرف يصبك" بالجزم في جواب النهي، كذا قال الحافظ ابن حجر وتبعه العيني، وجمهور النحاة يشترطون لصحة الجزم في جواب النهي أن يصح دخول "إن" قبل "لا" مع صحة المعنى، وهنا لا يصح أن يقال: إن لم تشرف يصبك سهم" وفي بعض الروايات" "يصيبك" بالرفع، قال الحافظ: وهو جائز على تقدير، كأنه قال مثلا: لا تشرف فإنه يصيبك.
(نحري دون نحرك) أي أفديك بنفسي، وأصل النحر أعلى الصدر، أي رقبتي قبل رقبتك وفداء لرقبتك.
стр. 4083
(وإنهما لمشمرتان) يقال: شمر ثوبه، رفعه عن ساعديه، أو عن ساقيه، والمراد هنا التشمير عن الساقين، بدليل "أرى خدم سوقهما".
(أرى خدم سوقهما) "خدم" بفتح الخاء والدال جمع خدمة وهي الخلخال وقيل: الخدمة أصل الساق والسوق بضم السين جمع ساق.
(تنقلان القرب على متونهما) "القرب" بكسر القاف وفتح الراء جمع قربة، والمتن الظهر ولهما متنان، لكنه جاز جمع المضاف مع المضاف إليه المثنى، كما في قوله تعالى: ﴿إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما﴾ [التحريم: ٤] وفي رواية البخاري "تنقزان القرب على متونهما" يقال: نقز وأنقز إذا وثب، وقال ابن الأثير: وفي نصب "القرب" بعد، لأن ينقز غير متعد. اهـ. وجعله بعضهم من قبيل حذف حرف الجر، وإيصال الفعل بالمجرور، وأصله تنقزان بالقرب، ورواه بعضهم بضم التاء، من أنقز، فعداه بالهمزة، والمعنى عليه، يحركان القرب على ظهورهما بحركتهما وشدة عدوهما ووثبهما، وقال الخطابي "تنقزان القرب" أي تحملانها. وفي رواية أخرى للبخاري عن أم سليط "وأنها كانت تزفر القرب يوم أحد" وفسر الراوي "تزفر" تخيط. قال الحافظ ابن حجر: "تزفر" أي تحمل، وزنا ومعنى.
(ثم تفرغانه في أفواه القوم) كان الظاهر أن يقول: ثم تفرغانها، أي القرب، ولكنه ذكر الضمير على تقدير الشيء والماء.
(ولقد وقع السيف من يدي أبي طلحة إما مرتين وإما ثلاثا من النعاس) في رواية "من يد أبي طلحة" بالإفراد، وقوله "من النعاس" إفادة بسبب وقوع السيف من يده، وعند البخاري عن أبي طلحة "كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد، حتى سقط سيفي من يدي مرارا، يسقط وأخذه، ويسقط فأخذه" وعند أحمد والحاكم عن أنس "رفعت رأسي يوم أحد، فجعلت أنظر، وما منهم من أحد إلا وهو يميل تحت جحفته من النعاس، وهو قوله تعالى: ﴿إذ يغشيكم النعاس أمنة منه﴾ [الأنفال: ١١] قال ابن إسحق: أنزل الله النعاس أمنة لأهل اليقين، فهم نيام لا يخافون، والذين أهمتهم أنفسهم أهل النفاق في غاية الخوف والذعر.
(أن نجدة كتب إلى ابن عباس) نجدة الحروري من الخوارج، وقد صرح في سنن أبي داود في رواية له بأن سؤال نجدة لابن عباس عن هذه المسائل كان في فتنة ابن الزبير، بعد بضع وستين سنة من الهجرة، والظاهر أن يزيد كان كاتبا لابن عباس، ففي الرواية الخامسة "فقال ليزيد: اكتب إليه .... "
(يسأله عن خمس خلال) بكسر الخاء، جمع خلة بفتحها، وهي الخصلة، حسنة أو سيئة، أما
стр. 4084
الخلة بضم الخاء فهي الصداقة والمحبة التي تخللت القلب، فصارت خلاله، أي في باطنه، وجمعها خلال بكسر الخاء، والمراد هنا خمس مسائل.
(فقال ابن عباس: لولا أن أكتم علما ما كتبت إليه) كان ابن عباس يكره نجدة لبدعته، وهي كونه من الخوارج الذين يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، ولكن لما سأله عن العلم لم يمكنه كتمه، فاضطر إلى جوابه، وقال: لولا أن أكتم علما ما كتبت إليه، أي لولا أني إذا تركت الكتابة أصير كاتما للعلم، مستحقا لوعيد كاتمه لما كتبت إليه، وفي الرواية الخامسة "اكتب إليه، فلولا أن يقع في أحموقة ما كتبت إليه" والأحموقة بضم الهمزة والميم هي فعل الحمقى، ويقصد بها الوقوع في مخالفات شرعية كبيرة في هذه الأمور المسئول عنها، نتيجة لجهله بها، وفي الرواية السادسة "لولا أن أرده عن نتن يقع فيه ما كتبت إليه، ولا نعمة عين" و"النتن" بفتح النون وسكون التاء الشيء المنتن كريه الرائحة، والمراد به هنا الفعل القبيح، وكل مستقبح يقال له: النتن، والخبيث والرجس والقذر والقاذورة نتن، تشبيها للخبث المطلق بخبث الرائحة، أو مجاز مرسل بعلاقة الإطلاق بعد التقييد، والمعنى لولا أنني بكتابتي له أرده عن فعل أشياء قبيحة، يقع فيها إن لم أكتب ما كتبت إليه، أي لولا خوفي من وقوعه في أفعال قبيحة إن لم أكتب إليه ما كتبت إليه.
وقوله "ولا نعمة عين" "النعمة" بضم النون وفتحها، مع سكون العين، هي المسرة، يقال: نعم الشيء، بفتح النون وكسر العين، ينعم بفتحها، نعما بفتحها، ونعمة بفتح النون وسكون العين، ونعامة ونعيما، نضر وطاب، ونعم باله، ونعمت عينه هدأ واستراح، والمعنى: لولا كذا ما كتبت إليه، ولا أقررت عينه، ولا أرحت باله.
(هل كان رسول الله ﷺ يغزو بالنساء؟ ) الباء للمصاحبة، أي هل صحبه النساء في غزواته؟ وقد سقطت هذه الخصلة، فلم تذكر في الرواية الخامسة والسادسة، لا هي ولا جوابها، ويحتمل أنه اكتفى عنها بالسؤال عن الضرب لها بسهم، وجوابها "قد كان يغزو بهن، فيداوين الجرحى" لم يكتف بإثبات غزوه بهن، فذكر عملهن، لئلا يفهم أنهن قاتلن.
(وهل كان يضرب لهن بسهم) كالرجال؟ وفي الرواية الخامسة "العبد والمرأة، يحضران المغنم -أي المعركة- هل يقسم لهما؟ " أي هل كان لهن سهم كالرجال، وفي الرواية السادسة "المرأة والعبد. هل كان لهما سهم معلوم إذا حضروا البأس"؟ والبأس بالباء المفتوحة والهمزة الساكنة هو الشدة، والمراد منه ههنا الحرب.
