← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 4481–4520 · переход к 4486.

стр. 4481

-[المباحث العربية]- (كان النبي ﷺ ينتبذ له أول الليل، فيشربه إذا أصبح يومه ذلك، والليلة التي تجيء، والغد، والليلة الأخرى، والغد، إلى العصر) ظاهر هذه الرواية أن النبيذ شرب ثلاث ليال، ويومين كاملين، واليوم الثالث إلى العصر، وكذا الرواية الثالثة والرابعة، أما الرواية الثانية فتنقص يوماً وليلة عن السابقات، وأما حديث عائشة، وهو الرواية السادسة والسابعة فمدة النبيذ فيها يوم واحد، أو ليلة واحدة، وجمع بعضهم بأن شرب النقيع في يومه لا يمنع شرب النقيع في أكثر من يوم، أي إن حديث عائشة ليس فيه قصر الشرب على يوم واحد، فقول الحبشية في الرواية السادسة "فإذا أصبح شرب منه" لا يمنع أن يضاف إليه "وإذا أمسى شرب منه، وإذا أصبح في الغد شرب منه. إلخ" وقول عائشة "ننبذه غدوة فيشربه عشاء" لا يمنع أن يضاف إليه "وغدوة وعشاء" إلخ، لكن رواية أبي داود لهذا الحديث تمنع هذا الجمع، فلفظها "أنها كانت تنبذ للنبي ﷺ غدوة، فإذا كان من العشي تعشى، فشرب على عشائه، فإن فضل شيء صبه، ثم تنبذ له بالليل، فإذا أصبح وتغدى شرب على غدائه. قالت: نغسل السقاء غدوة وعشية" كما أن حديث عبد الله بن الديلمي عن أبيه يمنع هذا الجمع، وقد رواه أبو داود والنسائي بلفظ "قلنا: يا رسول الله، ما نصنع بالزبيب؟ قال: انبذوه على عشائكم، واشربوه على غدائكم" فهذه الأحاديث تفيد التقييد باليوم والليلة، وجمع بعضهم بقوله: لعل حديث عائشة كان زمن الحر، وحيث يخشى فساده في الزيادة على يوم، وحديث ابن عباس في زمن يؤمن فيه التغير قبل الثلاث، وجمع بعضهم بحمل حديث عائشة على نبيذ قليل، يفرغ منه في يومه، وحديث ابن عباس في كثير لا يفرغ منه، فالاختلاف باختلاف الأحوال والأزمنة، ولا تعارض. (فإن بقي شيء سقاه الخادم، أو أمر به فصب) في الرواية الثانية "فإن فضل منه شيء سقاه الخادم، أو صبه" وفي الرواية الثالثة "ثم يأمر به فيسقى، أو يهراق" وفي الرواية الرابعة "فإن فضل شيء أهراقه" قال النووي: يقال: فضل بفتح الضاد وكسرها، وقال: معناه: تارة يسقيه الخادم، وتارة يصبه، وذلك لاختلاف حال النبيذ، فإن كان لم يظهر فيه تغير ونحوه، من مبادئ الإسكار سقاه الخادم، ولا يريقه، لأنه مال تحرم إضاعته، ويترك شربه تنزهاً، وإن كان قد ظهر فيه شيء من مبادئ الإسكار والتغير أراقه، لأنه إذا أسكر صار حراماً ونجساً، فيراق، ولا يسقيه الخادم، لأن المسكر لا يجوز سقيه الخادم، كما لا يجوز شربه، وأما شربه ﷺ قبل الثلاث فكان حيث لا تغير، ولا مبادئ تغير، ولا شك أصلاً. اهـ (ينقع له الزبيب) يقال: نقع الزبيب، بفتح النون والقاف، ينقع بفتح القاف، إذا تركه في الماء حتى انتقع وانحل من طول مكثه في الماء، ويقال: أنقع الزبيب في الماء، بمعنى نقعه، وفي الرواية الرابعة "كان ينبذ له الزبيب" فالنبيذ يسمى نقيعاً، والنقيع يسمى نبيذا، فيحمل ما ورد في الأحاديث بلفظ النبيذ على النقيع، وعكسه.

стр. 4482

(عن بيع الخمر، وشرائها، والتجارة فيها) التجارة ممارسة البيع والشراء، فهو من عطف العام على الخاص، أو المجمل على المفصل. (فسألوه عن النبيذ) أي عما يحل منه وما يحرم، بسبب وعاء الانتباذ، أو بسبب مدة الانتباذ. (فسألتها عن النبيذ) أي عن وعائه ومدته. (كنت أنبذ له في سقاء من الليل، وأوكيه) أي أشده بالوكاء، وهو الخيط الذي يشد به رأس القربة. (في سقاء يوكى أعلاه) قال النووي: "يوكى" غير مهموز الآخر، قال: ورأيته يكتب وضبط "يوكأ" بالهمز، وهو فاسد. (وله عزلاء) بفتح العين وإسكان الزاي وبالمد، وهو الثقب الذي يكون في أسفل المزادة والقربة. (دعا أبو أسيد الساعدي رسول الله ﷺ في عرسه) أي في عرس أبي أسيد، وأبو أسيد اسمه مالك بن ربيعة، مات سنة ستين، وهو ابن خمس وسبعين، وحاصله أنه ولد قبل الهجرة بخمس عشرة سنة، شهد بدراً وأحداً وما بعدها، وهو آخر البدريين موتاً، زاد في رواية "وأصحابه"، والعرس بضم العين وسكون الراء الزفاف والتزويج ووليمتهما، والدعوة هنا كانت للوليمة. (فكانت امرأته يومئذ خادمهم، وهي العروس) "العروس" يطلق على الرجل والمرأة ماداما في عرسهما، والعروسة الزوجة مادامت في عرسها، وهم عرس بضم العين والراء، وهن عرائس، والعريس محدثة والجمع عرسان وامرأة أبي أسيد اسمها سلامة بنت وهب، وهي ممن وافقت كنيتها كنية زوجها. وفي رواية البخاري "فما صنع لهم طعاماً ولا قربه إليهم إلا امرأته أم أسيد". (هل تدرون ما سقت رسول الله ﷺ ؟ ) "ما سقت" بفتح السين والقاف وسكون التاء، والضمير لامرأة أبي أسيد، وفي رواية قالت: "وسقيت" بسكون الياء، والصحيح الأول". لأن الحديث من رواية سهل، وليس لأم أسيد فيه رواية. (أنقعت له تمرات من الليل في تور) في رواية "نقعت" وفي رواية "بلت" بتشديد اللام، والتور بفتح التاء، وهو إناء من نحاس أو حجارة، وقد صرح في الرواية العاشرة بأنه هنا كان من الحجارة. (فلما فرغ رسول الله ﷺ من الطعام أماثته) قال النووي: هكذا ضبطناه، وكذا هو في الأصول ببلادنا "أماثته" بثاء ثم تاء، يقال: ماثه، وأماثه، لغتان مشهورتان، وقد غلط من أنكر

стр. 4483

"أماثه" ومعناه عركته، واستخرجت قوته، وأذابته، ومنهم من يقول: "لينته" وهو محمول على معنى الأول، وحكى القاضي عياض أن بعضهم رواه "أماتته" بتكرير التاء، وهو بمعنى الأول. (فسقته، تخصه بذلك) في الرواية التاسعة "فلما أكل سقته إياه" قال النووي: وقوله "تخصه" كذا هو في صحيح مسلم، من التخصيص، وكذا روي في صحيح البخاري، ورواه بعض رواة البخاري "تتحفه" من الإتحاف، وهو بمعناه، يقال: أتحفته به، إذا خصصته وأطرفته. (ذكر لرسول الله ﷺ امرأة من العرب) في رواية لابن سعد أن النعمان بن الجون الكندي أتى النبي ﷺ مسلماً، فقال: ألا أزوجك أجمل أيم في العرب، كانت تحت ابن عم لها، فتوفي، وقد رغبت فيك؟ قال: نعم. قال: فابعث معي من يحملها إليك" وكان أمراء العرب وساداتهم يحرصون على شرف النسب برسول الله ﷺ ، وكان رسول الله ﷺ كثيراً ما يستجيب لرغباتهم تأليفاً لهم، وتوطيداً لعلاقتهم به وبالإسلام، ودفعاً لهم للتمسك بالإسلام والدفاع عنه، وكان ذلك في ربيع الأول سنة تسع من الهجرة. وفي اسم المستعيذة خلاف كثير، فعن عائشة عند البخاري أنها عمرة بنت الجون وفي نسخة "الكلبية" قال الحافظ ابن حجر: وهو بعيد، وقوله "الكلبية" غلط وإنما هي "الكندية" فالكلمة تصحفت قال: والصحيح أن اسمها أمية بنت النعمان بن شراحيل، كما في حديث أبي أسيد، وقيل: أمية بنت شراحيل، فنسبت لجدها، وقيل: اسمها أسماء، وقيل: اسمها فاطمة بنت الضحاك بن سفيان، وقيل: اسمها العالية بنت ظبيان بن عمرو، وحكى ابن سعد أن اسمها عمرة بنت يزيد بن عبيد، وقيل: بنت يزيد بن الجون، وقيل: سناً بنت سفيان بن عوف وأشار ابن سعد إلى أنها واحدة، فاختلف في اسمها، قال الحافظ: والصحيح أن التي استعاذت منه هي الجونية، وروى ابن سعد من طريق سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، قال: لم تستعذ منه امرأة غيرها. قال الحافظ: وهو الذي يغلب على الظن، لأن ذلك إنما وقع للمستعيذة بالخديعة المذكورة [قيل: كانت جميلة، فخاف نساؤه أن تغلبهن عليه، فقلن لها: إنه يعجبه أن يقال له: نعوذ بالله منك، ففعلت] فيبعد أن تخدع امرأة أخرى بعدها، بمثل ما خدعت به، بعد شيوع الخبر بذلك. قال ابن عبد البر، أجمعوا على أن النبي ﷺ تزوج الجونية، واختلفوا في سبب فراقه لها. (فأمر أبا أسيد أن يرسل إليها، فأرسل إليها، فقدمت) في رواية لابن سعد، قال أبو أسيد: فأمرني أن آتيه بها، فأتيته بها" وفي رواية أخرى لابن سعد" كان النبي ﷺ بعث أبا أسيد الساعدي، يخطب عليه امرأة من بني عامر، يقال لها عمرة بنت يزيد بن عبيد بن رؤاس بن كلاب بن ربيعة بن عامر" وفي رواية "فبعث معه أبا أسيد الساعدي، قال أبو أسيد: فأقمت ثلاثة أيام، ثم تحملت معي في محفة" بكسر الميم وهي هودج لاقبة له، تركب فيه المرأة "فأقبلت بها، حتى قدمت المدينة" فقوله في روايتنا "فأمر أبا أسيد أن يرسل إليها" بكسر السين، لعله كان أمراً خير بينه وبين أن يذهب بنفسه، فأخذ معه من يأتي بها، فأبو أسيد مرسل ومرسل، بكسر السين وفتحها.

стр. 4484

(فنزلت في أجم بني ساعدة) "أجم" بضم الهمزة والجيم، كعنق، أي في حصن بني ساعدة والجمع آجام، كأعناق، وفي رواية لابن سعد "فأتيته بها، فأنزلتها بالشوط من وراء ذباب في أطم" وذباب بضم الذال جبل معروف بالمدينة، و"أطم" مثل أجم، لفظاً ومعنى، وفي رواية لابن سعد أيضاً "فأنزلتها في بني ساعدة" وفي رواية للبخاري "فأنزلت في بيت في نخل، في بيت أميمة بنت النعمان بن شراحيل، معها دايتها، حاضنة لها" الداية المرضع الأجنبية، والحاضنة، والقابلة. (فخرج رسول الله ﷺ ، حتى جاءها، فدخل عليها) في رواية للبخاري عن أبي أسيد ﵁ قال: "خرجنا مع النبي ﷺ ، حتى انطلقنا إلى حائط أي بستان "يقال له: الشوط" حتى انتهينا إلى حائطين، جلسنا بينهما، فقال النبي ﷺ : اجلسوا ههنا، ودخل، وقد أتى بالجونية، فأنزلت في بيت، في نخل، في بيت أميمة بنت النعمان بن شراحيل" وفي رواية للبخاري عن عائشة "أن ابنة الجون لما أدخلت على رسول الله ﷺ ودنا منها قالت ... " ولا تعارض، فقد تكون قد أدخلت حجرة يدخل عليها فيها، فهي أدخلت عليه، أي على حجرته، فدخل عليها. (فإذا امرأة منكسة رأسها) حياء وخجلاً، وإن كانت أيماً مطلقة، يقال: نكس رأسه بالتخفيف والتشديد، فهو ناكس ومنكس، أي مطأطئ الرأس. (فلما كلمها رسول الله ﷺ قالت: أعوذ بالله منك) في رواية للبخاري "فلما دخل عليها النبي ﷺ قال: هبي نفسك لي. قالت: وهل تهب الملكة نفسها للسوقة؟ فأهوى بيده يضع يده عليها لتسكن، فقالت: أعوذ بالله منك" والسوقة بضم السين يقال للواحد من الرعية والجمع، قيل لهم ذلك لأن الملك يسوقهم، فيساقون إليه، ويصرفهم على مراده، وأما أهل السوق فالواحد منهم سوقي. قال ابن المنير: هذا من بقية ما كان فيها من الجاهلية، والسوقة عندهم من ليس بملك، كائناً من كان، فكأنها استبعدت أن تهب الملكة نفسها لمن ليس بملك، ولم يؤاخذها النبي ﷺ بكلامها، معذرة لها، لقرب عهدها بجاهليتها، وقال غيره: يحتمل أنها لم تعرفه ﷺ ، فخاطبته بذلك، وروايتنا تؤكد هذا، ففيها "فقالوا لها: أتدرين من هذا؟ فقالت: لا. فقالوا: هذا رسول الله ﷺ جاءك ليخطبك. قالت: أنا كنت أشقى من ذلك" وأفعل التفضيل في "أشقى" ليس على ظاهره، حتى يكون زواجها برسول الله ﷺ شقاء وفواته أكثر شقاء، بل مرادها إثبات الشقاء لها، لما فاتها من التزوج برسول الله ﷺ ، وهذا يضعف ما جاء عند ابن سعد من "أن عائشة وحفصة دخلتا عليها أول ما قدمت فمشطتاها، وخضبتاها، وقالت لها إحداهما. إنك من الملوك، فإن كنت تريدين أن تحظي عند النبي ﷺ ، فإذا جاءك فاستعيذي منه" وفي رواية له "قالت لها إحداهما: إن النبي ﷺ يعجبه من المرأة إذا دخل عليها أن تقول: أعوذ بالله منك" وعند ابن سعد أيضاً "وذكر لرسول الله ﷺ مكيدة عائشة وحفصة للمستعيذة، فقال: إنهن صواحب يوسف". نعم يبعد من أمهات المؤمنين مثل هذا الخداع والتغرير، كما يبعد أن يعلم الرسول ﷺ بالخديعة، ويعاقب المخدوع، ولا يلوم من خدعه. (قال: قد أعذتك مني) في رواية للبخاري "لقد عذت بعظيم. الحقي بأهلك" وفي رواية أخرى

