← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 4761–4800 · переход к 4766.

стр. 4761

قال أنس "كان النبي ﷺ قد اختلط بنا أهل البيت" يعني بيت أبي طلحة وأم سليم، وعند أبي يعلى "كان النبي ﷺ يغشانا ويخالطنا" وعند النسائي عن أنس "كان النبي ﷺ يأتي أبا طلحة كثيراً" وعند أبي يعلى عن أنس قال: "كان يأتي أم سليم، وينام على فراشها" ولابن سعد "كان يزور أم سليم، فتتحفه بالشيء، تصنعه له". (وكان لي أخ يقال له: أبو عمير) بالتصغير، وعند أحمد "أخ صغير" وهو أخو أنس بن مالك من أمه، وعند أحمد "وكان لها من أبي طلحة ابن يكنى أبا عمير". (قال: أحسبه قال: كان فطيماً) عند البخاري "قال: أحسبه فطيماً" قال الحافظ ابن حجر: في بعض النسخ "فطيم" بغير ألف، وهو محمول على طريقة من يكتب المنصوب المنون بلا ألف، والأصل "فطيم" بالرفع، لأنه صفة أخ، وهو مرفوع، لكن تخلل بين الصفة والموصوف "أحسبه" والفطيم بمعنى مفطوم، أي انتهى إرضاعه. (فكان إذا جاء رسول الله ﷺ ، فرآه قال: أبا عمير، ما فعل النغير؟ ) في رواية "فكان إذا جاء لأم سليم يمازحه" وعند أحمد "يضاحكه" وفي رواية "يهازله" وعند أبي عوانة "يفاكهه" زاد في رواية "فجاء يوماً وقد مات نغيره، الذي كان يلعب به" زاد في رواية "فوجده حزيناً" وفي رواية "فسأل عنه، فأخبرته" وفي رواية "فقال: ما شأن أبي عمير حزيناً" وفي رواية "فقالت أم سليم: ماتت صعوته التي كان يلعب بها، فقال: أي أبا عمير. مات النغير؟ " وفي رواية "فجعل يمسح رأسه ويقول: أبا عمير. ما فعل النغير" و"النغير" مصغر، وهو طير صغير معروف، يشبه العصفور، له منقار أحمر، واحده "نغرة" وجمعه "نغران". (وما ينصبك منه؟ ) أي ماذا يتعبك منه؟ والرواية هنا بضم الياء، مضارع أنصب بمعنى نصب يقال: نصب الشيء فلاناً بفتح الصاد، ينصبه بكسرها نصباً بسكونها، ونصب الأمر فلاناً، بكسر الصاد، ينصبه بفتحها، نصباً بفتحها، أتعبه وأعياه. (هو أهون على الله من ذلك) أي من أن يجري على يديه مثل هذه العجائب والخوارق تكريماً، ولكن يقع ذلك على طريق الابتلاء والاختبار، مع الهوان له، فهو من قبيل: لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء، ومن قبيل ﴿ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة ومعارج عليها يظهرون﴾ [الزخرف: ٣٣] وحمله السنوسي على أن هذا القول صدر منه قبل أن يوحي إليه بما في أحاديث خوارق الدجال. -[فقه الحديث]- قال النووي: اتفق العلماء على استحباب تحنيك المولود عند ولادته بتمر، فإن تعذر فما في معناه، وقريب منه، كالرطب، وإلا فشيء حلو، وعسل النحل أولى من غيره، ما لم تمسه

стр. 4762

النار، فيمضغ المحنك التمرة، حتى تصير مائعة، بحيث تبتلع، ثم يفتح فم المولود، ويضعها فيه، ليدخل شيء منها جوفه. ويستحب أن يكون المحنك من الصالحين، وممن يتبرك به، رجلاً كان أو امرأة، فإن لم يكن حاضراً عند المولود حمل المولود إليه. -[ويؤخذ من الأحاديث]- ١ - من الرواية الأولى جواز لبس العباءة. ٢ - التبرك بآثار الصالحين وريقهم، وكل شيء منهم. قاله النووي. ٣ - تواضع الرسول ﷺ ، وتعاطيه أشغاله. ٤ - وأن ذلك لا ينقص الكبير، ولا يخل من مروءته. ٥ - واستحباب التسمية بعبد الله. ٦ - واستحباب تفويض تسمية المولود إلى صالح، فيختار له اسماً يرتضيه. ٧ - وجواز التسمية يوم ولادة الطفل، وأن التسمية لا تختص بالسابع. ٨ - ومن الرواية الثانية مناقب لأم سليم ﵂ من عظيم صبرها، وحسن رضاها بقضاء الله تعالى، وجزالة عقلها في إخفائها موت الطفل على أبيه. ٩ - وفيه استعمال المعاريض عند الحاجة. قال النووي: وشرط المعاريض المباحة أن لا يضيع بها حق أحد. ١٠ - ومن الرواية الثالثة جواز التسمية بأسماء الأنبياء ﵈. ١١ - ومن الرواية الرابعة استحباب مسح المولود باليد. ١٢ - والدعاء له، والتبريك، وأن البيعة قد تكون للتبريك، لا للتكليف. ١٣ - وفيه منقبة لعبد الله بن الزبير، إذ كان أول شيء دخل جوفه ريقه ﷺ ، وأنه أول من ولد للمهاجرين بالمدينة. ١٤ - ما كان عليه الرسول ﷺ والصحابة في أول الأمر، من ضيق الحال، حيث لم يجدوا في البيت تمرة واحدة، وطعامهم التمر. ١٥ - وتسمية المولود، ولو لم يعق عنه، والأولى لمن أراد أن يعق أن يؤخر التسمية إلى اليوم السابع. ١٦ - ومن الرواية الثامنة أن قوله ﷺ "أحب الأسماء إلى الله تعالى عبد الله وعبد الرحمن" لا يمنع من التسمية بغيرهما، فقد سمى رسول الله ﷺ ابن أبي أسيد بالمنذر.

стр. 4763

١٧ - ومن الرواية التاسعة [حديث أنس عن أبي عمير] الكنية للصبي، ومن لم يولد له، قال العلماء: كانوا يكنون الصبي تفاؤلاً بأنه سيعيش، حتى يولد له، وللأمن من التقليب، لأن الغالب أن من يذكر شخصاً فيعظمه أن لا يذكر باسمه الخاص به، فإذا كانت له كنية أمن من تلقيبه، قاله الحافظ ابن حجر: ثم قال: ولهذا قال قائلهم: بادروا أبناءكم بالكنى، قبل أن تغلب عليها الألقاب، وقالوا: الكنية للعرب كاللقب للعجم، ومن ثم كره للشخص أن يكني نفسه، إلا إن قصد التعريف. ١٨ - وجواز زيارة الرجل للمرأة الأجنبية، إذا لم تكن شابة، وأمنت الفتنة. ١٩ - وتخصيص الإمام بعض الرعية بالزيارة، ومخالطة بعض الرعية دون بعض. ٢٠ - ومشي الحاكم وحده. ٢١ - وأن كثرة الزيارة قد لا تنقص المودة، وأن قوله "زر غباً تزدد حباً" مخصوص بمن يزور للطمع، وأن النهي عن كثرة مخالطة الناس مخصوص بمن يخشى الفتنة أو الضرر. ٢٢ - وفيه جواز الممازحة، وتكرير المزح، وأن ممازحة الصبي الذي لم يميز جائزة. ٢٣ - وفيه الحكم على ما يظهر من الأمارات في الوجه، من الحزن وغيره، والاستدلال بالعين على حال صاحبها، إذ استدل ﷺ بالحزن الظاهر على الحزن الكامن، حتى حكم بأنه حزين، فسأل أمه عن حزنه. ٢٤ - وفيه التلطف بالصغير، والسؤال عن حاله. ٢٥ - وجواز لعب الصغير بالطير، وجواز ترك الأبوين ولدهما الصغير يلعب بما أبيح اللعب به. ٢٦ - وجواز إنفاق المال فيما يتلهى الصغير به من المباحات. ٢٧ - وجواز إمساك الطير في القفص ونحوه، وقص جناح الطير، إذ لا يخلو حال طير أبي عمير من واحد منهما، وأيهما كان الواقع التحق به الآخر في الحكم. ٢٨ - وفيه جواز تصغير الاسم، ولو كان لحيوان. ٢٩ - وجواز مخاطبة الصغير بما لا يفهم، خلافاً لمن قال: الحكيم لا يواجه بالخطاب إلا من يعقل ويفهم، والصواب الجواز، حيث لا يكون هناك طلب جواب، ولهذا لم يخاطبه بالسؤال عن حال، بل سأل أمه. ٣٠ - واستدل به بعض المالكية والخطابي من الشافعية على أن صيد المدينة لا يحرم، وتعقب باحتمال أنه صيد في الحل، ثم أدخل الحرم. ٣١ - وفيه جواز السجع في الكلام، إذا لم يكن متكلفاً. ٣٢ - وفيه جواز سؤال العالم بما يسأل عنه، لقوله "ما فعل النغير"؟ بعد علمه بأنه مات.

стр. 4764

٣٣ - ومن الرواية العاشرة جواز قول الإنسان لغير ابنه، ممن هو أصغر سناً منه: يا ابني، ويا بني -مصغراً- ويا ولدي، ومعناه تلطف، وإنك عندي بمنزلة ولدي في الشفقة، وكذا يقال له ولمن هو في مثل سن المتكلم: يا أخي. للمعنى الذي ذكرناه، وإذا قصد التلطف كان مستحباً، كما فعله النبي ﷺ . ٣٤ - ومن الإخبار بأن الدجال لن يضر المغيرة معجزة لرسول الله ﷺ . (إضافة) يستحب التأذين في أذن الطفل، فقد روى أبو داود والترمذي عن أبي رافع ﵁ قال: "رأيت رسول الله ﷺ أذن في أذن الحسن بن علي، حين ولدته فاطمة، بالصلاة" قال الترمذي: حديث حسن صحيح. والله أعلم

стр. 4765

(٥٨٠) باب الاستئذان، وتحريم النظر في بيت الغير ٤٩١٤ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كنت جالساً بالمدينة في مجلس الأنصار. فأتانا أبو موسى فزعاً أو مذعوراً. قلنا: ما شأنك؟ قال: إن عمر أرسل إلي أن آتيه. فأتيت بابه. فسلمت ثلاثاً. فلم يرد علي. فرجعت. فقال: ما منعك أن تأتينا؟ فقلت: إني أتيتك فسلمت على بابك ثلاثاً، فلم يردوا علي فرجعت. وقد قال رسول الله ﷺ "إذا استأذن أحدكم ثلاثاً، فلم يؤذن له فليرجع" فقال عمر: أقم عليه البينة وإلا أوجعتك. فقال أبي بن كعب: لا يقوم معه إلا أصغر القوم. قال أبو سعيد قلت: أنا أصغر القوم. قال: فاذهب به. ٤٩١٥ - وفي رواية عن يزيد بن خصيفة، بهذا الإسناد، وزاد ابن أبي عمر في حديثه: قال أبو سعيد: فقمت معه فذهبت إلى عمر فشهدت. ٤٩١٦ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كنا في مجلس عند أبي بن كعب. فأتى أبو موسى الأشعري مغضباً حتى وقف. فقال: أنشدكم الله هل سمع أحد منكم رسول الله ﷺ يقول: "الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك وإلا فارجع"؟ قال أبي: وما ذاك؟ قال: استأذنت على عمر بن الخطاب أمس ثلاث مرات، فلم يؤذن لي، فرجعت. ثم جئته اليوم، فدخلت عليه، فأخبرته أني جئت أمس، فسلمت ثلاثاً، ثم انصرفت. قال: قد سمعناك، ونحن حينئذ على شغل. فلو ما استأذنت حتى يؤذن لك؟ قال: استأذنت كما سمعت رسول الله ﷺ . قال: فوالله لأوجعن ظهرك وبطنك، أو لتأتين بمن يشهد لك على هذا. فقال أبي بن كعب: فوالله، لا يقوم معك إلا أحدثنا سناً. قم يا أبا سعيد. فقمت، حتى أتيت عمر. فقلت: قد سمعت رسول الله ﷺ يقول هذا.

стр. 4766

٤٩١٧ - عن أبي سعيد ﵁ أن أبا موسى أتى باب عمر، فاستأذن. فقال عمر: واحدة. ثم استأذن الثانية. فقال عمر: ثنتان. ثم استأذن الثالثة. فقال عمر: ثلاث. ثم انصرف. فأتبعه، فرده. فقال: إن كان هذا شيئاً حفظته من رسول الله ﷺ فها، وإلا فلأجعلنك عظة. قال أبو سعيد: فأتانا. فقال: ألم تعلموا أن رسول الله ﷺ قال: "الاستئذان ثلاث"؟ قال: فجعلوا يضحكون. قال: فقلت: أتاكم أخوكم المسلم قد أفزع تضحكون. انطلق فأنا شريكك في هذه العقوبة. فأتاه فقال: هذا أبو سعيد. ٤٩١٨ - عن عبيد بن عمير أن أبا موسى استأذن على عمر ثلاثاً. فكأنه وجده مشغولاً. فرجع. فقال عمر: ألم تسمع صوت عبد الله بن قيس. ائذنوا له. فدعي له. فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: إنا كنا نؤمر بهذا. قال: لتقيمن على هذا بينة، أو لأفعلن. فخرج، فانطلق إلى مجلس من الأنصار. فقالوا: لا يشهد لك على هذا إلا أصغرنا. فقام أبو سعيد فقال: كنا نؤمر بهذا. فقال عمر: خفي علي هذا من أمر رسول الله ﷺ . ألهاني عنه الصفق بالأسواق. ٤٩١٩ - وفي رواية عن ابن جريج، بهذا الإسناد نحوه، ولم يذكر في حديث النضر: ألهاني عنه الصفق بالأسواق. ٤٩٢٠ - عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: جاء أبو موسى إلى عمر بن الخطاب، فقال السلام عليكم. هذا عبد الله بن قيس. فلم يأذن له. فقال: السلام عليكم. هذا أبو موسى. السلام عليكم. هذا الأشعري. ثم انصرف. فقال: ردوا علي. ردوا علي. فجاء. فقال: يا أبا موسى، ما ردك؟ كنا في شغل. قال: سمعت رسول الله ﷺ "يقول الاستئذان ثلاث. فإن أذن لك، وإلا فارجع" قال: لتأتيني على هذا ببينة وإلا فعلت وفعلت. فذهب أبو موسى. قال عمر: إن وجد بينة تجدوه عند المنبر عشية. وإن لم يجد بينة فلم تجدوه. فلما أن جاء بالعشي وجدوه. قال: يا أبا موسى، ما تقول؟ أقد وجدت؟ قال: نعم. أبي بن كعب.

