← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.

стр. 4341

٦ - وفي طلب النبي ﷺ من لحمه، وأكله، ما كان عليه ﷺ من تطييب نفوس أصحابه. ٧ - وفيه أنه يستحب للمفتي أن يتعاطى بعض المباحات التي يشك فيها المستفتي، إذا لم يكن فيه مشقة على المفتي. ٨ - وفيه دليل على أنه لا بأس بسؤال الإنسان بعض مال صاحبه ومتاعه، إدلالاً عليه، وليس هو من السؤال المنهي عنه، إنما ذاك في حق الأجانب للتمول ونحوه، أما هذه فللمؤانسة والملاطفة. ٩ - ومن جمع أبي عبيدة زادهم في مزود مشروعية المؤاساة بين الجيش عند وقوع المجاعة، كما اشتهر به الأشعريون. ١٠ - وأن الاجتماع على الطعام يستدعي البركة فيه. قاله الحافظ ابن حجر. ١١ - ومن ذبح الرجل للجزر ما كان عليه الصحابة من الجود والكرم والسخاء، وبخاصة في سبيل الله. ١٢ - واستدل من أكلهم من العنبر نصف شهر جواز أكل اللحم ولو أنتن، لأن النبي ﷺ أكل منه بعد ذلك، واللحم لا يبقى غالباً بلا نتن في هذه المدة. نعم يحتمل أن يكونوا ملحوه وقددوه، فلم يدخله نتن، لكنه بعيد. والله أعلم

стр. 4342

(٥٤١) باب تحريم أكل لحم الحمر الإنسية وإباحة أكل لحم الخيل ٤٣٨٢ - عن علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن لحوم الحمر الإنسية. ٤٣٨٣ - وفي رواية عن الزهري بهذا الإسناد وفي حديث يونس: وعن أكل لحوم الحمر الإنسية. ٤٣٨٤ - عن أبي ثعلبة ﵁ قال حرم رسول الله ﷺ لحوم الحمر الأهلية. ٤٣٨٥ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ نهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية. ٤٣٨٦ - عن ابن عمر ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن أكل الحمار الأهلي يوم خيبر. وكان الناس احتاجوا إليها. ٤٣٨٧ - عن الشيباني قال: سألت عبد الله بن أبي أوفى عن لحوم الحمر الأهلية. فقال: أصابتنا مجاعة يوم خيبر ونحن مع رسول الله ﷺ . وقد أصبنا للقوم حمراً خارجة من المدينة فنحرناها. فإن قدورنا لتغلي، إذ نادى منادي رسول الله ﷺ : أن اكفئوا القدور ولا تطعموا من لحوم الحمر شيئاً. فقلت حرمها تحريم ماذا؟ قال: تحدثنا بيننا، فقلنا: حرمها البتة. وحرمها من أجل أنها لم تخمس.

стр. 4343

٤٣٨٨ - عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: أصابتنا مجاعة ليالي خيبر. فلما كان يوم خيبر وقعنا في الحمر الأهلية فانتحرناها. فلما غلت بها القدور، نادى منادي رسول الله ﷺ : أن اكفئوا القدور، ولا تأكلوا من لحوم الحمر شيئاً. قال: فقال ناس: إنما نهى عنها رسول الله ﷺ لأنها لم تخمس. وقال آخرون: نهى عنها البتة. ٤٣٨٩ - عن البراء وعبد الله بن أبي أوفى ﵄ قالا: أصبنا حمراً فطبخناها فنادى منادي رسول الله ﷺ : اكفئوا القدور. ٤٣٩٠ - عن البراء ﵁ قال: أصبنا يوم خيبر حمرا فنادى منادي رسول الله ﷺ أن اكفئوا القدور. ٤٣٩١ - عن البراء ﵁ قال: نهينا عن لحوم الحمر الأهلية. ٤٣٩٢ - عن البراء بن عازب ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نلقي لحوم الحمر الأهلية نيئة ونضيجة. ثم لم يأمرنا بأكله. ٤٣٩٣ - عن ابن عباس ﵄ قال: لا أدري إنما نهى عنه رسول الله ﷺ من أجل أنه كان حمولة الناس، فكره أن تذهب حمولتهم، أو حرمه في يوم خيبر لحوم الحمر الأهلية. ٤٣٩٤ - عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى خيبر. ثم إن الله فتحها عليهم. فلما أمسى الناس اليوم الذي فتحت عليهم أوقدوا نيراناً كثيرة. فقال رسول الله ﷺ : "ما هذه النيران على أي شيء توقدون؟ " قالوا: على لحم. قال: "على أي

стр. 4344

لحم؟ " قالوا: على لحم حمر إنسية. فقال رسول الله ﷺ : "أهريقوها واكسروها" فقال رجل: يا رسول الله أو نهريقها ونغسلها؟ قال: "أو ذاك". ٤٣٩٥ - عن أنس ﵁ قال: لما فتح رسول الله ﷺ خيبر، أصبنا حمراً خارجاً من القرية. فطبخنا منها. فنادى منادي رسول الله ﷺ : ألا إن الله ورسوله ينهيانكم عنها، فإنها رجس من عمل الشيطان. فأكفئت القدور بما فيها وإنها لتفور بما فيها. ٤٣٩٦ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما كان يوم خيبر جاء جاء، فقال: يا رسول الله أكلت الحمر. ثم جاء آخر، فقال: يا رسول الله أفنيت الحمر. فأمر رسول الله ﷺ أبا طلحة فنادى: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر، فإنها رجس أو نجس. قال: فأكفئت القدور بما فيها. ٤٣٩٧ - عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية. وأذن في لحوم الخيل. ٤٣٩٨ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: أكلنا زمن خيبر الخيل وحمر الوحش. ونهانا النبي ﷺ عن الحمار الأهلي. ٤٣٩٩ - عن أسماء ﵂ قالت: نحرنا فرساً على عهد رسول الله ﷺ فأكلناه. -[المعنى العام]- يكتفى بالمعنى العام المذكور تحت باب غزوة خيبر.

стр. 4345

-[المباحث العربية]- (نهى عن متعة النساء) أي زواج المرأة لمدة محدودة، وقد سبق الموضوع كاملاً في أوائل كتاب النكاح، تحت باب نكاح المتعة. (يوم خيبر) أي كان النهي يوم غزوة خيبر، والمقصود يوم أن فتحها الله عليهم، كما سيأتي. (وعن لحوم الحمر الإنسية) أي وعن أكل لحوم الحمر الإنسية، بكسر الهمزة وسكون النون، منسوبة إلى الإنس، ويقال فيه: أنسية، بفتحتين، وزعم ابن الأثير أن في كلام أبي موسى المديني ما يقتضي أنها بالضم ثم السكون، لقوله: الأنسية هي التي تألف البيوت، والأنس ضد الوحشة، ولا حجة في ذلك، لأن أبا موسى إنما قاله بفتحتين، ولم يقع في شيء من روايات الحديث بضم ثم سكون، مع احتمال جوازه، نعم زيف أبو موسى الرواية بكسر أوله ثم السكون، فقال ابن الأثير: إن أراد من جهة الرواية فعسى، وإلا فهو ثابت في اللغة، ونسبتها إلى الإنس، وقد وقع في كثير من رواياتنا "الأهلية" بدل "الإنسية". وقال النووي عن رواية سبقت في غزوة خيبر بلفظ "لحم حمر الإنسية" قال: هكذا هو، بإضافة "حمر" وهو من إضافة الموصوف إلى صفته، وهو على ظاهره عند الكوفيين، وتقديره عند البصريين حمر الحيوانات الإنسية، قال: وأما الإنسية ففيها لغتان وروايتان، حكاهما القاضي عياض وآخرون، أشهرهما كسر الهمزة وإسكان النون، قال القاضي: هذه رواية الأكثر، والثانية فتحهما جميعاً، وهما جميعاً نسبة إلى الإنس، وهم الناس، وسميت بذلك لاختلاطها بالناس. بخلاف حمر الوحش. (وكان الناس احتاجوا إليها) في الرواية الخامسة "أصابتنا مجاعة يوم خيبر، ونحن مع رسول الله ﷺ ، وقد أصبنا للقوم حمراً خارجة من القرية" وفي الرواية الثالثة عشرة "أصبنا حمراً خارجاً من المدينة" بتذكير صفة جمع التكسير، والنعت من حيث التذكير والتأنيث حكمه حكم الفعل، والفعل مع جمع التكسير يذكر ويؤنث، تقول: جاء الحمر، وجاءت الحمر، ومؤنث الحمار حمارة، وفي الرواية السادسة "وقعنا في الحمر الأهلية" أي أصبناها برفق. (فنحرناها) وفي الرواية السادسة "فانتحرناها" ونحر الإبل طعنها بالسكين في منحرها، والمنحر من المرأة موضع القلادة من الصدر، والمراد هنا طعنها بالسكين في أعلى الصدر عند اتصاله بالعنق، وأما الذبح في البقر والغنم والطيور ونحوها فهو بقطع الأوداج [جمع ودج بفتح الدال، وهو العرق الذي في جانب العنق، وفي العنق عرقان متقابلان، قيل: ليس لكل بهيمة غير ودجين فقط، وهما محيطان بالحلقوم، وقد تطلق الأوداج على الحلقوم والمريء بالإضافة إلى الودجين على سبيل التغليب، فيقال: للحيوان أربعة أوداج] فالذكاة عند الثوري قطع الودجين، ولو لم يقطع الحلقوم والمريء، وعن مالك والليث يشترط قطع الودجين والحلقوم فقط، واحتج لهما بحديث "ما أنهر

стр. 4346

الدم ... " وإنهاره إجراؤه، ويجري الدم بقطع الأوداج، لأنها مجرى الدم، وأما المريء فهو مجرى الطعام، وليس به من الدم، ما يصل به إنهار، وقال أكثر الحنفية: إذا قطع من الأوداج الأربعة ثلاثة حصلت التذكية، وحكى ابن المنذر عن محمد بن الحسن: إذا قطع الحلقوم والمريء وأكثر من نصف الأوداج أجزأ، فإن قطع أقل فلا خير فيها، وسيأتي بعد أبواب الذبح بكل ما أنهر الدم. (فإن قدورنا لتغلي إذ نادى منادي رسول الله ﷺ أي إن قدورنا كانت تغلي وقت نداء منادي رسول الله ﷺ ، وفي الرواية السادسة "فلما غلت بها القدور نادى منادي رسول الله ﷺ " وعند النسائي "فأمر النبي ﷺ عبد الرحمن بن عوف، فنادى: ألا إن لحوم الحمر الإنسية لا تحل" وفي الرواية الرابعة عشرة "فأمر رسول الله ﷺ أبا طلحة، فنادى: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر، فإنها رجس -أو نجس" وفي بعض الروايات أن بلالاً نادى بذلك: قال الحافظ ابن حجر: ولعل عبد الرحمن نادى أولاً بالنهي مطلقاً، ثم نادى أبو طلحة وبلال بزيادة على ذلك، وهو قوله "فإنها رجس" ووقع في الشرح الكبير للرافعي أن المنادي بذلك خالد بن الوليد، وهو غلط، فإنه لم يشهد خيبر، وإنما أسلم بعد فتحها. اهـ ويحتمل تعدد المنادين بأمره ﷺ ، ليذهب كل واحد إلى قطعة من الجيش، فيبلغ أمر رسول الله ﷺ ، واختلاف المنادى به لفظاً لا يضر، والهدف التحذير من أكل لحوم الحمر الأهلية. أما عن طريق علمه ﷺ بأن أصحابه يطبخون لحوم حمر أهلية فتقول الرواية الثانية عشرة "فلما أمسى الناس اليوم الذي فتحت عليهم أوقدوا نيراناً كثيرة، فقال رسول الله ﷺ : ما هذه النيران؟ على أي شيء توقدون؟ قالوا: على لحم، قال: على أي لحم؟ قالوا: على لحم حمر إنسية ... " وفي رواية للبخاري "أن رسول الله ﷺ جاءه جاء، فقال: أكلت الحمر، ثم جاءه جاء، فقال: أكلت الحمر، ثم جاءه جاء، فقال: أفنيت الحمر، فأمر منادياً فنادى في الناس ... " قال الحافظ ابن حجر: لم أعرف اسم هذا الرجل، ولا اللذين بعده، ويحتمل أن يكونوا واحداً؛ فإنه قال أولاً "أكلت" فإما لم يسمعه النبي ﷺ ، وإما لم يكن أمر فيها بشيء، وكذا في الثانية، فلما قال الثالثة "أفنيت الحمر" أي لكثرة ما ذبح منها لتطبخ، صادف نزول الأمر بتحريمها، ولعل هذا مستند من قال: إنما نهي عنها لكونها كانت حمولة الناس. اهـ ويحتمل أنه ﷺ بعد أن سمع كلام الرجل أو الرجال خرج من خيمته إلى الجيش، فرأى النيران، فسأل، فأجيب، فأرسل مناديه. (أن اكفئوا القدور) أي أميلوها، ليراق ما فيها، قال النووي: قال القاضي: ضبطناه بألف الوصل وفتح الفاء من كفأت الثلاثي، ومعناه قلبت، قال: ويصح قطع الألف وكسر الفاء من أكفأت الرباعي، وهما لغتان بمعنى عند كثيرين من أهل اللغة، وقال الأصمعي: يقال: كفأت، ولا يقال: أكفأت. اهـ و"أن" في "أن اكفئوا" تفسيرية، وبيان للنداء، وفي الرواية السابعة "اكفئوا القدور" بدون "أن" والجملة تفسير وبيان للنداء.

