← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 4796–4835 · переход к 4801.

стр. 4796

الرجل على دابته، فيحمله عليها، ويرفع له عليها متاعه صدقة" وأما إعانة المظلوم، فله شاهد تقدم في كتاب المظالم، وأما إغاثة الملهوف، فله شاهد في الصحيحين، من حديث أبي موسى، وفيه "ويعين ذا الحاجة الملهوف" وفي حديث أبي ذر عند ابن حبان "وتسعى بشدة ساقيك مع اللهفان المستغيث" وأما إرشاد السبيل، فروى الترمذي، وصححه ابن حبان من حديث أبي ذر مرفوعاً "وإرشادك الرجل في أرض الضلال صدقة" وأما كف الأذى، فالمراد به كف الأذى عن المارة، بأن لا يجلس حيث يضيق عليهم الطريق، أو على باب منزل من يتأذى بجلوسه عليه، أو حيث ينكشف عياله، أو ينكشف ما يريد ستره من حاله، قاله القاضي عياض، ويحتمل أن يكون المراد كف أذى الناس، بعضهم عن بعض. والله أعلم. قال الحافظ ابن حجر: وفي الحديث حجة لمن يقول بأن سد الذرائع بطريق الأولى، لا على الحتم، لأنه نهاهم أولاً عن الجلوس، حسماً للمادة، فلما قالوا: "ما لنا منها بد" ذكر لهم المقاصد الأصلية للمنع، فعرف أن النهي الأول للإرشاد إلى الأصلح، ويؤخذ منه أن دفع المفسدة أولى من جلب المصلحة، لندبه أولاً إلى ترك الجلوس، مع ما فيه من الأجر لمن عمل بحق الطريق، وذلك أن الاحتياط لطلب السلامة آكد من الطمع في الزيادة. وقد عقب البخاري على هذا الحديث بباب الآبار التي على الطريق، إذا لم يتأذ بها، وساق حديث البئر الذي شرب منه العطشان، ثم سقى منه الكلب الذي كان يلهث من شدة العطش، ثم بباب إماطة الأذى، وساق حديث "يميط الأذى عن الطريق صدقة" لأنها تسبب سلامة من يمر به من الأذى، فكأنه تصدق عليه بذلك، فحصل له أجر الصدقة، ثم عقبه بباب الغرفة المشرفة وغير المشرفة في السطوح وغيرها. قال العلماء: حكم الغرف على السطوح المشرفة على الطرقات -أي والبلكونات- الجواز، إذا أمن من الإشراف على عورات الناس والمنازل، فإن لم يؤمن لم يجبر على سده، بل يؤمر بعدم الإشراف، ولمن هو أسفل منه أن يتحفظ، ثم عقبه بباب "من عقل بعيره على باب المسجد" -ومثل ذلك السيارات- وحكمة الجواز إذا لم يحصل به ضرر. والله أعلم

стр. 4797

(٥٨٣) باب السلام على أهل الكتاب والرد عليهم ٤٩٣٦ - عن أنس بن مالك ﵁، أن رسول الله ﷺ قال "إذا سلم عليكم أهل الكتاب، فقولوا: وعليكم". ٤٩٣٧ - عن أنس ﵁، أن أصحاب النبي ﷺ : قالوا للنبي ﷺ إن أهل الكتاب يسلمون علينا، فكيف نرد عليهم؟ قال: "قولوا وعليكم". ٤٩٣٨ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "إن اليهود إذا سلموا عليكم، يقول أحدهم السام عليكم، فقل عليك". ٤٩٣٩ - عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ . بمثله. غير أنه قال "فقولوا: وعليك". ٤٩٤٠ - عن عائشة ﵂ قالت: استأذن رهط من اليهود على رسول الله ﷺ . فقالوا: السام عليكم. فقالت عائشة: بل، عليكم السام واللعنة. فقال رسول الله ﷺ "يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله" قالت: ألم تسمع ما قالوا؟ قال "قد قلت وعليكم". ٤٩٤١ - وفي رواية عن الزهري. بهذا الإسناد. وفي حديثهما جميعاً: قال رسول الله ﷺ "قد قلت: عليكم" ولم يذكروا الواو. ٤٩٤٢ - عن عائشة ﵂ قالت: أتى النبي ﷺ أناس من اليهود. فقالوا

стр. 4798

السام عليك يا أبا القاسم. قال "وعليكم" قالت عائشة: قلت بل عليكم السام والذام. فقال رسول الله ﷺ "يا عائشة لا تكوني فاحشة" فقالت: ما سمعت ما قالوا؟ فقال: أوليس قد رددت عليهم الذي قالوا. قلت: وعليكم". ٤٩٤٣ - وفي رواية عن الأعمش. بهذا الإسناد. غير أنه قال: ففطنت بهم عائشة، فسبتهم. فقال رسول الله ﷺ "مه يا عائشة. فإن الله لا يحب الفحش والتفحش" وزاد فأنزل الله ﴿وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله﴾ [المجادلة/ ٨] إلى آخر الآية. ٤٩٤٤ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سلم ناس من يهود على رسول الله ﷺ فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم. فقال "وعليكم" فقالت عائشة، وغضبت: ألم تسمع ما قالوا؟ قال "بلى قد سمعت، فرددت عليهم. وإنا نجاب عليهم ولا يجابون علينا". ٤٩٤٥ - عن أبي هريرة ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام. فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه". ٤٩٤٦ - وفي رواية عن سهيل. بهذا الإسناد. وفي حديث وكيع "إذا لقيتم اليهود" وفي حديث ابن جعفر؛ عن شعبة قال: في أهل الكتاب. وفي حديث جرير: إذا لقيتموهم. ولم يسم أحداً من المشركين. -[المعنى العام]- كان اليهود يسكنون قرى حول المدينة، وعلى أطرافها، ويجوبون الديار والشوارع والمحلات خلالها، يتعاملون بالبيع والشراء وتبادل المنافع مع أهلها، وقد جاءها الإسلام، وكفروا به ظلماً وعلواً، وقوي فيها الإسلام، وشبت دولته، وهم ضعفاء، لكنهم أعداء، يتربصون بالإسلام الدوائر، ويتعاطفون مع المشركين تارة، ويتحزبون معهم أخرى، ويكيدون

стр. 4799

للمسلمين ثالثة، لكنهم جبناء، في الظاهر مسالمون، وفي الباطن محاربون ﴿قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر﴾ [آل عمران: ١١٨] كانت التحية عندهم: أنعم صباحاً، وأنعم مساء، وأبدل الله المسلمين بها تحية الإسلام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وصارت هذه التحية شعار المسلمين إذا التقوا، لكن اليهود لم يظهروا محاربتهم لهذه التحية، بل حاولوا أن يظهروا استحسانهم لها وقبولها، فكانوا إذا لقوا المسلمين قالوا لهم: السام عليكم، بدون اللام، والسام الموت، يوهمونهم أنهم يقولون: السلام عليكم، وهم يدعون على المسلمين بالموت، وفطن المسلمون لهذا، فشكوا إلى رسول الله ﷺ . كيف نرد عليهم يا رسول الله؟ قال ﷺ : قولوا: وعليكم، وتجاوز الأمر الصحابة إلى رسول الله ﷺ نفسه، دخل عليه جماعة منهم، وهو في بيت عائشة ﵂ فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم. وسمعتهم عائشة، وفطنت لقولهم، فغضبت، وثارت، وقالت لهم: وعليكم السام والموت الذؤام ولعنة الله والناس أجمعين، فأشار إليها ﷺ أن تمسك وأن تهدأ، فلما انصرفوا قال لها: يا عائشة، ما لهذا الفحش والسب والدعاء؟ إن الله لا يحب الفحش، ولا تكلفه ومعالجته وارتكابه، قالت: أو ما سمعت؟ إنهم يقولون: السام عليك. قال: قد سمعت وفطنت، كما سمعت أنت وفطنت، أو لم تسمعي ما رددت به عليهم؟ لقد قلت: وعليكم. أنا لم أبعث فاحشاً ولا متفحشاً، دعونا عليهم بما دعوا به علينا، ولا يجاب لهم، ويجيب الله دعاءنا، ونزل قوله تعالى: ﴿وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم﴾ [المجادلة: ٨]. ثم صدرت التعليمات الإلهية: لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام، ولا تشرفوهم بهذا الشرف، ولا تكرموهم بهذا التكريم، فإذا لقيتموهم في الطريق فلا تفسحوه لهم، ولا تتركوا لهم وسطه، بل اشغلوا أنتم وسطه، فأنتم الأعزة، ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين﴾ [المنافقون: ٨] واضطروهم إلى حافة الطريق وهامشه، فهم قوم غضب الله عليهم ولعنهم بظلمهم لأنفسهم وأنبيائهم، وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين. -[المباحث العربية]- (إذا سلم عليكم أهل الكتاب) الكتاب في الأصل كل مكتوب، ثم غلب على الكتاب المنزل، وعلى القرآن والتوراة والإنجيل، وخص أهل الكتاب في عرف الشرع باليهود والنصارى، وفي الرواية الثالثة "إن اليهود إذا سلموا عليكم" وفي الرواية السابعة "لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام" وفي ملحقها "إذا لقيتم اليهود" وفي ملحقها "إذا لقيتم أهل الكتاب" وفي ملحقها "إذا لقيتموهم" "ولم يسم أحداً من المشركين"، أي لم يذكر اليهود أو النصارى. (فقالوا: وعليكم) قال النووي: جاءت الأحاديث التي ذكرها مسلم "عليكم" و"وعليكم" بإثبات الواو، وحذفها، وأكثر الروايات بإثباتها، وعلى هذا في معناه وجهان: أحدهما أنه على ظاهره، قالوا: عليكم الموت، وأجيبوا: وعليكم أيضاً، أي نحن وأنتم فيه سواء، وكلنا نموت، والثاني: أن الواو، هنا

стр. 4800

للاستئناف، لا للعطف والتشريك، وتقديره: وعليكم ما تستحقونه من الذم، وأما حذف الواو فتقديره: بل عليكم السام، قال القاضي: اختار بعض العلماء -منهم ابن حبيب المالكي- حذف الواو، لئلا يقتضي التشريك، وقال غيره: بإثباتها، كما هو في أكثر الروايات. قال: وقال بعضهم: يقول: عليكم السلام، بكسر السين، أي الحجارة، وهذا ضعيف، وقال الخطابي، عامة المحدثين يروون هذا الحرف "وعليكم" بالواو، وكان ابن عيينة يرويه بغير الواو، قال الخطابي: وهذا هو الصواب، لأنه إذا حذف "الواو" صار كلامهم بعينه مردوداً عليهم خاصة، وإذا ثبت "الواو" اقتضى المشاركة معهم فيما قالوه. هذا كلام الخطابي، قال النووي: والصواب أن إثبات الواو، وحذفها جائزان، كما صحت به الروايات، وأن الواو أجود، كما هو في أكثر الروايات، ولا مفسدة فيه، لأن السام الموت، وهو علينا وعليهم، ولا ضرر في قوله بالواو. (إن اليهود إذا سلموا يقول أحدهم: السام عليكم) كذا في الأصول، بألف ساكنة، والسام الموت، وقيل: الموت العاجل، وفي الحديث "ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، إلا السام"، وذكر ابن عبد البر عن ابن طاوس قال: يقول: علاكم السام. أي ارتفع فوقكم، وتعقبه جماعة من السلف، وقد تفسر السام بالسآمة، وأصلها السأم عليكم، خفف الهمزة. (استأذن رهط من اليهود) الرهط من ثلاثة إلى تسعة، قال الحافظ ابن حجر: لم أعرف أسماءهم، لكن أخرج الطبراني بسند ضعيف، عن زيد بن أرقم، قال: "بينما أنا عند النبي ﷺ إذا أقبل رجل من اليهود، يقال له: ثعلبة بن الحارث، فقال: السام عليك يا محمد. فقال: وعليكم" فإن كان محفوظاً احتمل أن يكون أحد الرهط المدكورين، وكان هو الذي باشر الكلام عنه، ونسب القول إلى جماعتهم لرضاهم به، وفي الرواية الخامسة "أتى النبي ﷺ أناس من اليهود" وفي الرواية السادسة "سلم ناس من يهود على رسول الله ﷺ ". (فقالت عائشة: بل عليكم السام واللعنة) في الرواية الخامسة "بل عليكم السام والذام" بالذال والألف وتخفيف الميم، وهو الذي بدون ألف مع تشديد الميم، قال النووي: ويقال: الذأم بالهمزة أيضاً، والأشهر ترك الهمزة، قال: والذام والذيم والذم العيب، وروي "الدام" بالدال، ومعناه الدائم، رواه كذلك ابن الأثير، ونقل القاضي عياض الاتفاق على أنها بالذال، قال: ولو روي بالدال لكان له وجه. اهـ لكنه في الرواية يحتاج إلى حذف الواو، ليكون الدام وصفاً للسام، وفي ملحق الرواية "ففطنت بهم عائشة، فسبتهم" قال النووي: هكذا في جميع النسخ، من الفطنة وكذا نقله القاضي عن الجمهور، قال: ورواه بعضهم "فقطبت" بالقاف وتشديد الطاء، بعدها باء وقد تخفف الطاء في هذا اللفظ، وهو بمعنى "غضبت" ولكن الصحيح الأول، وفي الرواية السادسة "فقالت عائشة -وغضبت- ألم تسمع؟ " وفي رواية البخاري عن عائشة "فقالت: عليكم، ولعنكم الله، وغضب عليكم" وفي رواية له عن عائشة "ففهمتها، فقلت: عليكم السام واللعنة" ولعل عائشة ﵂ فهمت كلامهم بفطنتها، فأنكرت عليهم، وظنت أن النبي ﷺ ظن أنهم تلفظوا بلفظ السلام، فبالغت في الإنكار عليهم. (فقال رسول الله ﷺ : يا عائشة، إن الله يحب الرفق في الأمر كله) أل في "الأمر" للجنس، أي في الأمور كلها، والرفق بكسر الراء وسكون الفاء هو لين الجانب بالقول والفعل، والأخذ

стр. 4801

بالأسهل، وهو ضد العنف، وفي الرواية الخامسة "يا عائشة، لا تكوني فاحشة" وفي ملحقها "مه يا عائشة، فإن الله لا يحب الفحش والتفحش" و"مه" اسم فعل للزجر عن الشيء بمعنى اكففي، والفحش كل ما خرج عن الحدود، ولو لم يكن عيباً شرعياً، ويدخل في القول والفعل والصفة، يقال: طول فاحش، إذا أفرط في الطول، لكن استعماله في القول أكثر، وقيل: الفحش القبح والمتفحش بتشديد الحاء وكسرها الذي يتعمد ذلك، ويكثر منه ويتكلفه، وأغرب الداودي، فقال: الفاحش الذي يقول الفحش، والمتفحش الذي يستعمل الفحش، ليضحك الناس. قال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر أن النبي ﷺ أراد أن لا يتعود لسانها بالفحش، أو أنكر عليها الإفراط في السب. اهـ أي فقال لها ما قال بعد أن خرجوا. -[فقه الحديث]- ما يتعلق ببدء أهل الكتاب بالسلام والرد عليهم سبق في الباب قبله، وما يتعلق بكيفية الرد عليهم سبق في المباحث العربية -[وبقي بعض ما يؤخذ من الأحاديث. فيؤخذ منها: ]- ١ - ما كان عليه اليهود من الخداع والتربص بالمسلمين. ٢ - ظهور الكبير بمظهر المنخدع، لمصلحة التآلف، قال النووي: في هذا الحديث استحباب تغافل أهل الفضل عن سفه المبطلين، إذا لم يترتب عليه مفسدة، قال الشافعي: الكيس العاقل هو الفطن المتغافل. ٣ - استدل بالروايات الثلاث الأول على أن الرد بقوله "عليكم" أو "وعليكم" خاص بالكفار، فلا يجزئ في الرد على المسلم، وقيل: إن أجاب بالواو أجزأ. ٤ - استدل بلعن عائشة لليهود المعينين على جواز لعن الكافر المعين، ولا سيما إذا صدر منه ما يقتضي التأديب، ويحتمل أنها ﵂ تقدم لها علم بأن المذكورين يموتون على الكفر، فأطلقت اللعن، ولم تقيده بالموت. وسيأتي الكلام على جواز لعن المشرك المعين الحي. ٥ - لما كان اليهود أهل ذمة، وطلب الرد عليهم بعبارة خاصة أخذ بعضهم جواز الرد على أهل الذمة، ومنع الرد على أهل الحرب. ٦ - الحث على الرفق في الأمور كلها. ٧ - من قوله في الرواية السادسة "نجاب عليهم ولا يجابون علينا" أن دعوة الكافر والفاسق الظالمة على المسلم لا تجاب، وتجاب دعوة المسلم على الكافر. ٨ - ما كانت عليه عائشة ﵂ من الفطنة، والغيرة على رسول الله ﷺ ، والجرأة في الحق، والانتصار لأهل الفضل ممن يؤذيهم. والله أعلم

