← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.

стр. 4376

٥ - وعن السكين، وإمراره بسرعة، قال النووي: ويستحب ألا يحد السكين بحضرة الذبيحة، وألا يذبح واحدة بحضرة أخرى، ولا يجرها إلى مذبحها، اهـ ولا يقيدها كثيراً قبل الذبح، وأن يقدم لها قبل الذبح طعاماً وشراباً، ونحو ذلك من وجوه الإحسان. ٦ - وتحريم تعذيب الحيوان الحي، بالضرب والجرح، والقسوة، وثقل الحمل، وإجهاد العمل. ٧ - وتحريم تعذيب الآدمي لغير موجب من باب أولى. ٨ - قال الحافظ ابن حجر: وفي الحديث -روايتنا الخامسة- قوة أنس على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع معرفته بشدة الأمير المذكور، لكن كان الخليفة عبد الملك بن مروان نهى الحجاج عن التعرض له، بعد أن كان صدر من الحجاج في حقه خشونة، فشكاه لعبد الملك، فأغلظ للحجاج، وأمره بإكرامه. ٩ - ومن الرواية الخامسة وما بعدها تحريم صبر الحيوان وحبسه، وجعله غرضاً وهدفاً لتعلم الرمي، وقد أخرج العقيلي في الضعفاء عن سمرة قال: "نهى النبي ﷺ أن تصبر البهيمة، وأن يؤكل لحمها إذا صبرت" قال العقيلي: جاء في النهي عن صبر البهيمة أحاديث جياد، وأما النهي عن أكلها فلا يعرف إلا في هذا. قال الحافظ: إن ثبت هذا فهو محمول على ما إذا ماتت بذلك من غير تذكية. ١٠ - قال ابن أبي جمرة: فيه رحمة الله لعباده، حتى في حال القتل. والله أعلم

стр. 4377

كتاب الأضاحي

стр. 4378

(٥٤٥) باب وقت الأضاحي، وسن الأضحية ٤٤٢٩ - عن جندب بن سفيان ﵁ قال: شهدت الأضحى مع رسول الله ﷺ . فلم يعد أن صلى وفرغ من صلاته، سلم. فإذا هو يرى لحم أضاحي قد ذبحت قبل أن يفرغ من صلاته. فقال: "من كان ذبح أضحيته قبل أن يصلي -أو نصلي- فليذبح مكانها أخرى. ومن كان لم يذبح، فليذبح باسم الله". ٤٤٣٠ - عن جندب بن سفيان ﵁ قال: شهدت الأضحى مع رسول الله ﷺ . فلما قضى صلاته بالناس، نظر إلى غنم قد ذبحت. فقال: "من ذبح قبل الصلاة، فليذبح شاة مكانها. ومن لم يكن ذبح، فليذبح على اسم الله". ٤٤٣١ - عن جندب البجلي ﵁ قال: شهدت رسول الله ﷺ صلى يوم أضحى. ثم خطب، فقال: "من كان ذبح قبل أن يصلي، فليعد مكانها. ومن لم يكن ذبح، فليذبح باسم الله". ٤٤٣٢ - عن البراء ﵁ قال: ضحى خالي أبو بردة قبل الصلاة. فقال رسول الله ﷺ : "تلك شاة لحم" فقال: يا رسول الله، إن عندي جذعة من المعز. فقال: "ضح بها ولا تصلح لغيرك" ثم قال: "من ضحى قبل الصلاة، فإنما ذبح لنفسه. ومن ذبح بعد الصلاة، فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين". ٤٤٣٣ - عن البراء بن عازب ﵁ أن خاله أبا بردة بن نيار ذبح قبل أن يذبح النبي ﷺ . فقال يا رسول الله، إن هذا يوم اللحم فيه مكروه. وإني عجلت

стр. 4379

نسيكتي لأطعم أهلي وجيراني وأهل داري. فقال رسول الله ﷺ : "أعد نسكاً" فقال: يا رسول الله، إن عندي عناق لبن هي خير من شاتي لحم. فقال: "هي خير نسيكتيك ولا تجزي جذعة عن أحد بعدك". ٤٤٣٤ - عن البراء بن عازب ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ يوم النحر، فقال: "لا يذبحن أحد حتى يصلي" قال: فقال خالي: يا رسول الله، إن هذا يوم اللحم فيه مكروه. ثم ذكر بمعنى حديث هشيم. ٤٤٣٥ - عن البراء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى صلاتنا ووجه قبلتنا ونسك نسكنا فلا يذبح حتى يصلي" فقال خالي: يا رسول الله قد نسكت عن ابن لي. فقال: ذاك شيء عجلته لأهلك" فقال: إن عندي شاة خير من شاتين. قال: "ضح بها فإنها خير نسيكة". ٤٤٣٦ - عن البراء بن عازب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا نصلي، ثم نرجع فننحر. فمن فعل ذلك، فقد أصاب سنتنا. ومن ذبح، فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس من النسك في شيء" وكان أبو بردة بن نيار قد ذبح، فقال: عندي جذعة خير من مسنة. فقال: "اذبحها ولن تجزي عن أحد بعدك". ٤٤٣٧ - وفي رواية عن البراء بن عازب ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ يوم النحر بعد الصلاة. ثم ذكر نحو حديثهم. ٤٤٣٨ - عن البراء بن عازب ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ في يوم نحر، فقال: "لا

стр. 4380

يضحين أحد حتى يصلي" قال رجل: عندي عناق لبن هي خير من شاتي لحم. قال: فضح بها، ولا تجزي جذعة عن أحد بعدك". ٤٤٣٩ - عن البراء بن عازب ﵁ قال: ذبح أبو بردة قبل الصلاة. فقال النبي ﷺ : "أبدلها" فقال: يا رسول الله، ليس عندي إلا جذعة. قال شعبة: وأظنه قال: وهي خير من مسنة. فقال رسول الله ﷺ "اجعلها مكانها ولن تجزي عن أحد بعدك". ٤٤٤٠ - وفي رواية عن شعبة بهذا الإسناد، ولم يذكر الشك في قوله هي خير من مسنة. ٤٤٤١ - عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ، يوم النحر: "من كان ذبح قبل الصلاة، فليعد" فقام رجل فقال: يا رسول الله، هذا يوم يشتهى فيه اللحم. وذكر هنة من جيرانه. كأن رسول الله ﷺ صدقه. قال: وعندي جذعة هي أحب إلي من شاتي لحم. أفأذبحها؟ قال: فرخص له. فقال: لا أدري أبلغت رخصته من سواه أم لا؟ قال: وانكفأ رسول الله ﷺ إلى كبشين فذبحهما. فقام الناس إلى غنيمة فتوزعوها. أو قال: فتجزعوها. ٤٤٤٢ - عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ صلى. ثم خطب فأمر من كان ذبح قبل الصلاة أن يعيد ذبحاً، ثم ذكر. بمثل حديث ابن علية. ٤٤٤٣ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ يوم أضحى. قال: فوجد ريح لحم. فنهاهم أن يذبحوا. قال: "من كان ضحى، فليعد" ثم ذكر بمثل حديثهما. ٤٤٤٤ - عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تذبحوا إلا مسنة، إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن". ٤٤٤٥ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: صلى بنا النبي ﷺ يوم النحر

стр. 4381

بالمدينة. فتقدم رجال فنحروا. وظنوا أن النبي ﷺ قد نحر. فأمر النبي ﷺ من كان نحر قبله، أن يعيد بنحر آخر. ولا ينحروا حتى ينحر النبي ﷺ . ٤٤٤٦ - عن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ أعطاه غنماً يقسمها على أصحابه ضحايا. فبقي عتود. فذكره لرسول الله ﷺ . فقال: "ضح به أنت" قال قتيبة: على صحابته. ٤٤٤٧ - عن عقبة بن عامر الجهني ﵁ قال: قسم رسول الله ﷺ فينا ضحايا، فأصابني جذع. فقلت: يا رسول الله، إنه أصابني جذع. فقال: "ضح به". -[المعنى العام]- شاءت حكمة الله أن ييسر على بعض خلقه، وأن يعسر على آخرين، وأن يطلب من الموسرين مساعدة المعسرين، ليبلو الفريقين، ليختبر الموسرين، أيشكرون أم يكفرون؟ أيحسنون، أم يبخلون؟ وليبلو المعسرين، أيصبرون أم يجزعون؟ ويشكرون المحسنين أم يكفرون؟ . وفي مواسم الخير خاصة تزداد أهمية هذا التشريع، فتجب زكاة الفطر عند عيد الفطر، وتشرع الأضحية في عيد الأضحى. ولله أوقات يتجلى فيها برحمته على عباده، تضاعف فيها الحسنات، ويتجاوز فيها عن السيئات، وله في تحديد أوقات خاصة للعبادات حكمة يعلمها، فقد حدد أوقات الصلوات، وأوقات الصيام، وأوقات الحج، ولهذا التحديد فائدة كبرى في نظام المجتمع، من حيث الالتزام الواحد، والأداء الواحد، والاتجاه الواحد، وإدخال السرور على النفوس في وقت واحد. وتحقيقاً لهذا الهدف السامي حددت الشريعة وقت ذبح الأضحية، وجعلته بعد صلاة العيد، وبعد سماع خطبتيه، ليتفرغ الذابح لذبحه، وتوزيعه، وليتفرغ الفقير الآخذ لطهيه والانتفاع به، وكان على المسلمين حين شرعت الأضحية أن يلتزموا بالتأسي بنبيهم ﷺ ، وأن لا يتعجلوا أمراً دعا إليه حتى يروا فعله مادام سيفعله، مهما كان هذا الفعل خيراً، ففي التأسي به ﷺ أجر وثواب، وتعلم وتوجيه وإرشاد، وللأضحية مواصفات، وللذبح نفسه قواعد ومستحبات، ورسول الله ﷺ سيذبح أضحيته في الصحراء، في ساحة الصلاة، بحيث يراه من يرغب في الاقتداء به، والتعلم على يديه، ومتابعته ﷺ خير من سبقه على كل حال.

стр. 4382

لم يكن يخفى كل هذا على الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين- لكن بعضهم في أوائل تشريع الأضحية ظن أن الغرض منها التوسعة على الأهل والجيران والفقراء يوم العيد، فذبح قبل صلاة العيد، وقبل أن يذبح رسول الله ﷺ ، وبعضهم ظن أن رسول الله ﷺ قد ذبح، فذبح قبل أن يتبين أنه لم يذبح، وصلى رسول الله ﷺ بالناس صلاة العيد، فلما سلم شم رائحة لحم مذبوح، فنظر إلى ساحة الذبح، فرأى غنماً مذبوحة، كان يمكن أن يرشد من فعل هذا إلى ما كان ينبغي، ليلتزم العام القابل، ويتفادى خطأ ما فعل هذا العام، والذبيحة قد وقعت، وفائدتها قد حصلت، والإساءة في التعجيل قد تغتفر، لكن لما كان للحم شهوة، وللنفس فيه رغبة، قد تدفع إلى التهاون في الالتزام شيئاً فشيئاً، من حيث الوقت تارة، ومن حيث مواصفات الأضحية تارة أخرى، أراد المشرع أن يفطم النفوس عن التهاون، فأمر ﷺ من ذبح قبل الصلاة أن يعيد ذبح أضحية أخرى، واعتبر الذبيحة التي سبقت صلاته وخطبته وذبحه لحماً كأي لحم يقدم للأهل، ليس من ثواب الأضحية في شيء، وليس من العبادة في شيء، لم يصب به صاحب السنة، ولم يقم بما شرعه الله له. أمر بذلك ﷺ في خطبة العيد، عقب الصلاة، وكان بعض من ذبح أضحيته خطأ لا يملك ما يصلح لأضحية أخرى، فسأل رسول الله ﷺ ، وهو قائم يخطب. قال: يا رسول الله، ذبحت أضحيتي قبل أن أصلي معك، وتعجلت الخير لأهلي وجيراني والفقراء؟ قال ﷺ : لحم قدمته لأهلك، أعد ذبحاً، اذبح مكان التي ذبحتها أضحية أخرى، اذبح أخرى، فلم تقع الأولى موقعها، لأنها سبقت وقتها. قال: يا رسول الله، ليس عندي شاة أخرى، وكل ما عندي عنز، ابنة سنة، لكنها سمينة، تعدل في نظري شاتين، وهي عندي أحب إلي من شاتين، وقد علمتنا أن مثلها لا يصلح أضحية، فهل أذبحها؟ قال: اذبحها، ولا يصلح مثلها أضحية لأحد غيرك، فقد قبل عذرك. وهكذا أكد رسول الله ﷺ على تشريع الأضحية، وقتاً، ووصفاً، وإلزاماً، حتى إنه ﷺ كان يوزع من بيت مال المسلمين ضحايا حية على فقراء المسلمين. ليذبحوها في يوم العيد. -[المباحث العربية]- (كتاب الأضاحي) جمع أضحية، بضم الهمزة، وتشديد الياء، ويجوز كسر الهمزة، ويجوز حذفها، فتفتح الضاد، وقد تكسر، مع تشديد الياء، وجمع ضحية ضحايا، كعطية وعطايا، ويقال: أضحاة، وجمعها أضحى، بفتح الهمزة، كأرطاة وأرطى، كل ذلك للشاة التي تذبح ضحوة هذا اليوم، وكأن تسميتها اشتقت من اسم الوقت الذي تشرع فيه، وبه سمي يوم الأضحى، أي اليوم الذي تذبح فيه الشاة في الضحى، والضحى ضوء الشمس، وارتفاع النهار وامتداده، والضحاء والضحوة والضحو والضحية الضحى . يقال: ضحا يضحو ضحواً بفتح الضاء وسكون الحاء، وضحواً بضم الضاء وضم الحاء مخففة، وضحياً بضم الضاد وكسر الحاء وتشديد الياء، إذا برز للشمس، وضحاً يضحى بفتح الحاء، ضحوا بفتح الضاد وسكون الحاء، وضحوا بضم الضاد والحاء وتشديد الواو، وضحياً بضم الضاد وكسر الحاء،

