Полный текст (6 200 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.
стр. 4411
(فبدأ بالصلاة قبل الخطبة، وقال: ... ) أي في خطبته، كما وضحته الرواية الثانية.
(إن رسول الله ﷺ نهانا أن نأكل من لحوم نسكنا بعد ثلاث) ليال، ففي الرواية الثانية "قد نهاكم أن تأكلوا لحوم نسككم فوق ثلاث ليال" وفي الرواية العاشرة "فوق ثلاثة أيام" قال القاضي: يحتمل أن يكون ابتداء الثلاث من يوم ذبحها، ويحتمل من يوم النحر، وإن تأخر ذبحها إلى أيام التشريق، قال: وهذا أظهر.
وقال القرطبي: اختلف في أول الثلاث، التي كان الادخار فيها جائزاً، فقيل: أولها يوم النحر، فمن ضحى في آخر أيام النحر، جاز له أن يمسك ثلاثاً بعدها، ويحتمل أن يؤخذ من قوله "فوق ثلاث" أن لا يحسب اليوم الذي يقع فيه النحر من الثلاث، وتعتبر الليلة التي تليه أول الثلاث، واليوم تابع لليلته، ويؤيد الأخير ما جاء في روايتنا السابعة "فوق ثلاث منى" فإنها تتناول يوماً بعد يوم النحر، لغير المستعجل.
قال ابن حزم: إنما خطب علي ﵁ بالمدينة في الوقت الذي كان عثمان ﵁ محاصراً فيه، وكان أهل البوادي قد ألجأتهم الفتنة إلى المدينة، فأصابهم الجهد، كما وقع في عهد النبي ﷺ ، فلذلك قال علي ما قال.
(فقالت: صدق) فيما أخبر به من أن رسول الله ﷺ نهى عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، لكنه لم يعلم بما كان بعد هذا النهي.
(دف أهل أبيات من أهل البادية حضرة الأضحى، زمن النبي ﷺ في كتب اللغة: دف يدف، بكسر الدال، دفاً، ودفيفاً، إذا سار سيراً ليناً، والدافة -بتشديد الدال- الجماعة من الناس، تقبل من بلد إلى بلد، وعن "حضرة الأضحى" قال النووي: هي بفتح الحاء وضمها وكسرها، والضاد ساكنة فيها كلها، وحكي فتحها، وهو ضعيف، وإنما نفتح إذا حذفت الهاء، فيقال: بحضر فلان. اهـ فالحضرة الحضور، والمعنى: قدم جماعة من أهل البادية إلى المدينة، يرجون مواساة أهل المدينة لهم، لفقرهم وحاجتهم، قدموا في حضور عيد الأضحى وقربه، في السنة التاسعة من الهجرة.
(ادخروا ثلاثاً، ثم تصدقوا بما بقي) أي اجمعوا واحفظوا لحم الأضحية ثلاثاً، ثم تصدقوا بما عندكم من لحمها بعد الثلاث، أو ادخروا ما يكفيكم ثلاثاً، وتصدقوا بما يزيد عن هذا المقدار.
(إن الناس يتخذون الأسقية من ضحاياهم) "الأسقية" جمع سقاء، وهو وعاء من جلد يكون للماء واللبن.
(ويجملون منها الودك) "يجملون" بفتح الياء مع كسر الميم وضمها، ويقال: بضم الياء مع كسر الميم، يقال: جملت الدهن، أجمله بكسر الميم وضمها جملاً، وأجملته، أجمله إجمالاً، أي أذبته، والمعنى أنهم شكوا إلى رسول الله ﷺ حرجهم، فهم يحتاجون من الأضاحي جلودها للأسقية التي لا غنى لهم عنها، ويحتاجون من الأضحية إذابة دهنها وخزنه، وإدخاره، لاستعماله في طعامهم زمناً طويلاً.
(فقال رسول الله ﷺ : وما ذاك؟ ) أي ومن الذي منعهم من ذلك؟
стр. 4412
(إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت) أي إنما نهيتكم في العام الماضي لسبب خاص، وهو حضور البدو الفقراء يوم العيد، وحاجتهم إلى المواساة، فأردت أن تعينوهم.
(كلوا، وتزودوا، وادخروا) "تزودوا" اتخذوا من ضحاياكم زاداً لكم في الحضر والسفر.
(قال ابن جريج لعطاء: قال جابر: حتى جئنا المدينة؟ قال: نعم) أي سأل ابن جريج شيخه عطاء، الراوي عن جابر: هل قال جابر في روايته هذا الحديث "كلوا وتزودوا" من لحوم الأضاحي، فأكلنا وتزودنا بعد ثلاث، حتى قدمنا المدينة؟ وكان هذا الترخيص في حجة الوداع، وهذا معنى الرواية التاسعة "كنا نتزودها" -أي لحوم الأضحية في منى في الحج- "إلى" أن نصل إلى "المدينة". قال النووي: ووقع في البخاري "لا" بدل قوله هنا "نعم" فيحتمل أنه نسي في وقت، فقال: لا، وذكر في وقت، فقال: نعم.
(فشكوا إلى رسول الله ﷺ أن لهم عيالاً وحشماً وخدماً) يحتاجون لحوم الأضاحي بعد ثلاث، والحشم بفتح الحاء والشين، هم اللائذون بالإنسان، يخدمونه، ويقومون بأموره، وقال الجوهري: هم خدم الرجل ومن يغضب له، سموا بذلك لأنهم يغضبون له، والحشمة الغضب، وتطلق على الاستحياء أيضاً، ومنه قولهم: فلان لا يحتشم، أي لا يستحي، وكأن الحشم أعم من الخدم، فلهذا جمع بينهما في هذا الحديث، فهو من باب ذكر الخاص بعد العام.
(من ضحى منكم فلا يصبحن في بيته بعد ثالثة شيئاً) أي فلا يبقين شيئاً من الأضحية في بيته بعد ثالثة في رواية البخاري "فلا يصبحن بعد ثالثة وفي بيته منه شيء" أي بعد ليلة ثالثة من وقت الأضحية.
(فلما كان في العام المقبل) اسم كان ضمير، تقديره: فلما كان العيد، أو وقت الأضحية، أو الحال والشأن، ورواية البخاري "فلما كان العام المقبل" فكان تامة، وفاعلها "العام المقبل" أي فلما جاء العام المقبل.
(قالوا: نفعل كما فعلنا عام أول؟ ) في رواية البخاري "نفعل كما فعلنا العام الماضي"؟ أي في عدم بقاء شيء من أضحيتنا في بيوتنا بعد ثالثة؟ قال ابن المنير: سبب سؤالهم، مع أن النهي يقتضي الاستمرار، أنهم فهموا أن ذلك النهي ورد على سبب خاص، فلما احتمل عندهم عموم النهي أو خصوصه من أجل السبب سألوا.
(فقال: لا. إن ذاك عام كان الناس فيه بجهد) ومشقة، يقال: جهد عيشهم، أي نكد واشتد، وبلغ غاية المشقة، وفي رواية البخاري "فإن ذلك العام كان بالناس جهد".
(فأردت أن يفشو فيهم) أي فأردت أن يفشو لحم الأضحية في الناس المحتاجين، قال النووي: هكذا هو في جميع نسخ مسلم "يفشو" بالفاء والشين، أي يشيع لحم الأضاحي في الناس،
стр. 4413
وينتفع به المحتاجون، ووقع في البخاري "يعينوا" بالعين، من الإعانة، قال القاضي في شرح مسلم: الذي في مسلم أشبه، وقال في المشارق: كلاهما صحيح، والذي في البخاري أوجه. اهـ قال الحافظ ابن حجر: مخرج الحديث واحد، ومداره على أبي عاصم، وأنه تارة قال هذا، وتارة قال هذا، والمعنى في كل صحيح، فلا وجه للترجيح. اهـ قال القاضي عياض: والضمير في رواية البخاري في "فأردت أن تعينوا فيها" للمشقة المفهومة من الجهد، أو من الشدة.
(ذبح رسول الله ﷺ ضحيته) أي في حجة الوداع، كما صرح به في الرواية الثالثة عشرة، فالنهي عن إمساك لحوم الضحايا كان في السنة التاسعة.
(أصلح هذا اللحم) أي قطعه، واغسله، وملحه، وقدده، واطبخه بما يصلحه لأيام.
(ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء، فاشربوا في الأسقية كلها) في رواية للبخاري "لما نهى النبي ﷺ عن الأسقية، قيل للنبي ﷺ : ليس كل الناس يجد سقاء، فرخص لهم في الجر المزفت" قال عياض: ذكر "الأسقية" وهم من الراوي، وإنما هو "عن الأوعية" لأنه ﷺ لم ينه قط عن الأسقية، إنما نهى عن الظروف، وأباح الانتباذ في الأسقية، فقيل له: ليس كل الناس يجد سقاء، فاستثنى ما يسكر، وقال الحميدي: لعله نقص من لفظ المئن، وكان في الأصل "لما نهى عن النبيذ إلا في الأسقية" اهـ والسقاء وعاء من جلد، إذا تخمر النبيذ فيه تشقق، بخلاف الخزف والجر ونحوها، فإنها تخفي تخمر النبيذ.
(فاشربوا في الأسقية كلها) أي في الأوعية كلها، أي في الأوعية التي يستقى منها.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: قال القاضي: اختلف العلماء في الأخذ بهذه الأحاديث، فقال قوم: يحرم إمساك لحوم الأضاحي، والأكل منها بعد ثلاث، وأن حكم التحريم باق. قاله علي وابن عمر.
وقال جماهير العلماء: يباح الأكل والإمساك بعد الثلاث، والنهي منسوخ بهذه الأحاديث المصرحة بالنسخ [رواياتنا الخامسة وما بعدها] لاسيما حديث بريدة [روايتنا الرابعة عشرة] وهذا من نسخ السنة بالسنة، وقال بعضهم: ليس هو نسخاً، بل كان التحريم لعلة، فلما زالت زال، لحديث سلمة وعائشة [روايتنا الحادية عشرة والخامسة] وقيل: كان النهي الأول للكراهة، لا للتحريم، قال هؤلاء: والكراهة باقية إلى اليوم، ولكن لا يحرم، قالوا: ولو وقع مثل تلك العلة اليوم، فنزلت جماعة فقيرة على قوم قادرين شرعت مواساتهم، وحملوا على هذا مذهب علي وابن عمر، والصحيح نسخ النهي مطلقاً، وأنه لم يبق تحريم ولا كراهة، فيباح اليوم الادخار فوق ثلاث، والأكل إلى متى شاء، لصريح حديث بريدة وغيره. اهـ
وحاصل ما ذكر في هذه المسألة ستة أقوال:
стр. 4414
الأول: أن النهي عن إمساك لحوم الأضاحي بعد ثلاث للتحريم، والحكم باق لم ينسخ، فيحرم إلى يوم القيامة إمساك لحوم الأضاحي بعد ثلاث، وجدت مجاعة وفقر أم لا. ونسب هذا إلى علي وابن عمر ﵃ أما علي فتشير إلى رأيه الرواية الأولى والثانية، إذ طالب بتطبيق النهي أيام حصار عثمان، وأما ابن عمر فتشير إلى رأيه الرواية الثالثة والرابعة.
وهذا القول شاذ بالنسبة لما هو مجمع عليه الآن، ويحاول بعض العلماء توجيه ما جاء عن علي وابن عمر ليبعد به عن هذا الحكم، كما سيأتي.
الثاني: أن النهي عن إمساك لحوم الأضاحي بعد ثلاث للتحريم، والحكم مرتبط بسبب، باق إلى يوم القيامة، لم ينسخ، فحيثما وجد السبب في مكان أو زمان ثبت الحكم، قال الشافعي في الرسالة، في آخر باب العلل في الحديث ما نصه: فإذا دفت الدافة ثبت النهي عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث، وإن لم تدف دافة فالرخصة ثابتة بالأكل والتزود والادخار والصدقة. اهـ
وقال القرطبي: حديث سلمة وعائشة نص على أن المنع كان لعلة، فلما ارتفعت ارتفع، لارتفاع موجبه، وبعود العلة يعود الحكم، فلو قدم على أهل بلد ناس محتاجون في زمان الأضحى، ولم يكن عند أهل ذلك البلد سعة، يسدون بها فاقتهم إلا الضحايا، تعين عليهم ألا يدخروها فوق ثلاث. قال الحافظ ابن حجر: والتقييد بالثلاث واقعة حال، وإلا فلو لم تسد الخلة إلا بتفرقة جميع الأضحية لزم على هذا التقرير عدم إمساكها، ولو ليلة واحدة. اهـ
وواضح من كلام القرطبي أن العلة مكونة من شقين: وجود المحتاج عند الأضحية، وعدم سد حاجته إلا بالأضحية، وهذه صورة قد تقع، وإن كانت نادرة، وعند وقوعها يحرم إمساك لحوم الأضحية. وبعض العلماء يحمل رأي علي ﵁، وخطبته على هذا القول.
القول الثالث: أن النهي عن إمساك لحوم الأضاحي بعد ثلاث كان للتحريم، وكان لسبب، فلما زال السبب زال الحكم، لكن لا يلزم عود الحكم عند عود هذا السبب، لأن الشدة والحاجة يومئذ لم تكن تسد إلا بلحوم الأضحية غالباً، فأما الآن فإن الخلة تسد بغير لحم الأضحية، فلا يعود الحكم، حتى لو فرض أن الخلة لا تسد إلا بلحم الأضحية، لأن هذه الصورة في غاية الندور، أو هي فرضية، فلا يعتد بها، فإمساك الأضحية اليوم بعد ثلاث لا يحرم بأي حال. حكى الرافعي هذا القول عن بعض الشافعية.
القول الرابع: أن النهي عن إمساك لحوم الأضاحي بعد ثلاث كان للتحريم، لحكمة، وليس لعلة، لكنه نسخ بالأحاديث، رواياتنا الخامسة وما بعدها، ولا يعود الحكم بعد نسخه، ولو عادت الظروف التي دفعت إليه، لأنه يلزم من القول بالتحريم -إذا دفت الدافة- إيجاب الإطعام، وقد قامت الأدلة عند الشافعية أنه لا يجب في المال حق سوى الزكاة، وبهذا القول أخذ المتأخرون من الشافعية، فقال الرافعي: الظاهر أنه لا يحرم اليوم بحال، وقال الشافعي: يحتمل أن يكون النهي عن إمساك لحوم الأضاحي بعد ثلاث منسوخاً، في كل حال.
وبعضهم يعتذر عن خطبة علي ﵁ بأنه لم يبلغه خبر النسخ، وهذا بعيد، إذ لو كان كذلك لأعلمه
стр. 4415
الحاضرون من الصحابة بالنسخ، وقد جاء في مسند أحمد، عن طريق أم سليمان، قالت: دخلت على عائشة، فسألتها عن لحوم الأضاحي، فقالت: كان النبي ﷺ نهى عنها، ثم رخص فيها، فقدم علي، من السفر، فأتته فاطمة بلحم من ضحاياها، فقال: أو لم ننه عنه؟ قالت: إنه قد رخص فيها" فهذا علي، قد اطلع على الرخصة في أول عهد أبي بكر، ومع ذلك خطب في أواخر عهد عثمان بالمنع، فالمخرج أنه ربط الحكم بالعلة، ووجدت العلة سنة خطب ومنع، أما ابن عمر فيمكن حمل قوله وعمله على تحريه الأفضل، لا على الوجوب.