стр. 4767

قال: عدل. قال: يا أبا الطفيل، ما يقول هذا؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك يا ابن الخطاب، فلا تكونن عذاباً على أصحاب رسول الله ﷺ . قال: سبحان الله إنما سمعت شيئاً، فأحببت أن أتثبت. ٤٩٢١ - وفي رواية عن طلحة بن يحيى، بهذا الإسناد، غير أنه قال: فقال: يا أبا المنذر، آنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ فقال: نعم. فلا تكن يا ابن الخطاب عذاباً على أصحاب رسول الله ﷺ . ولم يذكر من قول عمر: سبحان الله، وما بعده. ٤٩٢٢ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: أتيت النبي ﷺ فدعوت. فقال النبي ﷺ "من هذا؟ " قلت: أنا. قال: فخرج وهو يقول "أنا أنا! ! ". ٤٩٢٣ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: استأذنت على النبي ﷺ . فقال "من هذا؟ " فقلت: أنا. فقال النبي ﷺ : "أنا أنا! ! ". ٤٩٢٤ - وفي رواية عن شعبة، بهذا الإسناد، وفي حديثهم: كأنه كره ذلك. ٤٩٢٥ - عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن رجلاً اطلع في جحر في باب رسول الله ﷺ . ومع رسول الله ﷺ مدرى يحك به رأسه. فلما رآه رسول الله ﷺ ، قال: "لو أعلم أنك تنتظرني لطعنت به في عينك" وقال رسول الله ﷺ "إنما جعل الإذن من أجل البصر". ٤٩٢٦ - عن سهل بن سعد الأنصاري ﵁ أن رجلاً اطلع من جحر في باب رسول

стр. 4768

الله ﷺ . ومع رسول الله ﷺ مدرى يرجل به رأسه. فقال له رسول الله ﷺ "لو أعلم أنك تنظر، طعنت به في عينك. إنما جعل الله الإذن من أجل البصر". ٤٩٢٧ - عن أنس بن مالك ﵁ أن رجلاً اطلع من بعض حجر النبي ﷺ ، فقام إليه بمشقص أو مشاقص. فكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يختله ليطعنه. ٤٩٢٨ - عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم، فقد حل لهم أن يفقئوا عينه". ٤٩٢٩ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لو أن رجلاً اطلع عليك بغير إذن، فخذفته بحصاة، ففقأت عينه، ما كان عليك من جناح". ٤٩٣٠ - عن جرير بن عبد الله ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفجاءة. فأمرني أن أصرف بصري. -[المعنى العام]- ما أروع آداب الإسلام، وما أروع حمايته لأحاسيس الفرد والمجتمع، ووقايته لحرمات البيوت، وحصانته لحرماتها، وتأمينه لساكنيها، يتمثل ذلك في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين ءامنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها﴾ [النور: ٢٧] وقوله ﷺ "إنما جعل الله الإذن من أجل البصر" وقوله ﷺ "من اطلع في بيت قوم، بغير إذنهم، فقد حل لهم أن يفقؤوا عينه" وقوله ﷺ "إذا استأذن أحدكم ثلاثاً، فلم يؤذن له، فليرجع". وقد تجلت روعة هذه الآداب في التزام الصحابة بها -رضوان الله عليهم- أجمعين، ولا تظهر روعة القوانين إلا بتطبيقها، والسير على دربها، ودقة تنفيذها، والحق يقال: كان الصحابة في سلوكهم إسلاماً بشرائعه، يمشي على الأرض، علماً وعملاً، نظراً وسلوكاً. هذا عبد الله بن قيس، أبو موسى الأشعري، الرجل اليمني، الذي هاجر إلى رسول الله ﷺ مخلصاً

стр. 4769

يعرف عمر ﵁ فضله وقدره، فيوليه الكوفة، ولصلاحه ودقته كان بطيء الإنجاز لقضايا الناس، فكانوا يقفون كثيراً على بابه، ينتظرون دورهم، فدعاه عمر، فجاء إلى بابه، فطرقه ونادى: السلام عليكم. هذا عبد الله بن قيس يستأذن، وسمعه عمر وهو مشغول بأمر مهم من أمور الدولة، من الخطر أن يقطعه، فقال في نفسه: هذا استئذان أول، فليستأذن كثيراً، حتى أفرغ من القضية التي أبحثها مع خاصتي، قال في نفسه: فليقف على بابي قليلاً، حتى يحس بالذين يقفون على بابه كثيراً، وبعد لحظة طرق الباب ثانية، ونادى: السلام عليكم. هذا أبو موسى يستأذن. قال عمر في نفسه: هذا هو الاستئذان الثاني، فلندعه حتى يكثر، وبعد لحظة طرق الباب ثالثة، ونادى: السلام عليكم. هذا الأشعري يستأذن. قال عمر في نفسه: وهذا هو الاستئذان الثالث، فماذا سيكون بعده؟ وانتظر عمر لحظات، فلم يسمع طرقاً أو نداء، فقال لمن معه: ألم نسمع صوت عبد الله بن قيس؟ افتحوا له وائذنوا له بالدخول، فتحوا الباب، فلم يجدوه، قالوا: إنه رجع وانصرف. قال: أدركوه، وردوه إلي، فاتبعوه، فلم يحصلوا عليه، وفي اليوم الثاني ذهب أبو موسى إلى عمر، فطرق الباب واستأذن، فأذن له، فدخل، قال له: ما حملك على ما صنعت أمس؟ طلبتك فلم أجدك؟ قال: جئت بالأمس، فاستأذنت ثلاثاً، فلم يؤذن لي، فانصرفت ورجعت، قال: لماذا لم تكرر الاستئذان حتى يؤذن لك؟ يا أبا موسى. اشتد عليك أن تحتبس على بابي؟ وأنا أعلم أن الناس يحتبسون على بابك؟ قال أبو موسى: أمرنا رسول الله ﷺ بما فعلت، وقال "إذا استأذن أحدكم ثلاثاً، فلم يؤذن له، فليرجع" وكان هذا الحديث قد غاب عن عمر، وخفي عليه، فخشي أن يكون الموقف الخطير قد ألجأ أبا موسى بالتخلص، أو خشي أن تتخذ الأحاديث وسيلة للتخلص من المضايق، فيلجأ ضعاف الإيمان والمنافقون لوضعها في المناسبات، فأراد حسم هذا الأسلوب، وإغلاق الباب على وضعة الحديث، فقال: يا أبا موسى. هات شاهداً يشهد بأنه سمع مثلك هذا الحديث، وإلا ضربتك على جنبك وبطنك وظهرك ضرباً موجعاً. فخرج وهو يرتجف، فدخل على مجلس من مجالس الأنصار، فزعاً مذعوراً، قالوا له: ما لك؟ فقال: هل منكم من سمع رسول الله ﷺ يقول "إذا استأذن أحدكم ثلاثاً، فلم يؤذن له فليرجع"؟ قالوا: وأي شيء في هذا؟ قال: حصل بيني وبين عمر كذا وكذا، فأخذ بعضهم ينظر إلى بعض ويضحكون، ومن أجل هذا تفزع؟ لا تخف فلن يمسك سوء. إن هذا حديث مشهور، سمعناه كلنا، قال أبي بن كعب -وهو صاحب الدار: وما كان لعمر أن يشك فيه، وينذرك هذا الإنذار، لن يشهد لك إلا أصغرنا. قم يا أبا سعيد، فاشهد لأبي موسى عند عمر. فذهب معه أبو سعيد، فشهد أنه سمعه من رسول الله ﷺ ، فقال عمر: أستغفر الله، لقد ضاعت مني أحاديث بسبب التجارة والضرب في الأسواق، والتخلف عن رسول الله ﷺ ، وقابله أبي بن كعب، فقال له: يا ابن الخطاب. لا تشتد ولا تكن عذاباً على أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا تشك فيهم وفي صدقهم، ولا تتوعدهم بمثل هذا الوعيد، قال له عمر: يا سبحان الله! ! ما أخطأت. سمعت شيئاً لم أحفظه، فأردت أن أتثبت. ماذا حصل؟ أنا لم أتهم أبا موسى بالكذب، والله إن أبا موسى لأمين على حديث رسول الله ﷺ ، ولكني أردت أن لا يتجرأ الناس على حديث رسول الله ﷺ ، وانتهت القضية بالحفاظ على أحاديث رسول الله ﷺ علماً وعملاً.

стр. 4770

-[المباحث العربية]- (كنت جالساً بالمدينة، في مجلس الأنصار) أي في مجلس جماعة من الأنصار، ففي الرواية الرابعة "إلى مجلس من الأنصار" والظاهر أنهم كانوا في بيت أبي بن كعب، وفي رواية الحميدي "إني لفي حلقة، فيها أبي بن كعب". (فأتانا أبو موسى فزعاً أو مذعوراً. قلنا: ما شأنك؟ قال ... ) في الرواية الثانية "فأتى أبو موسى الأشعري مغضباً، حتى وقف، فقال ... " وفي رواية البخاري "فجاء أبو موسى، كأنه مذعور، فقال ... ". (إن عمر أرسل إلي أن آتيه، فأتيت بابه، فسلمت ثلاثاً، فلم يرد علي، فرجعت) في رواية "فلم ترد" بضم التاء، بالبناء للمجهول، أي فلم ترد كلماتي، أي لم يردوا علي، وفي الرواية الثانية "استأذنت على عمر بن الخطاب، أمس ثلاث مرات، فلم يؤذن لي، فرجعت" وهل استأذن أبو موسى، كما في الرواية الثانية؟ أو سلم، كما في الرواية الأولى؟ أو جمع بينهما، كما في الرواية الخامسة؟ الظاهر الأخير. (فقال: ما منعك أن تأتينا؟ فقلت: إني أتيتك، فسلمت على بابك ثلاثاً، فلم يردوا علي، فرجعت، وقد قال رسول الله ﷺ "إذا استأذن أحدكم ثلاثاً، فلم يؤذن له، فليرجع) وفي الرواية الثانية "استأذنت على عمر بن الخطاب أمس ثلاث مرات، فلم يؤذن لي، فرجعت، ثم جئته اليوم، فدخلت عليه، فأخبرته أني جئت أمس، فسلمت ثلاثاً، ثم انصرفت، قال: قد سمعناك، ونحن حينئذ على شغل، فلو ما استأذنت حتى يؤذن لك؟ قال: استأذنت كما سمعت رسول الله ﷺ "لوما" بمنزلة "لولا" وهي هنا للتوبيخ والتنديم، أي هلا كررت الاستئذان، فوق الثلاث، حتى يؤذن لك؟ كان ينبغي أن تفعل ذلك، وفي الرواية الثالثة "أن أبا موسى أتى عمر، فاستأذن، فقال عمر: واحدة، ثم استأذن الثانية، فقال عمر: ثنتان، ثم استأذن الثالثة، فقال عمر: ثلاث، ثم انصرف، فأتبعه" أي أرسل خلفه "فرده" وفي الرواية الرابعة "أن أبا موسى استأذن على عمر ثلاثاً، فكأنه وجده مشغولاً، فرجع، فقال عمر: ألم تسمع صوت عبد الله بن قيس"؟ أي قال لمن معه: لقد سمعنا صوت أبي موسى، فالاستفهام إنكاري بمعنى النفي، دخل على نفي، ونفي النفي إثبات "ائذنوا له. فدعى له، فقال: ما حملك على ما صنعت، قال: إنا كنا نؤمر بهذا" وفي الرواية الخامسة "جاء أبو موسى إلى عمر بن الخطاب، فقال: السلام عليكم، هذا عبد الله بن قيس، فلم يأذن له، فقال: السلام عليكم، هذا أبو موسى. السلام عليكم، هذا الأشعري، ثم انصرف، فقال: ردوا علي، ردوا علي، فجاء، فقال: يا أبا موسى. ما ردك؟ كنا في شغل: قال: سمعت رسول الله ﷺ ..... " فذهب أبو موسى، قال عمر: إن وجد بينة تجدوه عند المنبر عشية، وإن لم يجد بينة فلم تجدوه. فلما أن جاء بالعشي وجدوه" وفي رواية للبخاري "أن أبا موسى الأشعري، استأذن على عمر بن الخطاب، فلم يؤذن له، وكأنه كان مشغولاً، فرجع أبو موسى، ففزع عمر، فقال: ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس؟ ائذنوا له، قيل: إنه رجع".

стр. 4771

وفي ظاهر هذه الروايات تغاير، فبعضها يقتضي أنه لم يرجع إلى عمر إلا في اليوم الثاني، وبعضها يفيد أنه أرسل إليه في الحال، قال الحافظ ابن حجر: ويجمع بينها بأن عمر، لما فرغ من الشغل الذي كان فيه تذكره، فسأل عنه، فأخبر برجوعه، فأرسل إليه يرده، فلم يجده الرسول في ذلك الوقت، وجاء هو إلى عمر في اليوم التالي. اهـ والتحقيق أن التغاير في هذا الحديث متعدد، ففي الرواية الأولى ما يوحي بأن عمر لم يشعر باستئذان أبي موسى حيث قال "ما منعك أن تأتينا" وفي الرواية الثانية والثالثة تصريح بأنه سمعه "قال: قد سمعناك ونحن حينئذ على شغل، فلو ما استأذنت حتى يؤذن لك"؟ وفي الروايات أن الذي شهد له أبو سعيد، وفي الرواية الخامسة أن الذي شهد له عند عمر أبي بن كعب، وأجاب الحافظ ابن حجر باحتمال أن يكون أبي بن كعب جاء بعد أن شهد أبو سعيد، فشهد، اهـ ويبعد هذا الجمع أن أبا موسى في الرواية الخامسة حينما سئل عن شاهده أجاب بأبي بن كعب، ولم يتعرض لأبي سعيد، مع أنه في الرواية الثالثة يقول: "هذا أبو سعيد" وعند البخاري في الأدب المفرد أن الذي شهد لأبي موسى عند عمر أبو سعيد الخدري أو أبو مسعود، بالشك، وفي الروايات أن أبا سعيد حدث بهذا الحديث عن النبي ﷺ ، ففي الرواية الثانية قال أبو سعيد: "قد سمعت رسول الله ﷺ يقول هذا" وفي الرابعة يقول أبو سعيد "كنا نؤمر بهذا" وقال الداودي: روى أبو سعيد حديث الاستئذان عن أبي موسى، وهو يشهد له عند عمر، فأدى إلى عمر ما قال أهل المجلس، قال: وكأنه نسي أسماءهم بعد ذلك، فحدث به عن أبي موسى وحده، لكونه صاحب القصة، وتعقبه ابن التين بأنه مخالف لما في رواية الصحيح، لأنه قال "فأخبرت عمر أن النبي ﷺ قاله" واشتد إنكار ابن عبد البر على من زعم أن هذا الحديث إنما رواه أبو سعيد عن أبي موسى، وقال: إن الذي وقع في الموطأ وهم من النقلة، لاختلاط الحديث عليهم. فالأولى أن يقال: إن هذا التغير سببه اختلاط القصة على الرواة، ويرجح بينها برواية الأوثق. والله أعلم. (فقال عمر: أقم عليه البينة، وإلا أوجعتك) أي هات شاهداً يشهد معك على صدور هذا الحديث من النبي ﷺ ، وإلا ضربتك ضرباً موجعاً، وفي الرواية الثانية "فوالله لأوجعن ظهرك وبطنك، أو لتأتين بمن يشهد لك على هذا" وفي الرواية الثالثة "إن كان هذا شيئاً حفظته من رسول الله ﷺ فها، وإلا فلأجعلنك عظة" أي فهات من يشهد لك، وفي الرواية الرابعة "لتقيمن على هذا بينة، أو لأفعلن" وفي الرواية الخامسة "لتأتيني على هذا ببينة، وإلا فعلت وفعلت"، وفي رواية "فلأجعلنك نكالاً" أي لأفعلن بك هذا الوعيد، إن تبين لي أنك كاذب متعمد. (فقال أبي بن كعب: لا يقوم معه إلا أصغر القوم) في الرواية الثانية "فقال أبي بن كعب: فوالله لا يقوم معك إلا أحدثنا سناً. قم يا أبا سعيد" وفي الرواية الرابعة "لا يشهد لك على هذا إلا أصغرنا" قال ذلك أبي بن كعب إنكاراً لموقف عمر من معاملته لصحابة رسول الله ﷺ ، يريد أن هذا الحديث مشهور بيننا، معروف لكبارنا وصغارنا، حتى إن أصغرنا يحفظه، وسمعه من رسول الله ﷺ .