стр. 4347

والمقصود بكفء القدور طرح ما فيها من لحوم الحمر على الأرض، مبالغة في عدم تناول شيء منها، لذا أكد هذا المعنى ووضحه في الرواية الخامسة بقوله "ولا تطعموا من لحوم الحمر شيئاً" وفي الرواية السادسة "ولا تأكلوا من لحوم الحمر شيئاً" وفي الرواية العاشرة "أمرنا رسول الله ﷺ أن نلقي لحوم الحمر الأهلية، نيئة ونضيجة، ثم لم يأمرنا بأكله" أي لم يرخص لنا في أكل هذا الملقى، و"نيئة" بكسر النون وبالهمزة، أي غير مطبوخة، أو غير كاملة النضج والطبخ، وفي الرواية الثانية عشرة "أهريقوها واكسروها، فقال رجل: يا رسول الله، أو نهريقها ونغسلها؟ قال: أو ذاك" والأمر بالكسر مبالغة في التنفير والتحذير، وكانت آنيتهم من الفخار الذي يكسر إن ضرب بحجر أو بجسم صلب، "وأهريقوها" أي صبوها، أم من "يهريقون الماء" مبني على حذف النون، يقال: هرق الماء هرقاً، صبه، وأهرق الماء هرقة، وهراق الماء، يهريقه، أي صبه. (فقلت: حرمها تحريم ماذا؟ ) أي سأل الشيباني هذا السؤال لعبد الله بن أبي أوفى. أي ما نوع التحريم؟ أهو تحريم أبدي لذات الحمر الأهلية؟ أم تحريم مؤقت لظرف خاص؟ (تحدثنا بيننا، فقلنا: ) أي فقال بعضنا: (حرمها البتة، وحرمها من أجل أنها لم تخمس) أي قال بعضنا: حرمها تحريماً أبدياً لذاتها، لأنها رجس ونجس، وقال بعضنا: حرمها لظرف خاص، وهي أنها لم تكن دخلت في التخميس وقسمة الغنيمة، والأخذ من الغنيمة قبل قسمتها غلول حرام، وفي الرواية السادسة "فقال ناس: إنما نهى عنها رسول الله ﷺ " أي عن أكلها "لأنها لم تخمس، وقال آخرون: نهى عنها البتة" وهناك ناس قالوا قولاً ثالثاً: هو أن التحريم مؤقت: لظرف خاص بهذه الحالة، وهي خشية فناء الحمر، لكثرة ما ذبح منها، وضحت هذا القول الرواية الحادية عشرة، وفيها "إنما نهى عنه رسول الله ﷺ من أجل أنه كان حمولة الناس" بفتح الحاء، أي الذي يحمل متاعهم "فكره أن تذهب حمولتهم" وتشير إلى أن هذا هو السبب الرواية الرابعة عشرة، وقوله "البتة" أي تحريماً قاطعاً لا رجعة فيه، يقال: بت الشيء بتوتاً انقطع، وبت الشيء يبته، بضم الباء، بتا، وبتة، وبتاتاً، قطعه مستأصلاً، ولا أفعله البتة، ولا أفعله بتة، والبتة بهمزة قطع، أي قطعاً لا رجعة فيه. (وأذن في لحوم الخيل) في الرواية السادسة عشرة "أكلنا زمن خيبر الخيل" والخيل جماعة الأفراس، لا واحد له من لفظه، وجمعه أخيال وخيول، وفي الرواية السابعة عشرة "نحرنا فرساً على عهد رسول الله ﷺ ، فأكلناه" وفي رواية للدارقطني "فأكلناه نحن وأهل بيت رسول الله ﷺ ". -[فقه الحديث]- قال النووي: اختلف العلماء في إباحة أكل لحوم الخيل، فمذهب الشافعي والجمهور من السلف والخلف أنه مباح، لا كراهة فيه، وبه قال عبد الله بن الزبير وفضالة بن عبيد وأنس بن مالك وأسماء

стр. 4348

بنت أبي بكر وسويد بن غفلة وعلقمة والأسود وعطاء وشريح وسعيد بن جبير والحسن البصري وإبراهيم النخعي وحماد بن سليمان وأحمد وإسحق وأبو ثور وأبو يوسف ومحمد وداود وجماهير المحدثين وغيرهم، وكرهها طائفة، منهم ابن عباس والحكم ومالك وأبو حنيفة. واحتجوا بقوله تعالى ﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة﴾ [النحل: ٨] ولم يذكر الأكل، وذكر الأكل من الأنعام في الآية التي قبلها، وبحديث صالح بن يحيى بن المقدم عن أبيه عن جده عن خالد بن الوليد "نهى رسول الله ﷺ عن لحوم الخيل والبغال والحمير وكل ذي ناب من السباع" رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من رواية بقية بن الوليد عن صالح بن يحيى. قال النووي: واتفق العلماء من أئمة الحديث وغيرهم على أنه حديث ضعيف، وقال بعضهم: هو منسوخ، قال البخاري: هذا الحديث فيه نظر، وقال البيهقي: هذا إسناد مضطرب، وقال الخطابي: في إسناده نظر، قال: وصالح بن يحيى عن أبيه عن جده لا يعرف سماع بعضهم من بعض، وقال أبو داود: هذا الحديث منسوخ، وقال النسائي: حديث الإباحة أصح. قال: ويشبه إن كان هذا صحيحاً أن يكون منسوخاً. واحتج الجمهور بأحاديث الإباحة التي ذكرها مسلم وغيره، وهي صحيحة صريحة، ولم يثبت في النهي حديث. أما الآية فأجابوا عنها بأن ذكر الركوب والزينة لا يدل على أن منفعتها مختصة بذلك، فإنما خص هذان بالذكر لأنهما معظم المقصود من الخيل، كقوله تعالى ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير﴾ [المائدة: ٣] فذكر اللحم لأنه أعظم المقصود، وقد أجمع المسلمون على تحريم شحمه ودمه وسائر أجزائه، قالوا: ولهذا سكت عن ذكر حمل الأثقال على الخيل، مع قوله تعالى في الأنعام ﴿وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس﴾ [النحل: ٧] ولم يلزم من هذا تحريم حمل الأثقال على الخيل. اهـ ونضيف أن المانعين لأكل الخيل، أو الكارهين لأكلها كثيرون، فقد ذهب بعض الحنفية وبعض المالكية إلى تحريم أكلها، والصحيح عند المحققين منهم التحريم، والمشهور عند المالكية الكراهة، وقال أبو حنيفة في الجامع الصغير: أكره لحم الخيل، فحمله الرازي على التنزيه، وقال: لم يطلق أبو حنيفة فيه التحريم، وليس هو عنده كالحمار الأهلي، وصحح عنه أصحاب المحيط والهداية والذخيرة التحريم، وهو قول أكثرهم، وعن بعضهم: يأثم آكله، ولا يسمى حراماً. واستدل هذا الفريق بما ذكره النووي، وبالآتي: ١ - قال ابن المنير: الشبه الخلقي بين الخيل وبين البغال والحمير يؤكد القول بمنع أكلها، من هذا الشبه هيئتها، وزهومة لحمها، وصفة أرواثها، وأنها لا تجتر، قال: وإذا تأكد الشبه الخلقي التحق به نفي الشبه بالأنعام المتفق على أكلها. وأجاب المبيحون بأن الشبه الخلقي لا يلزم منه الاتفاق في الحكم، لأن الآثار إذا صحت عن

стр. 4349

رسول الله ﷺ أولى بالقبول من النظر والقياس، والأخبار في حل الخيل شبه متواترة، لا سيما وقد أخبر جابر [روايتنا الخامسة عشرة والسادسة عشرة] أنه ﷺ أباح لهم لحوم الخيل في الوقت الذي منعهم فيه من لحوم الحمر، فدل ذلك على اختلاف حكمها، وقد نقل الحل بعض التابعين عن الصحابة، من غير استثناء أحد، فأخرج ابن أبي شيبة بإسناد صحيح على شرط الشيخين عن عطاء قال: لم يزل سلفك يأكلونه. قال ابن جريج: قلت له: أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فقال: نعم. ٢ - كما استدلوا بما أخرجه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق عن ابن عباس بأنه كرهها. وأجاب المبيحون بأن ما روي عن ابن عباس بالكراهة جاء بسندين ضعيفين، بل أخرج الدارقطني بسند قوي عن ابن عباس مرفوعاً مثل حديث جابر، ولفظه "نهى رسول الله ﷺ عن لحوم الحمر الأهلية، وأمر بلحوم الخيل". ثم إن ابن عباس في روايتنا الحادية عشرة توقف في سبب المنع من أكل الحمر، هل كان تحريماً مؤبداً، أو بسبب كونها كانت حمولة الناس؟ وهذا يأتي مثله في الخيل أيضاً، فيبعد أن يثبت عنه القول بتحريم الخيل، والقول بالتوقف في تحريم الحمر الأهلية. ٣ - قال الشيخ محمد بن أبي جمرة: سبب كراهة مالك لأكلها كونها تستعمل غالباً في الجهاد، فلو انتفت الكراهة كثر أكلها، فيفضي إلى فنائها، فيئول إلى النقص من إرهاب العدو الذي وقع الأمر به، في قوله تعالى ﴿ومن رباط الخيل﴾ [الأنفال: ٦٠]. وأجاب المبيحون بأن الكراهة على هذا لسبب خارج، وليس البحث فيه، فإن الحيوان المتفق على إباحته، لو حدث أمر يقتضي أن لو ذبح لأفضى إلى ارتكاب محذور، لامتنع، ولا يلزم من ذلك القول بتحريمه، ولا يلزم من كون أصل الحيوان حلالاً أكله فناؤه بالأكل. ٤ - استدلوا بأنه لو كان أكل الخيل حلالاً لجازت الأضحية بها. وأجاب المبيحون بأنه لا يلزم، فإن حيوان البر مأكول، ولم تشرع الأضحية به. ٥ - قالوا: إن وقوع أكل الخيل في الزمن النبوي كان نادراً، مما يدل على أن أكله كان مكروهاً على الأقل. وأجاب المبيحون بمنع الملازمة، فقد يكون قلة أكلها لقلتها، أو لكثرة وشدة الحاجة إليها، أو أن الانتفاع بها كان أولى من أكلها. ٦ - استدلوا بحديث خالد بن الوليد المخرج في السنن "أن النبي ﷺ نهى يوم خيبر عن لحوم الخيل". ويجيب المبيحون بأنه شاذ منكر، لأن في سياقه أنه شهد خيبر، وهو خطأ، فإنه لم يسلم إلا بعدها على الصحيح، والذي جزم به الأكثر أن إسلامه كان سنة الفتح، وأعل أيضاً بأن في السند راوياً

стр. 4350

مجهولاً، وادعى أبو داود أن حديث خالد بن الوليد منسوخ، ولم يبين ناسخه -وكذا قال النسائي: الأحاديث في الإباحة أصح، وهذا إن صح كان منسوخاً، وكأنه لما تعارض عنده الخبران، ورأى في حديث خالد "نهى" وفي حديث جابر "أذن" حمل الإذن على نسخ التحريم. قال الحافظ ابن حجر: وليس في لفظ "رخص" و"أذن" ما يتعين معه المصير إلى النسخ، بل الذي يظهر أن الحكم في الخيل والبغال والحمير كان على البراءة الأصلية، فلما نهاهم الشارع يوم خيبر عن الحمر والبغال، خشي أن يظنوا أن الخيل كذلك، لشبهها بها، فأذن في أكلها دون الحمير والبغال، والراجح أن الأشياء قبل بيان حكمها في الشرع لا توصف لا بحل ولا حرمة، فلا يثبت النسخ في هذا. قال: ونقل الحازمي أيضاً تقرير النسخ بطريق أخرى، فقال: إن النهي عن أكل الخيل والحمير كان عاماً، من أجل أخذهم لها قبل القسمة والتخميس، ثم بين بندائه بأن لحوم الحمر رجس أن تحريمها لذاتها، وأن النهي عن الخيل إنما كان بسبب ترك القسمة خاصة. قال الحافظ: ويعكر عليه أن الأمر بإكفاء القدور إنما كان بطبخهم فيها الحمر، لا الخيل، فلا يتم مراده. قال: والحق أن حديث خالد -ولو سلم أنه ثابت- لا ينهض معارضاً لحديث جابر الدال على الجواز، وقد وافقه حديث أسماء [روايتنا السابعة عشرة] وقد ضعف حديث خالد أحمد والبخاري وموسى بن هارون والدارقطني والخطابي وابن عبد البر وعبد الحق وآخرون، وجمع بعضهم بين حديث جابر وخالد بأن حديث جابر دال على الجواز في الجملة، وحديث خالد دال على المنع في حالة دون حالة، لأن الخيل في خيبر كانت عزيزة، وكانوا محتاجين إليها للجهاد، فلا يعارض النهي المذكور، ولا يلزمه وصف أكل الخيل بالكراهة المطلقة، فضلاً عن التحريم. ٧ - ووجهوا الاستدلال بقوله تعالى ﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة﴾ بأوجه: أ- أن اللام للتعليل، فدل على أنها لم تخلق لغير ذلك، لأن العلة المنصوصة تفيد الحصر، فإباحة أكلها تقتضي خلاف ظاهر الآية. ويجيب المبيحون بأننا لو سلمنا أن اللام للتعليل لم نسلم إفادة الحصر في الركوب والزينة، فإنه ينتفع بالخيل في غيرها، وفي غير الأكل اتفاقاً، وإنما ذكر الركوب والزينة لكونهما أغلب ما تطلب له الخيل. ب- عطف البغال والحمير على الخيل، فدل على اشتراكها معها في حكم التحريم، فيحتاج من أفرد حكمها عن حكم ما عطفت عليه إلى دليل. ويجيب المبيحون بأن دلالة العطف إنما هي دلالة اقتران، وهي ضعيفة. ج- أن الآية سيقت مساق الامتنان، فلو كانت ينتفع بها في الأكل، لكان الامتنان به أعظم، لأنه يتعلق به بقاء البنية بغير واسطة، والحكيم لا يمتن بأدنى النعم، ويترك أعلاها، ولا سيما وقد وقع الامتنان بالأكل في المذكورات قبلها. ويجيب المبيحون بأن الامتنان إنما قصد به غالباً ما كان يقع به انتفاعهم بالخيل، فخوطبوا بما

