Полный текст (6 200 стр.). Показаны 4901–4940 · переход к 4906.
стр. 4901
أن الشفاء بإذن الله تعالى، وعلى هذا التفسير يحمل حديث المغيرة، رفعه "من اكتوى أو استرقى فقد برئ من التوكل" أخرجه الترمذي والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم.
٩ - ومن الرواية الثامنة والتاسعة الرخصة في مهنة الحجامة، وأن أجرها حلال، وقد سبقت المسألة في الإجارة.
١٠ - ومن الرواية العاشرة إلى السابعة عشرة علاج الحمى، وإطفاء حرها بالماء، قال الخطابي ومن تبعه: اعترض بعض سخفاء الأطباء على هذا الحديث، فقال: اغتسال المحموم بالماء خطر، يقربه من الهلاك، لأنه يجمع المسام، ويحقن البخار، ويعكس الحرارة إلى داخل الجسم، فيكون ذلك سبباً للتلف، والجواب أن هذا الإشكال صدر عن صدر مرتاب في صدق الخبر، فيقال له أولاً: من أين حملت الأمر على الاغتسال؟ وليس في الحديث الصحيح بيان الكيفية، فضلاً عن اختصاصها بالغسل؟ وإنما في الحديث الإرشاد إلى تبريد الحمى بالماء، واستعمال الماء على وجه ينفع، وأولى ما يحمل عليه كيفية تبريد الحمى ما صنعته أسماء بنت الصديق، فإنها كانت ترش على بدن المحموم شيئاً من الماء، بين يديه وثوبه، فيكون ذلك من باب النشرة المأذون فيها -أي كالرقى- والصحابي- ولا سيما مثل أسماء، التي هي ممن كان يلازم بيت النبي ﷺ -أعلم بالمراد من غيره. اهـ
وقد سبق كلام المازري في العسل، وهو سائغ هنا، وفيما ذكر من الأدوية في هذا الباب، وقد نقل الخطابي عن ابن الأنباري أنه قال: المراد بقوله "فأبردوها بالماء" الصدقة به، قال ابن القيم: أظن الذي حمل قائل هذا أنه أشكل عليه استعمال الماء في الحمى، فعدل إلى هذا، وله وجه حسن، لأن الجزاء من جنس العمل، فكأنه لما أخمد لهيب العطشان بالماء أخمد الله لهيب الحمى عنه، قال: لكن هذا يؤخذ من فقه الحديث وإشارته، وأما المراد به بالأصل فهو استعماله في البدن حقيقة. والله أعلم.
١١ - ومن الرواية قبل السادسة عشرة أن جهنم مخلوقة، قال النووي: فيه دليل لأهل السنة أن جهنم مخلوقة الآن، وموجودة.
١٢ - ومن الرواية السابعة عشرة، من إشارته ﷺ أن لا يلدوه، أن الإشارة المفهمة تقوم مقام صريح العبارة.
١٣ - وفي الأمر باللدود لمن في البيت تعزير المعتدي بنحو من فعله الذي تعدى به، وقال بعضهم: فيه مشروعية القصاص في جميع ما يصاب به الإنسان عمداً، قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر، لأن الجميع لم يتعاطوا ذلك، وإنما فعل بهم ذلك عقوبة لهم، لتركهم امتثال نهيه عن ذلك، أما من باشره فظاهر، وأما من لم يباشره فلكونهم تركوا نهيهم عما نهاهم هو عنه.
١٤ - قال بعضهم: ويستفاد منه أن التأويل البعيد لا يعذر به صاحبه. قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر أيضاً، لأن الذي وقع كان في معارضة النهي، قال ابن العربي: أراد أن لا يأتوا يوم القيامة وعليهم حقه، فيقعوا في خطب عظيم، وتعقب بأنه كان يمكن أن يعفو، لأنه كان لا ينتقم لنفسه، قال: والذي يظهر أن ذلك لقصد تأديبهم، لئلا يعودوا، فكان ذلك تأديباً، لا قصاصاً، ولا انتقاماً.
стр. 4902
١٥ - ومن الرواية التاسعة عشرة أن بول الصبي الذي لم يبلغ الطعام لا يجب غسله، ويكفي الرش ونضح الماء عليه.
١٦ - وتواضعه ﷺ ورفقه ورأفته.
١٧ - واستحباب استعمال العود الهندي.
١٨ - ومن الرواية الواحدة والعشرين والثانية والعشرين فضيلة الحبة السوداء في التداوي بها، وقد ذكر الأطباء استعمالها في علاج الزكام، العارض معه عطاس كثير، وقالوا: تقلى الحبة السوداء ثم تدق ناعماً، ثم تنقع في زيت، ثم يقطر منه في الأنف ثلاث قطرات، وربما استعملت مفردة، وربما استعملت مركبة، وربما استعملت مسحوقة وغير مسحوقة، وربما استعملت أكلاً وشرباً وسعوطاً وضماداً وغير ذلك، وقال أهل العلم بالطب: إن طبع الحبة السوداء حار يابس، وهي مذهبة للنفخ، نافعة للبلغم، مفتحة للسدد والريح، وإذا دقت وعجنت بالعسل وشبت بالماء الحار أذابت الحصاة، وأدرت البول والطمث إلى غير ذلك من الفوائد الكثيرة.
والله أعلم
стр. 4903
(٥٩٧) باب الطاعون
٥٠٣٨ - عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أنه سمعه يسأل أسامة بن زيد، ماذا سمعت من رسول الله ﷺ في الطاعون؟ فقال أسامة: قال رسول الله ﷺ : "الطاعون رجز أو عذاب أرسل على بني إسرائيل أو على من كان قبلكم، فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه" وقال أبو النضر. لا يخرجكم إلا فرار منه.
٥٠٣٩ - عن أسامة بن زيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الطاعون آية الرجز ابتلى الله به ناساً من عباده، فإذا سمعتم به فلا تدخلوا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تفروا منه" هذا حديث القعنبي وقتيبة نحوه.
٥٠٤٠ - عن أسامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن هذا الطاعون رجز سلط على من كان قبلكم أو على بني إسرائيل، فإذا كان بأرض فلا تخرجوا منها فراراً منه، وإذا كان بأرض فلا تدخلوها".
٥٠٤١ - عن عامر بن سعد أن رجلاً سأل سعد بن أبي وقاص عن الطاعون. فقال أسامة بن زيد: أنا أخبرك عنه. قال رسول الله ﷺ : "هو عذاب أو رجز أرسله الله على طائفة من بني إسرائيل أو ناس كانوا قبلكم، فإذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوها عليه، وإذا دخلها عليكم فلا تخرجوا منها فراراً".
٥٠٤٢ - عن أسامة بن زيد ﵁، عن رسول الله ﷺ : "أنه قال إن هذا الوجع أو السقم رجز عذب به بعض الأمم قبلكم، ثم بقي بعد بالأرض فيذهب
стр. 4904
المرة ويأتي الأخرى، فمن سمع به بأرض فلا يقدمن عليه، ومن وقع بأرض وهو بها فلا يخرجنه الفرار منه".
٥٠٤٣ - عن حبيب قال: كنا بالمدينة فبلغني أن الطاعون قد وقع بالكوفة. فقال لي عطاء بن يسار وغيره: إن رسول الله ﷺ قال: "إذا كنت بأرض فوقع بها فلا تخرج منها، وإذا بلغك أنه بأرض فلا تدخلها" قال: قلت: عمن؟ قالوا: عن عامر بن سعد يحدث به. قال: فأتيته. فقالوا: غائب. قال: فلقيت أخاه إبراهيم بن سعد، فسألته. فقال: شهدت أسامة يحدث سعداً قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن هذا الوجع رجز أو عذاب أو بقية عذاب عذب به أناس من قبلكم، فإذا كان بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها، وإذا بلغكم أنه بأرض فلا تدخلوها".
