Полный текст (6 200 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.
стр. 4446
بشير قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الخمر من العصير والزبيب والتمر والحنطة والشعير والذرة، وإني أنهاكم عن كل مسكر" وصححه ابن حبان.
٣ - أخرج أبو داود عن النعمان بن بشير من وجه آخر بلفظ "إن من العنب خمراً، وإن من التمر خمراً، وإن من العسل خمراً، وإن من البر خمراً، وإن من الشعير خمراً".
٤ - أخرج أحمد من حديث أنس، بسند صحيح عنه، قال: "الخمر من العنب والتمر والعسل".
٥ - أخرج أبو يعلى عن أنس، بسند صحيح عنه، قال: "الخمر من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير والذرة".
٦ - روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "الخمر من هاتين الشجرتين: الكرمة والنخلة" ففيه أن الخمر شرعاً لا تختص بالمتخذ من العنب، وليس المراد منه الحصر في هاتين الشجرتين، فقد ثبت أن الخمر تتخذ من غيرهما في حديث عمر وغيره.
٧ - في الباب السادس الآتي، روى مسلم عن عائشة ﵂ قالت: سئل رسول الله ﷺ عن البتع، فقال: كل شراب أسكر فهو حرام" وفي رواية "كل شراب مسكر فهو حرام".
٨ - وعن أبي موسى قال: قلت: يا رسول الله، أفتنا في شرابين، كنا نصنعهما باليمن، البتع وهو من العسل، ينبذ حتى يشتد، والمزر وهو من الذرة والشعير، ينبذ حتى يشتد؟ فقال: رسول الله ﷺ : "أنهي عن كل مسكر أسكر عن الصلاة" وفي رواية "كل مسكر حرام".
٩ - وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ "كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام" وستأتي هذه الأحاديث في "باب بيان أن كل مسكر خمر".
١٠ - وفي البخاري عن ابن عمر قال: "نزل تحريم الخمر وإن بالمدينة يومئذ لخمسة أشربة، ما فيها شراب العنب" قال الحافظ ابن حجر: وهو محمول على ما كان يصنع بها، لا ما كان يجلب إليها.
١١ - وفي البخاري عن أنس قال: "حرمت علينا الخمر حين حرمت، وعامة خمرنا البسر والتمر".
١٢ - وعند أبي داود عن أبي موسى قال: "سألت رسول الله ﷺ عن شراب من العسل؟ فقال: ذاك البتع. قلت: ومن الشعير والذرة؟ قال: ذاك المزر، ثم قال: أخبر قومك أن كل مسكر حرام.
١٣ - عند أبي داود والنسائي وصححه ابن حبان من حديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ "ما أسكر كثيره فقليله حرام".
١٤ - وعن أبي داود عن عائشة مرفوعاً "كل مسكر حرام، وما أسكر منه الفرق -إناء يتوضأ منه- فملء الكف منه حرام".
١٥ - وعند ابن حبان والطحاوي "أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيره".
стр. 4447
وعن ابن أبي شيبة، عن طلق بن علي، بلفظ "يا أيها السائل عن المسكر. لا تشربه، ولا تسقه أحداً من المسلمين".
وفي الباب أيضاً عن علي، عند الدارقطني، وعن خوات بن جبير عند الدارقطني والحاكم والطبراني، وعن زيد بن ثابت عند الطبراني. ولئن كان في بعض أسانيدها مقال، لكنها تزيد الأحاديث التي قبلها قوة وشهرة.
قال أبو المظفر السمعاني بعد أن ساق كثيراً من هذه الأحاديث: والأخبار في ذلك كثيرة، ولا مساغ لأحد في العدول عنها، والقول بخلافها، فإنها حجج قواطع، قال: وقد زل الكوفيون في هذا الباب، وأوردوا أخباراً معلولة، لا تعارض هذه الأخبار بحال.
وقال الإمام أحمد: إن أحاديث تحريم كل مسكر جاءت عن عشرين صحابياً، وأورد كثيراً منها في كتاب الأشربة المفرد، ذكر منها حديث علي بلفظ "اجتنبوا ما أسكر" وحديث ابن مسعود عند ابن ماجه بلفظ حديث عمر، وبلفظ حديث علي، وحديث أبي سعيد بلفظ عمر، وحديث ديلم الحميري عند أبي داود، وفيه "قال: هل يسكر؟ قال: نعم. قال: فاجتنبوه" وحديث ميمونة أخرجه أحمد بلفظ "وكل شراب أسكر فهو حرام" وحديث ابن عباس أخرجه أبو داود بلفظ عمر، وحديث معاوية أخرجه ابن ماجه بلفظ عمر، وحديث وائل بن حجر، أخرجه ابن أبي عاصم، وحديث قرة بن إياس المزني، أخرجه البزار، بلفظ عمر، وحديث عبد الله بن مغفل أخرجه أحمد، بلفظ "اجتنبوا المسكر" وعن زيد بن الخطاب، أخرجه الطبراني، بلفظ "اجتنبوا كل مسكر" وعن الرسيم، أخرجه أحمد، بلفظ "اشربوا فيما شئتم، ولا تشربوا مسكراً".
قال الحافظ ابن حجر: فإذا انضمت هذه الأحاديث إلى أحاديث ابن عمر وعائشة وأبي موسى زادت على الثلاثين صحابياً، وأكثر الأحاديث عنهم جياد، ومضمونها أن المسكر لا يحل تناوله، بل يجب اجتنابه، وقد رد أنس كل احتمال، فيما رواه أحمد عن المختار بن فلفل، قال: سألت أنساً، فقال: "نهى رسول الله ﷺ عن المزفت، وقال: كل مسكر حرام، قال: فقلت صدقت. المسكر حرام. فالشربة والشربتان على الطعام؟ فقال: ما أسكر كثيره، فقليله حرام" قال الحافظ ابن حجر: وهذا سند صحيح على شرط مسلم، والصحابي أعرف بالمراد وممن تأخر بعده. اهـ
وأخيراً قال الشافعي: قال لي بعض الناس: الخمر حرام، والسكر من كل شراب حرام، ولا يحرم المسكر منه حتى يسكر، ولا يحد شاربها، فقلت: كيف خالفت ما جاء عن النبي ﷺ ؟ ثم عن عمر؟ ثم عن علي؟ ولم يقل أحد من الصحابة خلافه؟ .
ويحاول الحنفية أن يوجهوا قوله "كل مسكر خمر" على معنى كل ما أسكر بالفعل كان كالخمر، فالتحريم خاص بوقوع الإسكار، لا بصلاحيته للإسكار، قالوا: فإن القاتل لا يسمى قاتلاً إلا إذا وقع منه الفعل، ولا يسمى قاتلاً لمجرد صلاحيته واستعداده للقتل، وهم في ذلك محجوجون بعصير العنب.
وأقوى رد عليهم أن الصحابة في أحاديث أنس في بابنا، وفي غيرها، لما نزل تحريم الخمر فهموا
стр. 4448
من الأمر باجتناب الخمر تحريم كل مسكر، ولم يفرقوا بين ما يتخذ من العنب، وبين ما يتخذ من غيره، بل سووا بينهما، وحرموا كل ما يسكر نوعه، ولم يتوقفوا، ولم يستفصلوا، ولم يشكل عليهم شيء من ذلك، وقول الحنفية: إنهم كانوا قد سكروا بالفعل، فحرم لسكرهم، هذا القول لا ينفعهم، لأنه لو كان الأمر كذلك ما أراقوه، بل احتفظوا به ليشربوا منه قليلاً قليلاً، لكنهم لما فهموا التحريم نصاً لقليله وكثيره، أسكر أم لم يسكر بادروا إلى إتلاف ما كان من غير عصير العنب، وهم أهل اللسان، وبلغتهم نزل القرآن، فلو كان عندهم أدنى تردد لتوقفوا عن الإراقة، حتى يستكشفوا، ويستفصلوا، ويتحققوا التحريم، لما كان مقرراً عندهم من النهي عن إضاعة المال، وعلم الرسول ﷺ بإراقة خمورهم التي هي من غير عصير العنب، وجريانها في سكك المدينة فأقر ذلك، وأكد هذا المعنى بما ذكرنا من الأحاديث.
ومن أقوى ما يرد على الحنفية القياس، وهم أهل القياس، والمكثرون من اعتماده، والقياس هنا من أرفع أنواع القياس -كما يقول القرطبي- لمساواة الفرع فيه للأصل في جميع أوصافه، هذا على التسليم جدلاً بأن المسكر من غير عصير العنب ليس خمراً حقيقة، ولا يدخل في آية التحريم نصاً وأصلاً، والقياس إلحاق فرع بأصل في حكم لعلة مشتركة بينهما.
قال أبو المظفر السمعاني: قياس النبيذ على الخمر بعلة الإسكار والاضطراب من أجل الأقيسة وأوضحها، والمفاسد التي توجد في الخمر توجد في النبيذ، ومن ذلك أن علة الإسكار في الخمر لكون قليله يدعو إلى كثيره موجودة في النبيذ، لأن السكر مطلوب على العموم، والنبيذ عندهم عند عدم الخمر يقوم مقام الخمر، لأن حصول الفرح والطرب موجود في كل منهما، وإن كان في النبيذ غلظ وكدرة، وفي الخمر رقة وصفاء، لكن الطبع يحتمل ذلك في النبيذ، لحصول السكر، كما تحتمل المرارة في الخمر، لطلب السكر، قال: وعلى الجملة فالنصوص المصرحة بتحريم كل مسكر، قل أو كثر، مغنية عن القياس. اهـ وعلى الجملة فالنصوص أن علة التحريم الإسكار، فاقتضى ذلك أن كل شراب وجد فيه الإسكار حرم تناوله قليله وكثيره، وقال الحافظ ابن حجر: اتفق الإجماع على أن الخمر المتخذ من العنب يحرم قليله وكثيره، وعلى أن العلة في تحريم قليله كونه يدعو إلى تناول كثيره، لكن الحنفية فرقوا بينهما بدعوى المغايرة في الاسم، مع اتحاد العلة فيهما. اهـ
أما بعد، فإن العمل بمذهب الجمهور فيه حيطة، وبعد عن الشبهات، إن لم يكن بعداً عن المحرمات، فالعمل به إن لم ينفع لا يضر، فكثيراً ما يجتنب المسلم مباحات، دون أن يلحقه ضرر، أما العمل بمذهب الحنفية فأقل ما فيه التعرض لاحتمال الخطر، واحتمال الخطأ، والوقوع فيما حرم الله، فهو إن لم يضر لا ينفع. والله أعلم.
-[ويؤخذ من أحاديث الباب فوق ما تقدم: ]-
١ - من الرواية الأولى، ومن استعانة علي على وليمة فاطمة مشروعية اتخاذ الوليمة للعرس، سواء في ذلك من له مال كثير، ومن لا مال له.
стр. 4449
٢ - ومن استعانته بصائغ من بني قينقاع جواز الاستعانة باليهودي في الأعمال والاكتساب.
٣ - وفي جمعه الإذخر لبيعه جواز الاحتشاش للتكسب، وأنه لا ينقص المروءة.
٤ - وفيه جواز بيع الوقود للصواغين اليهود ومعاملتهم.
٥ - ومن حال الشاربين مع حمزة، وعدم تعنيف النبي ﷺ لهم أن أصل الشرب والسكر كان مباحاً لكن هل كان مباحاً بالأصل؟ أو بالشرع ثم نسخ؟ قولان للعلماء، والراجح الأول، قال النووي: وأما ما قد يقوله بعض من لا تحصيل له: أن السكر لم يزل محرماً، فباطل، لا أصل له، ولا يعرف أصلاً.
٦ - واستدل بعدم تعنيف حمزة على ما فعله، وما قاله للنبي ﷺ على أن حال عدم التكليف لا إثم فيها، فمن شرب دواء لحاجة فزال به عقله، أو شرب شيئاً يظنه خلا، فكان خمراً، أو أكره على شرب الخمر، فشربها، وسكر، فهو في حال السكر غير مكلف، ولا إثم عليه فيما يقع منه في تلك الحالة بلا خلاف. قاله النووي.
