Полный текст (6 200 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.
стр. 4726
الثلاثة الأخيرة، فقد كن يتعرضن للرجال بكل أنواع الزينة من وصل الشعر، والوشم، والنمص، وتفلج الأسنان، وتغيير خلقتهن بشتى أنواع الزينة والتجمل والتبرج، وفي هذا يقول القرآن الكريم ﴿ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى﴾ [الأحزاب: ٣٣].
كان لا بد أن يدعو الإسلام للفضيلة، وأن يحارب الرذيلة بأسبابها ومظاهرها، فنهى أن تصل المرأة بشعر رأسها شيئاً، تتجمل به لغير الزوج، أو تغش وتخدع به الزوج، فلعن الواصلة ولعن من تعينها وتساعدها على الوصل.
ولعن الواشمة، التي تصنع الوشم في وجهها، تجمل بها نفسها لغير زوجها، ولعن من تعينها على ذلك، ومن يصنع لها ذلك.
ولعن النامصة، التي ترقق حواجبها، بنتف شعرات منها، وتزجج عيونها، وتزيل شعر وجهها للحسن والتجميل لغير الزوج، ولعن من تعينها، وتساعدها على ذلك.
ولعن التي تفلج أسنانها بالمبرد ونحوه، تسويها، وتفرق بينها، طلباً للحسن والجمال، لغير الزوج، ولعن المغيرات لخلقتهن التي خلقها الله طلباً للحسن والجمال غير المشروع.
إن الله جميل يحب الجمال، وإن الإسلام نظيف، يدعو إلى النظافة بشتى أنواعها، وقد خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، وفي أجمل صورة بالنسبة للحيوان مثلاً، لكنه خلق فيه بعض الأشياء التى طلب منه أن يغيرها بنفسه، ويهذبها بيده، لينال بذلك أجر العمل بشرعه، طلب منه أن يقص أظافره، وأن ينتف شعر الإبط، وأن يحلق شعر العانة، وجعل ذلك من الفطرة الإسلامية، بل طلب منه أن يزيل الأذى عن نفسه، وأن يأخذ زينته عند كل مسجد، وأن تتزين المرأة لزوجها بكل ما تملك من زينة، وأن يتزين الرجل لزوجته، بإزالة الروائح الكريهة وبالاغتسال وجميل الثياب، وبالطيب وبحلاقة ما يستكره من شعر، عملاً بقوله ﷺ "من كان له شعر فليكرمه" وأن يكون مع زوجته بالحالة التي يحب أن تكون هي عليها، فهي تحب منه ما يحب منها، وليس في شيء من ذلك تغيير لخلق الله تغييراً منهياً عنه، أو تغييراً يعاقب عليه.
لكن إذا تحول هذا التغيير إلى أن يكون وسيلة لحرام منع، لا لذاته، ولكن لما يجره من محرم، فالوسيلة تأخذ حكم الغاية.
وعلى ضوء هذا نفهم أحاديثنا، من لعن الواصلات والمستوصلات والطالبات للحسن لغير الزوج والواشمات والمستوشمات الطالبات للحسن لغير الزوج.
والنامصات والمتنمصات الطالبات للحسن لغير الزوج.
والمتلفجات للحسن لغير الزوج.
وأمثالهن من واضعات المساحيق للحسن لغير الزوج.
وواضعات الطيب للتبرج وجذب انتباه غير الزوج.
стр. 4727
ولابسات الشفاف والضيق لغير الزوج.
والضاربات بالأرجل ورفع الأصوات الناعمة والضحكات الرقيقة لغير الزوج.
فكل ذلك شباك صيد، إن وجهت إلى الحلال، وأنتجت حلالاً فهي حلال.
وإن وجهت إلى الحرام، وأنتجت حراماً فهي حرام.
والله الهادي سواء السبيل.
-[المباحث العربية]-
(إن لي ابنة عريساً) بضم العين وفتح الراء وتشديد الياء المكسورة، تصغير عروس، والعروس يقع على المرأة والرجل عند الدخول بها، والمراد هنا أنها عقد عليها، ولما تدخل، وفي الرواية الثانية "فقالت: إني زوجت ابنتي" أي عقد قرانها، وفي الرواية الثالثة "أن جارية من الأنصار تزوجت" أي عقد عليها.
(أصابتها حصبة) بفتح الحاء وسكون الصاد، ويجوز فتحها وكسرها، والإسكان أشهر، وهي بثرات حمر، تخرج في الجلد متفرقة وهي نوع من الجدري، وفي رواية "أصابها" بالتذكير، على إرادة "حب الحصبة"، وفي الرواية الثالثة "وأنها مرضت" وفي الرواية الرابعة "فاشتكت".
(فتمرق شعرها) أي شعر رأسها، كما في الرواية الثانية، قال النووي: أما تمرق فبالراء المهملة، وهو بمعنى تساقط -كما في الرواية الرابعة- وفي ملحق الرواية الأولى "فتمرط" وكذا في الرواية الثالثة- قال: ولم يذكر القاضي في الشرح إلا الراء المهملة، كما ذكرنا، وحكاه في المشارق عن جمهور الرواة، ثم حكي عن جماعة من رواة صحيح مسلم أنه بالزاي المعجمة -روايتنا الثانية- قال: وهذا وإن كان قريباً من معنى الأول، ولكنه لا يستعمل في الشعر في حال المرض.
(أفأصله؟ ) الاستفهام حقيقي، والفاء عاطفة على محذوف، أي أيحل وصل الشعر؟ فأصله؟ وفي الرواية الثانية "أفأصل"؟ وفي الرواية الثالثة "فأرادوا أن يصلوه، فسألوا رسول الله ﷺ عن ذلك" أي أرادت أمها وقريباتها وصديقاتها أن يصلوه، والسائلة أمها، ونسب السؤال لجماعتهن "فسألوا" على أساس أن الراضي شريك في الفعل، كقوله ﴿فعقروا الناقة﴾ [الأعراف: ٧٧] ففي الرواية الرابعة "فأتت النبي ﷺ فقالت: إن زوجها يريدها" تبين سبب الحاجة إلى الوصل، والعذر فيه، وفي الرواية الثانية "وزوجها يستحسنها" قال النووي: هكذا وقع في جماعة من النسخ، بإسكان الحاء، بعدها سين مكسورة، بعدها نون، من الاستحسان، أي يستحسنها، فلا يصبر على بعدها، ويطلب تعجيلها إليه -أي وهو لا يعلم ما أصابها- ووقع في كثير من النسخ "يستحثنيها" بكسر الحاء، بعدها ثاء، ثم نون، ثم ياء، من الحث، وهو سرعة الشيء -أي يستحثني الإسراع بالدخول- وفي بعض النسخ "يستحثها" أي يطلب حثها على الإسراع بالدخول.
стр. 4728
(لعن الله الواصلة والمستوصلة) الجملة خبرية لفظاً ومعنى، وهو صريح في حكاية ذلك عن الله تعالى، وتحمل عليه الروايات الأخرى، ويستغنى بذلك عن استنباط ابن مسعود في الرواية السادسة، أو خبرية لفظاً دعائية معنى، والأول أولى، واللعن الطرد من رحمة الله، أو الإبعاد من الخير، أو العذاب، والمراد من الواصلة هنا، التي تصل شعر الرأس، سواء كان لنفسها أو لغيرها، والمستوصلة التي تطلب فعل ذلك لنفسها، ويفعل بها، فالسين والتاء للطلب، وفي رواية النسائي "والموتصلة" وفي رواية "والموصولة" وفي الرواية السابعة "زجر النبي ﷺ أن تصل المرأة برأسها -أي بشعر رأسها شيئاً".
(والواشمة والمستوشمة) المراد من الواشمة التي تفعل الوشم، سواء كان لنفسها أم لغيرها، والمستوشمة التي تطلب فعل ذلك لنفسها، ويفعل بها، وفي الرواية السادسة "الواشمات والمستوشمات" بالجمع، وفي ملحقها "الواشمات والموشمات" والوشم بفتح الواو، وسكون الشين أن يغرز في العضو إبرة أو نحوها، حتى يسيل الدم، ثم يحشى بنورة أو غيرها، فيخضر، وقال أبو داود في السنن: الواشمة التي تجعل الخيلان في وجهها بكحل أو مداد. اهـ قال الحافظ ابن حجر: وذكر الوجه للغالب، وليس قيداً، وأكثر ما يكون في الشفة، وقد يكون في اللثة، أي اللحم الذي فوق الأسنان، وقد يكون في اليد أو غيرها من الجسد، وقد يكون نقشاً، وقد يجعل دوائر، وقد يكتب اسم المحبوب، أو اسم الشخص نفسه، أو صوراً ورموزاً.
(والنامصات والمتنمصات) النامصة هي التي تزيل الشعر من الوجه، لنفسها، أو لغيرها، والمتنمصة هي التي تطلب ذلك لنفسها، ويفعل بها، أو التي تتكلف ذلك، وحكى ابن الجوزي "متمنصة" بتقديم الميم على النون، والنماص إزالة شعر الوجه بالمنقاش -الملقاط- ويقال: إن النماص يختص بإزالة شعر الحاجبين، لترقيقهما، أو تسويتهما، قال أبو داود في السنن: النامصة التي تنقص الحاجب حتى ترقه.
(والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله) "المتفلجات" جمع متفلجة، وهي التي تطلب الفلج لنفسها، ويفعل بها، أو تصنعه لنفسها، وتتكلفه، والفلج انفراج ما بين الثنيتين، والتفلج أن يفرد بين المتلاصقين بالمبرد ونحوه، وهو مختص عادة بالثنايا، والرباعيات، ويستحسن من المرأة تصنعه من تكون أسنانها متلاصقة لتكون مفلجة حسنة، وقد تفعله كبيرة السن، لتبدو صغيرة، لأن الصغيرة غالباً تكون مفلجة، جديدة السن، ويذهب ذلك في الكبر، وتحديد الأسنان، وتسويتها من أعلى يسمى الوشر، وقد ثبت النهي عنه أيضاً.
واللام في "للحسن" للتعليل، أي لأجل الحسن والتجمل، وهل يتعلق ذلك بالواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات والمتفلجات، على سبيل التنازع؟ أو يتعلق بالمتفلجات؟ احتمالان، ويفهم منه أن الذم خاص بمن فعل ذلك للحسن، دون من احتاجت إلى ذلك لسبب آخر. وسيأتي توضيح ذلك في فقه الحديث.
стр. 4729
و"المغيرات خلق الله" قال الحافظ ابن حجر: صفة لازمة لمن يصنع الوشم والنمص والفلج، وكذا الوصل على إحدى الروايات. اهـ أي في كل ذلك تغيير لخلق الله، فهي صفة كاشفة، وليست مقيدة، كما في "للحسن".
(وما لي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ ؟ ) الاستفهام إنكاري، بمعنى النفي، دخل على نفي، ونفي النفي إثبات، أي حق لي أن ألعن من لعنه رسول الله ﷺ .
(لقد قرأت ما بين لوحي المصحف، فما وجدته) في رواية "لقد قرأت ما بين اللوحين، فما وجدته" والمراد من اللوحين ما يجعل المصحف فيه، وكانوا يكتبون المصحف في الرق، ويجعلون له دفتين من خشب، ويراد به اليوم الجلد والغلاف، أي قرأت المصحف كله من أوله إلى آخره، فما وجدت هذا اللعن.
(لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه) كذا بإثبات الياء في "قرأتيه" و"وجدتيه" وهي لغة، والأفصح حذفها في خطاب المؤنث في الماضي.
(فإني أرى شيئاً من هذا على امرأتك الآن) "أرى" بمعنى أظن وأعتقد، ومرادها من الإشارة شيئاً من النمص، لأنه الذي قد يظهر، وقد يختفي، وقد يظن لعدم كثرة الشعر.
(قال: اذهبي، فانظري) أي اذهبي إليها، وانظريها، وارجعي إلي، وأخبريني، زاد الطبراني "فقال عبد الله: ما حفظت وصية شعيب إذا" يعني قوله تعالى، حكاية عن شعيب ﵇ ﴿وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه﴾ [هود: ٨٨] أي لئن صح قولك لكنت قد خالفتكم إلى ما أنهاكم عنه.
(فلم تر شيئاً) أي من ذلك الذي ظنته.
(أما لو كان ذلك لم نجامعها) "أما" حرف استفتاح، قال النووي: قال جماهير العلماء: معناه: لم نصاحبها ولم نجتمع نحن وهي، بل كنا نطلقها ونفارقها، وجمع الضمير لتعظيم نفسه، لأنه يملك ذلك، قال القاضي: ويحتمل أن معناه: لم أطأها، وهذا ضعيف، والصحيح ما سبق.
(سمع معاوية بن أبي سفيان، عام حج، وهو على المنبر) في الرواية التاسعة "قدم معاوية المدينة، فخطبنا" وفي رواية للبخاري "قدم معاوية المدينة آخر قدمة قدمها" قال الحافظ ابن حجر: كان ذلك سنة إحدى وخمسين، وهي آخر حجة حجها في خلافته.
(وتناول قصة من شعر، كانت في يد حرسي) "قصة" بضم القاف وتشديد الصاد، وهي شعر الناصية، قال الأصمعي وغيره: هي شعر مقدم الرأس، المقبل على الجبهة، وقيل: الخصلة من الشعر مطلقاً، وهو الأقرب للمراد هنا، وفي الرواية التاسعة "وأخرج كبة من شعر" والكبة بضم الكاف وتشديد الباء، شعر مكفوف، بعضه على بعض، و"حرسي" بفتح الحاء والراء وكسر السين وتشديد
стр. 4730
الياء، أي جندي وشرطي، مفرد حرس، بدون الياء، قال الجوهري: هم الذين يحرسون السلطان، والواحد حرسي، لأنه قد صار اسم جنس، فنسب إليه.
زاد الطبراني "قال: أي الحرس -وجدت هذه عند أهلي، وزعموا أن النساء يزدنه في شعورهم".
(يا أهل المدينة، أين علماؤكم؟ ) يحتمل أن يكون استفهاماً عن وجود ذواتهم في المدينة، إشارة إلى قلة العلماء يومئذ بالمدينة، على أساس أن غالب الصحابة كانوا يومئذ قد ماتوا، قاله الحافظ ابن حجر، واعترض عليه العيني بأن فيه بعداً، إذ كانت المدينة آنذاك دار العلم، ومعدن الشريعة، وإليها يهرع الناس في أمر دينهم، ويحتمل أن يكون استفهاماً عن عملهم بعلمهم، إذ عد من لا يعمل بعلمه في حكم العدم، والأصل أين علم علمائكم؟ ولماذا لم يأمروا بالمعروف؟ وينهوا عن المنكر؟ .