стр. 4802

(٥٨٤) باب استحباب السلام على الصبيان ٤٩٤٧ - عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ مر على غلمان، فسلم عليهم. ٤٩٤٨ - عن سيار قال: كنت أمشي مع ثابت البناني، فمر بصبيان، فسلم عليهم. وحدث ثابت: أنه كان يمشي مع أنس، فمر بصبيان، فسلم عليهم. وحدث أنس: أنه كان يمشي مع رسول الله ﷺ ، فمر بصبيان، فسلم عليهم. -[المعنى العام]- إن تدريب الصبيان على التشريعات الإسلامية مقصد مهم من مقاصد الدين، يعلمون الصلاة لسبع، ويضربون على إهمالها عند العشر، ويصطحبون إلى المساجد، ليتعودوا احترامها، والسكينة عندها، ويعلمون آداب الشريعة، من صدق وأمانة، ووفاء بالعهد، وصيانة اللسان من فحش القول، وصيانة الجوارح من المعصية، وإن كانوا غير مكلفين، حتى يبلغوا. ومن التدريب على هذه الآداب إلقاء السلام عليهم إذا مررنا بهم، ففي هذا تكريم لهم، وغرس للمودة بين الكبار وبينهم، وإشعارهم بتواضع كبيرهم، وشفقته عليهم، وحرصه على صالحهم. وقد كان ﷺ إذا مر بصبيان مميزين سلم عليهم. -[المباحث العربية]- (مر على غلمان) في الرواية الثانية "مر على صبيان" في كتب اللغة: الغلام الطار الشارب، والصبي من حين يولد إلى أن يشب، والجمع غلمان وغلمة، بكسر الغين فيهما، والصبي الصغير، من حين الولادة إلى البلوغ. -[فقه الحديث]- سبق توضيحه في الباب قبل السابق، باب يسلم الراكب على الماشي.

стр. 4803

(٥٨٥) باب جواز جعل الإذن رفع حجاب أو غيره من العلامات ٤٩٤٨ - عن ابن مسعود ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "إذنك علي أن يرفع الحجاب، وأن تستمع سوادي، حتى أنهاك". -[المعنى العام]- سبق قريباً، قبل أبواب الكلام عن الاستئذان، وحكمة مشروعيته، وكيفيته، وأحكامه. وهذا الباب جزئية تابعة له. وحاصلها: هل يشترط في الإذن أن يكون صريحاً بالقول؟ أو تكفي الإشارة؟ أو الحركة المفهمة؟ وخلاصة القول إن العرف هو الفيصل في اعتماد الإشارة أو عدم اعتمادها. فهناك من يستخدم التكنولوجيا الحديثة، فيرى وهو في جوف حجرته زائراً على الباب، وقبل أن يدق الجرس يضغط صاحب البيت على زر صغير بجواره، فينفتح الباب السفلي، فإذا وصل إلى الباب الداخلي انفتح الباب وحده بمجرد مشيه على الأرض قبل الباب بنحو متراً، وهذا إذن عرف صحيح ولا شك. وهناك الكبير يجلس في مجلسه في جوف بيته، ويفتح الباب العام على مصراعيه، ليدخل من يريده، ففتح الباب الكبير مع هذا يعتبر إذناً، يسمح لمن أراد أن يدخل، حتى يصل إلى المجلس، فيسلم، فيؤذن له بالجلوس. وهناك من يفتح الباب بنفسه، ويسمح للطارق بالدخول بالإشارة أو بالفعل، فيعتبر تلاقي الشخصين وتقارب الجسمين إذناً لا يلغيه إلا أن يقول صاحب البيت: لا تدخل. يحكي ابن مسعود هذه الصورة، وأن رسول الله ﷺ قال له: حينما تأتيني، وترغب الدخول علي، وتستأذن، فتراني فتحت الباب، ورفعت الحجاب، وترى شخصي وقد قارب شخصك، فاعتبر هذا إذناً مني لك بالدخول، إلا إذا نهيتك عن الدخول. -[المباحث العربية]- (إذنك علي أن يرفع الحجاب) "إذنك" مصدر مضاف إلى المفعول، وهناك مضاف

стр. 4804

محذوف، أي علامة إذني لك بالدخول علي، أن أرفع الحجاب الذي يحجبك عني، ويحجبني عنك، ففعل "يرفع" بالبناء للمجهول، فاعله المراد صاحب البيت أو من ينيبه، وليس الطارق. (وأن تستمع سوادي) قال النووي: السواد بكسر السين وبالدال، قال: واتفق العلماء على أن المراد به (السرار) بكسر السين، وبالراء المكررة، وهو السر، يقال: ساورت الرجل مساورة، إذا ساررته، قالوا: وهو مأخوذ من إدناء سوارك من سواره عند المساررة، أي قرب شخصك من شخصه، والسواد اسم لكل شخص. اهـ وفي كتب اللغة: السواد بفتح السين ضد البياض من الألوان، والشخص، يقال: لا يفارق سوادي سواده، أي لا تفارق عيني شخصه، ولا يزايل سوادي بياضك، أي لا يفارق شخصي شخصك. والسواد بكسر السين أو ضمها المسارة. وقد اعتمد النووي الرواية بكسر السين ففسرها التفسير السابق، دعاه إلى ذلك لفظ "تستمع" ولو فسرنا "تستمع" بلفظ "تحس" مجازاً مرسلاً، بعلاقة الإطلاق بعد التقييد صح التفسير الثاني. -[فقه الحديث]- قال النووي: فيه دليل جواز اعتماد العلامة في الإذن في الدخول، فإذا جعل الأمير والقاضي ونحوهما وغيرهم رفع الستر الذي على بابه علامة في الإذن في الدخول عليه للناس عامة، أو لطائفة خاصة، أو لشخص خاص، أو جعل علامة غير ذلك، جاز اعتمادها والدخول -إذا وجدت- بغير استئذان، وكذا إذا جعل الرجل ذلك علامة بينه وبين خدمه وكبار أولاده وأهله، فمتى أرخى حجابه فلا دخول إلا باستئذان، فإذا رفعه جاز بلا استئذان. والله أعلم

стр. 4805

(٥٨٦) باب خروج النساء لقضاء حاجة الإنسان ٤٩٤٩ - عن عائشة ﵂ قالت: خرجت سودة بعد ما ضرب عليها الحجاب لتقضي حاجتها، وكانت امرأة جسيمة تفرع النساء جسماً لا تخفى على من يعرفها. فرآها عمر بن الخطاب فقال: يا سودة، والله ما تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين. قالت: فانكفأت راجعة ورسول الله ﷺ في بيتي، وإنه ليتعشى وفي يده عرق. فدخلت، فقالت: يا رسول الله، إني خرجت فقال لي عمر كذا وكذا. قالت: فأوحي إليه، ثم رفع عنه، وإن العرق في يده ما وضعه. فقال: إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن. وفي رواية أبي بكر: يفرع النساء جسمها. زاد أبو بكر في حديثه، فقال هشام: يعني البراز. ٤٩٥٠ - وفي رواية عن هشام بهذا الإسناد، وقال: وكانت امرأة يفرع الناس جسمها. قال: وإنه ليتعشى. ٤٩٥١ - عن عائشة ﵂، أن أزواج رسول الله ﷺ كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع، وهو صعيد أفيح. وكان عمر بن الخطاب يقول لرسول الله ﷺ : احجب نساءك. فلم يكن رسول الله ﷺ يفعل. فخرجت سودة بنت زمعة، زوج النبي ﷺ ، ليلة من الليالي عشاء، وكانت امرأة طويلة. فناداها عمر: ألا قد عرفناك يا سودة. حرصاً على أن ينزل الحجاب. قالت عائشة: فأنزل الله الحجاب. -[المعنى العام]- لم يكن عند العرب، ولا عند أهل المدينة زمن الهجرة كنف في بيوتهم، يقضون فيها حاجتهم البشرية، بل كانوا يستنكفون أن يقع شيء من ذلك في بيوتهم، فكانوا يقضون حاجتهم في الصحراء، خارج المدينة، وكان النساء الحرائر العفيفات لا يخرجن لذلك إلا في الليل، وكانت أزواج النبي ﷺ في هذا الأمر كغيرهن من النساء.

стр. 4806

كما كانت المرأة العربية تختلط بالرجال الأجانب، ولا تحتجب عنهم، وتتعامل معهم، وتجلس معهم، وتحادثهم، وتأكل معهم، ويأكلون معها، وما كان رسول الله ﷺ ليشرع أمراً حتى يأتيه الوحي بذلك، حدث ذات يوم أن كان ﷺ يأكل مع عائشة. فمر بهما عمر ﵁ فدعاه رسول الله ﷺ ، ليأكل معهما من إناء واحد، فجلس، فأصابت إصبعه إصبع عائشة ﵂، فقال: أوه. لو أطاع فيكن ما رأتكن عين، ثم قال: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب؟ وكرر عمر هذا الرجاء، ولم يكن رسول الله ليفعل من عنده شيئاً لم ينزل به الوحي، حتى كانت ليلة زواجه ﷺ بأم المؤمنين زينب بنت جحش، بنت عمته ﷺ ، وكانت تحت زيد بن حارثة، الذي كان النبي ﷺ قد نبناه، فكان يدعى زيد بن محمد، فلما أبطل الله التبني، وقال ﴿ادعوهم لآبائهم﴾ [الأحزاب: ٥] أصبح يدعى زيد بن حارثة، وزوجه رسول الله ﷺ ابنة عمته زينب بنت جحش، وأراد الله تعالى أن يؤكد بطلان التبني، وأن التبني لا يترتب عليه بنوة شرعية، فقضى ﷻ أن يتزوج محمد ﷺ بنت عمته، زينب بنت جحش، بعد أن طلقها زيد بن حارثة، في الوقت الذي لا يحل لرجل أن يتزوج امرأة كانت زوجة لابنه الحقيقي في حال من الأحوال، وتأكيداً لهذا المعنى أقام ﷺ الولائم في ليلة زواجه بزينب، إقامة لم يسبق له أن أقامها في أية زوجة من قبل، أولم باللحم والخبز والفتيت، ودعا من يعرف ومن لا يعرف، يجيء قوم فيأكلون ويخرجون، ثم يجيء قوم، فيأكلون ويخرجون، حتى زاد عددهم على الثلاثمائة آكل، وحتى قال الداعي إلى الطعام، وهو أنس ﵁: دعوت حتى ما أجد أحداً. خرج الآكلون إلا جماعة منهم، جلسوا بعد الأكل يتحدثون، وقد رفعت الموائد، وزينب العروس جالسة في جانب من جوانب البيت، وفي زاوية من زواياه، وكانت امرأة قد أعطيت جمالاً، فتهيأ ﷺ للقيام، كأنه يريد القيام، واستحيا ﷺ أن يأمرهم بالخروج، واكتفى بالإشارة هذه ليفطنوا لمراده فيقوموا بقيامه، فلم يفطنوا، فقام، فخرج، فخرجوا بخروجه إلا ثلاثة، ألهاهم الحديث، فاستمروا بعد خروجه من البيت جالسين. مر رسول الله ﷺ ببعض بيوت أزواجه، مر ببيت عائشة، فسلم عليها، وسلمت عليه، وهنأته بزوجته الجديدة، ثم رجع إلى البيت، فوجدهم، يريد أن يقوموا من غير أن يواجههم الأمر بخروجهم، فأفاق واحد منهم من غفلة، فخرج، وبقي اثنان، فخرج ﷺ ثانية إلى بيوت أزواجه سودة، وحفصة، وأم سلمة، يسلم عليهن، ويسلمن عليه، ويهنئنه، ووصل ﷺ إلى منزله، فوجد الرجلين مازالا جالسين، فرجع، فلما رأياه رجع خرجا، ولم يعلم بخروجهما، حتى لحقه أنس ﵁، فأخبره أنهما خرجا. في تلك اللحظات نزلت آية الثقلاء، أو آية الحجاب ﴿يا أيها الذين ءامنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه﴾ [الأحزاب: ٥٣] أي غير منتظرين نضجه ﴿ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن﴾ [الأحزاب: ٥٣] فدخل رسول الله ﷺ بيته، وهو يتلو هذه الآية، وأنس يمشي من ورائه، فلما دخل ﷺ أرخى ستراً على أم المؤمنين زينب، فلم يدخل عليها أنس، كما كان يدخل من قبل، ومن هذه الساعة حرم على أزواج النبي ﷺ أن يكشفن شيئاً من أجسامهن، حتى الوجه