٧ - فهم بعضهم من عدم ذكر إلزام حمزة بتعويض ما أتلفه أن ذلك لم يقع، ولكن عدم الذكر لا يدل على عدم الوقوع، فقد جاء في كتاب عمر بن شيبة أن النبي ﷺ غرم حمزة الناقتين. قال النووي: وقد أجمع العلماء أن ما أتلفه السكران من الأموال يلزم ضمانه، كالمجنون، فإن الضمان لا يشترط فيه التكليف، ولهذا أوجب الله تعالى في كتابه، في قتل الخطأ الدية والكفارة، فغرامة حمزة لما أتلفه تجب في ماله، فلعل علياً ﵁ أبرأه من ذلك، بعد معرفته بقيمة ما أتلفه، أو أنه أداه إليه حمزة بعد ذلك، أو أن النبي ﷺ أداه عنه، لحرمته عنده، وكمال حقه عليه، ومحبته إياه وقرابته منه.
٨ - أثار قطع السنامين وأكلهما، وهما مقطوعتان من حي سؤالاً عن صحة أكلهما، فقال النووي: وأما هذا السنام المقطوع، فإن لم يكن تقدم نحر الناقتين فهو حرام بإجماع المسلمين، لأن ما أبين من حي فهو ميت، ويحتمل أنه ذكاهما، ويدل عليه الشعر الذي قدمناه، فإن كان ذكاهما فلحمهما حلال باتفاق العلماء، إلا ما حكي عن عكرمة وإسحق وداود أنه لا يحل ما ذبحه سارق أو غاصب أو متعد، والصواب الذي عليه الجمهور حله. وإن لم يكن ذكاهما، وثبت أنه أكل منهما فهو آكل في حالة السكر، ولا إثم عليه. اهـ أقول: ويحتمل أن الحادثة كانت قبل تشريع ما قطع من حي فهو ميت، فلا مؤاخذة على أكله دون ذكاة.
٩ - ومن رجوع النبي ﷺ بظهره (القهقرى) حرص المرء وحذره، وعدم التعرض للأمر المكروه المتوقع حصوله.
١٠ - وفي ارتدائه ﷺ رداءه جواز لبس الرداء.
١١ - وفيه أن الكبير إذا خرج من منزله تجمل بثيابه، ولا يقتصر على ما يكون عليه في خلوته، في بيته، وهذا من المروءات والآداب المحبوبة.
стр. 4450
١٢ - وفي أحاديث أنس، وإراقتهم الخمر بسماع المنادي العمل بخبر الواحد، وأن هذا كان معروفاً عندهم.
١٣ - قال النووي عن كسر إناء الخمر: هذا الكسر محمول على أنهم ظنوا أنه يجب كسرها وإتلافها، كما يجب إتلاف الخمر، وإن لم يكن في نفس الأمر هذا واجباً، فلما ظنوه كسروها، ولهذا لم ينكر عليهم النبي ﷺ ، وعذرهم لعدم معرفتهم الحكم، وهو غسلها من غير كسر، وهكذا الحكم اليوم في أواني الخمر وجميع ظروفه، سواء الفخار والزجاج والنحاس والحديد والخشب والجلود، فكلها تطهر بالغسل، ولا يجوز كسرها. اهـ
أقول: كان أنس آنذاك دون البلوغ، لم يكن مكلفاً، حتى يظن وجوب الكسر أو عدم وجوبه، والظاهر أن عامتهم لم يكسر آنية الخمر، بل أراقوا الخمر منها حتى جرى في سكك المدينة، وكان أمر أبي طلحة لأنس أن يريقها من الإناء، لا أن يكسر الإناء، وإنما كسره أنس حقداً عليها، وتشفياً فيها، وإظهاراً للشماتة فيها، وتعبيراً عن ذهاب دون إياب، ورحيل دون عودة. والله أعلم.
١٤ - قال الحافظ ابن حجر: واستدل بمطلق قوله "كل مسكر حرام" على تحريم ما يسكر، ولو لم يكن شراباً، فيدخل في ذلك الحشيشة وغيرها، وقد جزم النووي وغيره بأنها مسكرة، وجزم آخرون بأنها مخدرة، وهو مكابرة، لأنها تحدث -بالمشاهدة- ما يحدث الخمر من الطرب والنشوة والمداومة عليها والانهماك فيها، وعلى تقدير تسليم أنها ليست بمسكرة فقد ثبت في أبي داود "النهي عن كل مسكر ومفتر".
والله أعلم
стр. 4451
(٥٥٢) باب تحريم تخليل الخمر والتداوي بها
٤٤٩٣ - عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ سئل عن الخمر تتخذ خلاً؟ فقال: "لا".
٤٤٩٤ - عن وائل الحضرمي أن طارق بن سويد الجعفي سأل النبي ﷺ عن الخمر. فنهاه، أو كره أن يصنعها. فقال: إنما أصنعها للدواء. فقال: "إنه ليس بدواء ولكنه داء".
-[المعنى العام]-
أحل الله لنا الطيبات، وحرم علينا الخبائث، والخمر أم الخبائث، لما فيها من ضرر محقق على إنسانية الإنسان وعقله، من أجل هذا حكم بنجاستها، وحرم شربها، وحماية للحمى، وتحذيراً من القرب منه لعدم الوقوع فيه، نهى عن تناول قليلها، وإن تحققنا عدم إسكاره، بل نهى عن تحويلها إلى خل، لاستعمالها كخل، خشية أن يكون ظاهرها خلاً، وباطنها خمراً، ثم إن نجس العين لا يطهر بالتحول عند جمهور العلماء، وهي نجسة العين، ولما كان المعين على الشر شريكاً لفاعله، كان عاصر العنب للخمر فاعلاً لمحرم حين يعصر، وكان مخمرها فاعلاً لمحرم ولو لم يشرب، ولو كان مخمراً لها بقصد أن يتداوى بها، أو يداوي بها الآخرين، فالتداوي بالمحرم حرام، وما جعل الله شفاء الأمة في محرم، إذ يتنافى ذلك مع الحكمة. ويشبه أن يجمع بين المتناقضين، وكأنه يقول: اشرب. لا تشرب، فالتداوي مطلوب، وتناول المحرم ممنوع.
-[المباحث العربية]-
(سئل عن الخمر تتخذ خلاً) أي تحول إلى خل بصناعة معينة، دون إضافة مادة إليها، أو بطرح شيء فيها، والخل لا يسكر، وهي بهذه الصناعة يزول منها الإسكار، وحاصل السؤال: هل إذا تحولت الخمر إلى خل يجوز شربها، وكان الجواب: لا. ويمكن أن يكون حاصل السؤال: هل يجوز لي أن أحول الخمر إلى خل بصناعتي؟ لأبيعها؟ وأنتفع؟ وينتفع الناس بها؟ بدلاً من إراقتها؟ فكان الجواب: لا.
(سأل النبي ﷺ عن الخمر) أي عن صناعة الخمر، لهدف آخر، غير الشرب، والسكر؟ كالتداوي مثلاً؟ .
стр. 4452
-[فقه الحديث]-
قال النووي عن الرواية الأولى: هذا دليل للشافعي والجمهور أنه لا يجوز تخليل الخمر، ولا تطهر بالتخليل، هذا إذا خللها بخبز أو بصل أو خميرة أو غير ذلك، مما يلقى فيها، فهي باقية على نجاستها، وينجس ما ألقى فيها، ولا يطهر هذا الخل بعده أبداً، لا بغسل، ولا بغيره، أما إذا نقلت من الشمس إلى الظل، أو من الظل إلى الشمس ففي طهارتها وجهان لأصحابنا، أصحهما تطهر، هذا مذهب الشافعي وأحمد والجمهور، وقال الأوزاعي والليث وأبو حنيفة: تطهر وإن خللت بإلقاء شيء فيها، وعن مالك ثلاث روايات: أصحها عنه: أن التخليل حرام، فلو خللها عصى، وطهرت، والثانية: حرام ولا تطهر، والثالثة: حلال وتطهر.
وأجمعوا أنها إذا انقلبت بنفسها خلا طهرت، وقد حكي عن سحنون المالكي أنها لا تطهر، فإن صح عنه فهو محجوج بإجماع من فعله أما عن صناعة الخمر للتداوي بها فقال النووي عن الرواية الثانية: هذا دليل لتحريم اتخاذ الخمر وتخليلها، وفيه التصريح بأنها ليست بدواء، فيحرم التداوي بها، فكأنه يتناولها بلا سبب، وهذا هو الصحيح عند أصحابنا أنه يحرم التداوي بها، فعند أبي داود "إن الله جعل لكل داء دواء، فتداووا، ولا تداوا بمحرم"، وكذا يحرم شربها للعطش، وأما إذا غص بلقمة، ولم يجد ما يسيغها به إلا خمراً فيلزمه الإساغة بها، لأن حصول الشفاء بها حينئذ مقطوع به، بخلاف التداوي.
والله أعلم
стр. 4453
(٥٥٣) باب بيان أن جميع ما ينبذ مما يتخذ من النخل والعنب يسمى خمراً
٤٤٩٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة، والعنبة".
٤٤٩٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول "الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والعنبة".
٤٤٩٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "الخمر من هاتين الشجرتين: الكرمة والنخلة" وفي رواية أبي كريب "الكرم والنخل".
-[المعنى العام]-
يكتفى بالمعنى العام في الباب الأول.
-[المباحث العربية]-
(الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والعنبة) في ملحق الرواية الثانية "الكرمة والنخلة" وفي ملحقها الثاني "الكرم والنخل" وليس في الأسلوب قصر، فليس فيه تعريف الطرفين، وقد سبق أن الخمر من الذرة والشعير والحنطة والعسل.
-[فقه الحديث]-
في هذا الحديث -وإن ضعفه بعض العلماء- دليل على أن الخمر تكون من غير العنب، وعلى أن الأنبذة المتخذة من التمر والبسر تسمى خمراً، وأنها حرام إذا كانت مسكرة.
стр. 4454
قال النووي: وفي هذا الحديث تسمية العنب كرماً، وثبت في الصحيح النهي عن تسمية العنب كرماً، فيحتمل أن هذا الاستعمال كان قبل النهي، ويحتمل أنه استعمله بياناً للجواز، وأن النهي عنه ليس للتحريم، بل لكراهة التنزيه، ويحتمل أنهم خوطبوا به للتعريف، لأنه المعروف في لسانهم، الغالب في استعمالهم. اهـ
ولهذا الحديث علاقة بأحاديث الباب الأول، فلتراجع.
والله أعلم
стр. 4455
(٥٥٤) باب كراهة انتباذ التمر والزبيب مخلوطين
٤٤٩٨ - عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄؛ أن النبي ﷺ نهى أن يخلط الزبيب والتمر، والبسر والتمر.
٤٤٩٩ - عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄، عن رسول الله ﷺ : أنه نهى أن ينبذ التمر والزبيب جميعاً. ونهى أن ينبذ الرطب والبسر جميعاً.
٤٥٠٠ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "لا تجمعوا بين الرطب والبسر. وبين الزبيب والتمر نبيذاً".
٤٥٠١ - عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄، عن رسول الله ﷺ : أنه نهى أن ينبذ الزبيب والتمر جميعاً. ونهى أن ينبذ البسر والرطب جميعاً.
٤٥٠٢ - عن أبي سعيد ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن التمر والزبيب أن يخلط بينهما. وعن التمر والبسر أن يخلط بينهما.
٤٥٠٣ - عن أبي سعيد ﵁ قال: نهانا رسول الله ﷺ أن نخلط بين الزبيب والتمر. وأن نخلط البسر والتمر.
٤٥٠٤ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من شرب النبيذ منكم فليشربه زبيباً فرداً، أو تمراً فرداً، أو بسراً فرداً".
стр. 4456
٤٥٠٥ - عن إسمعيل بن مسلم العبدي بهذا الإسناد قال: نهانا رسول الله ﷺ أن نخلط بسراً بتمر، أو زبيباً بتمر، أو زبيباً ببسر. وقال: "من شربه منكم" فذكر بمثل حديث وكيع.
٤٥٠٦ - عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ " لا تنتبذوا الزهو والرطب جميعاً. ولا تنتبذوا الزبيب والتمر جميعاً. وانتبذوا كل واحد منهما على حدته".
٤٥٠٧ - عن أبي قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "لا تنتبذوا الزهو والرطب جميعاً. ولا تنتبذوا الرطب والزبيب جميعاً. ولكن انتبذوا كل واحد على حدته" وزعم يحيى أنه لقي عبد الله بن أبي قتادة فحدثه عن أبيه عن النبي ﷺ بمثل هذا.