(يحذين من الغنيمة، وأما بسهم فلم يضرب لهن) "يحذين" أي يعطين منحة، والجار والمجرور "بسهم" متعلق بمحذوف، تقديره: وأما الضرب لهن بسهم فلم يضرب لهن. وفي الرواية الخامسة "وإنه ليس لهما شيء إلا أن يحذيا" وفي الرواية السادسة "فإنهم لم يكن لهم سهم معلوم، إلا أن يحذيا من غنائم القوم" جمع الضمير تارة "فإنهم لم يكن لهم" باعتبار الأفراد، وهم أكثر من اثنين، وكان الضمير جمع مذكر تغليبا للعبيد على النساء، وثناه تارة أخرى باعتبار وصف الأنوثة والعبودية.
стр. 4085
(وإن رسول الله ﷺ لم يكن يقتل الصبيان فلا تقتل الصبيان) المراد من الصبيان هنا من لم يبلغ الحلم من أبناء المشركين في الحرب بيننا وبين المشركين، ففي الرواية السادسة "وسألت هل كان رسول الله ﷺ يقتل من صبيان المشركين أحدا، فإن رسول الله ﷺ لم يكن يقتل منهم أحدا" وفي الرواية الخامسة "وكتبت تسألني عن قتل الولدان؟ وإن رسول الله ﷺ لم يقتلهم" ولا تتعلل بأنهم إذا بلغوا تبعوا آباءهم في دينهم، فأنت لا تعلم الغيب ولا كيف يصيرون، فقد كان آباء الصحابة مشركين، ولا تتعلل بأن الخضر ﵇ قتل الغلام، فإنه علم مصيره بإعلام ربه له، فإن كنت مثله تعلم الغيب فافعل على ضوء ما تعلم من الغيب، وفي الرواية الخامسة "فلا تقتلهم إلا أن تعلم منهم ما علم صاحب موسى من الغلام الذي قتله" وفي الرواية السادسة "فلا نقتل منهم أحدا إلا أن تكون نعلم منهم ما علم الخضر من الغلام حين قتله" وما قتله الخضر إلا بأمر الله تعالى له على التعيين، كما قال في آخر القصة "وما فعلته عن أمري" وأنى لك علم ذلك؟
(وتميز المؤمن فتقتل الكافر وتدع المؤمن) أي لا تقتل صبيان المشركين إلا في علمك بما سيصيرون إليه من الكفر أو الإيمان، وفي حالة تمييزك بين من سيصيرون مسلمين، ومن سيصيرون كفارا، فتقتل من سيكون كافرا، وتدع من سيكون مسلما، فقوله "وتميز" معطوف على "تعلم" أي إلا أن تكون تعلم، وإلا أن تكون تميز. وليس ذلك لك.
(وكتبت تسألني: متى ينقضي يتم اليتيم؟ ) وفي الرواية الخامسة "متى ينقطع عنه اسم اليتم"؟ وفي الرواية السادسة "وسألت عن اليتيم متى ينقضي يتمه"؟ السؤال ليس في الهدف عن اسم اليتم، ولا عن حقيقته، وإنما عن الحكم المترتب على اليتم من حجر التصرف، كما وضح من الجواب، فنفس اليتم ينقضي بالبلوغ، وقد ثبت أن النبي ﷺ قال: "لا يتم بعد الحلم" أما متى يستقل اليتيم -أي من كان يتيما- بالتصرف في ماله؟ فهذا هو المراد من السؤال، وسيأتي الخلاف في ذلك في فقه الحديث.
(فلعمري إن الرجل لتنبت لحيته وإنه لضعيف الأخذ لنفسه ضعيف العطاء منها، فإذا أخذ لنفسه من صالح ما يأخذ الناس فقد ذهب عنه اليتم) وفي الرواية الخامسة "وإنه لا ينقطع عنه اسم اليتم حتى يبلغ، ويؤنس منه رشد" وفي الرواية السادسة "وإنه إذا بلغ النكاح وأونس منه رشد، ودفع إليه ماله -أي فأحسن التصرف فيه- فقد انقضى يتمه" وظاهر هذا الجواب أن حكم اليتيم يتوقف على أمرين: البلوغ، والرشد، وفي ذلك يقول تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم﴾ [النساء: ٦] و"العمر" بفتح العين وضمها مع سكون الميم مدة الحياة، ويقال في القسم "عمرك الله" و"لعمرك" و"لعمري" يرفعونه بالابتداء، ويحذفون الخبر وجوبا، أي لعمري قسمي، والتزموا في القسم فتح العين، للتخفيف، وإذا دخلته اللام التزم فيه الفتح، وحذف الخبر في القسم.
(وكتبت تسألني عن الخمس لمن هو؟ وإنا كنا نقول هو لنا) المقصود خمس خمس
стр. 4086
الغنيمة الذي جعله الله لذوي القربى، بقوله جل شأنه ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ [الأنفال: ٤١] وسيأتي في فقه الحديث اختلاف الفقهاء فيه.
(فأبى علينا قومنا ذاك) قال النووي: أراد بقومه ولاة الأمر من بني أمية. قال الشافعي: أراد الذين هم بعد الصحابة، ويقصد ابن معاوية.
-[فقه الحديث]-
ترجم البخاري بباب غزو النساء، وقتالهن مع الرجال، قال الحافظ ابن حجر: ولم أر في شيء من الأحاديث التصريح بأنهن قاتلن، ولأجل ذلك قال ابن المنير: بوب على قتالهن، وليس قتالهن في الحديث، فإما أن يريد أن إعانتهن للغزاة غزو، وإما أن يريد أنهن ما ثبتن لسقي الجرحى ونحو ذلك إلا لأنهن بصدد أن يدافعن عن أنفسهن، ثم قال الحافظ: ويحتمل أن يكون غرض البخاري بالترجمة أن يبين أنهن لا يقاتلن، وإن خرجن في الغزو، فالتقدير بقوله: "وقتالهن مع الرجال" هل هو سائغ؟ أو إذا خرجن مع الرجال في الغزو يقتصرن على ما ذكر، من مداواة الجرحى ونحو ذلك، ثم قال: وفي الحديث جواز معالجة المرأة الأجنبية للرجل الأجنبي للضرورة. قال ابن بطال: ويختص ذلك بذوات المحارم، ثم بالمسنات منهن، لأن موضع الجرح لا يلتذ بلمسه، بل يقشعر منه الجلد، فإذا دعت الضرورة لغير المسنات فليكن بغير مباشرة ولا مس، ويدل على ذلك اتفاقهم على أن المرأة إذا ماتت، ولم توجد امرأة تغسلها أن الرجل لا يباشر غسلها بالمس، بل يغسلها من وراء حائل في قول بعضهم، وفي قول الأكثر تيمم، وقال الأوزاعي: تدفن كما هي. قال ابن المنير: الفرق بين حال المداواة وتغسيل الميت أن الغسل عبادة، والمداواة ضرورة، والضرورات تبيح المحظورات.
ومن المسلمات أن الجهاد غير واجب على النساء، لكن هل يستحب لهن أن يتطوعن بالجهاد؟ أميل إلى أنه لا يستحب، بل يرخص به للحاجة، وبقدر الحاجة، وبما ورد من أعمال وما يشبهها، وذلك لأن المطلوب الشرعي من النساء الستر ومجانبة الرجال، وجهادهن مع الرجال يتعارض مع المطلوب منهن، وفي الصحيح أن الرسول ﷺ سئل: هل على النساء جهاد؟ فقال: جهادكن الحج والعمرة.
