← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 4831–4870 · переход к 4836.

стр. 4831

كانت الظن بأنه من غير أولي الإربة، ومن غير الذين يدركون مفاتن المرأة، خطران محتملان في دخوله، خطر الرغبة في النساء مع التثني والتكسر، وخطر إدراك المفاتن ونعتها ووصفها للرجال الأجانب، كما فعل هذا المخنث، يؤكد الخطر الثاني قوله ﷺ في الرواية الثانية "أرى هذا يعرف ما ههنا" وكل من الخطرين يمنع دخوله على النساء. ولهذا يقول النووي في مكان آخر: وأما دخول هذا المخنث أولاً على أمهات المؤمنين فقد بين سببه في هذا الحديث بأنهم كانوا يعتقدونه من غير أولي الإربة، وأنه مباح دخوله عليهن، فلما سمع منه هذا الكلام علم أنه من أولي الإربة، فمنعه ﷺ الدخول، ففيه منع المخنث من الدخول على النساء، ومنعهن من الظهور عليه، وبيان أن له حكم الرجال الفحول الراغبين في النساء، في هذا المعنى، وكذا حكم الخصي والمجبوب. -[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]- ١ - منع الرجال من التشبه بالنساء، ومنع النساء من التشبه بالرجال، قال الحافظ ابن حجر: وهو حرام اتفاقاً، وفي البخاري "لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال" قال الطبري: والمعنى: لا يجوز للرجال التشبه بالنساء في اللباس والزينة، التي تختص بالنساء ولا العكس. قال الحافظ ابن حجر: وكذا في الكلام والمشي، فأما هيئة اللباس فتختلف باختلاف عادة كل بلد، فرب قوم لا يفترق زي نسائهم من رجالهم في اللبس، لكن يمتاز النساء بالاحتجاب والاستتار، أما ذم التشبه بالكلام والمشي فيختص بمن تعمد ذلك، وأما من كان ذلك من أصل خلقته، فإنما يؤمر بتكلف تركه، والإدمان على ذلك بالتدريج، فإن لم يفعل وتمادى دخله الذم، ولا سيما إن بدا منه ما يدل على الرضا به. قال: وأما إطلاق من أطلق -كالنووي- وأن المخنث الخلقي لا يتجه عليه اللوم، فمحمول على ما إذا لم يقدر على ترك التثني والتكسر في المشي والكلام، بعد تعاطيه المعالجة لترك ذلك، وإلا متى كان ترك ذلك ممكناً -ولو بالتدريج- فتركه بغير عذر لحقه اللوم. وقال ابن أبي جمرة: ظاهر اللفظ الزجر عن التشبه في كل شيء، لكن عرف من الأدلة الأخرى أن المراد التشبه في الزي وبعض الصفات والحركات ونحوها، لا التشبه في أمور الخير. اهـ واستدل به على أنه يحرم على الرجل لبس الثوب المطلل باللؤلؤ، قال الحافظ ابن حجر: وأما قول الشافعي: ولا أكره للرجل لبس اللؤلؤ، إلا لأنه من زي النساء، فليس مخالفاً لذلك، لأن مراده أنه لم يرد في النهي عنه بخصوصه شيء. وفي البخاري عن ابن عباس ﵄ "لعن النبي ﷺ المخنثين من الرجال، والمترجلات من النساء، وقال: أخرجوهم من بيوتكم" قال: فأخرج النبي ﷺ فلاناً، وأخرج عمر فلانة. ففيه مشروعية إخراج كل من يحصل به التأذي للناس عن مكانه، إلى أن يرجع عن ذلك ويتوب.

стр. 4832

٢ - وفيه حجب النساء عمن يفطن لمحاسنهن. ٣ - قال الحافظ ابن حجر: هذا الحديث أصل في إبعاد من يستراب به، في أمر من الأمور. اهـ فيبعد عن المجلس مثلاً الجاسوس والنمام ونحوهما. ٤ - قال المهلب: وفيه حجة لمن أجاز بيع العين الموصوفة، بدون الرؤية، لقيام الصفة مقام الرؤية، في هذا الحديث، وتعقبه ابن المنير بأن من اقتصر في بيع الجارية على ما وقع في الحديث من الصفة لم يكف اتفاقاً في صحة البيع، فلا دلالة فيه، قال الحافظ ابن حجر: إنما أراد المهلب أنه يستفاد منه أن الوصف يقوم مقام الرؤية، فإذا استوعب الوصف، حتى قام مقام الرؤية المعتبرة أجزأ، هذا مراده، وانتزاعه من الحديث ظاهر. ٥ - قال الحافظ ابن حجر: وفي الحديث أيضاً تعزير من تشبه بالنساء، بالإخراج والنفي، إذا تعين ذلك طريقاً لردعه. والله أعلم

стр. 4833

(٥٩٠) باب جواز إرداف المرأة الأجنبية ٤٩٦٨ - عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: تزوجني الزبير وما له في الأرض من مال ولا مملوك ولا شيء غير فرسه. قالت: فكنت أعلف فرسه وأكفيه مئونته وأسوسه وأدق النوى لناضحه وأعلفه، وأستقي الماء وأخرز غربه وأعجن، ولم أكن أحسن أخبز، وكان يخبز لي جارات من الأنصار، وكن نسوة صدق. قالت: وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله ﷺ على رأسي، وهي على ثلثي فرسخ. قالت: فجئت يوماً والنوى على رأسي، فلقيت رسول الله ﷺ ومعه نفر من أصحابه، فدعاني ثم قال: "إخ إخ" ليحملني خلفه. قالت: فاستحييت وعرفت غيرتك. فقال: والله لحملك النوى على رأسك أشد من ركوبك معه. قالت: حتى أرسل إلي أبو بكر بعد ذلك بخادم فكفتني سياسة الفرس، فكأنما أعتقتني. ٤٩٦٩ - عن أسماء ﵂ قالت: كنت أخدم الزبير خدمة البيت، وكان له فرس وكنت أسوسه، فلم يكن من الخدمة شيء أشد علي من سياسة الفرس، كنت أحتش له وأقوم عليه وأسوسه. قال: ثم إنها أصابت خادماً، جاء النبي ﷺ سبي فأعطاها خادماً. قالت: كفتني سياسة الفرس فألقت عني مئونته. فجاءني رجل فقال: يا أم عبد الله، إني رجل فقير أردت أن أبيع في ظل دارك. قالت: إني إن رخصت لك أبي ذاك الزبير، فتعال فاطلب إلي والزبير شاهد. فجاء، فقال: يا أم عبد الله، إني رجل فقير أردت أن أبيع في ظل دارك. فقالت: ما لك بالمدينة إلا داري؟ فقال لها الزبير: ما لك أن تمنعي رجلاً فقيراً يبيع. فكان يبيع إلى أن كسب فبعته الجارية. فدخل علي الزبير وثمنها في حجري، فقال: هبيها لي. قالت: إني قد تصدقت بها. -[المعنى العام]- خلق الله تعالى حواء من آدم، ولآدم، تعينه وتساعده على الحياة الشاقة في الدنيا، التي كتبت عليه في الأزل، هبطت معه من الجنة، بعد أن بدت لهما سوآتهما في الجنة، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة معاً، وناداهما ربهما نداءً واحداً، وحاسبهما على معصيتهما معاً، وحكم عليهما معاً:

стр. 4834

اهبطا إلى الأرض معاً، فيها تحيون، وفيها تموتون، ومنها تخرجون. ومنذ اللحظة الأولى على الأرض تساعد حواء آدم على المعيشة، يتحمل هو الأعمال الشاقة، وتتحمل هي ما تطيق، وكانت مهمتها الأساسية -لضعفها- أمور البيت، وتوالت العصور، وجاءت الرسالات وحاجات البيت من مهام حواء، حتى الإسلام بشريعته السمحة، وبإنصافه للمرأة، بل وبمحاباته لها، أقر عملها بالمنزل، تخبز، وتطبخ، وتغسل للزوج ولأطفالها، فها هي فاطمة بنت سيد الخلق ﷺ ورضي الله عنها تعمل في بيت زوجها علي، وتطحن الحب على الرحى، لتصنعه خبزاً، حتى مجلت يدها من الرحى، ذهبت تشكو إلى أبيها متاعبها، وتكشف له يدها، فلا يرفع عنها عملها، ولا يوصي علياً أن يعفيها، بل يطلب منها مواصلة العمل، والصبر، وذكر الله، وهذه أسماء بنت أبي بكر، وأخت عائشة، وقد تزوجت الزبير بن العوام بمكة، وأسلمت مثله في أوائل المسلمين تعين زوجها على الحياة بكل ما تستطيع، هاجرت إلى المدينة، وهاجر، وكان له فرس وجمل، لم تكتف بالطبخ في البيت والكنس والغسل وإعداد الطعام وتربية الأطفال، بل خرجت إلى المزارع، تحش الحشيش، وتجمع النوى من الأرض، وتحمله فوق رأسها إلى البيت، ثلاثة كيلو مترات ونصفاً، وهي ابنة من؟ ابنة الوزير الأول في الدولة، وعلى مسمع ومرأى من رئيس الدولة، لقد رآها ﷺ يوماً، وعلى رأسها مكتل النوى، تئن بحمله، وتلهث من ثقله، وكان على ناقته ومعه بعض أصحابه، فأشار عليهم أن يتقدموا، وأناخ ناقته، وناداها، وطلب منها أن تركب خلفه بما تحمل، وغمرها الحياء، فاعتذرت في أدب، إن باعث النداء عليها الشفقة والرحمة، وهي أخت زوجته، محرمة عليه تحريماً مؤقتاً، ثم هو الرسول ﷺ ، مأمون الفتنة، لكنها امرأة، وليست كأية امرأة إنها ابنة أبي بكر، وزوجة رجل من أغير الناس على زوجته، فاعتذرت في حياء ورقة، إنه ﷺ الذي قال عنه ربه ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ [التوبة: ١٢٨] وهي التي تحترم زوجها في غيبته، وتحفظ مشاعره وهو بعيد عنها، فاعتذرت شاكرة مقدرة، إنه مع ركب من أصحابه، إن سار وسارت معهم ربما ظهر منهم أو منها ما يحرجها، وإن تخلف عنهم من أجلها ربما قذف الشيطان شيئاً في قلوبهم، كل هذا خطر في نفسها في لحظات، فاعتذرت، وهي مازالت تحمل المكتل بالنوى، ولم يكن بد من أن يقدر ﷺ موقفها، ويعذرها، ويركب ناقته، ويدرك أصحابه، أما هي فاستعانت بالله على حملها، حتى وصلت متثاقلة به، ككل يوم، وجاء زوجها من سفره، فأخبرته بما جرى، فتقطع قلبه شفقة عليها، وكاد يذرف الدمع رحمة بها، وتحشرجت في صدره كلمات العطف والحنان: إن حملك النوى يا أسماء أصعب وأشق على نفسي من الركوب معه ﷺ . هكذا ربى الإسلام التعاون والتعاطف بين الزوجين، شركة لا تهتم بالحقوق والواجبات، ولا محاسبة بين طرفيها عن هذا لك، وهذا لي، شركة يبذل كل من طرفيها ما يقدر عليه، لإقامة حياة مستقرة، شركة ينتج منها ومن دم طرفيها أولاد، يصبحون أغلى نتائجها، ويرثون جهادها وكفاحها. لا تقل: هل عمل الزوجة في بيت زوجها واجب عليها؟ أو كرم أخلاق منها؟ إن هذا السؤال من أحد طرفيها يفسدها، وإن التدخل الخارجي بالقوانين والمحاسبات هو الشرارة التي تحرقها، وإن حرص كل منهما على أن يأخذ من الآخر يزعزعها، بل يدمرها، وقانون هذه الشركة في السماء قوله

стр. 4835

تعالى: ﴿ومن ءاياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون﴾ [الروم: ٢١]. -[المباحث العربية]- (عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: تزوجني الزبير) بن العوام بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب القرشي، أبو عبد الله، ابن عمه رسول الله ﷺ ، أمه صفية بنت عبد المطلب، أسلم وهو ابن اثنتي عشرة سنة، وهاجر الهجرتين ولم يتخلف عن غزوة غزاها رسول الله ﷺ ، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة الذين جعل عمر الخلافة فيهم من بعده، كان تاجراً، بارك الله له في أمواله في أواخر حياته، كان في جيش عائشة وانسحب من القتال، فاغتاله رجل وهو في طريقه عائداً، وتوفي وسنه ست وستون. أما أسماء بنت أبي بكر ﵄ فهي أخت عائشة لأبيها، وأمها قتيلة بنت عبد العزى، أسلمت قديماً بمكة، بعد سبعة عشر نفساً، وتزوجها الزبير بن العوام، وهاجرت وهي حامل منه، بولده عبد الله، وعاشت إلى أن ولي ابنها الخلافة، ثم إلى أن قتل، وماتت بعده بقليل، وكانت تلقب بذات النطاقين، لدورها في هجرة النبي ﷺ . (وما له في الأرض من مال ولا مملوك ولا شيء غير فرسه) "في الأرض" أي على ظهر الأرض، أي في الدنيا، و"من مال" "من" زائدة، و"مال" اسم "ما" بمعنى "ليس" و"المملوك" الرقيق من العبيد والإماء، وهو هنا من عطف الخاص على العام، وقال الحافظ ابن حجر: المراد بالمال هنا الإبل، أو الأراضي التي تزرع، وهو استعمال معروف للعرب، يطلقون المال على كل من ذلك. اهـ فهو من عطف المغاير، وقولها بعد ذلك "ولا شيء" من عطف العام على الخاص، يشمل كل ما يتملك، أو يتمول، لكن الظاهر أنها لم ترد ما لا بد منه في المعيشة، من مسكن وملبس ومطعم، ورأس مال تجارة، وهي هنا لم تستثن الناضح -وهو الجمل الذي يستقى عليه، مع أنها تقول في الرواية نفسها "وأدق النوى لناضحه"، ووقع استثناؤه في رواية البخاري، ولفظها "ولا شيء غير ناضح، وغير فرسه" وقولها "تزوجني الزبير وما له في الأرض ... غير كذا" يفيد أنه لم يكن يملك حين زواجه بها سوى هذا، فالجملة حال مقارنة، واستشكل الدودي على هذا، فقال: لم يكن له بمكة فرس ولا ناضح، ففي استثنائها لهما نظر، وأجاب الحافظ ابن حجر بأنه لا مانع من أن يكون الفرس والجمل كانا له بمكة، قبل أن يهاجر، فقد ثبت أنه يوم بدر كان على فرس، ولم يكن قبل بدر غزوة يحصل من غنيمتها على فرس، والجمل يحتمل أن يكون كان له بمكة، ولما قدم به المدينة، وأقطع الأرض، أعده لسقيها، وكان ينتفع به قبل ذلك في غير السقي، فلا إشكال. (فكنت أعلف فرسه، وأكفيه مؤنته، وأسوسه) يقال: ساس الدواب، يسوسها، إذا راضها وأدبها، والمراد من كفاية مؤنة الفرس أنها كانت تقوم بحش الحشائش له، وجمع النوى المتساقط على الأرض من آكلي التمر والبلح، وتحمله فوق رأسها من الأرض المزروعة إلى البيت، وتدق النوى، وتقدمه علفاً للفرس والناضح، وتحمل الماء من البئر من خارج الدار، فتسقي الفرس والناضح، ومن في