واعتذر الحافظ ابن حجر عنهم، باحتمال أن يكونوا قد تركوا الإنكار، إما لاعتقاد عدم التحريم ممن بلغه الخبر، فحمله عن كراهة التنزيه، أو كان يخشى من سطوة الأمراء في ذلك الزمان على من يستبد بالإنكار، لئلا ينسب إلى الاعتراض على أولي الأمر، أو كانوا ممن لم يبلغهم الخبر أصلاً، أو بلغ بعضهم، لكن لم يتذكروه، حتى ذكرهم به معاوية. قال: فكل هذه أعذار ممكنة لمن كان موجوداً إذ ذاك من العلماء، قال: وأما من حضر خطبة معاوية، وخاطبهم بقوله: أين علماؤكم؟ فلعل ذلك كان في خطبة غير الجمعة، ولم يتفق أن يحضره إلا من ليس من أهل العلم، فقال: أين علماؤكم؟ لأن الخطاب بالإنكار لا يتوجه إلا على من علم الحكم وأقره، فيحتمل أن يكون أراد بذلك إحضارهم، ليستعين بهم على ما أراد من إنكار ذلك، أو لينكر عليهم سكوتهم عن إنكارهم هذا الفعل قبل ذلك.
واعتذر العيني عنهم باعتذار آخر، فقال: فإن قلت: إذا كان الأمر كذلك. كيف لم يغير أهلها هذا المنكر؟ قلت: لا يخلو زمان من ارتكاب المعاصي، وقد كان في وقت رسول الله ﷺ من شرب الخمر، وسرق، وزنى، إلا أنه كان شاذاً، نادراً، فلا يحل لمسلم أن يقول: إنه ﷺ لم يغير المنكر، فكذلك أمر القصة بالمدينة، كان شاذاً، ولا يجوز أن يقال: إن أهلها جهلوا النهي عنها، لأن حديث لعن الواصلة حديث مدني، معروف عندهم مستفيض.
(إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم) وفي ملحق الرواية "إنما عذب بنو إسرائيل .. " وفي الرواية التاسعة "ما كنت أرى أن أحداً يفعله إلا اليهود" أي فلما فعلوه كان سبباً لهلاكهم، أي مع ما انضم إلى ذلك من ارتكابهم ما ارتكبوه من المناهي.
(إنكم قد أحدثتم زي سوء) من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي زياً سيئاً، والزي الهيئة والمنظر، و"سوء" بفتح السين وسكون الواو، وبضم السين، كل قبيح، والخطاب وإن كان للرجال الحاضرين ظاهراً، لكن المراد بعض نسائهم.
(وإن نبي الله ﷺ نهى عن الزور) قال ابن الأثير: الزور الكذب والباطل والتهمة، وسمى النبي ﷺ الوصل زوراً، لأنه كذب، وتغيير لخلق الله.
стр. 4731
(يعني ما يكثر به النساء أشعارهن من الخرق) أي يعني معاوية بالزور ما يكثر به النساء شعورهن، من الخرق، حيث جاء الرجل بعصا على رأسها خرقة، و"أشعار" جمع شعر، كشعور.
(صنفان من أهل النار، لم أرهما) أي لم أرهما فيما أريت من أهل النار، لكنهما من أهل النار، فالرؤية بصرية، ويحتمل أن تكون بمعنى الظن، أي لم أكن أظنهما من أهل النار، والأظهر أن المعنى لم أرهما في حياتي، لعدم وجودهما، لكنهما سيظهران في آخر الزمان، وسيراهما الناس، وقد كان ما أخبر به ﷺ ، وإلى هذا الأخير نحا النووي، لكن الصنفين كانا قد سبق وجودهما في وجود رسول الله ﷺ ، فالراجح الأول.
(قوم معهم سياط كأذناب البقر، يضربون بها الناس) أي حكام طغاة ومستبدون وظلمة، وتشبيه السياط بأذناب البقر في طولها وغلظها وشدتها، والمعنى يضربون بها الناس الأبرياء المظلومين.
(ونساء كاسيات عاريات) قيل: معناه كاسيات من نعمة الله، عاريات من شكرها، وفيه نظر، فليس ذلك خاصاً بالنساء، وقيل: معناه تستر بعض بدنها، وتكشف بعضه، أو تلبس ثوباً شفافاً رقيقاً، يبين عن مفاتنها، وهو المناسب هنا، ومفعول "كاسيات" محذوف، أي كاسيات بعض أجسامهن.
(مميلات مائلات) قيل: معناه "مائلات" عن طاعة الله "مميلات" أي يعلمن غيرهن الفساد، أي ضالات مضلات، وفيه نظر، كسابقه، وقيل: مائلات في مشيهن، متبخترات، تهز أكتافهن ذات اليمين وذات الشمال "مميلات" غيرهن إلى مشيتهن، أو مميلات مفاتنهن، يحركنها هنا وهناك.
(رءوسهن كأسنمة البخت المائلة) "البخت" بضم الباء وسكون الخاء، ضرب من الإبل، عظام الأسنمة، والأسنمة جمع سنام، وهو أعلى ما في ظهر الجمل، ووصفها بالميل، لأنها إذا عظمت أخذت تميل وتتحرك بحركة الجمل، شبه رءوسهن بعد أن يكبرنها بضفائر مستعارة، ويعظمنها "بالباروكة" ونحوها، تزيناً وتصنعاً بالأسنمة، بجامع العلو والكبر.
(وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا) "كذا وكذا" هنا كناية عن المسافة البعيدة، وفي الموطأ "وريحها يوجد من مسيرة خمسمائة سنة" وفي بعض الروايات "من مسيرة أربعين عاماً" وربما يختلف إدراك ريحها باختلاف الأعمال الصالحة.
(أن امرأة قالت: يا رسول الله، أقول .. ) أي لضرتي ولغيرها، مفتخرة بما لم يقع، وفي الرواية الثالثة عشرة "إن لي ضرة، فهل علي جناح أن أتشبع من مال زوجي، بما لم يعطني"؟ .
(المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور) "المتشبع" متكلف الشبع المتظاهر به وهو غير شبعان. والمعنى المراد هذا المتكثر بما ليس عنده، بأن يظهر أن عنده ما ليس عنده، افتخاراً وتعالياً،
стр. 4732
فهو يتزين بالباطل، كما يتزين من لا يملك ثياباً بثوبين يستعيرهما، مظهراً امتلاكهما، فهو تزوير مضاعف، وقال أبو عبيد وآخرون: هو الذي يلبس ثياب أهل الزهد والعبادة والورع، ومقصوده أن يظهر للناس أنه متصف بتلك الصفة، ويظهر من التخشع والزهد أكثر مما في قلبه، فهذه ثياب زور ورياء، ومثل هذا يقال في العالم والصانع والزارع، وقيل: هو كمن يلبس ثوبين لغيره، موهماً أنهما له، وقيل: هو من يلبس قميصاً واحداً، ويصل بكميه كمين آخرين، ليظهر أن عليه قميصين.
وحكى الخطابي أن المراد هنا بالثوب المذهب والحالة، والعرب تكني بالثوب عن حال لابسه، ومعناه أنه كالكاذب القائل ما لم يكن، أو أن المراد الرجل الذي تطلب منه شهادة زور، فيلبس ثوبين، يتجمل بهما، فلا ترد شهادته، لحسن هيئته. اهـ
وكل هذه الأقوال من قبيل التمثيل، ومراد الحديث أن المتشبع بما لم يعط مزور تزويراً مضاعفاً.
-[فقه الحديث]-
نقاط هذه الأحاديث ست نقاط:
١ - الواصلة والمستوصلة.
٢ - الواشمة والمستوشمة.
٣ - النامصة والمتنمصة.
٤ - المتفلجة للحسن.
٥ - المتشبعة بما لم تعط.
٦ - ما يؤخذ من الأحاديث فوق ما ذكر.
١ - أما عن وصل المرأة شعر رأسها فقد قال النووي: هذه الأحاديث صريحة في تحريم الوصل، ولعن الواصلة والمستوصلة مطلقاً، وهذا هو الظاهر المختار، وقد فصله أصحابنا، فقالوا: إن وصلت شعرها بشعر آدمي فهو حرام، بلا خلاف -أي عند الشافعية- سواء كان شعر رجل أو امرأة، وسواء شعر المحرم والزوج وغيرهما، بلا خلاف -عند الشافعية- لعموم الأحاديث، ولأنه يحرم الانتفاع بشعر الآدمي وسائر أجزائه، لكرامته، بل يدفن شعره وظفره وسائر أجزائه، وإن وصلته بشعر غير آدمي، فإن كان شعراً نجساً، وهو شعر الميتة، وشعر ما لا يؤكل لحمه إذا انفصل في حياته، فهو حرام أيضاً، للحديث، ولأنه حمل نجاسة في صلاته وغيرها عمداً، وسواء في هذين النوعين الزوجة وغيرها من النساء والرجال.
قال: وأما الشعر الطاهر من غير الآدمي، فإن لم يكن لها زوج ولا سيد فهو حرام، وإن كان فثلاثة أوجه: أحدها لا يجوز، لظاهر الأحاديث، والثاني لا يحرم، وأصحهما عندهم، إن فعلته بإذن الزوج أو السيد جاز، وإلا فهو حرام. هذا تلخيص كلام أصحابنا في المسألة.
стр. 4733
وقال القاضي عياض: اختلف العلماء في المسألة، فقال مالك والطبري وكثيرون: الوصل ممنوع بكل شيء، سواء وصلته بشعر أو صوف أو خرق، واحتجوا بحديث جابر -روايتنا السابعة- وقال الليث بن سعد: النهي مختص بالوصل بالشعر، ولا بأس بوصله بصوف وخرق وغيرها، وقال بعضهم: يجوز جميع ذلك، وهو مروي عن عائشة، ولا يصح عنها، بل الصحيح عنها كقول الجمهور، قال القاضي فأما ربط خيوط الحرير الملونة ونحوها، ومما لا يشبه الشعر، فليس بمنهي عنه، لأنه ليس وصل، ولا هو في معنى مقصود الوصل، وإنما هو للتجمل والتحسين. اهـ
وأخرج أبو داود بسند صحيح عن سعيد بن جبير قال: لا بأس بالقرامل، وبه قال أحمد، والمراد بالقرامل خيوط من حرير أو صوف، تعمل ضفائر، تصل به المرأة شعرها.
قال الحافظ ابن حجر: وفصل بعضهم بين ما كان ظاهر الوصل، أو غير ظاهر، فمنع غير الظاهر، لما فيه من التدليس. قال: وهو قوي. قال: ومنهم من أجاز الوصل مطلقاً، سواء كان بشعر آخر، أو بغير شعر، إذا كان بعلم الزوج، وبإذنه. اهـ
وقال قوم: لا يجوز الوصل مطلقاً، ولكن لا بأس أن تضع المرأة الشعر وغيره على رأسها وضعاً، ما لم تصله، روي ذلك عن إبراهيم.
والتحقيق -بعد استعراض الآراء الفقهية المختلفة- نقول:
أولاً: الروايات الأربع الأولى ظاهرة في أن إرادة وصل شعر الزوجة كان لستر أمر رأسها على زوجها، وهو ممنوع قطعاً، لما فيه من الغش والخداع.
ثانياً: قصة معاوية، وروايتنا الثامنة والتاسعة والعاشرة صريحة في النهي عن الزور، أي عندما يكون الوصل تزويراً وخداعاً.
ثالثاً: الروايات المطلقة، كالرواية الخامسة "لعن الله الواصلة والمستوصلة" والسابعة "زجر النبي ﷺ أن تصل المرأة برأسها شيئاً" ندر من الفقهاء من أبقاها على إطلاقها وعمومها.
فالشافعية قيدوه كما سبق، بشعر الآدمي، أو بشعر نجس، أو بشعر طاهر بغير إذن الزوج، والليث بن سعد وأحمد، ومن قبلهما سعيد بن جبير وابن عباس وأم سلمة وعائشة قيدوا المنع بالوصل بالشعر مطلقاً، ورخصوا في الخيوط والصوف والخرق.
وهذه التقييدات الفقهية لا سند لها في الأحاديث، وإنما استندت إلى ما يظن علة في المنع، وهي غير مسلمة، فتحريم الانتفاع بشعر الآدمي وسائر أجزائه غير متفق عليه، فقد وزع رسول الله ﷺ شعره على أصحابه واحتفظوا به تبركاً، واحتفظت عائشة ببعض شعره وانتقل منها إلى أختها أسماء، والحلق والتقصير في الحج لم يؤثر أنهم دفنوا الشعور، وماتزال شعور المسلمين تترك عند الحلاقين منذ العصور الأولى وحتى اليوم، والانتفاع به أكرم من إلقائها في المهملات المستقذرات.
والتعليل بحمل النجاسة في الصلاة تعليل بعيد عن الدعوى، فقد تصله في غير الصلاة، وتعزله في الصلاة، والكلام في الوصل وعدمه.
стр. 4734
بقي التعليل بالغش والخداع والتزوير على من هو صاحب الحق، من زوج وخاطب وقاض ونحوهم، ونحن مع منع الوصل في تلك الحالات، أما حين يعلم الشعر الموصول من غير الموصول لدى عامة الناس سواء كان الوصل بشعر آدمي أو شعر غيره، أو شعر صناعي، فقد بعد عن التزوير والغش، ودخل في دائرة التجميل والتزين، ومثل ذلك "الباروكة" وحمل الشعر بدون وصل. والله أعلم.
قال الحافظ ابن حجر: "كما يحرم على المرأة الزيادة في شعر رأسها، يحرم عليها حلق شعر رأسها بغير ضرورة، وقد أخرج الطبري عن ابن عباس قال: "نهى النبي ﷺ أن تحلق المرأة رأسها" وعند أبي داود "ليس على النساء حلق، إنما على النساء التقصير". اهـ
وما حكم به الحافظ غير مسلم، ففي الحج، الحلق للرجال أفضل، والتقصير للنساء أفضل، وحديث أبي داود يرفع وجوب الحلق واستحبابه، ويبقى جوازه، وحديث الطبري ضعيف، فالقول بتحريم حلق المرأة شعرها قول لا يستند إلى دليل، بقي أن نقول: إن المراد بالحلق إزالة الشعر من فروة الرأس وجلدها، أما ما نراه في هذه الأيام عند بعض النساء فهو من قبيل التقصير، ولا بأس به.
