← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.

стр. 4306

تبارك وتعالى رفيق يحب الرفق ويرضى به، ويعين عليه ما لا يعين على العنف، فإذا ركبتم هذه الدواب العجم، فأنزلوها منازلها، فإن كانت الأرض جدبة فانجوا عليها ببقيها" أي اطلبوا السرعة من تلك الأرض بسرعة السير عليها مادامت الإبل بنقيها وشحمها. (وإذا عرستم بالليل فاجتنبوا الطريق) قال أهل اللغة: التعريس النزول في أواخر الليل للنوم والراحة، هذا قول الخليل والأكثرين، وقال بعضهم: هو النزول، أي وقت كان، من ليل أو نهار، ويقال: أعرس المسافرون، وعرسوا بتشديد الراء، إذا نزلوا للراحة آخر الليل، وهو المراد هنا. (فإنها مأوى الهوام بالليل) الهوام بتشديد الميم جمع هامة، وهي كل ذي سم يقتل سمه وتطلق على الدابة، أي لا تضربوا خيامكم في آخر الليل على الطريق، لأن الحشرات ودواب الأرض من ذوات السموم والسباع تمشي في الليل على الطرق، لسهولتها، ولتلتقط منها ما يسقط من المسافرين من مأكول ونحوه، وما تجد فيها من رمة وبقايا لحم، فإذا عرس الإنسان في الطريق ربما مر به منها ما يؤذيه، فينبغي أن يتباعد في نزوله عن الطريق، وفي رواية أبي داود "وإذا أردتم التعريس فتنكبوا عن الطريق" أي اجتنبوه، يقال: نكب عنه بفتح النون والكاف ينكب بضم الكاف نكبا بسكونها إذا مال عنه واعتزله، وتنكب فلان فلانا، إذا أعطاه منكبه وأعرض عنه. (السفر قطعة من العذاب) أي جزء منه، والمراد من العذاب الألم الناشئ عن المشقة. (يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه) أي يمنعه كما لها ولذيذها، لا أصلها، فعند الطبراني "لا يهنأ أحدكم بنومه ولا طعامه ولا شرابه" والجملة تعليل لما قبلها، أي استئناف تعليلي، كأنها جواب عن سؤال بلفظ "لم"؟ وقد جاء بصيغة التعليل في رواية سعيد المقبري، ولفظها "السفر قطعة من العذاب، لأن الرجل يشتغل فيه عن صلاته وصيامه" وعند ابن عدي "وأنه ليس له دواء إلا سرعة السير". وذلك لما في السفر من المشقة والتعب، ومقاساة الحر والبرد والسير بالليل، والخوف على الأموال والأهل، ومفارقة الوطن والأصحاب، ومألوف الراحة. (فإذا قضى أحدكم نهمته من وجهه، فليعجل إلى أهله) "نهمته" بفتح النون وسكون الهاء، أي حاجته "من وجهه" أي من مقصده، وعند ابن عدي "إذا قضى أحدكم وطره من سفره" وفي رواية "فإذا فرغ أحدكم من حاجته" وفي رواية "فليعجل الرجوع إلى أهله" وفي رواية "فليعجل الكرة إلى أهله" وفي رواية "فليعجل الرحلة إلى أهله، فإنه أعظم لأجره" والمقصود تعجيل الرجوع إلى الأهل بعد قضاء الشغل، ولا يتأخر بما ليس له بمهم. (كان لا يطرق أهله ليلا) أي في الليل. (وكان يأتيهم غدوة أو عشية) أي أول النهار، أو آخره، أوائل الليل، والعشى والعشية من الزوال إلى المغرب، أو من صلاة المغرب إلى العتمة، ولهذا فسر قوله في الرواية الخامسة "أمهلوا حتى ندخل ليلا" بقوله: أي عشاء. قال أهل اللغة: الطروق بضم الطاء المجيء بالليل من سفر أو غيره على

стр. 4307

غفلة، ويقال لكل آت بالليل طارق، ولا يقال بالنهار إلا مجازا، وقال بعض أهل اللغة: أصل الطروق الدفع والضرب، وبذلك سميت الطريق، لأن المارة تدقها بأرجلها، وسمي الآتي بالليل طارقا، لأنه يحتاج غالبا إلى دق الباب، وقيل: أصل الطروق السكون، ومنه أطرق رأسه، فلما كان الليل يسكن فيه سمي الآتي فيه طارقا، وأيا كان أصل الطروق فالمراد به هنا الدخول على الأهل بغتة على غفلة بعد غيبة، ففي الرواية السابعة نهى رسول الله ﷺ "إذا أطال الرجل الغيبة أن يأتي أهله طروقا" قال الحافظ ابن حجر: والتقييد بطول الغيبة يشير إلى علة النهي، والحكم يدور مع علته وجودا وعدما، فلما كان الذي يخرج لحاجته مثلا نهارا، ويرجع ليلا، لا يتأتى له ما يحذر، من الذي يطيل الغيبة، كان طول الغيبة مظنة الأمن من الهجوم، فيقع للذي يهجم بعد طول الغيبة غالبا ما يكره، إما أن يجد أهله على غير أهبه، من التنظف والتزين المطلوب من المرأة، فيكون ذلك سبب النفرة بينهما، وإما أن يجدها على حالة غير مرضية، والشرع يحرص على الستر، وإلى ذلك أشار بقوله "يتخونهم ويتطلب عثراتهم" فعلى هذا من أعلم أهله بوصوله، وأنه يقدم في وقت كذا، مثلا، لا يتناوله هذا النهي، وقد صرح بذلك ابن خزيمة في صحيحه، ثم ساق حديث ابن عمر، قال: قدم النبي ﷺ من غزوة، فقال: "لا تطرقوا النساء، وأرسل من يؤذن الناس أنهم قادمون". وضمير الجمع في "كان يأتيهم" للأهل، وكان حقه أن يقول "كان يأتيهن" ولعله غلب عليهن جماعة الذكور، كقوله تعالى ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا﴾ [الأحزاب: ٣٣]. (كي تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة) يقال: مشط الشعر بفتح الشين، يمشط بضمها، إذا رجله، ويقال: مشطت الماشطة المرأة إذا سرحت شعرها بالمشط، وامتشطت المرأة، أي مشطت شعرها. و"الشعثة" بفتح الشين وكسر العين وفتح الثاء التي تغير شعرها واتسخ وتلبد، والاستحداد استفعال، من استعمال الحديدة، وهي الموسى، أي الحلق بآلة حادة، و"المغيبة" بضم الميم وكسر الغين التي غاب عنها زوجها، يقال: أغابت المرأة إذا غاب عنها زوجها، فهي مغيب ومغيبة، والمراد أن تزيل المرأة التي غاب عنها زوجها شعر سوأتيها بأية طريقة، استعدادا لزوجها. (يتخونهم أو يلتمس عثراتهم) أي يكتشف هل خانوا؟ أم لا؟ شكا فيهم، أو ظنا سيئا بهم، وفي رواية "أو يطلب عثراتهم" والعثرات بفتح العين والثاء جمع عثرة، وهي الزلة، وعند أحمد "لا تلجوا على المغيبات، فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم". وكان الظاهر أن يقول "يتخونهن، أو يلتمس عثراتهن" بضمير غيبة جماعة الإناث، لكن الوارد في الصحيح بضمير جمع الذكور الغائبين، وله توجيهه، لكن قال ابن التين: الصواب بالنون فيهما. وهذه الجملة مختلف في رفعها، قيل: مدرجة، وقيل مرفوعة، لذا شك سفيان في رفعها، كما جاء في ملحق الرواية الثامنة.

стр. 4308

-[فقه الحديث]- في هذه الأحاديث جملة من آداب السفر، وهي: ١ - استحباب تعجيل الرجوع إلى الأهل، بعد قضاء المصلحة، فالسفر غالبا فيه مشقة وخشونة عيش، ومقاساة شدائد، وبعد عن الأهل والمال والأوطان. وقد ذكر البخاري حديث "السفر قطعة من العذاب" في أواخر أبواب الحج والعمرة، قال ابن المنير: أشار البخاري بذلك إلى أن الإقامة في الأهل أفضل من المجاهدة. قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر لا يخفى، لكن يحتمل أن يكون البخاري أشار بإيراده في الحج إلى حديث عائشة، بلفظ "إذا قضى أحدكم حجه فليعجل إلى أهله". قال الحافظ: وفي الحديث كراهة التغرب عن الأهل لغير حاجة، لما في الإقامة في الأهل من الراحة المعينة على صلاح الدين والدنيا، ولما في الإقامة من تحصيل الجماعات، والقوة على العبادة. قال ابن بطال: ولا تعارض بين هذا الحديث وحديث ابن عمر مرفوعا "سافروا تصحوا" فإنه لا يلزم من الصحة بالسفر لما فيه من الرياضة، أن لا يكون قطعة من العذاب، لما فيه من المشقة، فصار كالدواء المر، المعقب للصحة، وإن كان في تناوله الكراهة. واستنبط منه الخطابي تغريب الزاني، لأنه قد أمر بتعذيبه، والسفر من جملة العذاب، قال الحافظ ابن حجر: ولا يخفى ما فيه. ٢ - وفي الرواية الأولى والثانية جملة من آداب السير والنزول، والحث على الرفق بالدواب، ومراعاة مصلحتها، وفي معنى ذلك السيارات ونحوها. ٣ - وفي الرواية الرابعة وما بعدها أنه يكره لمن طال سفره أن يقدم على امرأته ليلا بغتة، لتتأهب له ولئلا يرى منها ما يكره، وفي ذلك الحث على التواد والتحاب، خصوصا بين الزوجين، لأن الشارع راعى ذلك بين الزوجين، مع اطلاع كل منهما على ما جرت العادة بستره، حتى إن كل واحد منهما لا يخفى عنه من عيوب الآخر شيء في الغالب، ومع ذلك نهي عن الطروق ليلا، لئلا يطلع على ما تنفر نفسه عنه، فيكون مراعاة ذلك في غير الزوجين بطريق الأولى. قال الحافظ: ويؤخذ منه أن الاستحداد ونحوه مما تتزين به المرأة ليس داخلا في النهي عن تغيير الخلقة. قال: وفيه التحريض على ترك التعرض لما يوجب ظن السوء بالمسلم. والله أعلم.

стр. 4309

كتاب الصيد والذبائح

стр. 4310

(٥٣٨) باب الصيد بالكلاب المعلمة ٤٣٥٦ - عن عدي بن حاتم ﵁ قال: قلت: يا رسول الله إني أرسل الكلاب المعلمة، فيمسكن علي، وأذكر اسم الله عليه. فقال: "إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله عليه فكل". قلت: وإن قتلن؟ قال: "وإن قتلن، ما لم يشركها كلب ليس معها". قلت له: فإني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب. فقال: "إذا رميت بالمعراض فخزق فكله، وإن أصابه بعرضه فلا تأكله". ٤٣٥٧ - عن عدي بن حاتم ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ قلت: إنا قوم نصيد بهذه الكلاب. فقال: "إذا أرسلت كلابك المعلمة وذكرت اسم الله عليها، فكل مما أمسكن عليك وإن قتلن، إلا أن يأكل الكلب، فإن أكل، فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه، وإن خالطها كلاب من غيرها، فلا تأكل". ٤٣٥٨ - عن عدي بن حاتم ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن المعراض؟ فقال: "إذا أصاب بحده فكل، وإذا أصاب بعرضه فقتل، فإنه وقيذ فلا تأكل" وسألت رسول الله ﷺ عن الكلب؟ فقال: "إذا أرسلت كلبك، وذكرت اسم الله، فكل، فإن أكل منه، فلا تأكل، فإنه إنما أمسك على نفسه" قلت: فإن وجدت مع كلبي كلبا آخر، فلا أدري أيهما أخذه؟ قال: "فلا تأكل، فإنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره". ٤٣٥٩ - عن عدي بن حاتم ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن صيد المعراض؟ فقال ما أصاب بحده فكله، وما أصاب بعرضه فهو وقيذ"، وسألته عن صيد الكلب؟ فقال: ما أمسك عليك ولم يأكل منه، فكله، فإن ذكاته أخذه،