стр. 4383

أصابه حر الشمس، وضحى بفتح الضاد وكسر الحاء وفتح الياء، يضحى بفتح الحاء، ضحوا، وضحوا، وضحيا، كسابقه، أصابه حر الشمس، ومنه قوله تعالى ﴿وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى﴾ [طه: ١١٩]. قال النووي: وفي "الأضحى" لغتان: التذكير لغة قيس، والتأنيث لغة تميم. (شهدت الأضحى) أي حضرت صلاة الأضحى، وفي الرواية الثالثة "شهدت رسول الله ﷺ يوم أضحى" أي حضرت صلاته يوم الأضحى، والمراد صلاة العيد في يوم الأضحى. يقال: شهد الوقعة، وشهد اليوم، بكسر الهاء، إذا حضره، ومنه قوله تعالى ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [البقرة: ١٨٥] وشهد الشيء عاينه، ومنه قوله تعالى ﴿ما شهدنا مهلك أهله﴾ [النمل: ٤٩]. (فلم يعد أن صلى، وفرغ من صلاته سلم، فإذا هو يرى لحم أضاحي، قد ذبحت قبل أن يفرغ من صلاته) وهذا لا يتنافى مع ما جاء في ملحق الرواية الثانية عشرة بلفظ "فوجد ريح لحم" فقد رأى وقد شم ﷺ ، "فلم يعد" بفتح الياء وسكون العين، أي فلم يجاوز صلاته، وهو كناية عن سرعة اتصال الشيء المتأخر بالمتقدم، وإلا فما رأى كان بعد انتهاء الصلاة والتسليم، أي فعند مجاوزته صلاته، وفراغه من صلاته مسلماً، فاجأه رؤيته للحم أضاحي، بكسر الحاء وتشديد الياء، "قد ذبحت قبل أن يفرغ من صلاته"، أي ذبحها أناس أثناء صلاته، فأدركوه في الصلاة، أو قبل أن يصلي، وكان الذبح في المصلى، فقد روى البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: "كان النبي ﷺ يذبح وينحر بالمصلى" قال مالك: إنما كان يفعل ذلك لئلا يذبح أحد قبله، زاد غيره: وليذبحوا بعده على يقين، وليتعلموا منه صفة الذبح. وفي الرواية الثانية "فلما قضى صلاته بالناس نظر إلى غنم قد ذبحت" والغنم يشمل الضأن والمعز. (فقال: من كان ذبح أضحيته قبل أن يصلي -أو نصلي- فليذبح مكانها أخرى) "يصلي أو نصلي" الأول بالياء، والثاني بالنون، والظاهر أنه شك من الراوي. وفي الرواية الثانية "من ذبح قبل الصلاة فليذبح شاة مكانها" وهذا القول كان في خطبته ﷺ ، ففي الرواية الثالثة "ثم خطب، فقال: من كان ذبح قبل أن يصلي، فليعد مكانها" وفي الرواية السادسة "لا يذبحن أحد حتى يصلي" وفي الرواية السابعة "من صلى صلاتنا، ووجه قبلتنا" أي واستقبل قبلتنا، والمراد بذلك من كان على دين الإسلام "ونسك نسكنا" أي وأراد أن ينسك نسكنا، ففيه مجاز المشارفة، والمراد من النسك هنا الذبيحة، يقال: نسك فلان، بفتح النون والسين، ينسك بضم السين، نسكاً بسكون السين مع ضم النون وفتحها وكسرها، ونسكة بفتح النون ومنسكاً بفتح السين وكسرها، إذا تزهد وتعبد، أو إذا ذبح ذبيحة يتقرب بها إلى الله، والمنسك طريقة الزهد والتعبد، وموضع ذبح النسيكة، ومناسك الحج عبادته "فلا يذبح حتى يصلي" صلاة العيد. وفي الرواية الثامنة "إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا نصلي" صلاة العيد، ونسمع خطبتها "ثم

стр. 4384

نرجع" إلى مكان الذبح، "فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا" والمراد بالسنة هنا الطريقة، التي هي أعم من أن تكون للوجوب أو الندب، وليس المراد بها السنة في الاصطلاح الفقهي، التي تقابل الوجوب، وفي الرواية التاسعة "لا يضحين أحد حتى يصلي" وفي الرواية الحادية عشرة "من كان ذبح قبل الصلاة فليعد" وفي الثانية عشرة "فأمر من كان ذبح قبل الصلاة أن يعيد ذبحاً". قال النووي: اتفقوا على ضبط "ذبحاً" بكسر الذال، أي حيواناً يذبح، كقوله تعالى ﴿وفديناه بذبح عظيم﴾ [الصافات: ١٠٧] وأما قوله "أن يعبد" فكذا هو في بعض الأصول المعتمدة، بالياء، من الإعادة، وفي كثير منها "أن يعد" بحذف الياء، ولكن بتشديد الدال، من الإعداد، وهو التهيئة. اهـ وفي الرواية الرابعة عشرة "فأمر النبي ﷺ من كان نحر قبله أن يعيد بنحر آخر، ولا ينحروا حتى ينحر النبي ﷺ " والظاهر أن كل هذا حصل في خطبته ﷺ في واقعة واحدة، وأن سؤال أبي بردة كان في نفس الواقعة، وأثناء الخطبة، بعد طلبه ﷺ أن يكون الذبح بعد الصلاة، لكن قال الحافظ ابن حجر: والذي في معظم الروايات أن هذا الكلام من النبي ﷺ وقع في الخطبة بعد الصلاة، وأن خطاب أبي بردة بما وقع له كان قبل ذلك، وهو المعتمد. اهـ والظاهر أن العبارة وقع فيها خطأ من النساخ، وأن أصلها وصحتها "وأن خطاب أبي بردة بما وقع له كان بعد ذلك" أي في أثناء الخطبة، والأحاديث التي ساقها الحافظ ابن حجر كدليل على قوله تفيد البعدية، لا القبلية، ولفظها "يخطب فيقول كذا فقال أبو بردة ... " "خطبنا فقال كذا وكذا، فقال أبو بردة ... " الحديث. (ومن كان لم يذبح فليذبح باسم الله) في الرواية الثانية "ومن لم يكن ذبح فليذبح على اسم الله" قال النووي: هو بمعنى رواية "فليذبح باسم الله" أي قائلاً: باسم الله. هذا هو الصحيح في معناه، وقال القاضي: يحتمل أربعة أوجه: أحدها أن يكون معناه: فليذبح لله، والباء بمعنى اللام، والثاني معناه: فليذبح بسنة الله، والثالث: بتسمية الله على ذبيحته، إظهاراً للإسلام، ومخالفة لمن يذبح لغيره، وقمعاً للشيطان، والرابع: تبركاً باسمه، وتيمناً بذكره، كما يقال: سر على بركة الله، وسر باسم الله. وكره بعض العلماء أن يقال: فعل كذا على اسم الله، قال: لأن اسمه سبحانه على كل شيء. قال القاضي: وهذا ليس بشيء، قال: وهذا الحديث يرد على هذا القائل. وقال النووي: قال الكتاب من أهل العربية: إذا قيل: باسم الله، تعين كتبه بالألف، وإنما تحذف الألف إذا كتب: بسم الله الرحمن الرحيم. بكمالها. اهـ (ضحى خالي أبو بردة قبل الصلاة) أي صلاة العيد، وفي الرواية الخامسة، عن البراء أن خاله أبو بردة بن نيار ذبح قبل أن يذبح النبي ﷺ و"أبو بردة" بضم الباء وسكون الراء، واسمه هانئ بن نيار، بكسر النون، وتخفيف الياء، البلوى بفتح الباء واللام، من حلفاء الأنصار، شهد العقبة وبدراً والمشاهد، وعاش إلى سنة خمس وأربعين. (فقال رسول الله ﷺ : تلك شاة لحم) معناه: ليست بضحية، بل هي لحم لك، تنتفع به، قال

стр. 4385

الحافظ ابن حجر: وقد استشكلت الإضافة في "شاة لحم" وذلك أن الإضافة قسمان، معنوية ولفظية، فالمعنوية إما مقدرة بمن، كخاتم حديد، أو باللام، كغلام زيد، أو بفي، كضرب اليوم، معناه ضرب في اليوم، وأما اللفظية فهي صفة مضافة إلى معمولها كضارب زيد، وحسن الوجه، ولا يصح شيء من الأقسام الخمسة في "شاة لحم" قال الفاكهي: والذي يظهر لي أن أبا بردة لما اعتقد أن شاته شاة أضحية، أوقع ﷺ في الجواب قوله "شاة لحم" موقع قوله "شاة غير أضحية" اهـ قال العيني: هذا جواب غير مقنع، لظهور الإشكال فيه، وبقائه أيضاً، ويمكن أن يقال: إن الإضافة فيه بمعنى اللام، والتقدير: شاة واقعة لأجل اللحم، لا لأجل أضحية، لوقوع ذبحها في غير وقتها، وفي الرواية الخامسة "فقال رسول الله ﷺ : أعد نسكاً" وفي الرواية السابعة "ذاك شيء عجلته لأهلك" وفي الرواية الرابعة "من ضحى قبل الصلاة: فإنما ذبح لنفسه" أي وليس أضحية، وفي الرواية الثامنة "فإنما هو لحم، قدمه لأهله: ليس من النسك في شيء". (فقال: يا رسول الله، إن هذا يوم، اللحم فيه مكروه) قال النووي: قال القاضي: كذا روينا في مسلم "مكروه" بالكاف والهاء، وكذا ذكره الترمذي، قال: ورويناه في مسلم من طريق العذري "مقروم" بالقاف والميم، قال: وصوب بعضهم هذه الرواية، وقال: معناه يشتهى فيه اللحم، يقال: قرمت إلى اللحم، وقرمت اللحم إذا اشتهيته، قال: وهي بمعنى قوله في غير مسلم "عرفت أنه يوم أكل وشرب، فتعجلت وأكلت، وأطعمت أهلي وجيراني" وكما جاء في الرواية الأخرى [روايتنا الحادية عشرة] "هذا يوم يشتهى فيه اللحم" وكذا رواه البخاري. قال القاضي: وأما رواية "مكروه" فقال بعض شيوخنا: الصواب "اللحم فيه مكروه" بفتح الحاء، أي ترك الذبح والتضحية وبقاء أهله فيه بلا لحم، حتى يشتهوه مكروه، واللحم بفتح الحاء اشتهاء اللحم. قال القاضي: وقال لي الأستاذ عبد الله بن سليمان: معناه: ذبح ما لا يجزئ في الأضحية مما هو لحم مكروه، لمخالفته السنة. هذا آخر ما ذكره القاضي، وقال الحافظ أبو موسى الأصبهاني: معناه هذا يوم طلب اللحم فيه مكروه شاق. وهذا حسن. اهـ قال الحافظ ابن حجر: وبالغ ابن العربي، فقال: الرواية بسكون الحاء هنا غلط، وإنما هو اللحم، بالتحريك، يقال: لحم الرجل، بكسر الحاء، يلحم بفتحها، إذا كان يشتهي اللحم، وأما القرطبي في المفهم فقال: تكلف بعضهم ما لا يصح رواية -أي اللحم بالتحريك- ولا معنى، وهو قول الآخر: معنى المكروه إنه مخالف للسنة، قال: وهو كلام من لم يتأمل سياق الحديث، فإن هذا التأويل لا يلائمه، إذ لا يستقيم أن يقول: إن هذا اليوم اللحم فيه مخالف للسنة، وإني عجلت لأطعم أهلي. قال: وأقرب ما يتكلف لهذه الرواية أن معناه: اللحم فيه مكروه التأخير، فحذف لفظ "التأخير" لدلالة قوله "عجلت". قال الحافظ ابن حجر: ووقع في رواية منصور عن الشعبي "وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب، فأحببت أن تكون شائي أول ما يذبح في بيتي" قال الحافظ: ويظهر لي أنه بهذه الرواية يحصل الجمع بين الروايتين المتقدمتين، وأن وصفه اللحم بكونه مشتهى، وبكونه مكروهاً لا تناقض فيه، وإنما هو باعتبارين، فمن حيث إن العادة جرت فيه بالذبح فالنفس تتشوق له يكون مشتهى -ومن

стр. 4386

حيث توارد الجميع عليه، حتى يكثر، يصير مملولاً، فأطلقت عليه الكراهة لذلك، فحيث وصفه بكونه مشتهى أراد ابتداء حاله، وحيث وصفه بكونه مكروهاً أراد انتهاءه، ومن ثم استعجل بالذبح، ليفوز بتحصيل الصفة الأولى عند أهله وجيرانه. اهـ والتحقيق أن الذي صدر من أبي بردة إلى رسول الله ﷺ عبارة واحدة، إما أنها "هذا يوم اللحم فيه مكروه" كما جاء في الرواية الخامسة والسادسة، وإما أنها "هذا يوم يشتهى فيه اللحم" كما جاء في الرواية العاشرة، والأخيرة هي التي تتفق مع السياق، فلا حرج من جعل الأولى غير صواب، ولا داعي للتعسفات في توجيهها، وبخاصة أن المسألة لا تتعلق بحكم شرعي تختلف فيه وجهات النظر. والله أعلم. (وإني عجلت نسيكتي) أي ذبيحتي. (لأطعم أهلي وجيراني وأهل داري) عند البخاري "وذكر جيرانه" والمراد من "أهل داري" ما عنده من خدم وعمال، وفي الرواية السابعة "قد نسكت عن ابن لي" قال الحافظ ابن حجر: ظهر لي أن مراده أنه ضحى لأجله، للمعنى الذي ذكره في أهله وجيرانه، فخص ولده بالذكر لأنه أخص بذلك عنده، حتى يستغني ولده بما عنده من التشوف إلى ما عند غيره. اهـ وحاصل كلامه أن "عن" للتعليل، والمعنى قد نسكت متعجلاً لأجل إطعام ابن لي، وفي الرواية الحادية عشرة "وذكر هنة من جيرانه" بفتح الهاء وفتح النون مخففة، أي حاجة جيرانه إلى اللحم وفقرهم "كأن رسول الله ﷺ صدقه" بتشديد الدال، وفي رواية البخاري "فكأن رسول الله ﷺ عذره" بفتح الذال مخففة، أي قبل عذره. (فقال: يا رسول الله: إن عندي جذعة من المعز؟ فقال: ضح بها، ولا تصلح لغيرك) قال النووي: الجذع من الضأن ما له سنة تامة، هذا هو الأصح عند أصحابنا، وهو الأشهر عند أهل اللغة وغيرهم: وقيل: ما له ستة أشهر، وقيل: سبعة، وقيل: ثمانية، وقيل: عشرة. حكاه القاضي، وهو غريب، وقيل: إن كان متولداً من بين شابين فستة أشهر، وإن كان من هرمين فثمانية أشهر. اهـ وقال الحافظ ابن حجر: الجذعة بفتح الجيم والذال هو وصف لسن معينة، من بهيمة الأنعام، فمن الضأن ما أكمل السنة، وهو قول الجمهور، وأما الجذع من المعز فهو ما دخل في السنة الثانية، ومن البقر ما أكمل الثالثة، ومن الإبل ما دخل في الخامسة. وفي الرواية الخامسة والتاسعة "إن عندي عناق لبن" بفتح العين، وهي الأنثى من المعز، إذا قويت، ما لم تستكمل سنة، وجمعها أعنق وعنوق، ومعنى "عناق لبن" أي أنثى معز صغيرة قريبة من الرضاع، "هي خير من شاتي لحم" أي أطيب لحماً، وأنفع، لسمنها، ونفاستها، وفي الرواية السابعة "إن عندي شاة خير من شاتين"؟ فأطلق الشاة على العنز، وفي الرواية الثامنة "عندي جذعة خير من مسنة" أي جذعة من المعز، والمسنة هي الثنية، وهي أكبر من الجذعة بسنة، وفي الرواية العاشرة "ليس عندي إلا جذعة" أي من المعز، وهل معنى "ضح بها، ولا تصلح لغيرك" أنها رخصة عند الضرورة؟ أو خصوصية لأبي بردة؟ سيأتي التفصيل في فقه الحديث، وفي الرواية الخامسة "هي خير نسيكتيك، ولا تجزي جذعة عن أحد بعدك" قال النووي: "ولا تجزي" بفتح التاء، هكذا الرواية فيه في

