Полный текст (6 200 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.
стр. 4691
من بعض. وزاد في حديث ابن أخي الماجشون. قالت: فأخذته فجعلته مرفقتين، فكان يرتفق بهما في البيت.
٤٨٣٧ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال "الذين يصنعون الصور يعذبون يوم القيامة. يقال لهم أحيوا ما خلقتم".
٤٨٣٨ - عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ "إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون" ولم يذكر الأشج: إن.
٤٨٣٩ - وفي رواية عن أبي معاوية "إن من أشد أهل النار يوم القيامة عذاباً المصورون" وحديث سفيان كحديث وكيع.
٤٨٤٠ - عن مسلم بن صبيح قال: كنت مع مسروق في بيت فيه تماثيل مريم. فقال مسروق هذا تماثيل كسرى. فقلت: لا، هذا تماثيل مريم. فقال مسروق: أما إني سمعت عبد الله بن مسعود يقول: قال رسول الله ﷺ "أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون".
٤٨٤١ - عن سعيد بن أبي الحسن قال: جاء رجل إلى ابن عباس، فقال: إني رجل أصور هذه الصور. فأفتني فيها. فقال له: ادن مني. فدنا منه. ثم قال: ادن مني. فدنا. حتى وضع يده على رأسه. قال: أنبئك بما سمعت من رسول الله ﷺ . سمعت رسول الله ﷺ يقول "كل مصور في النار. يجعل له بكل صورة صورها نفساً فتعذبه في جهنم" وقال: إن كنت لا بد فاعلاً. فاصنع الشجر وما لا نفس له. فأقر به نصر بن علي.
стр. 4692
٤٨٤٢ - عن النضر بن أنس بن مالك قال: كنت جالساً عند ابن عباس. فجعل يفتي ولا يقول: قال رسول الله ﷺ . حتى سأله رجل. فقال: إني رجل أصور هذه الصور. فقال له ابن عباس: ادنه. فدنا الرجل. فقال ابن عباس: سمعت رسول الله ﷺ يقول "من صور صورة في الدنيا كلف أن ينفخ فيها الروح يوم القيامة. وليس بنافخ".
٤٨٤٣ - عن أبي زرعة قال: دخلت مع أبي هريرة في دار مروان، فرأى فيها تصاوير. فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول قال: "الله : ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقاً كخلقي فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة".
٤٨٤٤ - وفي رواية عن أبي زرعة قال: دخلت أنا وأبو هريرة داراً تبنى بالمدينة لسعيد أو لمروان. قال: فرأى مصوراً يصور في الدار. فقال: قال رسول الله ﷺ . بمثله. ولم يذكر: أو ليخلقوا شعيرة.
٤٨٤٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لا تدخل الملائكة بيتاً فيه تماثيل أو تصاوير".
٤٨٤٦ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب ولا جرس".
стр. 4693
٤٨٤٧ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "الجرس مزامير الشيطان".
-[المعنى العام]-
جاء الإسلام والأصنام تعبد، إشراكاً لله، يقولون: ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ [الزمر: ٣] ولم يكن العرب في جاهليتهم وقبيل الإسلام هم الذين اخترعوا الأصنام وعبدوها، فقوم نوح ﵇ كانوا يصنعونها، ويعبدونها، ولما دعاهم نوح ﵇ إلى تركها، وعبادة الله وحده عصوه، وقال بعضهم لبعض ﴿لا تذرن ءالهتكم ولا تذرن وداً﴾ [نوح: ٢٣]، وكان تمثالاً على صورة رجل ﴿ولا سواعاً﴾ وكان صنماً على صورة امرأة ﴿ولا يغوث﴾ وكان صنماً على صورة أسد ﴿ويعوق﴾ وكان صنماً على صورة فرس ﴿ونسراً﴾ وكان صنماً على صورة نسر، ويقال: إن هذه الأسماء كانت أسماء لخمسة من أبناء آدم، كانوا يحبونهم كثيراً، فلما مات أولهم حزنوا عليه حزناً شديداً، فجاءهم الشيطان، فوسوس لهم أن يصوروا مثله في قبلتهم، إذا نظروا إليه في صلاتهم ذكروه، ففعلوا، حتى مات خمستهم، فصوروا صورهم في مسجدهم، ثم وسوس لهم فصنعوا صوراً أخرى لناديهم، ثم وسوس لهم فجعل كل منهم صوراً له في بيته، بل كان يحملها معه إلى عمله أو في سفره، وكانت التماثيل من نحاس أو رصاص أو صلصال، حتى وصل ببعض العرب أن صنع إلهه من عجوة فلما جاع أكله.
بدأ الاهتمام بالصور والتماثيل كتذكار لعابد صالح، يعتزون به، ويقدسونه لصلاحه، ويتذكونه ليقتفوا أثره، فلما ماتت أجيالهم، ودرس العلم بحقيقتهم، عبدتهم الأجيال اللاحقة، ومن بعد نوح ظلت الأصنام تعبد، فهذا هود ﵇ يقول لقومه عاد: ﴿قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون﴾ [هود: ٥٠] ويجيبه قومه ﴿يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي ءالهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين﴾ [هود: ٥٣] وهذا صالح ﵇ يقول لقومه ثمود ﴿قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه﴾ [هود: ٦١] من عبادة الأصنام ﴿إن ربي قريب مجيب* قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجواً قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما يعبد ءاباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب﴾ [هود: ٦١، ٦٢] وهذا إبراهيم ﵇ يقول لقومه ﴿ماذا تعبدون* أئفكاً ءالهة دون الله تريدون* فما ظنكم برب العالمين﴾ [الصافات: ٨٥ - ٨٧].
وقال لأبيه وقومه ﴿ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون* قالوا وجدنا ءاباءنا لها عابدين* قال لقد كنتم أنتم وءاباؤكم في ضلال مبين* قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين* قال بل ربكم رب
стр. 4694
السموات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين* وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين﴾ [الأنبياء: ٥٢ - ٥٧]. ﴿فتولوا عنه مدبرين* فراغ إلى ءالهتهم﴾ [الصافات: ٩٠، ٩١] وقد وضع القوم موائد الطعام بين أيديهم، تقرباً إليهم ﴿فقال ألا تأكلون* ما لكم لا تنطقون* فراغ عليهم ضرباً باليمين﴾ [الصافات: ٩١ - ٩٣].
وانتقلت الأصنام وعبادتها إلى العرب، واتخذوا تماثيل سموها بأسماء أصنام قوم نوح، فكان "ود" لكلب بدومة الجندل، وكان "سواع" لهذيل، وكان "يغوث" لمراد، وبني غطيف عند سبأ، وكان "يعوق" لهمدان، وكان "نسر" لحمير، بالإضافة إلى أصنام أخرى كثيرة سموها بأسماء، ونصبوها في الكعبة وحولها حتى حطمها رسول الله ﷺ ، وأراد قطع هذه الفتنة الشيطانية من جذورها، فكانت هذه الأحاديث بدأ الرسول ﷺ بالتحذير من مهنة التصوير، وبالوعيد الشديد للمصورين "إن من أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله". الذين يضاهون بخلق الله". "إن أصحاب هذه الصور يعذبون". "يقال لهم يوم القيامة: أحيوا ما خلقتم" إن كنتم تستطيعون، ولن تستطيعوا، يكلفون أن ينفخوا الروح في مثل ما صوروا، وليسوا بنافخين، سيصور لهم بكل صورة صوروها تمثال من نار، يعذبون به في جهنم، إنهم في الدنيا ضلوا، وأضلوا كثيراً، إنهم ألبسوا على الناس المخلوق والخالق، فجعلوهم يشركون بالله ما لا ينفع ولا يضر، ولا يسمع ولا يبصر، لقد أوهموا الناس بالباطل، فهم حقيقة لا يستطيعون في دنياهم أن يخلقوا من الجمادات ذرة رمل، فضلاً عن أن يخلقوا حبة قمح أو حبة شعير.
هكذا بدأت الشريعة الإسلامية حربها للأصنام، ولما يعبد من دون الله، فقد كانت البداية التصوير، وإذا منعت البداية منع ما يترتب عليها من أخطار، لكن المصورين -مسلمين أو غير مسلمين- قد لا يمتنعون عن التصوير، فهو مهنة وسبيل كسب للعيش، فكان أن حذر المسلمون من استعمال الصورة واقتنائها، فقال ﷺ "لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة أو كلب" وفهم المسلمون الهدف، واستقر عندهم عدم الإشراك بالله شيئاً، لكنهم وجدوا أنفسهم في حاجة إلى الصور في حياتهم، إنهم يلبسون الملابس المستوردة من الفرس والروم، وهي لا تخلو من الرسوم والصور، فرخص لهم باستعمالها فيما يمتهن، حيث يؤمن على الجاهل تعظيم ما يمتهن وعبادته، ثم أذن لهم باستعمال ما كان رقماً في ثوب، ورسماً صغيراً في مساحة كبيرة، ثم رخص لهم في المصور بالشجر والجمادات، وبقي المنع في تماثيل الإنسان والحيوان، اللهم إلا تماثيل اللعب للبنات الصغيرات. وكل ذلك لحماية الإنسانية من العودة لتقديس التماثيل وعبادة الأصنام.
ولا يتوهم متوهم أن الإنسانية قد ارتقت، وبلغت من النضوج العقلي والعلمي ما يستحيل معه أن تعبد الأحجار والماديات، لا يتوهم متوهم هذا، فإن الإنسانية تمر بأطوار التخلف بعد التقدم، والجهل بعد العلم وتلك حقيقة أرادها الله للإنسان، والوقاية خير من العلاج، وسد الذرائع خير من حسن القصد والنية، والله الهادي سواء السبيل.
стр. 4695
-[المباحث العربية]-
(واعد رسول الله ﷺ جبريل ﵇ "رسول" مفعول مقدم، و"جبريل" فاعل، و"واعد" بمعنى وعد، فليس المقصود مفاعلة من الجانبين، وفي الرواية الثانية "أن جبريل وعد رسول الله ﷺ " وفي الرواية الثالثة "إن جبريل كان قد وعدني أن يلقاني" والموعود به في الرواية الأولى والثانية إتيانه، وفي الثالثة لقاؤه، وفي رواية البخاري محذوف، لفظها "وعد جبريل النبي ﷺ ، فراث عليه" أي أبطأ عليه. وفي الرواية الأولى "فجاءت تلك الساعة، ولم يأته" وفي الرواية الثالثة "فلم يلقني" أي في الموعد الذي حدده.
(وفي يده عصا، فألقاها من يده، وقال: ما يخلف الله وعده، ولا رسله) "ولا رسله" بالرفع، عطفاً على لفظ الجلالة، أي ما يخلف الله وعده، ولا يخلف رسله وعدهم، والمقصود من الرسل هنا جبريل وأمثاله من الملائكة. وإلقاء رسول الله ﷺ العصا من يده، مظهر من مظاهر الضيق، والظاهر أن الوعد كان ساعة في ليلة، فلما مضى الليل أصبح حزيناً مهموماً، فأمسك بعصا، جعل يضرب أو يخطط بها على رمال الأرض من همه وانشغال فكره، ثم ألقى العصا ضيقاً، كان ذلك صبيحة الليلة الموعودة، وظل يومه دون لقاء، حتى الليل، ففي الرواية الثالثة "أصبح يوماً واجماً" أي منقبضاً "فقالت ميمونة: يا رسول الله، لقد استنكرت هيئتك منذ اليوم" أي منذ صباح اليوم؟ "قال رسول الله ﷺ : إن جبريل كان وعدني أن يلقاني الليلة" أي الماضية "فلم يلقني، أم والله ما أخلفني" وعده من قبل ذلك، و"أم" بفتح الهمزة والميم، أصلها "أما" بفتح الميم مخففة، حرف استفتاح، بمنزلة "ألا" وتكثر قبل القسم، وقد تبدل همزتها هاء، أو عيناً قبل القسم، وكلاهما مع ثبوت الألف، وحذفها، أو تحذف الألف مع ترك الإبدال، كما هنا.
(ثم التفت، فإذا جرو كلب تحت سريره، فقال: يا عائشة، متى دخل هذا الكلب ههنا؟ فقالت: والله ما دريت به، ولا بدخوله، ولا أدري متى دخل؟ "فأمر به، فأخرج") أي فأمر بإخراجه، فأخرج، وكان علمه بالكلب وإخراجه آخر النهار، ففي الرواية الثالثة "فظل رسول الله ﷺ يومه ذلك على ذلك" الحال "ثم وقع في نفسه" عن طريق سماع حركة أو صوت "جرو كلب، تحت فسطاط لنا، فأمر به، فأخرج، ثم أخذ بيده ماء، فنضح مكانه، فما أمسى لقيه جبريل" قال النووي: الجرو بكسر الجيم وضمها وفتحها، ثلاث لغات مشهورات، وهو الصغير من أولاد الكلب وسائر السباع، والجمع أجر وجراء، وجمع الجراء أجرية. اهـ وإضافة "جرو كلب" من إضافة الصفة إلى الموصوف، كأنه قال: صغير كلب، وأما الفسطاط ففيه ست لغات: فسطاط بطاءين مع ضم الفاء وكسرها، وفستاط بتاء وطاء، مع ضم الفاء وكسرها، وفساط بضم الفاء وتشديد السين، وكسر الفاء مع تشديد السين، والفسطاط قريب من الخباء، وأصله عمود الأخبية، التي يقام عليه الخباء، والمراد منه هنا بعض متاع البيت، وهو السرير، كما في حديث عائشة، وكان السرير في بيت عائشة، فقول ميمونة "لنا" أي معشر نساء النبي ﷺ ، والمراد لإحدانا.
стр. 4696
(واعدتني، فجلست لك، فلم تأت) أي فجلست لك أنتظرك حسب الموعد، فلم تأت في الموعد، والكلام على الاستفهام، أي فلماذا لم تأت في الموعد؟ وفي رواية البخاري "فخرج النبي ﷺ ، فلقيه، فشكا إليه ما وجد" أي ما شق عليه من إبطائه، وفي الرواية الثالثة "فلما أمسى لقيه جبريل، فقال له: قد كنت وعدتني أن تلقاني البارحة" أي فلماذا لم تلقني؟ .
(منعني الكلب الذي كان في بيتك) أي منعني من الدخول إليك للقائك، ولا يقال: كان يمكن أن يناديه من الخارج، ولا يسمع غيره صوته، أو كان يمكن أن يظهر له، فيخرج له، أو كان يمكن أن يلقاه في المسجد، أو في طريقه إليه، عند كل صلاة، إن لم يخرج رسول الله ﷺ لبعض شئونه في هذا اليوم وليلته، لا يقال شيء من أمثال هذه الإمكانات، فهي إرادة الله وحكمته، لا يعلمها إلا هو، وربما كان هذا التأخير لإيلامه ﷺ ، ليحرص على إبعاد الكلاب عن بيوته المطهرة، والتعبير بالكلب بدل الجرو للإشارة إلى أنه لا يستهان به ككلب صغير، فهو والكبير سواء في النجاسة.