стр. 4311

فإن وجدت عنده كلبا آخر، فخشيت أن يكون أخذه معه وقد قتله، فلا تأكل، إنما ذكرت اسم الله على كلبك، ولم تذكره على غيره". ٤٣٦٠ - عن الشعبي قال: سمعت عدي بن حاتم -وكان لنا جارا ودخيلا وربيطا بالنهرين- أنه سأل النبي ﷺ قال: أرسل كلبي فأجد مع كلبي كلبا قد أخذ، لا أدري أيهما أخذ، قال: "فلا تأكل، فإنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره". ٤٣٦١ - عن عدي بن حاتم ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "إذا أرسلت كلبك، فاذكر اسم الله، فإن أمسك عليك فأدركته حيا فاذبحه، وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه، فكله، وإن وجدت مع كلبك كلبا غيره وقد قتل فلا تأكل، فإنك لا تدري أيهما قتله، وإن رميت سهمك، فاذكر اسم الله، فإن غاب عنك يوما فلم تجد فيه إلا أثر سهمك، فكل إن شئت، وإن وجدته غريقا في الماء، فلا تأكل". ٤٣٦٢ - عن عدي بن حاتم ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن الصيد؟ قال: "إذا رميت سهمك، فاذكر اسم الله، فإن وجدته قد قتل، فكل، إلا أن تجده قد وقع في ماء، فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك". ٤٣٦٣ - عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، إنا بأرض قوم من أهل الكتاب، نأكل في آنيتهم، وأرض صيد أصيد بقوسي، وأصيد بكلبي المعلم أو بكلبي الذي ليس بمعلم، فأخبرني ما الذي يحل لنا من ذلك، قال: "أما ما ذكرت أنكم بأرض قوم من أهل الكتاب تأكلون في آنيتهم، فإن وجدتم غير آنيتهم فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها ثم كلوا فيها، وأما ما ذكرت أنك بأرض صيد، فما أصبت بقوسك فاذكر اسم الله ثم كل، وما أصبت بكلبك المعلم فاذكر اسم الله ثم كل، وما أصبت بكلبك الذي ليس بمعلم فأدركت ذكاته فكل".

стр. 4312

٤٣٦٤ - -/- وفي رواية عن حيوة بهذا الإسناد نحو حديث ابن المبارك، غير أن حديث ابن وهب لم يذكر فيه صيد القوس. ٤٣٦٥ - عن أبي ثعلبة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا رميت بسهمك فغاب عنك فأدركته فكله ما لم ينتن". ٤٣٦٦ - عن أبي ثعلبة ﵁، عن النبي ﷺ في الذي يدرك صيده بعد ثلاث فكله ما لم ينتن. ٤٣٦٧ - وفي رواية عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ بمثل حديث العلاء، غير أنه لم يذكر نتونته، وقال في الكلب: كله بعد ثلاث إلا أن ينتن فدعه. -[المعنى العام]- يقول الله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم﴾ [المائدة: ١] وكانت للعرب مع الأنعام عادة وهمية خيالية، فكانوا يشقون أذن الناقة التي أبطنت خمسة أبطن، ويخلونها بلا راع، ويوهب لبنها للطواغيت، فلا يحتلبها أحد من الناس، ولا يركب ظهرها، ولا يجز وبرها، ويطلقون عليها بحيرة، وكانوا يسيبون الناقة المنذورة في الخلاء، ويسمونها سائبة، وكانوا يسيبون الفحل من الإبل في الصحراء، ويجعلون عليه ريش الطواويس، ويطلقون عليه الحامي، وكانوا يطلقون الشاة إذا ولدت سبعة أبطن، فلا تذبح، ويجعلون لحمها حراما على النساء، فأنزل الله تعالى ﴿ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون﴾ [المائدة: ١٠٣] والأنعام الإبل والبقر والغنم الشاة والماعز، ومن كل ذكر وأنثى فهي ثمانية أزواج، وحرم الله على اليهود كل ذي ظفر، كالإبل والنعام والأوز والبط، أي ما ليس منفرج الأصابع، وحرم عليهم من البقر والغنم شحومهما، جزاء لبغيهم، وأحل الله للمسلمين الأنعام، واستثنى بعضها بقوله ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما

стр. 4313

أهل لغير الله به والمنخنقة﴾ أي التي تموت خنقا ﴿والموقوذة﴾ التي تموت بضرب مثقل كالحجر والعصا والحديد ﴿والمتردية﴾ التي تتردى من علو إلى أسفل فتموت ﴿والنطيحة﴾ التي تموت بنطح دون أن تذكى ﴿وما أكل السبع﴾ أي بقايا ما أكله الأسد والنمر والذئب وغيرها ﴿إلا ما ذكيتم﴾ أي إلا ما أدركتموه حيا، فذبحتموه ﴿وما ذبح على النصب﴾ [المائدة: ٣] أي ما ذبح عند الأصنام، وأهل به لغير الله، وأنزل جل شأنه ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به﴾ [الأنعام: ١٤٥] ولما كانت الحيوانات مستأنسة وغير مستأنسة، شرعت الذكاة والذبح للمستأنسة المقدور على ذبحها، وشرع الصيد لغير المستأنس، وأنزل الله تعالى ﴿يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه واتقوا الله إن الله سريع الحساب﴾ [المائدة: ٤] وأخذ الصائدون يستفسرون عن حل ما يعملون، وعلى رأسهم عدي بن حاتم الطائي، سأل رسول الله ﷺ عن صيد الكلب، فأرشده إلى شرط أن يكون معلما وأن يرسله صاحبه ويسمي على الصيد، وأن لا يأكل الكلب من الصيد، فإن أكل منه لم يحل الصيد، فإن شارك كلبه كلب آخر لم يعرف أنه معلم وأنه مرسل من أهل الذكاة لم يحل الصيد إن قتله، فإن أدرك حيا وذكى حل، سأله عن صيد المعراض وهو خشبة مدبب طرفاها، غليظ وسطها تقذف على الصيد، فتصيبه، فتقتله، وأجيب بأن هذه الخشبة أو أصابت بالطرف المدبب ونفذ الطرف في جسم الصيد، فقتله، فهو حلال، فإن كان القتل بالعرض وبالجزء الغليظ فالقتل بمثقل لا يحل، سأله عن رمي القوس، وعن قتل السهم، فأجيب بأنه إذا ذكر اسم الله عند إطلاقه فهو حلال، فإن غاب الصيد بعد ضربه بالسهم، ووجده مقتولا بعد يوم أو يومين أو أكثر وفيه أثر سهمه حل، فإن وجده غريقا، ولم يعلم أقتل بالسهم أم بالغرق لم يحل، ويسأل الأسئلة نفسها أبو ثعلبة الخشني، ويجاب بالإجابة نفسها، ويزيد سؤالا عن استعمال المسلمين لأواني أهل الكتاب، ويجاب بأن لا يأكل فيها المسلم إذا وجد غيرها، فإن لم يجد غيرها غسلها وأكل فيها. -[المباحث العربية]- (الصيد والذبائح) الصيد مصدر صاد يصيد، فهو صائد، وذاك مصيد، وقد يطلق الصيد على المصيد، تسمية بالمصدر، ومنه قوله تعالى ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ [المائدة: ٩٥] والذبائح جمع ذبيحة، بمعنى مذبوحة. (عدي بن حاتم) بن عبد الله بن سعد الطائي، الجواد ابن الجواد، أسلم سنة الفتح، وثبت هو وقومه على الإسلام، نزل الكوفة، وشهد الفتوح بالعراق، ثم كان مع علي بن أبي طالب، ومات بالكوفة سنة ثمان وستين، وهو ابن عشرين ومائة سنة.

стр. 4314

(إني أرسل الكلاب المعلمة) أي أرسلها نحو الصيد، وأحرضها عليه، والمراد بالمعلمة التي إذا أغراها صاحبها على الصيد طلبته، وإذا زجرها انزجرت، وإذا أخذت الصيد حبسته على صاحبها، وفي هذا الوصف الثالث خلاف بين الفقهاء، واختلف متى يعلم ذلك منها، فقيل: أقله ثلاث مرات، وعن أبي حنيفة وأحمد يكفي مرتين، والجمهور على عدم تحديد المرات، لاختلاف العرف، واختلاف طباع الكلاب وذكائها. وفي الرواية الثانية "إنا قوم نصيد بهذه الكلاب" أي المعلمة. (وإن قتلن؟ قال: وإن قتلن) جواب الشرط فيهما محذوف للعلم به. (ما لم يشركها كلب ليس معها) قال النووي: المراد كلب آخر استرسل بنفسه، أو أرسله من ليس من أهل الذكاة، أو شككنا في ذلك. اهـ. وفي الرواية الثانية "وإن خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل" لأنك لا تدري. أهي مرسلة من أهل الذكاة أم لا؟ وفي الرواية الثالثة "فإن وجدت مع كلبي كلبا آخر، فلا أدري أيهما أخذه؟ قال: فلا تأكل، فإنما سميت على كلبك" وأرسلته "ولم تسم على غيره" ولم ترسله، ولم تعلم حاله. وفي الرواية الرابعة "فإن وجدت عنده كلبا آخر، فخشيت أن يكون أخذه معه، وقد قتله، فلا تأكل". (فإني أرمي بالمعراض الصيد) "المعراض" بكسر الميم وسكون العين، قال النووي: هي خشبة ثقيلة، أو عصا في طرفها حديدة، وقد تكون بغير حديدة، هذا هو الصحيح في تفسيره، وقال الهروي: هو سهم لا ريش له ولا نصل، وقال ابن دريد: هو سهم طويل، له أربع قذذ رقاق -القذة بضم القاف وتشديد الذال ريش كريش الطائر يركب في السهم- فإذا رمي به اعترض، وقيل: هو عود رقيق الطرفين، غليظ الوسط، إذا رمي به ذهب مستويا. (إذا رميت بالمعراض فخزق فكله) "خزق" بفتح الخاء والزاي، بعدها قاف، ومعناه نفذ، وقد تبدل الزاي سينا، وقيل: معناه خدش، ولم يثبت في الصيد، أي إذا أصاب المعراض الصيد بحده حل. (وإن أصابه بعرضه فلا تأكله) "عرضه" بفتح العين وسكون الراء، أي وسطه غير الطرف المحدد، وفي الرواية الثالثة "إذا أصاب بحده" أي طرفه المدبب "فكل، وإذا أصاب بعرضه فقتل" المعراض الصيد "فإنه وقيذ، فلا تأكل" والوقيذ بمعنى موقوذ، وهو الذي يقتل بغير محدد، من عصا أو حجر أو غيرهما، وأصل الوقذ الكسر والرض، والتقييد في هذه الرواية بقوله "فقتل" احتراز من إدراكه حيا فيذكى. (فكل مما أمسكن عليك وإن قتلن، إلا أن يأكل الكلب، فإن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه) يقول الله تعالى ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ أي وإن

стр. 4315

كانت معلمة وفي الرواية الثالثة "فإن أكل منه فلا تأكل فإنه إنما أمسك على نفسه" وسيأتي الخلاف في ذلك في فقه الحديث. (فإن ذكاته أخذه) وفي رواية البخاري "فإن أخذ الكلب ذكاة" أي حكمه حكم التذكية، فيحل أكله، كما يحل أكل المذكاة. (وكان لنا جارا ودخيلا وربيطا بالنهرين) قال أهل اللغة: الدخيل والدخال الذي يداخل الإنسان ويخالطه في أموره، والربيط هنا بمعنى الرابط، وهو الملازم، والرباط هنا الملازمة، قالوا: والمراد هنا أنه ربط نفسه على العبادة، وعلى الزهد في الدنيا. (عن أبي ثعلبة الخشني) اختلف في اسمه، فقيل: جرثوم، وهو قول الأكثر، وقيل: جرهم، وقيل: جرثم، وقيل: جرثومة، وقيل: غرنوق، وقيل: ناشر، وقيل: لاثر، واختلف في اسم أبيه، فقيل: عمرو، وقيل: ناشب، وقيل: ناسب، وقيل: لاشن، وقيل: حمير، وتجمع من اسمه واسم أبيه بالتركيب أقوال كثيرة جدا، وكان إسلامه قبل خيبر، وشهد بيعة الرضوان وتوجه إلى قومه، فأسلموا. (إنا بأرض قوم من أهل الكتاب) يعني بالشام، وكان جماعة من قبائل العرب قد سكنوا الشام، وتنصروا، منهم آل غسان، وتنوخ، وبهز، وبطون من قضاعة، منهم بنو خشين، آل أبي ثعلبة. (نأكل في آنيتهم؟ ) بحذف همزة الاستفهام، وهي مذكورة في رواية البخاري، والآنية جمع إناء، والأواني جمع آنية، قال النووي: والمراد بالآنية في حديث أبي ثعلبة آنية من يطبخ فيها لحم الخنزير، ويشرب فيها الخمر، كما وقع التصريح به في رواية أبي داود "إنا نجاور أهل الكتاب، وهم يطبخون في قدورهم الخنزير، ويشربون في آنيتهم الخمر". (فكله ما لم ينتن) قال أهل اللغة: نتن بفتح النون والتاء، ينتن بكسر التاء، نتنا بسكونها، خبثت رائحته، فهو نتن بفتح النون وكسر التاء، ويقال: نتن بفتح النون وضم التاء، ينتن بضم التاء، نتنا بسكونها، ونتانة، ويقال: أنتن ينتن بمعنى نتن، فهو منتن وعليه روايتنا، ويقال: نتن بتشديد التاء بمعنى نتن، ويتعدى فيقال نتن الشيء جعله منتنا. -[فقه الحديث]- تنحصر نقاط الحديث في أربع: ١ - صيد الكلب، وما يلحق به من الجوارح. ٢ - صيد المعراض والسهام، وما يلحق بها من البندقية ونحوها. ٣ - آنية أهل الكتاب. ٤ - مستخرجات على هذه النقاط.

