Полный текст (6 200 стр.). Показаны 4866–4905 · переход к 4871.
стр. 4866
فهو كفر، وإلا فلا، وأما تعلمه وتعليمه فحرام، فإن كان فيه ما يقتضي الكفر كفر، واستتيب منه، ولا يقتل، فإن تاب قبلت توبته، وإن لم يكن فيه ما يقتضي الكفر عزر، وعن مالك: الساحر كافر، يقتل بالسحر، ولا يستتاب، بل يتحتم قتله، كالزنديق. قال عياض: وبقول مالك قال: أحمد وجماعة من الصحابة والتابعين. اهـ
وقد أجاز بعض العلماء تعلم السحر لأحد أمرين، إما لتمييز ما فيه كفر عن غيره، وإما لإزالته عمن وقع فيه، فأما الأول فلا محذور فيه، إلا من جهة الاعتقاد، فإذا سلم الاعتقاد فمعرفة الشيء بمجرده لا تستلزم منعاً، كمن يعرف كيفية عبادة أهل الأوثان للأوثان، لأن كيفية ما يعمله الساحر إنما هي حكاية قول أو فعل، بخلاف تعاطيه والعمل به، وأما الثاني: فإن كان لا يتم -كما زعم بعضهم- إلا بنوع من أنواع الكفر أو الفسق فلا يحل أصلاً، وإلا جاز للمعنى المذكور.
وذهب بعض العلماء إلى كفر تعلم السحر، فالعمل به كفر من باب أولى، مستدلين بقوله تعالى ﴿وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر﴾ [البقرة: ١٠٢] وجملة ﴿يعلمون الناس السحر﴾ تعليلية، أي لأنهم يعلمون الناس السحر، ولا يكفر بتعليم الشيء إلا وذلك الشيء كفر، كما استدلوا بقوله تعالى على لسان الملكين ﴿إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾ [البقرة: ١٠٢] فإن فيه إشارة إلى أن تعلم السحر كفر، فيكون العمل به كفراً، كما استدلوا بقوله تعالى ﴿ولا يفلح الساحر حيث أتى﴾ [طه: ٦٩] ففيه نفي الفلاح عن الساحر، ونفي الفلاح وإن لم يكن نصاً في الكفر، لكنه كثر في القرآن إثبات الفلاح للمؤمن، ونفيه عن الكافر، فهو قرينة على كفر الساحر، وإذا كان السحر كفراً كان تعلمه كذلك.
والتحقيق أن السحر خداع، وغش، وغرس أوهام وأمراض نفسية، فتعلمه حرام والعمل به حرام ومن الكبائر، بل من أكبر الكبائر، لا خلاف في ذلك، ولكن الحكم بالكفر إذا لم تكن وسيلته كفراً في النفس منه شيء والله أعلم.
وأختم هذه الجولة بقول ابن القيم: من أنفع الأدوية، وأقوى مقاومة للسحر -الذي هو من تأثيرات الأرواح الخبيثة- الأدوية الإلهية- من الذكر والدعاء والقراءة، فالقلب إذا كان ممتلئاً من الله، معموراً بذكره كان ذلك من أعظم الأسباب المانعة من إصابة السحر له، قال: وسلطان السحر هو في القلوب الضعيفة، ولهذا غالب ما يؤثر، في النساء والصبيان والجهال. اهـ والله أعلم.
قال الحافظ ابن حجر: وقصة هاروت وماروت جاءت بسند حسن، من حديث ابن عمر، في مسند أحمد، وأطنب الطبري في إيراد طرقها؛ بحيث يقضي بمجموعها على أن للقصة أصلاً، خلافاً لمن زعم بطلانها، كالقاضي عياض، ومن تبعه، ومحصلها أن الله ركب الشهوة في ملكين من الملائكة، اختباراً لهما، وأمرهما أن يحكما في الأرض فنزلا على صورة البشر، وحكما بالعدل مرة، ثم افتتنا بامرأة جميلة، فعوقبا بسبب ذلك، بأن حبسا في بئر ببابل، منكسين، وابتليا بالنطق بعلم السحر، فصار يقصدهما من يطلب ذلك، فلا ينطقان بحضرة أحد حتى يحذراه وينهياه، فإذا أصر تكلما بذلك، ليتعلم منهما ذلك، وهما قد عرفا ذلك، فيتعلم منهما ما قص الله عنهما. اهـ
وموضوع حديث الباب السحر الذي وقع لرسول الله ﷺ ، ونحصر الكلام في نقطتين أساسيتين:
стр. 4867
النقطة الأولى: ما فعله لبيد بن الأعصم والنقطة الثانية: أثر هذا الفعل على رسول الله ﷺ .
أما ما فعل لبيد من المشط والمشاطة وجف نخل ذكر وتمثال وأبر وخلافه فهذا شأنه، ومثله يقع من كثير من المشعوذين والدجالين، وكذا إخراجه من البئر، فهذا أمر عادي، ولا يحتاج إلى نفي أو تحقق أو تأويل أو توجيه، ولا ينبت بوقوعه حكم أو خلاف في الرأي والفقه.
والمشكلة الرئيسية في أثر هذا الفعل في رسول الله ﷺ ، وللعلماء في ذلك توجهان:
التوجه الأول: رد الحديث أو التوقف بشأنه، لأنه بظاهره يتعارض مع مهمة الرسول ﷺ يعبر المازري: عن هذا التوجه بقوله: أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث، وزعموا أنه يحط منصب النبوة، ويشكك فيها، وكل ما أدى إلى ذلك فهو باطل، وزعموا أن تجويز ذلك يعدم الثقة بما شرعه الرسول ﷺ من الشرائع، إذ يحتمل على هذا أن يخيل إليه أنه يرى جبريل، وليس هو ثم، وأنه يوحي إليه بشيء، ولم يوح إليه بشيء.
التوجه الثاني: عدم رد الحديث، وفهمه على وجه لا يؤدي إلى المحذور السابق، وهذه الوجوه:
أ- قبول ظاهر الحديث، ونفي الاحتمال الذي زعموه، لأنه احتمال قام الدليل على خلافه، يقول المازري: الدليل قد قام على صدق النبي ﷺ فيما يبلغه عن الله تعالى، وعلى عصمته في التبليغ، والمعجزات شاهدات بتصديقه، فتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل.
ب- قبول ظاهر الحديث، واستبعاد الاحتمال الذي زعموه، لأن قضية الحديث أمر دنيوي، والاحتمال الذي ذكروه أمر ديني، ولا يقاس الأمر الديني على الأمر الدنيوي، يقول المازري: ما يتعلق ببعض أمور الدنيا، التي لم يبعث لأجلها، ولا كانت الرسالة من أجلها، فهو في ذلك عرضة لما يعترض البشر، كالأمراض، فغير بعيد أن يخيل إليه في أمر من أمور الدنيا، ما لا حقيقة له، مع عصمته عن مثل ذلك في أمور الدين. اهـ
ويحسن بنا هنا أن نستعرض ما قيل من احتمالات، في فهم أثر سحر لبيد في رسول الله ﷺ الوارد في عبارات الحديث، ففي روايتنا الأولى "يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله" في رواية للبخاري "يخيل إليه أنه صنع شيئاً، ولم يصنعه" وفي رواية أخرى له "يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما فعله" وفي ثالثة له "يخيل إليه أنه فعل الشيء وما فعله" وفي رواية رابعة له "حتى كان يرى أنه يأتي النساء، ولا يأتيهن".
ويوضح المازري الوجه السابق ذكره، فيقول: قال بعض الناس: إن المراد بالحديث أنه كان ﷺ يخيل إليه أنه وطئ زوجاته، ولم يكن وطأهن، وهذا كثيراً ما يقع تخيله للإنسان في المنام، فلا يبعد أن يخيل إليه في اليقظة.
ج- قبول ظاهر الحديث، لكن هناك فرق بين تخيل ما ليس في الواقع واقعاً، وبين اعتقاد ما ليس في الواقع واقعاً، ولا يلزم من أنه كان يتخيل أنه فعل الشيء، ولم يكن فعله، أن يجزم بأنه فعله، وإنما يكون ذلك من جنس الخاطر، يخطر، ولا يثبت، ولا يرد على هذا الاحتمال الذي ذكروه، فالخواطر على قسمين: خواطر لا تستقر، وهي التي يطلق عليها الوسوسة، وهي المرادة بالتخيل هنا، وخواطر
стр. 4868
مستقرة، تصل إلى الظن والاعتقاد، وهي غير مرادة هنا، فقول عائشة في رواية عبد الرزاق "حتى كاد ينكر بصره" معناه أنه صار كالذي أنكر بصره، بحيث إنه إذا رأى الشيء يخيل إليه أنه على غير صفته، فإذا تأمله عرف حقيقته، ويؤكد هذا المراد أنه لم ينقل عنه في خبر من الأخبار أنه قال قولاً، فكان بخلاف ما أخبر به.
د- قال القاضي عياض: إن السحر إنما تسلط على جسده وظواهر جوارحه، لا على تمييزه وقلبه ومعتقده، وكل ما جاء في الروايات، من أنه يخيل إليه فعل شيء لم يفعله، ونحوه، فمحمول على التخيل بالبصر، لا لخلل تطرق إلى العقل، وليس في ذلك ما يدخل لبساً على الرسالة، ولا طعناً لأهل الضلالة. اهـ وقال المهلب: ما ناله من ضرر السحر لا يدخل نقصاً على ما يتعلق بالتبليغ، بل هو من جنس ما كان يناله من ضرر سائر الأمراض، من ضعف عن الكلام، أو عجز عن بعض الفعل، واستدل ابن القصار على أن الذي أصابه كان من جنس المرض بقوله في آخر الحديث "أما أنا فقد عافاني الله" وفي رواية للبخاري "فقد شفاني الله" وعن عائشة عند البيهقي في الدلائل "فكان يدور، ولا يدري ما وجعه" وفي حديث ابن عباس عند ابن سعد "مرض النبي ﷺ ، وأخذ عن النساء والطعام والشراب، فهبط عليه ملكان".
هـ- وقال القاضي عياض: يحتمل أن يكون المراد بالتخيل المذكور أنه يظهر له من نشاطه ما ألفه من سابق عادته، من الاقتدار على الوطء، فإذا دنا من المرأة فتر عن ذلك، كما هو شأن المعقود.
وهذا فهم قريب من سابقه، باعتباره عجزاً جسدياً، ناشئاً من تغير المزاج فهو نوع من الأمراض، ومن المعروف عند أهل السنة أن الله تعالى خالق الأسباب والمسببات جميعاً، وقد شاءت إرادته أن يربط المسببات بأسبابها، وأن يخلق المرض في السليم إذا لاقى مريضاً، قال النووي: فلا يستنكر في العقل أن الله يخرق العادة، عند النطق بكلام ملفق، أو تركيب أجسام، أو المزج بين قوي، على ترتيب لا يعرفه إلا الساحر. اهـ
المناقشة والتحقيق:
أولاً: جميع روايات هذا الحديث عن عائشة ﵂، فيما عدا رواية ابن عباس عند ابن سعد وهي ضعيفة جداً من حيث الإسناد، فضلاً عن أن مثل هذا الأمر لا يعلمه ابن عباس إلا من طريق مخبر له، إما عائشة وإما إحدى الزوجات وإما الرسول ﷺ ، ولم يسند إلى أي منهم، وكونه في هذه الرواية ممن ذهب لإخراج السحر في روايته لا يعطي شيئاً عن حال مرضه ﷺ مع أزواجه.
وقد نتساءل: إذا كان التأثير في إتيان النساء، وعائشة ﵂ حينئذ واحدة من سبع، لها ليلة من كل أسبوع، وقد استمرت الحالة أربعين يوماً أو ستة أشهر، فماذا كان الحال عند غيرها من نسائه ﷺ ؟ هل تخيل عندهن كما تخيل عندها؟ أم كان الحال خاصاً بها؟ وإذا كان الأول فلماذا لم يرد عن إحداهن مثل ما ورد عنها؟ وإذا كان الثاني احتمل أن يكون لحالة نفسية وتغير مزاجه منها لأمر من أمور الحياة، فهو انصراف يحدث كثيراً، ولا يرد عليه أي اعتراض بالتقصير في التبليغ، وكذا لو كان انصرافاً عاماً عن جميع نسائه، وتخيلاً خاصاً بالعلاقة الزوجية، فلا
стр. 4869
يرد هذا الاعتراض، ويرد هذا الاعتراض من أساسه أنه لم يؤثر عن أحد من الصحابة، ولا عن أحد من أعدائه أنه رآه وقد خيل إليه في هذه المدة الطويلة أنه فعل الشيء ولم يفعله، ومثل هذا أمر لا يخفى ولا يكتم ممن يتلمسون له الهفوات، وحيث كان هذا التأثير مكنياً عنه في الحديث، بقولها "يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما فعله" وليس محدداً مصرحاً بالأثر جاز أنها تقصد أمراً لا يضر، وأنه أمر عادي في تغير المزاج، ولهذا اختلف العلماء في تفسيره، سواء كان ناشئاً من تأثير السحر، أو كان مصادفة واتفاقاً مع وقت عمل لبيد ما عمل، فإنه لا يؤثر في الرسالة ولا في التبليغ.
ثانياً: هذا الحديث مضطرب في أحداثه اضطراباً يجعل الجمع بينها عسيراً أو تمحلاً، ففي بعض روايته أنه ﷺ أرسل إلى البئر من يخرج آلة السحر، وفي بعضها أنه ﷺ أتاها بنفسه ومعه بعض أصحابه، وفي بعضها أن الذي استخرجه جبير بن إياس، وفي بعضها أن الذي استخرجه قيس بن محصن الزرقي، وفي بعض الروايات أن الملكين أتياه في اليقظة، وفي بعضها في المنام، وفي بعضها بين اليقظة والمنام، وفي بعض الروايات قالت عائشة بعد أن استخرج السحر "أفلا استخرجته؟ قال: لا" وفي بعضها "أفلا أحرقته"؟ قال: "لا" أي إنه لم يخرج ولم يحرق.
