Полный текст (6 200 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.
стр. 4096
المريسيع، فتهيئوا للقتال، فحمل المسلمون عليهم، حملة رجل واحد، فما أفلت منهم رجل، قتل عشرة منهم، وأسر سائرهم وسبى رسول الله ﷺ الرجال والنساء والذرية والنعم والشاء، ولم يقتل من المسلمين إلا رجل واحد. وكان السبي مائتي أهل بيت وفيهن جويرية بنت الحارث، والإبل ألفي بعير، والشاء خمسة آلاف شاة، وفي هذه الغزوة كان حديث الإفك.
وفي ذي القعدة سنة خمس من الهجرة كانت غزوة الأحزاب، وهي الخندق.
وفي الشهر نفسه كانت غزوة بني المصطلق.
وعلى رأس تسعة وخمسين شهرا من الهجرة كانت سرية محمد بن مسلمة إلى القرطاء، وهم بطن من بني بكر من كلاب، على بعد سبع ليال من المدينة، بعثه في ثلاثين راكبا، فأغار عليهم، فقتل نفرا منهم، وهرب سائرهم، واستاق نعما وشاء، ولم يتعرض للطعن.
وفي ربيع الأول سنة ست من الهجرة كانت غزوة بني لحيان، وكانوا بناحية عسفان، أسرع رسول الله ﷺ في مائتي رجل من أصحابه، حتى بلغ بطن غران -بينها وبين عسفان خمسة أميال- حيث كان مصاب أصحابه القراء السبعين، فترحم عليهم، فسمعت بنو لحيان بهم، فهربوا في رءوس الجبال، فلم يقدر منهم على أحد، فرجع إلى المدينة.
وفي الشهر نفسه كانت غزوة الغابة، وهي غزوة ذي قرد التي تحدثنا عنها.
وفي الشهر نفسه كانت سرية عكاشة بن محصن الأسدي إلى الغمر، وهو ماء لبني أسد، خرج في أربعين رجلا، فأغاروا عليهم، فهربوا، فاستاقوا إلى المدينة مائتي بعير.
وفي ربيع الآخر سنة ست من الهجرة كانت سرية محمد بن مسلمة إلى القصة، إلى بني ثعلبة، بينهم وبين المدينة أربعة وعشرون ميلا طريق الربذة، في عشرة نفر، فحملت عليهم الأعراب، فقتلوهم، وحمل محمد بن مسلمة جريحا إلى المدينة.
وفي الشهر نفسه كانت سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى ذي القصة، فهرب أهلها إلى الجبال، وعادوا بالنعم.
وفي الشهر نفسه كانت سرية زيد بن حارثة إلى بني سليم بالجموم، ناحية بطن نخل، على نحو سبعين ميلا من المدينة، فعادوا بالنعم والشاء.
وفي جمادى الأولى سنة ست من الهجرة كانت سرية زيد بن حارثة إلى العيص، وبينها وبين المدينة أربع ليال، بعثه رسول الله ﷺ في مائة وسبعين راكبا، ليعترضوا طريق قافلة لقريش، قادمة من الشام، فأخذوها وما فيها، وأسروا ناسا ممن كانوا في العير، منهم العاص بن الربيع، زوج زينب بنت النبي ﷺ فأجارته زينب.
وفي جمادى الآخرة كانت سرية زيد بن حارثة إلى الطرف، وهو ماء على ستة وثلاثين ميلا من المدينة، في خمسة عشر رجلا، فأصابوا نعما وشاء، وهربت الأعراب.
стр. 4097
وفي الشهر نفسه كانت سرية زيد بن حارثة إلى حسمى، وهي وراء وادي القرى، في خمسمائة رجل، فأغاروا على القوم، واستاقوا ماشيتهم ونعمهم ونساءهم، فأخذوا من النعم ألف بعير، ومن الشاء خمسة آلاف شاة، ومن السبي مائة من النساء والصبيان، فأسلم القوم، فرد عليهم رسول الله ﷺ ما غنم منهم.
وفي رجب سنة ست من الهجرة كانت سرية زيد بن حارثة إلى وادي القرى.
وفي شعبان سنة ست من الهجرة كانت سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل، فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا.
وفي شعبان سنة ست من الهجرة كانت سرية علي بن أبي طالب إلى بني سعد بن بكر بفدك حيث بلغ رسول الله ﷺ أنهم يريدون أن يمدوا يهود خيبر، فعادت السرية بخمسمائة بعير وألف شاة، وهربت بنو سعد.
وفي رمضان سنة ست من الهجرة كانت سرية زيد بن حارثة إلى أم قرفة بوادي القرى على سبع ليال من المدينة.
وفي الشهر نفسه كانت سرية عبد الله بن عتيك إلى أبي رافع سلام بن أبي الحقيق النضري بخيبر، فقتلوا أبا رافع، وعادوا إلى المدينة.
وفي شوال سنة ست كانت سرية عبد الله بن رواحة إلى أسير بن زارم اليهودي، بخيبر، فإنه لما قتل أبو رافع أمرت يهود عليهم أسير بن زارم، فسار في غطفان وغيرهم يجمعهم لحرب رسول الله ﷺ فوجه إليه عبد الله بن رواحة في ثلاثين رجلا فقتلوه وقتلوا معه ثلاثين رجلا من يهود، ولم يصب أحد من المسلمين.
وفي الشهر نفسه كانت سرية كرز بن جابر الفهري إلى العرنيين، فقد قدم نفر من عرينة، ثمانية على رسول الله ﷺ فأسلموا واستوبأوا المدينة، فأمر بهم رسول الله ﷺ إلى لقاحه، وكانت ترعى بناحية قباء، على ستة أميال من المدينة، فكانوا فيها حتى صحوا وسمنوا، فغدوا على اللقاح فاستاقوها، وقطعوا يد الراعي يسار مولى رسول الله ﷺ ورجله، وغرزوا الشوك في لسانه وعينيه حتى مات. وبلغ رسول الله ﷺ فبعث في إثرهم عشرين فارسا، فأحاطوا بهم، وأسروهم وربطوهم وأردفوهم على الخيل، حتى قدموا بهم المدينة، فأمر بهم رسول الله ﷺ فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم فصلبوا، ونزل قوله تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا ... ﴾ [المائدة: ٣٣] الآية. فلم يسمل بعد ذلك عينا.
وفي القعدة سنة ست كانت غزوة الحديبية.
وفي جمادى الأولى سنة سبع كانت غزوة خيبر.
وفي شعبان سنة سبع من الهجرة كانت سرية أبي بكر الصديق ﵁ إلى كلاب بنجد فقتلت
стр. 4098
السرية من قتلت، وأسرت من أسرت، وبعث رسول الله ﷺ بامرأة إحدى السبايا إلى مكة، ففدى بها أسرى من المسلمين كانوا في أيدي المشركين.
وفي الشهر نفسه كانت سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى فدك.
وفي شهر رمضان كانت سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى الميفعة، وهي وراء بطن نخل، بعثه في مائة وثلاثين رجلا، فقتلوا من أشرف لهم، واستاقوا نعما وشاء فجاءوا به المدينة.
وفي شوال كانت سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى يمن وجبار حيث بلغ رسول الله ﷺ أن جمعا من غطفان بالجناب قد واعدهم عيينة بن حصن، ليكون معهم ليزحفوا إلى رسول الله ﷺ ، فبعث ﷺ بشيرا في ثلاثمائة رجل، فهرب القوم وأصابت السرية نعما وأسيرين، وعادت إلى المدينة.
وفي ذي القعدة سنة سبع كانت عمرة القضية.
وفي ذي الحجة سنة سبع كانت سرية ابن أبي العوجاء السلمي إلى بني سليم في خمسين رجلا، فقتل عامتهم، إذ تكاثر عليهم القوم، وأحاطوا بهم.
وفي صفر سنة ثمان من الهجرة كانت سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني الملوح بالكديد.
وفي الشهر نفسه كانت سرية غالب بن عبد الله الليثي أيضا إلى مصاب في مائتي رجل، فأصابوا منهم قتلا ونعما.
وفي ربيع الأول كانت سرية شجاع بن وهب الأسدي إلى بني عامر بالسبي في أربعة وعشرين رجلا، فأصابوا نعما كثيرا وشاة، وقدموا بها إلى المدينة.
وفي الشهر نفسه كانت سرية كعب بن عمير الغفاري إلى ذات أطلاح، من وراء وادي القرى في خمسة عشر رجلا، فتكاثر عليهم القوم، فقتلوهم عدا رجل واحد، تحامل حتى وصل رسول الله ﷺ .
وفي جمادى الأولى كانت سرية مؤتة، بأدنى البلقاء، دون دمشق، بعث رسول الله ﷺ إليها الحارث بن عمير الأزدي إلى ملك بصرى بكتاب، فلما نزل مؤتة عرض له شرحبيل بن عمرو الغساني فقتله، فندب رسول الله ﷺ الناس، فأسرعوا فعسكروا في الجرف، وهم ثلاثة آلاف، وقال لهم: أميركم زيد بن حارثة، فإن قتل فجعفر بن أبي طالب، فإن قتل فعبد الله بن رواحة، فإن قتل فليرتض المسلمون بينهم رجلا فيجعلوه عليهم. فلما خرجوا من المدينة سمع العدو بمسيرتهم، فجمعوا لهم أكثر من مائة ألف والتقى الفريقان عند مؤتة، وقاتل المسلمون، وقتل القادة الثلاثة، فتول القيادة خالد بن الوليد، ففتح الله به، وهزم القوم أسوأ هزيمة.
وفي جمادى الآخرة كانت سرية عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل، وراء وادي القرى، بينها وبين المدينة عشرة أيام، في ثلاثمائة رجل، ثم أمده رسول الله ﷺ بمائتين فيهم أبو بكر وعمر، وأمر عليهم عبيدة بن الجراح، فنصرهم الله على عدوهم.
وفي رجب كانت سرية الخبط، وأميرها أبو عبيدة بن الجراح في ثلاثمائة رجل إلى حي من
стр. 4099
جهينة، على ساحل البحر، وبينها وبين المدينة خمس ليال، فأصابهم في الطريق جوع شديد، فأكلوا الخبط، وبه سميت السرية، فلما وصلوا لم يلقوا كيدا.
وفي شعبان كانت سرية أبي قتادة بن ربعي الأنصاري إلى خضره، وهي أرض محارب بنجد، وكانت السرية خمسة عشر رجلا فقتلوا من قتلوا، واستاقوا مائتي بعير وألفي شاة، وسبوا سبيا كثيرا، وعادوا إلى المدينة.
وفي أول رمضان كانت سرية أبي قتادة بن ربعي الأنصاري إلى بطن إضم، وذلك حين هم الرسول ﷺ بغزو مكة بعث أبا قتادة في ثمانية نفر، وبينها وبين المدينة نحو خمسين ميلا، ليظن ظان أن رسول الله ﷺ توجه إلى تلك الناحية، فتذهب بذلك الأخبار، فمضوا ولم يلحقوا جمعا، فبلغهم أن رسول الله ﷺ قد توجه إلى مكة، فاتجهوا نحوها.
وفي رمضان سنة ثمان من الهجرة كانت غزوة الفتح.
وفي آخر رمضان كانت سرية خالد بن الوليد إلى العزى ليهدمها، فخرج في ثلاثين فارسا، فانتهوا إليها فهدموها، وكانت بنخلة، وكانت لقريش وجميع بني كنانة، وكانت أعظم أصنامهم، وكان بنو شيبان، من بني سليم سدنتها.
وفي الوقت نفسه كانت سرية عمرو بن العاص إلى سواع، صنم هذيل، ليهدمه.
وفي الوقت نفسه كانت سرية سعد بن زيد الأشهلي إلى مناة، وكانت بالمشلل، وكانت للأوس والخزرج وغسان، خرج في عشرين فارسا، فهدموها.
وفي شوال كانت سرية خالد بن الوليد إلى بني جذيمة من كنانة، وكانوا بأسفل مكة، ناحية يلملم، فانتهى إليهم خالد في ثلاثمائة وخمسين رجلا، فأعلنوا إسلامهم، فلم يصدقهم خالد، فقتل منهم، فبلغ النبي ﷺ ما صنع خالد، فقال: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد" وبعث علي بن أبي طالب بالدية لقتلاهم.
وفي الشهر نفسه كانت غزوة رسول الله ﷺ هوازن، وحنين واد بينه وبين مكة ثلاث ليال، وقد سبق الحديث عن هذه الغزوة.
وفي الشهر نفسه كانت سرية الطفيل بن عمرو الدوسي إلى ذي الكفين، صنم عمرو بن حممة الدوسي، وذلك حين أراد الرسول ﷺ السير إلى الطائف، فهدم الصنم ولحق بالرسول ﷺ .
وفي الشهر نفسه خرج رسول الله ﷺ من حنين، يريد الطائف، وكانت غزوة الطائف.
وفي المحرم سنة تسع كانت سرية عيينة بن حصن الفزاري إلى بني تميم في خمسين فارسا، فأسروا نساء وأطفالا، وجاء أشرافهم مسلمين ينادون بصوت مرتفع: يا محمد اخرج إلينا، فنزل فيهم ﴿إن الذين ينادونك من وراء الحجرات﴾ [الحجرات: ٤] فرد عليهم رسول الله ﷺ الأسرى والسبي.
ثم بعث رسول الله ﷺ الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق من خزاعة يأخذ منهم
стр. 4100
الصدقة وكانوا قد أسلموا، وبنوا المساجد، فلما سمعوا بدنو الوليد خرج منهم عشرون رجلا يتلقونه بالجزور والغنم فرحا به، فلما رآهم ولى راجعا إلى المدينة، فأخبر النبي ﷺ أنهم تلقوه بالسلاح، يحولون بينه وبين الصدقة. فهم رسول الله ﷺ أن يبعث إليهم من يغزوهم، وبلغ ذلك القوم، فقدم عليه الركب الذين تلقوا الوليد، فأخبروا النبي ﷺ الخبر على وجهه، ونزل قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة﴾ [الحجرات: ٦].
وفي صفر سنة تسع كانت سرية قطبة بن عامر بن حديدة إلى خثعم، ناحية بيشة، قريبا من تربة في عشرين رجلا، فقتلوا من قتلوا، وعادوا بالنعم والشاء والنساء إلى المدينة.