стр. 4316

وهذا هو التفصيل: ١ - أما صيد الكلب فيه مسائل الأولى: أن يكون معلما، فإن أرسل كلبا غير معلم لم يحل ما قتله. قال النووي: وهذا مجمع عليه، وذكر الكلب مطلقا يتناول أي لون كان، أبيض أو أسود أو أحمر، فيجوز بأي لون كان، ففيه حجة على أحمد وإسحق، حيث قالا: لا يحل الصيد بالكلب الأسود، لأنه شيطان. الثانية: أن يرسله من هو أهل للتذكية، قال النووي: لو استرسل المعلم بلا إرسال فلا يحل ما قتله عندنا وعند العلماء كافة، إلا ما حكي عن الأصم من إباحته، وإلا ما حكاه ابن المنذر عن عطاء والأوزاعي، أنه يحل إن كان صاحبه أخرجه للاصطياد. وظاهر قوله في الرواية الأولى "إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله عليه فكل" اشتراط تسمية المرسل على الصيد، وكذا في الروايات الأخرى "فإنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره" قال النووي: في هذا الأمر بالتسمية على إرسال الصيد، وقد أجمع المسلمون على التسمية عند الإرسال على الصيد، وعند الذبح والنحر، واختلفوا في أن ذلك واجب أم سنة؟ فمذهب الشافعي وطائفة أنها سنة، فلو تركها سهوا أو عمدا حل الصيد والذبيحة، وهي رواية عن مالك وأحمد، وقال أهل الظاهر: إن تركها عمدا أو سهوا لم يحل، وهو الصحيح عن أحمد في صيد الجوارح، وهو مروي عن ابن سيرين وأبي ثور، واستدلوا بجعلها شرطا في حديث عدي، ولإيقاف الإذن في الأكل عليها، في حديث أبي ثعلبة، والمعلق بالوصف ينتفي عند انتفائه عند من يقول بالمفهوم، ويتأكد القول بالوجوب بأن الأصل تحريم الميتة، وما أذن فيه منها تراعي صفته، فالمسمى عليها وافق الوصف، وغير المسمى عليها باق على التحريم، وقال أبو حنيفة ومالك والثوري وجماهير العلماء: إن تركها سهوا حلت الذبيحة والصيد، وإن تركها عمدا فلا، وعلى مذهب أصحابنا: يكره تركها، وقيل: لا كراهة، بل هو خلاف الأولى، والصحيح الكراهة. قال: واحتج من أوجبها بقوله تعالى ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق﴾ [الأنعام: ١٢١] وبهذه الأحاديث، واحتج أصحابنا بقوله تعالى ﴿حرمت عليكم الميتة .... ﴾ إلى قوله ﴿إلا ما ذكيتم﴾ [المائدة: ٣] فأباح بالتذكية من غير اشتراط التسمية ولا وجوبها، فإن قيل: التذكية لا تكون إلا بالتسمية، قلنا: هي في اللغة الشق والفتح. وبقوله تعالى ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ [المائدة: ٥] وهم لا يسمون، وبحديث عائشة "أنهم قالوا: يا رسول الله، إن قوما حديث عهدهم بالجاهلية، يأتوننا بلحمان، لا ندري أذكروا اسم الله؟ أم لم يذكروا؟ أفنأكل منها؟ فقال رسول الله ﷺ : سموا وكلوا" رواه البخاري، فهذه التسمية هي المأمور بها عند أكل كل طعام، وشرب كل شراب، وأجابوا عن قوله تعالى ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ أن المراد ما ذبح للأصنام، كما قال تعالى في الآية الأخرى ﴿وما ذبح على النصب﴾ و ﴿ما أهل به لغير الله﴾ أي ما ذبح على اسم غير الله من صنم أو وثن أو طاغوت أو غير ذلك من سائر المخلوقات، ولأن الله تعالى قال ﴿وإنه لفسق﴾

стр. 4317

وقد أجمع المسلمون على أن من أكل متروك التسمية ليس بفاسق، فوجب حملها على ما ذكرناه، ليجمع بينها وبين الآيات السابقات وحديث عائشة، وحملها بعض أصحابنا على كراهة التنزيه، وأجابوا عن الأحاديث في التسمية أنها للاستحباب. الثالثة: إذا أكل الكلب من الصيد، قال النووي: اختلف العلماء فيه، فقال الشافعي في أصح قوليه: إن قتلته الجارحة المعلمة من الكلاب والسباع، وأكلت منه فهو حرام، وبه قال أكثر العلماء، منهم ابن عباس وأبو هريرة وعطاء وسعيد بن جبير والحسن والشعبي والنخعي وعكرمة وقتادة وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر وداود. اهـ. وقال سعد بن أبي وقاص وسلمان الفارسي وابن عمر ومالك: يحل، وهو قول ضعيف للشافعي، واحتج هؤلاء بحديث أبي ثعلبة الخشني عند أبي داود، ولفظه "أن النبي ﷺ قال له: كل وإن أكل منه" قال ابن حزم: هذا حديث لا يصح، وإن سلم به فهو لا يقاوم الذي في الصحيح، ولا يقاربه، وقيل: إن حديث أبي ثعلبة محمول على ما إذا أكل منه بعد أن قتله وخلاه وفارقه، ثم عاد فأكل منه، فهذا لا يضر، ومنهم من حمله على الجواز، وحديث عدي على التنزيه، لأنه كان موسعا عليه، فأفتاه بالكف تورعا وأبو ثعلبة كان محتاجا، فأفتاه بالجواز. واحتج الأولون بروايات عدي، وهي صريحة مقرونة بالتعليل، ففي الرواية الثانية "إلا أن يأكل الكلب، فإن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه" وفي الرواية الثالثة "فإن أكل منه فلا تأكل، فإنه إنما أمسك على نفسه". كما احتجوا بقوله تعالى ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ ولو كان مجرد الإمساك كافيا لما احتيج إلى زيادة "عليكم" ويرد ابن القصار على هذا بأن مجرد إرسال الكلب إمساك علينا، لأن الكلب لا نية له، ولا يصح منه ميزها، فإذا كان الاعتبار بأن يمسك علينا أو على نفسه، واختلف الحكم في ذلك وجب أن يتميز ذلك بنية من له نية، وهو مرسله، فإذا أرسله فقد أمسك عليه، وإذا لم يرسله لم يمسك عليه، كذا قال، وهو بعيد، ومصادم لسياق الحديث الصحيح، وقد قال الجمهور: إن معنى قوله ﴿أمسكن عليكم﴾ صدق لكم، وقد جعل الشارع أكله منه علامة على أنه أمسك لنفسه، لا لصاحبه، فلا يعدل عن ذلك، فعند ابن أبي شيبة "إن شرب من دمه فلا تأكل، فإنه لم يعلم ما علمته" ففي هذا الحديث إشارة إلى أن الأكل دليل على أنه ليس بمعلم التعليم المشترط، ثم إن الأصل التحريم، وشرط الإباحة أن نعلم أنه أمسك علينا، قال النووي: وأما جوارح الطير إذا أكلت مما صادته فالأصح عند أصحابنا، والراجح من قول الشافعي تحريمه، وقال سائر العلماء بإباحته، لأنه لا يمكن تعليمها ذلك، بخلاف السباع. قال: وأصحابنا يمنعون هذا الدليل. الرابعة: إذا شارك الكلب المعلم المرسل كلب أو كلاب غير معلمة، أو معلمة غير مرسلة، أو مرسلة ممن ليس من أهل الذكاة، أو شككنا في شيء من ذلك فإنه لا يحل، أما إذا تحققنا أن الكلاب المشاركة معلمة مرسلة ممن هو أهل للذكاة فإنه يحل، ثم ينظر، فإن أرسلاهما معا فهو لهما، وإلا فللأول.

стр. 4318

وهذا كله فيما إذا وجد الصيد مقتولا، أما إذا وجد به رمق، وبه حياة مستقرة، وأدرك ذكاته، لم يحل إلا بالتذكية، فلو لم يذبحه مع الإمكان حرم، سواء كان عدم الذبح اختيارا أو اضطرارا، كعدم وجود آلة الذبح. الخامسة: يلحق بالكلب فيما ذكر ما علم من الباز والصقور والعقاب والباشق والشاهين ونحوها من الطيور. قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم. والله أعلم. ٢ - وأما صيد المعراض فقال النووي: مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد والجماهير أنه إذا اصطاد بالمعراض فقتل الصيد بحده حل، وإن قتله بعرضه لم يحل، لهذا الحديث، وقال مكحول والأوزاعي وغيرهما من فقهاء الشام: يحل مطلقا، وكذا قال هؤلاء وابن أبي ليلى: أنه يحل ما قتله بالبندقة، وحكي أيضا عن سعيد بن المسيب، وقال الجماهير: لا يحل صيد البندقة مطلقا، لحديث المعراض، لأنه كله رض ووقذ، وهو معنى قوله في الرواية الثالثة والرابعة "فإنه وقيذ" أي مقتول بغير محدد، والموقوذة المقتولة بالعصا ونحوها. اهـ. قال البخاري: وقال ابن عمر في المقتولة بالبندقة: تلك الموقوذة، وكرهه سالم والقاسم ومجاهد وإبراهيم وعطاء والحسن، وكره الحسن رمي البندقية في القرى والأمصار، ولا يرى به بأسا فيما سواه. اهـ. ولمالك في الموطأ أنه بلغه أن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق كان يكره ما قتل بالمعراض والبندقة. أما الحسن البصري فقال -فيما رواه ابن أبي شيبة- إذا رمى الرجل الصيد بالجلاهقة فلا تأكل، إلا أن تدرك ذكاته، والجلاهقة بضم الجيم وتشديد اللام وكسر الهاء، بعدها قاف، هي البندقة بالفارسية، والجمع جلاهق. وأما صيد القوس والسهام فعنه تقول الرواية السادسة "وإن رميت سهمك فاذكر اسم الله، فإن غاب عنك يوما، فلم تجد فيه إلا أثر سهمك، فكل إن شئت، وإن وجدته غريقا في الماء فلا تأكل" وتقول الرواية السابعة "إذا رميت سهمك فاذكر اسم الله، فإن وجدته قد قتل، فكل، إلا أن تجده قد وقع في ماء، فإنك لا تدري الماء قتله؟ أم سهمك؟ " وتقول الرواية التاسعة "إذا رميت بسهمك فغاب عنك، فأدركته، فكله، ما لم ينتن؟ وقد تمسك بالرواية السادسة والسابعة من أوجب التسمية على الصيد وعلى الذبيحة، وقد مر البحث في ذلك قريبا. وعند أبي داود "وأفتني في قوس؟ قال: كل ما ردت عليك قوسك، ذكيا وغير ذكي، قال: وإن تغيب عني؟ قال: وإن تغيب عنك، ما لم يصل" بكسر الصاد وتشديد اللام، أي ينتن "أو تجد فيه أثرا غير سهمك". وعند البخاري عن عدي أنه قال للنبي ﷺ : يرمي الصيد، فيفتقر أثره اليومين والثلاثة، ثم يجده ميتا، وفيه سهمه؟ قال: "يأكل إن شاء".