стр. 4836

البيت، وفي الرواية الثانية "وكان له فرس، وكنت أسوسه، فلم يكن من الخدمة شيء أشد علي من سياسة الفرس، كنت أحتش له، وأقوم عليه وأسوسه". (وأدق النوى) أي أكسره بالدق، عن طرق حجر أو نحوه، على حجر منقور أو نحوه، كالذي يعرف بالهاون وقد يكون عن طريق الرحى، وإن غلب على عملها الطحن. (وأخرز غربه) "أخرز" بخاء بعدها راء ثم زاي، يقال: خرز الجلد ونحوه، خاطه، والغرب بفتح الغين وسكون الراء بعدها باء الدلو الكبير. (وأعجن) الدقيق للخبز. (ولم أكن أحسن أخبز) يقال: خبز بفتح الباء، يخبز بكسرها، خبزاً بسكونها، إذا صنعه، بأن أخذ قطعة العجين وبسطها، ورققها، وأدخلها الفرن أو النار، حتى تنضج، وفعل "أخبز" مسبوك بمصدر من غير سابك، مفعول "أحسن" أي لم أكن أحسن وأتقن صنعة خبز الخبز. (وكان يخبز لي جارات من الأنصار) هذا محمول على أن في كلامها شيئاً محذوفاً مطويا، تقديره: تزوجني الزبير بمكة، وهو بالصفة المذكورة، واستمر على ذلك حتى قدمنا المدينة، وفيها كنت أصنع كذا وكذا، لأن النسوة من الأنصار، إنما جاورنها بعد قدومها المدينة، وكذا ما سيأتي من نقل النوى من أرض الزبير. (وكن نسوة صدق) الوصف بالمصدر وإضافة الصفة إلى الموصوف يفيد المبالغة، والمراد من الصدق هنا حسن العشرة والإخلاص في المودة. (وكنت أنقل النوى من أرض الزبير، التي أقطعه رسول الله ﷺ ، على رأسي) على رأس ستة أشهر من غزوة بدر حاصر رسول الله ﷺ بني النضير، فكان جلاؤهم إلى الشام، وتركوا أرضهم، فكانت فيئاً لرسول الله ﷺ ، فقال ﷺ للأنصار: إن شئتم قسمت بينكم ما أفاء الله علي، وبقي المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في منازلكم ومشاركتكم أموالكم، وإن شئتم أعطيتهم، وخرجوا عنكم، فاختاروا الثاني، فأقطع رسول الله ﷺ المهاجرين بعض الأرض، فكان للزبير بن العوام منها نصيب. (وهي على ثلثي فرسخ) وفي رواية البخاري "وهي مني على ثلثي فرسخ" أي تبعد عن مكان سكني بثلثي فرسخ والفرسخ ثلاثة أميال، فهي على مسافة ميلين من مسكنها، أي نحو ثلاثة كيلو مترات، ونصف الكيلو متر. (فدعاني، ثم قال: إخ. إخ) أي قال لناقته: إخ. إخ. بكسر الهمزة وسكون الخاء، كلمة تقال للبعير، لمن أراد أن ينيخه. (ليحملني خلفه) كأنها فهمت ذلك من قرينة الحال، وإلا فيحتمل أن يكون ﷺ قد أراد أن يركبها وما معها على ناقته، ويركب هو شيئاً آخر. (قالت: فاستحييت، وعرفت غيرتك) فهي قد قالت ذلك لزوجها الزبير بعد ما

стр. 4837

وصلت، ولم تركب، ففي رواية البخاري "فاستحييت أن أسير مع الرجال، وذكرت -أي تذكرت- الزبير وغيرته، وكان أغير الناس، فعرف رسول الله ﷺ أني قد استحييت، فمضى، فجئت الزبير، فقلت: لقيني رسول الله ﷺ ، وعلى رأسي النوى، ومعه نفر من أصحابه، فأناخ لأركب، فاستحييت منه، وعرفت غيرتك". (والله لحملك النوى على رأسك أشد من ركوبك معه) سقطت من هذه الرواية لفظ "علي" وهي في رواية البخاري "أشد علي" ووجه المفاضلة التي أشار إليها الزبير أن ركوبها مع النبي ﷺ لا ينشأ عنه كبير أمر من الغيرة لأنها أخت امرأته، فهي في تلك الحالة لا تحل له أن يتزوجها لو كانت خلية من الزوج، أما أنها كانت تخشى أن ينكشف منها حالة السير ما لا تريد انكشافه، أو أن يقع لها من الرجال مزاحمة بغير قصد، فهذا كله أخف مما تحقق من تبذلها، بحمل النوى على رأسها من مكان بعيد، لأنه قد يوهم خسة النفس، ودناءة الهمة، ولكن كان السبب الحامل على ذلك شغل زوجها وأبيها بالجهاد وغيره، وكانوا لا يتفرغون للقيام بأمور البيت، بأن يتعاطوا ذلك بأنفسهم، ولضيق ما بأيديهم على استخدام من يقوم بذلك عنهم فانحصر الأمر في نسائهم، فكن يكفينهم مؤنة المنزل ومن فيه، ليتوافروا هم على ما هم فيه، من نصر الإسلام مع ما ينضم إلى ذلك من العادة المانعة من تسمية ذلك عاراً محضاً. ذكره الحافظ ابن حجر. (حتى أرسل إلي أبو بكر بخادم) الخادم يطلق على الذكر والأنثى، والمراد هنا أنثى، وفي الرواية الثانية "جاء النبي ﷺ سبي، فأعطاها خادماً" قال الحافظ ابن حجر: ويجمع بين الروايتين بأن السبي لما جاء إلى النبي ﷺ أعطى أبا بكر منه خادما، ليرسله إلى ابنته أسماء، فصدق أن النبي ﷺ هو المعطي، ولكن وصل ذلك إليها بواسطة. (إني إن رخصت لك، أبى ذلك الزبير) أي إني إن رخصت لك قبل استشارة الزبير وموافقته رفض الزبير موافقتي. (ما لك بالمدينة إلا داري؟ ) الاستفهام إنكاري توبيخي، أي ما ينبغي أن تلجأ إلى داري وفي المدينة دور كثيرات، فالجأ لغير داري. قالت ذلك تتظاهر بعدم الموافقة لتكون الموافقة من الزبير. (مالك أن تمنعي رجلاً فقيراً يبيع) أي ما ينبغي لك أن تمنعي (فكان يبيع إلى أن كسب) أي إلى أن كان غير فقير، لدرجة قدرته على شراء الإماء والخدم. (فبعته الجارية) وهو محمول على أنها استغنت عنها بغيرها. (فقال: هبيها لي) الظاهر أنه لم يكن يعلم أنها باعتها. (قالت: إني قد تصدقت بها) أي إني بعتها، وهذا ثمنها، وسأتصدق به. -[فقه الحديث]- المسألة الفقهية الأساسية في هذا الحديث هي عمل المرأة في بيت زوجها، وظاهر الحديث يدل

стр. 4838

على أن على المرأة القيام بجميع ما يحتاج إليه زوجها من الخدمة، وإليه ذهب أبو ثور، ويؤيده حديث فاطمة ﵂، حين شكت ما تلقى يداها من الرحى، وسألت أباها خادماً، فدلها على خير من ذلك، وهو ذكر الله تعالى. وقال النووي: ما قامت به أسماء ﵂ كله من المعروف والمروءات، التي أطبق عليها الناس، وهو أن المرأة تخدم زوجها هذه الأمور المذكورة ونحوها، من الخبز والطبخ وغسل الثياب وغير ذلك، وكله تبرع من المرأة، وإحسان منها إلى زوجها، وحسن معاشرة، وفعل معروف معه، ولا يجب عليها شيء من ذلك، بل لو امتنعت من جميع هذا لم تأثم، ويلزمه هو تحصيل هذه الأمور لها، ولا يحل له إلزامها بشيء من هذا، وإنما تفعله المرأة تبرعاً، وهي عادة جميلة استمر عليها النساء، من الزمن الأول، إلى الآن، وإنما الواجب على المرأة شيئان، تمكينها زوجها من نفسها، وملازمة بيته. اهـ قال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر أن هذه الواقعة وأمثالها كانت في حال ضرورة، فلا يطرد الحكم في غيرها، مما لم يكن في مثل حالهم، والذي يترجح حمل الأمر في ذلك على عوائد البلاد، فإنها مختلفة في هذا الباب. -[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]- ١ - جواز الإرداف على الدابة، إذا كانت مطيقة. ٢ - وجواز إرداف المرأة التي ليست محرماً، إذا وجدت في طريق وقد أعيت، ولا سيما مع جماعة رجال صالحين. ولا شك في جواز مثل هذا. كذا قال النووي، وقال القاضي عياض: هذا خاص للنبي ﷺ ، بخلاف غيره، فقد أمرنا بالمباعدة بين أنفاس الرجال والنساء، وكانت عادته ﷺ مباعدتهن، لتقتدي به أمته، قال: وإنما كانت هذه الخصوصية له لكونها بنت أبي بكر، وأخت عائشة، وامرأة للزبير، فكانت كإحدى أهله ونسائه، مع ما خص به ﷺ من أنه أملك لإربه، وأما إرداف المحارم فجائز بلا خلاف، بكل حال. ٣ - وما كان عليه ﷺ من الشفقة على المؤمنين والمؤمنات، ورحمتهم ومواساتهم فيما أمكنه. ٤ - ومن التقاطها النوى قال القاضي عياض: فيه جواز التقاط المطروحات رغبة عنها، كالنوى والسنابل وخرق المزابل وسقاطتها، وما يطرحه الناس من رديء المتاع ورديء الخضر وغيرها، مما يعرف أنهم تركوه، رغبة عنه، فكل هذا يحل التقاطه، ويملكه الملتقط، وقد لقطه الصالحون وأهل الورع، ورأوه من الحلال المحض، وارتضوه لأكلهم ولباسهم. ٥ - ومن إقطاع النبي ﷺ الأرض للزبير جواز إقطاع الإمام، قال النووي: فأما الأرض المملوكة لبيت المال فلا يملكها أحد إلا بإقطاع الإمام، ثم تارة يقطع رقبتها، ويملكها الإنسان، حيث يرى في ذلك مصلحة، فيجوز، ويملكها كما يملك ما يعطيه من الدراهم والدنانير وغيرها، وتارة يقطعه منفعتها، فيستحق الانتفاع بها مدة الإقطاع.

стр. 4839

وأما الموات فيجوز لكل أحد إحياؤه، ولا يفتقر إلى إذن الإمام، هذا مذهب مالك والشافعي والجمهور، وقال أبو حنيفة: لا يملك الموات بالإحياء إلا بإذن الإمام. ٦ - ومن قصة الفقير الذي استأذنها أن يبيع في ظل دارها، وذكرها الحيلة في استرضاء الزبير، حسن الملاطفة في تحصيل المصالح، ومداراة أخلاق الناس في تتميم ذلك. ٧ - وفي الحديث مدح الغيرة على الزوجة. ٨ - ومنقبة للزبير بن العوام. ٩ - ومنقبة لأسماء بنت أبي بكر. ١٠ - وما كان عليه نساء الأنصار من التعاون والتواد وحسن العشرة. ١١ - وما كان عليه الصحابة من ضيق العيش وقلة ذات اليد. ١٢ - قال المهلب: وفيه أن المرأة الشريفة إذا تطوعت بخدمة زوجها بشيء لا يلزمها لم ينكر عليها ذلك أب ولا سلطان، قال الحافظ ابن حجر: وتعقب بأنه بناه على أصله، من أن ذلك كان تطوعاً، ولخصمه أن يعكس، فيقول: لو لم يكن لازماً ما سكت أبوها مثلاً على ذلك، مع ما فيه من المشقة عليه وعليها. ١٣ - أخذ منه بعضهم أن الحجاب إنما هو في حق أزواج النبي ﷺ خاصة، فليس في الحديث أنها استترت، ولا أن النبي ﷺ أمرها بذلك. وتعقب بأن ذلك كان قبل نزول الحجاب. ١٤ - قال المهلب: وفيه غيرة الرجل عند ابتذال أهله، فيما يشق من الخدمة، وأنفة نفسه من ذلك، لا سيما إذا كانت ذات حسب. ١٥ - ومن بيعها الجارية بدون علمه دليل على أن للزوجة أن تتصرف في مالها وأملاكها، دون علم زوجها، وقد يقال: إنها كانت مأذوناً لها إذناً عاماً. ١٦ - وعن استئذان الرجل الفقير قال السنوسي: هذا يدل على أن أصحاب الأفنية أحق بها، فلا يقعد فيها للبيع إلا بإذن، وبشرط أن لا يضيق على الماريين. والله أعلم

стр. 4840

(٥٩١) باب تحريم مناجاة الاثنين دون الثالث ٤٩٧٠ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا كان ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون واحد". ٤٩٧١ - عن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس؛ من أجل أن يحزنه". ٤٩٧٢ - عن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه". -[المعنى العام]- إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وهو حريص على أن يوقع العداوة والبغضاء في نفوس الناس، ليفرقهم ويشغلهم بالشحناء والتدابر والتقاطع، ويلهيهم عن العبادة وعن ذكر الله، لا يجد لذلك وسيلة إلا اتبعها، وأهم وسائله ظن السوء، فكان على المؤمنين أن يغلقوا في وجهه الأبواب التي يتسرب منها إلى غرس ظن السوء في القلوب، وكان الحديث الشريف "إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان، دون الثالث" فإن ذلك يوقع في نفسه الوحشة والخوف والحقد والحزن. وقال القرآن الكريم ﴿إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين ءامنوا وليس بضارهم شيئاً إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ [المجادلة: ١٠] نزلت هذه الآية في المنافقين واليهود، كانوا إذا خرج المسلمون للغزو، أو سافروا لمهام أمورهم، جلس كل اثنين منهم بجوار مسلمين، وأسر أحدهما للآخر، وتكلفا المناجاة، ينظران إلى من بجوارهما من المؤمنين، ويتغامزون بأعينهم، عليهم،

стр. 4841

يوهمونهم عن أقاربهم المسافرين، أنهم أصابهم شر، فيخاف المؤمنون ويحزنوا، ويعيشون في نكد حتى يقدم أقاربهم سالمين. تكرر منهم ذلك وكثر، فشكا المؤمنون إلى الرسول ﷺ ، فأنزل الله تعالى هذه الآية لئلا يكترث المؤمنون بتناجي المنافقين وأعدائهم، ولا يحزنوا، ونصح ﷺ المؤمنين بذلك، ونصح المنافقين واليهود بعدم استخدام هذا الأسلوب الحقير، فلم يستجيبوا، وعادوا، وكرروا، وأكثروا، فنزل قوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير﴾ [المجادلة: ٨]. إن القرآن الكريم في هذه الآيات، وإن عني بموضوع النجوى، لكنه يهتم أولاً وبالذات بالأثر المترتب عليها، وهو حزن الذي يراها، وخوفه منها، وتوقعه شرها، هذا ما يقع في نفسه، وإن كان موضوعها لا يتعلق به، ولا يتصل به من قريب أو بعيد، وأقل أثر يقع في نفسه أن المتناجيين بينهما من الود ما ليس عنده، وبينهما من السر ما لا يصح له أن يعلمه، وأنهما أقرب لبعضهما منه، فيقع في نفسه من البغض والحقد عن كليهما ما لم يكن، وإن كثيراً من الناس يتعمدون صورة المناجاة بدون مطلب لها، وبدون حاجة إليها، ليغيظوا بهذا المظهر بعض الجالسين، فكان التوجيه القرآني عاماً، للمنافقين والكافرين والمؤمنين ﴿إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين ءامنوا﴾ وكان نهي الرسول ﷺ عنها بصفة عامة "إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث، من أجل أن ذلك يحزنه". -[المباحث العربية]- (إذا كان ثلاثة) بالرفع فاعل "كان" التامة، أي إذا اجتمع ثلاثة، وفي الرواية الثانية والثالثة "إذا كنتم ثلاثة" وفي رواية للبخاري "إذا كانوا ثلاثة" وكلها بنصب "ثلاثة" خبر "كان". (فلا يتناجى اثنان دون واحد) وفي الرواية الثانية "فلا يتناجى اثنان دون الآخر" وفي الرواية الثالثة "فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما" وفي رواية للبخاري "فلا يتناجى اثنان دون الثالث" وفي رواية أخرى له "لا يتناجى رجلان دون الآخر" وكلها بألف مقصورة "لا يتناجى" ثابتة في الخط ياء صورة، وتسقط في اللفظ، لالتقاء الساكنين، وهو بلفظ الخبر، ومعناه النهي، وفي بعض نسخ البخاري "فلا يتناج" بجيم فقط، فتكون طلبية لفظاً ومعنى، والمناجاة قيل: المسارة، يقال: انتجى القوم، وتناجوا، أي سار بعضهم بعضاً، وقيل: إن المسارة يعتبر فيها من يلقي السر ومن يلقى إليه، والمناجاة وقوع الكلام سراً من الجانبين. (من أجل أن يحزنه) بضم الياء من "أحزن" قال النووي: قال أهل اللغة: يقال: حزنه وأحزنه وقرئ بهما في السبع، أي لا يتناجى اثنان دون الثالث من أجل أن ذلك التناجي يحزن الثالث، لأنه قد يتوهم أن نجواهما إنما هي لسوء رأيهما فيه، أو لدسيسة غائلة له، وفي الرواية الثالثة "فإن ذلك يحزنه" وفي رواية للبخاري "أجل أن ذلك يحزنه" بإسقاط "من".