-قال حبيب فقلت: لإبراهيم آنت سمعت أسامة يحدث سعداً وهو لا ينكر؟ قال: نعم.
٥٠٤٤ - وفي رواية عن شعبة بهذا الإسناد، غير أنه لم يذكر قصة عطاء بن يسار في أول الحديث.
٥٠٤٥ - عن عبد الله بن عباس ﵄، أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام، حتى إذا كان بسرغ لقيه أهل الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام. قال ابن عباس: فقال عمر: ادع لي المهاجرين الأولين. فدعوتهم. فاستشارهم وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا. فقال بعضهم: قد خرجت لأمر ولا نرى أن ترجع عنه. وقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله ﷺ ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء. فقال: ارتفعوا عني. ثم قال: ادع لي الأنصار. فدعوتهم له، فاستشارهم. فسلكوا سبيل المهاجرين، واختلفوا كاختلافهم. فقال: ارتفعوا عني. ثم قال: ادع لي من كان ها هنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح. فدعوتهم فلم يختلف عليه
стр. 4905
رجلان. فقالوا: نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء. فنادى عمر في الناس: إني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه. فقال أبو عبيدة بن الجراح: أفراراً من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة -وكان عمر يكره خلافه- نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله: أرأيت لو كانت لك إبل فهبطت وادياً له عدوتان إحداهما خصبة والأخرى جدبة أليس أن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله وإن رعيت الجدبة، رعيتها بقدر الله؟ .
قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف، وكان متغيباً في بعض حاجته، فقال: إن عندي من هذا علماً، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه". قال: فحمد الله عمر بن الخطاب ثم انصرف.
٥٠٤٦ - عن معمر قال: وقال له أيضاً: أرأيت أنه لو رعى الجدبة وترك الخصبة أكنت معجزه؟ قال: نعم. قال: فسر إذا. قال: فسار حتى أتى المدينة. فقال: هذا المحل، أو قال: هذا المنزل إن شاء الله.
٥٠٤٧ - عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أن عمر خرج إلى الشام، فلما جاء سرغ بلغه أن الوباء قد وقع بالشام. فأخبره عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ قال: "إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه" فرجع عمر بن الخطاب من سرغ. وعن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله؛ أن عمر إنما انصرف بالناس من حديث عبد الرحمن بن عوف.
-[المعنى العام]-
من المعلوم أن الأمراض ابتلاء من الله تعالى لمخلوقاته، واختبار لهم أيصبرون؟ أم يتبرمون؟ أيشكرون على الضراء؟ أم يسخطون، أيذكرون فضل نعمة الصحة؟ أم يتناسون وينسون؟ أيلجئون إلى الله تعالى؟ فيطلبون منه رفع البلاء؟ أم يلجئون إلى معلوماتهم البسيطة وأعشابهم وأطبائهم؟ أيلجئون إلى الأسباب العادية وحدها؟ أم يلجئون إلى مسبب الأسباب، ورب السبب والمسبب جميعاً؟
стр. 4906
إن العرب قبل الإسلام كانوا إذا مسهم الضر في البحر، ضل من يدعون إلا إياه، فلما ينجيهم إلى البر يكفرون، وإن فرعون وقومه لما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك، لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل، فلما كشف عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون.
جاء الإسلام حريصاً على أن يربط العبد بربه في السراء والضراء، وأن يؤكد له أن المرض والشفاء بيد الله، وأن الأسباب إنما هي من الله، ونتائجها بقدر الله، فلا يعتمدوا الأسباب وحدها، ولا يتواكلوا ويبعدوا عن اتخاذها بل عليهم أن يتداووا، ثم يتوكلوا على الله ويدعوه، كما جاء في حديث "اعقلها وتوكل" عليهم أن لا يلقوا بأيديهم إلى التهلكة، وأن يحذروا مواطن الضرر، وأن يفوضوا مع ذلك نتائج الأمور كلها إلى الله.
كانت الجرعة التي سقاهم إياها الإسلام، ليسندوا الأشياء إلى الله كبيرة "لا عدوى ولا طيرة، ولا هامة ولا صفر" "من أعدى الأول"؟ "يدخل الجنة سبعون ألف بغير حساب، لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون" فغلب كثير من السابقين جانب التوكل، والتفويض إلى قدر الله، على جانب الحذر والحيطة والأخذ بالأسباب، وغلب الآخرون الجانب الآخر.
ظهر هذان الاتجاهان حين خرج أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ إلى الشام لزيارتها، بعد أن فتحها جند الإسلام، وقسمت إمارات: الأردن وحمص، ودمشق، وفلسطين، وإجنادين، وأمر عليها أبا عبيدة بن الجراح، وعمرو بن العاص، وخالد بن الوليد، ويزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة.
خرج الأمراء ووجهاء البلاد لاستقبال أمير المؤمنين خارج البلاد، في مدينة تسمى "سرغ" وكان وباء الطاعون قد انتشر كالنار في الهشيم، بين الناس في الشام، فأخبر أمراء الشام أمير المؤمنين بذلك، ونصحه بعضهم بالعودة إلى المدينة وعدم دخول الشام، هو ومن معه من صفوة الصحابة وسابقيهم من مهاجرين وأنصار، خوفاً عليهم من العدوى، وحذراً من الإلقاء بهم إلى التهلكة، وأشار عليه آخرون بالدخول، وإنجاز ما قدم لأجله، والتوكل على الله فكل شيء بأمره وقدره.
وضرب عمر المثل في الشورى، فلم يقطع برأي، ونادى عبد الله بن عباس، وأمره أن يدعو إليه المهاجرين الأولين، فدعاهم إليه، فاستشارهم في الأمر، فأشار بعضهم بعدم الدخول، وأشار بعضهم بالدخول، فأغضب عمر اختلافهم، فصرفهم، وأمر ابن عباس أن يدعو إليه الأنصار، فدعاهم إليه، فاستشارهم، فاختلفوا كما اختلف المهاجرون، قال بعضهم: قد جئت لأمر، فلا ترجع عنه وامض لما جئت به، وادخل، وتوكل على الله، وقال بعضهم: إن معك خيرة الصحابة وكبارهم، فلا تعرضهم للوباء، ولا تدخل بهم عليه، فازداد عمر غضباً لاختلافهم، فصرفهم، وأمر ابن عباس أن يدعو إليه كبار قريش الذين أسلموا حديثاً، عند فتح مكة، فدعاهم إليه، فاستشارهم، فأجمعوا جميعاً على الرجوع، لم يشذ منهم أحد، فقرر عمر ﵁ الرجوع بمن جاء معه، وأمر المنادي أن ينادي في الناس: إن أمير المؤمنين قد عزم على العودة إلى المدينة في الصباح، فاستعدوا للسفر، وكان أبو عبيدة قد رجح عنده أن الدخول أفضل، فقال لعمر: أترجع خوفاً من الوباء؟ وفراراً من قدر الله؟ وكان عمر قوياً في الحق، حازماً في اتخاذ القرار، لا يحب أن يخالفه أحد، فأجاب بشدة: لو غيرك قال هذا يا أبا عبيدة لأدبته،
стр. 4907
كيف يخفى عليك وأنت من أنت أمر الحيطة والحذر وعدم إلقاء النفس إلى التهلكة، نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله، فإن دخلنا فبقدر الله، وإن رجعنا فبقدر الله، أخبرني يا أبا عبيدة: لو نزلت بإبلك في أرض، يمينها خصبة، وشمالها جدبة، إن وجهت إبلك إلى الخصبة رعيت بقدر الله، وإن وجهتها إلى الجدبة لم ترع، وبقدر الله، ولم يكن أحد يحفظ الحديث الذي يقطع النزاع، والذي جاء به عبد الرحمن بن عوف في الليل، وكان حين المنازعة غائباً، فلما جاء في الليل قال لعمر وصحابته: إن عندي علماً من رسول الله ﷺ بما يفصل في القضية: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الطاعون عذاب بعثه الله على من كان قبلكم، فإذا
انتشر بأرض فلا يخرج منها من كان فيها، ولا يدخلها من كان خارجها.