стр. 4319

وعند الترمذي والنسائي "إذا وجدت سهمك فيه، ولم تجد به أثر سبع، وعلمت أن سهمك قتله، فكل منه" قال الرافعي: يؤخذ منه أنه لو جرحه، ثم غاب، ثم جاء، فوجده ميتا، أنه لا يحل، وهو ظاهر نص الشافعي في المختصر، قال النووي: الحل أصح دليلا. أما عدم الأكل مما وقع في الماء فقد بينت الرواية السابعة علة هذا الحكم، وهي التردد فيما قتل، أهو السهم؟ أم الغرق؟ قال النووي: إذا وجد الصيد غريقا في الماء حرم بالاتفاق، اهـ. فالحل بعد الغياب مبني على ما إذا علم أن سهمه هو الذي قتل. والرواية التاسعة والعاشرة تجعل الغاية أن ينتن الصيد، وليس الغياب يومين أو ثلاثة، فلو وجده مثلا بعد ثلاث ولم ينتن حل، وإن وجده قبل الثلاث وقد أنتن فلا، هذا ظاهر الحديث، وقد حرم المالكية أكل اللحم النتن مطلقا، وقال النووي: إن النهي عن أكل اللحم النتن للتنزيه، لا للتحريم، وكذا سائر الأطعمة المنتنة، يكره أكلها، ولا يحرم، إلا أن يخاف منها الضرر خوفا معتمدا. قال: وقال بعض أصحابنا: يحرم اللحم المنتن مطلقا، وهو ضعيف. ٣ - أما آنية أهل الكتاب فظاهر الرواية الثامنة "فإن وجدتم غير آنيتهم فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها، وكلوا فيها" ظاهر هذا أن جواز استعمال آنية أهل الكتاب موقوف على شرطين، أن لا يجد غيرها، وأن يغسلها، فإن وجد غيرها لم يجز استعمالها ولو غسلها، وإن لم يجد غيرها لا يجوز استعمالها قبل غسلها، وبهذا الظاهر قال ابن حزم. والفقهاء يقولون: الأصل أن آنية أهل الكتاب وكذا المجوس طاهرة، حتى يثبت استعمالها في النجاسة، في الخمر والخنزير والذبائح المحرمة وغيرها، فإن سحبنا الحكم عليها جميعها مطلقا -كما قال بعض الفقهاء- فقد رجحنا الظن الغالب على الظن المستفاد من الأصل، وعليه فالمراد من آنية أهل الكتاب في الحديث جميعها، فمجهولة استعمالهم لها يكره استعمالها إذا وجد غيرها، ولا يرفع الكراهة غسلها، لا لأنها نجسة، ولكن لاستقذارها، وكونها معدة غالبا للنجاسات، كما يكره الأكل في المحجمة المغسولة، ورجح بعض العلماء الظن المستفاد من الأصل، فقالوا: إن الحكم للأصل، فهي طاهرة، حتى تتحقق النجاسة، وعليه فالمراد من آنية أهل الكتاب في الحديث آنيتهم التي كانوا يطبخون فيها لحم الخنزير، ويشربون فيها الخمر، كما صرح به في رواية أبي داود، وهذه الآنية يكره استعمالها إن وجد غيرها، ويجب غسلها، ولا تزول كراهة استعمالها بعد غسلها، لاستقذارها، وغسلها يطهرها، ويرى المالكية أن غسلها لا يطهرها، بل يتعين كسرها، كما جاء في كسر آنية الخمر على كل حال، والأمر بغسلها في الحديث لا لتطهيرها، بل رخصة للأكل فيها للضرورة، قالوا: لو كان الغسل مطهرا لها، لما كان للتفصيل في الحديث معنى، ورد هذا القول بأن التفصيل لا ينحصر في كون العين تصير نجسة، بحيث لا تطهر أبدا، بل يحتمل أن يكون التفصيل للأخذ بالأولى.

стр. 4320

فإن الإناء الذي يطبخ فيه الخنزير يستقذر، ولو غسل، فالأمر بالغسل عند فقد غيرها دال على طهارتها بالغسل، والأمر باجتنابها عند وجود غيرها للمبالغة في التنفير عنها، كما في حديث "الأمر بكسر القدور التي طبخت فيها الميتة، فقال رجل: أو نغسلها؟ فقال: أو ذاك" فأمر بالكسر للمبالغة في التنفير عنها، ثم أذن في الغسل ترخيصا، فكذلك يتجه هذا هنا. والله أعلم. ٤ - ويستخرج على هذه النصوص ما يلي أ- إباحة الاصطياد، قال النووي: وقد أجمع المسلمون عليه، وتظاهرت عليه دلائل الكتاب والسنة والإجماع، قال القاضي عياض: وهو مباح لمن اصطاد للاكتساب والحاجة، والانتفاع به بالأكل وثمنه، قال: واختلفوا فيمن اصطاد للهو، ولكن قصد تذكيته والانتفاع به، فكرهه مالك، وأجازه الليث وابن عبد الحكيم، فإن فعله بغير نية التذكية فهو حرام، لأنه فساد في الأرض وإتلاف نفس عبثا. اهـ. وقال ابن المنير: الاشتغال بالصيد لمن هو عيشه به مشروع، ولمن عرض له ذلك، وعيشه بغيره مباح، وأما التصيد لمجرد اللهو فهو محل الخلاف. وقد نهى ﷺ عن قتل الحيوان إلا لمأكلة، ونهى أيضا عن الإكثار من الصيد، فروى الترمذي من حديث ابن عباس ﵄ مرفوعا "من سكن البادية فقد جفا، ومن اتبع الصيد فقد غفل، ومن لزم السلطان افتتن" وقال: حسن غريب، وأعله بعضهم بأحد رواته، لكن الإكثار من التصيد للهو كثيرا ما يشغل عن بعض الواجبات، وعن كثير من المندوبات. ب- جواز اقتناء الكلب المعلم للصيد، وقد روى البخاري "من اقتنى كلبا، إلا كلبا ضاريا لصيد، أو كلب ماشية، فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراطان" واختلفوا في سبب نقصان الأجر، باقتناء الكلب، فقيل: لامتناع الملائكة من دخول بيته، وقيل: لما يلحق المارين من الأذى، وقيل: لما يبتلى به من ولوغه في الإناء عند غفلة صاحبه. جـ- واستدل به على جواز بيع كلب الصيد، للإضافة في قوله "كلبك" وأجاب من منع بأنها إضافة اختصاص. د- واستدل به على طهارة سؤر كلب الصيد، دون غيره من الكلاب، للإذن في الأكل من الموضع الذي قبض منه، ولم يذكر الغسل، ولو كان واجبا لبينه، لأنه وقت الحاجة إلى البيان، وقال بعض العلماء: يعفي عن معض الكلب، ولو كان نجسا، لهذا الحديث، وأجاب من قال بنجاسته بأن وجوب الغسل كان قد اشتهر عندهم وعلم، فاستغنى عن ذكره، قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر، وقد يتقوى القول بالعفو، لأنه بشدة الجري يجف ريقه، فيؤمن معه ما يخشى من إصابة لعابه موضع العض. هـ- واستدل بقوله في الرواية الثانية "فكل مما أمسكن عليك" بأنه لو أرسل كلبه على صيد، فاصطاد غيره، حل للعموم الذي في قوله "ما أمسكن" وهذا قول الجمهور، وقال مالك: لا يحل، وهو رواية عن الشافعي.

стр. 4321

و- يستخرج على قوله "كله" ما لو قطع من الصيد يد أو رجل، فماذا يؤكل؟ وماذا لا يؤكل؟ عند ابن أبي شيبة بسند صحيح عن الحسن قال في رجل ضرب صيدا، فأبان منه يدا أو رجلا، وهو حي، ثم مات، قال: لا تأكله، ولا تأكل ما بان منه، إلا أن تضربه، فتقطعه، فيموت من ساعته، فإذا كان كذلك فليأكله، وعند ابن أبي شيبة أيضا عن إبراهيم عن علقمة "إذا ضرب الرجل الصيد، فبان منه عضو، ترك ما سقط، وأكل ما بقي" قال ابن المنذر: اختلفوا في هذه المسألة، فقال ابن عباس وعطاء: لا تأكل العضو منه، وذك الصيد وكله. وقال عكرمة: إن عدا حيا بعد سقوط العضو منه فلا تأكل العضو، وذلك الصيد، وكله، وإن مات الصيد حين الضربة، فكله كله، وقال الشافعي: لا فرق أن ينقطع قطعتين أو أقل، إذا مات من تلك الضربة، وعن الثوري وأبي حنيفة: إن قطعه نصفين أكلا جميعا، وإن قطع الثلث مما يلي الرأس فكذلك، ومما يلي العجز أكل الثلثين مما يلي الرأس، ولا يأكل الثلث الذي يلي العجز. والله أعلم.

стр. 4322

فتح المنعم شرح صحيح مسلم تابع كتاب الصيد والذبائح - كتاب الأضاحي - كتاب الأشربة - كتاب اللباس والزينة - كتاب الآداب - كتاب السلام - كتاب الطب والمرض الجزء الثامن الأستاذ الدكتور موسى شاهين لاشين دار الشروق

стр. 4323

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 4324

فتح المنعم شرح صحيح مسلم ٨ -

стр. 4325

جميع حقوق النشر والطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤٢٣ - هـ - ٢٠٠٢ م دار الشروق القاهرة: ٨ شارع سيبويه المصري -رابعة العدوية- مدينة نصر ص. ب.: ٣٣ البانوراما -تليفون: ٤٠٢٣٣٩٩ - فاكس: ٤٠٣٧٥٦٧ (٢٠٢) e-mail: dar@ shorouk.com - www.shorouk.com بيروت: ص. ب.: ٨٠٦٤ - هاتف: ٣١٥٨٥٩ - ٨١٧٢١٣ - فاكس: ٣١٥٨٥٩ ١ (٩٦١)

стр. 4326

تابع كتاب الصيد والذبائح

стр. 4327

(٥٣٩) باب تحريم أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير ٤٣٦٨ - عن أبي ثعلبة ﵁ قال: نهى النبي ﷺ عن أكل كل ذي ناب من السبع. زاد إسحق وابن أبي عمر في حديثهما قال الزهري: ولم نسمع بهذا حتى قدمنا الشام. ٤٣٦٩ - عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن أكل كل ذي ناب من السباع. قال ابن شهاب: ولم أسمع ذلك من علمائنا بالحجاز حتى حدثني أبو إدريس، وكان من فقهاء أهل الشام. ٤٣٧٠ - عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع. ٤٣٧١ - وفي رواية عن الزهري بهذا الإسناد مثل حديث يونس وعمرو. كلهم ذكر الأكل إلا صالحاً ويوسف، فإن حديثهما نهى عن كل ذي ناب من السبع. ٤٣٧٢ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "كل ذي ناب من السباع فأكله حرام". ٤٣٧٣ - عن ابن عباس ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن كل ذي ناب من السباع، وعن كل ذي مخلب من الطير.