وفي ربيع الأول كانت سرية الضحاك بن سفيان الكلابي إلى بني كلاب.
وفي ربيع الآخر كانت سرية علقمة بن مجزر المدلجي إلى الحبشة في ثلاثمائة.
وفي الشهر نفسه كانت سرية علي بن أبي طالب إلى الفلس، صنم طيئ، ليهدمه في خمسين ومائة رجل، فهدموه.
وفي الشهر نفسه كانت سرية عكاشة بن محصن الأسدي إلى الجناب، أرض عذرة وبلي.
وفي رجب سنة تسع كانت غزوة تبوك، خرج إليها رسول الله ﷺ في ثلاثين ألفا، فأقام بها عشرين ليلة، ثم انصرف ﷺ من تبوك، ولم يلق كيدا.
وفي آخر شهر صفر سنة إحدى عشرة من الهجرة أمر رسول الله ﷺ الناس للتهيؤ لغزو الروم، ثم دعا أسامة بن زيد، فقال: سر إلى موضع مقتل أبيك، فأوطئهم الخيل، فقد وليتك هذا الجيش، فمرض رسول الله ﷺ وأخذ يغيب ويفيق فيقول: انفذوا بعث أسامة، فلما توفي رسول الله ﷺ وبويع لأبي بكر خرج أسامة بجيشه، عند هلال شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة من الهجرة.
هذا ما قاله ابن سعد في الطبقات الكبرى بتصرف كبير.
(ولم أشهد أحدا، ولا بدرا) قال النووي: قال القاضي: كذا في رواية مسلم أن جابرا لم يشهدهما، وقد ذكر أبو عبيد أنه شهد بدرا، وقال ابن عبد البر: الصحيح أنه لم يشهدهما، وقد ذكر ابن الكلبي أنه شهد أحدا. اهـ. وفيما سبق عن ابن سعد أنه لم يشهدها.
(منعني أبي) سبق في روايات ابن سعد أن المنع كان لرعايته أخواته البنات اللائي لا عائل لهن غيره.
(فلما قتل عبد الله) أي أبوه.
(لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة قط) في الصحيح أنه كان قد تزوج بعد وفاة أبيه ثيبا كبيرة، ترعى أخواته في غيبته. و"قط" ظرف زمان، لاستغراق ما مضى، تقول: ما فعلته قط، بفتح القاف وتشديد الطاء مضمومة في أفصح اللغات، وتختص بالنفي، والعامة يقولون: لا أفعله
стр. 4101
قط، وهو لحن، واشتقاقه من قططت الشيء إذا قطعته، فمعنى ما فعلته قط، ما فعلته فيما انقطع من عمري، لأن الماضي منقطع عن الحال والاستقبال، وبنيت على الضم لتضمنها معنى مذ، وإلى، وقد تكسر، على أصل التقاء الساكنين، وقد تتبع قافه طاءه في الضم، وقد تخفف طاؤه، مع ضمها أو إسكانها، قاله ابن هشام في مغني اللبيب.
(قاتل في ثمان منهن) وهن: بدر، وأحد، والأحزاب، والمريسيع، وقديد، وخيبر، ومكة، وحنين. وقيل: قاتل في تسع، فزاد الطائف، وبعضهم لم يعد مكة، على أنها فتحت صلحا، كما سبق.
-[فقه الحديث]-
-[يؤخذ من الحديث]-
١ - مدى حرص الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين- على حضور الغزوات.
٢ - تفاخرهم بالاشتراك فيها.
٣ - حفظهم لها واهتمامهم بها.
٤ - من الرواية الأولى الحرص على أخذ العلم من أهله، وممن اشتهر به.
٥ - حب القرب من العلماء، والاعتزاز به.
٦ - ومن الرواية الثانية أن الرسول ﷺ لم يحج بعد ما هاجر إلا حجة واحدة، وهي حجة الوداع.
٧ - ومن الرواية الثالثة، وتخلف جابر ﵁ عن بدر وأحد، أن الأعذار عن الغزو كانت مقبولة.
والله أعلم.
(ملحوظة): ذكر الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- الغزوات غير مرتبة، لا ترتيبا زمنيا كما فعل البخاري، ولا ترتيب الأهم فالأهم، ولا ترتيب المتفق عليه ثم المختلف فيه، ولم أستطع الوصول إلى حكمة لهذا الترتيب، فقد ذكر غزوة حنين، فغزوة الطائف، فغزوة بدر، ففتح مكة، فصلح الحديبية، فغزوة الأحزاب، فغزوة أحد، فعود على أحداث غزوة بدر وقتل أبي جهل، فغزوة خيبر، فغزوة الأحزاب مرة أخرى، فغزوة ذي قرد.
وأغرب من هذا أنه ذكر غزوة ذات الرقاع بعد أن ذكر عدد غزوات النبي ﷺ ولعله -رحمه الله تعالى- لم يتسع زمنه لترتيب هذا الجزء من كتابه، أحسن الله إليه، وجزاه عن السنة خير الجزاء.
стр. 4102
(٥٠٥) باب غزوة ذات الرقاع
٤١٣٣ - عن أبي موسى ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزاة، ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه. قال: فنقبت أقدامنا. فنقبت قدماي. وسقطت أظفاري. فكنا نلف على أرجلنا الخرق. فسميت غزوة ذات الرقاع لما كنا نعصب على أرجلنا من الخرق. قال أبو بردة: فحدث أبو موسى بهذا الحديث ثم كره ذلك. قال: كأنه كره أن يكون شيئا من عمله أفشاه. قال أبو أسامة: وزادني غير بريد والله يجزي به.
-[المعنى العام]-
وقعت الغزوات النبوية على مسافات بعيدة من المدينة، في الكثير منها، مع قلة في الظهر والركاب، ووعورة في الطريق، وتنكب الجبال والوديان، وضعف الحماية والوقاية من مشاق السفر.
وهذا الحديث يصور لنا صورة من هول ما لاقي أصحاب رسول الله ﷺ .
فهذا أبو موسى الأشعري اليمني المولد والموطن، جاء مع وفد من أهله من اليمن إلى رسول الله ﷺ عرفوا بالأشعريين، وكان في غزوة خيبر، فأعلنوا إسلامهم، وانضمامهم إلى جيوش المسلمين، ويحدثنا عن غزوة اشترك فيها، تعرف بغزوة ذات الرقاع، فيقول: خرجنا مع رسول الله ﷺ في نحو سبعمائة من أصحابه، قاصدين غطفان في نجد، وقد بلغ رسول الله ﷺ أنهم جمعوا جموعا لحربه، فقرر مبادرتهم قبل أن يبادروه، خرج أبو موسى يرافقه خمسة من الأشعريين الفقراء، لا يملكون إلا بعيرا واحدا، لا يعنيهم من يملكه منهم، فقد مدحهم الرسول ﷺ بالتعاون والتضامن والتكافل، فقال: "إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعامهم، جمعوا ما عندهم في إناء واحد، واقتسموه بالسوية، فهم مني، وأنا منهم".
وظهرت هذه الصورة التضامنية في سفرهم هذه الغزوة، فهم يتعاقبون على جمل واحد، يركب هذا قليلا ثم ينزل، ليركب الآخر مثله، حتى يركب آخرهم، فينزل ليركب أولهم، لم يكن الجمل لهزاله يتحمل اثنين، لهذا لم يردف أحدهما صاحبه، وهم الذين رقت قلوبهم، ولانت أحساسيسهم، ونتيجة هذا التصرف أن يمشي الواحد منهم خمسة أسداس الطريق، ويركب سدسه، والرمال محماة من حرارة الشمس، والحجارة متشعبة، تغوص شعبها في الأقدام، ولا نعل يملكون ولا حذاء، ساروا في البداية حفاة ساروا يوما، فانتفخت أقدامهم بفقاقيع مائية، انتهت بانفجارها، وفي اليوم الثاني تقيحت، وفي اليوم الثالث أكلت ما حول أظافر القدمين من لحم، فسقطت الأظافر، فكانوا من هذا يسيرون لا
стр. 4103
يتوقفون، ويحاولون التخفيف عن مضاعفات جروح أرجلهم بخرق يلفون بها أقدامهم، ويعصبونها على جروحهم، وكانت حالهم هذه حال كثير من الصحابة، فأطلقوا على غزوتهم هذه اسم غزوة ذات الرقاع، للرقع التي كانوا يلفون أقدامهم بها، فرضي الله عنهم، وجزاهم عن الإسلام خير الجزاء.
-[المباحث العربية]-
(غزوة ذات الرقاع) يقال: رقع الثوب بفتح القاف مخففة، يرقع بفتحها أيضا رقعا بسكونها، ورقعة بفتح الراء وسكون القاف، أصلحه بالرقعة بضم الراء وسكون القاف، وأرقع بالهمز، ورقع بالتضعيف بمعنى رقع بالتخفيف، والرقاع جمع رقعة.
وفي سبب تسمية هذه الغزوة بهذا الاسم قال أبو موسى ﵁ في الحديث: "فكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسميت غزوة ذات الرقاع، لما كنا نعصب على أرجلنا من الخرق" قال النووي: هذا هو الصحيح في سبب تسميتها، وقيل: سميت بذلك بجبل هناك، فيه بياض وسواد وحمرة، وقيل: سميت باسم شجرة هناك، وقيل: لأنه كان في ألويتهم رقاع، ويحتمل أنها سميت بالمجموع. اهـ. وقيل: بشجر هناك يقال له: ذات الرقاع، وهذا هو مراد النووي بكلمة "شجرة" أي جنس شجرة، وقيل: بل الأرض التي نزلوا بها كانت ذات ألوان تشبه الرقاع، وقيل: لأن خيلهم كان بها سواد وبياض، قال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن يكون لفظ "خيل" قد تصحف من لفظ "جبل".
(ونحن ستة نفر) النفر من الثلاث إلى التسع، فالإضافة بيانية، والمعنى ستة أي نفر. وفي رواية البخاري "ونحن في ستة نفر" أي كان أبو موسى ضمن ستة من الأشعريين في جيش هذه الغزوة.
(بيننا بعير نعتقبه) أي يركبه الواحد منا عقب الآخر، لكل واحد منهم نوبة، يركب هذا قليلا، ثم ينزل، فيركب الآخر، بالنوبة حتى يأتي سائرهم، والمقصود إظهار الشدة والمشقة الحاصلة لهم من طول المسافة، وشدة حرارة رمل الصحراء.
(فنقبت أقدامنا، فنقبت قدماي) بفتح النون وكسر القاف، أي رق جلدها، وقرحت من الحفاء وطول السير عليها. يقال: نقب بكسر القاف ينقب بفتحها، أي تخرق، ونقب خف البعير أي رق، وقوله "فنقبت قدماي" بعد قوله "فنقبت أقدامنا" من ذكر الخاص بعد العام لمزيد عناية بهذا الخاص، ولرفع توهم أن النقب أصاب البعض، أو أصاب إحدى قدميه.
(وسقطت أظفاري) أي أظفار أصابع قدمي.
(فكنا نلف على أرجلنا الخرق) بكسر الخاء وفتح الراء، جمع خرقة، وهي القطعة من الثوب الممزق وذلك لاتقاء حرارة الرمال، ولوقاية جروح الأقدام من الاحتكاك بالحجارة.
стр. 4104
(لما كنا نعصب على أرجلنا من الخرق) "نعصب" بضم النون وفتح العين وتشديد الصاد المكسورة، وبفتح النون وكسر الصاد، يقال: عصب الشيء وعصب على الشيء، عصبا بسكون الصاد، أي قبض وطوي ولوي وشد، واللام المكسورة في "لما كنا" للتعليل أي سميت ذات الرقاع من أجل عصبنا الرقع والخرق على أرجلنا.
(قال أبو بردة) بن أبي موسى الراوي عن أبي موسى الأشعري.
(فحدث أبو موسى بهذا الحديث ثم كره ذلك) التحديث، وندم أن حدث، وتمنى أن لو لم يكن تحدث به، لما خاف من تزكية نفسه.
(كأنه كره أن يكون شيئا من عمله أفشاه) في رواية مسلم "شيئا" بالنصب خبر "يكون" أي كره أن يكون الحديث شيئا أفشاه من عمله، لا ينبغي إفشاؤه، وفي رواية البخاري "كأنه كره أن يكون شيء من عمله أفشاه" برفع "شيء" اسم "يكون" والخبر "أفشاه" زاد البخاري "قال: ما كنت أصنع بأن أذكره" أي ماذا استفدت بذكره؟
(والله يجزي به) أي قال أبو موسى: لماذا أفشيته والله هو الذي يجزي على المشقة في سبيله، لا الإنسان.
-[فقه الحديث]-
روى البخاري تحت باب غزوة ذات الرقاع مجموعة من الأحاديث والتعليقات، فقال: وهي غزوة محارب خصفة من بني ثعلبة من غطفان، وهي بعد خيبر، لأن أبا موسى جاء بعد خيبر.
وأخرج من الأحاديث غير حديثنا:
١ - عن جابر بن عبد الله ﵁ "أن النبي ﷺ صلى بأصحابه في الخوف في غزوة السابعة، غزوة ذات الرقاع".
٢ - عن جابر ﵁ قال: خرج النبي ﷺ إلى ذات الرقاع من نخل، فلقي جمعا من غطفان، فلم يكن قتال، وأخاف الناس بعضهم بعضا، فصلى النبي ﷺ ركعتي الخوف.
٣ - عمن شهد مع رسول الله ﷺ يوم ذات الرقاع صلاة الخوف "أن طائفة صفت معه، وطائفة وجاه العدو، فصلى بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائما، وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا، فصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى، فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالسا، وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم".
٤ - عن ابن عمر ﵃ قال: "غزوت مع رسول الله ﷺ قبل نجد، فوازينا العدو، فصاففنا لهم".