٤٥٠٨ - وفي رواية عن يحيى بن أبي كثير بهذين الإسنادين. غير أنه قال "الرطب والزهو والتمر والزبيب".
٤٥٠٩ - عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه ﵁ أن نبي الله ﷺ نهى عن خليط التمر والبسر، وعن خليط الزبيب والتمر، وعن خليط الزهو والرطب، وقال "انتبذوا كل واحد على حدته".
٤٥١٠ - ٢٦ م عن أبي هريرة ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الزبيب والتمر، والبسر والتمر وقال "ينبذ كل واحد منهما على حدته".
٤٥١١ - عن ابن عباس ﵄ قال: نهى النبي ﷺ أن يخلط التمر
стр. 4457
والزبيب جميعاً. وأن يخلط البسر والتمر جميعاً. وكتب إلى أهل جرش ينهاهم عن خليط التمر والزبيب.
٤٥١٢ - وفي رواية عن الشيباني بهذا الإسناد في التمر والزبيب، ولم يذكر البسر والتمر.
٤٥١٣ - عن ابن عمر ﵄ أنه كان يقول: قد نهي أن ينبذ البسر والرطب جميعاً. والتمر والزبيب جميعاً.
٤٥١٤ - عن ابن عمر ﵄ أنه قال: قد نهي أن ينبذ البسر والرطب جميعاً. والتمر والزبيب جميعاً.
-[المعنى العام]-
إن أم الخبائث تعشقها النفوس البشرية، وتدمنها الطبائع الضعيفة المهتزة، ومن هذا التعلق يصعب العلاج والإقلاع، ومن ذاك الإغواء يخشى من الوقوع في حبالها، لهذا حرصت الشريعة على الوقاية منها، والبعد عن كل ما يحر إليها، حرصت أن لا يقع فيها المسلم بغير قصد مرة، فينزلق إليها بعلم ورغبة بعد ذلك، فحذرت في هذه الأحاديث ألا يخلط المسلم في نبيذه بين نوعين من الثمرات التي يتحول نبيذها إلى خمر، لأن هذا الخلط يجعل كل صنف يشد الآخر إلى سرعة الإسكار، فيشتد العصير ويتخمر بدرجة أقوى وأسرع مما لو نبذ الصنف وحده، وحينئذ قد يقع المسلم في الخمر عاجلاً، وهو يظن أن تخمر ذاك النبيذ بعيد وآجل.
لهذا تحذر الشريعة من خلط صنفين فأكثر، وانتباذهما، وبقائهما في النبيذ مدة يخشى منها أن يتحول العصير إلى نبيذ، ثم النبيذ إلى خمر.
إغلاق لباب الشر، وابتعاد عن الحمى، فمن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه.
-[المباحث العربية]-
(نهى أن يخلط الزبيب والتمر، والبسر والتمر) أي نهى أن يخلطا في النبيذ، لا أن يخلطا دون انتباذ، ففي الرواية الثانية "نهى أن ينبذ التمر والزبيب جميعاً، ونهى أن ينبذ الرطب والبسر
стр. 4458
جميعاً" وفي الرواية الثالثة "لا تجمعوا بين الرطب والبسر، وبين الزبيب والتمر نبيذاً" وفي الرواية الثامنة "لا تنبذوا الزهو والرطب جميعاً، ولا تنبذوا الزبيب والتمر جميعاً" وهل المراد النهي عن خلط حبات الزبيب مع حبات التمر عند النقع للانتباذ؟ أم النهي عن خلط نبيذ الزبيب مع نبيذ التمر عند الشرب؟ سيأتي في فقه الحديث. والزهو هو البلح الملون، الذي ظهرت فيه صفرة أو حمرة، والبلح تمر النخل مادام أخضر، واحدته بلحة، والبسر هو البلح الأصفر أو الأحمر قبل أن يرطب، والرطب هو نضيج البسر، قبل أن يصير تمراً، والتمر هو اليابس من ثمر النخل، فالزهو بفتح الزاء وضمها وسكون الهاء درجة من درجات تلون البلح، بداية البسر، أو نهايته، يقال: زهت النخلة تزهو زهواً، وأزهت تزهى، وأنكر الأصمعي "أزهت" بالألف، وأنكر غيره "زهت" بلا ألف، قال النووي: وأثبتهما الجمهور، ورجحوا "زهت" بحذف الألف، وقال ابن الأعرابي: زهت ظهرت، وأزهت احمرت أو اصفرت، والأكثرون على خلافه.
والمقصود من الحديث أن لا يخلط صنفان -أي صنفين- في النبيذ، لأن الخلط أدعى إلى التغير، وأسرع للتخمر والجمع بين أكثر من صنفين من باب أولى، والمطلوب أن ينبذ كل صنف على حدة، كما صرح به الرواية السادسة، ولفظها "من شرب النبيذ منكم فليشربه زبيباً فرداً، أو تمراً فرداً، أو بسراً فرداً" وفي الرواية الثامنة والعاشرة والحادية عشرة "وانتبذوا كل واحد على حدته".
و"النبيذ" شراب يتخذ من نقيع الزبيب أو التمر أو غيرهما، ينقع، ويترك، حتى يتخمر، وفي مدة تركه، ودرجة تخمره بحث يأتي في الباب رقم ٥٥٧.
(كتب إلى أهل جرش) بضم الجيم وفتح الراء، بلد باليمن.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: سبب الكراهة فيه أن الإسكار يسرع إليه بسبب الخلط، قبل أن يتغير طعمه، فيظن الشارب أنه ليس مسكراً، ويكون مسكراً، ومذهبنا ومذهب الجمهور أن هذا النهي لكراهة التنزيه، ولا يحرم ذلك، ما لم يصر مسكراً، وبهذا قال جماهير العلماء.
وقال بعض المالكية: هو حرام.
وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف في رواية عنه: لا كراهة فيه، ولا بأس به، لأن ما حل مفرداً حل مخلوطاً، وأنكر عليه الجمهور، وقالوا: هذا القول منابذ لصاحب الشرع، فقد ثبتت الأحاديث الصحيحة الصريحة في النهي عنه، فإن لم يكن حراماً كان مكروهاً، قال القرطبي: وهذا أيضاً قياس مع وجود الفارق، إذ هو منتقض بجواز الزواج من كل واحدة من الأختين: منفردة، وتحريمهما مجتمعتين.
واختلف أصحاب مالك في أن النهي يختص بالشرب؟ أم يعمه وغيره، والأصح التعميم، في الانتباذ، أما في غير الانتباذ، بل في معجون وغيره، فلا بأس به. اهـ
стр. 4459
أقول: وكذا في نقيع يشرب طازجاً، فلا بأس به.
قال الحافظ ابن حجر: واختلف في خلط نبيذ البسر الذي لم يشتد مع نبيذ التمر الذي لم يشتد عند الشرب، هل يمتنع؟ أو يختص النهي عن الخلط عند الانتباذ؟ قال الجمهور: لا فرق، وقال الليث: لا بأس بذلك عند الشرب، ولعل هذا الاختلاف مبني على علة النهي عن الخلط، أهي خوف إسراع الإسكار؟ أم هي الإسراف؟ كما سيأتي تفصيله، وكذلك الاختلاف الجاري في خليطين من غير ما ذكر من الأنبذة، كخلط اللبن مع الورد أو البرتقال، فمن قال: إن العلة خوف إسراع الإسكار أباحه، ومن قال: إن العلة الإسراف منعه.
وقال ابن العربي المالكي: ثبت النهي عن الخليطين، فاختلف العلماء، فقال أحمد وإسحق وأكثر الشافعية بالتحريم، ولو لم يسكر، وقال الكوفيون بالحل -إن لم يسكر بالفعل- قال: واتفق علماؤنا على الكراهة، لكن اختلفوا. هل هي للتحريم أو للتنزيه. قال: واختلفوا في الخليطين لأجل التخليل، ثم قال: ويتحصل لنا أربع صور: أن يكون الخليطان منصوصين، فهو حرام، أو منصوص ومسكوت عنه، فإن كان كل منهما لو انفرد أسكر، فهو حرام، قياساً على المنصوص، أو مسكوت عنهما، وكل منهما لو انفرد لم يسكر، جاز، قال: وهنا مرتبة رابعة، وهي ما لو خلط شيئين، وأضاف إليهما دواء يمنع الإسكار، فيجوز في المسكوت عنه، ويكره في المنصوص، قال الشافعي: ثبت نهي النبي ﷺ عن الخليطين، فلا يجوز بحال، وعن مالك قال: أدركت على ذلك أهل العلم ببلدنا، وقال الخطابي: ذهب إلى تحريم الخليطين -وإن لم يكن الشراب منهما مسكراً- جماعة عملاً بظاهر الحديث، وهو قول مالك وأحمد وإسحق وظاهر مذهب الشافعي، وقالوا: من شرب الخليطين أي قبل الشدة أثم من جهة واحدة، فإن كان بعد الشدة أثم من جهتين، وخص الليث النهي بما إذا نبذا معاً. اهـ وجرى ابن حزم على عادته في الجمود، فخص النهي عن الخليطين بخلط واحد من خمسة أشياء، وهي التمر والرطب والزهو والبسر والزبيب، في أحدها، أو في غيرها، فأما لو خلط واحداً من غيرها في واحد من غيرها لم يمتنع، كاللبن والعسل مثلاً، ويرد عليه ما أخرجه أحمد في الأشربة، عن أنس قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يجمع بين شيئين نبيذاً، مما يبغي أحدهما على صاحبه".
واختلف العلماء في علة المنع، فقال بعضهم: لأن أحدهما يشد الآخر، وقيل: لأن الإسكار يسرع إليهما، وقيل: إن النهي من أجل السرف، كما نهي عن قران التمر، و"أن لا يجعل إدامين في إدام" وقد حكى أبو بكر الأثرم عن قوم أنهم حملوا النهي عن الخليطين على علة الإسراف، إذ قالوا: فإذا ورد النهي عن القران بين التمرتين، وهما من نوع واحد، فكيف إذا وقع القران بين نوعين؟ وقد نصر الطحاوي من حمل النهي عن الخليطين على منع السرف، فقال: كان ذلك لما كانوا فيه من ضيق العيش، وساق حديث ابن عمر في النهي عن القران بين التمرتين، وتعقب بأن ابن عمر أحد من روى النهي عن الخليطين، وكان ينبذ البسر، فإذا نظر إلى بسرة في بعضها ترطيب قطه، كراهة أن يقع في النهي، وهذا على قاعدتهم يعتمد عليه، لأنه لو فهم أن النهي عن الخليطين كالنهي عن القران لما خالفه، فدل على أنه عنده لغير الإسراف، وحديث أنس فيه أنه سقاه خليط بسر وتمر، فدل على أن
стр. 4460
المراد بالنهي عن الخليطين ما كانوا يصنعونه قبل ذلك من خلط البسر والتمر، ونحو ذلك، لأن ذلك عادة يقتضي إسراع الإسكار، بخلاف المنفردين، ولا يمكن حل حديث أنس هذا في الخليطين على ما ادعاه صاحب التأويل الأول، وحمل علة النهي لخوف الإسراع أظهر من حملها على الإسراف، لأنه لا فرق بين نصف رطل من تمر، ونصف رطل من بسر، إذا خلطا، مثلاً، وبين رطل من زبيب صرف، بل هو أولى، لقلة الزبيب عندهم إذ ذاك بالنسبة إلى التمر والرطب، وقد وقع الإذن بأن ينبذ كل واحد على حدة، ولم يفرق بين قليل وكثير، فلو كانت العلة الإسراف لما أطلق ذلك.
والله أعلم
стр. 4461
(٥٥٥) باب النهي عن الانتباذ في المزفت والدباء والحتم والنقير
٤٥١٥ - عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن الدباء والمزفت أن ينبذ فيه.
٤٥١٦ - عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن الدباء والمزفت أن ينتبذ فيه.
٤٥١٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لا تنتبذوا في الدباء ولا في المزفت" ثم يقول أبو هريرة "واجتنبوا الحناتم".
٤٥١٨ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه نهى عن المزفت والحنتم والنقير. قال: قيل لأبي هريرة: ما الحنتم؟ قال: الجرار الخضر.
٤٥١٩ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال لوفد عبد القيس "أنهاكم عن الدباء والحنتم والنقير والمقير والحنتم والمزادة المجبوبة. ولكن اشرب في سقائك وأوكه".