стр. 4328

٤٣٧٤ - عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ نهى عن كل ذي ناب من السباع، وعن كل ذي مخلب من الطير. -[المعنى العام]- الطعام والشراب من الأمور العادية البشرية، يألف بعض الناس طعاماً لا يألفه آخرون، ويستقذر بعض الناس طعاماً يستلذه آخرون، فكان الفاصل فيما يحل أو يحرم هو النص الشرعي، وقد قال الله تعالى ﴿الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث﴾ [الأعراف: الآية ١٥٧]. فالله حرم أن يطعم المؤمن الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، وما ذبح على النصب، وورد عن رسول الله ﷺ تحريم بعض اللحوم، وعافت نفسه بعض اللحوم ولم يحرمها. ولما كانت بعض هذه الأحاديث متعارضة مع قوله تعالى ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقاً أهل لغير الله به﴾ [الأنعام: ١٤٥]. كان للمذاهب الفقهية مواقف مختلفة، وتوجيهات متقابلة في أكل كل ذي ناب من السباع، وأكل كل ذي مخلب من الطيور، ولما كان الامتناع عن أكل هذه الحيوانات إن لم ينفع لا يضر، وكان أكلها إن لم يضر ديناً لا ينفع، فإننا نميل -والله أعلم ... إلى عدم أكلها، سواء قلنا بتحريمها، أو قلنا بكراهتها. وعلى الله قصد السبيل. -[المباحث العربية]- (نهى رسول الله ﷺ عن أكل كل ذي ناب من السبع) الناب السن الذي يلي الرباعية، والسبع بضم الباء وسكونها كل ذي ناب يصطاد به، ويتقوى به ويعدو به على الناس وعلى الدواب فيفترسها، كالأسد والذئب والنمر والكلب وأمثالها، والجمع سباع بكسر السين، وأسبع بضم الباء، وسبوع بضم السين والباء.

стр. 4329

(قال الزهري: ولم نسمع بهذا، حتى قدمنا الشام) في الرواية الثانية "قال الزهري: ولم أسمع ذلك من علمائنا بالحجاز، حتى حدثني أبو إدريس، وكان من فقهاء أهل الشام" وظاهر هذا أن الزهري كان يشك في هذا الحكم، فعلماء الحجاز آخر الناس عهداً وأعلمهم بأحكام الشريعة. (نهى عن كل ذي ناب من السبع) دون ذكر الأكل في الرواية، لكنه مراد من الروايات التي لم يذكر فيها، فيكون توجيهها على تقدير مضاف. (وعن كل ذي مخلب من الطير) المخلب بكسر الميم وفتح اللام، وهو للطير والسباع بمنزلة الظفر من الإنسان. -[فقه الحديث]- قال النووي: في هذه الأحاديث دلالة لمذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد وداود والجمهور أنه يحرم أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، وقال مالك: يكره، ولا يحرم، واحتج بقوله تعالى: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقاً أهل لغير الله به﴾ واحتج أصحابنا بهذه الأحاديث، قالوا: والآية ليس فيها إلا الإخبار بأنه لم يجد في ذلك الوقت محرماً إلا المذكورات في الآية، ثم أوحي إليه بتحريم كل ذي ناب من السباع، فوجب قبوله والعمل به. اهـ ويحاول الجمهور أن يتخلصوا من ظاهر الآية، فيقول بعضهم -بالإضافة إلى قول النووي- إن الآية مكية، وحديث التحريم بعد الهجرة، فعند أبي داود عن ابن عباس "نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر عن أكل كل ذي ناب من السباع وعن كل ذي مخلب من الطير" فالنص المحرم متأخر، فالأخذ به يكون أولى، ويقول بعضهم: إن آية الأنعام خاصة ببهيمة الأنعام، لأنه تقدم قبلها حكاية عن الجاهلية أنهم كانوا يحرمون أشياء من الأزواج الثمانية بآرائهم، فنزلت الآية ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرماً﴾ أي من المذكورات -الإبل والبقر والغنم والماعز ذكوراً وإناثاً- إلا الميتة منها والدم المسفوح، ولا يرد كون لحم الخنزير ذكر معها، لأنها قرنت به علة تحريمه، وهي كونه رجساً، فالآية أريد بها خصوص السبب، وليس عموم اللفظ، ويقول بعضهم: بأن الآية، وإن دلت على الحصر، فإنا نخصصها بالأخبار الصحيحة، لأنه لا معنى للحصر فيها إلا أن الأربعة محرمة، وما عداها ليس بمحرم، وهذا عام، وإثبات محرم آخر تخصيص لهذا العام، وتخصيص العام بخبر الواحد جائز. وفي الجانب الآخر تمسك بظاهر الآية كثير من السلف، فأباحوا ما عدا المذكور فيها، حتى الحمر الأهلية، فقد أخرج البخاري عن عمرو بن دينار، قال: قلت لجابر بن عبد الله: إنهم يزعمون أن رسول الله ﷺ نهى عن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر، فقال: قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة، ولكن أبى ذلك البحر ابن عباس، وقرأ ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرماً .... ﴾ وسيأتي الكلام عن الحمر الإنسية قريباً من باب خاص.

стр. 4330

وأخرج أبو داود عن ابن عمر ﵄ أنه سئل عن أكل القنفذ، فقرأ الآية، وأخرج ابن أبي حاتم وغيره بسند صحيح عن عائشة ﵂ أنها كانت إذا سئلت عن كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير قالت: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرماً ... ﴾ إلى آخر الآية. وأخرج أبو داود أيضاً عن ابن عباس ﵄ قال: ليس من الدواب شيء محرم إلا ما حرم الله تعالى في كتابه ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرماً ... ﴾ ويقول بعضهم: إن الدليل قائم على الفرق بين تحريم كل ذي ناب، وتحريم الخنزير، ولذا اختلف الصحابة في كل ذي ناب، ولم يختلفوا في تحريم الخنزير، فدل ذلك على أن النهي عن أكل كل ذي ناب للكراهة، لا للتحريم، قالوا: وقد روي عن رسول الله ﷺ أنه أجاز أكل الضبع، وأخرجه الحاكم من حديث جابر، وقال صحيح الإسناد، وهو ذو ناب، فدل بهذا على أن النبي ﷺ أراد بالنهي عن كل ذي ناب من السباع الكراهة، وليس التحريم. ويقوي بعضهم هذا المذهب، ويقول: إن الحديث المحرم ليس من قبيل تخصيص الآية، كما زعموا، بل هو صريح النسخ، لأنها لما كان معناها: أن لا محرم سوى الأربعة، فإثبات محرم آخر قول بأن الأمر ليس كذلك، وهو رفع للحصر، ونسخ القرآن بخبر الواحد غير جائز. ويقول الإمام الرازي: إن كثيراً من الفقهاء خصوا عموم هذه الآية بما نقل أنه ﷺ قال: ما استخبثته العرب فهو حرام" وقد علم أن الذي تستخبثه غير مضبوط، فسيد العرب، بل سيد العالمين ﵊، لما رآهم يأكلون الضب قال: "يعافه طبعي" ولم يكن ذلك سبباً لتحريمه، وأما سائر العرب ففيهم من لا يستقذر شيئاً، وقد يختلفون في بعض الأشياء، فيستقذرها قوم، ويستطيبها آخرون، فعلم أن أمر الاستقذار غير مضبوط، بل هو مختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، فكيف يجوز نسخ هذا النص القاطع بذلك الأمر الذي ليس له ضابط معين ولا قانون معلوم. ثم قال: فثبت بالتقرير الذي ذكرناه قوة هذا الكلام، وصحة هذا المذهب، وهو الذي يقول به مالك بن أنس. والله أعلم. (إضافة) اختلف الناس في حل أكل لحم الضبع، فروي عن سعد بن أبي وقاص أنه كان يأكل الضبع، وعن ابن عباس إباحة أكل الضبع، وكذا أباح عطاء والشافعي وأحمد وإسحق وأبو ثور أكل الضبع والثعلب، وقالوا: إن نابهما ضعيف، واستدلوا بما أخرجه النسائي وابن ماجه والترمذي وقال حسن صحيح عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "سألت رسول الله ﷺ عن الضبع، فقال: هو صيد، ويجعل فيه كبش إذا صاده المحرم". فقد جعله ﷺ صيداً، ورأى فيه الفداء، فأباح أكله كالظباء والحمر الوحشية وغيرها من أنواع صيد البر، فقوله "هو صيد" دليل على أن من السباع والوحش ما ليس بصيد، فلم يدخل تحت قوله ﴿وحرم عليكم صيد البر﴾ [المائدة: ٩٦]. وكره أكله الثوري وأبو حنيفة وأصحابه ومالك، واحتجوا بأن الضبع سبع ذو ناب، وحديث النهي

стр. 4331

عن أكل كل ذي ناب عام يشمله، قالوا: وحديث جابر ليس بمشهور، وهو محلل، والمحرم يقضي على المبيح احتياطاً، وقيل: حديث جابر انفرد به عبد الرحمن بن أبي عمار، وليس بمشهور بنقل العلم، ولا هو حجة إذا انفرد، فكيف إذا خالفه من هو أثبت منه. والله أعلم

стр. 4332

(٥٤٠) باب إباحة ميتات البحر ٤٣٧٥ - عن جابر ﵁ قال: بعثنا رسول الله ﷺ ، وأمر علينا أبا عبيدة نتلقى عيراً لقريش، وزودنا جراباً من تمر لم يجد لنا غيره. فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة. قال: فقلت: كيف كنتم تصنعون بها؟ قال: نمصها كما يمص الصبي ثم نشرب عليها من الماء فتكفينا يومنا إلى الليل. وكنا نضرب بعصينا الخبط ثم نبله بالماء فنأكله. قال: وانطلقنا على ساحل البحر، فرفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم، فأتيناه، فإذا هي دابة تدعى العنبر. قال: قال أبو عبيدة: ميتة. ثم قال: لا بل نحن رسل رسول الله ﷺ وفي سبيل الله. وقد اضطررتم فكلوا. قال: فأقمنا عليه شهرا ونحن ثلاث مائة حتى سمنا. قال: ولقد رأيتنا نغترف من وقب عينه بالقلال الدهن، ونقتطع منه الفدر كالثور. أو كقدر الثور فلقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلاً فأقعدهم في وقب عينه. وأخذ ضلعاً من أضلاعه فأقامها، ثم رحل أعظم بعير معنا فمر من تحتها. وتزودنا من لحمه وشائق. فلما قدمنا المدينة، أتينا رسول الله ﷺ فذكرنا ذلك له. فقال: "هو رزق أخرجه الله لكم. فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟ " قال: فأرسلنا إلى رسول الله ﷺ منه فأكله. ٤٣٧٦ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: بعثنا رسول الله ﷺ ونحن ثلاث مائة راكب، وأميرنا أبو عبيدة بن الجراح، نرصد عيراً لقريش. فأقمنا بالساحل نصف شهر، فأصابنا جوع شديد حتى أكلنا الخبط؛ فسمي جيش الخبط. فألقى لنا البحر دابة يقال لها العنبر، فأكلنا منها نصف شهر، وادهنا من ودكها حتى ثابت أجسامنا. قال: فأخذ أبو عبيدة ضلعاً من أضلاعه فنصبه، ثم نظر إلى أطول رجل في الجيش وأطول جمل فحمله عليه فمر تحته. قال: وجلس في حجاج عينه نفر. قال: وأخرجنا من وقب عينه كذا وكذا قلة ودك. قال: وكان معنا جراب من تمر، فكان أبو عبيدة يعطي كل رجل منا قبضة قبضة، ثم أعطانا تمرة تمرة، فلما فني وجدنا فقده.

стр. 4333

٤٣٧٧ - عن جابر ﵁ قال: في جيش الخبط إن رجلاً نحر ثلاث جزائر، ثم ثلاثاً، ثم نهاه أبو عبيدة. ٤٣٧٨ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: بعثنا النبي ﷺ ونحن ثلاث مائة نحمل أزوادنا على رقابنا. ٤٣٧٩ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: بعث رسول الله ﷺ سرية ثلاث مائة وأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح. ففني زادهم. فجمع أبو عبيدة زادهم في مزود. فكان يقوتنا حتى كان يصيبنا كل يوم تمرة. ٤٣٨٠ - وفي رواية عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: بعث رسول الله ﷺ سرية، أنا فيهم إلى سيف البحر. وساقوا جميعاً بقية الحديث كنحو حديث عمرو بن دينار وأبي الزبير. غير أن في حديث وهب بن كيسان: فأكل منها الجيش ثماني عشرة ليلة. ٤٣٨١ - وفي رواية عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: بعث رسول الله ﷺ بعثاً إلى أرض جهينة واستعمل عليهم رجلاً. وساق الحديث بنحو حديثهم. -[المعنى العام]- يمتن الله تعالى على عباده بالبحر وما خلق فيه من طعام، فيقول ﴿وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً﴾ [النحل: ١٤] ويقول ﴿وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحماً طرياً﴾ [فاطر: ١٢] وحين حرم على المحرم للحج أو العمرة صيد البر أباح له صيد البحر، فقال ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً﴾ [المائدة: ٩٦] وحين حرم أكل الميتة أباح ميتة السمك فقد سئل ﷺ عن البحر، فقال: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته".