стр. 4387

جميع الطرق والكتب، ومعناه لا تكفي، من نحو قوله تعالى ﴿واخشوا يوماً لا يجزي والد عن ولده﴾ [لقمان: ٣٣] ومعنى "هي خير نسيكتيك" أنك ذبحت صورة نسيكتين، وهما هذه، والتي ذبحتها قبل الصلاة، وهذه أفضل، لأن هذه حصلت بها التضحية، والأولى وقعت شاة لحم، لكن لك فيها ثواب، لا بسبب التضحية، فإنها لم تقع أضحية، بل لكونك قصدت بها الخير، وأخرجتها في طاعة الله، فلهذا دخل أفضل التفضيل، فقال: هذه خير النسيكتين، فإن هذه الصيغة تتضمن أن في الأولى خيراً أيضاً. اهـ وفي الرواية التاسعة "فضح بها، ولا تجزي جذعة عن أحد بعدك". أي جذعة من المعز، وفي الرواية العاشرة "ولن تجزي عن أحد بعدك" وفي الرواية الحادية عشرة "أفأذبحها؟ قال: فرخص له، فقال: لا أدري؟ أبلغت رخصته من سواه؟ أم لا؟ " قال النووي: هذا الشك بالنسبة إلى علم أنس ﵁، وقد صرح النبي ﷺ في حديث البراء بن عازب [الرواية الثامنة والتاسعة والعاشرة] بأنها لا تبلغ غيره، ولا تجزي أحداً بعده. اهـ قال الحافظ ابن حجر: كأن أنساً لم يسمع ذلك، ولعله استشكل الخصوصية بذلك، لما جاء من ثبوت ذلك لغير أبي بردة، فقد حصل لعقبة، كما في الرواية الخامسة عشرة. (وانكفأ رسول الله ﷺ إلى كبشين، فذبحهما) أي مال وانعطف إلى كبشين، يقال: كفأت الإناء، إذا أملته، والمراد أنه رجع عن مكان الخطبة، إلى مكان الذبح، وستأتي صفة ذبحه ﷺ وصفة الكبشين في الباب التالي. (فقام الناس إلى غنيمة، فتوزعوها، أو قال: فتجزعوها) "غنيمة" تصغير "غنم" ويشمل الضأن والمعز، والتصغير لتقليل العدد، لا لتقليل الوزن، و"فتوزعوها" من التوزيع، وهو التفرقة، أي فتفرقوها، وأما "فتجزعوها" من الجزع، وهو القطع، أي اقتسموها حصصاً، وليس المراد أنهم اقتسموها حصصاً بعد الذبح، فأخذ كل واحد قطعة من اللحم، وإنما المراد أخذ حصة من الغنم، واحدة أو اثنتين، والقطعة تطلق على الحصة من كل شيء، فبهذا التقرير يكون المعنى واحداً، بين "فتوزعوها" و"فتجزعوها" والشك من الراوي. (أعطاه غنماً يقسمها على أصحابه، ضحايا) كذا في الرواية الخامسة عشرة، وفي الرواية السادسة عشرة "قسم رسول الله ﷺ فينا ضحايا" ففي الرواية الأولى أن الذي قسم هو عقبة بن عامر، وفي الثانية أن الذي قسم هو رسول الله ﷺ ، ولما كان عقبة وكيلاً عن النبي ﷺ في القسمة، أسندت القسمة مرة إلى الوكيل، ومرة إلى الموكل، ووضع البخاري هذا الحديث تحت باب وكالة الشريك للشريك في القسمة، وأشار إلى أن عقبة كان له في تلك الغنم نصيب، باعتبار أنها كانت من الغنائم، وكذا كان للنبي ﷺ فيها نصيب، ومع هذا فوكله في قسمتها، لكن قوله "ضحايا" يشكل مع كونها غنائم، ووجهه ابن المنير بأنه يحتمل أن أطلق عليها ضحايا باعتبار ما يؤول إليه الأمر، ويحتمل أن يكون عينها للأضحية، ثم قسمها بينهم، ليحوز كل واحد نصيبه. والضمير في "على أصحابه" يحتمل أن يكون للنبي ﷺ ، ويحتمل أن يكون لعقبة، وعلى الأول

стр. 4388

يحتمل أن تكون الغنم ملكاً للنبي ﷺ ، وأمر بقسمتها بينهم تبرعاً، ويحتمل أن تكون من الفيء، وإليه جنح القرطبي، حيث قال: في الحديث إن الإمام ينبغي له أن يفرق الضحايا على من لم يقدر عليها من بيت مال المسلمين، وقال ابن بطال: إن كان قسمها بين الأغنياء فهي من الفيء، وإن كان خص بها الفقراء فهي من الزكاة. (فبقي عتود) بفتح العين وضم التاء المخففة، وهو من أولاد المعز خاصة، وهو ما قوي ورعي، وأتى عليه حول، والجمع أعتدة، وعتدان، وتدغم التاء في الدال، فيقال: عدان. وقال ابن بطال: العتود الجذع من المعز، ابن خمسة أشهر، وهذا يبين المراد بقوله في الرواية السادسة عشرة "فأصابني جذع" وزعم ابن حزم أن العتود لا يقال إلا للجذع من المعز، وتعقبه بعض الشراح بما وقع في كلام صاحب المحكم أن العتود الجدي الذي استكرش، وعبارة الداودي أنه الجذع. (ضح به أنت) وفي الرواية السادسة عشرة "ضح به" ويروى "ضح أنت به" زاد في رواية البيهقي "ولا رخصة لأحد فيها بعدك". -[فقه الحديث]- تتلخص النقاط في أربع: ١ - وقت الأضحية. ٢ - ما يجزي من الأضحية. ٣ - حكم الأضحية. ٤ - ما يؤخذ من الأحاديث. ١ - أما وقت الأضحية فقد قال النووي: ينبغي أن يذبحها بعد صلاته مع الإمام، وحينئذ تجزيه بالإجماع. قال ابن المنذر: وأجمعوا على أنها لا تجوز قبل طلوع الفجر يوم النحر، واختلفوا فيما بعد ذلك، فقال الشافعي وداود وابن المنذر وآخرون: يدخل وقتها إذا طلعت الشمس ومضى قدر صلاة العيد وخطبتين، فإن ذبح بعد هذا الوقت أجزأه، سواء صلى الإمام أم لا، وسواء كان من أهل الأمصار، أو من أهل القرى والبوادي والمسافرين، وسواء صلى الضحى أم لا، وسواء ذبح الإمام أضحيته أم لا [واستدلوا بأن روايات الحديث تربط أول وقت الأضحية بالصلاة، ولما كان بعض المسلمين لا صلاة عليه، وهو مخاطب بالأضحية حملوا الصلاة على وقتها، وإنما شرطوا فراغ الخطيب لأن الخطبتين مقصودتان مع الصلاة في هذه العبادة، فيعتبر مقدار الصلاة والخطبتين على أخف ما يجزي بعد طلوع الشمش]. وقال عطاء وأبو حنيفة: يدخل وقتها في حق أهل القرى والبوادي إذا طلع الفجر الثاني، لأنهم ليس عليهم صلاة عيد، ولا يدخل في حق أهل الأمصار حتى يصلي الإمام ويخطب بالفعل، فإن ذبح قبل ذلك لم يجزه.

стр. 4389

واستدلوا بروايتنا الأولى، "قبل أن نصلي" بالنون، قالوا: فإن إطلاق لفظ الصلاة، وإرادة وقتها خلاف الظاهر، ويرد الشافعية أن الرواية "يصلي" بالياء، والشك من الراوي، وبأن شرط صلاة الإمام بالفعل تسقط الضحية إذا لم يصل الإمام. وقال مالك: لا يجوز ذبحها إلا بعد صلاة الإمام وخطبته وذبحه، واستدلوا بما استدل به الحنفية، وزادوا شرط ذبح الإمام استدلالاً بروايتنا الرابعة عشرة، وهي صريحة في التعليق على نحر الإمام، ورد بالروايات الأخرى، وفيها ربط الذبح بالصلاة، لا بنحر الإمام، وبأن ربط الذبح بنحر الإمام لا يتفق مع طلب النحر وعدم سقوطه عن الناس لو لم ينحر الإمام، أو نحر قبل أن يصلي، فلم يجزه نحره، فدل على أن وقت نحر المسلمين لا يرتبط بنحر الإمام. وقال أحمد: لا يجوز ذبحها قبل صلاة الإمام بالفعل، ويجوز بعدها، قبل ذبح الإمام، وسواء عنده أهل الأمصار والقرى، ونحوه عن الحسن والأوزاعي وإسحق بن راهويه. وقال النووي: يجوز بعد صلاة الإمام، قبل خطبته، وفي أثنائها. وقال ربيعة فيمن لا إمام له: إن ذبح قبل طلوع الشمس لا يجزيه، وبعد طلوعها يجزيه. أما آخر وقت التضحية فقال الشافعي: تجوز في يوم النحر، وأيام التشريق الثلاثة بعده. وممن قال بهذا علي بن أبي طالب وجبير بن مطعم وابن عباس وعطاء والحسن البصري وعمر بن عبد العزيز وسليمان بن موسى الأسدي فقيه أهل الشام ومكحول وداود الظاهري وغيرهم. وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: تختص بيوم النحر ويومين بعده، وروي هذا عن عمر بن الخطاب وعلي وابن عمر وأنس ﵃. وقال سعيد بن جبير: تجوز لأهل الأمصار يوم النحر خاصة، ولأهل القرى يوم النحر وأيام التشريق. وقال محمد بن سرين: لا يجوز لأحد إلا في يوم النحر خاصة. وحكى القاضي عياض عن بعض العلماء أنها تجوز في جميع ذي الحجة. واختلفوا في ذبح الأضحية ليلاً، في ليالي أيام الذبح، فقال الشافعي، تجوز ليلاً مع الكراهة، وبه قال أبو حنيفة وأحمد وإسحق وأبو ثور والجمهور. وقال مالك في المشهور عنه وعامة أصحابه ورواية عن أحمد: لا يجزيه في الليل، بل تكون شاة لحم. وليس في أحاديث الباب ما يشير إلى آخر وقت التضحية، ولا إلى ذبحها ليلاً. ٢ - وأما ما يجزئ في الأضحية. فقد قال النووي: أجمع العلماء على أنه لا تجزئ التضحية بغير الإبل والبقر والغنم، إلا ما حكاه

стр. 4390

ابن المنذر عن الحسن بن صالح أنه قال: تجوز التضحية ببقرة الوحش عن سبعة، وبالظبي عن واحد، وبه قال داود في بقرة الوحش. ثم قال: ومذهبنا ومذهب الجمهور أن أفضل الأنواع البدنة، ثم البقرة، ثم الضأن، ثم المعز، وقال مالك: الغنم أفضل، لأنها أطيب لحماً، وحجة الجمهور أن البدنة تجزئ عن سبعة، وكذا البقرة، وأما الشاة فلا تجزئ إلا عن واحد بالاتفاق، فدل ذلك على تفضيل البدنة والبقرة، واختلف أصحاب مالك فيما بعد الغنم؟ فقيل: الإبل أفضل من البقرة، وقيل: البقرة أفضل من الإبل، وهو الأشهر عندهم. وقال: أما الجذع من الضأن فمذهبنا ومذهب العلماء كافة أنه يجزئ سواء وجد غيره أم لا، وحكوا عن ابن عمر والزهري أنهما قالا: لا يجزئ، وقد يحتج لهما بظاهر روايتنا الثالثة عشرة "لا تذبحوا إلا مسنة، إلا أن يعسر عليكم، فتذبحوا جذعة من الضأن" قال: قال الجمهور: هذا الحديث محمول على الاستحباب والأفضل، وتقديره: يستحب لكم ألا تذبحوا إلا مسنة، فإن عجزتم فجذعة ضأن، وليس فيه تصريح بمنع جذعة الضأن، وأنها لا تجزئ بحال، وقد أجمعت الأمة على أنه ليس على ظاهره، لأن الجمهور يجوزون الجذع من الضأن مع وجود غيره، وعدمه، وابن عمر والزهري يمنعانه مع وجود غيره وعدمه، فتعين تأويل الحديث على ما ذكرنا من الاستحباب. اهـ قال الحافظ ابن حجر: ويدل للجمهور الأحاديث الماضية قريباً، وكذا حديث أم هلال بنت هلال عن أبيها رفعه "يجوز الجذع من الضأن أضحية" أخرجه ابن ماجه، وحديث مجاشع أن النبي ﷺ قال "إن الجذع يوفي ما يوفي منه الثني" أخرجه أبو داود وابن ماجه وحديث عقبة بن عامر "ضحينا مع رسول الله ﷺ بجذع من الضأن" أخرجه النسائي بسند قوي، وحديث أبي هريرة رفعه "نعمت الأضحية الجذعة من الضأن" أخرجه الترمذي، وفي سنده ضعف، ثم قال الحافظ: واختلف القائلون بإجزاء الجذع من الضأن -وهم الجمهور- في سنه، على آراء: أحدها أنه ما أكمل سنة، ودخل في الثانية، وهو الأصح عند الشافعية، وهو الأشهر عند أهل اللغة، ثانيها نصف سنة، وهو قول الحنفية والحنابلة، ثالثها سبعة أشهر، وقد حكي عن الحنفية، رابعها ستة أو سبعة، حكي عن وكيع، خامسها التفرقة بين ما تولد بين شايين، فيكون له نصف سنة، أو بين هرمين، فيكون ابن ثمانية، وقال صاحب الهداية: إنه إذا كانت الجذعة عظيمة بحيث لو اختلطت بالثنيات اشتبهت على الناظر من بعيد أجزأت، وقال العبادي من الشافعية: لو أجذع قبل السنة، أي سقطت أسنانه أجزأ، كما لو تمت السنة قبل أن يجذع، ويكون ذلك كالبلوغ، إما بالسن، أو بالاحتلام. أما الجذعة من المعز، فإن الرواية الرابعة والخامسة تخصصان أبا بردة بإجزائها في الأضحية، وكذا عقبة بن عامر في الرواية الخامسة عشرة، وقد استشكل الحافظ ابن حجر وقوع الرخصة الثانية، باعتبار أن كلاً منهما صيغة عموم "ولا تصلح لأحد بعدك" فأيهما تقدم على الآخر اقتضى انتفاء الوقوع للثاني، قال: وأقرب ما يقال فيه: إن ذلك صدر لكل منهما في وقت واحد، أو تكون خصوصية الأول نسخت بثبوت الخصوصية للثاني، ولا مانع من ذلك، لأنه لم يقع في السياق استمرار المنع لغيره صريحاً، قال: وقد انفصل ابن التين -وتبعه القرطبي- عن هذا الإشكال باحتمال أن يكون