ورجع أبو عبيدة وأصحابه إلى بلادهم بلاد الوباء، ورجع عمر بأصحابه إلى المدينة، وكان قدر الله، توفي في هذا الطاعون طاعون عمواس أبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وامرأته وابنه، وخمسة وعشرون ألفاً، وفيهم من الصحابة كثيرون. ﵃ أجمعين.
-[المباحث العربية]-
(عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أنه سمعه يسأل أسامة بن زيد) ظاهر هذه الرواية أن سعد بن أبي وقاص هو الذي سأل أسامة عما سمع، وفي الرواية الرابعة "أن رجلاً سأل سعد بن أبي وقاص عن الطاعون؟ فأجاب أسامة الرجل، وفي الرواية السادسة "أن أسامة حدث سعداً" وفي ملحقها "أن أسامة وسعداً تحدثا" ولا تعارض، فالرجل سأل سعداً، يظنه العليم بالخبر، فتطوع أسامة بالجواب للرجل ولسعد، ووافق سعد أسامة وصدقه، فنسب إلى كل منهما الجواب، ونسب إلى سعد وإلى الرجل السؤال.
(ماذا سمعت من رسول الله ﷺ في الطاعون)؟ أي في الدخول والخروج إلى ومن بلد الطاعون؟ والطاعون فاعول من الطعن، يقال: طعن فهو مطعون وطعين، أي أصابه الطاعون.
والطاعون وباء معين، لأن الوباء هو المرض الذي يعم الكثيرين من الناس في جهة من الجهات، مغاير للمعتاد، فالمعتاد أمراض مختلفة، أما الوباء فهو مرض واحد ينتشر بكثرة بشكل واحد، وأعراض واحدة، وقد كثر إطلاق الوباء على الطاعون، كأنهما مترادفان، حتى كانت عبارة اللغويين توهم ذلك. قال الخليل: الطاعون الوباء، والصحيح أن الوباء يعم أمراضاً، إن سميت طاعوناً فمن حيث شبهها به في الهلاك، فكل طاعون وباء، وليس كل وباء طاعوناً، وهذا التشابه في الإطلاق هو الذي جعل العلماء يطلقون الطاعون على أمراض ذات أعراض مختلفة، فصاحب النهاية يقول: الطاعون المرض العام، الذي ينسد له الهواء، وتفسد به الأمزجة والأبدان. وأبو بكر بن العربي يقول: الطاعون الوجع الغالب، الذي يطفئ الروح، كالذبيحة، سمي بذلك لعموم مصابه، وسرعة قتله، والداودي يقول: الطاعون حبة تخرج من الأرقاع، وفي كل طي من الجسد. والقاضي عياض يقول: الطاعون في الأصل القروح الخارجة في الجسد. وابن عبد البر يقول: الطاعون غدة، تخرج في المراق -أي في الأجزاء الرقيقة اللينة الجلد- والآباط، وقد تخرج في الأيدي، والأصابع وحيث شاء الله.
стр. 4908
والنووي في الروضة يقول: قيل: الطاعون انصباب الدم إلى عضو، وقال آخرون: هو هيجان الدم وانتفاخه. والمتولي يقول: هو قريب من الجذام، من أصابه تآكلت أعضاؤه، وتساقط لحمه. والغزالي يقول: هو انتفاخ في جميع البدن من الدم مع الحمى، أو انصباب الدم إلى بعض الأطراف، فينتفخ ويحمر، وقد يذهب ذلك العضو، والنووي يقول في التهذيب: هو بثر وورم مؤلم جداً، يخرج مع لهب، ويسود ما حواليه، أو يخضرن أو يحمر حمرة شديدة بنفسجية كدرة، ويحصل معه خفقان وقيء، ويخرج غالباً في المراق والآباط، وقد يخرج في الأيدي والأصابع وسائر الجسد، وقال جماعة من الأطباء، منهم أبو علي بن سينا: الطاعون مادة سمية تحدث ورما قتالاً، يحدث في المواضع الرخوة والمغابن من البدن، وأغلب ما تكون تحت الإبط، أو خلف الأذن، أو عند الأرنبة، قال: وسببه دم رديء، مائل إلى العفونة والفساد، يستحيل إلى جوهر سمي، يفسد العضو، ويغير ما يليه، ويؤدي إلى القلب كيفية رديئة، فيحدث القيء والغثيان والغشي والخفقان، وهو لرداءته لا يقبل من الأعضاء إلا ما كان أضعف بالطبع، وأردؤه ما يقع في الأعضاء الرئيسية، والأسود منه قل من يسلم منه، وأسلمه الأحمر، ثم الأصفر. اهـ
قال الحافظ ابن حجر: هذا ما بلغنا من كلام أهل اللغة وأهل الفقه والأطباء في تعريفه، والحاصل أن حقيقته ورم ينشأ عن هيجان الدم، أو انصباب الدم إلى عضو فيفسده، وإن غير ذلك من الأمراض العامة الناشئة عن فساد الهواء، يسمى طاعوناً بطريق المجاز، لاشتراكهما في عموم المرض، أو كثرة الموت. اهـ
ثم حاول الحافظ ابن حجر أن يوفق بين ما قاله عن حقيقة الطاعون ومنشئه وبين حديث "فناء أمتي بالطعن والطاعون. قيل: يا رسول الله، هذا الطعن قد عرفناه، فما الطاعون؟ قال: وخز أعدائكم من الجن" أخرجه أحمد، والحاكم وابن خزيمة وصححاه والطبراني، ودافع عن صحة الحديث بما لا يسلم له، وقال: كون الطاعون من طعن الجن لا يخالف ما قال الأطباء، من كونه ينشأ عن هيجان الدم أو انصبابه، لأنه يجوز أن يكون ذلك يحدث عن الطعنة الباطنة، فتحدث منها المادة السمية، ويهيج الدم بسببها أو ينصب وإنما لم يتعرض الأطباء لكونه من طعن الجن لأنه أمر لا يدرك بالعقل، وإنما يعرف من الشارع، فتكلموا في ذلك على ما اقتضته قواعدهم. قال الكلاباذي في معاني الأخبار: يحتمل أن يكون الطاعون على قسمين، قسم يحصل من غلبة بعض الأخلاط، من دم أو صفراء محترقة، أو غير ذلك وقسم يكون من وخز الجني، كما تقع الجراحات من القروح التي تخرج في البدن من غلبة بعض الأخلاط، وإن لم يكن هناك طعن، وتقع الجراحات أيضاً من طعن الإنس. اهـ قال: ومما يؤيد أن الطاعون إنما يكون من طعن الجن وقوعه غالباً في أعدل الفصول، وفي أصح البلاد هواء، وأطيبها ماء، ولأنه لو كان بسبب فساد الهواء لدام في الأرض، لأن الهواء يفسد تارة ويصح أخرى، وهذا يذهب أحياناً، ويجيء أحياناً، ويجيء أحياناً على غير قياس ولا تجربه، فربما جاء سنة على سنة، وربما أبطأ سنين، وبأنه لو كان كذلك لعم الناس والحيوان والموجود بالمشاهدة أنه يصيب الكثير، ولا يصيب من هم بجانبهم ممن هو في مثل مزاجهم، ولو كان كذلك لعم جميع البدن، وهذا يختص بموضع من الجسد، ولا يتجاوزه، ولأن فساد الهواء يقتضي تغير الأخلاط، وكثرة الأسقام، وهذا في الغالب يقتل بلا مرض، فدل على أنه من طعن الجن. اهـ
стр. 4909
وهذا الذي قاله الحافظ ابن حجر ﵀ غير مقبول، وما استدل به مردود معارض، والجن المشهور اصطلاحاً بأنه خلق من خلق الله، وجنس من مخلوقاته كالإنس، وأنه يرانا من حيث لا نراه، وأنه يعيش معنا، وعلى أرضنا، لا سلطان له علينا إلا بالوسوسة، وصدق الله العظيم إذ يقول ﴿وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم﴾ [إبراهيم: ٢٢] ولو أن للجن أن يطعن الإنس بغير سلاح لكتموا أنفاس بني آدم جميعاً في لحظات، ولو أن للجن قدرة على طعن الإنس لطعن في أصعب الفصول كأعدلها، وفي أفسد البلاد هواء كأصحها، وفي أخبث الماء كأطيبه، إذ لا فرق عنده، ولدام في الأرض بدوام عبث الجن وإفساده، ولعم الناس والحيوان، لأن الجن إذا قدروا على طعن الإنسان قدروا على طعن الحيوان، وعلى طعن الإنسان في كل مكان لا مكان دون مكان، فكل ما قاله الحافظ كدليل، لا ينتج الدعوى، ولا يفيد في الاستدلال، ولو أنه حين ردد أسباباً للمرض غير معقولة، وغير منتجة رد ذلك كله إلى قدرة الله تعالى لكان خيراً.