٤٥٢٠ - عن علي ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن ينتبذ في الدباء والمزفت. هذا حديث جرير. وفي حديث عبثر وشعبة: أن النبي ﷺ نهى عن الدباء والمزفت.
٤٥٢١ - عن إبراهيم قال: قلت للأسود: هل سألت أم المؤمنين عما يكره أن ينتبذ فيه؟ قال نعم. قلت: يا أم المؤمنين أخبريني عما نهى عنه رسول الله ﷺ أن ينتبذ
стр. 4462
فيه. قالت: نهانا أهل البيت أن ننتبذ في الدباء والمزفت. قال: قلت له: أما ذكرت الحنتم والجر؟ قال: إنما أحدثك بما سمعت. أؤحدثك ما لم أسمع؟ .
٤٥٢٢ - عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ نهى عن الدباء والمزفت.
٤٥٢٣ - عن ثمامة بن حزن القشيري قال: لقيت عائشة، فسألتها عن النبيذ. فحدثتني أن وفد عبد القيس قدموا على النبي ﷺ فسألوا النبي ﷺ عن النبيذ. فنهاهم أن ينتبذوا في الدباء والنقير والمزفت والحنتم.
٤٥٢٤ - عن عائشة ﵂ قالت: نهى رسول الله ﷺ عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت.
٤٥٢٥ - وفي رواية عن إسحق بن سويد بهذا الإسناد. إلا أنه جعل مكان المزفت المقير.
٤٥٢٦ - عن ابن عباس ﵄ قال: قدم وفد عبد القيس على رسول الله ﷺ فقال النبي ﷺ " أنهاكم عن الدباء والحنتم والنقير والمقير" وفي حديث حماد جعل مكان المقير المزفت.
٤٥٢٧ - عن ابن عباس ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الدباء والحنتم والمزفت والنقير.
٤٥٢٨ - عن ابن عباس ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الدباء والحنتم والمزفت والنقير. وأن يخلط البلح بالزهو.
стр. 4463
٤٥٢٩ - عن ابن عباس ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الدباء والنقير والمزفت.
٤٥٣٠ - عن أبي سعيد ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن الجر أن ينبذ فيه.
٤٥٣١ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت.
٤٥٣٢ - وفي رواية عن قتادة بهذا الإسناد: أن نبي الله ﷺ نهى أن ينتبذ. فذكر مثله.
٤٥٣٣ - عن أبي سعيد ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الشرب في الحنتمة والدباء والنقير.
٤٥٣٤ - عن سعيد بن جبير قال: أشهد على ابن عمر وابن عباس أنهما شهدا أن رسول الله ﷺ نهى عن الدباء والحنتم والمزفت والنقير.
٤٥٣٥ - عن سعيد بن جبير قال: سألت ابن عمر عن نبيذ الجر. فقال: حرم رسول الله ﷺ نبيذ الجر. فأتيت ابن عباس، فقلت: ألا تسمع ما يقول ابن عمر؟ قال: وما يقول؟ قلت: قال: حرم رسول الله ﷺ نبيذ الجر. فقال: صدق ابن عمر. حرم رسول الله ﷺ نبيذ الجر. فقلت: وأي شيء نبيذ الجر؟ فقال: كل شيء يصنع من المدر.
стр. 4464
٤٥٣٦ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ خطب الناس في بعض مغازيه. قال ابن عمر: فأقبلت نحوه. فانصرف قبل أن أبلغه. فسألت: ماذا قال؟ قالوا: نهى أن ينتبذ في الدباء والمزفت.
٤٥٣٧ - عن ابن عمر ﵄ بمثل حديث مالك ولم يذكروا في بعض مغازيه إلا مالك وأسامة.
٤٥٣٨ - عن ثابت قال: قلت لابن عمر: نهى رسول الله ﷺ عن نبيذ؟ الجر قال: فقال: قد زعموا ذاك. قلت: أنهى عنه رسول الله ﷺ ؟ قال: قد زعموا ذاك.
٤٥٣٩ - وفي رواية عن طاوس قال: قال رجل لابن عمر: أنهى نبي الله ﷺ عن نبيذ الجر؟ قال: نعم. ثم قال طاوس: والله إني سمعته منه.
٤٥٤٠ - عن ابن عمر ﵄ أن رجلاً جاءه فقال: أنهى النبي ﷺ أن ينبذ في الجر والدباء؟ قال: نعم.
٤٥٤١ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ نهى عن الجر والدباء.
٤٥٤٢ - عن طاوس قال: كنت جالساً عند ابن عمر فجاءه رجل فقال: أنهى رسول الله ﷺ عن نبيذ الجر والدباء والمزفت؟ قال: نعم.
стр. 4465
٤٥٤٣ - عن ابن عمر ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الحنتم والدباء والمزفت. قال: سمعته غير مرة.
٤٥٤٤ - وفي رواية عن ابن عمر عن النبي ﷺ بمثله. قال: وأراه قال: والنقير.
٤٥٤٥ - عن ابن عمر ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الجر والدباء والمزفت. وقال: انتبذوا في الأسقية.
٤٥٤٦ - عن ابن عمر ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الحنتمة. فقلت: ما الحنتمة؟ قال: الجرة.
٤٥٤٧ - عن زاذان قال: قلت لابن عمر حدثني بما نهى عنه النبي ﷺ من الأشربة بلغتك وفسره لي بلغتنا، فإن لكم لغة سوى لغتنا. فقال: نهى رسول الله ﷺ عن الحنتم وهي الجرة، وعن الدباء وهي القرعة، وعن المزفت وهو المقير، وعن النقير وهي النخلة تنسح نسحاً وتنقر نقراً. وأمر أن ينتبذ في الأسقية.
٤٥٤٨ - عن سعيد بن المسيب قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول -عند هذا المنبر وأشار إلى منبر رسول الله ﷺ قدم وفد عبد القيس على رسول الله ﷺ فسألوه عن الأشربة. فنهاهم عن الدباء والنقير والحنتم. فقلت له: يا أبا محمد، والمزفت. وظننا أنه نسيه. فقال: لم أسمعه يومئذ من عبد الله بن عمر. وقد كان يكره.
٤٥٤٩ - عن جابر وابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ نهى عن النقير والمزفت والدباء.
стр. 4466
٤٥٥٠ - عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن الجر والدباء والمزفت.
٤٥٥١ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الجر والمزفت والنقير. وكان رسول الله ﷺ إذا لم يجد شيئاً ينتبذ له فيه، نبذ له في تور من حجارة.
٤٥٥٢ - عن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ كان ينبذ له في تور من حجارة.
٤٥٥٣ - عن جابر ﵁ قال: كان ينتبذ لرسول الله ﷺ في سقاء. فإذا لم يجدوا سقاء، نبذ له في تور من حجارة. فقال بعض القوم: وأنا أسمع لأبي الزبير من برام. قال: من برام.
٤٥٥٤ - عن عبد الله بن بريدة عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "نهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء، فاشربوا في الأسقية كلها، ولا تشربوا مسكراً".
٤٥٥٥ - عن ابن بريدة عن أبيه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "نهيتكم عن الظروف. وإن الظروف، أو ظرفاً لا يحل شيئاً ولا يحرمه. وكل مسكر حرام".
٤٥٥٦ - عن ابن بريدة عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "كنت نهيتكم عن الأشربة في ظروف الأدم، فاشربوا في كل وعاء، غير أن لا تشربوا مسكراً".
стр. 4467
٤٥٥٧ - عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: لما نهى رسول الله ﷺ عن النبيذ في الأوعية. قالوا: ليس كل الناس يجد. فأرخص لهم في الجر غير المزفت.
-[المعنى العام]-
إن التحذير من شرب الخمر في الشريعة الإسلامية له أهمية خاصة، وأساليب متعددة، ومر بنا في الباب رقم ٥٥٢ التحذير من تخليلها، ومن تعاطيها كدواء، وفي الباب رقم ٥٥٣ أن كل ما يخامر العقل من الأنبذة يسمى خمراً، ويأخذ حكمها، وفي الباب رقم ٥٥٤ كراهية انتباذ خليطين، لئلا يسارع إلى الخليط التخمر، وفي هذا الباب حذر رسول الله ﷺ من النبيذ في أوعية صماء كثيفة، تخفي التخمر، فيقع المسلم في شرب الخمر، وهو لا يدري أنها خمر.
وهكذا نجد الشريعة الإسلامية تسد منافذ الخمر، ومنافذ القرب منها سداً محكماً منيعاً، ويروي البخاري بهذا الصدد قوله ﷺ "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف" وعند أبي داود "ليشربن ناس الخمر، يسمونها بغير اسمها" وفي رواية "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها".
إن العرب كانوا يحبون النبيذ من التمر والزبيب والحنطة والشعير، ينقعونه في الماء، ويتركونه حتى يفرغ حلاوته في الماء، وحتى يتغير طعمه من حلو إلى لاذع، يستعذبون هذا الطعم الجديد، وقد أباح الشرع الحنيف هذا الشراب، لأنه لا يسكر، ولا يطغى على العقل، فجعل حده أن لا يشتد لذعه، وأن لا يرغي ويخرج زبداً على وجهه، ولما كان هذا الحد لا يتبين إذا نبذ النقيع في مسمط سميك، وخشي على الشارب أن يشربه بعد أن تخمر وأسكر، وهو لا يدري أنه يسكر نهي عن النبيذ في الجرار وفي جذع النخلة المنقور، وفي الأواني المطلية وفي الأواني المتخذة من القرع، وبعد أن أدرك الناس الحد الفاصل بين النبيذ غير المسكر والنبيذ المسكر، وأصبحوا يعرفون المسكر من غير المسكر وإن نبذ في هذه الأدعية الكثيفة أذن لهم في الانتباذ في أي إناء، ماداموا يميزون بين المسكر وغير المسكر. وأصبح النهي والمنع مرتبطاً بالمسكرات.
-[المباحث العربية]-
(نهى عن الدباء) بضم الدال وتشديد الباء، وفي الكلام مضاف محذوف، أي نهي عن الانتباذ في الدباء، وقد ظهر هذا المحذوف في الرواية الأولى نفسها، على هيئة البدل بلفظ "أن ينبذ فيه".
стр. 4468
وفي الرواية الثالثة "لا تنبذوا في الدباء" وفي السادسة "نهى أن ينتبذ في الدباء" وفي السابعة "نهانا أن ننتبذ في الدباء" وفي التاسعة "فنهاهم أن ينتبذوا في الدباء" والدباء القرع، والمراد نوع منه يكون جوفه مفرغاً بعد أن يجف، يشبه القلة، غليظ من جهة ورفيع من الأخرى، يستخدم وعاء، وفي الرواية الثامنة والعشرين "نهى عن الدباء، وهي القرعة".
(والمزفت) أي نهى عن الانتباذ في الإناء المزفت، بضم الميم وفتح الزاي وتشديد الفاء المفتوحة أي المطلي بالزفت من الداخل أو من الخارج أو منهما، والزفت هو القار، فهو المراد بقوله في الرواية الخامسة والحادية عشرة "والمقير" وفي الرواية الثامنة والعشرين "وعن المزفت، وهو المقير".
(واجتنبوا الحناتم) ظاهر الرواية الثالثة أن هذه العبارة من أبي هريرة، ليست مرفوعة، ولكن صرح برفعها في الرواية التاسعة والعاشرة والحادية عشرة والثانية عشرة والخامسة عشرة والسادسة عشرة والسابعة عشرة والخامسة والعشرين والسابعة والعشرين والتاسعة والعشرين والحنتم بفتح الحاء وسكون النون وفتح التاء، واحدته حنتمة، قيل: هو الجرار كلها، بجميع أنواعها، وقيل: جرار مقيرات الأجواف، وقيل: جرار أفواهها في جنوبها، يجلب فيها الخمر من الطائف، وكان الناس ينتبذون فيها، وقيل جرار كانت تعمل من طين وشعر ودم، قال النووي: وأصح الأقوال وأقواها أنها جرار خضر، وبه قال كثيرون من أهل اللغة وغريب الحديث والمحدثين والفقهاء. اهـ وقد فسرها أبو هريرة بالجرار الخضر في الرواية الرابعة، وأطلقت الرواية الرابعة عشرة والسابعة والعشرون والثامنة والعشرون لفظ "الجر" وفسرته الرواية الثامنة عشرة بكل إناء يصنع من المدر وهو التراب، وأشارت الرواية الثامنة والثلاثون إلى أنه يطلق على المزفت وغير المزفت، ولفظها "فأرخص لهم في الجر غير المزفت" وعلى هذا فعطف "الجر" على "المحنتم" في الرواية السابعة عطف تفسير، وفي رواية للبخاري "عن الشيباني قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفى ﵄ قال: نهى النبي ﷺ عن الجر الأخضر. قلت: أنشرب في الأبيض؟ قال: لا" قال الحافظ ابن حجر: يعني أن حكم الأبيض حكم الأخضر، فدل على أن الوصف بالخضرة لا مفهوم له، وكأن الجرار الخضر كانت حينئذ شائعة بينهم، فكأنه ذكر الأخضر لبيان الواقع، لا للاحتراز، وقد أخرج الشافعي عن ابن أبي أوفى "نهى رسول الله ﷺ عن نبيذ الجر الأخضر والأبيض والأحمر" وقد خص جماعة النهي عن الجر بالجرار الخضر، عملاً بروايتنا الرابعة.