القول الخامس: أن النهي عن إمساك لحوم الأضاحي بعد ثلاث كان للتنزيه، كالأمر في قوله تعالى ﴿فكلوا منها وأطعموا القانع﴾ [الحج: ٣٦] حكاه البيهقي عن الشافعي، وحكاه الرافعي عن أبي علي الطبري احتمالاً، وقال المهلب: إنه الصحيح، لقول عائشة، فيما رواه البخاري "الضحية كنا نملح منه -أي نضع على لحمها الملح، ليعيش زمناً طويلاً- فنقدم به إلى النبي ﷺ بالمدينة، فقال: لا تأكلوا إلا ثلاثة أيام، وليست بعزيمة -أي ليس النهي وجوبياً، ولا ملزماً- ولكن أراد أن نطعم منه" وهذا الحديث نفسه عند أبي نعيم، بلفظ: "قلت لعائشة: أنهى النبي ﷺ أن نأكل من لحوم الأضاحي فوق ثلاث؟ قالت: ما فعله إلا في عام، جاع الناس فيه، فأراد أن يطعم الغني الفقير" ولفظه عند الطحاوي "أكان يحرم لحوم الأضاحي فوق ثلاث؟ قال: لا. ولكنه لم يكن يضحي منهم إلا القليل، ففعل، ليطعم من ضحى منهم من لم يضح؟ .
القول السادس: أن النهي عن إمساك لحوم الأضاحي بعد ثلاث كان للكراهة لعلة، وهذه الكراهة باقية لم تنسخ، حتى اليوم، إذا وجدت العلة.
قال النووي في آخر عرضه للأقوال كما سبق: والصحيح نسخ النهي مطلقاً، وأنه لم يبق تحريم ولا كراهة، فيباح اليوم الادخار فوق ثلاث، والأكل إلى متى شاء. اهـ
-[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم: ]-
١ - قال النووي: في الحديث تصريح بجواز ادخار لحم الأضحية فوق ثلاث.
٢ - وجواز التزود منه للأسفار. أخذ ذلك من أحاديث ثوبان، روايتنا الثانية عشرة، والثالثة عشرة.
٣ - وفيه أن الادخار، والتزود في الأسفار، لا يقدح في التوكل، ولا يخرج صاحبه عن التوكل، خلافاً لمن كرهه، وقد ورد فيه "كان ﷺ يدخر لأهله قوت سنة؟ وفي رواية "كان لا يدخر لغد" والأول في الصحيحين والثاني في مسلم، والجمع بينهما أنه كان لا يدخر لنفسه، ويدخر لعياله. وقال ابن بطال: في الحديث رد على من زعم من الصوفية أنه لا يجوز ادخار طعام لغد، وأن اسم الولاية لا يستحق لمن ادخر شيئاً، ولو قل، وأن من ادخر أساء الظن بالله.
٤ - وفيه أن الضحية مشروعة للمسافر، كما هي مشروعة للمقيم. قال: وهذا مذهبنا، وبه قال جماهير العلماء، وقال النخعي وأبو حنيفة: لا ضحية على المسافر، وروي هذا عن علي ﵁، وقال مالك وجماعة: لا تشرع للمسافر بمنى ومكة.
стр. 4416
٥ - وعن الرواية الرابعة عشرة قال: هذا الحديث مما صرح فيه بالناسخ والمنسوخ جميعاً، قال العلماء: يعرف نسخ الحديث تارة بنص كهذا، وتارة بإخبار الصحابي، كحديث "كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار" وتارة بالتاريخ، إذا تعذر الجمع، وتارة بالإجماع، كترك قتل شارب الخمر، في المرة الرابعة، قال: والإجماع لا ينسخ، ولكن يدل على وجود ناسخ.
٦ - وفيه نسخ الأثقل بالأخف، لأن النهي عن ادخار لحم الأضحية بعد ثلاث مما يثقل على المضحين، والإذن في الادخار أخف منه، وفيه رد على من يقول: إن النسخ لا يكون إلا بالأثقل للأخف، وعكسه ابن العربي، فزعم أن الإذن في الادخار نسخ بالنهي، وتعقب بأن الادخار كان مباحاً بالبراءة الأصلية، فالنهي عنه ليس نسخاً، وعلى تقدير أن يكون نسخاً ففيه نسخ الكتاب بالسنة، لأن في الكتاب الإذن في أكلها، من غير تقييد، لقوله تعالى ﴿فكلوا منها وأطعموا﴾ ويمكن أن يقال: إنه تخصيص، لا نسخ، وهو الأظهر، قاله الحافظ ابن حجر.
٧ - استدل بمفهوم قوله في الرواية الأولى "من لحوم نسكنا" وفي الرواية الثانية "لحوم نسككم" وفي الرواية الثالثة "لحم أضحيته" على أن النهي عن الأكل فوق ثلاث خاص بصاحب الأضحية، فأما من أهدي له، أو تصدق عليه فلا، وقد جاء في حديث الزبير بن العوام، عند أحمد وأبي يعلى "قلت: يا نبي الله، أرأيت قد نهي المسلمون أن يأكلوا من لحم نسكهم فوق ثلاث، فكيف نصنع بما أهدي لنا؟ قال: أما ما أهدي إليكم فشأنكم به" فهذا نص في الهدية، وأما الصدقة فإن الفقير لا حجر عليه في التصرف فيما يتصدق به عليه، لأن القصد أن تقع المواساة من الغني للفقير، وقد حصلت.
٨ - ومن قوله في الرواية الخامسة "فكلوا، وادخروا، وتصدقوا الأمر بالصدقة والأمر بالأكل، قال النووي: فأما الصدقة منها، إذا كانت أضحية تطوع، فواجبة على الصحيح عند أصحابنا، بما يقع عليه الاسم منها، ويستحب أن يكون بمعظمها، قالوا: وأدنى الكمال أن يأكل الثلث، ويتصدق بالثلث، ويهدي الثلث، وفي قول: يأكل النصف، ويتصدق بالنصف، وهذا الخلاف في أدنى الكمال في الاستحباب، فأما الإجزاء، فيجزيه الصدقة بما يقع عليه الاسم، كما ذكرنا ولنا وجه أنه لا تجب الصدقة بشيء منها. وأما الأكل منها، فيستحب، ولا يجب. هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة، إلا ما حكي عن بعض السلف أنه أوجب الأكل منها، وهو قول أبي الطيب بن سلمة من أصحابنا، حكاه عنه الماوردي، لظاهر هذا الحديث في الأمر بالأكل، مع قوله تعالى ﴿فكلوا منها﴾ وحمل الجمهور هذا الأمر على الندب أو الإباحة، لا سيما وقد ورد بعد الحظر، كقوله ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ [المائدة: ٢].
وقد اختلف الأصوليون والمتكلمون في الأمر الوارد بعد الحظر، فالجمهور من أصحابنا وغيرهم على أنه للوجوب، كما لو ورد ابتداء، وقال جماعة منهم من أصحابنا وغيرهم: إنه للإباحة. اهـ
стр. 4417
٩ - واستدل بالحديث على أن العام إذا ورد على سبب خاص، ضعفت دلالة العموم، حتى لا يبقى على أصالته، لكن لا يقتصر فيه على السبب. قاله الحافظ ابن حجر.
١٠ - ومن الرواية الرابعة عشرة استحباب زيارة القبور، وقد سبق بيانها في كتاب الجنائز.
١١ - وجواز الانتباذ في الأسقية، وسبق الكلام عنه في حديث وفد عبد القيس، في كتاب الإيمان، وسيأتي بسطه في كتاب الأشربة.
والله أعلم
стр. 4418
(٥٤٨) باب الفرع والعتيرة
٤٤٧٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا فرع ولا عتيرة". زاد ابن رافع في روايته: والفرع أول النتاج كان ينتج لهم فيذبحونه.
-[المعنى العام]-
كان العرب في الجاهلية تفعل بعض أفعال الخير، لكن بعقيدة خاطئة، فكانت مثلاً تذبح أول مولود للناقة أو البقرة، وهو رضيع لم يفطم، وتوزع لحمه على الفقراء والمساكين، تقرباً إلى الأصنام ورجاء أن يبارك لهم في أمهات هذه الذبائح، وتسمي هذا العمل بالفرع.
كما كانت تذبح ناقة أو بقرة في شهر رجب إذا بلغ ما يملكه أحدهم خمسين، تقرباً إلى آلهتهم، ليبارك لهم في أنعامهم، ويوزعون اللحوم على الفقراء والمساكين، وتسمي هذا العمل بالعتيرة أو الرجبية.
وجاء الإسلام، فحارب الشرك، وحارب الذبح للأصنام، لكنه لم يحارب تفرقة اللحوم على الفقراء والمساكين، فقال: لا فرع ولا عتيرة للأصنام، ولكن اذبحوا لله تعالى وحده، ولا تخصوا شهر رجب بالذبح، فلا فرع ولا عتيرة في رجب، ولكن اذبحوا في أي يوم كان.
-[المباحث العربية]-
(لا فرع، ولا عتيرة) قال أهل اللغة: الفرع والفارع بالفاء، والفرعة كلها بفتح الراء، هو أول نتاج البهيمة، كانوا يذبحونه، ولا يتملكونه، رجاء البركة في الأم، وكثرة نسلها، وقال كثيرون من أهل اللغة: هو أول النتاج، كانوا يذبحونه لآلهتهم، وهي طواغيتهم، وهذا ما جاء في تفسير الراوي للرواية، قال الخطابي: أحسب هذا التفسير من قول الزهري الراوي عن سعيد بن المسيب الراوي عن أبي هريرة.
وقيل: هو أول النتاج لمن بلغت إبله مائة، يذبحونه، قال شمر: قال أبو مالك: كان الرجل إذا بلغت إبله مائة قدم بكراً، فنحره لصنمه، ويسمونه الفرع.
أما العتيرة فهي ذبيحة كانوا يذبحونها في العشر الأول من رجب، ويسمونها الرجبية أيضاً، والنفي في "لا فرع، ولا عتيرة" ليس نفي الوقوع، بل المراد -كما قال الشافعي: لا فرع واجب، ولا عتيرة واجبة، وقيل لا فرع ولا عتيرة للأصنام، أي لا يصح.
стр. 4419
-[فقه الحديث]-
جاءت أحاديث أخرى في الفرع والعتيرة، نذكر منها:
١ - عند النسائي "نهى رسول الله ﷺ عن الفرع والعتيرة".
٢ - أخرج أبو داود والنسائي والحاكم "سئل رسول الله ﷺ عن الفرع؟ قال: الفرع حق، وأن تتركه حتى يكون بنت مخاض أو ابن لبون، فتحمل عليه في سبيل الله، أو تعطيه أرملة خير من أن تذبحه، يلصق لحمه بوبره، وتوله ناقتك".
٣ - والحاكم "الفرعة حق، ولا تذبحها وهي تلصق في يدك، ولكن أمكنها من اللبن، حتى إذا كانت من خيار المال فاذبحها".
٤ - أخرج أبو داود والنسائي وابن ماجه وصححه الحاكم وابن المنذر "نادى رجل رسول الله ﷺ : إنا كنا نعتر عتيرة في الجاهلية، في رجب. فما تأمرنا؟ قال: اذبحوا لله، في أي شهر كان، قال: إنا كنا نفرع في الجاهلية؟ قال: في كل سائمة فرع، تغذوه ماشيتك، حتى إذا استحمل ذبحته، فتصدقت بلحمه، فإن ذلك خير".
٥ - أخرج أبو داود وأصحاب السنن عن مخلف بن محمد بن سليم، قال: وكنا وقوفاً مع النبي ﷺ بعرفة، فسمعته يقول: "يا أيها الناس، على كل أهل بيت، في كل عام أضحية وعتيرة، هل تدرون ما العتيرة؟ هي التي يسمونها الرجبية" حسنه الترمذي، وضعفه الخطابي.
٦ - روى النسائي وصححه الحاكم من حديث الحارث بن عمرو أنه "لقي رسول الله ﷺ في حجة الوداع، فقال رجل: يا رسول الله، العتائر والفرائع؟ قال: من شاء عتر، ومن شاء لم يعتر، ومن شاء فرع، ومن شاء لم يفرع".
٧ - أخرج أبو داود "أن النبي ﷺ سئل عن العتيرة، فحسنها".
٨ - أخرج أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان عن أبي رزين العقيلي، قال: قلت "يا رسول الله، إنا كنا نذبح ذبائح في رجب، فنأكل، ونطعم من جاءنا؟ فقال: لا بأس به، قال وكيع بن عديس- ابن أخي أبي رزين- فلا أدعه".
٩ - أخرج أبو داود والحاكم والبيهقي بسند صحيح عن عائشة "أمرنا رسول الله ﷺ بالفرعة، في كل خمسين واحدة" وفي رواية "من كل خمسين شاة شاة".
قال النووي: قال أبو عبيد في تفسير الحديث رقم (٢) الفرع حق، ولكنهم كانوا يذبحونه حين يولد، ولا شبع فيه، ولهذا قال "تذبحه يلصق لحمه بوبره" وفيه أن ذهاب ولدها يدفع لبنها، ويفجعها بولدها، ولهذا قال "وتوله ناقتك" فأشار بتركه حتي يكون ابن مخاض -وهو ابن سنة- ثم يذبح وقد طاب لحمه، واستمتع بلبن أمه، ولا يشق عليها فراقه، وقال الشافعي: هذا الحديث أباح له الذبح،
стр. 4420
واختار له أن يعطيه أرملة، أو يحمل عليه في سبيل الله. قال: وقوله ﷺ في العتيرة، في الحديث رقم (٤) "اذبحوا لله في أي شهر كان" أي اذبحوا إن شيء تم، واجعلوا الذبح لله، في أي شهر كان، لا أنها في رجب، دون غيره من الشهور، قال النووي: والصحيح عند أصحابنا -وهو نص الشافعي- استحباب الفرع والعتيرة، وأجابوا عن حديث "لا فرع ولا عتيرة" بثلاثة أوجه: أحدهما جواب الشافعي السابق، وأن المراد نفي الوجوب، والثاني أن المراد نفي ما كانوا يذبحونه لأصنامهم، أي لا فرع ولا عتيرة للطواغيت، والثالث أنهما ليستا كالأضحية في الاستحباب، أو في ثواب إراقة الدم، فأما تفرقة اللحم على المساكين فبر وصدقة، وقد نص الشافعي في سنن حرملة أنها إن تيسرت كل شهر كان حسناً. قال النووي: هذا تلخيص حكمها في مذهبنا، وادعى القاضي عياض أن جماهير العلماء على نسخ الأمر بالفرع والعتيرة. اهـ
والله أعلم
стр. 4421
(٥٤٩) باب نهي من دخل عليه عشر ذي الحجة وهو مريد التضحية أن يأخذ من شعره أو أظفاره شيئاً
٤٤٧٤ - عن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "إذا دخلت العشر، وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يمس من شعره وبشره شيئاً" قيل لسفيان: فإن بعضهم لا يرفعه. قال: لكني أرفعه.