стр. 4485

للبخاري "قد عذت بمعاذ" والمعاذ بفتح الميم الملجأ أي من يستعاذ به، يقال: عاذ به يعوذ عوذاً وعياذاً، إذا التجأ إليه، واعتصم به، وتقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أي أعتصم بالله منه، فمعنى "قد أعذتك مني" حصنتك بالله مني، قال النووي: معناه: تركتك، وتركه ﷺ تزوجها لأنها لم تعجبه، إما لصورتها، وإما لخلقها، وإما لغير ذلك زاد في رواية للبخاري ثم خرج علينا، فقال: يا أبا أسيد، اكسها رازقيين، وألحقها بأهلها" والرازقية ثياب من كتان بيض طوال، وقيل: في داخل بياضها زرقة، والرازقي الصفيق، قال ابن التين: متعها ﷺ ، إما وجوباً، وإما تفضلاً. وفي رواية لابن سعد، قال أبو أسيد "فأمرني، فرددتها إلى قومها" وفي أخرى له "فلما وصلت بها تصايحوا، وقالوا: إنك لغير مباركة، فما دهاك؟ قالت: خدعت" وروي أنها كانت تلتقط البعر، وتقول: أنا الشقية، وروي "أنها تزوجت المهاجر بن أبي أمية، فأراد عمر معاقبتها، فقالت: ما ضرب على الحجاب، ولا سميت أم المؤمنين، فكف عنها" وتوفيت في خلافة عثمان. (فأقبل رسول الله ﷺ يومئذ، حتى جلس في سقيفة بني ساعدة هو وأصحابه) "سقيفة بني ساعدة" هي المكان الذي وقعت فيه البيعة لأبي بكر الصديق بالخلافة، والسقيفة العريش الذي يستظل به. (ثم قال: أسقنا. لسهل) في ملحق الرواية "قال: أسقنا يا سهل" "اسقنا" ضبط في نسخ البخاري بهمزة وصل، وفي نسخ مسلم بهمزة قطع، وفي كتب اللغة: سقى بفتح القاف، يسقى بكسرها يتعدى لمفعولين، يقال: سقاه عسلاً، ويقال: أسقاه عسلاً، رباعي، وفي التنزيل ﴿وأسقيناكم ماء فراتاً﴾ [المرسلات: ٢٧]. وسهل بن سعد من بني عمومة أبي أسيد الساعدي، وكان إذ ذاك صبياً فقد توفي رسول الله ﷺ وهو ابن خمس عشرة سنة، وتوفي سهل سنة ثمان وثمانين، ويقال: إنه آخر من بقي من أصحاب رسول الله ﷺ بالمدينة. قال الحافظ ابن حجر: ووقع عند أبي نعيم "فقال: اسقنا يا أبا سعد" قال: والذي أعرفه في كنية سهل بن سعد أبو العباس، فلعل له كنيتين، أو كان الأصل: يا ابن سعد، فتحرفت. اهـ (ثم استوهبه بعد ذلك عمر بن عبد العزيز، فوهبه له) كان عمر بن عبد العزيز حينئذ قد ولي إمرة المدينة. -[فقه الحديث]- -[يؤخذ من أحاديث الباب]- ١ - جواز الانتباذ ونقع الزبيب أو التمر ونحوهما.

стр. 4486

٢ - وجواز شرب النبيذ مادام حلواً، ومادام لم يتغير، ولم يغل. قال النووي: وهذا جائز بإجماع الأمة. اهـ فالعبرة بعدم التغير، وليس بالثلاث وما فوقها. ٣ - يؤخذ من سقيه الخادم أو صبه بعد الثلاث التنزه عن الشبهات، لأن من حام حول الحمى يوشك أن يواقعه، والنبيذ بعد الثلاث لا يؤمن تغيره. ٤ - ومن الرواية الخامسة حرمة بيع الخمر وشرائها والتجارة فيها. ٥ - ومن الرواية الثامنة من كون العروس خادمة القوم جواز خدمة المرأة زوجها ومن يدعوه، قال العلماء: ولا يخفى أن محل ذلك عند أمن الفتنة، ومراعاة ما يجب عليها من الستر وغيره. وقال النووي: هذا محمول على أنه كان قبل الحجاب، ويبعد حمله على أنها كانت مستورة البشرة. ٦ - وجواز استخدام الرجل امرأته في مثل ذلك. ٧ - ومن قوله "تخصه بذلك" جواز تخصيص صاحب الطعام بعض الحاضرين بفاخر من الطعام والشراب، إذا لم يتأذ الباقون، لإيثارهم المخصص، لعلمه أو صلاحه أو شرفه أو غير ذلك، فقد كان الحاضرون هناك يؤثرون رسول الله ﷺ ، ويسرون بإكرامه، ويفرحون بمثل ما جرى. ٨ - إكرام الضيف لصاحب الدار بشرب ما يقدم إليه من شراب أو طعام، وإن كان إتحافاً، حيث لا مفسدة في ذلك، ففي ذلك جبر لخاطره، وفي الامتناع كسر قلبه. ٩ - وفي الحديث حق إجابة الدعوة إلى الوليمة، قال الشافعي وأصحابه: تقع الوليمة على كل دعوة تتخذ لسرور حادث، من نكاح أو ختان أو غيرهما، لكن الأشهر استعمالها عند الإطلاق في النكاح، وتقيد في غيره، فيقال: وليمة الختان ونحو ذلك. وقد نقل ابن عبد البر ثم عياض ثم النووي الاتفاق على القول بوجوب الإجابة لوليمة العرس، قال الحافظ ابن حجر: نعم المشهور من أقوال العلماء الوجوب، وصرح جمهور الشافعية والحنابلة بأنها فرض عين، ونص عليه مالك، وعن بعض الشافعية والحنابلة أنها مستحبة، وعن بعض الشافعية والحنابلة هي فرض كفاية، وحكى ابن دقيق العيد أن محل ذلك إذا عمت الدعوة، أما لو خص كل واحد بالدعوة فإن الإجابة تتعين. وشرط وجوبها أن يكون الداعي مكلفاً حراً رشيداً، وأن لا يخص الأغنياء دون الفقراء، وأن لا يظهر قصد التودد لشخص بعينه لرغبة فيه، أو رهبة منه، وأن لا يكون هناك ما يتأذى بحضوره، من منكر وغيره، وأن لا يكون له عذر يرخص له في ترك الجماعة. ١٠ - وعن حديث المستعيذة -روايتنا الحادية عشرة- قال النووي: فيه دليل على جواز نظر الخاطب إلى من يريد نكاحها. اهـ وهذا المأخذ غير واضح من الرواية، فقد كانت منكسة رأسها. ١١ - وبوب البخاري للحديث بباب من طلق، وهل يواجه الرجل امرأته بالطلاق؟ قال ابن بطال: ليس في هذا الحديث أنه واجهها بالطلاق، وتعقبه ابن المنير بأن ذلك ثبت في حديث عائشة

стр. 4487

في البخاري وفيه "لقد عذت بعظيم، الحقي بأهلك" ولعل ابن بطال أراد أنه لم يواجهها بلفظ الطلاق، قال الحافظ: واعترض بعضهم بأنه لم يتزوجها، إذ لم يجر ذكر صورة العقد، وامتنعت أن تهب نفسها له، فكيف يطلقها؟ قال: والجواب أنه ﷺ كان له أن يزوج نفسه بغير إذن المرأة، وبغير إذن وليها، فكان مجرد إرساله إليها وإحضارها، ورغبته فيها كافياً في ذلك، ويكون قوله "هبي لي نفسك" تطييباً لخاطرها، واستمالة لقلبها، ويؤيده قوله في رواية ابن سعد "إنه اتفق مع أبيها على مقدار صداقها، وأن أباها قال له: إنها رغبت فيك، وخطبت إليك. ١٢ - وفيه أثر الكلمة التي ترفع صاحبها وتسعده، والكلمة التي تتعس صاحبها وتشقيه. ١٣ - ومن الرواية الثالثة عشرة، من قوله "أسقنا يا سهل" مباسطة الأصدقاء والأحبة وملاطفتهم. ١٤ - واستدعاء ما عنده من مأكول ومشروب. ١٥ - ومن شربهم في القدح جواز الشرب في الأقداح -والقدح هو الكأس ذو القاعدة العريضة- قال الحافظ ابن حجر: والشرب في القدح من شعار الفسقة، لكن ذلك بالنظر إلى المشروب، وإلى الهيئة الخاصة بهم- أي كانوا يشربون فيه الخمر، ويجتمعون على الشرب بالفجور والصياح والعصيان- فيكره التشبه بهم، ولا يلزم من ذلك كراهة الشرب في القدح، إذا سلم من ذلك. ١٦ - ومن الحرص على الشرب من قدح شرب منه النبي ﷺ التبرك بآثار الصالحين. قاله الحافظ ابن حجر، وقال النووي: فيه التبرك بآثار النبي ﷺ ، وما مسه أو لبسه، أو كان منه فيه سبب، وهذا نحو ما أجمعوا عليه، وأطبق السلف والخلف عليه من التبرك بالصلاة في مصلى رسول الله ﷺ في الروضة الكريمة، ودخول الغار الذي دخله ﷺ وغير ذلك، ومن هذا إعطاؤه ﷺ أبا طلحة شعره، ليقسمه بين الناس، وإعطاؤه ﷺ حقوه، لتكفن فيه بنته ﵂، وجعله الجريدتين على القبرين، وجمعت بنت ملحان عرقه ﷺ ، وتمسحوا بوضوئه ﷺ ، وأشباه هذه كثيرة مشهورة في الصحيح، وكل ذلك واضح لا شك فيه. ١٧ - ومن استيهاب عمر بن عبد العزيز للقدح استيهاب الصديق ما لا يشق على صديقه هبته، قال الحافظ: ولعل سهلاً سمح بذلك لبدل كان عنده من ذلك الجنس، أو لأنه كان محتاجاً، فعوضه المستوهب ما يسد به حاجته. والله أعلم

стр. 4488

(٥٥٨) باب جواز شرب اللبن ٤٥٨٣ - عن البراء ﵁ قال: قال أبو بكر الصديق: لما خرجنا مع النبي ﷺ من مكة إلى المدينة، مررنا براع، وقد عطش رسول الله ﷺ . قال: فحلبت له كثبة من لبن. فأتيته بها، فشرب حتى رضيت. ٤٥٨٤ - عن البراء ﵁ قال: لما أقبل رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة، فأتبعه سراقة بن مالك بن جعشم. قال: فدعا عليه رسول الله ﷺ . فساخت فرسه. فقال: ادع الله لي ولا أضرك. قال: فدعا الله. قال: فعطش رسول الله ﷺ . فمروا براعي غنم. قال أبو بكر الصديق: فأخذت قدحاً فحلبت فيه لرسول الله ﷺ كثبة من لبن. فأتيته به، فشرب حتى رضيت. ٤٥٨٥ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ أتي ليلة أسري به بإيلياء بقدحين من خمر ولبن. فنظر إليهما، فأخذ اللبن. فقال له جبريل ﵇: الحمد لله الذي هداك للفطرة. لو أخذت الخمر غوت أمتك. ٤٥٨٦ - وفي رواية عن أبي هريرة ﵁ قال: أتي رسول الله ﷺ . بمثله، ولم يذكر: بإيلياء. -[المعنى العام]- يقول الله تعالى: ﴿وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبناً خالصاً سائغاً للشاربين﴾ [النحل: ٦٦] حقاً إنها لعبرة، وأي عبرة، لبن أبيض، يضرب به المثل في البياض والنقاء والطهارة يخرج وينفصل بقدرة الله تعالى وحده من بين الفرث، وهي الفضلات في كرش الحيوان ودم الحيوان، في ساعات يتحول غذاء البهيمة وعلفها في كرشها إلى عجين، كريه المنظر،

стр. 4489

كريه الرائحة، ثم يتحول هذا العجين إلى دم نجس أحمر يجري في العروق، ولبن طاهر أبيض يجري في أنابيب خاصة إلى الضرع، ويبقى الفرث في الكرش، حتى يخرج فضلات تعرف بالزبل أو السرجين أو الجلة. سبحانك اللهم، ولك الحمد والمنة، أن خلقت ويسرت لنا ما نحتاجه في حياتنا. إن الغنم والبقر والإبل وسيلة الحياة، منذ هبط آدم إلى الأرض ﴿والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون* ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون* وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرءوف رحيم﴾ [النحل: ٥ - ٧]. ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم﴾ [النحل: ١٨]. لقد عرف العرب وغيرهم هذه النعم، وعبروا عن شكرهم لها بتيسيرها للقانع والمعتر، فجعلوا من حقها أن يحلبها المحتاج وهي في المرعى أو وهي تشرب، وهذا رسول الله ﷺ وصاحبه أبو بكر في الهجرة من مكة إلى المدينة، يعطش النبي ﷺ ، فيرى أبو بكر غنماً، فيأخذ إناء، ويذهب إلى الراعي، فيستأذنه في حلب شاة، فيأخذ اللبن إلى رسول الله ﷺ فيشرب حتى يروى. ومن قبل ذلك، في رحلة رسول الله ﷺ إلى ربه بالإسراء، ثم المعراج، كانت تحية الله لنبيه ﷺ اللبن، إذ جاءه جبريل بثلاثة أقداح أو أربعة. قدح فيه لبن، وقدح فيه خمر، وقدح فيه عسل، وقدح فيه ماء، فنظر ﷺ إلى الأقداح وما فيها، فاختار منها -بهداية الله- قدح اللبن، فشرب فقال جبريل: هداك الله إلى رمز الإسلام، فالحمد لله رب العالمين. -[المباحث العربية]- (قال أبو بكر: لما خرجنا مع النبي ﷺ من مكة إلى المدينة) هذه الرواية صريحة في أنها من مسند أبي بكر، والرواية الثانية من مسند البراء، إلى قوله "قال أبو بكر الصديق ... " وفي الرواية الثانية "لما أقبل رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة" والمراد لما بدأ الهجرة من مكة إلى المدينة. (مررنا براع) قال النووي: في بعض الأصول "براعي" بالياء، وهي لغة قليلة، والأشهر "براع" وفي الرواية الثانية "فمروا براعي غنم" وظاهر الرواية الثانية أن قصة الراعي واللبن كانت بعد قصة سراقة، وكذا ظاهر بعض الروايات، لكن في البخاري عن أبي بكر ﵁ قال: ارتحلنا من مكة ليلتنا، ويومنا حتى أظهرنا، وقام قائم الظهيرة، فرميت ببصري، هل أرى من ظل؟ فآوى إليه؟ ، فإذا صخرة، أتيتها، فنظرت بقية ظل لها، فسويته، ثم فرشت للنبي ﷺ فيه، ثم قلت له: اضطجع يا نبي الله. فاضطجع النبي ﷺ ، ثم انطلقت أنظر ما حولي، هل أرى من الطلب أحداً، فإذا أنا براعي غنم يسوق غنمه إلى الصخرة، يريد منها الذي أردنا، فسألته، فقلت لمن أنت يا غلام؟ فقال: لرجل من قريش. سماه، فعرفته، فقلت هل في غنمك من لبن؟ قال: نعم. قلت: فهل أنت حالب لنا؟ قال: نعم. فأمرته، فاعتقل شاة من غنمه، ثم أمرته أن ينفض ضرعها من الغبار، ثم أمرته أن ينفض كفيه، فحلب لي