стр. 4391

العتود كان كبير السن، بحيث يجزئ، لكنه قال ذلك بناء على أن الزيادة التي في آخره لم تقع له [يقصد قوله لعقبة: ولا رخصة فيها لأحد بعدك] ولا يتم مراده مع وجودها، مع مصادمته لقول أهل اللغة في العتود, وتمسك بعض المتأخرين بكلام ابن التين، فضعف الزيادة، وليس بجيد، فإنها خارجة من مخرج الصحيح. ثم قال: وقد وقع في كلام بعضهم أن الذين ثبتت لهم الرخصة أربعة أو خمسة، واستشكل الجمع، وليس بمشكل، فإن الأحاديث التي وردت في ذلك ليس فيها التصريح بالنفي، إلا في قصة أبي بردة في الصحيحين، وفي قصة عقبة بن عامر في البيهقي، وأما ما عدا ذلك فلا، فقد أخرج أحمد وأبو داود وصححه ابن حبان، من حديث زبير بن خالد "أن النبي ﷺ أعطاه عتوداً جذعاً، فقال: ضح به، فقلت: إنه جذع أفأضحي به؟ قال: نعم. ضح به، فضحيت به". وفي الطبراني في الأوسط، من حديث ابن عباس "أن النبي ﷺ أعطى سعد بن أبي وقاص جذعاً من المعز، فأمره أن يضحي به". ولأبي يعلى والحاكم من حديث أبي هريرة "أن رجلاً قال: يا رسول الله، هذا جذع من الضأن مهزول، وهذا جذع من المعز سمين، وهو خيرهما، أفأضحي به؟ قال: ضح به، فإن لله الخير" قال الحافظ: وأما ما أخرجه ابن ماجه، من حديث أبي زيد الأنصاري "أن رسول الله ﷺ قال لرجل من الأنصار: اذبحها، ولن تجزي جذعة عن أحد بعدك" فهذا يحمل على أنه أبو بردة بن نيار، فإنه من الأنصار. ثم قال الحافظ ابن حجر: والحق أنه لا منافاة بين هذه الأحاديث، وبين حديثي أبي بردة وعقبة، لاحتمال أن يكون ذلك في ابتداء الأمر، ثم تقرر الشرع بأن الجذع من المعز لا يجزي، واختص أبو بردة وعقبة بالرخصة في ذلك. قال الفاكهي: ينبغي النظر في اختصاص أبي بردة بهذا الحكم، وكشف السر فيه، وأجيب بأن الماوردي قال: إن فيه وجهين: أحدهما أن ذلك كان قبل استقرار الشرع، فاستثنى، والثاني أنه علم من طاعته، وخلوص نيته ما ميزه عمن سواه. قال الحافظ: وفي الأول نظر، لأنه لو كان سابقاً لامتنع وقوع ذلك لغيره، بعد التصريح بعدم الإجزاء لغيره، والغرض ثبوت الأجزاء لعدد غيره، كما تقدم. قال النووي: وفي الحديث أن جذعة المعز لا تجزي في الأضحية، وهذا متفق عليه. اهـ قال الحافظ ابن حجر: في الحديث أن الجذع من المعز لا يجزي، وهو قول الجمهور، وعن عطاء وصاحبه الأوزاعي أنه يجوز مطلقاً، وهو وجه لبعض الشافعية، حكاه الرافعي، قال النووي: وهو شاذ أو غلط، وأغرب عياض، فحكي الإجماع على عدم الإجزاء، قيل: والإجزاء مصادر للنص، ولكن يحتمل أن يكون قائله قيد ذلك بمن لم يجد غيره، ويكون معنى نفي الإجزاء عن غير من أذن له في ذلك محمولاً على من وجد. اهـ

стр. 4392

٣ - وأما حكم الأضحية فقد قال النووي: اختلف العلماء في وجوب الأضحية على الموسر، فقال جمهورهم: هي سنة في حقه، إن تركها بلا عذر لم يأثم، ولم يلزمه القضاء، وممن قال بهذا أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وبلال وأبو مسعود البدري وسعيد بن المسيب وعلقمة والأسود وعطاء ومالك وأحمد وأبو يوسف وإسحاق وأبو ثور والمزني وابن المنذر وداود وغيرهم. وقال ربيعة والأوزاعي وأبو حنيفة والليث: هي واجبة على الموسر، وبه قال بعض المالكية، وقال بعضهم: تجب بشرائها بنية الأضحية، وبالتزام اللسان، وبنية الذبح. وقال النخعي: واجبة على الموسر، إلا الحاج بمنى. وقال محمد بن الحسن: واجبة على المقيم بالأمصار. والمشهور عن أبي حنيفة أنه إنما يوجبها على مقيم يملك نصاباً. اهـ قال ابن حزم: لا يصح عن أحد من الصحابة أنها واجبة، وصح أنها غير واجبة عند الجمهور، ولا خلاف في كونها من شرائع الدين. وهي عند الشافعية والجمهور سنة مؤكدة على الكفاية، وفي وجه للشافعية من فروض الكفاية. وقال أحمد: يكره تركها مع القدرة، وعنه وعن محمد بن الحسن: هي سنة، غير مرخص في تركها، قال الطحاوي: وبه نأخذ، وليس في الآثار ما يدل على وجوبها. قال الحافظ ابن حجر: وأقرب ما يتمسك به للوجوب حديث أبي هريرة، رفعه "من وجد سعة، فلم يضح، فلا يقربن مصلانا" أخرجه ابن ماجه وأحمد، ورجاله ثقات، لكن اختلف في رفعه ووقفه، والموقوف أشبه بالصواب، ومع ذلك فليس صريحاً في الإيجاب. ثم قال: وقد احتج من قال بالوجوب بما أخرجه أحمد والأربعة بسند قوي عن مخنف بن سليم، رفعه "على أهل كل بيت أضحية" ولا حجة فيه، لأن الصيغة ليست صريحة في الوجوب المطلق. واستدلوا بالأمر بالإعادة لمن ذبح قبل الصلاة، في رواياتنا، ورد بأنه لو كان الأمر بالإعادة للوجوب لتعرض إلى قيمة الأولى، ليلزم بمثلها، فلما لم يعتبر ذلك دل على أن الأمر بالإعادة كان على جهة الندب. ولا يقال: إن لفظ "مكانها" في روايتنا الأولى والثانية والثالثة، يشير إلى المماثلة، فإنه ليس نصاً في ذلك. وقد يستدل لهم بحرص الصحابة عليها، وحرص الشارع عليها، حتى وزعها عليهم، وأمرهم بذبحها، كما في روايتنا الخامسة عشرة، وأجيب بأن ذلك دليل على تأكدها، وندبهم إليها، وإلا فقد تركها كثير منهم، وقال ابن عمر: هي سنة ومعروف، وتعمد بعضهم تركها، وهو موسر، فقد روي عن أبي مسعود الأنصاري أنه قال: إني لأدع الأضحى، وأنا موسر، مخافة أن يرى جيراني أنه حتم علي، وروي عن علقمة أنه قال: لأن لا أضحي أحب أن أراه حتماً علي. قال ابن بطال: وهكذا ينبغي للعالم الذي

стр. 4393

يقتدى به، إذا خشي من العامة أن يلتزموا السنن التزام الفرائض أن يتركها، لئلا يتأسى به، ولئلا يختلط على الناس أمر دينهم، فلا يفرقوا بين فرضهم ونفلهم. -[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم: ]- ١ - من قوله في الرواية الثالثة "صلى يوم أضحى، ثم خطب" أن الخطبة للعيد بعد الصلاة، قال النووي: وهو إجماع الناس اليوم. ٢ - في قوله في الرواية الخامسة "عندي عناق لبن، هي خير من شاتي لحم" وإقرار النبي ﷺ له، بقوله "هي خير نسيكتيك" إشارة إلى أن المقصود في الضحايا طيب اللحم، لا كثرته، فشاة نفيسة أفضل من شاتين غير سمينتين، قال النووي: وأجمع العلماء على استحباب سمينها وطيبها. ٣ - وفي الأحاديث أن المرجع في الأحكام إنما هو النبي ﷺ . ٤ - وأنه قد يخص بعض أمته بحكم، ويمنع غيره منه، ولو كان بغير عذر. ٥ - وأن خطابه للواحد بعم جميع المكلفين، حتى يظهر دليل الخصوصية، قال الحافظ ابن حجر: لأن السياق يشعر بأن قوله لأبي بردة: "ضح به" أي بالجذع، ولو كان يفهم منه تخصيصه بذلك لما احتاج إلى أن يقول له: "ولن تجزي عن أحد بعدك" قال: ويحتمل أن تكون فائدة ذلك قطع إلحاق غيره به في الحكم المذكور، لا أن ذلك مأخوذ من مجرد اللفظ. ٦ - وفيه أن الإمام يعلم الناس في خطبة العيد أحكام النحر. ٧ - وفيه جواز الاكتفاء بالشاة الواحدة في الأضحية، عن الرجل وعن أهل بيته، وبه قال الجمهور، وعن أبي حنيفة والثوري: يكره، وقال الخطابي: لا يجوز أن يضحي بشاة واحدة عن اثنين، وادعى نسخ ما دل عليه الحديث. ٨ - قال ابن أبي جمرة: وفيه أن العمل، وإن وافق نية حسنة لم يصح إلا إذا وقع على وفق الشرع. ٩ - ومن قوله "إنما هو لحم قدمه لأهله" جواز أكل اللحم يوم العيد، من غير لحم الأضحية. ١٠ - وفيه كرم الرب ، لكونه شرع لعبيده الأضحية، مع ما لهم فيها من الشهوة بالأكل والادخار، ومع ذلك فأثبت لهم الأجر في الذبح، ثم من تصدق أثيب، وإلا لم يأثم. ١١ - وفي الرواية الحادية عشرة إجزاء الذكر في الأضحية، وهو مجمع عليه. ١٢ - وأن الأفضل أن يذبحها بنفسه، وهو مجمع عليه. ١٣ - وجواز التضحية بحيوانين. ١٤ - واستحباب التضحية بالأقرن. ١٥ - ومن الرواية الخامسة عشرة قسمة الإمام الأضاحي بين الناس، بنفسه، أو بأمره. والله أعلم

стр. 4394

(٥٤٦) باب استحباب ذبح الأضحية بنفسه والتسمية والتكبير عند الذبح، والذبح بكل ما أنهر الدم ليس السن والظفر ٤٤٤٨ - عن أنس ﵁ قال: ضحى النبي ﷺ بكبشين أملحين أقرنين. ذبحهما بيده. وسمى وكبر ووضع رجله على صفاحهما. ٤٤٤٩ - عن أنس ﵁ قال: ضحى رسول الله ﷺ بكبشين أملحين أقرنين. قال: ورأيته يذبحهما بيده. ورأيته واضعاً قدمه على صفاحهما. قال: وسمى وكبر. ٤٤٥٠ - وفي رواية عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ بمثله، غير أنه قال: ويقول: "باسم الله والله أكبر". ٤٤٥١ - عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ أمر بكبش أقرن، يطأ في سواد، ويبرك في سواد، وينظر في سواد، فأتي به ليضحي به. فقال لها يا عائشة: "هلمي المدية" ثم قال "اشحذيها بحجر" ففعلت. ثم أخذها وأخذ الكبش، فأضجعه ثم ذبحه. ثم قال: "باسم الله. اللهم تقبل من محمد وآل محمد، ومن أمة محمد" ثم ضحى به. ٤٤٥٢ - عن رافع بن خديج ﵁ قلت: يا رسول الله، إنا لاقو العدو غداً. وليست معنا مدى. قال ﷺ : "أعجل أو أرني. ما أنهر الدم، وذكر اسم الله فكل. ليس السن والظفر. وسأحدثك. أما السن فعظم. وأما الظفر فمدى الحبشة" قال: وأصبنا نهب إبل وغنم. فند منها بعير فرماه رجل بسهم فحبسه. فقال رسول الله ﷺ : "إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش. فإذا غلبكم منها شيء، فاصنعوا به هكذا".

стр. 4395

٤٤٥٣ - عن رافع بن خديج ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ بذي الحليفة من تهامة. فأصبنا غنماً وإبلاً. فعجل القوم، فأغلوا بها القدور. فأمر بها فكفئت ثم عدل عشراً من الغنم بجزور. ٤٤٥٤ - عن عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج عن جده قال: قلنا: يا رسول الله إنا لاقو العدو غداً. وليس معنا مدى. فنذكي بالليط؟ وذكر الحديث بقصته. وقال: فند علينا بعير منها. فرميناه بالنبل حتى وهصناه. ٤٤٥٥ - وفي رواية عن سعيد بن مسروق بهذا الإسناد الحديث إلى آخره بتمامه. وقال فيه: وليست معنا مدى. أفنذبح بالقصب؟ . ٤٤٥٦ - عن رافع بن خديج ﵁ أنه قال: يا رسول الله، إنا لاقو العدو غداً. وليس معنا مدى. وساق الحديث. ولم يذكر فعجل القوم فأغلوا بها القدور فأمر بها فكفئت. وذكر سائر القصة. -[المعنى العام]- كان ﷺ معلماً وهادياً، بالفعل والقول، كان بشراً، يأكل الطعام، ويمشي في الأسواق، كان في بيته في مهنة أهله، يقطع اللحم بنفسه، وبالاشتراك مع زوجه، كان يذبح ذبيحته بنفسه، وبخاصة إذا كانت هدياً، أو أضحية، فقد ذبح عدداً كبيراً من الإبل والبقر بيده الشريفة، من الهدي الذي ساقه إلى الحرم، في حجة الوداع، وهو ﷺ في هذه الأحاديث يباشر بنفسه ذبح الأضحية بكبشين، متكاملي الخلقة، أقرنين، أملحين، سمينين، حرص أن يكونا على أحسن حال الغنم، من حيث طيب اللحم وكثرته، ومن حيث جمال المنظر، عملاً بقوله تعالى ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ [آل عمران: ٩٢]. إن الأضحية -وإن كان المقصود منها بالدرجة الأولى التوسعة على الأهل في يوم العيد- هي

стр. 4396

شعيرة من شعائر الإسلام، كهدي الحرم، الذي يقول الله فيه ﴿والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون* لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين﴾ [الحج: ٣٦، ٣٧]. كان من السهل أن يأمر ﷺ بعض أصحابه بأن يذبح له، وكم يكون مثل هذا الأمر حبيباً إلى نفوس أصحابه، كان من السهل أن يريح نفسه من جهد الذبح، وأن يحمي بدنه وثيابه من التعرض لدم الذبيحة، ولكنه ﷺ يضرب المثل في التواضع، وفي مباشرة أموره بنفسه، وبخاصة إذا كان فيها جانب من جوانب الشرع، ليثاب على مباشرته، وليعلم أمته، لقد طلب المدية من عائشة ﵂ لتشاركه في أجر الذبح، فلما جاءته بها قال لها: اشحذيها، وحدديها، وسنيها بحجر، لتقطع سريعاً، فتخفف على الذبيحة الذبح وآلامه، وجاء بالكبش، فأضجعه على جانبه الأيسر، ووضع قدمه على صفحة عنقه، وأمسك السكين بيمينه، ورأس الكبش بشماله، ثم سمى وكبر، وقال: اللهم تقبل مني، ثم ذبح. ولقد كانت المدية -أو السكين- آلة الذبح، وكانت معروفة شائعة، لكن القوم على سفر كثير، وعرضة لعدم تيسر السكين في أسفارهم وغزواتهم، كما هم عرضة لأن يغنموا إبلاً وغنماً، وتدفعهم الحاجة والجماعة إلى ذبحها، وما كانوا ليفعلوا شيئاً إلا بعد أن يتبينوا حكمه الشرعي من رسول الله ﷺ . فسأل سائلهم: يا رسول الله، إنا سنخرج معك غداً للغزو، وقد لا تتيسر لنا المدى، فبماذا نذبح غداً إذا لم نجد السكين المعتاد؟ قال ﷺ : اذبحوا بأي محدد، كل ما أنهر الدم، وجرح الذبيحة في حلقها، وقطع حلقومها ومريئها وأوداجها فهو يحل لحمها، حديداً كان كالسيف وسن الرمح، أو حجراً، أو خشباً، أو زجاجاً، أو قشر قصب، أو خزفاً، أو نحاساً، لكن لا تذبحوا بالسن، لأنه عظم، ولا تذبحوا بالظفر، لأن الحبشة الكافرين يخنقون بأظفارهم الحيوان. وخرج بهم ﷺ في غزوة، وكان في آخر القوم، حماية لهم، وراعياً لضعيفهم، وطال بهم السفر، حتى نفد زادهم، وأصابتهم المجاعة، وغنمت مقدمة الجيش إبلاً وغنماً من الأعداء، فنزلوا منزلاً، وذبحوا منها، ووضعوها في قدرهم، وأوقدوا عليها نيرانهم، ورأى رسول الله ﷺ نيرانهم وقدورهم، فسألهم، فأخبروه، فغضب ﷺ على فعلهم هذا، دون إذن منه، وهو معهم، فأمرهم بإكفاء القدور، وطرح ما فيها من المرق واللحم الذي لم ينضج بعد، فاستجابوا فوراً، وأكفئت القدور. وساروا بما غنموا من الإبل والغنم، فشرد بعير ونفر نفور الوحش، وجروا خلفه، فلم يدركوه، وكان الخيل معهم قليلاً، حتى يمكنهم الإحاطة به ومحاصرته، فأدركه فارس بفرسه، فأرسل عليه سهماً، جرحه، وأعجزه، وأوقعه على الأرض، يجري دمه، فمات، فقال ﷺ : كلوه، فالحيوان المستأنس إذا توحش شأنه شأن المتوحش، يحل أكله بجرحه حيث قدر عليه، في أي مكان من جسمه، وإذا حصل لكم مثل هذا مستقبلاً، فافعلوا به مثل ما فعلتم اليوم، إن لهذه الإبل صدمات تصبح بها متوحشة كالوحش الأصلي، وإن المستأنس من الحيوان قد يصاب في مخه، فيبدو وحشاً، فعاملوها في هذه الحالة معاملة الوحوش، في صيدها، وحل لحمها.