٤٤٧٥ - عن أم سلمة ﵂ ترفعه. قال: "إذا دخل العشر، وعنده أضحية، يريد أن يضحي، فلا يأخذن شعراً ولا يقلمن ظفراً".
٤٤٧٦ - عن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "إذا رأيتم هلال ذي الحجة، وأراد أحدكم أن يضحي، فليمسك عن شعره وأظفاره".
٤٤٧٧ - عن أم سلمة زوج النبي ﷺ ﵂ تقول: قال رسول الله ﷺ : "من كان له ذبح يذبحه، فإذا أهل هلال ذي الحجة، فلا يأخذن من شعره ولا من أظفاره شيئاً، حتى يضحي".
٤٤٧٨ - عن عمرو بن مسلم بن عمار الليثي قال: كنا في الحمام قبيل الأضحى. فاطلى فيه ناس. فقال بعض أهل الحمام: إن سعيد بن المسيب يكره هذا، أو ينهى عنه
стр. 4422
فلقيت سعيد بن المسيب فذكرت ذلك له. فقال: يا ابن أخي، هذا حديث قد نسي وترك. حدثتني أم سلمة، زوج النبي ﷺ قالت: قال رسول الله ﷺ . بمعنى حديث معاذ عن محمد بن عمرو.
-[المعنى العام]-
الأضحية من المسلم صدقة، وقرض لله، إن تمت على وفق الشرع ووفق أهدافه ضاعفها الله للمسلم وغفر له، مصداقاً لقوله تعالى ﴿إن تقرضوا الله قرضاً حسناً يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم﴾ [التغابن: ١٧] وفي الآثار أنه يعتق بكل عضو منها عضو من المضحي، وعلى هذا كان على المضحي أن يحافظ على أعضائه كاملة، حتى على شعوره وأظافره، فلا يقطع، ولا يطرح شيئاً منها في العشر الأول من ذي الحجة وحتى يضحي، ليشمل العتق من النار هذه الأجزاء.
ثم إن الله تعالى يحب أن يرى عباده الحجاج في حالة الشعث والتفث، لما في ذلك من مظاهر التضرع والتذلل إليه، في وقت العبادة الفريدة، التي تجب مرة واحدة في العمر، فليتشبه من حرم الأماكن المقدسة بمن سعد بها، وليتذلل وليتضرع إلى الله، وهو في وطنه وبين أهله، بأن يبقى في هذه الأيام العشر ممسكاً لشعره وظفره، فلا يأخذ في هذه الأيام من شعره، ولا من أظفاره شيئاً، فيستشعر بذلك ما هم عليه من حال، ويتذكر ما هم فيه من رحمة ورضوان، فيسأل الله من فضله، ويرجو رحمته، ويخشى عذابه.
إن الأضحية تذكرنا بإسماعيل وأبيه إبراهيم ﵉ وما كان إسماعيل ليأخذ من شعره أو ظفره، وما كان أبوه ليأخذ شيئاً من شعره وظفره وزينته، وهو يصدق رؤياه، ويهم بذبح ابنه، حتى فداه الله بالذبح العظيم، إنها صور للذكرى والتذكر، وما يتذكر إلا أولو الألباب.
-[المباحث العربية]-
(إذا دخل العشر) أي العشر من ذي الحجة، وفي ملحق الرواية الثانية "إذا رأيتم هلال ذي الحجة" وفي الرواية الثالثة "إذا أهل هلال ذي الحجة".
(وعنده أضحية) أي شاة أو نحوها، أعدها للذبح يوم الأضحى.
(يريد أن يضحي) الجملة حال من الضمير في "عنده" أو صفة لأضحية، والرابط محذوف، أي يريد أن يضحي بها.
(فلا يأخذن شعراً، ولا يقلمن ظفراً) "يقلمن" بفتح الياء، وسكون القاف وكسر اللام، قال العلماء: المراد النهي من إزالة الشعر بحلق أو تقصير أو نتف أو إحراق أو أخذه بنورة أو غير ذلك،
стр. 4423
وسواء شعر الرأس والإبط والشارب والعانة وغير ذلك من شعور بدنه، تشبهاً بالمحرم بالحج والعمرة. وكذلك الظفر، يتوجه النهي إلى إزالة الظفر كله أو جزئه بقلم أو كسر أو غيره.
وفي ملحق الرواية الثانية "فليمسك عن شعره وأظفاره" ولم تذكر الرواية الأولى نهاية النهي، وقد ذكرته الرواية الثالثة، ولفظها "فلا يأخذن من شعره، ولا من أظفاره شيئاً، حتى يضحي".
(من كان له ذبح يذبحه) "ذبح" بكسر الذال، أي حيوان يريد ذبحه، فهو فعل بمعنى مفعول، كحمل بمعنى محمول.
(عن عمر بن مسلم) قال النووي: كذا رواه مسلم "عمر" بضم العين، في كل هذه الطرق، إلا طريق حسن بن علي الحلواني، ففيها "عمرو" بفتح العين، وإلا طريق أحمد بن عبد الله بن الحكم، ففيها "عمرو أو عمر" قال العلماء: الوجهان منقولان في اسمه.
(كنا في الحمام) بتشديد الميم، مذكر، مشتق من الحميم، وهو الماء الحار، والمراد المكان المعد للاغتسال فيه، وهو معروف.
(فأطلى فيه ناس) معناه أزالوا شعر العانة بالنورة. قاله النووي.
(إن سعيد بن المسيب يكره هذا) يعني يكره إزالة الشعر، في عشر ذي الحجة، لمن أراد أن يضحي، لا أنه يكره مجرد إزالة الشعر.
(هذا حديث قد نسي وترك) أي ترك العمل به، وسيأتي أقوال العلماء فيه.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: اختلف العلماء فيمن دخلت عليه عشر ذي الحجة، وأراد أن يضحي، فقال سعيد بن المسيب وربيعة وأحمد وإسحق وداود وبعض أصحاب الشافعي: يحرم عليه أخذ شيء من شعره وأظفاره حتى يضحي في وقت الأضحية.
وقال الشافعي وأصحابه: هو مكروه كراهة تنزيه، وليس بحرام.
وقال أبو حنيفة: لا يكره.
وقال مالك في رواية: لا يكره، وفي رواية: يكره، وفي رواية: يحرم في التطوع، دون الواجب. واحتج من حرم بهذه الأحاديث.
واحتج الشافعي والآخرون بحديث عائشة ﵂ "كنت أفتل قلائد هدي رسول الله ﷺ ، ثم يقلده، ويبعث به، ولا يحرم عليه شيء أحله الله، حتى ينحر هديه" رواه البخاري ومسلم. قال الشافعي: البعث بالهدي أكثر من إرادة التضحية، فدل على أنه لا يحرم ذلك، وحمل أحاديث النهي على كراهة التنزيه.
стр. 4424
قال النووي: وفي حديث عائشة هذا أن من بعث هديه لا يصير محرماً، ولا يحرم عليه شيء مما يحرم على المحرم، وهذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة، إلا حكاية رويت عن ابن عباس وابن عمر وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير، وحكاها الخطابي عن أهل الرأي أيضاً، أنه إذا فعله لزمه اجتناب ما يجتنبه المحرم، ولا يصير محرماً من غير نية الإحرام، والصحيح ما قاله الجمهور.
ثم قال النووي: والحكمة في النهي أن يقي كامل الأجزاء، ليعتق من النار، وقيل: التشبه بالمحرم، قال أصحابنا: هذا غلط، لأنه لا يعتزل النساء، ولا يترك الطيب واللباس، وغير ذلك مما يتركه المحرم.
ثم قال النووي عن حديث سعيد بن المسيب: وقد نقل ابن عبد البر عن ابن المسيب جواز الإطلاء في العشر بالنورة، قال النووي: فإن صح هذا عنه فهو محمول على أنه أفتى به إنساناً لا يريد التضحية. اهـ أقول: ويحتمل أنه رأى جوازه بعد أن كان يرى كراهته، عن طريق النسخ، لقوله: هذا حديث قد نسي وترك.
وأميل إلى التوقف عن رفع هذا الحديث، ففي الرواية الأولى: "قيل لسفيان: فإن بعضهم لا يرفعه؟ قال: لكني أرفعه" وأميل إلى عدم العمل بظاهره.
والله أعلم
стр. 4425
(٥٥٠) باب تحريم الذبح لغير الله تعالى ولعن فاعله
٤٤٧٩ - عن أبي الطفيل عامر بن واثلة قال: كنت عند علي بن أبي طالب. فأتاه رجل فقال ما كان النبي ﷺ يسر إليك. قال: فغضب وقال: ما كان النبي ﷺ يسر إلي شيئاً يكتمه الناس، غير أنه قد حدثني بكلمات أربع. قال: فقال: ما هن يا أمير المؤمنين؟ قال: قال: "لعن الله من لعن والده. ولعن الله من ذبح لغير الله. ولعن الله من آوى محدثاً. ولعن الله من غير منار الأرض".
٤٤٨٠ - عن أبي الطفيل قال قلنا لعلي بن أبي طالب: أخبرنا بشيء أسره إليك رسول الله ﷺ فقال: ما أسر إلي شيئاً كتمه الناس. ولكني سمعته يقول: "لعن الله من ذبح لغير الله. ولعن الله من آوى محدثاً. ولعن الله من لعن والديه. ولعن الله من غير المنار".
٤٤٨١ - عن أبي الطفيل قال: سئل علي أخصكم رسول الله ﷺ بشيء؟ فقال: ما خصنا رسول الله ﷺ بشيء لم يعم به الناس كافة، إلا ما كان في قراب سيفي هذا. قال: فأخرج صحيفة مكتوب فيها: "لعن الله من ذبح لغير الله. ولعن الله من سرق منار الأرض. ولعن الله من لعن والده. ولعن الله من آوى محدثاً".
-[المعنى العام]-
إن الذي خلق الأرواح، وأودعها في أجسامها، هو المستحق للعبادة والخضوع والتقرب إليه، وحين تعود الأرواح، وتفارق أجسادها تعود إليه وحده، إليه المرجع، وإليه المصير، وحين يفرق الإنسان بين روح مأكول اللحم وبين جسمه عملاً بشرع ربه، عليه أن يذبح للبارئ الخالق، المحيي والمميت، فيذبح وهو يقول: باسم الله والله أكبر. ولقد كانت الجاهلية تذبح بأسماء آلهتها، وتتقرب بذبيحتها إلى أصنامها، فنزل قوله تعالى ﴿فاذكروا اسم الله عليها﴾ [الحج: ٣٦]. "ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه، ونزل تحريم المذبوح الذي يذكر عليه اسم آلهتهم، فقال تعالى ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم
стр. 4426
الخنزير وما أهل لغير الله به﴾ [المائدة: ٣] وعضدت السنة القرآن، فقال ﷺ "لعن الله من ذبح لغير الله".
وأعجب علي ﵁ بسماع هذا الحديث، فكتبه مع بعض الأحاديث الأخرى في صحيفة، طواها وأودعها قراب سيفه يحملها معه، كما يحمل السيف، يعتز بها كما يعتز بالسيف، ويدفع بها شبهات من زاغت قلوبهم، كما يدفع بالسيف كفر الكافرين.
ولقد نصبت طائفة العداء لعلي ﵁، بعد قبوله التحكيم بينه وبين معاوية، واعتبروه كافراً، وتشيعت طائفة له، وبالغت في تقديسه، وتبرأ ﵁ من هؤلاء وهؤلاء، لكن نار هاتين الفتنتين ظلت تشتعل هنا وهناك، حتى سأله الناس عما يشاع من أن النبي ﷺ قد خصه بأسرار، لم يطلع عليها أحداً من الأمة، وأنه كان الوصي لرسول الله ﷺ ، حتى ادعوا أنه ﷺ جعله واصياً على زوجاته أمهات المؤمنين ﵅ يطلق منهن من شاء من بعده، فطلق عائشة ﵂ خرافات اختلقوها وأشاعوها. فكان أن سأله بعضهم: هل خصك رسول الله ﷺ بسر، أسر به إليك، دون بقية الناس؟ فكان أن غضب لهذه الفرية، وقال: لا. والله ما خصني بسر من الأسرار، ولكن حدثني بأحاديث، كما حدث الناس، فاحتفظت بها في قراب سيفي، قالوا: فما فيه؟ فأخرجه، فإذا فيه: لعن الله من لعن والديه، لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من سرق حدود الأرض من جاره، لعن الله من حمى مجرماً ودافع عنه، وكان في الصحيفة غير ذلك كثير.
-[المباحث العربية]-
(عن أبي الطفيل .... كنت عند علي بن أبي طالب، فأتاه رجل) في الرواية الثانية "عن الطفيل. قال: قلنا لعلي .... " وفي الرواية الثالثة "سئل علي" وعند البخاري "عن أبي جحيفة قال: قلت لعلي .... " قال الحافظ ابن حجر: وقد سأل علياً عن هذه المسألة أيضاً قيس بن عباد، والأشتر النخعي، وحديثهما في مسند النسائي.
(ما كان النبي ﷺ يسر إليك؟ ) "ما" استفهامية، أي ماذا كان يسر إليك به؟ وفي الرواية الثانية "أخبرنا بشيء أسره إليك رسول الله ﷺ " وفي الرواية الثالثة "أخصكم رسول الله ﷺ بشيء"؟ والخطاب في "أخصكم" لعلي ﵁ والجمع للتعظيم، أوله ولبقية آل البيت، وعند النسائي "هل عهد إليك رسول الله ﷺ شيئاً لم يعهد إلى الناس عامة"؟ وعند البخاري في كتاب العلم "هل عندكم كتاب"؟ أي مكتوب أخذتموه عن رسول الله ﷺ ؟ مما أوحي إليه؟ وعند البخاري في الجهاد "هل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله"؟ وعنده في الديات "هل عندكم شيء مما ليس في القرآن"؟ وفي مسند إسحق بن راهويه "هل علمت شيئاً من الوحي"؟
وسبب هذا السؤال أن جماعة من الشيعة كانوا يزعمون أن عند أهل البيت -لاسيما علياً- أشياء من الوحي، خصهم النبي ﷺ بها، لم يطلع غيرهم عليها، وأخرج أحمد عن أبي حسان الأعرج
стр. 4427
"أن علياً كان يأمر بالأمر، فيقال له: قد فعلناه، فيقول: صدق الله ورسوله. فقال له الأشتر: إن هذا الذي تقول. أهو شيء عهده إليك رسول الله ﷺ ؟ ".
(فغضب، وقال: ما كان النبي ﷺ يسر إلي شيئاً يكتمه الناس) وفي الرواية الثانية "ما أسر إلي شيئاً كتمه الناس" وعند أحمد "ما عهد إلي شيئاً خاصة دون الناس" وإنما غضب لكثرة ما سئل هذا السؤال، نتيجة لإشاعات الشيعة، مما هو منه براء.