стр. 4807

والكفين، أمام الرجال الأجانب، لكن ماذا يفعلن عند الخروج، وهو ضرورة؟ لقد تلففت سودة ﵂ في ثيابها تلففاً كاملاً، لا يبدو منها شيء، وخرجت لقضاء حاجتها ليلاً بعد العشاء، خرجت إلى مكان قضاء الحاجة، وكانت طويلة جسيمة لا تختلط بغيرها من النساء عند من يعرفها، ورآها عمر وهي في طريقها، فناداها: يا سودة، قد عرفناك، فلا ينبغي أن تخرجي، يرجو عمر بذلك أن ترجع، وأن يفرض عليها وعلى أمهات المؤمنين الحجاب الكامل، فلا يخرجن أبداً، يرجو بذلك أن ترجع وتشكو لرسول الله ﷺ ما حصل، فينزل الوحي ثانية بمنع خروجهن، بعد أن نزل بستر أجسامهن، أو لعله فهم من آية الحجاب ﴿وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب﴾ [الأحزاب: ٥٣] أنها تلزمهن بستر شخوصهن، فلا يخرجن إلا في صندوق أو هودج مثلاً، فأراد أن يؤكد رسول الله ﷺ هذا الفهم، ورجعت سودة تحكي لرسول الله ﷺ ما حصل، تعلم أنه ﷺ في بيت عائشة، لكن الأمر لا يقبل الانتظار، كيف تقضي حاجتها إذن لو منعت من الخروج؟ ودخلت عليه في بيت عائشة، وكان يتعشى، ممسكاً في يده قطعة عظم، عليها بقايا لحم، ينهش منه، تكلمت، وتوقف ﷺ عن الأكل، وفي الحال بدا عليه أعراض نزول الوحي، ولم يلبث إلا قليلاً حتى سري عنه، ومازالت العظمة بلحمها في يده، فقال لسودة والكلام لأزواجه ﷺ جميعهن قال: أذن الله لكن أن تخرجن لقضاء حاجتكن، كما خرجت سودة، ولا حرج عليها، ولا يحل لعمر ولا لغيره أن يعترض عليكن إذا خرجتن. وهكذا قرر الإسلام حماية أزواج النبي ﷺ حماية لا حرج فيها ولا مشقة، وحال بينهن وبين المغالاة التي كان يطلبها عمر ﵁ وعن أزواج النبي ﷺ أمهات المؤمنين. -[المباحث العربية]- (خرجت سودة بعد ما ضرب عليها الحجاب) في الرواية الثانية "فخرجت سودة بنت زمعة، زوج النبي ﷺ ، ليلة من الليالي عشاء" أي بعد ما ضرب الحجاب على أمهات المؤمنين سنة خمس من الهجرة على أصح الأقوال، ليلة زواج رسول الله ﷺ بأم المؤمنين زينب بنت جحش وأم المؤمنين سودة بنت زمعة، كانت زوجة لابن عم لها، اسمه السكران بن عمرو فتوفي عنها، وتزوجها رسول الله ﷺ بمكة قبل الهجرة، وبعد موت خديجة، وأسنت عند رسول الله ﷺ ، ووهبت ليلتها من رسول الله ﷺ لعائشة، تبتغي بذلك مرضاة رسول الله ﷺ ، وتوفيت في آخر زمان عمر بن الخطاب ﵁. (لتقضي حاجتها) التي يقضيها الناس، وهي التبرز والتغوط، ولم يكن لهم كنف يقضون فيها حاجتهم، بل كان النساء الحرائر يخرجن ليلاً إلى الصحراء، فيقضين حاجتهن، ويرجعن، وفي الرواية الثانية "أن أزواج النبي ﷺ كن يخرجن بالليل إذا تبرزن" -أي إذا أردن التبرز، ففيه مجاز المشارفة- "إلى المناصع" أي يخرجن إلى المناصع، كغيرهن من النساء، والمناصع بفتح الميم والصاد المكسورة، جمع منصع، والمناصع مواضع خارج المدينة، وصف المنصع في الرواية بأنه "صعيد أفيح" أي أرض متسعة ومكان واسع،

стр. 4808

ويقال له: البراز، بفتح الباء، أي المكان البارز الظاهر الخالي من المباني والشجر، أما البراز بكسر الباء فهو الغائط، أي المواد المطرودة من الأمعاء عند التبرز. (وكانت امرأة جسيمة تفرع النساء جسماً) "جسيمة" عظيمة الجسم، وفي الرواية الثانية "وكانت امرأة طويلة" أي وعريضة، و"تفرع" بفتح التاء والراء، بينهما فاء ساكنة، أي تطول النساء فتكون أطول منهن، والفارع المرتفع العالي، وفي ملحق الرواية "يفرع النساء جسمها" وفي الملحق الثاني "وكانت امرأة يفرع الناس جسمها". (لا تخفى على من يعرفها) يعني لا تخفى إذا كانت متلففة في ثيابها ومرطها، في ظلمة الليل ونحوها، لا تخفى على من سبقت له معرفة طولها، لانفرادها بذلك. (فرآها عمر بن الخطاب، فقال: يا سودة والله ما تخفين علينا) في الرواية الثانية "كان عمر بن الخطاب يقول لرسول الله ﷺ : احجب نساءك، فلم يكن رسول الله ﷺ يفعل، فخرجت سودة بنت زمعة زوج النبي ﷺ ليلة من الليالي عشاء، وكانت امرأة طويلة، فناداها عمر: ألا قد عرفناك يا سودة، حرصاً على أن ينزل الحجاب. قالت عائشة: فأنزل الله آية الحجاب". حاصل القصة أن عمر ﵁ كان حريصاً على أن يحجب النبي ﷺ نساءه، فقد كن يخرجن لابسات كالنساء، ويقابلن الرجال كغيرهن من النساء، بل وأكلت عائشة مع النبي ﷺ ، فمر عليهما عمر، فدعاه ﷺ ليأكل معهما من إناء واحد، فلمست إصبعه إصبعها، فقال: أوه. لو أطاع فيكن ما رأتكن عين، وأخذ يقول للرسول ﷺ : احجب نساءك، حتى نزلت آية الحجاب ﴿وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب﴾ [الأحزاب: ٥٣] فكن إذا خرجن تلففن، بحيث لا يرى من أجسامهن شيء، وخرجت سودة، فأراد عمر إحراجها، لئلا تخرج ثانية، وكان حريصاً على حجاب كامل، يمنع خروج أزواج النبي ﷺ من بيوتهن، فناداها، فرجعت، فأخبرت النبي ﷺ ، فنزل الوحي، يبيح لهن الخروج لحاجتهن، ففي الرواية الثانية تقديم وتأخير، وترتيبها: أن أزواج النبي ﷺ كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع، وهو صعيد أفيح، وكان عمر بن الخطاب يقول لرسول الله ﷺ : احجب نساءك، فلم يكن رسول الله ﷺ ليفعل [أمراً كهذا بدون الوحي] فأنزل الله آية الحجاب [فاحتجبن عن الرجال بحيث لا ترى أجسادهن، لا في بيوتهن، ولا إذا خرجن لقضاء حاجتهن] فخرجت سودة بنت زمعة ليلة من الليالي عشاء [لقضاء حاجتها، متلففة لا يرى منها شيء] وكانت امرأة طويلة [لا تختلط بغيرها من النساء] فناداها عمر: ألا قد عرفناك يا سودة [قال ذلك] حرصاً على أن ينزل الحجاب [الكامل المانع من خروجهن] وتكملة القصة في الرواية الأولى. (فانظري كيف تخرجين؟ ) الاستفهام إنكاري توبيخي، كيف تخرجين؟ أي لا ينبغي أن تخرجي، ولو كنت متلففة. (قالت) عائشة. (فانكفأت) بضمير الغائبة، أي فرجعت سودة إلى البيت، ولم تقض حاجتها، فقوله "راجعة" حال مؤكدة.

стр. 4809

(ورسول الله ﷺ في بيتي) أي في بيت عائشة، وكانت سودة تعلم أنه في بيت عائشة، فذهبت إليه هناك. (وإنه ليتعشى، وفي يده عرق) بفتح العين وسكون الراء، وهو العظم عليه لحم، تقول: تعرقت العظم، وأعرقته إذا تتبعت ما عليه من لحم، والغرض من ذكره وقولها فيما بعد "وإن العرق في يده، ما وضعه" الإشارة إلى سرعة نزول الوحي بحكم الواقعة. (أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن) في رواية البخاري "أن تخرجن لحوائجكن" قال الداودي: في صيغة هذا الجمع نظر، لأن جمع الحاجة حاجات، ولا يقال: حوائج، وتعقبه ابن التين فأجاد، وقال: الحوائج جمع حاجة أيضاً. -[فقه الحديث]- أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس ﵁ قال: "لما تزوج رسول الله ﷺ زينب بنت جحش، دعا القوم، فطعموا، ثم جلسوا يتحدثون، وإذا هو كأنه يتهيأ للقيام، فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام، فلما قام قام من قام، وقعد ثلاثة نفر، فجاء النبي ﷺ ليدخل، فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا، فانطلقت، فجئت، فأخبرت النبي ﷺ أنهم قد انطلقوا، فجاء حتى دخل، فألقى الحجاب بيني وبينه، فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها الذين ءامنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه﴾ أي غير منتظرين نضجه ﴿ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا﴾ أي فإذا أكلتم الطعام فتفرقوا، ولا تلبثوا ﴿ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب﴾ [الأحزاب: ٥٣] أي إذا سألتم نساء النبي ﷺ شيئاً، أو أردتم أن تكلموهن، فكلموهن من وراء ساتر بينكم وبينهن، وتسمى هذه الآية عند المفسرين بآية الثقلاء، والحديث واضح في سبب النزول، وأخرج البخاري في الأدب المفرد والنسائي من حديث عائشة ﵂ أنها كانت تأكل مع النبي ﷺ ، وكان يأكل معهما بعض أصحابه، فأصابت يد رجل يدها، فكره النبي ﷺ ذلك، فنزلت. ولا مانع من تعدد أسباب نزول الآية الواحدة. ونزلت آية الحجاب في السنة الخامسة من الهجرة على الصحيح، قال القاضي عياض: فرض الحجاب مما اختص به أزواج النبي ﷺ ، فهو فرض عليهن بلا خلاف في الوجه والكفين، فلا يجوز لهن كشف ذلك لشهادة ولا غيرها، ولا يجوز لهن إظهار شخوصهن، وإن كن مستترات، إلا ما دعت إليه الضرورة، من الخروج للبراز، قال الله تعالى ﴿وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب﴾ [الأحزاب: ٥٣] وقد كن إذا قعدن للناس جلسن من وراء حجاب، وإذا خرجن حجبن، وسترن أشخاصهن -في هودج ونحوه- كما جاء في حديث حفصة يوم وفاة عمر -إذ طلبت ﵂ من النساء أن يسترنها عن أن يرى شخصها، أخرجه مالك في الموطأ، وأن زينب بنت جحش ﵂ لما ماتت جعل لها قبة فوق نعشها، ليستر شخصها. اهـ

стр. 4810

قال الحافظ ابن حجر: وليس فيما ذكره دليل على ما ادعاه، من فرض ذلك عليهن، وقد كن بعد النبي ﷺ يحججن ويطفن، وكان الصحابة ومن بعدهم يسمعون منهن الحديث، وهن مستترات الأبدان، لا الأشخاص. اهـ وحديث الباب يؤيد ما قاله الحافظ ابن حجر، فخروج سودة ﵂، بعد الحجاب، وكانت ساترة لجميع بدنها، غير حاجبة لشخصها، وكان حرص عمر ﵁ على أن لا يبدين شخوصهن أصلاً، ولو كن مستترات، فبالغ في ذلك، فمنع منه، وأذن لهن في الخروج لحاجتهن، دفعاً للمشقة، ورفعاً للحرج. -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - منقبة ظاهرة لعمر بن الخطاب ﵁ وشدة حرصه على الرسول ﷺ ، وغيرته على أمهات المؤمنين، وهذه إحدى موافقاته المشهورة. وعد الشيعة ما وقع منه ﵁ من المثالب والنقائص، قالوا: لما فيه من سوء الأدب، وتخجيل سودة، حرم رسول الله ﷺ ، وإيذائها بذلك، وأجاب أهل السنة بأنه ﵁ رأى أن لا بأس بذلك، لما غلب على ظنه من ترتب الخير العظيم عليه، ورسول الله ﷺ وإن كان أعلم منه وأغير لم يفعل ذلك، انتظاراً للوحي، وهو اللائق بكمال شأنه مع ربه ، ولو كان في فعل عمر ﵁ ما يؤاخذ عليه، لوجهه وأرشده رسول الله ﷺ لما ينبغي. ٢ - وفيه تنبيه أهل الفضل والكبار على مصالحهم، ونصيحتهم، وتكرار ذلك عليهم. ٣ - وجواز تعرق العرق والعظم. ٤ - وجواز خروج المرأة من بيت زوجها، لقضاء حاجة الإنسان [التبرز ونحوه] إلى الموضع المعتاد لذلك بغير استئذان الزوج، لأنه مما لا يستغني عنه الإنسان، وقد أذن فيه الشرع. ٥ - أن كثيراً من القرآن الكريم كان ينزل جواباً عن أسئلة، أو حكماً لمسألة، أو حلا لمشكلة، وقد اختلف العلماء. متى نزلت آية الحجاب، فقيل: إنها نزلت حال قيام الثقلاء، أي أنزلها الله وقد قاموا، وفي رواية "فرجع، فدخل البيت، وأرخى الستر، وإني لفي الحجرة، وهو يقول ﴿يا أيها الذين ءامنوا لا تدخلوا بيوت النبي .. ﴾ إلى قوله ﴿والله لا يستحيي من الحق﴾ [الأحزاب: ٥٣]. والله أعلم

стр. 4811

(٥٨٧) باب تحريم الخلوة بالأجنبية والدخول عليها ودفع ظن السوء إذا خلا بامرأة حلال ٤٩٥٢ - عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا لا يبيتن رجل عند امرأة ثيب إلا أن يكون ناكحاً أو ذا محرم". ٤٩٥٣ - عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: "إياكم والدخول على النساء" فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أفرأيت الحمو" قال: "الحمو الموت". ٤٩٥٤ - عن الليث بن سعد قال: الحمو أخ الزوج وما أشبهه من أقارب الزوج ابن العم ونحوه. ٤٩٥٥ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄؛ أن نفراً من بني هاشم دخلوا على أسماء بنت عميس. فدخل أبو بكر الصديق، وهي تحته يومئذ، فرآهم، فكره ذلك. فذكر ذلك لرسول الله ﷺ وقال: لم أر إلا خيراً فقال رسول الله ﷺ : "إن الله قد برأها من ذلك" ثم قام رسول الله ﷺ على المنبر فقال: "لا يدخلن رجل بعد يومي هذا على مغيبة إلا ومعه رجل أو اثنان". ٤٩٥٦ - عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان مع إحدى نسائه، فمر به رجل فدعاه فجاء، فقال: "يا فلان هذه زوجتي فلانة" فقال يا رسول الله، من كنت أظن به فلم أكن أظن بك. فقال رسول الله ﷺ : "إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم".