أما المسألة الثانية المترتبة على المسألة الأولى فهي: إذا حضرت المعركة هي أو العبد، فهل يسهم لها وله، كما يسهم للرجال؟ قال النووي: قال مالك: لا رضخ للعبد ولا للمرأة، وقال الحسن وابن سيرين والنخعي والحكم: إن قاتل العبد أسهم له، وقال الأوزاعي: المرأة تستحق السهم إن كانت تقاتل، أو تداوي الجرحى، وقال الشافعي وأبو حنيفة وجمهور العلماء: العبد والمرأة يرضخ لهما، ولا يسهم لهما، وظاهر الحديث يشهد لهم، ففي الرواية الرابعة "ويحذين من الغنيمة" "وأما بسهم فلم يضرب لهن" وفي الرواية الخامسة "وأنهما ليس لهما شيء إلا أن يحذيا" وفي الرواية السادسة "وسألت عن المرأة والعبد، هل كان لهما سهم معلوم، إذا حضروا البأس؟ فإنهم لم يكن لهم سهم معلوم، إلا أن يحذيا من غنائم القوم.
стр. 4087
-[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]-
١ - شجاعة أم سليم وجهادها في سبيل الله، وغيرتها على الإسلام في طلبها قتل الطلقاء.
٢ - رحمة الرسول ﷺ ورفقه، وتأليفه المؤلفة قلوبهم، برده على أم سليم.
٣ - من الرواية الثالثة منقبة لأبي طلحة، ودفاعه عن رسول الله ﷺ وتفانيه في فدائه بنفسه، وحرصه على سلامته، وشهادة بشجاعته وقوته.
٤ - في استشراف رسول الله ﷺ للقوم حرص القائد على تسيير المعارك عن خبرة وعلم مهما تعرض للأخطار.
٥ - من طلب الرسول ﷺ نثر الجعبة لأبي طلحة وتوزيع القائد الأدوار المناسبة على الجند لمصلحة المعركة.
٦ - من تشمير عائشة وأم سليم ﵄ كفاح النساء في الغزو، ومساعدتهن الرجال واستعانة الرجال بالنساء في الحروب في الأعمال المناسبة لهن.
٧ - من كشف عائشة وأم سليم ورؤية أنس لخدم سوقهما لا يؤخذ منه جواز النظر ولا جواز الكشف، قال النووي: كان هذا يوم أحد، قبل أمر النساء بالحجاب، وقبل تحريم النظر إليهن، ولأنه لم يذكر هنا أنه تعمد النظر إلى نفس الساق، فهو محمول على أنه حصلت تلك النظرة فجأة بغير قصد ولم يستدمها.
٨ - وفي هذا الحديث اختلاط النساء في الغزو برجالهن في حال القتال، لسقي الماء ونحوه. كذا قال النووي. لكن في قوله "برجالهن" وقصر ابن بطال مداواة النساء على الرجال المحارم فقط نظر، فإن ما في الحديث عام، لا يفرق بين المحارم وغيرهم، فالرأي تعميم الجواز على المحارم والأجانب للضرورة.
٩ - ومن الروايات الرابعة والخامسة والسادسة تغليظ حرمة كتم العلم، ولو عن الأعداء والمبغضين.
١٠ - وفيه منقبة لابن عباس ﵄، وأداؤه واجب الفتوى لمن يكرهه ويبغضه.
١١ - وفيه النهي عن قتل صبيان المشركين. قال النووي: وهو حرام إن لم يقاتلوا، وكذا النساء فإن قاتلوا جاز قتلهم.
١٢ - وفيه دليل للشافعي ومالك وجماهير العلماء أن حكم اليتم لا ينقطع بمجرد البلوغ، ولا بعلو السن، بل لا بد أن يظهر منه الرشد في دينه وماله، وقال أبو حنيفة إذا بلغ خمسا وعشرين سنة زال عنه حكم الصبيان، وصار رشيدا يتصرف في ماله، ويجب تسليمه إليه، وإن كان غير ضابط له، وأما الكبير إذا طرأ تبذيره فمذهب مالك وجماهير العلماء وجوب الحجر عليه، وقال أبو حنيفة: لا يحجر. قال القصار وغيره: الصحيح الأول، وكأنه إجماع.
стр. 4088
وفيه أن ابن عباس كان يرى أن خمس الخمس، الخاص بذي القربى في عهد النبي ﷺ هو لذي القربى ملكا بعد النبي ﷺ ، وقد سبق في باب الخمس أن قلنا: إن عليا والعباس، وإن فاطمة قبلهما طلبوا من أبي بكر ذلك، فروى لهما حديث "نحن معاشر الأنبياء لا نورث" فغضبوا. واختلف العلماء في مصرف الفيء، فقال مالك الفيء والخمس سواء، يجعلان في بيت المال، ويعطي الإمام أقارب النبي ﷺ بحسب اجتهاده، وقد سبقت المسألة مشروحة بمذاهبها المختلفة.
والله أعلم.
стр. 4089
(٥٠٤) باب عدد غزوات النبي ﷺ
٤١٢٦ - عن أبي إسحق أن عبد الله بن يزيد خرج يستسقي بالناس، فصلى ركعتين. ثم استسقى. قال: فلقيت يومئذ زيد بن أرقم. وقال: ليس بيني وبينه غير رجل أو بيني وبينه رجل. قال: فقلت له: كم غزا رسول الله ﷺ ؟ قال: تسع عشرة. فقلت: كم غزوت أنت معه؟ قال: سبع عشرة غزوة. قال: فقلت فما أول غزوة غزاها؟ قال: ذات العسير أو العشير.
٤١٢٧ - عن زيد بن أرقم ﵁ أن رسول الله ﷺ غزا تسع عشرة عزوة. وحج بعد ما هاجر حجة لم يحج غيرها، حجة الوداع.
٤١٢٨ - عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: غزوت مع رسول الله ﷺ تسع عشرة غزوة. قال جابر: لم أشهد بدرا ولا أحدا، منعني أبي. فلما قتل عبد الله يوم أحد لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة قط.
٤١٢٩ - عن عبد الله بن بريدة عن أبيه ﵁ قال: غزا رسول الله ﷺ تسع عشرة غزوة. قاتل في ثمان منهن. ولم يقل أبو بكر منهن. وقال في حديثه حدثني عبد الله بن بريدة.
٤١٣٠ - عن ابن بريدة عن أبيه ﵁ أنه قال: غزا مع رسول الله ﷺ ست عشرة غزوة.
٤١٣١ - عن سلمة ﵁ قال: غزوت مع رسول الله ﷺ سبع غزوات، وخرجت فيما يبعث من البعوث تسع غزوات، مرة علينا أبو بكر، ومرة علينا أسامة بن زيد.
стр. 4090
٤١٣٢ - -/- وفي رواية عن حاتم بهذا الإسناد غير أنه قال في كلتيهما سبع غزوات.
-[المعنى العام]-
بعض الأنبياء والرسل أذن لهم بقتال أعدائهم، وبعضهم لم يتعرض لقتال، والقتال في الأصل وسيلة من وسائل الإخضاع والإلزام، بل التهديد به، وخوف الأعداء منه قد يكون وسيلة للالتزام والتسليم والدخول في طاعة القوي، كما حدث لملكة سبأ مع سليمان ﵇، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز﴾ [الحج: ٤٠].
وهكذا أجرى الله تعالى العادة بذلك في الأمم الماضية، لينتظم به الأمر، وتقوم الشرائع، وتصان المتعبدات من الهدم، ولولا القتال، وتسليط الله المؤمنين على المشركين لهدمت متعبداتهم، ولذهبوا، ولم تنتشر الدعوة إلى الله، ولضاعت مهمة الرسل أمام كيد الكافرين.