стр. 4351

ألفوا وعرفوا، ولم يكونوا يعرفون أكل الخيل، لعزتها في بلادهم، بخلاف الأنعام، فإن أكثر انتفاعهم بها كان لحمل الأثقال وللأكل، فاقتصر في كل من الصنفين على الامتنان بأغلب ما ينتفع به، فلو لزم من ذلك الحصر في هذا الشق للزم مثله في الشق الآخر. ٨ - أعل بعض الحنفية حديث جابر، بما نقله عن ابن إسحق أنه لم يشهد خيبر، وأجاب الحافظ ابن حجر بأن ذلك ليس بعلة، لأن غايته أن يكون مرسل صحابي. ٩ - زعم بعضهم أن حديث أسماء [روايتنا السابعة عشرة] ليس فيه أن النبي ﷺ اطلع على ذلك. ويجيب المبيحون بأن لفظ رواية الدارقطني "فأكلناه نحن وأهل بيت رسول الله ﷺ " مما يفيد علم رسول الله ﷺ ، ومع أن ذلك لو لم يرد لم يظن بآل أبي بكر أنهم يقدمون على فعل شيء في زمن النبي ﷺ ، إلا وعندهم العلم بجوازه، لشدة اختلاطهم بالنبي ﷺ ، وعدم مفارقتهم له، هذا مع توفر داعية الصحابة إلى سؤاله عن الأحكام، ومن ثم كان الراجح أن الصحابي إذا قال: كنا نفعل كذا على عهد النبي ﷺ كان له حكم الرفع، لأن الظاهر اطلاع النبي ﷺ على ذلك وتقريره، وإذا كان ذلك في مطلق الصحابي، فكيف بآل أبي بكر الصديق؟ أما لحوم الحمر الأهلية فقال النووي: اختلف العلماء في المسألة، فقال الجماهير من الصحابة والتابعين ومن بعدهم بتحريم لحومها، لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة، وقال ابن عباس: ليست بحرام، وعن مالك ثلاث روايات: أشهرها أنها مكروهة كراهية تنزيه شديدة، والثانية أنها حرام، والثالثة أنها مباحة، والصواب التحريم، كما قاله الجماهير، للأحاديث الصريحة. قال: وأما الحديث المذكور في سنن أبي داود عن غالب بن أبجر قال: أصابتنا سنة، فلم يكن في مالي شيء، أطعم أهلي، إلا شيء من حمر، وقد كان رسول الله ﷺ حرم لحوم الحمر الأهلية، فأتيت النبي ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، أصابتنا السنة، فلم يكن في مالي ما أطعم أهلي إلا سمان حمر، وإنك حرمت لحوم الحمر الأهلية؟ فقال: أطعم أهلك من سمين حمرك، فإنما حرمتها من أجل جوال القرية" يعني بالجوال التي تأكل الجلة، وهي العذرة. قال النووي: فهذا الحديث مضطرب، مختلف الإسناد شديد الاختلاف، ولو صح حمل على الأكل منها في حال الاضطرار. وروى البخاري عن عمرو بن دينار قال: قلت لجابر بن زيد أبي الشعثاء: يزعمون أن رسول الله ﷺ نهى عن حمر الأهلية؟ فقال: قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة، ولكن أبى ذلك البحر ابن عباس، وقرأ ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرماً .... ﴾ وفي رواية ابن مردويه وصححه الحاكم عن ابن عباس، قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء، ويتركون أشياء تقذراً، فبعث الله نبيه، وأنزل كتابه، وأحل حلاله، وحرم حرامه، فما أحل فيه فهو حلال، وما حرم فيه فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، وتلا هذه الآية ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرماً .... ﴾ إلى آخرها. قال الحافظ ابن حجر: والاستدلال بهذه الآية للحل إنما يتم فيما لم يأت فيه نص عن النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 4352

بتحريمه، وقد تواردت الأخبار بذلك، والتنصيص على التحريم مقدم على عموم التحليل، وعلى القياس، وقد ورد عن ابن عباس أنه توقف في النهي عن الحمر، هل كان لمعنى خاص؟ أو للتأبيد [روايتنا الحادية عشرة] وهذا التردد أصح من الخبر الذي جاء عنه بالجزم بالعلة المذكورة. وقال الحافظ ابن حجر: وقد أزال احتمالات كونها لم تخمس، أو كانت جلالة، أو مخافة قلة الظهر حديث أنس [روايتنا الثالثة عشرة والرابعة عشرة] حيث جاء فيه "فإنها رجس" وكذا الأمر بغسل الإناء في حديث سلمة [روايتنا الثانية عشرة] قال القرطبي: قوله "فإنها رجس" ظاهر في عود الضمير على الحمر، لأنها المتحدث عنها، المأمور بإكفائها من القدور وغسلها، وهذا حكم المتنجس، فيستفاد منه تحريم أكلها، وهو دال على تحريمها لعينها، لا لمعنى خارج، وقال ابن دقيق العيد: الأمر بإكفاء القدور ظاهر أنه سبب تحريم لحم الحمر، وقد وردت علل أخرى، إن صح رفع شيء منها وجب المصير إليه، لكن لا مانع أن يعلل الحكم بأكثر من علة، وحديث أبي ثعلبة [روايتنا الثانية] صريح في التحريم، فلا معدل عنه. وأما التعليل بخشية قلة الظهر فأجاب عنه الطحاوي بالمعارضة بالخيل، فإن في حديث جابر [روايتنا الخامسة عشرة والسادسة عشرة] النهي عن الحمر، والإذن في الخيل، مقروناً، فلو كانت العلة لأجل الحمولة لكانت الخيل أولى بالمنع، لقلتها عندهم، وعزتها، وشدة حاجتهم إليها. والجواب عن آية الأنعام ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرماً .... ﴾ أنها مكية، وخبر التحريم متأخر جداً، فهو مقدم. وأيضاً فنص الآية خبر عن الحكم الموجود عند نزولها، فإنه حينئذ لم يكن نزل في تحريم المأكول إلا ما ذكر فيها، وليس فيها ما يمنع أن ينزل بعد ذلك غير ما فيها، وقد نزل بعدها في المدينة أحكام بتحريم أشياء غير ما ذكر فيها، كالخمر، في آية المائدة، وفيها أيضاً تحريم ما أهل لغير الله به، والمنخنقة ... إلخ، وكتحريم السباع والحشرات، قال النووي: قال بتحريم الحمر الأهلية أكثر العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، ولم نجد عن أحد من الصحابة في ذلك خلافاً لهم إلا عن ابن عباس. قال الحافظ ابن حجر: وأما الحديث الذي أخرجه الطبراني عن أم نصر المحاربية "أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ عن الحمر الأهلية؟ فقال: أليس ترعى الكلأ؟ وتأكل الشجر؟ قال: نعم. قال: فأصب من لحومها" وأخرجه ابن أبي شيبة بسند آخر، لكن في السندين مقال، ولو ثبتا احتمل أن يكون قبل التحريم. والله أعلم. -[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]- ١ - من الرواية الأولى تحريم نكاح المتعة، وقد سبق شرح أحاديثه وإيضاح أحكامه، في أوائل كتاب النكاح تحت باب نكاح المتعة. ٢ - ومن الرواية الثانية عشرة وجوب غسل ما أصابته النجاسة.

стр. 4353

٣ - وأن الإناء المتنجس يطهر بغسله مرة واحدة، ولا يحتاج إلى سبع، إذا كانت غير نجاسة الكلب والخنزير وما تولد من أحدهما. قال النووي: وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور، وعند أحمد: يجب سبع في الجميع على أشهر الروايتين عنه، وموضع الدلالة أن النبي ﷺ أطلق الأمر بالغسل، ويصدق ذلك على مرة، ولو وجبت الزيادة لبينها، فإن في المخاطبين من هو قريب العهد بالإسلام، ومن هنا معناه لا يفهم من الأمر بالغسل إلا مقتضاه عند الإطلاق، وهو مرة. ٤ - وأنه إذا غسل الإناء المتنجس فلا بأس باستعماله، وأما أمره ﷺ أولا بكسر القدور فيحتمل أنه كان بوحي، أو باجتهاد، ثم نسخ، وتعين الغسل، قال النووي: ولا يجوز اليوم الكسر، لأنه إتلاف مال، وقد سبق قريباً توضيح حكم استعمال آنية الكفار في أول باب من كتاب الصيد. ٥ - وفي الحديث أن الذكاة لا تطهر ما لا يحل أكله. ٦ - وأن الأصل في الأشياء الإباحة، لكون الصحابة أقدموا على ذبحها وطبخها، كسائر الحيوان من قبل أن يستأمروا، مع توفر دواعيهم على السؤال عما يشكل. ٧ - وأنه ينبغي لأمير الجيش تفقد أحوال رعيته، ومن رآه فعل ما لا يسوغ في الشرع أشاع منعه، إما بنفسه كأن يخاطبهم، وإما بغيره، بأن يأمر منادياً فينادي، لئلا يغتر به من رآه، فيظنه جائزاً. ٨ - ومن الرواية السادسة عشرة أن حمر الوحش حلال لحمها. ٩ - عن قوله في الرواية السابعة عشرة "نحرنا فرساً" مع رواية البخاري "ذبحنا فرساً" قال النووي: يجوز ذبح المنحور، ونحر المذبوح، وهو مجمع عليه، وإن كان فاعله مخالفاً الأفضل، قال: ويجمع بين الروايتين بأنهما قضيتان، فمرة نحروها، ومرة ذبحوها، ويجوز أن تكون قضية واحدة، ويكون أحد اللفظين مجازاً، والصحيح الأول، لأنه لا يصار إلى المجاز إلا إذا تعذرت الحقيقة، والحقيقة غير متعذرة، بل في الحمل على الحقيقة فائدة مهمة، كما سبق. والله أعلم

стр. 4354

(٥٤٢) باب إباحة الضب ٤٤٠٠ - عن ابن عمر ﵄ قال: سئل النبي ﷺ عن الضب. فقال: "لست بآكله ولا محرمه". ٤٤٠١ - عن ابن عمر ﵄ قال: سأل رجل رسول الله ﷺ عن أكل الضب. فقال: "لا آكله ولا أحرمه". ٤٤٠٢ - عن ابن عمر ﵄ قال: سأل رجل رسول الله ﷺ وهو على المنبر عن أكل الضب. فقال: "لا آكله ولا أحرمه". ٤٤٠٣ - ، ٥ عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ في الضب. بمعنى حديث الليث عن نافع. غير أن حديث أيوب: أتي رسول الله ﷺ بضب فلم يأكله ولم يحرمه. وفي حديث أسامة قال: قام رجل في المسجد ورسول الله ﷺ على المنبر. ٤٤٠٤ - عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ كان معه ناس من أصحابه، فيهم سعد، وأتوا بلحم ضب. فنادت امرأة من نساء النبي ﷺ إنه لحم ضب. فقال رسول الله ﷺ : "كلوا فإنه حلال، ولكنه ليس من طعامي".

стр. 4355

٤٤٠٥ - عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: دخلت أنا وخالد بن الوليد مع رسول الله ﷺ بيت ميمونة. فأتي بضب محنوذ، فأهوى إليه رسول الله ﷺ بيده. فقال بعض النسوة اللاتي في بيت ميمونة: أخبروا رسول الله ﷺ بما يريد أن يأكل. فرفع رسول الله ﷺ يده. فقلت: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: "لا ولكنه لم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه". قال خالد: فاجتررته فأكلته، ورسول الله ﷺ ينظر. ٤٤٠٦ - عن عبد الله بن عباس ﵄ أن خالد بن الوليد -الذي يقال له سيف الله- اخبره أنه دخل مع رسول الله ﷺ على ميمونة زوج النبي ﷺ -وهي خالته وخالة ابن عباس- فوجد عندها ضباً محنوذاً. قدمت به أختها حفيدة بنت الحارث من نجد. فقدمت الضب لرسول الله ﷺ . وكان قلما يقدم إليه طعام حتى يحدث به ويسمى له. فأهوى رسول الله ﷺ يده إلى الضب. فقالت امرأة من النسوة الحضور: اخبرن رسول الله ﷺ بما قدمتن له. قلن: هو الضب يا رسول الله. فرفع رسول الله ﷺ يده. فقال خالد بن الوليد: أحرام الضب يا رسول الله؟ قال: "لا ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه". قال خالد: فاجتررته فأكلته، ورسول الله ينظر فلم ينهني. ٤٤٠٧ - عن ابن عباس ﵄ أنه أخبره، أن خالد بن الوليد أخبره، أنه دخل مع رسول الله ﷺ على ميمونة بنت الحارث -وهي خالته- فقدم إلى رسول الله ﷺ لحم ضب، جاءت به أم حفيد بنت الحارث من نجد. وكانت تحت رجل من بني جعفر. وكان رسول الله ﷺ لا يأكل شيئاً حتى يعلم ما هو. ثم ذكر بمثل حديث يونس، وزاد في آخر الحديث: وحدثه ابن الأصم عن ميمونة، وكان في حجرها. ٤٤٠٨ - وفي رواية عن ابن عباس ﵄ قال: أتي النبي ﷺ ونحن في بيت ميمونة بضبين مشويين. بمثل حديثهم، ولم يذكر يزيد بن الأصم عن ميمونة.