стр. 4490

كثبة من لبن، وقد جعلت لرسول الله ﷺ إداوة، على فمها خرقة، فصببت على اللبن [أي ماء من الإداوة] حتى برد أسفله، فانطلقت به إلى النبي ﷺ ، فوافقته قد استيقظ، فقلت: اشرب يا رسول الله. فشرب حتى رضيت، ثم قلت: قد آن الرحيل يا رسول الله؟ قال: بلى، فارتحلنا، والقوم يطلبوننا، فلم يدركنا أحد منهم، غير سراقة بن مالك بن جعشم، على فرس له، فقلت: هذا الطلب قد لحقنا يا رسول الله. فقال: لا تحزن. إن الله معنا" فظاهر هذه الرواية أن قصة الراعي واللبن كانت قبل قصة سراقة، ويؤكدها رواية أخرى للبخاري، وفيها بعد قصة اللبن "فارتحلنا بعد ما مالت الشمس، واتبعنا سراقة بن مالك ... " وهو الذي نميل إليه. (فحلبت له كثبة من لبن) "الكثبة" بضم الكاف وإسكان الثاء، وهي الشيء القليل، والمراد هنا قيل: قدر قدح، وقيل: حلبة خفيفة، وهي في الأصل تطلق على القليل من الماء واللبن، وعلى الجرعة تبقى في الإناء، وعلى القليل من الطعام والشراب وغيرهما من كل مجتمع. وظاهر الرواية أن أبا بكر باشر هنا الحلب بنفسه، لكن رواية البخاري السابقة تجعل الفعل هنا على المجاز، أي فأمرت أن يحلب له. (فشرب حتى رضيت) أي شرب حتى علمت أنه شرب حاجته وكفايته. (فاتبعه سراقة بن مالك بن جعشم) بضم الجيم وسكون العين، وكنيته أبو سفيان، ونسبه المدلجي، بضم الميم وسكون الدال، من بني مدلج بن مرة بن عبد مناة بن كنانة. وقد ذكرت روايات البخاري سبب اتباعه وتفصيله، وفيها "عن سراقة قال: جاءنا رسل كفار قريش، يجعلون في رسول الله ﷺ وأبي بكر، دية كل واحد منهما، لمن قتله أو أسره [أي يجعلون لمن يقتل واحداً منهما أو يأسره دية رجل، وهي مائة ناقة] فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج، إذ أقبل رجل منهم، حتى قام علينا، ونحن جلوس، فقال: يا سراقة [وكان فارساً مشهوراً] إني قد رأيت آنفاً أسودة بالساحل [جمع سواد، أي أشخاصاً] أراها [أي أظنها] محمداً وأصحابه، قال سراقة: فعرفت أنهم هم، فقلت له: إنهم ليسوا بهم، ولكنك رأيت فلاناً وفلاناً، انطلقوا بأعيننا، ثم لبثت في المجلس ساعة، ثم قمت، فدخلت، فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي من وراء أكمة، فتحبسها علي، وأخذت رمحي، فخرجت به من ظهر البيت، حتى أتيت فرسي، فركبتها، فأسرعت بها، حتى دنوت منهم، فعثرت بي فرسي، فخررت عنها، فقمت فأهويت يدي إلى كنانتي، فاستخرجت منها الأزلام، فاستقسمت بها: أضرهم؟ أم لا؟ فخرج الذي أكره [أي لا تضرهم] فركبت فرسي، وعصيت الأزلام، حتى سمعت قراءة رسول الله ﷺ ، وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات، فساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها، ثم زجرتها، فنهضت، فاستقسمت بالأزلام، فخرج الذي أكره، فناديتهم بالأمان [في رواية ابن إسحق: فناديت القوم: أنا سراقة بن مالك بن جعشم. أنظروني أكلمكم، فوالله لا آتيكم ولا يأتيكم مني شيء تكرهونه، وفي رواية "وأنا لكم نافع غير ضار، وإني لا أدري لعل الحي فزعوا لركوبي، وأنا راجع، ورادهم عنكم] فوقفوا، فركبت فرسي

стр. 4491

حتى جئتهم، ووقع في نفسي حين لقيتهم، وحين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم، أن سيظهر أمر رسول الله ﷺ ، فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع، فلم يرزآني [أي لم ينقصاني شيئاً مما معي] ولم يسألاني [في رواية "فقلت: هذه كنانتي، فخذ سهماً منها، فإنك تمر على إبلي وغنمي، بمكان كذا وكذا، فخذ منها حاجتك. فقال لي: لا حاجة لنا في إبلك وفي رواية "قلت: يا نبي الله، مرني بما شئت. قال: فقف مكانك، لا تتركن أحداً يلحق بنا"] فسألته أن يكتب لي كتاب أمن، فأمر عامر بن فهيرة، فكتب في رقعة من أدم. ثم مضى رسول الله ﷺ ". وفي رواية "فجعل لا يلقى أحداً إلا رده، وقال له: قد كفيتم ما ههنا" وفي رواية "فرجعت، فسئلت، فلم أذكر شيئاً مما كان، حتى إذا فرغ من حنين، بعد فتح مكة، خرجت لألقاه، ومعي الكتاب، فلقيته بالجعرانة، حتى دنوت منه، فرفعت يدي بالكتاب، فقلت: يا رسول الله، هذا كتابك. فقال: يوم وفاء وبر. ادن. فأسلمت. أما عامر بن فهيرة فقد كان مولداً من مولدي الأزد، أسود اللون، مملوكاً للطفيل بن عبد الله بن سخبرة، فأسلم وهو مملوك، فاشتراه أبو بكر وأعتقه، وكان حسن الإسلام، ودوره في الهجرة أنه كان يرعى الغنم، وهم في ثور، ويروح بها على رسول الله ﷺ وأبي بكر في الغار، وانطلق معهما. شهد بدراً وأحداً، ثم قتل يوم بئر معونة، وهو ابن أربعين سنة. (فدعا عليه رسول الله ﷺ ، فساخت فرسه) بالسين ثم خاء، أي نزلت في الأرض، وقبضتها الأرض، وكان في أرض يابسة، وفي رواية "فارتطمت به فرسه في الأرض إلى بطنها" وفي رواية "فقال رسول الله ﷺ : اللهم اكفناه بما شئت" وفي رواية "فالتفت النبي ﷺ ، فقال: اللهم اصرعه. فصرعه فرسه". (ادع الله لي، ولا أضرك) قال النووي: وقع في بعض الأصول "ادعوا الله" بلفظ التثنية، للنبي ﷺ وأبي بكر ﵁، وفي بعضها "ادع" بلفظ الواحد، وكلاهما ظاهر. والمدعو به محذوف للعلم به من المقام، أي أن ينجيني وينقذني من هذا السقوط، وفي رواية للبخاري "فطلب إليه سراقة أن لا يدعو عليه وأن يرجع، ففعل النبي ﷺ ". (فدعا الله) له، زاد في رواية "فانطلق". (أتي ليلة أسري به بإيلياء بقدحين، من خمر ولبن) قوله "من خمر ولبن" على التوزيع، أي بقدح من خمر، وقدح من لبن، و"أتي" بضم الهمزة وكسر التاء مبني للمجهول، و"إيلياء" بالمد، ويقال بالقصر، ويقال: إلياء بحذف الياء الأولى، وهو بيت المقدس، وقوله "بإيلياء" متعلق بأتي، أي أتي وهو بإيلياء ليلة الإسراء بقدحين، وفي هذه الرواية محذوف، تقديره: أتي بقدحين، فقيل له: اختر أيهما شئت" كما جاء مصرحاً به في البخاري، وفي رواية لمسلم في باب الإسراء "فجاءني جبريل ﵇ بإناء من خمر، وإناء من لبن وظاهر روايتنا أن الإتيان بالإناءين كان بإيلياء، وأصرح

стр. 4492

منها في ذلك ما رواه مسلم بلفظ "ثم دخلت المسجد، فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت، فجاءني جبريل ﵇ بإناء من خمر، وإناء من لبن" لكن في رواية للبخاري ومسلم أن الإتيان بالإناءين كان في المعراج في السماء، ولفظ البخاري "ثم رفع لي البيت المعمور، ثم أتيت بإناء من خمر، وإناء من لبن، وإناء من عسل". قال الحافظ ابن حجر: ويجمع بين الاختلاف إما بحمل "ثم" على غير بابها من الترتيب، وإنما هي بمعنى الواو هنا، وإما بوقوع عرض الآنية مرتين، مرة عند فراغه من الصلاة ببيت المقدس، وسببه ما وقع من العطش، ومرة عند وصوله إلى سدرة المنتهى. كما أن روايتنا تفيد أن الذي عرض عليه إناءان. إناء من لبن، وإناء من خمر، وفي بعض روايات الصحيح ثلاثة بإضافة إناء من عسل، وفي حديث أبي سعيد عند ابن إسحق "فصلى بهم -يعني بالأنبياء- ثم أتي بثلاثة آنية، إناء فيه لبن، وإناء فيه خمر، وإناء فيه ماء، فأخذت اللبن". قال الحافظ ابن حجر: وأما الاختلاف في عدد الآنية وما فيها، فيحمل على أن بعض الرواة ذكر ما لم يذكر الآخر، والزيادة من الثقة مقبولة، وذكر الاثنين لا ينافي الثلاثة، وذكر الثلاثة لا ينافي الأربعة، ومجموعها أربعة آنية، وفيها أربعة أشياء، من الأنهار الأربعة التي رآها تخرج من سدرة المنتهى، فعند الطبري، لما ذكر سدرة المنتهى يخرج من بينها أنهار من ماء غير آسن ومن لبن لم يتغير طعمه ومن خمر لذة للشاربين ومن عسل مصفى فلعله عرض عليه من كل نهر إناء، وفي حديث أبي هريرة عن ابن عائذ، بعد ذكر إبراهيم، قال: "ثم انطلقنا فإذا نحن بثلاثة آنية مغطاة، فقال جبريل: يا محمد، ألا تشرب مما سقاك ربك؟ فتناولت أحدها، فإذا هو عسل، فشربت منه قليلاً ثم تناولت الآخر، فإذا هو لبن، فشربت منه حتى رويت، فقال: ألا تشرب من الثالث؟ قلت: قد رويت. قال: وفقك الله". (فنظر إليهما، فأخذ اللبن) قال النووي: ألهمه الله تعالى اختيار اللبن، لما أراده من توفيق هذه الأمة واللطف بها. اهـ قال ابن المنير: لم يذكر السر في عدوله عن العسل إلى اللبن، كما ذكر السر في عدوله عن الخمر، ولعل السر في ذلك كون اللبن أنفع، وبه يشتد العظم، وينبت اللحم، وهو بمجرده قوت، ولا يدخل في السرف بوجه، وهو أقرب إلى الزهد، ولا منافاة بينه وبين الورع بوجه، والعسل وإن كان حلالاً، لكنه من المستلذات التي قد يخشى على صاحبها أن يندرج في قوله تعالى: ﴿أذهبتم طيباتكم﴾ [الأحقاف: ٢٠] قال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يكون السر في ذلك أنه ﷺ كان قد عطش، فآثر اللبن لما فيه من حصول حاجته، دون الخمر والعسل، فهذا هو السبب الأصلي في إيثار اللبن، وصادف مع ذلك رجحانه عليهما من عدة جهات. اهـ (الحمد لله الذي هداك للفطرة) قال النووي: المراد بالفطرة هنا الإسلام والاستقامة، وجعل اللبن علامة على ذلك لكونه سهلاً طيباً، طاهراً سائغاً للشاربين، سليم العاقبة، وأما الخمر فإنها أم الخبائث، وجالبة لأنواع من الشر في الحال والمآل. اهـ

стр. 4493

وقال القرطبي: يحتمل أن يكون سبب تسمية اللبن فطرة أنه أول شيء يدخل بطن المولود، ويشق أمعاءه، والسر في ميل النبي ﷺ إليه، دون غيره، لكونه كان مألوفاً له، ولأنه لا ينشأ عن جنسه مفسدة. اهـ وفي رواية للبخاري أن جبريل ﵇ قال له: "أصبت الفطرة أنت وأمتك". (لو أخذت الخمر غوت أمتك) أي ضلت، وانهمكت في الشر. -[فقه الحديث]- ترجم النووي لهذه الأحاديث بباب جواز شرب اللبن، وترجم البخاري بباب شرب اللبن، وقول الله ﴿يخرج من بين فرث ودم لبناً خالصاً سائغاً للشاربين﴾ قال الحافظ ابن حجر: وقع بلفظ "يخرج" في أوله، في معظم النسخ، والذي في القرآن ﴿نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم﴾ [النحل: ٦٦] وأما لفظ "يخرج" فهو في الآية الأخرى من السورة ﴿يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه﴾ [النحل: ٦٩] ووقع حذف "يخرج" من أول الآية وأول الباب في بعض النسخ، فكأن زيادة لفظ "يخرج" ممن دون البخاري. ثم قال: وهذه الآية صريحة في إحلال شرب لبن الأنعام، بجميع أنواعه، لوقوع الامتنان به، فيعم جميع ألبان الأنعام، في حال حياتها. وقد زعم بعضهم أن اللبن إذا طال العهد به وتغير صار يسكر، قال الحافظ: وهذا ربما يقع نادراً، إن ثبت وقوعه، ولا يلزم منه تأثيم شاربه، إلا إن علم أن عقله يذهب به، فشربه لذلك، نعم يقع السكر باللبن إذا جعل فيه ما يصير باختلاطه معه مسكراً، فيحرم. اهـ وقد بوب البخاري في الطهارة بباب هل يمضمض من اللبن؟ وساق "أن رسول الله ﷺ شرب لبناً فمضمض، وقال: إن له دسماً" قال الحافظ ابن حجر: فيه بيان العلة للمضمضة من اللبن، فيدل على استحبابها من كل شيء دسم. هذا، والمشكل في هذه الأحاديث شرب رسول الله ﷺ من لبن غنم لم يأذن صاحبها في حلبها؟ قال المهلب: إنما شرب النبي ﷺ من لبن تلك الغنم لأنه كان حينئذ في زمن المكارمة، أي جرياً على العادة المألوفة للعرب في إباحة ذلك، والإذن بالحلب للمار ولابن السبيل، فكان كل راع مأذوناً له في ذلك، وقال ابن العربي: كانت عادة أهل الحجاز والشام وغيرهم من المسامحة في ذلك، بخلاف بلدنا. اهـ لكن روى البخاري "لا يحلبن أحد ماشية امرئ بغير إذنه، أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته؟ فتكسر خزانته؟ فينتقل طعامه؟ فإنما تخزن لهم ضروع ماشيتهم أطعماتهم، فلا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه" قال ابن عبد البر: في الحديث النهي عن أن يأخذ المسلم من المسلم شيئاً إلا بإذنه، وإنما خص اللبن بالذكر لتساهل الناس فيه، فنبه به على ما هو أولى منه، وبهذا أخذ الجمهور، إلا إن كان بإذن خاص، أو إذن عام، واستثنى كثير من السلف ما إذا علم طيب نفس صاحبه، وإن لم يقع