إن الإسلام بدأ غريبا وحورب قبل أن يحارب، وأوذي رسول الله ﷺ بمكة، وأوذي من أسلم ثلاث عشرة سنة، فر المسلمون بدينهم مرتين إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، وكان الواحد منهم يفر بنفسه، بثيابه التي عليه، مخلفا وراءه ماله للكافرين، أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله، ولقد حوصر رسول الله ﷺ وأهله في شعب أبي طالب حصارا اقتصاديا واجتماعيا رهيبا، ووصل الأمر بهم معه أن تآمروا على قتله، فأنزل الله تعالى قرآنا بما بيتوا، فقال: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾ [الأنفال: ٣٠].
وهاجر رسول الله ﷺ من أحب البلاد إليه، وآواه الأنصار في المدينة وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه، وازداد المسلمون عددا وقوة، وتجمع مهاجروهم إلى الحبشة وغيرها في المدينة، وبدءوا يفكرون في نشر دعوتهم في مشارق الأرض ومغاربها، لكن كيف والمشركون يضعون العقبات، ويوحون إلى أوليائهم بمحاربة الإسلام وأهله، لقد استمرت الدعوة السلمية أكثر من ثلاثة عشر عاما، فهل يصرح لها بأن تشق طريقها إلى مسامع الناس ولو بالقوة والسيف؟ نعم، وأنزل الله تعالى هذا التصريح في قوله: ﴿أذن للذين يقاتلون﴾ بقتال أعدائهم ﴿بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير* الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله﴾ [الحج: ٣٩، ٤٠] وبدأ القرآن الكريم يحرض المسلمين على قتال الكفار ﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم﴾ [البقرة: ١٩٠] ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾ [التوبة: ١١١] ﴿قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة﴾ [التوبة: ١٢٣] ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم﴾ [الأنفال: ٦٠] ﴿إذا لقيتم الذين كفروا زحفا
стр. 4091
فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير﴾ [الأنفال: ١٦] ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق﴾ [محمد: ٤] ﴿ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم﴾ [محمد: ٣١] ﴿فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم﴾ [محمد: ٣٥] ﴿ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا﴾ [الفتح: ٢٢] ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله﴾ [البقرة: ١٩٣] ﴿فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون* وإما تخافن من قوم خيانة
فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين﴾ [الأنفال: ٥٧، ٥٨] ﴿يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال﴾ [الأنفال: ٦٥] ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم﴾ [التوبة: ٥] ﴿قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين* ويذهب غيظ قلوبهم﴾ [التوبة: ١٤] ولم يكن قتال المسلمين لشهوة القتال وإراقة الدماء. وإنما كان للدعوة إلى الله، فمن آمن وأسلم عصم دمه وماله وعرضه، ومن استسلم ولم يقاتل، ودخل في حماية المسلمين وتحت ولايتهم، وأراد أن يبقى على دينه وله مالهم، وعليه ما عليهم، دفع الجزية، مقابل حمايته والدفاع عنه، فلا إكراه في الدين، وما أكذب الذين يدعون أن الإسلام نشر بالسيف.
الحق أن الإسلام نشر بشريعته الحكيمة السمحة، وما دخل الناس في دين الله أفواجا إلا عن اقتناع وحب لتعاليمه، ويكفيه مثلا في العفو عن المسيئين، والتسامح مع المحاربين ما حصل منه يوم فتح مكة، وقوله لمن آذى وقاتل، وقتل من المسلمين من قتل، أن قال لهم: ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء.
إن الإسلام دين اللين، لا دين القسوة، دين السلام لا دين الحرب ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله﴾ [الأنفال: ٦١] دين حرية العقيدة، لا دين القهر والإرهاب، دين الرحمة بالضعفاء لا يقتل صبيا ولا امرأة ولا شيخا عجوزا من الأعداء.
هكذا كانت تعاليمه عند القتال، بل حتى بعد القتال، وبعد النصر على الأعداء، وبعد أخذ الغنائم والسبي، إذا دخل من كانوا حاربوا في دين الله وأسلموا ردت إليهم أموالهم وسباياهم، وعاشوا أحرارا آمنين.
لقد غزا رسول الله ﷺ بضعا وعشرين غزوة في تسع سنين، وقاد جند الله في معاركه مع الكفر، وكان أشجع الناس، وأثبت الناس في الحرب، كما كان البلسم الشافي المداوي في السلم، جرح وكسرت سنه، وسال الدم على وجهه الشريف، فما وهن، وما ضعف، وما استكان، بل صبر وكافح، وجاهد في الله حق جهاده، حتى جاء نصر الله والفتح ورأى الناس يدخلون في دين الله أفواجا، فسبح بحمد ربه واستغفره، حتى أتاه اليقين.
صلى الله وسلم عليك يا رسول الله، نشهد أنك بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وكشفت الغمة، فجزاك الله عن الأمة وعن الإسلام خير الجزاء. والحمد لله رب العالمين.
стр. 4092
-[المباحث العربية]-
(الغزوات) جمع غزوة وهي المرة الواحدة من الغزو، وهو السير إلى القتال مع العدو، تقول: غزا، يغزو، غزوا، ومغزي، ومغزاة، وقال الجوهري: غزوت العدو غزوا، والاسم الغزاة، ورجل غاز، والجمع غزاة -بضم الغين مثل قاض وقضاة. اهـ. والمغازي جمع مغزى يصلح مصدرا، ويصلح أن يكون موضع الغزو، وكونه مصدرا هنا أولى.
(كم غزا رسول الله ﷺ ؟ ) أي كم غزوة اشترك فيها رسول الله ﷺ بنفسه؟ قاتل فيها؟ أو لم يقاتل؟
(تسع عشرة غزوة) في الرواية الثالثة عن جابر ﵁ قال: "غزوت مع رسول الله ﷺ تسع عشرة غزوة -قال جابر: لم أشهد بدرا ولا أحدا" فعدد الغزوات عند جابر إحدى وعشرون غزوة، قال الحافظ ابن حجر: فعلى هذا ففات زيد بن أرقم ذكر ثنتين منها، ولعلهما الأبواء، وبواط، وكأن ذلك خفي عليه لصغره، ويؤيد هذا ما وقع في روايتنا الأولى بلفظ "فما أول غزوة غزاها؟ قال: ذات العسير" و"العسير" ثالث غزوة كما سنبين بعد. وهذا التوجيه حسن، أما توجيه ابن التين، وحمله قول زيد بن أرقم على أن العسيرة أول ما غزا هو -أي زيد بن أرقم- والتقدير: فقلت: ما أول غزوة غزاها وأنت معه؟ قال: العسير، فهو محتمل، لكنه بعيد، لأنه لما سئل: كم غزوت أنت معه؟ قال: سبع عشرة، فسيرجع هذا التوجيه إلى أنه خفي عليه ثنتان مما عد بعد، أو عد غزوتين واحدة، لقربهما، فقد أهمل موسى بن عقبة غزوة بني قريظة، لأنه ضمها إلى الأحزاب، لكونها كانت في إثرها، وأفردها غيره، لوقوعها منفردة، بعد هزيمة الأحزاب، وأهمل غيره الطائف، وعدها مع حنين واحدة لتقاربهما، فيجتمع على هذا قول زيد بن أرقم وقول جابر.