ثم ماذا حصل مع لبيد بن الأعصم؟ أقتل؟ أم عفي عنه؟ في رواية "فأخذه النبي ﷺ ، فاعترف، فعفا عنه"، وفي رواية "فما ذكر رسول الله ﷺ لذلك اليهودي شيئاً مما صنع، ولا رآه في وجهه" وفي رواية "فقال له: ما حملك على هذا؟ قال: حب الدنانير" وفي رواية "فقتله" روايات ضعيفة، لا تمثل حقيقة مع أن القتل أو عدم القتل، في مثل هذه الحالة لا يخفى ولا يكتم.
هذا الاضطراب يجعل الاستدلال بعبارة من عباراته محل نظر.
ثالثاً: موضوع السحر، وسحر رسول الله ﷺ موضوع عقيدة، وليس موضوع حكم فرعي وليس موضوع وعظ وترغيب وترهيب، وأحاديث الآحاد لا يجب العمل بها في العقائد حتى ولو لم تكن مضطربة.
رابعاً: الاحتمالات الكثيرة في هذا الحديث تجعله غير صالح للاستدلال على تأثير السحر، عملاً بقاعدة: الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال.
والذي أميل إليه، وأدين الله عليه التوقف بشأن هذا الحديث، أو رده لما ذكرنا من المحاذير. والله أعلم.
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
١ - من قوله "دعا .. ثم دعا، ثم دعا" استحباب الدعاء عند حصول الأمور المكروهة.
٢ - وتكرير الدعاء.
٣ - وحسن الالتجاء إلى الله تعالى.
٤ - ومن كراهته ﷺ شراً، ترك المصلحة لخوف مفسدة أعظم منها.
стр. 4870
٥ - ومن استخراجه السحر من البئر جواز استخراج السحر.
٦ - وجواز ذهاب المسحور إلى الساحر، ليفك عنه السحر كذا قيل. وقد ذكر البخاري: قال قتادة قلت لسعيد بن المسيب: رجل به طب -أو يؤخذ عن امرأته- أيحل عنه؟ أو ينشر؟ قال: لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع فلم ينه عنه. اهـ أي كان سعيد بن المسيب لا يرى بأساً، إذا كان بالرجل سحر، أن يمشي إلى من يطلق عنه، وكان يرى أن ذلك صلاح، ومثل ذلك عن أحمد، فقد سئل عمن يطلق السحر عن المسحور؟ فقال: لا بأس به. وكان الحسن البصري يكره ذلك، ويقول: لا يعلم ذلك إلا ساحر، ولا يجوز إتيان الساحر، لحديث "من مشي إلى ساحر أو كاهن، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ " وقال الطبري: نهيه ﷺ عن إتيان الساحر، إنما هو على التصديق له فيما يقول، فأما إذا أتاه لغير ذلك، وهو عالم به، وبحاله، فليس من المنهي عنه، ولا عن إتيانه. اهـ وفي هذا القول نظر، لأن هذا القول يصح فيمن أتاه لزراعة أو لبيع أو شراء أو غير ذلك، مما لا علاقة له بالسحر، أما من أتاه ليحل سحراً، فقد أتاه مصدقاً أنه ساحر، وأنه قادر على حل السحر، فهو مصدق له في قوله هذا وفي فعله.
٧ - وجواز النشرة، والنشرة ذكر وأدعية وطلاسم وأفعال، يقصد بها حل السحر عن المسحور وفي وصفها صور، أنقل منها عن الحافظ ابن حجر، قال: أخرج عبد الرزاق من طريق الشعبي، قال: "لا بأس بالنشرة العربية، التي إذا وطئت لا تضره، وهي أن يخرج الإنسان في موضع عضاه -العضاه بالهاء في آخره مع كسر العين، كل شجر له شوك، صغر أو كبر -فيأخذ عن يمينه، وعن شماله، من كل -أي من كل شجرة فرعاً أو ورقاً- ثم يدقه، ويقرأ فيه، ثم يغتسل به" وذكر ابن بطال أن في كتب وهب بن منبه "أن يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر، فيدقه بين حجرين، ثم يضربه بالماء، ويقرأ فيه آية الكرسي، ثم يحسو منه ثلاث حسوات، ثم يغتسل به، فإنه يذهب عنه كل ما به".
وفي كتاب الطب النبوي للمستغفري. قال حماد بن شاكر: إن المبتلى بعدم القدرة على مجامعة أهله يأخذ حزمة قضبان، وفأساً ذا قطارين، ويضعه في وسط تلك الحزمة، ثم يؤجج ناراً في تلك الحزمة، حتى إذا حمي الفأس استخرجه من النار، وبال عليه، فإنه يبرأ وتحل عقده، وأما النشرة فإنه يجمع أيام الربيع ما قدر عليه من ورد المفازة، وورد البساتين، ثم يلقيها في إناء نظيف، ويجعل فيها ماء عذباً، ثم يغلي ذلك الورد في الماء غلياً يسيراً، ثم يمهل، حتى إذا فتر الماء، أفاضه عليه، فإنه يبرأ بإذن الله. اهـ
وفي اعتقادي أن هذه أمور شعوذة لا أصل لها، تستساغ عند البسطاء والجهلاء، وقد يقع لهم الشفاء بالإيحاء، والله أعلم.
٨ - وقد فرع العلماء على السحر وتأثيره خلافاً حول حد الساحر، وقد استدل بحديث الباب من يقول: إن الساحر لا يقتل حداً، إذا كان له عهد، قال ابن بطال: لا يقتل ساحر أهل الكتاب عند مالك والزهري، إلا أن يقتل بسحره، فيقتل، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، وعن مالك: إن أدخل بسحره ضرراً على مسلم لم يعاهد عليه، نقض العهد بذلك، فيحل
стр. 4871
قتله، وإنما لم يقتل النبي ﷺ لبيد بن الأعصم، لأنه كان لا ينتقم لنفسه، ولأنه خشي إذا قتله أن تثور بذلك فتنة بين المسلمين وبين حلفائه من الأنصار، وهو من نمط ما راعاه من ترك قتل المنافقين، سواء كان لبيد يهودياً أو منافقاً على ما مضى من الاختلاف فيه، قال ابن بطال: وعند مالك أن حكم الساحر -أي المسلم- حكم الزنديق، أي فهو بسحره كافر، فلا تقبل توبته، ويقتل حداً، إذا ثبت عليه ذلك -أي بالإقرار أو بالبينة- وبه قال أحمد، وقال الشافعي: لا يقتل إلا إن اعترف أنه قتل بسحره، فيقتل به، فإن اعترف أن سحره قد يقتل، وقد لا يقتل، وأنه سحره، وأنه مات، لم يجب عليه القصاص، ووجبت الدية في ماله، لا على عاقلته، ولا يتصور القتل بالسحر بالبينة، وادعى أبو بكر الرازي في "الأحكام" أن الشافعي تفرد بقوله: إن الساحر يقتل قصاصاً إذا اعترف أنه قتله بسحره. والله أعلم.
٩ - وقد ترجم البخاري لهذا الحديث بباب: هل يعفى عن الذمي إذا سحر؟ وقد احتج الزهري بهذا الحديث على أنه يعفى عنه، وقال ابن بطال: لا حجة للزهري فيه، فإن الرسول ﷺ لم يكن ينتقم لنفسه، ولأن السحر لم يضره في شيء من أمور الوحي ولا في بدنه، وإنما كان اعتراه شيء من التخيل.
والله أعلم
стр. 4872
(٥٩٤) باب السم
٤٩٧٩ - عن أنس ﵁؛ أن امرأة يهودية أتت رسول الله ﷺ بشاة مسمومة، فأكل منها. فجيء بها إلى رسول الله ﷺ ، فسألها عن ذلك. فقالت: أردت لأقتلك. قال: "ما كان الله ليسلطك على ذاك" قال: أو قال: "علي" قال: قالوا: ألا نقتلها؟ قال: "لا" قال: فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله ﷺ .
٤٩٨٠ - عن أنس بن مالك؛ أن يهودية جعلت سماً في لحم، ثم أتت به رسول الله ﷺ . بنحو حديث خالد.
-[المعنى العام]-
في المحرم سنة سبع من الهجرة خرج النبي ﷺ إلى خيبر، لغزوها، فأقام يحاصرها بضع عشرة ليلة، إلى أن فتحها في صفر، بعد قتال شديد في شوارعها وبيوتها، قتل فيه كثير من اليهود، ولما استسلموا أعطاهم النبي ﷺ أرض خيبر، أن يعملوا فيها ويزرعوها، ولهم شطر ما يخرج منها، وبينما كان رسول الله ﷺ والمسلمون يجمعون أمورهم للعودة إلى المدينة، وهم مازالوا في منازل جيوشهم إذ أرسلت امرأة يهودية إلى رسول الله ﷺ بشاة مشوية، دست فيها سماً قاتلاً، وزادت من كمية السم في الكتف والذراع، بعد أن علمت أن النبي ﷺ يحب الكتف والذراع، ووضعت المائدة بالشاة بين يدي رسول الله ﷺ ومن قرب منه من صحابته، وما كانوا يمدون أيديهم إلى طعام قبل أن يمد يده إليه ﷺ ، فأمسك ﷺ بالذراع، ونهش منها نهشة بأسنانه، ونهش بشر بن البراء نهشة من قطعة لحم، وأسرع في مضغها وبلعها، لكن الرسول ﷺ بعد أن مضغها مضغة وقبل ابتلاعها نطقت الذراع في يده، تقول: أنا مسمومة فألقى ما في فمه، فقال لأصحابه: أمسكوا. لا تأكلوا. الشاة مسمومة لكن بشر بن البراء كان قد ابتلع القطعة فاصفر لونه في الحال، فحاولوا إنقاذه وإسعافه.
وجمع الرسول ﷺ اليهود، فقال لهم: إني سائلكم عن شيء، فهل أنتم صادقون عنه؟ قالوا: نعم يا أبا القاسم. فقال: هل جعلتم في هذه الشاة سماً؟ فقالوا: نعم. فقال: ما حملكم على ذلك؟ فقالوا أردنا إن كنت كاذباً نستريح منك، وإن كنت نبياً لم يضرك، قال: من التي باشرت وضع السم؟ قالوا:
стр. 4873
زينب بنت الحارث، فجيء بها، فقيل لها: لم فعلت ما فعلت؟ قالت: أردت أن أقتلك، قتلت أبي وعمي وزوجي وأخي، ونلت من قومي ما نلت، قال: إن الله تعالى لم يكن ليمكنك من قتلي. قالت: قلت: إن كان نبياً فسيخبره الذراع، وإن كان ملكاً استرحنا منه، وقد استبان لي الآن أنك صادق، وأنا أشهد: وأشهد الحاضرين أني على دينك. أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. قال الصحابة: اقتلها يا رسول الله. قال: لا. ما قتلت، وأسلمت، وأنا لا أنتقم لنفسي، وكوى رسول الله ﷺ نفسه، على عرق يعرف العرب أنه يقي من السم يعرف بالأبهر، ليبطل مفعول ما عساه دخل إلى الجسم بواسطة اللعاب، وجاءه الخبر أن بشر بن البراء مات من السم، فسلم رسول الله ﷺ المرأة إلى أولياء بشر، ليقتلوها قصاصاً فقتلوها، وظل ﷺ بعد هذه الحادثة ثلاث سنين، كلما جاء موعدها من كل سنة، وجد ألماً حتى كان مرض موته ﷺ ، فأحس الألم، واستمر معه حتى مات ﷺ .
-[المباحث العربية]-
(أن امرأة يهودية) واسمها زينب بنت الحارث، وزوجها سلام بن مشكم، وعمها يسار، وأخوها زبير. قتلوا جميعاً في غزوة خيبر.
(أتت رسول الله ﷺ بشاة مسمومة) ظاهره أنها هي التي قدمت الشاة بنفسها إلى رسول الله ﷺ ، ولكن الروايات الأخرى تفيد أنها المهدية الفاعلة المرسلة، فعند ابن إسحاق "لما اطمأن النبي ﷺ ، بعد فتح خيبر، أهدت له زينب بنت الحارث، امرأة سلام بن مشكم شاة مشوية، وكانت سألت: أي عضو من الشاة أحب إليه؟ قيل لها: الكتف والذراع، فأكثرت فيهما من السم" وعند البخاري "لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله ﷺ شاة فيها سم".
وفي رواية للبخاري "أن رسول الله ﷺ جمع ما بقي في خيبر من يهود، فقال لهم: إني سائلكم عن شيء، فهل أنتم صادقوني عنه؟ فقالوا: نعم يا أبا القاسم، فقال هل جعلتم في هذه الشاة سماً؟ فقالوا: نعم. فقال: ما حملكم على ذلك؟ فقالوا: أردنا إن كنت كاذباً نستريح منك، وإن كنت نبياً لم يضرك" فقد نسب إليهم وضع السم في الشاة لرضاهم به، والأمر به وطلبه، والفاعلة المرأة، كما نسب إليها الإتيان بالشاة، مع أن الآتي بها غيرها، ففي الكلام مجاز مرسل، والسم بفتح السين وضمها وكسرها، مثلثة السين، قال النووي: والفتح أشهر.
(فأكل منها) في رواية "فتناول رسول الله ﷺ الكتف، فنهش منها، فلما ازدرد لقمته قال: إن الشاة تخبرني" يعني أنها مسمومة، وعند ابن إسحاق "فلما تناول الذراع لاك منها مضغة، ولم يسغها، وأكل معه بشر بن البراء بن معرور، فأساغ لقمته" وعند البيهقي "فقال لأصحابه: أمسكوا، فإنها مسمومة".
(فجيء بها إلى رسول الله ﷺ معطوف على محذوف، أي فسأل عن الطاهية الفاعلة الحقيقية، فأخبر أنها امرأة، واسمها كذا، فطلب حضورها، فجيء بها إليه.
стр. 4874
(فسألها عن ذلك) الفعل، وعن الدافع له، وفي رواية ابن إسحاق "وقال لها: ما حملك على ذلك؟ " وعند الواقدي "قال لها: من حملك على ما فعلت"؟ .