стр. 4494

منه إذن خاص ولا عام، وقد شرب ﷺ لأنه علم أن صاحب اللبن لا يكره شربه ﷺ منه. وذهب كثير منهم إلى الجواز مطلقاً في الأكل والشرب، سواء علم بطيب نفسه، أو لم يعلم، والحجة لهم ما أخرجه أبو داود والترمذي وصححه مرفوعاً "إذا أتى أحدكم على ماشية، فإن لم يكن صاحبها فيها فليصوت ثلاثاً، فإن أجاب فليستأذنه، فإن أذن له، وإلا فليحلب، وليشرب، ولا يحمل" وله شاهد عند ابن ماجه، بلفظ "إذا أتيت على راع، فناده ثلاثاً، فإن أجابك، وإلا فاشرب، من غير أن تفسد" وعند الترمذي عن ابن عمر مرفوعاً "إذا مر أحدكم بحائط فليأكل، ولا يتخذ خبيئة" لكن الترمذي استغربه، وقال البيهقي: لم يصح، وجاء من أوجه أخر غير قوية، قال الحافظ ابن حجر: والحق أن مجموعها لا يقصر عن درجة الصحيح، وقد احتجوا في كثير من الأحكام بما هو دونها. اهـ وقد أشار الحافظ بذلك إلى ما أخرجه ابن ماجه والطحاوي وصححه ابن حبان والحاكم بلفظ "وإذا أتيت على حائط بستان فناد ثلاثاً، فإن أجابك، وإلا فاطعم من غير أن تفسد". وللعلماء أمام أحاديث النهي وأحاديث الإذن مذاهب: منهم من رجح أحاديث النهي، وأخذ بها، وترك أحاديث الإذن، بدعوى أن حديث النهي أصح، فهو أولى أن يعمل به، ولأن أحاديث الإذن تعارض القواعد القطعية في تحريم مال المسلم بغير إذنه. ومن العلماء من جمع بين أحاديث النهي وأحاديث الإذن. فقال بعضهم: تحمل أحاديث الإذن على ما إذا علم طيب نفس صاحبه، وأحاديث النهي على ما إذا لم يعلم. وقال بعضهم: تخصص أحاديث الإذن بابن السبيل، أو بالمضطر، أو بحال المجاعة مطلقاً. وقال بعضهم: تخصص أحاديث الإذن ببيئة يغلب عليها التسامح والمواساة، كما كان الحال في زمنه ﷺ ، دون ما كان بعد زمنه ﷺ من التشاح، فكأنه ﷺ أشار بأحاديث النهي إلى ما سيكون بعده. وقال بعضهم: تحمل أحاديث النهي على ما إذا كان المالك أحوج من المار، لحديث أبي هريرة "بينما نحن مع رسول الله ﷺ في سفر إذ رأينا إبلاً مصرورة، فثبنا إليها، فقال لنا رسول الله ﷺ : إن هذه الإبل لأهل بيت من المسلمين، هو قوتهم، أيسركم لو رجعتم إلى مزاودكم، فوجدتم ما فيها قد ذهب؟ قلنا: لا. قال: فإن ذلك كذلك" أخرجه أحمد وابن ماجه، واللفظ لابن ماجه، وفي لفظ أحمد "فابتدرها القوم ليحلبوها" قالوا: فيحمل حديث الإذن على ما إذا لم يكن المالك محتاجاً، وحديث النهي على ما إذا كان محتاجاً. وقال بعضهم: يحمل الإذن على ما إذا كانت غير مصرورة، ويحمل النهي على ما إذا كانت مصرورة، لهذا الحديث. لكن وقع عند أحمد في آخره "فإن كنتم لا بد فاعلين فاشربوا، ولا تحملوا" فدل على عموم الإذن في المصرور وغيره، لكن بقيد عدم الحمل، ولا بد منه.

стр. 4495

وقال بعضهم: يقصر الإذن على المحتاج من المسافرين في الغزو. وقال بعضهم: يقصر الإذن على ما كان لأهل الذمة، والنهي على ما كان للمسلمين، واستؤنس له بما شرطه الصحابة على أهل الذمة من ضيافة المسلمين، وصح ذلك عن عمر ﵁. وقيد ذلك بعضهم بالزمن الماضي، فقد ذكر ابن وهب عن مالك في المسافر، ينزل بالذمي؟ قال: لا يأخذ منه شيئاً إلا بإذنه، قيل له: فالضيافة التي جعلت عليهم؟ قال: كانوا يومئذ يخفف عنهم بسببها، وأما الآن فلا. وجنح بعضهم إلى نسخ الإذن، وحملوه على أنه كان قبل إيجاب الزكاة، قالوا: وكانت الضيافة حينئذ واجبة، ثم نسخ ذلك بفرض الزكاة. قال الطحاوي: وكان ذلك حين كانت الضيافة واجبة، ثم نسخت، فنسخ ذلك الحكم. وأمام هذه التوجيهات اختلف العلماء الفقهاء فيمن مر ببستان أو زرع أو ماشية. قال الجمهور والشافعية لا يجوز أن يأخذ منه شيئاً، إلا في حال الضرورة، فيأخذ، ويغرم: وقال بعض السلف: لا يلزمه شيء. وقال أحمد: إذا لم يكن على البستان حائط جاز له الأكل من الفاكهة الرطبة، في أصح الروايتين، ولو لم يحتج لذلك. وفي الرواية الأخرى: إذا احتاج، ولا ضمان عليه في الحالين. هذا. وقد أغرب من قال: إنما استجازه ﷺ لأنه مال حربي، فيجوز الاستيلاء عليه، وهذا بعيد، لأن القتال لم يكن فرض بعد، ولا أبيحت الغنائم. -[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم: ]- ١ - في الأحاديث فضيلة لأبي بكر ﵁. ٢ - وخدمة التابع الحر للمتبوع في يقظته. ٣ - والاجتهاد في مصالحه في نومه. ٤ - وشدة محبة أبي بكر للرسول ﷺ . ٥ - وأدبه معه. ٦ - وإيثاره له على نفسه. ٧ - واستصحاب آلة السفر، كالقدح ونحوه، ولا يقدح ذلك في التوكل. ٨ - استدل به بعضهم على طهارة المني بقياسه على اللبن في طهارته، مع خروجه من بين فرث ودم. وفي هذا الاستدلال بعد. ٩ - استدل به بعضهم على أن الشيء المستهلك يغتفر التقاطه، لأن المبيح للبن هنا أنه في حكم

стр. 4496

الضائع، إذ ليس مع الغنم في الصحراء سوى راع واحد، فالفاضل عن شربه مستهلك، وأعلى أحواله أن يكون كالشاة الملتقطة في الضيعة، وقد قال فيها "هي لك أو لأخيك، أو للذئب" وهو استدلال بعيد. ١٠ - وفي قصة سراقة معجزة ظاهرة للرسول ﷺ . ١١ - وفي حمد جبريل ﵇ استحباب الحمد عند تجدد النعم، وحصول ما كان الإنسان يتوقع حصوله، واندفاع ما كان يخاف وقوعه. ١٢ - وفي اختيار اللبن توفيق الله لرسوله ﷺ ، وتوفيق هذه الأمة، واللطف بها. ١٣ - ومن قوله "لو أخذت الخمر غوت أمتك" أن الخمر ينشأ عنها الغي، ولا يختص ذلك بقدر معين. ١٤ - قال الحافظ ابن حجر: ومن عرض الآنية عليه ﷺ إرادة إظهار التيسير عليه، وإشارة إلى تفويض الأمور إليه. والله أعلم

стр. 4497

(٥٥٩) باب تخمير الإناء، وإيكاء السقاء وإغلاق الأبواب وإطفاء السراج والنار وكف الصبيان ليلاً ٤٥٨٧ - عن أبي حميد الساعدي ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ بقدح لبن من النقيع ليس مخمراً. فقال: "ألا خمرته ولو تعرض عليه عوداً" قال أبو حميد: إنما أمر بالأسقية أن توكأ ليلاً، وبالأبواب أن تغلق ليلاً. ٤٥٨٨ - وفي رواية عن أبي حميد الساعدي ﵁ أنه أتى النبي ﷺ بقدح لبن. بمثله. قال: ولم يذكر زكرياء قول أبي حميد بالليل. ٤٥٨٩ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كنا مع رسول الله ﷺ فاستسقى. فقال رجل: يا رسول الله ألا نسقيك نبيذا؟ فقال: "بلى" قال: فخرج الرجل يسعى، فجاء بقدح فيه نبيذ. فقال رسول الله ﷺ "ألا خمرته ولو تعرض عليه عوداً" قال: فشرب. ٤٥٩٠ - عن جابر ﵁ قال: جاء رجل يقال له أبو حميد بقدح من لبن من النقيع. فقال له رسول الله ﷺ "ألا خمرته ولو تعرض عليه عوداً". ٤٥٩١ - عن جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "غطوا الإناء. وأوكوا السقاء. وأغلقوا الباب. وأطفئوا السراج. فإن الشيطان لا يحل سقاء، ولا يفتح باباً، ولا يكشف إناء. فإن لم يجد أحدكم إلا أن يعرض على إنائه عوداً، ويذكر اسم الله، فليفعل. فإن الفويسقة تضرم على أهل البيت بيتهم" ولم يذكر قتيبة في حديثه: وأغلقوا الباب. ٤٥٩٢ - وفي رواية عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ بهذا الحديث، غير أنه قال: "وأكفئوا الإناء، أو خمروا الإناء" ولم يذكر تعريض العود على الإناء.

стр. 4498

٤٥٩٣ - وفي رواية عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "أغلقوا الباب" فذكر بمثل حديث الليث، غير أنه قال: "وخمروا الآنية" وقال "تضرم على أهل البيت ثيابهم". ٤٥٩٤ - وفي رواية عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ . بمثل حديثهم وقال "والفويسقة تضرم البيت على أهله". ٤٥٩٥ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا كان جنح الليل أو أمسيتم، فكفوا صبيانكم، فإن الشيطان ينتشر حينئذ. فإذا ذهب ساعة من الليل. فخلوهم. وأغلقوا الأبواب، واذكروا اسم الله فإن الشيطان لا يفتح باباً مغلقاً. وأوكوا قربكم واذكروا اسم الله. وخمروا آنيتكم واذكروا اسم الله، ولو أن تعرضوا عليها شيئاً. وأطفئوا مصابيحكم". ٤٥٩٦ - وفي رواية عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه قال: نحواً مما أخبر عطاء إلا أنه لا يقول: "اذكروا اسم الله ". ٤٥٩٧ - عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لا ترسلوا فواشيكم وصبيانكم إذا غابت الشمس، حتى تذهب فحمة العشاء، فإن الشياطين تنبعث إذا غابت الشمس، حتى تذهب فحمة العشاء". ٤٥٩٨ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول "غطوا الإناء. وأوكوا السقاء. فإن في السنة ليلة ينزل فيها وباء، لا يمر بإناء ليس عليه غطاء، أو سقاء ليس عليه وكاء إلا نزل فيه من ذلك الوباء".

стр. 4499

٤٥٩٩ - وفي رواية عن ليث بن سعد بهذا الإسناد بمثله. غير أنه قال "فإن في السنة يوماً ينزل فيه وباء" وزاد في آخر الحديث: قال الليث: فالأعاجم عندنا يتقون ذلك في كانون الأول. ٤٦٠٠ - عن سالم عن أبيه عن النبي ﷺ قال: "لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون". ٤٦٠١ - عن أبي موسى ﵁ قال: احترق بيت على أهله بالمدينة من الليل. فلما حدث رسول الله ﷺ بشأنهم، قال "إن هذه النار إنما هي عدو لكم؛ فإذا نمتم، فأطفئوها عنكم". -[المعنى العام]- آية من آيات الله على أن الإسلام دين جاء لخير الإنسانية في الدنيا والآخرة، جاء لعمارة الأرض، وحماية الإنسان من الأضرار التي قد تصيبه من مخلوقات محيطة به، جاء ليحفظ النفس، ويحذرها من أن تلقي بيدها إلى ما يؤذيها، جاء يرشد ابن آدم إلى ما ينفعه، ويحذره مما يضره، فليس الإسلام دين صلاة وصيام وحج وزكاة فحسب، بل هناك من الأعمال الدنيوية ما هو طاعة يثاب عليها، فحماية النفس، وحماية البيئة، وحماية الأموال مطلب شرعي، ونفع مادي، وها هي الأوامر والإرشادات في هذه الأحاديث تؤكد أن الإسلام للدنيا والدين. خمروا وغطوا أوانيكم بما فيها من طعام أو شراب، تحفظونها وتحفظون ما فيها من التراب والأذى والهوام الزاحفة والطائرة، واربطوا فم القربة التي تحفظ لكم الماء واللبن، لئلا يدخلها ما تكرهونه، وتحقق ما خافه ﷺ في حينه، إذ أصبح أحد الصحابة فوجد في قربته التي تركها دون أن يشد حبلاً على فمها، وجد ثعباناً بها، إن تغطية الآنية وقاية وحماية حتى من الأوبئة. والميكروبات التي تنتشر في الجو في كل حين دون أن نراها بأبصارنا، والخبراء يقولون: إن هناك في بعض مواسم العام يكثر انتشار الميكروبات المعينة في الجو، فلا يوجد إناء مكشوف به طعام أو شراب في هذا الموقع إلا دخلته، ولوثت الطعام والشراب، وعرضت آكله أو شاربه إلى الأمراض، وقد سبق حديث رسول الله ﷺ هؤلاء الخبراء بأربعة عشر قرناً حيث قال: "إن في السنة

стр. 4500

ليلة، ينزل فيها وباء، لا يمر بإناء ليس عليه غطاء، أو سقاء ليس عليه وكاء، إلا نزل فيه من ذلك الوباء" صدق رسول الله ﷺ فيما بلغ عن الله تعالى. خمروا آنيتكم، واربطوا فم قربتكم، وغطوا أواني شرابكم، واذكروا الله عليها يحفظها الله، ويحفظكم من أضرارها، وأغلقوا أبوابكم في الليل وعند النوم، فالباب المغلق يعرقل الشرور، يعطل اللص، ويمنع الأذى، ويستر العورات، ويهب النائم الأمن والاطمئنان فإن شياطين الإنس والجن والمؤذيات من المفترسات والهوام لا تفتح بسهولة باباً مغلقاً، واذكروا اسم الله عند إغلاق الأبواب، تتدخل العناية الإلهية مع الأخذ بالأسباب. وأطفئوا السراج عند النوم، وأطفئوا النيران عند النوم، فإن النار من أخطر أعدائكم يخشى عليكم أن تشتعل فتحرق البيت وتحرقكم وأنتم غارقون في نومكم، فإن الفأرة قد تجر النار من أماكنها إلى الفراش، وقد فعلت مثل ذلك في عهد رسول الله ﷺ . وامنعوا صبيانكم ومواشيكم وما تخافون عليه من متحركات أموالكم من الخروج في مدخل الليل، فإن الأخطار في هذا الوقت أكثر وقوعاً منها في غيره، فرسول الله ﷺ يقول: "إذا كان جنح الليل فاحبسوا أولادكم، فإن الله يبث من خلقه باليل، ما لا يبثه بالنهار، وإن للشياطين انتشاراً أو خطفة" وإن الصبيان لا يملكون الدفاع عن النفس، فليسوا كالكبار. -[المباحث العربية]- (بقدح لبن) الإضافة على معنى "من" وقد صرح بها في الرواية الثالثة، وفي الرواية الثانية "فجاء بقدح فيه نبيذ" فهو نبيذ من لبن. (من النقيع) قال النووي: روي بالنون، وبالباء، حكاهما القاضي عياض، والصحيح الأشهر الذي قاله الخطابي والأكثرون بالنون، وهو موضع بوادي العقيق، وهو الذي حماه رسول الله ﷺ لرعي النعم، اهـ وقال ابن التين: رواه بعضهم بالباء، وهو تصحيف، فإن البقيع مقبرة المدينة، وقال القرطبي: الأكثرون على النون، وهو من ناحية العقيق على عشرين فرسخاً من المدينة. وكان وادياً يجتمع فيه الماء، والماء الناقع هو المجتمع، وعن الخليل: النقيع الوادي الذي يكون فيه الشجر. وفي الرواية الثانية "قال جابر: كنا مع رسول الله ﷺ فاستسقى، فقال رجل: يا رسول الله، ألا نسقيك نبيذا؟ فقال: بلى. قال: فخرج يسعى، فجاء بقدح، فيه نبيذ" وفي الرواية الثالثة "جاء رجل يقال له: أبو حميد، بقدح من لبن من النقيع" فالنبيذ من لبن، تغير، ولم يشتد، ولم يصر مسكراً وظاهر هذه الروايات أن سبب الإتيان بقدح اللبن هو عطش الرسول ﷺ ، وطلبه أن يسقى، وأن الرجل المبهم في الرواية الثانية هو أبو حميد الساعدي، وأن جابرا حضرها، فرواها، عن مشاهدته، كما هو ظاهر