стр. 4397

-[المباحث العربية]- (ضحى النبي ﷺ بكبشين) أي ذبح أضحيتين في المدينة بكبشين، والكبش فحل الضأن في أي سن كان. (أملحين) قال ابن الأعرابي وغيره: الأملح هو الأبيض الخالص البياض، وقال الأصمعي: هو الأبيض، يشوبه شيء من السواد، وقال أبو حاتم: هو الذي يخالط بياضه حمرة، وقال بعضهم: هو الأسود، يعلوه حمرة، وقال الكسائي: هو الذي فيه بياض وسواد، والبياض أكثر، وقال الخطابي: وهو الأبيض الذي في خلل صوفه طبقات سود، وقال الداودي: هو المتغير الشعر بسواد وبياض، وفي كتب اللغة: ملح الشيء بضم اللام، ملاحة، وهو مليح بهج وحسن منظره، فهو مليح، والمقصود بالأملح هنا جميل الشعر حسنه، وأذواق الناس تختلف من حيث تناسق الألوان، وهذه التضحية غير التضحية الواردة في الرواية الثالثة، إذ فيها "أمر بكبش أقرن، يطأ في سواد، ويبرك في سواد، وينظر في سواد" قال النووي: معناه أن قوائمه، وبطنه، وما حول عينيه أسود. اهـ يقال: وطئ الشيء، بكسر الطاء، يطؤه بفتحها، وطئاً داسه برجله، فالمعنى يدوس الأرض بأرجل سوداء، ويقال: برك البعير، بفتح الراء، وقع على بركه، بسكون الراء، والبرك مقدم صدر البعير الذي يلي الأرض و"في" هنا مرادفة للباء، أي يطأ بسواد، ويبرك بسواد، وينظر بسواد. (أقرنين) أي لكل منهما قرنان معتدلان حسنان. (ذبحهما بيده) أي بنفسه، دون توكيل، بأن أخذ المدية في يده، ومررها، وفي الرواية الثانية "ورأيته يذبحهما بيده". (وسمى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما) أي على صفاح كل منهما، عند ذبحه، والصفاح بكسر الصاد وتخفيف الفاء، الجوانب، جمع صفح بسكون الفاء والمراد أنه ﷺ وضع رجله على صفحة العنق، ليكون أثبت له وأمكن، ولئلا تضطرب الذبيحة، فتمنعه من إكمال الذبح، أو تؤذيه، ولما كان ﷺ قد وضع رجله على صفحة واحدة من كل من الكبشين كان الأصل أن يقول: ووضع رجله على صفحتيهما ليكون من إضافة المثنى إلى المثنى، المفيدة للتوزيع والقسمة الآحادية، كما في مقابلة الجمع بالجمع المقتضية للقسمة أحاداً، كقولنا: أعطيت الطلاب أقلاماً، لكنه جمع المضاف إلى المثنى لكراهتهم اجتماع تثنيتين عند ظهور المراد، كما في قوله تعالى ﴿إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما﴾ [التحريم: ٤] والجمع في مثل هذا أكثر استعمالاً من التثنية، ومن الإفراد، بل منع أبو حيان الإفراد إلا في الشعر، كقوله: حمامة بطن الواديين ترنمي. ووجهه بعضهم على مذهب من قال: إن أقل الجمع اثنان، فجعله من مقابلة الجمع بالجمع، وهذا بعيد.

стр. 4398

(هلمي المدية) أي أحضري المدية، و"هلم" اسم فعل أمر، لا يتصرف، ويلزم حالة واحدة للمفرد والمفردة والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث عند أهل الحجاز، وبنو تميم يلحقون به الضمائر، تأنيثاً، وتثنية وجمعاً، فهو هنا على لغة تميم. و"المدية" بضم الميم وسكون الدال السكين، وقد تكسر الميم، وقد تفتح. (اشحذيها بحجر) بفتح الحاء، بعدها ذال، أي حدديها. (ثم أخذها، وأخذ الكبش، فأضجعه، ثم ذبحه، ثم قال: باسم الله. اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد. ثم ضحى به) قال النووي: هذا الكلام فيه تقديم وتأخير، وتقديره: فأضجعه، وأخذ في ذبحه، قائلاً: باسم الله، اللهم تقبل من محمد وآل محمد وأمته، مضحياً به، قال: ولفظه "ثم" هنا متأولة على ما ذكرته بلا شك. اهـ والذي حمل النووي على هذا التأويل أن التسمية مشروعة عند بدء الذبح، وليست متراخية عنه، و"ثم" للترتيب والتراخي، فأشار إلى أن في قوله "ثم ذبحه" مجاز المشارفة، كما في قولنا: توضأ، فغسل وجهه، ويديه وشعره وقدميه، أي أشرف على الوضوء، وأراد الوضوء، فغسل إلخ. وهنا: أشرف على ذبحه وأراد ذبحه، ثم قال: باسم الله ... إلخ، وكذلك قوله "ثم ضحى به" فجعله حالاً، قيداً في العامل، وهو الأفعال السابقة، أي فعل كل ذلك على سبيل الأضحية، ويمكن أن تكون "ثم" للترتيب والتراخي في الذكر فقط، كقول الشاعر: أنا من ساد ثم ساد أبوه. وأما ما جاء في الرواية الأولى من عدم ترتيب الأفعال فلا يضر، لأن العطف فيه بالواو، وهي لا تقتضي ترتيباً ولا تعقيباً ولا تراخياً. (إنا لاقو العدو غداً وليست معنا مدى) اسم فاعل، من لقي بكسر القاف يلقى بفتحها، وهو من إضافة اسم الفاعل إلى مفعول، و"غداً" يراد به يوم بعد يومك، ليس شرطاً أن يكون التالي، ويحتمل أن يكون مراده أنهم إذا لقوا العدو صاروا بصدد أن يغنموا منهم ما يذبحونه، ويحتمل أن يكون مراده أنهم سيحتاجون إلى ذبح ما يأكلونه، ليتقووا به على العدو، إذا لقوه، وكرهوا أن يذبحوا بسيوفهم، لئلا يضر ذلك بحدها، فسأل عن الذي يجزئ في الذبح. (أعجل) بكسر الجيم وهمزة قطع، فعل أمر، أي أعجل ذبحها بكل ما ينهر الدم، لئلا تموت خنقاً، وعند البخاري "اعجل" بهمزة وصل وفتح الجيم. (أو أرني) شك من الراوي، هل قال: أعجل؟ أو قال "أرن". قال النووي: "أرن" بفتح الهمزة وكسر الراء، وإسكان النون، وروي بإسكان الراء، وكسر النون، وروي "أرني" بإسكان الراء، وزيادة ياء، وكذا وقع هنا في أكثر النسخ.

стр. 4399

قال الخطابي: صوابه "أأرن" بهمزة مفتوحة بعدها همزة ساكنة مع كسر الراء، على وزن "أعجل" وهو بمعناه، وهو من النشاط والخفة، [لأن الذبح إذا كان بغير الحديد احتاج إلى خفة يد صاحبه، وسرعة إمرارها، قبل أن تهلك]، وقد يكون "أرن" على وزن "أطلع" أي أهلكها ذبحاً، من "أران القوم" إذا هلكت مواشيهم، قال: ويكون "أرن" على وزن "أعط" بمعنى أدم الحز والقطع، ولا تفتر، من قولهم: "رنوت" إذا أدمت النظر. قال القاضي عياض: وقد رد بعضهم على الخطابي قوله: من "أران القوم" إذا هلكت مواشيهم، لأن هذا لا يتعدى، والمذكور في الحديث متعد، على ما فسره، ورد عليه أيضاً قوله: إنه "أأرن" إذ لا نجتمع همزتان إحداهما ساكنة في كلمة واحدة، وإنما يقال في هذا "أيرن" قال القاضي: وقال بعضهم: معنى "أرني" بالياء سيلان الدم. اهـ (ما أنهر الدم، وذكر اسم الله، فكل) أي ما أسال الدم بكثرة، وجعله كالنهر يجري فكل، ورابط جملة الخبر بالمبتدأ محذوف، والتقدير "فكله" وفيه مضاف محذوف، أي فكل ذبيحته، و"ذكر اسم الله" بضم الذال، مبني للمجهول، والرابط محذوف أيضاً، أي وذكر اسم الله عليه، ورواية أبي داود "وذكر اسم الله عليه"، والجملة حال بتقدير "قد" عند من يشترطها، أي مذكوراً عليه اسم الله. قال القاضي: وذكر الخشبي في شرح هذا الحديث "ما أنهز" بالزاي، والنهز بمعنى الدفع. قال: وهذا غريب، والمشهور بالراء المهملة. كذا ذكره العلماء كافة. قال بعض العلماء: والحكمة في اشتراط الذبح، وإنهار الدم تمييز حلال اللحم والشحم من حرامهما، وتنبيه على أن تحريم الميتة لبقاء دمها. (ليس السن والظفر) أداة استثناء، و"السن" منصوب على الاستثناء مما أنهر الدم، كأنه قال: ما أنهر الدم إلا السن والظفر، أو خلا السن والظفر فكل ذبيحته، والسن والظفر مطلقان، فهل هما على إطلاقهما؟ وعلى عمومهما؟ يشملان سن وظفر الآدمي وغيره؟ الطاهر والنجس؟ المتصل والمنفصل؟ أو لا؟ وهل يلحق بهما سائر العظام؟ أم لا؟ خلاف فقهي سيأتي. (وسأحدثك) أي عن سبب استثناء السن والظفر. (أما السن فعظم) قال النووي: معناه فلا تذبحوا به، فإنه يتنجس بالدم، وقد نهيتم عن الاستنجاء بالعظام لئلا تتنجس، لكونها زاد إخوانكم من الجن. اهـ وفي هذا التوجيه نظر، فقد يمكن تطهيرها بعد الذبح بها، ولهذا قال ابن الصلاح: ولم أر بعد البحث من نقل للمنع من الذبح بالعظم معنى يعقل. اهـ (وأما الظفر فمدى الحبشة) قال: معناه أنهم كفار، وقد نهيتم عن التشبه بالكفار، وهذا شعار لهم. اهـ وفيه نظر أيضاً، لأنه لو كان كذلك لامتنع الذبح بالسكين وسائر ما يذبح به الكفار. (وأصبنا نهب إبل وغنم) يقال: نهب الشيء ينهبه، بفتح الهاء فيهما، أخذه قهراً، والنهب بسكون الهاء المنهوب، والمعنى أخذنا قهراً وغنيمة إبلاً وغنماً من أعدائنا في حرب وغارة عليهم، وفي رواية البخاري "وتقدم سرعان الناس فأصابوا من المغانم".

стр. 4400

(فند منها بعير) بفتح النون وتشديد الدال، أي شرد وهرب وجرى على وجهه، نافراً، وفي الرواية السادسة "فند علينا بعير منها" فعلى بمعنى "عن" للمجاوزة (فرماه رجل بسهم فحبسه) أي أصابه، فأوقفه، وأوقعه على الأرض، وهل يحل البعير الناد، إذا رمي بسهم؟ وإن قدر على ذكاته بعد؟ خلاف فقهي سيأتي، وفي الرواية السادسة "فرميناه بالنبل، حتى وهصناه" بفتح الهاء وسكون الصاد، أي أسقطناه على الأرض، وفي غير مسلم "رهصناه" بالراء، أي حبسناه، وفي رواية البخاري "وكان في القوم خيل يسيرة" كاعتذار لعدم قدرتهم على البعير الناد بغير السهام. (إن لهذه الإبل أوابد، كأوابد الوحش) أي إن لهذه الإبل نفوراً وشروداً، كنفور الوحش وشروده، يقال: أبد، بفتح الهمزة والباء، يأبد، بضم الباء وكسرها، و"أبد" بكسر الباء، يأبد بفتحها، إذا نفر المستأنس والأوابد، بكسر الباء، جمع آبدة، بالمد وكسر الباء المخففة. (فإذا غلبكم منها شيء فاصنعوا به هكذا) أي إذا غلبكم بعير بنفوره وشروده، فارموه بالسهم. (كنا مع رسول الله ﷺ بذي الحليفة من تهامة) قال النووي: قال العلماء: الحليفة هذه مكان من تهامة، بين حاذة وذات عرق بين الطائف ومكة، وليست بذي الحليفة، التي هي ميقات أهل المدينة، هكذا ذكره الحازمي في كتابه المؤتلف في أسماء الأماكن، لكنه قال: الحليفة، من غير لفظ "ذي" والذي في صحيح البخاري ومسلم "بذي الحليفة" فكأنه يقال بالوجهين، قال الحافظ ابن حجر: وكان ذلك عند رجوعهم من الطائف، سنة ثمان، وفي رواية البخاري "فما ند عليكم منها فاصنعوا به هكذا" وفي رواية "فما فعل منها هذا، فافعلوا مثل هذا" وفي رواية الطبراني "فاصنعوا به ذلك، وكلوه". (فعجل القوم، فأغلوا بها القدور) في رواية البخاري "فأصاب الناس جوع" يمهد الصحابي بذلك لعذرهم في ذبحهم الإبل والغنم التي أصابوا، زاد في رواية البخاري "وكان النبي ﷺ في أخريات الناس" وكان ﷺ يفعل ذلك صوناً للعسكر وحفظاً، وفي رواية البخاري "فعجلوا، فنصبوا القدور" وفي رواية "فانطلق ناس من سرعان الناس، فذبحوا ونصبوا القدور قبل أن يقسم" ومعنى "فأغلوا القدور" أي أوقدوا النار تحتها، حتى غلت، وفي رواية "فانتهى النبي ﷺ إليهم". (فأمر بها فكفئت) في رواية البخاري "فأمر بالقدور فأكفئت" أي قلبت، وأفرغ ما فيها، وهل أتلف ما فيها من المرق فقط؟ واستفيد باللحم؟ أم أتلف المرق واللحم؟ سيأتي تفصيل ذلك في فقه الحديث. (ثم عدل عشراً من الغنم بجزور) في رواية البخاري "ثم قسم، فعدل عشرة من الغنم ببعير" قالوا: وهو محمول على أن قيمة الغنم إذ ذاك كانت كذلك، أو أن الغنم كانت كثيرة، أو هزيلة، فلا يتعارض ذلك مع القاعدة في الأضاحي من أن البعير يجزي عن سبع شياه.