стр. 4772

(ألهاني عنه الصفق بالأسواق) أي التجارة والمعاملة في الأسواق، وأصل الصفق الضرب باليد ضرباً يسمع له صوت، والصفقة ضرب اليد عند البيع علامة على إنفاذه، وتطلق على البيعة، فيقال: صفقة رابحة أو خاسرة، وفي الرواية الخامسة "سبحان الله إنما سمعت شيئاً، فأحببت أن أتثبت" وفي بعض الطرق أن عمر قال لأبي موسى: "أما إني لم أتهمك، ولكني أردت أن لا يتجرأ الناس على حديث رسول الله ﷺ " وفي رواية قال عمر لأبي موسى: "والله إن كنت لأميناً على حديث رسول الله ﷺ ، ولكن أحببت أن أتثبت" قال ابن عبد البر: يحتمل أن يكون حضر عنده من قرب عهده بالإسلام، فخشي أن أحدهم يختلق الحديث عن رسول الله ﷺ عند الرغبة والرهبة طلباً للمخرج مما يدخل فيه، فأراد أن يعلمهم أن من فعل شيئاً من ذلك، ينكر عليه حتى يأتي بالمخرج. اهـ فهو من قبيل: إياك أعني واسمعي يا جارة. (فجعلوا يضحكون) قال النووي: سبب ضحكهم التعجب من فزع أبي موسى وذعره وخوفه من العقوبة، مع أنهم قد أمنوا أن يناله عقوبة أو غيرها، لقوة حجته، وسماعهم ما أنكر عليه. (أتيت النبي ﷺ فدعوت) أي استأذنت وناديت، وفي رواية البخاري "أتيت النبي ﷺ في دين كان على أبي، فدققت الباب" وفي رواية "فضربت الباب"، وفي الرواية السابعة "استأذنت على النبي ﷺ ". (فقال النبي ﷺ : من هذا؟ قلت: أنا، فخرج وهو يقول: أنا أنا! ! ) في ملحق الرواية السابقة "كأنه كره ذلك" قال المهلب: إنما كره قول: أنا، لأنه ليس فيه بيان، إلا إن كان المستأذن ممن يعرف المستأذن عليه بصوته، ولا يلتبس بغيره، والغالب الالتباس، وقيل: إنما كره ذلك لأن جابراً لم يستأذن بلفظ السلام، وفيه نظر، لأنه ليس في سياق حديث جابر أنه طلب الدخول، وإنما جاء في حاجته، فدق الباب، ليعلم النبي ﷺ بمجيئه، فلذلك خرج له، وقال الداودي: إنما كرهه لأنه أجابه بغير ما سأله عنه، لأنه لما ضرب الباب عرف أن هناك ضارباً، فلما قال: "أنا" كأنه أعلمه أن هناك ضارباً، فلم يزده على ما عرف من ضرب الباب، قال الخطابي: وكان حق الجواب أن يقال: أنا جابر، ليقع تعريف الاسم الذي وقعت المسألة عنه، وذكر ابن الجوزي أن السبب في كراهة قول "أنا" أن فيها نوعاً من الكبر، كأن قائلها يقول: أنا الذي لا أحتاج أن أذكر اسمي ولا نسبي، وتعقب بأن هذا لا يتأتى في حق جابر، في مثل هذا المقام، وبأنه لو كان ذلك كذلك لعلمه، لئلا يستمر عليه ويعتاده. (أن رجلاً اطلع في جحر، في باب رسول الله ﷺ وفي الرواية العاشرة "أن رجلاً اطلع من بعض جحر النبي ﷺ " "جحر" بضم الجيم وسكون الحاء، وهو كل ثقب مستدير، في أرض أو حائط، و"حجر" بضم الحاء وفتح الجيم، جمع حجرة، وهي ناحية البيت، ووقع في رواية "من جحر في حجرة النبي ﷺ " بالإفراد. (ومع رسول الله ﷺ مدرى، يحك به رأسه) "المدرى" بكسر الميم وسكون الدال وفتح الراء، مقصور، حديدة يسوي بها شعر الرأس، وقيل: هو شبه المشط، وقيل: أعواد تحدد، تجعل شبه المشط، وقيل: هو عود تسوي به المرأة شعرها، وجمعه "مدارى" ويقال في الواحد "مدراة" أيضاً، و"مدراية" أيضاً، يقال: تدريت بالمدرى، والمدرى تذكر وتؤنث، وفي رواية للبخاري "يحك بها رأسه" وفي

стр. 4773

روايتنا التاسعة "يرجل به رأسه" وهذا يؤيد من قال: إنه مشط، أو يشبه المشط، ولا منافاة بين "يحك" و"يرجل" إذ كان يحك ويرجل. (لو أعلم أنك تنظرني لطعنت به في عينك) وفي الرواية التاسعة "لو أعلم أنك تنظر طعنت به في عينك" قال النووي: هكذا في بعض النسخ "تنظرني" وفي أكثر النسخ "تنتظرني" قال القاضي: "تنتظرني" رواية الجمهور، والصواب "تنظرني" ويحمل الأول عليه. (إنما جعل الإذن من أجل البصر) في الرواية التاسعة "إنما جعل الله الإذن من أجل البصر" معناه أن الاستئذان مشروع ومأمور به، لئلا يقع البصر على الحرام، فلا يحل لأحد أن ينظر في ثقب باب ولا غيره، مما يعرض البصر للوقوع على محرم، وفي رواية "إنما جعل الإذن من قبل البصر" بكسر القاف وفتح الباء، أي من جهة البصر. (فقام إليه بمشقص أو مشاقص) المشقص بكسر الميم وسكون الشين وفتح القاف نصل السيف، إذا كان طويلاً غير عريض، وقيل: هو نصل عريض للسهم، والشك من الراوي، هل قال شيخه، بالإفراد أو بالجمع. (فكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يختله، ليطعنه) "يختله" بفتح الياء وسكون الخاء وكسر التاء، أي يراوغه ويستغفله ليطعنه، وطعن يطعن من باب فتح، وكتب، قال النووي: وضم العين في المضارع أشهر، وفي رواية البخاري "فكأني أنظر إليه، يختل الرجل ليطعنه". (لو أن رجلاً اطلع عليك بغير إذن فخذفته بحصاة، ففقأت عينه، ما كان عليك من جناح) "فخذفته" بالخاء والذال، يقال: خذفه بالحصاة، أي رماه بها، بأن جعل الحصاة بين إصبعيه ورمى بها، وحذفه بالحاء رماه وضربه، والجناح هنا الحرج، وعند أبي عاصم "ما كان عليك من حرج" وفي رواية له "ما كان عليك من ذلك شيء" وحمل بعضهم الجناح هنا على الإثم، ليرتب عليه وجوب الدية، إذ لا يلزم من رفع الإثم رفع الدية، وسيأتي تفصيل المسألة في فقه الحديث. (عن نظر الفجاءة) بضم الفاء وفتح الجيم وبالمد، ويقال بفتح الفاء وإسكان الجيم والقصر، لغتان، وهي البغتة، ومعنى نظر الفجأة أن يقع بصره على الأجنبية من غير قصد. (فأمرني أن أصرف بصري) أي لا أديم نظرة الفجاءة لحظة أخرى. -[فقه الحديث]- قال النووي: أجمع العلماء على أن الاستئذان مشروع، وتظاهرت به دلائل القرآن والسنة وإجماع الأمة. قال: والسنة أن يسلم ويستأذن ثلاثاً، فيجمع بين السلام والاستئذان، كما صرح به في القرآن. اهـ فقد قال تعالى: ﴿يا أيها الذين ءامنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها﴾ [النور: ٢٧] أي حتى تستأذنوا وتسلموا، فجمعت الآية بينهما، والمراد من الاستئذان ما يدل على

стр. 4774

طلب الإذن صريحاً والمشهور في ذلك لفظ "أأدخل"؟ وجوز أن يكون بما يفهم منه ذلك مطلقاً، وجعلوا منه التسبيح والتكبير ونحوهما، مما يحصل به إيذان أهل البيت، فقد روي عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أنه قال: قلنا: يا رسول الله، ما الاستئناس؟ فقال: "يتكلم الرجل بالتسبيحة والتكبيرة والتحميدة، يتنحنح، يؤذن أهل البيت" ثم قال النووي: واختلفوا في أنه هل يستحب تقديم السلام على الاستئذان؟ أو تقديم الاستئذان على السلام؟ والصحيح الذي جاءت به السنة، وقاله المحققون أنه يقدم السلام، فيقول: السلام عليكم، أأدخل؟ . والقول الثاني: يقدم الاستئذان، والثالث، وهو اختيار الماوردي من أصحابنا، التفصيل: إن وقعت عين المستأذن على صاحب المنزل قبل دخوله، قدم السلام، وإلا قدم الاستئذان، وصح عن النبي ﷺ حديثان، في تقديم السلام. اهـ بل أكثر من حديثين فقد أخرج الترمذي عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "السلام قبل الكلام" وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري في الأدب المفرد، عن أبي هريرة، فيمن يستأذن قبل أن يسلم، قال: "لا يؤذن له حتى يسلم" وأخرج ابن أبي شيبة، وابن وهب في كتاب المجالس، عن زيد بن أسلم قال: أرسلني أبي إلى ابن عمر ﵄ فجئته، فقلت: أألج؟ فقال: ادخل، فلما دخلت قال: مرحباً يا ابن أخي. لا تقل: أألج؟ ولكن قل: السلام عليكم، فإذا قيل: وعليك، فقل: أأدخل؟ فإذا قالوا: ادخل فادخل" وأخرج قاسم بن أصبغ وابن عبد البر في التمهيد, عن ابن عباس ﵄ قال: "استأذن عمر على النبي ﷺ ، فقال: السلام على رسول الله. السلام عليكم. أيدخل عمر"؟ . والحكمة في الاستئذان أن المستأذن لو دخل بغير إذن لرأى بعض ما يكره، واطلع على ما لم يحب صاحب البيت الاطلاع عليه، قال الحافظ ابن حجر: وقد ورد التصريح بذلك فيما أخرجه البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي وحسنه من حديث ثوبان، رفعه "لا يحل لامرئ مسلم أن ينظر إلى جوف بيت حتى يستأذن، فإن فعل فقد دخل" أي صار في حكم الداخل. اهـ وروايتانا الثامنة والتاسعة توضحان الحكمة صراحة، وفيهما "إنما جعل الإذن من أجل البصر" وأخرج الطبراني عن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ ، قال "من كان يشهد أني رسول الله فلا يدخل على أهل بيت، حتى يستأذن ويسلم، فإذا نظر في قعر البيت، فقد دخل". وفي الكشاف: إنما شرع الاستئذان لئلا يقف على الأحوال التي يطويها الناس في العادة عن غيرهم، ويتحفظون من اطلاع أحد عليها، ولم يشرع لئلا يطلع الداخل على العورة فقط، ولا إلى ما لا يحل النظر إليه فقط، وعليه فقوله ﷺ "إنما جعل الاستئذان من أجل النظر" خارج مخرج الغالب، فعلى الأعمى أن يستأذن، كراهة اطلاعه -بواسطة السمع أو غيره على ما لا يحب أهل البيت أن يطلع عليه. وظاهر الآية مشروعية الاستئذان إذا أريد الدخول على المحارم، وقد أخرج مالك في الموطأ، عن عطاء بن يسار "أن رجلاً قال للنبي ﷺ : أأستأذن على أمي؟ قال: نعم. قال: ليس لها خادم غيري؟ أأستأذن عليها كلما دخلت؟ قال: أتحب أن تراها عريانة؟ قال الرجل: لا قال: فاستأذن عليها".

стр. 4775

وسأل رجل حذيفة "أستأذن على أمي؟ قال: إن لم تستأذن عليها رأيت ما تكره" والاستئذان أيضاً مشروع للنساء، إذا أردن الدخول على نساء، والحكمة حماية أسرار أهل البيت من أن يطلع عليها من لا يحبن الاطلاع عليها. وهل يحتاجه المرء في دخوله منزله الذي لا يسكنه غيره؟ قيل: لا، لفقد العلة التي من أجلها شرع الاستئذان، وقيل: إن احتمل أن يتجدد فيه ما يحتاج معه إلى الإذن شرع له. والحكمة في كون الاستئذان ثلاثاً جاءت في حديث أخرجه البيهقي في الشعب وابن أبي حاتم عن قتادة أنه قال: "كان يقال: الاستئذان ثلاث، أما الأولى فليسمع أهل البيت، وأما الثانية فليأخذوا حذرهم ويستعدوا، وأما الثالثة فإن شاءوا أذنوا، وإن شاءوا لم يأذنوا". واختلف العلماء في الزيادة على الثلاث، قال ابن عبد البر: فذهب أكثر أهل العلم إلى أنه لا تجوز الزيادة على الثلاث، وقال بعضهم: إذا لم يسمع فلا بأس أن يزيد، وروي عن مالك لا أحب أن يزيد على الثلاث إلا من علم أنه لم يسمع، قال الحافظ ابن حجر: وهو الأصح عند الشافعية. قال ابن عبد البر: وقيل: تجوز الزيادة مطلقاً، بناء على أن الأمر بالرجوع بعد الثلاث للإباحة والتخفيف عن المستأذن، فمن استأذن أكثر فلا حرج عليه، قال النووي: إذا استأذن ثلاثاً، فلم يؤذن له، وظن أنه لم يسمعه، ففيه ثلاثة مذاهب: أشهرها أنه ينصرف، ولا يعيد الاستئذان، والثاني يزيد فيه، والثالث إن كان بلفظ الاستئذان المتقدم لم يعده، وإن كان بغيره أعاده، فمن قال بالأظهر، فحجته قوله ﷺ في هذا الحديث "فلم يؤذن له فليرجع" ومن قال بالثاني حمله على من علم، أو ظن أنه سمعه، فلم يأذن. -[ويؤخذ من أحاديث الباب فوق ما تقدم]- ١ - من أحاديث أبي موسى وعمر ﵄ أخذ بعضهم أنه لا يحتج بخبر الواحد، وزعم أن عمر ﵁ رد حديث أبي موسى هذا، لكونه خبر واحد. قال النووي: وهذا مذهب باطل، وقد أجمع من يعتد به على الاحتجاج بخبر الواحد، ووجوب العمل به، ودلائله من فعل رسول الله ﷺ والخلفاء الراشدين وسائر الصحابة ومن بعدهم أكثر من أن تحصر. قال: وأما قول عمر لأبي موسى: أقم عليه البينة، فليس معناه رد خبر الواحد، من حيث هو خبر الواحد، ولكن خاف عمر مسارعة الناس إلى القول على النبي ﷺ ، حتى يتقول عليه بعض المبتدعين أو الكاذبين أو المنافقين ونحوهم ما لم يقل، وأن كل من وقعت له قضية وضع فيها حديثاً على النبي ﷺ ، فأراد سد الباب، خوفاً من غير أبي موسى، لا شكاً في رواية أبي موسى، فإنه عند عمر أجل من أن يظن به أن يحدث عن النبي ﷺ ما لم يقل، بل أراد زجر غيره بطريقه، فإن من دون أبي موسى، إذا رأى هذه القضية، أو بلغته، وكان في قلبه مرض، أو أراد وضع حديث، خاف من مثل قضية أبي موسى، فامتنع من وضع الحديث والمسارعة إلى الرواية بغير يقين، ومما يدل على أن عمر لم يرد رد خبر أبي موسى لكونه خبر واحد أنه طلب منه إخبار رجل آخر، حتى يعمل بالحديث، ومعلوم أن خبر الاثنين خير من خبر واحد، وكذا ما زاد، حتى يبلغ التواتر، فما لم يبلغ التواتر فهو خبر واحد، ومما يؤيده أيضاً ما ذكره مسلم في الرواية الخامسة