(فقالت: أردت لأقتلك) وعند ابن سعد عن الواقدي "قالت: قتلت أبي وزوجي وعمي وأخي، ونلت من قومي ما نلت، فقلت: إن كان نبياً فسيخبره الذراع، وإن كان ملكاً استرحنا منه" وفي رواية "فقالت: أردت أن أعلم. إن كنت نبياً فسيطلعك الله عليه، وإن كنت كاذباً فأريح الناس منك" زاد في رواية "وقد استبان لي الآن أنك صادق، وأنا أشهدك ومن حضر أني على دينك، وأن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، قال: فانصرف عنها حين أسلمت".
(قال: ما كان الله ليسلطك على ذاك) أي على قتلي. وفي رواية "ما كان الله ليسلطك علي" أي على قتلي.
(قالوا: ألا نقتلها)؟ قال الصحابة: ألا نقتلها عقاباً لها على جريمتها؟ قال النووي "نقتلها" بالنون في أكثر النسخ وفي بعضها بالتاء.
(قال: لا) أي لا تقتلوها، فإنها لم تقتل، وأنا لا أنتقم لنفسي، فلما مات بشر بن البراء بسمها، وعلم رسول الله ﷺ بذلك دفعها لأوليائه، فقتلوها قصاصاً.
(فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله ﷺ يقول أنس: فما زلت أعرف وأرى أثر المضغة المسمومة في سقف حلق رسول الله ﷺ إلى أن مات، كأنه بقي للسم علامة وأثر في حلقه ﷺ من سواد أو نتوء أو حفر أو نحو ذلك، ويحتمل أنه أراد أنه يعرف أثرها في مرضه الذي كان يعتريه كل عام، فعزوه إليها، فيكون موافقاً لقوله في حديث عائشة "ما أزال أجد ألم الطعام" وفي رواية "مازلت أجد من الأكلة التي أكلت بخيبر عداداً -بكسر العين وتخفيف الدال، وهو ما يعتاد، أي مازلت أجد ألماً اعتاد الظهور كل سنة في نفس الموعد- حتى كان هذا أوان انقطاع أبهري" قال العلماء: الأبهر، بسكون الباء وفتح الهاء، عرق مستبطن بالظهر، وكان ﷺ قد كوي على هذا العرق للوقاية من أثر السم، وفي رواية للبخاري "كان النبي ﷺ يقول في مرضه الذي مات فيه: يا عائشة، ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر -أي أحس في جوفي ألماً بسبب الطعام الذي أكلته بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم" أي فهذا أوان إحساسي بألم الكي على أبهري، وقد عاش ﷺ بعد حادثة السم ثلاث سنين.
واللهوات بفتح الهاء جمع لهاة، وهي سقف الفم، أو اللحمة المشرفة على الحلق، وقيل: هي أقصى الحلق، وقيل: ما يبدو من الفم عند التبسم.
-[فقه الحديث]-
-[يؤخذ من الحديث]-
١ - إخباره ﷺ عن الغبب.
стр. 4875
٢ - وتكليم الجماد له، أخذاً من رواية أن الشاة أخبرته.
٣ - ومن قوله "ما كان الله ليسلطك علي" بيان عصمته ﷺ من الناس كلهم، كما قال الله تعالى ﴿والله يعصمك من الناس﴾ [المائدة: ٦٧] والمراد العصمة من الهلاك، لا من بعض الإصابات.
٤ - وقبول هدية أهل الكتاب.
٥ - والأكل من طعام أهل الكتاب.
٦ - ومعاندة اليهود وغدرهم.
٧ - وفيه قتل من قتل بالسم قصاصاً، أي إن ثبت أنه ﷺ قتل اليهودية ببشر بن البراء، وعن الحنفية: إنما تجب فيه الدية، قال الحافظ ابن حجر: ومحل ذلك إذا استكرهه عليه إنفاقاً، وأما إذا دس عليه ففيه اختلاف للعلماء.
وروايتنا صريحة في أنه ﷺ لم يقتلها، وعن جابر في رواية أنه قتلها، وفي رواية ابن عباس أنه ﷺ رفعها إلى أولياء بشر بن البراء فقتلوها، وقال ابن سحنون: أجمع أهل الحديث أن رسول الله ﷺ قتلها. قال القاضي عياض: وجه الجمع بين هذه الروايات والأقاويل أنه لم يقتلها أولاً، حين اطلع على سمها وقيل له: اقتلها، فقال: لا. فلما مات بشر بن البراء، سلمها لأوليائه، فقتلوها قصاصاً، فيصبح قولهم: لم يقتلها، أي في الحال، ويصح قولهم: قتلها، أي بعد ذلك.
والله أعلم
стр. 4876
(٥٩٥) باب عود إلى الرقى
٤٩٨١ - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اشتكى منا إنسان مسحه بيمينه ثم قال: "أذهب الباس رب الناس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً". فلما مرض رسول الله ﷺ وثقل، أخذت بيده لأصنع به نحو ما كان يصنع، فانتزع يده من يدي ثم قال: "اللهم اغفر لي، واجعلني مع الرفيق الأعلى" قالت: فذهبت أنظر فإذا هو قد قضى.
٤٩٨٢ - عن الأعمش بإسناد جرير في حديث هشيم وشعبة. مسحه بيده. قال وفي حديث الثوري: مسحه بيمينه. وقال: في عقب حديث يحيى عن سفيان عن الأعمش قال: فحدثت به منصوراً فحدثني عن إبراهيم عن مسروق عن عائشة بنحوه.
٤٩٨٣ - عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان إذا عاد مريضاً يقول: "أذهب الباس رب الناس، اشفه أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقماً".
٤٩٨٤ - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أتى المريض يدعو له قال: أذهب الباس رب الناس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً" وفي رواية أبي بكر فدعا له وقال: "وأنت الشافي".
٤٩٨٥ - عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يرقي بهذه الرقية: "أذهب الباس رب الناس، بيدك الشفاء، لا كاشف له إلا أنت".
стр. 4877
٤٩٨٦ - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوذات، فلما مرض مرضه الذي مات فيه، جعلت أنفث عليه وأمسحه بيد نفسه؛ لأنها كانت أعظم بركة من يدي. وفي رواية يحيى بن أيوب: بمعوذات.
٤٩٨٧ - عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح عنه بيده رجاء بركتها.
٤٩٨٨ - وفي رواية عن ابن شهاب بإسناد مالك نحو حديثه وليس في حديث أحد منهم: رجاء بركتها. إلا في حديث مالك وفي حديث يونس وزياد: أن النبي ﷺ كان إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوذات ومسح عنه بيده.
٤٩٨٩ - عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه قال: سألت عائشة عن الرقية. فقالت: رخص رسول الله ﷺ لأهل بيت من الأنصار في الرقية من كل ذي حمة.
٤٩٩٠ - عن عائشة ﵂ قالت: رخص رسول الله ﷺ لأهل بيت من الأنصار في الرقية من الحمة.
٤٩٩١ - عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان إذا اشتكى الإنسان الشيء منه أو كانت به قرحة أو جرح، قال النبي ﷺ بإصبعه هكذا -ووضع سفيان سبابته بالأرض ثم رفعها - "باسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا ليشفى به سقيمنا بإذن ربنا" قال ابن أبي شيبة: يشفى. وقال زهير: ليشفى سقيمنا.
٤٩٩٢ - عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يأمرها أن تسترقي من العين.
стр. 4878
٤٩٩٣ - عن عائشة ﵂ قالت كان رسول الله ﷺ يأمرني أن أسترقي من العين.
٤٩٩٤ - عن أنس بن مالك ﵁ في الرقى، قال: رخص في الحمة والنملة والعين.
٤٩٩٥ - عن أنس ﵁ قال: رخص رسول الله ﷺ في الرقية من العين والحمة والنملة. وفي حديث سفيان يوسف بن عبد الله بن الحارث.
٤٩٩٦ - عن أم سلمة زوج النبي ﷺ ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال لجارية في بيت أم سلمة زوج النبي ﷺ ، رأى بوجهها سفعة فقال: "بها نظرة فاسترقوا لها" يعني بوجهها صفرة.
٤٩٩٧ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: رخص النبي ﷺ لآل حزم في رقية الحية. وقال لأسماء بنت عميس: "ما لي أرى أجسام بني أخي ضارعة تصيبهم الحاجة؟ " قالت: لا، ولكن العين تسرع إليهم. قال: "ارقيهم" قالت: فعرضت عليه. فقال: "ارقيهم".
٤٩٩٨ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: أرخص النبي ﷺ في رقية الحية لبني عمرو. قال أبو الزبير وسمعت جابر بن عبد الله يقول: لدغت رجلاً منا عقرب ونحن جلوس مع رسول الله ﷺ . فقال رجل: يا رسول الله، أرقي؟ قال: "من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل".
٤٩٩٩ - وفي رواية عن ابن جريج بهذا الإسناد مثله؛ غير أنه قال: فقال رجل من القوم: أرقيه يا رسول الله؟ ولم يقل: أرقي.
стр. 4879
٥٠٠٠ - عن جابر ﵁ قال: كان لي خال يرقي من العقرب. فنهى رسول الله ﷺ عن الرقى. قال: فأتاه فقال: يا رسول الله، إنك نهيت عن الرقى، وأنا أرقي من العقرب. فقال: "من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل".
٥٠٠١ - عن جابر ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الرقى. فجاء آل عمرو بن حزم إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، إنه كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب، وإنك نهيت عن الرقى. قال: فعرضوها عليه. فقال: "ما أرى بأساً من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه".
٥٠٠٢ - عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال: كنا نرقي في الجاهلية فقلنا: يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟ فقال: "اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك".
٥٠٠٣ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ وفي رواية أن ناساً من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا في سفر، فمروا بحي من أحياء العرب، فاستضافوهم، فلم يضيفوهم. فقالوا: لهم هل فيكم راق؟ فإن سيد الحي لديغ أو مصاب. فقال رجل منهم: نعم: فأتاه فرقاه بفاتحة الكتاب، فبرأ الرجل. فأعطي قطيعاً من غنم، فأبى أن يقبلها، وقال: حتى أذكر ذلك للنبي ﷺ . فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له. فقال: يا رسول الله، والله ما رقيت إلا بفاتحة الكتاب. فتبسم وقال: "وما أدراك أنها رقية؟ ثم قال: "خذوا منهم واضربوا لي بسهم معكم".
٥٠٠٤ - وفي رواية عن أبي بشر بهذا الإسناد، وقال في الحديث: فجعل يقرأ أم القرآن، ويجمع بزاقه ويتفل، فبرأ الرجل.
٥٠٠٥ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: نزلنا منزلاً، فأتتنا امرأة فقالت: إن سيد
стр. 4880
الحي سليم لدغ، فهل فيكم من راق؟ فقام معها رجل منا، ما كنا نظنه يحسن رقية، فرقاه بفاتحة الكتاب، فبرأ فأعطوه غنماً وسقونا لبناً. فقلنا: أكنت تحسن رقية؟ فقال: ما رقيته إلا بفاتحة الكتاب. قال: فقلت: لا تحركوها حتى نأتي النبي ﷺ . فأتينا النبي ﷺ فذكرنا ذلك له. فقال: ما كان يدريه أنها رقية؟ اقسموا واضربوا لي بسهم معكم".
٥٠٠٦ - وفي رواية عن هشام بهذا الإسناد نحوه، غير أنه قال: فقام معها رجل منا، ما كنا نأبنه برقية.
٥٠٠٧ - عن عثمان بن أبي العاص الثقفي ﵁ أنه شكا إلى رسول الله ﷺ وجعاً يجده في جسده منذ أسلم، فقال له رسول الله ﷺ : "ضع يدك على الذي تألم من جسدك وقل باسم الله ثلاثاً وقل سبع مرات أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر".
٥٠٠٨ - عن أبي العلاء؛ أن عثمان بن أبي العاص ﵁ أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي، يلبسها علي. فقال رسول الله ﷺ : "ذاك شيطان يقال له خنزب، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل على يسارك ثلاثاً" قال: ففعلت ذلك، فأذهبه الله عني.
٥٠٠٩ - وفي رواية عن عثمان بن أبي العاص ﵁، أنه أتى النبي ﷺ . فذكر بمثله ولم يذكر في حديث سالم بن نوح: ثلاثاً.
-[المعنى العام]-
سبق بما فيه الكفاية في باب العين والحسد والرقى.
стр. 4881
-[المباحث العربية]-
(إذا اشتكى منا إنسان) أي إذا مرض منا نحن آل البيت رجل أو امرأة، وتألم من مرضه، ففي الرواية الخامسة "إذا مرض أحد من أهله" ويحتمل أن يراد إذا مرض منا معشر المسلمين، ففي الرواية الثانية "إذا عاد مريضاً" وفي الرواية الثالثة "إذا أتى المريض" وفي الرواية التاسعة "كان إذا اشتكى الإنسان الشيء -منه- أو كانت به قرحة أو جرح".
(مسحه بيمينه) أي مسح رسول الله ﷺ بيمينه المريض في مكان وجعه غالباً، وفي ملحق الرواية "مسحه بيده" أي اليمنى، وفي الرواية التاسعة "قال بإصبعه هكذا، أي وضع سبابته على الأرض، ثم رفعها، ثم وضعها على مكان المرض، ولا تعارض، فأحياناً يفعل هذا، وأحياناً يفعل ذاك.
(ثم قال: أذهب الباس) أصله البأس، وهو الشدة، خففت الهمزة للسجع وللمؤاخاة للناس.
وفي رواية للبخاري "اللهم رب الناس، مذهب الباس".
(واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً) أي شفاء كاملاً، لا يترك مرضاً، والسقم بفتح السين والقاف، وبضم السين وسكون القاف، لغتان، و"أنت الشافي" قصر، طريقه تعريف الطرفين، أي أنت لا غيرك الشافي، فقوله "لا شفاء إلا شفاؤك" تأكيد لمضمون القصر.