стр. 4401

(فنذكي بالليط؟ ) الكلام على حذف أداة الاستفهام، و"الليط" بكسر اللام قشور القصب، وليط كل شيء قشوره، والواحدة ليطة، وهو معنى قوله في ملحق الرواية "أفنذبح بالقصب"؟ وفي رواية أبي داود وغيره "أفنذبح بالمروة"؟ وهي حجر أبيض، وقيل: الذي يقدح منه النار. وفي رواية الطبراني "أفنذبح بالقصب والمروة"؟ وفي رواية "أنذبح بالمروة وشقة العصا"؟ . -[فقه الحديث]- نقاط هذا الباب أربع: ١ - استحباب ذبح الأضحية بنفسه، دون توكيل. ٢ - التسمية والتكبير عند الذبح. ٣ - الآلة الصالحة للذبح. ٤ - ما يؤخذ من الأحاديث. وهذا هو التفصيل. ١ - أما ذبح الأضحية. بنفسه فقد قال النووي: يستحب أن يتولى الإنسان ذبح أضحيته بنفسه، ولا يوكل في ذبحها إلا لعذر، وحين العذر يستحب أن يشهد ذبحها، وإن استناب فيها مسلماً جاز، بلا خلاف، وإن استناب كتابياً كره كراهية تنزيه، وأجزأه، ووقعت التضحية عن الموكل. قال: هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة، إلا مالكاً في إحدى الروايتين عنه، فإنه لم يجوزها. ويجوز أن يستنيب صبياً، أو امرأة حائضاً، لكن يكره توكيل الصبي، وفي كراهة توكيل الحائض وجهان، قال أصحابنا: الحائض أولى بالاستنابة من الصبي، والصبي أولى من الكتابي. قال أصحابنا: والأفضل لمن وكل أن يوكل مسلماً فقيهاً بباب الذبائح والضحايا، لأنه أعرف بشروطها وسننها. اهـ وجاءت رواية عن المالكية بعدم إجزاء الوكيل عند القدرة، وعند أكثرهم يكره. وقال الحافظ ابن حجر: وعن الشافعية الأولى للمرأة أن توكل في ذبح أضحيتها، ولا تباشر الذبح بنفسها. ٢ - وأما التسمية عند الذبح: فقد سبق تفصيل حكمها في أول كتاب الصيد والذبائح، باب الصيد بالكلاب المعلمة، ونزيد هنا أن الحديث علق الإذن بمجموع الأمرين، وهما الإنهار والتسمية والمعلق على شيئين لا يكتفى فيه إلا باجتماعهما، وينتفى بانتفاء أحدهما، وأما التكبير ففي الحديث استحباب التكبير مع التسمية، فيقول: باسم الله، والله أكبر.

стр. 4402

٣ - الآلة الصالحة للذبح: وفي الرواية الرابعة وما بعدها تصريح بجواز الذبح بكل محدد يقطع، إلا السن والظفر. قال النووي: فيدخل في ذلك السيف والسكين والسنان والحجر والخشب والزجاج والقصب والخزف والنحاس وسائر الأشياء المحددة، فكلها تحصل بها الذكاة، إلا السن والظفر والعظام كلها، قال: قال أصحابنا: وفهمنا العظام من بيان النبي ﷺ العلة، في قوله: "أما السن فعظم" أي نهيتكم عنه لكونه عظماً، فهذا تصريح بأن العلة كونه عظماً، فكل ما صدق عليه اسم العظم لا تجوز الذكاة به، وقد قال الشافعي وأصحابه بهذا الحديث في كل ما تضمنه، وبهذا قال النخعي والحسن بن صالح والليث وأحمد وإسحق وأبو ثور وداود وفقهاء الحديث وجمهور العلماء. وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يجوز بالسن والعظم المتصلين، ويجوز بالمنفصلين [أي لأن الذبح بالمتصلين يشبه الخنق، وبالمنفصلين يشبه الآلة المستقلة، من حجر وغيره]. وعن مالك روايات، أشهرها: جوازه بالعظم، دون السن، كيف كان العظم، وكيف كان السن، والثانية كمذهب الجمهور، والثالثة كأبي حنيفة، والرابعة حكاها عنه ابن المنذر: يجوز بكل شيء، حتى السن والظفر. وعن ابن جريج: جواز الذكاة بعظم الحمار، دون القرد. قال النووي: وهذا مع ما قبله باطلان، منابذان للسنة. اهـ أما ما يجب قطعه في الذبح فقد قال النووي: قال الشافعي وأصحابه وموافقوهم: لا تحصل الذكاة إلا بقطع الحلقوم والمريء بكمالهما، ويستحب قطع الودجين، ولا يشترط، وهذا أصح الروايتين عن أحمد. وقال ابن المنذر: أجمع العلماء على أنه إذا قطع الودجين والحلقوم والمريء، وأسال الدم، حصلت الذكاة، قال واختلفوا في قطع بعض هذا، فقال الشافعي: يشترط قطع الحلقوم والمريء، ويستحب الودجان، وقال الليث وأبو ثور وداود وابن المنذر: يشترط الجميع. وقال أبو حنيفة: إذا قطع ثلاثة من هذه الأربعة أجزأه. وقال مالك: يجب قطع الحلقوم والودجين، ولا يشترط المريء، وهذه رواية عن الليث أيضاً. وعن مالك رواية أنه يكفي قطع الودجين، وعنه اشتراط قطع الأربعة، كما قال الليث وأبو ثور. وعن أبي يوسف ثلاث روايات، إحداها كأبي حنيفة، والثانية إن قطع الحلقوم واثنين من الثلاثة الباقية حلت، وإلا فلا، والثالثة يشترط قطع الحلقوم والمريء، وأحد الودجين، وقال محمد بن الحسن: إن قطع من كل واحد من الأربعة أكثره حل، وإلا فلا. -[ويؤخذ من أحاديث الباب فوق ما تقدم]- ١ - جواز تضحية الإنسان بعدد من الحيوان.

стр. 4403

٢ - واستحباب الأقرن. قال النووي: وأجمع العلماء على جواز التضحية بالأجم، الذي لم يخلق له قرنان، واختلفوا في مكسور القرن، فجوزه الشافعي وأبو حنيفة والجمهور، سواء كان يدمي أم لا، وكرهه مالك إذا كان يدمي، وجعله عيباً. ٣ - واستحباب استحسان الأضحية، واختيار أكملها، قال النووي: وأجمعوا على أن العيوب الأربعة المذكورة في حديث البراء -وهي: المرض والعجف [الهزال] والعور والعرج البين- لا تجزئ التضحية بها، وكذا ما كان في معناها، أو أقبح، كالعمى وقطع الرجل وشبهه. قال: وحديث البراء هذا لم يخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما، ولكنه صحيح، رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم من أصحاب السنن بأسانيد صحيحة وحسنة. قال أحمد بن حنبل: ما أحسنه من حديث، وقال الترمذي: حسن صحيح. اهـ ولفظ الحديث كما هو عند النسائي "أربعة لا يجزين في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظلعها -أي عرجها- والكسيرة التي لا تنقى" -أي التي لا مخ لها، لشدة عجفها، ومرضها، وفي رواية "لا يجوز من الضحايا العوراء البين عورها، والعرجاء البين عرجها. والمريضة البين مرضها، والعجفاء التي لا تنقى". ٤ - وفي قوله "أملحين" استحباب استحسان لون الأضحية. قال النووي: وقد أجمعوا عليه، قال أصحابنا: أفضلها البيضاء، ثم الصفراء، ثم الغبراء -وهي التي لا يصفو بياضها -ثم البلقاء -وهي التي بعضها أبيض، وبعضها أسود- ثم السوداء. أما الموجوء -وهو منزوع الأنثيين، والوجاء -بكسر الواو- الخصاء، فقد كرهه بعض أهل العلم، لنقص العضو، مستأنساً بما جاء عند الترمذي بلفظ "ضحى بكبش فحل" أي كامل الخلقة، لم تقطع أنثياه، والجمهور على عدم كراهته، وأن ذلك ليس عيباً، لأن الخصاء يفيد اللحم طيباً، وينفي عنه الزهومة وسوء الرائحة. ٥ - وفيه أن الذكر في الأضحية أفضل من الأنثى لأن لحمه أطيب وهو قول الجمهور، وقال ابن العربي: الأصح أفضلية الذكور على الإناث في الضحايا، وقيل: هما سواء. ٦ - قال النووي: وفيه استحباب إضجاع الغنم في الذبح، وأنها لا تذبح قائمة، ولا باركة، بل مضطجعة، لأنه أرفق بها، وبهذا جاءت الأحاديث، وأجمع المسلمون عليه، واتفق العلماء وعمل المسلمين على أن إضجاعها يكون على جانبها الأيسر، لأنه أسهل على الذابح في أخذ السكين باليمين، وإمساك رأسها باليسار. ٧ - واستحباب وضع الرجل على صفاحها. قال النووي: وهذا الحديث أصح من الحديث الذي جاء بالنهي عن هذا. ٨ - ومن قوله في الرواية الثالثة "اشحذيها" استحباب إحسان القتلة والذبح، وإحداد الشفرة. ٩ - ومن التسمية والتكبير والدعاء الوارد في الرواية استحباب قول المضحي حال الذبح: اللهم تقبل مني. قال الشافعية: ويستحب أن يقول: اللهم منك، وإليك. تقبل مني.

стр. 4404

قال النووي: فهذا مستحب عندنا وعند الحسن وجماعة، وكرهه أبو حنيفة وكره مالك "اللهم منك وإليك" وقال: هي بدعة. ١٠ - واستدل بالحديث من جوز تضحية الرجل عن نفسه وعن أهل بيته، واشتراكهم معه في الثواب، قال النووي: وهو مذهبنا ومذهب الجمهور، وكرهه الثوري وأبو حنيفة وأصحابه، وزعم الطحاوي أن هذا الحديث منسوخ، أو مخصوص، وغلطه العلماء في ذلك، فإن النسخ والتخصيص لا يثبتان بمجرد الدعوى. ١١ - ومن الرواية الرابعة وما بعدها، من قوله "ما أنهر الدم" تنبيه على أن تحريم الميتة إنما هو لبقاء دمها. ١٢ - وفيه أيضاً دليل على جواز ذبح المنحور، ونحر المذبوح، ما دام قد حصل إنهار الدم، وقد جوزه العلماء كافة، إلا داود فمنعهما، وكرهه مالك كراهة تنزيه، وفي رواية كراهة تحريم، وفي رواية عنه إباحة ذبح المنحور، دون نحر المذبوح. قال النووي: وأجمعوا أن السنة في الإبل النحر، وفي الغنم الذبح، والبقر كالغنم عندنا وعند الجمهور، وقيل: يتخير بين ذبحها ونحرها. ١٣ - وفي قصة البعير الناد دليل لإباحة عقر الحيوان الذي يند، ويعجز عن ذبحه ونحره، قال النووي: قال أصحابنا وغيرهم: الحيوان المأكول الذي لا تحل ميتته ضربان: مقدور على ذبحه، ومتوحش، فالمقدور عليه لا يحل إلا بالذبح في الحلق واللبة، وهذا مجمع عليه، وسواء في هذا الإنسي والوحشي، إذا قدر على ذبحه، بأن أمسك الصيد، أو كان متأنساً، فلا يحل إلا بالذبح في الحلق واللبة، وأما المتوحش كالصيد ففي جميع أجزائه يذبح، ما دام متوحشاً، فإذا رماه بسهم، أو أرسل عليه جارحة، فأصاب شيئاً منه، ومات به، حل بالإجماع، وأما إذا توحش إنسي، بأن ند بعير، أو بقرة، أو فرس، أو شردت شاة أو غيرها، فهو كالصيد، فيحل بالرمي إلى غير مذبحه، وبإرسال الكلب وغيره من الجوارح عليه، وكذا لو تردى بعير أو غيره في بئر، ولم يمكن قطع حلقومه ومريئه، فهو كالبعير الناد، في حله بالرمي، بلا خلاف عندنا، وفي حله بإرسال الكلب وجهان، أصحها لا يحل، قال أصحابنا: وليس المراد بالتوحش مجرد الإفلات، بل متى تيسر لحوقه بعد، ولو بالاستعانة بمن يمسكه ونحو ذلك، فليس متوحشاً، ولا يحل حينئذ إلا بالذبح في المذبح، وإن تحقق العجز في الحال جاز رميه، ولا يكلف الصبر إلى قدرة عليه، وسواء كانت الجراحة في فخذه أو خاصرته أو غيرهما من بدنه، فيحل. هذا تفصيل مذهبنا، وممن قال بإباحة عقر الناد -كما ذكرنا- علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وطاووس وعطاء والشعبي والحسن البصري والأسود بن يزيد والحكم وحماد والنخعي والثوري وأبو حنيفة وأحمد وإسحق وأبو ثور والمزني وداود والجمهور، ودليلهم حديث رافع هذا. وقال سعيد بن المسيب وربيعة والليث ومالك: لا يحل إلا بذكاة في حلقه، كغيره.