(إنا لا ندخل بيتاً فيه كلب ولا صورة) المراد من البيت المكان الذي يستقر فيه الشخص، سواء كان بناء أم خيمة أم غير ذلك، والضمير في "إنا" يحتمل أنه للمتكلم المعظم نفسه، وهو بعيد جداً، ويحتمل أن يراد به جبريل وأمثاله من رسل الملائكة، ويحتمل أن يراد به ملائكة الرحمة. فـ"ال" في الملائكة في الرواية الرابعة والخامسة والسادسة والثامنة والثالثة والعشرين والرابعة والعشرين، للعهد الذهني، ويحتمل عموم الملائكة، بما في ذلك الحفظة، الكاتبون فقد يكتبون ما يجري وهم خارجون، كما قيل عنهم عند التواجد في الخلاء، ويحتمل التخصيص في صفة الدخول، أي لا ندخل دخول انشراح وسرور، وإن دخلنا البيت الذي فيه الكلب بغير هذه الصفة، احتمالات، يأتي الكلام عنها في فقه الحديث، أما العموم في "كلب" فقيل: هو على عمومه، لأنه نكرة في سياق النفي، فيشمل كلاب الصيد والماشية والزرع وغيرها، وقيل: خصص، واستثنى منه الكلاب التي أذن في تربيتها، ذهب الخطابي وطائفة إلى الثاني، وجنح القرطبي والنووي وغيرهم إلى ترجيح العموم، واستدلوا بأن الجرو أحيط به عدم العلم، وهو عذر، وامتنع جبريل من الدخول مع ظهور العذر فيه، فإذا كان العذر لم يسمح لهم بالدخول، فكذلك الإذن في اتخاذه لا يسمح لهم بالدخول، وتعقب بأنه لا يلزم من التسوية بين ما علم به، وما لم يعلم به، التسوية بين ما أذن باتخاذه، وما لم يؤمر باتخاذه.
وفائدة إعادة حرف النفي في "ولا صورة" الاحتراز من توهم قصر عدم الدخول على اجتماع الصنفين، فلا يمتنع الدخول مع وجود أحدهما، فلما أعيد حرف النفي صار التقدير: ولا ندخل بيتاً فيه صورة، وهل العموم في "صورة" باق؟ أو خصص؟ قولان، كما قيل في "كلب" وفي الرواية الثالثة والعشرين "لا تدخل الملائكة بيتاً، فيه تماثيل أو تصاوير" والجمع فيه ليس للاحتراز، فمعظم الروايات بالإفراد، والتماثيل جمع تمثال، قال الحافظ ابن حجر: وهو الشيء المصور، أعم من أن يكون شاخصاً، أو يكون نقشاً، دهاناً، أو نسجاً في ثوب. اهـ فعطف "التصاوير" على التماثيل تفسيري.
стр. 4697
(حتى إنه يأمر بقتل كلب الحائط الصغير، ويترك كلب الحائط الكبير) "الصغير" و"الكبير" صفة للحائط، والمراد به البستان، والمراد من الغاية أن الأمر بقتل الكلاب وصل إلى كلاب الزرع، واستثنى البستان الكبير لأن الحاجة تدعو إلى حفظ جوانبه، ولا يتمكن الحارس من المحافظة عليه وحده، بخلاف الصغير.
(ثم اشتكى زيد بعد) أي مرض زيد بن خالد الجهني.
(إلا رقماً في ثوب) أي إلا أن يكون علامة في ثوب، وقد مر في باب لبس الحرير.
(ومع بسر عبيد الله الخولاني) أي معه حين سمعا الحديث من زيد بن خالد، فإن عبيد الله لم يدرك أبا طلحة. قاله ابن عبد البر.
(ولكن سأحدثكم ما رأيته فعل) أي ما رأيته وسمعته ﷺ فعل وقال في هذا الموضوع.
(رأيته خرج في غزاته) في رواية البيهقي أنها غزوة تبوك، وفي رواية لأبي داود والنسائي "غزوة تبوك أو خيبر" على الشك.
(فأخذت نمطاً فسترته على الباب) النمط بفتح النون والميم واحد الأنماط، قال النووي: بساط لطيف، له خمل، وقد يجعل ستراً، كما هنا. اهـ أي جعله ستارة على باب حجرتها، وهذه الحادثة هي عينها المقصودة في الرواية العاشرة بلفظ "قدم رسول الله ﷺ من سفر، وقد سترت على بابي درنوكاً، فيه الخيل، ذوات الأجنحة" أي فيه صور خيل ذوات أجنحة، والدرنوك بضم الدال وسكون الراء، بعدها نون مضمومة، ثم كاف، ويقال له: درموك بالميم بدل النون، وهو ثوب غليظ له خمل، إذا فرش فهو بساط، وإذا علق فهو ستر.
وهي عينها المقصودة في الرواية الحادية عشرة، بلفظ "دخل علي رسول الله ﷺ " أي دخل بيتي قادماً من سفر "وأنا متسترة بقرام" قال النووي: هكذا هو في معظم النسخ "متسترة" بتاءين، بينهما سين، وفي بعضها "مستترة" بتاءين بعد السين، أي متخذة ستارة من قرام، بكسر القاف، وتخفيف الراء، وهو ستر، فيه رقم ونقش، "فيه صورة" أي صورة خيل ذوات أجنحة.
وهي عينها المقصودة في الرواية الثانية عشرة، بلفظ "دخل علي رسول الله ﷺ ، وقد سترت سهوة لي بقرام، فيه تماثيل" والسهوة بفتح السين وسكون الهاء، قيل: هي الصفة -أي ما يشبه المصطبة في جانب البيت، وقيل: هي الكوة كالنافذة، وقيل: الرف، وقيل: أربع أعواد أو ثلاثة، يعارض بعضها ببعض، يوضع عليها شيء من الأمتعة، وقيل: هي أن يبني من حائط البيت حائط صغير، كحجرة داخل حجرة، ويجعل السقف على الجميع، فما كان وسط البيت فهو السهوة، وما كان داخله فهو المخدع، وقيل: هي دخلة في ناحية البيت، وقيل: بيت صغير، يشبه المخدع.
стр. 4698
وهي عينها المقصودة في الرواية الرابعة عشرة، بلفظ "دخل النبي ﷺ علي، وقد سترت نمطاً" أي نشرته، وجعلته ساتراً "فيه تصاوير".
وهي عينها المقصودة في الرواية الخامسة عشرة، بلفظ "عن عائشة أنها نصبت ستراً، فيه تصاوير ... " وكان موقف الرسول ﷺ ، من عمل عائشة هذا:
(أ) أن أظهر الكراهية، ففي الرواية الثامنة "عرفت الكراهية في وجهه" وفي الرواية الحادية عشرة "فتلون وجهه" وفي الرواية الثانية عشرة "وتلون وجهه".
(ب) أن شد الستر بقوة، فشقه، ونحاه من مكانه، ففي الرواية الثامنة "فجذبه حتى هتكه" أي قطعه، وفي الرواية الحادية عشرة "ثم تناول الستر، فهتكه" وفي ملحقها "ثم أهوى إلى القرام فهتكه بيده" وفي الرواية الثانية عشرة "فلما رآه هتكه" وفي الرواية الرابعة عشرة "فنحاه" وفي الرواية الخامسة عشرة "فنزعه" ولعله أمر عائشة ﵂ أن تكمل نزعه وتنحيته، ففي الرواية العاشرة "فأمرني فنزعته".
(جـ) أن قال: "يا عائشة، أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله" كذا في الرواية الثانية عشرة "إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين" كذا في الرواية الثامنة. "إن من أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله" كذا في الرواية الحادية عشرة.
(د) كان مآل الستر أن قطع إلى وسادتين، حشتهما عائشة ليفاً، ولم يعب ذلك عليها، ﷺ ، صريح الرواية الثامنة، والثانية عشرة والرابعة عشرة والخامسة عشرة، وكان ﷺ يرتفق على الوسادتين المذكورتين، وفيهما الصور، أي يتكئ عليها على مرفق يده.
أما الرواية التاسعة فالظاهر أنها عن قصة أخرى، سابقة على تلك القصة، فصورتها تمثال طائر، وليس خيلاً، وكان الداخل يستقبلها إذا دخل، وكان موقف الرسول ﷺ أن أمر بتحويلها عن مكانها، وعلل هذا الأمر بأنها تذكره بزهرة الدنيا وفتنتها، لا بمنع الصور، وتهديد المصورين، قال النووي: هذا محمول على أنه كان قبل تحريم اتخاذ ما فيه صورة، فلهذا كان رسول الله ﷺ يدخل، ويراه، ولا ينكره قبل هذه المرة الأخيرة. اهـ
وهذه القصة عينها هي المقصودة بالرواية الثالثة عشرة، وإن عبر فيها بثوب بدل الستر، فالثوب وإن غلب على ما يلبس، لكنه يطلق على اللفة الكاملة من القماش، مختلفة المقدار، فيتخذ ستراً، وعبر فيها بقوله "فيه تصاوير" بدل "فيه تمثال طائر" وبينت مكانه، فقالت "ممدود إلى سهوة" وزادت توضيح مآله، وأنها جعلته وسائد، فالقصة واحدة، ولا تعارض بين ألفاظها.
وأما الرواية السادسة عشرة فالظاهر أنها في قصة ثالثة، كانت الصورة فيها في نمرقة، لا في ستر، والنمرقة بفتح النون وسكون الميم وضم الراء، كذا ضبطها القزاز وغيره، وضبطها ابن السكيت بضم النون أيضاً، وبكسرها وكسر الراء، وقيل في النون الحركات الثلاث والراء مضمومة جزماً، والجمع نمارق وهي الوسائد التي يصف بعضها إلى بعض، وقيل النمرقة الوسادة التي يجلس عليها،
стр. 4699
وقيل: هي المرفقة، ولعل عائشة ﵂ بعد أن حولت الستر إلى وسادتين، أو مرفقتين، ولم يعب الرسول ﷺ ذلك عليها، اشترت النمرقة، ليقعد عليها ﷺ ، أو يتوسدها، أو يرتفقها، تكريماً له، وحباً في راحته، فكان ما كان، ولعل الله أراد لبيت النبوة التدرج في هذا، بأن ينحي الستر المصور عن الصدارة، ثم لا تتخذ الأستار المصورة مطلقاً، في الصدارة أو في غيرها، مع الترخيص باتخاذ الصور فيما يمتهن، كالوسائد والنمارق، ثم منع ما فيه صورة مطلقاً، في موضع تكريم أو موضع امتهان.
(يريد القاسم بن محمد) أحد فقهاء المدينة، قال الحافظ ابن حجر: وكان من أفضل أهل زمانه.
(يقال لهم: أحيوا ما خلقتم) أي اجعلوه حيواناً ذا روح، كما ضاهيتم، وهو أمر تعجيز، والقصد منه إظهار العجز، مبالغة في التوبيخ، وبيان قبح فعله.
وفي الرواية الواحدة والعشرين "من صور صورة في الدنيا كلف أن ينفخ فيها الروح يوم القيامة، وليس نافخ" وفي رواية "فإن الله يعذبه، حتى ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ فيها أبداً" فهذا من قبيل قوله تعالى ﴿حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ [الأعراف: ٤٠] وكذا قولهم: لا أفعل كذا حتى يشيب الغراب.
(إن من أشد أهل النار يوم القيامة عذاباً المصورون) كذا وقع في الملحق الثاني للرواية الثامنة عشرة، وأصل الرواية لا إشكال فيه، فاسم "إن" "أشد الناس" بالنصب، و"المصورون" خبر "إن" وملحقها الأول لا إشكال فيه، حيث لم يذكر "إن" ولكن الإشكال في الملحق الثاني، إذ كان حقه أن يكون "المصورين" اسم "إن" و"من أشد" خبرها، قال الحافظ ابن حجر: واختلفت نسخ مسلم، ففي بعضها "المصورين" وهي للأكثر -ولا إشكال فيها- وفي بعضها "المصورون، ووجهت بأن "من" زائدة، واسم "إن" "أشد" ووجهها ابن مالك على حذف ضمير الشأن، والتقدير: إن الحال والشأن من أشد أهل النار يوم القيامة عذاباً المصورون.
(كنت مع مسروق، في بيت فيه تماثيل مريم) في رواية البخاري "كنا مع مسروق في دار يسار بن نمير، فرأى في صفته تماثيل" و"يسار" مدني، سكن الكوفة، وكان مولى عمر وخازنه.
(فقال مسروق: هذا تماثيل كسرى، فقلت: لا. هذا تماثيل مريم) -إشارة المذكر هنا على تقدير هذا الذي تراه تماثيل كسرى، ونقلها الحافظ ابن حجر بلفظ "فقال لي مسروق هذه تماثيل كسرى فقلت لا هذه تماثيل مريم. قال: كأن مسروقاً ظن أن التصوير كان من مجوسي، وكانوا يصورون صور ملوكهم، فظهر أن التصوير كان من نصراني، لأنهم يصورون صورة مريم والمسيح وغيرهما، ويعبدونها.
(فقال له: ادن مني ... ) كان ابن عباس قد كف بصره، فأراد أن يستوثق من إسماع الرجل
стр. 4700
بطلب دنوه منه، فلما لم يحس بقربه منه طلب زيادة الدنو، حتى التصق به، وحتى وضع ابن عباس يده على رأس الرجل.
(يجعل له بكل صورة صورها نفساً، فتعذبه في جهنم) قال النووي: "يجعل" بفتح الياء، من جعل، والفاعل هو الله تعالى، أضمر للعلم به، قال القاضي: تحتمل أن معناها أن الصورة التي صورها هي تعذبه، بعد أن يجعل فيها الروح، وتكون الباء في "بكل" بمعنى "في" قال: ويحتمل أن يجعل له بعدد كل صورة، ومكانها، شخص يعذبه، وتكون الباء بمعنى لام السبب.
(ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقاً كخلقي؟ ) الاستفهام إنكاري، بمعنى النفي، أي لا أحد أظلم ... و"ذهب" بمعنى قصد، والتشبيه في "كخلقي" في فعل الصورة وحدها، لا من كل الوجوه، فإن الذي خلقه واخترعه ليس صورة في حائط، بل هو خلق تام.
(فليخلقوا ذرة) بفتح الذال وتشديد الراء، والمراد إيجاد الذرة -أي النملة- حقيقة، لا تصويرها.
(أو ليخلقوا حبة) المراد من الحبة هنا حبة القمح، بقرينة ذكر "الشعيرة" بعدها، أو الحبة أعم من حبة القمح، والغرض تعجيزهم، تارة بتكليفهم خلق حيوان "ذرة" وهو أشد، وأخرى بتكليفهم خلق جماد، وهو أهون، ومع ذلك لا قدرة لهم على ذلك.