стр. 4776

"أن أبيا ﵁ قال: يا ابن الخطاب فلا تكونن عذاباً على أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال: سبحان الله! ! إنما سمعت شيئاً، فأحببت أن أتثبت". اهـ وقال الحافظ ابن حجر: وقد استشكل ابن العربي إنكار عمر على أبي موسى حديثه المذكور، مع كونه وقع له مثل ذلك، مع النبي ﷺ ، وذلك في حديث ابن عباس الطويل، في هجر النبي ﷺ نساءه في المشربة، فإن فيه أن عمر استأذن مرة بعد مرة، فلما لم يؤذن له في الثالثة رجع، حتى جاءه الإذن، قال: والجواب عن ذلك أنه لم يقض فيه بعلمه، أو لعله نسي ما كان وقع له، ويؤيده قوله "شغلني الصفق بالأسواق" قال الحافظ ابن حجر: والصورة التي وقعت لعمر ليست مطابقة لما رواه أبو موسى، بل استأذن في كل مرة، فلم يؤذن له، فرجع، فلما رجع في الثالثة استدعى، فأذن له. ٢ - واستدل به من ادعى أن خبر العدل بمفرده لا يقبل، حتى ينضم إليه غيره، كما في الشهادة، قال ابن بطال: وهو خطأ من قائله، وجهل بمذهب عمر، فقد جاء في بعض طرقه أن عمر قال لأبي موسى: أما إني لم أتهمك، ولكن أردت أن لا يتجرأ أحد على الحديث عن رسول الله ﷺ . ٣ - أخذ منه الجمهور التثبت من خبر الواحد، لما يجوز عليه من السهو وغيره. ٤ - ويؤخذ منه أن لصاحب البيت -إذا سمع الاستئذان- أن لا يأذن، سواء سلم مرة أو مرتين أو ثلاثاً، إذا كان في شغل له، ديني أو دنيوي، أو كان له مقصد صحيح في عدم الإذن، فقد قيل: إن عمر ﵁ تعمد أن يقف أبو موسى على بابه طويلاً، إيلاماً له، وتأديباً، لما بلغه أن أبا موسى يحبس الناس على بابه، في حال إمرته، وقد كان عمر استخلفه على الكوفة، فعند البخاري في الأدب المفرد "فقال عمر: يا عبد الله اشتد عليك أن تحتبس على بابي؟ اعلم أن الناس كذلك، يشتد عليهم أن يحتبسوا على بابك". ٥ - وفيه أن العالم المتبحر، قد يخفى عليه من العلم ما يعلمه من هو دونه، ولا يقدح ذلك في وصفه بالعلم والتبحر فيه. ٦ - ومن ضحكهم في الرواية الثالثة أن من تحقق من براءة الشخص مما يخشى منه، وأنه لا يناله بسبب ذلك مكروه، له أن يمازحه، ولو كان قبل إعلامه بما يطمئن به خاطره مما هو فيه، لكن بشرط أن لا يطول الفصل، لئلا يكون سبباً في طول تأذي الغير. ٧ - ومن إنكار أبي سعيد لضحكهم المبادرة إلى إزالة ما يقع من الهم بالممازحة. ٨ - استدل بالرواية الرابعة، بعبارة "إنا كنا نؤمر بهذا" أن قول الصحابي مثل ذلك يحمل على الرفع، ويقوي ذلك إذا ساقه مساق الاستدلال. ٩ - ومن قول عمر "ألهاني عنه الصفق بالأسواق" في الرواية الرابعة إطلاق اللهو على الاشتغال بالتجارة، لأنها ألهته عن طول ملازمته النبي ﷺ ، حتى سمع غيره منه ما لم يسمعه، وأصل اللهو في اللغة ما يلهي، سواء كان حراماً أو حلالاً، وفي الشرع ما يحرم فقط. ١٠ - ومن حالة أبي موسى بعد إنذاره من عمر رهبة الصحابة من عمر ﵃ أجمعين.

стр. 4777

١١ - ومن قول أبي بن كعب لعمر: "فلا تكونن عذاباً على أصحاب رسول الله ﷺ " في الرواية الخامسة قوة الصحابة في الحق، ولو في نصح عمر ﵃ أجمعين. ١٢ - ومن الرواية السادسة والسابعة كراهة قول "أنا" في جواب "من"؟ قال النووي: الكراهة لهذا الحديث ولأنه لا يحصل بقوله "أنا" فائدة. بل ينبغي أن يقول: فلان، باسمه، ولا بأس أن يقول: أنا أبو فلان، أو أنا القاضي فلان، أو أنا الشيخ فلان، إذا لم يحصل التعريف بالاسم المجرد، قال: والأحسن أن يقول: أنا فلان، المعروف بكذا. ١٣ - ومن الرواية الثامنة والتاسعة استحباب الترجيل قال النووي: قال العلماء: فالترجيل مستحب للنساء مطلقاً، وللرجل بشرط ألا يفعله كل يوم، أو كل يومين، ونحو ذلك. اهـ وهو غير مسلم، ولا دليل له. ١٤ - وجواز استعمال المدرى. ١٥ - وإبقاء شعر الرأس وتربيته، واتخاذ آلة يزيل بها عنه الهوام، ويحك بها لدفع الوسخ. ١٦ - ومشروعية الاستئذان على من يكون في بيت مغلق الباب. ١٧ - ومنع التطلع عليه من خلل الباب. ١٨ - قال الحافظ ابن حجر: وفيه دليل على جواز رمي من يتجسس، ولو لم يندفع بالشيء الخفيف جاز بالثقيل، وأنه إن أصيب نفسه أو بعضه فهو هدر، وذهب المالكية إلى القصاص وأنه لا يجوز قصد العين ولا غيرها، واعتلوا بأن المعصية لا تدفع بالمعصية، وأجاب الجمهور بأن المأذون فيه -إذا ثبت الإذن- لا يسمى معصية، وإن كان الفعل لو تجرد عن هذا السبب يعد معصية، وقد اتفقوا على جواز دفع الصائل، ولو أتى على نفس المدفوع، وهو بغير السبب المذكور معصية، فهذا ملحق به، مع ثبوت النص فيه. وأجابوا عن الحديث بأنه ورد على سبيل التغليظ والإرهاب، قال بعضهم: لعل مالكاً لم يبلغه الحديث. ثم قال: وهل يشترط الإنذار قبل الرمي؟ وجهان، وأصحهما لا، لقوله في الرواية العاشرة "يختله" وقال: وفي حكم المتطلع من خلل الباب الناظر من فتحة في الدار، وكذا من وقف في الشارع، فنظر إلى حريم غيره، أو إلى شيء في دار غيره، وقيل: المنع مختص بمن كان في ملك المنظور إليه. ثم قال: وهل يلتحق الاستماع بالنظر؟ وجهان، الأصح لا، لأن النظر إلى العورة أشد من استماع ذكرها، وشرط القياس المساواة، أو أولوية المقيس، وهنا بالعكس. ١٩ - قال الحافظ ابن حجر: واستدل به على اعتبار قدر ما يرمى به بحصي الخذف، المقدم بيانها في كتاب الحج، لقوله في حديث الباب "فخذفته" فلو رماه بحجر يقتل، أو سهم، تعلق به القصاص، وفي وجه: لا ضمان مطلقاً، ولو لم يندفع إلا بذلك جاز.

стр. 4778

ثم قال: ولو قصر صاحب الدار، بأن ترك الباب مفتوحاً، وكان الناظر مجتازاً، فنظر غير قاصد، لم يجز رميه، فإن تعمد النظر فوجهان، أصحهما لا. قال: ويلتحق بهذا من نظر من سطح بيته، ففيه الخلاف. ٢٠ - واستدل بقوله "إنما جعل الإذن من أجل البصر" في الروايتين الثامنة والتاسعة على مشروعية القياس والعلل، فإنه دل على أن التحريم والتحليل يتعلق بأشياء، متى وجدت في شيء وجب الحكم عليه. ٢١ - ومن الرواية الثالثة عشرة أن من وقع منه النظر من غير قصد لا حرج عليه، وأن النهي إنما هو عن النظر المتعمد، وعن إطالة النظر الذي كان من غير قصد، فقد قال ﷺ لعلي ﵁ "لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى، وليست لك الثانية". ٢٢ - قال القاضي: وفي هذا الحديث حجة أنه لا يجب على المرأة أن تستر وجهها في طريقها، وإنما ذلك سنة مستحبة لها، ويجب على الرجال غض البصر عنها في جميع الأحوال، إلا لغرض صحيح شرعي، كما في حالة الشهادة والمداواة وإرادة الخطبة أو المعاملة بالبيع والشراء ونحو ذلك، وإنما يباح في جميع هذا قدر الحاجة، دون ما زاد. والله أعلم

стр. 4779

كتاب السلام

стр. 4780

(٥٨١) باب يسلم الراكب على الماشي والقليل على الكثير ٤٩٣٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير". -[المعنى العام]- شرع الله السلام بين عباده ليستأنسوا، فلا يستوحش مسلم من مسلم، ولينمو الود، وتزداد المحبة والتآلف، وقد بين ﷺ المطالب بالبدء بالسلام، لئلا يكون للناس حجة، ولئلا يلقي بعضهم التبعة على بعض، ولئلا يتكاسل البعض في انتظار ابتداء البعض، فقال: ليبدأ الصغير سناً بالسلام على الكبير، والمار ماشياً أو راكباً على القاعد والمضطجع، والقليل عدداً على الكثير. وكانوا يقولون في الجاهلية: أنعم صباحاً، وأنعم مساء، فلما جاء الإسلام نهوا عن ذلك، وأبدلهم الله السلام تحية بينهم، والسلام تحية الملائكة، قال تعالى: ﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب* سلام عليكم﴾ [الرعد: ٢٤] وهو تحية الله لأنبيائه، قال تعالى ﴿سلام على نوح في العالمين﴾ [الصافات: ٧٩] وهو تحية أهل الجنة بعضهم لبعض قال تعالى ﴿وتحيتهم فيها سلام﴾ [يونس: ١٠]. -[المباحث العربية]- (يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير) وفي رواية للبخاري "يسلم الصغير على الكبير، والمار على القاعد" والمار أعم من أن يكون راكباً، أو ماشياً، وعند الترمذي وصححه، والنسائي وصحيح ابن حبان "يسلم الفارس على الماشي، والماشي على القائم" والقائم هذا أعم من أن يكون جالساً أو واقفاً أو متكئاً أو مضطجعاً، وسيأتي تفصيل الصور والأحكام في فقه الحديث. -[فقه الحديث]- يمكن حصر نقاط الحديث في خمس نقاط: ١ - حكم إلقاء السلام، والرد عليه. ٢ - لفظهما المطلوب شرعاً، وحكم ألفاظ التحيات الجارية.

стр. 4781

٣ - المواطن التي لا يشرع فيها السلام، بدءاً، ورداً. ٤ - المطالبون بالبدء بالسلام، وحكمة مطالبتهم بالبدء. ٥ - متفرقات. ١ - فحكم إلقاء السلام وإفشائه سنة عينية للواحد، سنة كفائية للجماعة، على من يعرف، وعلى من لا يعرف، وقد سبق في كتاب الإيمان، في باب إطعام الطعام وإفشاء السلام "وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف". نعم ذكر الماوردي: أن من مشي في الشوارع المطروقة والسوق، لا يطلب منه أن يسلم إلا على بعض من لقي، لأنه لو سلم على الكل لتشاغل عن المهم الذي خرج من أجله، ولشغل الناس عن مصالحهم، ولخرج بذلك عن العرف والمألوف، قال الحافظ ابن حجر: ولا يعكر على هذا ما أخرجه البخاري في الأدب المفرد عن الطفيل بن أبي بن كعب، قال: "كنت أغدو مع ابن عمر إلى السوق، فلا يمر على بياع، ولا على أحد، إلا سلم عليه، فقلت: ما تصنع بالسوق؟ وأنت لا تقف على البيع؟ ولا تسأل عن السلع؟ قال: إنما نغدو من أجل السلام على من لقينا" لأن مراد الماوردي من خرج في حاجة له، فتشاغل عنها بما ذكر، والأثر المذكور ظاهر في أنه خرج لقصد تحصيل ثواب السلام. اهـ وربما كانت هذه الحالة خاصة بابن عمر وأمثاله، ممن يتبرك بهم وبالسلام عليهم وبرؤيتهم والقرب منهم، ويحتمل أنهم -أو أكثرهم- كانوا ممن يعرفونه ويعرفهم، ويعتزون به، ويعتز بهم، وكلام الماوردي عن الطرق العامة في المدن الكبرى، وفي الأسواق الكبيرة الجامعة، فحالة ابن عمر تصلح في شوارع القرية الصغيرة، وفي سوقها المتواضع، دون المدن والأسواق الكبيرة. وكذلك الأمر إذا دخل الشخص مجلساً، فيه جمع كبير، مئات أو آلاف، لا يطلب منه أن يسلم عليهم واحداً واحداً، بل إن كان الجمع قليلاً، يعمهم سلام واحد، فسلم، كفاه، ولو كان الجمع كثيراً، لا يعمهم سلام واحد، سلم عند دخوله على من شاهدهم، وهل يستحب أن يسلم على من جلس عندهم، ممن لم يسمعه؟ وجهان. ويدخل في عموم إفشاء السلام، السلام على النفس لمن دخل مكاناً ليس فيه أحد، لقوله تعالى: ﴿فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم﴾ [النور: ٦١] ولأن المكان لا يخلو من مخلوقات الله، من ملائكة وجن وغير ذلك، وقد أخرج البخاري في الأدب المفرد وابن أبي شيبة بسند حسن، عن ابن عمر "فيستحب إذا لم يكن أحد في البيت أن يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين". ويدخل في عموم إفشاء السلام أيضاً من مر على من ظن أنه إذا سلم عليه لا يرد عليه، فإنه يشرع له السلام، ولا يتركه لهذا الظن، لأنه قد يخطئ، قال النووي: وأما قول من لا تحقيق عنده أن ذلك يكون سبباً لتأثيم الآخر، فهو غباوة، لأن المأمورات الشرعية لا تترك بمثل هذا، ولو أعلمنا هذا لبطل إنكار كثير من المنكرات، ورجح ابن دقيق العيد في شرح الإلمام المقالة التي زيفها النووي، وقال: إن توريط المسلم في المعصية أشد من ترك مصلحة السلام عليه، ولا سيما وامتثال إفشاء السلام قد حصل مع غيره. ويدخل في عموم إفشاء السلام أيضاً عدم تخصيص أحد الحاضرين بالسلام، ففي التخصيص ما يوقع الغير في الاستيحاش، وقد أورد الطحاوي في مشكل الآثار حديث أبي ذر، في قصة إسلامه،