وفي ملحق الرواية الخامسة "والحنتم المزادة المجبوبة" قال النووي: هكذا هو في جميع النسخ ببلادنا، وكذا نقله القاضي عن جماهير رواة صحيح مسلم ومعظم النسخ، قال: وقع في بعض النسخ "والحنتم والمزادة المجبوبة" قال: وهذا هو الصواب، والأولى تغيير ووهم. قال: وكذا ذكره النسائي، ولفظه "وعن الحنتم، وعن المزادة المجبوبة" وفي سنن أبي داود "والحنتم والدباء والمزادة المجبوبة" قال: وضبطناه في جميع هذه الكتب "المجبوبة" بالجيم وبالباء، وقد رواه بعضهم "المخنوثة" بخاء ثم نون آخرها ثاء، كأنه أخذه من اختناث الأسقية، وهذه الرواية ليست بشيء، والصواب أنها بالجيم،
стр. 4469
قيل: وهي التي قطع رأسها، فصارت كهيئة الدن، وأصل الجب القطع، وقيل: هي التي قطع رأسها، وليست لها عزلاء من أسفلها -أي ليس لها مصب من أسفلها- يتنفس بشراب منها، فيصير شرابها مسكراً، ولا يدري به، فهي نوع آخر، غير الحنتم.
(والنقير) جاء تفسيره في الرواية الثامنة والعشرين، بلفظ "وهي النخلة تنسح نسحاً، وتنقر نقراً" قال النووي: هكذا هو في معظم الروايات، والنسح بسين وحاء، أي تقشر، ثم تنقر، فتصير نقيراً، ووقع لبعض الرواة في بعض النسخ "تنسج" بالجيم، قال القاضي وغيره: هو تصحيف" وادعى بعض المتأخرين أنه وقع في نسخ صحيح مسلم وفي الترمذي بالجيم، وليس كما قال، بل معظم نسخ مسلم بالحاء. اهـ
وقد فسر "النقير" مرفوعاً في روايتين في مسلم في كتاب الإيمان -باب وفد عبد القيس، ولفظ الأولى "قالوا: يا نبي الله، ما علمك بالنقير؟ قال: بلى. جذع تنقرونه، فتقذفون فيه من القطيعاء -أو قال: من التمر- ثم تصبون فيه من الماء، حتى إذا سكن غليانه شربتموه، حتى إن أحدكم ليضرب ابن عمه بالسيف".
ولفظ الثانية "لا تشربوا في النقير. قالوا: يا نبي الله، جعلنا الله فداءك. أو تدري ما النقير؟ قال: نعم. الجذع ينقر وسطه".
(ولكن اشرب في سقائك وأوكه) اشتهر عرفاً اختصاص اسم الأسقية بما يتخذ من الجلد المدبوغ، وهو المعروف بالقربة، قال ابن السكيت: "السقاء" يكون للبن والماء، و"الوطب" يكون للبن خاصة، و"النحي" بكسر النون وسكون الحاء يكون للسمن.
قال النووي: قال العلماء: إن السقاء إذا أوكي -أي إذا ربط ربطاً محكماً- أمنت مفسدة الإسكار، لأنه متى تغير نبيذه، واشتد، وصار مسكراً، شق الجلد الموكى، فما لم يشقه لا يكون مسكراً، بخلاف الدباء والحنتم والمزادة المجبوبة والمزفت وغيرها من الأوعية الكثيفة، فإنه قد يصير فيها مسكراً، ولا يعلم.
(وأن يخلط البلح بالزهو) مضى الكلام عليه في الباب رقم ٥٥٤.
(قال: قد زعموا ذاك) هذا الأسلوب غالباً يكون ظاهره إنكار ما قيل، مع أن الروايات الآتية تنقل عن ابن عمر القول به، لا إنكاره، من هنا قال بعضهم: لعله كان قد نسي، ثم تذكر، ويحتمل أن كون هذا الأسلوب جاء على غير الغالب، فقد يستعمل للأمر المحقق، كما في حديث "زعم جبريل ... " وكأن المعنى: سمعته من النبي ﷺ ، وسمعه الناس.
(نبذ له في تور من حجارة) التور بفتح التاء، هو قدح كبير كالقدر، يتخذ تارة من الحجارة، وتارة من النحاس أو غيره، وتور الحجارة أشد كثافة من الدباء والحنتم.
(نهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء، فاشربوا في الأسقية كلها) قال القاضي: في هذه
стр. 4470
الرواية تغيير، وصوابها "فاشربوا في الأوعية كلها" لأن الأسقية وظروف الأدم، لم تزل مباحة، مأذوناً فيها، وإنما نهي عن غيرها من الأوعية.
(كنت نهيتكم عن الأشربة في ظروف الأدم) قال القاضي: هذه الرواية فيها تغيير من بعض الرواة، وصوابه "كنت نهيتكم عن الأشربة إلا في ظروف الأدم" فحذف لفظة "إلا" التي للاستثناء، ولا بد منها.
(عن عبد الله بن عمرو) قال النووي: هكذا هو في النسخ المعتمدة ببلادنا ومعظم النسخ "عن عبد الله بن عمرو" بفتح العين، ووقع في بعضها "ابن عمر" بضم العين، قال علي الغساني: المحفوظ "ابن عمرو بن العاص" وكذا ذكره البخاري وأبو داود، وكذا ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين، ونسبه إلى رواية البخاري ومسلم، وكذا ذكره جمهور المحدثين، وهو الصحيح.
(لما نهى رسول الله ﷺ عن النبيذ في الأوعية) قال النووي: هذا هو الصواب، ووقع في غير مسلم "عن النبيذ في الأسقية" وكذا نقله الحميدي في الجمع بين الصحيحين. قال الحميدي: ولعله نقص منه، فيكون "عن النبيذ إلا في الأسقية".
-[فقه الحديث]-
قال النووي: كان الانتباذ في هذه الأوعية منهياً عنه في أول الإسلام، خوفاً من أن يصير مسكراً فيها، ولا نعلم بإسكاره لكثافتها، فتتلف ماليته، وربما شربه الإنسان ظاناً أنه لم يصر سكراً، فيصير شارباً للمسكر، وكان العهد قريباً بإباحة المسكر، فلما طال الزمان، واشتهر تحريم المسكر، وتقرر ذلك في نفوسهم نسخ ذلك، وأبيح لهم الانتباذ في كل وعاء، بشرط أن لا يشربوا مسكراً، وهذا صريح قوله في روايتنا الخامسة والثلاثين وما بعدها "كنت نهيتكم عن الانتباذ إلا في سقاء، فاشربوا في كل وعاء، غير ألا تشربوا مسكراً". اهـ
وهذا توجيه الشافعية ومن وافقهم، وقال الخطابي: وذهب جماعة إلى أن النهي عن الانتباذ في هذه الأدعية باق، منهم ابن عمر وابن عباس، وبه قال مالك وأحمد وإسحق. اهـ
وقال الحافظ ابن حجر: وقال الشافعي والثوري وابن حبيب من المالكية: يكره ذلك، ولا يحرم، وقال سائر الكوفيين: يباح، وعن أحمد روايتان، وقد أسند الطبري عن عمر ما يؤيد قول مالك، وهو قوله: "لأن أشرب من قمقم محمي، فيحرق ما أحرق، ويبقى ما أبقى، أحب إلي من أن أشرب نبيذ الجر" وعن ابن عباس "لا يشرب نبيذ الجر ولو كان أحلى من العسل" وأسند النهي إلى جماعة من الصحابة، وقال ابن بطال: النهي عن الأوعية إنما كان قطعاً للذريعة، فلما قالوا: لا نجد بداً من الانتباذ في الأوعية قال: انتبذوا، وكل مسكر حرام" وهكذا الحكم في كل شيء نهي عنه بمعنى النظر إلى غيره، فإنه يسقط للضرورة، كالنهي عن الجلوس في الطرقات، فلما قالوا: لا بد لنا منها، قال:
стр. 4471
"فأعطوا الطريق حقها" قال الحافظ ابن حجر: وكأن من ذهب إلى استمرار النهي لم يبلغه الناسخ، وقال الحازمي: لمن نصر قول مالك أن يقول: ورد النهي عن الظروف كلها، ثم نسخ منها ظروف الأدم والجرار غير المزفتة، واستمر ما عداها على المنع، ثم تعقب ذلك بما ورد التصريح به في حديث بريدة، روايتنا الخامسة والثلاثين وما بعدها، قال: وطريق الجمع أن يقال: لما وقع النهي عاماً شكوا إليه الحاجة، فرخص لهم في ظروف الأدم، ثم شكوا إليه أن ليس كلهم يجد ذلك، فرخص لهم في الظروف كلها.
والله أعلم
стр. 4472
(٥٥٦) باب بيان أن كل مسكر خمر، وأن كل خمر حرام والعقوبة الأخروية لشارب الخمر
٤٥٥٨ - عن عائشة ﵂ قالت: سئل رسول الله ﷺ عن البتع. فقال "كل شراب أسكر فهو حرام".
٤٥٥٩ - عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أنه سمع عائشة ﵂ تقول: سئل رسول الله ﷺ عن البتع. فقال رسول الله ﷺ "كل شراب أسكر فهو حرام".
٤٥٦٠ - وفي رواية عن الزهري بهذا الإسناد، وليس في حديث سفيان وصالح: سئل عن البتع. وهو في حديث معمر وفي حديث صالح: أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول "كل شراب مسكر حرام".
٤٥٦١ - عن أبي موسى ﵁ قال: بعثني النبي ﷺ أنا ومعاذ بن جبل إلى اليمن. فقلت: يا رسول الله، إن شراباً يصنع بأرضنا يقال له المزر من الشعير، وشراب يقال له البتع من العسل؟ فقال "كل مسكر حرام".
٤٥٦٢ - وفي رواية عن عمرو سمعه من سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن جده: أن النبي ﷺ بعثه ومعاذاً إلى اليمن. فقال لهما "بشرا ويسرا وعلما ولا تنفرا" وأراه قال: "وتطاوعا" قال فلما ولى رجع أبو موسى، فقال: يا رسول الله، إن لهم شراباً من العسل يطبخ حتى يعقد. والمزر يصنع من الشعير. فقال رسول الله ﷺ "كل ما أسكر عن الصلاة فهو حرام".
стр. 4473
٤٥٦٣ - عن أبي بردة عن أبيه ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ ومعاذاً إلى اليمن، فقال "ادعوا الناس. وبشرا ولا تنفرا. ويسرا ولا تعسرا" قال: فقلت: يا رسول الله، أفتنا في شرابين كنا نصنعهما باليمن: البتع وهو من العسل ينبذ حتى يشتد، والمزر وهو من الذرة والشعير ينبذ حتى يشتد؟ قال: وكان رسول الله ﷺ قد أعطي جوامع الكلم بخواتمه، فقال "أنهى عن كل مسكر أسكر عن الصلاة".
٤٥٦٤ - عن جابر ﵁ أن رجلاً قدم من جيشان، وجيشان من اليمن، فسأل النبي ﷺ عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يقال له المزر. فقال النبي ﷺ "أو مسكر؟ " هو قال: نعم. قال رسول الله ﷺ "كل مسكر حرام. إن على الله عهداً لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال" قالوا: يا رسول الله وما طينة الخبال؟ قال "عرق أهل النار أو عصارة أهل النار".