وقد توسع ابن سعد، فبلغ عدد المغازي التي خرج فيها رسول الله ﷺ بنفسه سبعا وعشرين، وتبع في ذلك الواقدي، وهو مطابق لما عده ابن إسحق، إلا أنه لم يفرد وادي القرى من خيبر، وكأن الستة الزائدة من هذا القبيل، وعلى هذا يحمل ما أخرجه عبد الرازق بسند صحيح عن سعيد بن المسيب قال: "غزا رسول الله ﷺ أربعا وعشرين" فالاختلاف في العدد ناشئ عن إدماج بعض الرواة غزوة في غزوة، وعدم إدماج البعض لغزوتين في واحدة، أما الرواية الخامسة عن بريدة "وأنه غزا مع رسول الله ﷺ ست عشرة غزوة" والرواية السادسة عن سلمة "وأنه غزا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات" فلا تعارض ما قدمنا، فكل منهما يتحدث عن مشاركته، وليس فيما ذكر حصر للعدد، ولا نفي للزيادة.
أما الغزوات والسرايا التي عدها ابن سعد فهي على الترتيب الزمني: -
أول لواء عقده رسول الله ﷺ لحمزة بن عبد المطلب في رمضان على رأس سبعة أشهر، من هجرة رسول الله ﷺ وبعثه رسول الله ﷺ في ثلاثين رجلا من المهاجرين، قالوا، ولم يبعث رسول الله ﷺ أحدا من الأنصار مبعثا حتى غزا بهم بدرا. خرج حمزة يعترض عير
стр. 4093
قريش الآتية من الشام إلى مكة، وفيها أبو جهل بن هشام في ثلاثمائة رجل، فلم يحصل قتال، ورجع أبو جهل بالعير إلى مكة.
وعلى رأس ثمانية أشهر من الهجرة بعث رسول الله ﷺ سرية عبيدة بن الحارث بن المطلب إلى بطن رابغ في ستين رجلا من المهاجرين، ليعترض قافلة المشركين، فلم يحصل قتال، وعادت القافلة.
وعلى رأس تسعة أشهر من الهجرة بعث رسول الله ﷺ سرية سعد بن أبي وقاص إلى الخرار في عشرين رجلا من المهاجرين، ليعترض عيرا لقريش، فكانت العير قد سبقتهم قبل وصولهم ثم غزا رسول الله ﷺ الأبواء على رأس اثني عشر شهرا من الهجرة، واستخلف على المدينة سعد بن عبادة، يريد عيرا لقريش، كما يريد بني ضمرة بن بكر بن عبد مناة من كنانة، والأبواء موضع معروف بين مكة والمدينة وهي إلى المدينة أقرب، فوادع بني ضمرة، وعقد معهم عهدا أن لا يغزوه، ولا يغزوهم ولا يكثروا عليه جمعا، ولا يعينوا عدوا، ولم يلق العير.
فسار إلى "ودان" فتح الواو، وتشديد الدال، وهي قرية من أمهات القرى، بينها وبين الأبواء ستة أميال، ليعترض عيرا لقريش، فلم يلق العير، فرجع إلى المدينة بعد غياب خمس عشرة ليلة.
وعلى رأس ثلاثة عشر شهرا من الهجرة غزا "بواط" بضم الباء وتخفيف الواو، وهو جبل من جبال جهينة، على نحو أربعين ميلا من المدينة من جهة الشام، واستخلف على المدينة سعد بن معاذ، يقصد اعتراض عير لقريش، فلم يلق كيدا، ورجع إلى المدينة.
وعلى رأس ستة عشر شهرا كانت غزوة العشيرة.
(فقلت: فما أول غزوة غزاها؟ قال: ذات العسير أو العشير) قال النووي: هكذا في جميع نسخ صحيح مسلم "العسير" أو "العشير"، العين مضمومة، والأول بالسين والثاني بالشين، وقال القاضي في المشارق: هي ذات العشيرة، بضم العين وفتح الشين، قال: وجاء في كتاب المغازي من صحيح البخاري "عسير" بفتح العين وكسر السين، قال: والمعروف فيها "العشيرة" مصغرا، وهي من أرض مدمج اهـ. قال ابن إسحق: هي بطن ينبع، خرج ﷺ إليها يريد عيرا لقريش فوجد العير التي خرج لها قد مضت قبل وصوله بأيام.
قال ابن سعد: وبلغ قريشا خبرها، فخرجوا يمنعونها، فلقوا رسول الله ﷺ ببدر، فواقعهم، وقتل منهم من قتل.
قال ابن إسحق: ولما رجع إلى المدينة لم يقم إلا ليالي حتى أغار كرز بن جابر القهري على سرح المدينة فخرج النبي ﷺ في طلبه حتى بلغ سفران، بفتح السين، من ناحية بدر، ففاته كرز بن جابر، وهذه هي بدر الأولى.
قال ابن سعد: وعلى رأس سبعة عشر شهرا من الهجرة كانت سرية عبد الله بن جحش إلى بطن
стр. 4094
نخلة، قرب مكة، فاعترضوا عيرا لقريش، وشدوا عليهم، واستولوا على العير، وكان فيها خمر وأدم وزبيب وجاءوا بها إلى رسول الله ﷺ .
ثم كانت غزوة بدر الكبرى على رأس تسعة عشر شهرا من الهجرة.
ثم كانت غزوة بني قينقاع على رأس عشرين شهرا من الهجرة، وكانوا قوما من يهود، حلفاء لعبد الله بن أبي بن سلول، وكانوا صاغة، وادعوا النبي ﷺ فلما كانت وقعة بدر أظهروا البغي والحسد، ونبذوا العهد، فسار ﷺ إليهم، فحاربوا، وتحصنوا في حصنهم، فحاصرهم ﷺ أشد حصار، حتى قذف الله في قلوبهم الرعب، فنزلوا على حكم رسول الله ﷺ فتشفع فيهم عبد الله بن أبي، أن لا يقتلوا، وأن يجلوا من المدينة، فلحقوا بأذرعات.
وعلى رأس اثنين وعشرين شهرا من الهجرة أراد أبو سفيان أن يثأر من محمد ﷺ في بدر فأخذ أربعين راكبا، فجاءوا بني النضير ليلا، ونزلوا على سلام بن مشكم، فلما كان السحر خرجوا، وعلى بعد ثلاثة أميال من المدينة قتلوا رجلا من الأنصار وأجيرا له، وحرقوا أبياتا هناك وتبنا، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فخرج إليهم في مائتي رجل، فهرب أبو سفيان، ومن معه، وجعلوا يتخففون من السويق الذي معهم، يلقونه فيأخذه الصحابة، ولم يلحقوهم، فسميت هذه الغزوة بغزوة السويق.
وعلى رأس ثلاثة وعشرين شهرا كانت غزوة قرقرة الكدر، ويقال: قرارة الكدر بضم الكاف، على بعد أكثر من مائة ميل من المدينة، وذلك أنه ﷺ بلغه أن جمعا من سليم وغطفان يتجمعون له، فسار إليهم فهربوا وتركوا إبلهم، فساقها المسلمون إلى المدينة وكانت خمسمائة بعير.
وعلى رأس خمسة وعشرين شهرا كانت سرية قتل كعب بن الأشرف، وقد سبقت في باب مستقل ثم ذكر ابن سعد غزوة غطفان، وغزوة بني سليم، وفيهما لم يجد الرسول ﷺ فيهما كيدا، ورجع إلى المدينة.