وفي الرواية الثانية "اشفه" والهاء للعليل، أو هي هاء السكت، وفي الرواية الرابعة "بيدك الشفاء، لا كاشف له إلا أنت" أي لا مظهر للشفاء إلا أنت.
(فلما مرض رسول الله ﷺ ، وثقل) أي مرضه الأخير، وثقل جسمه، فضعفت حركته، وفي الرواية الخامسة "فلما مرض مرضه الذي مات فيه".
(أخذت بيده، لأصنع به نحو ما كان يصنع، فانتزع يده من يدي) كان هذا في آخر لحظات حياته ﷺ ، كما صرحت به، بقولها "فذهبت أنظر" -أي إليه- "فإذا هو قد قضى" بفتح القاف والضاد، يقال: قضى المريض أجله وقضى نحبه، أي بلغ الأجل الذي حدد له، وقضى المريض، أي مات، وفي الرواية الخامسة والسادسة لم ينزع ﷺ يده من يدها، ولا منافاة، فقد كان هذا في أول المرض، وذاك في آخره.
(نفث عليه بالمعوذات) أي نفث على المريض، وفي الرواية "جعلت أنفث عليه" وفي الرواية السادسة "يقرأ على نفسه بالمعوذات، وينفث" وفي ملحقها "نفث على نفسه بالمعوذات، ومسح عنه بيده".
وفي رواية للبخاري عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة "كان ينفث على نفسه في المرض الذي مات فيه بالمعوذات، فلما ثقل، كنت أنفث عليه بهن، وأمسح بيد نفسه لبركتها" قال عروة: فسألت الزهري، كيف ينفث؟ قال: كان ينفث في يديه، ثم يمسح بهما وجهه.
والمعوذات بكسر الواو المشددة: قيل: هي سورة الإخلاص والفلق والناس، والمراد الفلق والناس
стр. 4882
فيكون من قبيل التغليب، وقيل: المعوذات الفلق والناس وكل ما ورد فيه التعويذ في القرآن الكريم، كقوله تعالى ﴿وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين﴾ [المؤمنون: ٩٧] و ﴿فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ [النحل: ٩٨] وغير ذلك، وفي ملحق الرواية العشرين "ويجمع بزاقة ويتفل" قال النووي: النفث بفتح النون وسكون الفاء نفخ لطيف بلا ريق، وقيل: إن النفث معه ريق، قال القاضي: وقد اختلف في النفث والتفل، فقيل: هما بمعنى، ولا يكونان إلا بريق، قال أبو عبيد: يشترط في التفل ريق يسير، ولا يكون في النفث، قال: وسئلت عائشة عن نفث النبي ﷺ في الرقية؟ فقالت: كما ينفث آكل الزبيب، لا ريق معه.
(رخص لأهل بيت من الأنصار في الرقية من كل ذي حمة) بضم الحاء وفتح الميم مخففة، وهي السم، وفي الرواية الثامنة "في الرقية من الحمة" وفي الرواية الثانية عشرة "رخص في الحمة والنملة والعين" وفي الرواية الثالثة عشرة "رخص النبي ﷺ في الرقية من العين والحمة والنملة" والنملة بفتح النون وسكون الميم قروح تخرج من الجنب وغيره من الجسد، والمراد بهذا البيت من الأنصار ما جاء في الرواية الخامسة عشرة والسادسة عشرة والسابعة عشرة والثامنة عشرة، ببيت بني عمرو، أو آل عمرو بن حزم، آل خال جابر.
(باسم الله) أي أرقي، أو أدعو بالشفاء.
(تربة أرضنا) خبر مبتدأ محذوف، أي هذه تربة أرضنا، والمراد بأرضنا جملة الأرض، وقيل: أرض المدينة خاصة، لبركتها، قال النووي: معنى الحديث أنه أخذ من ريق نفسه على إصبعه السبابة، ثم وضعها على التراب، فعلق به شيء منها ثم مسح به الموضع العليل أو الجرح، قائلاً الكلام المذكور في حالة المسح.
(بريقة بعضنا، ليشفى به سقيمنا) الريقة أقل من الريق، والجار والمجرور متعلق بمحذوف، أي نتبرك بريقة بعضنا، ليشفى بهذا الريق مريضنا، وليشفى بضم الياء، مبني للمجهول، وفي ملحق الرواية "يشفى" بدون اللام، فالجار والمجرور يتعلق به.
(رأى بوجهها سفعة) بفتح السين وسكون الفاء وفتح العين، وفسرها الراوي في الحديث بالصفرة، وقيل: سواد، وقال ابن قتيبة: هي لون يخالف لون الوجه.
(بها نظرة) المراد بالنظرة العين، أي بها إصابة عين.
(ما لي أرى أجسام بني أخي ضارعة؟ ) أي نحيفة؟ والمراد أولاد جعفر بن أبي طالب، فأطلق على ابن عمه أخاه، وكان أكبر من علي ﵄ بعشر سنين، وكان أشبه الناس برسول الله ﷺ خلقاً وخلقاً، وكان ﷺ يحبه، حتى عدل قدومه من الحبشة بفتح خيبر، فقال ﷺ "ما أدري بأيهما أنا أشد فرحاً؟ بقدوم جعفر؟ أم بفتح خيبر؟ " وكان قدوم جعفر وأصحابه من أرض الحبشة في السنة السابعة من الهجرة عند فتح خيبر. قاد جيوش المسلمين في غزوة مؤتة، فاستشهد بها، ووجد في جسده نحو تسعين جراحة، ما بين ضربة بالسيف، وطعنة بالرمح، نعاه جبريل إلى النبي ﷺ قبل أن تأتيه أخبار المعركة، ونعاه صلى الله عليه
стр. 4883
وسلم إلى زوجه أسماء بنت عميس، وبكى عليه آل البيت بكاء لا مثيل له، ولما أراد بعض الصحابة أن يوقف بكاء النساء قال له ﷺ : دعهن. على مثل جعفر تبكي البواكي، وكان ﷺ يزور أولاده ويتعهدهم.
(تصيبهم الحاجة)؟ الكلام على الاستفهام، أي هل ضعفهم ونحافتهم بسبب الضيق والحاجة والشدة؟
(قالت: فعرضت عليه) ألفاظ رقيتي.
(فقال: ارقيهم) بها.
(فقال رجل: يا رسول الله، أرقي) هذا الملدوغ من العقرب؟ وفي ملحق الرواية "فقال رجل من القوم: أرقيه يا رسول الله؟ " وهذا الرجل خال جابر، ففي الرواية السابعة عشرة "عن جابر قال: كان لي خال، يرقي من العقرب، فنهى رسول الله ﷺ عن الرقى" أي وكان رسول الله ﷺ قد نهى عن الرقى، فلدغت رجلاً منا عقرب ونحن جلوس مع رسول الله ﷺ ، فاستدعى القوم خالي قال: فأتاه، فقال: لرسول الله: إنك نهيت عن الرقى، وأنا أرقي من العقرب"؟ وفي الرواية الثامنة عشرة "قال: يا رسول الله، إنه كانت عندنا رقية، نرقي بها من العقرب؟ وإنك نهيت عن الرقى؟ قال" -اعرضوها علي- "فعرضوها عليه، فقال: ما أرى بأساً بها"، وفي الرواية التاسعة عشرة "اعرضوا على رقاكم" فعرضوها "فقال: لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه" أي في لفظها "شرك".
(فقال: من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه) المراد من الأخ الأخوة في الإسلام، والمنتفع به محذوف، أي من استطاع أن ينفع بأي نفع مشروع فلينفع.
(أن ناساً من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا في سفر) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسم أحد منهم سوى أبي سعيد، وليس في سياق هذه الطريق ما يشعر بأن السفر كان في جهاد، لكن في رواية الأعمش "أن النبي ﷺ بعثهم" وفي رواية سليمان بن قتة عند أحمد "بعثنا رسول الله ﷺ بعثاً" زاد الدارقطني فيه "بعث سرية عليها أبو سعيد" قال الحافظ: ولم أقف على تعيين هذه السرية في شيء من كتب المغازي، بل لم يتعرض لذكرها أحد منهم. اهـ وفي رواية للبخاري "انطلق نفر" وفي رواية "بعثنا رسول الله ﷺ ثلاثين رجلاً، فنزلنا بقوم ليلاً، فسألناهم القرى".
(فاستضافوهم، فلم يضيفوهم) بضم الياء، أي طلبوا منهم الضيافة والقرى، أو أن ينزلوا عندهم ضيوفاً، فلم يقدموا لهم طعاماً ولا شراباً، ولم يقبلوا نزولهم، بل رفضوا لفظاً وصراحة، ففي رواية البخاري "فأبوا أن يضيفوهم" يقال: ضاف فلاناً، يضيفه، إذا أنزله عنده ضيفاً، وأضاف فلاناً، أي أنزله ضيفاً عنده، واستضافه، أي سأله الضيافة.
(فقالوا لهم: هل فيكم راق؟ فإن سيد الحي لديغ أو مصاب فقال رجل منهم: نعم.) "فقالوا" معطوف على محذوف، وفي الكلام طي، ففي الرواية الواحدة والعشرين "نزلنا منزلاً" أي لم يضيفونا، فنزلنا في الخلاء "فأتتنا امرأة، فقالت: إن سيد الحي سليم لدغ، فهل فيكم من راق"؟ .
وعند البخاري "فأبوا أن يضيفوهم، فلدغ سيد ذلك الحي، فسعوا له بكل شيء، لا ينفعه
стр. 4884
شيء" أي حاولوا علاجه بما جرت به عادتهم في علاج العقرب، فلم ينفعه علاجهم، وفي رواية "فشفوا" أي طلبوا له الشفاء، فلم يجدوا "فقال بعضهم: لو أتيتم هذا الرهط، الذين نزلوا، لعله أن يكون عند بعضهم شيء؟ فأتوهم، فقالوا: يا أيها الرهط، إن سيدنا لدغ، وسعينا له بكل شيء، لا ينفعه، فهل عند أحد منكم شيء" أي ينفعنا؟ وكان فيمن أتى جارية، وهي التي تكلمت "فقال بعضهم: نعم. والله إني لأرقي، ولكن والله لقد استضفناكم، فلم تضيفونا، فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلاً، فصالحوهم على قطيع من الغنم" والقطيع الطائفة من الغنم وسائر النعم والغالب استعماله فيما بين العشرة والأربعين.
وفي بعض الروايات "إنا نعطيكم ثلاثين شاة" و"لديغ" فعيل بمعنى مفعول، واللدغ بالدال اللسع لفظاً ومعنى، قال الحافظ ابن حجر: واستعمال اللدغ في ضرب العقرب، مجاز، والأصل أنه الذي يضرب بفمه، أما الذي يضرب بمؤخره، فضربه اللسع، وقد يستعمل هذا مكان هذا تجوزاً، وفي الرواية الواحدة والعشرين "فإن سيد الحي سليم لدغ" والسليم هو اللديغ، سمي بذلك تفاؤلاً، من السلامة، وقيل: سليم بمعنى مستسلم لما به من الآلام.
(فقال رجل منهم: نعم. فأتاه) في الرواية الواحدة والعشرين "فقام معها رجل منا، ما كنا نظنه يحسن رقية" وفي رواية أن الذي قال ذلك هو أبو سعيد، راوي الحديث، ولفظه "قلت: نعم. أنا، ولكن لا أرقيه حتى تعطونا غنماً" قال الحافظ ابن حجر: وقد استشكل كون الراقي هو أبو سعيد، مع رواية "فقام معها رجل ما كنا نظنه يحسن رقية" وفيه "فلما رجع قلنا: أكنت تحسن رقية؟ " ففي ذلك إشعار بأنه غيره، والجواب أنه لا مانع من أن يكني الرجل عن نفسه، فلعل أبا سعيد صرح تارة، وكنى أخرى، قال: وأما حمل بعض الشارحين ذلك على تعدد القصة، وأن أبا سعيد روى قصتين، كان في إحداهما راقياً، وفي الأخرى كان الراقي غيره، فبعيد جداً، ولا سيما مع اتحاد المخرج والسياق والسبب، والأصل عدم التعدد، ولا حامل عليه، فإن الجمع بين الروايتين ممكن بدونه. اهـ
أقول: قول أبي سعيد: "فقام معها رجل" كثير في اللغة، فقد يجرد المتكلم من نفسه شخصاً يتحدث عنه، وأما قوله "ما كنا نظنه يحسن الرقية" ليس مستبعداً من القوم، ولا من أبي سعيد نفسه، فهو في نفسه يعتقد أنه لا يحسن رقية، وإنما ذهب معها محاولاً قراءة قرآن، واختار الفاتحة، وهو لا يدري أنها رقية، يؤكد ذلك قوله ﷺ : ما أدراك أنها رقية"؟ "ما كان يدريه أنها رقية"؟ وقول أبي سعيد نفسه، حيثما قيل له: أكنت تحسن رقية؟ قال: ما رقيته إلا بفاتحة الكتاب" أي وما كنت أظن أنها رقية، وما كنت أحسن رقية، وفي ملحق الرواية الواحدة والعشرين "ما كنا نأبنه برقية" "نأبنه" بكسر الباء وضمها، أي نظنه متلبساً برقية.
(إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي، وقراءتي يلبسها علي) أي حال بيني وبين التلذذ بالمناجاة في صلاتي، فشغلني عن الخشوع والاستغراق فيه، بالتفكير في أمور الدنيا، ويحتمل أن المراد حال بيني وبين إدراكها، فشككني في عدد ركعاتها، وفي قراءتي فيها، وخلطها علي، فلا أدري كم صليت؟ ولا كيف قرأت الفاتحة وغيرها، كل ذلك بالوسوسة.
(ذاك شيطان يقال له: خنزب) قال النووي: بكسر الخاء وسكون النون وكسر الزاي وفتحها،
стр. 4885
ويقال: أيضاً: بفتح الخاء والزاي، وبضم الخاء وفتح الزاي، اهـ والظاهر أن هذا الاسم خاص بعثمان، ويحتمل أنه المتخصص في هذه المهمة لعامة المصلين. علم اسم هذا ﷺ بطريق الوحي. والله أعلم.