стр. 4356

٤٤٠٩ - وفي رواية عن ابن عباس ﵄ قال: أتي رسول الله ﷺ وهو في بيت ميمونة، وعنده خالد بن الوليد بلحم ضب. فذكر بمعنى حديث الزهري. ٤٤١٠ - عن ابن عباس ﵄ قال: أهدت خالتي أم حفيد إلى رسول الله ﷺ سمناً وأقطاً وأضباً. فأكل من السمن والأقط. وترك الضب تقذراً. وأكل على مائدة رسول الله ﷺ . ولو كان حراماً ما أكل على مائدة رسول الله ﷺ . ٤٤١١ - عن يزيد بن الأصم قال: دعانا عروس بالمدينة، فقرب إلينا ثلاثة عشر ضباً، فآكل وتارك. فلقيت ابن عباس من الغد، فأخبرته: فأكثر القوم حوله، حتى قال بعضهم: قال رسول الله ﷺ : "لا آكله ولا أنهى عنه ولا أحرمه". فقال ابن عباس: بئس ما قلتم. ما بعث نبي الله ﷺ إلا محلاً ومحرماً. إن رسول الله ﷺ بينما هو عند ميمونة، وعنده الفضل بن عباس، وخالد بن الوليد، وامرأة أخرى، إذ قرب إليهم خوان عليه لحم. فلما أراد النبي ﷺ أن يأكل، قالت له ميمونة: إنه لحم ضب. فكف يده، وقال: "هذا لحم لم آكله قط" وقال لهم: "كلوا" فأكل منه الفضل وخالد بن الوليد والمرأة. وقالت ميمونة: لا آكل من شيء إلا شيء يأكل منه رسول الله ﷺ . ٤٤١٢ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: أتي رسول الله ﷺ بضب. فأبى أن يأكل منه، وقال: "لا أدري لعله من القرون التي مسخت". ٤٤١٣ - عن أبي الزبير قال: سألت جابراً عن الضب. فقال: لا تطعموه وقذره. وقال: قال عمر بن الخطاب: إن النبي ﷺ لم يحرمه. إن الله ينفع به غير واحد. فإنما طعام عامة الرعاء منه. ولو كان عندي طعمته. ٤٤١٤ - عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رجل: يا رسول الله، إنا بأرض مضبة، فما تأمرنا، أو فما تفتينا؟ قال: "ذكر لي أن أمة من بني إسرائيل مسخت" فلم يأمر ولم ينه. قال

стр. 4357

أبو سعيد: فلما كان بعد ذلك، قال عمر: إن الله لينفع به غير واحد، وإنه لطعام عامة هذه الرعاء، ولو كان عندي لطعمته، إنما عافه رسول الله ﷺ . ٤٤١٥ - عن أبي سعيد ﵁ أن أعرابياً أتى رسول الله ﷺ فقال: إني في غائط مضبة، وإنه عامة طعام أهلي. قال: فلم يجبه. فقلنا: عاوده. فعاوده. فلم يجبه، ثلاثاً. ثم ناداه رسول الله ﷺ في الثالثة. فقال: "يا أعرابي، إن الله لعن أو غضب على سبط من بني إسرائيل، فمسخهم دواب يدبون في الأرض. فلا أدري لعل هذا منها. فلست آكلها ولا أنهى عنها". -[المعنى العام]- خلق الله الإنسان، وأسكنه الأرض، واستخلفه عليها، وسخر له ما فيها، سخر له ما فيها لينتفع به، أكلاً، أو شرباً، أو سكناً، أو لباساً، أو متعة بأنواع المتع المختلفة، وكما خلق الله الخير والشر في الكون، خلق بعض المخلوقات ليخوف بها عباده، وخلق بعض المأكولات الضارة، بجوار المأكولات النافعة، ليختبر البشر، بالإقبال على ما هو نافع، والابتعاد عما هو ضار، وكان من مهام الرسول الخاتم ﷺ أن يحل للبشرية الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث. ولما كانت النفوس مختلفة من حيث الإقبال والنفور على المطعوم والمشروب، كان لكل مجموعة مطاعمها ومشاربها التي قد تنفر منها المجموعة الأخرى، وكان للإلف والعرف والعادة أثر كبير في القبول أو النفور، فبعض البلاد تعتز بالجراد، وتعتبره الأكلة المفضلة، وبعضها لا يتقبل رؤيته على المائدة، ولا دخل للحل والحرمة في مثل هذا فقد تتقزز نفس من حلال، ولا تتقزز منه نفس أخرى. ومن هذا القبيل -ما نحن فيه- الضب حيوان، أو دويبة من جنس الزواحف، قصير الأرجل جداً، حتى كأنه يزحف على بطنه، لا يزيد وزنه عن كيلو جرام واحد، يسكن الجبال غالباً في الجحور، وله شبيه في البيوت المهجورة والخربات ويزحف على الحوائط، وهو ما يعرف في مصر (بالبرص) أو (السحلية) وفي سواحل الشام (بالسفاية) غير أنه غليظ الجسم خشنه، حتى شبهه بعضهم بالفأر، لغلظ بطنه، له ذنب عريض حرش معقد، لحمه طري لزج، تعافه كثير من النفوس، وتأكله نفوس تعيش غالباً في البوادي والصحاري دون غضاضة أو نفور، وتعافه نفوس أهل الحضر، وسكان المدن. حفيدة أخت ميمونة زوج الرسول ﷺ جاءت من صحراء نجد إلى المدينة، فأهدت أختها ميمونة عدداً من هذا الضب، فقامت ميمونة وأختها بشيه على النار، حتى نضج، وقدم إلى رسول الله ﷺ ومعه من أصحابه عبد الله بن عباس والفضل بن عباس وخالد بن الوليد وسعد بن أبي وقاص وبجواره

стр. 4358

شيء من اللبن والسمن، فأهوى رسول الله ﷺ يده إلى إناء الضب، على أنه لحم مما يقدم إليه عادة، وفاته أن يسأل عن نوع هذا اللحم، ولا عن مصدره، كما كان يسأل عادة، وكانت زوجه ميمونة تعلم أن هذا اللحم غير مألوف لسكان المدينة ولا مكة، وتوقعت أن نفس الرسول ﷺ ستعافه، إذا علم حقيقته، فنادت من داخل البيت: أخبروا رسول الله ﷺ بما قدم له من لحم، فلما لم تسمع من يخبره بذلك قالت: إنه الضب يا رسول الله، فرفع رسول الله ﷺ يده، وأحجم عن أكله، قال له خالد بن الوليد: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: لا، ولكنه ليس مألوفاً لي، وليس بأرض قومي، فنفسي تعافه. كلوا. أنا لا أحرمه، لكنني لا آكله، فهجم عليه خالد بن الوليد، وأكل منه بشهوة، كما أكل معه الفضل وحفيدة، وامتنعت من أكله أم المؤمنين ميمونة، وقالت: أنا لا آكل من شيء لا يأكل منه رسول الله ﷺ . -[المباحث العربية]- (سئل النبي ﷺ عن الضب) أي عن أكل الضب، وفي الرواية الثانية "سأل رجل رسول الله ﷺ عن أكل الضب" وفي الرواية الثالثة "سأل رجل رسول الله ﷺ -وهو على المنبر- عن أكل الضب" وفي الرواية الخامسة "قام رجل في المسجد، ورسول الله ﷺ على المنبر" قال الحافظ ابن حجر: هذا السائل يحتمل أن يكون خزيمة بن جزء، فقد أخرج ابن ماجه من حديثه "قلت: يا رسول الله، ما تقول؟ فقال: لا آكله، ولا أحرمه. قال: قلت: فإني آكل ما لم تحرمه". أما الرجل المبهم في الرواية الرابعة عشرة والخامسة عشرة، فيمكن أن يفسر بثابت بن وديعة، فقد أخرج أبو داود والنسائي من حديثه، قال: "أصبت ضبابا، فشويت منها ضباً، فأتيت به رسول الله ﷺ ، فقال: إن أمة من بني إسرائيل مسخت دواب ... ". و"الضب" دويبة تشبه الجرذون، قال الحافظ ابن حجر: لكنه أكبر من الجرذون، ويكنى أبا حل، بكسر الحاء وسكون اللام، ويقال للأنثى ضبة، وذكر ابن خالويه: أن الضب يعيش سبعمائة سنة، وأنه لا يشرب الماء، ويبول في كل أربعين يوماً قطرة، ولا يسقط له سن، ويقال: بل أسنانه قطعة واحدة، وحكي غيره أن أكل لحمه يذهب العطش، ومن الأمثال "لا أفعل كذا حتى يرد الضب" يقوله من أراد أن لا يفعل الشيء، لأن الضب لا يرد الماء، بل يكتفي بالنسيم وبرد الهواء، ولا يخرج من جحره في الشتاء. والجرذون، والجرذ بضم الجيم وفتح الراء الكبير من الفئران، وجمعه جرذان بضم الجيم وكسرها مع سكون الراء. وفي كتب اللغة: الضب حيوان من جنس الزواحف، من رتبة العظاء المعروفة في مصر بالسحلية، وفي سواحل الشام بالسافية، ومن أنواعها الضب، وسوام أبرص غليظ الجسم، خشنه، وله ذنب عريض حرش أعقد، يكثر في صحاري الأقطار العربية، وصورتها في كتب اللغة تشبه العظاءة، ولا تشبه الجرذون، كما قال الحافظ ابن حجر. (لست بآكله، ولا محرمه) بضم الميم وفتح الحاء وتشديد الراء المكسورة، معطوف على

стр. 4359

"آكله" والباء زائدة، داخلة على خبر "ليس" لتأكيد النفي، وفي الرواية الثانية والثالثة "لا آكله" وفي الرواية الحادية عشرة "لا آكله، ولا أنهى عنه، ولا أحرمه". (أتي النبي ﷺ بضب، فلم يأكله، ولم يحرمه) "أتي" بضم الهمزة وكسر التاء، مبني للمجهول، وهو إشارة إلى القصة الواردة في الروايات السادسة وما بعدها، وكذلك "أتي" في الرواية الثانية عشرة، وأما قوله فيها "لا أدري ... إلخ" فهو في مقام آخر، وقصة أخرى، جمعها الراوي، إذ لم يثبت أن النبي ﷺ قدم له الضب إلا مرة واحدة. نعم في ملحق الرواية التاسعة "أتي بضبين مشويين" والمقصود من الضب بالإفراد الجنس، فلا يتعارض مع التثنية، ولا مع الجمع "أضبا" بفتح الهمزة وضم الضاد، الوارد في الرواية العاشرة، وفي الرواية السابعة "فأتي بضب محنوذ" بسكون الحاء: أي مشوي، وقيل: نضج، وقيل: مشوي في الرضف، أي الحجارة المحماة، وقيل: الذي يقطر ماؤه بعد أن يشوى. (عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ كان معه ناس من أصحابه، فيهم سعد) بن أبي وقاص، ولم يكن ابن عمر معهم، ولم يشهد الحادثة، فالظاهر أنه نقلها عن أحدهم، فهو مرسل صحابي، وكذا روايته الرابعة، وفي الرواية السابعة "عن ابن عباس ﵄ قال: دخلت أنا وخالد بن الوليد مع رسول الله ﷺ بيت ميمونة" وهي ظاهرة في أنها من مسند ابن عباس، وكذا الرواية العاشرة، أما الرواية الثامنة والتاسعة، ولفظها "عن ابن عباس أن خالد بن الوليد أخبره أنه دخل .... إلخ" فظاهرها أنه من مسند خالد بن الوليد. قال الحافظ ابن حجر: والجمع بين هذه الروايات أن ابن عباس كان حاضراً للقصة في بيت خالته ميمونة، كما صرح به في إحدى الروايات [روايتنا السابعة] وكأنه استثبت خالد بن الوليد في شيء منه، لكونه الذي كان باشر السؤال عن حكم الضب، وباشر أكله أيضاً، فكان ابن عباس ربما رواه عنه. اهـ وفي الرواية الحادية عشرة "بينما هو عند ميمونة، وعنده الفضل بن عباس وخالد بن الوليد وامرأة أخرى" والظاهر أنها حفيدة بنت الحارث، بضم الحاء وفتح الفاء، ففي الرواية الثامنة "قدمت به أختها حفيدة بنت الحارث من نجد" وفي الرواية التاسعة "جاءت به أم حفيد بنت الحارث من نجد، وكانت تحت رجل من بني جعفر" وفي الرواية العاشرة "أهدت خالتي أم حفيد إلى رسول الله ﷺ سمناً وأقطاً وأضباً" أي أهدت إليه في بيت ميمونة أختها، فقدم إليه، فظاهر هذه الروايات أن الذين حضروا الوليمة مع رسول الله ﷺ خالد بن الوليد وعبد الله بن العباس والفضل بن العباس وسعد بن أبي وقاص وحفيدة وميمونة، فميمونة خالة عبد الله بن عباس وأخيه الفضل، وأمهما لبابة الكبرى بنت الحارث، وخالة خالد بن الوليد، وأمه لبابة الصغرى بنت الحارث، فالأربع أخوات، والدهن الحارث، قال النووي: في بعض النسخ "أم حفيدة" وفي بعضها "أم حميد" بالحاء، وفي بعضها "حميدة" وكله بضم الحاء مصغر، قال القاضي وغيره: والأصوب والأشهر "أم حفيد" بلا هاء، واسمها هزيلة، وكذا ذكرها ابن عبد البر وغيره في الصحابة.