стр. 4501

الرواية الثانية والثالثة، فأبهم الرجل في الثانية، وصرح به في الثالثة، لكن ظاهر الرواية الأولى أن جابراً حمل القصة ورواها عن أبي حميد، ولا مانع من اجتماع الروايتين لجابر عن قصة واحدة، وهو ما نميل إليه، لكن الحافظ ابن حجر يميل إلى أنهما قصتان، إذ قال: والذي يظهر أن قصة اللبن كانت لأبي حميد، وأن جابراً حضرها، وأن قصة النبيذ حملها جابر عن أبي حميد. (ليس مخمراً، فقال: ألا خمرته؟ ) أي ليس القدح أو اللبن أو النبيذ مغطى، والتخمير التغطية، ومنه الخمر، لأنه يغطي العقل، وخمار المرأة غطاء رأسها، "ألا" بفتح الهمزة والتشديد، بمعنى "هلا" وهي حرف تحضيض، إذا دخلت على المضارع أفادت الطلب بحث، وإذا دخلت على الماضي أفادت اللوم والتوبيخ، كما هو هنا، وأما "ألا" في قوله في الرواية الثانية فهي بتخفيف اللام، ومعناها العرض، وهو الطلب برفق ولين. (ولو تعرض عليه عوداً) قال النووي: المشهور في ضبطه "تعرض" بفتح التاء وضم الراء، وهكذا قاله الأصمعي والجمهور، ورواه أبو عبيد بكسر الراء، والصحيح الأول، ومعناه تمده عليه عرضاً، أي خلاف الطول. اهـ والمعنى إن لم تتيسر التغطية بكمالها فلا أقل من وضع عود على عرض الإناء، وجواب "لو" محذوف، أي لكان كافياً. (إنما أمر بالأسقية أن توكى ليلاً) "أمر" بضم الهمزة، مبني للمجهول، أي أمر رسول الله ﷺ ، و"توكى" بضم التاء وفتح الكاف مبني للمجهول، يقال: وكى السقاء والصرة، يكيها وكياً، وأوكى السقاء والصرة إذا شدها بالوكاء، وهو الخيط الذي تشد به القربة أو الكيس أو الصرة ونحوها والمصدر في "أن توكى" بدل من "الأسقية" أي أمر بوكي الأسقية، والسقاء إناء الماء، والفرق بينه وبين القربة أن القربة للماء غالباً، والسقاء للماء واللبن غالباً، والمراد هنا ما يعم إناء الماء واللبن وكل سائل. وفي الأصول التي تحت يدي "أن توكأ" بالهمزة، وتوجيهه بعيد، لأن معنى "وكأ" توكأ على الشيء، واعتمد عليه، ومنه المتكأ، وتوكأ على عصاه. (غطوا الإناء) الإناء وعاء الطعام والشراب، فهو أعم من السقاء، وقد تخص الأسقية بظروف الماء واللبن، ذات الفم الضيق الذي يربط، والآنية بالطروف ذات الفم الواسع الذي يغطي. وفي الرواية الخامسة "وخمروا آنيتكم" وفي ملحق الرواية الرابعة "وأكفئوا الإناء، أو خمروا الإناء" بالشك، يقال: كفأ الإناء وأكفأه قلبه. (وأوكوا السقاء) في رواية للبخاري "وأوكئوا السقاء" بالهمزة، والصحيح ما في روايتنا، لما سبق في معنى "وكى" و"وكأ" والمقصود تغطية الإناء الذي به الطعام أو الشراب، وليس الإناء الفارغ، إذ الهدف حماية الطعام والشراب، لا حماية الإناء، وإن كانت حماية الإناء مطلوبة بوجه ما، وكذا يقال في وكي السقاء، وفي رواية للبخاري "وخمروا الطعام والشراب".

стр. 4502

(وأغلقوا الباب) "ال" في "الباب" للجنس الصادق على كثيرين، وفي الرواية الخامسة "وأغلقوا الأبواب" وفيها مقابلة الجمع بالجمع المقتضي للقسمة آحاداً، أي ليغلق كل واحد منكم بابه. و"أغلقوا" بهمزة قطع من الرباعي، ولا يقال بهمزة وصل من الثلاثي، لأن الثلاثي لا يتعدى بنفسه، إلا في لغة نادرة، فالثلاثي يقال فيه: غلق الباب، بكسر اللام، ورفع الباب على الفاعلية، يغلق بفتح اللام، غلقاً بفتح اللام، إذا عسر فتحه، أما أغلق الباب فمعناه أوثقه بالغلق، بفتح اللام، وفي رواية للبخاري "وغلقوا الأبواب" بتشديد اللام، وفي رواية له "وأجيفوا الأبواب" أي أغلقوها. (وأطفئوا السراج) في الرواية الخامسة "وأطفئوا مصابيحكم" وفي الرواية الثامنة "لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون" وفي الرواية التاسعة "إن هذه النار إنما هي عدو لكم، فإذا نمتم فأطفئوها عنكم". قال النووي: هذا عام تدخل فيه نار السراج وغيرها، أما القناديل المعلقة في المساجد وغيرها، فإن خيف حريق بسببها دخلت في الأمر بالإطفاء، وإن أمن ذلك، كما هو الغالب، فالظاهر أنه لا بأس بها، لانتفاء العلة، لأن النبي ﷺ علل الأمر بالإطفاء في الحديث السابق، بأن الفويسقة تضرم النار على أهل البيت، فإذا انتفت العلة زال المنع. اهـ أقول: إن العلة لم تنحصر في النار، فالأولى أن يقال: إذا أمن الضرر والخطر من جميع الوجوه زال المنع، والأمان الحقيقي في اتباع هذه الإرشادات. (فإن الفويسقة تضرم على أهل البيت بيتهم) في ملحق الرواية الرابعة "تضرم على أهل البيت ثيابهم" وفي ملحقها الثاني "والفويسقة تضرم البيت على أهله" والمراد بالفويسقة الفأرة، وتطلق الفأرة على الواحد من الفيران ذكراً أو أنثى، وقيل: يطلق الفأر على المذكر، والفأرة على المؤنث، والفأر يطلق على الكبير والصغير، وتخفف الهمزة، فيقال: فار، والجمع فئران وفيران وفئرة. وأصل الفسق في اللغة الخروج، ومنه: فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها، وقوله تعالى: ﴿ففسق عن أمر ربه﴾ [الكهف: ٥٠] أي خرج، وسمي الفاسق فاسقاً لخروجه عن طاعة ربه، والفأرة فاسقة لخروجها عن حكم غيرها بالإيذاء والإفساد وعدم الانتفاع، والتصغير فيها للتحقير، لا لتقليل فسقها، وعند ابن ماجه: قيل لأبي سعيد: لم قيل للفأرة فويسقة؟ فقال: لأن النبي ﷺ استيقظ لها، وقد أخذت الفتيلة لتحرق بها البيت". و"تضرم" بضم التاء مع إسكان الضاد، أي تحرق سريعاً، يقال: ضرمت النار، بكسر الراء تضرم بفتحها من الثلاثي اللازم، أي اتقدت، وأضرم النار أوقدها وأشعلها. والفاء في "فإن الفويسقة" فاء التعليل، والجملة مرتبطة بإغلاق الباب وإطفاء السراج، كتعليل آخر، مع تعليل الشيطان. فإغلاق الباب يمنع الفويسقة من الدخول، وإطفاء السراج وكل نار يحول دون الإحراق في الليل، وإذا كانت الأحاديث قد أشارت إلى أن خطر الفويسقة الإحراق فليس فيها ما يقصر خطرها على ذلك، فمن أخطارها قرض الثياب والأمتعة وأكل الطعام ونقل الأوبئة والأمراض، وإثارة الذعر والفزع والتقزز عند كثير من الناس.

стр. 4503

(فإن الشيطان لا يحل سقاء، ولا يفتح باباً، ولا يكشف إناء) المراد من الشيطان هنا الهوام والحشرات الخبيثة والمؤذيات، فإن الشيطان هو الروح الخبيثة، وكل متمرد مفسد. (إذا كان جنح الليل) بضم الجيم وكسرها، لغتان مشهورتان، أي إذا أقبل ظلام الليل واختلاطه وأصل الجنوح الميل، وجنح الليل مال إلى ذهاب أو مجيء، وهو هنا ميل إلى المجيء، و"كان" تامة، وجنح الليل فاعل، وفي رواية البخاري "إذا استجنح الليل" وفي رواية "إذا استنجع الليل" وهي تصحيف، وفي رواية "إذا كان أول الليل". (فكفوا صبيانكم، فإن الشيطان ينتشر حينئذ) أي امنعوهم من الخروج إلى طرقات الصحاري والجبال، وفي الرواية السادسة "لا ترسلوا فواشيكم وصبيانكم إذا غابت الشمس، حتى تذهب فحمة العشاء، فإن الشياطين تنبعث إذا غابت الشمس، حتى تذهب فحمة العشاء" والفواشي كل ما ينتشر من المال، كالإبل والغنم وسائر البهائم وغيرها، وهي جمع فاشية، لأنها تفشو، أي تنتشر في الأرض، و"فحمة العشاء" ظلمتها وسوادها، وفسرها بعضهم هنا بإقباله، وأول ظلامه، ويقال للظلمة التي بين صلاتي المغرب والعشاء: الفحمة، والتي بين العشاء والفجر: العسعسة. قال النووي: المراد جنس الشيطان، ومعناه أنه يخاف على الصبيان ذلك الوقت من إيذاء الشياطين، لكثرتهم حينئذ، وقال الحافظ ابن حجر: قال ابن الجوزي: إنما خيف على الصبيان في تلك الساعة، لأن النجاسة التي تلوذ بها الشياطين موجودة معهم غالباً، والذكر الذي يحرز منهم مفقود من الصبيان غالباً، والشياطين عند انتشارهم يتعلقون بما يمكنهم التعلق به، والحكمة في انتشارهم حينئذ أن حركتهم في الليل أمكن منها في النهار لهم. اهـ وتميل هذه الأقوال إلى حمل "الشياطين" على شياطين الجن، وأميل إلى أن المراد من الشياطين في الحديث كل متمرد مؤذ من شياطين الجن وشياطين الإنس كاللصوص والفسقة والفجرة وشياطين المخلوقات الأخرى كالأفاعي والوحوش والهوام، والفواشي من الإبل والغنم وسائر البهائم ونحوها لا تحمي نفسها، والصبيان أقل الإنس دفاعاً عن النفس، ووقاية من الأخطار. والله أعلم. (فإن في السنة ليلة، ينزل فيها وباء) في ملحق الرواية "إن في السنة يوماً" ولا تعارض، فقد ينزل هذا الوباء في يوم وليلة، أي في ٢٤ ساعة وليس في ذكر أحدهما نفي للآخر، وقد ينزل في سنة يوماً، وفي سنة ليلة، والوباء بالمد، ويقصر، لغتان، حكاهما الجوهري، وغيره، والقصر أشهر، قال الجوهري: جمع المقصور أوباء، وجمع الممدود أوبية، قالوا: والوباء مرض عام يفضي إلى الموت غالباً. ولعل هذا الوباء من نوع خاص، فإن الأوبئة بصفة عامة كثيرة، وتنزل في كل يوم وليلة في مناطق مختلفة. (فالأعاجم -عندنا- يتقون ذلك في كانون الأول) يقال: اتقى الشيء إذا خافه، وجعل

стр. 4504

بينه وبينه وقاية، وحذره وتجنبه، فالمعنى كانوا يخافون وقوع ذلك الوباء، ويحذرونه، ويبالغون في تغطية طعامهم وشرابهم في شهر كانون الأول، وهو الشهر المعروف، ويعرف بشهر ديسمبر و"كانون" ممنوع من الصرف، للعلمية والعجمة. (إن هذه النار إنما هي عدو لكم) هكذا جاء بصيغة الحصر، مبالغة وتأكيد، وإلا ففيها مصالح العباد ومنافع لهم، قال ابن العربي: معنى كون النار عدواً لنا أنها تنافي أبداننا وأموالنا منافاة العدو، وإن كانت لنا بها منفعة، فأطلق أنها عدو لنا لوجود معنى العداوة فيها. -[فقه الحديث]- تتعرض هذه الأحاديث إلى إرشادات لحماية الإنسان والبيئة من الأضرار هي: ١ - تغطية إناء الطعام والشراب. ٢ - إغلاق الأبواب ليلاً. ٣ - إطفاء السراج عند النوم. ٤ - إطفاء النار عند النوم. ٥ - كف الصبيان والدواب من الانتشار ليلاً. ٦ - ذكر الله تعالى عند كل ذلك. ١ - أما تغطية إناء الطعام والشراب حتى ساعة الأكل والشرب فالمقصود منه أولاً -وبالذات- حماية ما في الإناء من الطعام والشراب من التلوث والأضرار الصحية التي تنتشر في الجو، والتي تحملها الحشرات الطائرة والزاحفة من الذباب والناموس والنمل والصراصير وغيرها، ومن "الميكروبات والفيروسات" الدقيقة التي لا ترى بالعين المجردة، والتي عبرت عنها الرواية السابعة بالوباء ينزل على الإناء غير المغطى، ومن الروائح الكريهة والمغيرة للطعام والشراب التي تنتشر في الأجواء المحيطة بالطعام والشراب. هذا هدف أول من تغطية الإناء، الهدف الثاني حفظ الإناء نفسه نظيفاً من الداخل، حتى يحين وضع الطعام فيه، وإلى ذلك أشار ملحق الرواية الرابعة، إذ جاء بلفظ "وأكفئوا الإناء" ويتمثل هذا الإرشاد في الغطاء المحكم المعد لذلك في هذه الأيام للأواني ذات الفوهة الواسعة، وللأواني وأسقية الشراب من المعادن أو الزجاج أو البلاستيك ذات الفوهة الضيقة، كما كانت تتمثل قديماً في ربط فم القربة بخيط يسد فتحتها. لكن الروايات الأولى والثانية والثالثة والخامسة أمرت أن يخمر ولو بعود يوضع على عرض الإناء، إن لم يجد غطاء، وهذا الأمر مشكل، إذ العود لا يحقق الهدف المنشود من التغطية، وللعلماء في توجيه هذا التعبير اتجاهان.