стр. 4842

-[فقه الحديث]- قال النووي: النهي نهي تحريم، فيحرم على الجماعة المناجاة دون واحد منهم، إلا أن يأذن، ومذهب ابن عمر ﵄ ومالك وأصحابنا وجماهير العلماء أن النهي عام في كل الأزمان، وفي الحضر والسفر، وقال بعض العلماء: إنما المنهي عنه المناجاة في السفر، دون الحضر، لأن السفر مظنة الخوف حكاه القاضي عياض بلفظ: قيل: إن المراد بهذا الحديث السر والمواضع التي لا يأمن فيها الرجل رفيقه، أو لا يعرفه، أو لا يثق به، ويخشى منه، قال: وقد روي في ذلك أن النبي ﷺ قال "ولا يحل لثلاثة نفر، يكونون بأرض فلان أن يتناجى اثنان، دون صاحبهما" قال ابن العربي: الخبر عام، اللفظ والمعنى، والعلة الحزن، وهي موجودة في السفر والحضر، فوجب أن يعمهما النهي جميعاً، وادعى بعضهم أن هذا الحديث منسوخ، وأن هذا كان في أول الإسلام، فلما فشا الإسلام، وأمن الناس، سقط النهي، وكان المنافقون يفعلون ذلك بحضرة المؤمنين ليحزنوهم، وتعقبه القرطبي بأن هذا تحكم وتخصيص، لا دليل عليه. ثم قال: أما إذا كانوا أربعة، فتناجى اثنان، دون اثنين فلا بأس، بالإجماع. اهـ قال الحافظ ابن حجر: إذا كانوا أربعة لم يمتنع تناجي اثنين، لإمكان أن يتناجى الاثنان الآخران، وقد ورد ذلك صريحاً فيما أخرجه البخاري في الأدب المفرد وأبو داود وصححه ابن حبان عن ابن عمر، رفعه "قلت: فإن كانوا أربعة؟ قال: لا يضره" وفي رواية مالك عن عبد الله بن دينار "كان ابن عمر إذا أراد أن يسارر رجلاً، وكانوا ثلاثة، دعا رابعاً، ثم قال للاثنين: استريحا شيئاً، فإني سمعت ... " فذكر الحديث، وفي رواية أخرى "فكان ابن عمر إذا أراد أن يناجي رجلاً دعا آخر، ثم ناجى الذي أراد. قال الحافظ ابن حجر: وقوله "حتى تختلطوا بالناس" يؤخذ منه أن الزائد على الثلاثة يستوي أن يكون قد جاء اتفاقاً، أو جاء عن طلب، كما كان يفعل ابن عمر. ثم قال: ويؤخذ من التعليل "أجل أن ذلك يحزنه" استثناء صورة مما تقدم عن ابن عمر، من إطلاق الجواز إذا كانوا أربعة، وهي ما لو كان بين الواحد وبين الاثنين مقاطعة، بسبب يعذران به، أو أحدهما، فإنه يصير في معنى المنفرد، وأرشد هذا التعليل إلى أن المناجي إذا كان ممن إذا خص أحداً بمناجاته أحزن الباقين امتنع ذلك، إلا أن يكون في أمر مهم لا يقدح في الدين. وقد نقل ابن بطال عن أشهب عن مالك قال: لا يتناجى ثلاثة دون واحد، ولا عشرة دون واحد، لأنه قد نهي أن يترك واحداً، قال: وهذا من حسن الأدب، لئلا يتباغضوا ويتقاطعوا، وقال المازري ومن تبعه: لا فرق في المعنى بين الاثنين والجماعة، لوجود المعنى في حق الواحد، زاد القرطبي، بل وجوده في العدد الكثير أمكن وأشد، فليكن المنع أولى؟ . واختلف فيما إذا انفرد جماعة بالتناجي، دون جماعة. قال ابن التين: وحديث عائشة في قصة فاطمة دال على الجواز -وحديث عائشة الذي أشار إليه ابن التين رواه البخاري، ولفظه "عن عائشة ﵂ قالت: إنا كنا أزواج النبي ﷺ عنده جميعاً، لم تغادر منا واحدة، فأقبلت فاطمة عليها

стр. 4843

السلام تمشي، ولا والله ما تخفى مشيتها من مشية رسول الله ﷺ ، فلما رآها رحب. قال: مرحباً يا بنتي، ثم أجلسها عن يمينه -أو عن شماله- ثم سارها، فبكت بكاء شديداً، فلما رأى حزنها سارها الثانية، فإذا هي تضحك. فقلت لها: أنا من بين نسائه -خصك رسول الله ﷺ بالسر من بيننا، ثم أنت تبكين، فلما قام رسول الله ﷺ سألتها عما سارك؟ قالت: ما كنت لأفشي على رسول الله ﷺ سره، فلما توفي قلت لها: عزمت عليك -بما لي عليك من الحق- لما أخبرتني. قالت: أما الآن فنعم. فأخبرتني، قالت: أما حين سارني في الأمر الأول، فإنه أخبرني أن جبريل كان يعارضه بالقرآن كل سنة مرة، وإنه قد عارضه به العام مرتين، ولا أرى الأجل إلا قد اقترب، فاتقي الله واصبري، فإني نعم السلف أنا لك، قالت: فبكيت بكائي الذي رأيت، فلما رأى جزعي سارني الثانية، قال: يا فاطمة، ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين؟ أو سيدة نساء هذه الأمة؟ ". وكذلك يدل على الجواز حديث ابن مسعود أخرجه البخاري، قال: "قسم رسول الله ﷺ يوماً قسمة، فقال رجل من الأنصار: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله، قلت: أما والله لآتين النبي ﷺ ، فأتيته، وهو في ملأ، فساررته، فغضب حتى احمر وجهه، ثم قال: رحمة الله على موسى، أوذي بأكثر من هذا فصبر". قال ابن التين: فإن في ذلك دلالة على أن المنع يرتفع إذا بقي جماعة لا يتأذون بالسرار، ويستثنى من أصل الحكم ما إذا أذن من يبقى -سواء كان واحداً أم أكثر- للاثنين في التناجي دونه أو دونهم، فإن المنع يرتفع، لكونه حق من يبقى. وأما إذا انتجى اثنان ابتداء، وثم ثالث، كان بحيث لا يسمع كلامهما، لو تكلما جهرا، فأتى ليستمع عليهما، فلا يجوز، كما لو لم يكن حاضراً أصلاً معهما، وقد أخرج البخاري في كتاب الأدب المفرد، عن سعيد المقبري، قال: "مررت على ابن عمر، ومعه رجل يتحدث، فقمت إليهما، فلطم صدري، وقال: إذا وجدت اثنين يتحدثان، فلا تقم معهما، حتى تستأذنها" زاد أحمد في رواية "وقال: أما سمعت أن النبي ﷺ قال: إذا تناجى اثنان فلا يدخل معهما غيرهما، حتى يستأذنهما"؟ . قال ابن عبد البر: لا يجوز لأحد أن يدخل على المتناجيين في حال تناجيهما، قال الحافظ ابن حجر: ولا ينبغي لداخل القعود عندهما، ولو تباعد عنهما، إلا بإذنهما، فقد افتتحا حديثهما سراً، وليس عندهم أحد، فدل على أن مرادهما ألا يطلع أحد على كلامهما، ويتأكد ذلك إذا كان صوت أحدهما جهورياً، لا يتأتى له إخفاء كلامه ممن حضره، وقد يكون لبعض الناس قوة فهم، بحيث إذا سمع بعض الكلام استدل به على باقيه، فالمحافظة على ترك ما يؤذي المؤمن مطلوبة، وإن تفاوتت المراتب. والله أعلم

стр. 4844

كتاب الطب والمرض

стр. 4845

(٥٩٢) باب العين والحسد والرقى ٤٩٧٣ - عن عائشة زوج النبي ﷺ ﵂ أنها قالت: كان إذا اشتكى رسول الله ﷺ رقاه جبريل، قال باسم الله يبريك، ومن كل داء يشفيك، ومن شر حاسد إذا حسد، وشر كل ذي عين. ٤٩٧٤ - عن أبي سعيد أن جبريل أتى النبي ﷺ فقال: يا محمد، اشتكيت؟ فقال: "نعم" قال: باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد، الله يشفيك، باسم الله أرقيك. ٤٩٧٥ - عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها وقال رسول الله ﷺ : "العين حق". ٤٩٧٦ - عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "العين حق، ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا". -[المعنى العام]- لله في خلقه شئون، وقد شاءت حكمته أن يؤدع الأسباب صلاحية إيجاد المسببات، والسبب والمسبب من خلقه جميعاً، لا شريك له، فهو الفاعل الحقيقي، وهو المدبر الوحيد للكائنات، في كل لحظة من اللحظات، وتأثير الأسباب في مسبباتها قانون خلق الله، مرتبط بإرادة الله ومشيئته، خلق الحرارة والإحراق في النار، تفعل فعلها بإرادته وقدرته وإذنه لها، فإن شاء أن تكون برداً وسلاماً كانت بأمر كن فيكون. وفي إطار قانون الأسباب والمسببات خلق نفوساً من ذرية آدم، تنفث سماً، كما تنفث الحيات، قلوبها مملوءة بالحقد على عباد الله، وتتمنى زوال النعمة عمن أنعم الله عليه، قلوب تكاد تتميز من

стр. 4846

الغيظ، حين ترى نعمة في يد آخرين، تتمنى لنفسها الحصول عليها وإن كان عندها مثلها، أو تتمنى زوالها عن صاحبها وإن لم تقبلها لنفسها، أو تتمنى بقاء المحروم محروماً لا ينعم عليه بشيء، نار في تلك القلوب تتأجج كلما رأت نعمة عند الغير، لا يطفئها إلا زوال هذه النعمة، وقديماً قيل: كل الأعداء أستطيع إرضاءهم إلا الحاسد، فإنه لا يرضيه إلا زوال نعمتي. نعم أودع الله نفوساً هذا الشر، وجعل لهذا التوجه منها أثراً يصيب المحسود بالأذى، امتحاناً للحاسد، وقد أعطاه الله سلاحاً للشر، وطلب منه عدم استعماله، وامتحاناً للمحسود، وقد أمر باللجوء إلى الله ودعائه، ليثاب بعبادة الدعاء، وليشعر بالفضل حين رفع البلاء، فيشكر على السراء، بعد أن صبر على الضراء، قال تعالى ﴿قل أعوذ برب الفلق* من شر ما خلق* ومن شر غاسق إذا وقب* ومن النفاثات في العقد* ومن شر حاسد إذا حسد﴾ و ﴿وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين* وأعوذ بك رب أن يحضرون﴾ [المؤمنون: ٩٧، ٩٨] وكما أودع في بعض النفوس هذه القوة المعنوية من الشر، أودع في عيون بعض الناس سهاماً شريرة تصل إلى النعم فتهلكها، أو إلى الأشخاص فتقتلها، حتى قال فيها ﷺ "علام يقتل أحدكم أخاه"؟ و"العين حق". "ولو كان شيء يسبق القدر في إنجاز الشر لكانت العين". "وأكثر من يموت، بعد قضاء الله وقدره، بالنفس" أي بإصابة العين، والعين تدخل الجمل القدر، والرجل القبر. وعلمنا رسول الله ﷺ أدعية وتعاويذ، نحصن بها أنفسنا من الحسد والعين، وأدعية وتعاويذ تشفي من آثار الحسد والعين، وعلمنا أن اللجوء إلى الله عند الأمراض هو أساس الشفاء، ولا شافي إلا هو، ولا شفاء إلا شفاؤه. وقد كانت الرقى والتعاويذ معروفة عند العرب وغيرهم قبل الإسلام، لكنها كانت بطلاسم وبعبارات كفر وبالتجاء إلى غير ملجأ، فقال ﷺ : اعرضوا على رقاكم، فعرضوها، فأقر ما ليس بشرك ونهي عما فيه شرك. وعرف المسلمون الرقى الجائزة شرعا فرقوا أنفسهم وغيرهم بها، وعرفوا الرقى الممنوعة شرعاً فاجتنبوها، وخير الرقى ما كان بكتاب الله، وبما ورد في الحديث الصحيح من ذكر الله. وها هو أبو سعيد الخدري ﵁ يرقي لديغاً من حية أو عقرب بقراءته فاتحة الكتاب على مكان اللدغ مرات، فيبرأ المريض، ويشفى من سم العقرب بإذن الله. ولله أسرار في كلامه، ولله أسرار في خلقه، ولله أسرار في الأمراض، ولله أسرار في الشفاء، وما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ﴿وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير﴾ [الأنعام: ١٨]. -[المباحث العربية]- (العين والحسد والرقى) المراد من العين هنا النظر باستحسان شديد، إلى النعمة، مع الانبهار والشهوة، والتوجه إليها بمشاعر الإعجاب، وقد يحصل من الأعمى، بتوجه نفسه هذا التوجه، وإنما نسب إلى العين لأن أغلب هذا يكون بها، يقال: عان الحاسد فلاناً،

стр. 4847

أصابه بعين، فالمصيب عائن، ويقال له: معيان، للمبالغة، والمصاب معين بفتح الميم ومعيون، والمضارع يعين والمصدر عيناً. أما الحسد فهو تمني زوال نعمة الغير، سواء تمناها أن تعود إليه هو، أو تمني زوالها من عند صاحبها فقط، فقد يحسد الأمير الخفير على عشته، فيتمنى زوالها، فالعين والحسد يجتمعان، إذا نظر العائن الحسود إلى النعمة بانبهار وشهوة، وتمني زوالها، وقد يوجد الحسد، دون العين، إذا لم ينبهر بالنعمة، وتمني زوالها، حقداً على صاحبها، وقد توجد العين وحدها، إذا انبهر بها، وإن لم يتمن زوالها، فقد يصيب الإنسان ماله أو ولده بعينه، كصاحب الجنتين حيث دخل جنته وهو ظالم لنفسه: فيقولون: لا يحسد المال إلا صاحبه، والعامة يطلقون العين على الحسد، والحسد على العين تساهلاً، واللغة والحديث قد يذكرانهما، ويراد كل منهما، في مفهومه الخاص، كما في الرواية الأولى "ومن شر حاسد إذا حسد، وشر كل ذي عين" وقد يذكر أحدهما، ويراد هو وحده، كالرواية الرابعة، وقد يذكران ويراد حالة اجتماعهما، كالرواية الثانية "من شر عين حاسد". و"الرقى" بضم الراء وفتح القاف مقصور، جمع رقية، بضم الراء وسكون القاف، يقال: رقى المريض بفتح القاف في الماضي، يرقيه بكسرها رقياً بفتح الراء وسكون القاف، ورقياً بضم الراء وكسر القاف وتشديد الياء، ورقية بضم الراء وفتحها، مع سكون القاف، إذا عوذه، ويقال: "باسم الله أرقيك" كما في الرواية الثانية، ورقيت فلاناً بفتح القاف، واسترقيت، أي طلبت الرقية، واسترقوا من العين، أي اطلبوا أو تكلفوا الرقية منها. أما رقى بفتح الراء وكسر القاف وفتح الياء، يرقى بفتح القاف مقصوراً فمعناه صعد. (كان إذا اشتكى) أي إذا تألم من المرض، وفي الرواية الثانية "أشتكيت" بهمزة الاستفهام. (قال: بسم الله يبريك) بضم الياء، يقال: أبرأ الله المريض، أي شفاه، وأصله هنا "يبرئك" وسهلت الهمزة للتخفيف والسجع، والتقدير يبرئك الله باسمه، أو "باسم الله" جملة تقديرها باسم الله أرقيك، كما في الرواية الثانية، و"يبرئك" جملة مستأنفة استئنافاً تعليلياً، وجملة "قال: بسم الله يبريك" بيان لقوله "رقاه جبريل". (ومن كل داء يشفيك) بفتح الياء، والجار والمجرور متعلق بالفعل المعطوف على "يبريك" أي يبرئك، ويشفيك من كل داء، فهو من عطف التفسير. (ومن شر حاسد إذا حسد) معطوف على "من كل داء" أي يبرئك ويشفيك من كل داء، ومن شر الحسد، فهو من عطف الخاص على العام، وقوله "إذا حسد" مضاهاة لما في القرآن الكريم، ومعناه إذا أظهر ما في نفسه من الحسد، وعمل بمقتضاه، بترتيب مقدمات الشر، ومبادئ الإضرار بالمحسود قولاً وعملاً، كتوجيه النفس الخبيثة نحوه على وجه تمني إزالة النعمة. (وشر كل ذي عين) أي كل عائن يصيب بعينه النعمة، فيؤثر فيها هلاكاً. (بسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد، الله يشفيك، باسم الله أرقيك)

стр. 4848

ذكر "بسم الله أرقيك" في الأول وتكرارها في الآخر، يعرف في البديع بالاحتباك، وهو عود العجز على الصدر، وجملة "يؤذيك" صفة الشيء، والجار والمجرور "من كل شيء". "من شر نفس" يصح أن يتعلق بيشفيك، أو بأرقيك. وقوله "من شر كل نفس أو عين حاسد" قال النووي: قيل: يحتمل أن المراد بالنفس نفس الآدمي، وقيل: يحتمل أن المراد بها العين، فإن النفس تطلق على العين، يقال: رجل نفوس، إذا كان يصيب الناس بعينه، كما قال في الرواية الأخرى "من شر كل ذي عين" ويكون قوله "أو عين حاسد" من باب التوكيد بلفظ مختلف، أو شكا من الراوي في لفظه. (العين حق) أي الإصابة بالعين شيء ثابت موجود، وهو من جملة ما تحقق كونه، زاد أحمد "ويحضرها الشيطان، وحسد ابن آدم" وسيأتي في فقه الحديث تفصيل الكلام في كيفية إصابتها. (ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين) هذا تأكيد وتنبيه على سرعة نفوذها وتأثيره في الشيء، قال القرطبي: حاصله لو فرض أن شيئاً له قوة، بحيث يسبق القدر، لكان العين، لكنها لا تسبق، فكيف غيرها؟ . (وإذا استغسلتم فاغسلوا) "استغسلتم" بضم التاء، مبني للمجهول، أي إذا طلب من العائن أن يغتسل، ليصيب المعيون من ماء غسله، رجاء الشفاء، فلا يمتنع، وسيأتي مزيد لهذه المسألة في فقه الحديث. -[فقه الحديث]- (ملحوظة) ساق الإمام مسلم ﵀ بعد هذه الأحاديث الأربعة، والأحاديث الخاصة بالسحر، وعقبها بالحديث الخاص بالسم، ثم عاد إلى أحاديث رقية المريض من رقم إلى رقم، وللترابط سنتكلم عن فقه حديثها هنا، أما مباحثها العربية فستكون في موضعها. ويمكن حصر شتات مسائل الموضوع في سبع نقاط: ١ - العين والحسد، وتأثيرهما، والوقاية منهما، وعلاجهما. ٢ - حكم الرقية بالآيات القرآنية، وبالأحاديث النبوية، والأذكار، وغيرها. ٣ - الجمع بين الأحاديث المرخصة بالرقية، والناهية عنها. ٤ - المواضع المرخص فيها بالرقى عند من يقول بشرعيتها. ٥ - ألفاظ الرقى الواردة، وكيفية استعمالها. ٦ - أخذ الأجرة على الرقية. ٧ - ما يؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم.