стр. 4105
٥ - عن جابر بن عبد الله ﵄ "أنه غزا مع رسول الله ﷺ قبل نجد، وفي رواية له "كنا مع النبي ﷺ بذات الرقاع" فلما قفل رسول الله ﷺ قفل معه، فأدركتهم القائلة في واد كثير العضاة" -أي أدركهم وسط النهار في واد كثير شجر الشوك- "فنزل رسول الله ﷺ وتفرق الناس في العضاة، يستظلون بالشجر، ونزل رسول الله ﷺ تحت سمرة" بفتح السين وضم الميم، أي شجرة كثيرة الورق، يستظل بها وفي رواية له "فإذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها للنبي ﷺ " -"فعلق بها سيفه، قال جابر: فنمنا نومة، فإذا رسول الله ﷺ يدعونا، فجئناه، فإذا عنده أعرابي جالس، فقال رسول الله ﷺ : إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم، فاستيقظت، وهو في يده صلتا" بفتح الصاد وسكون اللام، أي مجردا عن غمده "فقال وفي رواية فقال" تخافني؟ فقال له: لا" "فقال: من يمنعك مني؟ قلت: الله. فها هو ذا جالس" وفي رواية ابن إسحق "فوقع السيف من يده، فأخذه النبي ﷺ وقال: من يمنعك أنت مني؟ قال: لا أحد. أنت خير مني، ثم أسلم بعد".
تاريخها: قال الحافظ ابن حجر: اختلف في هذه الغزوة. متى كانت؟ وقد جنح البخاري إلى أنها كانت بعد خيبر، ومع ذلك ذكرها قبل خيبر، وربما تعمد ذلك تسليما لأهل المغازي، أو أن ذلك من الرواة، أو إشارة إلى احتمال أن تكون ذات الرقاع اسما لغزوتين مختلفتين، كما أشار إلى ذلك البيهقي.
وأصحاب المغازي يجزمون بأنها قبل خيبر، ويختلفون في تاريخها، فعند ابن إسحاق أنها بعد بني النضير، وقبل الخندق، في جمادى الأولى سنة أربع.
وعند ابن سعد وابن حبان أنها كانت في المحرم سنة خمس.
وجزم أبو معشر بأنها كانت بعد بني قريظة والخندق، وقريظة كانت في ذي القعدة سنة خمس، فتكون ذات الرقاع في آخر السنة، وأول التي تليها.
وأما موسى بن عقبة فجزم بتقديم وقوع غزوة ذات الرقاع، لكن تردد في وقتها، فقال: لا ندري كانت قبل بدر؟ أو بعدها أو قبل أحد أو بعدها قال الحافظ: وهذا التردد لا حاصل له، بل الذي ينبغي الجزم به أنها بعد غزوة بني قريظة، لأن صلاة الخوف لم تكن شرعت في غزوة الخندق، وقد ثبت وقوع صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع.
سببها وأحداثها: ذكر الواقدي أن سبب غزوة ذات الرقاع أن أعرابيا قدم بإبل ومتاع للتجارة على المدينة، فقال: إني رأيت ناسا من بني ثعلبة ومن بني أنمار قد جمعوا لكم جموعا، وأنتم في غفلة عنهم، فخرج النبي ﷺ في أربعمائة -ويقال سبعمائة- حتى وصل أرض غطفان، فلقي جمعا منهم، فاصطف الفريقان للقتال، وأخاف بعضهم بعضا، وكان المشركون بين المسلمين وبين القبلة، فصلى النبي ﷺ صلاة الخوف بأصحابه، فانصرف المشركون دون قتال، فرجع النبي ﷺ بأصحابه.
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - جواز التناوب في ركوب الدابة، إذا لم يضر بها.
стр. 4106
٢ - قال النووي: فيه استحباب إخفاء الأعمال الصالحة، وما يكابده العبد من المشاق في طاعة الله تعالى، ولا يظهر شيئا من ذلك إلا لمصلحة، مثل بيان حكم ذلك الشيء، والتنبيه على الاقتداء به فيه، ونحو ذلك، وعلى هذا يحمل ما وجد للسلف من الأخبار بذلك.
٣ - وفيه مدى ما لحق الصحابة من المشقة في سبيل الجهاد، ونشر راية الإسلام.
والله أعلم.
стр. 4107
(٥٠٦) باب كراهة الاستعانة في الغزو بكافر
٤١٣٤ - عن عائشة زوج النبي ﷺ ﵂ أنها قالت: خرج رسول الله ﷺ قبل بدر، فلما كان بحرة الوبرة أدركه رجل قد كان يذكر منه جرأة ونجدة؛ ففرح أصحاب رسول الله ﷺ حين رأوه. فلما أدركه قال لرسول الله ﷺ جئت لأتبعك وأصيب معك. قال له رسول الله ﷺ : "تؤمن بالله ورسوله". قال: لا. قال: "فارجع فلن أستعين بمشرك" قالت: ثم مضى حتى إذا كنا بالشجرة أدركه الرجل، فقال له كما قال أول مرة. فقال له النبي ﷺ كما قال أول مرة. قال "فارجع فلن أستعين بمشرك" قال: ثم رجع فأدركه بالبيداء، فقال له كما قال أول مرة "تؤمن بالله ورسوله" قال: نعم. فقال له رسول الله ﷺ "فانطلق".
-[المعنى العام]-
يقول الله تعالى: ﴿ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم﴾ [آل عمران: ٧٣] وكيف يأمن العاقل لعدوه؟ والكفر عدو للإيمان مهما اختلفت صوره ومذاهبه.
إن التعامل مع الكفرة بيعا وشراء ورهنا مباح، لأن الخطر في هذه المعاملات خطر في المال، والمعاملات مكشوفة المكسب والخسارة، وأهل اختصاصها يعلمونها ويجيدون تحريكها، مسلمين وغير مسلمين، وأخذ الحذر في هذا ممكن وسهل، وعدم الاغترار بهم، والحيطة في معاملتهم يسيرة ممكنة.
والتصدق على الكافرين والبر بهم مطلوب شرعا، أو مرخص به شرعا، لقوله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين﴾ [الممتحنة: ٨].
وحب المؤمن للكافر -من حيث هو كافر- ممنوع شرعا، لقوله تعالى: ﴿لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم .... ﴾ [المجادلة: ٢٢] الآية.
أما استعانة المسلمين بغير المسلمين في حربهم مع الكافرين ففيها خطورة شديدة، خطورة على المسلمين أنفسهم وخطورة على الإسلام، فالتخاذل في الحرب والفرار،
стр. 4108
والجبن لو حصل من بعض الجيش أثار في الجيش مثله، ولذلك يقول تعالى عن المنافقين: ﴿لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة﴾ [التوبة: ٤٧].
وخير الهدي هدي محمد ﷺ فقد تقدم إليه ﷺ رجل مشرك معروف بالقوة والشهامة والشجاعة والجرأة، فارس لا يشق له غبار، رأى محمدا وأصحابه ينتصرون على أعدائهم، ويستولون على ثرواتهم، ويقسمونها غنائم على الجيوش، للراجل سهم وللفارس سهمان، فرغب في مشاركتهم في الحرب ضد المشركين، ليشاركهم في الغنائم، فعرض نفسه على رسول الله ﷺ ، ليخرج معه في غزوة، وهو في طريقه إلى الغزو، ففرح به الصحابة ﵃، لما عرفوا فيه من القوة، فسأله رسول الله ﷺ هل آمنت بالله ورسوله؟ قال: لا. ولكني سأقاتل معك من أجل المال، كالجنود المرتزقة. قال ﷺ : انصرف، فأنا لا أستعين بمشرك في قتالي للمشركين، وانصرف الرجل غير بعيد، ثم رجع يعيد مطالبه، وأعاد عليه ﷺ الجواب نفسه، فانصرف، ثم عاد، فقال مقالته الأولى، وسأله رسول الله ﷺ : هل تؤمن بالله ورسوله؟ قال: نعم: فأذن له في الجهاد معه، وأبلى بلاء حسنا. وهكذا ضرب رسول الله ﷺ للأمة مثلا أن يكون الجهاد جهادا لإعلاء كلمة الله، وليس للمغنم أو الشهرة أو أغراض الدنيا، فمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله.
-[المباحث العربية]-
(خرج رسول الله ﷺ قبل بدر) أي خرج بأصحابه غازيا، قال النووي: هكذا ضبطناه "قبل" بكسر القاف وفتح الباء، أي جهة بدر، وكذا نقله القاضي عن جميع رواة مسلم. قال: وضبطه بعضهم بفتح القاف وسكون الباء، أي قبل المكان المعروف ببدر من جهة المدينة.
(فلما كان بحرة الوبرة) الباء حرف جر، والحرة بفتح الحاء والراء المشددة في الأصل أرض ذات حجارة سود، كأنها أحرقت، والوبرة بفتح الواو والباء والراء، في الأصل واحدة الوبر بفتح الواو والباء، وهو صوف الإبل والأرانب، أما الوبر بفتح الواو وسكون الباء فهو حيوان في حجم الأرنب، والأنثى منه وبرة بإسكان الباء. والمراد هنا من حرة الوبرة مكان معروف على أربعة أميال من المدينة جهة بدر.
(أدركه رجل) مشرك.
(قد كان يذكر منه جرأة ونجدة) أي كان معروفا للصحابة بالجرأة والشجاعة والإقدام.
(ففرح أصحاب رسول الله ﷺ حين رأوه) ظنوه جاء مسلما، ففرحوا بإسلامه، وانضمامه إلى الجيش، أو ظنوا أنه سيسمح له بالقتال في صفوفهم نجدة لهم وهو على شركه، ففرحوا بانضمام قوته إلى قوتهم.
(جئت لأتبعك) بفتح الهمزة وسكون التاء، أي لأكون تابعا لك في قتال أعدائك.
стр. 4109
(وأصيب معك) أي وأحصل على الغنيمة معك، والظاهر أن هذا كان الدافع للرجل. أي فأذن لي بالقتال معك ومشاركتكم في الغنيمة.
(قال: فارجع. فلن أستعين بمشرك) على قتال مشرك، فإنه غير مأمون فشأنهم نكث العهود والغدر، فارجع من حيث أتيت، ولا تصحبنا).
(قالت: ثم مضى) رسول الله ﷺ واستمر في طريقه، أو ثم مضى الرجل ورجع.
(حتى إذا كنا بالشجرة) مكان معروف، بعد حرة الوبرة. قال النووي: هكذا هو في النسخ "حتى إذا كنا" فيحتمل أن عائشة كانت مع المودعين، فرأت ذلك، ويحتمل أنها أرادت بقولها "كنا" كان المسلمون اهـ. والأول مستبعد، فلم تكن النساء تخرج المسافات الطويلة أكثر من أربعة أميال، للتوديع، ويحتمل أنها كانت ﵂ قد خرجت مع رسول الله ﷺ في هذه الغزوة.
(كما قال أول مرة. قال: فارجع. فلن أستعين بمشرك) الجملة الثانية تفسير للأولى.
(ثم رجع) الرجل عن مصاحبة النبي ﷺ بأن توقف، أو اتجه إلى طريق آخر.
(فأدركه بالبيداء) فأدرك الرجل رسول الله ﷺ بالصحراء والأرض الخالية المنبسطة.
(قال: فانطلق) أي معنا، وصاحبنا، وشاركنا في الغنيمة.
-[فقه الحديث]-
بوب النووي لهذا الحديث بباب كراهة الاستعانة في الغزو بكافر، إلا لحاجة، أو كونه حسن الرأي في المسلمين.
فحمل امتناع النبي ﷺ عن قبول الرجل المشرك والاستعانة به على سبيل الكراهة، والتحقيق أن الحكم يختلف باختلاف الأشخاص واختلاف الظروف، واختلاف المهمة التي يستعان به عليها، فقد يكون محرما أشد التحريم، وممنوعا كل المنع، وأميل إلى التحريم في مثل ظروف هذا الحديث.
وقوله "في الغزو" احتراز عن الاستعانة بالكافر في الصناعة والزراعة والخدمة ونحو ذلك فهو ليس من هذا القبيل، لاختلاف درجة الخطر، وقد استعان ﷺ بالكافر النجار لعمل المنبر.
وقوله "بكافر" أعم من أن يكون مشركا أو صاحب كتاب أو عابد وثن، وهو كذلك، وإن كان الحديث مع مشرك.
وقوله "إلا لحاجة" فيه نظر، فالاستعانة بالآخرين عادة لا تخلو من حاجة، وكان الأولى أن يقال: إلا لضرورة.
стр. 4110
ثم قال النووي: وقد جاء في الحديث الآخر "أن النبي ﷺ استعان بصفوان بن أمية قبل إسلامه، فأخذ طائفة من العلماء بالحديث الأول على إطلاقه، وقال الشافعي وآخرون: إن كان الكافر حسن الرأي في المسلمين، ودعت الحاجة إلى الاستعانة به استعين به، وإلا فيكره، وحمل الحديثين على هذين الحالين. اهـ.
وقصة صفوان بن أمية التي أشار إليها النووي -كما ذكرت في الإصابة والاستيعاب وغيرهما- أنه قتل أبوه أمية بن خلف ببدر كافرا، وقتل عمه أبي بن خلف بأحد كافرا، وهرب صفوان يوم فتح مكة كافرا، وأسلمت امرأته، وحين هرب استأمن له عمير بن وهب بن خلف رسول الله ﷺ فأمنه رسول الله ﷺ أربعة أشهر، واستعار منه رسول الله ﷺ سلاحا، وخرج معه إلى حنين. قيل: والطائف، وأعطاه رسول الله ﷺ من الغنائم، وأكثر له.
ومن هنا يقول النووي: وإذا حضر الكافر بالإذن رضخ له، ولا يسهم له، هذا مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة والجمهور، وقال الزهري والأوزاعي: يسهم له.
والله أعلم.
стр. 4111
كتاب الإمارة
стр. 4112
(٥٠٧) باب الناس تبع لقريش، والخلافة في قريش
٤١٣٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ وفي حديث زهير يبلغ عن النبي ﷺ وقال عمرو رواية "الناس تبع لقريش في هذا الشأن مسلمهم لمسلمهم وكافرهم لكافرهم".
٤١٣٦ - عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها. وقال رسول الله ﷺ "الناس تبع لقريش في هذا الشأن مسلمهم تبع لمسلمهم وكافرهم تبع لكافرهم".
٤١٣٧ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال النبي ﷺ "الناس تبع لقريش في الخير والشر".
٤١٣٨ - عن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان".
٤١٣٩ - عن جابر بن سمرة ﵄ قال: دخلت مع أبي على النبي ﷺ فسمعته يقول "إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة" قال: ثم تكلم بكلام خفي علي. قال: فقلت لأبي: ما قال؟ قال "كلهم من قريش".