стр. 4505

الأول: أنه من قبيل المبالغة في الطلب، غير مقصود لفظه، كحديث "اتقوا النار ولو بشق تمرة" وحديث "من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة" على أن ما لا يدرك كله لا يترك كله. الاتجاه الثاني الأخذ في الاعتبار بالقيد الذي صرحت به الرواية الرابعة من ذكر الله عند عرض العود، ومن هنا يقول الحافظ ابن حجر: وأظن السر في الاكتفاء بعرض العود أن تعاطي التغطية أو العرض يقترن بالتسمية، فيكون العرض علامة على التسمية، فتمتنع الشياطين من الدنو منه، ويقول: فذكر اسم الله يحول بينه وبين فعل هذه الأشياء، ومقتضاه أنه يتمكن من كل ذلك إذا لم يذكر اسم الله وسيأتي قريباً مزيد لهذه المسألة. ويقول ابن بطال: أخبر ﷺ أن الشيطان لم يعط قوة على شيء من ذلك، وإن كان أعطي ما هو أعظم منه، وهو دخوله في الأماكن التي لا يقدر الآدمي أن يدخل فيها. ٢ - وأما إغلاق الأبواب ليلاً فقد قال ابن دقيق العيد: فيه من المصالح الدينية والدنيوية حراسة الأنفس والأموال من أهل العبث والفساد، ولا سيما الشياطين، وأما قوله "فإن الشيطان لا يفتح باباً مغلقاً" فإشارة إلى أن الأمر بالإغلاق لمصلحة إبعاد الشيطان عن الاختلاط بالإنسان، وخصه بالتعليل تنبيهاً على ما يخفى، مما لا يطلع عليه إلا من جانب النبوة، قال: والحديث يدل على منع دخول الشيطان الخارج، فأما الشيطان الذي كان داخلاً فلا يدل الخبر على خروجه، قال: فيكون ذلك لتخفيف المفسدة، لا رفعها، ويحتمل أن تكون التسمية عند الإغلاق تقتضي طرد من في البيت من الشياطين، وعلى هذا فينبغي أن تكون التسمية من ابتداء الإغلاق إلى تمامه. اهـ أي ليخرج من في الداخل أثناء الإغلاق. ٣ - وأما إطفاء السراج فقد قال ابن دقيق العيد: إذا كانت العلة في إطفاء السراج الحذر من جر الفويسقة الفتيلة فمقتضاه أن السراج إذا كان على هيئة لا تصل إليه الفأرة [أو المكان لا تصل إليه فأرة] لا يمنع إيقاده، كما لو كان على منارة من نحاس أملس، لا يمكن الفأرة الصعود إليه، أو يكون مكانه بعيداً عن موضع يمكنها أن تثب منه إلى السراج. اهـ فإذا استوثق، بحيث يؤمن معه الإحراق زال الحكم بزوال علته، وقد صرح النووي بذلك في القنديل مثلاً، لأنه يؤمن معه الضرر الذي لا يؤمن مثله في السراج. ٤ - وأما إطفاء النار عند النوم فقد قال القرطبي: إن الواحد إذا بات ببيت ليس فيه غيره، وفيه نار، فعليه أن يطفئها قبل نومه، أو يفعل بها ما يؤمن معه الاحتراق، وكذا إن كان في البيت جماعة، فإنه يتعين على بعضهم، وأحقهم بذلك آخرهم نوماً، فمن فرط في ذلك كان للسنة مخالفاً ولأدائها تاركاً. ٥ - وأما كف الصبيان والدواب من الانتشار ليلاً، فقد مضى عنها في المباحث العربية ما فيه الكفاية. ٦ - وأما ذكر الله فإنه يحول بين المخلوقات المؤذية وبين وقوع الأذى، وهو وقاية من كل سوء،

стр. 4506

وقد أخرج مسلم والأربعة عن جابر ﵁ رفعه "إذا دخل الرجل بيته، فذكر الله عند دخوله، وعند طعامه، قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء، وإذا دخل فلم يذكر الله عند دخوله قال الشيطان: أدركتم" وكذلك إذا قال الرجل عند جماع أهله: اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا. كان سبب سلامة المولود من ضرر الشيطان، ولو بوجه ما، ففي الحديث الحث على ذكر الله تعالى على كل أمر ذي بال، وكذلك حمد الله تعالى في نهاية كل أمر ذي بال، وقد جعل الله تعالى هذه الأسباب أسباباً للسلامة من الإيذاء. -[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]- ١ - قال النووي تعليقاً على ما جاء في الرواية الأولى من قوله "قال أبو حميد: إنما أمر بالأسقية أن توكى ليلاً، وبالأبواب أن تغلق ليلاً" قال النووي: هذا الذي قاله أبو حميد من تخصيصهما بالليل ليس في اللفظ ما يدل عليه، والمختار عند الأكثرين من الأصوليين، وهو مذهب الشافعي وغيره ﵃ أن تفسير الصحابي، إذا كان خلاف ظاهر اللفظ ليس بحجة، ولا يلزم غيره من المجتهدين موافقته على تفسيره، وأما إذا لم يكن في ظاهر الحديث ما يخالفه، بأن كان مجملاً، فيرجع إلى تأويله، ويجب الحمل عليه، لأنه إذا كان مجملاً لا يحل له حمله على شيء إلا بتوقيف، وكذا لا يجوز تخصيص العموم بمذهب الراوي، عند الشافعي والأكثرين، والأمر بتغطية الإناء عام، فلا يقبل تخصيصه بمذهب الراوي، بل يتمسك بالعموم. والله أعلم. ٢ - قال القرطبي: الأمر والنهي في هذا الحديث للإرشاد، قال: وقد يكون للندب، وجزم النووي بأنه للإرشاد، لكونه لمصلحة دنيوية، وتعقب بأنه قد يفضي إلى مصلحة دينية، وهي حفظ النفس المحرم قتلها، والمال المحرم تبذيره، وقال ابن دقيق العيد: هذه الأوامر لم يحملها الأكثرون على الوجوب، ويلزم أهل الظاهر حملها على الوجوب، قال: وهذا لا يختص بالظاهري، بل الحمل على الظاهر إلا لمعارض ظاهر، يقول به أهل القياس، وإن كان أهل الظاهر أولى بالالتزام به، لكونهم لا يلتفتون إلى المفهومات والمناسبات. قال: وهذه الأوامر تتنوع بحسب مقاصدها، فمنها ما يحمل على الندب، وهو التسمية على كل حال، ومنها ما يحمل على الندب والإرشاد معاً، كإغلاق الأبواب، من أجل التعليل بأن الشيطان لا يفتح باباً مغلقاً، لأن الاحتراز من مخالطة الشيطان مندوب إليه، وإن كان تحته مصالح دنيوية، كالحراسة، وكذا إيكاء السقاء، وتخمير الإناء. ٣ - استنبط بعضهم من الأمر بإغلاق الأبواب مشروعية إغلاق الفم عند التثاؤب، لدخوله في عموم الأبواب مجازاً. ٤ - في ذكر الأسباب عند الأوامر، استحباب تعليل الأمر، وذكر حكمته، ليكون أدخل في الاعتبار، وأسرع إلى الإجابة. ٥ - أخذ بعضهم من هذه الأوامر أن التعرض للفتن مما لا ينبغي، وأن الاحتراس منها أحزم، وإن كان الله بالغاً أمره، قد جعل لكل شيء قدراً. والله أعلم

стр. 4507

(٥٦٠) باب آداب الطعام والشراب ٤٦٠٢ - عن حذيفة ﵁ قال: كنا إذا حضرنا مع النبي ﷺ طعاماً لم نضع أيديناً، حتى يبدأ رسول الله ﷺ فيضع يده. وإنا حضرنا معه مرة طعاماً. فجاءت جارية كأنها تدفع. فذهبت لتضع يدها في الطعام. فأخذ رسول الله ﷺ بيدها. ثم جاء أعرابي كأنما يدفع. فأخذ بيده. فقال رسول الله ﷺ "إن الشيطان يستحل الطعام أن لا يذكر اسم الله عليه. وإنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها؛ فأخذت بيدها. فجاء بهذا الأعرابي ليستحل به؛ فأخذت بيده. والذي نفسي بيده إن يده في يدي مع يدها". ٤٦٠٣ - وفي رواية عن حذيفة بن اليمان قال: كنا إذا دعينا مع رسول الله ﷺ إلى طعام. فذكر بمعنى حديث أبي معاوية وقال: كأنما يطرد وفي الجارية كأنما تطرد. وقدم مجيء الأعرابي في حديثه قبل مجيء الجارية. وزاد في آخر الحديث: ثم ذكر اسم الله وأكل. ٤٦٠٤ - عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يقول "إذا دخل الرجل بيته، فذكر الله عند دخوله وعند طعامه؛ قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء. وإذا دخل فلم يذكر الله عند دخوله؛ قال الشيطان: أدركتم المبيت. وإذا لم يذكر الله عند طعامه؛ قال أدركتم المبيت والعشاء". ٤٦٠٥ - وفي رواية عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: إنه سمع النبي ﷺ يقول: بمثل حديث أبي عاصم، إلا أنه قال: "وإن لم يذكر اسم الله عند طعامه. وإن لم يذكر اسم الله عند دخوله". ٤٦٠٦ - عن جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "لا تأكلوا بالشمال؛ فإن الشيطان يأكل بالشمال".

стр. 4508

٤٦٠٧ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال "إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه. وإذا شرب فليشرب بيمينه. فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله". ٤٦٠٨ - عن سالم عن أبيه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "لا يأكلن أحد منكم بشماله ولا يشربن بها؛ فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بها" قال: وكان نافع يزيد فيها ولا يأخذ بها ولا يعطي بها" وفي رواية أبي الطاهر "لا يأكلن أحدكم". ٤٦٠٩ - عن إياس بن سلمة بن الأكوع أن أباه حدثه: أن رجلاً أكل عند رسول الله ﷺ بشماله؛ فقال "كل بيمينك" قال: لا أستطيع. قال "لا استطعت. ما منعه إلا الكبر" قال: فما رفعها إلى فيه. ٤٦١٠ - عن عمر بن أبي سلمة ﵄ قال: كنت في حجر رسول الله ﷺ . وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي "يا غلام، سم الله. وكان بيمينك. وكل مما يليك". ٤٦١١ - عن عمر بن أبي سلمة ﵄ أنه قال: أكلت يوماً مع رسول الله ﷺ ، فجعلت آخذ من لحم حول الصحفة. فقال رسول الله ﷺ "كل مما يليك". ٤٦١٢ - عن أبي سعيد ﵁ قال: نهى النبي ﷺ عن اختناث الأسقية. ٤٦١٣ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: نهى رسول الله ﷺ عن اختناث الأسقية أن يشرب من أفواهها.

стр. 4509

٤٦١٤ - وفي رواية عن الزهري بهذا الإسناد مثله، غير أنه قال: واختناثها أن يقلب رأسها، ثم يشرب منه. ٤٦١٥ - عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ زجر عن الشرب قائماً. ٤٦١٦ - عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه نهى أن يشرب الرجل قائماً. قال قتادة: فقلنا: فالأكل؟ فقال: ذاك أشر أو أخبث. ٤٦١٧ - وفي رواية عن أنس عن النبي ﷺ بمثله، ولم يذكر قول قتادة. ٤٦١٨ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ زجر عن الشرب قائماً. ٤٦١٩ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن الشرب قائماً. ٤٦٢٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لا يشربن أحد منكم قائماً. فمن نسي؛ فليستقئ"؟ ٤٦٢١ - ١١٧ عن ابن عباس ﵄ قال: سقيت رسول الله ﷺ من زمزم، فشرب وهو قائم. ٤٦٢٢ - عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ شرب من زمزم من دلو منها وهو قائم. ٤٦٢٣ - عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ شرب من زمزم وهو قائم.

стр. 4510

٤٦٢٤ - عن ابن عباس ﵄ قال: سقيت رسول الله ﷺ من زمزم فشرب قائماً واستسقى وهو عند البيت. ٤٦٢٥ - وفي رواية عن شعبة بهذا الإسناد وفي حديثهما فأتيته بدلو. ٤٦٢٦ - عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه ﵁ أن النبي ﷺ نهى أن يتنفس في الإناء. ٤٦٢٧ - عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يتنفس في الإناء ثلاثاً. ٤٦٢٨ - عن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يتنفس في الشراب ثلاثاً. ويقول: "إنه أروى وأبرأ وأمرأ" قال أنس: فأنا أتنفس في الشراب ثلاثاً. ٤٦٢٩ - وفي رواية عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ بمثله. وقال: في الإناء. ٤٦٣٠ - عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ أتي بلبن قد شيب بماء، وعن يمينه أعرابي وعن يساره أبو بكر. فشرب. ثم أعطى الأعرابي. وقال "الأيمن فالأيمن". ٤٦٣١ - عن أنس ﵁ قال: قدم النبي ﷺ المدينة وأنا ابن عشر. ومات وأنا ابن عشرين. وكن أمهاتي يحثثنني على خدمته. فدخل علينا دارنا. فحلبنا له من شاة داجن، وشيب له من بئر في الدار. فشرب رسول الله ﷺ . فقال له: عمر -وأبو بكر عن شماله- يا رسول الله، أعط أبا بكر. فأعطاه أعرابياً عن يمينه. وقال رسول الله ﷺ "الأيمن فالأيمن".

стр. 4511

٤٦٣٢ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: أتانا رسول الله ﷺ في دارنا. فاستسقى؛ فحلبنا له شاة، ثم شبته من ماء بئري هذه. قال: فأعطيت رسول الله ﷺ . فشرب رسول الله ﷺ . وأبو بكر عن يساره. وعمر وجاهه. وأعرابي عن يمينه. فلما فرغ رسول الله ﷺ من شربه. قال: عمر هذا أبو بكر يا رسول الله. يريه إياه. فأعطى رسول الله ﷺ الأعرابي وترك أبا بكر وعمر. وقال رسول الله ﷺ "الأيمنون الأيمنون الأيمنون" قال أنس: فهي سنة فهي سنة فهي سنة. ٤٦٣٣ - عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن رسول الله ﷺ أتي بشراب، فشرب منه، وعن يمينه غلام، وعن يساره أشياخ. فقال للغلام "أتأذن لي أن أعطي هؤلاء" فقال الغلام: لا والله لا أوثر بنصيبي منك أحداً. قال: فتله رسول الله ﷺ في يده. ٤٦٣٤ - عن سهل بن سعد ﵁ عن النبي ﷺ . بمثله، ولم يقولا: فتله. ولكن في رواية يعقوب قال: فأعطاه إياه. -[المعنى العام]- جاء الإسلام لخير الإنسان في دنياه وأخراه، فهو منهج حياة، كما هو منهج عبادة الله، ويخطئ من يظن أن الإسلام عبادات فقط، من صلاة وصيام وزكاة وحج، فتلك العبادات لا تمثل من تعاليم الإسلام إلا الجزء القليل، بل هي في أهدافها قد تكون وسائل لمنهج الحياة، فمن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ [العنكبوت: ٥٤] "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" وليس الصيام من الأكل والشرب، إنما الصيام من اللغو والرفث. يخطئ من يظن أن أحكام المعاملات في الإسلام وليدة بيئة، يحق مخالفتها في بيئة أخرى أو زمن آخر، فالإسلام آخر الأديان، صالح لكل زمان ومكان، على مر العصور، حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

стр. 4512

ويخطئ من يظن أن أحاديث الأكل والشرب واللباس والنوم، مما هو من الأعمال العادية البشرية لا تخضع للثواب والعقاب، وليست من التشريع في شيء. وقد قمت بالرد على هذه الشبهات في بحث بعنوان: السنة كلها تشريع، حققت فيه أن هذه الأمور منها الواجب الذي يثاب على فعله ويعاقب على تركه، والمحرم الذي يثاب على تركه ويعاقب على فعله، من ذلك أكل الميتة وشرب الخمر وأكل الشره، ولبس الرجال للحرير والذهب، وستر العورة ونوم الصبي والصبية في لحاف واحد، ونحو ذلك. كيف لا تكون الأحاديث في ذلك تشريعاً؟ . وحققت فيه أن هذه الأمور منها المندوب الذي يثاب على فعله، ولا يعاقب على تركه والمكروه الذي يثاب على تركه، ولا يعاقب على فعله. بل حققت أن المباح في الأكل والشرب واللباس والنوم ونحوها مما هو عادة في الأصل يثاب عليه، لأن التزامه بعد عن الحرام، والحرام يثاب على تركه. وهذه الأحاديث التي سنتعرض لها في هذا الباب وما بعده، فيها صلاح الدنيا والدين، صلاح الدنيا لأنها إرشادات تحفظ على المسلم صحته وأمنه، ليحيا حياة طيبة، وصلاح الدين، لأن التزامها، والعمل بها، اتباع لأوامر الدين، وهي بهذه الصفة عبادة وطاعة لله ورسوله. ومن المعلوم أن المصدر الثاني للتشريع بعد القرآن، أقوال النبي ﷺ وأفعاله وتقريراته، ومن المعلوم أن جبريل ﵇ كان ينزل على النبي ﷺ بالوحي بين الحين والحين، ومن المستحيل عقلاً وديناً أن ينزل الوحي الأمين، فيسكت على حكم لا يرضاه الله، أخبر به ﷺ ، وطلبه من أمته، والنتيجة الحتمية أن كل أقوال النبي ﷺ وأفعاله وتقريراته هي تشريع من الله، بعد أن ينزل جبريل على محمد ﷺ ، فيقر ما قرره ﷺ . إن التعاليم التي سنعرض لها في هذا الباب منها ما هو أفضل وأولى، ومنها المندوب والمستحب، ومنها الواجب، وكلها يثاب على التزامها. فتقديم الكبير عند الطعام والشراب اعتراف بفضله ومقامه، وتأدب من أصحابه معه، وانتفاع بخير ما عنده وما يتقدم به من سلوك، ونظام اجتماعي رفيع المستوى، لا يختلف عليه اثنان، يعبر عنه حذيفة ﵁ بقوله: "كنا إذا حضرنا مع النبي ﷺ طعاماً لم نضع أيدينا، حتى يبدأ رسول الله ﷺ ، فيضع يده". أدب إسلامي، ومن قبل كان أدباً عربياً، إذ يقول الشاعر: وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل وذكر الله تعالى عند بداية الطعام، والاستعاذة من الشيطان الرجيم، وتسمية الله الرحمن الرحيم، استصحاب للعبادة في أشد أوقات شهوة البطن، مما يدل على أن المسلم لا يشغله شيء، عن عبادة الله، ويحصل له البركة في طعامه وشرابه، فيطيب به بدنه، وتهنأ به نفسه، وينطرد عنه الشيطان بوساوسه وكيده.