стр. 4849

وهذا هو التفصيل: ١ - في الرواية الأولى "من شر حاسد إذا حسد، وشر كل ذي عين" وفي الرواية الثانية "من شر كل نفس، أو عين حاسد" وفي الرواية الثالثة "العين حق" وفي الرواية الرابعة "العين حق، ولو كان شيء سابق القدر، سبقته العين" وفي الرواية، "كان يأمرها أن تسترقي من العين" وفي الرواية "رخص في الرقية من العين" وفي الرواية "ولكن العين تسرع إليهم" وعند البزار بإسناد حسن "أكثر من يموت من أمتي بعد قضاء الله وقدره بالأنفس" قال الراوي: يعني بالعين، وأحاديث إثبات العين وتأثيرها كثيرة مشهورة، لا تجحد ومحاولة تأويلها وإخراجها عن مفهومها الظاهر فاسد وغير مقبول، لأن كل معنى ليس مخالفاً للمعقول ولا يؤدي إلى قلب الحقيقة، ولا يؤدي إلى معارضة دليل ثابت، كل معنى هذا شأنه فهو من مجوزات العقول، وكل معنى هذا شأنه إذا أخبر الشرع بوقوعه وجب اعتقاده، ولا يجوز تكذيبه، فإنكار بعض الطبائعيين لتأثير العين وادعاؤهم أنه لا شيء إلا ما تدرك الحواس، وما عدا ذلك لا حقيقة له، إنكار لكثير من الواقع، كما سنبين بعد. قال الإمام المازري: أخذ جماهير العلماء بظاهر هذه الأحاديث، وقالوا: العين حق، وأنكره طوائف من المبتدعة، وهو قول فاسد، وليس من فرق بين تكذيبهم بهذه الأحاديث وبالعين وتأثيرها، وبين تكذيبهم بما يخبر به رسول الله ﷺ من أمور الآخرة. ونحن إلى اليوم ندرك أثر العين ولا ندرك -على الحقيقة القاطعة- كيفية تأثير العائن في المصاب، ولا كيف تعمل العين من بعد، حتى يحصل الضرر للمعيون، وقد ذهب بعض المسلمين من أصحاب الطبائع إلى أن العين قد ترسل جواهر لطيفة، غير مرئية، تنبعث من العائن، فتتصل بالمعيون، وتتخلل مسام جسمه فيخلق البارئ الهلاك عندها، كما يخلق الهلاك عند شرب السموم، وقال بعضهم: إنما هو سم في عين العائن، يصيب بلفحه، عند التحديق إليه، كما يصيب لفح سم الأفعى من يتصل به من غير تلامس، فهناك جنس من الأفاعي، اشتهر بأنها إذا وقع بصرها على الإنسان هلك، فكذلك العائن يرسل من عينه أشعة جوهرية، غير مرئية، فتنتقل في الهواء، إلى بدن المعيون، وقد نقل عن بعض من كان معياناً، أنه قال: إذا رأيت شيئاً يعجبني وجدت حرارة تخرج من عيني. وقد حاول المازري أن يرد هذا الاتجاه، فقال: هذا غير مسلم، لأننا بينا في كتاب علم الكلام أنه لا فاعل إلا الله تعالى، وبينا فساد القول بالطبائع، وبينا أن المحدث لا يفعل في غيره شيئاً، وإذا تقرر هذا بطل ما قالوه، ثم نقول: هذا المنبعث من العين، إما جوهر، وإما عرض، فباطل أن يكون عرضاً، لأنه لا يقبل الانتقال، وباطل أن يكون جوهراً، لأن الجواهر متجانسة، فليس بعضها بأن يكون مفسداً لبعضها، بأولى من عكسه، فبطل ما قالوه. اهـ قال النووي: ومذهب أهل السنة أن العين إنما تفسد وتهلك عند نظر العائن بفعل الله تعالى، أجرى الله العادة أن يخلق الضرر عند مقابلة هذا الشخص لشخص آخر، وهل هناك جواهر خفية؟ أم لا؟ هذا مما تجوزه العقول، ولا يقطع فيه بواحد من الأمرين، وإنما يقطع بنفي

стр. 4850

الفعل عنها، وبإضافته إلى الله تعالى، فمن قطع من أمة الإسلام بانبعاث الجواهر فقد أخطأ في قطعه، وإنما هو من الجائزات. اهـ وهكذا نجد النووي ينفي الفعل والتأثير عن الأسباب عامة -كما هو مذهب أهل السنة- ويجعل الفاعل الحقيقي هو الله وحده لجميع الأفعال الاختيارية، وليس للمخلوقات إلا مقارنة قدرة المخلوق للفعل، دون أي تأثير، حتى النار، إذا حرقت فالحارق هو الله تعالى وحده عند ملامستها، ولذلك كانت برداً وسلاماً على إبراهيم ﵇، أما كون الأسباب مؤثرة بذاتها، بقدرة وصلاحية وقوانين أودعها الله فيها، وبإرادة الله تعالى، فهذا رأي آخر، ليس فقط في العين والحسد، ولكن في عموم المخلوقات والأسباب. قال الحافظ ابن حجر: وقد أجرى الله تعالى العادة بوجود كثير من القوى والخواص في الأجسام والأرواح، كما يحدث لمن ينظر إليه من يحتشمه من الخجل، فيرى في وجهه حمرة شديدة، لم تكن قبل ذلك، وكذا الاصفرار عند رؤية من يخافه، وكثير من الناس يسقم، وتضعف قواه، بمجرد النظر إليه، وكل ذلك بواسطة ما خلق الله تعالى في الأرواح من التأثيرات، ولشدة ارتباطها بالعين نسب الفعل إلى العين، وليست هي المؤثرة، وإنما التأثير للروح، والأرواح مختلفة في طبائعها وقواها وكيفياتها وخواصها، فمنها ما يؤثر في البدن، بمجرد الرؤية، من غير اتصال به، لشدة خبث تلك الروح وكيفيتها الخبيئة، والحاصل أن التأثير بإرادة الله تعالى وخلقه ليس مقصوراً على الاتصال الجسماني، بل يكون تارة به، وتارة بالمقابلة، وأخرى بمجرد الرؤية، وأخرى بتوجه الروح، كالذي يحدث من الأدعية والرقى واللجوء إلى الله، وتارة يقع ذلك بالتوهم والتخيل، فالذي يخرج من عين العائن سهم معنوي (غير مسلم) إن صادف البدن، حيث لا وقاية له، أثر فيه، وإلا لم ينفذ السهم، بل ربما رد على صاحبه، كالسهم الحسي سواء بسواء. اهـ وما يقال في تأثير العين، يقال في تأثير الحسد بكل حال. أقول: وقد وصل العلم الحديث إلى اختراع آلة (ريموت كنترول) صغيرة، تحرك بها سيارة من بعد، وتسير بها طائرة وأنت على الأرض، بل تصلح بمثلها خللاً وعطباً حصل في سفينة الفضاء، وأنت لا ترى جوهراً ولا عرضاً بين الآلة وبين المتأثر بها، هذا في الخلق، فكيف يستبعد في صنعه الخالق؟ فتبارك الله أحسن الخالقين. ٢ - النقطة الثانية من فقه الحديث حكم الرقية، وعنها يقول النووي: وقد نقلوا الإجماع على جواز الرقى بالآيات وأذكار الله تعالى. اهـ والرواية الأولى "كان إذا اشتكى رسول الله ﷺ رقاه جبريل" والرواية "كان رسول الله ﷺ إذا اشتكى منا إنسان، مسحه بيمينه، ثم قال: أذهب الباس، رب الناس" والرواية وخمس بعدها بنحو ذلك والرواية، "كان رسول الله ﷺ يأمر عائشة أن تسترقي" وفي الرواية أمر بالرقية. وبقية الروايات ترخص أو تأمر بالرقية، مما يؤكد نقل الإجماع بجوازها. لكن ثبت أن الرسول ﷺ نهى عن الرقى، والرواية تشير إلى ذلك، وروى البخاري "أن سبعين ألفاً من أمة الإسلام يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، كانوا لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا

стр. 4851

يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون" وأخرج أبو داود وابن ماجه وصححه الحاكم "إن الرقى والتمائم والتولة شرك" فهذه الأحاديث يتعارض ظاهرها مع جواز الرقية، وقد أجاب العلماء بأجوبة، منها: أ- قال النووي: المدح في ترك الرقى، المراد به الرقى التي هي كلام الكفار، والرقى المجهولة، والرقى بغير العربية، والرقى بما لا يعرف معناه، فهذه مذمومة، لاحتمال أن يكون معناها كفراً، أو قريباً من الكفر، أو مكروهاً. اهـ وحاصل الجواب تخصيص لفظ "الرقى" بالمذكورات، أي نهي عن الرقية التي صفتها كذا وكذا، والذين لا يسترقون بالرقى الممنوعة، وإن الرقى بكذا وكذا شرك. ب- أن النهي لقوم يعتقدون منفعتها وتأثيرها بطبعها، كما كانت الجاهلية تزعمه في أشياء كثيرة، قاله الطبري والمازري وطائفة، وحاصل الجواب تقييد لفظ "الرقى" أيضاً، أي نهي عن الرقية المعتقد فيها أنها تنفع بذاتها، وأجاز الرقى التي يعتمد فيها على الله تعالى، والذين لا يسترقون معتقدين نفعها لذاتها. ج- قال الداودي وابن قتيبة وطائفة: واختاره ابن عبد البر، المنهي عنه الرقى في الصحة، خشية وقوع الداء، والمرخص به الرقى بعد وقوع الداء، وهو معترض بثبوت الاستعاذة في حديث البخاري عن عائشة ﵂ قالت "كان النبي ﷺ إذا أوى إلى فراشه، تفل في كفه، ويقرأ: قل هو الله أحد والمعوذتين، ثم يمسح بهما وجهه، وما بلغت يده من جسده" وكان رسول الله ﷺ يعوذ الحسن والحسين بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة. د- قال النووي: كان النهي أولاً، ثم نسخ ذلك، وأذن فيها، وفعلها، واستقر الشرع على الإذن. هـ- أن المدح في ترك الرقى للأفضلية، وبيان التوكل، والإذن فيها لبيان الجواز، مع أن تركها أفضل، فالأفضل الاعتماد على الله في دفع الداء، والرضا بقدره، لا القدح في جواز ذلك، لثبوت وقوعه في الأحاديث الصحيحة، وثبوته عن السلف الصالح، لكن مقام الرضا والتسليم أعلى من تعاطي الأسباب، وإلى هذا نحا الخطابي ومن تبعه، قال ابن الأثير: هذا من صفة الأولياء المعرضين عن الدنيا وأسبابها وعلاقتها، وهؤلاء هم خواص الأولياء، ولا يرد على هذا وقوع ذلك من النبي ﷺ ، فعلاً وأمراً، لأنه كان في أعلى مقامات العرفان، وأعلى درجات التوكل، فكان ذلك منه للتشريع وبيان الجواز، ومع ذلك فلا ينقص ذلك من توكله، لأنه كان كامل التوكل يقيناً، فلا يؤثر فيه تعاطي الأسباب شيئاً، بخلاف غيره، ولو كان كثير التوكل، لكن من ترك الأسباب، وفوض وأخلص في ذلك كان أرفع مقاماً، قال الطبري: قيل: لا يستحق التوكل إلا من لم يخالط قلبه خوف من شيء ألبتة، حتى السبع الضاري والعدو العادي. قال الحافظ ابن حجر: والحق أن من وثق بالله، وأيقن أن قضاءه عليه ماض، لم يقدح في توكله تعاطي الأسباب، اتباعاً لسنته وسنة رسوله، فقد ظاهر ﷺ في الحرب بين درعين، ولبس على رأسه المغفر، وأقعد الرماة على فم الشعب، وخندق حول المدينة، وأذن في الهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة، وهاجر هو، وتعاطى أسباب الأكل والشرب، وادخر لأهله قوتهم، ولم ينتظر أن

стр. 4852

ينزل عليه من السماء، وكان هو أحق الخلق أن يحصل له ذلك، وقال للذي سأله: أعقل ناقتي؟ أو أدعها؟ قال: "اعقلها وتوكل" فأشار إلى أن الاحتراز لا يدفع التوكل. والله أعلم. ٤ - وقد ذكرت الأحاديث حالات الرقى، ومواضع رخص فيها بالرقى، ففي الرواية، "رخص رسول الله ﷺ لأهل بيت من الأنصار في الرقية من كل ذي حمة" أي ذات سم، وفي الرواية "أو كانت به قرحة أو جرح" وفي الرواية، "رخص في الحمة والنملة والعين" من هنا قال بعض العلماء: لا تجوز الرقية إلا من العين واللدغة، أخذاً من حديث البخاري "لا رقية إلا من عين أو حمة" وأجيب بأن معنى الحصر فيه أنهما أصل كل ما يحتاج إلى الرقية، فيلتحق بالعين جواز رقية من به خبل، أو مرض نفسي أو عصبي، ويلتحق بالسم كل ما عرض للبدن، من قرح وغيره، وقيل: المراد بالحصر معنى الأفضل، أي لا رقية أنفع من الرقية في كذا وكذا، وقال النووي: الاقتصار في الأحاديث على أمور في مواضع الرقية ليس معناه تخصيص جوازها بهذه الأمور، وإنما معناه أنه سئل عن هذه الثلاثة فأذن فيها ولو سئل عن غيرها لأذن فيه، وقد رقى ﷺ في غير هذه الأمور. اهـ والتحقيق أن الرقبة التجاء إلى الله تعالى، وهو مطلوب عند كل نازلة، وأعظم النوازل المرض، ولا شافي في الحقيقة إلا الله، كما قال على لسان إبراهيم ﵇ ﴿وإذا مرضت فهو يشفين﴾ [الشعراء: ٨٠] أي هو لا غيره، وفي الرقى "اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك" ولا يقتصر في اللجوء إلى الله على حالة دون حالة، وفي أحاديث الباب كثير من العموم، فالرواية الأولى "كان إذا اشتكى" والشكوى أعم من الحالات المذكورة، وفي الرواية "كان إذا اشتكى منا إنسان" وفي الرواية "كان إذا عاد مريضاً" وفي الرواية "كان إذا مرض أحد من أهله" ففي كل ذلك دليل على أن الرقية لا تختص بمرض، دون مرض، وعلى الله قصد السبيل. ٥ - أما ألفاظ الرقى الواردة في الأحاديث، ففي الرواية الأولى "باسم الله يبريك، ومن كل داء يشفيك، ومن شر حاسد إذا حسد، وشر كل ذي عين" وفي الرواية الثانية "باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر نفس أو عين حاسد الله يشفيك، باسم الله أرقيك" وفي الرواية "أذهب الباس، رب الناس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً" وفي الرواية "بيدك الشفاء، لا كاشف له إلا أنت" وفي الرواية، المعوذات، وفي الرواية "باسم الله. تربة أرضنا، بريقة بعضنا، ليشفي سقيمنا، بإذن ربنا" وفي الرواية الرابعة والعشرين والخامسة والعشرين فاتحة الكتاب، وفي الرواية "باسم الله ثلاثاً، أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر. سبعاً". أمام هذا ذهب بعض العلماء إلى كراهة الرقية بغير المعوذات -سورة الفلق وسورة الناس، وما في القرآن الكريم من التعوذ، كقوله تعالى ﴿وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين* وأعوذ بك رب أن يحضرون﴾ [المؤمنون: ٩٧، ٩٨] و ﴿فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ [النحل: ٩٨] واستدل هذا الفريق بما أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم من رواية عبد الرحمن بن