стр. 4782

وفيه "فانتهيت إلى النبي ﷺ -وقد صلى هو وصاحبه- فكنت أول من حياه بتحية الإسلام" قال الطحاوي: وهذا لا ينافي حديث ابن مسعود في ذم السلام للمعرفة، لاحتمال أن يكون أبو ذر سلم على أبي بكر قبل ذلك، أو لأن حاجته كانت عند النبي ﷺ ، دون أبي بكر، قال الحافظ ابن حجر: والاحتمال الثاني لا يكفي في تخصيص السلام، وأقرب منه أن يكون ذلك قبل تقرير الشرع بتعميم السلام، ويحتمل أن يكون أبو بكر توجه بعد الصلاة إلى منزله، ودخل النبي ﷺ منزله، فدخل عليه أبو ذر، وهو وحده، ويؤيده ما أخرجه مسلم والبخاري في قصة إسلام أبي ذر "أنه قام يلتمس النبي ﷺ ، ولا يعرفه، ويكره أن يسأل عنه، فرآه علي، فعرف أنه غريب، فاستتبعه -أي عرف حاجته، فطلب منه أن يتبعه إليه- حتى دخل به على النبي ﷺ ، فأسلم". ويدخل في عموم إفشاء السلام أيضاً سلام الرجال على النساء، وسلام النساء على الرجال، والجمهور على جوازه، عند أمن الفتنة، فعند البخاري عن سهل ﵁، قال: "كنا نفرح يوم الجمعة، قيل لسهيل: ولم؟ قال: كانت لنا عجوز، تأخذ من أصول السلق، فتطرحه في قدر، وتكركر حبات من شعير، فإذا صلينا الجمعة انصرفنا، ونسلم عليها، فتقدمه إلينا، فنفرح من أجله" وعنده أيضا "قال رسول الله ﷺ "يا عائشة، هذا جبريل يقرأ عليك السلام. قالت: وعليه السلام ورحمة الله. ترى ما لا نرى". وجبريل ﵇ كان يأتي في صورة رجل، وفي مسلم حديث أم هانئ "أتيت النبي ﷺ ، وهو يغتسل، فسلمت عليه" وعند الترمذي وحسنه حديث أسماء بنت يزيد "مر علينا النبي ﷺ في نسوة، فسلم علينا" قال الحليمي: كان النبي ﷺ للعصمة مأموناً من الفتنة، فمن وثق من نفسه بالسلامة فليسلم، وإلا فالصمت أسلم. وفرق المالكية بين الشابة والعجوز، فأجازوا السلام على العجوز، ومنعوا السلام على الشابة، سداً للذرائع، وحجتهم حديث سهل الماضي قريباً، فإنها كانت عجوزاً. ومنع ربيعة سلام الرجال على النساء، وسلام النساء على الرجال مطلقاً، ويستند إلى ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن يحيى بن أبي كثير "بلغني أنه يكره أن يسلم الرجال على النساء، والنساء على الرجال" قال الحافظ ابن حجر: وهو مقطوع أو معضل. وقال الكوفيون: لا يشرع للنساء ابتداء السلام على الرجال، لأنهن منعن من الأذان والإقامة والجهر بالقراءة، قالوا: ويستثنى المحرم، فيجوز لها السلام على محارمها، وتعقب بأن الرجال الذين كانوا يزورون المرأة بعد الجمعة وتطعمهم في حديث سهل، لم يكونوا من محارمها. وقال المتولي: السلام على الأجنبية، إن كانت جميلة، يخاف الافتتان بها لم يشرع السلام، لا ابتداء، ولا جواباً، ولو ابتدأ أحدهما كره للآخر الرد، وإن كانت عجوزاً، لا يفتتن بها جاز. ولو اجتمع في المجلس رجال ونساء جاز السلام من الجانبين عند أمن الفتنة. وهذا كله عن السلام مشافهة، دون مصافحة، وسيأتي الكلام عنها. ويدخل في عموم إفشاء السلام أيضاً السلام على الصبيان، وسيأتي في مسلم عما قريب عن أنس ﵁ "أن رسول الله ﷺ مر على غلمان، فسلم" قال النووي: فيه استحباب السلام على الصبيان

стр. 4783

المميزين، وقد اتفق العلماء على استحباب السلام على الصبيان، ولو سلم على رجال وصبيان، فرد السلام صبي منهم، هل يسقط فرض الرد عن الرجال؟ فيه وجهان لأصحابنا، أصحهما يسقط، ومثله الخلاف في صلاة الجنازة، هل يسقط فرضها بصلاة الصبي؟ الأصح سقوطه، ونص عليه الشافعي، ولو سلم الصبي على رجل لزم الرجل رد السلام، وهذا هو الصواب الذي أطبق عليه الجمهور، وقال بعض أصحابنا: لا يجب، وهو ضعيف أو غلط. وهل يدخل في عموم إفشاء السلام السلام على الكافرين؟ ذهبت طائفة إلى جواز بدئهم بالسلام، فأخرج الطبري من طريق ابن عيينة، قال: يجوز ابتداء الكافر بالسلام، لقوله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين﴾ [الممتحنة: ٨] وقول إبراهيم لأبيه ﴿سلام عليك﴾ [مريم: ٤٧] وأخرج ابن أبي شيبة عن عون بن عبد الله عن محمد بن كعب، أنه سأل عمر بن عبد العزيز عن ابتداء أهل الذمة بالسلام، فقال: نرد عليهم ولا نبدؤهم. قال عون لمحمد بن كعب: فكيف تقول أنت؟ قال: ما أرى بأساً أن نبدأهم. قلت: لم؟ قال؟ لقوله تعالى: ﴿فاصفح عنهم وقل سلام﴾ [الزخرف: ٨٩] وقال البيهقي: عن أبي أمامة أنه كان يسلم على كل من لقيه، فسئل عن ذلك، فقال: إن الله جعل السلام تحية لأمتنا، وأماناً لأهل ذمتنا. وقال النووي: روي جواز ابتدائنا لهم بالسلام عن ابن عباس وأبي أمامة وابن أبي محيريز، وهو وجه لبعض أصحابنا، حكاه الماوردي، لكنه قال: يقول: السلام عليك، ولا يقول: عليكم بالجمع، واحتج هؤلاء بعموم الأحاديث، وبإفشاء السلام، وهي حجة باطلة، لأنه عام مخصوص، بحديث "لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه" أخرجه مسلم وسيأتي قريباً، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد، وأخرج النسائي "أن النبي ﷺ قال: "إني راكب غداً إلى اليهود، فلا تبدءوهم بالسلام" ثم قال النووي: وقال بعض أصحابنا: يكره ابتداؤهم بالسلام، ولا يحرم، وهذا ضعيف أيضاً، لأن النهي للتحريم، فالصواب تحريم ابتدائهم. اهـ ويجيب المانعون على أدلة المجوزين بأن العموم في الأحاديث مخصوص، وأن قوله تعالى ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم﴾ ليس صريحاً في رخصة السلام، وأن قول إبراهيم لأبيه ليس القصد منه سلام التحية، بل القصد منه المتاركة والمباعدة، وصرح بعض السلف بأن قوله تعالى ﴿فاصفح عنهم وقل سلام﴾ نسخت بآية القتال، وللطبري رأي يحاول به الجمع والتوسط بين الرأيين، فيقول: لا مخالفة بين حديث أسامة في سلام النبي ﷺ على الكفار، حيث كانوا مع المسلمين، وبين حديث أبي هريرة "لا تبدءوا اليهود ولا النصارى" في النهي عن السلام على الكفار، لأن حديث أبي هريرة عام، وحديث أسامة خاص، فيختص حديث أبي هريرة بما إذا كان الابتداء لغير سبب ولا حاجة، من حق الصحبة أو حق المجاورة، أو حق المكافأة، أو نحو ذلك، قال النووي: وحكى القاضي عن جماعة أنه يجوز ابتداؤهم بالسلام لضرورة أو حاجة أو سبب، وهو قول علقمة والنخعي. اهـ وقيل في المراد من حديث أبي هريرة منع ابتدائهم بالسلام المشروع، فأما لو سلم عليهم بلفظ يقتضي خروجهم عنه، كأن يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فهو جائز، كما كتب النبي ﷺ إلى هرقل وغيره "سلام على من اتبع الهدى" وأخرج عبد الرزاق عن قتادة قال: السلام على

стр. 4784

أهل الكتاب إذا دخلت عليهم بيوتهم: السلام على من اتبع الهدى. وأخرج ابن أبي شيبة عن محمد بن سيرين "إذا سلمت على المشركين فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فيحسبون أنك سلمت عليهم، وقد صرفت السلام عنهم" والتحقيق أن السلام له معان متعددة، وجملة السلام عليكم يمكن أن تكون خبرية لفظاً ومعنى، وأن تكون إنشائية دعائية، فالسلام بمعنى أمان الله في الدنيا والآخرة لا يقال لهم ابتداء ولا جواباً، إن كانت الجملة خبرية فهو كذب، وإن كانت دعائية فلا يجوز الدعاء لهم بذلك، ولكن يدعى لهم بالهداية والإسلام، وهذه وجهة نظر من يمنع أن يقال لهم "ورحمة الله وبركاته" والسلام على أنه اسم الله تعالى يراد مع حذف مضاف تقديره "أمان الله، أو رحمة الله، أو إحسان الله، أو جنة الله، ونحو ذلك، وهو في المنع كسابقه. والسلام بمعنى الأمان من المتكلم للمخاطب، وتأمين المسلم المسلم عليه من أذاه جائز أن يقال لهم على أنه خبر، أي أنت في أمان من أذاي، فأعطني الأمان من أذاك، وعلى هذا ينبغي للمسلم أن يقصد هذا المعنى، ولا غضاضة في ذلك، فالإسلام دين الأمان والمسالمة، وإن لم يقصده وقصد التحية العادية فلا بأس، وبخاصة أن الحاجة في مجتمعنا إلى الترابط ونبذ الطائفية شديدة، والمسلمون ضعاف في أوطانهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ويعجبني قول الأوزاعي: إن سلمت فقد سلم الصالحون، وإن تركت فقد ترك الصالحون أما السلام على جمع فيه مسلمون وكفار، أو مسلم وكافر، فيجوز ابتداؤهم بالسلام، ويقصد المسلمين، فقد سلم ﷺ على مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين. وهل يدخل في عموم إفشاء السلام أيضاً السلام على الفساق وأهل المعاصي؟ الجمهور على أنه لا يسلم على الفاسق، ولا على المبتدع، قال عبد الله بن عمرو "لا تسلموا على شربة الخمر" وأخرج سعيد بن منصور بسند ضعيف وابن عدي بسند أضعف عن ابن عمر "لا تسلموا على من شرب الخمر، ولا تعودوهم إذا مرضوا، ولا تصلوا عليهم إذا ماتوا" قال النووي: المبتدع ومن اقترف ذنباً عظيماً، ولم يتب منه، لا يسلم عليهم، ولا يرد ﵈، وقال مالك: لا يسلم على أهل الأهواء، وقال المهلب: ترك السلام على أهل المعاصي سنة ماضية. قال النووي: فإن اضطر إلى السلام، بأن خاف ترتيب مفسدة في دين، أو دنيا، إن لم يسلم، سلم، زاد ابن العربي: وينوي أن السلام اسم من أسماء الله تعالى، فكأنه قال: الله رقيب عليكم. اهـ وقصة كعب بن مالك، حين تخلف عن غزوة تبوك، ونهى النبي ﷺ الصحابة عن كلامه، عمدة في هذه المسألة. أما رد السلام فقد قال النووي: إنه واجب، فإن كانوا جماعة كان الرد فرض كفاية في حقهم، فإذا رد واحد منهم سقط الحرج عن الباقين، والأفضل أن يرد الجميع، وعن أبي يوسف أنه لا بد أن يرد الجميع. اهـ واتفقوا على أن من سلم على جماعة، فرد عليه واحد من غيرهم، لا يجزئ عنهم، واختلفوا في حكم الرد على من سلم عند قيامه من المجلس، إذا كان قد سلم حين دخل، فقال القاضي حسين: لا يجب الرد، ووافقه المتولي، وخالفه المستظهري، فقال: السلام سنة عند الانصراف، فيكون الجواب واجباً. قال النووي: هذا هو الصواب. ونقل ابن عبد البر وغيره إجماع المسلمين على أن ابتداء السلام سنة، وأن رده فرض، وقال

стр. 4785

الحليمي: إنما كان الرد واجباً لأن السلام معناه الأمان، فإذا ابتدأ به المسلم أخاه، فلم يجبه، فإنه يتوهم منه الشر، فيجب عليه دفع ذلك التوهم عنه. اهـ ولا يكفي السلام سراً، بل يشترط الجهر، وأقله أن يسمع، في الابتداء وفي الجواب، ومن كان بعيداً، بحيث لا يسمع التسليم يجوز السلام عليه إشارة، ويتلفظ مع ذلك بالسلام، ويشترط كون الرد على الفور، ولو أتاه سلام من غائب في ورقة وجب الرد على الفور. قاله النووي. وإرسال السلام مع آخر مشروع، ويجب على الرسول تبليغه، لأنه أمانة، أو وديعة، فإن التزمه الرسول أشبه الأمانة، والأمانة واجبة الأداء، وإن لم يلتزمه أشبه الوديعة، والودائع إذا لم تقبل لم يلزمه شيء، لكن يستحب تبليغها وإذا أتاه شخص بسلام من شخص استحب أن يرد على المرسل والمبلغ، فيقول: وعليك وعليه السلام. ٢ - أما لفظهما المطلوب شرعاً فيقول النووي: أقل السلام أن يقول: السلام عليكم، فإن كان المسلم عليه واحداً فأقله: السلام عليك، والأفضل أن يقول: السلام عليكم، ليتناوله وملكيه، وأكمل منه أن يزيد "ورحمة الله" وأيضاً "وبركاته" ولو قال: سلام عليكم أجزأه. قال: واستدل العلماء لزيادة "ورحمة الله وبركاته" بقوله تعالى، إخباراً عن سلام الملائكة، بعد ذكر السلام ﴿رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت﴾ [هود: ٧٣] وبقول المسلمين كلهم في التشهد: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. قال: ويكره أن يقول المبتدئ: عليكم السلام، فإن قاله استحق الجواب على الصحيح المشهور، وقيل: لا يستحقه وقد صح أن النبي ﷺ قال: "لا تقل: عليك السلام، فإن عليك السلام تحية الموتى". قال: وأما صفة الرد، فالأفضل والأكمل أن يقول: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، فيأتي بالواو "وعليكم" فلو حذفها جاز، وكان تاركاً للأفضل، ولو اقتصر على "وعليكم السلام" أو على "عليكم السلام" أجزأه، ولو اقتصر على "عليكم" لم يجزه بلا خلاف، ولو قال: "وعليكم" بالواو، ففي إجزائه وجهان لأصحابنا. قال: وإذا قال المبتدئ: سلام عليكم، أو السلام عليكم، فقال المجيب مثله، سلام عليكم، أو السلام عليكم كان جواباً وأجزأه، قال تعالى ﴿قالوا سلاماً قال سلام﴾ [هود: ٦٩] ولكن بالألف واللام أفضل. اهـ وقد روى البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعاً، فلما خلقه قال: اذهب، فسلم على أولئك، نفر من الملائكة جلوس، فاستمع ما يحيونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه "ورحمة الله" وفي هذا الحديث تأييد لمن قال: لا يقدم على لفظ السلام شيء، بل يقول في الابتداء والرد: السلام عليك، وتأييد للاقتصار على الإفراد، وتأييد لمن قالها في الرد بدون الواو. ولو قال المبتدئ: السلام عليكم، بالجمع، فقال المجيب: وعليك السلام، فغير محسن، لأنه لم يرد التحية بمثلها فضلاً عن أحسن منها، ولو زاد المبتدئ "ورحمة الله" زاد المجيب حتى يرد بمثلها أو أحسن منها.