٤١٤٠ - عن جابر بن سمرة ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول "لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا" ثم تكلم النبي ﷺ بكلمة خفيت علي، فسألت أبي ماذا قال رسول الله ﷺ ؟ فقال "كلهم من قريش".
стр. 4113
٤١٤١ - -/- وفي رواية عن جابر بن سمرة ﵄ عن النبي ﷺ بهذا الحديث، ولم يذكر "لا يزال أمر الناس ماضيا".
٤١٤٢ - عن جابر بن سمرة ﵄ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول "لا يزال الإسلام عزيزا إلى اثني عشر خليفة" ثم قال كلمة لم أفهمها، فقلت لأبي ما قال؟ فقال "كلهم من قريش".
٤١٤٣ - عن جابر بن سمرة ﵄ قال: قال النبي ﷺ "لا يزال هذا الأمر عزيزا إلى اثني عشر خليفة" قال: ثم تكلم بشيء لم أفهمه. فقلت لأبي ما قال؟ فقال "كلهم من قريش".
٤١٤٤ - عن جابر بن سمرة ﵄ قال: انطلقت إلى رسول الله ﷺ ومعي أبي فسمعته يقول "لا يزال هذا الدين عزيزا منيعا إلى اثني عشر خليفة" فقال كلمة صمنيها الناس. فقلت لأبي ما قال؟ قال "كلهم من قريش".
٤١٤٥ - عن عامر بن سعد بن أبي وقاص قال: كتبت إلى جابر بن سمرة مع غلامي نافع أن أخبرني بشيء سمعته من رسول الله ﷺ قال: فكتب إلي سمعت رسول الله ﷺ يوم جمعة عشية رجم الأسلمي يقول "لا يزال الدين قائما حتى تقوم الساعة، أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش" وسمعته يقول "عصيبة من المسلمين يفتتحون البيت الأبيض، بيت كسرى أو آل كسرى" وسمعته يقول "إن بين يدي الساعة كذابين فاحذروهم" وسمعته يقول "إذا أعطى الله أحدكم خيرا فليبدأ بنفسه وأهل بيته" وسمعته يقول "أنا الفرط على الحوض".
стр. 4114
-[المعنى العام]-
قضية مهمة في حياة البشر، قضية الإمارة والولاية الكبرى للمسلمين، وكان العرب قبل الإسلام يحكم كل قبيلة منهم شيخ القبيلة، فلما جاء الإسلام، واستقرت دولته بالمدينة حكم رسول الله ﷺ القبائل المختلفة بعد أن وحد بينهم بالإسلام، فصارت العصبية إسلامية، لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى، لكن الناس معادن، وبعض القبائل لها شرف على بعض بالحسب والنسب، وخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا وكانت العرب تعترف قبل الإسلام بفضيلة قريش، أصالة وكرما وشهامة ونجدة وعفة وقربا من الله لأنهم أهل حرم الله وحماته، ولما جاء الإسلام جاء نبيه ﷺ من قريش، فزادهم فخرا وامتيازا، وإذا كان الإسلام قد حارب العصبية القبلية فإنه لم يلغ تفاضل القبائل في الشرف، فهو القائل "إن الله اصطفى من ولد إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم" والعرب وهم قريبو عهد بالجاهلية لا ينسون فضائل القبائل، ويدينون لفضلاها بالولاء والطاعة، والإمارة أحوج ما تكون إلى الولاء والطاعة. ومن هنا أشار ﷺ إلى جعل الإمارة بعده في قريش، مع استيفاء مؤهلات الإمارة الأخرى، فكان هذا التخصيص في الحديث، وكان هذا الترغيب في جعل الخليفة قرشيا، وكان حثا للقرشيين أن يحافظوا على أن يكونوا أهلا للخلافة بعده، فقال: الناس في الجاهلية يتبعون قريشا، خيارهم يتبع خيار قريش، فمسلمهم يتبع محمدا ﷺ وهو قرشي، وشرارهم يتبع شرار قريش، فكافرهم كان يتبع أبا سفيان وزعماء قريش في حربهم للإسلام، وستبقى تبعية الناس لقريش فترة من الزمان، وستكون الخلافة فيهم ما أقاموا شريعة الإسلام، سيمضي في الناس اثنا عشر خليفة بعدي كلهم من قريش، ثم تتغلب القبائل الأخرى، فتنحى القرشيين عن الخلافة، وتحتل مكانتهم ومنعتهم وسؤدهم.
فحافظوا معشر قريش على سيادتكم، وحافظوا أيها المسلمون على ولائكم لقريش ما أقاموا الدين وأطاعوا الله فيكم، فإذا عصوه فلا طاعة لهم عليكم.
-[المباحث العربية]-
(كتاب الإمارة) المراد بها هنا الخلافة، والإمارة والولاية العظمى فـ"ال" في "الإمارة" للكمال.
(الناس تبع لقريش في هذا الشأن) أي في الرئاسة، والمراد من الناس الجنس الصادق ببعض الأفراد، وليست للاستغراق فهناك كان الفرس والروم، وغيرهم.
(مسلمهم لمسلمهم وكافرهم لكافرهم) في الرواية الثانية "مسلمهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع لكافرهم" وفي الرواية الثالثة "الناس تبع لقريش في الخير والشر" قال النووي: معناه في الإسلام والجاهلية، لأن قريشا كانوا في الجاهلية رؤساء العرب، وأصحاب حرم الله، وأهل حج بيت الله،
стр. 4115
وكانت العرب تنظر إلى إسلامهم، فلما أسلموا، وفتحت مكة تبعهم الناس، وجاءت وفود العرب من كل جهة، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وكذلك في الإسلام، هم أصحاب الخلافة، والناس تبع لهم. اهـ. وفي هذا القول نظر، لأنه إن كان تعبيرا عن الواقع فالواقع لا يؤيده، فلم تكن القبائل العربية الأخرى تخضع لحكم قريش، وإن كانت تحترمها، فلم يكونوا تبعا لها في الجاهلية، وأما كونهم أصحاب الخلافة في الإسلام فلم يكن ذلك واقعا إلا في الصدر الأول، وإن كان تعبيرا عما ينبغي فهذا أمر آخر لكنه لا يتفق مع كلامه الآتي في فقه الحديث.
(لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان) "ما" في "ما بقي" ظرفية مصدرية، أي مدة بقاء اثنين من الناس على قيد الحياة، فهو كناية عن التأبيد إلى قيام الساعة وليس المراد حقيقة العدد، وهل الجملة خبرية لفظا ومعنى؟ فهي إخبار عما سيقع؟ أو خبرية لفظا طلبية معنى، أي ينبغي أن يكون الأمر كذلك؟ التحقيق في فقه الحديث، قال ابن هبيرة: يحتمل أن يكون على ظاهره، وأنهم لا يبقى منهم في آخر الزمان إلا اثنان، أمير ومؤمر عليه، والناس لهم تبع، فحقيقة العدد مرادة.
(إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة ... كلهم من قريش) معناه إن كون الخلافة في قريش بعدي سيبقى قائما متحققا حتى يتعاقب على الأمة الإسلامية اثنا عشر خليفة كلهم من قريش، ثم تخرج الخلافة من قريش، وفي الرواية السادسة "لا يزال أمر الناس ماضيا" ملتزمين جعل الخلافة في قريش "ما وليهم اثنا عشر رجلا" خليفة "كلهم من قريش" وفي الرواية السابعة "لا يزال الإسلام عزيزا" أي منيعا من التغيير، في هذه الجزئية، وهي كون الخلافة في قريش "إلى اثني عشر خليفة" أي لا يزال هذا الحكم ماضيا وقائما ونافذا إلى اثني عشر خليفة، وفي الرواية الثامنة "لا يزال هذا الأمر عزيزا إلي ... " وفي الرواية التاسعة "لا يزال هذا الدين عزيزا منيعا إلي .... " وفي الرواية العاشرة "لا يزال الدين قائما ... " وهذه الروايات من قبيل الرواية بالمعنى، لأن الراوي واحد، والمخرج واحد، والمقولة واحدة.
قال النووي: قال القاضي: قد نوجه هنا سؤال، وهو أنه قد ولي أكثر من هذا العدد. قال: وهذا اعتراض باطل، لأنه ﷺ لم يقل: لا يلي إلا اثنا عشر خليفة، وإنما قال: "يلي" وقد ولي هذا العدد، ولا يضر كونه وجد بعدهم غيرهم. هذا إن جعل المراد باللفظ "كل وال" ويحتمل أن يكون المراد مستحقي الخلافة العادلين، وقد مضى منهم من علم، ولا بد من تمام هذا العدد قبل قيام الساعة، قال: وقيل: إن معناه أنهم يكونون في عصر واحد، يتبع كل واحد منهم طائفة. قال القاضي: ولا يبعد أن يكون هذا قد وجد، إذا تتبعت التواريخ، فقد كان بالأندلس وحدها منهم في عصر واحد ثلاثة كلهم يدعيها، ويلقب بها وكان حينئذ في مصر آخر، وكان هناك خليفة الجماعة العباسية ببغداد، وكان هناك سوى ذلك من يدعي الخلافة في ذلك الوقت في أقطار الأرض. قال: ويعضد هذا التأويل قوله في كتاب مسلم بعد هذا: "ستكون خلفاء فيكثرون. قالوا: فما تأمرنا؟ قال: فوا بيعة الأول فالأول" قال: ويحتمل أن المراد من يعز الإسلام في زمنه، ويجتمع المسلمون عليه، كما جاء في سنن أبي داود
стр. 4116
"كلهم تجتمع عليه الأمة" وهذا قد وجد قبل اضطراب أمر بني أمية، واختلافهم في زمن يزيد بن الوليد، وخرج عليه بنو العباس، قال: ويحتمل أوجها آخر، والله أعلم بمراد نبيه ﷺ اهـ.
وقد أطال الحافظ ابن حجر الكلام في هذه المسألة إطالة شعبتها من غير طائل ولا انضباط، وقال ابن الجوزي في كشف المشكل: قد أطلت البحث عن معنى هذا الحديث، وتطلبت مظانه، وسألت عنه، فلم أقع على المقصود به، لأن ألفاظه مختلفة، ولا أشك أن التخليط فيها من الرواة. والله أعلم.
(ثم تكلم النبي ﷺ بكلمة خفيت علي) لعدم سماعي لها جيدا، فلم أتبين ألفاظها، وفي الرواية السابعة "لم أفهمها" وفي الثامنة "بشيء لم أفهمه" أي لعدم سماعي لها، وفي التاسعة "فقال كلمة صمنيها الناس" بفتح الصاد وتشديد الميم المفتوحة، أي أصموني عنها، فلم أسمعها لكثرة الكلام، قال النووي: ووقع في بعض النسخ "صمتنيها الناس" أي أسكتوني عن السؤال عنها.
(عصيبة من المسلمين يفتتحون البيت الأبيض، بيت كسرى -أو آل كسرى-) "عصيبة" بضم العين وفتح الصاد، تصغير "عصبة" وهي الجماعة.
(إن بين يدي الساعة كذابين) يدعون النبوة، ففي البخاري "لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون، قريب من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله.
(أنا الفرط على الحوض) بفتح الفاء والراء، أي السابق إلى الحوض، والمنتظر لسقيكم منه، والفرط والفارط هو الذي يتقدم القوم إلى الماء، ليهيئ لهم ما يحتاجون إليه.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: هذه الأحاديث وأشباهها دليل ظاهر على أن الخلافة مختصة بقريش، لا يجوز عقدها لأحد من غيرهم، وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن الصحابة، فكذلك بعدهم، ومن خالف فيه من أهل البدع، أو عرض بخلاف من غيرهم، فهو محجوج بإجماع الصحابة والتابعين فمن بعدهم، وبالأحاديث الصحيحة. قال: قال القاضي: اشتراط كونه قرشيا هو مذهب العلماء كافة، قال: وقد احتج به أبو بكر وعمر ﵄ على الأنصار يوم السقيفة، فلم ينكره أحد، قال القاضي: وقد عدها العلماء في مسائل الإجماع، ولم ينقل عن أحد من السلف فيها قول ولا فعل يخالف ما ذكرنا، وكذلك من بعدهم في جميع الأعصار. قال: ولا اعتداد بقول النظام ومن وافقه من الخوارج وأهل البدع أنه يجوز كونه من غير قريش، ولا بسخافة ضرار بن عمرو في قوله: إن غير القرشي، من النبط وغيرهم يقدم على القرشي، لهوان خلعه إن عرض منه أمر، وهذا الذي قاله من باطل القول وزخرفه، مع ما هو عليه من مخالفة إجماع المسلمين. اهـ.
وتفصيل الكلام في هذه المسألة في نقاط:
стр. 4117
الأولى: احتمال أن الحديث إخبار عما سيقع، وخبر الصادق لا يتخلف، وفي هذا الاحتمال احتمالان:
(أ) أنه إخبار عما سيقع فترة من الزمان، والمراد الخلافة الأولى، أو ثلاثون سنة، أو اثنا عشر خليفة يشير إلى هذا الاحتمال رواياتنا الخامسة والسادسة والسابعة والثامنة والتاسعة والعاشرة.
قال القاضي: وجاء في الحديث "الخلافة بعدي ثلاثين سنة، ثم تكون ملكا" وجمع بينه وبين حديث اثني عشر خليفة بأن المراد في حديث "الخلافة ثلاثون سنة" خلافة النبوة، قال: وقد جاء مفسرا في بعض الروايات "خلافة النبوة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكا" ولم يشترط هذا في الاثنى عشر، أي لم يشترط خلافة النبوة. قال: والثلاثون سنة لم يكن فيها إلا الخلفاء الراشدون الأربعة، والأشهر التي بويع فيها الحسن بن علي.