(غير أنه قد حدثني بكلمات أربع) وفي الرواية الثانية "ولكني سمعته يقول .... " ومعنى هاتين الروايتين أن الحديث الآتي أخذه علي سماعاً، فقوله في الرواية الثالثة "إلا ما كان في قراب سيفي هذا" أي أنه كتبه بعد ما سمعه، وفي مسند أحمد "إلا شيئاً سمعته منه، فهو في صحيفة في قراب سيفي، فلم يزالوا به حتى أخرج الصحيفة ... " وعند أبي داود والنسائي "إلا ما في كتابي هذا. قال: وكتاب في قراب سيفه" وعند البخاري في كتاب العلم. "لا. إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة" وعند أحمد عن طريق طارق بن شهاب، قال: "شهدت علياً على المنبر، وهو يقول: والله ما عندنا كتاب نقرؤه عليكم إلا كتاب الله، وهذه الصحيفة" و"قراب السيف" بكسر القاف وعاء من جلد، ألطف من الجراب، يدخل فيه السيف بغمده، وما خف من الآلة. قاله النووي.
(لعن الله من لعن والده) في الرواية الثانية "لعن الله من لعن والديه" ولعن الوالدين أعم من مباشرة اللعن، أو التسبب فيه "يلعن الرجل أبا الرجل، فيلعن والديه".
(ولعن الله من ذبح لغير الله) المراد به أن يذبح باسم غير الله تعالى، كمن ذبح للصنم أو الصليب، أو لموسى أو لعيسى ﵉ أو للكعبة، ونحو ذلك.
(ولعن الله من آوى محدثاً) بضم الميم وكسر الدال، أي من أوى مذنباً وحماه، وضمه إليه، ودفع عنه عقاب جريمته، و"أوى" بالقصر والمد، في الفعل اللازم والمتعدي جميعاً، لكن القصر في اللازم أشهر وأفصح، والمد في المتعدي -كما هنا- أشهر وأفصح.
وجملة "لعن الله" خبرية لفظاً، فهل هي خبرية معنى؟ أو دعائية معنى؟ احتمالان. واللعن في اللغة هو الطرد، والإبعاد، والمراد باللعن هنا العذاب الذي يستحقه على ذنبه، والطرد عن الجنة عند دخول السابقين.
(ولعن الله من غير منار الأرض) "منار الأرض" فتح الميم علامات حدودها بين المتجاورين في امتلاكها، وبتغييرها يحصل على جزء منها ليس له، وفي الرواية الثانية "لعن الله من غير المنار" أي علامة الحدود في الأرض وغيرها، وفي الرواية الثالثة: لعن الله من سرق منار الأرض" والروايتان الأوليان أعم، يشملان من غير سرقة، ومن غير عنوة ونهباً واغتصاباً.
(لم يعم به الناس كافة) "كافة" حال، قال النووي: وأما ما يقع في كثير من كتب المصنفين
стр. 4428
من استعمالها مضافة وبالتعريف، كقولهم: هذا قول كافة العلماء، وهذا مذهب الكافة، فهو خطأ، معدود في لحن العوام وتحريفهم.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: أما الذبح لغير الله فالمراد به أن يذبح باسم غير الله تعالى، فهو حرام، ولا تحل هذه الذبيحة، سواء كان الذابح مسلماً أو نصرانياً أو يهودياً، نص عليه الشافعي، واتفق عليه أصحابنا، فإن قصد مع ذلك تعظيم المذبوح له -غير الله تعالى، والعبادة له- كان ذلك كفراً، فإن كان الذابح مسلماً قبل ذلك صار بالذبح مرتداً، وذكر المروزي من أصحابنا: أن ما يذبح عند استقبال السلطان، تقرباً إليه، أفتى أهل بخارى بتحريمه، لأنه مما أهل به لغير الله تعالى، قال الرافعي: هذا إنما يذبحونه استبشاراً بقدومه، فهو كذبح العقيقة، لولادة المولود، ومثل هذا لا يوجب التحريم.
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - فيه إبطال لما تزعمه الرافضة والشيعة والإمامية من الوصية إلى علي، وغير ذلك من اختراعاتهم من قولهم: إن علياً ﵁ أوصى إليه النبي ﷺ بأمور كثيرة من أسرار العلم، وقواعد الدين، وكنوز الشريعة، وأنه ﷺ خص أهل البيت بما لم يطلع عليه غيرهم. وهذه دعاوى باطلة.
٢ - وفيه الحرص على كتابة العلم. قال الحافظ ابن حجر: استقر الأمر، وانعقد الإجماع على جواز كتابة العلم، بل على استحبابه، بل لا يتعد وجوبه على من خشي النسيان، ممن يتعين عليه تبليغ العلم.
٣ - وفيه جواز لعن أهل المعاصي والفساد، لكن لا دلالة فيه على لعن الفاسق المعين.
(إضافة) جاء في روايات صحيحة أن الصحيفة كان فيها "المدينة حرم" وكان فيها "العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر" و"ذمة المسلمين واحدة، فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. لا يقبل منه صرف ولا عدل، ومن تولى قوماً بغير إذن مواليه، فعليه لعنة الله والناس أجمعين. لا يقبل منه صرف ولا عدل" وفيها "المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم".
قال الحافظ ابن حجر: والجمع بين هذه الأخبار أن الصحيفة المذكورة كانت مشتملة على جميع ما ذكر، فنقل كل راو بعضها.
والله أعلم
стр. 4429
كتاب الأشربة
стр. 4430
(٥٥١) باب الخمر وتحريمها
٤٤٨٢ - عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: أصبت شارفاً مع رسول الله ﷺ في مغنم يوم بدر. وأعطاني رسول الله ﷺ شارفاً أخرى. فأنختهما يوماً عند باب رجل من الأنصار، وأنا أريد أن أحمل عليهما إذخراً لأبيعه. ومعي صائغ من بني قينقاع، فأستعين به على وليمة فاطمة. وحمزة بن عبد المطلب يشرب في ذلك البيت. معه قينة تغنيه. فقالت: ٤ ألا يا حمز للشرف النواء فثار إليهما حمزة بالسيف. فجب أسنمتهما وبقر خواصرهما. ثم أخذ من أكبادهما. قلت لابن شهاب: ومن السنام؟ قال: قد جب أسنمتهما فذهب بها. قال ابن شهاب: قال علي فنظرت إلى منظر أفظعني. فأتيت نبي الله ﷺ وعنده زيد بن حارثة. فأخبرته الخبر. فخرج ومعه زيد. وانطلقت معه. فدخل على حمزة فتغيظ عليه. فرفع حمزة بصره. فقال: هل أنتم إلا عبيد لآبائي؟ فرجع رسول الله ﷺ يقهقر حتى خرج عنهم.
٤٤٨٣ - عن علي ﵁ قال: كانت لي شارف من نصيبي من المغنم، يوم بدر. وكان رسول الله ﷺ أعطاني شارفاً من الخمس يومئذ. فلما أردت أن أبتني بفاطمة، بنت رسول الله ﷺ ، واعدت رجلاً صواغاً من بني قينقاع يرتحل معي. فنأتي بإذخر أردت أن أبيعه من الصواغين، فأستعين به في وليمة عرسي. فبينا أنا أجمع لشارفي متاعاً من الأقتاب والغرائر والحبال، وشارفاي مناخان إلى جنب حجرة رجل من الأنصار. وجمعت حين جمعت ما جمعت. فإذا شارفاي قد اجتبت أسنمتهما، وبقرت خواصرهما، وأخذ من أكبادهما. فلم أملك عيني حين رأيت ذلك المنظر منهما. قلت: من فعل هذا؟ قالوا: فعله حمزة بن عبد المطلب. وهو في هذا البيت في شرب من الأنصار. غنته قينة وأصحابه. فقالت في غنائها: ألا يا حمز للشرف النواء. فقام حمزة بالسيف فاجتب أسنمتهما، وبقر خواصرهما، فأخذ من أكبادهما. فقال علي: فانطلقت حتى أدخل على رسول الله ﷺ وعنده زيد بن حارثة. قال: فعرف رسول الله ﷺ في وجهي الذي لقيت. فقال رسول الله ﷺ : "ما لك؟ " قلت:
стр. 4431
يا رسول الله، والله ما رأيت كاليوم قط. عدا حمزة على ناقتي فاجتب أسنمتهما، وبقر خواصرهما. وها هو ذا في بيت معه شرب. قال: فدعا رسول الله ﷺ بردائه فارتداه. ثم انطلق يمشي. واتبعته أنا وزيد بن حارثة. حتى جاء الباب الذي فيه حمزة. فاستأذن فأذنوا له. فإذا هو شرب. فطفق رسول الله ﷺ يلوم حمزة فيما فعل. فإذا حمزة محمرة عيناه. فنظر حمزة إلى رسول الله ﷺ ثم صعد النظر إلى ركبتيه. ثم صعد النظر، فنظر إلى سرته. ثم صعد النظر، فنظر إلى وجهه. فقال حمزة: وهل أنتم إلا عبيد لأبي؟ فعرف رسول الله ﷺ أنه ثمل. فنكص رسول الله ﷺ على عقبيه القهقرى. وخرج وخرجنا معه.
٤٤٨٤ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: كنت ساقي القوم، يوم حرمت الخمر، في بيت أبي طلحة. وما شرابهم إلا الفضيخ: البسر والتمر. فإذا مناد ينادي. فقال: اخرج، فانظر. فخرجت، فإذا مناد ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت. قال: فجرت في سكك المدينة. فقال لي أبو طلحة: اخرج، فاهرقها. فهرقتها. فقالوا -أو قال بعضهم: - قتل فلان. قتل فلان وهي في بطونهم -قال: فلا أدري هو من حديث أنس- فأنزل الله ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات﴾ [المائدة/ ٩٣].
٤٤٨٥ - عن عبد العزيز بن صهيب قال: سألوا أنس بن مالك عن الفضيخ؟ فقال: ما كانت لنا خمر غير فضيخكم هذا، الذي تسمونه الفضيخ. إني لقائم أسقيها أبا طلحة وأبا أيوب ورجالاً من أصحاب رسول الله ﷺ في بيتنا. إذ جاء رجل فقال: هل بلغكم الخبر؟ قلنا: لا. قال: فإن الخمر قد حرمت. فقال: يا أنس، أرق هذه القلال. قال: فما راجعوها ولا سألوا عنها بعد خبر الرجل.
٤٤٨٦ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: إني لقائم على الحي، على عمومتي أسقيهم من فضيخ لهم. وأنا أصغرهم سناً. فجاء رجل فقال: إنها قد حرمت الخمر. فقالوا: اكفئها يا أنس. فكفأتها. قال: قلت لأنس: ما هو؟ قال: بسر ورطب. قال: فقال أبو بكر بن أنس: كانت خمرهم يومئذ. قال سليمان: وحدثني رجل عن أنس بن مالك أنه قال ذلك أيضاً.
стр. 4432
٤٤٨٧ - عن أنس ﵁: كنت قائماً على الحي أسقيهم. بمثل حديث ابن علية، غير أنه قال: فقال أبو بكر بن أنس: كان خمرهم يومئذ. وأنس شاهد. فلم ينكر أنس ذاك. وقال ابن عبد الأعلى: حدثنا المعتمر عن أبيه، قال: حدثني بعض من كان معي، أنه سمع أنساً يقول: كان خمرهم يومئذ.
٤٤٨٨ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: كنت أسقي أبا طلحة وأبا دجانة ومعاذ بن جبل، في رهط من الأنصار. فدخل علينا داخل فقال: حدث خبر. نزل تحريم الخمر. فأكفأناها يومئذ. وإنها لخليط البسر والتمر. قال قتادة: وقال أنس بن مالك: لقد حرمت الخمر. وكانت عامة خمورهم يومئذ خليط البسر والتمر.
٤٤٨٩ - وفي رواية عن قتادة عن أنس بن مالك ﵁ قال: إني لأسقي أبا طلحة وأبا دجانة وسهيل بن بيضاء من مزادة، فيها خليط بسر وتمر. بنحو حديث سعيد.
٤٤٩٠ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ نهى أن يخلط التمر والزهو ثم يشرب. وإن ذلك كان عامة خمورهم، يوم حرمت الخمر.
٤٤٩١ - عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: كنت أسقي أبا عبيدة بن الجراح وأبا طلحة وأبي بن كعب شراباً من فضيخ وتمر. فأتاهم آت، فقال: إن الخمر قد حرمت. فقال أبو طلحة: يا أنس، قم إلى هذه الجرة فاكسرها. فقمت إلى مهراس لنا، فضربتها بأسفله، حتى تكسرت.
٤٤٩٢ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: لقد أنزل الله الآية التي حرم الله فيها الخمر، وما بالمدينة شراب يشرب إلا من تمر.
-[المعنى العام]-
خلق الله الإنسان، وكرمه على كثير من مخلوقاته، وميزه بالعقل، ليكون خليفته في الأرض،
стр. 4433
وجعلها له ذلولاً، وسخر له ما فيها، ليديرها، ويصرفها، وينتفع بما حوله مما خلق له، ذلك العقل وتلك الجوهرة، هو الفارق بين الإنسان والحيوان، هو الفارق بين السوي الحكيم وبين المجنون، هذا الجهاز الصغير الدقيق المعجز هو صندوق المعلومات وخازنها، منذ كان الإنسان في بطن أمه، وجعل له ربه السمع والبصر والحواس والفؤاد، هذا الجهاز هو قائد الجوارح كلها، وأمير الجسم والأعضاء، لا يتحرك جفن عين لعاقل إلا بإشارته، ولا يصدر عمل من الأعمال إلا عن أمره، إذا اختل ضاعت الحكمة، وإذا غشي وعمي عليه توقفت الأعضاء عن الحركة، بل عن الحس والشعور، ولقد خلق الله في الأرض ما ينفع الإنسان وما يضره، ليميز بعقله بين ما ينفع فيقبل عليه، ويفيد منه، وبين ما يضر، فيبتعد عنه، ويحذره، ويتحاشاه، نوع من أنواع الابتلاء والاختبار، ليميز الله الخبيث من الطيب، خلق الطعام والشراب اللذيذ النافع، وخلق السم القاتل، وكلما ارتقى الإنسان في الإنسانية بعد عما يضر، واستكثر مما ينفع، وفي الحياة الدنيا هموم ومشاكل وأحزان ومصائب، يقف العاقل حيالها موقف المعالج الخبير الصابر الحكيم، ويقف العاجز حيالها بالضعف والتخاذل ومحاولة الهروب منها، وكيف يهرب منها وهي في داخله؟ وفي سويداء عقله؟ إنه يحاول تغطية العقل، وتغطية الشعور، وتغطية الأحاسيس، بما عرفه من خمر أو حشيشة، وهو في ذلك لا يحل المشكلة، ولا يبعدها عن نفسه، ولا يخفف همومها، وآلامها، بل كل ما يفعله أنه يهرب من الإحساس بها بعض الوقت، ليضم إليها هموماً أخرى وأحزاناً أخرى بعد أن يفيق من السكر.