стр. 4360

(فنادت امرأة من نساء النبي ﷺ : إنه لحم ضب) في الرواية السابعة "فأهوى إليه رسول الله ﷺ بيده، فقال بعض النسوة اللائي في بيت ميمونة: أخبروا رسول الله ﷺ بما يريد أن يأكل، فرفع رسول الله ﷺ يده" وفي الرواية الثامنة "وكان قلما يقدم إليه طعام حتى يحدث به، ويسمى له، فأهوى رسول الله ﷺ يده إلى الضب، فقالت امرأة من النسوة الحضور: أخبرن رسول الله ﷺ بما قدمتن له. قلن: هو الضب يا رسول الله، فرفع رسول الله ﷺ يده" والحضور جمع حاضر، ووصف النسوة بالحضور، وهو مذكر، لما سبق من أن جمع التكسير نعته من حيث التذكير والتأنيث حكمه حكم الفعل، أي يجوز تذكيره وتأنيثه، قال تعالى ﴿وقال نسوة في المدينة﴾ [يوسف: ٣٠] قال النووي: كذا هو في جميع النسخ "الحضور" وقال الحافظ ابن حجر: كذا وقع بلفظ جمع المذكر، وكأنه باعتبار الأشخاص، وفي الرواية الحادية عشرة "إذ قرب إليهم خوان، عليه لحم، فلما أراد النبي ﷺ أن يأكل قالت له ميمونة: إنه لحم ضب، فكف يده" فكأن ميمونة أرادت أن غيرها يخبره ﷺ ، فلما لم يخبروه، ورأت يده تهوى إلى الضب، بادرت هي، فأخبرت. وأما أنه ﷺ كان يسأل عما يقدم إليه ما لا يعلم حقيقته، لأن العرب كانت لا تعاف شيئاً من المآكل، لقلتها عندهم، وكان ﷺ قد يعاف بعض الشيء، فلذلك كان يسأل، وقيل: يحتمل أن يكون سبب السؤال أنه ﷺ لم يكن يكثر الإقامة في البادية، فلم يكن له خبرة بكثير من الحيوانات، أو لأن الشرع ورد بتحريم بعض الحيوانات، وإباحة بعضها، وكانوا لا يحرمون منها شيئاً، وربما أتوا به مشوياً أو مطبوخاً، فلا يتميز عن غيره إلا بالسؤال عنه، وكان أزواجه ﵅ يعلمن عنه ذلك، فلما لم يسأل، وأهوى يده إلى الضب أخبرته ميمونة، وهذه القضية من باب القليل، الذي فاته أن يسأل عنه، فالرواية التاسعة، ولفظها "وكان رسول الله ﷺ لا يأكل شيئاً حتى يعلم ما هو؟ " معناها في الغالب الكثير، وهذا من القليل، أو هو لم يأكل ﷺ ، وإن هم بالأكل. (وحدثه ابن الأصم عن ميمونة، وكان في حجرها) يعني في بيتها وحمايتها. (سمناً وأقطاً وأضباً) "الأقط" بفتح الهمزة وكسر القاف، وقد تسكن، هو جبن اللبن المستخرج زبده، وقال ابن الأثير: الأقط لبن مجفف يابس مستحجر، يطبخ به، أي بعد أن يعركوه بالماء السخن في الأواني الخزف، حتى ينحل، ويصير كاللبن، ثم يطبخون به ما شاءوا من الأطعمة التي يطبخونها باللبن، والأضب بفتح الهمزة وضم الضاد جمع ضب. (فقلت: أحرام هو يا رسول الله؟ ) وفي الرواية الثامنة "أحرام الضب يا رسول الله"؟ (قال: لا. ولكنه لم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه) "لا" أي ليس حراماً، قال الحافظ ابن حجر: قال ابن العربي: اعترض بعض الناس على هذه اللفظة "لم يكن بأرض قومي" بأن الضب كثير بأرض الحجاز. قال ابن العربي: فإن كان أراد تكذيب الخبر فقد كذب هو، فإنه ليس بأرض الحجاز منها شيء، أو ذكرت له بغير اسمها، أو حدثت بعد ذلك، وكذا أنكر ابن عبد البر ومن تبعه أن

стр. 4361

يكون ببلاد الحجاز شيء من الضباب، قال الحافظ ابن حجر: ولا يحتاج إلى شيء من هذا، بل المراد بقوله ﷺ "بأرض قومي" قريشاً فقط، فيختص النفي بمكة وما حولها، ولا يمنع ذلك أن تكون موجودة بسائر بلاد الحجاز، قال الحافظ: وقد وقع في رواية يزيد بن الأصم عند مسلم [روايتنا الحادية عشرة] "دعانا عروس بالمدينة، فقرب إلينا ثلاثة عشر ضباً، فآكل وتارك" الحديث، فهذا يدل على كثرة وجودها بتلك الديار. اهـ وفي كلام الحافظ هذا نظر، فوجود مائة من الضباب على مائدة بالمدينة لا يلزم منه وجود ضب واحد في جحور أراضيها، فقد يكون مجلوباً من نجد، كما قدمت به حفيدة، وأما قصره النفي على مكة وما حولها فمنتقض بأن النبي ﷺ عاش زمناً طويلاً في المدينة، وتنقل في غزواته في الجزيرة العربية، فالأولى أن يقال: "إن المعنى: لم يكن مألوفاً أكله بأرض قومي، أو ليس كثيراً بأرض قومي، وليس بلازم أن يكون متعلق الجار والمجرور "بأرض قومي" كوناً عاماً. وفي الرواية السادسة "كلوا. فإنه حلال، ولكنه ليس من طعامي" وفي الرواية الحادية عشرة "هذا لحم لم آكله قط"، ومعنى "أعافه" أكره أكله، وفي رواية "فتركهن النبي ﷺ كالمتقذر لهن" وفي روايتنا العاشرة "فأكل من السمن والأقط، وترك الضب تقذراً". (قال خالد: فاجتررته، فأكلته، ورسول الله ﷺ ينظر) يقال: اجتر الشيء إذا جذبه، أي فجذبته من الإناء، فأكلته، قال الحافظ ابن حجر: "فاجتررته" بجيم وراءين، هذا هو المعروف في كتب الحديث، وضبطه بعض شراح المهذب بزاي قبل الراء، وقد غلطه النووي. اهـ ويحتمل أنه غلطه رواية، فهو مقبول المعنى، يقال: جزر الشيء قطعه، أي فقطعته في الإناء، فأكلته. وفي الرواية الثامنة "ورسول الله ﷺ ينظر، فلم ينهني" ولا يلزم من هذا أن يكون خالد قد أكل كل الضباب المقدمة وحده، ففي الرواية الحادية عشرة "فأكل الفضل وخالد بن الوليد والمرأة، وقالت ميمونة: لا آكل من شيء إلا شيء يأكل منه رسول الله ﷺ " والمستثنى "إلا شيء" ضبطناه مجروراً، بدلاً من "شيء" المستثنى منه، ويجوز في غير الرواية نصبه على الاستثناء، فالكلام تام منفي. وواضح من الرواية من أكل من الحاضرين، ومفهومها أن عبد الله بن عباس وسعداً لم يأكلا أيضاً. (دعانا عروس بالمدينة) يعني رجلاً تزوج قريباً، والعروس يقع على المرأة والرجل، والمراد بالمدينة مدينة الرسول ﷺ . (فآكل وتارك) أي فبعض المدعوين آكل من الضب، وبعضهم تارك أكله. (فأكثر القوم حوله) أي كثروا وتجمعوا حوله، أو أكثروا الخوض في حكم أكل الضب. (فقال ابن عباس: بئسما قلتم) قال ابن العربي: ظن ابن عباس أن الذي أخبر بقوله ﷺ "لا آكله" أراد "لا أحله" فأنكر عليه، لأن خروجه من قسم الحلال والحرام محال، قال الحافظ ابن حجر: وتعقبه شيخنا في شرح الترمذي بأن الشيء إذا لم يتضح إلحاقه بالحلال أو الحرام يكون من الشبهات، فيكون من حكم الشيء قبل ورود الشرع، والأصح -كما قال النووي- أنه لا يحكم عليها بحل ولا حرمة.

стр. 4362

قال الحافظ ابن حجر: ثم وجدت في الحديث زيادة لفظة سقطت من رواية مسلم، وبها يتجه إنكار ابن عباس، ويستغنى عن تأويل ابن العربي: "لا آكله" و"لا أحله" وذلك أن أبا بكر بن أبي شيبة وهو شيخ مسلم فيه، أخرجه في مسنده بالسند الذي ساق به عند مسلم، فقال في روايته "لا أكله، ولا أنهى عنه، ولا أحله، ولا أحرمه" ولعل مسلماً حذفها عمداً لشذوذها، لأن ذلك لم يقع في شيء من الطرق، لا في حديث ابن عباس ولا غيره، وأشهر من روي عن النبي ﷺ "لا آكله ولا أحرمه" رواية ابن عمر، وليس في حديثه "لا أحله" بل جاء التصريح عنه بأنه حلال، فلم تثبت هذه اللفظة، وهي قوله "لا أحله" لأنها وإن كانت من رواية يزيد بن الأصم، وهو ثقة، لكنه أخبر بها عن قوم، كانوا عند ابن عباس، فكانت رواية عن مجهول، ولم يقل يزيد بن الأصم: إنهم كانوا صحابة، حتى يغتفر عدم تسميتهم. (لا تطعموه، قذره) قول جابر: "لا تطعموه" ميل منه أن يعافه أصحابه، ولا يقصد بذلك التحريم أو الكراهة، بل لأنه قذر منظراً، وقوله "وقذره" الواو استئنافية، و"قذره" بفتح القاف وكسر الذال وفتح الراء، فعل ماض، يقال: قذر الشيء بكسر الذال يقذره، بفتح الذال، وجده قذراً، وكرهه لوسخه، ويقال: قذر الشيء بفتح الذال، يقذره بضمها، جعله قذراً، كقذره بتشديد الذال. (لعله من القرون التي مسخت) في الرواية الرابعة عشرة "ذكر لي أن أمة من بني إسرائيل مسخت" وفي الرواية الخامسة عشرة "إن الله لعن -أو غضب على سبط" أي قبيلة "من بني إسرائيل، فمسخهم دواب، يدبون في الأرض، فلا أدري، لعل هذا منها" قال النووي: أما "يدبون" فبكسر الدال، وأما "دواب" فكذا وقع في بعض النسخ، ووقع في أكثرها "دواباً" بالألف، والأول هو الجاري على المعروف المشهور في العربية. اهـ يقصد أنها صيغة منتهى الجموع "فواعل" ممنوع من الصرف. قال الطبري: ليس في الحديث الجزم بأن الضب مما مسخ، إنما خشي أن يكون منهم، فتوقف عنه، وإنما قال ذلك قبل أن يعلمه الله تعالى أن الممسوخ لا ينسل، وبهذا أجاب الطحاوي، ثم ساق حديث "سئل رسول الله ﷺ عن القردة والخنازير: أهي مما مسخ؟ قال: إن الله لم يهلك قوماً -أو يمسخ قوماً- فيجعل لهم نسلاً ولا عاقبة". (فإنما طعام عامة الرعاء منه) "الرعاء" بكسر الراء، آخره همزة كالرعاة، آخره تاء، جمع راع، وهو من يحفظ الماشية ويرعاها. (إنا بأرض مضبة) قال النووي: فيها لغتان مشهورتان: إحداهما فتح الميم والضاد، والثانية ضم الميم وكسر الضاد، والأول أشهر وأفصح، أي يكثر فيها الضب. اهـ وفي الرواية الخامسة عشرة "إني في غائط مضبة" والغائط الأرض المطمئنة المنخفضة. (وإنه عامة طعام أهلي) أي وإن الضب أكثر طعام أولادي. فما حكم أكلنا الضب؟

стр. 4363

فقه الحديث قال النووي: أجمع المسلمون على أن الضب حلال، ليس بمكروه، إلا ما حكي عن أصحاب أبي حنيفة من كراهته، وإلا ما حكى القاضي عياض عن قوم أنهم قالوا: هو حرام، وما أظنه يصح عن أحد، وإن صح عن أحد فمحجوج بالنصوص وإجماع من قبله. ثم قال "وفي الأحاديث تصريح بما اتفق عليه العلماء، من أن إقرار النبي ﷺ الشيء وسكوته عليه إذا فعل بحضرته، يكون دليلاً لإباحته، ويكون بمعنى قوله: أذنت فيه، وأبحته، فإنه لا يسكت على باطل، ولا يقر منكراً". اهـ وقال الحافظ ابن حجر: المعروف عن أكثر الحنفية فيه كراهة التنزيه، وجنح بعضهم إلى كراهة التحريم، وقال الطحاوي في معاني الآثار، احتج محمد بن الحسن بحديث عائشة "أهدي للنبي ﷺ ضب، فلم يأكله، فقام عليهم سائل، فأرادت عائشة أن تعطيه، فقال لها رسول الله ﷺ : أتعطينه ما لا تأكلين"؟ قال محمد: دل ذلك على كراهته لنفسه ولغيره، ويفهم من هذا أن محمد بن الحسن مال إلى أن الكراهة للتحريم، وقال بعض أتباعه: اختلفت الأحاديث، وتعذرت معرفة المتقدم، فرجحنا جانب كراهة التحريم تقليلاً للنسخ، قال الحافظ ابن حجر: ودعوى التعذر ممنوعة. وتعقب الطحاوي الاستدلال بحديث عائشة على كراهة التحريم، فقال: ما في هذا دليل على الكراهة، لاحتمال أن تكون عافته، فأراد النبي ﷺ أن لا يكون ما يتقرب به إلى الله إلا من خير الطعام، كما نهى أن يتصدق بالتمر الرديء. اهـ كما استدل له أيضاً بما أخرجه أبو داود من أنه ﷺ نهى عن الضب، ورد بأنه ضعيف، قال الخطابي: ليس إسناده بذاك، وقال ابن حزم: فيه ضعفاء ومجهولون، وقال البيهقي: تفرد به إسماعيل بن عياش، وليس بحجة، وقال ابن الجوزي: لا يصح، كما استدل له أيضاً بأحاديث المسخ، روايتنا الرابعة عشرة والخامسة عشرة، وفي بعض رواياتها عند أبي داود "إن أمة من بني إسرائيل مسخت دواب من الأرض، فأخشى أن تكون هذه، فاكفئوها" وأخرجه أحمد وصححه ابن حبان والطحاوي، قال الطحاوي: ليس في الحديث الجزم بأن الضب مما مسخ، وإنما خشي أن يكون منهم، فتوقف عنه، وإنما قال ذلك قبل أن يعلم أن الممسوخ لا ينسل. قال الحافظ ابن حجر: وعلى تقدير ثبوت كون الضب ممسوخاً، فذلك لا يقتضي تحريم أكله لأن كونه آدمياً قد زال حكمه، ولم يبق له أثر أصلاً، وإنما كره ﷺ الأكل منه، لما وقع عليه من سخط الله، كما كره الشرب من مياه ثمود. قال الحافظ ابن حجر: والأحاديث الماضية -يقصد أحاديث البخاري ومسلم- وإن دلت على الحل تصريحاً وتلويحاً، نصاً وتقريراً، فالجمع بينها وبين هذا، حمل النهي فيه على أول الحال، عند تجويز أن يكون مما نسخ، وحينئذ أمر بإكفاء القدور، ثم توقف، فلم يأمر به، ولم ينه عنه، وحمل الإذن فيه على ثاني الحال، لما علم أن الممسوخ لا عقب له، ثم بعد ذلك كان يستقذره، فلا يأكله ولا يحرمه، وأكل على مائدته، فدل على الإباحة، وتكون الكراهة للتنزيه، في حق من يتقذره، وتحمل أحاديث