وعلى رأس ثمانية وعشرين شهرا كانت سرية زيد بن حارثة إلى القردة -بفتح القاف والراء والدال، من أرض نجد، كانت لاعتراض عير لقريش، وكانت في مائة راكب، فأصابوا العير، وأفلت أعيان القوم، وقدموا بالعير إلى المدينة، فبلغ الخمس: عشرين ألف درهم.
وعلى رأس اثنين وثلاثين شهرا من الهجرة كانت غزوة أحد.
ولما انصرف ﷺ من أحد بات ليلة على بابه الأنصار، يداوون جراحهم، فلما صلى الصبح أمر بلالا أن ينادي أن رسول الله ﷺ يأمركم بطلب عدوكم، ولا يخرج معنا إلا من شهد القتال بالأمس، فقال جابر بن عبد الله: إن أبي خلفني يوم أحد على أخوات لي، فلم أشهد الحرب، فأذن لي أن أسير معك، فأذن له رسول الله ﷺ فلم يخرج معه أحد لم يشهد القتال غيره، وركب رسول الله ﷺ فرسه، وخرج الناس معه، فبعث بثلاثة نفر من أسلم طليعة، فقتل المشركون منهم اثنين بحمراء الأسد، وهي من المدينة على عشرة أميال، طريق العقيق على يسار ذي الحليفة، وفر
стр. 4095
المشركون، وعسكر رسول الله ﷺ بحمراء الأسد ليالي، ثم عاد إلى المدينة، وقد غاب خمس ليال، وتعرف بغزوة حمراء الأسد.
وعلى رأس خمسة وثلاثين شهرا من الهجرة كانت سرية أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي على قطن، وهو جبل بناحية فيد، به ماء لبني أسد بن خزيمة، إذ بلغ رسول الله ﷺ أن طليحة وسلمة ابني خويلد قد سارا في قومهما ومن أطاعهما يدعوان إلى حرب رسول الله ﷺ فعقد اللواء لأبي سلمة، وبعث معه مائة وخمسين رجلا فرجعوا سالمين غانمين إبلا وشاء، ولم يلقوا أحدا.
وبعد أيام من سرية أبي سلمة كانت سرية عبد الله بن أنيس إلى عرنة وما والاها، وعلى رأس ستة وثلاثين شهرا كانت سرية المنذر بن عمرو إلى بئر معونة، وذلك أن رعلا وذكوان وعصية وبني لحيان أرسلوا وفودا إلى رسول الله ﷺ فطلبوا منه نفرا من أصحابه إلى قومهم، رجاء أن يسلموا، ويجيبوا دعوته، فبعث معهم بسبعين من القراء، فغدروا بهم وقتلوهم عند بئر معونة، فقنت ﷺ شهرا يدعو على رعل وذكوان وعصية وبني لحيان.
وعلى رأس ستة وثلاثين شهرا من الهجرة كانت سرية مرثد بن أبي مرثد إلى الرجيع، وذلك أن رهطا من عضل والقارة، جاءوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله إن فينا إسلاما، فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقهونا ويقرئونا القرآن ويعلمونا شرائع الإسلام، فبعث رسول الله ﷺ معهم عشرة، فخرجوا معهم، حتى إذا كانوا بالرجيع -وهو ماء لهذيل، على سبعة أميال من عسفان- غدروا بهم، واستصرخوا عليهم هذيلا، فخرج إليهم بنو لحيان، فقتلوا بعضهم وأسروا بعضهم، وباعوهم بمكة.
وعلى رأس سبعة وثلاثين شهرا من الهجرة كانت غزوة بني النضير.
وعلى رأس خمسة وأربعين شهرا من الهجرة كانت غزوة بدر الموعد، وهي غير بدر القتال، وذلك أن أبا سفيان لما انصرف من أحد نادى: الموعد بيننا وبينكم بدر الصفراء، رأس الحول، نلتقي بها فنقتتل، فلما دنا الموعد خرج رسول الله ﷺ في ألف وخمسمائة حتى وصل بدرا، وخرج أبو سفيان في ألفين، حتى انتهوا إلى مر الظهران، ثم رجعوا. وهي غزوة بدر الصغرى.
وعلى رأس سبعة وأربعين شهرا من الهجرة كانت غزوة ذات الرقاع، التي سنتحدث عنها في الباب التالي.
وعلى رأس تسعة وأربعين شهرا من الهجرة كانت غزوة دومة الجندل إذ بلغ رسول الله ﷺ أن بدومة الجندل جمعا كبيرا من الكفار، وأنهم يظلمون من مر بهم، وأنهم يريدون أن يدنوا من المدينة -وهي طرف من أطراف الشام، بينها وبين المدينة خمس عشرة ليلة، فخرج إليهم رسول الله ﷺ في ألف من المسلمين، فلما دنا منهم هربوا. وفي هذه الغزوة وادع رسول الله ﷺ عيينة بن حصن.
وفي شعبان من السنة الخامسة من الهجرة كانت غزوة المريسيع، وذلك أن الحارث بن أبي ضرار سار في قومه ومن قدر عليه من العرب، فدعاهم إلى حرب رسول الله ﷺ فخرج إليهم رسول الله ﷺ ومعه خلق كثير من المنافقين على رأسهم عبد الله بن أبي، وانتهى رسول الله ﷺ إلى ماء
стр. 4096
المريسيع، فتهيئوا للقتال، فحمل المسلمون عليهم، حملة رجل واحد، فما أفلت منهم رجل، قتل عشرة منهم، وأسر سائرهم وسبى رسول الله ﷺ الرجال والنساء والذرية والنعم والشاء، ولم يقتل من المسلمين إلا رجل واحد. وكان السبي مائتي أهل بيت وفيهن جويرية بنت الحارث، والإبل ألفي بعير، والشاء خمسة آلاف شاة، وفي هذه الغزوة كان حديث الإفك.
وفي ذي القعدة سنة خمس من الهجرة كانت غزوة الأحزاب، وهي الخندق.
وفي الشهر نفسه كانت غزوة بني المصطلق.
وعلى رأس تسعة وخمسين شهرا من الهجرة كانت سرية محمد بن مسلمة إلى القرطاء، وهم بطن من بني بكر من كلاب، على بعد سبع ليال من المدينة، بعثه في ثلاثين راكبا، فأغار عليهم، فقتل نفرا منهم، وهرب سائرهم، واستاق نعما وشاء، ولم يتعرض للطعن.
وفي ربيع الأول سنة ست من الهجرة كانت غزوة بني لحيان، وكانوا بناحية عسفان، أسرع رسول الله ﷺ في مائتي رجل من أصحابه، حتى بلغ بطن غران -بينها وبين عسفان خمسة أميال- حيث كان مصاب أصحابه القراء السبعين، فترحم عليهم، فسمعت بنو لحيان بهم، فهربوا في رءوس الجبال، فلم يقدر منهم على أحد، فرجع إلى المدينة.
وفي الشهر نفسه كانت غزوة الغابة، وهي غزوة ذي قرد التي تحدثنا عنها.
وفي الشهر نفسه كانت سرية عكاشة بن محصن الأسدي إلى الغمر، وهو ماء لبني أسد، خرج في أربعين رجلا، فأغاروا عليهم، فهربوا، فاستاقوا إلى المدينة مائتي بعير.