стр. 4853

حرملة عن ابن مسعود "أن النبي ﷺ كان يكره عشرة خصال ... " فذكر منها "الرقى إلا بالمعوذات" قال البخاري: عبد الرحمن بن حرملة لا يصح حديثه، وقال الطبري: لا يحتج بهذا الخبر، لجهالة راويه، وعلى تقدير صحته فهو منسوخ بالإذن في الرقية بفاتحة الكتاب، ودافع المهلب عن هذا القول، فقال: إن في الفاتحة معنى الاستعاذة، وهو الاستعانة، فعلى هذا يختص الجواز، بما يشتمل على هذا المعنى، وقد أخرج الترمذي وحسنه النسائي، من حديث أبي سعيد "كان رسول الله ﷺ يتعوذ من الجان وعين الإنسان، حتى نزلت المعوذات فأخذ بها، وترك ما سواها" قال الحافظ ابن حجر: وهذا لا يدل على المنع من التعوذ بغير هاتين السورتين بل يدل على الأولوية، ولا سيما مع ثبوت التعوذ بغيرهما، وإنما اكتفى بهما لما اشتملتا عليه من جوامع الاستعاذة من كل مكروه، جملة وتفصيلاً. وذهب بعض العلماء إلى قصر الرقية على ما جاءت به الأحاديث. وذهب فريق من العلماء إلى كراهة الرقى، ما لم تكن بذكر الله وأسمائه خاصة، وباللسان العربي، وبالذي يعرف معناه، ليكون بريئاً من الشرك، قال الحافظ ابن حجر: وعلى كراهة الرقى بغير كتاب الله علماء الأمة. اهـ وقال الربيع: سألت الشافعي عن الرقية؟ فقال: لا بأس أن يرقى بكتاب الله، وما يعرف من ذكر الله. وذهب فريق من العلماء إلى جواز عموم الرقى ما لم يكن فيها شرك، وأجازوا كل رقية جربت منفعتها، ولو لم يعقل معناها، واستدلوا بقوله في الرواية، "اعرضوا على رقاكم، فعرضوها عليه، فقال: لا بأس بالرقى، ما لم يكن فيه شرك". قال الحافظ ابن حجر: وقد أجمع العلماء على جواز الرقى عند تحقق ثلاثة شروط: أن يكون بكلام الله تعالى، أو بأسمائه وصفاته، وباللسان العربي، أو بما يعرف معناه من غيره، وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها، بل بذات الله تعالى. وقال القرطبي: الرقى ثلاثة أقسام: أحدها ما كان يرقى به في الجاهلية، مما لا يعقل معناه، فيجب اجتنابه، لئلا يكون فيه شرك، أو يؤدي إلى الشرك، الثاني ما كان بكلام الله أو بأسمائه فيجوز، فإن كان مأثوراً فيستحب، الثالث ما كان بأسماء غير الله، من ملك أو صالح، أو معظم من المخلوقات كالعرش والكعبة، قال: فهذا ليس من الواجب اجتنابه، ولا من المشروع الذي يتضمن الالتجاء إلى الله والتبرك به، فيكون تركه أولى، إلا أن يتضمن تعظيم المرقى به، فينبغي أن يجتنب كالحلف بغير الله. أما رقية أهل الكتاب للمسلمين فقد قال عنها المازري: اختلف في استرقاء أهل الكتاب، فأجازها قوم، وكرهها مالك، لئلا يكون مما بدلوه، وأجاب من أجاز، بأن مثل هذا يبعد أن يقولوه، لأنه كالطب فغير الحاذق لا يحسن أن يقول، والحاذق يأنف أن يبدل، حرصاً على استمرار وصفه بالحذق، لترويج صناعته. اهـ، وفي الموطأ أن أبا بكر قال لليهودية، التي كانت ترقي عائشة: ارقيها بكتاب الله.

стр. 4854

وسأل الربيع الشافعي: أيرقي أهل الكتاب المسلمين؟ قال: نعم إذا رقوا بما يعرف من كتاب الله، وبذكر الله. أما ما يعرف عند أهل التعزيم بالنشرة، وهي تعاويذ وأدعية مخصوصة، وأفعال تشبه أفعال السحرة والعقد، فقد قال النووي: وسميت بذلك لأنها تنشر عن صاحبها، أي تخلي عنه، وقال جاء حديثها في غير مسلم، وقد أضافها ﷺ إلى الشيطان حين سئل عنها، وقال الحسن: هي من السحر، قال القاضي: وهذا محمول على أنها أشياء خارجة عن كتاب الله تعالى وأذكاره، وعن المداواة المعروفة التي هي من جنس المبرح، وقد اختار بعض المتقدمين هذا، فكره حل المعقود عن امرأته، وقد حكى البخاري في صحيحه عن سعيد بن المسيب عن رجل به طب -أي ضرب من الجنون، أو رجل يؤخذ عن امرأته، أيخلى عنه؟ أو ينشر؟ قال: لا بأس به، إنما يريدون به الصلاح، فلم ينه عما ينفع، وممن أجاز النشرة الطبري، وهو الصحيح، اهـ وسيأتي مزيد عنها في باب السحر. أما الحروف المقطعة فقد قال عنها ابن عبد السلام: يمنع منها ما لا يعرف، لئلا يكون فيها كفر. والله أعلم. وأما كيفية استعمال هذه الرقى فالرواية صورت بعض الصور، ووضحناها في المباحث العربية، وفي الرواية يمسح الراقي المريض بيده، أو بيمينه، وفي الرواية، ينفث الراقي على المريض، ويمسحه بيده، وفي الرواية يضع الراقي يده على مكان الألم من الجسد، وفي الرواية تفل المستعيذ على يساره ثلاثاً، وكل هذه صور جائزة أو مستحبة، قال النووي: أجمعوا على جواز النفث في الرقية، واستحبه الجمهور من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم، قال القاضي: وفائدة التفل أو النفث التبرك بتلك الرطوبة، والهواء والنفس، كما يتبرك بغسالة ما يكتب من الذكر والأسماء الحسنى. اهـ وكره الأسود بن زيد، أحد التابعين، النفث مطلقاً، تمسكاً بقوله تعالى ﴿ومن شر النفاثات في العقد﴾ وكره إبراهيم النخعي النفث عند قراءة القرآن خاصة، ورد الجمهور على الأسود بأنه لا حجة له في الآية لأن المذموم ما كان من نفث السحرة وأهل الباطل، ولا يلزم منه ذم النفث مطلقاً، ولا سيما بعد ثبوته في الأحاديث الصحيحة، ورد الجمهور على النخعي بما جاء في ملحق الرواية، ولفظه "فجعل الرجل يقرأ أم القرآن، ويجمع بزاقة، ويتفل" وقد قصوا على النبي ﷺ القصة، ولم ينكر ذلك ﷺ ، فكان ذلك حجة. أما الرقية بالبخور والفسوخة والشبة وخرز الورقة بالإبرة والنار والملح، وعقد العقد، وكتابة خاتم سليمان وأمثال ذلك مما يفعله العامة، فمكروه أشد الكراهية. بقي ما أشارت إليه الرواية الرابعة بلفظ "وإذا استغسلتم فاغسلوا" وقد أفاض في وصف غسل العائن، أو وضوئه، أو غسل بعض أعضائه، وإلقاء الغسالة على المصاب بالعين مع الرقية، فقال النووي والحافظ ابن حجر وغيرهما في صفة وضوء العائن: أن يؤتى بقدح ماء، ولا يوضع القدح في الأرض، فيأخذ منه غرفة، فيتمضمض بها، ثم يمجها في القدح، ثم يأخذ منه ما يغسل به وجهه، ثم

стр. 4855

يأخذ بشماله ماء، يغسل به كفه اليمنى، ثم بيمينه ماء، يغسل به مرفقه الأيسر، ولا يغسل ما بين المرفقين والكفين، ثم يغسل قدمه اليمنى، ثم اليسرى على الصفة المتقدمة، وكل ذلك في القدح، ثم داخلة إزاره، وهو الطرف المتدلي منه، فإذا استكمل هذا صبه من خلفه على رأسه، وذكروا صوراً أخرى لوضوئه أو لغسله، نسب بعضها إلى الزهري، وبعضها إلى غيره من العلماء، لا أجد طائلاً من ذكرها، فهي تأليفات وتوليفات أشبه ما تكون بعمل السحرة والمشعوذين، بل إن العلماء الذين يعتقدونها ويسوقونها يحسون -بينهم وبين أنفسهم- بعدها وعدم قبولها، فهذا النووي بعد أن ساقها يقول: وهذا المعنى لا يمكن تعليله، ومعرفة وجهه، وليس في قوة العقل الاطلاع على أسرار جميع المعلومات، فلا يدفع هذا بأن لا يعقل معناه. اهـ أقول: بل يدفع غير المعقول ما لم يرد عن المعصوم بطريق قطعي، ومثل هذا لا أصل له في حديث صحيح، والحديث الذي اعتمدوا عليه حديث سهل بن حنيف، أخرجه مالك في الموطأ، بلفظ: عن محمد بن أبي أمامة بن سهل بن ضيف، أنه سمع أباه يقول: اغتسل أبي سهل بن حنيف بالخرار، فنزع جبة كانت عليه، وعامر بن ربيعة ينظر، قال: وكان سهل رجلاً أبيض، حسن الجلد، قال: فقال له عامر: ما رأيت كاليوم، ولا جلد عذراء، قال: فوعك سهل مكانه واشتد وعكه، فأتى رسول الله ﷺ ، فأخبر سهل بالذي كان من شأن عامر، فقال رسول الله ﷺ : "علام يقتل أحدكم أخاه؟ ألا بركت؟ إن العين حق، توضأ له، فتوضأ له عامر، فراح سهل مع رسول الله ﷺ ، ليس به بأس. وفي رواية "ألا بركت؟ اغتسل له، فغسل عامر وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره -وهي الطرف المتدلي الذي يضعه المؤتزر أولاً على حقوه الأيمن- في قدح، ثم صب عليه، فراح سهل مع الناس، ليس به بأس. وظاهر هذا الإسناد أنه منقطع، فأبو أمامة لم يحضر الواقعة، ولم يذكر عمن أخذ الحديث، وعلى فرض اتصاله وصحته فهي واقعة عين، لا يثبت بها حكم، ويحتمل أن تكون خصوصية له ﷺ ، كما كان يجمع قليل الماء، فيدعو بالبركة، فيسقي القوم. أما حديث عائشة عند أبي داود "كان يؤمر العائن، فيتوضأ ثم يغتسل منه المعين" فلم ينص فيه عن الآمر، وعائشة عاشت أكثر من أربعين سنة بعد رسول الله ﷺ ، ثم إن الاتفاق على أن الوضوء أو الغسل المطلوب من العائن ليس وضوءاً ولا غسلاً شرعياً، ولا بد من التأويل البتة، ومثل هذا لا يثبت به غير المعقول، وما لا يمكن تعليله، وكم أصابت العين في عهد الرسول ﷺ ؟ وقد رتب القائلون بهذا الوضوء أموراً عليه، فقال النووي: وقد اختلف العلماء في العائن، هل يجبر على الوضوء للمعين؟ أم لا.؟ واحتج من أوجبه بقوله ﷺ "وإذا استغسلتم فاغسلوا" وبرواية الموطأ التي ذكرناها، أنه ﷺ أمره بالوضوء، والأمر للوجوب، قال المازري: والصحيح عندي الوجوب، ويبعد الخلاف فيه إذا خشي على المعين الهلاك إلا بوضوء العائن، فإنه يصير من باب من تعين عليه إحياء نفس مشرفة على الهلاك، وقد تقرر أنه يجبر على بذل الطعام للمضطر، فهذا أولى. اهـ وهكذا بنى المازري حكمه وتقديره على مقدمات لم تثبت، ومن المستبعد أن تثبت. والله أعلم.

стр. 4856

٦ - واستدل الجمهور بالرواية، من قوله ﷺ "خذوا منهم، واضربوا لي بسهم معكم" على جواز أخذ الأجرة على الرقى، وعلى تعليم القرآن، وخالف الحنفية، فمنعوه في التعليم وأجازوه في الرقى، كالدواء، قالوا: لأن تعليم القرآن عبادة، والأجر فيه على الله، وهو القياس في الرقى، إلا أنهم أجازوه فيها لهذا الحديث، وحمل بعضهم الأجر في هذا الحديث على الثواب، وسياق القصة، التي في هذا الحديث يأبى ذلك التأويل، وادعى بعضهم نسخه بالأحاديث الواردة في الوعيد على أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وقد رواها أبو داود وغيره، وتعقب بأن إثبات النسخ بالاحتمال مردود، وبأن الأحاديث ليس فيها تصريح بالمنع على الإطلاق، بل هي وقائع أحوال محتملة التأويل، لتوافق الأحاديث الصحيحة التي في الباب، قال البخاري: وقال ابن عباس عن النبي ﷺ "أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله" وقال الحكم: لم أسمع أحداً كره أجر المعلم. -[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]- ١ - أن للرقى سراً، يعلمه الله، ولها آثار عجيبة، تتقاعس عنها العقول، ولما كان الله هو الشافي، وقد أودع آثار قدرته، في مباشرة أسباب معينة كالقرآن والأذكار والأدوية. ٢ - من الرواية الثانية، وتكرير "بسم الله أرقيك" توكيد الرقية وتكريرها، وتكرير الدعاء. ٣ - ومن الرواية الرابعة إثبات القدر، قال النووي: وهو حق بالنصوص وإجماع أهل السنة، ومعناه أن الأشياء كلها بقدر الله تعالى، ولا تقع إلا على حسب ما قدرها الله تعالى، وسبق بها علمه، فلا يقع ضرر العين، ولا غيره من الخير والشر، إلا بقدر الله تعالى. ٤ - ومن إثبات العين وأثرها وأضرارها استحباب الابتعاد عمن عرف بذلك، قال القاضي عياض: قال بعض العلماء: ينبغي إذا عرف أحد بالإصابة بالعين أن يجتنب، ويتحرز منه، وينبغي للإمام منعه من مداخلة الناس، ويأمره بلزوم بيته، فإن كان فقيراً أجرى عليه من الرزق ما يكفيه، ويكف أذاه عن الناس، فضرره أشد من ضرر آكل الثوم والبصل، الذي منعه النبي ﷺ دخول المسجد، لئلا يؤذي المسلمين، ومن ضرر المجذوم الذي منعه عمر ﵁ والعلماء بعده الاختلاط بالناس، ومن ضرر المؤذيات من المواشي التي يؤمر بتغريبها، إلى حيث لا يتأذى بها أحد. اهـ وعلى العائن أن يقاوم من نفسه الشره والإعجاب الزائد بالنعمة، وأن يبرك، فعند النسائي "أن النبي ﷺ قال: إذا رأى أحدكم من نفسه أو ماله أو أخيه شيئاً يعجبه، فليدع بالبركة، فإن العين حق" فواجب على كل من أعجبه شيء أن يبرك، فإنه إذا دعا بالبركة صرف المحذور، إن شاء الله. والتبريك أن يقول: تبارك الله أحسن الخالقين. اللهم بارك فيه، ومن التبريك أن يقول: باسم الله ما شاء الله. لا قوة إلا بالله. وعلى المسلم إذا لاقى عائناً، أو خاف عيناً، أو حسداً، أن يحصن نفسه، بقراءة المعوذتين والفاتحة، وبعض الأدعية، ومنها: حصنت نفسي بالحي القيوم الذي لا يموت أبداً، ودفعت عنها السوء بلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق وأحاذر.