ثم إن الحديث الذي حاول الحافظ تصحيحه غير صحيح ولا يعمل بمثله في العقائد، وعلى فرض صحته فالجن في اللغة كل ما استتر، والميكروب أو الفيروس مخلوقات خفية، لا ترى بالعين المجردة، وهي في الطب والعقل والإدراك هي سبب الآلام والوخز، وكون الوباء ينتشر في الكثيرين له أسبابه المعروفة بالعدوى، وكونه يصيب شخصاً ولا يصيب من بجواره له تعليله الطبي والعقلي وسيأتي مزيد لهذه المسألة عند الكلام على أنه عذاب من عند الله، وأنه لا يدخل إليه خارج عنه، ولا يخرج عنه من هو داخل فيه.
(الطاعون رجز -أو عذاب- أرسل على بني إسرائيل -أو على من كان قبلكم) الرجز، ووقع "رجس" بالسين، وبالزاي هو المعروف، وهو العذاب، وبالسين هو الخبيث أو النجس أو القذر، وجزم الفارابي والجوهري بأنه بالسين يطلق على العذاب أيضاً، ومنه قوله تعالى ﴿كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون﴾ [الأنعام: ١٢٥] وحكاه الراغب أيضاً، والرواية هنا على الشك من الراوي فيما سمع، هل سمع لفظ "رجز" أو لفظ "عذاب" وفي الرواية الثالثة "إن هذا الطاعون رجز" بدون شك، وفي الرواية الثانية "الطاعون آية الرجز" أي علامة العذاب، على معنى أن آلامه والموت به عذاب على العاصين، والمرض نفسه علامة على هذا الألم، ففي الرواية الخامسة "إن هذا الوجع أو السقم رجز".
والرواية هنا "أرسل على بني إسرائيل، أو على من كان قبلكم" بالشك من الراوي، وبنو إسرائيل كانوا قبلنا، لكنهم بعض من كان قبلنا، فالتنصيص على بني إسرائيل أخص، والمراد أيضاً بعض بني إسرائيل، لا كلهم، ففي الرواية الرابعة "أرسله الله على طائفة من بني إسرائيل" وفي الرواية الخامسة "عذب به بعض الأمم قبلكم" أي بعض أمة من الأمم قبلكم "ثم بقي بعد" أي بعد هذا الابتلاء، أي بقي ميكروبه غير مصيب ومؤثر على أحد، أو بقي أمره والابتلاء به متوقعاً بأهل الأرض "فيذهب" كوباء من الأرض "المرة، ويأتي" كوباء "الأخرى" والظاهر أن المراد بقاء ميكروبه، ففي الرواية السادسة "إن هذا الوجع رجز، أو عذاب، أو بقية عذاب، عذب به أناس من قبلكم" ويرى بعض العلماء أن الإشارة إلى من قبلنا من غير بني إسرائيل إشارة إلى ما وقع في قوم فرعون، أيام موسى
стр. 4910
عليه السلام، إذ أخرج الطبري وابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير قال "أمر موسى بني إسرائيل أن يذبح كل رجل منهم كبشاً، ثم ليخضب كفه في دمه، ثم ليضرب به على بابه، ففعلوا، فسألهم القبط عن ذلك؟ فقالوا: إن الله سيبعث عليكم عذاباً، وإنما ننجو منه بهذه العلامة، فأصبحوا وقد مات من قوم فرعون سبعون ألفاً، فقال فرعون عند ذلك لموسى ﴿ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك﴾ [الأعراف: ١٣٤] الآية فدعا، فكشفه الله عنهم "قال الحافظ ابن حجر: وهذا الخبر مرسل جيد الإسناد، وأخرج عبد الرزاق في تفسيره، والطبري من طريق الحسن، في قوله تعالى ﴿ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت﴾ قال: فروا من الطاعون ﴿فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم﴾ [البقرة: ٢٤٣] ليكملوا بقية آجالهم".
والإشارة إلى بني إسرائيل إشارة إلى ما جاء في قصة بلعام، اعتماداً على ما أخرج الطبري، من طريق سليمان التيمي أحد صغار التابعين، عن سيار: أن رجلاً كان يقال له بلعام، كان مجاب الدعوة، وأن موسى أقبل في بني إسرائيل، يريد الأرض التي فيها بلعام، فأتاه قومه، فقالوا له: ادع الله عليهم.
فقال: حتى أؤامر ربي، فمنع، فأتوه بهدية فقبلها، وسألوه ثانياً، فقال: حتى أؤامر ربي، فلم يرجع إليه بشيء، فقالوا: لو كره لنهاك، ادع عليهم، فدعا عليهم، فصار يجري على لسانه ما يدعو به على بني إسرائيل فينقلب على قومه، فلاموه على ذلك، فقال: سأدلكم على ما فيه هلاكهم، أرسلوا النساء، في عسكرهم، ومروهن أن لا يمتنعن من أحد، فعسى أن يزنوا فيهلكوا، ففعلوا، فوقع الطاعون في بني إسرائيل، فمات منهم سبعون ألفاً في يوم، والمقلل يقول: عشرون ألفاً. وذكر ابن إسحق أن الله أوحى إلى داود ﵇، أن بني إسرائيل كثر عصيانهم، فخيرهم بين ثلاث: إما أن يبتليهم بالقحط، أو بالعدو، أو بالطاعون ثلاثة أيام، فأخبرهم، فقالوا: اختر لنا، فاختار الطاعون، فمات منهم -إلى أن زالت الشمس- سبعون ألفاً، وقيل: مائة ألف، فتضرع داود إلى الله تعالى، فرفعه.
فيحتمل أن تكون "أو" بمعنى الواو، من قبيل عطف المغاير، ويراد بمن قبلنا، من غير بني إسرائيل ويكون المعنى: أرسل على بني إسرائيل، وعلى أقوام غيرهم ممن كان قبلنا.
(فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه) الصحيح أن علة النهي عن القدوم عليه التحرز من العدوى. فإن السليم إذا دخل أرض وباء معد، لعرض نفسه للعدوى والإصابة، والنهي عن خروج من وقع الطاعون بأرض هو بها، عدم نقل العدوى من مكان الوباء إلى غيره، ومنع انتشاره، وهذا هو المعروف في عرف الطب في أرقى العصور بالعزل الصحي، أو الحجر الصحي، أي محاصرة المرض المعدي في أضيق حدوده، وهذا لا يتعارض مع الإيمان بالقضاء والقدر، ولا مع أن العدوى لا تؤثر بنفسها، بل بإرادة الله تعالى، وسيأتي مزيد لهذه المسألة.