٢ - النقطة الثانية الواشمة والمستوشمة. قال النووي: الوشم حرام على الفاعلة والمفعول بها باختيارها، والطالبة له لنفسها، وقد يفعل بالبنت وهي طفلة، فتأثم الفاعلة، ولا تأثم البنت، لعدم تكليفها حينئذ، قال أصحابنا: هذا الموضع الذي وشم يصير نجساً [لأن الدم انحبس فيه] فإن أمكن إزالته بالعلاج وجبت إزالته، وإن لم يمكن إلا بالجرح، فإن خاف منه التلف أو فوات عضو، أو منفعة عضو، أو شيئاً فاحشاً في عضو ظاهر، لم تجب إزالته، فإذا بان لم يبق عليه إثم، وإن لم يخف شيئاً من ذلك ونحوه لزمه إزالته، ويعصى بتأخيره، وسواء في هذا كله الرجل والمرأة. اهـ
والقول بنجاسة موضع الوشم، لانحباس الدم فيه غير مسلم، فما أكثر الجراحات التي تحشى ويكتم الدم فيها، ولا يقال عن موضعها نجس، وربما كانت علة النهي أنه نوع من الزينة الظاهرة المتخذة لغير الزوج.
٣ - أما النامصة والمتنمصة فقد قال النووي: النمص حرام، إلا إذا نبتت للمرأة لحية أو شوارب، فلا تحرم إزالتها، بل يستحب عندنا، وقال ابن جرير الطبري: لا يجوز حلق لحيتها، ولا عنفقتها ولا شاربها، ولا تغيير شيء من خلقتها بزيادة ولا نقص، التماس الحسن، لا لزوج ولا لغيره، كمن تكون مقرونة الحاجبين، فتزيل ما بينهما، توهم البلج أو عكسه، فكل ذلك داخل في النهي، وهو من تغيير خلق الله تعالى، قال: ويستثنى من ذلك ما يحصل به الضرر والأذية. اهـ
وقال بعض الحنابلة: إن كان النمص قد أصبح شعاراً للفواجر منع، وإلا فيكون تنزيهاً، وفي رواية: يجوز بإذن الزوج، لأنه من الزينة، وقد أخرج الطبري من طريق أبي إسحق، عن امرأته: أنها دخلت على عائشة -وكانت شابة يعجبها الجمال، فقالت: المرأة تحف جبينها لزوجها؟ فقالت: أميطي عنك الأذى ما استطعت. اهـ وهذا مذهب قوي، نفتي به إن شاء الله.
٤ - وأما المتفلجات فيقول النووي: هذا الفعل حرام على الفاعلة والمفعول بها، لهذه الأحاديث، ولأنه تغيير لخلق الله تعالى، ولأنه تزوير، ولأنه تدليس.
стр. 4735
وقال النووي: وأما قوله "للحسن" فمعناه يفعلن ذلك طلباً للحسن، وفيه إشارة إلى أن الحرام هو المفعول لطلب الحسن، أما لو احتاجت إليه لعلاج أو عيب في السن ونحوه فلا بأس.
٥ - وأما المتشبع بما لم يعط فقد سبق المراد به في المباحث العربية.
-[٦ - ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]-
١ - قال النووي: وأما تحمير الوجه، والخضاب بالسواد ونحوه، وتطريف الأصابع، فإن لم يكن لها زوج، أو كان، وفعلته بغير إذنه فحرام، وإن أذن جاز على الصحيح.
٢ - وأن المعين على الحرام يشارك فاعله في الإثم، كما أن المعين في الطاعة يشارك في ثوابها.
٣ - ومن الرواية السادسة من قوله "لم نجامعها" أن من عنده امرأة مرتكبة معصية، كالمغتابة والنمامة وتاركة الصلاة ينبغي له أن يطلقها، أو يعتزلها.
٤ - ومن خطبة معاوية اعتناء الخلفاء وسائر ولاة الأمور بإنكار المنكر، وإشاعة إزالته، وتوبيخ من أهمل إنكاره، ممن توجه ذلك عليه.
٥ - يؤخذ من هلاك بني إسرائيل بسبب وصل النساء شعورهن أنه كان محرماً عليهن، فعوقبوا باستعماله، وهلكوا بسببه، ويحتمل أن الهلاك كان به وبغيره، مما ارتكبوا من المعاصي، فعند ظهور ذلك فيهم هلكوا.
٦ - وفيه معاقبة العامة بظهور المنكر.
٧ - وفيه إنذار من عمل المعصية بوقوع الهلاك، كما وقع لمن قبله.
٨ - وجواز تناول الشيء في الخطبة، ليراه الناس الذين لم يكونوا رأوه، للمصلحة الدينية.
٩ - وفيه إباحة الحديث عن بني إسرائيل، وكذا غيرهم، للتحذير مما عصوا فيه.
١٠ - ومن حمله قصة الشعر، طهارة شعر الآدمي، لعدم الاستفصال.
١١ - وإيقاع المنع على فعل الوصل، لا عن كون الشعر نجساً.
١٢ - وفيه جواز إبقاء الشعر، وعدم وجوب دفنه.
١٣ - قال الحافظ ابن حجر: وفي حديث -روايتنا الثالثة والرابعة- وفيهما لعن الواصلة والمستوصلة دلالة على بطلان ما روي عنها، من أنها رخصت في وصل الشعر بالشعر، وقد رد ذلك الطبري، وأبطله بما جاء عن عائشة في قصة المرأة المذكورة في الباب. اهـ والحديث الذي أشار إليه الطبري "سأل ابن أشوع عائشة: ألعن رسول الله ﷺ الواصلة؟ قالت: يا سبحان الله؟ وما بأس بالمرأة الزعراء أن تأخذ شيئاً من صوف، فتصل به شعرها، فتتزين به عند زوجها، إنما لعن المرأة الشابة، تبغى في شبيبتها. وفي رواية "تفجر في شبابها" قالوا: هذا الحديث باطل، ورواته لا يعرفون، وابن أشوع لم يدرك عائشة.
стр. 4736
١٤ - ومن استدلال ابن مسعود بقوله تعالى: ﴿وما ءاتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [الحشر: ٧] في روايتنا السادسة، على لعن من فعل ذلك، ونسبة ذلك إلى كتاب الله، وفهم أم يعقوب منه أنه أراد بكتاب الله القرآن، وتقريره لها على هذا الفهم، ومعارضتها له بأنه ليس في القرآن، وجوابه بما أجاب، دلالة على جواز نسبة ما يدل عليه الاستنباط، إلى كتاب الله تعالى، وإلى سنة رسوله ﷺ نسبة قوله، فكما جاز نسبة لعن الواشمة إلى كونه في القرآن، لعموم قوله تعالى: ﴿وما ءاتاكم الرسول فخذوه﴾ مع ثبوت لعنه ﷺ من فعل ذلك، يجوز نسبة من فعل أمراً يندرج في عموم خبر نبوي ما يدل على منعه، إلى القرآن، فيقول القائل مثلاً: لعن الله من غير منار الأرض، في القرآن، ويستند في ذلك إلى أنه ﷺ لعن من فعل ذلك. قاله الحافظ ابن حجر.
١٥ - وعن الرواية الحادية عشرة قال النووي: هذا الحديث من معجزات النبوة، فقد وقع هذان الصنفان، وهما موجودان.
١٦ - وفيه ذم هذين الصنفين.
والله أعلم
стр. 4737
كتاب الآداب
стр. 4738
(٥٧٨) باب النهي عن التكني بأبي القاسم، وبيان ما يستحب من الأسماء وكراهة التسمية بالأسماء القبيحة والموهمة، وتغيير الاسم القبيح إلى حسن .
٤٨٧٥ - عن أنس ﵁ قال: نادى رجل رجلاً بالبقيع يا أبا القاسم. فالتفت إليه رسول الله ﷺ . فقال يا رسول الله إني لم أعنك. إنما دعوت فلاناً. فقال رسول الله ﷺ "تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي".
٤٨٧٦ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "إن أحب أسمائكم إلى الله عبد الله وعبد الرحمن".
٤٨٧٧ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: ولد لرجل منا غلام، فسماه محمداً. فقال له قومه: لا ندعك تسمي باسم رسول الله ﷺ . فانطلق بابنه حامله على ظهره، فأتى به النبي ﷺ . فقال: يا رسول الله، ولد لي غلام فسميته محمداً. فقال لي قومي: لا ندعك تسمي باسم رسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ "تسموا باسمي. ولا تكتنوا بكنيتي. فإنما أنا قاسم أقسم بينكم".
٤٨٧٨ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: ولد لرجل منا غلام، فسماه محمداً، فقلنا لا نكنك برسول الله ﷺ حتى تستأمره. قال: فأتاه. فقال: إنه ولد لي غلام فسميته برسول الله، وإن قومي أبوا أن يكنوني به حتى تستأذن النبي ﷺ . فقال "سموا باسمي. ولا تكنوا بكنيتي. فإنما بعثت قاسماً أقسم بينكم".
٤٨٧٩ - وفي رواية عن حصين، بهذا الإسناد، ولم يذكر: "فإنما بعثت قاسماً أقسم بينكم".
стр. 4739
٤٨٨٠ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "تسموا باسمي. ولا تكنوا بكنيتي. فإني أنا أبو القاسم، أقسم بينكم" وفي رواية أبي "بكر ولا تكتنوا".
٤٨٨١ - وفي رواية عن الأعمش، بهذا الإسناد. وقال: "إنما جعلت قاسماً أقسم بينكم".
٤٨٨٢ - عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رجلاً من الأنصار ولد له غلام. فأراد أن يسميه محمداً. فأتى النبي ﷺ فسأله. فقال: "أحسنت الأنصار. سموا باسمي. ولا تكتنوا بكنيتي".
٤٨٨٣ - عن جابر بن عبد الله ﵄، عن النبي ﷺ . بنحو حديث من ذكرنا حديثهم من قبل. وفي حديث النضر. عن شعبة، قال: وزاد فيه حصين وسليمان. قال حصين: قال رسول الله ﷺ "إنما بعثت قاسماً أقسم بينكم" وقال سليمان: "فإنما أنا قاسم أقسم بينكم".
٤٨٨٤ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: ولد لرجل منا غلام، فسماه القاسم. فقلنا: لا نكنيك أبا القاسم. ولا ننعمك عيناً. فأتى النبي ﷺ . فذكر ذلك له. فقال: أسم ابنك عبد الرحمن".
٤٨٨٥ - وفي رواية عن جابر، بمثل حديث ابن عيينة، غير أنه لم يذكر: ولا ننعمك عيناً.
стр. 4740
٤٨٨٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال أبو القاسم ﷺ : "تسموا باسمي. ولا تكنوا بكنيتي" قال عمرو: عن أبي هريرة. ولم يقل: سمعت.
٤٨٨٧ - عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: لما قدمت نجران، سألوني. فقالوا: إنكم تقرءون يا أخت هارون. وموسى قبل عيسى بكذا وكذا. فلما قدمت على رسول الله ﷺ ، سألته عن ذلك. فقال: "إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم".
٤٨٨٨ - عن سمرة بن جندب ﵁ قال: نهانا رسول الله ﷺ أن نسمي رقيقنا بأربعة أسماء: أفلح، ورباح، ويسار، ونافع.
٤٨٨٩ - عن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لا تسم غلامك رباحاً، ولا يساراً، ولا أفلح، ولا نافعاً".
٤٨٩٠ - عن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "أحب الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لا يضرك بأيهن بدأت. ولا تسمين غلامك يساراً، ولا رباحاً، ولا نجيحاً، ولا أفلح. فإنك تقول: أثم هو؟ فلا يكون فيقول: لا" إنما هن أربع فلا تزيدن علي.
٤٨٩١ - حديث شعبة، فليس فيه إلا ذكر تسمية الغلام. ولم يذكر الكلام الأربع.
٤٨٩٢ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: أراد النبي ﷺ أن ينهى عن أن يسمى بيعلى وببركة وبأفلح وبيسار وبنافع وبنحو ذلك. ثم رأيته
стр. 4741
سكت بعد عنها، فلم يقل شيئاً. ثم قبض رسول الله ﷺ ولم ينه عن ذلك. ثم أراد عمر أن ينهى عن ذلك. ثم تركه.
٤٨٩٣ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ غير اسم عاصية. وقال "أنت جميلة" قال أحمد -مكان أخبرني- عن.
٤٨٩٤ - عن ابن عمر ﵄ أن ابنة لعمر كانت يقال لها عاصية. فسماها رسول الله ﷺ جميلة.
٤٨٩٥ - ١٦
عن ابن عباس ﵄ قال: كانت جويرية اسمها برة. فحول رسول الله ﷺ اسمها جويرية. وكان يكره أن يقال: خرج من عند برة. وفي حديث ابن أبي عمر عن كريب قال: سمعت ابن عباس.
٤٨٩٦ - عن أبي هريرة ﵁ أن زينب كان اسمها برة. فقيل: تزكي نفسها. فسماها رسول الله ﷺ زينب. ولفظ الحديث لهؤلاء دون ابن بشار. وقال ابن أبي شيبة: حدثنا محمد بن جعفر عن شعبة.
٤٨٩٧ - حدثتني زينب بنت أم سلمة ﵄ قالت: كان اسمي برة. فسماني رسول الله ﷺ زينب. قالت: ودخلت عليه زينب بنت جحش، واسمها برة، فسماها زينب.
٤٨٩٨ - عن محمد بن عمرو بن عطاء قال: سميت ابنتي برة. فقالت لي: زينب
стр. 4742
بنت أبي سلمة إن رسول الله ﷺ نهى عن هذا الاسم. وسميت برة. فقال رسول الله ﷺ "لا تزكوا أنفسكم الله أعلم بأهل البر منكم" فقالوا: بم نسميها؟ قال: "سموها زينب".
٤٨٩٩ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك" زاد ابن أبي شيبة في روايته "لا مالك إلا الله " قال الأشعثي. قال سفيان: مثل شاهان شاه. وقال أحمد بن حنبل: سألت أبا عمرو عن أخنع. فقال: أوضع.
٤٩٠٠ - عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، عن رسول الله ﷺ . فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله ﷺ "أغيظ رجل على الله يوم القيامة، وأخبثه وأغيظه عليه، رجل كان يسمى ملك الأملاك. لا ملك إلا الله".
-[المعنى العام]-
الأسماء والأعلام بها تتمايز الأشياء، وبها تعرف الأفراد، وقد تتشابه الأسماء، فتعرف بإضافة اسم الأب، وقد تتشابه أسماء الأفراد مع آبائهم، فتعرف بإضافة اسم الجد، ثم الجد الأعلى، ثم لقب الأسرة، وهكذا حتى يتم رفع التشابه.