стр. 4857

٥ - ومن الرواية وما بعدها استحباب مسح المريض باليمين والدعاء له. ٦ - ومن قوله "أنت الشافي" في الرواية وما بعدها جواز تسمية الله تعالى بما ليس في القرآن إذا كان له أصل فيه، وأن لا يكون في ذلك ما يوهم نقصاً. ٧ - ومن الرواية، جواز رقية المرأة للرجل. ٨ - ومن الرواية، مشروعية الضيافة على أهل البوادي. ٩ - والنزول على مياه العرب، وطلب ما عندهم على سبيل القرى أو الشراء. ١٠ - وإمضاء ما يلزمه المرء على نفسه، لأن أبا سعيد التزم أن يرقى، وأن يكون الجعل له ولأصحابه، وأمره النبي ﷺ بالوفاء بذلك. ١١ - والاشتراك في الموهوب إذا كان أصله معلوماً. ١٢ - وطلب الهدية ممن يعلم رغبته في ذلك، وإجابته إليه. ١٣ - وفي قوله "اقسموا واضربوا لي معكم بسهم" قسمة التبرعات. ١٤ - ومواساة الأصحاب والرفاق، لأن جميع الشباه كانت ملكاً للراقي، مختصة به، لاحق للباقين فيها عند التنازع، فقاسمهم تبرعاً وجوداً ومروءة. ١٥ - وتطييب النبي ﷺ لقلوب أصحابه. ١٦ - وتعليمه لهم بالحلال بالفعل بعد القول. ١٧ - وجواز قبض الشيء الذي ظاهره الحل، وترك التصرف فيه إذا عرضت فيه الشبهة. ١٨ - وفيه الاجتهاد عند فقد النص. ١٩ - وعظمة القرآن في صدور الصحابة، خصوصاً الفاتحة، قال ابن القيم: إذا ثبت أن لبعض الكلام خواص ومنافع، فما ظنك بكلام رب العالمين، ثم بالفاتحة التي لم ينزل في القرآن ولا غيره من الكتب مثلها، لتضمنها جميع معاني الكتاب، فقد اشتملت على ذكر أصول أسماء الله، ومجامعها وإثبات المعاد، وذكر التوحيد، والافتقار إلى الرب في طلب الإعانة به، والهداية منه، وذكر أفضل الدعاء، وهو طلب الهداية إلى الصراط المستقيم، المتضمن كمال معرفته وتوحيده وعبادته بفعل ما أمر به، واجتناب ما نهي عنه، والاستقامة عليه، ولتضمنها ذكر أصناف الخلائق، وقسمتهم إلى منعم عليه، لمعرفته الحق والعمل به، ومغضوب عليه، لعدوله عن الحق بعد معرفته، وضال لعدم معرفته له، مع ما تضمنته من إثبات القدر والشرع والأسماء والمعاد والتوبة وتزكية النفس، وإصلاح القلب، والرد على جميع أهل البدع، وحقيق بسورة هذا بعض شأنها أن يستشفى بها من كل داء. ٢٠ - وفيه أن الرزق المقسوم، لا يستطيع من هو في يده، منعه ممن قسم له، لأن أولئك منعوا الضيافة،

стр. 4858

وكان الله قد قسم للصحابة في مالهم نصيباً، فمنعوهم، فسبب لهم لدغ العقرب، حتى سيق لهم ما قسم لهم. ٢١ - وفيه الحكمة البالغة، حيث اختص بالعقاب من كان رأساً في المنع، ولأن من عادة الناس الائتمار بأمر كبيرهم، فلما كان رأسهم في المنع، اختص بالعقوبة دونهم، جزاء وفاقا، وكأن الحكمة فيه أيضاً إرادة الإجابة إلى ما يلتمسه المطلوب منه الشفاء، ولو كثر، لأن الملدوغ لو كان من آحاد الناس، لعله لم يكن يقدر على القدر المطلوب منهم. ٢٢ - ومن الرواية استحباب وضع اليد على مكان الألم عند الدعاء بالشفاء. ٢٣ - ومن الرواية استحباب التعوذ من الشيطان الرجيم عند الوسوسة. ٢٤ - والتفل عن اليسار ثلاثاً، كمظهر من مظاهر إرغام الشيطان. والله أعلم

стр. 4859

(٥٩٣) باب السحر ٤٩٧٧ - عن عائشة ﵂ قالت: سحر رسول الله ﷺ يهودي من يهود بني زريق، يقال له لبيد بن الأعصم. قالت: حتى كان رسول الله ﷺ يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله، حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة دعا رسول الله ﷺ ثم دعا ثم دعا، ثم قال: "يا عائشة، أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه. جاءني رجلان، فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال الذي عند رأسي للذي عند رجلي، أو الذي عند رجلي للذي عند رأسي: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب. قال: من طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم. قال: في أي شيء؟ قال: في مشط ومشاطة. قال: وجف طلعة ذكر. قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذي أروان" قالت: فأتاها رسول الله ﷺ في أناس من أصحابه، ثم قال: "يا عائشة والله لكأن ماءها نقاعة الحناء، ولكأن نخلها رءوس الشياطين" قالت: فقلت: يا رسول الله، أفلا أحرقته؟ قال: "لا، أما أنا فقد عافاني الله وكرهت أن أثير على الناس شراً فأمرت بها فدفنت". ٤٩٧٨ - عن عائشة ﵂ قالت: سحر رسول الله ﷺ . وساق أبو كريب الحديث بقصته، نحو حديث ابن نمير، وقال فيه: فذهب رسول الله ﷺ إلى البئر فنظر إليها وعليها نخل. وقالت: قلت: يا رسول الله فأخرجه. ولم يقل: أفلا أحرقته. ولم يذكر: فأمرت بها فدفنت. -[المعنى العام]- كان السحر علماً يعلم منذ قدماء المصريين، وقد برعوا فيه، حتى جاءت معجزة موسى ﵇ بإبطاله، وإظهار زيفه، وأبان للمشاهدين أن حبال السحرة وعصيهم لم تنقلب إلى حيات، وأنها مازالت حبالاً وعصياً، وكان السحر يعتمد على أحد أمور: الأمر الأول: التعمق في العلم وأسرار

стр. 4860

الأشياء وخواصها، بدرجة ينفرد بها الساحر عمن عداه، فيستغل هذه الظواهر أمام من لا يعلمها، على أنها خرق للعادة، وتحويل للمادة، وتغيير لحقائق الأشياء، وهذا ما حصل من سحرة فرعون، فقد قال المفسرون: أنهم ملئوا حبالهم وعصيهم بمادة الزئبق الذي يتمدد بسرعة وبدرجة عالية بالحرارة، وألقوا حبالهم وعصيهم على أرض ساخنة، فتمدد الزئبق، وتحركت الحبال والعصى كأنها حيات تسعى، ولو أن رجلاً في عصرنا استخدم ما يعرف "بالريموت كنترول" في قرى الريف أو في مجاهل أفريقيا، فحرك السيارة من بعد، أو شغل التليفزيون وأطفأه من بعد، أو فجر قنبلة من بعد، لآمن المشاهدون بأنه ساحر عظيم. الأمر الثاني: تعلم خفة اليد، وشغل المشاهدين بأشياء جانبية وتحويل انتباههم عن خديعته، وإيهامهم والإيحاء إليهم بغير الحقيقة، والسيطرة عليهم بقوة شخصيته وخفة حركاته، فيخرج لهم حمامة من علبة مفرغة مفتوحة من الجانبين، يمرر فيها يده على أنها خالية، والحقيقة أن الحمامة في جانب منها، أو ينام صبي فوق لوح ممدداً، فيغطيه، فينكمش الصبي في جانب، فيضرب الرجل اللوح بالسيف، فيقطعه نصفين، ويتوهم المشاهد أن الصبي قطع نصفين، فيقوم الصبي واقفاً، فيصفق المشاهدون إعجاباً بالسحر والساحر، الأمر الثالث: استغلال صاحب الشخصية القوية موهبته في السيطرة على صاحب الشخصية الضعيفة عن طريق الإيهام والإيحاء الخارجي، فيتأثر الموحى إليه بما يريده الموحي، ويخيل إليه ما ليس بحق حقاً، وما ليس بواقع واقعاً، ونشاهد في حاضرنا سليماً يذهب إلى الطبيب، فيقول له الطبيب: ما لك أصفر اللون، خائر الأعصاب، لا تكاد تقف على رجليك، فيخرج من كان سليماً من عند الطبيب يتساند على مرافقيه، ويكثر هذا الأسلوب في التأثير على الزوج مع زوجته، بما يعرف بالربط والحل، ومن المعروف أن النشاط الشهواني يرتبط إلى حد كبير بالعوامل النفسية. وهذه الأمور الثلاثة لها أصولها وقواعدها التي تعلم لتؤثر، وما أنزل على الملكين، هاروت وماروت، بمدينة بابل، لم يكن يخرج عنها، يعلمان الناس ما يفرقون به بين المرء وزوجه. فإذا أضفنا إلى ذلك كيد الشيطان ووسوسته، واستغلاله لهذه الحيل الشيطانية ليفسد في الأرض استطعنا فهم هذه الظاهرة، ظاهرة السحر وتأثيره، وبخاصة في البيئات البدائية واستطعنا فهم حديث سحر الرسول ﷺ فهماً صحيحاً. لقد حاول اليهود والمشركون أن يسحروا لرسول الله ﷺ ، ليوقفوا دعوته النورانية الزاحفة على ظلماتهم، ففشلوا، فذهبوا إلى لبيد بن الأعصم، أشهرهم في السحر، وأقدرهم على استخدام طقوسه، فطلبوا منه أن يقوم بهذه المهمة، وله ثلاثة دنانير، وهو مبلغ كبير، له قيمته في ذلك الزمان، يشتري به ما لا يقل عن ستين شاة، وحصلوا بأسلوبهم على شعر من شعر رسول الله ﷺ ، وعلى مشطه الذي يسرح به شعره، وضفر الشعر والمشط في حبل من تيل، وخرز في إبراً، وعقد الحبل عقداً، وقرأ عليه من الطلاسم ما قرأ، ووضعه في قالب، من قوالب طلع النخل الذكر، وأودعه تحت صخرة في قاع بئر مهجور، ولا نستبعد أن يكون الرسول ﷺ قد أحس بهذه العمليات، ولو عن طريق الوسوسة الشيطانية، وأعوان لبيد الساحر، فأخذ عن إتيان النساء بقدرة الله تعالى.

стр. 4861

-[المباحث العربية]- (سحر رسول الله ﷺ يهودي) "سحر" بفتح السين والحاء، ولفظ "رسول الله" منصوب، ولفظ "يهودي" بالرفع فاعل، وفي الرواية الثانية "سحر" بالبناء للمجهول، وفي رواية للبخاري "كان رسول الله ﷺ سحر". (من بني زريق) بزاي قبل الراء، مصغر. (يقال له: لبيد بن الأعصم) "لبيد" بفتح اللام وكسر الباء، و"الأعصم" بفتح الهمزة وسكون العين وفتح الصاد، وفي رواية للبخاري "لبيد بن أعصم، رجل من بني زريق، حليف ليهود، وكان منافقاً" ويجمع بينهما بأن من أطلق أنه يهودي نظر إلى ما في نفس الأمر، فهو في الباطن يهودي، ومن أطلق عليه منافقاً نظر إلى ظاهر أمره، فقد كان أسلم ظاهراً، قال ابن الجوزي: هذا يدل على أنه كان أسلم نفاقاً، ويحتمل أنه قيل له: يهودي، لكونه كان من حلفائهم، لا أنه كان على دينهم، وبنو زريق بطن من الأنصار، مشهور، من الخزرج، وكان بين كثير من الأنصار، وبين كثير من اليهود قبل الإسلام حلف وإخاء وود، فلما جاء الإسلام، ودخل الأنصار فيه، تبرءوا منهم. وذكر الواقدي أن هذا السحر وقع بعد أن رجع ﷺ من الحديبية، في آخر ذي الحجة وأوائل المحرم سنة سبع، وقال: جاءت رؤساء اليهود إلى لبيد بن الأعصم، وكان حليفاً في بني زريق، وكان ساحراً، فقالوا له: يا أبا الأعصم. أنت أسحرنا، وقد سحرنا محمداً، فلم نصنع شيئاً، ونحن نجعل لك جعلاً -أي أجراً كبيراً- على أن تسحره لنا، سحراً ينكؤه، فجعلوا له ثلاثة دنانير. وعن مدة السحر جاء في رواية "أربعين ليلة" وفي رواية عند أحمد "ستة أشهر" قال الحافظ ابن حجر: ويمكن الجمع بأن تكون الستة أشهر من ابتداء تغير مزاجه، والأربعين يوماً من استحكامه. (كان رسول الله ﷺ يخيل إليه أنه يفعل الشيء، وما يفعله) وفي رواية للبخاري "يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء، وما فعله" قال بعضهم: معناه أنه كان يخيل إليه أنه وطئ زوجاته، ولم يكن وطأهن، وفي رواية للبخاري "حتى كان يرى -أي يظن- أنه يأتي النساء، ولا يأتيهن" وفي رواية الحميدي "أنه يأتي أهله، ولا يأتيهم" وفي رواية لعبد الرزاق "حتى أنكر بصره" أي حتى أنكر ما رأى ببصره، وعند ابن سعد "فقالت أخت لبيد بن الأعصم: إن كان نبياً فسيخبر، وإلا فسيذهله هذا السحر، حتى يذهب عقله" وقولها "يخيل إليه أنه يفعل الشيء، وما يفعله" يحتمل معنين، الأول: يخيل إليه ما لم يحصل أنه حصل، الثاني: يخيل إليه أنه يستطيع فعل الشيء، ويحاول فلا يستطيع، قال عياض: يحتمل أن يكون المراد بالتخيل المذكور أنه يظهر له من نشاطه، ما ألفه من سابق عادته، من الاقتدار على الوطء، فإذا دنا من المرأة فترعن ذلك، كما هو شأن المعقود، وسيأتي في فقه الحديث مزيد لهذه المسألة. (حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة) شك من الراوي، وذات بالنصب على الظرفية، ويجوز الرفع على الفاعلية، ولفظ "ذات" هنا قيل: مقحم، وقيل: من إضافة الشيء لنفسه على رأي من يجيزه، وفي رواية للبخاري زيادة "وهو عندي".