стр. 4812

٤٩٥٧ - عن صفية بنت حيي ﵂ قالت: كان النبي ﷺ معتكفاً، فأتيته أزوره ليلاً فحدثته، ثم قمت لأنقلب فقام معي ليقلبني، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد. فمر رجلان من الأنصار فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا، فقال النبي ﷺ : "على رسلكما إنها صفية بنت حيي" فقالا: سبحان الله يا رسول الله. قال: "إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شراً أو قال شيئاً". ٤٩٥٨ - عن صفية زوج النبي ﷺ ﵂؛ أنها جاءت إلى النبي ﷺ تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان، فتحدثت عنده ساعة، ثم قامت تنقلب وقام النبي ﷺ يقلبها. ثم ذكر بمعنى حديث معمر، غير أنه قال: فقال النبي ﷺ "إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم" ولم يقل: يجري. -[المعنى العام]- كانت المرأة قبل الإسلام عند العرب تخالط الرجال الأجانب، وتجالسهم، ويدخلون عليها بيتها، في حضرة زوجها، أو أهلها، أو بدون حضورهم، ولم تكن ملزمة بالتحشم في اللباس، ولا في القول، فكان يطمع فيها من في قلبه مرض، ويقع الفسق والفجور بسهولة، وبدون غيرة ولا أنفة عند الكثيرين، حتى كان هناك البغايا المعلنات، وهناك نكاح الاستبضاع، وهو نوع من الزنا، وهناك المرأة تتخذ الأخلاء، فتحمل، فتلحق ولدها من تشاء منهم، كما تصور ذلك السيدة عائشة ﵂ في حديث البخاري. جاء الإسلام فعظم من جريمة الزنا، وعنف في عقابها إلى حد القتل بالرجم وكان لا بد -والحالة هذه- من سد المنافذ المؤدية إليه، وإغلاق الطرق الموصلة للوقوع فيه، فنهى القرآن الكريم عن المقدمات بقوله ﴿ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا﴾ [الإسراء: ٣٢] نعم نهي عن القرب منه، وليس عن الوقوع فيه فحسب، فمن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ونص على كثير من هذه المقدمات، يغلق بابها، وفي سورة النور وسورة الأحزاب كثير، نقرأ منها قوله تعالى: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون* وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو ءابائهن أو ءاباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي

стр. 4813

الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن﴾ [النور: ٣٠، ٣١]. ﴿يا أيها الذين ءامنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم﴾ [النور: ٥٨]. ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا﴾ [النور: ٥٩]. ﴿والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن﴾ [النور: ٦٠]. ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين﴾ [الأحزاب: ٥٩]. ﴿لا جناح عليهن في ءابائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن ولا نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن واتقين الله إن الله كان على كل شيء شهيدا﴾ [الأحزاب: ٥٥]. ومن المعلوم أن الوقاية خير من العلاج، وليس في اتخاذ الحيطة والحذر اتهام أو إساءة للرجال أو النساء فحماية المرأة من الأخطار لا ينقصها بل يرفع من شأنها وقيمتها، فالجوهرة الثمينة هي التي يحافظ عليها، وتتخذ الوسائل لوقايتها، حتى من أعين الناظرين، والمهملات هي التي لا يهتم بها وتلقى في السلة وفي الطرقات، ولذلك وصف الله نساء الجنة والحور بأنهن مقصورات في الخيام، كأمثال اللؤلؤ المكنون. ولما كان دخول الرجال على النساء من أخطر مقدمات الزنا، ومن بواعثه، ومن فرصه المهيأة والوسيلة الأولى ليمارس الشيطان بها غوايته وتزيينه، فما اجتمع رجل وامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما، رسوله إليها، ورسولها إليه، لما كان ذلك كذلك نهى رسول الله ﷺ عن دخول الرجال الأجانب على النساء في غيبة أزواجهن، فقال بأسلوب الحزم والتحذير: إياكم والدخول على النساء، فقال أحد السامعين: يا رسول الله، أقارب الزوج، وأقارب الزوجة؟ لا يدخلون؟ قال رسول الله ﷺ : هم الخطر الأكبر، الشر من جانبهم أكثر من الشر من الأجانب، لأن تمكنهم من الإقامة دون إنكار من المجتمع يهيئ لهم فرصة الغواية أكثر من غيرهم، فهم كالموت، الذي هو خطر لا بد منه. إن النساء حبائل الشيطان، يستخدمهن كشباك لصيده، بل يستخدمهن للوسوسة في صدور الرجال، ولإيقاع ظن السوء في قلوب البعض عن البعض، فإذا رأى رجلاً وامرأة حدث من رآهم، ليظنوا بهم سوءاً، ولو كانا أخوين أو زوجين، حتى مع رسول الله ﷺ ، وقد رؤي مع زوجته السيدة صفية ليلة من ليالي رمضان، خرج من المسجد من معتكفه ليوصلها إلى بيتها، رآه رجلان، فسلما، وأسرعا في المشي، فناداهما: يا فلان ويا فلان، تعاليا، فجاءا، فقال لهما: هذه التي معي زوجتي صفية بنت حيي، قالا: يا رسول الله، وهل نظن بك إلا خيراً؟ قال: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما وسوسة وشيئاً من ظن السوء. عصم الله الرجال والنساء من السوء والفحشاء، وصرف عنهم جميعاً مكايد الشيطان. -[المباحث العربية]- (ألا لا يبيتن رجل) "ألا" أداة استفتاح تفيد تأكيد الجملة، وزيادة الاهتمام بمضمونها، والنهي

стр. 4814

عن المبيت ليس مقصوداً، لذاته، بل المقصود الدخول والخلوة، نهاراً أو بياتاً ففي الرواية الثانية "إياكم والدخول على النساء" وفي الرواية الثالثة "لا يدخلن رجل على مغيبة". (عند امرأة ثيب) خص الثيب بالذكر، لأنها التي يدخل إليها غالباً، وأما البكر فمصونة في العادة، مجانبة للرجال كثيراً فلم يحتج إلى ذكرها، وهو من باب التنبيه، لأنه إذا نهي عن الدخول على الثيب، التي يتساهل الناس في الدخول عليها في العادة، فالبكر أولى. (إلا أن يكون ناكحاً أو ذا محرم) قال النووي: "يكون" بالياء، أي إلا أن يكون الداخل زوجاً أو ذا محرم، قال: وذكره القاضي بالتاء "إلا أن تكون ناكحاً أو ذات محرم" قال: والمراد بالناكح المرأة المزوجة وزوجها حاضر، فيكون مبيت الغريب في بيتها بحضرة زوجها. اهـ أي إلا أن تكون الثيب زوجة وزوجها موجود، أو أن تكون المرأة ذات محرم للداخل. قال النووي: وهذه الرواية التي اقتصر عليها، والتفسير الذي فسره بها غريبان مردودان، والصواب الرواية الأولى التي ذكرتها عن نسخ بلادنا، ومعناه: لا يبيتن رجل عند امرأة إلا زوجها أو محرم لها، وعند البخاري "لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم" و"ذا" في "ذا محرم" زائدة، أي إلا أن يكون زوجاً أو محرماً، قال النووي: والمحرم كل من حرم عليه نكاحها على التأبيد لسبب مباح لحرمتها، فقولنا: "على التأبيد" احتراز من أخت امرأته وعمتها وخالتها ونحوهن، وقولنا: لسبب مباح احتراز من أم الموطوءة بشبهة وبنتها، فإنه حرام على التأبيد، لكن لا لسبب مباح، فإن وطء الشبهة لا يوصف بأنه مباح، وقولنا: لحرمتها احتراز من الملاعنة، فهي حرام على التأبيد، لا لحرمتها، بل تغليظاً عليها. (إياكم والدخول على النساء) الأجنبيات، أسلوب تحذير، و"الدخول" منصوب على التحذير، والتحذير تنبيه المخاطب على محذور ليحترز منه ويجتنبه، وأصل التقدير: أحذركم الدخول على النساء، فحذف الفعل والفاعل فانفصل ضمير المفعول، فقيل: إياكم الدخول، بدون الواو، كقولنا إياكم الأسد، وبالواو، كقولنا: إياك والأسد، وفي رواية "لا تدخلوا على النساء" وتضمن منع الدخول منع الخلوة بطريق الأولى. (أفرأيت الحمو قال: الحمو الموت) بفتح الحاء وسكون الميم، وفي الرواية الثانية تفسير الليث بن سعد "الحمو" بأنه أخ الزوج وما أشبهه من أقارب الزوج، ابن العم ونحوه، وفسره المازري بأن المراد من الحمو أب الزوج، وقال: إذا نهي عن أبي الزوج، وهو محرم، فكيف بالقريب؟ اهـ قال النووي: اتفق أهل اللغة على أن الأحماء أقارب زوج المرأة، كأبيه وعمه وأخيه وابن أخيه وابن عمه ونحوهم، و"الأختان" بفتح الهمزة وسكون الخاء، جمع ختن، أقارب زوجة الرجل، والأصهار جمع صهر يقع على النوعين، ثم قال: وأما قوله "الحمو الموت" فمعناه أن الخوف منه أكثر من غيره، والشر يتوقع منه أكثر، لتمكنه من الوصول إلى المرأة، والخلوة من غير أن ينكر عليه، بخلاف الأجنبي، ثم قال: والمراد بالحمو هنا أقارب الزوج، غير آبائه وأبنائه، فأما الآباء والأبناء فمحارم لزوجته، تجوز لهم الخلوة بها، ولا يوصفون بالموت، وإنما المراد الأخ وابن الأخ والعم وابنه ونحوهم، ممن ليس بمحرم، وعادة الناس المساهلة فيه، ويخلو بامرأة أخيه، فهذا هو الموت، وهو أولى بالمنع من الأجنبي، لما ذكرناه، فهذا الذي ذكرته هو صواب معنى الحديث.

стр. 4815

قال: وأما ما ذكره المازري وحكاه أن المراد بالحمو أبو الزوج فهو كلام فاسد مردود، ولا يجوز حمل الحديث عليه، وكذا ما نقله القاضي عن أبي عبيد: أن معنى "الحمو الموت" أي فليمت ولا يفعل، هذا هو أيضاً كلام فاسد، والصواب ما قدمناه، وقال ابن الأعرابي: هي كلمة تقولها العرب، كما يقال: الأسد الموت، والحرب الموت، أي: لقاؤه مثل الموت. اهـ والمعنى احذروه كما تحذرون الموت. وقيل: معناه أن الخلوة بالحمو قد تؤدي إلى هلاك الدين، إن وقعت المعصية، أو إلى الموت إن وجب الرجم، أو إلى هلاك المرأة بفراق زوجها، إذا حملته الغيرة على تطليقها، أشار إلى ذلك كله القرطبي، وقال صاحب مجمع الغرائب: يحتمل أن يكون المراد أن المرأة إذا خلت فهي محل الآفة، ولا يؤمن عليها أحد، فليكن حموها الموت، أي الحقيقي، أي لا يجوز لأحد أن يخلو بها إلا الموت، كما قيل: نعم الصهر القدر، وهذا لائق بكمال الغيرة والحمية، وقال عياض: معناه أن الخلوة بالأحماء مؤدية إلى الفتنة والهلاك في الدين، فجعله كهلاك الموت، والكلام ورد مورد التغليظ، وقال القرطبي في المفهم: المعنى أن دخول قريب الزوج على امرأة الزوج يشبه الموت في الاستقباح والمفسدة، أي فهو محرم معلوم التحريم، وإنما بالغ في الزجر عنه، وشبهه بالموت لتسامح الناس به من جهة الزوج والزوجة، لإلفهم بذلك، حتى كأنه ليس بأجنبي من المرأة، فخرج هذا مخرج قول العرب: الحرب الموت، أي لقاؤها يفضي إلى الموت، وكذا دخوله على المرأة قد يفضي إلى موت الدين، وقال ابن الأثير في النهاية: المعنى أن خلوة المحرم بها أشد من خلوة غيره من الأجانب، لأنه ربما حسن لها أشياء، وحملها على أمور، تثقل على الزوج، من التماس ما ليس في وسعه، فتسوء العشرة بين الزوجين بذلك، ولأن الزوج قد لا يؤثر أن يطلع والد زوجته أو أخوها على باطن حاله. اهـ فكأنه قال: الحمو الموت، أي لا بد منه، ولا يمكن حجبه عنها، كما أنه لا بد من الموت. قال النووي: وفي الحم أربع لغات: إحداها: هذا حموك بالواو في الرفع، ورأيت حماك، بالألف في النصب، ومررت بحميك، بالياء في الجر. والثانية: هذا حمؤك بإسكان الميم، وهمزة مرفوعة، ورأيت حمأك، ومررت بحمئك. والثالث: هذا حماك، ورأيت حماك، ومررت بحماك، كما تقول في: قفاك. الرابعة: "حم" كأب، وأصله حمو، بفتح الحاء والميم، وحماة المرأة أم زوجها لا يقال فيها غير هذا. اهـ ومعنى "أفرأيت" أخبرني، بمجاز مرسل في همزة الاستفهام، بإرادة مطلق الطلب من طلب الفهم، أي بعلاقة الإطلاق بعد التقييد، ومجاز مرسل في الرؤية، بإرادة الإخبار المسبب عن الرؤية غالباً، أي بإطلاق السبب وإرادة المسبب، فآل الأمر إلى طلب الإخبار، المدلول عليه بلفظ أخبرني. أي أخبرني عن دخول الحمو على المرأة. (لم أر إلا خيراً) أي لا أتهمها، ولا أتهمهم، فما رأيت منها، ولا منهم في هذا اللقاء إلا خيراً، لكنني كرهت هذا اللقاء. (إن الله قد برأها من ذلك) أي من الشر والفساد، أي بسبب شهادتك وانطباعك، أو قال ذلك بوحي نزل عليه.

стр. 4816

(لا يدخلن رجل -بعد يومي هذا- على مغيبة، إلا ومعه رجل أو اثنان) "بعد يومي هذا" أي بعد لحظتي هذه، وليس المراد إباحة الدخول بقية اليوم. والمغيبة بضم الميم وكسر الغين وإسكان الياء، من غاب زوجها عنها، يقال: أغابت المرأة، أي قام بها غياب زوجها، فهو اسم فاعل من "أغاب" قال النووي: والمراد غاب زوجها عن منزلها، سواء غاب عن البلد، بأن سافر، أو غاب عن المنزل، وإن كان في البلد، هكذا ذكره القاضي وغيره، وهذا ظاهر متعين، قال القاضي: ودليله هذا الحديث، وأن القصة التي قيل بسببها كان أبو بكر ﵁ غائباً عن منزله، لا عن البلد. ثم قال النووي: وظاهر هذا الحديث جواز خلوة الرجلين أو الثلاثة بالأجنبية، والمشهور عند أصحابنا تحريمه، فيتأول الحديث على جماعة يبعد وقوع المواطأة منهم على الفاحشة، لصلاحهم أو مروءتهم أو غير ذلك. اهـ أي هناك وصف ملاحظ، والمعنى إلا ومعه رجل ثقة أو اثنان ثقتان. (كان مع إحدى نسائه) هي صفية، ﵂، كما سيأتي، ففي الرواية الخامسة عنها ﵂ قالت: "كان النبي ﷺ معتكفاً، فأتيته أزوره ليلاً، فحدثته، ثم قمت لأنقلب" أي لأرجع إلى بيتي" "فقام معي ليقلبني" بفتح الياء وسكون القاف، أي ليردني ويوصلني إلى بيتي، وفي رواية للبخاري "حتى إذا بلغت باب المسجد، عند باب أم سلمة، مر رجلان من الأنصار .... " وفي الرواية السادسة "أنها جاءت إلى النبي ﷺ تزوره في اعتكافه في المسجد، في العشر الأواخر من رمضان، فتحدثت عنده ساعة" أي وقتاً من الزمن "ثم قامت تنقلب، وقام النبي ﷺ يقلبها" وعند عبد الرزاق "أن النبي ﷺ كان معتكفاً في المسجد، فاجتمع إليه نساؤه، ثم تفرقن، فقال لصفية: أقلبك إلى بيتك، فذهب معها، حتى أدخلها بيتها" وفي رواية "كان النبي ﷺ في المسجد، وعنده أزواجه، فرحن، وقال لصفية: لا تعجلي حتى أنصرف معك" قال الحافظ ابن حجر: والظاهر أن اختصاص صفية بذلك، لكون مجيئها تأخر عن رفقتها، فأمرها بتأخير التوجه، ليحصل لها التساوي في مدة جلوسهن عنده، أو أن بيوت رفقتها كانت أقرب من منزلها، فخشي النبي ﷺ عليها، أو كان مشغولاً، فأمرها بالتأخر، ليفرغ من شغله، ويشيعها، وكانت بيوت أزواجه ﷺ حوالي أبواب المسجد. (فمر به رجل، فدعاه. فقال: يا فلان، هذه زوجتي فلانة) في الرواية الخامسة "فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا، فقال النبي ﷺ : على رسلكما" بكسر الراء، ويجوز فتحها، والرسل الهينة والتؤدة وترك العجلة، أي امشيا على هينتكما، فليس هنا شيء تكرهانه، وفي رواية فقال لهما النبي ﷺ : "تعاليا" وفي رواية "فلما أبصره دعاه، فقال: تعال" وفي رواية للبخاري "فسلما على رسول الله ﷺ ، ثم نفذا، فقال لهما رسول الله ﷺ : على رسلكما" وفي رواية "فنظرا إلى النبي ﷺ ، ثم أجازا" أي مضيا، يقال: جاز، وأجاز بمعنى، ويقال: جاز الموضع إذا سار فيه، وأجازه إذا قطعه وخلفه، وعند ابن حبان "فلما رأياه استحييا فرجعا" قال الحافظ ابن حجر: فأفاد سبب رجوعهما، وكأنهما لو استمرا ذاهبين إلى مقصدهما ما ردهما، بل لما رأى أنهما تركا مقصدهما ورجعا ردهما. وقد رد ابن التين رواية "رجل" وقال: إنها وهم، والصحيح رجلان، ثم قال: يحتمل تعدد القصة، وتعقبه الحافظ ابن حجر فقال: الأصل عدم التعدد وعدم الوهم، بل هو محمول على أن أحدهما كان