٤٥٦٥ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "كل مسكر خمر. وكل مسكر حرام. ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها لم يتب، لم يشربها في الآخرة".
٤٥٦٦ - عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال "كل مسكر خمر. وكل مسكر حرام".
٤٥٦٧ - عن ابن عمر ﵄ قال: ولا أعلمه إلا عن النبي ﷺ قال "كل مسكر خمر. وكل خمر حرام".
٤٥٦٨ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال "من شرب الخمر في الدنيا، حرمها في الآخرة".
стр. 4474
٤٥٦٩ - عن ابن عمر ﵄ قال "من شرب الخمر في الدنيا فلم يتب منها، حرمها في الآخرة فلم يسقها" قيل لمالك: رفعه؟ قال: نعم.
٤٥٧٠ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال "من شرب الخمر في الدنيا، لم يشربها في الآخرة إلا أن يتوب".
-[المعنى العام]-
إن الله تعالى حد حدوداً، وشرع عقوبات دنيوية على بعض الكبائر، ومنها الخمر، وقد سبق حد شربها في كتاب الحدود -أربعين جلدة أو ثمانين- وإقامة هذا الحد على الشارب مكفر لذنب الشرب عند جمهور العلماء، على أساس أن الحدود جوابر، وأن الله تعالى أكرم من أن يعاقب على الذنب في الدنيا والآخرة. فإقامة الحد في حكم التوبة المقبولة إن شاء الله.
أما الذي يشرب الخمر، ولا يحد، ويدمن شربها، ولا يقلع عنها حتى يموت، ولا يتوب من شربها توبة نصوحاً خالصة مقبولة فإن عقوبته في الآخرة مستحقة، وهي عقوبة من جنس المعصية، كما هو الشأن في عقوبات الآخرة، لقد تمتع شارب الخمر بخمرة في الدنيا، فعقوبته عدم التمتع بشربها في الآخرة، وفي الجنة أنهار من خمر لذة للشاربين، فمن تمتع بها في الدنيا بلذة عاجلة قصيرة سنوات مثلاً، فسوف يحرم من اللذة الكبيرة المستمرة أبداً، وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون، تمتع بها فأذهب عقله، وانحطت آدميته، وأتى مهازل وسقطات، وسخر منه من حوله، وسوف يحرم منها، وليس فيها غول، ولا ضعف عقل، ولا سقوط تصرف، بل قمة في التمتع والتلذذ، من غير أضرار أو أخطار.
فالخاسر من باع آخرته بدنياه، واستبدل بالنعيم الحقيقي الدائم تنعم حقير عاجل سريع الزوال.
-[المباحث العربية]-
(سئل رسول الله ﷺ عن البتع) بكسر الباء وسكون التاء وقد تفتح، وهي لغة يمانية، وهو نبيذ العسل، كان أهل اليمن يشربونه، والظاهر أن السائل هو أبو موسى الأشعري، ففي الرواية الثالثة والرابعة والخامسة عن أبي موسى أنه سأل رسول الله ﷺ عن
стр. 4475
البتع، وفي الرواية الرابعة "إن لهم شراباً من العسل، يطبخ حتى يعقد" بفتح الياء وسكون العين وكسر القاف، يقال: عقد السائل بفتح العين والقاف، فعل لازم يعقد عقداً، إذا غلظ، وفي الرواية الخامسة "البتع، وهو من العسل، ينبذ حتى يشتد".
(بعثني النبي ﷺ أنا ومعاذ إلى اليمن) سبق بيان مهمتهما وزمنها في كتاب الإيمان في الجزء الأول.
(والمزر يصنع من الشعير) بكسر الميم وسكون الزاي، بعدها راء، وفي الرواية الخامسة "والمزر، وهو من الذرة والشعير، ينبذ حتى يشتد" وفي الرواية السادسة "من الذرة" ولا تعارض، فهو يصنع من كل من الذرة والشعير والحنطة.
(بشرا ويسرا، وعلما ولا تنفرا -وأراه قال: وتطاوعا) في الرواية الخامسة "بشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا" وفيها الأمر بالشيء، والنهي عن نقيضه، للتأكيد والتقوية، والمفعول به محذوف، أي بشرا الناس وأملاهم في الخير، ولا تنفراهم ولا تخوفاهم بتوقع الشر، ويسرا عليهم أداء واجباتهم، ولا تعسرا عليهم في فرض ما تفرضون عليهم، وليطع كل منكما صاحبه، ولا تختلفا، ولا تتعارض أوامركما وحكمكما.
(وكان رسول الله ﷺ قد أعطى جوامع الكلم بخواتمه) "جوامع الكلم" من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي الكلم الجوامع، أي اللفظ القليل، المفيد للمعاني الكثيرة جداً، وقوله "بخواتمه" بما يفيد آخر مراد المخاطب، ويستوفي مطالبه ومقاصده، فالباء للمصاحبة.
(أنهى عن كل مسكر) أي كل ما من شأنه أن يسكر كثيره، وفي الرواية السادسة "كل مسكر حرام" أي كل ما من شأنه أن يسكر، وليس كل مسكر بالفعل، وإلا لقال: كل سكر حرام.
(إن على الله عهداً لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال) ربط العقوبة بالشرب، ولم يربطها بالإسكار، و"طينة الخبال" اسم لعرق أهل النار، أو عصارة أهل النار، كما فسر في الحديث.
(فلم يتب منها) أي لم يتب من شربها.
-[فقه الحديث]-
يتكون فقه الحديث من نقطتين أساسيتين:
بيان أن كل مسكر خمر، وأن كل خمر حرام، وقد سبقت هذه النقطة وافية في الباب رقم ٥٥١.
النقطة الثانية العقوبة الأخروية لشارب الخمر، والوعيد في الرواية السادسة أن يسقيه الله من عرق أهل النار، وهذه العقوبة لم يحدد فيها قدر، ولا زمن، فقد يكون جرعة في لحظة.
стр. 4476
أما العقوبة في الرواية السابعة والثامنة والتاسعة والعاشرة والحادية عشرة فهي الحرمان من شربها في الآخرة.
قال الخطابي: معنى الحديث لا يدخل الجنة، لأن الخمر شراب أهل الجنة، فإذا حرم شربها دل على أنه لا يدخل الجنة.
وقال ابن عبد البر: هذا وعيد شديد، يدل على حرمان دخول الجنة، لأن الله تعالى أخبر أن في الجنة أنهار الخمر لذة للشاربين، وأنهم لا يصدعون عنها، ولا ينزفون، فلو دخلها -وقد علم أن فيها خمراً، أو أنه حرمها عقوبة له -لزم وقوع الهم والحزن في الجنة، ولا هم فيها، ولا حزن، وإن لم يعلم بوجودها، ولا أنه حرمها عقوبة له، لم يكن عليه في فقدها ألم، فلهذا قال بعض من تقدم أنه لا يدخل الجنة أصلاً. قال: وهو مذهب غير مرضي، قال: ويحمل الحديث عند أهل السنة على أنه لا يدخلها، ولا يشرب الخمر فيها، إلا إن عفا الله عنه. كما في بقية الكبائر، وهو في المشيئة، فعلى هذا، فمعنى الحديث: جزاؤه في الآخرة أن يحرمها، لحرمانه دخول الجنة، إلا إن عفا الله عنه، قال: وجائز أن يدخل الجنة بالعفو، ثم لا يشرب فيها خمراً، ولا تشتهيها نفسه، وإن علم بوجودها فيها، ويؤيده حديث أبي سعيد، مرفوعاً "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة، ولم يلبسه هو" قال الحافظ: أخرجه الطيالسي وصححه ابن حبان. وقريب منه حديث عبد الله بن عمرو، رفعه "من مات من أمتي، وهو يشرب الخمر، حرم الله عليها شربها في الجنة" أخرجه أحمد بسند حسن، وقد لخص عياض كلام ابن عبد البر، وزاد احتمالاً آخر، وهو أن المراد بحرمانه شربها، أنه يحبس عن الجنة مدة، إذا أراد الله عقوبته، ومثله الحديث الآخر "لم يرح رائحة الجنة" قال: ومن قال: لا يشربها في الجنة، بأن ينساها، أو لا يشتهيها، يقول: ليس عليه في ذلك حسرة، ولا يكون ترك شهوته إياها عقوبة في حقه، بل هو نقص نعيم بالنسبة إلى من هو أتم نعيماً منه، كما تختلف درجاتهم، ولا يلحق من هو أنقص درجة حينئذ، بمن هو أعلى درجة منه، استغناء بما أعطي، واغتباطاً له.
وقال ابن العربي: ظاهر الحديثين أنه لا يشرب الخمر في الجنة، ولا يلبس الحرير فيها، وذلك لأنه استعجل ما أمر بتأخيره، ووعد به، فحرمه عند ميقاته، كالوارث، فإنه إذا قتل مورثه فإنه يحرم ميراثه، لاستعجاله. وبهذا قال نفر من الصحابة والعلماء، وهو موضع احتمال، والله أعلم كيف يكون الحال.
وفصل بعض المتأخرين بين من يشربها مستحلاً، فهو الذي لا يشربها أصلاً، لأنه لا يدخل الجنة أصلاً، وعدم الدخول يستلزم حرمانها، وبين من يشربها عالماً بتحريمها، فهو محل الخلاف. وفي الحديث أن التوبة تكفر المعاصي الكبائر، وهو في التوبة من الكفر قطعي، لقوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال: ٣٨] وفي غير الكفر من الذنوب خلاف بين أهل السنة، هل هو قطعي؟ أو ظني؟ قال النووي: الأقوى أنه ظني، وقال القرطبي: من استقرأ الشريعة علم أن الله يقبل توبة الصادقين قطعاً، وللتوبة الصادقة شروط.
стр. 4477
ويمكن أن يستدل بحديث الباب على صحة التوبة من بعض الذنوب، دون بعض، وفيه أن الوعيد يتناول من شرب الخمر، وإن لم يحصل له السكر، لأنه رتب الوعيد في الحديث على مجرد الشرب، من غير قيد، قال الحافظ ابن حجر: وهو مجمع عليه في الخمر المتخذ من عصير العنب، أما ما لا يسكر من غيرها فالأمر فيه كذلك عند الجمهور.
والله أعلم
стр. 4478
(٥٥٧) باب إباحة النبيذ الذي لم يشتد ولم يصر مسكراً
٤٥٧١ - عن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ ينتبذ له أول الليل. فيشربه إذا أصبح يومه ذلك، والليلة التي تجيء، والغد والليلة الأخرى، والغد إلى العصر. فإن بقي شيء سقاه الخادم، أو أمر به فصب.
٤٥٧٢ - عن يحيى البهراني قال: ذكروا النبيذ عند ابن عباس: فقال: كان رسول الله ﷺ ينتبذ له في سقاء. قال شعبة: من ليلة الاثنين فيشربه يوم الاثنين والثلاثاء إلى العصر. فإن فضل منه شيء، سقاه الخادم أو صبه.
٤٥٧٣ - عن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ ينقع له الزبيب، فيشربه اليوم والغد، وبعد الغد إلى مساء الثالثة. ثم يأمر به فيسقى أو يهراق.
٤٥٧٤ - عن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ ينبذ له الزبيب في السقاء، فيشربه يومه والغد وبعد الغد. فإذا كان مساء الثالثة شربه وسقاه. فإن فضل شيء أهراقه.
٤٥٧٥ - عن يحيى أبي عمر النخعي قال: سأل قوم ابن عباس عن بيع الخمر وشرائها والتجارة فيها. فقال: أمسلمون أنتم؟ قالوا: نعم. قال: فإنه لا يصلح بيعها ولا شراؤها ولا التجارة فيها. قال: فسألوه عن النبيذ. فقال: خرج رسول الله ﷺ في سفر. ثم رجع وقد نبذ ناس من أصحابه في حناتم ونقير ودباء، فأمر به فأهريق. ثم أمر بسقاء فجعل فيه زبيب وماء. فجعل من الليل، فأصبح فشرب منه يومه ذلك وليلته المستقبلة، ومن الغد حتى أمسى فشرب، وسقى. فلما أصبح أمر بما بقي منه فأهريق.
٤٥٧٦ - عن ثمامة (يعني ابن حزن القشيري) قال: لقيت عائشة فسألتها عن النبيذ.