(دخلت أنا وأبو هريرة داراً تبنى بالمدينة، لسعيد أو لمروان) بالشك، وفي الرواية الثانية والعشرين "في دار مروان" بدون شك، وهي أولى، وسعيد هو ابن العاص بن سعيد الأموي، وكان هو ومروان بن الحكم يتعاقبان إمرة المدينة لمعاوية.
(لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب ولا جرس) الرفقة بضم الراء وكسرها، والجرس بفتح الراء معروف، وهكذا ضبطه الجمهور، ونقل القاضي أن هذه رواية الأكثرين، قال: وضبطناه عن أبي بحر بإسكانها، وهو اسم للصوت، فأصل الجرس بإسكان الراء الصوت الخفي.
-[فقه الحديث]-
تتعلق هذه الأحاديث بأربع نقاط أساسية:
١ - حكم اتخاذ الصور بأنواعها في البيوت وغيرها.
٢ - الملائكة ودخولهم البيوت، وعدم دخولهم، واستصحابهم الرفقة، وعدم استصحابهم.
٣ - حكم صنعة التصوير، والعذاب المتوعد به.
٤ - ما يؤخذ من الأحاديث من الأحكام.
١ - أما حكم اتخاذ الصور فنعرض أنواعها، ثم نتكلم عن المذاهب في حكمها. فمن أنواعها:
стр. 4701
أ- صور لها ظل، وهي التماثيل ذات الأجرام التي تقوم بنفسها والتي تصنع من صلصال أو نحاس أو زجاج أو ذهب أو فضة أو بلاستك أو شمع أو حجر أو خشب أو ورق، أو أي مادة من المواد، وهي لإنسان أو حيوان بمعنى أنها تجسيد لما يشبه الجسم النامي الحساس المتحرك بالإرادة.
ب- صور كالسابقة، إلا أنها ليست لحيوان، فيه الحياة المعروفة، بل هي لشجر أو بيت أو هودج أو ورد أو صحراء أو جبال أو أنهار أو شمس أو قمر أو نحو ذلك.
ج- صور لا ظل لها، صنعت على حائط أو على ثوب أو على خشب أو على لوحات، وهي لإنسان أو حيوان، مرسومة باليد، أو مصورة بالآلة "فوتوغرافيا".
د- صور لا ظل لها، كالسابقة، إلا أنها ليست لحيوان، بل لأمثال المذكور في النوع (ب).
وعلى كل من النوعين الأخيرين إما أن تشغل وتملأ المساحة كلها، وإما أن تكون صغيرة تغطي جزءاً قليلاً من المساحة، يعبر عنها برقم في ثوب، أي علامة صغيرة في مساحة كبيرة. وعلى كل من النوعين الأخيرين أيضاً إما أن توضع في مكان محترم، كأن تعلق على حائط أو مكتب أو سقف أو مرتفع، أو في ثوب، وإما أن توضع في مكان ممتهن، كبساط يداس، أو مخدة، أو مرفقة يتكأ عليها، ونحو ذلك.
وفي حكم هذه الصور بأنواعها يعرض النووي مذهب الشافعية، فيقول:
اتخاذ المصور فيه صورة حيوان فإن كان معلقاً على حائط، أو كان في ثوب ملبوس أو عمامة، ونحو ذلك مما لا يعد ممتهناً، فهو حرام، وإن كان في بساط يداس ومخدة ووسادة، ونحوها مما يمتهن، فليس بحرام، ولكن هل يمنع دخول ملائكة الرحمة ذلك البيت؟ فيه كلام، ولا فرق في هذا كله بين ما له ظل، وما لا ظل له، هذا تلخيص مذهبنا في المسألة، وبمعناه قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وهو مذهب الثوري ومالك وأبي حنيفة وغيرهم. وقال بعض السلف: إنما ينهى عما كان له ظل، ولا بأس بالصور التي ليس لها ظل، قال: وهذا مذهب باطل، فإن الستر الذي أنكر النبي ﷺ الصورة فيه، لا يشك أحد أنه مذموم، وليس لصورته ظل، مع باقي الأحاديث المطلقة في كل صورة، قال: وقال الزهري: النهي في الصورة على العموم، وكذلك استعمال ما هي فيه، ودخول البيت الذي هي فيه، سواء كانت رقماً في ثوب، أو غير رقم، وسواء كانت في حائط أو ثوب أو بساط، ممتهن، أو غير ممتهن، عملاً بظاهر الأحاديث، لاسيما حديث النمرقة الذي ذكره مسلم [روايتنا السادسة عشرة] قال النووي: وهذا مذهب قوي، ثم قال: وقال آخرون: يجوز منها ما كان رقماً في ثوب، سواء امتهن أم لا، وسواء علق في حائط أم لا، وكرهوا ما كان له ظل، أو كان مصوراً في الحيطان وشبهها، سواء كان رقماً أو غير رقم، واحتجوا بقوله في بعض أحاديث الباب "إلا ما كان رقماً في ثوب" [روايتنا السادسة والسابعة] قال: وهذا مذهب القاسم بن محمد.
قال: وأجمعوا على منع ما كان له ظل، ووجوب تغييره، قال القاضي: إلا ما ورد في اللعب بالبنات لصغار البنات، والرخصة في ذلك، لكن كره مالك شراء الرجل ذلك لابنته، وادعى بعضهم أن إباحة اللعب لهن بالبنات منسوخ بهذه الأحاديث. هذا ما قاله النووي.
стр. 4702
وتعقبه الحافظ ابن حجر، فقال: فيما نقله النووي مؤاخذات. منها أن ابن العربي من المالكية نقل أن الصورة إذا كان لها ظل حرم بالإجماع سواء كانت مما يمتهن أو لا، وحكى القرطبي في المفهم في الصور التي لا تتخذ للإبقاء -كالفخار- قولين: أظهرهما المنع. قال الحافظ ابن حجر: وهل يلتحق بالفخار ما يصنع من الحلوى؟ محل نأمل، وصحح ابن العربي أن الصورة التي لا ظل لها إذا بقيت على هيئتها حرمت، سواء كانت مما يمتهن أم لا، وإن قطع رأسها، أو فرقت هيئتها جاز، قال: وهذا مذهب منقول عن الزهري، وقواه النووي، ومنها أن إمام الحرمين نقل وجهاً أن الذي يرخص فيه مما لا ظل له ما كان على ستر أو وسادة، وأما ما كان على الجدار والسقف فيمنع، والمعنى فيه أنه بذلك يصير مرتفعاً، فيخرج عن هيئة الامتهان، بخلاف الثوب، فإنه بصدد أن يمتهن، ونقل الرافعي عن الجمهور أن الصورة إذا قطع رأسها ارتفع المانع، وقال المتولي في التتمة: لا فرق. ومنها أن مذهب الحنابلة جواز الصورة في الثوب، ولو كان معلقاً، لكن إن ستر به الجدار منع عندهم.
ثم دافع الحافظ ابن حجر عن القاسم بن محمد، فقال: في إطلاق النووي على مذهب القاسم أنه باطل نظر، إذ يحتمل أنه تمسك في ذلك بعموم قوله "إلا رقماً في ثوب" فإنه أعم من أن يكون معلقاً أو مفروشاً، وكأنه جعل إنكار النبي ﷺ على عائشة تعليق الستر المذكور مركباً من كونه مصوراً، ومن كونه ساتراً للجدار، فقوله "إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين" يدل على أنه كره ستر الجدار بالثوب المصور، فلا يساويه الثوب الممتهن ولو كانت فيه صورة، وكذلك الثوب الذي لا يستر به الجدار، والقاسم بن محمد أحد فقهاء المدينة، وكان من أفضل أهل زمانه، وهو الذي روى حديث النمرقة، فلولا أنه فهم الرخصة في مثل الحجلة ما استجاز استعمالها. لكن الجمع بين الأحاديث الواردة في ذلك يدل على أنه مذهب مرجوح، وأن الذي رخص فيه من ذلك ما يمتهن، لا ما كان منصوباً. اهـ
وحاصل الأقوال في هذه المسألة:
١ - أن النهي في الصورة على العموم، واستعمال ما فيه صورة أيا كان ممنوع، سواء كانت رقماً في ثوب أو غير رقم، وسواء كانت في ثوب أو بساط، ممتهن أو غير ممتهن، حتى تماثيل لعب البنات حرام، ودخول البيت الذي فيه الصور بجميع أنواعها حرام، حالة واحدة مستثناة، هي إذا فرقت الصورة، فلم تكن على هيئة يصح بها الحياة، كأن قطعت رأسها، أو فرقت أجزاؤها، وهذا مذهب منقول عن الزهري، وصححه ابن العربي، وقواه النووي.
٢ - التفريق بين ما له ظل، كالتماثيل المجسمة، وما ليس له ظل، فما كان له ظل حرام بدون استثناء، ولا بأس بالصور التي لا ظل لها، بدون استثناء.
٣ - كالسابق، لكن يستثنى مما له ظل لعب البنات.
٤ - كالسابق، لكن يستثنى مما له ظل ما لا يتخذ للإبقاء، كالمصنوع من الفخار، يلحق به المصنوع من الحلوى.
стр. 4703
٥ - كالسابق في رقم ٢ لكن يستثنى مما لا ظل له ما كان على الجدار والسقف، فيمنع لارتفاعه أما ما كان على ثوب أو ستر أو مخدة أو نحوها فلا يمنع.
٦ - كالسابق في رقم ٢ لكن يستثنى مما لا ظل له الصورة في الستر على الجدار، فيمنع، وتجوز في الثوب، ولو كان معلقاً، لكن إن ستر به الجدار منع.
٧ - كالسابق في رقم ٢ لكن يستثنى مما لا ظل له ما شغل المكان فيمنع، وأما ما كان رقماً في ثوب فلا.
٨ - يكره اتخاذ ما كان له ظل، أو كان مصوراً في الحيطان وشبهها.
٩ - التفريق بين ما كان في وضع ممتهن، فيجوز، وما كان في وضع غير ممتهن، فلا يجوز، سواء كان له ظل، أو لا ظل له، قال النووي: وهو مذهب الشافعية وجماهير العلماء.
١٠ - التفريق بين المنسوج والمنقور فيجوز، لأنه غير مصور، وبين المدهون فلا يجوز.
وهكذا نجد أقوالاً مختلفة، منشؤها اختلاف وجهات النظر في الدليل.
فأحاديث عدم دخول الملائكة بيتاً فيه صورة لا يلزم منه تحريم اتخاذ الصورة، كما سيأتي، فقد اشتركت الصورة مع اتخاذ الكلب، ولا يحرم اتخاذ الكلب على الإطلاق، وعدم صحبتها لرفقة فيها جرس لا يحرم اتخاذ الجرس، وروايتنا الثامنة وما بعدها، وكراهته ﷺ النمط المصور، والستر المصور، والدرنوك المصور، والقرام المصور، والثوب المصور، والستارة المصورة، والنمرقة المصورة، لا توجب الحرمة باستعمال الصور والمصورات، فالرواية الثامنة والثانية عشرة والثالثة عشرة والرابعة عشرة والخامسة عشرة والسادسة عشرة تفيد أن الرسول ﷺ أقر الصور في الوسائد والمرافق، بل ارتفق بها، وتنزه عن استعمال الستر المصور، وعلل هذا التنزه في الرواية الثامنة بعدم الرغبة في ستر الحجارة والطين، وعلله في الرواية التاسعة بالزهد في الدنيا وفي مباهجها، وعلله في الرواية الثالثة عشرة بأن الصور تشغله عن الاستغراق في العبادة، وغضبه ﷺ وتلون وجهه عند رؤية الصور ونزعها بشدة أحياناً، قد يكون لتكرار رؤيته الصورة، بعد منعها، أو إعلان عدم رضاه عنها، ثم معاودة استعمالها، وقد يكون خصوصية لبيته ﷺ ، فهو يناجي من لا نناجي، ويرى من لا نرى، ويكلم من لا نكلم، ويستقبل من ملائكة الله ما لا نستقبل، وكل هذه احتمالات تتطرق إلى الدليل فتسمح بعدم الأخذ به.
وأقوى ما يستدل به على تحريم اتخاذ الصور الوعيد الوارد للمصوريين، في روايتنا الحادية عشرة، والثانية عشرة، والسادسة عشرة والسابعة عشرة والثامنة عشرة، وما بعدها، لأن الوعيد إذا حصل لصانعها، فهو حاصل لمستعملها، لأنها لا تصنع إلا لتستعمل، فالصانع متسبب، والمستعمل مباشر، فيكون أولى بالوعيد.
كذا قال الحافظ ابن حجر، وفيه نظر، لأن النبي ﷺ استعمله في المرفقتين، بعد تهديده المصوريين ووعيدهم، كما هو صريح في الرواية الثامنة وزيادتها. والله أعلم.
стр. 4704
٢ - النقطة الثانية: في المراد بالملائكة الذين يدخلون البيوت، والذين يمتنعون، وفيها يقول النووي: وأما هؤلاء الملائكة الذين لا يدخلون بيتاً فيه كلب أو صورة، فهم ملائكة يطوفون بالرحمة والتبريك والاستغفار، وأما الحفظة فيدخلون كل بيت، ولا يفارقون بني آدم في كل حال، لأنهم مأمورون بإحصاء أعمالهم وكتابتها، وقال القرطبي: كذا قال بعض علمائنا، والظاهر العموم، والدال على كون الحفظة لا يدخلون ليس نصاً، قال الحافظ ابن حجر: ويؤيده أنه من الجائز أن يطلعهم الله تعالى على عمل العبد، ويسمعهم قوله، وهم بباب الدار، التي هو فيها مثلاً.
وقيل: المراد بالملائكة ملائكة الوحي، جبريل ﵇ خاصة، نقل هذا عن ابن وضاح والداودي وغيرهما، ويلزم منه اختصاص النهي بعهد النبي ﷺ ، لأن الوحي انقطع بعده، وبانقطاعه انقطع نزولهم، ومن هنا ادعى ابن حبان أن هذا الحكم خاص بالنبي ﷺ ، قال: وهو نظير حديث "لا تصحب الملائكة رفقة فيها جرس" قال: فإنه محمول على رفقة فيها رسول الله ﷺ ، إذ محال أن يخرج الحاج والمعتمر لقصد بيت الله ، على رواحل، لا تصحبها الملائكة، وهم وفد الله. اهـ
وبعضهم يخصص عموم الملائكة بالصفة، أي لا يدخله الملائكة دخولاً كريماً، كدخولهم بيتاً لا كلب فيه ولا صورة.
والتحقيق أن الملائكة لا تؤخذ على عمومها قطعاً، فهناك ملائكة لا يتوقع دخولها أصلاً، فلا ينفي دخولها وهناك الحفظة الذين يستبعد جداً أن لا يصاحبوا رفقة فيها كلب أو جرس، وإذا كان لا بد من التخصيص فالأولى أن يراد بهم ملائكة رحمة، وأن يخصص البيت بالمكان الذي تكون فيه الصورة أو الكلب من حجرة أو مكتب ونحو ذلك.