وهذا الفريق يؤول ما ورد من الأحاديث مما ظاهره التأبيد، فيقيد المطلق بهذه القيود، ويفسر روايتنا الرابعة "لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان" بأن المراد من "الناس" جيل الصحابة الذين كانوا مع الرسول ﷺ من المهاجرين والأنصار، وهم المتكلم معهم بهذا الحديث، وكأنه يقول: ما بقي منكم اثنان، كحديث "أرأيتكم ليلتكم هذه؟ فإن رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد" يؤيد هذا التأويل أن كلمة الناس هنا لا يقصد بها جميع الخلق، فمن الضروري أن يراد منها جماعة بعينها، كقوله تعالى: ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل﴾ [آل عمران: ١٧٣] والحديث على هذا تطرق إليه الاحتمال، فيسقط به الاستدلال على تأبيد الأمر في قريش.
(ب) الاحتمال الثاني أن الحديث إخبار عما سيقع، مقيدا بما صح من قيود، ففي البخاري "إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله في النار على وجهه ما أقاموا الدين" فإن مفهومه فإذا لم يقيموا الدين لا يكون فيهم، وعند ابن إسحاق في قصة سقيفة بني ساعدة وبيعة أبي بكر، "فقال أبو بكر: وإن هذا الأمر في قريش ما أطاعوا الله، واستقاموا على أمره" وعند الطبراني والطيالسي والبزار والبخاري في التاريخ عن أنس "ألا إن الأمراء من قريش ما حكموا فعدلوا" وفيه "فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله" وعند أحمد "يا معشر قريش إنكم أهل هذا الأمر، ما لم تحدثوا، فإذا غيرتم بعث الله عليكم من يلحاكم كما يلحى القضيب" وعند الشافعي والبيهقي "أنه ﷺ قال لقريش: "أنتم أولى الناس بهذا الأمر ما كنتم على الحق، إلا أن تعدلوا عنه فتلحون كما تلحى هذه الجريدة" وعند الطيالسي والطبراني "استقيموا لقريش ما استقاموا لكم، فإن لم يستقيموا فضعوا سيوفكم على عواتقكم، فأبيدوا خضراءهم".
قال الحافظ ابن حجر: فمفهوم حديث "ما أقاموا الدين" أنهم إذا لم يقيموا الدين خرج الأمر عنهم، ويؤخذ من هذه الأحاديث [التي سقناها] أن خروجه عنهم إنما يقع بعد إيقاع ما هددوا به من اللعن أولا، وهو الخذلان وفساد التدبير، وقد وقع ذلك في صدر الدولة العباسية، بحيث صاروا مع مواليهم كالصبي المحجور عليه يقتنع بلذاته، ويباشر الأمور غيره، ثم اشتد الخطب، فغلب عليهم
стр. 4118
الديلم، فضايقوهم في كل شي، حتى لم يبق للخليفة إلا الخطبة، واقتسم المتغلبون الممالك في جميع الأقاليم، ثم طرأ عليهم طائفة بعد طائفة حتى انتزع الأمر منهم في جميع الأقطار، ولم يبق للخليفة إلا مجرد الاسم في بعض الأمصار. اهـ.
النقطة الثانية: احتمال أن الحديث طلب في المعنى، أي ينبغي أن يكون هذا الأمر في قريش، وليس على إطلاقه أيضا، بل مع ملاحظة القيود الواردة في الأحاديث "ما أقاموا الدين" مع مراعاة أهليتهم لهذا الأمر، فإن فقدوا أهلية الحكم لا يولون، ومعنى هذا أنهم لو تساووا مع غيرهم في الأهلية قدم القرشي.
النقطة الثالثة: أن الإسلام لا يشجع العصبية القبلية، بل مبادئه ترفضها وتحاربها، فالقرآن الكريم يقول ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [الحجرات: ١٣] ويقول ﷺ : "لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى" ويقول "اسمعوا وأطيعوا وإن ولي عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة" ويقول في خطبة الوداع "وإن استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله فاسمعوا وأطيعوا".
ثم إن رسول الله ﷺ حذر من تولية غير الأصلح، بقطع النظر عن قبيلته، فهو يقول "من ولي على عصابة رجلا، وهو يجد من هو أرضى لله منه، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين".
ويروي الطبري أن عمر بن الخطاب ﵁ حين طعن، وقيل له: يا أمير المؤمنين. لو استخلفت؟ قال: من أستخلف؟ لو كان أبو عبيدة بن الجراح حيا استخلفته، فإن سألني ربي؟ قلت: سمعت نبيك ﷺ يقول: "إنه أمين هذه الأمة" ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا استخلفته، فإن سألني ربي قلت: سمعت نبيك ﷺ يقول: "إن سالما شديد الحب لله" وسالم مولى أبي حذيفة غير قرشي، وجاء في أحمد عن عمر قوله: إن أدركني أجلي وأبو عبيدة حي استخلفته، فإن أدركني أجلي وقد مات أبو عبيدة استخلفت معاذ بن جبل، ومعاذ بن جبل أنصاري لا نسب له في قريش.
ثم إن الذين يذهبون إلى اشتراك القرشية نراهم أحيانا لا يعتبرون هذا الشرط واجبا في الحاكم لا يجوز تخلفه، فنراهم يشترطون الكفاءة بالدرجة الأولى، فهذا النووي يقول في روضة الطالبين: فإن لم يوجد قرشي مستجمع للشروط فكناني، فإن لم يوجد فرجل من ولد إسماعيل ﵇، فإن لم يوجد فيهم مستجمع للشروط فإنه يولي رجل من العجم.
ويقول الجويني: إذا وجد قرشي ليس بذي دراية، وعاصره عالم تقي، يقدم العالم التقي، ومن لا كفاية فيه فلا احتفال به، ولا اعتداد بمكانه أصلا.
النقطة الرابعة: أوضحنا شرط القرشية عند أهل السنة والفقهاء، وعقبنا على أقوالهم، وبقي أن نستعرض المذاهب الأخرى:
١ - فلم تكتف بعض الطوائف باشتراط القرشية، بل قيدت الشيعة القرشي بأن يكون من ولد علي ﵁، ثم اختلفوا اختلافا شديدا في تعيين بعض ذرية علي.
стр. 4119
٢ - وقيدت طائفة القرشي بأن يكون من ولد العباس، وهو قول أبي مسلم الخراساني وأتباعه.
٣ - ونقل ابن حزم أن طائفة تقيد القرشي بأن يكون من ولد جعفر بن أبي طالب.
٤ - وقالت طائفة: شرطه أن يكون من ولد عبد المطلب.
٥ - وعن بعضهم: لا يجوز إلا في بني أمية.
٦ - وعن بعضهم: لا يجوز إلا في ولد عمر.
٧ - وقالت الخوارج وطائفة من المعتزلة. يجوز أن يكون الإمام غير قرشي، وإنما يستحق الإمامة من قام بالكتاب والسنة، سواء كان عربيا أم أعجميا، والذي نقل عن الجبائي زعيم المعتزلة قوله: إذا لم يوجد من قريش من يصلح للإمامة، فإنه يجب نصب واحد من غير قريش، ممن يصلح لهذا الأمر، وقد نقلنا عن النووي ما هو قريب من هذا.
٨ - وبالغ ضرار بن عمرو فقال: تولية غير القرشي أولى من تولية القرشي، لأنه يكون أقل عشيرة، فإذا عصى سهل وأمكن خلعه.
هذا وقد استدل بعض الشافعية بتقديم القرشي على غيره على رجحان مذهب الشافعي، وعارضه عياض، وعقب عليه النووي وغيره بأن في الأحاديث ما يدل على أن للقرشي مزية على غيره، فيصح الاستدلال به لترجيح الشافعي على غيره، وليس مراد المستدل أن الفضل لا يكون إلا للقرشي، بل المراد أن كونه قرشيا من أسباب الفضل والتقدم، كما أن من أسباب الفضل والتقدم الورع والفقه والقراءة والسن وغيرها، فالمستويان في جميع الخصال إذا اختص أحدهما بخصلة منها دون صاحبه ترجح عليه، فيصح الاستدلال على تقديم الشافعي على من ساواه في العلم والدين، من غير قريش، لأن الشافعي قرشي. اهـ.
-[ويؤخذ من الرواية العاشرة فوق ما تقدم]-
١ - ضبط الصحابة لرواياتهم بذكر يوم السماع تحديدا من أيام الأسبوع، وإشارة بالأحداث المهمة، وذكر ذلك لزيادة التوثيق.
٢ - وفي إخباره ﷺ عن افتتاح المسلمين لبيت كسرى معجزة ظاهرة لرسول الله ﷺ ، وإخباره عما سيقع، وقد فتحوه بحمد الله في زمن عمر بن الخطاب ﵁.
٣ - وفيه أن يبدأ الإنسان بنفسه وأهل بيته، كما في قوله ﷺ "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول".
٤ - وفيه إثبات الحوض، وتقدمه ﷺ إليه.
٥ - وفيه جمع الراوي لأحاديث متعددة ذكرت متفرقة في أزمنة مختلفة فيجمعها الراوي في حديث واحد، ولو كانت في مواضيع مختلفة.
والله أعلم.
стр. 4120
(٥٠٨) باب الاستخلاف وتركه
٤١٤٦ - عن ابن عمر ﵄ قال: حضرت أبي حين أصيب فأثنوا عليه، وقالوا جزاك الله خيرا. فقال: راغب وراهب. قالوا: استخلف. فقال: أتحمل أمركم حيا وميتا. لوددت أن حظي منها الكفاف لا علي ولا لي. فإن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني يعني أبا بكر. وإن أترككم فقد ترككم من هو خير مني، رسول الله ﷺ . قال عبد الله: فعرفت أنه حين ذكر رسول الله ﷺ غير مستخلف.
٤١٤٧ - عن ابن عمر ﵄ قال: دخلت على حفصة، فقالت: أعلمت أن أباك غير مستخلف؟ قال: قلت ما كان ليفعل. قالت: إنه فاعل. قال: فحلفت أني أكلمه في ذلك. فسكت حتى غدوت ولم أكلمه. قال: فكنت كأنما أحمل بيميني جبلا حتى رجعت فدخلت عليه. فسألني عن حال الناس وأنا أخبره. قال: ثم قلت له إني سمعت الناس يقولون مقالة فآليت أن أقولها لك. زعموا أنك غير مستخلف. وإنه لو كان لك راعي إبل أو راعي غنم ثم جاءك وتركها رأيت أن قد ضيع فرعاية الناس أشد. قال: فوافقه قولي فوضع رأسه ساعة ثم رفعه إلي، فقال: إن الله يحفظ دينه، وإني لئن لا أستخلف فإن رسول الله ﷺ لم يستخلف، وإن أستخلف فإن أبا بكر قد استخلف. قال: فوالله ما هو إلا أن ذكر رسول الله ﷺ وأبا بكر، فعلمت أنه لم يكن ليعدل برسول الله ﷺ أحدا، وأنه غير مستخلف.
-[المعنى العام]-
كان عمر ﵁ قبل أن يصلي بالناس إماما، وهو خليفة المسلمين يمر بين الصفين، ويقول: استووا، فإن رأى رجلا متقدما من الصف، أو متأخرا ضربه بالدرة، حتى إذا لم ير في الصفوف خللا تقدم فكبر، وفي يوم الحادثة، وفي صلاة الفجر تقدم، فكبر، فطعنه أبو لؤلؤة ثلاث طعنات، إحداهن تحت السرة، قد خرقت الصفاق، وكان أبو لؤلؤة -واسمه فيروز- عبدا للمغيرة بن شعبة، يجيد
стр. 4121
الصناعة، حدادا، نقاشا، نجارا، فأطلقه المغيرة في المدينة يصنع لأهلها على أن يدفع للمغيرة كل شهر مائة درهم، وقبل الحادث بأيام دخل أبو لؤلؤة بيت عمر، ليصلح له ضبة، فشكا إليه شدة الخراج، وطلب منه أن يأمر المغيرة بأن يضع عنه شيئا من خراجه، فقال له عمر -وفي نيته أن يلقى المغيرة، فيكلمه، فيخفف عنه- اتق الله وأحسن إليه، إنك لتكسب كسبا كثيرا، ما خراجك بكثير في جنب ما تعمل، فاصبر، فانصرف العبد ساخطا على عمر، وقال لأصحابه: وسع الناس عدله غيري، وأضمر في نفسه قتله، فاشتمل على خنجر مسموم ذي رأسين، وكمن في الفجر في زاوية من زوايا المسجد في الغلس، فلما وقف عمر للصلاة دنا منه، فطعنه في كتفه، وفي خاصرته، وفي بطنه أسفل سرته، فسقط عمر ممسكا بثقب بطنه، وحاول الصحابة الإمساك بأبي لؤلؤة، لكنه طار فيهم بخنجره، لا يمر على أحد يمينا ولا شمالا إلا طعنه، حتى طعن ثلاثة عشر رجلا، مات منهم سبعة، فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه برنسا، فلما ظن أنه مأخوذ نحر نفسه، وأخذ عمر يد عبد الرحمن بن عوف، فقدمه يصلي بالناس، وكان أكثر من في المسجد لا يعلم شيئا، إلا الصف الأول، فصلى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة، بأقصر سورتين في القرآن ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ و ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ فلما انصرفوا من الصلاة قال: يا ابن عباس، انظر من قتلني؟ قال: الصانع أبو لؤلؤة، غلام المغيرة.
قال: الحمد لله الذي لم يجعل ميتتي بيد رجل يدعي الإسلام، الحمد لله الذي لم يجعل قاتلي يحاجني عند الله بسجدة سجدها له، لا تعجلوا على الذي قتلني. فقيل له: إنه قتل نفسه، فاسترجع عمر، وظن عمر أن عليه ذنبا إلى الناس لا يعلمه، وأن جماعة وراء هذا الجاني، فقال: يا ابن عباس، اخرج فناد في الناس، هل منكم من أعان هذا؟ فخرج، لا يمر بملأ من الناس يسألهم إلا وهم يبكون، كأنما فقدوا أبكار أولادهم، يقولون: معاذ الله، ما علمنا ولا اطلعنا، ثم غلب عمر النزف، حتى غشي عليه، فاحتمله ابنه في رهط حتى أدخله بيته، فلم يزل في غشيته حتى أسفر الصبح، فنظر في وجوه القوم، فقال: أصلى الناس؟ قالوا: نعم، قال: لا إسلام لمن ترك الصلاة، ثم توضأ وصلى الصبح، وتساند إلى ابنه، وجرحه يثغب دما، وقال: إني لأضع إصبعي الوسطى فما تسد الجرح، أرسلوا إلى طبيب ينظر إلى جرحي، فأرسلوا إلى طبيب من العرب، فسقاه ماء تمر وزبيب، لينظر هل سيخرج الشراب من الجرح فتكون الطعنة قد وصلت المعدة؟ فخرج النبيذ من الجرح، لم يتبين الطبيب أنه صديد أو النبيذ، فسقاه لبنا، فخرج اللبن من الطعنة أبيض، فعرف أنه الموت، فقال: أوص يا أمير المؤمنين، فإني لا أظنك إلا ميتا من يومك أو من غد. فقال: الحمد لله.