стр. 4405

١٤ - ومن الأمر بإكفاء القدور تحريم التصرف في الأموال المشتركة من غير إذن، ولو قلت، ولو وقع الاحتياج إليها. ١٥ - وأنه لا يجوز الأكل من الغنائم قبل القسمة. قال النووي: إنهم كانوا قد انتهوا إلى دار الإسلام، وإلى المحل الذي لا يجوز فيه الأكل من مال الغنيمة المشتركة، فإن الأكل من الغنائم قبل القسمة إنما يباح في دار الحرب، وقال الإسماعيلي: إكفاء القدور يجوز أن يكون من أجل أنهم تعجلوا إلى الاختصاص بالشيء دون بقية من يستحقه، من قبل أن يقسم ويخرج منه الخمس، فمنعهم من تناول ما سبقوا إليه، زجراً لهم عن معاودة مثله. اهـ وأبعد المهلب، فقال: إنما عاقبهم لأنهم استعجلوا، وتركوه في آخر القوم، متعرضاً لمن يقصده من عدو ونحوه، وتعقب أنه ﷺ كان مختاراً لذلك، ولا معنى للحمل على الظن، مع وجود النص بالسبب. ١٦ - وأن للإمام عقوبة الرعية، بما فيه إتلاف منفعة ونحوها، إذا غلبت المصلحة الشرعية، قال النووي: واعلم أن المأمور به من إراقة القدور إنما هو إتلاف لنفس المرق، عقوبة لهم، وأما نفس اللحم فلم يتلفوه، بل يحمل على أنه جمع، ورد إلى المغنم، ولا يظن أنه ﷺ أمر بإتلافه، لأنه مال للغانمين، وقد نهي عن إضاعة المال، مع أن الجناية بطبخه لم تقع من جميع مستحقي الغنيمة، إذ من جملتهم أصحاب الخمس، ومن الغانمين من لم يطبخ، قال: فإن قيل: لم ينقل أنهم حملوا اللحم إلى المغنم؟ قلنا: ولم ينقل أيضاً أنهم أحرقوه وأتلفوه، وإذا لم يأت فيه نقل صريح وجب تأويله على وفق القواعد الشرعية، وهو ما ذكرناه، وهذا بخلاف إكفاء قدور الحمر الأهلية يوم خيبر. فإنه أتلف ما فيها من لحم ومرق، لأنها صارت نجسة، ولهذا قال النبي ﷺ فيها "إنها رجس أو نجس" كما سبق في بابه، وأما هذه اللحوم فكانت طاهرة، منتفعاً بها، بلا شك، فلا يظن إتلافها. والله أعلم. اهـ قال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن الشياه بدأ طبخها صحاحاً، فلما أريق مرقها ضمت إلى المغنم، لتقسم، ثم يطبخها من وقعت في سهمه. ورد على هذا بعضهم بما أخرجه أبو داود بإسناد جيد، عن رجل من الأنصار، قال: أصاب الناس مجاعة شديدة، فأصابوا غنماً، فانتهبوها، فإن قدورنا لتغلي بها إذ جاء رسول الله ﷺ على فرسه، فأكفأ قدورنا بقوسه، ثم جعل يرمل اللحم بالتراب، ثم قال: إن النهبة ليست بأحل من الميتة" ورد هذا الرد بأنه لا يلزم من تتريب اللحم إتلافه، لإمكان تداركه بالغسل، فإن قيل: إن السياق يشعر بأنه أريد المبالغة في الزجر عن ذلك الفعل، وبقاء اللحم صالحاً للانتفاع به، لا يجعل لإكفاء القدور كبير زجر؟ قلنا: إن الجناية ليست كبيرة، ولم يسبق التنبيه إلى مثلها، فتكفي العقوبة بالإكفاء، وتأخير الطعام، وهم في جماعة، وإتلاف اللحوم ليست عقوبة كبيرة للغانمين، لأن نصيب كل منهم منها سيكون يسيراً، فالعقوبة الحقيقية معاملتهم بنقيض قصدهم، وهو التعجل، وعقوبته التأخير. ١٧ - وبوب البخاري لهذا الحديث باب قسمة الغنم، أي بالعدد، لقوله "ثم عدل عشراً من الغنم بجزور".

стр. 4406

١٨ - وبوب البخاري لهذا الحديث بباب ما يكره من ذبح الإبل والغنم، في المغانم؛ وذلك لأن الأمر بإكفاء القدور مشعر بكراهة ما صنعوا من الذبح بغير إذن. ١٩ - قال ابن المنير: قيل: إن الذبح إذا كان على طريق التعدي كان المذبوح ميتة. اهـ أخذ هذا القائل حكمه من الأمر بإكفاء القدور، وقد ذكرنا التوجيه الراجح بأن اللحوم لم تتلف، فلا دليل على ما قال. ٢٠ - وفيه العقوبة بالمال، وإن كان ذلك المال لا يختص بأولئك الذين ذبحوا، لكن لما تعلق به طمعهم كانت النكاية حاصلة لهم، وإذا جوزنا هذا النوع من العقوبة كانت عقوبة صاحب المال في ماله أولى، ومن هنا قال مالك: يراق اللبن المغشوش، ولا يترك لصاحبه، لينتفع به بغير البيع، أدباً له. ٢١ - وفيه حل أكل ما رمي بالسهم. ٢٢ - وفيه انقياد الصحابة لأمر النبي ﷺ ، حتى في ترك الشيء الذي تشتد حاجتهم إليه، فقد أكفئت القدور باللحوم، وهم في مجاعة شديدة. والله أعلم

стр. 4407

(٥٤٧) باب ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث وبيان نسخه ٤٤٥٧ - عن أبي عبيد قال: شهدت العيد مع علي بن أبي طالب. فبدأ بالصلاة قبل الخطبة. وقال: إن رسول الله ﷺ نهانا أن نأكل من لحوم نسكنا بعد ثلاث. ٤٤٥٨ - عن أبي عبيد مولى ابن أزهر؛ أنه شهد العيد مع عمر بن الخطاب. قال: ثم صليت مع علي بن أبي طالب. قال: فصلى لنا قبل الخطبة. ثم خطب الناس فقال: إن رسول الله ﷺ قد نهاكم أن تأكلوا لحوم نسككم فوق ثلاث ليال. فلا تأكلوا. ٤٤٥٩ - عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ ؛ أنه قال: "لا يأكل أحد من لحم أضحيته فوق ثلاثة أيام". ٤٤٦٠ - عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ نهى أن تؤكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث. قال سالم: فكان ابن عمر لا يأكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث. وقال ابن أبي عمر: بعد ثلاث. ٤٤٦١ - عن عبد الله بن واقد ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث. قال عبد الله بن أبي بكر: فذكرت ذلك لعمرة فقالت: صدق. سمعت عائشة تقول: دف أهل أبيات من أهل البادية حضرة الأضحى، زمن رسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : "ادخروا ثلاثاً. ثم تصدقوا بما بقي" فلما كان بعد ذلك قالوا: يا رسول الله، إن الناس يتخذون الأسقية من ضحاياهم ويجملون منها الودك. فقال رسول الله ﷺ :

стр. 4408

"وما ذاك" قالوا: نهيت أن تؤكل لحوم الضحايا بعد ثلاث. فقال: "إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت. فكلوا وادخروا وتصدقوا". ٤٤٦٢ - عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ ، أنه نهى عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث. ثم قال بعد: "كلوا وتزودوا وادخروا". ٤٤٦٣ - عن جابر بن عبد الله ﵄ يقول: كنا لا نأكل من لحوم بدننا فوق ثلاث منى. فأرخص لنا رسول الله ﷺ فقال: "كلوا وتزودوا". قلت لعطاء: قال جابر: حتى جئنا المدينة؟ قال: نعم. ٤٤٦٤ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كنا لا نمسك لحوم الأضاحي فوق ثلاث. فأمرنا رسول الله ﷺ أن نتزود منها، ونأكل منها. يعني فوق ثلاث. ٤٤٦٥ - عن جابر ﵁ قال: كنا نتزودها إلى المدينة على عهد رسول الله ﷺ . ٤٤٦٦ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يا أهل المدينة لا تأكلوا لحوم الأضاحي فوق ثلاث" -وقال ابن المثنى: ثلاثة أيام- فشكوا إلى رسول الله ﷺ أن لهم عيالاً وحشماً وخدماً. فقال: "كلوا وأطعموا واحبسوا أو ادخروا". قال ابن المثنى شك عبد الأعلى. ٤٤٦٧ - عن سلمة بن الأكوع ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من ضحى منكم فلا يصبحن في بيته بعد ثالثة، شيئاً" فلما كان في العام المقبل قالوا: يا رسول الله، نفعل كما فعلنا عام أول؟ فقال: "لا. إن ذاك عام كان الناس فيه بجهد فأردت أن يفشو فيهم".

стр. 4409

٤٤٦٨ - عن ثوبان ﵁ قال: ذبح رسول الله ﷺ ضحيته ثم قال: يا ثوبان، أصلح لحم هذه" فلم أزل أطعمه منها حتى قدم المدينة. ٤٤٦٩ - عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: قال لي رسول الله ﷺ في حجة الوداع "أصلح هذا اللحم" قال فأصلحته. فلم يزل يأكل منه حتى بلغ المدينة. ٤٤٧٠ - وفي رواية عن يحيى بن حمزة بهذا الإسناد ولم يقل: في حجة الوداع. ٤٤٧١ - عن عبد الله بن بريدة عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ "نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها. ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فأمسكوا ما بدا لكم. ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء، فاشربوا في الأسقية كلها. ولا تشربوا مسكراً". ٤٤٧٢ - وفي رواية عن ابن بريدة عن أبيه؛ أن رسول الله ﷺ قال: "كنت نهيتكم" فذكر بمعنى حديث أبي سنان. -[المعنى العام]- الإسلام دين التعاطف والمواساة، دين المودة والمحبة، دين الترابط بين الأغنياء والفقراء، دين التكافل الاجتماعي، دين تقع في مسئولية الجائعين على جيرانهم الأغنياء، فلا يدخل الجنة مع السابقين من بات شبعان، وجاره جائع، دين فرض للفقراء حقاً في مال الأغنياء، حيث يقول جل شأنه ﴿والذين في أموالهم حق معلوم* للسائل والمحروم﴾ [المعارج: ٢٤، ٢٥] وخصت الشريعة الإسلامية أيام العيد بمزيد من توصية القادرين بالضعفاء والمساكين، ففرضت في عيد الفطر زكاة الفطر، وشرعت الأضحية في عيد الأضحى، توسعة على الأهل، وعلى الفقراء والمحتاجين، وإذا كانت الشريعة الإسلامية لم تحدد قدراً معيناً من أضحية الغني، وتركت ذلك لأريحيته وسخاء نفسه،

стр. 4410

ودرجة حرصه على ثواب الآخرة، لكنها أمرت برعاية الفقير بقوله تعالى ﴿فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير﴾ [الحج: ٢٨] وكان هذا الأمر الإلهي مجالاً لاجتهاد الفقهاء في القدر المستحب إعطاؤه للفقير من الأضحية، فذهب بعضهم إلى أن المستحب أن يأكل صاحب الأضحية هو وأهله نصفها، ويتصدق بنصفها، وذهب بعضهم إلى أن المستحب أن يأكل الثلث، ويتصدق بالثلث، ويهدي الثلث، هذا هو المستحب الذي يثاب المسلم على مقداره، أما القدر الواجب فهو الصدقة بأي جزء، صغر أو كبر، على معنى أنه لو لم يعط الفقير منها أصلاً كان حراماً، وعوقب على ذلك يوم القيامة. وفي وقت من أوقات الشدة، والضيق الاقتصادي، وكثرة المحتاجين، وقسوة حاجتهم فرض الرسول الكريم ﷺ على الأغنياء المضحين أن يعطوا الفقراء، ما يزيد عن حاجتهم في ثلاثة أيام، فقال: "من ضحى منكم فلا يصبحن بعد ثالثة، وعنده منه شيء" كان المسلمون حينذاك يدخرون من الأضحية قوتهم لشهور، فأمروا في عام شدة أن لا يمسكوا منها، وأن لا يدخروا منها إلا ما يكفيهم ثلاثة أيام ثم يتصدقوا بالباقي، وامتثل المسلمون، فلما كان العام المقابل سألوا رسول الله ﷺ : هل نفعل في أضحيتنا كما فعلنا العام الماضي؟ لا نمسك منها شيئاً بعد ثلاث ليال؟ فقال ﷺ : لا. كان العام الماضي عام شدة، فكان له حكمه، أردت فيه أن تعينوا الفقراء على شدتهم، وهذا العام عام رخاء، فكلوا منها، وادخروا منها بعد ثلاث، لكن لا تصدقوا منها بما ترجون عليه الأجر من الله تعالى. -[المباحث العربية]- (عن أبي عبيد) بضم العين وفتح الباء، واسمه سعد بن عبيد، مولى عبد الرحمن بن أزهر بن عوف، ابن أخي عبد الرحمن بن عوف، وينتسب أيضاً إلى عبد الرحمن بن عوف، مات سنة ثمان وتسعين. (شهدت العيد مع علي بن أبي طالب) في الرواية الثانية "أنه شهد العيد مع عمر بن الخطاب. قال: ثم صليت مع علي بن أبي طالب" وفي رواية البخاري "أنه شهد العيد يوم الأضحى مع عمر بن الخطاب ﵁ فصلى قبل الخطبة، ثم خطب الناس، فقال: يا أيها الناس. إن رسول الله ﷺ قد نهاكم عن صيام هذين العيدين، أما أحدهما فيوم فطركم من صيامكم، وأما الآخر فيوم تأكلون نسككم. قال أبو عبيد: ثم شهدت مع عثمان بن عفان، فكان ذلك يوم الجمعة، فصلى قبل الخطبة، ثم خطب، فقال: يا أيها الناس، إن هذا يوم قد اجتمع لكم فيه عيدان، فمن أحب أن ينتظر الجمعة من أهل العوالي فلينتظر، ومن أحب أن يرجع فقد أذنت له، قال أبو عبيد: ثم شهدته مع علي بن أبي طالب، فصلى قبل الخطبة، ثم خطب الناس، فقال: إن رسول الله ﷺ نهاكم أن تأكلوا لحوم نسككم فوق ثلاث". فالمراد من العيد في الرواية الأولى والثانية، عيد الأضحى، والمراد أنه شهد صلاة العيد وخطبته.

стр. 4411

(فبدأ بالصلاة قبل الخطبة، وقال: ... ) أي في خطبته، كما وضحته الرواية الثانية. (إن رسول الله ﷺ نهانا أن نأكل من لحوم نسكنا بعد ثلاث) ليال، ففي الرواية الثانية "قد نهاكم أن تأكلوا لحوم نسككم فوق ثلاث ليال" وفي الرواية العاشرة "فوق ثلاثة أيام" قال القاضي: يحتمل أن يكون ابتداء الثلاث من يوم ذبحها، ويحتمل من يوم النحر، وإن تأخر ذبحها إلى أيام التشريق، قال: وهذا أظهر. وقال القرطبي: اختلف في أول الثلاث، التي كان الادخار فيها جائزاً، فقيل: أولها يوم النحر، فمن ضحى في آخر أيام النحر، جاز له أن يمسك ثلاثاً بعدها، ويحتمل أن يؤخذ من قوله "فوق ثلاث" أن لا يحسب اليوم الذي يقع فيه النحر من الثلاث، وتعتبر الليلة التي تليه أول الثلاث، واليوم تابع لليلته، ويؤيد الأخير ما جاء في روايتنا السابعة "فوق ثلاث منى" فإنها تتناول يوماً بعد يوم النحر، لغير المستعجل. قال ابن حزم: إنما خطب علي ﵁ بالمدينة في الوقت الذي كان عثمان ﵁ محاصراً فيه، وكان أهل البوادي قد ألجأتهم الفتنة إلى المدينة، فأصابهم الجهد، كما وقع في عهد النبي ﷺ ، فلذلك قال علي ما قال. (فقالت: صدق) فيما أخبر به من أن رسول الله ﷺ نهى عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، لكنه لم يعلم بما كان بعد هذا النهي. (دف أهل أبيات من أهل البادية حضرة الأضحى، زمن النبي ﷺ في كتب اللغة: دف يدف، بكسر الدال، دفاً، ودفيفاً، إذا سار سيراً ليناً، والدافة -بتشديد الدال- الجماعة من الناس، تقبل من بلد إلى بلد، وعن "حضرة الأضحى" قال النووي: هي بفتح الحاء وضمها وكسرها، والضاد ساكنة فيها كلها، وحكي فتحها، وهو ضعيف، وإنما نفتح إذا حذفت الهاء، فيقال: بحضر فلان. اهـ فالحضرة الحضور، والمعنى: قدم جماعة من أهل البادية إلى المدينة، يرجون مواساة أهل المدينة لهم، لفقرهم وحاجتهم، قدموا في حضور عيد الأضحى وقربه، في السنة التاسعة من الهجرة. (ادخروا ثلاثاً، ثم تصدقوا بما بقي) أي اجمعوا واحفظوا لحم الأضحية ثلاثاً، ثم تصدقوا بما عندكم من لحمها بعد الثلاث، أو ادخروا ما يكفيكم ثلاثاً، وتصدقوا بما يزيد عن هذا المقدار. (إن الناس يتخذون الأسقية من ضحاياهم) "الأسقية" جمع سقاء، وهو وعاء من جلد يكون للماء واللبن. (ويجملون منها الودك) "يجملون" بفتح الياء مع كسر الميم وضمها، ويقال: بضم الياء مع كسر الميم، يقال: جملت الدهن، أجمله بكسر الميم وضمها جملاً، وأجملته، أجمله إجمالاً، أي أذبته، والمعنى أنهم شكوا إلى رسول الله ﷺ حرجهم، فهم يحتاجون من الأضاحي جلودها للأسقية التي لا غنى لهم عنها، ويحتاجون من الأضحية إذابة دهنها وخزنه، وإدخاره، لاستعماله في طعامهم زمناً طويلاً. (فقال رسول الله ﷺ : وما ذاك؟ ) أي ومن الذي منعهم من ذلك؟