стр. 4334

وهذه قصة تؤكد حل ميتة البحر. ففي السنة السادسة من الهجرة بعث رسول الله ﷺ سرية من الجيش، تبلغ ثلاثمائة رجل، وأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح المبشر بالجنة، بعثهم إلى ساحل البحر جهة قبيلة جهينة، على مسافة خمس ليال من المدينة، بعثهم ليعترضوا القوافل التجارية لقريش، التي تحمل تجارتهم من مكة إلى الشام، ومن الشام إلى مكة، وليستولوا على هذه الأموال عوضاً عن الأموال التي أخرجتهم منها قريش في مكة، بعثهم في أيام عصيبة على المسلمين، لا يجد الكثيرون منهم القوت الضروري، بل كان بيت المال خاوياً، لم يجد فيه رسول الله ﷺ ما يعين به هذا الجيش سوى كيس واحد من التمر، فزودهم به، وحمل كل منهم ما يقدر عليه من التمر والماء، خمس ليال من السفر أكل كل منهم من زاده الذي يحمله، أو مما يمنحه به صديقه، حتى قل ما في أيديهم، فبدأ أبو عبيدة يصرف عليهم من كيس رسول الله ﷺ ، كل رجل قبضة تمر في اليوم، يومين أو ثلاثة وقد كاد الكيس يفرغ، فأخذ يعطي الرجل تمرة واحدة في اليوم، يضعها الرجل في فمه، ويمصها، ويبلها كل حين بشيء من الماء، حتى يقضي يومه، وانتهى ما في الكيس من تمر، ولم يتبين للقوم عودة، فجمع أبو عبيدة ما مع القوم من تمر، ووضعه في كيس أخذ يعطي منه كل رجل تمرة في اليوم، ونفذ التمر الذي في الجيش، فخرجوا إلى الشجر، يضربون ورقه بعصيهم، ويأكلون ما يسقط من أوراق، واشتد بهم الجوع، لكن رحمة الله الواسعة أدركتهم، فقذف لهم البحر بدابة عظيمة، يزيد طولها على الأربعين متراً، أسرعوا إليها فإذا هي لا حراك بها، عزموا على الأكل منها، فقال لهم أبو عبيدة: إنها ميتة، وأكل الميتة حرام، قالوا: نحن مضطرون، ونحن نجاهد في سبيل الله؟ وخفي عليهم أن ميتة البحر حلال، فقطعوا منها قطعاً، كل قطعة في حجم الثور، وأخذوا يشوون على النار، ويأكلون، ويحملون الدهن من عين الدابة ويطبخون، أفرغوا عينا من عيونها، ما أوسعها؟ إنا أشبه بحجرة، هيا نتسلى وننظر سعتها، كم من الرجال الواقفين تتسع لهم؟ واتسعت لخمسة عشر رجلاً، قطعوا ضلعاً من أضلاعها، ما أكبره؟ وما أطوله؟ هيا نتسلى وننظر طوله، اغرسوه في الأرض وأوقفوه، واغرسوا واحداً آخر، واجعلوهما كقوس، وهاتوا أعلى جمل في الجيش، وأطول رجل في الجيش، وليركب الرجل الجمل، وليمر من تحت الضلعين، ففعل، ولم تمس رأسه الضلعين. أكلوا من الدابة خمسة عشر يوماً، وما نفذت، حملوا معهم ما بقي من لحمها إلى المدينة، وأخبروا رسول الله ﷺ بما كان من أمرهم، فحمد الله لهم، وقال: هذا رزق حلال ساقه الله لكم، إن ميتة البحر حلال، هل معكم شيء من لحمها؟ قالوا: نعم، فجاءوه بقطعة منها، فأكلها إعلاناً لهم بحلها لغير المضطر. فلله الحمد والمنة ولرسوله ﷺ جزاء ما بلغ، ولأصحابه الرضوان أجمعين. -[المباحث العربية]- (بعثنا رسول الله ﷺ -وأمر علينا أبا عبيدة- نتلقى عيراً لقريش) في الرواية الثانية بعثنا رسول الله ﷺ ، ونحن ثلاثمائة راكب، وأميرنا أبو عبيدة بن الجراح، نرصد عيراً لقريش" وفي الرواية الخامسة "بعث رسول الله ﷺ سرية، ثلاثمائة، وأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح" وفي الرواية

стр. 4335

الرابعة "بعثنا النبي ﷺ ، ونحن ثلاثمائة، نحمل أزوادنا على رقابنا" وفي ملحق الرواية الخامسة عن جابر "بعث رسول الله ﷺ سرية -أنا فيهم- إلى سيف البحر" وفي ملحقها أيضاً "بعث رسول الله ﷺ بعثاً إلى أرض جهينة، واستعمل عليهم رجلاً" "السرية" قطعة من الجيش، تخرج منه، وتعود إليه، وهي من مائة إلى خمسمائة، وما افترق من السرية يسمى بعثاً، وقوله "بعثنا" لا يعطي معنى البعث، وإنما المراد منه أرسلنا كسرية، ومهمة هذه السرية كانت التعرض لعير قريش، تحمل تجارة بين الشام ومكة، للاستيلاء على العير وما تحمل، تعويضاً للمسلمين عما استولى عليه مشركو مكة من أموالهم، فمعنى "نتلقى" نعترض مسيرها، و"العير" بكسر العين الإبل التي تحمل الميرة، ومعنى "نرصد عيراً لقريش" بضم الصاد، أي نرقبها ونترقب وصولها، للاستيلاء عليها، يقال: رصده رصداً، إذا قعد له على الطريق يرقبه. ولا خلاف بين رواياتنا في عدد هذه السرية، لكن ظاهر قوله في الرواية الرابعة "نحمل أزوادنا على رقابنا" أنهم كانوا مشاة، وصريح قوله "ونحن ثلاثمائة راكب" أنهم كانوا ركباناً، فيحتمل أن بعضهم كان راكباً والبعض كان ماشياً، فغلب هؤلاء مرة، وهؤلاء مرة. وقد ترجم البخاري لهذه السرية بباب غزوة "سيف البحر" وسيف البحر بكسر السين وسكون الياء ساحله. قال الحافظ ابن حجر: ذكر ابن سعد وغيره: أن النبي ﷺ بعثهم إلى حي من جهينة بالقبلية -بفتح القاف والباء- مما يلي ساحل البحر، بينهم وبين المدينة خمس ليال، وأنهم انصرفوا ولم يلقوا كيداً، وأن ذلك كان في رجب سنة ثمان، وهذا لا يغاير ظاهره ما في الصحيحين، لأنه يمكن الجمع بين كونهم يتلقون عيراً لقريش، ويقصدون حياً من جهينة، ويقوي هذا الجمع ما عند مسلم عن جابر [ملحق روايتنا الخامسة] قال: "بعث رسول الله ﷺ بعثاً إلى أرض جهينة" فذكر هذه القصة، لكن تلقي العير ما يتصور أن يكون في الوقت الذي ذكره ابن سعد في رجب سنة ثمان، لأنهم كانوا حينئذ في الهدنة، بل مقتضى ما في الصحيح أن تكون هذه السرية في سنة ست، أو قبلها، قبل الهدنة، نعم يحتمل أن يكون تلقيهم للعير ليس لمحاربتهم، بل لحفظهم من جهينة، ولهذا لم يقع في شيء من طرق الخبر أنهم قاتلوا أحداً، بل فيه أنهم قاموا نصف شهر أو أكثر في مكان واحد. و"أبو عبيدة" عامر بن عبد الله الجراح، أحد العشرة المبشرين بالجنة. (وزودنا جراباً من تمر، لم يجد لنا غيره) في الرواية الثانية "وكان معنا جراب من تمر" لكن في الرواية الرابعة "نحمل أزوادنا على رقابنا" وفي الرواية الخامسة "ففني زادهم، فجمع أبو عبيدة زادهم في مزود، فكان يقوتنا" بضم الياء وفتح القاف وتشديد الواو المكسورة، من التقويت، أو بفتح الياء وضم القاف مخففة، يقال: قات الرجل الرجل، يقوته، قوتاً بفتح القاف، أطعمه ما يمسك الرمق، والمزود بكسر الميم وسكون الزاي، ما يجعل فيه الزاد. قال الحافظ ابن حجر: ويمكن الجمع بأن الزاد العام كان قدر جراب، فلما نفد جمع أبو عبيدة الزاد الخاص، واتفق أنه أيضاً كان قدر جراب، ويكون كل من الروايتين ذكر ما لم يذكره الآخر، وأما قول عياض: يحتمل أنه لم يكن في أزوادهم تمر غير الجراب المذكور فمردود، لأن حديث الباب صريح في أن الذي اجتمع من أزوادهم

стр. 4336

كان مزود تمر [لفظ البخاري الذي أشار إليه "فخرجنا، وكنا ببعض الطريق فني الزاد، فأمر أبو عبيدة بأزواد الجيش، فجمع، فكان مزودي تمر، فكان يقوتنا كل يوم قلبلاً قليلاً، حتى فني، فلم يكن يصيبنا إلا تمرة تمرة"] فصح أن التمر كان معهم من غير الجراب، وأما تفرقة ذلك تمرة تمرة فكان في ثاني الحال، بعد أن فني زادهم، وطال لبثهم. قال النووي: والظاهر أن قوله "تمرة تمرة" إنما كان بعد أن قسم عليهم قبضة قبضة، فلما قل تمرهم قسمه عليهم تمرة تمرة، ثم فرغ وفقدوا التمرة، ووجدوا ألماً لفقدها، وأكلوا الخبط، إلى أن فتح الله عليهم بالعنبر. قال الحافظ ابن حجر: وأما قول بعضهم: يحتمل أن يكون تفرقته عليهم تمرة تمرة كان من الجراب النبوي، قصداً لبركته، وكان يفرق عليهم من الأزواد التي جمعت أكثر من ذلك، فبعيد من ظاهر السياق، بل في رواية [روايتنا الخامسة] "ففني زادهم، فجمع أبو عبيدة زادهم في مزود، فكان يقوتنا، حتى كان يصيبنا كل يوم تمرة". (نمصها كما يمص الصبي، ثم نشرب عليها من الماء، فتكفينا يومنا إلى الليل) "نمصها" بفتح الميم وضمها، والفتح أفصح وأشهر. (وكنا نضرب بعصينا الخبط، ثم نبله بالماء، فنأكله) "الخبط" بفتح الخاء والباء ما سقط من ورق الشجر بالخبط والنفض، أي كنا نضرب أوراق الشجر الجافة، فتسقط، فنبلها بالماء، فنأكلها من الجوع، وفي الرواية الثانية "حتى أكلنا الخبط، فسمي جيش الخبط". (وانطلقنا على ساحل البحر) نبحث عن طعام. (فرفع لنا على ساحل البحر) أي ظهر لنا شيء وجسم. (كهيئة الكثيب الضخم) "الكثيب" الرمل المستطيل المحدوب، وجمعه أكثبة وكثب وكثبان. (فأتيناه، فإذا هي دابة، تدعى العنبر) بفتح العين وسكون النون وفتح الباء، وهو حيوان ثديي بحري، من رتبة الحيتان، وفي رواية البخاري "وألقى البحر حوتاً يقال له: العنبر" وفي رواية له "فألقى البحر حوتاً ميتاً لم ير مثله، يقال له: العنبر" وفي رواية له "فإذا حوت مثل الظرب" بفتح الظاء وكسر الراء، وهو الجبل الصغير. قال الأزهري: العنبر: سمكة تكون بالبحر الأعظم، يبلغ طولها خمسين ذراعاً. (قال أبو عبيدة: ميتة) خبر مبتدأ محذوف، أي هذه ميتة، لأنها لا حراك بها، أي والميتة حرام، فلا يحل أكلها، قال ذلك ابتداء باجتهاده، ثم غير اجتهاده، فقال: (لا، بل نحن رسل رسول الله ﷺ ، وفي سبيل الله) أي ونحن في سبيل الله.