فهذا حمزة بن عبد المطلب، عم رسول الله ﷺ ، وقد كانت الخمرة مباحة، والسكر مباحاً، يجتمع مع بعض الشباب من أقرانه، في بيت من بيوت أحدهم، فيستأجرون مغنية تغنيهم، على شرابهم، وتأخذ الخمرة برءوسهم، فيتمايل بعضهم على بعض، ويصيح بعضهم ببعض، ويعبث بعضهم بوجوه بعض، وتثيره المغنية بأبيات من شعر، مضمونها: يا حمزة يا بطل الأبطال، يا من اشتهر بالكرم، يا ابن الأكرمين، بالباب ناقتان سمينتان، نشتهي أن نأكل -مع شرابنا- من سنامهما وأكبادهما، فأين سيفك؟ وأين شهامتك؟ وأين جودك؟ فيخرج بسيفه، فيجتز سنامي الناقتين، ويبقر بطنهما، ويرجع للقوم بأكبادهما وسناميهما، ويرجع صاحب الناقتين، علي بن أبي طالب، الذي لا يملك غيرهما، ويرجوهما عوناً له على رزقه، يحملان الحطب الذي يجمعه ليبيعه، ليستعين به على وليمة زواجه بفاطمة بنت محمد ﷺ ، يرجع بعد أن جمع الحطب ليأخذ ناقتيه، لتحملاه، فيجد الدماء تملأ مربطهما، وتقع عيناه على منظرهما الفظيع وقد بقرت بطونهما، فلا يملك دمعه الذي سال على خديه، ويسأل من تجمع من الناس حولهما: من فعل هذا؟ فيحكون له ما حصل، فيجري نحو بيت رسول الله ﷺ فزعاً، شاحب اللون، مرتعش البدن، فيقول له ﷺ : ما لك؟ ماذا بك يا علي؟ فيقول حصل كذا وكذا. الناقة التي أصابتني من غنائم بدر، والناقة التي ساعدتني بها من الفيء والخمس، فعل بهما حمزة كذا وكذا.
فقال ﷺ : وأين حمزة الآن؟ قال في بيت يشرب الخمر مع الشاربين فأسرع ﷺ إلى ردائه فلبسه، ثم خرج مع علي معهما زيد بن حارثة، حتى وصلوا إلى البيت الذي به حمزة، فاستأذن، فأذن له، فدخل متغيظاً يلوم حمزة ويعنفه، ظاناً أنه يعي، فيصلح ما أفسد، لكن حمزة كان بعيداً عن الوعي، التفت حمزة إلى رسول الله ﷺ ، فلم
стр. 4434
يعرفه، لأنه نظر إلى ساقه، ثم صعد النظر إلى ركبتيه ﷺ ، وهو يهز رأسه، كأنه يقول: من هذا الذي يعنفني؟ ثم صعد النظر إلى سرته ﷺ ، ثم صعد النظر فنظر إلى وجهه ﷺ ، ولم يعرفه، ورأى حوله علياً وزيداً ولم يعرفهما، فأخذ يترنح وهو يقول: ما أنتم إلا عبيد لأبي -أبي عبد المطلب- وأنتم عبيد عبد المطلب.
وذهل رسول الله ﷺ من منظره، إنه غائب عن الوجود، إنه لا يدرك ما يقول، إنه لا يدرك ما يفعل، إنه قد يؤذي رسول الله ﷺ ومن معه بسيفه، فخرج رسول الله ﷺ بظهره مسرعاً.
هذه الحادثة كانت وحدها كافية لنزول آية تحريم الخمر، لكن غيرها من أمثالها قد وقع كثيراً وكان القرآن الكريم قد هيأ الأمة لتلقي حكم التحريم، لأن الخمر كانت في دمها، والأمة العربية كانت مدمنة، لا يخلو شرابها على الطعام وفي السهرات من خمر، خمر عنب يستوردونه من خارج منطقتهم، لا يجيدون صناعته، وخمر تمر وبسر وزبيب وشعير وذرة وحنطة يجيدون صناعتها، كان القرآن قد نزل بقوله تعالى ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ [البقرة: ٢١٩] فخشي كرماء الناس إثمها، فامتنعوا عنها، أو قللوا من شربها.
ثم نزل قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾ [النساء: ٤٣] فامتنع المسلمون من شربها قريباً من أوقات الصلاة، وحصروا شربها في الأوقات التي تمكنهم من الإفاقة منها قبل وقت الصلاة.
وأخيراً نزل القرار القاطع المحرم لقليلها وكثيرها، فقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون* إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون﴾ [المائدة: ٩٠، ٩١]؟
وأرسل رسول الله ﷺ منادياً ينادي في شوارع المدينة: أيها المسلمون، إن الخمر قد حرمها الله. إن رسول الله ﷺ يبلغكم أن الخمر منذ الآن حرام. وسمع المنادي الشاربون فأمسكوا عن الشرب، وراحوا يريقون ما عندهم منها على الأرض وفي شوارع المدينة، حتى جرت بها شوارع المدينة.
وهكذا حفظ الله للمسلمين جوهرة عقولهم، وحماها من العبث والتغطية والفساد والإفساد، وصان إنسانيتهم من التدهور والهبوط إلى عالم الحيوانات.
-[المباحث العربية]-
(كتاب الأشربة) أي ما يحرم منها، وما يحل، وما يتعلق بالشرب من الآداب.
(باب الخمر) ويقال لها الخمرة، بفتح الخاء، وهي تذكر وتؤنث، فيقال: هذا خمر، وهذه خمر، والخمر مأخوذة من التغطية والستر، يقال: خمر الإناء، بفتح الميم، يخمره بضمها، خمراً، أي ستره
стр. 4435
وكتمه، قيل: سميت الخمر خمرة؛ لأنها تغطي العقل وتخالطه، أو لأنها هي تخمر، وتغطي، حتى تغلي، أو لأنها تختمر، أي تدرك الهدف الجديد منها، وتستر الهدف السابق منها، كما يقال للعجين: اختمر. أما المراد من الخمر شرعاً فسيأتي في فقه الحديث.
(أصبت شارفاً) أي ناقة مسنة، وجمعها شرف بضم الراء وإسكانها، وفي الرواية الثانية "كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر".
(وأعطاني رسول الله ﷺ شارفاً أخرى) في الرواية الثانية "وكان رسول الله ﷺ أعطاني شارفاً من الخمس يومئذ" وكان هذا الإعطاء مساعدة له، باعتباره على أبواب الزواج.
(وأنا أريد أن أحمل عليهما إذخراً لأبيعه) أي أريد أن أجمع الإذخر من الصحراء، وأحمله عليهما إلى الأسواق، وأماكن بيعه، والإذخر، بكسر الهمزة وسكون الذال، نوع من الحشائش ذات السيقان الطويلة، كسيقان القمح، لكنها أدق، يستعمل وقوداً، ويخلط بالطين للبناء.
(ومعي صائغ من بني قينقاع) بضم النون وكسرها وفتحها، وهم طائفة من يهود المدينة، فيجوز صرفه، على إرادة الحي، وترك صرفه، على إرادة القبيلة أو الطائفة، أي للعلمية والتأنيث، وفي الرواية الثانية "واعدت رجلاً صواغاً من بني قينقاع، يرتحل معي" أي لنجمع الإذخر "فنأتي بإذخر، أردت أن أبيعه من الصواغين" قال النووي: هكذا هو في جميع نسخ مسلم، وفي بعض الأبواب من البخاري "من الصواغين" ففيه دليل لصحة استعمال الفقهاء في قولهم: بعته منه ثوباً، -أي بعته، وزوجت منه -أي زوجته- ووهبت منه جارية -أي وهبته جارية، وشبه ذلك، والفصيح حذف "من" فإن الفعل متعد بنفسه، ولكن استعمال "من" في هذا صحيح، وقد كثر ذلك في كلام العرب، وتكون "من" زائدة على مذهب الأخفش ومن وافقه في زيادتها في الواجب غير النفي. والصواغون جمع صائغ، وهو من حرفته صناعة الحلي من ذهب وفضة وغيرهما.
(فأستعين به على وليمة فاطمة) أي فأستعين بثمنه، وفي الرواية الثانية "فأستعين به في وليمة عرسي" أي بفاطمة.
(فبينا أنا أجمع لشارفي متاعاً من الأقتاب والغرائر والحبال) "شارفي" بتشديد الياء، مثنى شارف، و"الأقتاب" جمع قتب، وهو الرحل الصغير على قدر سنام البعير، والغرائر جمع غرارة، وهي وعاء من الخيش ونحوه، يوضع فيه القمح ونحوه، أشبه بما يعرف عند العامة بالشوال بكسر الشين وضمها، وعربيته جوالق بكسر الجيم وضمها.
(وشارفاي مناختان) قال النووي: في معظم النسخ "مناخان" وفي بعضها "مناختان" وكذلك اختلف فيه نسخ البخاري، وهما صحيحان، التأنيث باعتبار المعنى، والتذكير باعتبار اللفظ.
(وجمعت حين جمعت ما جمعت) قال النووي: هكذا هو في بعض نسخ بلادنا، ونقله
стр. 4436
القاضي عن أكثر نسخهم، وسقطت لفظة "وجمعت" الأولى من أكثر نسخ بلادنا، ووقع في بعض النسخ "حتى جمعت" مكان "حين جمعت".
(فإذا شارفاي قد اجتبت أسنمتهما) قال النووي: هو في معظم النسخ "فإذا شارفي" وفي بعضها "فإذا شارفاي" وهذا هو الصواب، إلا أن يقرأ "فإذا شارفي" بتخفيف الياء، على لفظ الإفراد، ويكون المراد جنس الشارف، فيدخل فيه الشارفان. اهـ ومعنى "اجتبت" بضم التاء وتشديد الباء المفتوحة، مبني للمجهول، أي قطعت، والجب بفتح الجيم القطع، وفي الرواية الأولى "فثار إليهما حمزة بالسيف، فجب أسنمتهما" والمعنى: في الوقت الذي كنت أعد لشارفي الغرائر والرحال والحبال، وأجهز لهما عدة الحمل والعمل كان شارفاي قد قطعت أسنمتهما. وجمع "أسنمة" مع التثنية كثير، كقوله تعالى: ﴿إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما﴾ [التحريم: ٤].
(وبقر خواصرهما) يقال: بقر البطن بفتح الباء والقاف، يبقرها بضم القاف، أي شقها، والخواصر جمع خاصرة، والخصر من الإنسان والحيوان وسطه، وهو المستدق، فوق الوركين.
(وأخذ من أكبادهما) "من" تبعيضية، أي أخذ بعض أكبادهما.
(فلم أملك عيني حين رأيت ذلك المنظر منهما) قال النووي: سبب هذا البكاء والحزن ما خافه من تقصير في حق فاطمة ﵂ وجهازها، والاهتمام بأمرها، وتقصيره أيضاً بذلك في حق النبي ﷺ ، ولم يكن لمجرد الشارفين، من حيث هما من متاع الدنيا، بل لما قدمناه. اهـ
أقول: كان علي ﵁ يعلم يقيناً أنه سيعوض عن الشارفين، إما من الجاني، وإما من النبي ﷺ ولم يكن يخاف من ضياعهما تقصيراً في حق فاطمة ﵂ وإنما بكى، أو دمعت عينيه لفظاعة المنظر، وهوله، كما قال في الرواية الأولى "فنظرت إلى منظر أفظعني" فدموعه ﵁ كانت شفقة ورقة قلب.
(قلت: من فعل هذا؟ قالوا: فعله حمزة بن عبد المطلب، وهو في هذا البيت، في شرب من الأنصار) و"الشرب" بفتح الشين وسكون الراء الجماعة الشاربون.
(غنته قينة وأصحابه) القينة الأمة، صانعة، أو غير صانعة، وغلب على المغنية، وهو المراد هنا.
(فقالت في غنائها: ألا يا حمز للشرف النواء) "حمز" منادي مرخم، بني على الضم، على لغة من لا ينتظر، في محل نصب، و"الشرف" بضم الشين، وضم الراء أو سكونها، جمع شارف و"النواء" بكسر النون وتخفيف الواو، وبالمد أي السمان، قال النووي: هذا الذي ذكرناه في النواء، أنها بكسر النون، وبالمد، هو الصواب المشهور في الروايات في الصحيحين وغيرهما، ويقع في بعض النسخ "النوي" وهو تحريف وقال الخطابي: رواه ابن جرير "ذا الشرف النوي" بفتح الشين والراء،
стр. 4437
وبفتح النون، مقصوراً، قال: وفسره بالبعد، وقال الخطابي: وكذا رواه أكثر المحققين، قال: وهو غلط في الرواية والتفسير، وقد جاء في غير مسلم تمام هذا الشعر:
ألا يا حمز للشرف النواء ... وهن معقلات بالفناء
ضع السكين في اللبات منها ... وضرجهن حمزة بالدماء
وعجل من أطايبها لشرب ... قديداً من طبيخ أو شواء
و"الفناء" الجانب، أي جانب الدار التي كانوا فيها، والقديد اللحم المطبوخ، والتضريج التلطيخ. وأريد بهذا الشعر إثارة همة حمزة، وتهييجه على نحر الناقتين، ليأكلوا من لحمها، وقد عرف عنه الكرم، فخرج على الفور، وفعل ما فعل، وهو مخمور.
(ومن السنام؟ قال: قد جب أسنمتهما، فذهب بها) "ومن السنام"؟ معطوف على "ثم أخذ من أكبادهما" فكأن الراوي يسأل: أخذ بعض أكبادهما، وأخذ بعض أسنمتهما؟ فأجابه بأنه أخذ أسنمتهما كلها.
(فانطلقت، حتى أدخل على رسول الله ﷺ الأصل أن يقول "حتى دخلت" ولكنه عبر عن الماضي بصيغة المضارع استحضاراً للصورة.
(في وجهي الذي لقيت) أي دخلت عليه في وجه غاضب مفزع من هول ما رأيت، أي بنفس الوجه الذي رأيت فيه وبه شارفي.
(فدعا رسول الله ﷺ بردائه، فارتداه) قال النووي: هكذا هو في النسخ كلها "فارتداه".
(فدخل على حمزة، فتغيظ عليه) أي أظهر غيظه عليه، والغيظ تغير يلحق الإنسان من مكروه يصيبه وفي الرواية الثانية "فطفق رسول الله يلوم حمزة فيما فعل" أي جعل يلومه، و"طفق" بكسر الفاء وفتحها، والمشهور الكسر.
(فرفع حمزة بصره) في الرواية الثانية "فإذا حمزة محمرة عيناه، فنظر حمزة إلى رسول الله ﷺ ثم صعد النظر إلى ركبتيه، ثم صعد النظر، فنظر إلى سرته، ثم صعد النظر فنظر إلى وجهه" أي كان حمزة جالساً ورسول الله ﷺ واقفاً فنظر حمزة في مستوى النظر إلى ساق الرسول ﷺ ، ثم رفع بصره قليلاً فكان إلى ركبتيه، ثم صعد، ثم صعد، حتى نظر إلى وجهه ﷺ .
(فقال: هل أنتم إلا عبيد لآبائي؟ ) وفي الرواية الثانية "وهل أنتم إلا عبيد لأبي"؟ قيل: أراد أن أباه عبد المطلب جد للنبي ﷺ ولعلي أيضاً، والجد يدعى سيداً، وحاصله أن حمزة أراد الافتخار عليهم بأنه أقرب إلى عبد المطلب منهم.
(فعرف رسول الله ﷺ أنه ثمل) بفتح الثاء، وكسر الميم، أي سكران.
стр. 4438
(فرجع رسول الله ﷺ يقهقر) في الرواية الثانية "فنكص رسول الله ﷺ على عقبيه القهقري" قال جمهور أهل اللغة: القهقري الرجوع إلى وراء ووجهه إليك، إذا ذهب عنك، وقال أبو عمر: هو الإسراع في الرجوع، والأول هو المشهور المعروف.