وتوافد الناس يبكون ويثنون، ويقولون: هنيئا لك الشهادة، هنيئا لك الجنة، كنت كذا وكذا وكذا، فقال: والله إن المغرور من تغرونه، إني لأرجو أن ألقى الله كفافا من الخلافة، لا لي ولا علي، يا عبد الله بن عمر انظر ما علي من الدين، فحسبوه، فوجدوه ستة وثمانين ألفا، فقال: يا عبد الله، أقسمت عليك بحق الله وحق عمر، إذا أنا مت فدفنتني أن لا تغسل رأسك حتى تبيع من أملاك آل عمر بثمانين ألفا، فتضعها في بيت مال المسلمين، وكان عمر قد استدان هذا المال فأنفقه في نوائب لبعض المسلمين. ثم قال: يا عبد الله بن عمر، انطلق إلى عائشة أم المؤمنين، فقل: يقرأ عليك عمر السلام -ولا تقل أمير المؤمنين، فإني لست اليوم للمؤمنين أميرا- وقل: يستأذن عمر بن الخطاب أن
стр. 4122
يدفن مع صاحبيه، فسلم واستأذن، ثم دخل عليها، فوجدها قاعدة تبكي، فقال: يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام، ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه؟ فقالت: كنت أريده لنفسي، ولأوثرنه به اليوم على نفسي، فلما أقبل قيل: هذا عبد الله بن عمر قد جاء. قال: ارفعوني، فأسنده رجل إليه، فقال: ما لديك يا عبد الله؟ قال: الذي تحب يا أمير المؤمنين، قد أذنت. قال: الحمد لله، ما كان من شيء أهم لي من ذلك، فإذا أنا قضيت فاحملوني، ثم سلم، فقل: يستأذن عمر بن الخطاب؟ فإن أذنت لي فأدخلوني، وإن ردتني فردوني إلى مقابر المسلمين. فقالوا: أوص يا أمير المؤمنين، استخلف. قال: أأحمل هم الخلافة حيا وميتا؟ وفهم ابن عمر من هذا ومن كلام أخته حفصة له: إن أباك لن يستخلف، فهم أنه يحب أن لا يستخلف.
فقال له: يا أمير المؤمنين، لو كان لك راعي إبل، أو راعي غنم، ثم جاءك وتركها، دون أن يقيم عليها حارسا آخر، رأيت أنه قد تسبب في ضياعها، وأنه مسئول عما يحدث لها من أضرار، وأنت إذا لم تستخلف قد تتسبب في فرقة الأمة وضياعها؟ فأعجب هذا القول عمر، ثم قال: إن الرسول ﷺ عزم على أن يستخلف، لكنه لم يستخلف، وإن أبا بكر اعتمد على عزم رسول الله ﷺ فاستخلف، فإن لم أستخلف فقد اقتديت بالنبي ﷺ وفعله، وإن أستخلف فقد اقتديت بعزم النبي ﷺ وفعل أبي بكر، وسكت قليلا، ثم قال: ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، فسمى عليا وعثمان والزبير وطلحة وسعدا وعبد الرحمن. قال: ويشهدكم عبد الله بن عمر، وليس له من الأمر شيء، فلما فرغوا من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط، فبويع عثمان، رضي الله عن الصحابة أجمعين.
-[المباحث العربية]-
(الاستخلاف) أي تعيين الخليفة عند موته خليفة بعده، أو تعيينه جماعة، ليتخيروا منهم واحدا.
(حضرت أبي حين أصيب) أي حين طعنه أبو لؤلؤة طعنة الموت، والمراد بعد أن أصيب، وليس لحظة الإصابة، فالرواية الثانية تصرح بأن هذا الحضور الذي حدث فيه هذا التقاول كان بعد يوم أو أكثر من الإصابة، وبعد أن سمع من أخته أن أباه غير مستخلف.
(فأثنوا عليه، وقالوا: جزاك الله خيرا) كانت الطعنة نافذة قاضية، لم تترك مجالا عندهم لظن الحياة بعدها، بحكم خبرتهم، فقالوا ما قالوا، وقد جاء أن من أثنى عليه ابن عباس، وأنه قال: ألست قد دعا رسول الله ﷺ أن يعز الله بك الدين والمسلمين، إذ يخافون بمكة؟ فلما أسلمت كان إسلامك عزا؟ وظهر بك الإسلام؟ وهاجرت فكانت هجرتك فتحا؟ ثم لم تغب عن مشهد شهده رسول الله ﷺ من قتال المشركين؟ ثم قبض وهو عنك راض؟ ووازرت الخليفة بعده على منهاج النبي ﷺ ؟ فضربت من أدبر بمن أقبل؟ ثم قبض الخليفة وهو عنك راض؟ ثم وليت بخير ما ولي الناس؟ مصر الله بك الأمصار، وجبا بك الأموال؟ ونفى بك العدو؟ وأدخل بك على أهل بيت من سيوسعهم في دينهم وأرزاقهم؟ ثم ختم لك بالشهادة، فهنيئا لك. فقال: والله إن المغرور من تغرونه. أتشهد لي يا
стр. 4123
عبد الله عند الله يوم القيامة؟ فقال: نعم. فقال: اللهم لك الحمد. وكان ممن أثنى أيضا عبد الرحمن بن عوف والمغيرة، وطوائف الداخلين عليه من الصحابة وأهل المدينة وأهل الشام وأهل العراق.
(فقال راغب وراهب) "راغب وراهب" معمولهما محذوف، وهما خبر لمبتدأ محذوف، وقد ذهب العلماء مذاهب في تقدير هذا المحذوف، فقال ابن بطال: يحتمل أمرين: أحدهما: أنتم الذين أثنيتم علي راغب في حسن رأيي فيه، وتقربي له، وراهب من إظهار ما يضمره من كراهته، أو المعنى: راغب فيما عندي، وراهب مني -فالمبتدأ على المعنيين واحد، والاختلاف في معمول اسم الفاعل- أو المراد الناس راغب في الخلافة، وراهب منها، فإن وليت الراغب فيها خشيت أن لا يعان عليها، وإن وليت الراهب منها خشيت أن لا يقوم بها- فالمبتدأ على هذا غيره في المعنيين السابقين، والمعمول كذلك -وقال القاضي عياض: إنهما وصفان لعمر- أي المبتدأ ضمير المتكلم عمر، أي أنا راغب فيما عند الله، راهب من عقابه، فلا أعول على ثنائكم، وذلك يشغلني عن الاهتمام بالاستخلاف عليكم.
(فقالوا: استخلف) أي عين الخليفة بعدك.
(فقال: أتحمل أمركم حيا وميتا؟ ) استفهام إنكاري بمعنى النفي، حذف منه حرف الاستفهام، وعند البخاري "لا أتحملها حيا وميتا" أي لا أتحمل مسئولية الخلافة حيا وميتا.
(لوددت أن حظي منها الكفاف) بفتح الكاف وتخفيف الفاء، أي مكفوفا عني شرها وخيرها، وقد فسرها بقوله "لا علي ولا لي" أي سواء بسواء، أي خيري منها يساوي إساءتي فيها.
(فإن أستخلف ... إلخ) هذا القول سمعه ابن عمر في زيارة من زياراته لأبيه بعد إصابته، وبعد أن سمع من حفصة، وبعد ما ضرب له الغنم مثلا، كما سيأتي في الرواية الثانية.
(فعرفت أنه -حين ذكر رسول الله ﷺ غير مستخلف) أي غير معين لخليفة على التحديد، وعرف ذلك من المقارنة بين رسول الله ﷺ وبين أبي بكر، ففي الرواية الثانية "فعلمت أنه لم يكن ليعدل برسول الله ﷺ أحدا، وأنه غير مستخلف".
(دخلت على حفصة) بنت عمر، أخت عبد الله بن عمر، أي بعد طعنة أبيها، وطلب الناس منه أن يستخلف، وبعد أن قال لهم عمر ما سيقوله لابنه عبد الله، فالواضح أنه تكرر من الصحابة طلب الاستخلاف وتكرر من عمر هذا الجواب.
(ما كان ليفعل) أي ما كان ليترك الاستخلاف، فالترك وهو كف النفس فعل.
(فسكت حتى غدوت ولم أكلمه. قال: فكنت كأنما أحمل بيميني جبلا) كان ابن عمر يعود أباه بين الحين والحين، وكلما دخل يريد مكالمته في الخلافة لم يجد
стр. 4124
المناسبة، حتى أصبح في اليوم الثاني مبكرا إليه، ليتخلص من هم ما يحمل من أمر المسلمين، وليبر في حلفه أن يكلمه في ذلك.
(فسألني عن حال الناس وأنا أخبره) فيه التعبير عن الماضي بالمضارع لإفادة استحضار الصورة وتجديد الأخبار وتعددها.
(فآليت أن أقولها لك) يقال: ألى إيلاء، أي أقسم.
(رأيت أن قد ضيع) "أن" مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير محذوف و"قد ضيع" بفتح الضاد والياء المشددة، خبر "أن" أي قد أهمل، وتسبب في ضياعها.
(فوافقه قولي) أي فرضي عنه، إذ وافق عنده قناعة وقبولا.
(فوضع رأسه ساعة) أي فترة من الزمن، وليس المقصود ما هو معروف منها -ستين دقيقة- وكان عمر ﵁ قد وضع خده ساعة على فخذ ابن عباس، فلما دخل ابن عمر قال له عمر: ألصق خدي بالأرض يا عبد الله بن عمر، فوضعه ابن عباس من فخذه على ساقه، فقال: ألصق خدي بالأرض فوضعه حتى ألصق خده ولحيته بالأرض.
-[فقه الحديث]-
يتعرض الحديث إلى نقاط:
١ - ماذا فعل ﷺ بشأن الاستخلاف؟
٢ - وماذا فعل أبو بكر ﵁؟ .
٣ - وماذا فعل عمر ﵁؟
٤ - وما حكم عقد الخلافة من الإمام المتولي لغيره بعده؟ .
٥ - وما حكم نصب الخليفة بصفة عامة؟
النقطة الأولى: ماذا فعل النبي ﷺ بشأن الاستخلاف:
أما عن النقطة الأولى فيقول النووي: هذا الحديث دليل على أن النبي ﷺ لم ينص على خليفة، وهو إجماع أهل السنة وغيرهم. قال القاضي: وخالف في ذلك بكر ابن أخت عبد الواحد، فزعم أنه نص على أبي بكر، وقال ابن راوندي: نص على العباس، وقالت الشيعة والرافضة: نص على علي. وهذه دعاوى باطلة، وجسارة على الافتراء، ووقاحة في مكابرة الحس، وذلك لأن الصحابة ﵃ أجمعوا على اختيار أبي بكر، وعلى تنفيذ عهده إلى عمر، وعلى تنفيذ عهد عمر بالشورى، ولم يخالف في شيء من هذا أحد، ولم يدع علي ولا العباس ولا أبو بكر وصية في وقت من الأوقات، وقد اتفق علي
стр. 4125
والعباس على جميع هذا، من غير ضرورة مانعة من ذكر وصية لو كانت، فمن زعم أنه كان لأحد منهم وصية فقد نسب الأمة إلى اجتماعها على الخطأ، واستمرارها عليه، وكيف يحل لأحد من أهل القبلة أن ينسب الصحابة إلى المواطأة على الباطل في كل هذه الأحوال؟ ولو كان شيء لنقل، فإنه من الأمور المهمة. اهـ.
وقد تابع الطبري بكر ابن أخت عبد الواحد، واحتج بما أخرجه بسند صحيح عن قيس بن أبي حازم، قال: "رأيت عمر يجلس الناس، ويقول: اسمعوا لخليفة رسول الله ﷺ " وتبعهما في ذلك ابن حزم.
والحق أن النبي ﷺ لم يستخلف أبا بكر بعده صراحة، لكن إشاراته إلى ذلك كثيرة، منها:
١ - روى البخاري عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر، ولكن أخي وصاحبي".
٢ - وعن جبير بن مطعم قال: "أتت امرأة النبي ﷺ فأمرها أن ترجع إليه، قالت: أرأيت إن جئت ولم أجدك؟ -كأنها تقول: الموت -قال ﷺ : إن لم تجديني فأتي أبا بكر".
٣ - وعن عمرو بن العاص ﵁ أنه قال للنبي ﷺ : "أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة. فقال: من الرجال؟ قال: أبوها: قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر بن الخطاب".
وفي مرض موته ﷺ أنابه للصلاة بالناس.
وهم أن يكتب وصاية له بالخلافة بعده، ولكنه رجع، وقال: "يأبى الله، ويدفع المؤمنون".
وفي رواية أنه ﷺ قال لعائشة: "ادعي لي أباك وأخاك، حتى أكتب كتابا".
وفي آخره "ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر" وعند مسلم "ادعي لي أبا بكر، أكتب كتابا فإني أخاف أن يتمنى متمن، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر".
وأفرط المهلب، فقال: فيه دليل قاطع في خلافة أبي بكر.
لكن حديثنا يفيد جزما أن النبي ﷺ لم يعين صراحة من يكون خليفة بعده، ولعله قد أعلمه ربه أن الأمة ستجتمع على أبي بكر، فترك التعيين لتثاب الأمة على الاجتهاد والاختيار، وليشرع الشورى واختيار أهل الحل والعقد لخليفتهم.
النقطة الثانية: ماذا فعل أبو بكر ﵁؟
أما أبو بكر ﵁ فحين حضرته الوفاة كانت جيوش المسلمين في حرب طاحنة مع أعداء الإسلام، فخشي الفتنة، والظروف لا تسمح بالتفرق، وفهم من عزم النبي ﷺ على الكتابة والاستخلاف جوازه، لأنه ﷺ لا يعزم إلا على جائز، فعين عمر خليفة من بعده ﵄ واتفق الناس على قبول هذا التعيين.