-[فقه الحديث]-
سبق بما فيه الكفاية في باب العين والحسد والرقى.
стр. 4886
(٥٩٦) باب لكل داء دواء واستحباب التداوي
٥٠١٠ - عن جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله ".
٥٠١١ - عن جابر بن عبد الله ﵄ عاد المقنع ثم قال: لا أبرح حتى تحتجم فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن فيه شفاء".
٥٠١٢ - عن عاصم بن عمر بن قتادة قال: جاءنا جابر بن عبد الله في أهلنا ورجل يشتكي خراجاً به أو جراحاً، فقال: ما تشتكي؟ قال: خراج بي قد شق علي. فقال: يا غلام، ائتني بحجام. فقال له: ما تصنع بالحجام يا أبا عبد الله؟ قال: أريد أن أعلق فيه محجماً. قال: والله إن الذباب ليصيبني أو يصيبني الثوب فيؤذيني ويشق علي. فلما رأى تبرمه من ذلك، قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن كان في شيء من أدويتكم خير ففي شرطة محجم أو شربة من عسل أو لذعة بنار" قال رسول الله ﷺ "وما أحب أن أكتوي". قال فجاء بحجام فشرطه فذهب عنه ما يجد.
٥٠١٣ - عن جابر ﵁ أن أم سلمة استأذنت رسول الله ﷺ في الحجامة، فأمر النبي ﷺ أبا طيبة أن يحجمها. قال: حسبت أنه قال: كان أخاها من الرضاعة أو غلاماً لم يحتلم.
٥٠١٤ - عن جابر ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ إلى أبي بن كعب طبيباً، فقطع منه عرقاً ثم كواه عليه.
٥٠١٥ - وفي رواية عن الأعمش بهذا الإسناد، ولم يذكرا فقطع منه عرقا.
стр. 4887
٥٠١٦ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: رمي أبي يوم الأحزاب على أكحله، فكواه رسول الله ﷺ .
٥٠١٧ - عن جابر ﵁ قال: رمي سعد بن معاذ في أكحله. قال: فحسمه النبي ﷺ بيده بمشقص ثم ورمت فحسمه الثانية.
٥٠١٨ - عن ابن عباس ﵄؛ أن النبي ﷺ احتجم وأعطى الحجام أجره واستعط.
٥٠١٩ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: احتجم رسول الله ﷺ وكان لا يظلم أحداً أجره.
٥٠٢٠ - عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "الحمى من فيح جهنم فابردوها بالماء".
٥٠٢١ - وعن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: "إن شدة الحمى من فيح جهنم فابردوها بالماء".
٥٠٢٢ - عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "الحمى من فيح جهنم فأطفئوها بالماء".
стр. 4888
٥٠٢٣ - عن ابن عمر ﵄؛ أن رسول الله ﷺ قال: "الحمى من فيح جهنم فأطفئوها بالماء".
٥٠٢٤ - عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: "الحمى من فيح جهنم فابردوها بالماء" وحدثنا إسحق بن إبراهيم أخبرنا خالد بن الحارث وعبدة بن سليمان جميعاً عن هشام بهذا الإسناد مثله.
٥٠٢٥ - عن أسماء ﵂ أنها كانت تؤتى بالمرأة الموعوكة، فتدعو بالماء فتصبه في جيبها، وتقول إن رسول الله ﷺ قال: "ابردوها بالماء" وقال: "إنها من فيح جهنم".
٥٠٢٦ - وفي رواية ابن نمير: صبت الماء بينها وبين جيبها. ولم يذكر في حديث أبي أسامة: أنها من فيح جهنم.
قال أبو أحمد: قال إبراهيم: حدثنا الحسن بن بشر حدثنا أبو أسامة بهذا الإسناد.
٥٠٢٩ - ٨٣
عن رافع بن خديج ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الحمى فور من جهنم فابردوها بالماء".
٥٠٣٠ - عن رافع بن خديج ﵁ قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الحمى من فور جهنم فابردوها عنكم بالماء". ولم يذكر أبو بكر. عنكم. وقال: قال أخبرني رافع بن خديج.
٥٠٣١ - عن عائشة ﵂ قالت: لددنا رسول الله ﷺ في مرضه، فأشار
стр. 4889
أن لا تلدوني. فقلنا: كراهية المريض للدواء. فلما أفاق قال: "لا يبقى أحد منكم إلا لد غير العباس فإنه لم يشهدكم".
٥٠٣٢ - عن أم قيس بنت محصن أخت عكاشة بن محصن ﵂، قالت: دخلت بابن لي على رسول الله ﷺ لم يأكل الطعام، فبال عليه، فدعا بماء فرشه. قالت: ودخلت عليه بابن لي قد أعلقت عليه من العذرة. فقال: "علامه تدغرن أولادكن بهذا العلاق؟ عليكن بهذا العود الهندي فإن فيه سبعة أشفية، منها ذات الجنب يسعط من العذرة، ويلد من ذات الجنب".
٥٠٣٣ - عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن أم قيس بنت محصن، وكانت من المهاجرات الأول اللاتي بايعن رسول الله ﷺ ، وهي أخت عكاشة بن محصن، أحد بني أسد بن خزيمة، قال: أخبرتني أنها أتت رسول الله ﷺ بابن لها لم يبلغ أن يأكل الطعام، وقد أعلقت عليه من العذرة. قال يونس: أعلقت غمزت، فهي تخاف أن يكون به عذرة. قالت: فقال رسول الله ﷺ : "علامه تدغرن أولادكن بهذا الإعلاق؟ عليكم بهذا العود الهندي" يعني به الكست "فإن فيه سبعة أشفية منها ذات الجنب". قال عبيد الله: وأخبرتني أن ابنها ذاك بال في حجر رسول الله ﷺ فدعا رسول الله ﷺ بماء فنضحه على بوله ولم يغسله غسلاً.
٥٠٣٤ - عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إن في الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام". والسام الموت والحبة السوداء الشونيز.
٥٠٣٥ - وفي رواية عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ، بمثل حديث عقيل، وفي حديث سفيان ويونس: الحبة السوداء ولم يقل الشونيز.
стр. 4890
٥٠٣٦ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما من داء إلا في الحبة السوداء منه شفاء إلا السام".
٥٠٣٧ - عن عائشة زوج النبي ﷺ ﵂، أنها كانت إذا مات الميت من أهلها فاجتمع لذلك النساء، ثم تفرقن إلا أهلها وخاصتها، أمرت ببرمة من تلبينة فطبخت، ثم صنع ثريد فصبت التلبينة عليها، ثم قالت: كلن منها، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "التلبينة مجمة لفؤاد المريض تذهب بعض الحزن".
٥٠٣٨ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن أخي استطلق بطنه. فقال رسول الله ﷺ : "اسقه عسلاً" فسقاه ثم جاءه فقال: إني سقيته عسلاً فلم يزده إلا استطلاقاً. فقال له: ثلاث مرات. ثم جاء الرابعة فقال: "اسقه عسلاً" فقال: لقد سقيته فلم يزده إلا استطلاقاً. فقال رسول الله ﷺ : "صدق الله وكذب بطن أخيك" فسقاه فبرأ.
٥٠٣٩ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: إن أخي عرب بطنه. فقال له: "اسقه عسلاً" بمعنى حديث شعبة.
-[المعنى العام]-
الإنسان ابن البيئة التي يعيش فيها، بل المخلوقات عامة تتأثر بالبيئة، وتطبع بطابع خاص بها، فذباب المناطق الحارة غيره في المناطق الباردة، وطيور المناطق الحارة غير طيور المناطق الباردة، وحيوانات المناطق الاستوائية غير حيوانات المناطق القطبية، وكذلك النباتات وكذلك الأمراض، فالميكروب والفيروس ابن بيئته أيضاً، والإنسان يتأقلم ويتكيف ويتفاعل مع مخلوقات بيئته، فهو يعيش أحياناً يحمل ميكروباً لا يمرض به بينما يموت غيره بهذا الميكروب في بيئة أخرى.
نزل آدم وحواء من الجنة إلى الأرض، فأخذا يغطيان عورتيهما بورق الشجر، وجاعا فأكلا من نبات الأرض حولهما، ثم من لحوم طير أو حيوان تيسر لهما، ألهم الله آدم طريقة الحياة كما علمه من
стр. 4891
قبل الأسماء كلها، فجاع وشبع، وعطش وشرب، وطهى طعامه على النار، والتقط فواكه من ثمار الشجر، ومرض فعالج نفسه بما تيسر له، وما ألهمه من نبات الأرض، وتبعه أبناؤه، يعتمدون على التجارب كثيراً، ويلهمون سبل الحياة أحياناً، وتتعلم الأجيال اللاحقة من الأجيال السابقة، ويترقى كل جيل على من سبقه بالعلم والخبرة، ويبني حضارة فوق حضارة، ويتغلب على مصاعب الحياة بأسلوب بعد أسلوب، حتى يصل إلى درجة عليا من العلم والطب والفن في بعض المناطق، كالفراعنة في مصر، والحضارات القديمة في الصين والهند ومأرب وغيرها.
لكن إرادة الله شاءت لأهل الأرض أطواراً، كحياة الإنسان نفسه، ضعف، ثم من بعد ضعف قوة، ثم من بعد قوة ضعفاً وشيبة، قامت الحضارات ثم ضعفت، ثم اندثرت، وجاء الإسلام في بيئة لم تشهد الحضارة منذ زمن بعيد، فكان طعام وشراب ولباس ومسكن وأمراض وأدوية هذه البيئة في صورة بدائية، بدوية، كانت الأمراض المعهودة ضغط الدم وفورانه، فعالجوه بشرطة محجم، تشق الجلد، فيسيل بعض الدم، في أي جزء من أجزاء الجسم، أو بفصد عرق لينزل منه قدر من الدم، ثم يحبس بتراب حصير محروق، أو بطحين بن محروق أو بتسخين حديدة على النار، ثم يكوى بها مكان القطع، فيتوقف الدم. وكان من الأمراض المنتشرة الإسهال وآلام البطن، وعسر الهضم، فعالجوه بشرب العسل، وكان منها ذات الجنب والمغص الناشئ عن تجميع الغازات وعدم انصرافها، فعالجوه بالحبة السوداء أو الكمون أو الينسون، يغلي فيشرب ماؤه المنقوع، وكانت الجروح نتيجة المعارك وغيرها، تورم وتفسد، والدمل يخرج في الجسم ويتكاثر، فعالجوها بالرقى وبعض العقاقير وبالماء، وكان المريض كأي مريض يكره الدواء، ولا يستسيغه، كان يلد، يفتح فمه، على الرغم منه، ثم يصب الدواء المر أو الحامض في جانب من حلقه، ثم يدفع إلى الداخل بالملعقة أو الإصبع، فيبتلعه رغم أنفه، وكان مرضى التهاب الحلق واللوز، المعروف باسم الإنفلونزا، تتورم اللهاة، وتتقيح الغدة، وتلتهب وتحتقن فتحة الحلق، وتسد مداخل الأنف بالبلغم، فعالجوه بالسعوط، وإدخال الدواء من فتحتي الأنف إلى الحلق، وكانت العين والحسد والسموم والسحر، وعولجت بالرقى وغيرها، وسبقت في الباب السابق، وكانت الطيرة والطاعون والكهانة والعدوى والجذام، وسيأتي الكلام عنها في الأبواب اللاحقة.
أمراض في بيئة، علاجها المتوارث من البيئة، فما نصيب الرسالة المحمدية في هذه التركة؟ إن محمداً ﷺ هو المستشار الوحيد فيما وما يجد، وقوله فصل لا مرد له، حتى في أمورهم الخاصة، عملاً بقوله تعالى ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾ [النساء: ٦٥] إن رؤياه وحي، وإلهامه وحي، وجبريل ينزل بين الحين والحين، وقد أوحي إليه أن الشاة التي مد يده إليها مسمومة، فرفع يده عنها، وأمر أصحابه بعدم تناولها، فهل يتصور أن يصف لمريض دواء يضره فلا يوحى إليه بدفع الضرر عن الناس الذين أشار عليهم به؟ لقد قال لهم: "إن الله أنزل لكل داء دواء، فتداووا، أيها الناس، ولا تتداووا بمحرم" وقال لهم: "إن كان في أدويتكم خير -وشفاء- ففي شرطة محجم أو شربة عسل، أو لذعة بنار" وأمر الحجام أن يحجم زوجته أم سلمة ﵂، وأمر أحد أصحابه أن يكوي جريحاً، وقام بنفسه بكي أحد الصحابة، وقال "الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء" وقال: "عليكم بالعود الهندي، فإن
стр. 4892
فيه سبعة أشفية، منها ذات الجنب، ويسعط به من العذرة، ويلد من ذات الجنب" وقال: "ما من داء إلا في الحبة السوداء منه شفاء" وقال لأخي الرجل المبطون: اسقه عسلاً، ثلاث مرات، ثم قال له "صدق الله وكذب بطن أخيك".
لا يشك مؤمن في صدقه ﷺ فيما قال، ولا يتصور مسلم أن يأمر ﷺ بأمر به ضرر للأمة، ولا يتصور مسلم أن ينزل جبريل، فيقر خطأ محمد ﷺ فيما أمر به الناس، ولكنها الأدوية المتاحة للأمراض الحاصلة، وما كان لينتظر بالمرض حتى تتطور العقاقير وأساليب العلاج، والرقى بالعمليات الجراحية، وإن ظروف الحكم وملابساته جزء من الحكم، لا تفترق عنه، ولو أننا اليوم -ومع هذا التطور- لو حكمت علينا الظروف بما حكمت على محمد ﷺ وأصحابه لتداوينا بمثل دوائهم، ولا تقاس ظروف يسيرة على ظروف عسيرة، ولا يطعن اليوم على دواء كان هو المتاح بالأمس بحجة أنه لا يصلح اليوم، وإنما يسأل: هل كان هناك بالأمس أصلح مما وصف فلم يوصف؟ وهل حصل مما وصف ضرر كان بالإمكان تجنبه؟
نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وهو الصادق الأمين.