وقيل: إن حكمة النهي عن القدوم عليه أن لا يندم من قدم عليه فأصيب بتقدير الله تعالى، فيقول: لولا أني قدمت هذه الأرض لما أصابني، يا ليتني لم أقدم إليها، مع أنه ربما لو أقام في الموضع الذي كان فيه لأصابه، فأمر أن لا يقدم عليه حسماً لهذا الندم، لا للوقاية الفعلية، ونهي من وقع وهو بها أن
стр. 4911
يخرج من الأرض التي نزل بها الطاعون، لئلا يقول إذا خرج ونجا: لو أقمت بها لأصابني ما أصاب أهلها، مع أنه لو أقام بها ربما لم يصبه المرض، فالمنع من الخروج لئلا ينجرف إلى اعتماد الأسباب العادية، وينسى أو يقلل من تقدير الله، ويؤيد هذا التعليل ما أخرجه الهيثم بن كليب والطحاوي والبيهقي بسند حسن، عن أبي موسى أنه قال: "إن هذا الطاعون قد وقع، فمن أراد أن يتنزه عنه فليفعل، واحذروا اثنتين: أن يقول قائل: خرج خارج فسلم، وجلس جالس فأصيب، فلو كنت خرجت لسلمت، كما سلم فلان، أو لو كنت جلست لأصبت، كما أصيب فلان".
والنهي عن القدوم على الطاعون في بلده مطلق، سواء كان له بهذه البلد حاجة، أو لم يكن، لذا سنجد عمر ﵁ يمتنع عن الدخول، مع أن له به حاجة، أما النهي عن الخروج فقيد بأن يكون السبب والدافع للخروج الفرار من الوباء، فإن كانت هناك حاجة إلى الخروج غير الفرار فلا يدخل في النهي، فالصور ثلاث: الخروج قصد الفرار محضاً، فهذا يتناوله النهي لا محالة، والخروج للحاجة محضاً لا يشوبها قصد فرار، والخروج للحاجة والفرار. وسيأتي الكلام عن ذلك في فقه الحديث.
ووقع في آخر الرواية الأولى "وقال أبو النضر: لا يخرجكم إلا فرار منه" فالرواية الأولى رواية محمد بن المنكدر، ولا إشكال فيها، والرواية الثانية رواية أبي النضر، وقد رويت برفع "فرار" ونصبها في روايات البخاري قال النووي: وقع في بعض النسخ -نسخ مسلم- "فرار" بالرفع وفي بعضها "فراراً" بالنصب، وكلاهما مشكل من حيث العربية والمعنى، وقال ابن عبد البر: أهل العربية يقولون: دخول "إلا" هنا، بعد النفي لإيجاب بعض ما نفي قبل من الخروج، فإنه نهي عن الخروج إلا للفرار خاصة، وهو ضد المقصود، فإن المنهي عنه إنما هو الخروج للفرار خاصة، لا لغيره، وقال الكرماني: الجمع بين قول ابن المنكدر "لا تخرجوا فراراً منه" وبين قول أبي النضر "لا يخرجكم إلا فراراً منه" مشكل، فإن ظاهره التناقض، وقد حاول الجمع بما لا يسلم، كما حاول غيره، بأن جعل "إلا" حالاً من الاستثناء، أي لا تخرجوا إذا لم يكن خروجكم إلا للفرار، وكما حاول القاضي عياض، باللجوء إلى رواية الموطأ "لا يخرجكم إلا فراراً" بأداة التعريف، وبعدها "إفرار" بكسر الهمزة، قال: وهو وهم ولحن، وحاول تبرير رواية الموطأ في مكان آخر، فقال: يجوز أن تكون الهمزة للتعدية، يقال: أفره كذا من كذا، أي لا يخرجكم إفراره إياكم. قال القرطبي في المفهم: هذه الرواية غلط، لأنه لا يقال: أفر، وإنما يقال: فرر. اهـ
والذي نستريح إليه ما قاله جماعة من العلماء، من أن إدخال "إلا" في هذه الرواية غلط، أو ما قاله بعضهم من أن "إلا" زائدة، عند من يجيز زيادتها. والله أعلم.
(كنا بالمدينة، فبلغني أن الطاعون قد وقع بالكوفة) سيأتي قريباً استعراض ما قيل في الطواعين التي وقعت في صدر الإسلام، قال النووي: وكان بالكوفة طاعون سنة خمسين، وهو الذي مات فيه المغيرة بن شعبة.
(أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام) سنة ثماني عشرة، وقيل سبع عشرة.
(حتى إذا كان بسرغ) بفتح السين، وسكون الراء بعدها غين، وحكى القاضي وغيره أيضاً فتح
стр. 4912
الراء، والمشهور إسكانها، ويجوز صرفه، وترك صرفه، وهي قرية في طرف الشام، مما يلي الحجاز، افتتحها أبو عبيدة، وهي واليرموك والجابية متصلات، وبينها وبين المدينة ثلاث عشرة مرحلة.
(لقيه أهل الأجناد، أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه) وهم خالد بن الوليد، ويزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة، وعمرو بن العاص، وكان أبو بكر قد قسم البلاد بينهم، وجعل أمر القتال إلى خالد، ثم رده عمر إلى أبي عبيدة، وكان عمر قد قسم الشام أجناداً، جمع جند، بضم الجيم وسكون النون، أي مناطق جنود، الأردن جند، وحمص جند، ودمشق جند، وفلسطين جند، وقنسرين جند، وجعل على كل جند أميراً، وفي رواية "لقيه أمراء الأجناد" أي استقبلوه خارج بلادهم استقبال ترحيب وتشريف.
(فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام) في رواية للبخاري "أن الطاعون قد وقع بأرض الشام" ولا مخالفة، فكل طاعون وباء، كما سبق، وفي رواية "أن الوجع قد وقع بالشام" وكل طاعون وجع. من غير عكس.
(قال ابن عباس: فقال عمر: ادع لي المهاجرين الأولين) أي قال عمر لابن عباس: ادع لي المهاجرين الأولين، قال القاضي: المراد بهم من صلى إلى القبلتين، فأما من أسلم بعد تحويل القبلة فلا يعد فيهم، وفي رواية "اجمع لي المهاجرين الأولين".
(فقال بعضهم: قد خرجت لأمر، ولا نرى أن ترجع عنه) أي خرجت لدخول الشام، ونرى أن تدخل.
(وقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله ﷺ ، ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء) والمراد من "بقية الناس" الصحابة، أطلق عليهم ذلك تعظيماً لهم، أي ادعاء أن ليس الناس إلا هم، فعطف "أصحاب رسول الله ﷺ " عليهم عطف تفسير، ويحتمل أن يكون المراد ببقية الناس، أي الذين أدركوا النبي ﷺ عموماً، والمراد بالصحابة الذين لازموه وقاتلوه معه.
(فقال: ارتفعوا عني) أي قوموا، فاخرجوا، فانصرفوا عني، وفي رواية "فأمرهم، فخرجوا عنه".
(ادع لي من كان ههنا من مشيخة قريش، من مهاجرة الفتح) "مشيخة" بفتح الميم والياء بينهما شين ساكنة وبفتح الميم وكسر الشين وسكون الياء، جمع شيخ، ويجمع أيضاً على شيوخ بالضم والكسر، وأشياخ وشيخة بكسر الشين وفتح الياء، وشيخان بكسر الشين، وسكون الياء، ومشايخ، ومشيخاء بفتح الميم وسكون الشين وضم الياء وفتح الخاء ومدها، وقد تشبع الضمة، حتى تصير واواً.
والمراد من "مهاجرة الفتح" الذين هاجروا إلى المدينة عام الفتح وقبل الفتح، أو الذين تحولوا إلى المدينة بعد فتح مكة، أطلق عليهم مهاجرة صورة، لأن الهجرة بعد الفتح قد ارتفعت حكماً وفضيلة، لقوله ﷺ "لا هجرة بعد الفتح" وذلك لأن مكة بعد الفتح صارت دار إسلام،
стр. 4913
فالذي يهاجر منها للمدينة إنما يهاجر لطلب العلم أو الجهاد أو نحو ذلك، لا للفرار بدينه، بخلاف ما قبل الفتح، وكأنه احترز بذلك عن غيرهم من مشيخة قريش، ممن أقام بمكة، ولم يهاجر أصلاً أو أراد من مهاجرة الفتح مسلمة الفتح.