стр. 4513

والأكل باليمين أدب إسلامي جليل، وصيانة الأكل والشرب عن الأقذار واجب إنساني صحي، واليد آلة الأكل والشرب، وفي تخصيص إحدى اليدين لمحاسن الأعمال وفضائلها وشريفها ونظيفها تكريم لما تتناوله هذه اليد، وحماية له من التلوث، وحماية للنفس من التقزز، أما اليد التي تخصص للاستنجاء، وتتعرض للقاذورات -مهما غسلت- فيصاحبها -ولو نفسياً- ما لابسها ولابسته من القاذورات، ولك أن تتخيل كوباً تستعمله في الأوساخ، وكوباً آخر من نفس النوع تستعمله في العصائر ولذيذ المشروبات، من أيهما تحب أن تشرب؟ . من هنا أمر الرسول ﷺ بالأكل باليمين والشرب باليمين والإعطاء باليمين، والأخذ باليمين، والمصافحة باليمين، وتناول كل عمل شريف باليمين، والشمال في نقيض ذلك، وقد جعل الله أصحاب السعادة أصحاب اليمين، وأصحاب الشقاء أصحاب الشمال، واليمين في اللغة خير، والشمال شؤم، وكان رسول الله ﷺ يحب التيامن في كل شيء في سواكه ونعله ولباسه وشأنه كله. والأكل مما يلي الآكل، في إناء يشترك فيه مع آخرين أدب اجتماعي، يحفظ لصاحبه أمامهم القناعة والوقار والخلق الجميل، ويحميه من صورة الشره والطمع والأنانية وفرط الحرص، ويحميهم من التقزز والإيذاء. والشرب قاعداً وكذا الأكل قاعداً خير وأولى منه واقفاً، وإن كان شرب الواقف وأكله خيراً منه ماشياً أو مضجعاً. والشرب من فم الإناء الكبير مذموم شرعاً، منهي عنه، لما يخلف توارد الأفواه عليه من رائحة كريهة، واشمئزاز الشاربين. والتنفس في الإناء كذلك مذموم، وإذا اجتمع قوم على طعام أو شراب قدم الأيمن فالأيمن، آداب سامية، وأحاسيس اجتماعية مرهفة، سبقت عصور التقدم والمدنية، آية على أن الإسلام دين الله الخالد، المناسب لكل زمان ومكان إلى قيام الساعة. -[المباحث العربية]- (لم نضع أيدينا) في الطعام، وفي الكلام مقابلة الجمع بالجمع، المقتضية للقسمة آحاداً، كأنه قال: لم يضع أحد منا يده في الطعام. (حتى يبدأ رسول الله ﷺ ، فيضع يده) الفاء تفسيرية، وما بعدها تفسير للبدء، والمعنى حتى يبدأ رسول الله ﷺ وضع الأيدي في الطعام، فيضع يده فيه، ومن باب أولى لم نأكل ولم نبدأ طعمه حتى يبدأ. (وإنا حضرنا معه مرة طعاماً) يقصد حذيفة بالجمع في ضمير المتكلم نفسه ومن حضر معه من الصحابة، وليس الجمع لتعظيم نفسه.

стр. 4514

(فجاءت جارية كأنها تدفع) بضم التاء وسكون الدال وفتح الفاء، مبني للمجهول، والمراد من المجيء التحرك والإنشاء، وليس الانتقال من مكان إلى مكان الطعام، والمراد من الجارية هنا الصبية الحرة، وفي ملحق الرواية "كأنما تطرد" بضم التاء، أي كأنما يطردها ويدفعها من الخلف إلى الأمام قوة خارجية، والمعنى ذهبت جارية مندفعة مسرعة نحو الطعام، فمدت يدها نحوه بسرعة. (فأخذ رسول الله ﷺ بيدها) أي فأمسك بيدها، ومنعها من الوصول إلى الطعام، وكفها عنه، يقال: أخذ كذا حصله وحازه، وأخذ بكذا، أي أمسك به، ومنه قوله تعالى ﴿وأخذ برأس أخيه يجره إليه﴾ [الأعراف: ١٥٠]. (ثم جاء أعرابي كأنما يدفع، فأخذ بيده) في الكلام طي، معلوم مما قبله، أي جاء أعرابي كأنما يدفعه دافع خارجي إلى الأمام، فذهب ليضع يده في الطعام، فأمسك رسول الله ﷺ بيده، وذكر الصبية والأعرابي بهذا الوصف اعتذار عنهما، وإشارة إلى سر مخالفتهما هذا الأدب، وفي ملحق الرواية تقدم الأعرابي على الجارية، قال النووي: ووجه الجمع بينهما أن المراد بقوله في الثانية "قدم مجيء الأعرابي" أنه قدمه في اللفظ، بغير قصد ترتيب، فذكره بالواو، فقال: جاء أعرابي وجاءت جارية، والواو لا تقتضي ترتيباً، وأما الرواية الأولى فصريحة في الترتيب، وتقديم الجارية، لأنه قال: "ثم جاء أعرابي" و"ثم" للترتيب، فيتعين حمل الثانية على الأولى، ويبعد حمله على واقعتين. اهـ أقول: نعم يبعد حمله على واقعتين، لكن التوجيه الذي ذكره النووي ﵀ لا يستقيم مع رواية أبي داود، ولفظها عن حذيفة "وإنا حضرنا معه طعاماً، فجاء أعرابي، كأنما يدفع، فذهب ليضع يده في الطعام، فأخذ رسول الله ﷺ بيده، ثم جاءت جارية، كأنما تدفع، فذهبت لتضع يدها في الطعام، فأخذ رسول الله ﷺ بيدها ... " فاللفظ بحرف الترتيب "ثم" ومن المعلوم أن الترتيب قد يكون زمنياً، وقد يكون رتبياً، وقد يكون لفظياً، أي لمجرد الذكر واللفظ، ولا يقصد المتكلم ترتيباً زمنياً ولا رتبياً، ومنه قول الشاعر: أنا من ساد، ثم ساد أبوه فسيادة الأب لم تكن مرتبة على سيادة الابن، لا زمناً، ولا رتبة، ويمكن حمل الروايتين هنا على هذا، ويكون هدف الراوي الإشعار بتسابق وتسرع المخالفين، حتى كأن هذا يسبق ذاك، وذاك يسبق هذا. ولعل هذا هو السر في أن المخالف الثاني لم يستفد ولم يتعظ برد الأول ومنعه. (إن الشيطان يستحل الطعام ألا يذكر اسم الله عليه) "ألا" بفتح الهمزة وتشديد اللام، وهي "أن" المصدرية، و"لا" النافية، أي يستحل الطعام غير المذكور اسم الله عليه، والمراد من "يستحل" يتمكن، يقال: حل المكان، وحل بالمكان يحل ويحل بكسر الحاء وضمها إذا نزل به، ومنه قوله تعالى: ﴿أو تحل قريبا من دارهم﴾ [الرعد: ٣١] والسين والتاء للصيرورة، أو للتكلف، فالمعنى إن الشيطان يصير متمكناً من الطعام الذي لم يذكر اسم الله عليه، وأكثر العلماء على أن المراد من الشيطان شيطان الجن، وأن المراد من تمكنه من الطعام تناوله وأكله، وقال بعضهم: تمكنه من

стр. 4515

الطعام تحسينه في نظر الآكلين، وغرس الشره فيهم، ورفع البركة منه، وهذا ما أميل إليه، لأن التخويف بأكله من الطعام لا يخيف، لقلة ما يأكل، ولأنه متمكن من ذلك الطعام منذ إعداده وغرفه. (وأنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها، فأخذت بيدها) أي أوحي إليها، ووسوس لها، ودفعها إلى أن تمد يدها إلى الطعام، دون تسمية الله، ليتمكن منه عن طريق افتتاحها له دون تسمية، ولعل الله أراد وشاء ألا يمكن الشيطان من نزع البركة من الطعام، إلا إذا افتتح دون تسمية الله. وظاهر هذا أن أخذه ﷺ بيدها كان لعدم تسميتها، لا لأن يدها سبقت يده، ﷺ ، كما هو المقصود من صدر الحديث، ويمكن أن يجاب بأنه ﷺ بهذا نبه على أدبين، أدب أن لا يبدأ الصغير قبل الكبير، وذلك بإمساك يدها ومنعها من البدء والتقدم، وهذا واضح الارتباط بصدر الحديث، وزاد الأدب الثاني وهو التسمية على الطعام، ولا شك أنها حتى لو قالت بسم الله الرحمن الرحيم لا تكون تسميتها في بركة تسمية الكبير، فضلاً عن تسمية رسول الله ﷺ . (والذي نفسي بيده، إن يده في يدي مع يدها) أي إن يد الشيطان كانت في يدي حين أمسكت يدها، قال النووي: هكذا هو في معظم الأصول "يده في يدي مع يدها" وفي بعضها "يده في يدي مع يدهما" بالتثنية، وهي تعود إلى الجارية والأعرابي، ورواية الإفراد أيضاً مستقيمة، فإن إثبات يدها لا ينفي يد الأعرابي، وإذا صحت الرواية بالإفراد وجب قبولها، وتأويلها على ما ذكرناه. اهـ وهل المراد من هذا التعبير حقيقته؟ أو هو كناية عن التلازم والتعاون؟ كما يقول أحد المتعاونين على حل مشكلة فكرية: يدي في يدك؟ احتمالان. (ثم ذكر اسم الله وأكل) أي بعد أن قال عن الجارية والأعرابي ما قال، بدأ ﷺ يمد يده إلى الطعام وبدأ الأكل، فبدأنا بعده. (إذا دخل الرجل بيته، فذكر الله عند دخوله وعند طعامه) ذكر "الرجل" ليس للاحتراز، فكذلك المرأة، وإضافة "بيته" للملك أو الاختصاص، والمراد من ذكر الله التسمية وفي الكلام طي، وفيه أيضاً مجاز المشارفة، والتقدير: إذا أشرف الرجل على دخول بيته، فسمى الله تعالى عند دخوله، وإذا أشرف على طعامه فسمى الله تعالى عند مد يده إليه. (قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء) بفتح العين، طعام الليل، أي قال لأصحابه وأعوانه من الشياطين، وهذا القول حقيقة؟ أو كناية عن إعلان التمكن؟ احتمالان، والتفصيل في "وإذا دخل فلم يذكر الله عند دخوله، قال الشيطان: أدركتم المبيت، وإذا لم يذكر الله عند طعامه، قال: أدركتم المبيت والعشاء" يدل على أن ذكر الله عند الدخول يمنع الشيطان من الدخول، فيمنعه من المبيت في البيت من باب أولى، ويمنعه من الاشتراك في الطعام في داخل البيت من باب أولى، وعدم التسمية عند الدخول، مع عدم التسمية عند الطعام تشرك الشيطان صاحب البيت في المبيت

стр. 4516

والطعام، وعدم التسمية عند الدخول مع التسمية عند الطعام تمكن الشيطان من المبيت ولا تمكنه من الطعام، فإذا قيل: ما فائدة التسمية عند الطعام لمن سمى عند الدخول؟ قلنا: إنها لمنع الشياطين الموجودين في البيت قبل الدخول، وإذا قيل: ما فائدة التسمية عند الدخول مادام البيت قبله مشتملاً على شياطين؟ قلنا: إنه من قبيل تضييق دائرة الفساد والإفساد. والله أعلم. (لا تأكلوا بالشمال) أي باليد الشمال. (فإن الشيطان يأكل بالشمال) في الرواية الرابعة "إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله" أي بشمال نفسه ففيه أن من فعل ذلك تشبه بالشيطان، وأبعد وتعسف من أعاد الضمير في "شماله" على الآكل، وفي الرواية الخامسة "لا يأكلن أحد منكم بشماله، ولا يشربن بها، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بها". وقد نقل الطيبي أن معنى قوله "إن الشيطان يأكل بشماله" أي يحمل أولياءه من الإنس على ذلك. قال الحافظ ابن حجر: وفي هذا المعنى عدول عن الظاهر، والأولى عمل الخبر على ظاهره، وأن الشيطان يأكل حقيقة، لأن العقل لا يحيل ذلك، وقد ثبت الخبر به، فلا يحتاج إلى تأويله، وحكى القرطبي في ذلك الاحتمالين، ثم قال: والقدرة صالحة. (أن رجلاً أكل عند رسول الله ﷺ بشماله) قال النووي: هذا الرجل هو بسر، بضم الباء وسكون السين، ابن راعي العير، بفتح العين، الأشجعي، وهو صحابي مشهور. (لا أستطيع) مفعوله محذوف، أي لا أستطيع الأكل باليمين. (قال: لا استطعت) دعاء عليه بأن لا يستطيع الأكل باليمين حقيقة، حيث ادعى عدم الاستطاعة كذباً. (ما منعه إلا الكبر) أي ما منعه من الأكل باليمين ابتداء إلا الكبر، ليس المانع عذراً شرعياً. (فما رفعها إلى فيه) أي فأجيب الدعاء عليه، فلم يستطع بعد الدعاء عليه أن يرفعها إلى فمه بطعام أو شراب. (عن عمر بن أبي سلمة) ﵁، ابن عبد الأسد بن هلال المخزومي، واسم أبي سلمة عبد الله، وأمه أم سلمة زوج النبي ﷺ ، لذا يوصف بأنه ربيب النبي ﷺ . (كنت في حجر رسول الله ﷺ بفتح الحاء وسكون الجيم، أي في تربيته، وتحت نظره، وأنه يربيه في حضنه تربية الولد، قال عياض: الحجر يطلق على الحضن، وعلى الثوب، فيجوز فيه الفتح والكسر، وإذا أريد به معنى الحضانة فالفتح لا غير، فإن أريد به المنع من التصرف فبالفتح في المصدر، وبالكسر في الاسم، لا غير.