قال النووي: وإنما رجع القهقرى خوفاً من أن يبدو من حمزة ﵁ أمر يكرهه، لو ولاه ظهره، لكونه مغلوباً بالسكر.
(كنت ساقي القوم) ذكر من القوم أبو طلحة، زوج أم أنس، أم سليم، وهو زيد بن سهل، وفي الرواية الرابعة أبو أيوب، وفي الرواية السابعة أبو دجانة ومعاذ بن جبل، وفي ملحقها سهل بن بيضاء، وفي الرواية التاسعة أبو عبيدة بن الجراح، وأبي بن كعب، فهؤلاء سبعة، وقد وقع عند عبد الرزاق أن القوم كانوا أحد عشر رجلاً. قال الحافظ ابن حجر: ومن المستغربات ما أورده ابن مردويه في تفسيره، عن أنس أن أبا بكر وعمر كانا فيهم، قال: وهو منكر، مع نظافة سنده، وما أظنه إلا غلطاً، فعند أبي نعيم من حديث عائشة قالت: "حرم أبو بكر الخمر على نفسه، فلم يشربها في جاهلية ولا إسلام" قال: ويحتمل إن كان محفوظاً أن يكون أبو بكر وعمر زارا أبا طلحة في ذلك اليوم، ولم يشربا معهم. اهـ وكانت الحادثة في بيت أبي طلحة، بيت أنس بن مالك.
وفي الرواية الخامسة "إني لقائم على الحي، على عمومتي" فأطلق عليهم "عمومتي" لأنهم كانوا أسن منه، ولأن أكثرهم كانوا من الأنصار.
(يوم حرمت الخمر) قال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر أن تحريمها كان عام الفتح، سنة ثمان، قبل الفتح، لما روى أحمد من طريق عبد الرحمن بن وعلة قال: سألت ابن عباس عن بيع الخمر؟ فقال: كان لرسول الله ﷺ صديق من ثقيف، فلقيه يوم الفتح براوية خمر، يهديها إليه، فقال: يا فلان. أما علمت أن الله حرمها؟ فأقبل الرجل على غلامه، فقال: بعها، فقال ﷺ : إن الذي حرم شربها حرم بيعها" وقال الحافظ في مكان آخر: ثم رأيت الدمياطي في سيرته جزم بأن تحريم الخمر كان سنة الحديبية، والحديبية كانت سنة ست، وذكر ابن إسحاق أنه كان في واقعة بني النضير، وهي بعد وقعة أحد، وذلك سنة أربع على الراجح. قال الحافظ: وفيه نظر، لأن أنساً كما سيأتي كان الساقي يوم حرمت، وأنه لما سمع المنادي بتحريمها بادر فأراقها، فلو كان ذلك سنة أربع لكان أنس يصغر عن ذلك. اهـ وما استبعده الحافظ ليس ببعيد، بل هو أقرب الأقوال لواقع الروايتين الأولى والثانية فأنس ﵁ سنة أربع كان ابن أربع عشرة، وهو سن يليق بذلك، ولا يصغر عن ذلك، وحادثة حمزة ﵁ كانت عقب بدر، وقبل أحد بكل تأكيد، لأن حمزة استشهد بأحد، وقد سيقت الحادثة على أنها من مفاسد الخمر، ومن أسباب نزول آية تحريمها، ومن المستبعد أن تشيع هذه المفاسد وتبقى الخمر مباحة إلى سنة ثمان، وما استدل به من حديث أحمد لا يصلح دليلاً، فكون الرجل الثقفي لم يعلم بتحريم الخمر إلا عام الفتح لا يدل على أنها لم تحرم قبل عام الفتح. والله أعلم.
وروى أصحاب السنن عن عمر ﵁ أنه قال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت
стр. 4439
الآية التي في البقرة ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ [البقرة: ٢١٩] فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت التي في المائدة ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه﴾ [المائدة: ٩٠] صححه الترمذي.
وأخرج أحمد عن أبي هريرة نحوه، وقال عند نزول آية البقرة: فقال الناس: ما حرم علينا، فكانوا يشربون، حتى أم رجل أصحابه في المغرب، فخلط في قراءته، فنزلت الآية التي في النساء ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾ [النساء: ٤٣] فكانوا يشربون، ولا يقرب الرجل الصلاة حتى يفيق، ثم نزلت آية المائدة، فقالوا: يا رسول الله، ناس قتلوا في سبيل الله وناس ماتوا على فرشهم، وكانوا يشربونها -وفي رواية "ماتوا وهي في بطونهم"؟ فأنزل الله تعالى ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات﴾ [المائدة: ٩٣] فقال النبي ﷺ : لو حرم عليهم لتركوه.
(وما شرابهم إلا الفضيخ -البسر والتمر) "الفضيخ" بفتح الفاء وكسر الضاد، آخرها خاء، على وزن عظيم، اسم للبسر إذا شدخ ونبذ، والبسر تمر الفسخ قبل أن يصير رطباً، قال إبراهيم الحربي: الفضيخ أن يفضخ البسر -أي يشق- ويصب عليه الماء، ويترك حتى يغلي. اهـ أي حتى يتخمر ويطفو زبده وقال أبو عبيد: هو ما فضخ من البسر، من غير أن تمسه النار، فإن كان معه تمر فهو خليط. وفي الرواية الخامسة "أسقيهم من فضيخ لهم. قلت لأنس: ما هو [الفضيخ أو الشراب]؟ قال: بسر ورطب" وفي الرواية السابعة "وإنها لخليط البسر والتمر" وفي ملحقها "وكانت عامة خمورهم يومئذ خليط البسر والتمر" وفي الملحق الآخر "من مزادة فيها خليط بسر وتمر" وفي الرواية الثامنة "نهي أن يخلط التمر والزهو، ثم يشرب" والزهو بفتح الزاي وسكون الهاء، بعدها واو، وهو البسر الذي يحمر أو يصفر قبل أن يترطب، وقد يطلق الفضيخ على خليط البسر والرطب، كما يطلق على خليط البسر والتمر، وكما يطلق على البسر وحده، وعلى التمر وحده، وعليه قوله في الرواية التاسعة "شراباً من فضيخ وتمر".
(فإذا مناد ينادي، فقال: اخرج فانظر، فخرجت، فإذا مناد ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت. قال: فجرت في سكك المدينة، فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها) في الرواية الرابعة "إذ جاء رجل، فقال: هل بلغكم الخبر؟ قلنا: لا. قال: فإن الخمر حرمت، فقال: يا أنس، أرق هذه القلال" ونحو ذلك في الرواية الخامسة والسابعة والتاسعة. قال الحافظ ابن حجر: ظاهر هذه الأخبار التعارض، وقد نقل ابن التين عن الداودي أنه قال: لا اختلاف بين الروايتين، لأن الآتي أخبر أنساً، وأنس أخبر القوم، وتعقبه ابن التين بأن نص الرواية أن الآتي أخبر القوم مشافهة بذلك، قال الحافظ: فيمكن الجمع بوجه آخر، هو أن المنادي غير الذي أخبرهم، أو أن أنساً لما أخبرهم عن المنادي جاء المنادي أيضاً في إثره، فشافههم.
стр. 4440
(فجرت في سكك المدينة) الظاهر أن هذه العبارة مقدمة من تأخير، وأنها بعد أن أهرقها أنس. وسكك المدينة طرقاتها، وفي ذلك إشارة إلى سرعة تنفيذ الصحابة للأمر، وإراقتهم لما كان عندهم منها.
(فقالوا -أو قال بعضهم: قتل فلان. قتل فلان، وهي في بطونهم) وفي رواية البخاري "فقال بعض القوم: قتل قوم، وهي في بطونهم، فأنزل الله ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾ [المائدة: ٩٣] قال الحافظ ابن حجر: وروى النسائي والبيهقي "فقال ناس من المتكلفين: هي رجس، وهي في بطن فلان، وقد قتل بأحد، فنزلت ﴿ليس على الذين آمنوا ... ﴾ وروى البزار "أن الذين قالوا ذلك كانوا من اليهود".
(قال: فلا أدري. هو من حديث أنس؟ ) أصل الإسناد: حدثنا حماد بن زيد. حدثنا ثابت عن أنس. فالقائل: لا أدري إلخ هو حماد، والعبارة المشكوك في رواية أنس لها هي "فقالوا، أو قال بعضهم ... إلى آخر الحديث، أي قال حماد: لا أدري هذه العبارة في حديث أنس؟ أو هي قول لثابت؟ فتكون مرسلة؟ .
(فقمت إلى مهراس لنا، فضربتها بأسفله، حتى تكسرت) المهراس -بكسر الميم وسكون الهاء- حجر منقور، أو هو إناء يتخذ من صخر، وينقر، وقد يكون كبيراً كالحوض، وقد يكون صغيراً، كالهاون، بحيث يتأتى الكسر به.
-[فقه الحديث]-
ظاهر أحاديث الباب أن الخمر عند العرب وفي الإسلام كانت حلالاً، لا مؤاخذة ولا لوم على من يشربها، بل كانت شراباً محبباً شائعاً، يجتمعون على شربها، ويتحف صاحب البيت ضيفه بها، يشربها العظيم والحقير، ولا يتجنبها إلا من يخاف عواقبها، من ذوي المروءات العليا، لذا لم نجد لوماً من رسول الله ﷺ للشاربين الذين كانوا مع حمزة ﵁، وقول أنس في رواياته "يوم حرمت الخمر" صريح في أنها كانت جلالاً، وقد بينا في المباحث العربية أقوال العلماء في وقت التحريم.
وظاهر الرواية الأولى والثانية أن حادثة حمزة كانت سبباً مقتضياً لتحريمها، فإنه ما فعل ما فعل إلا بتأثير الشرب، وقد روى النسائي والبيهقي عن ابن عباس ﵄ بسند صحيح، قال: "نزل تحريم الخمر في ناس شربوا" وفي رواية "في قبيلتين من الأنصار شربوا، فلما ثمل القوم عبث بعضهم ببعض، فلما صحوا جعل الرجل يرى في وجهه ورأسه الأثر، فيقول: صنع هذا أخي فلان، وكانوا إخوة، ليس في قلوبهم ضغائن، فيقول: والله لو كان بي رحيماً ما صنع بي هذا، حتى وقعت في قلوبهم الضغائن، فأنزل الله هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ... ﴾ إلى قوله ﴿منتهون﴾ وأخرج
стр. 4441
أحمد ومسلم في سبب نزول آية تحريم الخمر، عن سعد بن أبي وقاص، قال "صنع رجل من الأنصار طعاماً، فدعانا، فشربنا الخمر، قبل أن تحرم، حتى سكرنا، فتفاخرنا، فنزلت ﴿إنما الخمر والميسر .... ﴾ ومن المعلوم في "أسباب النزول" أن الأسباب قد تتعدد لنزول آية واحدة، فلا تعارض. وقد اختلف العلماء في مدلول لفظ الخمر، وفي المراد به في قوله تعالى: ﴿إنما الخمر والميسر﴾
(أ) قال ابن عبد البر: قال الكوفيون: إن الخمر من العنب لقوله تعالى: ﴿إني أراني أعصر خمراً﴾ [يوسف: ٣٦] قال: فدل على أن الخمر هو ما يعتصر، لا ما ينتبذ. قال: ولا دليل فيه على الحصر. اهـ فكل ما يدل عليه أن ما يعصره يسمى خمراً، لا أن غيره لا يسمى خمراً.
(ب) قالوا: واتفقت الأمة على أن عصير العنب إذا اشتد وغلى، وقذف بالزبد، فهو خمر، وأن مستحله كافر، ولم يكفروا مستحل نبيذ التمر، فثبت أنه لا يدخل في الخمر غير المتخذ من عصير العنب.
ورد بأنه لا يلزم من اختلاف الحكم بين أمرين اختلافهما في اللفظ والاسم، فالزنا مثلاً يصدق على من وطئ أجنبية، وعلى من وطئ امرأة جاره، وعلى من وطئ محرماً له، وكلها مختلف في الحكم، واسم الزنا مع ذلك شامل للثلاثة.
(ج) قالوا: أطبق أهل اللغة على تخصيص الخمر بالعنب، ولهذا اشتهر استعمالها فيه. ورد عليهم بأنه قد ثبت النقل عن بعض أهل اللغة بأن غير المتخذ من العنب يسمى خمراً، وقال الخطابي: زعم أن العرب لا تعرف الخمر إلا من العنب، فيقال لهم: إن الصحابة الذين سموا غير المتخذ من العنب خمراً عرب فصحاء، فلو لم يكن هذا الاسم صحيحاً لما أطلقوه، وقال ابن عبد البر: إن القرآن لما نزل بتحريم الخمر فهم الصحابة -وهم أهل اللسان- أن كل شيء يسمى خمراً يدخل في النهي، فأراقوا المتخذ من التمر والرطب، ولم يخصوا ذلك بالمتخذ من العنب. وقال القرطبي: الأحاديث الواردة عن أنس وغيره -على صحتها وكثرتها- تبطل مذهب الكوفيين القائلين بأن الخمر لا يكون إلا من العنب، وما كان من غيره لا يسمى خمراً، ولا يتناوله اسم الخمر، وهو قول مخالف للغة العرب، وللسنة الصحيحة وللصحابة، لأنهم لما نزل تحريم الخمر فهموا من الأمر باجتناب الخمر تحريم كل مسكر، ولم يفرقوا بين ما يتخذ من العنب وبين ما يتخذ من غيره، بل سووا بينهما، وحرموا كل ما يسكر نوعه، ولم يتوقفوا، ولم يستفصلوا، ولم يشكل عليهم شيء من ذلك، بل بادروا إلى إتلاف ما كان من غير عصير العنب، وهم أهل اللسان، وبلغتهم نزل القرآن، فلو كان عندهم فيه تردد لتوقفوا عن الإراقة، حتى يستكشفوا، ويستفصلوا، ويتحققوا التحريم، لما تقرر عندهم النهي عن إضاعة المال، فلما لم يفعلوا ذلك، وبادروا إلى الإتلاف علمنا أنهم فهموا التحريم نصاً، فصار القائل بالتفريق بين عصير العنب وغيره سالكاً غير سبيلهم. اهـ
وذهب بعض الشافعية إلى موافقة الكوفيين في دعواهم: أن اسم الخمر خاص بما يتخذ من العنب، لكنهم يخالفونهم في الحكم، إذ لم يفرقوا بين عصير العنب وغيره، فقالوا بتحريم قليل ما أسكر كثيره من كل شراب.
стр. 4442
قال الحافظ ابن حجر: ويمكن الجمع، بأن من أطلق على غير المتخذ من العنب حقيقة الخمر، أراد الحقيقة الشرعية، ومن نفى أراد الحقيقة اللغوية، قال ابن عبد البر: والحكم إنما يتعلق بالاسم الشرعي، دون اللغوي.