стр. 4337

(وقد اضطررتم فكلوا) منها، فقد أباح الله تعالى الميتة لمن كان مضطراً غير باغ ولا عاد. (فأقمنا عليه شهراً) في الرواية الثانية "فأكلنا منها نصف شهر" وفي ملحق الرواية الخامسة "فأكل منها الجيش ثماني عشرة ليلة" قال الحافظ ابن حجر: ويجمع بين هذا الاختلاف بأن الذي قال "ثمان عشرة" ضبط ما لم يضبطه غيره، وأن من قال "نصف شهر" ألغى الكسر الزائد، وهو ثلاثة أيام، ومن قال "شهراً" جبر كسر الشهر، أو ضم بقية المدة التي كانت قبل وجدانهم الحوت إليها، وقال ابن التين: إحدى الروايتين وهم. اهـ وقال النووي: طريق الجمع بين الروايات أن من روي شهراً هو الأصل، ومعه زيادة علم، ومن روي دونه لم ينف الزيادة، ولو نفاها قدم المثبت، والمشهور الصحيح عند الأصوليين أن مفهوم العدد لا حكم له، فلا يلزم منه نفي الزيادة، لو لم يعارضه إثبات الزيادة، كيف وقد عارضه؟ فوجب قبول الزيادة، وجمع القاضي بينهما بأن من قال "نصف شهر" أراد المدة التي أكلوها منه طرياً، ومن قال شهراً أراد أنهم قددوه، فأكلوا منه بقية الشهر قديداً. اهـ أقول: ويمكن الجمع بأن من قال: "خمسة عشر يوماً" نظر إلى مدة إقامتهم على الساحل خارج المدينة كجيش، ولا يخفى أن بعضهم حمل منه ما طعمه في المدينة بعد وصوله أياماً. (حتى سمنا) أي كثر لحمنا وشحمنا، وفي الرواية الثانية "فأكلنا منها نصف شهر، وادهنا من ودكها" بفتح الواو والدال، أي شحمها، والمراد من "وادهنا" أكلنا دهناً "حتى ثابت أجسامنا" أي رجعت إلى لحمها وشحمها بعد الهزال الذي أصابها من الجوع. (ولقد رأيتنا نغترف من وقب عينه بالقلال الدهن) "وقب عينه" بفتح الواو وسكون القاف، داخل العين ونقرتها التي تكون فيها الحدقة، والقلال بكسر القاف جمع قلة بضمها، وهي الجرة الكبيرة، التي يقلها الرجل بين يديه، أي يحملها، والمعنى كنا نغترف الدهن من حفرة عينه بالقلال، تصويراً لسعة حدقة العين وما فيها من دهن. وفي الرواية الثانية "وأخرجنا من وقب عينه كذا وكذا قلة ودك" بفتح الواو والدال، أي دهن وشحم. (ونقتطع منه الفدر كالثور، أو كقدر الثور) "الفدر" بكسر الفاء وفتح الدال، جمع فدرة بكسر فسكون، وهي القطعة، أي كنا نقتطع من جسمه قطعاً، كل قطعة في حجم الثور. قال النووي: "كقدر الثور" رويناه بوجهين مشهورين في نسخ بلادنا: أحدهما بقاف مفتوحة ثم دال ساكنة، أي مثل الثور، والثاني "كفدر" بفاء مكسورة، ثم دال مفتوحة، والأول أصح، وادعى القاضي أنه تصحيف، وأن الثاني هو الصواب، وليس كما قال. (فلقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلاً، فأقعدهم في وقب عينه) تصوير لسعة حدقة عينه، التي ملأوا منها القلال من الدهن، فصارت كحوض مفرغ، ولنا أن نتصور طول العنبر أربعين متراً في خمسة أمتار، فرأسه عشرة أمتار في خمسة، فعينه خمسة

стр. 4338

أمتار مربعة على الأقل. وفي الرواية الثانية "وجلس في حجاج عينه نفر" بفتح الحاء وكسرها، بعدها جيم مفتوحة، ثم بعد الألف جيم، وهو بمعنى وقب عينه في الرواية الأولى، ولعل قعود النفر في جوف العين كان من باب التسلية والتعجب. (وأخذ ضلعاً من أضلاعه، فأقامها، ثم رحل أعظم بعير معنا، فمر من تحتها) تصوير آخر لضخامة العنبر، كشيء من التسلية والغرابة، وذلك بأن أخذ القائد ضلعاً من أضلاع العنبر، بعد أن جردوها من اللحم، فغرسوا جزءاً منها في الأرض، وأقاموها، طرفها المعوج أعلاها، فصارت مثل عمود النور، ثم جاء بأعلى جمل في الجيش، وجاء بأطول رجل في الجيش، فأجلسه أو أوقفه فوق ظهر الجمل، فمر الجمل والرجل من تحت قوس الضلع، دون أن يمسها، ولم يذكر الرجل فوق البعير في الرواية الأولى، وذكر في الثانية، زيادة ثقة، وهي مقبولة، ومعنى "رجل أعظم بعير معنا" بفتح الراء وفتح الحاء مخففة، أي جعل عليه رحلاً، والضلع يؤنث ويذكر. وعند ابن إسحق "ثم أمر بأجسم بعير معنا، فحمل عليه أجسم رجل منا، فخرج من تحتها، وما مست رأسه" قال الحافظ ابن حجر: وهذا الرجل لم أقف على اسمه، وأظنه قيس بن سعد بن عبادة، فإن له ذكرا في هذه الغزوة، وكان مشهوراً بالطول، وفي رواية للبخاري "ثم أمر أبو عبيدة بضلعين من أضلاعه، فنصبا، ثم أمر براحلة فرحلت، ثم مرت تحتهما، فلم تصبها" فيحتمل أنه نصب ضلعين مرة، وضلعاً مرة. (وتزودنا من لحمه وشائق) بالشين والقاف، قال أبو عبيد: هو اللحم يؤخذ، فيغلي إغلاء، ولا ينضج، ويحمل في الأسفار، يقال: وشقت اللحم، فاتشق، والوشيقة الواحدة منه، والجمع وشائق، ووشق بضم الواو، وقيل: الوشيقة القديد، ومعنى "تزودنا من لحمه" اتخذنا وحملنا منه زاداً معنا إلى المدينة. (فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا) قصد بذلك المبالغة في تطييب نفوسهم في حله، أو أنه قصد التبرك، لكونه طعمة من الله تعالى، خارقة للعادة. وأكرمهم الله بها. (وكان معنا جراب من تمر، فكان أبو عبيدة يعطي كل رجل منا قبضة قبضة، ثم أعطى تمرة تمرة، فلما فني وجدنا فقده) هذا بيان للحالة السابقة على أكل الخبط السابق على وجود العنبر. (أن رجلاً نحر ثلاث جزائر، ثم ثلاثاً، ثم ثلاثاً، ثم نهاه أبو عبيدة) قال العيني قوله: "ثلاث جزائر" غريب لأن الجزائر جمع جزيرة، والقياس جزر، جمع الجزور. اهـ وفي كتب اللغة: الجزور ما يصلح لأن يذبح من الإبل، ولفظه أنثى، يقال للبعير: هذه جزور سمينة، وجمعه جزائر، وجزر. وهذا الرجل -كما عند الواقدي وغيره- هو قيس بن سعد بن عبادة، وكان في هذا الجيش، فلما أصاب الناس جوع شديد قال: من يشتري مني تمراً بالمدينة بجزور هنا، فقال له رجل من جهينة

стр. 4339

-القبيلة التي هم عندها- من أنت؟ فانتسب له، فقال: عرفت نسبك، فابتاع منه خمس جزائر بخمسة أوسق، ثم ابتاع منه خمساً أخرى، فلما ذبح تسعاً، وأراد أن يشتري غيرها نهاه أبو عبيدة، لأنه كان يعرف أن التمر لأبيه، لا له، ويخشى أن لا يجيز بيعه، وماذا تفعل جزر تسع لثلاثمائة رجل، إن كفتهم يوماً لم تكفهم مستقبلاً غامضاً، فلما بلغ سعد ما فعل ابنه وهبه حديقة تعطي مائتي وسق في العام. -[فقه الحديث]- قال مالك والشافعي وابن أبي ليلى والأوزاعي، والثوري في رواية: يؤكل كل ما في البحر من السمك والدواب، وسائر ما في البحر من الحيوان، سواء اصطيد أو وجد ميتاً، واحتج مالك ومن تابعه بقوله ﷺ في البحر "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته" قال القرطبي في تفسيره: وأصح ما في هذا الباب من جهة الإسناد حديث جابر في الحوت الذي يقال له: العنبر، وهو من أثبت الأحاديث خرجه الصحيحان. اهـ قال النووي: في هذا الحديث إباحة ميتات البحر كلها، سواء في ذلك ما مات بنفسه، أو باصطياد. اهـ والحجة في هذا الحديث ليست في أكل الجيش، فقد يحمل على المضطر، ولكنها في قوله ﷺ في الرواية الأولى "هو رزق، أخرجه الله لكم" وفي أكله منه ﷺ في المدينة، وهو غير مضطر. واستثنى الشافعي من ذلك الضفدع، للحديث في النهي عن قتلها، قال النووي: وممن قال بإباحة جميع حيوانات البحر إلا الضفدع: أبو بكر الصديق وعمر وعثمان وابن عباس ﵃ وأباح مالك الضفدع والجميع. اهـ قال العيني: قال الجاحظ: الضفدع لا يصيح، ولا يمكنه الصياح حتى يدخل حنكه الأسفل في الماء، وهو من الحيوان الذي يعيش في الماء، ويبيض في الشط، مثل السلحفاة ونحوها، وهي لا عظام لها، والضفدع يصبر عن الماء أياماً، قال البخاري: قال الشعبي: لو أن أهلي أكلوا الضفدع لأطعمتهم، قالوا: ولم يبين الشعبي. هل تذكى الضفادع؟ أم لا؟ واختلف مذهب مالك في ذلك، فقال ابن القاسم في المدونة: عن مالك أكل الضفدع والسرطان والسلحفاة جائز من غير ذكاة، وروي عن ابن القاسم: ما كان مأواه الماء يؤكل من غير ذكاة وإن كان يرعى في البر، وما كان مأواه ومستقره البر لا يؤكل إلا بذكاة، وعن محمد بن إبراهيم: لا يؤكلان إلا بذكاة، وقال ابن التين: وهو قول أبي حنيفة والشافعي. ويجيب الشافعية عن قول الشعبي بحديث ابن عمر قال: سئل رسول الله ﷺ عن ضفدع، يجعله طبيب في دواء، فنهى ﷺ عن قتله. رواه أحمد والطيالسي والحاكم، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، قال الحافظ المنذري: فيه دليل على تحريم أكل الضفدع، لأن النبي ﷺ نهى عن قتله، والنهي عن قتل الحيوان إما لحرمته، كالآدمي، وإما لتحريم أكله كالضفدع، والضفدع ليس بمحترم، فكان النهي منصرفاً إلى الوجه الآخر. اهـ والأطباء يرون في أكل الضفدع ضرراً. أما السلحفاة فقد قال البخاري: ولم ير الحسن البصري بالسلحفاة بأساً، وعن عطاء: لا بأس