стр. 4517

(وكانت يدي تطيش في الصحفة) أي عند أكلي معه ﷺ في يوم من الأيام، ومعنى "تطيش" تتحرك وتميل إلى نواحي القصعة، ولا تقتصر على موضع واحد، قال الطيبي: والأصل أطيش بيدي، فأسند الطيش إلى اليد مبالغة، وقال غيره: معنى "تطيش" تخف وتسرع، وفي الرواية الثامنة "فجعلت آخذ من لحم حول الصحفة" أي من جوانبها، وعند البخاري "أكلت مع النبي ﷺ طعاماً، فجعلت آكل من نواحي الصحفة". والصحفة إناء يشبع الخمسة، وقيل: الصحفة كالقصعة، وجمعها صحاف، وعند الترمذي، عن عمر بن أبي سلمة، "أنه دخل على رسول الله ﷺ ، وعنده طعام، فقال: ادن يا بني .... " وعند البخاري "أتي النبي ﷺ بطعام، وعنده ربيبه" ويجمع بينهما أن مجيء الطعام وافق دخوله. (فقال لي: يا غلام) يقال للصبي من حين يولد إلى أن يبلغ الحلم غلام، وقد ذكر ابن عبد البر أن عمر ﵁ ولد في السنة الثانية من الهجرة، ولد بأرض الحبشة، قال الحافظ ابن حجر: والصواب أنه ولد قبل ذلك: فقد صح في حديث عبد الله بن الزبير أنه قال "كنت أنا وعمر بن أبي سلمة مع النسوة يوم الخندق، وكان أكبر مني بسنتين، ومولد ابن الزبير في السنة الأولى على الصحيح، فيكون مولد عمر قبل الهجرة بسنتين. (سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك) الأمر بالشيء إنما يصدر عند من لا يلتزمه غالباً، فالأمر بالأكل مما يلي واضح، أما الأمر بالتسمية، وبالأكل باليمين، فليس في الحديث إشارة إلى أن عمر ﵁ كان مقصراً فيهما، فيتحمل أن الأمر بهما إرشاد عام، ويحتمل أنه كان مقصراً فيهما أيضاً، ولم يذكرهما في التقصير اكتفاء بذكر التقصير الأكبر، وقد جاء عند البخاري زيادة قول عمر: "فما زالت تلك طعمتي بعد" بكسر الطاء وسكون العين، أي فما زالت تلك الأوامر ملتزمة في صفة أكلي بعد ذلك، وصارت عادة لي. (نهى النبي ﷺ عن اختناث الأسقية) فسره في الرواية العاشرة بقوله "أن يُشرب من أفواهها" وفسره في ملحقها بقوله "واختناثها أن يقلب رأسها، ثم يشرب منه" وفسره في رواية البخاري بقوله "يعني أن تكسر أفواهها، فيشرب منها" وهذا التفسير مدرج، ويحمل التفسير المطلق، وهو الشرب من أفواهها، على المقيد بكسر فمها، أو قلب رأسها. والاختناث في الأصل التكسر والانطواء، ومنه سمي الرجل المتشبه بالنساء في طبعه وكلامه وحركاته مخنثاً، والأفواه جمع فم، وهو على سبيل الرد إلى الأصل في الفم، وأنه فوه، بضم الفاء، ومنه فاه بالقول، وتفوه به، نقصت منه الهاء، لاستثقال هاءين عند الضمير، لو قيل: فوهه، فلما لم يحتمل حرف الواو بعد حذف الهاء، الإعراب، لسكونها، عوضت ميماً، فقيل: فم، وهذا إذا أفرد، ويجوز أن يقتصر على الفاء إذا أضيف، لكن تزاد حركة مشبعة، يختلف إعرابها بالحروف. (زجر عن الشرب قائماً) في الرواية الثانية عشرة "نهى أن يشرب الرجل قائماً" وذكر الرجل ليس للاحتراز، بل كذلك المرأة.

стр. 4518

(قال قتادة: فقلنا: فالأكل؟ فقال: ذاك أشر أو أخبث) "فالأكل" الفاء فصيحة، وما بعدها جواب شرط محذوف، والأكل خبر لمبتدأ محذوف، أي إذا كان الشرب قائماً منهياً عنه فما حكم الأكل قائماً؟ . قال النووي: هكذا وقع في الأصول "أشر" بالألف، والمعروف في العربية "شر" بغير ألف، وكذلك خير، قال تعالى: ﴿أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً﴾ [الفرقان: ٢٤] وقال تعالى: ﴿فسيعلمون من هو شر مكاناً﴾ [مريم: ٧٥] ولكن هذه اللفظة "أشر أو أخبث" وقعت هنا على الشك، فشك قتادة في أن أنساً قال: "أشر" أو قال "أخبث" فلا يثبت عن أنس بهذه الرواية "أشر" فإن جاءت هذه اللفظة من غير شك، وثبتت عن أنس، فهي لغة وإن كانت قليلة الاستعمال، لأنه عربي فصيح، ولهذا نظائر مما لا يكون معروفاً عن النحويين، ومما لا يكون جارياً على قواعدهم، وقد صحت به الأحاديث، فلا ينبغي رده إذا ثبت، بل يقال: هذه لغة قليلة الاستعمال، ونحو هذا من العبارات، وسببه أن النحويين لم يحيطوا إحاطة كاملة قطعية بجميع كلام العرب، ولهذا يمنع بعضهم ما ينقله غيره عن العرب، كما هو معروف. اهـ (سقيت رسول الله ﷺ من زمزم، فشرب وهو قائم) في الرواية السابعة عشرة "شرب من زمزم من دلو منها وهو قائم" وفي الرواية التاسعة عشرة "سقيت رسول الله ﷺ من زمزم، فشرب قائماً، واستسقى وهو عند البيت أي طلب أن يشرب، وهو عند الكعبة، وفي ملحقها "فأتيته بدلو". وعند البخاري وابن ماجه عن عاصم عن الشعبي أن ابن عباس ﵄ حدثه، قال: سقيت رسول الله ﷺ من زمزم، فشرب وهو قائم. قال عاصم: فذكرت ذلك لعكرمة، فحلف بالله ما فعل -أي ما شرب قائماً- ما كان يومئذ إلا على بعير" قال ابن العربي: لا حجة في هذا على الشرب قائماً، لأن الراكب على البعير قاعد، غير قائم، وقيل: إن عكرمة قال: إن مراد ابن عباس بقوله: إنه شرب قائماً، إنما أراد به وهو راكب، والراكب يشبه القائم من حيث كونه سائراً، ويشبه القاعد، من حيث كونه مستقراً على الدابة، قال الحافظ ابن حجر: لكن عند أبي داود عن ابن عباس أنه ﷺ أناخ، فصلى ركعتين، فلعل شربه من زمزم كان بعد ذلك، ولعل عكرمة إنما أنكر شربه قائماً لنهيه عنه. اهـ (نهى أن يتنفس في الإناء) في الرواية الواحدة والعشرين "كان يتنفس في الإناء ثلاثاً" وفي الرواية الثانية والعشرين "كان يتنفس في الشرب ثلاثاً" والرواية المتممة للعشرين صريحة في النهي عن التنفس في الإناء، والرواية الواحدة والعشرون صريحة في التنفس في الإناء، فبين ظاهرها التعارض، فحملهما العلماء على حالتين: حالة التنفس بالفعل على من تنفس خارج الإناء، وحالة النهي عن التنفس داخل الإناء، قال الإسماعيلي: المعنى أنه كان يتنفس: أي على الشراب، لا فيه داخل الإناء. قال: وإن لم يحمل على هذا صار الحديثان مختلفين، وكان أحدهما منسوخاً لا محالة، والأصل عدم النسخ، والجمع مهما أمكن أولى، ثم أشار إلى حديث أبي سعيد عن الترمذي وصححه الحاكم "أن النبي ﷺ نهى عن النفخ في الشراب، فقال رجل: القذاة أراها في الإناء؟ قال: أهرقها.

стр. 4519

قال: فإني لا أروى من نفس واحد؟ قال: فأبن القدح إذن عن فيك" وعند ابن ماجه "إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء، فإذا أراد أن يعود فلينح الإناء، ثم ليعد، إن كان يريد" وسيأتي مزيد للمسألة في فقه الحديث. (إنه أروى، وأبرأ، وأمرأ) "إنه" أي إن التنفس في الشرب ثلاثاً أكثر رياً، يقال: روى من الماء ونحوه، بفتح الراء وكسر الواو وفتح الياء، يروى بفتح الواو، رياً بفتح الراء وكسرها، وروي بفتح الواو مقصوراً، إذا شرب وشبع، فهو ريان، وهي رياً، وريانة، والمعنى أن قليل الماء مع تجزئته في الشرب على نفسين أو ثلاثة يشعر الشارب بالشبع، وهو أيضاً "أبرأ" يقال: برئ المريض، بكسر الراء، يبرأ بفتحها، برءاً، بفتح فسكون، وبرءاً، بضم فسكون، شفي، وتخلص مما به، فالمعنى أن التنفس عند الشرب أكثر تخلصاً من ألم العطش، وقيل: أكثر وقاية من الأمراض، أو أكثر وقاية من الأذى الذي يحصل بسبب الشرب في نفس واحد، وهو أيضاً "أمرأ" أي أكثر انسياباً وانسياغاً في المريء، الذي هو مجرى الطعام والشراب من الحلقوم إلى المعدة، أي فهو أهنأ، حميد العاقبة، قال تعالى: ﴿فكلوه هنيئاً مريئاً﴾ [النساء: ٤]. (أتي بلبن قد شيب بماء) يقال: شاب الشيء بالشيء، يشوبه، شوباً بفتح الشين، إذا خلطه به، وفي القرآن الكريم ﴿ثم إن لهم عليها لشوباً من حميم﴾ [الصافات: ٦٧] وفي الرواية الرابعة والعشرين يقول أنس "فدخل علينا دارناً، فحلبنا له من شاة داجن -أي أليفة، أغلب تربيتها وعلفها في البيت، قليلة الخروج للرعي، وهذا الوصف يشير إلى حسن مرعاها، وطيب لبنها -وشيب له من بئر في الدار" أي وخلط لبنها بماء من بئر في دارنا، وتبين الرواية الخامسة والعشرون شخص الذي شاب اللبن، وأنه أنس، ففيها "أتانا رسول الله ﷺ في دارنا، فاستسقى -أي عطش، فطلب الشرب- فحلبنا له شاة، ثم شبته -بضم الشين، والضمير يرجع إلى اللبن، المفهوم من الحلب- من ماء بئري هذه" وتبين رواية البخاري أن أنساً هو الذي باشر حلب الشاة، ولفظها "فحلبت شاة". (وعن يمينه أعرابي، وعن يساره أبو بكر) في الرواية الخامسة والعشرين "وأبو بكر عن يساره، وعمر وجاهه، وأعرابي عن يمينه" يقال: وجاهه، بكسر الواو وضمها لغتان ويقال تجاهه، أي تلقاء وجهه. (فشرب، ثم أعطى الأعرابي) في الرواية الرابعة والعشرين "فشرب رسول الله ﷺ ، فقال له عمر: يا رسول الله، أبا بكر -أي أعط أبا بكر- فأعطاه أعرابياً عن يمينه" وفي الرواية الخامسة والعشرين" فلما فرغ رسول الله ﷺ من شربه، قال عمر: هذا أبو بكر يا رسول الله -يريد إياه- أي يريد أن يعطي القدح إياه- فأعطى رسول الله ﷺ الأعرابي، وترك أبا بكر وعمر" وفي رواية للبخاري فقال عمر -وخاف أن يعطيه الأعرابي- أعط أبا بكر" فإشارة عمر بناها على مشاهدته ميل رسول الله ﷺ بالقدح نحو الأعرابي، وقصد بها التذكير، لا التعديل خوفاً من النسيان، وإعلاماً للأعرابي وغيره بجلالة أبي بكر، وفي رواية البخاري "فأعطى الأعرابي فضله" أي اللبن الذي فضل منه بعد شربه، وحكى

стр. 4520

ابن التين أن الأعرابي خالد بن الوليد، وتعقب بأن مثله لا يقال له: أعرابي قال الحافظ ابن حجر: وكأن الحامل لصاحب هذا القول على ذلك أنه رأى في حديث ابن عباس الآتي قريباً ذكر خالد، فظن أن القصة واحدة، وليس كذلك، فإن قصة ابن عباس في بيت ميمونة، وقصة أنس في دار أنس، فافترقا. (وكن أمهاتي يحثثنني على خدمته) هذا على لغة: أكلوني البراغيث، أي الجمع بين الضمير الفاعل والاسم الظاهر، والأصل وكانت أمهاتي، يقصد أمه -أم سليم وخالته أم حرام وغيرهما من محارمه، وأطلق لفظ الأم عليهن من قبيل استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، وهذا على مذهب يجيزه، كالشافعي والباقلاني وغيرهما. والحث على خدمة النبي ﷺ في بيت أنس كان تمهيداً لتعيينه خادماً له ﷺ . (الأيمنون. الأيمنون. الأيمنون) بالرفع، خبر مبتدأ محذوف، أي الأحق الأيمنون، أو مبتدأ، خبره محذوف، وفي الرواية الرابعة والعشرين "الأيمن فالأيمن" وقد ضبط بالنصب والرفع، وهما صحيحان فالنصب على أنه مفعول لفعل محذوف، أي أعطوا -أو قدموا- الأيمن فالأيمن، والرفع كما سبق، وعند البخاري "الأيمن والأيمن" بالواو، وفي رواية له "ألا فيمنوا". (وعن يمينه غلام، وعن يساره أشياخ) في رواية للبخاري وعن يمينه غلام هو أحدث القوم" وفي رواية له "هو أصغر القوم" وقد حكى ابن بطال أن الغلام كان الفضل بن عباس، وحكى ابن التين أنه أخوه عبد الله، قال الحافظ ابن حجر: وهو الصواب، وقد روى ابن أبي حازم عن أبيه في حديث سهل بن سعد ذكر أبي بكر الصديق، فيمن كان عن يساره ﷺ ، ذكره ابن عبد البر، وخطأه، وقد أخرج الترمذي عن ابن عباس قال: "دخلت أنا وخالد بن الوليد على ميمونة، فجاءتنا بإناء من لبن، فشرب رسول الله ﷺ ، وأنا على يمينه، وخالد على شماله، فقال لي: الشربة لك، فإن شئت آثرت بها خالداً؟ فقلت: ما كنت أوثر على سؤرك أحداً" فصح أن يعد خالد من الأشياخ، وليس في حديث ابن عباس ما يمنع أن يكون مع خالد في بيت ميمونة غيره. (فقال للغلام: أتأذن لي أن أعطي هؤلاء) الأشياخ؟ قال ابن الجوزي: إنما استأذن الغلام، ولم يستأذن الأعرابي -في روايتنا الثالثة والعشرين والرابعة والعشرين والخامسة والعشرين- لأن الأعرابي لم يكن له علم بالشريعة، فاستألفه، بترك استئذانه، بخلاف الغلام، وقال النووي: السبب فيه أن الغلام كان ابن عمه، فكان له عليه إدلال، وكان من على اليسار أقارب الغلام أيضاً، وطيب نفسه مع ذلك بالاستئذان لبيان الحكم، وأن السنة تقديم الأيمن ولو كان مفضولاً بالنسبة إلى من على اليسار، وجاء في السنن أن النبي ﷺ تلطف به، حيث قال له: "الشربة لك، وإن شئت آثرت بها خالداً"؟ وفي لفظ لأحمد "وإن شئت آثرت بها عمك" وإنما أطلق عليه عمه لكونه أسن منه، ولعل سنة كان قريباً من سن العباس، وإن كان من جهة أخرى من أقرانه، لكونه ابن خالته، وكان خالد مع رياسته في الجاهلية وشرف في قومه قد تأخر إسلامه، فلذلك استأذن له، بخلاف أبي بكر، فإن
следующие страницы →