стр. 4412

(إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت) أي إنما نهيتكم في العام الماضي لسبب خاص، وهو حضور البدو الفقراء يوم العيد، وحاجتهم إلى المواساة، فأردت أن تعينوهم. (كلوا، وتزودوا، وادخروا) "تزودوا" اتخذوا من ضحاياكم زاداً لكم في الحضر والسفر. (قال ابن جريج لعطاء: قال جابر: حتى جئنا المدينة؟ قال: نعم) أي سأل ابن جريج شيخه عطاء، الراوي عن جابر: هل قال جابر في روايته هذا الحديث "كلوا وتزودوا" من لحوم الأضاحي، فأكلنا وتزودنا بعد ثلاث، حتى قدمنا المدينة؟ وكان هذا الترخيص في حجة الوداع، وهذا معنى الرواية التاسعة "كنا نتزودها" -أي لحوم الأضحية في منى في الحج- "إلى" أن نصل إلى "المدينة". قال النووي: ووقع في البخاري "لا" بدل قوله هنا "نعم" فيحتمل أنه نسي في وقت، فقال: لا، وذكر في وقت، فقال: نعم. (فشكوا إلى رسول الله ﷺ أن لهم عيالاً وحشماً وخدماً) يحتاجون لحوم الأضاحي بعد ثلاث، والحشم بفتح الحاء والشين، هم اللائذون بالإنسان، يخدمونه، ويقومون بأموره، وقال الجوهري: هم خدم الرجل ومن يغضب له، سموا بذلك لأنهم يغضبون له، والحشمة الغضب، وتطلق على الاستحياء أيضاً، ومنه قولهم: فلان لا يحتشم، أي لا يستحي، وكأن الحشم أعم من الخدم، فلهذا جمع بينهما في هذا الحديث، فهو من باب ذكر الخاص بعد العام. (من ضحى منكم فلا يصبحن في بيته بعد ثالثة شيئاً) أي فلا يبقين شيئاً من الأضحية في بيته بعد ثالثة في رواية البخاري "فلا يصبحن بعد ثالثة وفي بيته منه شيء" أي بعد ليلة ثالثة من وقت الأضحية. (فلما كان في العام المقبل) اسم كان ضمير، تقديره: فلما كان العيد، أو وقت الأضحية، أو الحال والشأن، ورواية البخاري "فلما كان العام المقبل" فكان تامة، وفاعلها "العام المقبل" أي فلما جاء العام المقبل. (قالوا: نفعل كما فعلنا عام أول؟ ) في رواية البخاري "نفعل كما فعلنا العام الماضي"؟ أي في عدم بقاء شيء من أضحيتنا في بيوتنا بعد ثالثة؟ قال ابن المنير: سبب سؤالهم، مع أن النهي يقتضي الاستمرار، أنهم فهموا أن ذلك النهي ورد على سبب خاص، فلما احتمل عندهم عموم النهي أو خصوصه من أجل السبب سألوا. (فقال: لا. إن ذاك عام كان الناس فيه بجهد) ومشقة، يقال: جهد عيشهم، أي نكد واشتد، وبلغ غاية المشقة، وفي رواية البخاري "فإن ذلك العام كان بالناس جهد". (فأردت أن يفشو فيهم) أي فأردت أن يفشو لحم الأضحية في الناس المحتاجين، قال النووي: هكذا هو في جميع نسخ مسلم "يفشو" بالفاء والشين، أي يشيع لحم الأضاحي في الناس،

стр. 4413

وينتفع به المحتاجون، ووقع في البخاري "يعينوا" بالعين، من الإعانة، قال القاضي في شرح مسلم: الذي في مسلم أشبه، وقال في المشارق: كلاهما صحيح، والذي في البخاري أوجه. اهـ قال الحافظ ابن حجر: مخرج الحديث واحد، ومداره على أبي عاصم، وأنه تارة قال هذا، وتارة قال هذا، والمعنى في كل صحيح، فلا وجه للترجيح. اهـ قال القاضي عياض: والضمير في رواية البخاري في "فأردت أن تعينوا فيها" للمشقة المفهومة من الجهد، أو من الشدة. (ذبح رسول الله ﷺ ضحيته) أي في حجة الوداع، كما صرح به في الرواية الثالثة عشرة، فالنهي عن إمساك لحوم الضحايا كان في السنة التاسعة. (أصلح هذا اللحم) أي قطعه، واغسله، وملحه، وقدده، واطبخه بما يصلحه لأيام. (ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء، فاشربوا في الأسقية كلها) في رواية للبخاري "لما نهى النبي ﷺ عن الأسقية، قيل للنبي ﷺ : ليس كل الناس يجد سقاء، فرخص لهم في الجر المزفت" قال عياض: ذكر "الأسقية" وهم من الراوي، وإنما هو "عن الأوعية" لأنه ﷺ لم ينه قط عن الأسقية، إنما نهى عن الظروف، وأباح الانتباذ في الأسقية، فقيل له: ليس كل الناس يجد سقاء، فاستثنى ما يسكر، وقال الحميدي: لعله نقص من لفظ المئن، وكان في الأصل "لما نهى عن النبيذ إلا في الأسقية" اهـ والسقاء وعاء من جلد، إذا تخمر النبيذ فيه تشقق، بخلاف الخزف والجر ونحوها، فإنها تخفي تخمر النبيذ. (فاشربوا في الأسقية كلها) أي في الأوعية كلها، أي في الأوعية التي يستقى منها. -[فقه الحديث]- قال النووي: قال القاضي: اختلف العلماء في الأخذ بهذه الأحاديث، فقال قوم: يحرم إمساك لحوم الأضاحي، والأكل منها بعد ثلاث، وأن حكم التحريم باق. قاله علي وابن عمر. وقال جماهير العلماء: يباح الأكل والإمساك بعد الثلاث، والنهي منسوخ بهذه الأحاديث المصرحة بالنسخ [رواياتنا الخامسة وما بعدها] لاسيما حديث بريدة [روايتنا الرابعة عشرة] وهذا من نسخ السنة بالسنة، وقال بعضهم: ليس هو نسخاً، بل كان التحريم لعلة، فلما زالت زال، لحديث سلمة وعائشة [روايتنا الحادية عشرة والخامسة] وقيل: كان النهي الأول للكراهة، لا للتحريم، قال هؤلاء: والكراهة باقية إلى اليوم، ولكن لا يحرم، قالوا: ولو وقع مثل تلك العلة اليوم، فنزلت جماعة فقيرة على قوم قادرين شرعت مواساتهم، وحملوا على هذا مذهب علي وابن عمر، والصحيح نسخ النهي مطلقاً، وأنه لم يبق تحريم ولا كراهة، فيباح اليوم الادخار فوق ثلاث، والأكل إلى متى شاء، لصريح حديث بريدة وغيره. اهـ وحاصل ما ذكر في هذه المسألة ستة أقوال:

стр. 4414

الأول: أن النهي عن إمساك لحوم الأضاحي بعد ثلاث للتحريم، والحكم باق لم ينسخ، فيحرم إلى يوم القيامة إمساك لحوم الأضاحي بعد ثلاث، وجدت مجاعة وفقر أم لا. ونسب هذا إلى علي وابن عمر ﵃ أما علي فتشير إلى رأيه الرواية الأولى والثانية، إذ طالب بتطبيق النهي أيام حصار عثمان، وأما ابن عمر فتشير إلى رأيه الرواية الثالثة والرابعة. وهذا القول شاذ بالنسبة لما هو مجمع عليه الآن، ويحاول بعض العلماء توجيه ما جاء عن علي وابن عمر ليبعد به عن هذا الحكم، كما سيأتي. الثاني: أن النهي عن إمساك لحوم الأضاحي بعد ثلاث للتحريم، والحكم مرتبط بسبب، باق إلى يوم القيامة، لم ينسخ، فحيثما وجد السبب في مكان أو زمان ثبت الحكم، قال الشافعي في الرسالة، في آخر باب العلل في الحديث ما نصه: فإذا دفت الدافة ثبت النهي عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث، وإن لم تدف دافة فالرخصة ثابتة بالأكل والتزود والادخار والصدقة. اهـ وقال القرطبي: حديث سلمة وعائشة نص على أن المنع كان لعلة، فلما ارتفعت ارتفع، لارتفاع موجبه، وبعود العلة يعود الحكم، فلو قدم على أهل بلد ناس محتاجون في زمان الأضحى، ولم يكن عند أهل ذلك البلد سعة، يسدون بها فاقتهم إلا الضحايا، تعين عليهم ألا يدخروها فوق ثلاث. قال الحافظ ابن حجر: والتقييد بالثلاث واقعة حال، وإلا فلو لم تسد الخلة إلا بتفرقة جميع الأضحية لزم على هذا التقرير عدم إمساكها، ولو ليلة واحدة. اهـ وواضح من كلام القرطبي أن العلة مكونة من شقين: وجود المحتاج عند الأضحية، وعدم سد حاجته إلا بالأضحية، وهذه صورة قد تقع، وإن كانت نادرة، وعند وقوعها يحرم إمساك لحوم الأضحية. وبعض العلماء يحمل رأي علي ﵁، وخطبته على هذا القول. القول الثالث: أن النهي عن إمساك لحوم الأضاحي بعد ثلاث كان للتحريم، وكان لسبب، فلما زال السبب زال الحكم، لكن لا يلزم عود الحكم عند عود هذا السبب، لأن الشدة والحاجة يومئذ لم تكن تسد إلا بلحوم الأضحية غالباً، فأما الآن فإن الخلة تسد بغير لحم الأضحية، فلا يعود الحكم، حتى لو فرض أن الخلة لا تسد إلا بلحم الأضحية، لأن هذه الصورة في غاية الندور، أو هي فرضية، فلا يعتد بها، فإمساك الأضحية اليوم بعد ثلاث لا يحرم بأي حال. حكى الرافعي هذا القول عن بعض الشافعية. القول الرابع: أن النهي عن إمساك لحوم الأضاحي بعد ثلاث كان للتحريم، لحكمة، وليس لعلة، لكنه نسخ بالأحاديث، رواياتنا الخامسة وما بعدها، ولا يعود الحكم بعد نسخه، ولو عادت الظروف التي دفعت إليه، لأنه يلزم من القول بالتحريم -إذا دفت الدافة- إيجاب الإطعام، وقد قامت الأدلة عند الشافعية أنه لا يجب في المال حق سوى الزكاة، وبهذا القول أخذ المتأخرون من الشافعية، فقال الرافعي: الظاهر أنه لا يحرم اليوم بحال، وقال الشافعي: يحتمل أن يكون النهي عن إمساك لحوم الأضاحي بعد ثلاث منسوخاً، في كل حال. وبعضهم يعتذر عن خطبة علي ﵁ بأنه لم يبلغه خبر النسخ، وهذا بعيد، إذ لو كان كذلك لأعلمه

стр. 4415

الحاضرون من الصحابة بالنسخ، وقد جاء في مسند أحمد، عن طريق أم سليمان، قالت: دخلت على عائشة، فسألتها عن لحوم الأضاحي، فقالت: كان النبي ﷺ نهى عنها، ثم رخص فيها، فقدم علي، من السفر، فأتته فاطمة بلحم من ضحاياها، فقال: أو لم ننه عنه؟ قالت: إنه قد رخص فيها" فهذا علي، قد اطلع على الرخصة في أول عهد أبي بكر، ومع ذلك خطب في أواخر عهد عثمان بالمنع، فالمخرج أنه ربط الحكم بالعلة، ووجدت العلة سنة خطب ومنع، أما ابن عمر فيمكن حمل قوله وعمله على تحريه الأفضل، لا على الوجوب. القول الخامس: أن النهي عن إمساك لحوم الأضاحي بعد ثلاث كان للتنزيه، كالأمر في قوله تعالى ﴿فكلوا منها وأطعموا القانع﴾ [الحج: ٣٦] حكاه البيهقي عن الشافعي، وحكاه الرافعي عن أبي علي الطبري احتمالاً، وقال المهلب: إنه الصحيح، لقول عائشة، فيما رواه البخاري "الضحية كنا نملح منه -أي نضع على لحمها الملح، ليعيش زمناً طويلاً- فنقدم به إلى النبي ﷺ بالمدينة، فقال: لا تأكلوا إلا ثلاثة أيام، وليست بعزيمة -أي ليس النهي وجوبياً، ولا ملزماً- ولكن أراد أن نطعم منه" وهذا الحديث نفسه عند أبي نعيم، بلفظ: "قلت لعائشة: أنهى النبي ﷺ أن نأكل من لحوم الأضاحي فوق ثلاث؟ قالت: ما فعله إلا في عام، جاع الناس فيه، فأراد أن يطعم الغني الفقير" ولفظه عند الطحاوي "أكان يحرم لحوم الأضاحي فوق ثلاث؟ قال: لا. ولكنه لم يكن يضحي منهم إلا القليل، ففعل، ليطعم من ضحى منهم من لم يضح؟ . القول السادس: أن النهي عن إمساك لحوم الأضاحي بعد ثلاث كان للكراهة لعلة، وهذه الكراهة باقية لم تنسخ، حتى اليوم، إذا وجدت العلة. قال النووي في آخر عرضه للأقوال كما سبق: والصحيح نسخ النهي مطلقاً، وأنه لم يبق تحريم ولا كراهة، فيباح اليوم الادخار فوق ثلاث، والأكل إلى متى شاء. اهـ -[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم: ]- ١ - قال النووي: في الحديث تصريح بجواز ادخار لحم الأضحية فوق ثلاث. ٢ - وجواز التزود منه للأسفار. أخذ ذلك من أحاديث ثوبان، روايتنا الثانية عشرة، والثالثة عشرة. ٣ - وفيه أن الادخار، والتزود في الأسفار، لا يقدح في التوكل، ولا يخرج صاحبه عن التوكل، خلافاً لمن كرهه، وقد ورد فيه "كان ﷺ يدخر لأهله قوت سنة؟ وفي رواية "كان لا يدخر لغد" والأول في الصحيحين والثاني في مسلم، والجمع بينهما أنه كان لا يدخر لنفسه، ويدخر لعياله. وقال ابن بطال: في الحديث رد على من زعم من الصوفية أنه لا يجوز ادخار طعام لغد، وأن اسم الولاية لا يستحق لمن ادخر شيئاً، ولو قل، وأن من ادخر أساء الظن بالله. ٤ - وفيه أن الضحية مشروعة للمسافر، كما هي مشروعة للمقيم. قال: وهذا مذهبنا، وبه قال جماهير العلماء، وقال النخعي وأبو حنيفة: لا ضحية على المسافر، وروي هذا عن علي ﵁، وقال مالك وجماعة: لا تشرع للمسافر بمنى ومكة.
следующие страницы →