وفي ربيع الآخر سنة ست من الهجرة كانت سرية محمد بن مسلمة إلى القصة، إلى بني ثعلبة، بينهم وبين المدينة أربعة وعشرون ميلا طريق الربذة، في عشرة نفر، فحملت عليهم الأعراب، فقتلوهم، وحمل محمد بن مسلمة جريحا إلى المدينة.
وفي الشهر نفسه كانت سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى ذي القصة، فهرب أهلها إلى الجبال، وعادوا بالنعم.
وفي الشهر نفسه كانت سرية زيد بن حارثة إلى بني سليم بالجموم، ناحية بطن نخل، على نحو سبعين ميلا من المدينة، فعادوا بالنعم والشاء.
وفي جمادى الأولى سنة ست من الهجرة كانت سرية زيد بن حارثة إلى العيص، وبينها وبين المدينة أربع ليال، بعثه رسول الله ﷺ في مائة وسبعين راكبا، ليعترضوا طريق قافلة لقريش، قادمة من الشام، فأخذوها وما فيها، وأسروا ناسا ممن كانوا في العير، منهم العاص بن الربيع، زوج زينب بنت النبي ﷺ فأجارته زينب.
وفي جمادى الآخرة كانت سرية زيد بن حارثة إلى الطرف، وهو ماء على ستة وثلاثين ميلا من المدينة، في خمسة عشر رجلا، فأصابوا نعما وشاء، وهربت الأعراب.
стр. 4097
وفي الشهر نفسه كانت سرية زيد بن حارثة إلى حسمى، وهي وراء وادي القرى، في خمسمائة رجل، فأغاروا على القوم، واستاقوا ماشيتهم ونعمهم ونساءهم، فأخذوا من النعم ألف بعير، ومن الشاء خمسة آلاف شاة، ومن السبي مائة من النساء والصبيان، فأسلم القوم، فرد عليهم رسول الله ﷺ ما غنم منهم.
وفي رجب سنة ست من الهجرة كانت سرية زيد بن حارثة إلى وادي القرى.
وفي شعبان سنة ست من الهجرة كانت سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل، فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا.
وفي شعبان سنة ست من الهجرة كانت سرية علي بن أبي طالب إلى بني سعد بن بكر بفدك حيث بلغ رسول الله ﷺ أنهم يريدون أن يمدوا يهود خيبر، فعادت السرية بخمسمائة بعير وألف شاة، وهربت بنو سعد.
وفي رمضان سنة ست من الهجرة كانت سرية زيد بن حارثة إلى أم قرفة بوادي القرى على سبع ليال من المدينة.
وفي الشهر نفسه كانت سرية عبد الله بن عتيك إلى أبي رافع سلام بن أبي الحقيق النضري بخيبر، فقتلوا أبا رافع، وعادوا إلى المدينة.
وفي شوال سنة ست كانت سرية عبد الله بن رواحة إلى أسير بن زارم اليهودي، بخيبر، فإنه لما قتل أبو رافع أمرت يهود عليهم أسير بن زارم، فسار في غطفان وغيرهم يجمعهم لحرب رسول الله ﷺ فوجه إليه عبد الله بن رواحة في ثلاثين رجلا فقتلوه وقتلوا معه ثلاثين رجلا من يهود، ولم يصب أحد من المسلمين.
وفي الشهر نفسه كانت سرية كرز بن جابر الفهري إلى العرنيين، فقد قدم نفر من عرينة، ثمانية على رسول الله ﷺ فأسلموا واستوبأوا المدينة، فأمر بهم رسول الله ﷺ إلى لقاحه، وكانت ترعى بناحية قباء، على ستة أميال من المدينة، فكانوا فيها حتى صحوا وسمنوا، فغدوا على اللقاح فاستاقوها، وقطعوا يد الراعي يسار مولى رسول الله ﷺ ورجله، وغرزوا الشوك في لسانه وعينيه حتى مات. وبلغ رسول الله ﷺ فبعث في إثرهم عشرين فارسا، فأحاطوا بهم، وأسروهم وربطوهم وأردفوهم على الخيل، حتى قدموا بهم المدينة، فأمر بهم رسول الله ﷺ فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم فصلبوا، ونزل قوله تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا ... ﴾ [المائدة: ٣٣] الآية. فلم يسمل بعد ذلك عينا.
وفي القعدة سنة ست كانت غزوة الحديبية.
وفي جمادى الأولى سنة سبع كانت غزوة خيبر.
وفي شعبان سنة سبع من الهجرة كانت سرية أبي بكر الصديق ﵁ إلى كلاب بنجد فقتلت
стр. 4098
السرية من قتلت، وأسرت من أسرت، وبعث رسول الله ﷺ بامرأة إحدى السبايا إلى مكة، ففدى بها أسرى من المسلمين كانوا في أيدي المشركين.
وفي الشهر نفسه كانت سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى فدك.
وفي شهر رمضان كانت سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى الميفعة، وهي وراء بطن نخل، بعثه في مائة وثلاثين رجلا، فقتلوا من أشرف لهم، واستاقوا نعما وشاء فجاءوا به المدينة.
وفي شوال كانت سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى يمن وجبار حيث بلغ رسول الله ﷺ أن جمعا من غطفان بالجناب قد واعدهم عيينة بن حصن، ليكون معهم ليزحفوا إلى رسول الله ﷺ ، فبعث ﷺ بشيرا في ثلاثمائة رجل، فهرب القوم وأصابت السرية نعما وأسيرين، وعادت إلى المدينة.
وفي ذي القعدة سنة سبع كانت عمرة القضية.
وفي ذي الحجة سنة سبع كانت سرية ابن أبي العوجاء السلمي إلى بني سليم في خمسين رجلا، فقتل عامتهم، إذ تكاثر عليهم القوم، وأحاطوا بهم.
وفي صفر سنة ثمان من الهجرة كانت سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني الملوح بالكديد.
وفي الشهر نفسه كانت سرية غالب بن عبد الله الليثي أيضا إلى مصاب في مائتي رجل، فأصابوا منهم قتلا ونعما.
وفي ربيع الأول كانت سرية شجاع بن وهب الأسدي إلى بني عامر بالسبي في أربعة وعشرين رجلا، فأصابوا نعما كثيرا وشاة، وقدموا بها إلى المدينة.
وفي الشهر نفسه كانت سرية كعب بن عمير الغفاري إلى ذات أطلاح، من وراء وادي القرى في خمسة عشر رجلا، فتكاثر عليهم القوم، فقتلوهم عدا رجل واحد، تحامل حتى وصل رسول الله ﷺ .
وفي جمادى الأولى كانت سرية مؤتة، بأدنى البلقاء، دون دمشق، بعث رسول الله ﷺ إليها الحارث بن عمير الأزدي إلى ملك بصرى بكتاب، فلما نزل مؤتة عرض له شرحبيل بن عمرو الغساني فقتله، فندب رسول الله ﷺ الناس، فأسرعوا فعسكروا في الجرف، وهم ثلاثة آلاف، وقال لهم: أميركم زيد بن حارثة، فإن قتل فجعفر بن أبي طالب، فإن قتل فعبد الله بن رواحة، فإن قتل فليرتض المسلمون بينهم رجلا فيجعلوه عليهم. فلما خرجوا من المدينة سمع العدو بمسيرتهم، فجمعوا لهم أكثر من مائة ألف والتقى الفريقان عند مؤتة، وقاتل المسلمون، وقتل القادة الثلاثة، فتول القيادة خالد بن الوليد، ففتح الله به، وهزم القوم أسوأ هزيمة.