стр. 4786

قالوا: ولو زاد المبتدئ "ورحمة الله وبركاته" أو زاد عليها "ومغفرته" فهل تشرع الزيادة في الرد على ما زاد؟ أخرج مالك في الموطأ عن ابن عباس قال: انتهى السلام إلى البركة، وأخرج البيهقي في الشعب "جاء رجل إلى ابن عمر، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته، فقال: حسبك إلى "وبركاته" انتهى إلى "وبركاته". وجاء عن ابن عمر الجواز، فعند مالك في الموطأ عنه أنه زاد في الجواب "والغاديات والرائحات" وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن سالم مولى ابن عمر قال: كان ابن عمر يزيد إذا رد السلام، فأتيته مرة، فقلت: السلام عليكم، فقال: السلام عليكم ورحمة الله، ثم أتيته، فزدت "وبركاته" فرده وزاد "وطيب صلواته" ونقل ابن دقيق العيد عن أبي الوليد بن رشد أنه يؤخذ من قوله تعالى ﴿فحيوا بأحسن منها﴾ [النساء: ٨٦] جواز الزيادة على البركة، إذا انتهى إليها المبتدئ. وأخرج أبو داود والترمذي والنسائي بسند قوي، عن عمران بن حصين قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: السلام عليكم، فرد عليه، وقال: عشر" -أي عشر حسنات، كما صرح بها في رواية البخاري في الأدب المفرد وصححه ابن حبان- "ثم جاء آخر، فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فرد عليه، وقال: عشرون، ثم جاء آخر، فزاد: وبركاته، فرد عليه، وقال: ثلاثون" وأخرج الطبراني بسند ضعيف "من قال: السلام عليكم كتب له عشر حسنات، ومن زاد: ورحمة الله كتب له عشرون حسنة، ومن زاد: وبركاته كتب له ثلاثون حسنة" قال الحافظ ابن حجر: "وهذه الأحاديث الضعيفة إذا انضمت، قوي ما اجتمعت عليه من مشروعية الزيادة على "وبركاته" واتفقوا على أن من سلم، بقوله: السلام عليكم لم يجزئ في جوابه إلا السلام، ولا يجزئ في جوابه: صبحك الله بالخير، أو صبحك الله بالسعادة ونحو ذلك. واختلف فيمن أتى في التحية بغير لفظ السلام، كأن قال: مساء الخير مثلاً، هل يجب جوابه، بمثل تحيته؟ فيقول: ومساكم الله بالخير؟ أو بأحسن منها؟ فيقول: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته؟ فيكون في ذلك تعليماً له لما كان ينبغي؟ أو يجمع بينهما؟ وهو الأفضل، فيقول: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومساكم الله بالخير؟ وقال ابن دقيق العيد: الذي يظهر أن التحية بغير لفظ السلام من باب ترك المستحب، وليس بمكروه، إلا إن قصد به العدول عن السلام، إلى ما هو أظهر في التعظيم من أجل أكابر أهل الدنيا. ولو أتى بالسلام بغير اللفظ العربي، هل يستحق الجواب؟ ثلاثة أقوال للعلماء: يجب، لا يجب، يجب الرد على من لا يحسن العربية، لعذره، ولا يجب الرد على من يحسن العربية لتقصيره، وحين الرد يكون باللغة الأجنبية، بمثل المبتدئ لمن يقدر عليها. ٣ - أما المواطن التي لا يشرع فيها السلام فقد قال النووي: يستثنى من العموم بابتداء السلام من كان مشتغلاً بأكل أو شرب أو جماع، أو كان في الخلاء، أو الحمام، أو نائماً، أو ناعساً، أو مصلياً، أو مؤذناً مادام متلبساً بشيء مما ذكر، فلو لم تكن اللقمة في فم الآكل مثلاً شرع السلام عليه، ويشرع في حق المتبايعين، وسائر المعاملات، واحتج له ابن دقيق العيد، بأن الناس غالباً يكونون في

стр. 4787

اشتغالهم، فلو روعي لم يحصل امتثال الإفشاء، وقال ابن دقيق العيد: احتج من منع السلام على من في الحمام بأنه بيت الشيطان، وليس موضع التحية، لاشتغال من فيه بالتنظيف، قال: وليس هذا المعنى بالقوي في الكراهة، بل يدل على عدم الاستحباب. قال الحافظ ابن حجر: وقد ثبت في صحيح مسلم عن أم هانئ "أتيت النبي ﷺ ، وهو يغتسل، وفاطمة تستره، فسلمت عليه". قال النووي: وأما السلام حال الخطبة في الجمعة فيكره، للأمر بالإنصات، ولو سلم لم يجب الرد، عند من قال: الإنصات واجب، ويجب عند من قال: إنه سنة، وعلى الوجهين لا ينبغي أن يرد أكثر من واحد، وأما المشتغل بقراءة القرآن، فقال الواحدي: الأولى ترك السلام عليه، فلو سلم عليه كفاه الرد بالإشارة، وإن رد لفظاً استأنف الاستعاذة وقرأ، وقال النووي: وفيه نظر، والظاهر أنه يشرع السلام عليه، ويجب عليه الرد. ولو سلم على المصلي جاز أن يرد السلام بالإشارة، فقد وردت أحاديث جيدة أنه ﷺ رد السلام وهو يصلي، إشارة، منها حديث أبي سعيد "أن رجلاً سلم على النبي ﷺ ، وهو يصلي، فرد عليه، إشارة". قال النووي: وأما من كان مشتغلاً بالدعاء، مستغرقاً فيه، مستجمع القلب، فيحتمل أن يقال: هو كالقارئ، والأظهر عندي أنه يكره السلام عليه، لأنه يتنكد به، ويشق عليه أكثر من مشقة الأكل، وأما الملبي في الإحرام، فيكره أن يسلم عليه، لأن قطعه التلبية مكروه، ويجب عليه الرد مع ذلك لفظاً أن لو سلم عليه، قال: ولو تبرع واحد من هؤلاء برد السلام، إن كان مشتغلاً بالبول ونحوه فيكره، وإن كان آكلاً، ونحوه فيستحب في الموضع الذي لا يجب فيه، وإن كان مصلياً لم يجز أن يقول بلفظ المخاطبة، كعليك السلام، أو عليك فقط، فلو فعل بطلت، إن علم التحريم، لا إن جهل في الأصح، فلو أتى بضمير الغيبة لم تبطل، ويستحب أن يرد بالإشارة، وإن رد بعد فراغ الصلاة لفظاً فهو أحب، وإن كان مؤذناً أو ملبياً لم يكره له الرد لفظاً، لأنه قدر يسير، لا يبطل الموالاة. اهـ وتعقب بأن التعليل الذي ذكره في تنكد الداعي يأتي مثله في القارئ، وما ذكره في بطلان الصلاة إذا رد السلام بالخطاب، ليس متفقاً عليه، فعن الشافعي نص في أنه لا تبطل، لأنه لا يرد حقيقة الخطاب بل الدعاء، وإذا عذرنا الداعي والقارئ بعدم الرد، فرد بعد الفراغ، كان مستحباً. وذكر بعض الحنفية أن من جلس في المسجد للقراءة، أو للتسبيح، أو لانتظاره الصلاة، لا يشرع السلام عليهم، وإن سلم عليهم لم يجب الجواب، قال: وكذا الخصم إذا سلم على القاضي لا يجب عليه الرد، وكذلك الأستاذ إذا سلم عليه تلميذه لا يجب الرد عليه. كذا قال، وهذا الأخير لا يوافق عليه. ولا يسلم على مكشوف العورة، ولا على درس العلم، ولا على رجل معه امرأة شابة، ولو سلم على هؤلاء لم يجب الرد. والله أعلم. ٤ - وحديث الباب يحدد المطالبين بالبدء بالسلام "يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير" وعند البخاري "يسلم الصغير على الكبير، والمار على القاعد".

стр. 4788

وقد تكلم العلماء على الحكمة فيمن شرع لهم الابتداء، فقال المهلب: تسليم الصغير لأجل حق الكبير، لأنه أمر بتوقيره، والتواضع له، وتسليم القليل لأجل حق الكثير، لأن حقهم أعظم، وتسليم المار -راكباً أو ماشياً- لشبهه بالداخل على أهل المنزل، وتسليم الراكب لئلا يتكبر بركوبه، فيرجع إلى التواضع، وقال ابن العربي: حاصل ما في هذا الحديث أن المفضول بنوع ما يبدأ الفاضل. اهـ ولا يتأتى هذا في الراكب والماشي. وقال المازري: أما أمر الراكب، فلأنه له مزية على الماشي، بأن يبدأه الراكب بالسلام، احتياطاً على الراكب من الزهو، أن لو حاز الفضيلتين، وأما الماشي فلما يتوقع القاعد منه من الشر، ولا سيما إذا كان راكباً، فإذا ابتدأه بالسلام أمن منه ذلك، وأنس إليه، أو لأن في التصرف في الحاجات امتهاناً، فصار للقاعد مزية، فأمر بالابتداء، أو لأن القاعد يشق عليه مراعاة المارين، مع كثرتهم، فسقطت البداءة عنه للمشقة، بخلاف المار، فلا مشقة عليه، وأما القليل فلفضيلة الجماعة، أو لأن الجماعة لو ابتدءوا لخيف على الواحد الزهو، فاحتيط له. قال المازري وغيره: هذه المناسبات لا يعترض عليها بجزئيات تخالفها، لأنها لم تنصب نصب العلل الواجبة الاعتبار، حتى لا يجوز أن يعدل عنها، حتى لو ابتدأ الماشي، فسلم على الراكب لم يمتنع، لأنه ممتثل للأمر بإفشاء السلام وإظهاره، غير أن مراعاة ما ثبت في الحديث أولى، ويستحب ولا يلزم من ترك المستحب الكراهة، بل يكون خلاف الأولى، فلو ترك المأمور بالابتداء، فبدأه الآخر، كان المأمور تاركاً للمستحب، والآخر فاعلاً للسنة، إلا إن بادر، فيكون تاركاً للمستحب أيضاً، وقال المتولي: لو خالف الراكب، أو الماشي ما دل عليه الخبر كره، قال: والوراء يبدأ بكل حال، وقال الكرماني: لو جاء في الحديث أن الكبير يبدأ الصغير، والكثير يبدأ القليل لكان مناسباً، لأن الغالب أن الصغير يخاف من الكبير، والقليل يخاف من الكثير، فإذا بدأ الكبير أمن الصغير، وإذا بدأ الكثير أمن القليل، لكن لما كان من شأن المسلمين أن يأمن بعضهم بعضاً اعتبر جانب التواضع. اهـ وخلاصة القول إن الحكمة في هذا الترتيب متلمسة، ولغير هذا الترتيب حكم تتلمس، وللمشرع حكمته التي قد لا نعلمها، فالاتباع أولى. وهناك صور لم يتعرض لها المشرع، منها: (أ) إذا تلاقى ماران، راكبان، أو ماشيان؟ قال المازري: يبدأ الأدنى منهما الأعلى قدراً في الدين، إجلالاً لفضله، لأن فضيلة الدين مرغب فيها في الشرع، وعلى هذا لو التقى راكبان، ومركوب أحدهما أعلى من مركوب الآخر، كالجمل والفرس، فيبدأ راكب الفرس؟ أو ينظر إلى أعلاهما قدراً في الدين، فيبدؤه الذي هو دونه؟ هذا الثاني أظهر، لكن لا نظر إلى من يكون أعلاهما قدراً من جهة الدنيا، كموظف ومديره، إلا أن يكون سلطاناً أو نحوه يخشى بأسه. (ب) إذا تعارضت جهات طلب البدء، كأن يكون المشاة كثيرا، والقعود قليلا؟ قيل: يرجح جانب المشاة، وقيل: إذا تعارضا تساقطا، ويقدر أنهم في حكم اثنين متساويين التقيا. (جـ) إذا تعارض الصغر المعنوي بالصغر الحسي، كأن يكون الأصغر سناً أعلم، أو أتقى،

стр. 4789

أو أحكم، قال الحافظ ابن حجر: الذي يظهر اعتبار السن، لأنه الظاهر، من قبيل تقديم الحقيقة على المجاز. اهـ (د) ومثل ذلك إذا كان الكبير راكباً، والصغير ماشياً؟ قال ابن دقيق العيد: يبدأ الراكب، لأن محل بدء الصغير السلام على الكبير إذا التقيا، راكبين، أو ماشيين. (هـ) إذا تساوى المتلاقيان من كل جهة فكل منهما مأمور بالابتداء، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام، كما في المتهاجرين، وقد أخرج البخاري في الأدب المفرد، بسند صحيح، من حديث جابر، قال: "الماشيان إذا اجتمعا فأيهما بدأ بالسلام فهو أفضل" وأخرج الطبراني من حديث أبي الدرداء "قلنا: يا رسول الله، إنا نلتقي، فأينا يبدأ بالسلام؟ قال: أطوعكم لله". ٥ - أما المتفرقات فمنها: (أ) من سمع سلاماً في المذياع الصوتي أو المرئي أو قرأ سلاماً في خطاب، هل يجب عليه الرد؟ الظاهر وجوب الرد، لأن السلام -على المشهور- دعاء بالأمن والرحمة، فإذا حيا المذيع السامعين، أو حيا المرسل المرسل إليه، بهذه التحية، لزمهم أن يحيوه بمثلها، أو بأحسن منها، وأن يدعوا له بمثلها أو أحسن منها، أما اشتراط إسماع الرد فهو حيث أمكن، لما في ذلك من تطييب الخاطر، وشرح الصدر، ومقابلة الإحسان بالإحسان، أما إذا لم يمكن الإسماع فالخير الدعاء بظهر الغيب. (ب) المصافحة وأخذ اليد في اليد حين السلام، أخرج البخاري. قال ابن مسعود: "علمني رسول الله ﷺ التشهد، وكفي بين كفيه" وقال كعب بن مالك: "دخلت المسجد، فإذا برسول الله ﷺ ، فقام إلى طلحة بن عبيد الله يهرول، حتى صافحني، وهنأني" وعن قتادة: قلت لأنس: أكانت المصافحة في أصحاب النبي ﷺ ؟ قال: نعم" وأخرج الترمذي بإسناد حسن، عن أنس ﵁، قال: "قيل: يا رسول الله، الرجل يلقى أخاه، أينحني له؟ قال: لا. قال: فيأخذ بيده، ويصافحه؟ قال: نعم" قال ابن بطال: المصافحة حسنة عند عامة العلماء، وقد استحبها مالك، بعد كراهته. وقال النووي المصافحة سنة مجمع عليها عند التلاقي، وقد أخرج أحمد وأبو داود والترمذي، عن البراء، رفعه "ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان، إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا". قال النووي: وأما تخصيص المصافحة بما بعد صلاتي الصبح والعصر فقد مثل بها ابن عبد السلام البدعة المباحة، قال النووي: وأصل المصافحة سنة، وكونهم حافظوا عليها في بعض الأحوال، لا يخرج ذلك عن أصل السنة. قال الحافظ ابن حجر: ويستثنى من عموم الأمر بالمصافحة المرأة الأجنبية. (جـ) تقبيل اليد، وأجازه جمهور العلماء، واحتجوا بما روي عن عمر، أنهم "لما رجعوا من الغزو -حيث فروا- قالوا: نحن الفرارون، فقال: بل أنتم العكارون -أي الكرارون الراجعون- إنا فئة المؤمنين، قال: فقبلنا يده" "وقيل أبو لبابة وكعب بن مالك وصاحباه يد النبي ﷺ ، حين تاب الله عليهم" أخرجه ابن المقري والبيهقي في الدلائل، وذكره