стр. 4817

تبعاً للآخر، أو خص أحدهما بخطاب المشافهة، دون الآخر، ويحتمل أن الراوي كان يشك فيه، فيقول مرة "رجل" ومرة "رجلان" فحيث أفرد ذكر الأصل، وحيث ثنى ذكر الصورة. (وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد) في رواية "وكان بيتها في دار أسامة بن زيد" أي الدار التي صارت بعد ذلك لأسامة بن زيد، لأن أسامة إذ ذاك لم يكن له دار مستقلة، بحيث تسكن فيها صفية. قاله الحافظ ابن حجر. (هذه زوجتي فلانة) قال النووي: هكذا في جميع النسخ، بالتاء قبل الياء "زوجتي" وهي لغة صحيحة، وإن كان الأشهر حذف التاء، وبالحذف جاءت آيات القرآن. اهـ وفي الرواية الخامسة "إنها صفية بنت حيي" وفي رواية "هذه صفية بنت حيي" وفي رواية "إنما هي صفية بنت حيي" و"حيي" بضم الحاء وفتح الياء الأولى -مصغراً، ابن أخطب، كان أبوها رئيس خيبر، وكانت صفية في السبي، فجاء دحية إلى النبي ﷺ ، فقال: أعطني يا رسول الله جارية من السبي، فقال له: اذهب فخذ جارية، فأخذ صفية. فجاء رجل، فقال: يا نبي الله، أعطيت دحية صفية؟ سيدة قريظة والنضير؟ لا تصلح إلا لك. قال: ادعوه بها، فجاء بها. فقال له النبي ﷺ : خذ جارية من السبي غيرها، وأعتقها رسول الله ﷺ ، وتزوجها. (فقال: يا رسول الله، من كنت أظن به؟ فلم أكن أظن بك) الاستفهام إنكاري، بمعنى النفي، أي لم أكن أظن بأحد سوءاً، فمن باب أولى لم أكن أظن بك سوءاً، وفي الرواية الخامسة "فقالا: سبحان الله يا رسول الله! " تنزيه الله عن النقائص، كلمة تقال عند التعجب، زاد في رواية البخاري "وكبر عليهما" زاد في الأدب المفرد "وكبر عليهما ما قال" وفي رواية "يا رسول الله، هل نظن بك إلا خيراً"؟ . (إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم) وفي ملحق الرواية السادسة "إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم" وفي رواية "ما أقول لكما هذا أن تكونا تظنان شراً، لكن قد علمت أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم" والمراد من ابن آدم جنس أولاد آدم، فيدخل فيه الرجال والنساء. وجريان الشيطان من ابن آدم مجرى الدم، قيل: هو على ظاهره، وأن الله تعالى أقدره على ذلك وجعل له قوة على التوصل إلى باطن الإنسان، وقيل: هو على سبيل الاستعارة، من كثرة إغوائه، وكأنه لا يفارق كالدم، فاشتركا في شدة الاتصال وعدم المفارقة، أي إن وسوسته تصل في مسام البدن سريان الدم في البدن. (وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شراً -أو قال: شيئاً) وفي رواية "إني خفت أن يدخل عليكما شيئاً" قال الحافظ ابن حجر: والمحصل من هذه الروايات أن النبي ﷺ لم ينسبهما إلى أنهما يظنان به سوءاً، لما تقرر عنده من صدق إيمانهما، ولكن خشي عليهما أن يوسوس لهما الشيطان ذلك، لأنهما غير معصومين، فقد يفضي بهما ذلك إلى الهلاك، فبادر إلى إعلامهما، حسماً للمادة، وتعليماً لمن بعدهما، إذا وقع له مثل ذلك، وقد روى الحاكم أن الشافعي كان في مجلس ابن عيينة، فسأله عن هذا الحديث؟ فقال

стр. 4818

الشافعي: إنما قال لهما ذلك، لأنه خاف عليهما الكفر، إن ظنا به التهمة، فبادر إلى إعلامهما، نصيحة لهما، قبل أن يقذف الشيطان في نفوسهما شيئاً، يهلكان به. ثم قال: وغفل البزار، فطعن في حديث صفية هذا، واستبعد وقوعه، ولم يأت بطائل، والله أعلم. وجمع القلوب مع المثنى جائز، كقوله تعالى ﴿إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما﴾ [التحريم: ٤] والله أعلم. -[فقه الحديث]- -[يؤخذ من الأحاديث]- ١ - من الرواية الأولى والثانية والثالثة تحريم الخلوة بالأجنبية. ٢ - وإباحة الخلوة بمحارمها. قال النووي: وهذان الأمران مجمع عليهما. ٣ - من الرواية الثانية التحذير من خلوة الحمو بقريبته. ٤ - ومن الرواية الرابعة والخامسة والسادسة جواز اشتغال المعتكف بالأمور المباحة، من تشييع زائره، والقيام معه، والحديث مع غيره، والمشي القليل خارج المسجد. ٥ - وإباحة خلوة المعتكف بزوجته، لكن يكره الإكثار من مجالستها، والاستلذاذ بحديثها، لئلا يكون ذريعة إلى الوقاع أو إلى القبلة، أو نحوها، مما يفسد الاعتكاف. قاله النووي. ٦ - وزيارة المرأة لزوجها أو محرمها المعتكف. ٧ - وبيان شفقته ﷺ على أمته، وإرشادهم إلى ما يدفع عنهم الإثم. ٨ - والتحرز من التعرض لسوء الظن. ٩ - والتحفظ من كيد الشيطان، قال ابن دقيق العيد: وهذا متأكد في حق العلماء ومن يقتدى به، فلا يجوز لهم أن يفعلوا فعلاً يوجب سوء الظن بهم، وإن كان لهم فيه مخلص، لأن ذلك سبب إلى إبطال الانتفاع بعلمهم، ومن ثم قال بعض العلماء: ينبغي للحاكم أن يبين للمحكوم عليه وجه الحكم، إذا كان خافياً، نفياً للتهمة، ومن هنا يظهر خطأ من يتظاهر بمظاهر السوء ويعتذر بأنه يجرب بذلك على نفسه. ١٠ - وفيه أدب القوم مع الكبير، ونفي الشبهة عنه، والاعتذار إليه بالأعذار الصحيحة، وقول: سبحان الله عند التعجب. ١١ - وفيه جواز خروج المرأة ليلاً. ١٢ - وفيه إضافة بيوت أزواج النبي ﷺ إليهن، قال ابن المنير: وهذه النسبة تحقق دوام استحقاقهن للبيوت ما بقين، لأن نفقتهن وسكناهن من خصائص النبي ﷺ ، والسر فيه حبسهن عليه، لا يتزوجن غيره. ١٣ - استدل به على موعظة الإمام للخصوم، وعدم حكمه بمقتضى علمه، فإنه ﷺ كره أن يقع في قلب الأنصاريين وسوسة الشيطان، فمراعاة نفي التهمة عنه مع عصمته تقتضي مراعاة نفي التهمة عمن هو دونه. قاله الحافظ ابن حجر. والله أعلم.

стр. 4819

(٥٨٨) باب من أتى مجلساً فوجد فرجة جلس فيها وتحريم إقامة الإنسان من موضعه، وإذا قام ثم عاد فهو أحق به ٤٩٥٩ - عن أبي واقد الليثي ﵁ أن رسول الله ﷺ بينما هو جالس في المسجد والناس معه، إذ أقبل نفر ثلاثة. فأقبل اثنان إلى رسول الله ﷺ . وذهب واحد. قال: فوقفا على رسول الله ﷺ فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها. وأما الآخر فجلس خلفهم. وأما الثالث فأدبر ذاهباً. فلما فرغ رسول الله ﷺ قال: "ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه". ٤٩٦٠ - عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "لا يقيمن أحدكم الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه". ٤٩٦١ - عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "لا يقيم الرجل الرجل من مقعده ثم يجلس فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا". ٤٩٦٢ - وفي رواية عن ابن عمر، عن النبي ﷺ بمثل حديث الليث، ولم يذكروا في الحديث: "ولكن تفسحوا وتوسعوا" وزاد في حديث ابن جريج: قلت: في يوم الجمعة. قال: في يوم الجمعة وغيرها. ٤٩٦٣ - عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لا يقيمن

стр. 4820

أحدكم أخاه ثم يجلس في مجلسه" وكان ابن عمر إذا قام له رجل عن مجلسه لم يجلس فيه. ٤٩٦٤ - عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة ثم ليخالف إلى مقعده فيقعد فيه ولكن يقول افسحوا". ٤٩٦٥ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا قام أحدكم" وفي حديث أبي عوانة: "من قام من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به". -[المعنى العام]- للمجالس حرمة، وللجلوس فيها آداب، وللمرور عليها حقوق، وإذا كان الحديث قد تعرض سابقاً لحق الطريق فهو هنا، وفي هذا الباب يتعرض لحقوق المجالس. كان المسجد النبوي بالمدينة المدرسة الأولى في الإسلام، وكان رسول الله ﷺ يجلس فيه في أوقات فراغه، يجتمع بأصحابه، يقرأ عليهم من القرآن، ويعلمهم أمور دينهم، ويتخولهم بين الحين والحين بالموعظة والرقائق والآداب. وكان المسجد مطروقاً بين طريقين، ويصل بين جهتين بدون أبواب، فكان بعض الناس يمر به، إذا انتقل من الجهة إلى الأخرى، وبينما كان رسول الله ﷺ يعلم أصحابه بالمسجد، دخل ثلاثة من الرجال، دخلوا للمرور في طريقهم إلى الجهة الأخرى، فلما وصلوا عند الحلقة رغب أحدهم في الجلوس، فوجد في الحلقة مكاناً خالياً يكفيه، فجلس فيه، وتردد الثاني في الجلوس، إن له مصلحة خرج يقضيها، أيذهب إليها؟ ويستمر في مشيه؟ أم يجلس كما جلس صاحبه؟ وبعد خطوات تجاوز بها الحلقة استحيا من نفسه، واستحيا أن يعاب من صاحبه ومن الجالسين، فعاد، فجلس خلف الحلقة، حيث لم يجد فرجة، كما وجد الأول، وأما الثالث فلم يتردد في الانصراف إلى مصلحته، والإعراض عن مجلس رسول الله ﷺ . ورأى رسول الله ﷺ النفر الثلاثة، فلما انتهى من الموضوع الذي يتكلم فيه، قال لأصحابه: أخبركم عن النفر الثلاثة الذين رأيتموهم، أما الأول فقد لجأ إلى الله، وإلى العلم، فاحتضنه الله برعايته ورضوانه، وأما الثاني فقد غلبه الحياء، فنال رحمة الله وعفوه، وأما الثالث فاستغنى عن العلم فاستغنى الله عنه، ومن يستغن الله عنه ويهمله، فقد حرم الخير كله، وكان من المغضوب عليهم والضالين المطرودين. فمجالس العلم والذكر، لها حقوق على من يتمكن من الانتفاع بها، وكل جالس فيها له حقوق على الداخل عليهم، وله حق في المكان الذي جلس فيه، لا يقيمه أحد منه مهما كان قدر الداخل عليه، فهو أحق به من غيره، مادام قد سبق وجلس فيه، نعم لو قام باختياره ورضاه تكريماً لقادم، ليجلسه في

стр. 4821

مكانه كان تنازلاً وإيثاراً مقبولاً منه، مشكوراً عليه، وإن كان الأولى للداخل أن لا يجلس في المكان الذي أوثر به، هضماً للنفس، وبعداً عن الريب والشبهات، وقد كان ابن عمر ﵄ يفعل ذلك، إذا قام له أحد عن مجلسه شكره، ولم يجلس فيه، فالناس في الأماكن العامة شركاء، وفي المجالس والمساجد الخاصة سواسية، من سبق إلى مكان كان أحق به حيازة وانتفاعاً، لا يحق لآخر أن يحوله عنه، لا في اجتماعات الجمعة للصلاة، ولا لغيرها، حتى الباعة الذين يضعون أمتعتهم على جانب الطريق العام، أو في متسعات الأماكن، من وضع أمتعته في مكان حاز الانتفاع به، لا يزاحمه زميل له، نعم يجب على من شغل مكاناً أن لا يفرش نفسه على قدر لا ضرورة له، فإن فعل، وجاء محتاج إلى مكان كان عليه أن ينضم ويفسح لأخيه المسلم، فالله تعالى يقول: ﴿يا أيها الذين ءامنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم﴾ [المجادلة: ١١]. وحتى إذا اضطر من شغل مكاناً وسبق إليه، أن يقوم عنه لفترة قصيرة، كقضاء حاجة أو وضوء أو إحضار كتاب أو مصحف، ثم عاد فهو أحق بمكانه، وعلى من شغله أن يخليه له. تلك حقوق وواجبات حرص الشارع على بيانها، حفاظاً على المودة بين المسلمين، وتفادياً لبواعث الشقاق والخلاف والبغضاء. -[المباحث العربية]- (بينما هو جالس في المسجد، والناس معه، إذا أقبل نفر ثلاثة) "بينما" أصله "بين" الظرفية الزمانية، زيدت عليها "ما" وقد تزاد الألف فقط، فيقال "بينا" وهو ملازم للإضافة إلى جملة، ويحتاج إلى جواب، هو العامل فيه، إذا لم يكن في الجملة لفظ المفاجأة، فإن وجد -كما هنا- فالعامل معنى المفاجأة، وكان جلوسه ﷺ في هذا الوقت لوعظ الناس وتعليمهم الشريعة، وجملة "والناس معه" حالية، والمراد من الناس بعض الصحابة، و"إذ" للمفاجأة، والنفر بفتح النون والفاء اسم جمع، ويطلق على جماعة من الرجال، ليس فيهم امرأة، ويقع على العدد، من ثلاثة إلى عشرة، و"ثلاثة" بدل من "نفر" وفي رواية البخاري "ثلاثة نفر" بإضافة "نفر" إلى "ثلاثة" والإضافة بيانية، كقوله تعالى: ﴿تسعة رهط﴾ [النمل: ٤٨] وكان إقبالهم من باب المسجد، مارين بمجلس الرسول ﷺ ، وكان للمسجد فتحتان متقابلتان، كالبابين، يمر منهما الناس، ويطرقونه كالشارع. (فأقبل اثنان إلى رسول الله ﷺ هذا إقبال آخر غير الأول، وفي الكلام مضاف محذوف، أي أقبل اثنان من طريق مرورهما إلى مجلس رسول الله ﷺ ، وفي حديث أنس "فإذا ثلاثة نفر يمرون، فلما رأوا مجلس النبي ﷺ أقبل إليه اثنان منهم، واستمر الثالث ذاهباً". (فوقفا على رسول الله ﷺ "على" بمعنى "عند" أو في الكلام مضاف محذوف، تقديره: على مجلس رسول الله ﷺ . (فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة، فجلس فيها) "أما" حرف تفصيل، تجب الفاء