стр. 4364

الإباحة على من لا يتقذره، ولا يلزم من ذلك أنه يكره مطلقاً، وقد أفهم كلام ابن العربي أنه لا يحل في حق من يتقذره، لما يتوقع في أكله من الضرر، وهذا لا يختص بهذا. اهـ -[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]- ١ - أن النبي ﷺ كان يؤاكل أصحابه. ٢ - وأنه كان يأكل اللحم، حيث تيسر. ٣ - وأنه كان لا يعلم من الغيب إلا ما علمه الله تعالى. ٤ - وفيه الإعلام بما شك فيه، لإيضاح حكمه. ٥ - وأن النفرة وعدم الاستطابة لا تستلزم التحريم. ٦ - وأن الطباع تختلف في النفور عن بعض المأكولات. ٧ - وأن المنقول عنه ﷺ أنه كان لا يعيب الطعام الذي هو فيما صنعه الآدمي، لئلا ينكسر خاطره، وينسب إلى التقصير فيه، وأما الذي خلق كذلك، فليس نفور الطبع منه ممتنعاً. ٨ - وأن وقوع مثل ذلك ليس بمعيب ممن يقع منه، خلافاً لبعض المتنطعة. قاله الحافظ. ٩ - وفيه أن من خشي أن يتقذر شيئاً لا ينبغي أن يدلس له، لئلا يتضرر به، وقد شوهد ذلك من بعض الناس. ١٠ - قال الحافظ ابن حجر: وقد يستنبط منه أن اللحم إذا أنتن لم يحرم، لأن بعض الطباع لا تعافه. اهـ وهذا الاستنباط مستبعد. ١١ - وفيه دخول أقارب الزوجة بيتها، إذا كان بإذن الزوج، أو رضاه. ١٢ - وفيه جواز الأكل من بيت القريب والصهر والصديق، قال الحافظ ابن حجر: وكأن خالداً ومن وافقه في الأكل أرادوا جبر قلب التي أهدته، أو لتحقق حكم الحل، أو لامتثال قوله ﷺ "كلوا" وفهم من لم يأكل أن الأمر فيه للإباحة. ١٣ - ومن كون الضب محنوذاً مشوياً جواز أكل الشواء، لأن النبي ﷺ أهوى بيده ليأكل، ثم لم يمتنع إلا لكونه ضباً، فلو كان غير ضب لأكل. أشار إلى ذلك ابن بطال. ١٤ - وفيه قبول الهدية. ١٥ - وفيه الاكتفاء بالرضا، وعدم ضرورة الإذن الصريح، لأن خالداً أخذ الضب، فأكله، من غير استئذان، قال النووي: خالد أكل هذا في بيت ميمونة، وبيت صديقه رسول الله ﷺ فلا يحتاج إلى استئذان، لا سيما والمهدية خالته. ١٦ - وفيه وفور عقل ميمونة أم المؤمنين، وعظيم نصيحتها للنبي ﷺ ، لأنها فهمت مظنة نفوره عن أكله، بما استقر عندها من تصرفاته، فخشيت أن يكون ذلك كذلك، فيتأذى بأكله، لاستقذاره له، فصدقت فراستها. والله أعلم

стр. 4365

(٥٤٣) باب إباحة أكل الجراد وأكل الأرنب ٤٤١٦ - عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات. نأكل الجراد. ٤٤١٧ - وفي رواية عن أبي يعفور بهذا الإسناد. قال أبو بكر في روايته: سبع غزوات. وقال إسحق. ست. وقال ابن أبي عمر: ست أو سبع. ٤٤١٨ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: مررنا فاستنفجنا أرنباً بمر الظهران، فسعوا عليه فلغبوا. قال: فسعيت حتى أدركتها. فأتيت بها أبا طلحة فذبحها، فبعث بوركها وفخذيها إلى رسول الله ﷺ . فأتيت بها رسول الله ﷺ فقبله. ٤٤١٩ - وفي رواية عن شعبة بهذا الإسناد. وفي حديث يحيى: بوركها أو فخذيها. -[المعنى العام]- واقع الشعوب يؤكد لنا الاختلاف بينها في تقبل بعض ما هو حلال، وفي النفور من بعض ما هو حلال أيضاً، ففي الجزيرة العربية والخليج العربي يأكلون الجراد، مسلوقاً، مضافاً إليه بعض "البوهارات" والأملاح، ومشوياً على النار، والجراد عندهم غالبا ما يكون دسماً كبيراً، وبأعداد تغطي عنان السماء، وفي مصر يعافون الجراد، ويتقززون من رؤيته، والأمر نفسه في الأرنب، بعض الشعوب، بل بعض الناس في الشعب الواحد يأكله ويحبه، كلحم مفيد خفيف، وبعضهم يعافه، ويشبهه بالقط، مع أن القط من أكلة اللحوم، والأرنب من أكلة النباتات. والشرع الحنيف أباح أكل هذا وذاك، الجراد والأرنب، وكان ﷺ لا يعيب طعاماً قط، بل كان إذا اشتهاه أكله، وإذا عافه تركه، وأكل غيره مما يقدم إليه، تاركاً لأصحابه الذين يأكلون معه أن يأكلوا مما عافه هو، ولم يعافوه مما أحل الله.

стр. 4366

-[المباحث العربية]- (سبع غزوات، نأكل الجراد) في ملحق الرواية "ست غزوات" وفي ملحقها الثاني "ست أو سبع" بالشك، فاختلفت ألفاظ الحديث في عدد الغزوات. وفي رواية البخاري "نأكل معه الجراد" وفي رواية "كلنا نأكل معه الجراد" والجراد معروف، ومفرده والواحدة منه جرادة، والذكر والأنثى سواء، كالحمامة والحمام، وقد وجه الحافظ ابن حجر لفظ المعية في رواية "نأكل معه" فقال: يحتمل أن يريد بالمعية مجرد الغزو، دون ما تبعه من أكل الجراد، ويحتمل أن يريد مع أكله، ويدل على الثاني أنه وقع في رواية أبي نعيم في الطب "ويأكل معنا". (مررنا، فاستنفجنا أرنباً بمر الظهران) في رواية للبخاري "أنفجنا أرنباً ونحن بمر الظهران" و"أنفجنا" بفاء مفتوحة، وجيم ساكنة، أي أثرنا وهيجنا، ورواية مسلم "استنفجنا" استفعال منه، يقال: نفج الأرنب إذا ثار وعداً، وانتفج كذلك، وأنفجته إذا أثرته من موضعه، ووقع في شرح مسلم للمازري "بعجنا" بالباء، وبعين مفتوحة، وفسره بالشق، من بعج بطنه إذا شقه، وتعقبه القاضي عياش بأنه تصحيف، وبأنه لا يصح معناه من سياق الخبر، لأن فيه أنهم سعوا في طلبها بعد ذلك، فلو كانوا شقوا بطنها كيف كانوا يحتاجون إلى السعي خلفها. اهـ ويحتمل أن الشق كان خفيفاً، لم يمنع الأرنب من السعي والجري. و"مر الظهران" بفتح الميم وتشديد الراء، و"الظهران" بفتح الظاء، على صورة المثنى لظهر، اسم موضع، واد معروف، على خمسة أميال من مكة، إلى جهة المدينة، وجزم البكري بأنه من مكة على ستة عشر ميلاً وهو المعتمد، وقيل: واحد وعشرين ميلاً. قال النووي: والأول غلط، وإنكار للمحسوس، و"مر" قرية ذات نخل وزرع ومياه، والظهران اسم الوادي، وقد يسمى بإحدى الكلمتين تخفيفاً، وهو المكان الذي تسميه عوام المصريين: بطن مرد، والصواب "مر" بتشديد الراء. وفي روايتنا تنازع عاملين لمعمول واحد، والأصل: مررنا بمر الظهران، فاستنفجنا أرنباً بمر الظهران. (فسعوا عليه) فيه التفات من التكلم إلى الغيبة، والأصل: فسعينا عليه، أي جرينا خلفه لصيده. (فلغبوا) بفتح الغين وكسرها، أي تعبوا، ووقع في رواية بلفظ "تعبوا" أي ولم يدركوها، فتوقفوا عن السعي وراءها. (قال: فسعيت، حتى أدركتها) في رواية أبي داود "وكنت غلاماً حزوراً" بحاء فزاي مضمومة، آخره راء، أي مراهقاً.

стр. 4367

(فأتيت بها أبا طلحة) هو زوج أم أنس، واسمه زيد بن سهل الأنصاري. (فذبحها) في رواية الطيالسي "فذبحها بمروة" "المرو" حجارة بيض رقاق براقة. (فبعث بوركها وفخذيها إلى رسول الله ﷺ في ملحق الرواية "بوركها أو فخذيها" والفخذ بسكون الخاء وكسرها ما فوق الركبة إلى الورك، والورك بفتح الواو مع سكون الراء وكسرها، وبكسر الواو مع سكون الراء ما فوق الفخذ، والمراد من "وركها" جنس الورك، فيقصد الوركين معاً، ورواية "أو" بمعنى الواو، فالواقع أنه بعث الوركين والفخذين معاً، كل فخذ وورك متماسكان، والمعنى فبعثني. (فأتيت بها رسول الله ﷺ فقبله) أي فأتيت بهذه القطعة من الأرنب، أو أتيت بهذه الهدية رسول الله ﷺ ، فقبل هذا الشيء المهدى، زاد في رواية البخاري "قلت" أي قال الراوي عن أنس لأنس: "وأكل منه؟ قال: وأكل منه. ثم قال بعد: قبله" قال الحافظ ابن حجر: شك في الأكل، ثم استيقن القبول، فجزم به آخراً. -[فقه الحديث]- في هذين الحديثين حكم أكل الجراد، وحكم أكل الأرنب. أما حكم أكل الجراد فقد قال النووي: أجمع المسلمون على إباحته، ثم قال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد والجماهير بحله، سواء مات بذكاة، أو باصطياد مسلم، أو باصطياد مجوسي، أو مات حتف أنفه، وسواء قطع بعضه، أو أحدث فيه سبب، وقال مالك في المشهور عنه، وأحمد في رواية: لا يحل إلا إذا مات بسبب، بأن يقطع بعضه، أو يسلق، أو يلقى في النار حياً، أو يشوى، فإن مات حتف أنفه، أو في وعاء لم يحل. اهـ وقد وردت أحاديث أخرى بحله وجواز أكله. منها ما أخرجه ابن ماجه عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: أحلت لنا ميتتان: الحوت والجراد" كذا رواه في أبواب الصيد، ثم رواه في أبواب الأطعمة، وزاد فيه "ودمان: الكبد والطحال" لكن في إسناده عبد الرحمن بن أسلم، وهو ضعيف. ومنها ما أخرجه أحمد عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: غزونا مع رسول الله ﷺ ، فأصبنا جراداً، فأكلناه" لكن في إسناده جابر الجعفي، وهو ضعيف. ومنها ما أخرجه ابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في حج أو عمرة، فاستقبلنا رجل من جراد" بكسر الراء وسكون الجيم، أي طائفة عظيمة منه "فجعلنا نضربهن بأسواطنا ونعالنا، فقال النبي ﷺ : كلوه، فإنه من صيد البحر" وفي سنده أبو المهزم، وهو ضعيف.