ثم قال الحافظ: ويلزم من قال بقول أهل الكوفة: إن الخمر حقيقة في ماء العنب، مجاز في غيره، يلزمهم أن يقولوا بجواز إطلاق اللفظ الواحد على حقيقته ومجازه، لأن الصحابة لما بلغهم تحريم الخمر، أراقوا كل ما كان يطلق عليه لفظ الخمر حقيقة أو مجازاً، وإذا لم يجوزوا ذلك صح أن الكل خمر حقيقة، ولا انفكاك لهم عن ذلك. اهـ
ونتيجة لوجهات النظر هذه نجمل الأحكام في نقاط:
الأولى: أن عصير العنب النيئ، الذي لم يطبخ على النار، إذا غلي واشتد، وقذف بالزبد، وأسكر كثيره، حرم قليله وكثيره، وحد شاربه، باتفاق، أسكر فعلاً أو لم يسكر. ولا يعتد بما حكاه ابن قتيبة عن قوم من مجان أهل الكلام أن النهي عن هذا للكراهة. فهو قول مهجور، لا يلتفت إليه.
الثانية: أن مطبوخ خمر العنب فيه خلاف، فقد كانوا يأتون إلى عصير العنب، إذا اشتد، وغلي، وأسكر، فيطبخونه على النار، حتى يذهب منه ثلثا حجمه، ويبقى الثلث، ويتمطط إذا وضع الإصبع فيه ورفع، كالعسل الغليظ، أو كالطلاء الذي كانت تطلى به الإبل، ويسمونه "الباذق" بفتح الذال وبكسرها، ويقال له: المثلث أيضاً: إشارة إلى أنه ذهب منه بالطبخ ثلثاه، كما يقال لنوع منه: المنصف، إشارة إلى أنه ذهب نصفه، ويسمونه الطلاء أيضاً، لشبهه بطلاء الإبل.
هذا المشروب -أو المأكول- قال البخاري عنه: رأى عمر وأبو عبيدة ومعاذ جواز شرب الطلاء على الثلث، قال الحافظ ابن حجر: وقد وافق عمر ومن ذكر معه على الحكم المذكور أبو موسى وأبو الدرداء وعلي وأبو أمامة وخالد بن الوليد وغيرهم، ومن التابعين ابن المسيب والحسن وعكرمة، ومن الفقهاء الثوري والليث ومالك في رواية عنه وأحمد والجمهور، وشرط تناوله عندهم ما لم يسكر بالفعل، وكرهه طائفة من هؤلاء المجيزيين له، تورعاً.
وقال أبو حنيفة: المطبوخ من عصير العنب، حتى يذهب ثلثاه، ويبقى ثلثه لا يمتنع مطلقاً، ولو قذف بالزبد وغلي بعد الطبخ.
وقال مالك والشافعي والجمهور: يمتنع -إذا صار مسكراً- شرب قليله وكثيره، سواء غلي، أم لم يغل، لأنه يجوز أن يبلغ حد الإسكار بأن يغلي ثم يسكن غليانه بعد ذلك.
وقال أبو الليث السمرقندي: شارب المطبوخ -إذا كان يسكر- أعظم ذنباً من شارب الخمر، لأن شارب الخمر يشربها وهو يعلم أنه عاص بشربها، وشارب المطبوخ يشرب المسكر ويراه حلالاً، أي فهو يستحل ما حرم الله.
وقد روي عن ابن عباس: "إن النار لا تحل شيئاً ولا تحرمه".
стр. 4443
وقال ابن حزم: إنه شاهد من العصير ما لو طبخ إلى الثلث ينعقد ولا يصير مسكراً أصلاً، ومنه ما لو طبخ إلى النصف لا يصير مسكراً كذلك، ومنه ما لو طبخ إلى الربع كذلك، ثم قال: غير أنه شاهد منه ما لا ينفك عن السكر ولو لم يبق منه إلا الربع. اهـ
والتحقيق في هذه المسألة أن نطبق عليها قاعدة "ما أسكر كثيره حرم قليله وكثيره" مادام هذا العصير تختلف أحواله من حيث نوعه، ومن حيث درجة ونوع طبخه. والله أعلم.
الثالثة: السكر الفعلي من غير عصير العنب حرام باتفاق، لكن حرمته كحرمة السكر من عصير العنب عند الجمهور، فيحد شاربه، وحرمته ليست كحرمة السكر من عصير العنب، فلا يحد شاربه عند الحنفية والكوفيين.
الرابعة: عصير العنب، ومنقوع البسر والتمر والزبيب، إذا لم يغل، ولم يشتد، ولم يقذف بالزبد، ولم يسكر كثيره حلال باتفاق.
ولكن إلى أي مدة يبقى نبيذاً حلالاً؟ وإلى أي طعم؟ وإلى أية درجة في تغير طعمه يبقى حلالاً؟ سيأتي في الباب رقم ٥٥٧.
وأما العقوبة الأخروية لشارب الخمر فستأتي في الباب رقم ٥٥٦.
وفي أي إناء ينبذ؟ وفي أي إناء لا ينبذ؟ سيأتي في الباب رقم ٥٥٥.
وهل خلط الأصناف المتعددة مما ينبذ حلال؟ سيأتي في الباب رقم ٥٥٤.
وهل الخمر إذا تخللت، وتحولت إلى خل لا يسكر، يحل شربها؟ أو لا؟ وهل يحل التداوي بالخمر؟ أو لا؟ سيأتي في الباب رقم ٥٥١. أما الباب رقم ٥٥٢ فقد دخل معنا في هذا الباب.
الخامسة: وهي صلب الموضوع ولبه، وموطن الصراع فيه، فهي حكم شرب القليل من غير عصير العنب، مما يسكر كثيره، إذا لم يسكر هذا القليل.
فالكوفيون لم يحرموا سوى ماء العنب، أما غيره فلم يحرموا منه إلا القدر المسكر خاصة، إذا أسكر بالفعل فعن أبي حنيفة: الخمر -وهي عصير العنب خاصة- حرام، قليلها وكثيرها، والسكر من غيرها حرام. وعن أبي يوسف: لا بأس بالنقيع من كل شيء، وإن غلي، إلا الزبيب والتمر، وكذا حكاه محمد عن أبي حنيفة.
وعن محمد: ما أسكر كثيره أي من غير عصير العنب -فأحب أن لا أشربه، ولا أحرمه.
وقال الثوري: أكره نقيع التمر، ونقيع الزبيب إذا غلي، ونقيع العسل لا بأس به.
أما الشافعية والمالكية والحنابلة والجماهير فقالوا: ما أسكر كثيره من أي شيء حرم قليله، وإن لم يسكر.
ووجهة نظر الحنفية والكوفيين تتمثل فيما يأتي:
стр. 4444
١ - حديث ابن عباس، رفعه "حرمت الخمر، قليلها وكثيرها، والسكر من كل شراب" قال الحافظ ابن حجر: وهو حديث أخرجه النسائي، ورجاله ثقات، إلا أنه اختلف في وصله وانقطاعه، وفي رفعه ووقفه، وعلى تقدير صحته فقد رجح الإمام أحمد وغيره أن الرواية فيه "والمسكر" بضم الميم وسكون السين، لا "السكر" بضم السين وسكون الكاف، أو أن الرواية فيه بفتح السين والكاف، وهو المسكر، ومنه قوله تعالى: ﴿ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً﴾ [النحل: ٦٧] قال: وعلى تقدير ثبوتها فهو حديث فرد، ولفظه محتمل، فلا يعارض عموم الأحاديث الكثيرة الصحيحة. اهـ وسنورد هذه الأحاديث عند ذكر أدلة الجمهور.
٢ - أخرج البيهقي عن سعيد بن ذي لعوة، أنه شرب من سطيحة لعمر -السطيحة مزادة من جلد- فسكر، فجلده عمر، فقال: إنما شربت من سطيحتك؟ قال: أضربك على السكر" ورد هذا بما قاله البخاري وغيره، عن سعيد هذا، بأنه لا يعرف.
٣ - أخرج النسائي عن أبي مسعود قال: عطس النبي ﷺ ، وهو يطوف، فأتى بنبيذ من السقاية، فقطب، فقيل: أهو حرام؟ قال: لا. علي بذنوب من ماء زمزم، فصب عليه، وشرب".
ورد عليهم بضعف هذا الحديث، ذكر ذلك الحافظ ابن حجر، وعلى فرض صحته قال الأشرم: احتج به الكوفيون لمذهبهم، ولا حجة لهم فيه، لأنهم متفقون على أن النبيذ إذا اشتد وغلي أو زبد لا يحل شربه، فإن زعموا أن الذي شربه النبي ﷺ كان من هذا القبيل، فقد نسبوا إليه أنه شرب المسكر، ومعاذ الله من ذلك، وإن زعموا أنه قطب من حموضته لم يكن لهم فيه حجة، لأن النقيع ما لم يشتد ويغلي فكثيره وقليله حلال بالاتفاق.
وقال أبو المظفر السمعاني -وكان حنفياً فتحول شافعياً- من ظن أن رسول الله ﷺ شرب مسكراً، فقد دخل في أمر عظيم، وباء بإثم كبير، وإنما الذي شربه كان حلواً، ولم يكن مسكراً.
٤ - أخرج البيهقي عن همام بن الحارث أن عمر كان في سفر، فأتي بنبيذ، فشرب منه، فقطب، ثم قال: إن نبيذ الطائف له عرام -بضم العين وتخفيف الراء، أي شدة -ثم دعا بماء، فصبه عليه، ثم شرب" قال الحافظ ابن حجر: وسنده قوي، وهو أصح شيء ورد في ذلك، لكنه ليس نصاً في أنه بلغ حد الإسكار، فلو كان بلغ حد الإسكار، لم يكن صب الماء عليه مزيلاً للتحريم، وقد اعترف الطحاوي -الحنفي- بذلك، فقال: لو كان بلغ التحريم لكان لا يحل، ولو ذهبت شدته بصب الماء عليه، فثبت أنه قبل أن يصب الماء عليه كان غير حرام، فدل على أن تقطيبه لأمر غير الإسكار.
قال البيهقي: حمل هذه الأشربة على أنهم خشوا أن تتغير فتشتد، فجوزوا صب الماء فيها، ليمنع الاشتداد أولى من حملها على أنها كانت قد بلغت حد الإسكار، فكان صب الماء عليها لذلك، لأن مزجها بالماء لا يمنع إسكارها، إذا كانت قد بلغت حد الإسكار.
وقال نافع: والله ما قطب عمر لأجل الإسكار، حين ذاقه، ولكنه كان تخلل -أي حمض- وعن عتبة بن فرقد: كان النبيذ الذي شربه عمر قد تخلل، وقيل: كسره بالماء لشدة حلاوته، قال الحافظ ابن حجر: ويمكن الجمع بحمل الأمرين على حالتين.
стр. 4445
٥ - أخرج ابن أبي شيبة من طريق أبي وائل، قال: "كنا ندخل على ابن مسعود، فيسقينا نبيذاً شديداً" ومن طريق علقمة "أكلت مع ابن مسعود، فأتانا بنبيذ شديد، نبذته سيرين، فشربوا منه" قال الحافظ ابن حجر: فالجواب عنه من ثلاثة أوجه: أحدها: لو حمل على ظاهره لم يكن معارضاً للأحاديث الثابتة في تحريم كل مسكر -أي لأنه لا نص فيه على أنه قد بلغ حد الإسكار- ثانيها أنه ثبت عن ابن مسعود تحريم المسكر، قليله وكثيره، فإذا اختلف النقل عنه كان قوله الموافق لقول إخوانه من الصحابة، مع موافقة الحديث المرفوع أولى. ثالثها: يحتمل أن يكون المراد بالشدة شدة الحلاوة، أو شدة الحموضة، فلا يكون فيه حجة أصلاً.
٦ - قال الطحاوي: اختلف الصحابة في ذلك [يشير إلى الروايات التي عرضناها، والروايات التي سنعرضها أدلة للجمهور، وحديث عمر "الخمر من خمسة أشياء، وحديث أبي هريرة "الخمر من هاتين الشجرتين"، ووجدنا اتفاق الأمة على أن عصير العنب، إذا اشتد، وغلي، وقذف بالزبد، فهو حرام، وأن مستحله كافر، فدل ذلك على أنهم لم يعملوا بحديث أبي هريرة، إذ لو عملوا به لكفروا مستحل نبيذ التمر [حديث أبي هريرة "الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة" وسيأتي في الباب الثالث] فثبت أنه لم يدخل في الخمر غير المتخذ من عصير العنب. اهـ
ورد هذا الاستدلال بأنه لا يلزم من أنهم لم يكفروا مستحل نبيذ التمر أن يمنعوا تسميته خمراً، فقد يشترك الشيئان في التسمية، ويفترقان في بعض الأوصاف، وفي الحكم والغلظ، كالزنا مثلاً، فإنه يصدق على من وطئ أجنبية، وعلى من وطئ امرأة جاره، والثاني أغلظ من الأول، وعلى من وطئ محرماً له، وهو أغلظ، واسم الزنا مع ذلك شامل للثلاثة، فلا يلزم من تكفير مستحل خمر العنب وعدم تكفير مستحل خمر التمر أن لا يشتركا في حرمة شرب القليل من كل منهما.
٧ - حكى أبو جعفر النحاس عن قوم أن الحرام ما أجمعوا عليه، وما اختلفوا فيه ليس بحرام. قال الحافظ ابن حجر: وهذا عظيم من القول، يلزم منه القول بحل كل شيء اختلف في تحريمه، ولو كان مستند الخلاف واهياً.
أما أدلة الجمهور فكثير من النصوص، ثم القياس الجلي، فمن النصوص:
١ - ما رواه البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: خطب عمر على منبر رسول الله ﷺ فقال: إنه قد نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة أشياء: العنب والتمر والحنطة والشعير والعسل، والخمر ما خامر العقل" وفي رواية له "الخمر تصنع من خمسة: من الزبيب والتمر والحنطة والشعير والعسل".
فهذا الحديث له حكم الرفع، لأنه خبر صحابي، شهد التنزيل، أخبر عن سبب نزول آية تحريم الخمر، وقد خطب به عمر على المنبر، وهو ممن جعل الله الحق على لسانه وقلبه، وسمعه الصحابة وغيرهم، فلم ينقل عن أحد منهم إنكار ذلك، وإذا ثبت أن كل ذلك يسمى خمراً لزم تحريم قليله وكثيره.
٢ - جاء هذا الذي قاله عمر عن النبي ﷺ صريحاً، فعند أصحاب السنن الأربعة أن النعمان بن
стр. 4446
بشير قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الخمر من العصير والزبيب والتمر والحنطة والشعير والذرة، وإني أنهاكم عن كل مسكر" وصححه ابن حبان.
٣ - أخرج أبو داود عن النعمان بن بشير من وجه آخر بلفظ "إن من العنب خمراً، وإن من التمر خمراً، وإن من العسل خمراً، وإن من البر خمراً، وإن من الشعير خمراً".
٤ - أخرج أحمد من حديث أنس، بسند صحيح عنه، قال: "الخمر من العنب والتمر والعسل".
٥ - أخرج أبو يعلى عن أنس، بسند صحيح عنه، قال: "الخمر من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير والذرة".
٦ - روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "الخمر من هاتين الشجرتين: الكرمة والنخلة" ففيه أن الخمر شرعاً لا تختص بالمتخذ من العنب، وليس المراد منه الحصر في هاتين الشجرتين، فقد ثبت أن الخمر تتخذ من غيرهما في حديث عمر وغيره.
٧ - في الباب السادس الآتي، روى مسلم عن عائشة ﵂ قالت: سئل رسول الله ﷺ عن البتع، فقال: كل شراب أسكر فهو حرام" وفي رواية "كل شراب مسكر فهو حرام".