стр. 4822

في تلو تاليه "فرأى" والفرجة بضم الفاء وفتحها، هي الخلل بين الشيئين، ويقال لها أيضاً: فرج بفتح الفاء وسكون الراء، وجمعه فروج وهي الشق بين الشيئين، ومنه قوله تعالى: ﴿وما لها من فروج﴾ [ق: ٦] وأما الفرجة بمعنى الخلاص من الغم فذكر الأزهري فيها فتح الفاء وضمها وكسرها، يقال: فرج بين الشيئين، وفرج له في الحلقة والصف، بفتح الفاء والراء، يفرج بكسر الراء وضمها، فرجا بسكونها، أي شق، وفرج الشيء، بتشديد الراء وسعه، وأفرج الغبار انكشف، وأفرج عن السجين أطلقه، وانفرج الشيء اتسع، وانفرج ما بين الشيئين، وانفرج الغم، وأما الحلقة بإسكان اللام، وحكي فتحها، والجمع حلق بفتحتين. (وأما الآخر فجلس خلفهم) الآخر أي الثاني، وفيه رد على من زعم أنه يختص بالأخير. (وأما الثالث فأدبر ذاهباً) إن أريد من الإدبار الذهاب كان "ذاهباً" حالاً مؤكدة، وإن أريد من الإدبار الإعراض كانت حالاً مؤسسة، وقيل، معنى "ذاهباً" مستمراً في ذهابه، فتكون حالاً مؤسسة أيضاً. (فلما فرغ رسول الله ﷺ من عظته ودرسه. (ألا أخبركم عن النفر الثلاثة) "ألا" هي همزة الاستفهام الإنكاري، بمعنى النفي، دخلت على "لا" النافية، ونفي النفي إثبات، فالمعنى أخبركم عن النفر الثلاثة، وفائدتها على هذا التنبيه إلى أهمية ما بعدها، وفي الكلام مضاف محذوف، أي عن أحوال النفر الثلاثة. (أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله) قال القرطبي: الرواية الصحيحة بقصر الأول، ومد الثاني، وهو المشهور في اللغة، قال النووي: وهي اللغة الفصيحة، وبها جاء القرآن، أي إذا كان لازماً كان مقصوراً، وإذا كان متعدياً كان ممدوداً، قال تعالى: ﴿أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة﴾ [الكهف: ٦٣] وقال تعالى: ﴿إذ أوى الفتية إلى الكهف﴾ [الكهف: ١٠] وقال في المتعدي ﴿وءاويناهما إلى ربوة﴾ [المؤمنون: ٥٠] وقال ﴿ألم يجدك يتيماً فآوى﴾ [الضحى: ٦] قال القاضي: وحكى بعض أهل اللغة فيهما جميعاً لغتين، القصر والمد، فيقال: أويت إلى الرجل، بالقصر والمد، وآويت الرجل بالمد والقصر، والمشهور التفرقة كما سبق. قال العلماء: معنى "أوى إلى الله" لجأ إلى الله، قيل: في الكلام مضافان محذوفان، أي لجأ وانضم إلى مجلس رسول الله ﷺ ، ومعنى "فآواه الله" أي جازاه بنظير فعله، بأن ضمه إلى رحمته ورضوانه. (وأما الآخر فاستحيا، فاستحيا الله منه) أي ترك المزاحمة، كما فعل رفيقه الذي جلس في الفرجة، حياء من الله تعالى، ومن النبي ﷺ ومن أصحابه، أو استحيا من الذهاب عن المجلس، كما فعل رفيقه الذي مضى ذاهباً، ويرجحه رواية أنس، ولفظها عند الحاكم "ومضى الثاني قليلاً، ثم جاء، فجلس" ومعنى "فاستحيا الله منه" أي رحمه، ولم يعذبه، بل غفر ذنوبه، وقيل: جازاه بالثواب، قالوا: ولم يلحقه بدرجة صاحبه الأول في الفضيلة، الذي آواه، وبسط له اللطف، وقربه. (وأما الآخر فأعرض، فأعرض الله عنه) أعرض عن مجلس العلم، وانصرف عنه، فعامله الله

стр. 4823

تعالى وجزاه على إساءته، إعراضاً عنه، وصرفاً لرحمته ورضوانه عنه، والإعراض في الأصل انصراف النفس عن الشيء، وعدم التوجه إليه، ففي الكلام مشاكلة ومقابلة، كقوله تعالى ﴿ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾ [الأنفال: ٣٠] وفي الحديث "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم" وهذا هو المراد من الإعراض، الإهمال وعدم الإحسان. وقوله "فأعرض الله عنه" يحتمل أن يكون خبراً، ويحتمل أن يكون دعاء، وسيأتي مزيد لهذا في فقه الحديث. (لا يقيمن أحدكم الرجل من مجلسه، ثم يجلس فيه) "لا يقيمن" بالنهي المؤكد وفي الرواية الثالثة "لا يقيم الرجل الرجل من مقعده، ثم يجلس فيه" بلفظ الخبر "لا يقيم" مضارع مرفوع، وهو خبر بمعنى النهي، وفي بعض الروايات "لا يقم" بالنهي من غير توكيد. وفي الرواية الرابعة "لا يقيمن أحدكم أخاه، ثم يجلس في مجلسه" وذكر الأخ لا مفهوم له، بل ذكر لمزيد التنفير عن ذلك لقبحه، لأنه إن فعله من جهة الكبر كان قبيحاً، وإن فعله من جهة الأثرة كان أقبح، وفي الرواية الخامسة "لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة -أي في اجتماع الصلاة- ثم ليخالف إلى مقعده، فيقعد فيه" يقال: خالف إلى الشيء، وخالف في الشيء، إذا أتاه من خلفه، أو قصده بعد ما أبعده عنه، قال تعالى ﴿وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه﴾ [هود: ٨٨] وعند البخاري عن ابن عمر أن النبي ﷺ نهى أن يقام الرجل من مجلسه، ويجلس فيه آخر" و"يجلس" هنا ضبطت بضم الياء وفتح اللام، وبفتح الياء وكسر اللام، وفي الملحق الثاني للرواية الثالثة "قلت: في يوم الجمعة؟ قال: في يوم الجمعة وغيرها" السائل ابن جريج الراوي عن نافع عن ابن عمر، والمجيب نافع، رحمهم الله تعالى. وسبب سؤال ابن جريج علمه بالرواية الخامسة التي ذكر فيها "يوم الجمعة" وجعل نافع النهي عاماً، وسيأتي التفصيل في فقه الحديث. (ولكن تفسحوا وتوسعوا) وفي الرواية الخامسة "ولكن يقول: افسحوا" والتفسح التوسع، فعطف "توسعوا" على "تفسحوا" عطف تفسيري. -[فقه الحديث]- -[يؤخذ من الأحاديث]- ١ - عن الرواية الأولى قيل: إنها لم تتعرض إلى تسليم اللذين جلسا في مجلس العلم، هل سلما؟ فرد ﵉؟ أو لم يسلما؟ وهل صليا تحية المسجد؟ أو لم يصليا؟ وقد تناول العلماء هاتين النقطتين بالتوجيه، فقيل: لعلهما سلما، ورد الرسول ﷺ والصحابة السلام، أو أنهما سلما، ولم يرد عليهما أحد، لأن المشتغل بالعلم، المستغرق في العبادة، لا يجب عليه الرد، ولم ينقل إلينا هذا أو ذاك، لشهرته، وعدم الحاجة إلى الإخبار به، وقيل: لعلهما لم يسلما، اعتماداً على عدم مشروعية السلام على المشتغل بالعلم، وعلى كلا الجوابين لا مؤاخذة عليهما، إذ لو أتيا ما يلامان عليه لنبههما ﷺ ، وعلمهما، فلا وجه لهذا الإشكال أساساً. أما الإشكال الثاني فقد قيل: لعلهما كانا على غير وضوء، ورد بأنه لو كان كذلك لنبههما ﷺ ، فاعتذرا، ولم ينقل إلينا شيء من ذلك، وقيل: لعلهما دخلا في وقت الكراهة، ويرد

стр. 4824

الشافعية بأن تحية المسجد لا تكره في أي وقت، وقيل: لعلهما صليا، ولم ينقل إلينا، لاهتمام الرواة بغير ذلك من القصة، وعلى كل لم يثبت أنهما أتيا ما يلامان عليه، فليس في الحديث دليل على إثبات حكم، أو نفيه، لأن ما سكت عنه الراوي لا يستدل به على نفي أو إثبات. ٢ - ويؤخذ أيضاً من الرواية الأولى اتخاذ المساجد مكاناً لدراسة العلم والوعظ، وجلوس العالم فيها لذلك. ٣ - واستحباب التحليق في دروس العلم ومجالس الذكر، لأن ذلك أدعى إلى القرب من المعلم والقائد. ٤ - واستحباب دخولها، ومجالسة أهلها. ٥ - وأن من سبق إلى مكان في الحلقة، أو في المسجد كان أحق به. ٦ - واستحباب القرب من العالم للتبرك، وللمناقشة، وللتمكن من السماع. ٧ - سد الخلل والفرجة في حلقة العلم، كما ورد الترغيب في سد الخلل في صفوف الصلاة. ٨ - جواز التخطي لسد الخلل، ما لم يؤذ، فإن خشي الإيذاء استحب الجلوس حيث ينتهي، كما فعل الثاني قاله الحافظ ابن حجر: والتحقيق أن الحديث ليس فيه دليل على هذا المأخذ، وإن كان الحكم صحيحاً، فقد تكون الفرجة في الحلقة الخارجية، إن كانت هناك حلقات، على أن ظاهر الحديث أنها كانت حلقة واحدة، وإلا لقال: فرأى فرجة في إحدى الحلقات. ٩ - وفيه الثناء على من زاحم في طلب الخير، قاله الحافظ ابن حجر أيضاً، لكن هذا المأخذ من هذا الحديث بعيد، فليس فيه إشارة إلى المزاحمة. ١٠ - فيه فضيلة الاستحياء من الانصراف عن باب الخير ودروس العلم، أو من المزاحمة في الحلقات. ١١ - واستحباب الجلوس حيث ينتهي المجلس، إذا لم تكن هناك فرجة. ١٢ - وفيه الأدب في مجالس العلم. ١٣ - وفيه الثناء -ولو في المواجهة- على من فعل الخير، أو فعلاً جميلاً، فإن رسول الله ﷺ أثنى على الاثنين. ١٤ - وذم من سنحت له فرصة الخير والعلم، فانصرف عنها، وهو محمول على من فعل ذلك بدون عذر. ١٥ - وجواز الدعاء على المذنب بسخط الله، وهذا على أن قوله "فأعرض الله عنه" دعاء عليه بالإعراض، وعلى أنه كان مسلماً، معرضاً بغير عذر، وقيل: لعله كان منافقاً، أو أطلع الله نبيه على أمره، أما المسلم فلا يدعى عليه بذلك. ١٦ - وجواز الإخبار عن أهل المعاصي وأحوالهم، للزجر عنها، وأن ذلك لا يعد من الغيبة المحرمة. ١٧ - وابتداء العالم جلساءه بما يزيل عنهم الشبهات، ويوضح لهم أسرار الوقائع. ١٨ - ومن الرواية الثانية والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة قال النووي: هذا النهي للتحريم، فمن

стр. 4825

سبق إلى موضع مباح في المسجد وغيره، يوم الجمعة أو غيره، لصلاة أو غيرها، فهو أحق به، ويحرم على غيره إقامته، لهذا الحديث، إلا أن أصحابنا -يقصد الشافعية- استثنوا منه ما إذا ألف من المسجد موضعاً، يفتي فيه، أو يقرأ قرآناً وغيره من العلوم الشرعية، فهو أحق به، وإذا حضر لم يكن لغيره أن يقعد فيه، وفي معناه من سبق إلى موضع من الشوارع ومقاعد للأسواق. اهـ وقال ابن أبي جمرة: هذا اللفظ عام في المجالس، ولكنه مخصوص بالمجالس المباحة، إما على العموم، كالمساجد ومجالس الحكام والعلم، وإما على الخصوص، كمن يدعو قوماً بأعيانهم إلى منزله، لوليمة ونحوها، وأما المجالس التي ليس للشخص فيها ملك ولا إذن له فيها، فإنه يقام، ويخرج منها، ثم هو في المجالس العامة ليس عاماً في الناس، بل هو خاص بغير المجانين، ومن يحصل منه الأذى، كآكل الثوم النيء إذا دخل المسجد، والسفيه إذا دخل مجلس العلم أو مجلس الحكم. قال: والحكمة في هذا النهي منع استنقاص حق المسلم، المقتضي للضغائن، والحث على التواضع المقتضي للمواددة، وأيضاً فالناس في المباح كلهم سواء، فمن سبق إلى شيء استحقه، ومن استحق شيئاً فأخذ منه بغير حق فهو غصب، والغصب حرام، فعلى هذا قد يكون بعض ذلك على سبيل الكراهة، وبعضه على سبيل التحريم. اهـ وقال ابن بطال: اختلف في النهي، فقيل: للأدب، وقيل: هو على ظاهره، ولا يجوز لمن سبق إلى مجلس مباح أن يقام منه، واحتج هؤلاء بالحديث الذي أخرجه مسلم -روايتنا السادسة- "إذا قام أحدكم من مجلسه، ثم رجع إليه، فهو أحق به" قالوا: فلما كان أحق به بعد رجوعه، ثبت أنه حقه قبل أن يقوم، وأجاب من حمله على الأدب أن الموضع في الأصل ليس ملكه، قبل الجلوس، ولا بعد المفارقة، فدل على أن المراد بالحقية في حالة الجلوس الأولوية، فيكون من قام تاركاً له قد سقط حقه جملة، ومن قام ليرجع يكون أولى، وقد سئل مالك عن حديث أبي هريرة -روايتنا السادسة- فقال: ما سمعت به، وإنه لحسن إذا كانت أوبته قريبة، وإن بعد فلا أرى ذلك له، ولكنه من محاسن الأخلاق. وقال القرطبي في المفهم: هذا الحديث يدل على صحة القول بوجوب، اختصاص الجالس بموضعه، إلى أن يقوم منه، وما احتج به من حمله على الأدب، لكونه ليس ملكاً له، لا قبل ولا بعد، ليس بحجة، لأنا نسلم أنه غير ملك له، لكن يختص به، إلى أن يفرغ غرضه، فصار كأنه ملك منفعته، فلا يزاحمه غيره عليه، وقال النووي: قال أصحابنا: هذا في حق من جلس في موضع من المسجد أو غيره لصلاة مثلاً، ثم فارقه ليعود إليه، كإرادة الوضوء مثلاً، أو لشغل يسير، ثم يعود، لا يبطل اختصاصه به، وله أن يقيم من خالفه وقعد فيه، وعلى القاعد أن يطيعه. واختلف. هل يجب عليه؟ على وجهين، أصحهما الوجوب، وقيل: يستحب، وهو مذهب مالك، قال أصحابنا: وإنما يكون أحق به في تلك الصلاة، دون غيرها، قال: ولا فرق بين أن يقوم منه ويترك له فيه سجادة ونحوها أم لا. وقال عياض: اختلف العلماء فيمن اعتاد بموضع من المسجد للتدريس والفتوى، فحكي عن مالك أنه أحق به إذا عرف به، قال: والذي عليه الجمهور أن هذا استحسان، وليس بحق واجب، ولعله