стр. 4126
النقطة الثالثة: ماذا فعل عمر ﵁؟
أما عمر ﵁ فقد أشكل عليه الفعل والترك، فالفعل دليله عزم النبي ﷺ وفعل أبي بكر، والترك دليله فعل النبي ﷺ والذي يظهر من كلام عمر أنه رجح عنده الترك، لأنه الذي وقع من النبي ﷺ لكنه رأى أن الاستخلاف أضبط لأمر المسلمين، فسلك في هذا الأمر مسلكا متوسطا، خشية الفتنة، فخص الأمر بستة من فضلاء الصحابة، وأمرهم أن يختاروا منهم واحدا، فجعل الأمر معقودا موقوفا على الستة، فأخذ من فعل النبي ﷺ طرفا، وهو ترك التعيين، ومن فعل أبي بكر طرفا، وهو العقد لأحد الستة، وإن لم ينص عليه.
وأما عن النقطة الرابعة والخامسة:
فيقول النووي وغيره: أجمعوا على انعقاد الخلافة بالاستخلاف، وعلى انعقادها بعقد أهل الحل والعقد لإنسان، حيث لا يكون هناك استخلاف غيره، وعلى جواز جعل الخليفة الأمر شورى بين عدد محصور، أو غيره، وأجمعوا على أنه يجب نصب خليفة، وخالف في ذلك الأصم، فقال: لا يجب، واحتج ببقاء الصحابة بلا خليفة في مدة التشاور يوم السقيفة، وأيام الشورى بعد وفاة عمر ﵁، ولا حجة له في ذلك، لأن الصحابة في هاتين الفترتين لم يكونوا تاركين لنصب الخليفة، بل كانوا ساعين في النظر في أمر من يعقد له.
قال النووي: وأجمعوا على أن وجوب نصب الخليفة بالشرع لا بالعقل، وخالف في ذلك بعض المعتزلة، فقالوا: وجوبه بالعقل، لا بالشرع، وفساد قولهم ظاهر، لأن العقل لا مدخل له في الإيجاب والتحريم، ولا التحسين والتقبيح، وإنما يقع ذلك بحسب العادة، لا بذاته.
-[وفي الحديث]-
١ - فضيلة عمر ﵁، وحرصه على الاقتداء برسول الله ﷺ وأبي بكر ﵁.
٢ - تواضعه ﵁ وهضمه نفسه، وخشيته وخوفه من ربه عن فترة حكمه، وهو المشهور بالزهد وتحري العدالة.
٣ - ذكاء عبد الله بن عمر في فهمه من عبارة أبيه ما فهم.
٤ - عقلية ابن عمر وحكمته وقوة حجته في تمثيله بالغنم وراعيها.
والله أعلم.
стр. 4127
(٥٠٩) باب النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها وكراهة الإمارة بغير ضرورة
٤١٤٨ - عن عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ "يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة. فإنك إن أعطيتها عن مسألة أكلت إليها. وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها".
٤١٤٩ - عن أبي موسى ﵁ قال: دخلت على النبي ﷺ أنا ورجلان من بني عمي فقال أحد الرجلين: يا رسول الله أمرنا على بعض ما ولاك الله . وقال الآخر مثل ذلك فقال "إنا والله لا نولي على هذا العمل أحدا سأله ولا أحدا حرص عليه".
٤١٥٠ - عن أبي موسى ﵁ قال: أقبلت إلى النبي ﷺ ومعي رجلان من الأشعريين أحدهما عن يميني والآخر عن يساري. فكلاهما سأل العمل. والنبي ﷺ يستاك فقال "ما تقول يا أبا موسى أو يا عبد الله بن قيس؟ " قال: فقلت والذي بعثك بالحق ما أطلعاني على ما في أنفسهما وما شعرت أنهما يطلبان العمل. قال: وكأني أنظر إلى سواكه تحت شفته وقد قلصت. فقال "لن أو لا نستعمل على عملنا من أراده. ولكن اذهب أنت يا أبا موسى أو يا عبد الله بن قيس" فبعثه على اليمن. ثم أتبعه معاذ بن جبل، فلما قدم عليه قال: انزل. وألقى له وسادة. وإذا رجل عنده موثق. قال: ما هذا؟ قال: هذا كان يهوديا فأسلم ثم راجع دينه دين السوء فتهود. قال: لا أجلس حتى يقتل قضاء الله ورسوله. فقال: اجلس نعم. قال: لا أجلس حتى يقتل قضاء الله ورسوله. ثلاث مرات. فأمر به فقتل. ثم تذاكرا القيام من الليل. فقال أحدهما معاذ. أما أنا فأنام وأقوم وأرجو في نومتي ما أرجو في قومتي.
٤١٥١ - عن أبي ذر ﵁ قال: قلت يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده
стр. 4128
على منكبي، ثم قال "يا أبا ذر إنك ضعيف. وإنها أمانة. وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها".
٤١٥٢ - عن أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "يا أبا ذر إني أراك ضعيفا. وإني أحب لك ما أحب لنفسي. لا تأمرن على اثنين. ولا تولين مال يتيم".
-[المعنى العام]-
يقول ﷺ "إنكم ستحرصون على الإمارة" وستتكالبون وتتقاتلون عليها، ويرفع أحدكم السيف على أخيه من أجلها، وفي ذلك ضعفكم وهلاكم، إنكم لا تدركون مخاطرها، ولا تدرون عواقبها، إنكم ستكونون كالفراش يتهافت على الضوء، وفيه احتراقه، أو كالطفل يتعلق بعد الحولين بالرضاعة، ويصعب بعدهما فطامه، ونعمت المرضعة، وبئست الفاطمة، الولاية تبعات، وقل من يتحمل تبعاتها، إنها سلطة وشهوة، وقل من لا يصل إلى الطغيان والجبروت، إنها امتلاك لمصالح العباد ومنافعهم وأضرارهم، وقل من يعدل فيها، ويقيم القسط، ويعطي الحق، ويمنع ما ليس بحق ولو على نفسه، أو الوالدين والأقربين، إنها قوة وقدرة، وقل من يتحكم في قدرته، ويكبح شهوة انتقامه، متذكرا قدرة الله عليه، إنها عرض لا محالة زائل ومنتقل إلى الغير، وقل من يحسب حسابا لما بعدها دنيا وأخرى، إنها هالة من الأضواء، تعمي من بداخلها عن رؤية ما حولها، إنها دائرة محاطة ببطانة الخير وبطانة الشر، تمد كل منهما الأمير بما تريد، فيتحرك على ضوء معلوماتها وبحركتها لا بمعلوماته وحركته وحريته، إنها هدف لآمال قريبة وبعيدة، حقة وباطلة، ورضى الناس غاية لا تدرك، ولهذا جاء في الحديث "الإمارة أولها ملامة" يلومها من لم تتحق له آماله فيها "وثانيها ندامة" حيث يحس بالأخطار حوله "وثالثها عذاب يوم القيامة" حيث إن النجاة من أخطارها صعبة وعسيرة، والعادل فيها من يرجو أن يخرج منها كفافا، لا له ولا عليه، وفي رواية "أولها ندامة" حين يرى نفسه عاجزا عن تحقيق آمال الناس، وحين يرى ثقل حملها "وأوسطها غرامة" إذا أراد أن يؤدي الحقوق، ويتحمل التبعات "وآخرها عذاب يوم القيامة" حين تكون عليه حسرة، حيث لم يقم بحقها، وقل من يقوم بحقها، فرسول الله ﷺ يقول: "القضاة ثلاثة، قاضيان في النار، وقاض في الجنة" فالناجي من أخطارها واحد من ثلاثة.
والكيس من حسب المكسب والخسارة حسابا صحيحا، فلم يحرص عليها، ولم يجر وراءها ولم يسألها، ولم يلح في طلبها، ولم يشترها بدينه، أو بماله، أو بعرضه، أو بكرامته، فإن هو عف عنها، وكان كفأ لها، جاءته وحدها وأعانه الله، وإن سألها، وكان ضعيفا عن أحمالها، فأعطيها، حجبت عنه إعانته عليها، وتركه الله في عثراتها، ومن هنا كانت وصيته ﷺ لعبد الرحمن بن
стр. 4129
سمرة: لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها" ووصيته لأبي ذر الغفاري، ضعيف البدن، ضعيف الخبرة "إني أراك ضعيفا، وأحب لك ما أحب لنفسي" من جلب الخير ودفع الشر فلا تحرص على الإمارة ولو على اثنين، ولا تكن وليا على مال يتيم.
وكانت سياسته ﷺ أن لا يولي من يسأل الإمارة، لأن سؤاله جهل بتبعاتها، واستهتار بمسئولياتها، ومثله لا يولى؛ ولأنه لن يعان عليها، ومن لا يعان من الله عليها لا يصلح لها، وطبق ﷺ هذه السياسة على أبي موسى الأشعري وابني عمه، إذ جاءوا إلى النبي ﷺ فطلب كل من ابني عمه من رسول الله ﷺ أن يوليه، فقال لهما: "إنا لا نولي من سأل، ولا من حرص، ثم قال: ما تقول يا أبا موسى. قال: والذي بعثك بالحق ما علمت أنهما سيطلبان الولاية، ولو علمت ما وافقت على صحبتهما إليك، فقال له: أنت الأهل بالولاية، والأحق بها منهما. اذهب إلى اليمن بلد قومك واليا عليهم، يقاسمك في ولايتها معاذ بن جبل، فبشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا. فسارا على منهج رسول الله ﷺ وأخذا يتزاوران، ويقيمان حدود الله وشرائعه، ويعبدان الله في السر والعلن، يصومان النهار، ويقومان الليل، ويرطبان لسانهما في أغلب الأحيان بقراءة القرآن، صورة حية للوالي المسلم المطيع لربه، الدارج على نهج رسوله وتعاليمه، صلى الله عليك وسلم يا رسول الله، ورضي عن أصحابك أجمعين.
-[المباحث العربية]-
(والحرص عليها) أي والحرص على طلب تحصيلها.
(لا تسأل الإمارة) هذا الذي في أكثر طرق الحديث، وفي رواية بلفظ "لا تتمنين" بصيغة النهي عن التمني، مؤكدا بالنون الثقيلة، والنهي عن التمني أبلغ من النهي عن الطلب، والإمارة تشمل الإمارة العظمى، وهي الخلافة والصغرى وهي الولاية على بعض البلاد، والمراد هنا الثاني.
(فإنك إن أعطيتها عن مسألة) الفاء للتعليل، و"أعطيتها" بضم الهمزة، مبني للمجهول، و"عن مسألة" أي عن سؤال.
(أكلت إليها) قال النووي: هكذا هو في كثير من النسخ، أو أكثرها "أكلت" بضم الهمزة، وفي بعضها "وكلت" بالواو المضمومة، قال القاضي: والصواب بالواو، أي أسلمت إليها، ولم يكن معك إعانة، بخلاف ما إذا حصلت بغير مسألة. اهـ. قال الحافظ ابن حجر: "وكلت" بضم الواو، وكسر الكاف مخففا ومشددا، مع سكون اللام، ومعنى المخفف صرفت إليها، ومن وكل إلى نفسه هلك، ومنه في الدعاء "ولا تكلني إلى نفسي" ووكله بالتشديد استحفظه.
(وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها) ومن المعلوم أن كل ولاية لا تخلو من مشقة،
стр. 4130
فمن لم يكن له من الله عون تورط فيما دخل فيه، وخسر دنياه وعقباه، والأصل في ذلك، "من تواضع لله رفعه الله".
(دخلت على النبي ﷺ أنا ورجلان من بني عمي) من الأشعريين، وجلس بينهما، كما في الرواية الثالثة.
(أمرنا على بعض ما ولاك الله) "أمرنا" بفتح الهمزة وتشديد الميم المسكورة، أي اجعلنا أمراء.
(وقال الآخر مثل ذلك) في الرواية الثالثة "فكلاهما سأل العمل" وعند أحمد "جئناك لتستعين بنا على عملك".
(فقال: ما تقول يا أبا موسى أو يا عبد الله بن قيس)؟ شك من الراوي بأيهما خاطبه ﷺ ، وعبد الله بن قيس اسم أبي موسى.
(إنا لا نولي على هذا العمل أحدا سأله، ولا أحدا حرص عليه) يقال: حرص بفتح الراء وكسرها، والفتح أفصح، وبه جاء القرآن، قال تعالى: ﴿وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين﴾ [يوسف: ١٠٣].
(فقلت: والذي بعثك بالحق ما أطلعاني على ما في أنفسهما وما شعرت أنهما يطلبان العمل) وفي رواية "فاعتذرت إلى رسول الله ﷺ مما قالوا، وقلت: لم أدر ما حاجتهم، فصدقني وعذرني" وفي رواية "لم أعلم لماذا جاءا" وفي رواية "إنهم قالوا لي: انطلق معنا إلى رسول الله ﷺ فإن لنا حاجة، فقمت معهم".
(وكأني أنظر إلى سواكه تحت شفته وقد قلصت) يقال: قلصت الشفة، بفتح اللام تقلص بكسرها، إذا شمرت وارتفعت. وقصده من ذكر هذه العبارة التوثيق بتذكر الظروف المحيطة بالحديث.
(لن -أو لا- نستعمل على عملنا من أراده) شك من الراوي، وفي الرواية الثانية "إنا لا نولي على هذا العمل أحدا سأله أو حرص عليه" وفي رواية "فقال: إن أخونكم عندنا من يطلبه، فلم يستعن بهما في شيء حتى مات".
(ولكن اذهب أنت يا أبا موسى. فبعثه على اليمن، ثم أتبعه معاذ بن جبل) "معاذ بن جبل" بالنصب، أي بعثه بعده، وظاهره أنه ألحقه به بعد أن توجه، وفي الصحيح "بعث النبي ﷺ أبا موسى ومعاذا إلى اليمن، فقال: يسرا ولا تعسرا .... " الحديث، ويحمل على أنه أضاف معاذا إلى أبي موسى، بعد سبق ولايته، لكن قبل توجهه، فوصاهما عند التوجه بذلك، ويمكن أن يكون المراد أنه وصى كلا منهما، واحدا بعد الآخر، وفي الصحيح "أنه ﷺ بعث كل واحد منهما على
стр. 4131
مخلاف" أي على إقليم واليمن مخلافان، وكانت جهة معاذ العليا إلى صوب عدن، وكانت جهة أبي موسى السفلى.