стр. 4790

الأبهري، "وقبل أبو عبيدة يد عمر، حين قدم" أخرجه سفيان في جامعه، "وقبل زيد بن ثابت يد ابن عباس، حين أخذ ابن عباس بركابه" أخرجه الطبري وابن المقري، وذكر الترمذي من حديث صفوان بن عسال "أن يهوديين أتيا النبي ﷺ ، فسألاه عن تسع آيات .... الحديث، وفي آخره "فقبلا يده ورجله" قال الترمذي: حسن صحيح وأخرجه أيضاً للنسائي وابن ماجه وصححه الحاكم، وأخرج أبو داود حديث الزارع العبدي، وكان في وفد عبد القيس قال "فجعلنا نتبادر من رواحلنا، فنقبل يد النبي ﷺ ، فقبلنا يده" قال الحافظ ابن حجر: وسنده قوي، وأخرج أيضاً من حديث بريدة، في قصة الأعرابي والشجرة، فقال: يا رسول الله، ائذن لي أن أقبل رأسك ورجليك، فأذن له" وأخرج البخاري في الأدب المفرد، من رواية عبد الرحمن بن رزين قال: "أخرج لنا سلمة بن الأكوع كفاً له ضخمة، كأنها كف بعير، فقمنا إليها، فقبلناها" وعن ثابت "أنه قبل يد أنس" وأخرج أيضاً "أن علياً قبل يد العباس ورجله" وأخرج ابن المقري من طريق أبي مالك الأشجعي، "قال: قلت لابن أبي أوفى: ناولني يدك التي بايعت بها رسول الله ﷺ ، فناولنيها، فقبلتها". قال النووي: تقبيل يد الرجل لزهده وصلاحه، أو علمه، أو شرفه، أو صيانته، أو نحو ذلك، من الأمور الدينية، لا يكره، بل يستحب، فإن كان لغناه، أو شوكته، أو جاهه عند أهل الدنيا، فمكروه شديد الكراهة. اهـ وكرهها مالك، وأنكر ما ورد فيه. قال الأبهري: وإنما كرهها مالك إذا كانت على وجه التكبر والتعظم، وأما إذا كانت على وجه القربة إلى الله، لدينه، أو لعلمه، أو لشرفه، فإن ذلك جائز. (د) والمعانقة والتقبيل، وعند أحمد من حديث أبي ذر، "قال رجل لأبي ذر: هل كان رسول الله ﷺ يصافحكم إذا لقيتموه؟ قال: ما لقيته قط إلا صافحني، وبعث إلي ذات يوم، فلم أكن في أهلي، فلما جئت أخبرت أنه أرسل إلي، فأتيته، وهو على سريره، فالتزمني، فكان أجود وأجود" قال الحافظ ابن حجر: ورجاله ثقات، وأخرج الطبراني في الأوسط، من حديث أنس "كانوا إذا تلاقوا تصافحوا، وإذا قدموا من سفر تعانقوا". قال ابن بطال: اختلف الناس في المعانقة، فكرهها مالك، وأجازها ابن عيينة. وأخرج الترمذي عن عائشة، قالت: قدم زيد بن حارثة المدينة، ورسول الله ﷺ في بيتي، فقرع الباب، فقام إليه النبي ﷺ ، يجر ثوبه، فاعتنقه وقبله "قال الترمذي: حديث حسن. (هـ) والقيام للقادم على وجه البر والإكرام جائز، بل مستحب، فقد أخرج البخاري عن أبي سعيد ﵁ قال "إن أهل قريظة نزلوا على حكم سعد، فأرسل النبي ﷺ إليه، فجاء، فقال: قوموا إلى سيدكم -أو قال: خيركم- فقعد عند النبي ﷺ ، فقال: هؤلاء نزلوا على حكمك، قال: فإني أحكم أن نقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، فقال: لقد حكمت بما حكم به الملك". قال ابن بطال: في هذا الحديث أمر الإمام الأعظم بإكرام الكبير من المسلمين، ومشروعية إكرام

стр. 4791

أهل الفضل في مجلس الإمام الأعظم، والقيام فيه لغيره من أصحابه، واحتج ابن بطال لجواز القيام للقادم، تكريماً له بما أخرجه النسائي، عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ ، إذا رأى فاطمة بنته قد أقبلت رحب بها، ثم قام، فقبلها، ثم أخذ بيدها، حتى يجلسها في مكانه" وأخرجه أيضاً أبو داود والترمذي وحسنه، وصححه ابن حبان والحاكم، وترجم له أبو داود بباب القيام، وكذلك صنع البخاري في الأدب المفرد، وزاد حديث كعب بن مالك في قصة توبته، وفيه "فقام إلى طلحة بن عبيد الله يهرول". وذهب آخرون إلى منع القيام، وأجابوا عند هذه الأدلة، واستدلوا بأدلة أخرى كثيرة، وقد بسطها الحافظ ابن حجر، ولا يسمح به مقام شرح حديثنا. وخير ما قيل في ذلك ما قاله الغزالي: القيام على سبيل الإعظام مكروه، وعلى سبيل الإكرام لا يكره. قال الحافظ ابن حجر: وهو تفصيل حسن. والله أعلم

стр. 4792

(٥٨٢) باب حق الجلوس على الطريق وحق المسلم على المسلم ٤٩٣٢ - عن أبي طلحة ﵁ قال: كنا قعوداً بالأفنية نتحدث. فجاء رسول الله ﷺ ، فقام علينا، فقال "ما لكم ولمجالس الصعدات. اجتنبوا مجالس الصعدات" فقلنا: إنما قعدنا لغير ما باس. قعدنا نتذاكر ونتحدث. قال "إما لا فأدوا حقها: غض البصر، ورد السلام، وحسن الكلام". ٤٩٣٣ - عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال "إياكم والجلوس بالطرقات" قالوا: يا رسول الله، ما لنا بد من مجالسنا نتحدث فيها. قال رسول الله ﷺ "إذا أبيتم إلا المجلس، فأعطوا الطريق حقه" قالوا: وما حقه؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر". ٤٩٣٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "حق المسلم على المسلم خمس". وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "خمس تجب للمسلم على أخيه: رد السلام، وتشميت العاطس، وإجابة الدعوة، وعيادة المريض، واتباع الجنائز" قال عبد الرزاق: كان معمر يرسل هذا الحديث، عن الزهري. وأسنده مرة عن ابن المسيب، عن أبي هريرة. ٤٩٣٥ - عن أبي هريرة ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال "حق المسلم على المسلم ست" قيل ما هن يا رسول الله؟ قال: "إذا لقيته فسلم عليه. وإذا دعاك فأجبه. وإذا استنصحك فانصح له. وإذا عطس فحمد الله، فسمته. وإذا مرض فعده. وإذا مات فاتبعه".

стр. 4793

-[المعنى العام]- طريق الناس وظلهم بيئة عامة، ينتفع بها الغني والفقير، والعظيم والحقير، والكبير والصغير، فمن أفسد فيه مفسدة فقد أفسد على الناس، ومن وضع فيه عائقاً، فقد حال بين الناس وبين الانتفاع به، ومن هنا نهى الشارع عن التبول والتبرز في طريق الناس وظلهم، بل حرض المسلمين على إزالة الأذى عنه، وتهيئته للمارة، فرجل أزال غصن شوك من الطريق، غفر الله له وأدخله الجنة. وحرص الشارع على كل ما يضمن للمارة الراحة والوسع وحرية الذهاب والمجيء، وكان من المضايقات جلوس الناس أفراداً وجماعات على قارعة الطريق، إنهم يؤذون المارة بأبصارهم، فيفتنونهم، أو يفتتنون بهم، ويكتشفون ما يخفونه من أمور حياتهم، ومستور عوراتهم، يتغامزون عليهم، ويسخرون منهم، ويعيبونهم، ويغتابونهم، كان هذا الجلوس على الطريق في صدر الإسلام، نهاراً أو ليلاً عادة منتشرة، سهلها وأعان عليها فراغ كبير، وقلة عمل، وضعف مجالات السعي، فإبلهم وأبقارهم وغنمهم تسرح قطعاناً وحدها، أو مع صبي صغير، تخرج خماصاً صباحاً وتعود بطاناً عند الغروب من كلأ مباح، وتجارتهم المتواضعة في أيدي نفر قليل منهم، يسعى بها لنفسه، ولملأ من قومه، فجلوسهم بكثرة على المساطب أمام ساحات البيوت الواسعة، والأفنية الكبيرة، أمر دفعت إليه البيئة، واحتاجها المجتمع، لم تكن هناك المقاهي والنوادي والمسارح الموجودة اليوم للعاطلين، وإيذاء المارة على هذه الحالة أمر لازم، فكيف يعالج المشرع هذه المشكلة؟ ليس من السهل أن يصدر أمراً بمنع الجلوس على الطرقات، فهو يعلم علم اليقين أن في ذلك مشقة عليهم، والدين يسر، فليكن الأمر بذلك وسيلة للشكوى منهم، فتستجاب الشكوى، وتوضع الضوابط المطلوبة والآداب الوافية، فيكونون بين أمرين، لا ثالث لهما، مر عليهم رسول الله ﷺ ، وهم جلوس على قارعة طريق، فوقف، فقال: ما لكم وللجلوس على الطريق؟ اجتنبوا الجلوس على الطريق، إياكم والجلوس على الطريق. فزعوا من الأمر، وانزعجوا من هذا النهي، وقال قائلهم: يا رسول الله، هذه مجالسنا التي لا غنى لنا عنها، نتحدث فيها، ونتذاكر فيها ما جرى ويجري لنا، فقال المشرع الحكيم: إما أن تجتنبوا الجلوس فيها، وإما أن تؤدوا حقها. قالوا: مستعدون أن نؤدي حقها، فما حقها؟ وما الواجب لها؟ قال: غض البصر عن الحرمات، وعدم إيذاء المارة بألسنتكم وإشاراتكم ورد السلام على من سلم عليكم منهم، وإرشاد ضالهم، وإجابة سائلهم، وإعانة مظلومهم ومحتاجهم، وإغاثة ملهوفهم، وأمرهم بالمعروف إذا تركوه، ونهيهم عن منكر فعلوه، وذكر الله كثيراً. قالوا: سمعنا وأطعنا. -[المباحث العربية]- (كنا قعوداً بالأفنية) "قعود" بضم القاف، جمع قاعد، والأفنية جمع فناء بكسر الفاء، وبالمد، وقد تقصر، وهو المكان المتسع أمام الدار، ويتبع الدار، كحرم لها، وتبنى عليه المساطب، والمعنى: كنا جلوساً بفناء من الأفنية، والمتكلم أبو طلحة، يقصد نفسه وأصدقاءه. (نتحدث) جملة مستأنفة استئنافاً تعليلياً، في جواب سؤال مقدر، أي لم كنتم تجلسون؟ أو استئنافاً بيانياً، كأن سائلاً سأل: ماذا كنتم تفعلون؟ .

стр. 4794

(فقام علينا) أي وقف عندنا، وثبت. (ما لكم ولمجالس الصعدات؟ اجتنبوا مجالس الصعدات) بضم الصاد والعين، جمع صعيد، وهو المكان الواسع، وقيل: جمع صعيد، كطريق وطرقات، وزناً ومعنى، والمراد به ما يراد من الفناء، قال الحافظ ابن حجر: وزعم ثعلب أن المراد بالصعدات وجه الأرض، والاستفهام إنكاري توبيخي، أي ما كان ينبغي لكم هذه المجالس، وفي الرواية الثانية "إياكم والجلوس بالطرقات" بأسلوب التحذير، و"الجلوس" بالنصب، أي احذروا الجلوس بالطرقات. (فقلنا: إنما قعدنا لغير ما بأس، قعدنا نتذاكر ونتحدث) القائل أبو طلحة، ونسب القول للمجموع لرضاهم به، وموافقتهم عليه، كقوله تعالى: ﴿فعقروا الناقة﴾ [الأعراف: ٧٧] و"ما" زائدة، أي لغير ضرر، ولغير إساءة، أي وإذا كان هذا حالنا، فلم نمنع؟ كأنهم فهموا أن الأمر للإرشاد، فراجعوا، أو فهموا أن الشكوى وبيان العذر قد يؤدي إلى النسخ، وفي الرواية الثانية "ما لنا بد من مجالسنا، نتحدث فيها" أي ما لنا غنى عن مجالسنا هذه، والبد بضم الباء العوض. (قال: إما لا. فأدوا الطريق حقها) "إما" بكسر الهمزة وهي "إن" الشرطية، زيدت عليها "ما" وهي ممالة في الرواية، ويجوز تركها، وأصل الكلام: إما أن تجتنبوا الجلوس بالطرقات فتسلموا، وإما لا تجتنبوا الجلوس بالطرقات فأعطوا الطريق حقها، حذفت "إما" الأولى وجملتها، اعتماداً على المقام، وأصبح المعنى إن لم تجتنبوا ... فأعطوا. وفي الرواية الثانية "إذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه" وفي رواية "فإن أبيتم إلا أن تفعلوا" وفي رواية "فإن كنتم لا بد فاعلين" وفي رواية للبخاري "فإذا أتيتم إلى المجالس" والمجلس والمجالس بمعنى الجلوس، وفي رواية البخاري "فأعطوا الطريق حقها"، والطريق تذكر وتؤنث. (غض البصر) عن محرمات الطريق. (وكف الأذى) عن المارة، ولو عن طريق التسمع والتجسس والاحتقار والاستهزاء والسخرية والغيبة وغير ذلك. (خمس تجب للمسلم على أخيه) "تجب" أي تستحق، بما يشمل الاستحباب، والمراد من الأخ. الأخوة في الإسلام، ففي الرواية الرابعة "حق المسلم على المسلم ست" والعدد لا مفهوم له، فلا يفيد تحديد المأمورات، وفي حديث سبق "أمرنا رسول الله ﷺ بسبع"، والأمر بعدد لا ينافي الأمر بعدد آخر، في وقت آخر، وتمييز العدد محذوف، أي خمس خصال، أو خمس فضائل، والأخ يشمل الأخت. (رد السلام) سبق في الباب قبله، وفي الرواية الرابعة "إذا لقيته فسلم عليه". (وتشميت العاطس) سبق في كتاب اللباس والزينة، باب تحريم استعمال أواني الذهب والفضة. (واتباع الجنائز) في الرواية الرابعة "وإذا مات فاتبعه" أي فاتبع جنازته، حتى يصلى عليه، أو حتى يدفن.