стр. 4826

مراد مالك، وكذا قالوا في مقاعد الباعة من الأفنية والطرق التي هي غير متملكة، قالوا: ومن اعتاد بالجلوس في شيء منها، فهو أحق به، حتى يتم غرضه، قال: وحكاه الماوردي عن مالك قطعاً للنزاع، وقال القرطبي: الذي عليه الجمهور أنه ليس بواجب. والله أعلم. أما قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين ءامنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم وإذا قيل انشُزوا فانشُزوا﴾ [المجادلة: ١١] أي إذا قيل: قوموا فقوموا، وظاهره أن يقام الرجل من مجلسه، مما يتعارض والحديث، فقد قال ابن بطال: قال بعضهم: هو مجلس النبي ﷺ خاصة، قال قتادة: كانوا يتنافسون في مجلس النبي ﷺ ، إذا رأوه مقبلاً ضيقوا مجلسهم، فأمرهم الله تعالى أن يوسع بعضهم لبعض، قال الحافظ ابن حجر: لا يلزم من كون الآية نزلت في ذلك، الاختصاص. اهـ وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل، قال: نزلت يوم الجمعة، أقبل جماعة من المهاجرين والأنصار، من أهل بدر، فلم يجدوا مكاناً، فأقام النبي ﷺ ناساً، ممن تأخر إسلامهم، فأجلسهم في أماكنهم، فشق ذلك عليهم، وتكلم المنافقون في ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية، ومعنى هذا أن الأمر بالقيام وتنفيذه خاص بهذه الواقعة، وبأمثالها، وعن الحسن البصري: أن المراد بذلك مجلس القتال، قال: ومعنى قوله ﴿انشُزوا﴾ انهضوا للقتال. ١٩ - ومن الرواية الرابعة قال النووي: هذا ورع من ابن عمر، وليس قعوده فيه حراماً، إذا قام برضاه، لكنه تورع عنه لوجهين: أحدهما: أنه ربما استحى منه إنسان، فقام له من مجلسه من غير طيب قلبه، فسد ابن عمر الباب، ليسلم من هذا. الثاني: أن الإيثار بالقرب مكروه، أو خلاف الأولى، فكان ابن عمر يمتنع من ذلك لئلا يرتكب أحد بسببه مكروهاً أو خلاف الأولى، بأن يتأخر عن موضعه في الصف الأول، ويؤثره به، وشبه ذلك، قال أصحابنا: وإنما يحمد الإيثار بحظوظ النفس وأمور الدنيا، دون القرب. والله أعلم

стр. 4827

(٥٨٩) باب منع المخنث من الدخول على النساء الأجانب ٤٩٦٦ - عن أم سلمة ﵂ أن مخنثاً كان عندها، ورسول الله ﷺ في البيت، فقال لأخي أم سلمة: يا عبد الله بن أبي أمية، إن فتح الله عليكم الطائف غداً فإني أدلك على بنت غيلان، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان. قال: فسمعه رسول الله ﷺ ، فقال: "لا يدخل هؤلاء عليكم". ٤٩٦٧ - عن عائشة ﵂ قالت: كان يدخل على أزواج النبي ﷺ مخنث، فكانوا يعدونه من غير أولي الإربة. قال: فدخل النبي ﷺ يوماً، وهو عند بعض نسائه، وهو ينعت امرأة، قال: إذا أقبلت أقبلت بأربع وإذا أدبرت أدبرت بثمان. فقال النبي ﷺ : "ألا أرى هذا يعرف ما ها هنا لا يدخلن عليكن" قالت: فحجبوه. -[المعنى العام]- يقول الله تعالى: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءابَائِهِنَّ أَوْ ءابَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء﴾ [النور: ٣١]. فألحق الله تعالى العبيد، والتابعين الذين لا رغبة لهم في النساء، بالمحارم، الذين يجوز لهم الخلوة بمحارمهم، والنظر إليهن فيما عدا ما بين السرة والركبة. وتساهلت نساء في هذا الزمان في تعاملهن مع الخدم الأحرار، فانكشفن أمامهم، واختلون بهم، فلا يتحشمن منهم، لأنهم -كما يقولون- خدم، وهذا خطأ شرعي كبير، ترتب عليه في بعض البلاد الإسلامية خطر وفساد عظيم، تماماً كما حصل من تساهل الرجال، في تعاملهم مع الخادمات الحرائر. إن خطر هذا الصنف لا ينحصر في احتمال الفاحشة، بل وفي نشر أسرار البيوت، وفي وصف نسائها لرجال أجانب آخرين.

стр. 4828

ولنا في رسول الله ﷺ ، وفي توجيهه وتشريعه أسوة حسنة، فقد كان في عهده ﷺ مخنث شبه معتوه، يدخل البيوت، يستطعم منها الطعام، ويتكفف قوته بالطواف عليها، لا يتحشم منه نساء، ولا يغار منه رجال، فهو في نظرهم من غير أولي الإربة من الرجال. فدخل هذا المخنث بيت أم المؤمنين أم سلمة، وعندها أخوها عبد الله بن أبي أمية، ثم دخل رسول الله ﷺ ، فسلم عليهم، ثم انتحى ناحية بعيدة عنهم، كان ذلك في زمن حصار المسلمين لأهل الطائف، وقد طال الحصار، اختلى المخنث بأخي أم سلمة، ثم قال له إسراراً، يا عبد الله، يا ابن أبي أمية: إذا فتحتم الطائف غداً، فعليك بابنة غيلان. اسأل عنها، فإذا وقعت في السبي فلا تفلت منك، احرص على أن تكون من نصيبك، فإنها من أجمل نساء الطائف، لقد رأيتها، وجلست معها في طوافي بالبيوت، إنها جميلة الوجه، فمها وثغرها الأحمر كالفراولة، وجسمها المملوء لحماً يجذب الرجال، وبطنها يتثنى وينطوي على أربع طيات، تبهر الرجل إذا نظر إليها من الأمام، فإذا نظر إليها من الخلف رأى طرف الطيات الأربع من جهة، وطرفها الآخر من الجهة الأخرى فرآها تقبل بأربع، وتدبر بثمان إن قعدت تثنت، وظهر كل فخذ على حدة، وإن تكلمت تغنت بأحلى غناء، وأرق صوت، وبين رجليها جزء مثل الإناء المقلوب، وسمعه الرسول ﷺ يصف ابنة غيلان وصفاً لا يصفه إلا دهاة الرجال وأهل الغزل منهم، فقال في نفسه: سبحان الله! كنا نظنه لا يدرك مفاتن النساء، وليس له فيهن رغبة، ولا يفطن لمحاسنهن، ثم قال له: يا عدو الله، غلغلت النظر إليها؟ قاتلك الله. كنت أحسبك لا تدرك شيئاً من ذلك. لا تدخل من اليوم على النساء، واخرج من المدينة إلى الحمى والصحراء، وقال لأمهات المؤمنين: لا تدخلن مثل هذا عليكن أبداً. -[المباحث العربية]- (عن أم سلمة أن مخنثاً كان عندها) قال أهل اللغة: المخنث بكسر النون وفتحها، وهو الذي يشبه النساء في أخلاقه وكلامه وحركاته، وقال ابن حبيب: المخنث هو المؤنث من الرجال، وإن لم تعرف منه الفاحشة، مأخوذ من التكسر في المشي وغيره. اهـ يقال: خنث الرجل، بكسر النون، يخنث بفتحها، خنثاً بفتحها، إذا فعل فعل المخنث وتثنى وتكسر، والخنثى في الحيوان فرد تتكون فيه أمشاج الذكر وأمشاج الأنثى، قال العلماء: المخنث ضربان: أحدهما من خلق كذلك، ولم يتكلف التخلق بأخلاق النساء وزيهن وكلامهن وحركاتهن، بل هو خلقة، خلقه الله عليها، الضرب الثاني من المخنث هو من لم يكن له ذلك خلقة، بل يتكلف أخلاق النساء وحركاتهن وهيئاتهن وكلامهن، ويتزيا بزيهن، وسيأتي حكم كل منهما في فقه الحديث. قال النووي: واختلف في اسم هذا المخنث، قال القاضي: الأشهر أن اسمه "هيت" بكسر الهاء بعدها ياء ثم تاء، وقيل: "هنب" بالنون والباء، قاله ابن درستويه، وقال: إنما سواه تصحيف، قال: والهنب الأحمق، وقيل: "ماتع" بالتاء، مولى فاختة المخزومية، وجاء هذا في حديث آخر، ذكر فيه أن النبي ﷺ غرب -ونفى- "ماتعاً" هذا، و"هيتا" إلى الحمى، ذكره الواقدي، وذكر أبو منصور الباوردي نحو الحكاية عن مخنث، كان بالمدينة، يقال له "إنه" وذكر أن النبي ﷺ نفاه إلى حمراء الأسد،

стр. 4829

والمحفوظ أنه "هيت" قال الحافظ ابن حجر: والراجح أن اسم المذكور في حديث الباب "هيت" ولا مانع أن يتواردوا في الوصف المذكور "مخنث". (ورسول الله ﷺ في البيت) أي في بيت أم سلمة، وفي الرواية الثانية "فدخل النبي ﷺ يوماً، وهو عند بعض نسائه، وهو ينعت امرأة" أي والمخنث عند أم سلمة. (فقال لأخي أم سلمة: يا عبد الله بن أبي أمية) عبد الله بن أبي أمية هو أخو أم سلمة، وكان إسلامه مع أبي سفيان بن الحارث في غزوة الفتح، واستشهد عبد الله في الطائف، أصابه سهم فقتله، ووقع في مرسل ابن المنكدر أنه قال ذلك لعبد الرحمن بن أبي بكر، فيحتمل على تعدد القول منه لكل منهما، لأخي عائشة، ولأخي أم سلمة، قال الحافظ ابن حجر: والعجب أنه لم يقدر أن المرأة الموصوفة حصلت لواحد منهما، لأن الطائف لم يفتح حينئذ، وقتل عبد الله بن أبي أمية في حال الحصار، ولما أسلم غيلان بن سلمة وأسلمت بنته "بادية" تزوجها عبد الرحمن بن عوف، ووقع حديث في سعد بن أبي وقاص أنه خطب امرأة بمكة، فقال: من يخبرني عنها؟ فقال مخنث، يقال له هيت: أنا أصفها لك. فهذه قصص وقعت لهيت. (إن فتح الله عليكم الطائف غداً) كان هذا القول أثناء حصار المسلمين للطائف الذي استمر عشرين يوماً في شوال سنة ثمان من الهجرة، واستعصى على المسلمين فتحه، لأنهم كانوا قد أعدوا لأنفسهم في الداخل قوت سنة، وكانوا رماة، أخذوا يرمون المسلمين بالنبل وقطع الحديد المحماة من فوق سور حصنهم، فنالوا منهم، وأصابوا كثيرين، ولم تصل نبال المسلمين إليهم، فرحل رسول الله ﷺ عنهم، ودعا الله لهم بالهداية، فهداهم الله تعالى، فأسلموا. (فإني أدلك على بنت غيلان) بفتح الغين، وهو ابن سلمة بن معتب بن مالك الثقفي، أسلم وتحته عشر نسوة، فأمره رسول الله ﷺ أن يختار أربعاً، وكان من رؤساء ثقيف، وعاش إلى أوائل خلافة عمر ﵁. (فإنها تقبل بأربع، وتدبر بثمان) قال النووي: قالوا: معناه أن لها أربع عكن تقبل بهن، من كل ناحية ثنتان [والعنكة بضم العين وسكون الكاف ما انطوى وتثنى من لحم البطن سمناً، يقال: عكنت الجارية، بتشديد الكاف، أي صارت ذات عكن، بضم العين وفتح الكاف] قال الخطابي: يريد أن لها في بطنها أربع عكن -أربع طيات- فإذا أقبلت رؤيت مواضعها بارزة، متكسراً بعضها على بعض، وإذا أدبرت كانت أطراف هذه العكن الأربع عند منقطع جنبيها ثمانية -أربعاً في كل جانب، قال: وحاصله أنه وصفها بأنها مملوءة البدن، بحيث يكون لبطنها عكن، وذلك لا يكون إلا للسمينة من النساء، وجرت عادة الرجال غالباً في الرغبة فيمن تكون بتلك الصفة، وفي حديث سعد "إن أقبلت قلت: تمشي بست، وإن أدبرت قلت: تمشي بأربع" كأنه يعني يديها ورجليها وثدييها، وإذا أدبرت ينقص الثديان، فهما يحتجبان، زاد في رواية "بثغر كالأقحوان" أي كالفراولة "إن قعدت تثنت، وإن تكلمت تغنت" أي صوتها كالموسيقى "وبين رجليها مثل الإناء المكفوء" وفي رواية "أسفلها كثيب" الكثيب كومة الرمل المستطيل المحدوب "وأعلاها عسيب" يقال: رأس عسيب، أي بعد عهده بالترجيل والتسريح، وهو أحياناً من أوصاف المدح، فيقال: شعر غجري منفوش.

стр. 4830

(فكانوا يعدونه من غير أولي الإربة) بكسر الهمزة البغية، والأرب بفتح الهمزة والراء الحاجة. (لا يدخل هؤلاء عليكم) كذا الرواية "عليكم" بصيغة جمع المذكر، ويوجه بأنه جمع مع النساء المخاطبات من يلوذ بهن، من صبي ووصيف من الذكور، فجاء التغليب، أما عن الإشارة فقد قال النووي: الإشارة إلى جميع المخنثين، المتكلم وأمثاله، وفي الرواية الثانية: "ألا أرى هذا يعرف ما ههنا، لا يدخلن عليكن" وصورة النهي هنا للغائب، والمقصود المخاطبات، أي لا تدخلنه عليكن. أي أرى هذا يعرف ما خفي من مفاتن النساء، ويدركها، ويتلذذ بها، زاد ابن الكلبي في حديثه "فقال النبي ﷺ : غلغلت النظر إليها يا عدو الله" وفي رواية "فقال النبي ﷺ : مالك؟ قاتلك الله، إن كنت لأحسبك من غير أولي الإربة من الرجال" وعند البخاري "لا يدخلن هؤلاء عليكن" ولفظ "لا يدخلن" روي بضم الياء وفتح الخاء واللام وتشديد النون، وبفتح الياء وضم الخاء واللام. (قالت فحجبوه) عن النساء، ومنعوه من الدخول على النساء، أي فصدر الحكم الشرعي بهذا المنع، وذكر أن النبي ﷺ نفاه ومخنثاً آخر إلى الحمى. -[فقه الحديث]- ترجم البخاري لهذا الحديث بباب ما ينهى من دخول المتشبهين بالنساء على المرأة، أي بغير إذن زوجها، وحين تكون مسافرة مثلاً. قال النووي: المخنث بالخلقة لا ذم عليه ولا عتب، ولا إثم ولا عقوبة، لأنه معذور، لا صنع له في ذلك، ولهذا لم ينكر النبي ﷺ أولاً دخوله على النساء، ولم ينكر خلقه الذي هو عليه، حين كان من أصل خلقته، وإنما أنكر عليه بعد ذلك معرفته لأوصاف النساء، ولم ينكر صفته وكونه مخنثاً. اهـ وهذا مسلم إذا فسرنا المخنث بالأبله والمعتوه، كما جاء في تفسير ابن جبير لغير ذي الإربة من الرجال، أما على تفسير النووي بأنه المتخلق بأخلاق النساء وكلامهن وحركاتهن، فإنه وإن لم ينكر عليه صفاته، ينكر عليه دخوله على النساء، ويطلب منه أن يحاول تغيير ما هو عليه، لأن النعومة والتكسر والتثني أمور يمكن تقويمها، كما أنه كعاقل مكلف يحرم عليه الاختلاط بالنساء، واكتشافه لمفاتنهن، ولقد فسر المفسرون ﴿التابعين غير أولي الإربة من الرجال﴾ [النور: ٣١] بأنهم الذين يتبعون، ليصيبوا من فضل الطعام، غير أصحاب الحاجة إلى النساء، وهم الشيوخ الطاعنون في السن، الذين فنيت شهواتهم واختلفوا في الممسوح والمعتوهين الذين لا شهوة عندهم والمجبوب، مقطوع الذكر والخصية، والاختيار أنهما في حرمة النظر كغيرهما من الأجانب. إن منع هذا المخنث في الحديث لم يكن سببه أنه تبين أنه غير مجبوب أو غير ممسوح، وإنما لأنه تبين أنه له إربة ورغبة في النساء، وأنه يدرك مفاتن المرأة، ويملأ عينه منها، ويمكنه وصفها، فكيف لا يعاب على تصرفاته؟ ولا يحاسب عليها؟ لقد حاسبه ﷺ بالنفي والإبعاد إلى البيداء، فكان يدخل المدينة كل جمعة يستطعم، إذن لم تكن العلة في إباحة دخوله التخنث، بل