وقد شاعت الكنية عند العرب، وهي علم صدر بلفظ أب أو أم، كأبي بكر وأبي هريرة، وأم سلمة وأم حبيبة، ومنهم من اشتهر باسمه، ومنهم من اشتهر بكنيته، ومنهم من اشتهر بهما معاً، كما شاعت الألقاب بينهم، وهو علم أشعر بالمدح أو الذم.
وكان لرسول الله ﷺ أسماء، أشهرها محمد ثم أحمد، وكان له كنيتان، أشهرهما أبو القاسم، ثم أبو إبراهيم، وكانت له ألقاب، أشهرها رسول الله، ثم نبي الله، ومع أن الله تعالى نادى رسله بأسمائهم، فقال: يا موسى. يا عيسى. يا نوح. يا إبراهيم. يا زكريا. يا داود. يا آدم. إلخ، ولم يناد محمداً ﷺ باسمه، بل ناداه بقوله ﴿يا أيها الرسول﴾ [المائدة: ٤١]. ﴿يا أيها النبي﴾ [الأنفال: ٦٤] ولما تجرأ الأعراب، ونادوه من خارج بيته: يا محمد. يا محمد. يا محمد. اخرج إلينا، نزل فيهم قرآن كريم، يعنفهم، ويعلمهم ﴿إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون﴾ [الحجرات: ٤]. ﴿يا أيها الذين ءامنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون﴾ [الحجرات: ٢]. ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً﴾ [النور: ٦٢] كان لا بد -مع خشونة الأعراب وغلظتهم وجفوتهم بحكم الطبيعة أن يعلموا معنى التجلة
стр. 4743
والاحترام والتقديس لأفضل خلق الله ﷺ ، وكان من الطبيعي أن يحرص الصحابة على إبراز حبهم له بتسمية أبنائهم باسمه ﷺ ، أو التكنية بكنيته، فكان في ذلك تلبيس إذا نادى أحدهم صاحبه الذي تسمى باسمه، أو تكنى بكنيته، وقد حصل فعلاً، إذ كان ﷺ في سوق البقيع، فسمع رجلاً ينادي: يا أبا القاسم.
فالتفت ﷺ نحو الرجل، وكأنه يقول له: ماذا تريد مني؟ فتأسف الرجل واعتذر، وقال: لم أقصدك يا رسول الله، وإنما قصدت فلاناً، المكنى بأبي القاسم، فقال ﷺ : تسموا باسمي، ولا تتكنوا بكنيتي، إذ ليس من المعتاد، ولا من اللائق أن يناديني أحد باسمي، فلا خطورة، ولا حرج من تسمية أبنائكم بمحمد، لكن لا يكني أحد منكم بأبي القاسم، ولا يسمي ابنه بالقاسم، لئلا يكنى بأبي القاسم، وكانت خطورة أخرى، سموا أولادهم بمحمد، ولما أخطأ الأطفال شتموهم، فكان شتماً لاسم الرسول في شخص الطفل، فقال ﷺ "تسمونهم محمداً، ثم تلعنونهم: ؟ فكف الصحابة عن لعن وسب من اسمه محمد. ولما زال الالتباس، بوفاته ﷺ سمى الناس القاسم، وكنوا أنفسهم بأبي القاسم، وتحاشوا سبهم أو ألفاظ تحقيرهم، كما سموا أولادهم بأسماء أنبياء الله السابقين، تيمناً وتبركاً بهم.
ولما كان ﷺ يحب الفأل الحسن، ويدعو إليه، ويكره التشاؤم وينهى عنه، ويحذر منه، دعا إلى التسمية بالأسماء الحسنة، والتي توحي بالفأل الحسن، ونهى عن التسمية بالأسماء القبيحة، والتي توحي بالتشاؤم، ولم يكتف بهذه الدعوة، بل كان إذا جاءه صاحب اسم مكروه غيره إلى محبوب، وإذا جاءه صاحب اسم قبيح حوله إلى حسن، فحول "حباباً" إلى "عبد الله" وحول اسم "حرب" إلى "الحسن" وحول اسم "غراب" إلى "مسلم" وحول اسم "عاصية" إلى "جميلة" وحول اسم "العاص" إلى "مطيع" كما حذر من التسمية بالأسماء المختصة بالله تعالى وعظمته، فلا يسمى بملك الملوك، ولا بسلطان السلاطين، ولا بالرحمن، ولا بالقدوس، ولا بالمهيمن.
وهكذا علم رسول الله ﷺ الأمة الأدب في كل شيء، حتى في تسمية الآباء أبناءهم وبناتهم. فصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
-[المباحث العربية]-
(نادى رجل رجلاً بالبقيع: يا أبا القاسم) البقيع مدافن أهل المدينة، والظاهر أن هذا النداء كان عند دفن ميت، وقد حضر التشييع رسول الله ﷺ وجمع من الصحابة، وجملة "يا أبا القاسم" بيان للنداء، وهي كنية رسول الله ﷺ ، كني بولده القاسم، وكان أكبر أولاده، واختلف. هل مات قبل البعثة أو بعدها، وقد ولد له إبراهيم في المدينة، من مارية القبطية، وروي أن جبريل ﵇ قال للنبي ﷺ : "السلام عليك يا أبا إبراهيم" لكن لم يشتهر رسول الله ﷺ إلا بكنية أبي القاسم.
(فالتفت إليه رسول الله ﷺ ظناً أنه يناديه، على الرغم من أن الصحابة لم يكونوا ينادونه
стр. 4744
إلا: يا رسول الله، يا نبي الله، ولكن لعلاقة الكنية به التفت إليه لا شعورياً، ربما وقع في نفسه أن المنادي أعرابي قريب العهد بالإسلام وبالحضارة.
(يا رسول الله، إني لم أعنك) يقال: عني بالقول كذا، بفتح العين والنون، يعنيه، عيناً وعناية، أراده وقصده، أي لم أقصدك يا رسول الله.
(تسموا باسمي) "تسموا" بفتح الميم المشددة، وفي الرواية الرابعة والسادسة "سموا" بتشديد الميم المضمومة، وفي الرواية السابعة "أسم ابنك عبد الرحمن" بفتح همزة القطع وسكون السين، أمر من أسمي، يقال: أسمي الشيء كذا، وأسمي الشيء بكذا، جعله له اسماً.
(ولا تكنوا بكنيتي) "تكنوا" بفتح التاء والكاف وتشديد النون المفتوحة، وأصله تتكنوا، فحذفت إحدى التاءين للتخفيف، وفي الرواية الثالثة والسادسة وملحق الخامسة "ولا تكتنوا بكنيتي" يقال: كنى عن كذا بفتح الكاف وفتح النون مخففة، يكني بفتح الياء وسكون الكاف وكسر النون، كناية، تكلم بما يستدل عليه، ولم يصرح، وفي رواية "ولا تكنوا" بفتح التاء وسكون الكاف وضم النون "بكنوتي" بالواو بدل الياء قال الحافظ ابن حجر: وهي بمعناها، كنونة وكنية بمعنى. اهـ ويقال: كنى عن كذا بكذا، فهو كان، إذا ذكر شيئاً بغير ما يستدل به عليه صريحاً، ويقال: أكناه، بالهمزة، وكناه بتشديد النون، بمعنى كناه بتخفيفها، ويقال: تكنى بكذا، بفتح التاء والكاف وتشديد النون، أي تسمى به، والعلم يأتي اسماً وكنية ولقباً، فاللقب ما أشعر بمدح أو ذم، والكنية ما صدرت بأب أو أم. وهذا هو المشهور، وقد تكون مصدرة بابن أو بنت، أو أخ أو أخت، أو عم أو عمة، أو خال أو خالة، وما عداهما يقال له: الاسم، ونستعمل الكنية مع الاسم واللقب، أو بدونهما، تفخيماً لشأن صاحبها أن يذكر اسمه مجرداً، وتكون لأشراف الناس، وربما كني الطفل والصبي تفاؤلاً، وقد اشتهرت الكنى عند العرب، وقد يكون للواحد كنية واحدة، وقد يكون له أكثر من كنية، وقد يشتهر باسمه وكنيته جميعاً، وقد يشتهر بأحدهما.
(ولد لرجل منا غلام) أي "منا" معشر الأنصار، ففي الرواية السادسة "أن رجلاً من الأنصار، ولد له غلام ... " وفيها "فقال ﷺ : أحسنت الأنصار" ويحتمل "منا" من قومنا وقبيلتنا وأسرتنا، لقوله "فقال له قومه" أي أقاربه الذين يجتمعون عنده، في مثل هذه المناسبة، قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسم الرجل المذكور.
(فسماه محمداً) في الرواية السادسة "فأراد أن يسميه محمداً" وفي الرواية السابعة "فسماه القاسم" وفي رواية "فأراد أن يسميه القاسم" ورجحها الحافظ ابن حجر لقوله في الرواية السابعة "لا نكنيك أبا القاسم، ولا ننعمك عيناً" ورجح غيره الرواية الأولى، لقوله في الرواية الثالثة "لا ندعك تسمى باسم رسول الله ﷺ " ويحتمل أنه أراد أن يسميه واحداً من الاسمين، فذكر بعضهم هذا وذكر بعضهم ذاك، وكان رد بعضهم على الاقتراح الأول "لا ندعك تسمي باسم رسول الله ﷺ " لا نكنيك برسول الله ﷺ فلا نقول لك: "يا أبا محمد، وكان رد
стр. 4745
بعضهم على الاقتراح الثاني: "لا نكنيك أبا القاسم، ولا ننعمك عيناً" من الإنعام، أي لا ننعم عليك بذلك، فتقر عينك به.
(فإنما أنا قاسم أقسم بينكم) في الرواية الرابعة "فإنما بعثت قاسماً، أقسم بينكم" وعند الترمذي "أنا أبو القاسم، الله يعطي، وأنا أقسم" أي أنا لي من كنيتي نصيب، ووصف صحيح، وليس لكم من هذا الوصف شيء، فلا تكنوا به.
(لما قدمت نجران سألوني) "نجران" بفتح النون وسكون الجيم، بلد كبير، على سبع مراحل من مكة، إلى جهة اليمن، يشتمل على ثلاث وسبعين قرية، وكان أهلها مسيحيين نصارى، وجاء رؤساؤهم إلى النبي ﷺ في الوفود، فبعث معهم رسول الله ﷺ أمين هذه الأمة، أبا عبيدة بن الجراح، ليعلمهم، ويأتيه بصدقاتهم، ثم بعث إليهم بعد ذلك علي بن أبي طالب، ولعل المغبرة ذهب إلى نجران في صحبة أحدهما، أو للتجارة.
(إنكم تقرءون ﴿يا أخت هارون﴾ وموسى قبل عيسى بكذا وكذا؟ ) يعترض النصارى على القرآن، وأنه ينطق بما يخالف حقائق التاريخ، يقصدون الآية (٢٨) من سورة مريم، نصها مع ما قبلها ﴿فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئاً فرياً* يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغياً﴾ وحاصل الاعتراض أن الأخ يعاصر أخاه، فكيف تكون مريم أختاً لهارون أخي موسى، وبين موسى ومريم من الأزمان ما يستحيل معه أن تكون مريم وهارون من أب واحد، أو أم واحدة؟ إذ بينهما أكثر من ستمائة سنة، وقيل أكثر من ألف عام، وفي رواية أن النصارى قالوا للمغيرة: إن صاحبك يزعم أن مريم هي أخت هارون، وبينهما في المدة ستمائة سنة؟ قال المغيرة: فلم أدر ما أقول، وكان جواب الرسول ﷺ .
(إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم) وحاصل الجواب أن هارون هداً ليس هو أخا موسى، وإنما هو أخ لها من أبيها يسمى هارون، لأن هذا الاسم في بني إسرائيل كان كثيراً، تبركاً باسم هارون أخي موسى، وكان أمثل رجل في بني إسرائيل، وقال قتادة: كان في ذلك الزمان في بني إسرائيل عابد منقطع إلى الله تعالى، يسمى هارون، فنسبوها إلى أخوته، من حيث كانت على طريقته قبل، إذ كانت موقوفة على خدمة البيع، أي يا هذه المرأة الصالحة ما كنت أهلاً لذلك، وفي التفاسير أقوال أخرى، من أرادها فليرجع إليها.
(فلا تزيدن علي) بضم الدال، أي الذي سمعتموه أربع كلمات، فلا تزيدوا علي في الرواية، ولا تنقلوا عني غير الأربع.
(أراد النبي ﷺ أن ينهى عن أن يسمى بيعلى) قال النووي: هكذا وقع هذا اللفظ في معظم نسخ صحيح مسلم التي ببلادنا "أن يسمى بيعلى" وفي بعضها "بمقبل" بدل "يعلى" وذكر القاضي أنه في أكثر النسخ "بمقبل" وفي بعضها "يعلى" قال: والأشبه أنه تصحيف، قال: والمعروف
стр. 4746
"بمقبل" قال النووي: وهذا الذي أنكره القاضي ليس بمنكر، بل هو المشهور، وهو صحيح في الرواية وفي المعنى.
(كانت جويرية اسمها برة) جويرية بنت الحارث، زوجة النبي ﷺ ، إحدى أمهات المؤمنين. و"برة" بفتح الباء وتشديد الراء، مشتقة من البر، بكسر الباء، والله أعلم بأهل البر، ففي هذا الاسم تزكية للنفس، وكما وقع لجويرية وقع لزينب بنت جحش، كما في الرواية الثامنة عشرة، ولزينب بنت أم سلمة، كما في الرواية الثامنة عشرة والتاسعة عشرة.
(إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك) فسرت "أخنع" لأحمد بن حنبل بأوضع، أي أذل، قال عياض: معناه أشد الأسماء صغاراً، والخانع الذليل، وخنع الرجل ذل، قال ابن بطال، وإذا كان الاسم أذل الأسماء كان من تسمى به أشد ذلاً. اهـ وفيه نظر، فتسميته ليست من فعله، وقد لا يملك التغيير، وفسر الخليل "أخنع" بأفجر، فقال: الخنع الفجور، يقال: أخنع الرجل إلى المرأة إذا دعاها للفجور، وقيل: أخبث، وقيل: أقبح، ووقع في رواية البخاري "أخنى الأسماء" من الخنا بفتح الخاء وتخفيف النون، وهو الفحش، وقد يكون بمعنى أهلك الأسماء لصاحبه، والخنى الهلاك، يقال: أخنى عليه الدهر، أي أهلكه، وقال أبو عبيد: روي "أنخع" أي أقتل، والنخع القتل الشديد، و"ملك" بكسر اللام، و"الأملاك" جمع "ملك" بفتح الميم وكسر اللام، ومثله "ملوك" جمع مليك.