стр. 4368

ووردت أحاديث أخرى بمنع أكله، أو بالتوقف، منها: ما رواه الدارقطني عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ زجر صبياننا عن الجراد، وكانوا يأكلونه". والصواب أن هذا الحديث موقوف. ومنها ما رواه أبو داود عن سليمان: "سئل رسول الله ﷺ عن الجراد، فقال: لا أحله، ولا أحرمه". وزعم الصيمري من الشافعية أن النبي ﷺ عافه كما عاف الضب، ومستنده الحديث السابق والصواب أنه مرسل، وعند ابن عدي عن ابن عمر "أنه ﷺ سئل عن الضب، فقال: لا آكله، ولا أحرمه، وسئل عن الجراد، فقال مثل ذلك" وفي إسناده ثابت بن زهير وهو ليس بثقة. فالأمر كما قال النووي إجماع على حل أكله. لكن فصل ابن العربي في شرح الترمذي بين جراد الحجاز، وجراد الأندلس، فقال في جراد الأندلس: لا يؤكل، لأنه ضرر محض، قال الحافظ ابن حجر: وهذا إن ثبت أنه يضر أكله، بأن يكون فيه سمية تخصه، دون غيره من جراد البلاد، تعين استثناؤه. والله أعلم وأما حكم أكل الأرنب فقد قال النووي: أكل الأرنب حلال عند مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد والعلماء كافة، إلا ما حكي عن عبد الله بن عمرو بن العاص وابن أبي ليلى أنهما كرهاها. دليل الجمهور هذا الحديث، مع أحاديث مثله، ولم يثبت في النهي عنها شيء. اهـ وحكى الرافعي عن أبي حنيفة أنه حرمها، وغلطه النووي في النقل عن أبي حنيفة. ومن الأحاديث التي أشار إليها النووي: ما أخرجه الدارقطني عن عائشة ﵂ قالت: أهدي إلى رسول الله ﷺ أرنب، وأنا نائمة، فخبأ لي منها العجز، فلما قمت أطعمني" قال الحافظ ابن حجر: وهذا لو صح لأشعر بأنه أكل منها. لكن سنده ضعيف. وفي الهداية للحنفية أن النبي ﷺ أكل من الأرنب حين أهدي إليه مشوياً، وأمر أصحابه بالأكل منه" قال الحافظ ابن حجر: وكأنه تلقاه من حديثين، فأوله من حديث الباب، وقد ظهر ما فيه، أي إن الثابت فيه أنه قبله، والآخر من حديث أخرجه النسائي، عن أبي هريرة قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ بأرنب قد شواها، فوضعها بين يديه، فأمسك، وأمر أصحابه أن يأكلوا" ورجاله ثقات. اهـ وهذا الحديث الثاني لا دلالة فيه على أن النبي ﷺ أكل من الأرنب، بل هو صريح في أنه أمسك، ولم يأكل. واحتج من كرهه بحديث خزيمة بن جزء "قلت: يا رسول الله، ما تقول في الأرنب؟ قال: لا آكله، ولا أحرمه، قالت: فإني آكل ما لا تحرمه. ولم يا رسول الله؟ قال: نبئت أنها تدمي" أي تحيض. -[وفي الحديث الثاني غير ما تقدم]- ١ - جواز استثارة الصيد، والغدو في طلبه، وأما ما أخرجه أبو داود والنسائي من حديث ابن عباس

стр. 4369

رفعه "من اتبع الصيد غفل" فهو محمول على من واظب على ذلك، حتى يشغله عن غيره من المصالح الدينية وغيرها. ٢ - أن آخذ الصيد يملكه بأخذه، ولا يشاركه فيه من أثاره معه. ٣ - وفيه هدية الصيد، وقبولها من الصائد. ٤ - وإهداء الشيء اليسير لكبير القدر، إذا علم من حاله الرضا بذلك. ٥ - وأن ولي الصبي يتصرف فيما يملكه الصبي بالمصلحة. ٦ - وفيه قبوله هدية الصيد. والله أعلم

стр. 4370

(٥٤٤) باب ما يستعان به على الصيد. والأمر بإحسان الذبح والقتل. والنهي عن صبر البهائم ٤٤٢٠ - عن ابن بريدة قال: رأى عبد الله بن المغفل رجلاً من أصحابه يخذف. فقال له: لا تخذف، فإن رسول الله ﷺ كان يكره، أو قال: ينهى عن الخذف. فإنه لا يصطاد به الصيد ولا ينكأ به العدو، ولكنه يكسر السن ويفقأ العين. ثم رآه بعد ذلك يخذف. فقال له: أخبرك أن رسول الله ﷺ كان يكره أو ينهى عن الخذف، ثم أراك تخذف. لا أكلمك كلمة كذا وكذا. ٤٤٢١ - عن عبد الله بن مغفل ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الخذف. قال ابن جعفر في حديثه. وقال: "إنه لا ينكأ العدو ولا يقتل الصيد، ولكنه يكسر السن ويفقأ العين". وقال ابن مهدي: إنها لا تنكأ العدو. ولم يذكر تفقأ العين. ٤٤٢٢ - عن سعيد بن جبير أن قريباً لعبد الله بن مغفل: خذف. قال: فنهاه. وقال: إن رسول الله ﷺ نهى عن الخذف. وقال: "إنها لا تصيد صيداً ولا تنكأ عدواً، ولكنها تكسر السن وتفقأ العين". قال: فعاد. فقال: أحدثك أن رسول الله ﷺ نهى عنه ثم تخذف، لا أكلمك أبداً. ٤٤٢٣ - عن شداد بن أوس ﵁ قال: ثنتان حفظتهما عن رسول الله ﷺ . قال: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء. فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة. وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح. وليحد أحدكم شفرته فليرح ذبيحته".

стр. 4371

٤٤٢٤ - عن هشام بن زيد بن أنس بن مالك قال: دخلت مع جدي أنس بن مالك دار الحكم بن أيوب، فإذا قوم قد نصبوا دجاجة يرمونها. قال: فقال أنس: نهى رسول الله ﷺ أن تصبر البهائم. ٤٤٢٥ - ٥٨ م عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لا تتخذوا شيئاً فيه الروح غرضاً". ٤٤٢٦ - عن سعيد بن جبير قال: مر ابن عمر بنفر قد نصبوا دجاجة يترامونها. فلما رأوا ابن عمر تفرقوا عنها. فقال ابن عمر: من فعل هذا؟ إن رسول الله ﷺ لعن من فعل هذا. ٤٤٢٧ - عن سعيد بن جبير قال: مر ابن عمر بفتيان من قريش قد نصبوا طيراً وهم يرمونه، وقد جعلوا لصاحب الطير كل خاطئة من نبلهم. فلما رأوا ابن عمر تفرقوا. فقال ابن عمر: من فعل هذا؟ لعن الله من فعل هذا. إن رسول الله ﷺ لعن من اتخذ شيئاً فيه الروح غرضاً. ٤٤٢٨ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يقتل شيء من الدواب صبراً. -[المعنى العام]- إن الله كتب الإحسان في كل شيء، فرحمته وسعت كل شيء، وقد جعل الرحمة مائة جزء، فأنزل إلى الأرض جزءاً واحداً منها، وأمسك عنده تسعة وتسعين جزءاً، من هذا الجزء الذي وضع في الأرض كان على الخلائق أن تتراحم فيما بينها، إذ خلق في طباعها نوعاً من الرحمة والشفقة، حتى ترفع

стр. 4372

الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه، وكم نرى في مشاهداتنا اليومية الأرنب تحمي أطفالها من البرد، بنتف جلد نفسها وشعرها، لتجعله مهاداً لجنينها قبل ولادته، وكم نرى في مشاهداتنا اليومية أمهات الحيوانات تدافع عن صغارها وتحميها من الأعداء. أما الإنسان فقد كلف بالرحمة والإحسان، رحمة تزيد على ما في الطباع، وتوجه إلى السمو والرفعة به إلى عالم الروحانيات، بأن تكون هذه الرحمة المبذولة خالية من هدف الانتفاع الدنيوي من ورائها، رحمة دافعها الاستجابة لأمر الله، والطمع في رحمة الله ورضوانه، قال تعالى ﴿وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة﴾ [البلد: ٨] وقال ﴿وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن﴾ [الإسراء: ٥٣]. ﴿ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم* وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم﴾ [فصلت: ٣٤، ٣٥]. ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن﴾ [العنكبوت: ٤٦]. ﴿الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب﴾ [الزمر: ١٨]. ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ [النحل: ٩٠] ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾ [النحل: ١٢٨]. ﴿والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين﴾ [آل عمران: ١٣٤] ﴿ءاخذين ما ءاتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين﴾ [الذاريات: ١٦] والإحسان في كل عمل هو مراعاة جانب الرفق والإتقان، جانب التضحية والإيثار، وقد ضرب المسلمون السابقون المثل الأعلى في التراحم والإحسان، حتى نزل فيهم ﴿والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾ [الحشر: ٩]. وقد تجاوزت الشريعة الإسلامية التراحم بين الناس إلى طلب التراحم بين البشر وبين ما حولهم من المخلوقات، فنهت عن تعذيب الحيوانات بأي نوع من أنواع التعذيب، فقد "دخلت امرأة النار في هرة حبستها حتى ماتت، لا هي أطعمتها وسقتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض" و"غفر الله لرجل سقى كلباً يلهث من شدة العطش" ونهى ﷺ أن يوضع الحيوان أو الطير هدفاً وغرضاً، لتصوب إليه رميات من يتعلم الرمي، ونهى عند أن تحبس البهيمة حتى تموت وهي محبوسة، ونهى عن ذبح ما أحل ذبحه عن أن نسيء إليه قبل الذبح، وأمرنا بإحسان ذبحه، والرفق به عند قتله. صورة رائعة من تشريع الإحسان، تجعل من قلوب البشر رقة ورحمة وشفافية ونوراً وقرباً من الملائكة، تجعل منهم أبراراً، لا يضمرون الشر، ولا يؤذون الذر، ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾ [الرحمن: ٦٠] ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ [يونس: ٢٦]. ﴿وأحسنوا إن الله يحب المحسنين﴾ [البقرة: ١٩٥]. -[المباحث العربية]- (رأى رجلاً من أصحابه يخذف) في الرواية الثالثة أن الرجل قريب لعبد الله بن مغفل، فهو

стр. 4373

من أصحابه، وقريبه، والخذف الرمي بالحصاة أو النواة أو نحوهما، بين سبابتيه، أو بين الإبهام والسبابة، أو على ظاهر الوسطى وباطن الإبهام، وقال ابن فارس: خذفت الحصاة رميتها بين أصبعيك، وقيل في حصي الخذف: أن يجعل الحصاة بين السبابة من اليمنى والإبهام من اليسرى، ثم يقذفها بالسبابة من اليمين، وقال ابن سيده: خذف بالشيء يخذف، فارسي، وخص بعضهم به الحصى. قال: والمخذفة التي يوضع فيها الحجر، ويرمي بها الطير، ويطلق على المقلاع أيضاً. (كان يكره -أو كان ينهى عن الخذف) في الرواية الثانية والثالثة "نهي عن الخذف" ولم يشك. (فإنه لا يصطاد به الصيد) بالبناء للمجهول، في رواية البخاري "لا يصاد به صيد" وفي روايتنا الثالثة "إنها لا تصيد صيداً" أي إن الحصاة، أو إن الرمية بالحصاة لا تصيد، وفي ملحق الرواية الثانية "إنه" أي الخذف لا ينكأ العدو، ولا يقتل الصيد" قال المهلب: أباح الله الصيد على صفة، فقال ﴿تناله أيديكم ورماحكم﴾ [المائدة: ٩٤] وليس الرمي بالبندقية ونحوها من ذلك، وإنما هو وقيذ، وأطلق الشارع أن الخذف لا يصاد به، لأنه ليس من المجهزات. اهـ قيل: لأنه يقتل الصيد بقوة راميه، لا بحده. اهـ وفيه نظر، فالمعراض أيضاً يقتل الصيد بقوة راميه، وهو في نفسه أحد من حد المعراض، وسيأتي الخلاف في حكم صيد البندقية في فقه الحديث. (ولا ينكأ به العدو) بالبناء للمجهول، وفي ملحق الرواية الثانية "إنه لا ينكأ العدو" وفي ملحقها الثاني "إنها لا تنكأ العدو" وفي الرواية الثالثة "لا تنكأ عدواً" قال القاضي عياض: الرواية بفتح الكاف، وبهمزة في آخره، وهي لغة، والأشهر بكسر الكاف، بغير همز، وقال في شرح مسلم: لا ينكأ بفتح الكاف مهموز، وروي "لا ينكي" بكسر الكاف وسكون الياء، وهو أوجه، لأن المهموز إنما هو من نكأت القرحة، وليس هذا موضعه، فإنه من النكاية، لكن قال في العين: نكأت لغة في نكيت، فعلى هذا تتوجه هذه الرواية، قال: ومعناه المبالغة في الأذى، وقال ابن سيده: نكأ العدو نكاية أصاب منه، ثم قال: نكأت العدو، أنكؤهم لغة في نكيتهم، قال الحافظ ابن حجر: فظهر أن الرواية صحيحة المعنى، ولا معنى لتخطئتها، قال: وأغرب ابن التين، فلم يعرج على الرواية التي بالهمز أصلاً، بل شرحه على التي بكسر الكاف بغير همز، ثم قال: ونكأت القرحة بالهمز. (ويفقأ العين) بالهمزة. (لا أكلمك كلمة كذا وكذا) "كلمة" بالنصب والتنوين، و"كذا وكذا" كناية عن زمن، وهو مبهم في الرواية، وفي الرواية الثالثة "لا أكلمك أبداً". (ولكنه يكسر السن) أي ولكن الخذف، وفي الرواية الثالثة "ولكنها" أي الرمية، وأطلق السن، فيشمل سن الرامي وغيره من آدمي وغيره، كذا قال الحافظ ابن حجر: وفي كسر الخذف لسن الرامي نظر، فهو مستبعد.