стр. 4340

بأكلها، وزعم ابن حزم: أن أكلها لا يحل إلا بذكاة، وأكلها حلال، بريها وبحريها وأكل بيضها، وعن طاووس ومحمد بن علي وفقهاء المدينة إباحة أكلها، وكرهها بعضهم للاستخباث. وقال أبو حنيفة: لا يحل غير السمك، بل السمك الميت الطافي على الماء لا يحل، واستدل بعموم تحريم الميتة، وبحديث جابر عن النبي ﷺ قال "ما ألقاه البحر، وجزر عنه فكلوه، وما مات فيه فطفا فلا تأكلوه". قال النووي: هذا حديث ضعيف باتفاق أئمة الحديث، لا يجوز الاحتجاج به، لو لم يعارضه شيء، كيف وهو معارض بحديث "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته" وهو حديث صحيح، أخرجه مالك وأصحاب السنن واختلف فيما له شبه في البر مما لا يؤكل، والقياس يقتضي حله، لأنه سمك، لو مات في البر لأكل بغير تذكية، ولو نصب عنه الماء، فمات لأكل، فكذلك إذا مات وهو في البحر، كالخنزير والكلب، كلب البحر، وفرس الماء، واختلف قول الشافعي فيه وفي كل ذي ناب، كالتمساح والقرش والدلفين [الدرفيل] فإنه قد تعارض فيه دليلان: دليل تحليل، ودليل تحريم، فيغلب دليل التحريم احتياطاً على الأصح. واختلف أيضاً فيما يعرف بالجري -بفتح الجيم، وقد سئل ابن عباس عن أكله، فقال: هو شيء كرهته اليهود، ونحن نأكله، ويقال له: الجريت، وهو ما لا قشر له، وهو نوع من السمك، يشبه الثعبان، عريض الوسط، دقيق الطرفين، قال الحافظ ابن حجر: والثعبان والعقرب والسرطان لا تؤكل، للاستخباث، والضرر اللاحق من السم. وقال ابن عباس: كل من صيد البحر، صيد نصراني أو يهودي أو مجوسي. اهـ وصيد النهر والقناة والحفرة والبركة والحوض ونحو ذلك حلال، فقد سئل عطاء عنها فقال: هي صيد بحر، ثم قرأ ﴿هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحماً طرياً﴾ [فاطر: ١٢]. -[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]- ١ - أن الجيوش لا بد لها من أمير، يضبطها، وينقادون لأمره ونهيه. ٢ - وأنه ينبغي أن يكون الأمير أفضلهم. قالوا: ويستحب للرفقة -وإن قلوا أن يؤمروا بعضهم عليهم، وينقادوا له. ٣ - وجواز صد أهل الحرب، والخروج لأخذ مالهم واغتنامه. قاله النووي. ٤ - ومن توزيع تمرة تمرة، وفقدان التمرة ما كان عليه الصحابة ﵃ من الزهد في الدنيا، والتقلل منها، والصبر على الجوع، وخشونة العيش، وإقدامهم على الغزو مع هذه الحال. ٥ - ومن اجتهاد أبي عبيدة في أكل الميتة اجتهاد الصحابة في الأحكام في عهد النبي ﷺ ، كما يجوز بعده.

стр. 4341

٦ - وفي طلب النبي ﷺ من لحمه، وأكله، ما كان عليه ﷺ من تطييب نفوس أصحابه. ٧ - وفيه أنه يستحب للمفتي أن يتعاطى بعض المباحات التي يشك فيها المستفتي، إذا لم يكن فيه مشقة على المفتي. ٨ - وفيه دليل على أنه لا بأس بسؤال الإنسان بعض مال صاحبه ومتاعه، إدلالاً عليه، وليس هو من السؤال المنهي عنه، إنما ذاك في حق الأجانب للتمول ونحوه، أما هذه فللمؤانسة والملاطفة. ٩ - ومن جمع أبي عبيدة زادهم في مزود مشروعية المؤاساة بين الجيش عند وقوع المجاعة، كما اشتهر به الأشعريون. ١٠ - وأن الاجتماع على الطعام يستدعي البركة فيه. قاله الحافظ ابن حجر. ١١ - ومن ذبح الرجل للجزر ما كان عليه الصحابة من الجود والكرم والسخاء، وبخاصة في سبيل الله. ١٢ - واستدل من أكلهم من العنبر نصف شهر جواز أكل اللحم ولو أنتن، لأن النبي ﷺ أكل منه بعد ذلك، واللحم لا يبقى غالباً بلا نتن في هذه المدة. نعم يحتمل أن يكونوا ملحوه وقددوه، فلم يدخله نتن، لكنه بعيد. والله أعلم

стр. 4342

(٥٤١) باب تحريم أكل لحم الحمر الإنسية وإباحة أكل لحم الخيل ٤٣٨٢ - عن علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن لحوم الحمر الإنسية. ٤٣٨٣ - وفي رواية عن الزهري بهذا الإسناد وفي حديث يونس: وعن أكل لحوم الحمر الإنسية. ٤٣٨٤ - عن أبي ثعلبة ﵁ قال حرم رسول الله ﷺ لحوم الحمر الأهلية. ٤٣٨٥ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ نهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية. ٤٣٨٦ - عن ابن عمر ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن أكل الحمار الأهلي يوم خيبر. وكان الناس احتاجوا إليها. ٤٣٨٧ - عن الشيباني قال: سألت عبد الله بن أبي أوفى عن لحوم الحمر الأهلية. فقال: أصابتنا مجاعة يوم خيبر ونحن مع رسول الله ﷺ . وقد أصبنا للقوم حمراً خارجة من المدينة فنحرناها. فإن قدورنا لتغلي، إذ نادى منادي رسول الله ﷺ : أن اكفئوا القدور ولا تطعموا من لحوم الحمر شيئاً. فقلت حرمها تحريم ماذا؟ قال: تحدثنا بيننا، فقلنا: حرمها البتة. وحرمها من أجل أنها لم تخمس.

стр. 4343

٤٣٨٨ - عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: أصابتنا مجاعة ليالي خيبر. فلما كان يوم خيبر وقعنا في الحمر الأهلية فانتحرناها. فلما غلت بها القدور، نادى منادي رسول الله ﷺ : أن اكفئوا القدور، ولا تأكلوا من لحوم الحمر شيئاً. قال: فقال ناس: إنما نهى عنها رسول الله ﷺ لأنها لم تخمس. وقال آخرون: نهى عنها البتة. ٤٣٨٩ - عن البراء وعبد الله بن أبي أوفى ﵄ قالا: أصبنا حمراً فطبخناها فنادى منادي رسول الله ﷺ : اكفئوا القدور. ٤٣٩٠ - عن البراء ﵁ قال: أصبنا يوم خيبر حمرا فنادى منادي رسول الله ﷺ أن اكفئوا القدور. ٤٣٩١ - عن البراء ﵁ قال: نهينا عن لحوم الحمر الأهلية. ٤٣٩٢ - عن البراء بن عازب ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نلقي لحوم الحمر الأهلية نيئة ونضيجة. ثم لم يأمرنا بأكله. ٤٣٩٣ - عن ابن عباس ﵄ قال: لا أدري إنما نهى عنه رسول الله ﷺ من أجل أنه كان حمولة الناس، فكره أن تذهب حمولتهم، أو حرمه في يوم خيبر لحوم الحمر الأهلية. ٤٣٩٤ - عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى خيبر. ثم إن الله فتحها عليهم. فلما أمسى الناس اليوم الذي فتحت عليهم أوقدوا نيراناً كثيرة. فقال رسول الله ﷺ : "ما هذه النيران على أي شيء توقدون؟ " قالوا: على لحم. قال: "على أي

стр. 4344

لحم؟ " قالوا: على لحم حمر إنسية. فقال رسول الله ﷺ : "أهريقوها واكسروها" فقال رجل: يا رسول الله أو نهريقها ونغسلها؟ قال: "أو ذاك". ٤٣٩٥ - عن أنس ﵁ قال: لما فتح رسول الله ﷺ خيبر، أصبنا حمراً خارجاً من القرية. فطبخنا منها. فنادى منادي رسول الله ﷺ : ألا إن الله ورسوله ينهيانكم عنها، فإنها رجس من عمل الشيطان. فأكفئت القدور بما فيها وإنها لتفور بما فيها. ٤٣٩٦ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما كان يوم خيبر جاء جاء، فقال: يا رسول الله أكلت الحمر. ثم جاء آخر، فقال: يا رسول الله أفنيت الحمر. فأمر رسول الله ﷺ أبا طلحة فنادى: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر، فإنها رجس أو نجس. قال: فأكفئت القدور بما فيها. ٤٣٩٧ - عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية. وأذن في لحوم الخيل. ٤٣٩٨ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: أكلنا زمن خيبر الخيل وحمر الوحش. ونهانا النبي ﷺ عن الحمار الأهلي. ٤٣٩٩ - عن أسماء ﵂ قالت: نحرنا فرساً على عهد رسول الله ﷺ فأكلناه. -[المعنى العام]- يكتفى بالمعنى العام المذكور تحت باب غزوة خيبر.

стр. 4345

-[المباحث العربية]- (نهى عن متعة النساء) أي زواج المرأة لمدة محدودة، وقد سبق الموضوع كاملاً في أوائل كتاب النكاح، تحت باب نكاح المتعة. (يوم خيبر) أي كان النهي يوم غزوة خيبر، والمقصود يوم أن فتحها الله عليهم، كما سيأتي. (وعن لحوم الحمر الإنسية) أي وعن أكل لحوم الحمر الإنسية، بكسر الهمزة وسكون النون، منسوبة إلى الإنس، ويقال فيه: أنسية، بفتحتين، وزعم ابن الأثير أن في كلام أبي موسى المديني ما يقتضي أنها بالضم ثم السكون، لقوله: الأنسية هي التي تألف البيوت، والأنس ضد الوحشة، ولا حجة في ذلك، لأن أبا موسى إنما قاله بفتحتين، ولم يقع في شيء من روايات الحديث بضم ثم سكون، مع احتمال جوازه، نعم زيف أبو موسى الرواية بكسر أوله ثم السكون، فقال ابن الأثير: إن أراد من جهة الرواية فعسى، وإلا فهو ثابت في اللغة، ونسبتها إلى الإنس، وقد وقع في كثير من رواياتنا "الأهلية" بدل "الإنسية". وقال النووي عن رواية سبقت في غزوة خيبر بلفظ "لحم حمر الإنسية" قال: هكذا هو، بإضافة "حمر" وهو من إضافة الموصوف إلى صفته، وهو على ظاهره عند الكوفيين، وتقديره عند البصريين حمر الحيوانات الإنسية، قال: وأما الإنسية ففيها لغتان وروايتان، حكاهما القاضي عياض وآخرون، أشهرهما كسر الهمزة وإسكان النون، قال القاضي: هذه رواية الأكثر، والثانية فتحهما جميعاً، وهما جميعاً نسبة إلى الإنس، وهم الناس، وسميت بذلك لاختلاطها بالناس. بخلاف حمر الوحش. (وكان الناس احتاجوا إليها) في الرواية الخامسة "أصابتنا مجاعة يوم خيبر، ونحن مع رسول الله ﷺ ، وقد أصبنا للقوم حمراً خارجة من القرية" وفي الرواية الثالثة عشرة "أصبنا حمراً خارجاً من المدينة" بتذكير صفة جمع التكسير، والنعت من حيث التذكير والتأنيث حكمه حكم الفعل، والفعل مع جمع التكسير يذكر ويؤنث، تقول: جاء الحمر، وجاءت الحمر، ومؤنث الحمار حمارة، وفي الرواية السادسة "وقعنا في الحمر الأهلية" أي أصبناها برفق. (فنحرناها) وفي الرواية السادسة "فانتحرناها" ونحر الإبل طعنها بالسكين في منحرها، والمنحر من المرأة موضع القلادة من الصدر، والمراد هنا طعنها بالسكين في أعلى الصدر عند اتصاله بالعنق، وأما الذبح في البقر والغنم والطيور ونحوها فهو بقطع الأوداج [جمع ودج بفتح الدال، وهو العرق الذي في جانب العنق، وفي العنق عرقان متقابلان، قيل: ليس لكل بهيمة غير ودجين فقط، وهما محيطان بالحلقوم، وقد تطلق الأوداج على الحلقوم والمريء بالإضافة إلى الودجين على سبيل التغليب، فيقال: للحيوان أربعة أوداج] فالذكاة عند الثوري قطع الودجين، ولو لم يقطع الحلقوم والمريء، وعن مالك والليث يشترط قطع الودجين والحلقوم فقط، واحتج لهما بحديث "ما أنهر
следующие страницы →