(شاهان شاه) بسكون النون، وبهاء في آخره، وليست هاء تأنيث، فلا تقال بالتاء أصلاً، قال الحافظ ابن حجر: وقد تعجب بعض الشراح من تفسير سفيان بن عيينة اللفظة العربية باللفظة العجمية، وأنكر ذلك آخرون، وهو غفلة منهم عن مراده، وذلك أن لفظ "شاهان شاه" كان قد كثر التسمية به في ذلك العصر، فنبه سفيان على أن الاسم الذي ورد الخبر بذمه لا ينحصر في "ملك الأملاك" بل كل ما أدى معناه، بأي لسان كان، فهو مراد بالذم.
قال: وقوله "شاهان شاه" هو المشهور في روايات هذا الحديث، وحكى عياض عن بعض الروايات "شاه شاه" بتنوين الأول، وزعم بعضهم أن الصواب "شاه شاهان" وليس كذلك، لأن قاعدة العجم تقديم المضاف إليه على المضاف، فإذا أرادوا "قاضي القضاة" بلسانهم، قالوا: موبذان موبذ، فموبذ هو القاضي، وموبذان جمعه، فكذا "شاه" هو الملك، و"شاهان" هو الملوك.
(أغيظ رجل على الله يوم القيامة، وأخبثه، وأغيظه عليه، رجل .... ) قال النووي: هكذا وقع في جميع النسخ، بتكرير "أغيظ" قال القاضي: ليس تكريره صحيح الكلام، بل فيه وهم من بعض الرواة، بتكريره أو تغييره، قال: وقال بعض الشيوخ: لعل أحدهما "أغنط" بالنون والطاء، أي أشده عليه، والغنط شدة الكرب. اهـ
وإطلاق "أغيظ" ونسبة الغيظ إلى الله تعالى مؤول بالغضب، قاله الماوردي.
стр. 4747
-[فقه الحديث]-
يمكن حصر فقه الحديث في أربع نقاط: التكني بكنية النبي ﷺ ، والتسمية باسمه، والتسمية بما يوهم، وما يؤخذ من الحديث:
١ - أما التكنية بكنيته، فقد ورد النهي عنها، ولا تكنوا بكنيتي" في الرواية الأولى والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والثامنة قال النووي: اختلف العلماء في هذه المسألة على مذاهب كثيرة، جمعها القاضي وغيره:
أحدها: مذهب الشافعي وأهل الظاهر أنه لا يحل التكني بأبي القاسم لأحد أصلاً، سواء كان اسمه محمداً، أو أحمد، أم لم يكن، لظاهر هذا الحديث "لا تكنوا بكنيتي".
والثاني: أن هذا النهي منسوخ، فإن هذا الحكم كان في أول الأمر، للمعنى المذكور في الحديث، ثم نسخ [أي كان النهي خاصاً بحياته ﷺ خوف التباس نداء غيره بندائه، وقد زال هذا الالتباس بعده ﷺ ] قالوا: فيباح التكني اليوم بأبي القاسم، لكل أحد، سواء من اسمه محمد وأحمد وغيره، وهذا مذهب مالك، قال القاضي: وبه قال جمهور السلف وفقهاء الأمصار وجمهور العلماء، قالوا: وقد اشتهر أن جماعة تكنوا بأبي القاسم في العصر الأول وفيما بعد ذلك إلى اليوم، مع كثرة فاعل ذلك، وعدم الإنكار.
الثالث: أن النهي ليس بمنسوخ، ولكنه للتنزيه والأدب، لا للتحريم، وهو مذهب ابن جرير الطبري.
الرابع: أن النهي عن التكني بأبي القاسم مختص بمن اسمه محمد أو أحمد، ولا بأس بالكنية وحدها لمن لا يسمي بواحد من الاسمين، وهذا قول جماعة من السلف، وجاء فيه حديث مرفوع عن جابر.
الخامس: أنه ينهى عن التكني بأبي القاسم مطلقاً، وينهى عن التسمية بالقاسم، لئلا يكنى أبوه بأبي القاسم، [وهو مذهب بعض الظاهرية] وقد غير مروان بن الحكم اسم ابنه عبد الملك، حين بلغه هذا الحديث، فسماه عبد الملك، وكان سماه أولاً القاسم، وفعله بعض الأنصار أيضاً.
ثم قال: وأما غير أبي القاسم من الكنى، فأجمع المسلمون على جوازه، سواء كان له ابن أو بنت، فكني بها، أو لم يكن له ولد، أو كان صغيراً، أو كني بغير ولده، ويجوز أن يكنى الرجل بأبي فلان أو بأبي فلانة، وأن تكنى المرأة بأم فلان وبأم فلانة، وصح أن النبي ﷺ كان يكني صبياً صغيراً، هو أخو أنس، كان يقول له: يا أبا عمير. ما فعل النغير؟ اهـ.
والحديث الذي أشار إليه النووي في المذهب الرابع أخرجه أحمد وأبو داود وحسنه الترمذي وصححه ابن حبان عن جابر ﵁ رفعه "من تسمى باسمي فلا يكتني بكنيتي، ومن اكتنى بكنيتي فلا يتسمى باسمي" وفي لفظ "إذا سميتم بي فلا تكنوا بي، وإذا كنيتم بي فلا تسموا بي"، وفي لفظ للبخاري في الأدب المفرد "لا تجمعوا بين اسمي وكنيتي" وفي لفظ عند أبي يعلى "من تسمى باسمي فلا يكتني بكنيتي".
стр. 4748
أما ما أخرجه أبو داود وابن ماجه وصححه الحاكم من حديث علي ﵁ قال: "قلت: يا رسول الله إن ولد لي من بعدك ولد. أسميه باسمك؟ وأكنيه بكنيتك؟ قال: نعم" فكان رخصة من النبي ﷺ لعلي بن أبي طالب، قال الطبري: في إباحة ذلك لعلي، ثم تكنية علي ولده أبا القاسم، إشارة إلى أن النهي عن ذلك كان على الكراهة، لا على التحريم، قال: ويؤيد ذلك أنه لو كان على التحريم لأنكره الصحابة، ولما مكنوه من أن يكني ولده أبا القاسم أصلاً، فدل على أنهم إنما فهموا من النهي التنزيه، وتعقب بأنهم ربما علموا الرخصة له، دون غيره، كما في بعض طرقه، أو فهموا تخصيص النهي بزمانه ﷺ ، قال الحافظ ابن حجر: وهذا أقوى، لأن بعض الصحابة سمى ابنه محمداً وكناه أبا القاسم، وكذا كني بأبي القاسم محمد بن أبي بكر، وابن سعد، وابن جعفر بن أبي طالب، وابن عبد الرحمن بن عوف، وابن حاطب بن أبي بلتعة، وابن الأشعث بن قيس.
وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة -بعد أن أشار إلى ترجيح المذهب الرابع من حيث الجواز- قال: الأولى الأخذ بالمذهب الأول، فإنه أبرأ للذمة، وأعظم للحرمة.
٢ - وأما التسمي باسمه ﷺ فقد حكى الطبري مذهبنا بمنعه مطلقاً، ثم ساق "كتب عمر: لا تسموا أحداً باسم نبي" واحتج بعضهم لصاحب هذا القول بما أخرجه البزار وأبو يعلى عن أنس ﵁ رفعه "يسمونهم محمداً، ثم يلعنونهم" وسنده لين، وعلى تقدير ثبوته فلا حجة فيه للمنع، بل فيه النهي عن لعن من يسمى محمداً، قال عياض: والأشبه أن عمر إنما فعل ذلك إعظاماً لاسم النبي ﷺ ، لئلا ينتهك، وقد كان سمع رجلاً يقول لمحمد بن زيد بن الخطاب: يا محمد، فعل الله بك وفعل. فدعاه، وقال: لا أرى رسول الله ﷺ يسب بك، فغير اسمه، فسماه عبد الرحمن، وأرسل إلى بني طلحة، وكانوا سبعة ليغير أسماءهم من محمد، فقال له كبيرهم: والله لقد سماني النبي ﷺ محمداً؟ فقال: قوموا، فلا سبيل لكم" فهذا يدل على رجوعه عن ذلك.
والجمهور على جواز التسمية باسم محمد، بل واستحبه بعضهم.
٣ - وأما التسمية بنافع ويسار وأفلح ورباح، فقد ورد النهي عنها في الرواية العاشرة والحادية عشرة، وذكرت الرواية الثانية عشرة "نجيحاً" بدل "نافع" وذكرت الرواية الثالثة عشرة "يعلى" و"بركة" بدل "رباح" قال النووي: قال أصحابنا: يكره التسمية بهذه الأسماء المذكورة في الحديث، وما في معناها، ولا تختص الكراهة بها وحدها، وهي كراهة تنزيه، لا تحريم، قال النووي: فمعنى قوله "أراد النبي ﷺ أن ينهي عن هذه الأسماء" وفي الرواية الثالثة عشرة "أراد أن ينهي عنها نهي تحريم، فلم ينه، والعلة في الكراهة ما بينه ﷺ في قوله [في الرواية الثانية عشرة] "فإنك تقول: أثم هو؟ أي أهنا هو؟ فلا يكون [موجوداً] فيقول: لا" أي فيقول المجيب: ليس هنا نافع، وليس هنا يسار، ليس هنا أفلح، ليس هنا رباح، ليس هنا بركة، وهذه الجمل كلها غير مستحبة، لما توهمه من نفي هذه الصفات، وإن كان المقصود نفي وجود هذه الأسماء. ومثل ذلك اسم "برة" لما فيه من وصف صاحبه بالبر، والله أعلم بأهل البر، ولما فيه من تزكية نفس صاحبه، والله يقول: ﴿فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى﴾ [النجم: ٣٢] ولما فيه من الإيهام السابق، إذا قيل: خرج من
стр. 4749
عند برة، أي خرج من البر والصلاح، وربما أوقع الجواب بعض الناس في شيء من التشاؤم، قال النووي: وليس في قوله "فلا تزيدن علي" منع القياس على الأربع.
-[٤ - ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]-
١ - صيانة كنيته ﷺ عن الامتهان، واستجابة لأمر الله، إذ يقول ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً﴾ [النور: ٦٣].
٢ - من قوله ﷺ "فإنما أنا قاسم" في الرواية الثالثة والرابعة والخامسة وملحق السادسة قال القاضي عياض: هذا يشعر بأن الكنية إنما تكون بسبب وصف صحيح في المكنى، أو لسبب اسم ابنه.
٣ - من منع الصحابة والد الغلام من التسمية والتكني، مدى التزام الصحابة بأمور الدين، وحرصهم على التحقق من صحة أعمالهم، بالرجوع إلى النبي ﷺ .
٤ - ومدى تقديسهم لذات الرسول ﷺ وصفاته، قال الحافظ ابن حجر: والظاهر أنهم منعوا الرجل أولاً، منعاً مطلقاً، ثم استدركوا، فقالوا: حتى نسأل ... ".
٥ - ومن الرواية الثانية، ومن قوله في الرواية السابعة "أسم ابنك عبد الرحمن" استحباب التسمية بهذين الاسمين، وتفضيلهما على سائر ما يسمى به، ويلتحق بهما ما كان مثلهما، كعبد الرحيم، وعبد الملك، وعبد الصمد، وإنما كانت أحب إلى الله لأنها تضمنت ما هو وصف واجب لله، وما هو وصف للإنسان، وواجب له، وهو العبودية، ثم أضيف العبد إلى الرب، إضافة حقيقية، فصدقت أفراد هذه الأسماء، وشرفت بهذا التركيب، فحصلت لها هذه الفضيلة. قاله القرطبي: وقال غيره: الحكمة في الاقتصار على الاسمين، أنه لم يقع في القرآن إضافة "عبد" إلى اسم من أسماء الله تعالى غير لفظ الجلالة والرحمن، قال تعالى: ﴿وأنه لما قام عبد الله يدعوه﴾ [الجن: ١٩] وقال ﴿وعباد الرحمن﴾ [الفرقان: ٦٣] وقال بعض الشراح: لله الأسماء الحسنى، وفيها أصول وفروع من حيث الاشتقاق، وللأصول أصول من حيث المعنى، فأصول الأصول اسمان، الله والرحمن، لأن كلا منهما مشتمل على الأسماء كلها، قال تعالى ﴿قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن﴾ [الإسراء: ١١٠] ولذلك لم يتسم بهما أحد، وإذا تقرر ذلك كانت إضافة العبودية إلى كل منهما حقيقة محضة، ويلي هذين الاسمين بقية ما عبد، وما حمد.
وقد أخرج الطبراني "إذا سميتم فعبدوا" وأخرج "أحب الأسماء إلى الله ما تعبد به" وفي إسناد كل منهما ضعف.
٦ - واستدل بالرواية التاسعة بعضهم على جواز التسمية بأسماء الأنبياء ﵈ وأجمع عليه العلماء، وقد سمى النبي ﷺ ابنه إبراهيم، وكان في أصحابه جمع سموا بأسماء الأنبياء، وقد أراد عمر أن يغير أسماء أولاد طلحة، وكان سماهم بأسماء الأنبياء، ثم تراجع، وأخرج البخاري في الأدب المفرد حديث يوسف بن عبد الله بن سلام، قال "سماني النبي ﷺ يوسف" وسنده
стр. 4750
صحيح، وأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح "أحب الأسماء إليه أسماء الأنبياء" ثم ذكر فيه أحد عشر حديثاً، موصولة، ومعلقة. قال القاضي: وقد كره بعض العلماء التسمي بأسماء الملائكة، وهو قول الحارث بن مسكين، قال: وكره مالك التسمي بجبريل ويس، وقال ابن بطال -بعد أن ذكر أحاديث إبراهيم ابن النبي ﵊ وغيرها -في هذه الأحاديث جواز التسمية بأسماء الأنبياء، وإنما كره عمر ذلك، لئلا يسب أحد المسمى بذلك، فأراد تعظيم الاسم، لئلا يبتذل في ذلك، وهو قصد حسن، وقال الطبري: يقال إن طلحة قال للزبير: أسماء أبنائي أسماء الأنبياء، وأسماء أبنائك أسماء الشهداء. فقال الزبير: أنا أرجو أن يكون أبنائي شهداء، وأنت لا ترجو أن يكون أبناؤك أنبياء، فأشار إلى أن الذي فعله أولى من الذي فعله طلحة.