стр. 4795

(وإذا استنصحك فانصح له) السين والتاء للطلب، أي إذا طلب منك النصيحة فعليك أن تنصحه، ولا تداهنه، ولا تغش، ولا تمسك عن بيان النصيحة. -[فقه الحديث]- قال القاضي عياض: في الحديث دليل على أن أمره ﷺ لهم لم يكن للوجوب، وإنما كان على طريق الترغيب والأولى، إذ لو فهموا الوجوب لم يراجعوه هذه المراجعة، قال: وقد يحتج به من لا يرى الأوامر على الوجوب. قال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يكونوا رجوا وقوع النسخ، تخفيفاً، لما شكوا من الحاجة إلى ذلك، ويؤيده أن في مرسل يحيى بن يعمر "فظن القوم أنها عزمة" أي واجبة. وقد اشتملت الرواية الأولى على ثلاث خصال: غض البصر، ورد السلام، وحسن الكلام، وزادت الرواية الثانية: كف الأذى، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وفي حديث لأبي هريرة: زاد: إرشاد السبيل، وتشميت العاطس إذا حمد، وفي حديث عمر عند أبي داود "وتغيثوا الملهوف"، وعند أحمد والترمذي "وأعينوا المظلوم" وعند البزار "وأعينوا على الحمولة" وعند الطبراني "ذكر الله كثيراً" و"واهدوا الأغبياء" قال الحافظ ابن حجر: وقد اشتملت هذه الآداب على معنى علة النهي عن الجلوس في الطرق، من التعرض للفتن، بمرور النساء وخوف ما يلحق من النظر إليهن من ذلك، إذ لا يمنع النساء من المرور في الشوارع، لقضاء حوائجهن، ومن التعرض لحقوق الله والمسلمين، مما لا يلزم الإنسان إذا كان في بيته، ومن رؤية المنكر، وتعطيل المعروف، فيجب على المسلم الأمر والنهي عند ذلك، فإن ترك ذلك فقد تعرض للمعصية، وكذا يتعرض لمن يمر عليه، ويسلم عليه، فإنه ربما كثر ذلك، فيعجز عن الرد على كل مار، ورده فرض، فيأثم، والمرء مأمور بأن لا يتعرض للفتن، وإلزام نفسه ما لعله لا يقوى عليه، فندبهم الشارع إلى ترك الجلوس، حسماً للمادة، فلما ذكروا ضرورتهم إلى ذلك، لما فيه من المصالح، من تعاهد بعضهم بعضاً، ومذاكرتهم في أمور الدين ومصالح الدنيا، وترويح النفوس بالمحادثة في المباح، دلهم على ما يزيل المفسدة، من الأمور المذكورة. قال: ولكل من الآداب المذكورة شواهد في أحاديث أخرى -فإفشاء السلام ورده سبق في الباب قبله- وأما إحسان الكلام فقال القاضي عياض: فيه ندب إلى حسن معاملة المسلمين، بعضهم لبعض، فإن الجالس على الطريق يمر به العدد الكثير من الناس، فربما سألوه عن بعض شأنهم، ووجهة طريقهم، فيجب أن يتلقاهم بالجميل من الكلام، ولا يتلقاهم بالضجر وخشونة اللفظ، وهو من جملة كف الأذى. قال الحافظ ابن حجر: وله شواهد من حديث أبي شرح هانئ، رفعه "من موجبات الجنة إطعام الطعام، وإفشاء السلام، وحسن الكلام"، ومن حديث أبي مالك الأشعري، رفعه "في الجنة غرف لمن أطاب الكلام" وفي الصحيحين من حديث عدي بن حاتم، رفعه "اتقوا النار، ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة" وأما تشميت العاطس فمضى مبسوطاً، وأما المعاونة على الحمل، فله شاهد في الصحيحين من حديث أبي هريرة رفعه "كل سلامي من الناس عليه صدقة" الحديث، وفيه "ويعين

стр. 4796

الرجل على دابته، فيحمله عليها، ويرفع له عليها متاعه صدقة" وأما إعانة المظلوم، فله شاهد تقدم في كتاب المظالم، وأما إغاثة الملهوف، فله شاهد في الصحيحين، من حديث أبي موسى، وفيه "ويعين ذا الحاجة الملهوف" وفي حديث أبي ذر عند ابن حبان "وتسعى بشدة ساقيك مع اللهفان المستغيث" وأما إرشاد السبيل، فروى الترمذي، وصححه ابن حبان من حديث أبي ذر مرفوعاً "وإرشادك الرجل في أرض الضلال صدقة" وأما كف الأذى، فالمراد به كف الأذى عن المارة، بأن لا يجلس حيث يضيق عليهم الطريق، أو على باب منزل من يتأذى بجلوسه عليه، أو حيث ينكشف عياله، أو ينكشف ما يريد ستره من حاله، قاله القاضي عياض، ويحتمل أن يكون المراد كف أذى الناس، بعضهم عن بعض. والله أعلم. قال الحافظ ابن حجر: وفي الحديث حجة لمن يقول بأن سد الذرائع بطريق الأولى، لا على الحتم، لأنه نهاهم أولاً عن الجلوس، حسماً للمادة، فلما قالوا: "ما لنا منها بد" ذكر لهم المقاصد الأصلية للمنع، فعرف أن النهي الأول للإرشاد إلى الأصلح، ويؤخذ منه أن دفع المفسدة أولى من جلب المصلحة، لندبه أولاً إلى ترك الجلوس، مع ما فيه من الأجر لمن عمل بحق الطريق، وذلك أن الاحتياط لطلب السلامة آكد من الطمع في الزيادة. وقد عقب البخاري على هذا الحديث بباب الآبار التي على الطريق، إذا لم يتأذ بها، وساق حديث البئر الذي شرب منه العطشان، ثم سقى منه الكلب الذي كان يلهث من شدة العطش، ثم بباب إماطة الأذى، وساق حديث "يميط الأذى عن الطريق صدقة" لأنها تسبب سلامة من يمر به من الأذى، فكأنه تصدق عليه بذلك، فحصل له أجر الصدقة، ثم عقبه بباب الغرفة المشرفة وغير المشرفة في السطوح وغيرها. قال العلماء: حكم الغرف على السطوح المشرفة على الطرقات -أي والبلكونات- الجواز، إذا أمن من الإشراف على عورات الناس والمنازل، فإن لم يؤمن لم يجبر على سده، بل يؤمر بعدم الإشراف، ولمن هو أسفل منه أن يتحفظ، ثم عقبه بباب "من عقل بعيره على باب المسجد" -ومثل ذلك السيارات- وحكمة الجواز إذا لم يحصل به ضرر. والله أعلم

стр. 4797

(٥٨٣) باب السلام على أهل الكتاب والرد عليهم ٤٩٣٦ - عن أنس بن مالك ﵁، أن رسول الله ﷺ قال "إذا سلم عليكم أهل الكتاب، فقولوا: وعليكم". ٤٩٣٧ - عن أنس ﵁، أن أصحاب النبي ﷺ : قالوا للنبي ﷺ إن أهل الكتاب يسلمون علينا، فكيف نرد عليهم؟ قال: "قولوا وعليكم". ٤٩٣٨ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "إن اليهود إذا سلموا عليكم، يقول أحدهم السام عليكم، فقل عليك". ٤٩٣٩ - عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ . بمثله. غير أنه قال "فقولوا: وعليك". ٤٩٤٠ - عن عائشة ﵂ قالت: استأذن رهط من اليهود على رسول الله ﷺ . فقالوا: السام عليكم. فقالت عائشة: بل، عليكم السام واللعنة. فقال رسول الله ﷺ "يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله" قالت: ألم تسمع ما قالوا؟ قال "قد قلت وعليكم". ٤٩٤١ - وفي رواية عن الزهري. بهذا الإسناد. وفي حديثهما جميعاً: قال رسول الله ﷺ "قد قلت: عليكم" ولم يذكروا الواو. ٤٩٤٢ - عن عائشة ﵂ قالت: أتى النبي ﷺ أناس من اليهود. فقالوا

стр. 4798

السام عليك يا أبا القاسم. قال "وعليكم" قالت عائشة: قلت بل عليكم السام والذام. فقال رسول الله ﷺ "يا عائشة لا تكوني فاحشة" فقالت: ما سمعت ما قالوا؟ فقال: أوليس قد رددت عليهم الذي قالوا. قلت: وعليكم". ٤٩٤٣ - وفي رواية عن الأعمش. بهذا الإسناد. غير أنه قال: ففطنت بهم عائشة، فسبتهم. فقال رسول الله ﷺ "مه يا عائشة. فإن الله لا يحب الفحش والتفحش" وزاد فأنزل الله ﴿وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله﴾ [المجادلة/ ٨] إلى آخر الآية. ٤٩٤٤ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سلم ناس من يهود على رسول الله ﷺ فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم. فقال "وعليكم" فقالت عائشة، وغضبت: ألم تسمع ما قالوا؟ قال "بلى قد سمعت، فرددت عليهم. وإنا نجاب عليهم ولا يجابون علينا". ٤٩٤٥ - عن أبي هريرة ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام. فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه". ٤٩٤٦ - وفي رواية عن سهيل. بهذا الإسناد. وفي حديث وكيع "إذا لقيتم اليهود" وفي حديث ابن جعفر؛ عن شعبة قال: في أهل الكتاب. وفي حديث جرير: إذا لقيتموهم. ولم يسم أحداً من المشركين. -[المعنى العام]- كان اليهود يسكنون قرى حول المدينة، وعلى أطرافها، ويجوبون الديار والشوارع والمحلات خلالها، يتعاملون بالبيع والشراء وتبادل المنافع مع أهلها، وقد جاءها الإسلام، وكفروا به ظلماً وعلواً، وقوي فيها الإسلام، وشبت دولته، وهم ضعفاء، لكنهم أعداء، يتربصون بالإسلام الدوائر، ويتعاطفون مع المشركين تارة، ويتحزبون معهم أخرى، ويكيدون

стр. 4799

للمسلمين ثالثة، لكنهم جبناء، في الظاهر مسالمون، وفي الباطن محاربون ﴿قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر﴾ [آل عمران: ١١٨] كانت التحية عندهم: أنعم صباحاً، وأنعم مساء، وأبدل الله المسلمين بها تحية الإسلام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وصارت هذه التحية شعار المسلمين إذا التقوا، لكن اليهود لم يظهروا محاربتهم لهذه التحية، بل حاولوا أن يظهروا استحسانهم لها وقبولها، فكانوا إذا لقوا المسلمين قالوا لهم: السام عليكم، بدون اللام، والسام الموت، يوهمونهم أنهم يقولون: السلام عليكم، وهم يدعون على المسلمين بالموت، وفطن المسلمون لهذا، فشكوا إلى رسول الله ﷺ . كيف نرد عليهم يا رسول الله؟ قال ﷺ : قولوا: وعليكم، وتجاوز الأمر الصحابة إلى رسول الله ﷺ نفسه، دخل عليه جماعة منهم، وهو في بيت عائشة ﵂ فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم. وسمعتهم عائشة، وفطنت لقولهم، فغضبت، وثارت، وقالت لهم: وعليكم السام والموت الذؤام ولعنة الله والناس أجمعين، فأشار إليها ﷺ أن تمسك وأن تهدأ، فلما انصرفوا قال لها: يا عائشة، ما لهذا الفحش والسب والدعاء؟ إن الله لا يحب الفحش، ولا تكلفه ومعالجته وارتكابه، قالت: أو ما سمعت؟ إنهم يقولون: السام عليك. قال: قد سمعت وفطنت، كما سمعت أنت وفطنت، أو لم تسمعي ما رددت به عليهم؟ لقد قلت: وعليكم. أنا لم أبعث فاحشاً ولا متفحشاً، دعونا عليهم بما دعوا به علينا، ولا يجاب لهم، ويجيب الله دعاءنا، ونزل قوله تعالى: ﴿وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم﴾ [المجادلة: ٨]. ثم صدرت التعليمات الإلهية: لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام، ولا تشرفوهم بهذا الشرف، ولا تكرموهم بهذا التكريم، فإذا لقيتموهم في الطريق فلا تفسحوه لهم، ولا تتركوا لهم وسطه، بل اشغلوا أنتم وسطه، فأنتم الأعزة، ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين﴾ [المنافقون: ٨] واضطروهم إلى حافة الطريق وهامشه، فهم قوم غضب الله عليهم ولعنهم بظلمهم لأنفسهم وأنبيائهم، وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين. -[المباحث العربية]- (إذا سلم عليكم أهل الكتاب) الكتاب في الأصل كل مكتوب، ثم غلب على الكتاب المنزل، وعلى القرآن والتوراة والإنجيل، وخص أهل الكتاب في عرف الشرع باليهود والنصارى، وفي الرواية الثالثة "إن اليهود إذا سلموا عليكم" وفي الرواية السابعة "لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام" وفي ملحقها "إذا لقيتم اليهود" وفي ملحقها "إذا لقيتم أهل الكتاب" وفي ملحقها "إذا لقيتموهم" "ولم يسم أحداً من المشركين"، أي لم يذكر اليهود أو النصارى. (فقالوا: وعليكم) قال النووي: جاءت الأحاديث التي ذكرها مسلم "عليكم" و"وعليكم" بإثبات الواو، وحذفها، وأكثر الروايات بإثباتها، وعلى هذا في معناه وجهان: أحدهما أنه على ظاهره، قالوا: عليكم الموت، وأجيبوا: وعليكم أيضاً، أي نحن وأنتم فيه سواء، وكلنا نموت، والثاني: أن الواو، هنا

стр. 4800

للاستئناف، لا للعطف والتشريك، وتقديره: وعليكم ما تستحقونه من الذم، وأما حذف الواو فتقديره: بل عليكم السام، قال القاضي: اختار بعض العلماء -منهم ابن حبيب المالكي- حذف الواو، لئلا يقتضي التشريك، وقال غيره: بإثباتها، كما هو في أكثر الروايات. قال: وقال بعضهم: يقول: عليكم السلام، بكسر السين، أي الحجارة، وهذا ضعيف، وقال الخطابي، عامة المحدثين يروون هذا الحرف "وعليكم" بالواو، وكان ابن عيينة يرويه بغير الواو، قال الخطابي: وهذا هو الصواب، لأنه إذا حذف "الواو" صار كلامهم بعينه مردوداً عليهم خاصة، وإذا ثبت "الواو" اقتضى المشاركة معهم فيما قالوه. هذا كلام الخطابي، قال النووي: والصواب أن إثبات الواو، وحذفها جائزان، كما صحت به الروايات، وأن الواو أجود، كما هو في أكثر الروايات، ولا مفسدة فيه، لأن السام الموت، وهو علينا وعليهم، ولا ضرر في قوله بالواو. (إن اليهود إذا سلموا يقول أحدهم: السام عليكم) كذا في الأصول، بألف ساكنة، والسام الموت، وقيل: الموت العاجل، وفي الحديث "ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، إلا السام"، وذكر ابن عبد البر عن ابن طاوس قال: يقول: علاكم السام. أي ارتفع فوقكم، وتعقبه جماعة من السلف، وقد تفسر السام بالسآمة، وأصلها السأم عليكم، خفف الهمزة. (استأذن رهط من اليهود) الرهط من ثلاثة إلى تسعة، قال الحافظ ابن حجر: لم أعرف أسماءهم، لكن أخرج الطبراني بسند ضعيف، عن زيد بن أرقم، قال: "بينما أنا عند النبي ﷺ إذا أقبل رجل من اليهود، يقال له: ثعلبة بن الحارث، فقال: السام عليك يا محمد. فقال: وعليكم" فإن كان محفوظاً احتمل أن يكون أحد الرهط المدكورين، وكان هو الذي باشر الكلام عنه، ونسب القول إلى جماعتهم لرضاهم به، وفي الرواية الخامسة "أتى النبي ﷺ أناس من اليهود" وفي الرواية السادسة "سلم ناس من يهود على رسول الله ﷺ ". (فقالت عائشة: بل عليكم السام واللعنة) في الرواية الخامسة "بل عليكم السام والذام" بالذال والألف وتخفيف الميم، وهو الذي بدون ألف مع تشديد الميم، قال النووي: ويقال: الذأم بالهمزة أيضاً، والأشهر ترك الهمزة، قال: والذام والذيم والذم العيب، وروي "الدام" بالدال، ومعناه الدائم، رواه كذلك ابن الأثير، ونقل القاضي عياض الاتفاق على أنها بالذال، قال: ولو روي بالدال لكان له وجه. اهـ لكنه في الرواية يحتاج إلى حذف الواو، ليكون الدام وصفاً للسام، وفي ملحق الرواية "ففطنت بهم عائشة، فسبتهم" قال النووي: هكذا في جميع النسخ، من الفطنة وكذا نقله القاضي عن الجمهور، قال: ورواه بعضهم "فقطبت" بالقاف وتشديد الطاء، بعدها باء وقد تخفف الطاء في هذا اللفظ، وهو بمعنى "غضبت" ولكن الصحيح الأول، وفي الرواية السادسة "فقالت عائشة -وغضبت- ألم تسمع؟ " وفي رواية البخاري عن عائشة "فقالت: عليكم، ولعنكم الله، وغضب عليكم" وفي رواية له عن عائشة "ففهمتها، فقلت: عليكم السام واللعنة" ولعل عائشة ﵂ فهمت كلامهم بفطنتها، فأنكرت عليهم، وظنت أن النبي ﷺ ظن أنهم تلفظوا بلفظ السلام، فبالغت في الإنكار عليهم. (فقال رسول الله ﷺ : يا عائشة، إن الله يحب الرفق في الأمر كله) أل في "الأمر" للجنس، أي في الأمور كلها، والرفق بكسر الراء وسكون الفاء هو لين الجانب بالقول والفعل، والأخذ
следующие страницы →