-[المباحث العربية]-
(لكل داء دواء) الدواء بفتح الدال ممدود، وحكى جماعة فيه لغة بكسر الدال، قال القاضي: هي لغة الكلاميين، وهي شاذة.
والداء خروج الجسم عن المجرى الطبيعي، والمداواة رده إليه، وحفظ الصحة بقاؤه عليه، بإصلاح الأغذية والبعد عن أسباب المرض، ورده يكون بالموافق من الأدوية.
وهذا التعميم في "لكل داء دواء" باق على عمومه، ولا يقال: نجد كثيرين من المرضى يداوون، فلا يبرءون، فإنما ذلك لفقد العلم بحقيقة المداواة، لا لفقد الدواء، فدواء كل مرض موجود، لكنه قد يدق، ويخفى على الأطباء.
(فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله) أي إذا أصاب الدواء الداء نوعاً وكيفية وكمية وزماناً برأ الداء، ويحتمل برأ المريض، وهو وإن لم يسبق له ذكر، لكن دل عليه الداء والدواء، وفاعل الإصابة هو الله تعالى أي إذا جعل الله الدواء مصيباً الداء برأ بإذن الله وإرادته وتقديره، وما الدواء إلا سبب.
وفي البخاري "ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء" والمراد إنزال علم الشفاء للبشرية في الأرض، لكن يعلمه من يعلمه، ويجهله من يجهله، فعند النسائي وابن ماجه وصححه ابن حبان والحاكم "ما أنزل الله داء، إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه، وجهله من جهله" وفي رواية زاد في أوله "يا أيها الناس تداووا" وعند أحمد "إن الله حيث خلق الداء خلق الدواء فتداووا" وعنده أيضاً "تداووا يا عباد الله، فإن الله لم يضع داء، إلا وضع له شفاء، إلا داء واحداً الهرم" أي ضعف الشيخوخة، نقص الصحة، فإن ذلك يقرب من الموت، ويفضي إليه، وفي رواية "إلا السام" والسام بتخفيف الميم
стр. 4893
الموت، أي المرض الذي قدر لصاحبه الموت منه، فلا دواء له، وفي رواية "إن الله جعل لكل داء دواء، فتداووا، ولا تداووا بحرام".
(أنه عاد المقنع) بفتح القاف، وتشديد النون المفتوحة، وهو ابن سنان، تابعي، وفي الرواية الثالثة "جاءنا جابر بن عبد الله في أهلنا" أي في بيتنا، يعود مريضاً "ورجل" من أهلنا "يشتكي خراجاً به، أو جراحاً" الخراج بضم الخاء وفتح الراء مخففة معروف "فقال له: ما تشتكي؟ قال: خراج بي، قد شق علي" أي صعب على تحمل ألمه "فقال: يا غلام" نادى خادم المقنع، وقال له "ائتني بحجام، فقال له" المقنع "ما تصنع بالحجام يا أبا عبد الله؟ قال: أريد أن أعلق فيه محجماً" بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الجيم، وهو الآلة التي تجرح أو التي تمص الدم، والإناء الذي يجمع فيه دم الحجامة، وضمير "فيه" للخراج.
(قال: والله إن الذباب ليصيبني، أو يصيبني الثوب، فيؤذيني، ويشق علي)؟ أي فكيف أتحمل حجامة في هذا المكان؟
(ثم قال: لا أبرح حتى تحتجم، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن فيه شفاء) أي في الحجم شفاء، والحجم والحجامة بمعنى، وأصل الحجم المص، والمراد هنا شق الجلد، واستخراج الدم بالمص، أما الفصد فهو قطع العرق، وقطع وريد ليسيل منه الدم، وفي الرواية الثالثة "فلما رأى تبرمه من ذلك" أي تضجره وعدم رغبته في الحجامة "قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ".
(إن كان في شيء من أدويتكم خير) أي شفاء.
(ففي شرطة محجم) بكسر الميم وفتح الجيم، أي شرطة آلة الحجامة، وهذا قياس استثنائي متصل، حذفت منه الصغرى الاستثنائية، ومن المعلوم أن إثبات المقدم يلزمه إثبات التالي، وصورته:
إن كان في شيء من أدويتكم شفاء ففي شرطة محجم شفاء، لكن في بعض أدويتكم شفاء إذن في شرطة محجم شفاء.
(أو شربة عسل) نحل، و"شربة" بفتح الشين اسم مرة.
(أو لذعة بنار) أي كي، واللذع بالذال والعين الخفيف من حرق النار، أما اللدغ بالدال والغين، فهو الضرب أو العض من ذات السم، والكي بالأشعة في أيامنا يقوم مقام الحديدة المحمية في النار، آلة الكي آنذاك.
(وما أحب أن أكتوي) لما في الكي من الألم الشديد، فيؤخر العلاج به، لذا قيل: آخر الدواء الكي.
(فأمر أبا طيبة أن يحجمها) بفتح الطاء وسكون الياء.
стр. 4894
(قال: حسبت أنه قال: كان أخاها من الرضاعة، أو غلاماً لم يحتلم) أي يقول أبو الزبير الراوي عن جابر، أظن أن جابراً علل كشف الحجام لها بأنه كان أخاها من الرضاع، أو كان صغيراً لم يحتلم، ويحتمل أن ذلك كان قبل نزول الحجاب.
(بعث رسول الله ﷺ إلى أبي بن كعب طبيباً، فقطع منه عرقاً، ثم كواه عليه) في الرواية السادسة "رمي أبي يوم الأحزاب على أكحله، فكواه رسول الله ﷺ " أي أمر الطبيب بكيه، والمراد من الطبيب الحاذق في أمور العلاج، حسب فهمهم وقدراتهم.
و"أبي" في الرواية السادسة بضم الهمزة وفتح الباء وتشديد الياء، قال النووي: وهكذا صوابه، وكذا هو في الروايات والنسخ، وهو أبي بن كعب، المذكور في الرواية التي قبل هذه، وصحفه بعضهم فقال: بفتح الهمزة وكسر الباء وتخفيف الياء، وهو غلط فاحش، لأن أبا جابر استشهد يوم أحد، قبل الأحزاب بأكثر من سنة، قال: وأما الأكحل فهو عرق معروف، قال الخليل: هو عرق الحياة، ويقال: هو نهر الحياة، ففي كل عضو منه شعبة، وله فيها اسم منفرد، فإذا قطع في اليد لم يرقأ الدم، وقال غيره: هو عرق واحد، يقال له في اليد: الأكحل، وفي الفخذ النسا، وفي الظهر الأبهر. اهـ وفي المعجم الوسيط: الأكحل وريد في وسط الذراع، يفصد أو يحقن. اهـ والمعنى أن أبي بن كعب أصابته رماية بسهم من المشركين في وريد يده، فكتم الدم من غير نظافة، فذهب إلى الطبيب ففصد العرق من جديد، ونظف الجرح وكواه، والكي يقطع سيلان الدم.
(رمى سعد بن معاذ في أكحله) يوم الخندق، فأمر رسول الله ﷺ أن يضرب له فسطاط في المسجد، وكان يعوده في كل يوم، ومات من جرحه بعد شهر من الخندق، وبعد يوم واحد من بني قريظة، فقال ﷺ "اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ".
يقال: "رمي على أكحله" كما في الرواية السادسة، أي استعلى السهم وتمكن من العرق، ورمي في أكحله إذا قصد دخول السهم في العرق.
(فحسمه النبي ﷺ بيده) أي فكواه، ليقطع دمه، والحسم في الأصل القطع.
(بمشقص) أي بسهم ذي نصل عريض، حماه في النار، ثم كواه به.
(ثم ورمت) أي الجراحة.
(فحسمه الثانية) أي فكواه المرة الثانية، وخرج ﷺ إلى بني قريظة، وفي رواية "فانتفخت يده، ونزفه الدم، فلما رأى ذلك قال: اللهم لا تخرج نفسي، حتى تقر عيني في بني قريظة، فاستمسك عرقه، فما قطرت قطرة، حتى نزل بنو قريظة على حكمه.
(واستعط) بسكون السين وفتح التاء والعين، أي استعمل السعوط، قال الحافظ ابن حجر: وهو أن يستلقي على ظهره، ويجعل بين كتفيه ما يرفعهما، لينحدر رأسه، ويقطر في أنفه ماء، أو دهن فيه دواء مفرد أو مركب، ليتمكن بذلك من الوصول إلى دماغه، لاستخراج ما فيه من الداء بالعطاس. اهـ
أقول: وليست هذه الكيفية بمتعينة، فقد رأينا أناساً يأخذون السعوط بين السبابة والإبهام،
стр. 4895
فيسدون بهما فتحتي الأنف، ويستنشقون بقوة، والسعوط قد يكون دواء، يدخل في الأنف، وقد يكون طحين التبغ، يوضع في الأنف، وهو المعروف بالنشوق، وسيأتي في الرواية التاسعة عشرة أنه كان يسعط بالعود الهندي من العذرة.
(الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء) "فيح جهنم" بفتح الفاء وسكون الياء، وفي رواية "من فوح جهنم" بالواو، وفي روايتنا السادسة عشرة والسابعة عشرة "من فور جهنم" وكلها بمعنى واحد، والمراد سطوع حرها ووهجه، واختلف في نسبتها إلى جهنم، فقيل: حقيقة، واللهب والحرارة الحاصلة في جسم المحموم قطعة من جهنم، وقدر الله ظهورها بأسباب تقتضيها، ليعتبر العباد بذلك، كما أن أنواع الفرح واللذة من نعيم الجنة، أظهرها في هذه الدار عبرة ودلالة، وفي رواية "الحمى حظ المؤمن من النار" قال الحافظ ابن حجر: وهذا كما تقدم في حديث الأمر، بالإبراد بصلاة الظهر، من أن شدة الحر من فيح جهنم، وأن الله أذن لها بنفسين.
وقيل: الحديث هنا ورد مورد التشبيه، والمعنى أن حرارة الحمى شبيهة بحرارة جهنم، تنبيهاً للنفوس على شدة حر جهنم. اهـ
قال النووي: وأما "ابردوها"، في "فابردوها بالماء" فبهمزة وصل، وبضم الراء، يقال: بردت الحمى، أبردها، برداً، على وزن قتلتها أقتلها قتلاً، أي أسكنت حرارتها، كما قال في الرواية الأخرى "فأطفئوها بالماء" قال: وهذا الذي ذكرناه، من كونه بهمزة وصل وضم الراء، هو الصحيح الفصيح المشهور في الروايات وكتب اللغة وغيرها، وحكى القاضي عياض في المشارق: أنه يقال بهمزة قطع وكسر الراء في لغة قد حكاها الجوهري، قال: وهي لغة رديئة. اهـ وفي رواية عند ابن ماجه "بالماء البارد" وفي رواية "بماء زمزم".
(كانت تؤتى بالمرأة الموعوكة) أي المحمومة، والوعكة المرضة، ووعكة الحمى، يقال: وعك المرض فلاناً، أذاه وأوجعه، ووعكته الحمى، آلمته.
(فتدعو بالماء، فتصبه في جيبها) جيب القميص والجلباب الفتحة التي يدخل منه الرأس عند لبسه، والجمع جيوب وأجياب، وفي القرآن الكريم (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) [النور: ٣١] فالمعنى فتصب الماء من فتحة قميصها على صدرها، وفي ملحق الرواية "صبت الماء بينها وبين جيبها" أي بين جسد الموعوكة وبين فتحة قميصها، ولا يعرف لهذا الوضع من حكمة، ولعله من قبيل النشرة، التي سبق الكلام عنها قريباً.
(لددنا رسول الله ﷺ في مرضه) الذي مات فيه، واللدود بفتح اللام هو الدواء الذي يصب في أحد جانبي فم المريض بغير اختياره، واللدود بالضم الفعل، أي صب الدواء في جانب فم المريض، أو إدخال إصبع في فمه لدفع الدواء، يقال: لددت المريض، وألده، وحكى الجوهري، أيضاً ألددته، رباعياً.
ووقع عند الطبراني "أنهم أذابوا قسطاً بزيت، فلدوه به" والقسط العود الهندي وسيأتي قريباً.
стр. 4896
(فأشار أن لا تلدوني) "أن لا تلدوني" تفسير للإشارة، وعند البخاري "فجعل يشير إلينا أن لا تلدوني".
(فقلنا: كراهية المريض للدواء) قال عياض: ضبطناه بالرفع، أي هذا منه كراهية، وقال أبو البقاء: هو خبر مبتدأ محذوف، أي هذا الامتناع كراهية، ويحتمل النصب على أنه مفعول له، أي نهانا لكراهية الدواء، ويحتمل أن يكون مصدراً، أي كرهه كراهية الدواء، قال عياض: والرفع أوجه من النصب على المصدر.
(فلما أفاق) من شدة الألم، ومن غيبوبته التي أعقبت اللدود.
(لا يبقى أحد منكم إلا لد) خبر في معنى الأمر، أي لدوا أنفسكم جميعاً، وفي رواية البخاري "لا يبقى أحد في البيت إلا لد وأنا أنظر" أراد بذلك تأديبهم، لئلا يعودوا، وقد جاءت روايات تعين بعض من كن في البيت، فعند ابن سعد "كانت تأخذ رسول الله ﷺ الخاصرة فاشتدت به، فأغمي عليه، فلددناه، فلما أفاق قال: هذا من فعل نساء جئن من هنا -وأشار إلى الحبشة .... والله لا يبقى أحد في البيت إلا لد، ولددنا ميمونة، وهي صائمة، وفي رواية "أن أم سلمة وأسماء بنت عميس أشارتا بأن يلدده".
(غير العباس، فإنه لم يشهدكم) أي فكان العباس حاضراً ساعة أن أمر ﷺ باللدود ولم يكن موجوداً ساعة اللدود.