стр. 4479
فدعت عائشة جارية حبشية، فقالت: سل هذه، فإنها كانت تنبذ لرسول الله ﷺ . فقالت الحبشية: كنت أنبذ له في سقاء من الليل وأوكيه وأعلقه، فإذا أصبح شرب منه.
٤٥٧٧ - عن عائشة ﵂ قالت: كنا ننبذ لرسول الله ﷺ في سقاء يوكى أعلاه وله عزلاء. ننبذه غدوة، فيشربه عشاء. وننبذه عشاء، فيشربه غدوة.
٤٥٧٨ - عن سهل بن سعد قال: دعا أبو أسيد الساعدي رسول الله ﷺ في عرسه، فكانت امرأته يومئذ خادمهم وهي العروس. قال سهل: تدرون ما سقت رسول الله ﷺ ؟ أنقعت له تمرات من الليل في تور. فلما أكل، سقته إياه.
٤٥٧٩ - وفي رواية عن أبي حازم قال: سمعت سهلاً ﵁ يقول: أتى أبو أسيد الساعدي رسول الله ﷺ فدعا رسول الله ﷺ . بمثله. ولم يقل: فلما أكل سقته إياه.
٤٥٨٠ - عن سهل بن سعد ﵁ بهذا الحديث. وقال: في تور من حجارة. فلما فرغ رسول الله ﷺ من الطعام أماثته فسقته. تخصه بذلك.
٤٥٨١ - عن سهل بن سعد ﵁ قال: ذكر لرسول الله ﷺ امرأة من العرب. فأمر أبا أسيد أن يرسل إليها. فأرسل إليها. فقدمت. فنزلت في أجم بني ساعدة. فخرج رسول الله ﷺ حتى جاءها. فدخل عليها. فإذا امرأة منكسة رأسها. فلما كلمها رسول الله ﷺ قالت: أعوذ بالله منك. قال: "قد أعذتك مني" فقالوا لها: أتدرين من هذا؟ فقالت: لا. فقالوا: هذا رسول الله ﷺ جاءك ليخطبك. قالت: أنا كنت أشقى من ذلك. قال سهل: فأقبل رسول الله ﷺ يومئذ حتى جلس في سقيفة بني ساعدة هو وأصحابه. ثم قال: "اسقنا" لسهل. قال: فأخرجت لهم هذا القدح فأسقيتهم فيه. قال أبو حازم: فأخرج لنا سهل ذلك القدح فشربنا فيه. قال: ثم استوهبه، بعد ذلك، عمر بن عبد العزيز فوهبه له. وفي رواية أبي بكر بن إسحق قال: "اسقنا يا سهل".
стр. 4480
٤٥٨٢ - عن أنس ﵁ قال: لقد سقيت رسول الله بقدحي هذا، الشراب كله: العسل والنبيذ، والماء، واللبن.
-[المعنى العام]-
مراحل التخمر تبدأ بالنقيع، يوضع التمر أو الزبيب أو الذرة أو الشعير أو الحنطة في الماء، مع شيء من السكر أو بدونه، فيلين الجاف الجامد، فيؤكل ويشرب بعد ساعات من النقع.
المرحلة الثانية مرحلة النبيذ، وهي أن يبقى هذا النقيع حتى يتغير طعمه من حلاوة إلى حموضة ولذع، تختلف درجاتها من ضعف إلى قوة، ونهاية هذه المرحلة أن يشتد هذا اللذع، وأن يرغي هذا النبيذ، ويقذف بالزبد، ويغلي وتتحرك فقاقيعه، وحتى يصل هذه الحالة لا يسكر قطعاً، ولا يحرم أكله ولا شربه، باتفاق العلماء، وقد يستغرق النقيع حتى يصل إلى هذه الحالة ثلاثة أيام، وقد يصل إليها بعد يومين، وقد يصل إليها بعد يوم، لأن هذه الحالة ترتبط بوسيلة التخمر، من نوع النقيع، ودرجة الحرارة، ومواد النقع، ونحو ذلك، لا بالزمن، ولهذا وجدنا في الأحاديث أن النبي ﷺ كان ينبذ له النقيع من الليل، فيشربه إذا أصبح، وينبذ له أول النهار، فيشربه عشاء، وأقصى مدة ينبذ له النبيذ فيها ثلاثة أيام بثلاث ليال، فإن بقي في السقاء شيء بعد ذلك، ولم تظهر عليه أعراض التخمر، سقاه للخادم، ولم يشربه ورعاً وحيطة، وإن ظهرت عليه بعض أعراض التخمر طرحه وألقاه وصبه، لأنه لم يعد مالاً محترماً.
واستقرت هذه القواعد عند الصحابة ﵃ وكان النبيذ عند العرب تحفة الضيف العزيز، كان نبيذ التمر أعز من الطعام والشراب، وأعز ما يقدم في الولائم، فهذا أبو أسيد الساعدي، يقيم وليمة عرسه، ويدعو إليها رسول الله ﷺ وكبار صحابته، فيقدم لهم الطعام، وتقوم امرأته العروس بنفسها، تحمل سقاء صغيراً، قد نبذت فيه تمرات من الليل، فتسقي منه رسول الله ﷺ ، تتحفه وتخصه بأعز ما لديها، وهو النبيذ، وهذا رسول الله ﷺ ، وقد ضايقه موقف امرأة عربية، عرض عليه الزواج منها، فجاءت إليه، فلم يسعدها قدرها بشرف الانتساب إليه، فاستعاذت، فأعاذها، وأعادها لأهلها، ضايقه هذا الظرف، فخرج من عندها إلى سقيفة بني ساعدة، فوجد بعض أصحابه يجلسون، ويشربون النبيذ، يقوم على سقايتهم صبي من بني سعد يسمى سهل بن سعد، فجلس معهم ﷺ ، وقال للصبي. اسقنا يا سهل، فسقاه من قدح، اعتز به بعد ذلك سهل، لأن القدح شرف بلقاء فم رسول الله ﷺ ، فأخذ الصحابة يتبركون بالشرب من هذا القدح، حتى كان عمر بن عبد العزيز أميراً على المدينة، وشاع في المدينة التبرك بالشرب من هذا القدح، فطلب عمر بن عبد العزيز من سهل بن سعد أن يهبه هذا القدح، فوهبه له، فاحتفظ به عمر بن عبد العزيز خيراً وبركة عن رسول الله ﷺ .
стр. 4481
-[المباحث العربية]-
(كان النبي ﷺ ينتبذ له أول الليل، فيشربه إذا أصبح يومه ذلك، والليلة التي تجيء، والغد، والليلة الأخرى، والغد، إلى العصر) ظاهر هذه الرواية أن النبيذ شرب ثلاث ليال، ويومين كاملين، واليوم الثالث إلى العصر، وكذا الرواية الثالثة والرابعة، أما الرواية الثانية فتنقص يوماً وليلة عن السابقات، وأما حديث عائشة، وهو الرواية السادسة والسابعة فمدة النبيذ فيها يوم واحد، أو ليلة واحدة، وجمع بعضهم بأن شرب النقيع في يومه لا يمنع شرب النقيع في أكثر من يوم، أي إن حديث عائشة ليس فيه قصر الشرب على يوم واحد، فقول الحبشية في الرواية السادسة "فإذا أصبح شرب منه" لا يمنع أن يضاف إليه "وإذا أمسى شرب منه، وإذا أصبح في الغد شرب منه. إلخ" وقول عائشة "ننبذه غدوة فيشربه عشاء" لا يمنع أن يضاف إليه "وغدوة وعشاء" إلخ، لكن رواية أبي داود لهذا الحديث تمنع هذا الجمع، فلفظها "أنها كانت تنبذ للنبي ﷺ غدوة، فإذا كان من العشي تعشى، فشرب على عشائه، فإن فضل شيء صبه، ثم تنبذ له بالليل، فإذا أصبح وتغدى شرب على غدائه. قالت: نغسل السقاء غدوة وعشية" كما أن حديث عبد الله بن الديلمي عن أبيه يمنع هذا الجمع، وقد رواه أبو داود والنسائي بلفظ "قلنا: يا رسول الله، ما نصنع بالزبيب؟ قال: انبذوه على عشائكم، واشربوه على غدائكم" فهذه الأحاديث تفيد التقييد باليوم والليلة، وجمع بعضهم بقوله: لعل حديث عائشة كان زمن الحر، وحيث يخشى فساده في الزيادة على يوم، وحديث ابن عباس في زمن يؤمن فيه التغير قبل الثلاث، وجمع بعضهم بحمل حديث عائشة على نبيذ قليل، يفرغ منه في يومه، وحديث ابن عباس في كثير لا يفرغ منه، فالاختلاف باختلاف الأحوال والأزمنة، ولا تعارض.
(فإن بقي شيء سقاه الخادم، أو أمر به فصب) في الرواية الثانية "فإن فضل منه شيء سقاه الخادم، أو صبه" وفي الرواية الثالثة "ثم يأمر به فيسقى، أو يهراق" وفي الرواية الرابعة "فإن فضل شيء أهراقه" قال النووي: يقال: فضل بفتح الضاد وكسرها، وقال: معناه: تارة يسقيه الخادم، وتارة يصبه، وذلك لاختلاف حال النبيذ، فإن كان لم يظهر فيه تغير ونحوه، من مبادئ الإسكار سقاه الخادم، ولا يريقه، لأنه مال تحرم إضاعته، ويترك شربه تنزهاً، وإن كان قد ظهر فيه شيء من مبادئ الإسكار والتغير أراقه، لأنه إذا أسكر صار حراماً ونجساً، فيراق، ولا يسقيه الخادم، لأن المسكر لا يجوز سقيه الخادم، كما لا يجوز شربه، وأما شربه ﷺ قبل الثلاث فكان حيث لا تغير، ولا مبادئ تغير، ولا شك أصلاً. اهـ
(ينقع له الزبيب) يقال: نقع الزبيب، بفتح النون والقاف، ينقع بفتح القاف، إذا تركه في الماء حتى انتقع وانحل من طول مكثه في الماء، ويقال: أنقع الزبيب في الماء، بمعنى نقعه، وفي الرواية الرابعة "كان ينبذ له الزبيب" فالنبيذ يسمى نقيعاً، والنقيع يسمى نبيذا، فيحمل ما ورد في الأحاديث بلفظ النبيذ على النقيع، وعكسه.
стр. 4482
(عن بيع الخمر، وشرائها، والتجارة فيها) التجارة ممارسة البيع والشراء، فهو من عطف العام على الخاص، أو المجمل على المفصل.
(فسألوه عن النبيذ) أي عما يحل منه وما يحرم، بسبب وعاء الانتباذ، أو بسبب مدة الانتباذ.
(فسألتها عن النبيذ) أي عن وعائه ومدته.
(كنت أنبذ له في سقاء من الليل، وأوكيه) أي أشده بالوكاء، وهو الخيط الذي يشد به رأس القربة.
(في سقاء يوكى أعلاه) قال النووي: "يوكى" غير مهموز الآخر، قال: ورأيته يكتب وضبط "يوكأ" بالهمز، وهو فاسد.
(وله عزلاء) بفتح العين وإسكان الزاي وبالمد، وهو الثقب الذي يكون في أسفل المزادة والقربة.
(دعا أبو أسيد الساعدي رسول الله ﷺ في عرسه) أي في عرس أبي أسيد، وأبو أسيد اسمه مالك بن ربيعة، مات سنة ستين، وهو ابن خمس وسبعين، وحاصله أنه ولد قبل الهجرة بخمس عشرة سنة، شهد بدراً وأحداً وما بعدها، وهو آخر البدريين موتاً، زاد في رواية "وأصحابه"، والعرس بضم العين وسكون الراء الزفاف والتزويج ووليمتهما، والدعوة هنا كانت للوليمة.
(فكانت امرأته يومئذ خادمهم، وهي العروس) "العروس" يطلق على الرجل والمرأة ماداما في عرسهما، والعروسة الزوجة مادامت في عرسها، وهم عرس بضم العين والراء، وهن عرائس، والعريس محدثة والجمع عرسان وامرأة أبي أسيد اسمها سلامة بنت وهب، وهي ممن وافقت كنيتها كنية زوجها.
وفي رواية البخاري "فما صنع لهم طعاماً ولا قربه إليهم إلا امرأته أم أسيد".