ثم إن عدم دخولهم مكاناً ما، وعدم وقوع الرحمة فيه عن طريق دعائهم لا يمنع من إلحاق دعائهم بالرحمة للعبد وهم بعيدون أو وهو في طريقه أو في عمله، فعدم دخولهم البيت لا يلزمه أن السبب محرم، فهم لا يدخلون والمرء يتبرز أو يجامع حلالاً. والله أعلم.
٣ - النقطة الثالثة: حكم صنعة التصوير، وعنها يقول النووي: قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: تصوير صورة الحيوان حرام، شديد التحريم، وهو من الكبائر، لأنه متوعد عليه الوعيد الشديد المذكور في الأحاديث، سواء صنعه بما يمتهن، أو بغيره، فصنعته حرام بكل حال، لأن فيه مضاهاة لخلق الله تعالى، وسواء ما كان في ثوب أو بساط أو درهم أو دينار أو فلس أو إناء أو حائط أو غيرها، وأما تصوير صورة الشجر ورحال الإبل، وغير ذلك مما ليس فيه صورة حيوان، فليس بحرام، ثم قال: وهذه الأحاديث [يشير إلى الرواية الحادية عشرة وما بعدها] صريحة في تحريم صور الحيوان، وأنه غليظ التحريم، وأما الشجر ونحوه مما لا روح فيه، لا تحرم صنعته، ولا التكسب به، وسواء الشجر المثمر وغيره، وهذا مذهب العلماء كافة إلا مجاهداً، فإنه جعل الشجر المثمر من المكروه. قال القاضي: لم يقله أحد غير مجاهد، واحتج مجاهد بقوله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقاً كخلقي. واحتج الجمهور بقوله ﷺ "ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم" أي اجعلوه حيواناً ذا روح، كما ضاهيتم، ويؤيده حديث ابن عباس [روايتنا المتممة للعشرين] وفيها "إن كنت لا بد فاعلاً فاصنع الشجر وما لا نفس له".
стр. 4705
قال الحافظ ابن حجر: واستشكل كون المصور أشد الناس عذاباً مع قوله تعالى: ﴿أدخلوا ءال فرعون أشد العذاب﴾ [غافر: ٤٦] فإنه يقتضي أن يكون المصور أشد عذاباً من آل فرعون، قال: وأجاب الطبري بأن المراد هنا من يصور ما يعبد من دون الله، وهو عارف بذلك، قاصداً له، فإنه يكفر بذلك، فلا يبعد أن يدخل مدخل آل فرعون، وأما من لا يقصد ذلك فإنه يكون عاصياً بتصويره فقط، وأجاب غيره بأن الرواية بإثبات "من" ثابتة وبحذفها محمولة على إثباتها، وإذا كان من يفعل التصوير من أشد الناس عذاباً كان مشتركاً مع غيره، وليس في الآية ما يقتضي اختصاص آل فرعون بأشد العذاب، بل هم في العذاب الأشد، فكذلك غيرهم يجوز أن يكون في العذاب الأشد، وقوى الطحاوي ذلك بما أخرجه عن ابن مسعود، رفعه "إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة رجل قتل نبياً، أو قتله نبي، وإمام ضلالة، وممثل من الممثلين" وبما أخرجه من حديث عائشة، مرفوعاً "أشد الناس عذاباً يوم القيامة، رجل هجا رجلاً، فهجا القبيلة بأسرها" قال الطحاوي: فكل واحد من هؤلاء يشترك مع الآخر في شدة العذاب، وقيل: إن الوعيد بهذه الصيغة، إن ورد في حق كافر فلا إشكال فيه، لأنه يكون مشتركاً في ذلك من آل فرعون، ويكون فيه دلالة على عظم كفر المذكور، وإن ورد في حق عاص، فيكون أشد عذاباً من غيره من العصاة، ويكون ذلك دالاً على عظم العصية المذكورة، وأجاب القرطبي بأن الناس الذين أضيف إليهم "أشد" لا يراد بهم كل الناس، بل بعضهم، وهم من يشارك في المعنى المتوعد عليه بالعذاب، ففرعون أشد الناس الذين ادعوا الإلهية عذاباً، ومن يقتدي به في ضلالة أشد عذاباً ممن يقتدي به في ضلاله وفسقه، ومن صور صورة ذات روح للعبادة أشد عذاباً ممن يصورها لا للعبادة. والله أعلم.
-[٤ - ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]-
١ - من قوله "إنا لا ندخل بيتاً فيه كلب" في الرواية الأولى وغيرها، كراهة تربية الكلاب، قال النووي: سبب امتناعهم من بيت فيه كلب، كثرة أكله النجاسات، وقيل: لكونها نجسة العين، وقيل: لأن بعضها يسمى شيطاناً، كما جاء به الحديث، والملائكة ضد الشياطين، وقيل: لرائحته الخبيثة، والملائكة تكره الرائحة القبيحة، وقيل: لأنها منهي عن اتخاذها، فعوقب متخذها بحرمانه من دخول الملائكة بيته، وصلاتهم فيه، واستغفارهم له، وتبريكهم عليه، وفي بيته، ودفعهم أذى الشيطان.
٢ - من قوله في الرواية الثالثة "ثم أخذ بيده ماء فنضح مكانه" استدل بعضهم على نجاسة الكلب، قالوا: والمراد بالنضح الغسل، وتأولته المالكية على أنه غسله لخوف حصول بوله أو روثه، فنضح موضعه احتياطاً، لأن النضح مشروع لتطهير المشكوك فيه.
٣ - من سؤال ميمونة ﵂ حين رأت رسول الله ﷺ واجماً، في الرواية الثالثة، أنه يستحب للإنسان إذا رأى صاحبه، ومن له حق عليه واجماً، أن يسأله عن سببه، فيساعده فيما يمكن مساعدته، أو يتحزن معه، أو يذكره بشيء يزول به ذلك العارض.
стр. 4706
٤ - وفيه التنبيه على الوثوق بوعد الله ورسله، إذ قال ﷺ في الرواية الأولى "ما يخلف الله وعده ورسله" لكن قد يكون للشيء شرط، فيتوقف على حصوله، أو يتخيل توقيته بوقت، ويكون غير موقت به، ونحو ذلك.
٥ - وفيه أنه إذا تكدر وقت الإنسان، أو تنكدت وظيفته، ونحو ذلك، فينبغي أن يفكر في السبب، كما فعل النبي ﷺ هنا، حتى استخرج الكلب، قال النووي: وهو من نحو قوله تعالى ﴿إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون﴾ [الأعراف: ٢٠١].
٦ - قد يستدل بقوله في الرواية الثالثة "فأمر بقتل الكلاب" على مشروعية قتل الكلاب، لكن قال النووي: والأمر بقتل الكلاب منسوخ.
٧ - ومن قوله في الرواية الثامنة "فجذبه حتى هتكه" وفي الحادية عشرة "ثم تناول الستر فهتكه" تغيير المنكر باليد، وهتك الصور المحرمة.
٨ - ومن غضبه ﷺ وتغير لونه الغضب عند رؤية المنكر.
٩ - ومن قطع النمط إلى وسادتين جواز اتخاذ الوسائد.
١٠ - استدل بقوله "إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين" في الرواية الثامنة على أنه يمنع ستر الحيطان وتنجيد البيوت بالثياب، قال النووي: وهو منع كراهة تنزيه، لا تحريم، هذا هو الصحيح، وقال الشيخ أبو الفتح نصر المقدسي من أصحابنا: هو حرام، وليس في الحديث ما يقتضي تحريمه، لأن حقيقة اللفظ أن الله تعالى لم يأمرنا بذلك، وهذا يقتضي أنه ليس بواجب ولا مندوب، ولا يقتضي التحريم.
١١ - ومن الرواية الرابعة والعشرين كراهة استصحاب الكلب والجرس في الأسفار.
١٢ - وأن الملائكة لا تصحب رفقة فيها أحدهما، قال النووي: قيل: سبب منافرة الملائكة للجرس أنه شبيه بالنواقيس، أو لأنه من المعاليق المنهي عنها، وقيل: سببه كراهة صوتها، ويؤيده الرواية الخامسة والعشرون "مزامير الشيطان" قال: وهذا الذي ذكرناه من كراهة الجرس على الإطلاق هو مذهبنا ومذهب مالك وآخرين، وهي كراهة تنزيه، وقال جماعة من متقدمي علماء الشام: يكره الجرس الكبير دون الصغير.
١٣ - استدل أبو علي الفارسي في التذكرة بقوله "أشد الناس عذاباً المصورون" على تكفير المشبهة، أي الذين يعتقدون أن لله صورة، وحمل الحديث عليهم، وتعقب ببعد هذا الحمل، فالروايات تؤكد أن المراد الذين يصنعون الصور، والرواية السابعة عشرة وغيرها واضحة في ذلك.
١٤ - ومن قول عائشة "أتوب إلى الله، وإلى رسوله" في الرواية السادسة عشرة جواز التوبة من الذنوب كلها إجمالاً، وإن لم يستحضر التائب خصوص الذنب الذي حصلت به المؤاخذة.
стр. 4707
١٥ - استدل بقوله في الرواية السادسة والسابعة "إلا رقماً في ثوب" على جواز النقوش والكتابة، لكن قال الطحاوي يحتمل أنه أراد رقماً يوطأ ويمتهن، كما في البسط والوسائد، وقال عكرمة: فيما يوطأ من الصور هوان لها.
١٦ - ومن الرواية الثالثة عشرة، وقوله ﷺ "أخريه عني" كراهة كل ما يشغل القلب بما لا يعني، في الصلاة وغيرها.
١٧ - وفيه أن ما يعرض للشخص في صلاته من التفكر في أمور الدنيا لا يبطل الصلاة.
والله أعلم
стр. 4708
(٥٧٤) باب قلادة البعير، ووسم الحيوان، وضربه
٤٨٤٨ - عن أبي بشير الأنصاري ﵁ أنه كان مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره. قال: فأرسل رسول الله ﷺ رسولاً. قال عبد الله بن أبي بكر. حسبت أنه قال: والناس في مبيتهم "لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت" قال مالك: أرى ذلك من العين.
٤٨٤٩ - عن جابر ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الضرب في الوجه وعن الوسم في الوجه.
بمثله.
٤٨٥٠ - عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ مر عليه حمار قد وسم في وجهه. فقال "لعن الله الذي وسمه".
٤٨٥١ - عن ابن عباس ﵁ قال: ورأى رسول الله ﷺ حماراً موسوم الوجه. فأنكر ذلك. قال: فوالله، لا أسمه إلا في أقصى شيء من الوجه. فأمر بحمار له فكوي في جاعرتيه. فهو أول من كوى الجاعرتين.
٤٨٥٢ - عن أنس ﵁ قال: لما ولدت أم سليم. قالت لي يا أنس: انظر هذا الغلام، فلا يصيبن شيئاً، حتى تغدو به إلى النبي ﷺ يحنكه. قال: فغدوت. فإذا هو في الحائط وعليه خميصة حويتية، وهو يسم الظهر الذي قدم عليه في الفتح.
٤٨٥٣ - عن أنس ﵁ أن أمه حين ولدت، انطلقوا بالصبي إلى النبي
стр. 4709
صلى الله عليه وسلم يحنكه. قال: فإذا النبي ﷺ في مربد يسم غنماً. قال شعبة: وأكثر علمي أنه قال في آذانها.
٤٨٥٤ - عن أنس ﵁ قال: دخلنا على رسول الله ﷺ مربداً وهو يسم غنماً. قال: أحسبه قال في آذانها.
٤٨٥٥ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: رأيت في يد رسول الله ﷺ الميسم وهو يسم إبل الصدقة.
-[المعنى العام]-
الرفق شريعة الإسلام، وهو ما دخل شيئاً إلا زانه، وما حرم من شيء إلا شانه، حتى عند الضرورات للقسوة نجده مطلوباً بالقدر الممكن "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته" والمثلة بالحيوان من أعظم الذنوب، وتعذيب الحيوان من الكبائر، وإيلامه مع عدم الحاجة إلى هذا الإيلام إثم كبير، لقد رأى رسول الله ﷺ حماراً معلماً في وجهه بالكي بالنار، فغضب، وقال: لا تفعلوا مثل هذا، لعن الله من فعل هذا.
ولكن ما حيلة العرب في صدر الإسلام؟ إن إبلهم وبقرهم وغنمهم وبغالهم وحميرهم، تخرج للرعي بدون راع، في الكلأ المباح، تختلط إبل هذا بإبل ذاك، وبقر هذا ببقر الآخرين، وتختلط الأغنام بالأغنام، في صحراء واسعة، فيسهل الضياع قصداً وبغير قصد، ولا وسيلة لهم لتفادي هذا الخطر، إلا أن يعلموا مواشيهم بعلامة لا تمحى، ولا وسيلة لهذه العلامة إلا الكي بالنار، والحيوان عادة -لسمك جلده- لا يتألم من هذا الكي كثيراً، فماذا يفعلون؟ إن الله تعالى خلق الوجه مجمعاً لمحاسن مخلوقه، جعل فيه العينين والأنف والجبهة والفم والذقن، تصوير يتميز به جنس المخلوقات وأفرادها بعضها عن بعض، وجعل جلده في درجة من النعومة والحس أعلى من درجة كثير من الأجزاء الأخرى، فكانت الشريعة السمحة، أن أذنت بالكي في غير الوجه، وأمر ﷺ أن يجتنب الوجه عند الكي وأن يكوى في مناطق أخرى، احتمالاً لأخف الضررين.
وسري هذا القانون بين الصحابة، فكان لزاماً، وكان بعضهم يكوى كياً خفيفاً في الرقبة، وبعضهم يكوى كياً خفيفاً في صفحة العنق، وبعضهم يكوى في الكتف، وبعضهم يكوى في الأذن، وبعضهم يكوى في الورك، وبعضهم يكوى في الساق.
стр. 4710
وكوى رسول الله ﷺ غنم الصدقة، وإبل الصدقة، بنفسه، ليرفع الحرج عن المسلمين، وليثبت عملياً أن مباشرة المرء لعمله بنفسه، لا يخل بمروءته، مهما كان العمل في نظر الآخرين دنيئاً، كما كان ﷺ يخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويقم بيته، ويكون في مهنة أهله. ﷺ .
-[المباحث العربية]-
(عبد الله بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو بن حزم. تابعي مدني، أنصاري.
(عن عباد بن تميم) المازني، تابعي، أنصاري، مدني.
(أبي بشير الأنصاري) بفتح الباء.
(فأرسل رسول الله ﷺ رسولاً) أي ينادي في الناس، وفي رواية "أرسل مولاه زيداً" أي زيد بن حارثة.
(حسبت أنه قال: والناس في بيتهم) أي نازلين في مضاربهم للمبيت، وكأنه شك في هذه الجملة، قيلت أم لا؟ .