стр. 4831

كانت الظن بأنه من غير أولي الإربة، ومن غير الذين يدركون مفاتن المرأة، خطران محتملان في دخوله، خطر الرغبة في النساء مع التثني والتكسر، وخطر إدراك المفاتن ونعتها ووصفها للرجال الأجانب، كما فعل هذا المخنث، يؤكد الخطر الثاني قوله ﷺ في الرواية الثانية "أرى هذا يعرف ما ههنا" وكل من الخطرين يمنع دخوله على النساء. ولهذا يقول النووي في مكان آخر: وأما دخول هذا المخنث أولاً على أمهات المؤمنين فقد بين سببه في هذا الحديث بأنهم كانوا يعتقدونه من غير أولي الإربة، وأنه مباح دخوله عليهن، فلما سمع منه هذا الكلام علم أنه من أولي الإربة، فمنعه ﷺ الدخول، ففيه منع المخنث من الدخول على النساء، ومنعهن من الظهور عليه، وبيان أن له حكم الرجال الفحول الراغبين في النساء، في هذا المعنى، وكذا حكم الخصي والمجبوب. -[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]- ١ - منع الرجال من التشبه بالنساء، ومنع النساء من التشبه بالرجال، قال الحافظ ابن حجر: وهو حرام اتفاقاً، وفي البخاري "لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال" قال الطبري: والمعنى: لا يجوز للرجال التشبه بالنساء في اللباس والزينة، التي تختص بالنساء ولا العكس. قال الحافظ ابن حجر: وكذا في الكلام والمشي، فأما هيئة اللباس فتختلف باختلاف عادة كل بلد، فرب قوم لا يفترق زي نسائهم من رجالهم في اللبس، لكن يمتاز النساء بالاحتجاب والاستتار، أما ذم التشبه بالكلام والمشي فيختص بمن تعمد ذلك، وأما من كان ذلك من أصل خلقته، فإنما يؤمر بتكلف تركه، والإدمان على ذلك بالتدريج، فإن لم يفعل وتمادى دخله الذم، ولا سيما إن بدا منه ما يدل على الرضا به. قال: وأما إطلاق من أطلق -كالنووي- وأن المخنث الخلقي لا يتجه عليه اللوم، فمحمول على ما إذا لم يقدر على ترك التثني والتكسر في المشي والكلام، بعد تعاطيه المعالجة لترك ذلك، وإلا متى كان ترك ذلك ممكناً -ولو بالتدريج- فتركه بغير عذر لحقه اللوم. وقال ابن أبي جمرة: ظاهر اللفظ الزجر عن التشبه في كل شيء، لكن عرف من الأدلة الأخرى أن المراد التشبه في الزي وبعض الصفات والحركات ونحوها، لا التشبه في أمور الخير. اهـ واستدل به على أنه يحرم على الرجل لبس الثوب المطلل باللؤلؤ، قال الحافظ ابن حجر: وأما قول الشافعي: ولا أكره للرجل لبس اللؤلؤ، إلا لأنه من زي النساء، فليس مخالفاً لذلك، لأن مراده أنه لم يرد في النهي عنه بخصوصه شيء. وفي البخاري عن ابن عباس ﵄ "لعن النبي ﷺ المخنثين من الرجال، والمترجلات من النساء، وقال: أخرجوهم من بيوتكم" قال: فأخرج النبي ﷺ فلاناً، وأخرج عمر فلانة. ففيه مشروعية إخراج كل من يحصل به التأذي للناس عن مكانه، إلى أن يرجع عن ذلك ويتوب.

стр. 4832

٢ - وفيه حجب النساء عمن يفطن لمحاسنهن. ٣ - قال الحافظ ابن حجر: هذا الحديث أصل في إبعاد من يستراب به، في أمر من الأمور. اهـ فيبعد عن المجلس مثلاً الجاسوس والنمام ونحوهما. ٤ - قال المهلب: وفيه حجة لمن أجاز بيع العين الموصوفة، بدون الرؤية، لقيام الصفة مقام الرؤية، في هذا الحديث، وتعقبه ابن المنير بأن من اقتصر في بيع الجارية على ما وقع في الحديث من الصفة لم يكف اتفاقاً في صحة البيع، فلا دلالة فيه، قال الحافظ ابن حجر: إنما أراد المهلب أنه يستفاد منه أن الوصف يقوم مقام الرؤية، فإذا استوعب الوصف، حتى قام مقام الرؤية المعتبرة أجزأ، هذا مراده، وانتزاعه من الحديث ظاهر. ٥ - قال الحافظ ابن حجر: وفي الحديث أيضاً تعزير من تشبه بالنساء، بالإخراج والنفي، إذا تعين ذلك طريقاً لردعه. والله أعلم

стр. 4833

(٥٩٠) باب جواز إرداف المرأة الأجنبية ٤٩٦٨ - عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: تزوجني الزبير وما له في الأرض من مال ولا مملوك ولا شيء غير فرسه. قالت: فكنت أعلف فرسه وأكفيه مئونته وأسوسه وأدق النوى لناضحه وأعلفه، وأستقي الماء وأخرز غربه وأعجن، ولم أكن أحسن أخبز، وكان يخبز لي جارات من الأنصار، وكن نسوة صدق. قالت: وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله ﷺ على رأسي، وهي على ثلثي فرسخ. قالت: فجئت يوماً والنوى على رأسي، فلقيت رسول الله ﷺ ومعه نفر من أصحابه، فدعاني ثم قال: "إخ إخ" ليحملني خلفه. قالت: فاستحييت وعرفت غيرتك. فقال: والله لحملك النوى على رأسك أشد من ركوبك معه. قالت: حتى أرسل إلي أبو بكر بعد ذلك بخادم فكفتني سياسة الفرس، فكأنما أعتقتني. ٤٩٦٩ - عن أسماء ﵂ قالت: كنت أخدم الزبير خدمة البيت، وكان له فرس وكنت أسوسه، فلم يكن من الخدمة شيء أشد علي من سياسة الفرس، كنت أحتش له وأقوم عليه وأسوسه. قال: ثم إنها أصابت خادماً، جاء النبي ﷺ سبي فأعطاها خادماً. قالت: كفتني سياسة الفرس فألقت عني مئونته. فجاءني رجل فقال: يا أم عبد الله، إني رجل فقير أردت أن أبيع في ظل دارك. قالت: إني إن رخصت لك أبي ذاك الزبير، فتعال فاطلب إلي والزبير شاهد. فجاء، فقال: يا أم عبد الله، إني رجل فقير أردت أن أبيع في ظل دارك. فقالت: ما لك بالمدينة إلا داري؟ فقال لها الزبير: ما لك أن تمنعي رجلاً فقيراً يبيع. فكان يبيع إلى أن كسب فبعته الجارية. فدخل علي الزبير وثمنها في حجري، فقال: هبيها لي. قالت: إني قد تصدقت بها. -[المعنى العام]- خلق الله تعالى حواء من آدم، ولآدم، تعينه وتساعده على الحياة الشاقة في الدنيا، التي كتبت عليه في الأزل، هبطت معه من الجنة، بعد أن بدت لهما سوآتهما في الجنة، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة معاً، وناداهما ربهما نداءً واحداً، وحاسبهما على معصيتهما معاً، وحكم عليهما معاً:

стр. 4834

اهبطا إلى الأرض معاً، فيها تحيون، وفيها تموتون، ومنها تخرجون. ومنذ اللحظة الأولى على الأرض تساعد حواء آدم على المعيشة، يتحمل هو الأعمال الشاقة، وتتحمل هي ما تطيق، وكانت مهمتها الأساسية -لضعفها- أمور البيت، وتوالت العصور، وجاءت الرسالات وحاجات البيت من مهام حواء، حتى الإسلام بشريعته السمحة، وبإنصافه للمرأة، بل وبمحاباته لها، أقر عملها بالمنزل، تخبز، وتطبخ، وتغسل للزوج ولأطفالها، فها هي فاطمة بنت سيد الخلق ﷺ ورضي الله عنها تعمل في بيت زوجها علي، وتطحن الحب على الرحى، لتصنعه خبزاً، حتى مجلت يدها من الرحى، ذهبت تشكو إلى أبيها متاعبها، وتكشف له يدها، فلا يرفع عنها عملها، ولا يوصي علياً أن يعفيها، بل يطلب منها مواصلة العمل، والصبر، وذكر الله، وهذه أسماء بنت أبي بكر، وأخت عائشة، وقد تزوجت الزبير بن العوام بمكة، وأسلمت مثله في أوائل المسلمين تعين زوجها على الحياة بكل ما تستطيع، هاجرت إلى المدينة، وهاجر، وكان له فرس وجمل، لم تكتف بالطبخ في البيت والكنس والغسل وإعداد الطعام وتربية الأطفال، بل خرجت إلى المزارع، تحش الحشيش، وتجمع النوى من الأرض، وتحمله فوق رأسها إلى البيت، ثلاثة كيلو مترات ونصفاً، وهي ابنة من؟ ابنة الوزير الأول في الدولة، وعلى مسمع ومرأى من رئيس الدولة، لقد رآها ﷺ يوماً، وعلى رأسها مكتل النوى، تئن بحمله، وتلهث من ثقله، وكان على ناقته ومعه بعض أصحابه، فأشار عليهم أن يتقدموا، وأناخ ناقته، وناداها، وطلب منها أن تركب خلفه بما تحمل، وغمرها الحياء، فاعتذرت في أدب، إن باعث النداء عليها الشفقة والرحمة، وهي أخت زوجته، محرمة عليه تحريماً مؤقتاً، ثم هو الرسول ﷺ ، مأمون الفتنة، لكنها امرأة، وليست كأية امرأة إنها ابنة أبي بكر، وزوجة رجل من أغير الناس على زوجته، فاعتذرت في حياء ورقة، إنه ﷺ الذي قال عنه ربه ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ [التوبة: ١٢٨] وهي التي تحترم زوجها في غيبته، وتحفظ مشاعره وهو بعيد عنها، فاعتذرت شاكرة مقدرة، إنه مع ركب من أصحابه، إن سار وسارت معهم ربما ظهر منهم أو منها ما يحرجها، وإن تخلف عنهم من أجلها ربما قذف الشيطان شيئاً في قلوبهم، كل هذا خطر في نفسها في لحظات، فاعتذرت، وهي مازالت تحمل المكتل بالنوى، ولم يكن بد من أن يقدر ﷺ موقفها، ويعذرها، ويركب ناقته، ويدرك أصحابه، أما هي فاستعانت بالله على حملها، حتى وصلت متثاقلة به، ككل يوم، وجاء زوجها من سفره، فأخبرته بما جرى، فتقطع قلبه شفقة عليها، وكاد يذرف الدمع رحمة بها، وتحشرجت في صدره كلمات العطف والحنان: إن حملك النوى يا أسماء أصعب وأشق على نفسي من الركوب معه ﷺ . هكذا ربى الإسلام التعاون والتعاطف بين الزوجين، شركة لا تهتم بالحقوق والواجبات، ولا محاسبة بين طرفيها عن هذا لك، وهذا لي، شركة يبذل كل من طرفيها ما يقدر عليه، لإقامة حياة مستقرة، شركة ينتج منها ومن دم طرفيها أولاد، يصبحون أغلى نتائجها، ويرثون جهادها وكفاحها. لا تقل: هل عمل الزوجة في بيت زوجها واجب عليها؟ أو كرم أخلاق منها؟ إن هذا السؤال من أحد طرفيها يفسدها، وإن التدخل الخارجي بالقوانين والمحاسبات هو الشرارة التي تحرقها، وإن حرص كل منهما على أن يأخذ من الآخر يزعزعها، بل يدمرها، وقانون هذه الشركة في السماء قوله

стр. 4835

تعالى: ﴿ومن ءاياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون﴾ [الروم: ٢١]. -[المباحث العربية]- (عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: تزوجني الزبير) بن العوام بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب القرشي، أبو عبد الله، ابن عمه رسول الله ﷺ ، أمه صفية بنت عبد المطلب، أسلم وهو ابن اثنتي عشرة سنة، وهاجر الهجرتين ولم يتخلف عن غزوة غزاها رسول الله ﷺ ، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة الذين جعل عمر الخلافة فيهم من بعده، كان تاجراً، بارك الله له في أمواله في أواخر حياته، كان في جيش عائشة وانسحب من القتال، فاغتاله رجل وهو في طريقه عائداً، وتوفي وسنه ست وستون. أما أسماء بنت أبي بكر ﵄ فهي أخت عائشة لأبيها، وأمها قتيلة بنت عبد العزى، أسلمت قديماً بمكة، بعد سبعة عشر نفساً، وتزوجها الزبير بن العوام، وهاجرت وهي حامل منه، بولده عبد الله، وعاشت إلى أن ولي ابنها الخلافة، ثم إلى أن قتل، وماتت بعده بقليل، وكانت تلقب بذات النطاقين، لدورها في هجرة النبي ﷺ . (وما له في الأرض من مال ولا مملوك ولا شيء غير فرسه) "في الأرض" أي على ظهر الأرض، أي في الدنيا، و"من مال" "من" زائدة، و"مال" اسم "ما" بمعنى "ليس" و"المملوك" الرقيق من العبيد والإماء، وهو هنا من عطف الخاص على العام، وقال الحافظ ابن حجر: المراد بالمال هنا الإبل، أو الأراضي التي تزرع، وهو استعمال معروف للعرب، يطلقون المال على كل من ذلك. اهـ فهو من عطف المغاير، وقولها بعد ذلك "ولا شيء" من عطف العام على الخاص، يشمل كل ما يتملك، أو يتمول، لكن الظاهر أنها لم ترد ما لا بد منه في المعيشة، من مسكن وملبس ومطعم، ورأس مال تجارة، وهي هنا لم تستثن الناضح -وهو الجمل الذي يستقى عليه، مع أنها تقول في الرواية نفسها "وأدق النوى لناضحه"، ووقع استثناؤه في رواية البخاري، ولفظها "ولا شيء غير ناضح، وغير فرسه" وقولها "تزوجني الزبير وما له في الأرض ... غير كذا" يفيد أنه لم يكن يملك حين زواجه بها سوى هذا، فالجملة حال مقارنة، واستشكل الدودي على هذا، فقال: لم يكن له بمكة فرس ولا ناضح، ففي استثنائها لهما نظر، وأجاب الحافظ ابن حجر بأنه لا مانع من أن يكون الفرس والجمل كانا له بمكة، قبل أن يهاجر، فقد ثبت أنه يوم بدر كان على فرس، ولم يكن قبل بدر غزوة يحصل من غنيمتها على فرس، والجمل يحتمل أن يكون كان له بمكة، ولما قدم به المدينة، وأقطع الأرض، أعده لسقيها، وكان ينتفع به قبل ذلك في غير السقي، فلا إشكال. (فكنت أعلف فرسه، وأكفيه مؤنته، وأسوسه) يقال: ساس الدواب، يسوسها، إذا راضها وأدبها، والمراد من كفاية مؤنة الفرس أنها كانت تقوم بحش الحشائش له، وجمع النوى المتساقط على الأرض من آكلي التمر والبلح، وتحمله فوق رأسها من الأرض المزروعة إلى البيت، وتدق النوى، وتقدمه علفاً للفرس والناضح، وتحمل الماء من البئر من خارج الدار، فتسقي الفرس والناضح، ومن في
следующие страницы →