قال النووي: إنا رتبهم هكذا على حسب فضائلهم. اهـ أي ترتيباً تنازلياً، الأفضل أولاً، ثم الأقل منه فضلاً، ثم الأقل منه فضلاً، فليس إجماع مسلمة الفتح على الرجوع أساس اتخاذه القرار، فقد أشار به بعض كل من الفريقين الأولين، وبالمجموع تكون الأكثرية في جانب الرجوع، على أن مثل عمر يتخذ الاستشارة لإضاءة الطريق، واستطهار الأمر، لا للمشاركة في اتخاذ القرار، وهذا هو ظاهر قوله تعالى ﴿وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله﴾ [آل عمران: ١٥٩] وقوله تعالى ﴿وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله﴾ [الأنعام: ١١٦] فعمر كان مقتنعاً منذ اللحظة الأولى بالرجوع، لكنه أراد أن لا ينفرد ظاهراً بالقرار، لترتاح نفوس الناس، ولذا كان نقاشه الآتي مع أبي عبيدة إنما يستند إلى العقل والحكمة والدليل، لا على كثرة الموافقين على الرجوع، فلسنا مع القاضي عياض، إذ يقول: وكان رجوع عمر ﵁ لرجحان طرف الرجوع، لكثرة القائلين به، وأنه أحوط، ولم يكن مجرد تقليد لمسلمة الفتح، لأن بعض المهاجرين الأولين وبعض الأنصار أشاروا بالرجوع، وبعضهم بالقدوم عليه، وانضم إلى المشيرين بالرجوع رأي مشيخة قريش، فكثروا القائلين به، مع ما لهم من السن، والخبرة، وكثرة التجارب، وسداد الرأي. اهـ
ولسنا مع الرأي الذي حكاه القاضي عياض: إذ يقول: وقيل: إنما رجع عمر لحديث عبد الرحمن بن عوف، لما في الرواية الثامنة، قالوا ولأن عمر لم يكن ليرجع لرأي دون رأي. اهـ وهذا الرأي فاسد من وجوه:
الأول: أن قرار العودة ونداء عمر في الناس: إني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه، كان سابقاً على مجيء عبد الرحمن بن عوف إذ بات ليلة، وهو على ذلك، وقولهم: إن المراد من نداء عمر إني مصبح مسافر إلى الشام وإلى الوجهة التي خرجت من المدينة نحوها، وهذا القول تأويل فاسد، ومذهب ضعيف، كما قال النووي.
الثاني: أن المناقشة مع أبي عبيدة كانت بعد القرار، ولو كان حديث عبد الرحمن بن عوف سابقاً عليها لما كانت المناقشة، وحسم الحديث الموقف.
الثالث: أن وقع الحديث على عمر هو أن حمد الله أن اتفق الحديث مع القرار، وشكر الله على موافقة اجتهاده، واجتهاد معظم الصحابة لنص رسول الله ﷺ .
قال النووي: وأما قول سالم بن عبد الله: "إن عمر إنما انصرف من حديث عبد الرحمن بن عوف" فيحتمل أن سالماً لم يبلغه ما كان عمر عزم عليه من الرجوع قبل حديث عبد الرحمن له، ويحتمل أنه أراد أنه لم يرجع إلا بعد حديث عبد الرحمن. والله أعلم. اهـ
ويرى الحافظ ابن حجر أن حصر سالم لسبب رجوع عمر في الحديث، لم يرد به نفي السبب الأول، وهو اجتهاد عمر، وإنما مراده أنه لما سمع الخبر رجح عنده ما كان عزم عليه،
стр. 4914
فحصر سالم سبب الرجوع في الحديث لأنه السبب الأقوى، وكأنه يقول: لولا وجود النص لأمكن إذا أصبح أن يتردد في ذلك، أو يرجع عن رأيه، فلما سمع الخبر استمر على عزمه الأول، ولولا الخبر لما استمر. اهـ ولسنا معه في هذا، لما عرفناه عن عمر ومضاء عزمه وقوة إرادته، وحجته على أبي عبيدة، التي لا تقبل التردد.
(إني مصبح على ظهر، فأصبحوا عليه) قال النووي، هو بإسكان الصاد فيهما، أي مسافر راكب على ظهر الراحلة، راجع إلى وطني، فأصبحوا على ظهركم، وتأهبوا له. اهـ وفي رواية "إني ماض لما أرى، فانظروا ما آمركم به، فامضوا له، قال: فأصبح على ظهر".
(فقال أبو عبيدة بن الجراح) وهو إذ ذاك أمير الشام، وفي رواية "وقالت طائفة، منهم أبو عبيدة".
(أفرارا من قدر الله)؟ "فراراً" منصوب على المفعول له، أي أترجع يا عمر بمن معك فراراً؟ أو على المصدر، أي أتفرون فراراً؟ .
(لو غيرك قالها يا أبا عبيدة) "لو" شرطية، وجوابها محذوف، أي لعاقبته، أو لكان أولى منك بذلك الفهم، أو لم أتعجب منه ولكني أتعجب منك، مع علمك وفضلك، كيف تقول هذا؟ ويحتمل أن يكون الجواب: لأدبته، ويحتمل أن تكون "لو" هنا للتمني، فلا تحتاج إلى جواب، أي كنت أتمنى أن يقولها غيرك ممن لا فهم له، فأعذره.
(وكان عمر يكره خلافه) أي يكره أن يخالفه أو يناقشه في قراره أحد، فكره أن يناقشه أبو عبيدة، فلامه أو عنفه بهذا الأسلوب.
(نعم. نفر من قدر الله إلى قدر الله) أطلق عليه الفرار لشبهه به في الصورة، وإن كان ليس فراراً شرعياً، أراد أنه لم يفر من قدر الله حقيقة، وذلك لأن الأمر الذي فر منه، أمر خاف على نفسه منه، فلم يهجم عليه، والذي فر إليه، أمر لا يخاف على نفسه منه، إلا الأمر الذي لا بد من وقوعه، سواء كان مسافراً أو مقيماً، وفي رواية "إن تقدمنا فبقدر الله، وإن تأخرنا فبقدر الله".
(أرأيت لو كانت لك إبل، فهبطت وادياً له عدوتان، إحداهما خصبة، والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله؟ وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ ) "العدوتان" بضم العين وكسرها مع سكون الدال، تثنية عدوة، وهي المكان المرتفع من الوادي، أو شاطئ الوادي وفي رواية للبخاري "إحداهما خصيبة" على وزن عظيمة، ورواية مسلم "خصبة" بسكون الصاد بغير ياء و"جدبة" بفتح الجيم وسكون الدال، ضد الخصبة، وقال صاحب التحرير، الجدبة هنا بسكون الدال وكسرها، قال: والخصبة كذلك، و"هبطت" بفتح الطاء، والضمير للإبل.
стр. 4915
وهذا الدليل من القياس الواضح الجلي، الذي لا شك في صحته، ولا ينازع فيه أحد، مع مساواته لمسألة النزاع، أي إن الله تعالى أمر بالاحتياط والحزم ومجانبة أسباب الهلاك، كما أمر بالتحصن من سلاح العدو، وتجنب المهالك، وإن كان كل واقع بقضاء الله وقدره، السابق في علمه.
وفي ملحق الرواية "أرأيت أنه لو رعى الجدبة، وترك الخصبة، أكنت معجزه؟ بضم الميم وفتح العين وتشديد الجيم المكسورة، أي أكنت تتهمه بالعجز؟ "قال: نعم" اتهمه بالعجز وسوء التصرف، "قال: فسر إذا" أنت يا أبا عبيدة إلى البلد التي خرجت منها بالشام، وسأسير أنا إلى البلد التي خرجت منها، وهي المدينة.