٧ - ومن الرواية الرابعة عشرة، وتغييره ﷺ اسم "عاصية" إلى "جميلة" استحباب تحويل الاسم المكروه والقبيح إلى حسن، وقد أخرج ابن أبي شيبة "كان النبي ﷺ إذا سمع الاسم القبيح حوله إلى ما هو أحسن منه" وحول ﷺ اسم "العاصي" بن الأسود العدوي، إلى "مطيع" وحول اسم "شهاب" بن عامر الأنصاري إلى "هشام" وحول اسم "حرب" بن علي إلى "الحسن"، وحول اسم "حباب" بن عبد الله بن أبي، إلى "عبد الله" وحول اسم "عتلة" بن عبد السلمي، إلى "عتبة" وحول اسم "غراب" أبو زيطة إلى "مسلم" وغير هؤلاء كثير. قال ابن جرير الطبري: وليس ما غير رسول الله ﷺ من ذلك على وجه المنع من التسمي بها، بل على وجه الاختيار، ويدل عليه أنه ﷺ لم يلزم "حزناً" لما امتنع من تحويل اسمه إلى "سهل" بذلك، ولو كان ذلك لازماً لما أقره على قوله "لا أغير اسماً سمانيه أبي". اهـ
وحديث "حزن" الذي يشير إليه الطبري أخرجه البخاري، "عن سعيد بن المسيب قال: إن جده "حزناً" قدم على النبي ﷺ ، فقال: ما اسمك؟ قال: اسمي حزن. قال: بل أنت سهل، قال: ما أنا بمغير اسماً سمانيه أبي. قال ابن المسيب: فمازالت فينا الحزونة بعد" والحزن ما غلظ من الأرض، ضد السهل، وفي الخلق الغلظة والقساوة.
٨ - ويؤخذ منه استحباب الأسماء الحسنة عند التسمية، وقد ورد الأمر بتحسين الأسماء، فيما أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان، من حديث أبي الدرداء، رفعه "إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم، فأحسنوا أسماءكم" ورجاله ثقات، إلا أن في سنده انقطاعاً.
قال الطبري: لا تنبغي التسمية باسم قبيح المعنى، ولا باسم نقيض التزكية له، ولا باسم معناه السب، ولو كانت الأسماء -إنما هي أعلام للأشخاص- لا يقصد بها حقيقة الصفة، لكن وجه الكراهة أن يسمع سامع بالاسم، فيظن أنه صفة للمسمى، وعدم الانبغاء على الاستحسان، فقد أجاز المسلمون أن يسمى الرجل القبيح باسم "حسن" ويسمى الرجل الفاسد باسم "صالح".
٩ - وعن الرواية المتممة للعشرين والواحدة والعشرين قال النووي: اعلم أن التسمي بهذا الاسم حرام، وكذلك التسمي بأسماء الله تعالى، المختصة به، كالرحمن، والقدوس، والمهيمن، وخالق الخلق، ونحوها.
стр. 4751
١٠ - ألحق بعضهم بملك الأملاك في التحريم سلطان السلاطين وأمير الأمراء.
١١ - ألحق به الزمخشري قاضي القضاة، وحاكم الحكام، على أساس أنه كذب وتزوير، قال: ورب غريق في الجهل والجور، من مقلدي زماننا احتل لقب أقضى القضاة، ومعناه أحكم الحاكمين. وتعقبه ابن المنير بحديث "أقضاكم علي" قال: فيستفاد منه أنه لا حرج على من أطلق على قاض، يكون أعدل القضاة أو أعلمهم في زمانه: أقضى القضاة، أو يريد إقليمه، أو بلده، وقد تعقب العرابي كلام ابن المنير، فصوب ما ذكره الزمخشري من المنع، ورد ما احتج به من قضية علي، بأن التفضيل في ذلك وقع في حق من خوطب به، ومن يلتحق بهم، فليس مساوياً لإطلاق التفضيل بالألف واللام "قاضي القضاة" قال: ولا يخفى ما في إطلاق ذلك من الجراءة وسوء الأدب، ولا عبرة بقول من ولي القضاء فنعت بذلك، فلذ في سمعه، فاحتال في الجواز فإن الحق أحق أن يتبع. اهـ
ومال الحافظ ابن حجر إلى الجواز، فقال: إن التسمية بقاضي القضاة وجدت في العصر القديم، من عهد أبي يوسف، صاحب أبي حنيفة، وقد منع الماوردي من جواز تلقيب الملك، الذي كان في عصره، بملك الملوك، مع أن الماوردي كان يقال له: "أقضى القضاة" وكأن وجه التفرقة بين ملك الملوك وقاضي القضاة الوقوف مع الخبر، وظهور إرادة العهد الزماني في القضاة.
وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: يلتحق بملك الأملاك قاضي القضاة، وإن كان اشتهر في بلاد الشرق من قديم الزمان إطلاق ذلك على كبير القضاة، وقد سلم أهل المغرب من ذلك، فاسم كبير القضاة عندهم قاضي الجماعة.
١٢ - وألحق بعضهم بملك الأملاك في المنع التسمية بخالد ومالك، واستدل له بحديث "وأكذب الأسماء خالد ومالك" وتعقب بأن الحديث ضعيف، وبأن في القرآن تسمية خازن النار "مالكاً" وبأن في الصحابة من سمي بخالد، ومنهم من سمي بمالك، وبأن العباد وإن كانوا يموتون، فإن الأرواح لا تفنى، فلا بأس من التسمية بمالك أو خالد، ورد هذا التعقيب بأن اسم "مالك" قد يكون لمن لا يملك، فيكون كذباً وموهماً، وأن الخلد البقاء الدائم بغير موت، فلا يقال لصاحب الروح التي لا تفنى "خالد" قال تعالى ﴿وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد﴾ [الأنبياء: ٣٤].
١٣ - ولما كانت الكنية تكريماً أخذ بعضهم من الحديث منع تكنية المشرك، فقال النووي في الأذكار: لا تجوز تكنية الكافر إلا بشرطين: أن لا يعرف إلا بكنيته، أو خيف من ذكر اسمه فتنة، قال: وقد كتب النبي ﷺ إلى هرقل، فسماه باسمه، ولم يكنه، ولم يلقبه بلقبه، وهو قيصر، قال: وقد أمرنا بالإغلاظ عليهم، فلا نكنيهم، ولا نلين لهم قولاً، ولا نظهر لهم وداً، وقال ابن بطال: يجوز تكنية المشركين على وجه التألف، إما رجاء إسلامهم، أو لتحصيل منفعة منهم. اهـ وقيل: تمنع تكنيتهم إذا كانت على وجه التكريم، وتجوز في غير ذلك، كأبي لهب.
стр. 4752
وأطال الحافظ ابن حجر في عرض الأقوال وتوجيهاتها، بما لا يسمح به المقام هنا، فمن أراده فليراجع.
١٤ - قال الحافظ ابن حجر: وفي الحديث مشروعية الأدب في كل شيء، لأن الزجر عن ملك الأملاك، والوعيد عليه يقتضي المنع منه مطلقاً، سواء أراد من تسمى بذلك أنه ملك على ملوك الأرض، أم على بعضها، سواء كان محقاً في ذلك أم مبطلاً، مع أنه لا يخفى الفرق بين من قصد ذلك، وكان فيه صادقاً، ومن قصده، وكان فيه كاذباً.
والله أعلم
стр. 4753
(٥٧٩) باب استحباب تحنيك المولود عند ولادته، وتسميته، وتكنية الصغير واستحباب قوله لغير ابنه: يا بني، للملاطفة
٤٩٠١ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: ذهبت بعبد الله بن أبي طلحة الأنصاري إلى رسول الله ﷺ حين ولد. ورسول الله ﷺ في عباءة يهنأ بعيراً له. فقال: "هل معك تمر" فقلت: نعم. فناولته تمرات. فألقاهن في فيه، فلاكهن، ثم فغر فا الصبي، فمجه في فيه، فجعل الصبي بتلمظه. فقال رسول الله ﷺ . حب الأنصار التمر" وسماه عبد الله.
٤٩٠٢ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان ابن لأبي طلحة يشتكي. فخرج أبو طلحة. فقبض الصبي. فلما رجع أبو طلحة، قال: ما فعل ابني؟ قالت أم سليم: هو أسكن مما كان. فقربت إليه العشاء. فتعشى. ثم أصاب منها. فلما فرغ، قالت: واروا الصبي. فلما أصبح أبو طلحة، أتى رسول الله ﷺ فأخبره. فقال "أعرستم الليلة" قال: نعم. قال "اللهم بارك لهما" فولدت غلاماً. فقال لي أبو طلحة: احمله حتى تأتي به النبي ﷺ . فأتى به النبي ﷺ . وبعثت معه بتمرات. فأخذه النبي ﷺ فقال "أمعه شيء؟ " قالوا: نعم. تمرات. فأخذها النبي ﷺ فمضغها. ثم أخذها من فيه فجعلها في في الصبي. ثم حنكه. وسماه عبد الله.
٤٩٠٣ - عن أبي موسى ﵁ قال: ولد لي غلام. فأتيت به النبي ﷺ فسماه إبراهيم وحنكه بتمرة.
٤٩٠٤ - عن عروة بن الزبير، وفاطمة بنت المنذر بن الزبير، أنهما قالا: خرجت أسماء بنت أبي بكر حين هاجرت، وهي حبلى بعبد الله بن الزبير، فقدمت قباء. فنفست بعبد الله بقباء، ثم خرجت حين نفست إلى رسول الله ﷺ ليحنكه. فأخذه رسول الله ﷺ منها فوضعه في حجره. ثم دعا بتمرة. قال: قالت عائشة: فمكثنا ساعة نلتمسها قبل أن نجدها. فمضغها ثم بصقها في فيه. فإن أول شيء دخل بطنه لريق رسول الله ﷺ . ثم قالت
стр. 4754
أسماء: ثم مسحه وصلى عليه. وسماه عبد الله. ثم جاء وهو ابن سبع سنين أو ثمان، ليبايع رسول الله ﷺ . وأمره بذلك الزبير. فتبسم رسول الله ﷺ حين رآه مقبلاً إليه. ثم بايعه.
٤٩٠٥ - عن أسماء ﵂ أنها حملت بعبد الله بن الزبير بمكة. قالت: فخرجت وأنا متم فأتيت المدينة. فنزلت بقباء، فولدته بقباء. ثم أتيت رسول الله ﷺ فوضعه في حجره. ثم دعا بتمرة فمضغها ثم تفل في فيه، فكان أول شيء دخل جوفه ريق رسول الله ﷺ . ثم حنكه بالتمرة، ثم دعا له وبرك عليه. وكان أول مولود ولد في الإسلام.
٤٩٠٦ - وفي رواية عن أسماء بنت أبي بكر أنها هاجرت إلى رسول الله ﷺ ، وهي حبلى بعبد الله بن الزبير. فذكر نحو حديث أبي أسامة.
٤٩٠٧ - عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يؤتى بالصبيان فيبرك عليهم ويحنكهم.
٤٩٠٨ - عن عائشة ﵂ قالت: جئنا بعبد الله بن الزبير إلى النبي ﷺ يحنكه. فطلبنا تمرة، فعز علينا طلبها.
٤٩٠٩ - عن سهل بن سعد قال: أتي بالمنذر بن أبي أسيد إلى رسول الله ﷺ حين ولد. فوضعه النبي ﷺ على فخذه، وأبو أسيد جالس، فلهي النبي ﷺ بشيء بين يديه. فأمر أبو أسيد بابنه، فاحتمل من على فخذ رسول الله ﷺ . فأقلبوه. فاستفاق رسول الله ﷺ فقال "أين الصبي" فقال أبو أسيد: أقلبناه يا رسول الله. فقال: "ما اسمه" قال: فلان يا رسول الله. قال: "لا. ولكن اسمه المنذر" فسماه يومئذ المنذر.
٤٩١٠ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقاً. وكان
стр. 4755
لي أخ يقال له: أبو عمير. قال: أحسبه قال: كان فطيماً. قال: فكان إذا جاء رسول الله ﷺ فرآه قال "أبا عمير، ما فعل النغير" قال: فكان يلعب به.
٤٩١١ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ "يا بني".
٤٩١٢ - عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: ما سأل رسول الله ﷺ أحد عن الدجال أكثر مما سألته عنه. فقال لي "أي بني وما ينصبك منه؟ إنه لن يضرك" قال: قلت: إنهم يزعمون أن معه أنهار الماء وجبال الخبز. قال "هو أهون على الله من ذلك".
٤٩١٣ - وفي رواية عن إسمعيل، بهذا الإسناد. وليس في حديث أحد منهم قول النبي ﷺ للمغيرة "أي بني" إلا في حديث يزيد وحده.
-[المعنى العام]-
كان العرب وغيرهم من الأمم يهتمون بمولودهم الذكر، يفرحون بقدومه، ويتسابقون إلى تسميته بأعز ما يحبون من الأسماء، ويختارون له المرضعة والحاضنة، بل والبيئة التي يعيش فيها فترة رضاعته، ليترعرع نجيباً شجاعاً وعلى أحسن ما يطمحون من صفات عالية، وأخلاق راقية، وكانوا يذبحون عند ولادته وينحرون، ويقيمون الولائم، ويكرمون المبشرين به.
أما الأنثى عند العرب فلم يكن لها شيء من هذا التكريم، بل كان يصاحب قدومها العبوس والانقباض، حتى قالت أمها يوم ولادتها:
ما لأبي حمزة لا يأتينا ... يظل في البيت الذي يلينا
غضبان أن لا نلد البنينا ... والله ما ذلك في أيدينا
ونحن كالأرض لزارعينا
وحتى وصل بعض العرب إلى وأد البنت، ودفنها حية، مخافة العار والحاجة.
وجاء الإسلام، فلم ينتزع منهم حبهم للذكر، ولا الاحتفاء بقدومه، فكل ما كانوا يفعلونه
стр. 4756
من أجله فضيلة والفضائل من شعائر الإسلام، ولو كانت جاهلية، أما الرذائل التي كانت توجه للطفلة البريئة فقد حاربها الإسلام بقوة، ويكفي في ذلك قوله تعالى: ﴿وإذا الموءودة سئلت* بأي ذنب قتلت﴾ [التكوير: ٨، ٩]؟ وقوله تعالى ﴿وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهم كظيم* يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون﴾ [النحل: ٥٨، ٥٩].
ولم يقف الإسلام عند رفع المذلة والإهانة عن الطفلة البريئة والصبية والمرأة، بل أعطاها حقوقاً كثيرة كريمة، فعن الطفلة اختار لها الأسماء الحسنة، كما يختار للذكر، وقد مر بنا أن النبي ﷺ غير اسم ابنة لعمر ﵁ من اسم "عاصية" إلى اسم "جميلة".