(لا يبقين في رقبة بعير) بفتح الياء ونون التوكيد الثقيلة، أي لا تبقوا.
(قلادة من وتر أو قلادة) القلادة ما يجعل في العنق من جواهر أو خلافه "الوتر" في الأصل مجرى السهم من القوس العربية، وهو سير من جلد، وهنا من وتر، بفتح الواو، والتاء، بعدها راء، قال الحافظ ابن حجر: وفي المراد به ثلاثة أقوال، أحدها أنهم كانوا يقلدون الإبل أوتار القسي [بفتح القاف وكسرها، وتشديد السين، نوع من الحرير] لئلا تصيبها العين، بزعمهم، فأمروا بقطعها، إعلاماً بأن الأوتار لا ترد من أمر الله شيئاً، وهذا قول مالك، ففي آخر الرواية الأولى "قال مالك: أرى ذلك من العين" و"أرى" بضم الهمزة، أي أظن أن ذلك الفعل كان من أجل الوقاية من العين. ثانيها أن النهي عن الأوتار لئلا تختنق الدابة بها عند شدة الركض ثم إن الدواب تتأذى بها، ويضيق عليها نفسها، ويشق عليها رعيها، وربما تعلقت بشجرة فاختنقت، أو تعوقت عن السير، ثالثها أنهم كانوا يعلقون فيها الأجراس، فعند الدارقطني فلا تبقين قلادة من وتر ولا جرس في عنق بعير إلا قطع".
وقوله "من وتر" في جميع الروايات، قال ابن الجوزي: ربما صحف من لا علم له بالحديث، فقال "وبر" بالباء بدل التاء، يقصد ما ينتزع عن الجمال مما يشبه الصوف.
وقوله "أو قلادة" قيل "أو" للشك في أي اللفظين قيل: قلادة من وبر؟ أو قلادة مطلقة؟ وقيل: للتنويع، كأنه قيل: قلادة من وبر أو قلادة من أي نوع كان، ويؤيده رواية لأبي داود "ولا قلادة".
стр. 4711
(إلا قطعت) استثناء من عموم الأحوال، لا تبقوا قلادة في عنق البعير على حال من الأحوال إلا مقطوعة مفصولة عن عنقه.
(نهى عن الضرب في الوجه، وعن الوسم في الوجه) قال أهل اللغة: الوسم أثر كية، يقال: بعير موسوم، وقد وسمه، يسمه، وسماً وسمة، والميسم الشيء الذي يوسم به، وهو بكسر الميم وفتح السين، وجمعه مياسم ومواسم، وأصله كله من السمة، وهي العلامة، ومنه موسم الحج، أي معلم جمع الناس، وفلان موسم بالخير، وعليه سمة الخير، أي علامته، وتوسمت فيه كذا، أي رأيت فيه علامته، والمراد بالوسم هنا أن يعلم الشيء بشيء يؤثر فيه تأثيراً بالغاً، وأصله أن يجعل في البهيمة علامة تميزها عن غيرها.
قال النووي: الوسم بالسين المهملة. هذا هو الصحيح المعروف في الروايات وكتب الحديث. قال القاضي: ضبطناه بالمهملة. قال: وبعضهم يقوله بالمهملة وبالمعجمة -أي بالسين والشين- وبعضهم فرق، فقال بالمهملة في الوجه، والمعجمة في سائر الجسد.
(قال: فوالله ما أسمه إلا في أقصى شيء من الوجه) ظاهر هذه الرواية أن القائل هو ابن عباس، لكن صرح في سنن أبي داود وفي رواية للبخاري في تاريخه أن القائل هو العباس بن عبد المطلب، قال النووي: وحينئذ يجوز أن تكون القضية جرت للعباس، ولابنه. قال القاضي عياض: ورواية مسلم توهم أنه من قول النبي ﷺ ، ورد عليه النووي بأن رواية مسلم لا توهم ذلك.
(فأمر بحمار له، فكوى في جاعرتيه) الجاعرتان هما حرفا الورك، المشرفان مما يلي الوبر، فقوله "أقصى شيء من الوجه" ليس معناه أقصى جزء من أجزاء الوجه، بل معناه أبعد جزء عن الوجه من جسم الدابة، والورك بعيد عن الوجه، فهذا أمام، وذاك خلف.
(عن أنس. لما ولدت أم سليم) وهي أم أنس، وفي الرواية السادسة عن أنس "أن أمه حين ولدت" وكانت أم سليم قد تزوجت في الجاهلية مالك بن النضر، فولدت أنساً في الجاهلية، وأسلمت مع السابقين إلى الإسلام من الأنصار، فغضب زوجها مالك لإسلامها، وخرج إلى الشام، ومات هناك، فتزوجت أبا طلحة، وعن أنس أن أبا طلحة خطب أم سليم قبل أن يسلم، فقالت: يا أبا طلحة، ألست تعلم أن إلهك الذي تعبده، نبت من الأرض؟ قال: بلى. قالت: أفلا تستحي أن تعبد شجرة؟ إني قد آمنت بهذا الرجل، وشهدت بأنه رسول الله، فإن تابعتني تزوجتك، فإني لا أريد منك صداقاً غير أن تسلم، قال: حتى أنظر في أمري، فذهب، ثم جاء، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. فقالت يا أنس، زوج أمك أبا طلحة، فزوجها، كان ذلك قبيل الهجرة، ولما قدم النبي ﷺ المدينة، قالت: يا رسول الله، هذا أنس يخدمك، وكان حينئذ ابن عشر سنين، فخدم النبي ﷺ منذ قدم المدينة حتى مات، فاشتهر بخادم النبي ﷺ .
وأم سليم صاحبة القصة المشهورة المخرجة في الصحيح، وأنها ولدت ولداً لأبي طلحة، فمرض الولد، فمات، فقالت لمن معها في البيت: لا يذكر أحد لأبي طلحة حين يعود أن ابنه مات، فلما جاء،
стр. 4712
وسأل عن ولده، قالت: هو أسكن ما كان، فظن بذلك أنه قد عوفي، وقام، وأكل، ثم تزينت له، وتطيبت، فنام معها، وأصاب منها، فلما أصبح قالت له: احتسب ولدك، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال: بارك الله لكما في ليلتكما، فجاءت بولد، وهو عبد الله بن أبي طلحة وهو صاحب القصة في حديثنا -وقد ولد عام الفتح- عاش وولد له أولاد، قرأ القرآن منهم عشرة كمالاً.
(انظر هذا الغلام، فلا يصيبن شيئاً) من الطعام، أي من اللبن.
(حتى تغدو به إلى النبي ﷺ يحنكه) أي حتى تذهب به أول النهار، وفي الرواية السادسة "أن أمه حين ولدت انطلقوا بالصبي" أي انطلقت القابلة، أو بعض النساء القريبات مع أنس والتحنيك هنا تدليك حنك الطفل بتمرة لينة، ممتزجة بريق النبي ﷺ .
(فإذا هو في الحائط) أي البستان والحديقة، وفي الرواية السادسة "فإذا النبي ﷺ في مربد" والمربد، بكسر الميم وسكون الراء وفتح الباء مكان حبس الإبل، ولعل الغنم دخلت المربد مع الإبل، وكان المربد في داخل الحائط، ويحتمل أن المراد بالمربد حظيرة الغنم، فأطلق عليها اسم المربد مجازاً، لمقاربتها.
(وعليه خميصة جونية) الخميصة ثياب خز أو صوف معلمة، أو كساء مربع له أعلام، وقيل: كساء رقيق من أي لون كان، وقيل: لا تكون خميصة حتى تكون سوداء معلمة. قال النووي: وأما قوله "جونية" بفتح الجيم وإسكان الواو، بعدها نون، كذا ضبطها بعض رواة مسلم، والأشهر أنه "حويتية" بالحاء المضمومة، ثم واو مفتوحة، ثم ياء ساكنة، ثم تاء مكسورة، ثم ياء مشددة، وضبطها بعضهم "حوتنية" بإسكان الواو، بعدها تاء مفتوحة، ثم نون مكسورة، وضبطها بعضهم "حونية" بإسكان الواو، بعدها نون مكسورة، وضبطها بعضهم "حريثية" بحاء مضمومة، وراء مفتوحة، ثم ياء ساكنة، ثم ثاء مكسورة، منسوبة إلى بني حريث، وكذا وقع في رواية البخاري لجمهور رواة صحيحه، وعند بعضهم "حونبية" بفتح الحاء وإسكان الواو، ثم نون مفتوحة، ثم باء، ذكره القاضي، وعند بعضهم "خويثية" بضم الخاء وفتح الواو، وإسكان الياء، بعدها ثاء، حكاه القاضي، وفي بعضها "جوينية" تصغير القول الأول، قال القاضي: ووقع لبعض رواة البخاري "خيبرية" منسوبة إلى خيبر، ووقع في الصحيحين "حوتكية" بفتح الحاء وبالكاف، أي صغيرة. قال القاضي في المشارق: هذه الروايات كلها تصحيف، إلا روايتي "جونية" و"حريثية، فأما "الجونية" فمنسوبة إلى بني الجون، قبيلة من الأزد، أو إلى لونها، من السواد أو البياض أو الحمرة، لأن العرب تسمي كل لون من هذه "جونا". هذا كلام القاضي، وقال ابن الأثير في نهاية الغريب، بعد أن ذكر رواية "حويتية" هذا وقع في بعض نسخ مسلم، ثم قال: والمحفوظ "جونية" أي سوداء، قال: وأما "الحويتية" فلا أعرفها، وطالما بحثت عنها، فلم أقف لها على معنى، وقال صاحب التحرير في شرح مسلم: هي منسوبة إلى الحويت، وهو قبيلة أو موضع، والله أعلم.
(وهو يسم الظهر الذي قدم عليه في الفتح) المراد بالظهر الإبل، سميت بذلك، لأنها تحمل
стр. 4713
الأثقال على ظهورها، والمعنى: قدم عليه هو وأصحابه، وفي الرواية الثامنة "وهو يسم إبل الصدقة" وفي الرواية السادسة "يسم غنماً" وعند البخاري "وهو يسم شاة" وفي رواية له "شاء" جمع شاة، وكأنه كان يسم الإبل والغنم، فصادف أول دخول أنس وهو يسم شاة، ثم رآه يسم غير ذلك.
(قال شعبة: أحسبه قال: في آذانها) الضمير في "أحسبه" لهشام بن زيد، وفي الرواية السادسة "قال شعبة: وأكثر علمي أنه قال: في آذانها" وفي كون الوسم في الآذان عدول عن الوسم في الوجه، قال النووي: "وأكثر علمي" روي بالثاء وبالباء، وهما صحيحان.
-[فقه الحديث]-
-[يؤخذ من أحاديث الباب]-
١ - من الرواية الأولى أخذ محمد بن الحسن، صاحب أبي حنيفة من النهي عن قلادة الوتر في رقبة البعير النهي عن كل ما يعرض الدابة للاختناق، أو يعوقها عن السير، أو تتأذى به.
٢ - أخذ منه الخطابي النهي عن تعليق الجرس في رقبة الحيوان، فقد سبق قريباً حديث "لا تصحب الملائكة رفقة فيها جرس" وعند الدارقطني "لا تبقين قلادة من وتر، ولا جرس في عنق بعير إلا قطع".
٣ - حمل النضر بن شميل المراد من الأوتار في هذا الحديث على الثأر، فقال: معناه: لا تطلبوا بها دخول الجاهلية، ونحا نحوه وكيع، فقال: المعنى: لا تركبوا الخيل في الفتن، فإن من ركبها لم يسلم أن يتعلق به وتر يطلب به. وهو تأويل بعيد وفاسد.
٤ - قال مالك ما حاصله أظن أن النهي مختص بمن فعل ذلك بسبب رفع ضرر العين، وأما من فعل ذلك من زينة أو غيرها فلا بأس، ما لم يصل إلى الإسراف والخيلاء.
وكانوا يقلدون الإبل الأوتار، لئلا تصيبها العين بزعمهم، فأمروا بقطعها، إعلاماً بأن الأوتار لا ترد من أمر الله شيئاً، ويؤيده ما أخرجه أبو داود "من علق تميمة فلا أتم الله له".
قال ابن عبد البر: إذا اعتقد الذي قلدها أنها ترد العين، فقد ظن أنها ترد القدر، وذلك لا يجوز. اهـ وفيه نظر، إذ شأنها شأن الدعاء والصدقة التي تطفئ غضب الرب، ولعل مراده إذا اعتقد أنها ترد العين بذاتها وحدها، بدون التفويض إلى مشيئة الله.
وقال النووي: قال القاضي: الظاهر من مذهب مالك أن النهي مختص بالوتر، دون غيره من القلائد، قال: وقد اختلف الناس في تقليد البعير وغيره [من الإنسان وسائر الحيوان] ما ليس بتعاويذ، مخافة العين، فمنهم من منعه قبل الحاجة إليه -أي قبل إصابة العين، أي للوقاية -وأجازه عند الحاجة إليه -أي بعد وقوع الضرر- لدفع ما أصابه من ضرر العين ونحوه، ومنهم من أجازه قبل الحاجة وبعدها، كما يجوز الاستظهار والتداوي قبل المرض -أي كالتطعيم عند الأوبئة- هذا كلام القاضي، اهـ وقال الحافظ ابن حجر: هذا كله في تعليق التمائم وغيرها، مما
стр. 4714
ليس فيه قرآن ونحوه، فأما ما فيه ذكر الله فلا نهي فيه، فإنه إنما يجعل للتبرك به، والتعوذ بأسمائه وذكره.
٥ - ومن الرواية الثانية النهي عن الضرب في الوجه، في كل الحيوان المحترم، كالحمير والخيل والإبل والبغال والغنم وغيرها، وفي وجه الآدمي أشد، لأن الوجه مجمع المحاسن، وبشرته لطيفة رقيقة، يظهر فيها أثر الضرب غالباً، وربما عابه.
٦ - ومن الروايات الثانية والثالثة والرابعة النهي عن الوسم في الوجه بالإجماع، قال النووي: أما الآدمي فوسمه حرام، لكرامته، ولأنه لا حاجة إليه، فلا يجوز تعذيبه بدون مصلحة، وأما غير الآدمي فقال جماعة من أصحابنا: يكره، وقال البغوي من أصحابنا: لا يجوز، فأشار بذلك إلى تحريمه، وهو الأظهر، لأن النبي ﷺ لعن فاعله [في روايتنا الثالثة] واللعن يقتضي التحريم. قال: وأما الوسم في غير الوجه من غير الآدمي فجائز عندنا بلا خلاف، لكن يستحب في نعم الزكاة والجزية -لكثرتها وخشية اختلاطها وضياعها- ولا يستحب في غيرها، ولا ينهي عنه. اهـ
ثم قال: وإذا وسم غير الآدمي فيستحب أن يسم الغنم في آذانها، والإبل والبقر في أصول أفخاذها، لأنه موضع صلب، فيقل الألم فيه، ويخف شعره، ويظهر الوسم.