ومقصود عمر ﵁ أن الناس رعية لي، استرعانيها الله تعالى، فيجب على الاحتياط لها، فإن تركت الاحتياط نسبت إلى العجز والتقصير، واستوجبت العقوبة.
(فسار حتى أتى المدينة، فقال: هذا المحل، أو قال: هذا المنزل، إن شاء الله) هما بمعنى، والمحل بفتح الحاء وكسرها، والفتح أقيس.
(إضافة) قال النووي: قال أبو الحسن المدائبني: كانت الطواعين المشهورة العظام في الإسلام خمسة:
طاعون شيرويه بالمدائن، على عهد النبي ﷺ ، في سنة ست من الهجرة، ثم طاعون عمواس -بفتح العين، وبفتح الميم وتسكينها، قيل سمي بذلك لأنه عم، وواسى، وهي قرية معروفة بالشام، في زمن عمر بن الخطاب ﵁، وكان بالشام، مات فيه خمسة وعشرون ألفاً، مات فيه لأنس بن مالك ﵁ ثلاثة وثمانون ابناً، ويقال: ثلاثة وسبعون ابناً، ومات لعبد الرحمن بن أبي بكرة أربعون ابناً، ثم طاعون الفتيات في شوال سنة سبع وثمانين.
وذكر ابن قتيبة عن الأصمعي: أن أول طاعون كان في الإسلام طاعون عمواس بالشام في زمن عمر بن الخطاب ﵁، فيه توفي أبو عبيدة بن الجراح ﵁، ومعاذ بن جبل وامرأتاه وابنه، ﵃، ثم الطاعون الجارف في زمن ابن الزبير سنة سبع وستين، ثم طاعون الفتيات، لأنه بدأ في العذارى والجواري بالبصرة، وبواسط وبالشام والكوفة، وكان الحجاج يومئذ بواسط، في ولاية عبد الملك بن مروان، وكان يقال له: طاعون الأشراف، لما مات فيه من الأشراف، ثم طاعون عدي بن أرطاة، سنة مائة، ثم طاعون غراب سنة سبع وعشرين ومائة، ثم طاعون مسلم بن قتيبة، سنة إحدى وثلاثين ومائة، ولم يقع بالمدينة ولا بمكة طاعون. اهـ
قال النووي: وكان طاعون عمواس -موضوع حديثنا- سنة ثماني عشرة، وعمواس قرية بين الرملة وبيت المقدس، نسب الطاعون إليها، لكونه بدأ فيها. والله أعلم.
стр. 4916
-[فقه الحديث]-
قال النووي: في هذه الأحاديث منع القدوم على بلد الطاعون، ومنع الخروج منه فراراً من ذلك، أما الخروج لعارض فلا بأس به.
قال: وهذا الذي ذكرناه هو مذهبنا ومذهب الجمهور، قال القاضي: وهو قول الأكثرين، قال: حتى قالت عائشة: الفرار منه كالفرار من الزحف، قال: ومنهم من جوز القدوم عليه، والخروج منه فراراً. قال: وروي هذا عن عمر بن الخطاب ﵁ وأنه ندم على رجوعه من سرغ وعن أبي موسى الأشعري ومسروق والأسود بن هلال أنهم فروا من الطاعون، وقال عمرو بن العاص: فروا عن هذا الرجز في الشعاب والأودية ورءوس الجبال، فقال معاذ: بل هو شهادة ورحمة.
قال: ويتأول هؤلاء النهي على أنه لم ينه عن الدخول عليه والخروج منه مخافة أن يصيبه غير المقدر، لكن مخافة الفتنة على الناس، لئلا يظنوا أن هلاك القادم إنما حصل بقدومه، وسلامة الفار، إنما كانت بفراره، قالوا: وهو من نحو النهي عن الطيرة والقرب من المجذوم.
قال: وقد جاء عن ابن مسعود أنه قال: الطاعون فتنة على المقيم والفار، أما الفار فيقول: فررت فنجوت، وأما المقيم فيقول: أقمت فمت، وإنما فر من لم يأت أجله، وأقام من حضر أجله.
قال النووي: والصحيح ما قدمناه من النهي عن القدوم عليه، والفرار منه، لظاهر الأحاديث الصحيحة.
قال العلماء: وهو قريب المعنى من قوله ﷺ "لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا". اهـ
وحكى البغوي في شرح السنة عن قوم أنهم حملوا النهي على التنزيه، فهو مكروه، والقدوم جائز لمن غلب عليه التوكل، والانصراف عنه رخصة، وتمسكوا بما جاء عن عمر أنه ندم على رجوعه من سرغ، كما أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن عمر بأنه سمع عمر منفرداً يقول: اللهم اغفر لي رجوعي من سرغ" قال القرطبي في المفهم: لا يصح هذا عن عمر، قال: وكيف يندم على فعل ما أمر به النبي ﷺ ؟ ويرجع عنه؟ ويستغفر منه؟ .
ومال الحافظ ابن حجر إلى صحة الحديث، ووجهه بأنه يحتمل أن يكون سبب ندمه أنه خرج لأمر مهم من أمور المسلمين، فلما وصل إلى قرب البلد المقصود رجع، مع أنه كان يمكنه أن يقيم بالقرب من البلد المقصود، إلى أن يرتفع الطاعون، فيدخل إليها ويقضي حاجة المسلمين، قال: ويؤيد ذلك أن الطاعون ارتفع عنها عن قرب، فلعله كان بلغه ذلك، فندم على رجوعه إلى المدينة.
ثم قال الحافظ ابن حجر: الخروج من بلد الطاعون بقصد الفرار المحض يتناوله النهي لا محالة، ومن خرج لحاجة متمحضة، لا لقصد الفرار أصلاً فلا يدخل في النهي، ويتصور ذلك فيمن تهيأ للرحيل من بلد كان بها، إلى بلد إقامته مثلاً، ولم يكن الطاعون وقع، فاتفق وقوعه أثناء تجهيزه، وأما الخروج لمن عرضت له حاجة، ثم ضم إليها الفرار، فهو محل النزاع.
стр. 4917
وقد ذكر العلماء عللاً وحكماً للنهي عن الخروج من بلد الطاعون، منها أن الطاعون في الغالب يكون عاماً في البلد الذي يقع به، فإذا وقع فالظاهر مداخلة سببه لمن بها، فلا يفيده الفرار، لأن المفسدة إذا تعينت -بحيث لا يقع الانفكاك عنها- كان الفرار عبثاً، فلا يليق بالعاقل، أقول: وهذه العلة غير مسلمة، فلا أحد يقطع بإمكان الانفكاك أو عدم إمكانه.
ومنها أن الناس لو تواردوا على الخروج لصار من عجز عنه -بالمرض المذكور أو بغيره- ضائع المصلحة، لفقد من يتعهده حياً وميتاً. أقول: وهذه العلة غير مسلمة، إذا واجب القادرين على الخروج أن يساعدوا العاجزين ليخرجوهم معهم، كما لو قام حريق في بيت، فالواجب على القادرين أن يحملوا معهم العاجزين ويفروا، ولا يطلب من القادرين البقاء تضامناً مع العاجزين.
ومنها: أنه لو شرع الخروج، فخرج الأقوياء، لكان في ذلك كسر قلوب الضعفاء، وقد قالوا: إن حكمة الوعيد في الفرار من الزحف، لما فيه من كسر قلب من لم يفر، وإدخال الرعب عليه بخذلانه. أقول: وقياس الفرار من الطاعون على الفرار من الزحف غير سليم، فإن من لم يفر من الزحف سيقاتل الأعداء، وقد يغلبهم وينتصر عليهم، فالفرار يضيع هذه الفائدة المرجوة، بخلاف الطاعون.