وفي جمادى الآخرة كانت سرية عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل، وراء وادي القرى، بينها وبين المدينة عشرة أيام، في ثلاثمائة رجل، ثم أمده رسول الله ﷺ بمائتين فيهم أبو بكر وعمر، وأمر عليهم عبيدة بن الجراح، فنصرهم الله على عدوهم.
وفي رجب كانت سرية الخبط، وأميرها أبو عبيدة بن الجراح في ثلاثمائة رجل إلى حي من
стр. 4099
جهينة، على ساحل البحر، وبينها وبين المدينة خمس ليال، فأصابهم في الطريق جوع شديد، فأكلوا الخبط، وبه سميت السرية، فلما وصلوا لم يلقوا كيدا.
وفي شعبان كانت سرية أبي قتادة بن ربعي الأنصاري إلى خضره، وهي أرض محارب بنجد، وكانت السرية خمسة عشر رجلا فقتلوا من قتلوا، واستاقوا مائتي بعير وألفي شاة، وسبوا سبيا كثيرا، وعادوا إلى المدينة.
وفي أول رمضان كانت سرية أبي قتادة بن ربعي الأنصاري إلى بطن إضم، وذلك حين هم الرسول ﷺ بغزو مكة بعث أبا قتادة في ثمانية نفر، وبينها وبين المدينة نحو خمسين ميلا، ليظن ظان أن رسول الله ﷺ توجه إلى تلك الناحية، فتذهب بذلك الأخبار، فمضوا ولم يلحقوا جمعا، فبلغهم أن رسول الله ﷺ قد توجه إلى مكة، فاتجهوا نحوها.
وفي رمضان سنة ثمان من الهجرة كانت غزوة الفتح.
وفي آخر رمضان كانت سرية خالد بن الوليد إلى العزى ليهدمها، فخرج في ثلاثين فارسا، فانتهوا إليها فهدموها، وكانت بنخلة، وكانت لقريش وجميع بني كنانة، وكانت أعظم أصنامهم، وكان بنو شيبان، من بني سليم سدنتها.
وفي الوقت نفسه كانت سرية عمرو بن العاص إلى سواع، صنم هذيل، ليهدمه.
وفي الوقت نفسه كانت سرية سعد بن زيد الأشهلي إلى مناة، وكانت بالمشلل، وكانت للأوس والخزرج وغسان، خرج في عشرين فارسا، فهدموها.
وفي شوال كانت سرية خالد بن الوليد إلى بني جذيمة من كنانة، وكانوا بأسفل مكة، ناحية يلملم، فانتهى إليهم خالد في ثلاثمائة وخمسين رجلا، فأعلنوا إسلامهم، فلم يصدقهم خالد، فقتل منهم، فبلغ النبي ﷺ ما صنع خالد، فقال: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد" وبعث علي بن أبي طالب بالدية لقتلاهم.
وفي الشهر نفسه كانت غزوة رسول الله ﷺ هوازن، وحنين واد بينه وبين مكة ثلاث ليال، وقد سبق الحديث عن هذه الغزوة.
وفي الشهر نفسه كانت سرية الطفيل بن عمرو الدوسي إلى ذي الكفين، صنم عمرو بن حممة الدوسي، وذلك حين أراد الرسول ﷺ السير إلى الطائف، فهدم الصنم ولحق بالرسول ﷺ .
وفي الشهر نفسه خرج رسول الله ﷺ من حنين، يريد الطائف، وكانت غزوة الطائف.
وفي المحرم سنة تسع كانت سرية عيينة بن حصن الفزاري إلى بني تميم في خمسين فارسا، فأسروا نساء وأطفالا، وجاء أشرافهم مسلمين ينادون بصوت مرتفع: يا محمد اخرج إلينا، فنزل فيهم ﴿إن الذين ينادونك من وراء الحجرات﴾ [الحجرات: ٤] فرد عليهم رسول الله ﷺ الأسرى والسبي.
ثم بعث رسول الله ﷺ الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق من خزاعة يأخذ منهم
стр. 4100
الصدقة وكانوا قد أسلموا، وبنوا المساجد، فلما سمعوا بدنو الوليد خرج منهم عشرون رجلا يتلقونه بالجزور والغنم فرحا به، فلما رآهم ولى راجعا إلى المدينة، فأخبر النبي ﷺ أنهم تلقوه بالسلاح، يحولون بينه وبين الصدقة. فهم رسول الله ﷺ أن يبعث إليهم من يغزوهم، وبلغ ذلك القوم، فقدم عليه الركب الذين تلقوا الوليد، فأخبروا النبي ﷺ الخبر على وجهه، ونزل قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة﴾ [الحجرات: ٦].
وفي صفر سنة تسع كانت سرية قطبة بن عامر بن حديدة إلى خثعم، ناحية بيشة، قريبا من تربة في عشرين رجلا، فقتلوا من قتلوا، وعادوا بالنعم والشاء والنساء إلى المدينة.
وفي ربيع الأول كانت سرية الضحاك بن سفيان الكلابي إلى بني كلاب.
وفي ربيع الآخر كانت سرية علقمة بن مجزر المدلجي إلى الحبشة في ثلاثمائة.
وفي الشهر نفسه كانت سرية علي بن أبي طالب إلى الفلس، صنم طيئ، ليهدمه في خمسين ومائة رجل، فهدموه.
وفي الشهر نفسه كانت سرية عكاشة بن محصن الأسدي إلى الجناب، أرض عذرة وبلي.
وفي رجب سنة تسع كانت غزوة تبوك، خرج إليها رسول الله ﷺ في ثلاثين ألفا، فأقام بها عشرين ليلة، ثم انصرف ﷺ من تبوك، ولم يلق كيدا.
وفي آخر شهر صفر سنة إحدى عشرة من الهجرة أمر رسول الله ﷺ الناس للتهيؤ لغزو الروم، ثم دعا أسامة بن زيد، فقال: سر إلى موضع مقتل أبيك، فأوطئهم الخيل، فقد وليتك هذا الجيش، فمرض رسول الله ﷺ وأخذ يغيب ويفيق فيقول: انفذوا بعث أسامة، فلما توفي رسول الله ﷺ وبويع لأبي بكر خرج أسامة بجيشه، عند هلال شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة من الهجرة.
هذا ما قاله ابن سعد في الطبقات الكبرى بتصرف كبير.
(ولم أشهد أحدا، ولا بدرا) قال النووي: قال القاضي: كذا في رواية مسلم أن جابرا لم يشهدهما، وقد ذكر أبو عبيد أنه شهد بدرا، وقال ابن عبد البر: الصحيح أنه لم يشهدهما، وقد ذكر ابن الكلبي أنه شهد أحدا. اهـ. وفيما سبق عن ابن سعد أنه لم يشهدها.
(منعني أبي) سبق في روايات ابن سعد أن المنع كان لرعايته أخواته البنات اللائي لا عائل لهن غيره.
(فلما قتل عبد الله) أي أبوه.
(لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة قط) في الصحيح أنه كان قد تزوج بعد وفاة أبيه ثيبا كبيرة، ترعى أخواته في غيبته. و"قط" ظرف زمان، لاستغراق ما مضى، تقول: ما فعلته قط، بفتح القاف وتشديد الطاء مضمومة في أفصح اللغات، وتختص بالنفي، والعامة يقولون: لا أفعله
следующие страницы →