وشرع العقيقة والذبيحة للبنت عند قدومها، فقد أخرج أصحاب السنن من حديث أم كرز "أنها سألت النبي ﷺ عن العقيقة؟ فقال: عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة" وروى البزار عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ "أن اليهود كانت تعق عن الغلام كبشاً، ولا تعق عن الجارية، فعقوا عن الغلام كبشين، وعن الجارية كبشاً" وعند أحمد "العقيقة حق، عن الغلام شاتان متكافئتان، وعن الجارية شاة" بل ذهب الإمام مالك إلى أن عقيقة الأنثى كعقيقة الذكر، فيعق عن كل منهما شاة.
نعم. أبقى الإسلام ميزات الطفل الذكر وحب الناس له، بل زادها بتبريكه عند الرجل الصالح، وليس هناك من هو أصلح، وترجى بركته من النبي ﷺ ، فقد كان ﷺ يؤتى بالصبيان، فيدعو لهم بالبركة ويمضغ تمرة بفمه، ثم ينقلها إلى فم الطفل، ليكون ريقه ﷺ من أول الأشياء التي تدخل جوف الصبي، فتحل فيه بركته ﷺ ، وتسابقت الوالدات في الحصول على هذه البركة لأطفالهن، وها هي أم سليم، زوج أبي طلحة الأنصاري، أم أنس ﵁ تلد غلاماً. فتقول لابنها أنس: احمل هذا الطفل، واذهب به إلى النبي ﷺ ، وخذ معك تمرات، ليمضغها رسول الله ﷺ ، فيلقيها في فمه، حتى يكون أول شيء يدخل جوف الصبي ريق رسول الله ﷺ ، ففعل أنس، وفعل رسول الله ﷺ ، مضغ التمرات، وفتح فم الصبي، فوضعها في فمه، فأخذ الطفل يلعب بلسانه، لتدخل جوفه، ثم أدخل رسول الله ﷺ إصبعه في فم الصبي، وأخذ يديره في حلقه مع عجينة التمر، يحنكه بها، وهو يدعو له بالبركة، وسماه عبد الله، فكان أن ولد لعبد الله هذا عشرة ذكور، كلهم يحفظون القرآن.
وهذه أسماء بنت أبي بكر زوج الزبير بن العوام، تهاجر إلى المدينة مع أختها عائشة، ومع فاطمة بنت النبي ﷺ ، تهاجر وهي حامل في شهرها الأخير، فتلد في قباء، فتحمل ابنها إلى المدينة، وإلى بيت أبيها أبي بكر، وتبحث عائشة في البيت عن تمرة، فلا تجد تمرة في البيت إلا بعد جهد جهيد، فتأخذ الطفل والتمرة إلى رسول الله ﷺ ، فيمضغ التمرة، ويحنك بها الطفل، ويدعو له، ويباركه، ويسميه عبد الله، وكان عبد الله هذا أول مولود يولد للمهاجرين بالمدينة، فقد مكثوا شهوراً دون أن يولد لهم، حتى قيل: إن اليهود سحرتهم، فلا يولد لهم، فلما علم المسلمون بمولد عبد الله بن الزبير، فرحوا وكبروا تكبيرة ارتجت لها المدينة.
стр. 4757
وهذا أبو أسيد، تلد زوجته، فيحمل الطفل إلى رسول الله ﷺ ليباركه، فسماه رسول الله ﷺ بالمنذر.
فما أعظم أخلاقه ﷺ ، وما أشد تواضعه، يحمل الأطفال، ويضعها في حجره، ويحنكها ويباركها، ويدعو لها، أما الأطفال الذين هم فوق سن الرضاعة فكان يمازحهم، ويتبسط معهم ويكنيهم، ويداعبهم، ويدعوهم بقوله: يا بني.
فصلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
-[المباحث العربية]-
(تحنيك المولود) أي مضغ الشيء ووضعه في فم الطفل، ودلك حنكه به، يضع ذلك بالصبي ليتمرن على الأكل، ويقوى عليه.
(ذهبت بعبد الله بن أبي طلحة الأنصاري إلى رسول الله ﷺ حين ولد) في الرواية الثانية عن أنس قال: إن أم سليم ولدت غلاماً، "فقال لي أبو طلحة: احمله، حتى تأتي به النبي ﷺ ، فأتى به النبي ﷺ ، وبعثت معه بتمرات" ليحنكه بها، وكانت تعلم استحباب التحنيك، وفي الكلام التفات من المتكلم إلى الغيبة، وكان الأصل أن يقول: فأتيت به النبي ﷺ ، وبعثت معي بتمرات، وفي رواية البخاري "فولدت غلاماً، فقال لي أبو طلحة: احفظه حتى تأتي به النبي ﷺ ، فأتى به النبي ﷺ ، وأرسلت معه بتمرات" فالآمر لأنس زوج أمه، أبو طلحة، وقد سبق في باب "وسم الحيوان" قال أنس: لما ولدت أم سليم قالت لي: يا أنس، انظر هذا الغلام، فلا يصيبن شيئاً حتى تغدون به إلى النبي ﷺ ، يحنكه، قال: فغدوت ... " فالآمر لأنس أمه، أم سليم. ولا تعارض حيث يمكن أن يكون الأمر منهما معاً، أو أنه من أحدهما، ونسب إلى الآخر لموافقته.
(ورسول الله ﷺ في عباءة) قال النووي: العباءة معروفة، ويقال فيها "عباية" بالياء، وجمع العباءة العباء. اهـ وعند مسلم في باب "وسم الحيوان" فغدوت فإذا هو في الحائط، وعليه خميصة جونية".
(يهنأ بعيراً له) أي يطليه بالقطران، والمصدر الهناء، بكسر الهاء، يقال: هنأت البعير، أهنأه، وعند مسلم في باب وسم الحيوان "وهو يسم الظهر الذي قدم عليه في الفتح" وفي رواية أخرى لمسلم "وهو يسم غنماً" ولعله كان في المربد يفعل الأمور الثلاثة.
(فقال: هل معك تمر؟ فقلت: نعم، فناولته تمرات) في الرواية الثانية "فأخذه النبي ﷺ ، فقال: أمعه شيء" حلو أحنكه به؟ "قالوا" أي قال أنس ومن معه من أهله "نعم. تمرات" مبتدأ، والخبر محذوف، أي معه تمرات "فأخذها النبي ﷺ ".
стр. 4758
(فألقاهن في فيه) أي ألقى رسول الله ﷺ التمرات في فم نفسه.
(فلاكهن) أي مضغهن، وفي الرواية الثانية "فمضغها" قال أهل اللغة: اللوك مختص بمضغ الشيء الصلب.
(ثم فغر فا الصبي، فمجه في فيه) أي مج الممضوغ، و"فغر" بفتح الفاء والغين، أي فتح فم الصبي وطرح فيه ما مضغه، وفي الرواية الثانية فمضغها ثم أخذها من فيه أي بيده فجعلها في في الصبي.
(فجعل الصبي يتلمظه) أي يتلمظ هذا الممضوغ، أي يحرك لسانه، ليتتبع ما في فمه من آثار التمر، والتلمظ واللمظ فعل ذلك باللسان، يقصد به فاعله تنقية الفم من بقايا الطعام، وكذلك ما على الشفتين، وأكثر ما يفعل ذلك في شيء يستطيبه، ويقال: تلمظ يتلمظ تلمظاً، ولمظ يلمظ، بضم الميم، لمظاً، بإسكانها، ويقال لذلك الشيء الباقي في الفم: لماظة، بضم اللام، زاد في الرواية الثانية "ثم حنكه" أي دلك حنكه بإصبعه.
(حب الأنصار التمر) قال النووي: روي بضم الحاء وكسرها، فالكسر بمعنى المحبوب، كالذبح بمعنى المذبوح، مبتدأ وخبر، أي محبوب الأنصار التمر، قال: وأما من ضم الحاء فهو مصدر، منصوب على الأشهر، مفعول لفعل محذوف، و"التمر" منصوب، مفعول "حب" والتقدير: انظروا حب الأنصار التمر، وقد يكون مرفوعاً، "والتمر" منصوب أيضاً، فيكون مبتدأ خبره محذوف، أي حب الأنصار التمر لازم ومشهور.
(وسماه عبد الله) فعبد الله هذا هو خلف الصبي الذي مات، وذكرت قصته الرواية الثانية، وقد صرحت روايات بأن الصبي الذي مات هو أبو عمير، المذكور في الرواية التاسعة.
(هو أسكن مما كان) أسلوب تورية، وهو اختيار كلام له معنيان، قريب، وبعيد، يراد من المتكلم المعنى البعيد، ويفهم منه المخاطب المعنى القريب، فقولها: هو أسكن مما كان فهمه الزوج أن مرضه قد هان وسهل، وهو حي تحسنت حاله، وهي تريد أن سكن سكوناً لا حركة بعده.
(ثم أصاب منها) أي عشته وتعشت، ثم تصنعت له وتجملت، وتعرضت له، ليجامعها، فجامعها.
(فلما فرغ قالت: واروا الصبي) أي فلما فرغ من جماعها، قالت له: واروا الصبي، أي ادفنوه، فقد مات، وقيل: إنها أخفت موته في أول الليل، ولم تخبر زوجها إلا في آخر الليل، ليبيت مستريحاً بلا حزن.
(أعرستم الليلة) قال النووي: هو بإسكان العين، وهو كناية عن الجماع، قال الأصمعي والجمهور: يقال: أعرس الرجل، إذا دخل بامرأته، قالوا: ولا يقال فيه: عرس، بالتشديد، قال صاحب
стр. 4759
التحرير: روي أيضاً "أعرستم" بفتح العين وتشديد الراء، قال: وهي لغة، يقال: عرس بمعنى أعرس، قال: لكن قال أهل اللغة: "أعرس" أفصح من "عرس" في هذا.
قال النووي: وهذا السؤال للتعجب من صنيعها، وصبرها، وسروراً بحسن رضاها بقضاء الله تعالى، ثم دعا ﷺ لهما بالبركة في ليلتها، فاستجاب الله تعالى ذلك الدعاء، وحملت بعبد الله بن أبي طلحة، وجاء من أولاد عبد الله إسحق وإخوته التسعة صالحين علماء.
(خرجت أسماء بنت أبي بكر، حين هاجرت، وهي حبلى بعبد الله بن الزبير) أخت عائشة لأبيها، وأمها قتيلة بنت عبد العزى، قرشية من بني عامر بن لؤي، ولدت قبل الهجرة بسبع وعشرين سنة، أسلمت قديماً، قيل: بعد سبعة عشر، وتزوجها الزبير بن العوام، وهي المعروفة بذات النطاقين، وفي الصحيح عنها، قالت: "تزوجني الزبير، وما له في الأرض مال، ولا مملوك، ولا شيء غير فرسه، فكنت أعلف فرسه، وأكفيه مؤنته، وأسومه، وأدق النوى لناضحه، وكنت أنقل النوى على رأسي من أرض الزبير .... " خرج الزبير إلى الشام قبيل هجرتها، وهي حبلى بعبد الله بن الزبير، تقول في الرواية الخامسة "حملت بعبد الله بن الزبير بمكة، فخرجت وأنا متم" أي وأنا متممة فترة الحمل، تسعة أشهر، وكانت هجرتها في السنة الأولى.
(فقدمت قباء، فنفست بعبد الله بقباء) في الرواية الخامسة "فأتيت المدينة، فنزلت بقباء" أي فقاربت المدينة، وأشرفت عليها، و"نفست" بضم النون وكسر الفاء وسكون السين، أي أصابني النفاس والوضع.
(ثم خرجت حين نفست إلى رسول الله ﷺ ، ليحنكه) في ملحق الرواية الخامسة "أنها هاجرت إلى رسول الله ﷺ ، وهي حبلى بعبد الله بن الزبير" أي بدأت الهجرة من مكة، وهي حبلى، ووضعت في قباء، وتوجهت إلى المدينة، فنزلت هي وأختها عائشة وغيرهما ممن هاجر معهما من آل الصديق، فقد ذكر ابن إسحق أن النبي ﷺ لما قدم المدينة بعث زيد بن حارثة، فأحضر زوجته سودة بنت زمعة وبنته فاطمة وأم كلثوم وأم أيمن، زوج زيد بن حارثة، وابنها أسامة وخرج معهم عبد الله بن أبي بكر، ومعه أمه أم رومان، وأختاه عائشة وأسماء، فقدموا والنبي ﷺ يبني مسجده على أبيها أبي بكر، والظاهر أن رسول الله ﷺ هو الذي انتقل إلى بيت أبي بكر، فالمراد من خروجها إليه خروجها من حجرتها إلى حجرته، لأن البحث عن تمرة كان في بيت أبي بكر، لأن عائشة لم تكن تزوجت بعد وما كان لها أن تبحث عن تمرة في بيت سودة وفي رواية البخاري "فأتيت به النبي ﷺ ، فوضعته في حجره" وفي رواية أخرى له "أتوا به النبي ﷺ " فيحتمل أن يكون مع أمه آخرون.
(ثم دعا بتمرة، قالت عائشة: فمكثنا ساعة نلتمسها قبل أن نجدها) أي لعدم وجود التمر، بسبب شدة الحاجة.
(فمضغها، ثم بصقها في فيه) في الرواية الخامسة "فمضغها، ثم تفل في فيه" أي تفل وبصق على إصبعه بالتمرة، ثم أدخلها في فم الطفل، ويحتمل أنه وضع فمه ﷺ على فم الطفل، ثم دفع التمرة الممضوغة.
стр. 4760
(ثم مسحه، وصلى عليه) أي مسح بيده على جسم الطفل، ودعا له، وفي الرواية الخامسة "ثم دعا له، وبرك عليه" بفتح الباء وتشديد الراء المفتوحة، أي قال: بارك الله فيه.
(وكان أول مولود ولد في الإسلام) قال النووي: يعني أول من ولد في الإسلام بالمدينة، من أولاد المهاجرين. اهـ ولا بد من هذه القيود، فقد ولد قبله في غير المدينة للمهاجرين عبد الله بن جعفر، ولد في الحبشة، وولد بالمدينة للأنصار قبله بعد الهجرة النعمان بن بشير، روي أن المهاجرين فرحوا بمولده فرحاً شديداً، لأن اليهود كانوا يقولون: سحرناهم، حتى لا يولد لهم، روى ابن سعد "لما قدم المهاجرون المدينة أقاموا لا يولد لهم فقالوا: سحرتنا اليهود، حتى كثرت في ذلك القالة، فلما ولد عبد الله بن الزبير كبروا تكبيرة واحدة، حتى ارتجت المدينة تكبيراً".