(فلما قدم عليه) في الكلام طي، والفاء عاطفة على محذوف، ففي الصحيح "فانطلق كل واحد منهما إلى عمله، وكان كل واحد منهما إذا سار في أرضه وكان قريبا من صاحبه أحدث به عهدا -أي جدد به العهد بزيارته، فجعلا يتزاوران، فزار معاذ أبا موسى، فلما قدم عليه .... إلخ.
(قال: انزل. وألقى له وسادة) أي انزل عن دابتك، واجلس على الوسادة، ومعنى "ألقى له وسادة" فرشها له، ليجلس عليها، والوسادة ما يجعل تحت رأس النائم، وكانت عادتهم أن من أرادوا إكرامه وضعوا الوسادة تحته، مبالغة في إكرامه.
(وإذا رجل عنده موثق) وعند الطبراني "فإذا عنده رجل موثق بالحديد".
(قال: لا أجلس حتى يقتل) كأن معاذا نزل عن دابته، ووقف، ولم يجلس على الوسادة.
(قضاء الله ورسوله) "قضاء" بالرفع خبر مبتدأ محذوف، ويجوز نصبه بفعل محذوف، أي الزم قضاء الله ورسوله.
(فقال: اجلس نعم، قال: لا أجلس ... إلخ) أي نعم سنجيب طلبك فاجلس. قال: لا أجلس حتى يقتل.
(ثلاث مرات) أي كررا هذا الكلام ثلاث مرات، أبو موسى يقول: اجلس، ومعاذ يقول: لا أجلس فقوله "ثلاث مرات" من كلام الراوي، لا تتمة كلام معاذ.
(ثم تذاكرا القيام من الليل) في رواية "قال معاذ لأبي موسى: كيف تقرأ القرآن"؟ أي في صلاة الليل؟ وفي رواية "فقال أبو موسى: أقرؤه قائما وقاعدا وعلى راحلتي وأتفوقه" أي ألازم قراءته في جميع الأحوال، شيئا بعد شيء، وحينا بعد حين، مأخوذ من فواق الناقة، وهو أن تحلب، ثم تترك ساعة حتى تدر، ثم تحلب، "كيف تقرأ أنت يا معاذ"؟
(فقال أحدهما معاذ) "معاذ" بدل من "أحدهما".
(أما أنا فأنام وأقوم) أي أجزئ الليل أجزاء، جزءا للنوم، وجزءا للقراءة والقيام.
(وأرجو في نومتي ما أرجو في قومتي) معناه إني أنام بنية القوة، واستجماع النفس للعبادة، وتنشيطها للطاعة، فأرجو في ذلك الأجر، كما أرجو في قومتي، أي في صلاتي وقراءتي، وحاصله أنه يرجو الأجر في ترويح نفسه بالنوم، ليكون أنشط عند القيام، وفي رواية "فاحتسبت نومتي، كما احتسبت قومتي" فهو يطلب الثواب في الراحة، كما يطلبه في التعب.
(ألا تستعملني؟ ) أي ألا تتخذني عاملا على ولاية؟ طلب برفق عن طريق العرض.
стр. 4132
(فضرب بيده على منكبي) كأنه يربت على كتفه بيده، علامة على الرفق والحنو والعطف.
(ثم قال: يا أبا ذر: إنك ضعيف) البدن، هزيل الجسم، لا تقوى على متاعب الولاية ومشاقها.
(وإنها أمانة) شاقة التكاليف والتبعات.
(وإنها يوم القيامة خزي وندامة) أي لمن لم يعمل فيها بما ينبغي.
(لا تأمرن على اثنين) بفتح التاء والهمزة، وتشديد الميم المفتوحة وفتح الراء، وتشديد النون المفتوحة، وأصله لا تتأمرن، أي لا تكن أميرا على قوم وإن قلوا.
(ولا تولين مال يتيم) أصله ولا تتولين مال يتيم، فتتحمل بذلك تبعات تعرضك لأثقال الذنوب.
-[فقه الحديث]-
في الحديث النهي عن سؤال الإمارة وطلبها، ومثل الإمارة القضاء والحسبة والوظائف العليا في الدولة، إذا كانت المهمة ولاية أمور المسلمين "لا تسأل الإمارة" وهذا النهي للكراهة، لا للتحريم، وقد علل الحديث هذا الحكم بأن من طلب الإمارة فأعطيها تركت إعانته عليها، من أجل حرصه، ومن المعلوم أن كل ولاية لا تخلو من مشقة، وكل وال معرض للخطأ واتباع الهوى، فمن تولى أمرا ولم يكن له من الله إعانة أساء التصرف، وقد وعد ﷺ من أعطى الولاية من غير مسألة بالعون من الله عليها، وأوعد من طلبها بحجب الإعانة، وقد جاء تفسير الإعانة وعدمها في حديث أنس رفعه "من طلب القضاء، واستعان عليه" أي على الوصول له "بالشفعاء" والوسطاء "وكل إلى نفسه، ومن أكره عليه" أو أعطيه لكفاءته بدون مسألة "أنزل الله عليه ملكا يسدده" أخرجه الترمذي وأبو داود وابن ماجه والحاكم وصححه، وفي معنى الإكراه عليه أن يدعي إليه، فيهابه، خوفا من الوقوع في المحذور، فإنه يعان عليه إذا دخل فيه، ويسدده الله.
فمن كان ذا عقل لم يتعرض للطلب أصلا.
أما الحكمة في عدم تولية من سأل الولاية أن سؤالها غالبا ينشأ عن الحرص على تحصيلها.
وما ذلك إلا لمصلحة شخصية، كثيرا ما تكون على حساب المصلحة العامة، فهو بهذا الوضع متهم، وسؤاله شبهة عدم كفاءته، ولو كان واثقا من كفاءته لجاءته دون سؤال، ثم إن من سألها -كما قلنا- لا يعان عليها، ومن لا يعان عليها من الله لا يكون كفأ، ولا يولي غير الكفء.
وهذا إذا كانت أمور الولايات تجري في مجراها الصحيح، وولي الأمر الأعلى يضع الرجل المناسب في المكان المناسب، أما إذا اختلت الموازين، وأبعد الأكفاء عن مواقعهم، وقدمت الأحساب والوسائط فللأكفاء أن يطلبوا، وأن يلحوا في الطلب، وأن يكافحوا من أجل وصولهم، فوصولهم حينئذ مصلحة عامة، قبل أن تكون خاصة.
стр. 4133
ويمكن حمل حديث أبي داود عن أبي هريرة رفعه "من طلب قضاء المسلمين حتى يناله، ثم غلب عدله جوره فله الجنة، ومن غلب جوره عدله فله النار" يمكن حمل هذا الحديث على مثل هذه الحالة، وقال الحافظ ابن حجر في الجمع بين حديث أبي هريرة وبين حديث الباب: والجمع بينهما أنه لا يلزم من كونه لا يعان بسبب طلبه أن لا يحصل منه العدل إذا ولي. اهـ. فأطلق عدم العون لكل من سألها. وفي ذلك نظر، كما أوضحنا، ويميل ابن التين إلى هذا، فيقول عن حديث الباب: هو محمول على الغالب، وإلا فقد قال يوسف ﵇ ﴿اجعلني على خزائن الأرض﴾ [يوسف: ٥٥] اهـ.
والرواية الرابعة "يا أبا ذر. إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها" تؤيد ما ذهبنا إليه، فقد مدحت من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها، والحقوق في مثل زماننا تؤخذ ولا تعطى، أما الضعيف غير الكفء فإن تعرضه لحمل ما يثقل عليه يؤدي به إلى الخزي والندامة، الخزي أمام الخلائق يوم القيامة، حيث يقف ذليلا بعد أن عرفوه عزيزا، والندامة على تفريطه في جنب الله. قال النووي: وهذا أصل عظيم في اجتناب الولاية، ولا سيما لمن كما فيه ضعف، وهو في حق من دخل فيها بغير أهلية، ولم يعدل، وأما من كان أهلا وعدل فيها فأجره عظيم، كما تظاهرت الأخبار، ولكن في الدخول فيها خطر عظيم، ولذلك امتنع الأكابر منها. اهـ.
ومن الأخبار المتظاهرة التي أشار إليها النووي حديث "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، إمام عادل ... " والحديث الآتي في الباب التالي "إن المقسطين عند الله على منابر من نور، عن يمين الرحمن ... ".
وفي إرسال أبي موسى إلى اليمن من غير أن يسأل دليل على كفاءته لمهام الأمور والولايات، وأنه كان عالما فطنا حاذقا، ولذلك اعتمد عليه عمر ثم عثمان ثم علي، وأما الخوارج والروافض فطعنوا فيه، ونسبوه إلى الغفلة وعدم الفطنة، لما صدر منه في التحكيم بصفين، قال ابن العربي وغيره: والحق أنه لم يصدر منه ما يقتضي وصفه بذلك، وغاية ما وقع منه أن اجتهاده أداه إلى أن يجعل الأمر شورى بين من بقي من أكابر الصحابة، من أهل بدر ونحوهم، لما شاهد من الاختلاف الشديد بين الطائفتين بصفين، وآل الأمر إلى ما آل إليه. اهـ.
وفي إلقاء أبي موسى الوسادة لمعاذ ليجلس عليها تكريم العلماء، وإكرام الضيف بمثل هذا الاحتفاء.
وفي الرواية الثالثة وجوب قتل المرتد، قال النووي: وقد أجمعوا على قتله، لكن اختلفوا في استتابته، هل يستتاب؟ أو لا؟ فقال مالك والشافعي وأحمد والجماهير من السلف والخلف: يستتاب، ونقل ابن القصار المالكي إجماع الصحابة عليه. وقال طاووس والحسن والماجشون وأبو يوسف وأهل الظاهر: لا يستتاب، ولو تاب نفعته توبته عند الله تعالى، ولا يسقط قتله، لقوله ﷺ "من بدل دينه فاقتلوه" وقال عطاء: إن كان ولد مسلما لم يستتب، وإن كان كافرا فأسلم ثم ارتد يستتاب، وليس في حديث الباب حجة لمن قال: يقتل المرتد بلا استتابة، لأن عدم الذكر لا يقتضي
стр. 4134
عدم الوقوع، حتى رواية "فلم ينزل حتى ضرب عنقه، وما استتابه" فهذه فضلا عن أنها معارضة برواية مثبوتة أن معاذا استتابه يحتمل أنه اكتفى بما تقدم من استتابة أبي موسى له، فقد جاء في بعض الروايات "أن أبا موسى دعاه إلى الإسلام، فأبى عشرين ليلة، أو قريبا منها"، واختلف القائلون بالاستتابة. هل هي واجبة؟ أم مستحبة؟ والأصح عند الشافعي وأصحابه أنها واجبة.
كما اختلفوا في قدرها، والأصح عند الشافعي وأصحابه أنها في الحال فقط، وله قول أنها ثلاثة أيام، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق، وعن علي أنه يستتاب شهرا، واختلفوا في المرأة، وهل هي كالرجل في ذلك؟ أم لا؟ قال الجمهور: والمرأة كالرجل في أنها تقتل إذا لم تتب، ولا يجوز استرقاقها. هذا مذهب الشافعي ومالك والجماهير، وقال أبو حنيفة وطائفة: تسجن المرأة، ولا تقتل، وعن الحسن وقتادة أنها تسترق، وروي عن علي.
قال القاضي عياض: وفي الحديث أن لأمراء الأمصار إقامة الحدود في القتل وغيره، وهو مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة والعلماء كافة، وقال الكوفيون: لا يقيمه إلا فقهاء الأمصار، ولا يقيمه عامل السواد.
قال: واختلفوا في القضاة، إذا كانت ولا يتهم مطلقة، ليست مختصة بنوع من الأحكام، فقال جمهور العلماء: تقيم القضاة الحدود، وينظرون في جميع الأشياء إلا ما يختص بضبط البيضة من إعداد الجيوش وجباية الخراج، وقال أبو حنيفة: لا ولاية في إقامة الحدود.
وفي بعث معاذ إلى اليمن مع أبي موسى جواز تولية أميرين على البلد الواحد، وقسمة البلدين بين أميرين.
ومما حدث بينهما يستفاد استحباب التزاور بين الإخوان والأمراء والعلماء.
ومن موقف معاذ، وعدم نزوله يستفاد استحباب المبادرة إلى إنكار المنكر.
وإقامة الحدود على من وجبت عليه.
ومن ابتغاء معاذ الأجر في نومه يستفاد أن المباحات يؤجر عليها بالنية، إذا صارت وسائل للمقاصد الواجبة أو المندوبة، أو تكميلا لشيء منهما.
ويستفاد من الرواية الخامسة الحذر من أخطار الإمارة ولو على اثنين.
والحذر من أخطار ولاية مال اليتيم.
وعنون النووي لهذه الرواية الخامسة بباب كراهة الإمارة بغير ضرورة.
والله أعلم.
стр. 4135
(٥١٠) باب فضيلة الأمير العادل، وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية، والنهي عن إدخال المشقة عليهم
٤١٥٣ - عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال ابن نمير وأبو بكر يبلغ به النبي ﷺ وفي حديث زهير قال: قال رسول الله ﷺ "إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن . وكلتا يديه يمين. الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا".
٤١٥٤ - عن عبد الرحمن بن شماسة قال: أتيت عائشة أسألها عن شيء. فقالت: ممن أنت؟ فقلت: رجل من أهل مصر فقالت: كيف كان صاحبكم لكم في غزاتكم هذه؟ فقال: ما نقمنا منه شيئا، إن كان ليموت للرجل منا البعير، فيعطيه البعير والعبد فيعطيه العبد، ويحتاج إلى النفقة فيعطيه النفقة. فقالت: أما إنه لا يمنعني الذي فعل في محمد بن أبي بكر أخي، أن أخبرك ما سمعت من رسول الله ﷺ يقول في بيتي هذا "اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه. ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به".
٤١٥٥ - عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال "ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته. فالأمير الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته. والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم. والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسئولة عنهم. والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه. ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته".
следующие страницы →