стр. 4374

(فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة) بكسر القاف، اسم هيئة، وهو عام في كل قتيل، من الذبائح، والقتل حداً والقتل قصاصاً. (فأحسنوا الذبح) بفتح الذال، كذا وقع في كثير من النسخ أو أكثرها، وفي بعضها "الذبحة" بكسر الذال وبالهاء، كالقتلة. (وليحد أحدكم شفرته) و"ليحد" اللام لام الأمر، و"يحد" بضم الياء وكسر الحاء وتشديد الدال، يقال: أحد السكين وحددها واستحدها وحدها إذا شحذها، والشفرة بسكون الفاء، السكين. (فليرح ذبيحته) اللام لام الأمر، و"يرح" بضم الياء وكسر الراء، وإراحة الذبيحة بإحداد السكين، وتعجيل إمرارها، وغير ذلك. (دخلت مع جدي أنس بن مالك دار الحكم بن أيوب) بن أبي عقيل الثقفي، ابن عم الحجاج بن يوسف، ونائبه على البصرة، وزوج أخته زينب بنت يوسف، وكان يضاهي في الجور ابن عمه الحجاج، ووقع في رواية "خرجت مع أنس بن مالك من دار الحكم بن أيوب أمير البصرة" وهي أظهر في سياق القصة "فإذا قوم قد نصبوا دجاجة يرمونها" ويحتمل أنهم رأوا القوم في حرم الدار، وأنهم من أتباع الحكم بن أيوب، وفي رواية البخاري "فرأى غلماناً أو فتياناً .... ". (أن تصبر البهائم) قال النووي: قال العلماء: صبر البهائم أن تحبس، وهي حية، لتقتل بالرمي ونحوه، وهو معنى "لا تتخذوا شيئاً فيه الروح غرضاً" أي لا تتخذوا الحيوان الحي غرضاً، ترمون إليه، والغرض الهدف الذي يرمي إليه. (قد نصبوا طيراً) قال النووي: هكذا هو في النسخ "طيراً" والمراد به واحد، والمشهور في اللغة أن الواحد يقال له: طائر، والجمع طير، وفي لغة قليلة إطلاق الطير على الواحد، وهذا الحديث جاء على هذه اللغة، والمراد من الطير هنا الدجاجة المنصوص عليها في الرواية السابعة. (وقد جعلوا لصاحب الطير كل خاطئة من نبلهم) قال النووي: "خاطئة" هو بهمز لغة، والأفصح "مخطئة" يقال لمن قصد شيئاً، فأصاب غيره غلطاً: أخطأ، فهو مخطئ، وفي لغة قليلة: خطأ فهو خاطئ. والمعنى أنهم جعلوا السهم الذي لم يصب الدجاجة حقاً لصاحب الدجاجة، ويحتمل أن المعنى أنهم جعلوا السهم الذي لم يصب حقاً لصاحب السهم الذي أصاب. -[فقه الحديث]- -[يؤخذ من هذه الأحاديث]- ١ - النهي عن الخذف، قال النووي: لأنه لا مصلحة فيه، ويخاف مفسدته، ويلتحق به كل ما شاركه

стр. 4375

في هذا، وقال الحافظ ابن حجر: قال المهلب: وقد اتفق العلماء -إلا من شذ منهم- على تحريم أكل ما قتلته البندقة والحجر، ثم قال الحافظ ابن حجر في علة منع الأكل: لأنه إذا نفى الشارع أنه لا يصيد، بقوله "لا يصطاد به الصيد" فلا معنى للرمي به، بل فيه تعريض للحيوان بالتلف لغير مالكه، وقد ورد النهي عن ذلك، نعم قد يدرك ما رمى بالبندقة حياً، فيذكى، فيحل أكله، ومن ثم اختلف في جواز الرمي بالبندقة، فصرح مجلي في الذخائر بمنعه، وبه أفتى ابن عبد السلام، وجزم النووي بحله، لأنه طريق إلى الاصطياد، والتحقيق التفصيل، فإن كان الأغلب من حال الرمي الوقوع في الأضرار المذكورة في الحديث امتنع، وإن كان عكسه جاز، ولا سيما إن كان المرمي مما لا يصل إليه الرمي إلا بذلك، ثم لا يقتله غالباً، وقد ذكر البخاري، في باب صيد المعراض، أن ابن عمر قال في المقتولة بالبندقة: تلك الموقوذة، وكرهه سالم والقاسم ومجاهد وإبراهيم وعطاء والحسن، وأخرج الحافظ ابن حجر هذه الآثار المروية عن هؤلاء الأئمة، فقال: أخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر أنه كان لا يأكل ما أصابت البندقة، وأما سالم بن عبد الله بن عمر، والقاسم وهو ابن محمد بن أبي بكر الصديق فقد أخرج ابن أبي شيبة أنهما كانا يكرهان البندقة، إلا ما أدركت ذكاته. وذكر مالك في الموطأ أنه "بلغه أن القاسم بن محمد كان يكره ما قتل بالمعراض والبندقة" وأما مجاهد فأخرج ابن أبي شيبة من وجهين أنه كرهه، زاد في أحدهما "لا تأكل إلا أن يذكى" وأما إبراهيم، وهو النخعي، فأخرج ابن أبي شيبة عنه "لا تأكل ما أصبت بالبندقة، إلا أن يذكى" وأما عطاء فقال عبد الرزاق عن ابن جريج "قال عطاء: إن رميت صيداً ببندقة فأدركت ذكاته فكله، وإلا فلا تأكله، وأما الحسن، وهو البصري، فقال ابن أبي شيبة: حدثنا عبد الأعلى عن هشام عن الحسن: "إذا رمى الرجل الصيد بالجلاهقة، فلا تأكل، إلا أن تدرك ذكاته" والجلاهقة بضم الجيم وتشديد اللام وكسر الهاء هي البندقة بالفارسية. اهـ وقال البخاري: وكره الحسن رمي البندقة في القرى والأمصار، ولا يرى به بأساً فيما سواه. قال الحافظ ابن حجر: ومفهومه أنه لا يكره في الفلاة، فجعل مدار النهي خشية إدخال الضرر على أحد من الناس. اهـ والتحقيق أن البندقة اليوم غيرها في تلك الأيام، فقد كانت تقتل الصيد كمثقل، أشبه بعرض المعراض، أما اليوم فتنهر الدم، وتفتت العروق، فهي تشبه حد المعراض، وتزيد كثيراً جداً عنه، فصيدها اليوم حلال بلا شبهة وليست من الخذف المنهي عنه، والله أعلم. ٢ - ومن قول الصحابي لقريبه: "لا أكلمك أبداً" قال النووي: فيه هجران أهل البدع والفسوق، ومنابذي السنة مع العلم، وأنه يجوز هجرانه دائماً، والنهي عن الهجران فوق ثلاثة أيام إنما هو فيمن هاجر لحظ نفسه، ومعايش الدنيا، وأما أهل البدع ونحوهم فهجرانهم دائماً. ٣ - وفيه قوة عبد الله بن المغفل في تغيير المنكر، والدفاع عن السنة. ٤ - وفي الرواية الرابعة الإحسان في كل شيء، وبخاصة في الذبح والقتل.

стр. 4376

٥ - وعن السكين، وإمراره بسرعة، قال النووي: ويستحب ألا يحد السكين بحضرة الذبيحة، وألا يذبح واحدة بحضرة أخرى، ولا يجرها إلى مذبحها، اهـ ولا يقيدها كثيراً قبل الذبح، وأن يقدم لها قبل الذبح طعاماً وشراباً، ونحو ذلك من وجوه الإحسان. ٦ - وتحريم تعذيب الحيوان الحي، بالضرب والجرح، والقسوة، وثقل الحمل، وإجهاد العمل. ٧ - وتحريم تعذيب الآدمي لغير موجب من باب أولى. ٨ - قال الحافظ ابن حجر: وفي الحديث -روايتنا الخامسة- قوة أنس على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع معرفته بشدة الأمير المذكور، لكن كان الخليفة عبد الملك بن مروان نهى الحجاج عن التعرض له، بعد أن كان صدر من الحجاج في حقه خشونة، فشكاه لعبد الملك، فأغلظ للحجاج، وأمره بإكرامه. ٩ - ومن الرواية الخامسة وما بعدها تحريم صبر الحيوان وحبسه، وجعله غرضاً وهدفاً لتعلم الرمي، وقد أخرج العقيلي في الضعفاء عن سمرة قال: "نهى النبي ﷺ أن تصبر البهيمة، وأن يؤكل لحمها إذا صبرت" قال العقيلي: جاء في النهي عن صبر البهيمة أحاديث جياد، وأما النهي عن أكلها فلا يعرف إلا في هذا. قال الحافظ: إن ثبت هذا فهو محمول على ما إذا ماتت بذلك من غير تذكية. ١٠ - قال ابن أبي جمرة: فيه رحمة الله لعباده، حتى في حال القتل. والله أعلم

стр. 4377

كتاب الأضاحي

стр. 4378

(٥٤٥) باب وقت الأضاحي، وسن الأضحية ٤٤٢٩ - عن جندب بن سفيان ﵁ قال: شهدت الأضحى مع رسول الله ﷺ . فلم يعد أن صلى وفرغ من صلاته، سلم. فإذا هو يرى لحم أضاحي قد ذبحت قبل أن يفرغ من صلاته. فقال: "من كان ذبح أضحيته قبل أن يصلي -أو نصلي- فليذبح مكانها أخرى. ومن كان لم يذبح، فليذبح باسم الله". ٤٤٣٠ - عن جندب بن سفيان ﵁ قال: شهدت الأضحى مع رسول الله ﷺ . فلما قضى صلاته بالناس، نظر إلى غنم قد ذبحت. فقال: "من ذبح قبل الصلاة، فليذبح شاة مكانها. ومن لم يكن ذبح، فليذبح على اسم الله". ٤٤٣١ - عن جندب البجلي ﵁ قال: شهدت رسول الله ﷺ صلى يوم أضحى. ثم خطب، فقال: "من كان ذبح قبل أن يصلي، فليعد مكانها. ومن لم يكن ذبح، فليذبح باسم الله". ٤٤٣٢ - عن البراء ﵁ قال: ضحى خالي أبو بردة قبل الصلاة. فقال رسول الله ﷺ : "تلك شاة لحم" فقال: يا رسول الله، إن عندي جذعة من المعز. فقال: "ضح بها ولا تصلح لغيرك" ثم قال: "من ضحى قبل الصلاة، فإنما ذبح لنفسه. ومن ذبح بعد الصلاة، فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين". ٤٤٣٣ - عن البراء بن عازب ﵁ أن خاله أبا بردة بن نيار ذبح قبل أن يذبح النبي ﷺ . فقال يا رسول الله، إن هذا يوم اللحم فيه مكروه. وإني عجلت

стр. 4379

نسيكتي لأطعم أهلي وجيراني وأهل داري. فقال رسول الله ﷺ : "أعد نسكاً" فقال: يا رسول الله، إن عندي عناق لبن هي خير من شاتي لحم. فقال: "هي خير نسيكتيك ولا تجزي جذعة عن أحد بعدك". ٤٤٣٤ - عن البراء بن عازب ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ يوم النحر، فقال: "لا يذبحن أحد حتى يصلي" قال: فقال خالي: يا رسول الله، إن هذا يوم اللحم فيه مكروه. ثم ذكر بمعنى حديث هشيم. ٤٤٣٥ - عن البراء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى صلاتنا ووجه قبلتنا ونسك نسكنا فلا يذبح حتى يصلي" فقال خالي: يا رسول الله قد نسكت عن ابن لي. فقال: ذاك شيء عجلته لأهلك" فقال: إن عندي شاة خير من شاتين. قال: "ضح بها فإنها خير نسيكة". ٤٤٣٦ - عن البراء بن عازب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا نصلي، ثم نرجع فننحر. فمن فعل ذلك، فقد أصاب سنتنا. ومن ذبح، فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس من النسك في شيء" وكان أبو بردة بن نيار قد ذبح، فقال: عندي جذعة خير من مسنة. فقال: "اذبحها ولن تجزي عن أحد بعدك". ٤٤٣٧ - وفي رواية عن البراء بن عازب ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ يوم النحر بعد الصلاة. ثم ذكر نحو حديثهم. ٤٤٣٨ - عن البراء بن عازب ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ في يوم نحر، فقال: "لا

стр. 4380

يضحين أحد حتى يصلي" قال رجل: عندي عناق لبن هي خير من شاتي لحم. قال: فضح بها، ولا تجزي جذعة عن أحد بعدك". ٤٤٣٩ - عن البراء بن عازب ﵁ قال: ذبح أبو بردة قبل الصلاة. فقال النبي ﷺ : "أبدلها" فقال: يا رسول الله، ليس عندي إلا جذعة. قال شعبة: وأظنه قال: وهي خير من مسنة. فقال رسول الله ﷺ "اجعلها مكانها ولن تجزي عن أحد بعدك". ٤٤٤٠ - وفي رواية عن شعبة بهذا الإسناد، ولم يذكر الشك في قوله هي خير من مسنة. ٤٤٤١ - عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ، يوم النحر: "من كان ذبح قبل الصلاة، فليعد" فقام رجل فقال: يا رسول الله، هذا يوم يشتهى فيه اللحم. وذكر هنة من جيرانه. كأن رسول الله ﷺ صدقه. قال: وعندي جذعة هي أحب إلي من شاتي لحم. أفأذبحها؟ قال: فرخص له. فقال: لا أدري أبلغت رخصته من سواه أم لا؟ قال: وانكفأ رسول الله ﷺ إلى كبشين فذبحهما. فقام الناس إلى غنيمة فتوزعوها. أو قال: فتجزعوها. ٤٤٤٢ - عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ صلى. ثم خطب فأمر من كان ذبح قبل الصلاة أن يعيد ذبحاً، ثم ذكر. بمثل حديث ابن علية. ٤٤٤٣ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ يوم أضحى. قال: فوجد ريح لحم. فنهاهم أن يذبحوا. قال: "من كان ضحى، فليعد" ثم ذكر بمثل حديثهما. ٤٤٤٤ - عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تذبحوا إلا مسنة، إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن". ٤٤٤٥ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: صلى بنا النبي ﷺ يوم النحر
следующие страницы →