قال: وفائدة الوسم تمييز الحيوان بعضه عن بعض، قال الشافعي وأصحابه: يستحب كون الميسم للغنم ألطف من ميسم البقر وميسم البقر ألطف من ميسم الإبل.
ثم قال: وهذا الذي قلناه مذهبنا ومذهب الجماهير، وقال أبو حنيفة: هو مكروه، لأنه تعذيب ومثله، وقد نهى عن المثلة، وحجة الجمهور هذه الأحاديث الصحيحة الصريحة التي ذكرها مسلم، وآثار كثيرة عن عمر وغيره من الصحابة ﵃ ولأنها ربما شردت، فيعرفها واجدها بعلامتها، فيردها، والجواب عن النهي عن المثلة والتعذيب أنه عام، وحديث الوسم خاص، فوجب تقديمه. اهـ
٧ - ومن الوسم في الآذان، مع النهي عن الوسم في الوجه، أن الآذن ليست من الوجه.
٨ - وفي الأحاديث جواز وسم البهائم بالكي، وخالف الحنفية، تمسكاً بعموم النهي عن التعذيب بالنار.
٩ - وأنه ليس في فعله دناءة، ولا ترك مروءة، فقد فعله النبي ﷺ .
١٠ - وفيه ما كان عليه ﷺ من التواضع، وفعل الأشغال بيده.
١١ - ونظره في مصالح المسلمين، والاحتياط في حفظ مواشيهم بالوسم وغيره.
١٢ - واستحباب تحنيك المولود.
١٣ - وحمل المولود عند ولادته إلى واحد من أهل الصلاح والفضل، يحنكه بتمرة، ليكون أول ما يدخل في جوفه ريق الصالحين، فيتبرك به.
والله أعلم
стр. 4715
(٥٧٥) باب النهي عن القزع
٤٨٥٦ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ نهى عن القزع. قال: قلت لنافع: وما القزع؟ قال: يحلق بعض رأس الصبي ويترك بعض.
-[المعنى العام]-
وفر الله شعر الرأس لبني آدم، كما خفف الشعر في بقية بدنه، ربما لأن فروة الرأس في حاجة إلى وقاية وغطاء كثيف، لتقي المخ من أضرار شدة الحر وشدة البرد، ثم كان هذا الشعر مظهراً من مظاهر الجمال والزينة للإنسان، وشرع الإسلام إكرام هذا الشعر، وكره الأشعث الأغبر، وحث على غسل هذا الشعر، ودهنه، وترجيله، والحفاظ على جماله، وقد سبق لنا دعوة الإسلام لصبغه عند الشيب. ولما كان شعر الرأس إذا ترك، دون قص، أو حلق يطول ويطول، شرع الحلق أو التقصير عند الخروج من شعائر الحج أو العمرة، ولما كان هذا الشعر من محاسن المرأة اعتبره الشرع جزءاً من عورتها، لا تحل رؤيته إلا لمن أحلها الله له.
واختلفت الأعراف والعادات بين بني البشر، في طول شعر الرأس أو تقصيره أو حلقه، ربما للاختلاف في الحرارة والبرودة، وربما لمجرد التقاليد، والتقاليد في جهة كثيراً ما تكون غير مرضية في جهة أخرى، وقد يأنف قوم من هيئة شعر قوم آخرين.
بل قد تتغير عادة شعب من الشعوب في زمن عنها في زمن آخر، فتكون "الموضة" في عصر تقصير شعر النساء، وتطويل شعر الرجال، بعد أن كان العكس، وقد تكون "الموضة" في عدم التفرقة بين شعر الرجال وشعر النساء في التقصير.
والمتتبع لشعور الرجال والنساء عند العرب قبل وفي صدر الإسلام يجد المرأة العربية تشتهر وتفخر بطول شعرها، وتعني به كل عناية، تجدله وتضفره ضفائر رقيقة، أو ضفيرتين غليظتين، أو ترسله على ظهرها، أو تربطه، أو تجعله هرماً فوق رأسها، ومازال الكثيرات من نساء المسلمين تتفنن في تشكيل شعرهن الجميل.
стр. 4716
أما صبيان العرب قبل البلوغ، فكان الآباء يحلقون لأبنائهم على رغبات مختلفة، حلق الجميع، أو ترك الجميع، أو عمل القصة، أو عمل الذؤابة، أو حلق جزء وبقاء جزء، ولعل هذا النوع الأخير كان عرضة لتجمع الأوساخ في الجزء الطويل، لإهماله بسبب ما حوله من شعر قصير، فنهي عنه على أنه القزع، ولعل البعض كان يغرب في التشكيل، حتى تمجه العادة، فتسقط به المروءة فنهي عنه.
أما رجال العرب فكان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم، وكان المشركون يفرقون، وكان ﷺ يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، فسدل النبي ﷺ ، ثم كان يحب مخالفة أهل الكتاب، ففرق شعره، وكان شعره ﷺ رجلاً، ليس بالسبط الناعم، ولا الجعد، وكان طويلاً وفيراً يصل أحياناً إلى كتفيه، وكان يقصه أحياناً، فلا يجاوز الأذنين.
أما الصحابة فمنهم من كان يفرق شعره فرقتين، يضفر ويجدل كل واحدة منهما، أو يسدلها، ومنهم من كان يسدل من غير فرق، ولم يعب أحد منهم على الآخر.
وهكذا كان شعر الرأس ومازال أمراً ميسوراً، لا يخضع إلا لقواعد عدم الوصل، وعدم الخداع، وعدم المبالغة، وعدم مخالفة العرف مخالفة جارحة للمروءة. والله أعلم.
-[المباحث العربية]-
(نهى عن القزع) بفتح القاف والزاي، جمع قزعة، وهي القطعة من السحاب، وسمي شعر الرأس إذا حلق بعضه وترك بعضه قزعاً تشبيهاً بالسحاب المتفرق. وفي كتب اللغة: قزع الكبش ونحوه -بفتح القاف وكسر الزاي- يقزع بفتح الزاي، قزعاً- سقط بعض صوفه، وبقي بعضه، متفرقاً، وقزع الصبي إذا حلق رأسه، وترك بعض الشعر متفرقاً في مواضع منه، فهو أقزع، وهي قزعاء، والقزعة بفتح القاف وتشديد الزاي المفتوحة خصل من الشعر، تترك على رأس الصبي، كالذوائب، متفرقة في نواحي الرأس، وتطلق على القليل من الشعر في وسط الرأس.
وقد فسره الراوي في روايتنا بأنه حلق بعض رأس الصبي، وترك بعضه مطلقاً، قال النووي: ومنهم من قال: هو حلق مواضع متفرقة منه. قال: والصحيح الأول، لأنه تفسير الراوي، وهو غير مخالف للظاهر، فوجب العمل به. اهـ
وقد روى البخاري "قال عبيد الله: قلت: وما القزع؟ فأشار لنا عبيد الله، قال: إذا حلق الصبي وترك ههنا شعرة، وههنا، وههنا، فأشار لنا عبيد الله إلى ناصيته، وجانبي رأسه" فهذا تفسير آخر للراوي، وهو مقيد، وما رجحه النووي مطلق، فينبغي حمل المطلق على المقيد، بل لقد حدد الراوي في رواية البخاري ما أشار إليه بههنا وههنا وههنا بقوله "ولكن القزع أن يترك بناصيته شعر -وليس في رأسه غيره- وكذلك شق رأسه هذا وهذا" فهو بهذا حلق مواضع معينة من الرأس، وترك مواضع معينة متفرقة منه، وقد جاء تفسير ثالث للقزع عند أبي داود عن ابن عمر ﵄ قال "نهى رسول الله ﷺ عن القزع، وهو أن يحلق رأس الصبي ويتخذ له ذؤابة".
стр. 4717
(قال: قلت لنافع: وما القزع؟ قال ... ) أي قال نافع، فتفسير القزع على هذا لنافع، والسائل له عبيد الله، وفي الرواية الأخرى جعل تفسير القزع من قول عبد الله، ناقلاً عن شيخه عمر بن نافع، مشيراً إلى أماكنه. قال الكرماني: حاصله أن عبيد الله قال: قلت لشيخي عمر بن نافع: ما معنى القزع؟ فقال: إنه إذا حلق رأس الصبي يترك ههنا شعر، وههنا شعر، فأشار عبيد الله إلى ناصيته، وطرفي رأسه، يعني فسر "ههنا" الأول بالناصية، والثانية والثالثة بجانبي الرأس.
و"عبيد الله" هو عبيد الله بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وهو وتلميذه في هذا الحديث ابن جريج وشيخه عمر بن نافع أقران متقاربون في السن واللقاء والوفاة، واشترك الثلاثة في الرواية عن نافع.
(وفي رواية إلحاق تفسير القزع في الحديث) يعني إدراجه، ولم يسق مسلم لفظه، وقد أخرجه أحمد، ولفظه "نهى عن القزع، والقزع أن يحلق .... " فذكر التفسير مدرجاً.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: أجمع العلماء على كراهة القزع، إذا كان في مواضع متفرقة، إلا أن يكون لمداواة ونحوها، قال: وهي كراهة تنزيه، وكرهه مالك في الجارية والغلام مطلقاً، وقال بعض أصحابه: لا بأس به في القصة والقفا للغلام، قال: ومذهبنا كراهته مطلقاً للرجل والمرأة، لعموم الحديث. اهـ
ومع أن النووي ﵀ قد أوضح الحكم عند الشافعية بأنه كراهة تنزيه إلا أن تعميم هذه الكراهة لكل من حلق بعض رأسه، وترك بعضاً من غلام وجارية ورجل وامرأة، تعميم لا تظهر حجته، فالراوي الذي فسره بحلق البعض وترك البعض مطلقاً قال "رأس الصبي" فما الذي أطلقه، حتى شمل الجارية والرجل والمرأة؟ بل يؤكد هذا القيد ما أخرجه أبو داود والنسائي "أن النبي ﷺ رأى صبياً قد حلق بعض رأسه، وترك بعضه، فنهاهم عن ذلك".
بل رواية البخاري لحديثنا تؤكد أن قيد "الصبي" له مدخل، ففيها "قال عبيد الله: إذا حلق الصبي وترك ههنا شعرة، وههنا، وههنا -فأشار لنا عبيد الله إلى ناصيته وجانبي رأسه. قيل لعبيد الله: فالجارية والغلام"؟ يعني قيل لعبيد الله: فالجارية والغلام في ذلك سواء؟ "قال: لا أدري، هكذا قال: الصبي" يعني لكن الذي قاله هو لفظ "الصبي" قال الكرماني: ولا شك أنه ظاهر في الغلام.
كما أن التعميم لجميع أجزاء الرأس الذي بناه على تفسير الراوي للقزع قابله تفسير آخر للراوي عمر بن نافع فعند البخاري في الحديث نفسه "قال عبيد الله: وعاودته" أي عاودت عمر بن نافع "فقال: أما القصة" والمراد بها شعر الصدغين "والقفا" أي وشعر القفا "للغلام فلا بأس بهما" أي لا بأس بحلقهما "ولكن القزع أن يترك بناصيته شعر، وليس في رأسه غيره، وكذلك شق رأسه، هذا وهذا" فهذا التفسير للقزع لا يعممه في أجزاء الرأس المختلفة، بل يحدد مواضع الحلق والترك.
стр. 4718
على أن الذؤابة -وهي خصلة من شعر، تترك دون حلق، مع حلق ما حولها -كانت شائعة كثيرة، أقرها ﷺ ، فعند البخاري "عن ابن عباس ﵄ قال: بت ليلة عند ميمونة بنت الحارث، خالتي، وكان رسول الله ﷺ عندها في ليلتها، قال: فقام رسول الله ﷺ يصلي من الليل، فقمت عن يساره، قال: فأخذ بذؤابتي، فجعلني عن يمينه" وأخرج أبو داود من حديث أنس "كانت لي ذؤابة، فقالت أمي: لا أجزها، فإن رسول الله ﷺ كان يمدها ويأخذ بها" وأخرج النسائي بسند صحيح، عن زياد بن حصين عن أبيه "أنه أتى النبي ﷺ ، فوضع يده على ذؤابته، وسمت عليه، ودعا له" ومن حديث ابن مسعود -وأصله في الصحيحين- قال "قرأت من في رسول الله ﷺ سبعين سورة، وإن زيد بن ثابت لمع الغلمان، له ذؤابتان".
على أن علة النهي عن القزع قد اختلفوا فيها، وكلها تمس ولا تدعك، فقد قيل: إنها التشويه للخلقة، وقيل: لأن القزع زي الشيطان، وقيل: لأنه زي اليهود، وقيل: لأنه زي أهل الشر والدعارة.
والذي أميل إليه أن النهي عن القزع كان لمنظر خاص من شعر صبي -ربما غير المألوف- أما ما يجرى هذه الأيام من حلق القفا، وتخفيف العارضين وحول الأذنين، فلا بأس به، ولا يدخل في النهي عن القزع، بقي حلق جميع الرأس، وترك شعر جميع الرأس، وقد ادعى ابن عبد البر الإجماع على إباحة حلق الجميع، وهو رواية عن أحمد، وروي عنه أنه مكروه، لما روي عنه أنه من وصف الخوارج، وقال الغزالي في الإحياء: لا بأس بحلق جميع الرأس، لمن أراد التنظيف، ولا بأس بتركه، لمن أراد أن يدهن ويترجل.
والله أعلم
стр. 4719
(٥٧٦) باب النهي عن الجلوس في الطرقات
٤٨٥٧ - عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إياكم والجلوس في الطرقات" قالوا: يا رسول الله، ما لنا بد من مجالسنا. نتحدث فيها. قال رسول الله ﷺ : "فإذا أبيتم إلا المجلس، فأعطوا الطريق حقه" قالوا: وما حقه؟ قال: "غض البصر. وكف الأذى. ورد السلام. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".
-[المعنى العام]-
كانت بيوت العرب واسعة، لها أفنية على الطرقات، وكثيراً لا تكون لها أبواب، وكثيراً ما يكون لها مصاطب على الطريق، وهم قوم يقل انشغال أوقاتهم بالرزق، فمجال الكسب محدود، فكانوا يشغلون أوقات الفراغ الكثيرة بالتجمع جماعات جماعات على صعدات [بضم الصاد والعين جمع صعيد، وهو المكان المتسع] على الطريق، وفي هذا الوضع إيذاء للمارة في الطريق، وطرقهم التي تنقلهم إلى أعمالهم وإلى قضاء مصالحهم محدودة، ليس من السهل استخدام بديل لأماكن الجالسين، وكيف والجلوس في الطرقات يعمها في الغالب الكثير؟ .