(دخلت بابن لي على رسول الله ﷺ لم يأكل الطعام .... قالت: ودخلت عليه بابن لي، قد أعلقت عليه من العذرة) هو ابن واحد، ودخول واحد، والعبارة توهم أنهما ابنان، وكان حقها أن تقول: دخلت عليه به وقد أعلقت عليه من العذرة، والعذرة بضم العين وسكون الذال هو وجع الحلق، وهو الذي يسمى سقوط اللهاة، وقيل: هو اسم اللهاة، والمراد وجعها، سمي باسمها، وقيل: العذرة موضع قريب من اللهاة، واللهاة بفتح اللام اللحمة البارزة التي في أقصى الحلق، وقد يلتهب هذا المكان ويحتقن بالدم، أو تخرج به قرحة عند الصبيان غالباً، وعادة النساء في معالجة العذرة أن تأخذ المرأة خرقة فتفتلها فتلاً شديداً، وندخلها في أنف الصبي، وتطعن ذلك الموضع، فينفجر منه دم أسود، وذلك الطعن يسمى دغراً، بفتح الدال وسكون الغين، وغدراً، وغمزاً.
قال النووي: وأما قولها "أعلقت عليه من العذرة" هكذا هو في جميع نسخ مسلم "عليه" ووقع في صحيح البخاري "فأعلقت عليه" كما هنا، وفي رواية له "أعلقت عنه" بالنون، وهذا هو المعروف عند أهل اللغة، قال الخطابي: المحدثون يروونه "أعلقت عليه" والصواب "عنه" وكذا قاله غيره، وحكاهما بعضهم لغتين، أعلقت عنه وعليه، ومعناه عالجت وجع لهاته بإصبعي.
(علام تدغرون أولادكن بهذا العلاق) بفتح التاء والغين، بينهما دال ساكنة، والراء ساكنة، والخطاب للنسوة، قال النووي: "العلاق" بفتح العين، وفي الرواية العشرين، "بهذا الإعلاق" وهو
стр. 4897
الأشهر عند أهل اللغة، حتى زعم بعضهم أنه الصواب، وأن العلاق لا يجوز، قالوا: والإعلاق مصدر أعلقت عنه، ومعناه أزلت عنه العلوق، وهي الآفة والداهية، والأعلاق هو معالجة عذرة الصبي، قال ابن الأثير: ويجوز أن يكون العلاق هو الاسم منه. اهـ
والمعنى لماذا تغمزن حلق الصبي؟ وتفجرن دم لهاته؟ وفي الرواية العشرين "علامه" قال النووي: هكذا هو في جميع النسخ "علامه" وهي هاء السكت، ثبتت هنا في الدرج.
(عليكن بهذا العود الهندي) في الرواية العشرين "عليكم" والعود الهندي يقال له: القسط والكست، أي بالقاف المضمومة والطاء، أو بالكاف المضمومة والتاء، لقرب كل من المخرجين بالآخر، والعرب تقول: كافور وقافور، وكشط وقشط، وعند أحمد وأصحاب السنن "أيما امرأة أصابت ولدها عذرة، أو وجع في رأسه، فلتأخذ قسطاً هندياً، فتحكمه بماء، ثم تسعطه إياه" وعند البخاري "إن أمثل ما تداويتم به الحجامة والقسط البحري، وقال: لا تعذبوا صبيانكم بالغمز من العذرة، وعليكم بالقسط" والقسط صنفان، بحري وهندي، والبحري هو القسط الأبيض، وهو أكثر من صنفين، ونص بعضهم أن البحري أفضل من الهندي، وهو أقل حرارة منه، وقيل هما حاران يابسان في الدرجة الثالثة، والهندي أشد حراً في الجزء الثالث من الحرارة. وهو معروف عند العطارين.
(فإن فيه سبعة أشفية) السبعة كناية عن الكثرة في الآحاد، وحاول النووي: أن يجمعها من كتب الطب، فذكر أنه يدر الطمث والبول، وينفع من السموم، ويحرك شهوة الجماع، ويقتل الدود وحب القرع في الأمعاء، إذا شرب بعسل، ويذهب الكلف إذا طلي عليه، وينفع من برد المعدة والكبد، وغير ذلك، وقال: اتفق العلماء على هذه المنافع التي ذكرناها في القسط، فصار ممدوحاً شرعاً وطباً.
(منها ذات الجنب) ذات الجنب تطلق بإزاء مرضين، أحدهما ورم حار، يعرض في الغشاء المستبطن، ويحتمل أنه المعروف بالزائدة -والآخر ريح محتقن بين الأضلاع، وبين الصفافات والعضل، فتحدث ألماً ووجعاً، ويحدث بسببه خمسة أعراض: الحمى والسعال والنخس وضيق النفس والنبض المنشاري ويقال لذات الجنب أيضاً وجع الخاصرة، والقسط وهو العود الهندي هو الذي تداوى به الريح الغليظة، وقد أشارت الرواية في آخرها إلى طريقة استعماله، بقولها، "ويلد من ذات الجنب" أي يلد به، ويصب في جانب الحلق للمريض بذات الجنب، كما بينت طريقة استعماله في علاج العذرة بأنه يسعط.
(إن في الحبة السوداء شفاء من كل داء، إلا السام) وفي الرواية الثانية والعشرين "ما من داء إلا في الحبة السوداء منه شفاء، إلا السام" وقد فسر الراوي "السام" بالموت، فالموت داء، والشاعر يقول: وداء الموت ليس له دواء، والداء الذي يقع به الموت، أي مرض الموت، والعموم في قوله "من كل داء" مراد به الخصوص، لأنه ليس في طبع شيء من النباتات ما يجمع جميع الأمور، التي تقابل الطبائع المختلفة، فالمراد أنها شفاء من كل داء يحدث من الرطوبة، قال أبو بكر بن العربي: العسل عند الأطباء أقرب إلى أن يكون دواء من كل داء، من الحبة السوداء، ومع ذلك فإن من الأمراض ما لو شرب العسل لتأذى به، فإن كان المراد من قوله في العسل "فيه شفاء للناس" الأكثر والأغلب، فحمل الحبة السوداء على ذلك أولى، وقال غيره: كان النبي ﷺ يصف الدواء بحسب ما
стр. 4898
يشاهده من حال المريض، فلعل قوله في الحبة السوداء وافق مرض من مزاجه بارد، فيكون معنى قوله "شفاء من كل داء" أي من هذا الجنس الذي وقع القول فيه، والتخصيص بالحيثية كثير شائع. اهـ ومال الحافظ ابن حجر إلى إبقاء العموم، على أن يلاحظ اختلاف الأفراد والأزمنة والكميات والتركيبات، قال: ولا محذور في ذلك، ولا خروج عن ظاهر الحديث.
وقد فسر الراوي "الحبة السوداء" بالشونيز، قال النووي: وهذا هو الصواب المشهور الذي ذكره الجمهور. اهـ
قال الحافظ ابن حجر: والشونيز بضم الشين وسكون الواو، وكسر النون وسكون الياء، وقال القرطبي: قيد بعض مشايخنا الشين بالفتح، وحكى القاضي عياض عن ابن الأعرابي أنه كسرها، فأبدل الواو ياء، فقال: الشينيز، وتفسير الحبة السوداء بالشونيز لشهرة الشونيز عندهم إذ ذاك، وأما الآن فالأمر بالعكس، والحبة السوداء أشهر عند أهل هذا العصر من الشونيز بكثير، والشونيز هو الكمون الأسود، ويقال له أيضاً: الكمون الهندي، ونقل عن الحسن البصري أنها الخردل، وقيل: هي الحبة الخضراء، وهي البطم، والعرب تسمي الأخضر أسود، والأسود أخضر، وقال الجوهري: هو صمغ شجرة تدعى الكمكام، تجلب من اليمن، ورائحتها طيبة، وتستعمل في البخور، قال الحافظ: وليس هذا مراداً هنا جزماً، وقال القرطبي تفسيرها بالشونيز أولى من وجهين: أحدهما أنه قول الأكثر، والثاني كثرة منافعها، بخلاف الخردل وغيره.
(التلبينة مجمة لفؤاد المريض) "التلبينة" بفتح التاء وسكون اللام وكسر الباء، وسكون الياء، بعدها نون ثم هاء، وقد يقال بدون هاء، قال الأصمعي: هي حساء يعمل من دقيق، أو نخالة، ويجعل فيه عسل، قال غيره: أو لبن، سميت تلبينة تشبيهاً لها باللبن في بياضها ورقتها، أو لمخالطة اللبن لها، وقيل: هي دقيق بحت، وقيل: بل فيه شحم، وقيل: حساء في قوام اللبن، يعمل من الدقيق النضيج المحمر، لا النيئ ولعل صناعتها تختلف باختلاف البلاد والعادات، و"مجمة" بفتح الميم والجيم وتشديد الميم الثانية، هذا هو المشهور، وروي بضم أوله وكسر ثانيه، وهما بمعنى، يقال: جم وأجم، والمعنى أنها تريح فؤاده، وتزيل عنه الهم، وتنشطه، والجام بتشديد الميم المستريح، والمصدر الجمام والإجمام، وحكى ابن بطال أنه روي "تخم فؤاد المريض" بالخاء، قال: والمخمة المكنسة.
(إن أخي استطلق بطنه) "بطنه" بالرفع فاعل "استطلق" بفتح التاء وسكون الطاء، أي انطلق بطنه، فكثر خروج ما فيه، يريد الإسهال، وضبطه الحافظ ابن حجر بضم التاء، وسكون الطاء وكسر اللام، مبني للمجهول، فبطنه نائب فاعل، أي جعل الله بطنه تنطلق، أو جعل المرض بطنه تنطلق بالإسهال، وفي ملحق الرواية "إن أخي عرب بطنه" بفتح العين وكسر الراء، أي فسد هضمه، لاعتلال المعدة، ومثله ذرب، بالذال بدل العين وزناً ومعنى.
(اسقه عسلاً) في رواية "اسقه العسل" والمراد عسل النحل، وهو مشهور عندهم، وظاهره الأمر بسقيه العسل صرفاً، ويحتمل أن يكون ممزوجاً بغيره.
(صدق الله وكذب بطن أخيك) قال النووي: والمراد قوله تعالى (يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس) [النحل: ٦٩] وهو العسل، وهذا تصريح منه ﷺ بأن
стр. 4899
الضمير في قوله (فيه شفاء) يعود إلى الشراب الذي هو العسل، وهو الصحيح وهو قول ابن مسعود وابن عباس والحسن وقتادة وغيرهم، وقال مجاهد: الضمير عائد إلى القرآن، وهذا ضعيف، مخالف لظاهر القرآن، ولصريح هذا الحديث الصحيح، قال بعض العلماء: الآية على الخصوص، أي شفاء من بعض الأدواء، ولبعض الناس، وكان داء هذا المبطون مما يشفى بالعسل، وليس في الآية تصريح بأنه شفاء من كل داء، ولكن علم النبي ﷺ أن داء هذا الرجل مما يشفى بالعسل. والله أعلم.
-[فقه الحديث]-
يؤخذ من أحاديث الباب، من الرواية الأولى وما بعدها
١ - مشروعية التداوي، قال النووي: فيه استحباب الدواء، وهو مذهب أصحابنا وجمهور السلف وعامة الخلف، وفيه رد على من أنكر التداوي من غلاة الصوفية، وقال: كل شيء بقضاء وقدر، فلا حاجة إلى التداوي، قال: وحجة العلماء هذه الأحاديث، ويعتقدون أن الله تعالى هو الفاعل، وأن التداوي هو أيضاً من قدر الله، وهذا كالأمر بالدعاء، وكالأمر بقتال الكفار، وبالتحصن، ومجانبة الإلقاء باليد إلى التهلكة، مع أن الأجل لا يتغير، والمقادير لا تتأخر ولا تتقدم عن أوقاتها، ولا بد من وقوع المقدرات. اهـ
ويقول الحافظ ابن حجر: في قوله ﷺ -في الرواية الأولى- "فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله " الإشارة إلى أن الشفاء متوقف على الإصابة بإذن الله، وذلك أن الدواء قد يحصل معه مجاوزة الحد في الكيفية، فلا ينجع، بل ربما أحدث داء آخر، وفيها كلها إثبات الأسباب، وأن ذلك لا ينافي التوكل على الله، لمن اعتقد أنها بإذن الله، وبتقديره، وأنها لا تنجع بذواتها، بل بما قدره الله تعالى فيها، وأن الدواء قد ينقلب داء إذا قدر الله ذلك، فالمدار كله على تقدير الله وإرادته، والتداوي لا ينافي التوكل، كما لا ينافي دفع الجوع والعطش بالأكل والشرب، وقد يقع لبعض المرضى أنه يتداوى من داء بدواء، فيبرأ، ثم يعتريه ذاك الداء بعينه، فيتداوى بذلك الدواء بعينه، فلا ينجع، والسبب في ذلك الجهل بصفة من صفات الدواء، فرب مرضين تشابها، ويكون أحدهما مركباً، لا ينجع فيه ما ينجع في الذي ليس مركباً، فيقع الخطأ من هنا، وقد يكون متحداً، لكن يريد الله أن لا ينجع فلا ينجع، من هنا قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت رقى نسترقيها، ودواء نتداوى به، هل يرد من قدر الله شيئاً؟ قال: "هي من قدر الله تعالى".
٢ - ومن الرواية الثانية والثالثة استحباب عيادة المريض.
٣ - وسؤاله عن مرضه، واقتراح ما يراه من علاج، والتمسك بالتنفيذ إذا كان أهلاً لذلك.
٤ - وأن شكوى المريض من مرضه، وآلامه لا يعد اعتراضاً على القدر.
٥ - ورجوع الصحابة لحديث رسول الله ﷺ ، والتزامهم به، وإن شق عليهم أمره.
стр. 4900
٦ - واستحباب التداوي بالحجامة، وتكون في أجزاء مختلفة من الجسم، تكون في الرأس، وفي وسطه، وعلى الكاهل والخدين وتحت الذقن، وعلى ظهر القدم، وأسفل الصدر، قال الحافظ ابن حجر: ومحل ذلك كله إذا كان عن دم هائج، وصادف وقت الاحتياج إليه، وقد ترجم البخاري بباب الحجامة من الشقيقة والصداع، والشقيقة وجع في أحد جانبي الرأس أو في مقدمه.