٨ - وعن أبي موسى قال: قلت: يا رسول الله، أفتنا في شرابين، كنا نصنعهما باليمن، البتع وهو من العسل، ينبذ حتى يشتد، والمزر وهو من الذرة والشعير، ينبذ حتى يشتد؟ فقال: رسول الله ﷺ : "أنهي عن كل مسكر أسكر عن الصلاة" وفي رواية "كل مسكر حرام".
٩ - وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ "كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام" وستأتي هذه الأحاديث في "باب بيان أن كل مسكر خمر".
١٠ - وفي البخاري عن ابن عمر قال: "نزل تحريم الخمر وإن بالمدينة يومئذ لخمسة أشربة، ما فيها شراب العنب" قال الحافظ ابن حجر: وهو محمول على ما كان يصنع بها، لا ما كان يجلب إليها.
١١ - وفي البخاري عن أنس قال: "حرمت علينا الخمر حين حرمت، وعامة خمرنا البسر والتمر".
١٢ - وعند أبي داود عن أبي موسى قال: "سألت رسول الله ﷺ عن شراب من العسل؟ فقال: ذاك البتع. قلت: ومن الشعير والذرة؟ قال: ذاك المزر، ثم قال: أخبر قومك أن كل مسكر حرام.
١٣ - عند أبي داود والنسائي وصححه ابن حبان من حديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ "ما أسكر كثيره فقليله حرام".
١٤ - وعن أبي داود عن عائشة مرفوعاً "كل مسكر حرام، وما أسكر منه الفرق -إناء يتوضأ منه- فملء الكف منه حرام".
١٥ - وعند ابن حبان والطحاوي "أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيره".
стр. 4447
وعن ابن أبي شيبة، عن طلق بن علي، بلفظ "يا أيها السائل عن المسكر. لا تشربه، ولا تسقه أحداً من المسلمين".
وفي الباب أيضاً عن علي، عند الدارقطني، وعن خوات بن جبير عند الدارقطني والحاكم والطبراني، وعن زيد بن ثابت عند الطبراني. ولئن كان في بعض أسانيدها مقال، لكنها تزيد الأحاديث التي قبلها قوة وشهرة.
قال أبو المظفر السمعاني بعد أن ساق كثيراً من هذه الأحاديث: والأخبار في ذلك كثيرة، ولا مساغ لأحد في العدول عنها، والقول بخلافها، فإنها حجج قواطع، قال: وقد زل الكوفيون في هذا الباب، وأوردوا أخباراً معلولة، لا تعارض هذه الأخبار بحال.
وقال الإمام أحمد: إن أحاديث تحريم كل مسكر جاءت عن عشرين صحابياً، وأورد كثيراً منها في كتاب الأشربة المفرد، ذكر منها حديث علي بلفظ "اجتنبوا ما أسكر" وحديث ابن مسعود عند ابن ماجه بلفظ حديث عمر، وبلفظ حديث علي، وحديث أبي سعيد بلفظ عمر، وحديث ديلم الحميري عند أبي داود، وفيه "قال: هل يسكر؟ قال: نعم. قال: فاجتنبوه" وحديث ميمونة أخرجه أحمد بلفظ "وكل شراب أسكر فهو حرام" وحديث ابن عباس أخرجه أبو داود بلفظ عمر، وحديث معاوية أخرجه ابن ماجه بلفظ عمر، وحديث وائل بن حجر، أخرجه ابن أبي عاصم، وحديث قرة بن إياس المزني، أخرجه البزار، بلفظ عمر، وحديث عبد الله بن مغفل أخرجه أحمد، بلفظ "اجتنبوا المسكر" وعن زيد بن الخطاب، أخرجه الطبراني، بلفظ "اجتنبوا كل مسكر" وعن الرسيم، أخرجه أحمد، بلفظ "اشربوا فيما شئتم، ولا تشربوا مسكراً".
قال الحافظ ابن حجر: فإذا انضمت هذه الأحاديث إلى أحاديث ابن عمر وعائشة وأبي موسى زادت على الثلاثين صحابياً، وأكثر الأحاديث عنهم جياد، ومضمونها أن المسكر لا يحل تناوله، بل يجب اجتنابه، وقد رد أنس كل احتمال، فيما رواه أحمد عن المختار بن فلفل، قال: سألت أنساً، فقال: "نهى رسول الله ﷺ عن المزفت، وقال: كل مسكر حرام، قال: فقلت صدقت. المسكر حرام. فالشربة والشربتان على الطعام؟ فقال: ما أسكر كثيره، فقليله حرام" قال الحافظ ابن حجر: وهذا سند صحيح على شرط مسلم، والصحابي أعرف بالمراد وممن تأخر بعده. اهـ
وأخيراً قال الشافعي: قال لي بعض الناس: الخمر حرام، والسكر من كل شراب حرام، ولا يحرم المسكر منه حتى يسكر، ولا يحد شاربها، فقلت: كيف خالفت ما جاء عن النبي ﷺ ؟ ثم عن عمر؟ ثم عن علي؟ ولم يقل أحد من الصحابة خلافه؟ .
ويحاول الحنفية أن يوجهوا قوله "كل مسكر خمر" على معنى كل ما أسكر بالفعل كان كالخمر، فالتحريم خاص بوقوع الإسكار، لا بصلاحيته للإسكار، قالوا: فإن القاتل لا يسمى قاتلاً إلا إذا وقع منه الفعل، ولا يسمى قاتلاً لمجرد صلاحيته واستعداده للقتل، وهم في ذلك محجوجون بعصير العنب.
وأقوى رد عليهم أن الصحابة في أحاديث أنس في بابنا، وفي غيرها، لما نزل تحريم الخمر فهموا
стр. 4448
من الأمر باجتناب الخمر تحريم كل مسكر، ولم يفرقوا بين ما يتخذ من العنب، وبين ما يتخذ من غيره، بل سووا بينهما، وحرموا كل ما يسكر نوعه، ولم يتوقفوا، ولم يستفصلوا، ولم يشكل عليهم شيء من ذلك، وقول الحنفية: إنهم كانوا قد سكروا بالفعل، فحرم لسكرهم، هذا القول لا ينفعهم، لأنه لو كان الأمر كذلك ما أراقوه، بل احتفظوا به ليشربوا منه قليلاً قليلاً، لكنهم لما فهموا التحريم نصاً لقليله وكثيره، أسكر أم لم يسكر بادروا إلى إتلاف ما كان من غير عصير العنب، وهم أهل اللسان، وبلغتهم نزل القرآن، فلو كان عندهم أدنى تردد لتوقفوا عن الإراقة، حتى يستكشفوا، ويستفصلوا، ويتحققوا التحريم، لما كان مقرراً عندهم من النهي عن إضاعة المال، وعلم الرسول ﷺ بإراقة خمورهم التي هي من غير عصير العنب، وجريانها في سكك المدينة فأقر ذلك، وأكد هذا المعنى بما ذكرنا من الأحاديث.
ومن أقوى ما يرد على الحنفية القياس، وهم أهل القياس، والمكثرون من اعتماده، والقياس هنا من أرفع أنواع القياس -كما يقول القرطبي- لمساواة الفرع فيه للأصل في جميع أوصافه، هذا على التسليم جدلاً بأن المسكر من غير عصير العنب ليس خمراً حقيقة، ولا يدخل في آية التحريم نصاً وأصلاً، والقياس إلحاق فرع بأصل في حكم لعلة مشتركة بينهما.
قال أبو المظفر السمعاني: قياس النبيذ على الخمر بعلة الإسكار والاضطراب من أجل الأقيسة وأوضحها، والمفاسد التي توجد في الخمر توجد في النبيذ، ومن ذلك أن علة الإسكار في الخمر لكون قليله يدعو إلى كثيره موجودة في النبيذ، لأن السكر مطلوب على العموم، والنبيذ عندهم عند عدم الخمر يقوم مقام الخمر، لأن حصول الفرح والطرب موجود في كل منهما، وإن كان في النبيذ غلظ وكدرة، وفي الخمر رقة وصفاء، لكن الطبع يحتمل ذلك في النبيذ، لحصول السكر، كما تحتمل المرارة في الخمر، لطلب السكر، قال: وعلى الجملة فالنصوص المصرحة بتحريم كل مسكر، قل أو كثر، مغنية عن القياس. اهـ وعلى الجملة فالنصوص أن علة التحريم الإسكار، فاقتضى ذلك أن كل شراب وجد فيه الإسكار حرم تناوله قليله وكثيره، وقال الحافظ ابن حجر: اتفق الإجماع على أن الخمر المتخذ من العنب يحرم قليله وكثيره، وعلى أن العلة في تحريم قليله كونه يدعو إلى تناول كثيره، لكن الحنفية فرقوا بينهما بدعوى المغايرة في الاسم، مع اتحاد العلة فيهما. اهـ
أما بعد، فإن العمل بمذهب الجمهور فيه حيطة، وبعد عن الشبهات، إن لم يكن بعداً عن المحرمات، فالعمل به إن لم ينفع لا يضر، فكثيراً ما يجتنب المسلم مباحات، دون أن يلحقه ضرر، أما العمل بمذهب الحنفية فأقل ما فيه التعرض لاحتمال الخطر، واحتمال الخطأ، والوقوع فيما حرم الله، فهو إن لم يضر لا ينفع. والله أعلم.
-[ويؤخذ من أحاديث الباب فوق ما تقدم: ]-
١ - من الرواية الأولى، ومن استعانة علي على وليمة فاطمة مشروعية اتخاذ الوليمة للعرس، سواء في ذلك من له مال كثير، ومن لا مال له.
стр. 4449
٢ - ومن استعانته بصائغ من بني قينقاع جواز الاستعانة باليهودي في الأعمال والاكتساب.
٣ - وفي جمعه الإذخر لبيعه جواز الاحتشاش للتكسب، وأنه لا ينقص المروءة.
٤ - وفيه جواز بيع الوقود للصواغين اليهود ومعاملتهم.
٥ - ومن حال الشاربين مع حمزة، وعدم تعنيف النبي ﷺ لهم أن أصل الشرب والسكر كان مباحاً لكن هل كان مباحاً بالأصل؟ أو بالشرع ثم نسخ؟ قولان للعلماء، والراجح الأول، قال النووي: وأما ما قد يقوله بعض من لا تحصيل له: أن السكر لم يزل محرماً، فباطل، لا أصل له، ولا يعرف أصلاً.
٦ - واستدل بعدم تعنيف حمزة على ما فعله، وما قاله للنبي ﷺ على أن حال عدم التكليف لا إثم فيها، فمن شرب دواء لحاجة فزال به عقله، أو شرب شيئاً يظنه خلا، فكان خمراً، أو أكره على شرب الخمر، فشربها، وسكر، فهو في حال السكر غير مكلف، ولا إثم عليه فيما يقع منه في تلك الحالة بلا خلاف. قاله النووي.
٧ - فهم بعضهم من عدم ذكر إلزام حمزة بتعويض ما أتلفه أن ذلك لم يقع، ولكن عدم الذكر لا يدل على عدم الوقوع، فقد جاء في كتاب عمر بن شيبة أن النبي ﷺ غرم حمزة الناقتين. قال النووي: وقد أجمع العلماء أن ما أتلفه السكران من الأموال يلزم ضمانه، كالمجنون، فإن الضمان لا يشترط فيه التكليف، ولهذا أوجب الله تعالى في كتابه، في قتل الخطأ الدية والكفارة، فغرامة حمزة لما أتلفه تجب في ماله، فلعل علياً ﵁ أبرأه من ذلك، بعد معرفته بقيمة ما أتلفه، أو أنه أداه إليه حمزة بعد ذلك، أو أن النبي ﷺ أداه عنه، لحرمته عنده، وكمال حقه عليه، ومحبته إياه وقرابته منه.
٨ - أثار قطع السنامين وأكلهما، وهما مقطوعتان من حي سؤالاً عن صحة أكلهما، فقال النووي: وأما هذا السنام المقطوع، فإن لم يكن تقدم نحر الناقتين فهو حرام بإجماع المسلمين، لأن ما أبين من حي فهو ميت، ويحتمل أنه ذكاهما، ويدل عليه الشعر الذي قدمناه، فإن كان ذكاهما فلحمهما حلال باتفاق العلماء، إلا ما حكي عن عكرمة وإسحق وداود أنه لا يحل ما ذبحه سارق أو غاصب أو متعد، والصواب الذي عليه الجمهور حله. وإن لم يكن ذكاهما، وثبت أنه أكل منهما فهو آكل في حالة السكر، ولا إثم عليه. اهـ أقول: ويحتمل أن الحادثة كانت قبل تشريع ما قطع من حي فهو ميت، فلا مؤاخذة على أكله دون ذكاة.
٩ - ومن رجوع النبي ﷺ بظهره (القهقرى) حرص المرء وحذره، وعدم التعرض للأمر المكروه المتوقع حصوله.
١٠ - وفي ارتدائه ﷺ رداءه جواز لبس الرداء.
١١ - وفيه أن الكبير إذا خرج من منزله تجمل بثيابه، ولا يقتصر على ما يكون عليه في خلوته، في بيته، وهذا من المروءات والآداب المحبوبة.
стр. 4450
١٢ - وفي أحاديث أنس، وإراقتهم الخمر بسماع المنادي العمل بخبر الواحد، وأن هذا كان معروفاً عندهم.
١٣ - قال النووي عن كسر إناء الخمر: هذا الكسر محمول على أنهم ظنوا أنه يجب كسرها وإتلافها، كما يجب إتلاف الخمر، وإن لم يكن في نفس الأمر هذا واجباً، فلما ظنوه كسروها، ولهذا لم ينكر عليهم النبي ﷺ ، وعذرهم لعدم معرفتهم الحكم، وهو غسلها من غير كسر، وهكذا الحكم اليوم في أواني الخمر وجميع ظروفه، سواء الفخار والزجاج والنحاس والحديد والخشب والجلود، فكلها تطهر بالغسل، ولا يجوز كسرها. اهـ
أقول: كان أنس آنذاك دون البلوغ، لم يكن مكلفاً، حتى يظن وجوب الكسر أو عدم وجوبه، والظاهر أن عامتهم لم يكسر آنية الخمر، بل أراقوا الخمر منها حتى جرى في سكك المدينة، وكان أمر أبي طلحة لأنس أن يريقها من الإناء، لا أن يكسر الإناء، وإنما كسره أنس حقداً عليها، وتشفياً فيها، وإظهاراً للشماتة فيها، وتعبيراً عن ذهاب دون إياب، ورحيل دون عودة. والله أعلم.
١٤ - قال الحافظ ابن حجر: واستدل بمطلق قوله "كل مسكر حرام" على تحريم ما يسكر، ولو لم يكن شراباً، فيدخل في ذلك الحشيشة وغيرها، وقد جزم النووي وغيره بأنها مسكرة، وجزم آخرون بأنها مخدرة، وهو مكابرة، لأنها تحدث -بالمشاهدة- ما يحدث الخمر من الطرب والنشوة والمداومة عليها والانهماك فيها، وعلى تقدير تسليم أنها ليست بمسكرة فقد ثبت في أبي داود "النهي عن كل مسكر ومفتر".
والله أعلم
следующие страницы →