إذن اتقاء الضرر إنما يكون بمنع الجلوس على الطرقات، لا بمنع المرور فيها، فكان الأمر الحكيم: إياكم والجلوس على الطرقات، والحكيم عليم بأن هذا الأمر صعب التنفيذ، لكنه أصدره ليطلبوا التخفيف، فتظهر منة الشارع في الرأفة بهم، ولينصاعوا للأمر الآخر المترتب على التخفيف انصياع من خفف عنه، ومنح التيسير قالوا: ما لنا مفر من الجلوس على الطرقات، إنها المكان الوحيد الذي نتحدث فيه في مصالحنا وأمورنا، إنها مكان التجمع الميسور البعيد عن حرج النساء في البيوت. فقال ﷺ : إذا أبيتم إلا الجلوس على الطرقات، فاحذروا إيذاء المارة بالنظر والغمز واللمز والغيبة والنميمة وكشف العورات وسوء الظن والتضييق عليهم ومعاكستهم، بل ليكن وجودكم على طريقهم إحساناً منكم لهم، تردون سلامهم، وتشمتون من يعطس ويحمد منهم، وترشدون ضالهم، وتنقذون مكروبهم، وتنصفون مظلومهم، وتردون ظالمهم، وتغيثون مستغيثهم وملهوفهم، وتساعدون محتاجهم، وتأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر.
-[المباحث العربية]-
(إياكم والجلوس في الطرقات) أسلوب تحذير: وأصله: أحذركم الخطأ، وأحذركم الجلوس
стр. 4720
في الطرقات، أضمر الفعل وجوباً، لكثرة الاستعمال، فانفصل ضمير المفعول، فصار إياكم، وحذف المفعول الثاني "الخطأ" وبقي المعطوف "والجلوس" وعبر بفي، والأصل "على الطرقات" لإفادة القرب والظرفية، وفي رواية "على الطرقات" وفي رواية "بالطرقات" والطرقات بضم الطاء والراء جمع طرق، بضمها أيضاً، وطرق جمع طريق.
(فقالوا: يا رسول الله، ما لنا بد من مجالسنا) "بد" بضم الباء وتشديد الدال، العوض، أي ما لنا عوض عنها، فهي مجالسنا، ومن معانيه الفرار، يقال: لا بد منه، أي لا مفر، والمعنى عليه: لا مفر لنا من مجالسنا" أي لا مفر لنا من الجلوس في الطرقات، ولا غنى عنها، لأنها مجالسنا.
(نتحدث فيها) حديثاً مشروعاً، جملة مستأنفة استئنافاً بيانياً، كأن سائلاً سأل: ماذا تفعلون فيها؟ فقيل: نتحدث الأحاديث المشروعة، وفي حديث أبي طلحة "فقالوا: إنما قعدنا لغير ما بأس، قعدنا نتحدث ونتذاكر".
(فإذا أبيتم إلا المجلس) كذا الرواية "إلا المجلس" بكسر اللام، أي إلا جعلها مكاناً للجلوس، ورواها بعضهم بفتح اللام، مصدر ميمي، أي الجلوس، وفي رواية "فإذا أتيتم إلى المجالس" من الإتيان، وفي رواية "فإن أبيتم إلا أن تفعلوا" وفي حديث "إما لا" بكسر الهمزة، و"لا" نافية، ومعناه: إلا تتركوا ذلك فافعلوا كذا.
(فأعطوا الطرق حقه) في رواية "حقها" والطريق يذكر ويؤنث، وفي رواية أحمد "فمن جلس منكم على الصعيد فليعطه حقه".
(وما حقه؟ ) في رواية "وما حق الطريق"؟ .
(غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) زاد في رواية "وحسن الكلام" وفي رواية "وإرشاد ابن السبيل، وتشميت العاطس إذا حمد" وفي رواية "وتغيثوا الملهوف، وتهدوا الضال" وفي رواية "وإرشاد الضال" وعند أحمد والترمذي "اهدوا السبيل، وأعينوا المظلوم، وأفشوا السلام"، وعند البزار: "وأعينوا على الحمولة"، وعند الطبراني: "ذكر الله كثيراً" وعنده أيضاً "واهدوا الأغبياء، وأعينوا المظلوم".
-[فقه الحديث]-
قال النووي: هذا من الأحاديث الجامعة، وأحكامه ظاهرة، وينبغي أن يجتنب الجلوس في الطرقات، لهذا الحديث، ويدخل في كف الأذى اجتناب الغيبة، وظن السوء، واحتقار بعض المارة، وتضييق الطريق، وكذا إذا كان القاعدون ممن يهابهم المارون، أو يخافون منهم، ويمتنعون من المرور لأشغالهم بسبب ذلك، لكونهم لا يجدون طريقاً إلا ذلك الموضع. اهـ
ومثل الجلوس في الطرقات الجلوس في أفنية البيوت المفتوحة على الطرقات،
стр. 4721
والوقوف في نوافذ البيوت على الطرقات والجلوس في "البلكون" ومثل الجلوس الوقوف، والمشي في الطريق لغير حاجة.
والحكمة في كل ذلك سد الذرائع، لأن التعرض للمحرمات يوقع فيها، فندبهم الشارع إلى ترك الجلوس حسماً للمادة.
ولم يكن جوابهم اعتراضاً على الحكم، بل كان التماساً للتخفيف، وتقدير الحاجة والضرورة، قال القاضي عياض: فيه دليل على أن أمره لهم لم يكن للوجوب، وإنما كان على طريق الترغيب والأولى، إذ لو فهموا الوجوب لم يراجعوه هذه المراجعة، وقد يحتج به من لا يرى الأوامر على الوجوب. اهـ قال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يكونوا رجوا وقوع النسخ، تخفيفاً لما شكوا من الحاجة إلى ذلك، ويؤيده أن في مرسل يحيى بن يعمر "فظن القوم أنها عزمة". اهـ
والله أعلم
стр. 4722
(٥٧٧) باب الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة والنامصة والمتنمصة والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله والمتشبع بما لم يعط
٤٨٥٨ - عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إن لي ابنة عريساً، أصابتها حصبة، فتمرق شعرها. أفأصله؟ فقال: "لعن الله الواصلة والمستوصلة".
٤٨٥٩ - وفي رواية عن هشام بن عروة. بهذا الإسناد. نحو حديث أبي معاوية، غير أن وكيعاً وشعبة في حديثهما: فتمرط شعرها.
٤٨٦٠ - عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ أن امرأة أتت النبي ﷺ ، فقالت: إني زوجت ابنتي، فتمرق شعر رأسها. وزوجها يستحسنها. أفأصل يا رسول الله؟ فنهاها.
٤٨٦١ - عن عائشة ﵂ أن جارية من الأنصار تزوجت. وأنها مرضت فتمرط شعرها. فأرادوا أن يصلوه. فسألوا رسول الله ﷺ عن ذلك. فلعن الواصلة والمستوصلة.
٤٨٦٢ - عن عائشة ﵂ أن امرأة من الأنصار زوجت ابنة لها. فاشتكت فتساقط شعرها. فأتت النبي ﷺ فقالت: إن زوجها يريدها. أفأصل شعرها؟ فقال رسول الله ﷺ "لعن الواصلات".
стр. 4723
٤٨٦٣ - وفي رواية عن إبراهيم بن نافع، بهذا الإسناد وقال: لُعن الموصلات.
٤٨٦٤ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ "لعن الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة".
٤٨٦٥ - عن عبد الله ﵁ قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله. قال: فبلغ ذلك امرأة من بني أسد، يقال لها أم يعقوب، وكانت تقرأ القرآن. فأتته فقالت: ما حديث بلغني عنك، أنك لعنت الواشمات والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله؟ فقال عبد الله: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ ، وهو في كتاب الله. فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته. فقال: لئن كنت قرأتيه، لقد وجدتيه. قال الله ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [الحشر/ ٧]. فقالت المرأة: فإني أرى شيئاً من هذا على امرأتك الآن. قال: اذهبي فانظري. قال: فدخلت على امرأة عبد الله. فلم تر شيئاً فجاءت إليه. فقالت: ما رأيت شيئاً. فقال: أما لو كان ذلك لم نجامعها.
٤٨٦٦ - وفي رواية عن منصور، في هذا الإسناد بمعنى حديث جرير، غير أن في حديث سفيان: الواشمات والمستوشمات. وفي حديث مفضل: الواشمات والموشومات.
٤٨٦٧ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: زجر النبي ﷺ أن تصل المرأة برأسها شيئاً.
стр. 4724
٤٨٦٨ - عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، أنه سمع معاوية بن أبي سفيان عام حج وهو على المنبر، وتناول قصة من شعر -كانت في يد حرسي- يقول يا أهل المدينة، أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن مثل هذه. ويقول: "إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم".
٤٨٦٩ - وفي رواية عن الزهري، بمثل حديث مالك، غير أن في حديث معمر "إنما عذب بنو إسرائيل".
٤٨٧٠ - عن سعيد بن المسيب قال: قدم معاوية المدينة، فخطبنا، وأخرج كبة من شعر فقال: ما كنت أرى أن أحداً يفعله إلا اليهود. إن رسول الله ﷺ بلغه فسماه الزور.
٤٨٧١ - عن سعيد بن المسيب، أن معاوية قال: ذات يوم إنكم قد أحدثتم زي سوء. وإن نبي الله ﷺ نهى عن الزور. قال: وجاء رجل بعصا على رأسها خرقة. قال معاوية: ألا وهذا الزور. قال قتادة: يعني ما يكثر به النساء أشعارهن من الخرق.
٤٨٧٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "صنفان من أهل النار لم أرهما. قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس. ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة. لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها. وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا".
٤٨٧٣ - عن عائشة ﵂، أن امرأة قالت: يا رسول الله، أقول إن زوجي أعطاني ما لم يعطني. فقال رسول الله ﷺ : "المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور".
стр. 4725
٤٨٧٤ - عن أسماء ﵂ جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: إن لي ضرة، فهل علي جناح أن أتشبع من مال زوجي بما لم يعطني؟ فقال رسول الله ﷺ "المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور".
-[المعنى العام]-
كانت النساء عند العرب قبل الإسلام على ثلاث طوائف:
الجواري وتباع وتشترى، وتمتهن، وتؤجر كبغايا، وفيهن نزل قوله تعالى: ﴿ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً لتبتغوا عرض الحياة الدنيا﴾ [النور: ٣٣] وكن يخرجن شبه عاريات، فعورتهن ما بين السرة والركبة، وكن يوصلن شعورهن ويستوشمن ويتنمصن ويتفلجن، ويبالغن في التجمل للسيد ولغيره.
الطائفة الثانية السواقط والفواجر من غير الجواري، وكن كثيرات، تقول عائشة -كما في البخاري- "إن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء: فنكاح منها نكاح الناس اليوم، يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته، فيصدقها ثم ينكحها. ونكاح آخر: كان الرجل يقول لامرأته، إذا طهرت من طمثها: أرسلي إلى فلان، فاستبضعي منه، ويعتزلها زوجها، ولا يمسها أبداً، حتى يتبين حملها من ذلك الرجل، الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع، ونكاح آخر يجتمع الرهط، ما دون العشرة، فيدخلون على المرأة، كلهم يصيبها، فإذا حملت ووضعت، ومر ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم، فلم يستطع أحد منهم أن يمتنع، حتى يجتمعوا عندها، تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت، فهو ابنك يا فلان، تسمي من أحبت باسمه، فيلحق به ولدها، لا يستطيع أن يمتنع به الرجل، ونكاح الرابع يجتمع الناس الكثير، فيدخلون على المرأة، لا تمنع من جاءها، وهن البغايا، كن ينصبن على أبوابهن رايات، تكون علماً، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن، ووضعت حملها جمعوا لها، ودعوا لهم القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فلما بعث محمد ﷺ بالحق، هدم نكاح الجاهلية كله، إلا نكاح الناس اليوم".
وكانت الحرائر العفيفات، ذوات الحسب، يعتبرن ما عدا نكاح الإسلام زنا يستقبحنه ويمقتنه، وبهذا جاءت شريعة محمد ﷺ ، فكان فيما جاء في بيعة النساء "ولا يزنين" فقالت هند امرأة أبي سفيان بتعجب: وهل تزني الحرة؟ أي لا تزني العفيفة المحصنة الأصيلة، بل كان هذا الصنف لا ينكشفن أمام الرجال الأجانب، بل لا يخرجن لحاجتهن إلا بليل، بخلاف الفواجر، ذوات الأنكحة
стр. 4726
الثلاثة الأخيرة، فقد كن يتعرضن للرجال بكل أنواع الزينة من وصل الشعر، والوشم، والنمص، وتفلج الأسنان، وتغيير خلقتهن بشتى أنواع الزينة والتجمل والتبرج، وفي هذا يقول القرآن الكريم ﴿ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى﴾ [الأحزاب: ٣٣].
كان لا بد أن يدعو الإسلام للفضيلة، وأن يحارب الرذيلة بأسبابها ومظاهرها، فنهى أن تصل المرأة بشعر رأسها شيئاً، تتجمل به لغير الزوج، أو تغش وتخدع به الزوج، فلعن الواصلة ولعن من تعينها وتساعدها على الوصل.
ولعن الواشمة، التي تصنع الوشم في وجهها، تجمل بها نفسها لغير زوجها، ولعن من تعينها على ذلك، ومن يصنع لها ذلك.
ولعن النامصة، التي ترقق حواجبها، بنتف شعرات منها، وتزجج عيونها، وتزيل شعر وجهها للحسن والتجميل لغير الزوج، ولعن من تعينها، وتساعدها على ذلك.
ولعن التي تفلج أسنانها بالمبرد ونحوه، تسويها، وتفرق بينها، طلباً للحسن والجمال، لغير الزوج، ولعن المغيرات لخلقتهن التي خلقها الله طلباً للحسن والجمال غير المشروع.
إن الله جميل يحب الجمال، وإن الإسلام نظيف، يدعو إلى النظافة بشتى أنواعها، وقد خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، وفي أجمل صورة بالنسبة للحيوان مثلاً، لكنه خلق فيه بعض الأشياء التى طلب منه أن يغيرها بنفسه، ويهذبها بيده، لينال بذلك أجر العمل بشرعه، طلب منه أن يقص أظافره، وأن ينتف شعر الإبط، وأن يحلق شعر العانة، وجعل ذلك من الفطرة الإسلامية، بل طلب منه أن يزيل الأذى عن نفسه، وأن يأخذ زينته عند كل مسجد، وأن تتزين المرأة لزوجها بكل ما تملك من زينة، وأن يتزين الرجل لزوجته، بإزالة الروائح الكريهة وبالاغتسال وجميل الثياب، وبالطيب وبحلاقة ما يستكره من شعر، عملاً بقوله ﷺ "من كان له شعر فليكرمه" وأن يكون مع زوجته بالحالة التي يحب أن تكون هي عليها، فهي تحب منه ما يحب منها، وليس في شيء من ذلك تغيير لخلق الله تغييراً منهياً عنه، أو تغييراً يعاقب عليه.