٧ - واستحباب التداوي بشربة العسل، قال المازري: اعترض بعض الأطباء، فقال: الأطباء مجمعون على أن العسل مسهل، فكيف يوصف لمن به الإسهال؟ -يقصد روايتنا الرابعة والعشرين- قال المازري: هذا الذي قاله المعترض جهالة بينة، وهو فيها كما قال الله تعالى (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه) [يونس: ٣٩].
وقال النووي: إن علم الطب من أكثر العلوم احتياجاً إلى التفصيل، حتى إن المريض يكون الشيء دواءه في ساعة، ثم يصير داء له في الساعة التي تليها بعارض يعرض، من غضب يحمي مزاجه، فيغير علاجه، أو هواء يتغير، أو غير ذلك مما لا تحصى كثرته، فإذا وجد الشفاء بشيء في حالة بالشخص لم يلزم منه الشفاء به في سائر الأحوال، وجميع الأشخاص والأطباء مجمعون على أن المرض الواحد يختلف علاجه باختلاف السن والزمان والعادة والغداء والتدبير المألوف وقوة الطباع، ثم قال: فإذا عرفت ما ذكرناه فاعلم أن الإسهال يحصل من أنواع كثيرة، منها الإسهال الحادث من التخم، وقد أجمع الأطباء في مثل هذا على أن علاجه بأن يترك الطبيعة وفعلها، وإن احتاجت إلى معين على الإسهال أعينت، مادامت القوة باقية، فأما حبسها فضرر عندهم، فيحتمل أن يكون هذا الإسهال للشخص المذكور في الحديث أصابه من امتلاء، فدواؤه ترك إسهاله على ما هو، أو تقويته، فأمره ﷺ بشرب العسل فرآه إسهالاً، فزاده عسلاً، إلى أن فنيت المادة، فوقف الإسهال. اهـ
وقد ذكر الموفق البغدادي وغيره كثيراً من منافع العسل، منها أنه يجلو الأوساخ التي في العروق والأمعاء، ويدفع الفضلات، ويسخن المعدة تسخيناً معتدلاً، ويفتح أفواه العروق، ويشد المعدة والكبد والكلى والمثانة، وتنقية الكبد والصدر، وإدرار البول والطمث، وينفع من السعال الكائن من البلغم، وإذا أضيف إليه الخل نفع أصحاب الصفراء، وإذا شرب وحده بماء نفع من عضة الكلب، وإذا جعل فيه اللحم الطري حفظ طراوته ثلاثة أشهر، وكذلك الخيار والقرع والليمون ونحو ذلك، ويطول الشعر ويحسنه وينعمه، وإن استن به صقل الأسنان وحفظ صحتها، وهو عجيب في حفظ جثث الموتى، فلا يسرع إليها البلى، ولم يكن يعول قدماء الأطباء في الأدوية المركبة إلا عليه. والله أعلم.
٨ - استحباب التداوي بالكي في بعض الأمراض، كعلاج أخير، قال العلماء: وإنما نهي عنه، مع إثباته الشفاء فيه، إما لكونهم كانوا يرون أنه يحسم المادة بطبعه، فكرهه لذلك، وإما لأنهم كانوا يبادرون إليه قبل العلاج بالأدوية، ظناً منهم أنه يحسم الداء، فيتعجل الذي يكتوي التعذيب بالنار، لأمر مظنون، قالوا: ويؤخذ من الجمع بين كراهته ﷺ للكي، وبين استعماله له، أنه لا يترك مطلقاً، بل يستعمل عند تعينه طريقاً إلى الشفاء، مع مصاحبة اعتقاد
стр. 4901
أن الشفاء بإذن الله تعالى، وعلى هذا التفسير يحمل حديث المغيرة، رفعه "من اكتوى أو استرقى فقد برئ من التوكل" أخرجه الترمذي والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم.
٩ - ومن الرواية الثامنة والتاسعة الرخصة في مهنة الحجامة، وأن أجرها حلال، وقد سبقت المسألة في الإجارة.
١٠ - ومن الرواية العاشرة إلى السابعة عشرة علاج الحمى، وإطفاء حرها بالماء، قال الخطابي ومن تبعه: اعترض بعض سخفاء الأطباء على هذا الحديث، فقال: اغتسال المحموم بالماء خطر، يقربه من الهلاك، لأنه يجمع المسام، ويحقن البخار، ويعكس الحرارة إلى داخل الجسم، فيكون ذلك سبباً للتلف، والجواب أن هذا الإشكال صدر عن صدر مرتاب في صدق الخبر، فيقال له أولاً: من أين حملت الأمر على الاغتسال؟ وليس في الحديث الصحيح بيان الكيفية، فضلاً عن اختصاصها بالغسل؟ وإنما في الحديث الإرشاد إلى تبريد الحمى بالماء، واستعمال الماء على وجه ينفع، وأولى ما يحمل عليه كيفية تبريد الحمى ما صنعته أسماء بنت الصديق، فإنها كانت ترش على بدن المحموم شيئاً من الماء، بين يديه وثوبه، فيكون ذلك من باب النشرة المأذون فيها -أي كالرقى- والصحابي- ولا سيما مثل أسماء، التي هي ممن كان يلازم بيت النبي ﷺ -أعلم بالمراد من غيره. اهـ
وقد سبق كلام المازري في العسل، وهو سائغ هنا، وفيما ذكر من الأدوية في هذا الباب، وقد نقل الخطابي عن ابن الأنباري أنه قال: المراد بقوله "فأبردوها بالماء" الصدقة به، قال ابن القيم: أظن الذي حمل قائل هذا أنه أشكل عليه استعمال الماء في الحمى، فعدل إلى هذا، وله وجه حسن، لأن الجزاء من جنس العمل، فكأنه لما أخمد لهيب العطشان بالماء أخمد الله لهيب الحمى عنه، قال: لكن هذا يؤخذ من فقه الحديث وإشارته، وأما المراد به بالأصل فهو استعماله في البدن حقيقة. والله أعلم.
١١ - ومن الرواية قبل السادسة عشرة أن جهنم مخلوقة، قال النووي: فيه دليل لأهل السنة أن جهنم مخلوقة الآن، وموجودة.
١٢ - ومن الرواية السابعة عشرة، من إشارته ﷺ أن لا يلدوه، أن الإشارة المفهمة تقوم مقام صريح العبارة.
١٣ - وفي الأمر باللدود لمن في البيت تعزير المعتدي بنحو من فعله الذي تعدى به، وقال بعضهم: فيه مشروعية القصاص في جميع ما يصاب به الإنسان عمداً، قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر، لأن الجميع لم يتعاطوا ذلك، وإنما فعل بهم ذلك عقوبة لهم، لتركهم امتثال نهيه عن ذلك، أما من باشره فظاهر، وأما من لم يباشره فلكونهم تركوا نهيهم عما نهاهم هو عنه.
١٤ - قال بعضهم: ويستفاد منه أن التأويل البعيد لا يعذر به صاحبه. قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر أيضاً، لأن الذي وقع كان في معارضة النهي، قال ابن العربي: أراد أن لا يأتوا يوم القيامة وعليهم حقه، فيقعوا في خطب عظيم، وتعقب بأنه كان يمكن أن يعفو، لأنه كان لا ينتقم لنفسه، قال: والذي يظهر أن ذلك لقصد تأديبهم، لئلا يعودوا، فكان ذلك تأديباً، لا قصاصاً، ولا انتقاماً.
стр. 4902
١٥ - ومن الرواية التاسعة عشرة أن بول الصبي الذي لم يبلغ الطعام لا يجب غسله، ويكفي الرش ونضح الماء عليه.
١٦ - وتواضعه ﷺ ورفقه ورأفته.
١٧ - واستحباب استعمال العود الهندي.
١٨ - ومن الرواية الواحدة والعشرين والثانية والعشرين فضيلة الحبة السوداء في التداوي بها، وقد ذكر الأطباء استعمالها في علاج الزكام، العارض معه عطاس كثير، وقالوا: تقلى الحبة السوداء ثم تدق ناعماً، ثم تنقع في زيت، ثم يقطر منه في الأنف ثلاث قطرات، وربما استعملت مفردة، وربما استعملت مركبة، وربما استعملت مسحوقة وغير مسحوقة، وربما استعملت أكلاً وشرباً وسعوطاً وضماداً وغير ذلك، وقال أهل العلم بالطب: إن طبع الحبة السوداء حار يابس، وهي مذهبة للنفخ، نافعة للبلغم، مفتحة للسدد والريح، وإذا دقت وعجنت بالعسل وشبت بالماء الحار أذابت الحصاة، وأدرت البول والطمث إلى غير ذلك من الفوائد الكثيرة.
والله أعلم
стр. 4903
(٥٩٧) باب الطاعون
٥٠٣٨ - عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أنه سمعه يسأل أسامة بن زيد، ماذا سمعت من رسول الله ﷺ في الطاعون؟ فقال أسامة: قال رسول الله ﷺ : "الطاعون رجز أو عذاب أرسل على بني إسرائيل أو على من كان قبلكم، فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه" وقال أبو النضر. لا يخرجكم إلا فرار منه.
٥٠٣٩ - عن أسامة بن زيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الطاعون آية الرجز ابتلى الله به ناساً من عباده، فإذا سمعتم به فلا تدخلوا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تفروا منه" هذا حديث القعنبي وقتيبة نحوه.
٥٠٤٠ - عن أسامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن هذا الطاعون رجز سلط على من كان قبلكم أو على بني إسرائيل، فإذا كان بأرض فلا تخرجوا منها فراراً منه، وإذا كان بأرض فلا تدخلوها".
٥٠٤١ - عن عامر بن سعد أن رجلاً سأل سعد بن أبي وقاص عن الطاعون. فقال أسامة بن زيد: أنا أخبرك عنه. قال رسول الله ﷺ : "هو عذاب أو رجز أرسله الله على طائفة من بني إسرائيل أو ناس كانوا قبلكم، فإذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوها عليه، وإذا دخلها عليكم فلا تخرجوا منها فراراً".
٥٠٤٢ - عن أسامة بن زيد ﵁، عن رسول الله ﷺ : "أنه قال إن هذا الوجع أو السقم رجز عذب به بعض الأمم قبلكم، ثم بقي بعد بالأرض فيذهب
стр. 4904
المرة ويأتي الأخرى، فمن سمع به بأرض فلا يقدمن عليه، ومن وقع بأرض وهو بها فلا يخرجنه الفرار منه".
٥٠٤٣ - عن حبيب قال: كنا بالمدينة فبلغني أن الطاعون قد وقع بالكوفة. فقال لي عطاء بن يسار وغيره: إن رسول الله ﷺ قال: "إذا كنت بأرض فوقع بها فلا تخرج منها، وإذا بلغك أنه بأرض فلا تدخلها" قال: قلت: عمن؟ قالوا: عن عامر بن سعد يحدث به. قال: فأتيته. فقالوا: غائب. قال: فلقيت أخاه إبراهيم بن سعد، فسألته. فقال: شهدت أسامة يحدث سعداً قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن هذا الوجع رجز أو عذاب أو بقية عذاب عذب به أناس من قبلكم، فإذا كان بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها، وإذا بلغكم أنه بأرض فلا تدخلوها".
-قال حبيب فقلت: لإبراهيم آنت سمعت أسامة يحدث سعداً وهو لا ينكر؟ قال: نعم.
٥٠٤٤ - وفي رواية عن شعبة بهذا الإسناد، غير أنه لم يذكر قصة عطاء بن يسار في أول الحديث.
٥٠٤٥ - عن عبد الله بن عباس ﵄، أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام، حتى إذا كان بسرغ لقيه أهل الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام. قال ابن عباس: فقال عمر: ادع لي المهاجرين الأولين. فدعوتهم. فاستشارهم وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا. فقال بعضهم: قد خرجت لأمر ولا نرى أن ترجع عنه. وقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله ﷺ ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء. فقال: ارتفعوا عني. ثم قال: ادع لي الأنصار. فدعوتهم له، فاستشارهم. فسلكوا سبيل المهاجرين، واختلفوا كاختلافهم. فقال: ارتفعوا عني. ثم قال: ادع لي من كان ها هنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح. فدعوتهم فلم يختلف عليه
стр. 4905
رجلان. فقالوا: نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء. فنادى عمر في الناس: إني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه. فقال أبو عبيدة بن الجراح: أفراراً من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة -وكان عمر يكره خلافه- نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله: أرأيت لو كانت لك إبل فهبطت وادياً له عدوتان إحداهما خصبة والأخرى جدبة أليس أن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله وإن رعيت الجدبة، رعيتها بقدر الله؟ .
قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف، وكان متغيباً في بعض حاجته، فقال: إن عندي من هذا علماً، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه". قال: فحمد الله عمر بن الخطاب ثم انصرف.
٥٠٤٦ - عن معمر قال: وقال له أيضاً: أرأيت أنه لو رعى الجدبة وترك الخصبة أكنت معجزه؟ قال: نعم. قال: فسر إذا. قال: فسار حتى أتى المدينة. فقال: هذا المحل، أو قال: هذا المنزل إن شاء الله.
٥٠٤٧ - عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أن عمر خرج إلى الشام، فلما جاء سرغ بلغه أن الوباء قد وقع بالشام. فأخبره عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ قال: "إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه" فرجع عمر بن الخطاب من سرغ. وعن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله؛ أن عمر إنما انصرف بالناس من حديث عبد الرحمن بن عوف.
-[المعنى العام]-
من المعلوم أن الأمراض ابتلاء من الله تعالى لمخلوقاته، واختبار لهم أيصبرون؟ أم يتبرمون؟ أيشكرون على الضراء؟ أم يسخطون، أيذكرون فضل نعمة الصحة؟ أم يتناسون وينسون؟ أيلجئون إلى الله تعالى؟ فيطلبون منه رفع البلاء؟ أم يلجئون إلى معلوماتهم البسيطة وأعشابهم وأطبائهم؟ أيلجئون إلى الأسباب العادية وحدها؟ أم يلجئون إلى مسبب الأسباب، ورب السبب والمسبب جميعاً؟
следующие страницы →