(هل تدرون ما سقت رسول الله ﷺ ؟ ) "ما سقت" بفتح السين والقاف وسكون التاء، والضمير لامرأة أبي أسيد، وفي رواية قالت: "وسقيت" بسكون الياء، والصحيح الأول". لأن الحديث من رواية سهل، وليس لأم أسيد فيه رواية.
(أنقعت له تمرات من الليل في تور) في رواية "نقعت" وفي رواية "بلت" بتشديد اللام، والتور بفتح التاء، وهو إناء من نحاس أو حجارة، وقد صرح في الرواية العاشرة بأنه هنا كان من الحجارة.
(فلما فرغ رسول الله ﷺ من الطعام أماثته) قال النووي: هكذا ضبطناه، وكذا هو في الأصول ببلادنا "أماثته" بثاء ثم تاء، يقال: ماثه، وأماثه، لغتان مشهورتان، وقد غلط من أنكر
стр. 4483
"أماثه" ومعناه عركته، واستخرجت قوته، وأذابته، ومنهم من يقول: "لينته" وهو محمول على معنى الأول، وحكى القاضي عياض أن بعضهم رواه "أماتته" بتكرير التاء، وهو بمعنى الأول.
(فسقته، تخصه بذلك) في الرواية التاسعة "فلما أكل سقته إياه" قال النووي: وقوله "تخصه" كذا هو في صحيح مسلم، من التخصيص، وكذا روي في صحيح البخاري، ورواه بعض رواة البخاري "تتحفه" من الإتحاف، وهو بمعناه، يقال: أتحفته به، إذا خصصته وأطرفته.
(ذكر لرسول الله ﷺ امرأة من العرب) في رواية لابن سعد أن النعمان بن الجون الكندي أتى النبي ﷺ مسلماً، فقال: ألا أزوجك أجمل أيم في العرب، كانت تحت ابن عم لها، فتوفي، وقد رغبت فيك؟ قال: نعم. قال: فابعث معي من يحملها إليك" وكان أمراء العرب وساداتهم يحرصون على شرف النسب برسول الله ﷺ ، وكان رسول الله ﷺ كثيراً ما يستجيب لرغباتهم تأليفاً لهم، وتوطيداً لعلاقتهم به وبالإسلام، ودفعاً لهم للتمسك بالإسلام والدفاع عنه، وكان ذلك في ربيع الأول سنة تسع من الهجرة.
وفي اسم المستعيذة خلاف كثير، فعن عائشة عند البخاري أنها عمرة بنت الجون وفي نسخة "الكلبية" قال الحافظ ابن حجر: وهو بعيد، وقوله "الكلبية" غلط وإنما هي "الكندية" فالكلمة تصحفت قال: والصحيح أن اسمها أمية بنت النعمان بن شراحيل، كما في حديث أبي أسيد، وقيل: أمية بنت شراحيل، فنسبت لجدها، وقيل: اسمها أسماء، وقيل: اسمها فاطمة بنت الضحاك بن سفيان، وقيل: اسمها العالية بنت ظبيان بن عمرو، وحكى ابن سعد أن اسمها عمرة بنت يزيد بن عبيد، وقيل: بنت يزيد بن الجون، وقيل: سناً بنت سفيان بن عوف وأشار ابن سعد إلى أنها واحدة، فاختلف في اسمها، قال الحافظ: والصحيح أن التي استعاذت منه هي الجونية، وروى ابن سعد من طريق سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، قال: لم تستعذ منه امرأة غيرها. قال الحافظ: وهو الذي يغلب على الظن، لأن ذلك إنما وقع للمستعيذة بالخديعة المذكورة [قيل: كانت جميلة، فخاف نساؤه أن تغلبهن عليه، فقلن لها: إنه يعجبه أن يقال له: نعوذ بالله منك، ففعلت] فيبعد أن تخدع امرأة أخرى بعدها، بمثل ما خدعت به، بعد شيوع الخبر بذلك.
قال ابن عبد البر، أجمعوا على أن النبي ﷺ تزوج الجونية، واختلفوا في سبب فراقه لها.
(فأمر أبا أسيد أن يرسل إليها، فأرسل إليها، فقدمت) في رواية لابن سعد، قال أبو أسيد: فأمرني أن آتيه بها، فأتيته بها" وفي رواية أخرى لابن سعد" كان النبي ﷺ بعث أبا أسيد الساعدي، يخطب عليه امرأة من بني عامر، يقال لها عمرة بنت يزيد بن عبيد بن رؤاس بن كلاب بن ربيعة بن عامر" وفي رواية "فبعث معه أبا أسيد الساعدي، قال أبو أسيد: فأقمت ثلاثة أيام، ثم تحملت معي في محفة" بكسر الميم وهي هودج لاقبة له، تركب فيه المرأة "فأقبلت بها، حتى قدمت المدينة" فقوله في روايتنا "فأمر أبا أسيد أن يرسل إليها" بكسر السين، لعله كان أمراً خير بينه وبين أن يذهب بنفسه، فأخذ معه من يأتي بها، فأبو أسيد مرسل ومرسل، بكسر السين وفتحها.
стр. 4484
(فنزلت في أجم بني ساعدة) "أجم" بضم الهمزة والجيم، كعنق، أي في حصن بني ساعدة والجمع آجام، كأعناق، وفي رواية لابن سعد "فأتيته بها، فأنزلتها بالشوط من وراء ذباب في أطم" وذباب بضم الذال جبل معروف بالمدينة، و"أطم" مثل أجم، لفظاً ومعنى، وفي رواية لابن سعد أيضاً "فأنزلتها في بني ساعدة" وفي رواية للبخاري "فأنزلت في بيت في نخل، في بيت أميمة بنت النعمان بن شراحيل، معها دايتها، حاضنة لها" الداية المرضع الأجنبية، والحاضنة، والقابلة.
(فخرج رسول الله ﷺ ، حتى جاءها، فدخل عليها) في رواية للبخاري عن أبي أسيد ﵁ قال: "خرجنا مع النبي ﷺ ، حتى انطلقنا إلى حائط أي بستان "يقال له: الشوط" حتى انتهينا إلى حائطين، جلسنا بينهما، فقال النبي ﷺ : اجلسوا ههنا، ودخل، وقد أتى بالجونية، فأنزلت في بيت، في نخل، في بيت أميمة بنت النعمان بن شراحيل" وفي رواية للبخاري عن عائشة "أن ابنة الجون لما أدخلت على رسول الله ﷺ ودنا منها قالت ... " ولا تعارض، فقد تكون قد أدخلت حجرة يدخل عليها فيها، فهي أدخلت عليه، أي على حجرته، فدخل عليها.
(فإذا امرأة منكسة رأسها) حياء وخجلاً، وإن كانت أيماً مطلقة، يقال: نكس رأسه بالتخفيف والتشديد، فهو ناكس ومنكس، أي مطأطئ الرأس.
(فلما كلمها رسول الله ﷺ قالت: أعوذ بالله منك) في رواية للبخاري "فلما دخل عليها النبي ﷺ قال: هبي نفسك لي. قالت: وهل تهب الملكة نفسها للسوقة؟ فأهوى بيده يضع يده عليها لتسكن، فقالت: أعوذ بالله منك" والسوقة بضم السين يقال للواحد من الرعية والجمع، قيل لهم ذلك لأن الملك يسوقهم، فيساقون إليه، ويصرفهم على مراده، وأما أهل السوق فالواحد منهم سوقي. قال ابن المنير: هذا من بقية ما كان فيها من الجاهلية، والسوقة عندهم من ليس بملك، كائناً من كان، فكأنها استبعدت أن تهب الملكة نفسها لمن ليس بملك، ولم يؤاخذها النبي ﷺ بكلامها، معذرة لها، لقرب عهدها بجاهليتها، وقال غيره: يحتمل أنها لم تعرفه ﷺ ، فخاطبته بذلك، وروايتنا تؤكد هذا، ففيها "فقالوا لها: أتدرين من هذا؟ فقالت: لا. فقالوا: هذا رسول الله ﷺ جاءك ليخطبك. قالت: أنا كنت أشقى من ذلك" وأفعل التفضيل في "أشقى" ليس على ظاهره، حتى يكون زواجها برسول الله ﷺ شقاء وفواته أكثر شقاء، بل مرادها إثبات الشقاء لها، لما فاتها من التزوج برسول الله ﷺ ، وهذا يضعف ما جاء عند ابن سعد من "أن عائشة وحفصة دخلتا عليها أول ما قدمت فمشطتاها، وخضبتاها، وقالت لها إحداهما. إنك من الملوك، فإن كنت تريدين أن تحظي عند النبي ﷺ ، فإذا جاءك فاستعيذي منه" وفي رواية له "قالت لها إحداهما: إن النبي ﷺ يعجبه من المرأة إذا دخل عليها أن تقول: أعوذ بالله منك" وعند ابن سعد أيضاً "وذكر لرسول الله ﷺ مكيدة عائشة وحفصة للمستعيذة، فقال: إنهن صواحب يوسف".
نعم يبعد من أمهات المؤمنين مثل هذا الخداع والتغرير، كما يبعد أن يعلم الرسول ﷺ بالخديعة، ويعاقب المخدوع، ولا يلوم من خدعه.
(قال: قد أعذتك مني) في رواية للبخاري "لقد عذت بعظيم. الحقي بأهلك" وفي رواية أخرى
стр. 4485
للبخاري "قد عذت بمعاذ" والمعاذ بفتح الميم الملجأ أي من يستعاذ به، يقال: عاذ به يعوذ عوذاً وعياذاً، إذا التجأ إليه، واعتصم به، وتقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أي أعتصم بالله منه، فمعنى "قد أعذتك مني" حصنتك بالله مني، قال النووي: معناه: تركتك، وتركه ﷺ تزوجها لأنها لم تعجبه، إما لصورتها، وإما لخلقها، وإما لغير ذلك زاد في رواية للبخاري ثم خرج علينا، فقال: يا أبا أسيد، اكسها رازقيين، وألحقها بأهلها" والرازقية ثياب من كتان بيض طوال، وقيل: في داخل بياضها زرقة، والرازقي الصفيق، قال ابن التين: متعها ﷺ ، إما وجوباً، وإما تفضلاً.
وفي رواية لابن سعد، قال أبو أسيد "فأمرني، فرددتها إلى قومها" وفي أخرى له "فلما وصلت بها تصايحوا، وقالوا: إنك لغير مباركة، فما دهاك؟ قالت: خدعت" وروي أنها كانت تلتقط البعر، وتقول: أنا الشقية، وروي "أنها تزوجت المهاجر بن أبي أمية، فأراد عمر معاقبتها، فقالت: ما ضرب على الحجاب، ولا سميت أم المؤمنين، فكف عنها" وتوفيت في خلافة عثمان.
(فأقبل رسول الله ﷺ يومئذ، حتى جلس في سقيفة بني ساعدة هو وأصحابه) "سقيفة بني ساعدة" هي المكان الذي وقعت فيه البيعة لأبي بكر الصديق بالخلافة، والسقيفة العريش الذي يستظل به.
(ثم قال: أسقنا. لسهل) في ملحق الرواية "قال: أسقنا يا سهل" "اسقنا" ضبط في نسخ البخاري بهمزة وصل، وفي نسخ مسلم بهمزة قطع، وفي كتب اللغة: سقى بفتح القاف، يسقى بكسرها يتعدى لمفعولين، يقال: سقاه عسلاً، ويقال: أسقاه عسلاً، رباعي، وفي التنزيل ﴿وأسقيناكم ماء فراتاً﴾ [المرسلات: ٢٧].
وسهل بن سعد من بني عمومة أبي أسيد الساعدي، وكان إذ ذاك صبياً فقد توفي رسول الله ﷺ وهو ابن خمس عشرة سنة، وتوفي سهل سنة ثمان وثمانين، ويقال: إنه آخر من بقي من أصحاب رسول الله ﷺ بالمدينة. قال الحافظ ابن حجر: ووقع عند أبي نعيم "فقال: اسقنا يا أبا سعد" قال: والذي أعرفه في كنية سهل بن سعد أبو العباس، فلعل له كنيتين، أو كان الأصل: يا ابن سعد، فتحرفت. اهـ
(ثم استوهبه بعد ذلك عمر بن عبد العزيز، فوهبه له) كان عمر بن عبد العزيز حينئذ قد ولي إمرة المدينة.
-[فقه الحديث]-
-[يؤخذ من أحاديث الباب]-
١ - جواز الانتباذ ونقع الزبيب أو التمر ونحوهما.
следующие страницы →