لكن إذا تحول هذا التغيير إلى أن يكون وسيلة لحرام منع، لا لذاته، ولكن لما يجره من محرم، فالوسيلة تأخذ حكم الغاية.
وعلى ضوء هذا نفهم أحاديثنا، من لعن الواصلات والمستوصلات والطالبات للحسن لغير الزوج والواشمات والمستوشمات الطالبات للحسن لغير الزوج.
والنامصات والمتنمصات الطالبات للحسن لغير الزوج.
والمتلفجات للحسن لغير الزوج.
وأمثالهن من واضعات المساحيق للحسن لغير الزوج.
وواضعات الطيب للتبرج وجذب انتباه غير الزوج.
стр. 4727
ولابسات الشفاف والضيق لغير الزوج.
والضاربات بالأرجل ورفع الأصوات الناعمة والضحكات الرقيقة لغير الزوج.
فكل ذلك شباك صيد، إن وجهت إلى الحلال، وأنتجت حلالاً فهي حلال.
وإن وجهت إلى الحرام، وأنتجت حراماً فهي حرام.
والله الهادي سواء السبيل.
-[المباحث العربية]-
(إن لي ابنة عريساً) بضم العين وفتح الراء وتشديد الياء المكسورة، تصغير عروس، والعروس يقع على المرأة والرجل عند الدخول بها، والمراد هنا أنها عقد عليها، ولما تدخل، وفي الرواية الثانية "فقالت: إني زوجت ابنتي" أي عقد قرانها، وفي الرواية الثالثة "أن جارية من الأنصار تزوجت" أي عقد عليها.
(أصابتها حصبة) بفتح الحاء وسكون الصاد، ويجوز فتحها وكسرها، والإسكان أشهر، وهي بثرات حمر، تخرج في الجلد متفرقة وهي نوع من الجدري، وفي رواية "أصابها" بالتذكير، على إرادة "حب الحصبة"، وفي الرواية الثالثة "وأنها مرضت" وفي الرواية الرابعة "فاشتكت".
(فتمرق شعرها) أي شعر رأسها، كما في الرواية الثانية، قال النووي: أما تمرق فبالراء المهملة، وهو بمعنى تساقط -كما في الرواية الرابعة- وفي ملحق الرواية الأولى "فتمرط" وكذا في الرواية الثالثة- قال: ولم يذكر القاضي في الشرح إلا الراء المهملة، كما ذكرنا، وحكاه في المشارق عن جمهور الرواة، ثم حكي عن جماعة من رواة صحيح مسلم أنه بالزاي المعجمة -روايتنا الثانية- قال: وهذا وإن كان قريباً من معنى الأول، ولكنه لا يستعمل في الشعر في حال المرض.
(أفأصله؟ ) الاستفهام حقيقي، والفاء عاطفة على محذوف، أي أيحل وصل الشعر؟ فأصله؟ وفي الرواية الثانية "أفأصل"؟ وفي الرواية الثالثة "فأرادوا أن يصلوه، فسألوا رسول الله ﷺ عن ذلك" أي أرادت أمها وقريباتها وصديقاتها أن يصلوه، والسائلة أمها، ونسب السؤال لجماعتهن "فسألوا" على أساس أن الراضي شريك في الفعل، كقوله ﴿فعقروا الناقة﴾ [الأعراف: ٧٧] ففي الرواية الرابعة "فأتت النبي ﷺ فقالت: إن زوجها يريدها" تبين سبب الحاجة إلى الوصل، والعذر فيه، وفي الرواية الثانية "وزوجها يستحسنها" قال النووي: هكذا وقع في جماعة من النسخ، بإسكان الحاء، بعدها سين مكسورة، بعدها نون، من الاستحسان، أي يستحسنها، فلا يصبر على بعدها، ويطلب تعجيلها إليه -أي وهو لا يعلم ما أصابها- ووقع في كثير من النسخ "يستحثنيها" بكسر الحاء، بعدها ثاء، ثم نون، ثم ياء، من الحث، وهو سرعة الشيء -أي يستحثني الإسراع بالدخول- وفي بعض النسخ "يستحثها" أي يطلب حثها على الإسراع بالدخول.
стр. 4728
(لعن الله الواصلة والمستوصلة) الجملة خبرية لفظاً ومعنى، وهو صريح في حكاية ذلك عن الله تعالى، وتحمل عليه الروايات الأخرى، ويستغنى بذلك عن استنباط ابن مسعود في الرواية السادسة، أو خبرية لفظاً دعائية معنى، والأول أولى، واللعن الطرد من رحمة الله، أو الإبعاد من الخير، أو العذاب، والمراد من الواصلة هنا، التي تصل شعر الرأس، سواء كان لنفسها أو لغيرها، والمستوصلة التي تطلب فعل ذلك لنفسها، ويفعل بها، فالسين والتاء للطلب، وفي رواية النسائي "والموتصلة" وفي رواية "والموصولة" وفي الرواية السابعة "زجر النبي ﷺ أن تصل المرأة برأسها -أي بشعر رأسها شيئاً".
(والواشمة والمستوشمة) المراد من الواشمة التي تفعل الوشم، سواء كان لنفسها أم لغيرها، والمستوشمة التي تطلب فعل ذلك لنفسها، ويفعل بها، وفي الرواية السادسة "الواشمات والمستوشمات" بالجمع، وفي ملحقها "الواشمات والموشمات" والوشم بفتح الواو، وسكون الشين أن يغرز في العضو إبرة أو نحوها، حتى يسيل الدم، ثم يحشى بنورة أو غيرها، فيخضر، وقال أبو داود في السنن: الواشمة التي تجعل الخيلان في وجهها بكحل أو مداد. اهـ قال الحافظ ابن حجر: وذكر الوجه للغالب، وليس قيداً، وأكثر ما يكون في الشفة، وقد يكون في اللثة، أي اللحم الذي فوق الأسنان، وقد يكون في اليد أو غيرها من الجسد، وقد يكون نقشاً، وقد يجعل دوائر، وقد يكتب اسم المحبوب، أو اسم الشخص نفسه، أو صوراً ورموزاً.
(والنامصات والمتنمصات) النامصة هي التي تزيل الشعر من الوجه، لنفسها، أو لغيرها، والمتنمصة هي التي تطلب ذلك لنفسها، ويفعل بها، أو التي تتكلف ذلك، وحكى ابن الجوزي "متمنصة" بتقديم الميم على النون، والنماص إزالة شعر الوجه بالمنقاش -الملقاط- ويقال: إن النماص يختص بإزالة شعر الحاجبين، لترقيقهما، أو تسويتهما، قال أبو داود في السنن: النامصة التي تنقص الحاجب حتى ترقه.
(والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله) "المتفلجات" جمع متفلجة، وهي التي تطلب الفلج لنفسها، ويفعل بها، أو تصنعه لنفسها، وتتكلفه، والفلج انفراج ما بين الثنيتين، والتفلج أن يفرد بين المتلاصقين بالمبرد ونحوه، وهو مختص عادة بالثنايا، والرباعيات، ويستحسن من المرأة تصنعه من تكون أسنانها متلاصقة لتكون مفلجة حسنة، وقد تفعله كبيرة السن، لتبدو صغيرة، لأن الصغيرة غالباً تكون مفلجة، جديدة السن، ويذهب ذلك في الكبر، وتحديد الأسنان، وتسويتها من أعلى يسمى الوشر، وقد ثبت النهي عنه أيضاً.
واللام في "للحسن" للتعليل، أي لأجل الحسن والتجمل، وهل يتعلق ذلك بالواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات والمتفلجات، على سبيل التنازع؟ أو يتعلق بالمتفلجات؟ احتمالان، ويفهم منه أن الذم خاص بمن فعل ذلك للحسن، دون من احتاجت إلى ذلك لسبب آخر. وسيأتي توضيح ذلك في فقه الحديث.
стр. 4729
و"المغيرات خلق الله" قال الحافظ ابن حجر: صفة لازمة لمن يصنع الوشم والنمص والفلج، وكذا الوصل على إحدى الروايات. اهـ أي في كل ذلك تغيير لخلق الله، فهي صفة كاشفة، وليست مقيدة، كما في "للحسن".
(وما لي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ ؟ ) الاستفهام إنكاري، بمعنى النفي، دخل على نفي، ونفي النفي إثبات، أي حق لي أن ألعن من لعنه رسول الله ﷺ .
(لقد قرأت ما بين لوحي المصحف، فما وجدته) في رواية "لقد قرأت ما بين اللوحين، فما وجدته" والمراد من اللوحين ما يجعل المصحف فيه، وكانوا يكتبون المصحف في الرق، ويجعلون له دفتين من خشب، ويراد به اليوم الجلد والغلاف، أي قرأت المصحف كله من أوله إلى آخره، فما وجدت هذا اللعن.
(لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه) كذا بإثبات الياء في "قرأتيه" و"وجدتيه" وهي لغة، والأفصح حذفها في خطاب المؤنث في الماضي.
(فإني أرى شيئاً من هذا على امرأتك الآن) "أرى" بمعنى أظن وأعتقد، ومرادها من الإشارة شيئاً من النمص، لأنه الذي قد يظهر، وقد يختفي، وقد يظن لعدم كثرة الشعر.
(قال: اذهبي، فانظري) أي اذهبي إليها، وانظريها، وارجعي إلي، وأخبريني، زاد الطبراني "فقال عبد الله: ما حفظت وصية شعيب إذا" يعني قوله تعالى، حكاية عن شعيب ﵇ ﴿وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه﴾ [هود: ٨٨] أي لئن صح قولك لكنت قد خالفتكم إلى ما أنهاكم عنه.
(فلم تر شيئاً) أي من ذلك الذي ظنته.
(أما لو كان ذلك لم نجامعها) "أما" حرف استفتاح، قال النووي: قال جماهير العلماء: معناه: لم نصاحبها ولم نجتمع نحن وهي، بل كنا نطلقها ونفارقها، وجمع الضمير لتعظيم نفسه، لأنه يملك ذلك، قال القاضي: ويحتمل أن معناه: لم أطأها، وهذا ضعيف، والصحيح ما سبق.
(سمع معاوية بن أبي سفيان، عام حج، وهو على المنبر) في الرواية التاسعة "قدم معاوية المدينة، فخطبنا" وفي رواية للبخاري "قدم معاوية المدينة آخر قدمة قدمها" قال الحافظ ابن حجر: كان ذلك سنة إحدى وخمسين، وهي آخر حجة حجها في خلافته.
(وتناول قصة من شعر، كانت في يد حرسي) "قصة" بضم القاف وتشديد الصاد، وهي شعر الناصية، قال الأصمعي وغيره: هي شعر مقدم الرأس، المقبل على الجبهة، وقيل: الخصلة من الشعر مطلقاً، وهو الأقرب للمراد هنا، وفي الرواية التاسعة "وأخرج كبة من شعر" والكبة بضم الكاف وتشديد الباء، شعر مكفوف، بعضه على بعض، و"حرسي" بفتح الحاء والراء وكسر السين وتشديد
стр. 4730
الياء، أي جندي وشرطي، مفرد حرس، بدون الياء، قال الجوهري: هم الذين يحرسون السلطان، والواحد حرسي، لأنه قد صار اسم جنس، فنسب إليه.
زاد الطبراني "قال: أي الحرس -وجدت هذه عند أهلي، وزعموا أن النساء يزدنه في شعورهم".
(يا أهل المدينة، أين علماؤكم؟ ) يحتمل أن يكون استفهاماً عن وجود ذواتهم في المدينة، إشارة إلى قلة العلماء يومئذ بالمدينة، على أساس أن غالب الصحابة كانوا يومئذ قد ماتوا، قاله الحافظ ابن حجر، واعترض عليه العيني بأن فيه بعداً، إذ كانت المدينة آنذاك دار العلم، ومعدن الشريعة، وإليها يهرع الناس في أمر دينهم، ويحتمل أن يكون استفهاماً عن عملهم بعلمهم، إذ عد من لا يعمل بعلمه في حكم العدم، والأصل أين علم علمائكم؟ ولماذا لم يأمروا بالمعروف؟ وينهوا عن المنكر؟ .
واعتذر الحافظ ابن حجر عنهم، باحتمال أن يكونوا قد تركوا الإنكار، إما لاعتقاد عدم التحريم ممن بلغه الخبر، فحمله عن كراهة التنزيه، أو كان يخشى من سطوة الأمراء في ذلك الزمان على من يستبد بالإنكار، لئلا ينسب إلى الاعتراض على أولي الأمر، أو كانوا ممن لم يبلغهم الخبر أصلاً، أو بلغ بعضهم، لكن لم يتذكروه، حتى ذكرهم به معاوية. قال: فكل هذه أعذار ممكنة لمن كان موجوداً إذ ذاك من العلماء، قال: وأما من حضر خطبة معاوية، وخاطبهم بقوله: أين علماؤكم؟ فلعل ذلك كان في خطبة غير الجمعة، ولم يتفق أن يحضره إلا من ليس من أهل العلم، فقال: أين علماؤكم؟ لأن الخطاب بالإنكار لا يتوجه إلا على من علم الحكم وأقره، فيحتمل أن يكون أراد بذلك إحضارهم، ليستعين بهم على ما أراد من إنكار ذلك، أو لينكر عليهم سكوتهم عن إنكارهم هذا الفعل قبل ذلك.
واعتذر العيني عنهم باعتذار آخر، فقال: فإن قلت: إذا كان الأمر كذلك. كيف لم يغير أهلها هذا المنكر؟ قلت: لا يخلو زمان من ارتكاب المعاصي، وقد كان في وقت رسول الله ﷺ من شرب الخمر، وسرق، وزنى، إلا أنه كان شاذاً، نادراً، فلا يحل لمسلم أن يقول: إنه ﷺ لم يغير المنكر، فكذلك أمر القصة بالمدينة، كان شاذاً، ولا يجوز أن يقال: إن أهلها جهلوا النهي عنها، لأن حديث لعن الواصلة حديث مدني، معروف عندهم مستفيض.
(إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم) وفي ملحق الرواية "إنما عذب بنو إسرائيل .. " وفي الرواية التاسعة "ما كنت أرى أن أحداً يفعله إلا اليهود" أي فلما فعلوه كان سبباً لهلاكهم، أي مع ما انضم إلى ذلك من ارتكابهم ما ارتكبوه من المناهي.
(إنكم قد أحدثتم زي سوء) من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي زياً سيئاً، والزي الهيئة والمنظر، و"سوء" بفتح السين وسكون الواو، وبضم السين، كل قبيح، والخطاب وإن كان للرجال الحاضرين ظاهراً، لكن المراد بعض نسائهم.
(وإن نبي الله ﷺ نهى عن الزور) قال ابن الأثير: الزور الكذب والباطل والتهمة، وسمى النبي ﷺ الوصل زوراً، لأنه كذب، وتغيير لخلق الله.
следующие страницы →