стр. 4862

(دعا رسول الله ﷺ ، ثم دعا، ثم دعا) على ما هو المعهود منه، أنه كان يكرر الدعاء ثلاثاً. (ثم قال: يا عائشة، أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه) أي إنه ﷺ بعد طول معاناة وتحمل التجأ إلى الله بالدعاء، فاستجاب الله دعاءه، وأرسل له الملكين، فأخبراه، فأخبر عائشة بالخبر. قال الحافظ ابن حجر: سلك النبي ﷺ في هذه القصة مسلكي التفويض وتعاطي الأسباب ففي أول الأمر فوض وسلم لأمر ربه، فاحتسب الأجر في صبره على بلائه، ثم لما تمادى ذلك، وخشي من تماديه أن يضعفه عن فنون عبادته، جنح إلى التداوي، ثم إلى الدعاء. وقوله "أشعرت" من الشعور، أي "أعلمت" كما جاء في رواية للبخاري، والاستفهام إنكاري بمعنى النفي، أي لم تعلمي، فاعلمي، والمراد من الإفتاء الإجابة على الدعوة، فأطلق على الدعاء استفتاء، لأن الداعي طالب، والمجيب مفت، والمعنى أجابني بما سألته عنه، لأن دعاءه كان أن يطلعه الله على حقيقة ما هو فيه، لما اشتبه عليه الأمر، وفي رواية "أن الله أنبأني بمرضي" زاد في رواية "قلت: وما ذاك؟ قال: ". (جاءني رجلان) في رواية للبخاري "أتاني رجلان" وعند أحمد والطبراني "أتاني ملكان" وسماهما ابن سعد بجبريل وميكائيل. (فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي) بفتح اللام على التثنية، والظاهر أن جبريل -لشرفه هو الذي كان عند الرأس. (فقال الذي عند رأسي للذي عند رجلي، أو الذي عند رجلي للذي عند رأسي: ما وجع الرجل؟ ) في رواية للبخاري "فقال أحدهما لصاحبه" وفي رواية له "فقال الذي عند رأسي للآخر" وفي رواية الحميدي "فقال الذي عند رجلي للذي عند رأسي" قال الحافظ: وكأنها الصواب، فمجموع الطرق يدل على أن المسئول هو جبريل، والسائل ميكائيل، وعند النسائي وابن سعد وصححه الحاكم "سحر النبي ﷺ رجل من اليهود، فاشتكى لذلك أياماً، فأتاه جبريل، فقال: إن رجلاً من اليهود سحرك، عقد لك عقداً في بئر كذا" وفي رواية للبخاري "ما بال الرجل"؟ وهل كان ذلك في المنام؟ أو في اليقظة؟ الظاهر أنه كان مناماً، إذ لو كان في اليقظة لخاطباه، وسألاه، وفي رواية "فانتبه من نومه ذات يوم". (قال: مطبوب) أي مسحور، يقال: طب الرجل، بضم الطاء، مبني للمجهول، أي سحر، ويقال: كنوا عن السحر بالطب تفاؤلاً، كما قالوا للديغ سليم، وقال القرطبي: إنما قيل للسحر: طب، لأن أصل الطب الحذق بالشيء، والتفطن له، فلما كان كل من علاج المرض والسحر إنما يتأتى عن فطنة وحذق أطلق على كل منهما هذا الاسم. (في أي شيء؟ ) هذا السحر؟ أو المعمول للسحر؟ . (في مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر) "المشط" بضم الميم وسكون الشين، وأثبت أبو عبيد كسر الميم، وأنكره بعضهم، وبسكون الشين فيهما، وقد يضم الشين مع ضم الميم فقط، وهو الآلة

стр. 4863

المعروفة التي يسرح بها شعر الرأس، هذا هو المشهور، وقد يطلق على العظم العريض، وسلاميات ظهر القدم، والمراد هنا الأول، ففي رواية "فإذا فيها مشط رسول الله ﷺ ، ومن مراطة رأسه" وفي رواية "من شعر رأسه، من أسنان مشطه" وفي رواية "فمد إلى مشط، وما مشط من الرأس، من شعر، فعقد بذلك عقداً" و"جف الطلع" قال النووي: في أكثر نسخ بلادنا بالباء، أي في أكثر نسخ مسلم "جب طلعة ذكر" وفي بعضها بالفاء، وهما بمعنى واحد، وهو الغشاء الذي يكون على الطلع، ويطلق على الذكر والأنثى، فلهذا قيده بالذكر، في قوله "طلعة ذكر" وهو بالإضافة، اهـ وفي رواية للبخاري "وجف طلع نخلة ذكر" ولفظ "ذكر" صفة لجف، زاد البخاري "تحت رعوفة" وفي رواية "تحت راعوفة" وفي رواية "تحت أرعوفة" وفي رواية "تحت زاعوبة" والمراد تحت صخرة كبيرة في أسفل البئر. (في بئر ذي أروان) في رواية البخاري "في بئر ذروان" بفتح الذال وسكون الراء، وفي نسخة "في ذروان" بغير بئر، وذروان بئر في بني زريق، فقوله "بئر ذروان" من إضافة الشيء لنفسه، قيل: إن الأصل: بئر ذي أروان، ثم لكثرة الاستعمال سهلت الهمزة، فصارت ذروان. (فأتاها رسول الله ﷺ في أناس من أصحابه) عند ابن سعد "فدعا جبير بن إياس الزرقي -وهو ممن شهد بدراً- فدله على موضعه، في بئر ذروان، فاستخرجه" ويقال: إن الذي استخرجه قبس بن محصن الزرقي، ويجمع بينهما بأنه أعان جبيراً على ذلك، وباشره بنفسه، فنسب إليه وعند ابن سعد "أن الحارث بن قيس قال: يا رسول الله، ألا يهور البئر؟ ويجمع بين هذه الروايات وبين روايتنا بأن النبي ﷺ بعثهم أولاً، ثم توجه مع بعض أصحابه، فشاهدها بنفسه، وفي الرواية الثانية "فذهب رسول الله ﷺ إلى البئر، فنظر إليها، وعليها نخل ... " أي وحولها نخل، زاد البخاري "فقال: هذه البئر التي أريتها" وفي رواية "وجد في الطلعة تمثالاً من شمع، تمثال رسول الله ﷺ ، وإذ فيه إبر مغروزة، وإذا وتر فيه إحدى عشرة عقدة، فنزل جبريل بالمعوذتين، فكلما قرأ آية انحلت عقدة" وفي رواية "فاستخرج". (ثم قال: يا عائشة) في رواية للبخاري "ثم رجع إلى عائشة، فقال .... " وفي رواية له "فجاء، فقال ... ؟ . (والله لكأن ماءها نقاعة الحناء) بضم النون وتخفيف القاف، والحناء معروف، أي إن لون ماء البئر لون الماء الذي ينقع فيه الحناء، قال ابن التين: يعني أحمر، وقال الداودي: المراد الماء الذي يكون من غسالة الإناء الذي تعجن فيه الحناء، وعند ابن سعد وصححه الحاكم "فوجد الماء وقد اخضر" قال القرطبي: كأن ماء البئر قد تغير، إما لرداءته بطول إقامته، وإما لما خالطه من الأشياء التي ألقيت في البئر. (ولكأن نخلها رءوس الشياطين) وفي رواية للبخاري "وكأن رءوس نخلها رءوس الشياطين" والتشبيه على كلا الروايتين إنما وقع على رءوس النخل، وفي رواية "فإذا نخلها الذي يشرب من مائها قد التوى سعفه، كأنه رءوس الشياطين" ووقع في القرآن الكريم تشبيه طلع شجرة الزقوم برءوس الشياطين، قال الفراء وغيره: يحتمل أن يكون شبه الطلع في قبحه برءوس الشياطين، لأنها موصوفة بالقبح، وقد تقرر في اللسان العربي أن من قال:

стр. 4864

فلان شيطان أراد أنه خبيث أو قبيح، ويحتمل أن يكون المراد بالشياطين الحيات، والعرب تسمي بعض الحيات شيطاناً، وهو ثعبان قبيح الوجه. (قالت: فقلت: يا رسول الله، أفلا أحرقته؟ قال: لا) في رواية للبخاري: "أفلا استخرجته؟ فقال: لا" وفي رواية "قلت: يا رسول الله، فأخرجه للناس" وفي رواية "أفلا أخرجته؟ قال: لا" وقد سبق أنه روي في الصحيح أنه أخرجه، فالمراد من الإخراج المثبت إخراج الجف، والمنفي استخراج ما حواه، ففي رواية "فأخرجوه فرموا به" ويحتمل أن مرادها من طلب إخراجه نشره بين الناس، وبقاؤه حتى يروه، وفي رواية للبخاري "أفلا؟ -أي تنشرت"؟ فيحتمل أن يكون من النشر، بمعنى الإخراج والإظهار، فيوافق رواية "أخرجته" وروايتنا "أفلا أحرقته"؟ قال النووي: كل من الروايتين صحيح، كأنها طلبت أن يخرجه ثم يحرقه. اهـ وأغرب القرطبي، فجعل الضمير في "أحرقته" للبيد بن الأعصم، قال: واستفهمته عائشة من ذلك، عقوبة له على ما صنع من السحر، فأجابها بالامتناع، ونبه على سببه، وهو خوف وقوع شر بينهم وبين اليهود، لأجل العهد، فلو قتله لثارت فتنة. كذا قال. قال الحافظ ابن حجر: ولا أدري ما وجه تعيين قتله بالإحراق؟ لو سلم أن الرواية ثابتة، وأن الضمير له؟ . (أما أنا فقد عافاني الله، وكرهت أن أثير على الناس شراً، فأمرت بها فدفنت) في رواية للبخاري: "أما والله فقد شفاني، وأكره أن أثير على أحد من الناس شراً" وفي رواية "سوءاً" وفي رواية "فكرهت أن أثير على الناس فيه شراً" والمراد من الناس عموم الموجودين آنذاك، قال النووي: خشي من إخراجه وإشاعته ضرراً على المسلمين من تذكر السحر وتعلمه ونحو ذلك، وهو من باب ترك المصلحة خوفاً من المفسدة، وفي رواية "على أمتي" وقيل: المراد بالناس هنا لبيد بن الأعصم، لأنه كان منافقاً، فأراد ﷺ أن لا يثير عليه شراً، لأنه كان يؤثر الإغضاء عمن يظهر الإسلام، ولو صدر منه ما صدر، وفي بعض الروايات "فقيل: يا رسول الله، لو قتلته؟ قال: ما وراءه من عذاب الله أشد" وفي رواية "فأخذه النبي ﷺ فاعترف، فعفا عنه" وفي رواية "فما ذكر رسول الله ﷺ لذلك اليهودي شيئاً مما صنع به، ولا رآه في وجهه" وفي رواية "فقال له: ما حملك على هذا؟ قال: حب الدنانير" قال الزهري: إن النبي ﷺ لم يقتله، ونقل عن الواقدي أن ذلك أصح من رواية من قال: إنه قتله، والضمير في قوله "فأمرت بها فدفنت" للبئر، وقد تقدم أن الحارث بن قيس هورها ودفنها. -[فقه الحديث]- قال الحافظ ابن حجر: قال الراغب وغيره: السحر يطلق على معان: أحدها ما لطف ودق، ومنه سحرت الصبي خادعته واستملته، وكل من استمال شيئاً فقد سحره، ومنه قولهم: الطبيعة ساحرة، ومنه حديث "إن من البيان لسحرا" الثاني: ما يقع بخداع وتخييلات لا حقيقة لها، نحو ما يفعله المشعوذ من صرف الأبصار عما يتعاطاه بخفة يده، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى ﴿يخيل إليه من

стр. 4865

سحرهم أنها تسعى﴾ [طه: ٦٦] وقوله تعالى ﴿سحروا أعين الناس واسترهبوهم﴾ [الأعراف: ١١٦] ومن هناك سموا موسى ساحراً، وقد يستعان في ذلك بما يكون فيه خاصية، كالحجر الذي يجذب الحديد، ويسمى المغنطيس، الثالث: ما يحصل بمعاونة الشياطين، بضرب من التقرب إليهم، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى ﴿ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر﴾ [البقرة: ١٠٢] الرابع: ما يحصل بمخاطبة الكواكب، واستنزال روحانياتها بزعمهم، قال ابن حزم: ومنه ما يوجد من الطلسمات، كالطابع المنقوش فيه صورة عقرب، في وقت كون القمر في العقرب، فينفع إمساكه من لدغة العقرب. وكالمشاهد ببعض بلاد المغرب، وهي -سرقسطة- فإنها لا يدخلها ثعبان قط، إلا إن كان بغير إرادته، وقد يجمع بين الأمرين الأخيرين، كالاستعانة بالشياطين ومخاطبة الكواكب، فيكون ذلك أقوى بزعمهم، قال أبو بكر الرازي في الأحكام له: كان أهل بابل قوماً صابئين، يعبدون الكواكب السبعة، ويسمونها آلهة، ويعتقدون أنها الفعالة لكل ما في العالم، وعملوا أوثاناً على أسمائها، ولكل واحد هيكل، فيه صفحة، يتقرب إليه بما يوافقه -بزعمهم- من أدعية وبخور، وهم الذين بعث إليهم إبراهيم ﵇، وكانت علومهم أحكام النجوم، ومع ذلك فكان السحرة منهم يستعملون سائر وجوه السحر، وينسبونها إلى فعل الكواكب، لئلا يبحث عنها، وينكشف تمويههم. اهـ قال الحافظ ابن حجر: واختلف في السحر، فقيل: هو تخييل فقط، ولا حقيقة له. قال النووي: والصحيح أن له حقيقة، وبه قطع جمهور العلماء، ويدل عليه الكتاب والسنة الصحيحة المشهورة. قال الحافظ: لكن محل النزاع. هل يقع بالسحر انقلاب عين؟ أو لا؟ فمن قال: إنه تخييل فقط منع ذلك، ومن قال: إن له حقيقة اختلفوا. هل له تأثير فقط، بحيث يغير المزاج، فيكون نوعاً من الأمراض، أو ينتهي إلى الإحالة بحيث يصير الجماد حيواناً مثلاً وعكسه؟ فالذي عليه الجمهور هو الأول، وذهبت طائفة قليلة إلى الثاني، فإن كان بالنظر إلى القدرة الإلهية فمسلم -كما في عصا موسى ﵇ وإن كان بالنظر إلى الواقع فهو محل الخلاف، فإن كثيراً من يدعي ذلك لا يستطيع إقامة البرهان عليه، ونقل الخطابي أن قوماً أنكروا السحر مطلقاً، وكأنه عنى القائلين بأنه تخييل فقط، وذهب بعضهم إلى أن تأثير السحر لا يزيد على ما ذكر الله تعالى في قوله ﴿فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه﴾ [البقرة: ١٠٢] (أي بالبغض والكره، عن طريق الوسوسة، وشياطين الإنس والجن بالوشاية ونحوها) لكون المقام مقام تهويل، فلو جاز أن يقع به أكثر من ذلك لذكره، قال المازري: والصحيح من جهة العقل أنه يجوز أن يقع به أكثر من ذلك، قال: والآية ليست نصاً في منع الزيادة، ولو قلنا إنها ظاهرة في ذلك، ثم قال: والفرق بين السحر والمعجزة، والكرامة أن السحر يكون بمعاناة أقوال وأفعال، حتى يتم للساحر ما يريد، والكرامة لا تحتاج إلى ذلك، بل إنما تقع غالباً اتفاقاً، وأما المعجزة فتمتاز عن الكرامة بالتحدي، ونقل إمام الحرمين الإجماع على أن السحر لا يظهر إلا من فاسق، وقال القرطبي: السحر حيل صناعية يتوصل إليها بالتعلم والاكتساب، غير أنها لدقتها لا يتوصل إليها إلا آحاد الناس، وأكثرها تخييلات بغير حقيقة، وإيهامات بغير ثبوت، فيعظم عند من لا يعرف ذلك. قال النووي: عمل السحر حرام، وهو من الكبائر بالإجماع، وقد عده النبي ﷺ من السبع الموبقات، ومنه ما يكون كفراً، ومنه ما لا يكون كفراً، بل معصية كبيرة، فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر،

стр. 4866

فهو كفر، وإلا فلا، وأما تعلمه وتعليمه فحرام، فإن كان فيه ما يقتضي الكفر كفر، واستتيب منه، ولا يقتل، فإن تاب قبلت توبته، وإن لم يكن فيه ما يقتضي الكفر عزر، وعن مالك: الساحر كافر، يقتل بالسحر، ولا يستتاب، بل يتحتم قتله، كالزنديق. قال عياض: وبقول مالك قال: أحمد وجماعة من الصحابة والتابعين. اهـ وقد أجاز بعض العلماء تعلم السحر لأحد أمرين، إما لتمييز ما فيه كفر عن غيره، وإما لإزالته عمن وقع فيه، فأما الأول فلا محذور فيه، إلا من جهة الاعتقاد، فإذا سلم الاعتقاد فمعرفة الشيء بمجرده لا تستلزم منعاً، كمن يعرف كيفية عبادة أهل الأوثان للأوثان، لأن كيفية ما يعمله الساحر إنما هي حكاية قول أو فعل، بخلاف تعاطيه والعمل به، وأما الثاني: فإن كان لا يتم -كما زعم بعضهم- إلا بنوع من أنواع الكفر أو الفسق فلا يحل أصلاً، وإلا جاز للمعنى المذكور. وذهب بعض العلماء إلى كفر تعلم السحر، فالعمل به كفر من باب أولى، مستدلين بقوله تعالى ﴿وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر﴾ [البقرة: ١٠٢] وجملة ﴿يعلمون الناس السحر﴾ تعليلية، أي لأنهم يعلمون الناس السحر، ولا يكفر بتعليم الشيء إلا وذلك الشيء كفر، كما استدلوا بقوله تعالى على لسان الملكين ﴿إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾ [البقرة: ١٠٢] فإن فيه إشارة إلى أن تعلم السحر كفر، فيكون العمل به كفراً، كما استدلوا بقوله تعالى ﴿ولا يفلح الساحر حيث أتى﴾ [طه: ٦٩] ففيه نفي الفلاح عن الساحر، ونفي الفلاح وإن لم يكن نصاً في الكفر، لكنه كثر في القرآن إثبات الفلاح للمؤمن، ونفيه عن الكافر، فهو قرينة على كفر الساحر، وإذا كان السحر كفراً كان تعلمه كذلك. والتحقيق أن السحر خداع، وغش، وغرس أوهام وأمراض نفسية، فتعلمه حرام والعمل به حرام ومن الكبائر، بل من أكبر الكبائر، لا خلاف في ذلك، ولكن الحكم بالكفر إذا لم تكن وسيلته كفراً في النفس منه شيء والله أعلم. وأختم هذه الجولة بقول ابن القيم: من أنفع الأدوية، وأقوى مقاومة للسحر -الذي هو من تأثيرات الأرواح الخبيثة- الأدوية الإلهية- من الذكر والدعاء والقراءة، فالقلب إذا كان ممتلئاً من الله، معموراً بذكره كان ذلك من أعظم الأسباب المانعة من إصابة السحر له، قال: وسلطان السحر هو في القلوب الضعيفة، ولهذا غالب ما يؤثر، في النساء والصبيان والجهال. اهـ والله أعلم. قال الحافظ ابن حجر: وقصة هاروت وماروت جاءت بسند حسن، من حديث ابن عمر، في مسند أحمد، وأطنب الطبري في إيراد طرقها؛ بحيث يقضي بمجموعها على أن للقصة أصلاً، خلافاً لمن زعم بطلانها، كالقاضي عياض، ومن تبعه، ومحصلها أن الله ركب الشهوة في ملكين من الملائكة، اختباراً لهما، وأمرهما أن يحكما في الأرض فنزلا على صورة البشر، وحكما بالعدل مرة، ثم افتتنا بامرأة جميلة، فعوقبا بسبب ذلك، بأن حبسا في بئر ببابل، منكسين، وابتليا بالنطق بعلم السحر، فصار يقصدهما من يطلب ذلك، فلا ينطقان بحضرة أحد حتى يحذراه وينهياه، فإذا أصر تكلما بذلك، ليتعلم منهما ذلك، وهما قد عرفا ذلك، فيتعلم منهما ما قص الله عنهما. اهـ وموضوع حديث الباب السحر الذي وقع لرسول الله ﷺ ، ونحصر الكلام في نقطتين أساسيتين:

стр. 4867

النقطة الأولى: ما فعله لبيد بن الأعصم والنقطة الثانية: أثر هذا الفعل على رسول الله ﷺ . أما ما فعل لبيد من المشط والمشاطة وجف نخل ذكر وتمثال وأبر وخلافه فهذا شأنه، ومثله يقع من كثير من المشعوذين والدجالين، وكذا إخراجه من البئر، فهذا أمر عادي، ولا يحتاج إلى نفي أو تحقق أو تأويل أو توجيه، ولا ينبت بوقوعه حكم أو خلاف في الرأي والفقه. والمشكلة الرئيسية في أثر هذا الفعل في رسول الله ﷺ ، وللعلماء في ذلك توجهان: التوجه الأول: رد الحديث أو التوقف بشأنه، لأنه بظاهره يتعارض مع مهمة الرسول ﷺ يعبر المازري: عن هذا التوجه بقوله: أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث، وزعموا أنه يحط منصب النبوة، ويشكك فيها، وكل ما أدى إلى ذلك فهو باطل، وزعموا أن تجويز ذلك يعدم الثقة بما شرعه الرسول ﷺ من الشرائع، إذ يحتمل على هذا أن يخيل إليه أنه يرى جبريل، وليس هو ثم، وأنه يوحي إليه بشيء، ولم يوح إليه بشيء. التوجه الثاني: عدم رد الحديث، وفهمه على وجه لا يؤدي إلى المحذور السابق، وهذه الوجوه: أ- قبول ظاهر الحديث، ونفي الاحتمال الذي زعموه، لأنه احتمال قام الدليل على خلافه، يقول المازري: الدليل قد قام على صدق النبي ﷺ فيما يبلغه عن الله تعالى، وعلى عصمته في التبليغ، والمعجزات شاهدات بتصديقه، فتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل. ب- قبول ظاهر الحديث، واستبعاد الاحتمال الذي زعموه، لأن قضية الحديث أمر دنيوي، والاحتمال الذي ذكروه أمر ديني، ولا يقاس الأمر الديني على الأمر الدنيوي، يقول المازري: ما يتعلق ببعض أمور الدنيا، التي لم يبعث لأجلها، ولا كانت الرسالة من أجلها، فهو في ذلك عرضة لما يعترض البشر، كالأمراض، فغير بعيد أن يخيل إليه في أمر من أمور الدنيا، ما لا حقيقة له، مع عصمته عن مثل ذلك في أمور الدين. اهـ ويحسن بنا هنا أن نستعرض ما قيل من احتمالات، في فهم أثر سحر لبيد في رسول الله ﷺ الوارد في عبارات الحديث، ففي روايتنا الأولى "يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله" في رواية للبخاري "يخيل إليه أنه صنع شيئاً، ولم يصنعه" وفي رواية أخرى له "يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما فعله" وفي ثالثة له "يخيل إليه أنه فعل الشيء وما فعله" وفي رواية رابعة له "حتى كان يرى أنه يأتي النساء، ولا يأتيهن". ويوضح المازري الوجه السابق ذكره، فيقول: قال بعض الناس: إن المراد بالحديث أنه كان ﷺ يخيل إليه أنه وطئ زوجاته، ولم يكن وطأهن، وهذا كثيراً ما يقع تخيله للإنسان في المنام، فلا يبعد أن يخيل إليه في اليقظة. ج- قبول ظاهر الحديث، لكن هناك فرق بين تخيل ما ليس في الواقع واقعاً، وبين اعتقاد ما ليس في الواقع واقعاً، ولا يلزم من أنه كان يتخيل أنه فعل الشيء، ولم يكن فعله، أن يجزم بأنه فعله، وإنما يكون ذلك من جنس الخاطر، يخطر، ولا يثبت، ولا يرد على هذا الاحتمال الذي ذكروه، فالخواطر على قسمين: خواطر لا تستقر، وهي التي يطلق عليها الوسوسة، وهي المرادة بالتخيل هنا، وخواطر

стр. 4868

مستقرة، تصل إلى الظن والاعتقاد، وهي غير مرادة هنا، فقول عائشة في رواية عبد الرزاق "حتى كاد ينكر بصره" معناه أنه صار كالذي أنكر بصره، بحيث إنه إذا رأى الشيء يخيل إليه أنه على غير صفته، فإذا تأمله عرف حقيقته، ويؤكد هذا المراد أنه لم ينقل عنه في خبر من الأخبار أنه قال قولاً، فكان بخلاف ما أخبر به. د- قال القاضي عياض: إن السحر إنما تسلط على جسده وظواهر جوارحه، لا على تمييزه وقلبه ومعتقده، وكل ما جاء في الروايات، من أنه يخيل إليه فعل شيء لم يفعله، ونحوه، فمحمول على التخيل بالبصر، لا لخلل تطرق إلى العقل، وليس في ذلك ما يدخل لبساً على الرسالة، ولا طعناً لأهل الضلالة. اهـ وقال المهلب: ما ناله من ضرر السحر لا يدخل نقصاً على ما يتعلق بالتبليغ، بل هو من جنس ما كان يناله من ضرر سائر الأمراض، من ضعف عن الكلام، أو عجز عن بعض الفعل، واستدل ابن القصار على أن الذي أصابه كان من جنس المرض بقوله في آخر الحديث "أما أنا فقد عافاني الله" وفي رواية للبخاري "فقد شفاني الله" وعن عائشة عند البيهقي في الدلائل "فكان يدور، ولا يدري ما وجعه" وفي حديث ابن عباس عند ابن سعد "مرض النبي ﷺ ، وأخذ عن النساء والطعام والشراب، فهبط عليه ملكان". هـ- وقال القاضي عياض: يحتمل أن يكون المراد بالتخيل المذكور أنه يظهر له من نشاطه ما ألفه من سابق عادته، من الاقتدار على الوطء، فإذا دنا من المرأة فتر عن ذلك، كما هو شأن المعقود. وهذا فهم قريب من سابقه، باعتباره عجزاً جسدياً، ناشئاً من تغير المزاج فهو نوع من الأمراض، ومن المعروف عند أهل السنة أن الله تعالى خالق الأسباب والمسببات جميعاً، وقد شاءت إرادته أن يربط المسببات بأسبابها، وأن يخلق المرض في السليم إذا لاقى مريضاً، قال النووي: فلا يستنكر في العقل أن الله يخرق العادة، عند النطق بكلام ملفق، أو تركيب أجسام، أو المزج بين قوي، على ترتيب لا يعرفه إلا الساحر. اهـ المناقشة والتحقيق: أولاً: جميع روايات هذا الحديث عن عائشة ﵂، فيما عدا رواية ابن عباس عند ابن سعد وهي ضعيفة جداً من حيث الإسناد، فضلاً عن أن مثل هذا الأمر لا يعلمه ابن عباس إلا من طريق مخبر له، إما عائشة وإما إحدى الزوجات وإما الرسول ﷺ ، ولم يسند إلى أي منهم، وكونه في هذه الرواية ممن ذهب لإخراج السحر في روايته لا يعطي شيئاً عن حال مرضه ﷺ مع أزواجه. وقد نتساءل: إذا كان التأثير في إتيان النساء، وعائشة ﵂ حينئذ واحدة من سبع، لها ليلة من كل أسبوع، وقد استمرت الحالة أربعين يوماً أو ستة أشهر، فماذا كان الحال عند غيرها من نسائه ﷺ ؟ هل تخيل عندهن كما تخيل عندها؟ أم كان الحال خاصاً بها؟ وإذا كان الأول فلماذا لم يرد عن إحداهن مثل ما ورد عنها؟ وإذا كان الثاني احتمل أن يكون لحالة نفسية وتغير مزاجه منها لأمر من أمور الحياة، فهو انصراف يحدث كثيراً، ولا يرد عليه أي اعتراض بالتقصير في التبليغ، وكذا لو كان انصرافاً عاماً عن جميع نسائه، وتخيلاً خاصاً بالعلاقة الزوجية، فلا

стр. 4869

يرد هذا الاعتراض، ويرد هذا الاعتراض من أساسه أنه لم يؤثر عن أحد من الصحابة، ولا عن أحد من أعدائه أنه رآه وقد خيل إليه في هذه المدة الطويلة أنه فعل الشيء ولم يفعله، ومثل هذا أمر لا يخفى ولا يكتم ممن يتلمسون له الهفوات، وحيث كان هذا التأثير مكنياً عنه في الحديث، بقولها "يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما فعله" وليس محدداً مصرحاً بالأثر جاز أنها تقصد أمراً لا يضر، وأنه أمر عادي في تغير المزاج، ولهذا اختلف العلماء في تفسيره، سواء كان ناشئاً من تأثير السحر، أو كان مصادفة واتفاقاً مع وقت عمل لبيد ما عمل، فإنه لا يؤثر في الرسالة ولا في التبليغ. ثانياً: هذا الحديث مضطرب في أحداثه اضطراباً يجعل الجمع بينها عسيراً أو تمحلاً، ففي بعض روايته أنه ﷺ أرسل إلى البئر من يخرج آلة السحر، وفي بعضها أنه ﷺ أتاها بنفسه ومعه بعض أصحابه، وفي بعضها أن الذي استخرجه جبير بن إياس، وفي بعضها أن الذي استخرجه قيس بن محصن الزرقي، وفي بعض الروايات أن الملكين أتياه في اليقظة، وفي بعضها في المنام، وفي بعضها بين اليقظة والمنام، وفي بعض الروايات قالت عائشة بعد أن استخرج السحر "أفلا استخرجته؟ قال: لا" وفي بعضها "أفلا أحرقته"؟ قال: "لا" أي إنه لم يخرج ولم يحرق. ثم ماذا حصل مع لبيد بن الأعصم؟ أقتل؟ أم عفي عنه؟ في رواية "فأخذه النبي ﷺ ، فاعترف، فعفا عنه"، وفي رواية "فما ذكر رسول الله ﷺ لذلك اليهودي شيئاً مما صنع، ولا رآه في وجهه" وفي رواية "فقال له: ما حملك على هذا؟ قال: حب الدنانير" وفي رواية "فقتله" روايات ضعيفة، لا تمثل حقيقة مع أن القتل أو عدم القتل، في مثل هذه الحالة لا يخفى ولا يكتم. هذا الاضطراب يجعل الاستدلال بعبارة من عباراته محل نظر. ثالثاً: موضوع السحر، وسحر رسول الله ﷺ موضوع عقيدة، وليس موضوع حكم فرعي وليس موضوع وعظ وترغيب وترهيب، وأحاديث الآحاد لا يجب العمل بها في العقائد حتى ولو لم تكن مضطربة. رابعاً: الاحتمالات الكثيرة في هذا الحديث تجعله غير صالح للاستدلال على تأثير السحر، عملاً بقاعدة: الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال. والذي أميل إليه، وأدين الله عليه التوقف بشأن هذا الحديث، أو رده لما ذكرنا من المحاذير. والله أعلم. -[ويؤخذ من الحديث: ]- ١ - من قوله "دعا .. ثم دعا، ثم دعا" استحباب الدعاء عند حصول الأمور المكروهة. ٢ - وتكرير الدعاء. ٣ - وحسن الالتجاء إلى الله تعالى. ٤ - ومن كراهته ﷺ شراً، ترك المصلحة لخوف مفسدة أعظم منها.

стр. 4870

٥ - ومن استخراجه السحر من البئر جواز استخراج السحر. ٦ - وجواز ذهاب المسحور إلى الساحر، ليفك عنه السحر كذا قيل. وقد ذكر البخاري: قال قتادة قلت لسعيد بن المسيب: رجل به طب -أو يؤخذ عن امرأته- أيحل عنه؟ أو ينشر؟ قال: لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع فلم ينه عنه. اهـ أي كان سعيد بن المسيب لا يرى بأساً، إذا كان بالرجل سحر، أن يمشي إلى من يطلق عنه، وكان يرى أن ذلك صلاح، ومثل ذلك عن أحمد، فقد سئل عمن يطلق السحر عن المسحور؟ فقال: لا بأس به. وكان الحسن البصري يكره ذلك، ويقول: لا يعلم ذلك إلا ساحر، ولا يجوز إتيان الساحر، لحديث "من مشي إلى ساحر أو كاهن، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ " وقال الطبري: نهيه ﷺ عن إتيان الساحر، إنما هو على التصديق له فيما يقول، فأما إذا أتاه لغير ذلك، وهو عالم به، وبحاله، فليس من المنهي عنه، ولا عن إتيانه. اهـ وفي هذا القول نظر، لأن هذا القول يصح فيمن أتاه لزراعة أو لبيع أو شراء أو غير ذلك، مما لا علاقة له بالسحر، أما من أتاه ليحل سحراً، فقد أتاه مصدقاً أنه ساحر، وأنه قادر على حل السحر، فهو مصدق له في قوله هذا وفي فعله. ٧ - وجواز النشرة، والنشرة ذكر وأدعية وطلاسم وأفعال، يقصد بها حل السحر عن المسحور وفي وصفها صور، أنقل منها عن الحافظ ابن حجر، قال: أخرج عبد الرزاق من طريق الشعبي، قال: "لا بأس بالنشرة العربية، التي إذا وطئت لا تضره، وهي أن يخرج الإنسان في موضع عضاه -العضاه بالهاء في آخره مع كسر العين، كل شجر له شوك، صغر أو كبر -فيأخذ عن يمينه، وعن شماله، من كل -أي من كل شجرة فرعاً أو ورقاً- ثم يدقه، ويقرأ فيه، ثم يغتسل به" وذكر ابن بطال أن في كتب وهب بن منبه "أن يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر، فيدقه بين حجرين، ثم يضربه بالماء، ويقرأ فيه آية الكرسي، ثم يحسو منه ثلاث حسوات، ثم يغتسل به، فإنه يذهب عنه كل ما به". وفي كتاب الطب النبوي للمستغفري. قال حماد بن شاكر: إن المبتلى بعدم القدرة على مجامعة أهله يأخذ حزمة قضبان، وفأساً ذا قطارين، ويضعه في وسط تلك الحزمة، ثم يؤجج ناراً في تلك الحزمة، حتى إذا حمي الفأس استخرجه من النار، وبال عليه، فإنه يبرأ وتحل عقده، وأما النشرة فإنه يجمع أيام الربيع ما قدر عليه من ورد المفازة، وورد البساتين، ثم يلقيها في إناء نظيف، ويجعل فيها ماء عذباً، ثم يغلي ذلك الورد في الماء غلياً يسيراً، ثم يمهل، حتى إذا فتر الماء، أفاضه عليه، فإنه يبرأ بإذن الله. اهـ وفي اعتقادي أن هذه أمور شعوذة لا أصل لها، تستساغ عند البسطاء والجهلاء، وقد يقع لهم الشفاء بالإيحاء، والله أعلم. ٨ - وقد فرع العلماء على السحر وتأثيره خلافاً حول حد الساحر، وقد استدل بحديث الباب من يقول: إن الساحر لا يقتل حداً، إذا كان له عهد، قال ابن بطال: لا يقتل ساحر أهل الكتاب عند مالك والزهري، إلا أن يقتل بسحره، فيقتل، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، وعن مالك: إن أدخل بسحره ضرراً على مسلم لم يعاهد عليه، نقض العهد بذلك، فيحل
следующие страницы →