(ثم جاء وهو ابن سبع سنين أو ثمان، ليبايع النبي ﷺ قال النووي: هذه بيعة تبريك وتشريف، لا بيعة تكليف. اهـ
(فلهي النبي ﷺ بشيء بين يديه) قال النووي: هذه اللفظة رويت على وجهين: أحدهما: فلها، بفتح الفاء واللام والهاء، والثانية "فلهي" بكسر الهاء والياء، والأولى لغة طي، والثانية لغة الأكثرين، ومعناه اشتغل بشيء بين يديه، وأما "لها" من اللهو فبفتح الهاء لا غير، ومضارعها يلهو، والأشهر في الرواية هنا كسر الهاء، وهي لغة أكثر العرب، واتفق أهل الغريب والشراح على أن معناه اشتغل.
(فأمر أبو أسيد بابنه) قال النووي: المشهور في أبي أسيد ضم الهمزة وفتح السين، ولم يذكر الجماهير غيره، قال القاضي: وحكي أنه بفتح الهمزة، قال أحمد بن حنبل: وبالضم قال عبد الرزاق ووكيع، وهو الصواب، واسمه مالك بن أبي ربيعة.
(فأقلبوه) أي ردوه وصرفوه، قال النووي: في جميع نسخ صحيح مسلم "فأقلبوه" بالألف، وأنكره جمهور أهل اللغة والغريب وشراح الحديث، وقالوا: صوابه "قلبوه" بحذف الألف، قالوا: يقال: قلبت الصبي والشيء، أي صرفته ورددته، ولا يقال: أقلبته، وذكر صاحب التحرير أن "أقلبوه" بالألف لغة قليلة، فأثبتها لغة.
(فاستفاق رسول الله ﷺ أي انتبه من شغله وفكره الذي كان فيه.
(فسماه يومئذ المنذر) قال النووي: قالوا: وسبب تسمية النبي ﷺ هذا المولود "المنذر" لأن ابن عم أبيه، المنذر بن عمرو كان قد استشهد ببئر معونة، وكان أميرهم، فأراد التفاؤل بأن يكون خلفاً له.
(كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقاً) قاله أنس توطئة لما يريد أن يذكره من قصة الصبي، وفي رواية "إن كان النبي ﷺ ليخالطنا" وعند أحمد "كان النبي ﷺ يزور أم سليم" وفي رواية
стр. 4761
قال أنس "كان النبي ﷺ قد اختلط بنا أهل البيت" يعني بيت أبي طلحة وأم سليم، وعند أبي يعلى "كان النبي ﷺ يغشانا ويخالطنا" وعند النسائي عن أنس "كان النبي ﷺ يأتي أبا طلحة كثيراً" وعند أبي يعلى عن أنس قال: "كان يأتي أم سليم، وينام على فراشها" ولابن سعد "كان يزور أم سليم، فتتحفه بالشيء، تصنعه له".
(وكان لي أخ يقال له: أبو عمير) بالتصغير، وعند أحمد "أخ صغير" وهو أخو أنس بن مالك من أمه، وعند أحمد "وكان لها من أبي طلحة ابن يكنى أبا عمير".
(قال: أحسبه قال: كان فطيماً) عند البخاري "قال: أحسبه فطيماً" قال الحافظ ابن حجر: في بعض النسخ "فطيم" بغير ألف، وهو محمول على طريقة من يكتب المنصوب المنون بلا ألف، والأصل "فطيم" بالرفع، لأنه صفة أخ، وهو مرفوع، لكن تخلل بين الصفة والموصوف "أحسبه" والفطيم بمعنى مفطوم، أي انتهى إرضاعه.
(فكان إذا جاء رسول الله ﷺ ، فرآه قال: أبا عمير، ما فعل النغير؟ ) في رواية "فكان إذا جاء لأم سليم يمازحه" وعند أحمد "يضاحكه" وفي رواية "يهازله" وعند أبي عوانة "يفاكهه" زاد في رواية "فجاء يوماً وقد مات نغيره، الذي كان يلعب به" زاد في رواية "فوجده حزيناً" وفي رواية "فسأل عنه، فأخبرته" وفي رواية "فقال: ما شأن أبي عمير حزيناً" وفي رواية "فقالت أم سليم: ماتت صعوته التي كان يلعب بها، فقال: أي أبا عمير. مات النغير؟ " وفي رواية "فجعل يمسح رأسه ويقول: أبا عمير. ما فعل النغير" و"النغير" مصغر، وهو طير صغير معروف، يشبه العصفور، له منقار أحمر، واحده "نغرة" وجمعه "نغران".
(وما ينصبك منه؟ ) أي ماذا يتعبك منه؟ والرواية هنا بضم الياء، مضارع أنصب بمعنى نصب يقال: نصب الشيء فلاناً بفتح الصاد، ينصبه بكسرها نصباً بسكونها، ونصب الأمر فلاناً، بكسر الصاد، ينصبه بفتحها، نصباً بفتحها، أتعبه وأعياه.
(هو أهون على الله من ذلك) أي من أن يجري على يديه مثل هذه العجائب والخوارق تكريماً، ولكن يقع ذلك على طريق الابتلاء والاختبار، مع الهوان له، فهو من قبيل: لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء، ومن قبيل ﴿ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة ومعارج عليها يظهرون﴾ [الزخرف: ٣٣] وحمله السنوسي على أن هذا القول صدر منه قبل أن يوحي إليه بما في أحاديث خوارق الدجال.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: اتفق العلماء على استحباب تحنيك المولود عند ولادته بتمر، فإن تعذر فما في معناه، وقريب منه، كالرطب، وإلا فشيء حلو، وعسل النحل أولى من غيره، ما لم تمسه
стр. 4762
النار، فيمضغ المحنك التمرة، حتى تصير مائعة، بحيث تبتلع، ثم يفتح فم المولود، ويضعها فيه، ليدخل شيء منها جوفه.
ويستحب أن يكون المحنك من الصالحين، وممن يتبرك به، رجلاً كان أو امرأة، فإن لم يكن حاضراً عند المولود حمل المولود إليه.
-[ويؤخذ من الأحاديث]-
١ - من الرواية الأولى جواز لبس العباءة.
٢ - التبرك بآثار الصالحين وريقهم، وكل شيء منهم. قاله النووي.
٣ - تواضع الرسول ﷺ ، وتعاطيه أشغاله.
٤ - وأن ذلك لا ينقص الكبير، ولا يخل من مروءته.
٥ - واستحباب التسمية بعبد الله.
٦ - واستحباب تفويض تسمية المولود إلى صالح، فيختار له اسماً يرتضيه.
٧ - وجواز التسمية يوم ولادة الطفل، وأن التسمية لا تختص بالسابع.
٨ - ومن الرواية الثانية مناقب لأم سليم ﵂ من عظيم صبرها، وحسن رضاها بقضاء الله تعالى، وجزالة عقلها في إخفائها موت الطفل على أبيه.
٩ - وفيه استعمال المعاريض عند الحاجة. قال النووي: وشرط المعاريض المباحة أن لا يضيع بها حق أحد.
١٠ - ومن الرواية الثالثة جواز التسمية بأسماء الأنبياء ﵈.
١١ - ومن الرواية الرابعة استحباب مسح المولود باليد.
١٢ - والدعاء له، والتبريك، وأن البيعة قد تكون للتبريك، لا للتكليف.
١٣ - وفيه منقبة لعبد الله بن الزبير، إذ كان أول شيء دخل جوفه ريقه ﷺ ، وأنه أول من ولد للمهاجرين بالمدينة.
١٤ - ما كان عليه الرسول ﷺ والصحابة في أول الأمر، من ضيق الحال، حيث لم يجدوا في البيت تمرة واحدة، وطعامهم التمر.
١٥ - وتسمية المولود، ولو لم يعق عنه، والأولى لمن أراد أن يعق أن يؤخر التسمية إلى اليوم السابع.
١٦ - ومن الرواية الثامنة أن قوله ﷺ "أحب الأسماء إلى الله تعالى عبد الله وعبد الرحمن" لا يمنع من التسمية بغيرهما، فقد سمى رسول الله ﷺ ابن أبي أسيد بالمنذر.
стр. 4763
١٧ - ومن الرواية التاسعة [حديث أنس عن أبي عمير] الكنية للصبي، ومن لم يولد له، قال العلماء: كانوا يكنون الصبي تفاؤلاً بأنه سيعيش، حتى يولد له، وللأمن من التقليب، لأن الغالب أن من يذكر شخصاً فيعظمه أن لا يذكر باسمه الخاص به، فإذا كانت له كنية أمن من تلقيبه، قاله الحافظ ابن حجر: ثم قال: ولهذا قال قائلهم: بادروا أبناءكم بالكنى، قبل أن تغلب عليها الألقاب، وقالوا: الكنية للعرب كاللقب للعجم، ومن ثم كره للشخص أن يكني نفسه، إلا إن قصد التعريف.
١٨ - وجواز زيارة الرجل للمرأة الأجنبية، إذا لم تكن شابة، وأمنت الفتنة.
١٩ - وتخصيص الإمام بعض الرعية بالزيارة، ومخالطة بعض الرعية دون بعض.
٢٠ - ومشي الحاكم وحده.
٢١ - وأن كثرة الزيارة قد لا تنقص المودة، وأن قوله "زر غباً تزدد حباً" مخصوص بمن يزور للطمع، وأن النهي عن كثرة مخالطة الناس مخصوص بمن يخشى الفتنة أو الضرر.
٢٢ - وفيه جواز الممازحة، وتكرير المزح، وأن ممازحة الصبي الذي لم يميز جائزة.
٢٣ - وفيه الحكم على ما يظهر من الأمارات في الوجه، من الحزن وغيره، والاستدلال بالعين على حال صاحبها، إذ استدل ﷺ بالحزن الظاهر على الحزن الكامن، حتى حكم بأنه حزين، فسأل أمه عن حزنه.
٢٤ - وفيه التلطف بالصغير، والسؤال عن حاله.
٢٥ - وجواز لعب الصغير بالطير، وجواز ترك الأبوين ولدهما الصغير يلعب بما أبيح اللعب به.
٢٦ - وجواز إنفاق المال فيما يتلهى الصغير به من المباحات.
٢٧ - وجواز إمساك الطير في القفص ونحوه، وقص جناح الطير، إذ لا يخلو حال طير أبي عمير من واحد منهما، وأيهما كان الواقع التحق به الآخر في الحكم.
٢٨ - وفيه جواز تصغير الاسم، ولو كان لحيوان.
٢٩ - وجواز مخاطبة الصغير بما لا يفهم، خلافاً لمن قال: الحكيم لا يواجه بالخطاب إلا من يعقل ويفهم، والصواب الجواز، حيث لا يكون هناك طلب جواب، ولهذا لم يخاطبه بالسؤال عن حال، بل سأل أمه.
٣٠ - واستدل به بعض المالكية والخطابي من الشافعية على أن صيد المدينة لا يحرم، وتعقب باحتمال أنه صيد في الحل، ثم أدخل الحرم.
٣١ - وفيه جواز السجع في الكلام، إذا لم يكن متكلفاً.
٣٢ - وفيه جواز سؤال العالم بما يسأل عنه، لقوله "ما فعل النغير"؟ بعد علمه بأنه مات.
стр. 4764
٣٣ - ومن الرواية العاشرة جواز قول الإنسان لغير ابنه، ممن هو أصغر سناً منه: يا ابني، ويا بني -مصغراً- ويا ولدي، ومعناه تلطف، وإنك عندي بمنزلة ولدي في الشفقة، وكذا يقال له ولمن هو في مثل سن المتكلم: يا أخي. للمعنى الذي ذكرناه، وإذا قصد التلطف كان مستحباً، كما فعله النبي ﷺ .
٣٤ - ومن الإخبار بأن الدجال لن يضر المغيرة معجزة لرسول الله ﷺ .
(إضافة) يستحب التأذين في أذن الطفل، فقد روى أبو داود والترمذي عن أبي رافع ﵁ قال: "رأيت رسول الله ﷺ أذن في أذن الحسن بن علي، حين ولدته فاطمة، بالصلاة" قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
والله أعلم
стр. 4765
(٥٨٠) باب الاستئذان، وتحريم النظر في بيت الغير
٤٩١٤ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كنت جالساً بالمدينة في مجلس الأنصار. فأتانا أبو موسى فزعاً أو مذعوراً. قلنا: ما شأنك؟ قال: إن عمر أرسل إلي أن آتيه. فأتيت بابه. فسلمت ثلاثاً. فلم يرد علي. فرجعت. فقال: ما منعك أن تأتينا؟ فقلت: إني أتيتك فسلمت على بابك ثلاثاً، فلم يردوا علي فرجعت. وقد قال رسول الله ﷺ "إذا استأذن أحدكم ثلاثاً، فلم يؤذن له فليرجع" فقال عمر: أقم عليه البينة وإلا أوجعتك. فقال أبي بن كعب: لا يقوم معه إلا أصغر القوم. قال أبو سعيد قلت: أنا أصغر القوم. قال: فاذهب به.
٤٩١٥ - وفي رواية عن يزيد بن خصيفة، بهذا الإسناد، وزاد ابن أبي عمر في حديثه: قال أبو سعيد: فقمت معه فذهبت إلى عمر فشهدت.
٤٩١٦ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كنا في مجلس عند أبي بن كعب. فأتى أبو موسى الأشعري مغضباً حتى وقف. فقال: أنشدكم الله هل سمع أحد منكم رسول الله ﷺ يقول: "الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك وإلا فارجع"؟ قال أبي: وما ذاك؟ قال: استأذنت على عمر بن الخطاب أمس ثلاث مرات، فلم يؤذن لي، فرجعت. ثم جئته اليوم، فدخلت عليه، فأخبرته أني جئت أمس، فسلمت ثلاثاً، ثم انصرفت. قال: قد سمعناك، ونحن حينئذ على شغل. فلو ما استأذنت حتى يؤذن لك؟ قال: استأذنت كما سمعت رسول الله ﷺ . قال: فوالله لأوجعن ظهرك وبطنك، أو لتأتين بمن يشهد لك على هذا. فقال أبي بن كعب: فوالله، لا يقوم معك إلا أحدثنا سناً. قم يا أبا سعيد. فقمت، حتى أتيت عمر. فقلت: قد سمعت رسول الله ﷺ يقول هذا.
следующие страницы →