ومنها: ما ذكره بعض الأطباء أن المكان الذي يقع به الوباء تتكيف أمزجة أهله بهواء تلك البقعة، وتألفها، وتصير لهم كالأهوية الصحيحة لغيرهم، فلو انتقلوا إلى الأماكن الصحيحة لم يوافقهم، فمنعوا من الخروج لهذا. أقول: وهذا تعليل لا يقبله العقل، ويستلزم أن المريض في بيئة لا يخرج إلى بيئة أخرى أنظف وأنقى من التي هو بها.
وكأن هذه التعليلات كلها محاولة من جانب أصحابها لأن يستبعدوا أن النهي عن الخروج إنما هو لحماية من هم خارجون عن بلده، من انتقال العدوى إليهم، وأن النهي لمحاصرة الوباء في أضيق حدوده، مع أن هذا هو المعروف في الطب بالحجر الصحي. ولعلهم يخافون اعتقاد تأثير العدوى بنفسها، مع أنها سبب مؤثر ككل الأسباب المؤثرة بقدرة الله تعالى.
-[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]-
١ - قال النووي: ما جاء في هذه الأحاديث من أنه أرسل على بني إسرائيل أو من كان قبلكم عذاباً لهم، يدل هذا الوصف (كونه عذاباً) على أنه مختص بمن كان قبلنا، وأما هذه الأمة فهو لها رحمة وشهادة، ففي الصحيحين "المطعون شهيد" وفي البخاري "أن الطاعون كان عذاباً يبعثه الله على من يشاء، فجعله رحمة للمؤمنين، فليس من عبد يقع الطاعون، فيمكث في بلده صابراً، يعلم أن لن يصيبه إلا ما كتب الله له، إلا كان له مثل أجر شهيد" وفي حديث آخر "الطاعون شهادة لكل مسلم" وإنما يكون شهادة لمن صبر، كما بينه في الحديث المذكور. اهـ وعند أحمد "الطاعون شهادة للمؤمنين، ورحمة لهم، ورجس على الكافر".
وتعقب هذا بأن الطاعون قد يكون عذاباً للعصاة من المؤمنين، ففي حديث ابن عمر عند ابن ماجه والبيهقي "لم تظهر الفاحشة في قوم قط، حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم" وفي الموطأ بلفظ "ولا فشا الزنا في قوم قط إلا كثر فيهم
стр. 4918
الموت" وعند الحاكم "إذا ظهر الزنا والربا في قرية، فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله" وعند الطبراني "ما من قوم يظهر فيهم الزنا إلا أخذوا بالفناء" وعند الحاكم "ولا ظهرت الفاحشة في قوم إلا سلط الله عليهم الموت" وعند أحمد "لاتزال أمتي بخير ما لم يفش فيهم ولد الزنا، فإذا فشا فيهم ولد الزنا أوشك أن يعمهم الله بعقاب" ففي هذه الأحاديث -على ما في بعضها من ضعف- أن الطاعون قد يقع عقوبة بسبب المعصية، فكيف يكون شهادة؟ .
قال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن يقال: بل تحصل له درجة الشهادة، لعموم الأخبار الواردة، ولا سيما حديث أنس "الطاعون شهادة لكل مسلم" ولا يلزم من حصول درجة الشهادة لمن اجترح السيئات، مساواته بالمؤمن الكامل في المنزلة، لأن درجات الشهداء متفاوتة، كنظيره من العصاة إذا قتل مجاهداً في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا، مقبلاً غير مدبر، ومن رحمة الله بهذه الأمة أن يعجل لهم العقوبة في الدنيا، ولا ينافي ذلك أن يحصل لمن وقع به الطاعون أجر الشهادة، ولا سيما وأكثرهم لم يباشر تلك الفاحشة، وإنما عمهم -والله أعلم- لتقاعدهم عن إنكار المنكر. وقد أخرج أحمد وصححه ابن حبان "القتل ثلاثة. رجل جاهد بنفسه وماله في سبيل الله، حتى إذا لقى العدو قاتلهم حتى يقتل، فذاك الشهيد المفتخر، في خيمة الله، تحت عرشه، لا يفضله النبيون إلا بدرجة النبوة، ورجل مؤمن قرف على نفسه من الذنوب والخطايا، جاهد بنفسه وماله في سبيل الله، حتى إذا لقى العدو قاتلهم حتى يقتل، فانمحت خطاياه -إن السيف محاء للخطايا- ورجل منافق، جاهد بنفسه وماله في سبيل الله، حتى إذا لقى العدو قاتله حتى يقتل، فهو في النار، إن السيف لا يمحو النفاق" ثم قال الحافظ ابن حجر: وأما الحديث الآخر الصحيح "إن الشهيد يغفر له كل شيء إلا الدين" فإنه يستفاد منه أن الشهادة لا تكفر التبعات، وحصول التبعات لا يمنع حصول درجة الشهادة، وليس للشهادة معنى إلا أن الله يثيب من حصلت له ثواباً مخصوصا، ويكرمه كرامة زائدة.
بل جاء في بعض الأحاديث استواء شهيد الطاعون وشهيد المعركة، فأخرج أحمد بسند حسن "يأتي الشهداء والمتوفون بالطاعون، فيقول أصحاب الطاعون: نحن شهداء، فيقال: انظروا فإن كان جراحهم كجراح الشهداء، تسيل دماً، وريحها كريح المسك، فهم شهداء، فيجدونهم كذلك" وعند أحمد أيضاً والنسائي بسند حسن "يختصم الشهداء والمتوفون على فرشهم إلى ربنا في الذين ماتوا بالطاعون، فيقول الشهداء: إخواننا (الذين ماتوا بالطاعون) قتلوا كما قتلنا (أي فهم مثلنا شهداء) ويقول الذين ماتوا على فرشهم: إخواننا ماتوا على فرشهم، كما متنا، فيقول الله : انظروا إلى جراحهم، فإن أشبهت جراح المقتولين فإنهم منهم، فإذا جراحهم أشبهت جراحهم" وفي رواية زيادة "فيلحقون بهم".
والتحقيق أن الطاعون وإن كان عذاباً لعصاة المؤمنين فهو رحمة بهم من عذاب الآخرة. والله أعلم.
٢ - وفي قصة عمر ﵁، الرواية الثامنة وما بعدها الاحتراز من المكاره وأسبابها.
٣ - والتسليم لقضاء الله عند حلول الآفات، وعدم القدرة على دفعها. قال النووي: وهذان المأخذان
стр. 4919
واضحان من موقفي الصحابة من المشاورة، وهما مستمدان من أصلين في الشرع، أحدهما التوكل والتسليم للقضاء، والثاني الاحتباط والحذر، ومجانبة أسباب الإلقاء باليد إلى التهلكة.
٤ - وفي الحديث خروج الإمام بنفسه إلى ولاياته في بعض الأوقات، ليشاهد أحوال رعيته، ويزيل ظلم المظلوم، ويكشف كرب المكروب، ويسد خلة المحتاج، ويقمع أهل الفساد، ويخافه أهل البطالة، والأذى والولاة، ويحذروا تجسسه عليهم، واطلاعه على أحوالهم وقبائحهم، فينكفوا، ويقيم في رعيته شعائر الإسلام، ولغير ذلك من المصالح. ذكره النووي.
٥ - تلقى الأمراء ووجوه الناس الإمام عند قدومه، وإعلامهم إياه بما حدث في بلادهم من خير أو شر أو وباء، أو رخص أو غلاء وغير ذلك.
٦ - واستحباب مشاورة الإمام أهل العلم والرأي في الأمور الحادثة، وتقديم أهل السابقة في ذلك.
٧ - تنزيل الناس منازلهم، وتقديم أهل الفضل على غيرهم.
٨ - جواز الاجتهاد في الحروب ونحوها، كما يجوز في الأحكام.
٩ - قبول خبر الواحد، فإنهم قبلوا خبر عبد الرحمن بن عوف.
١٠ - صحة القياس، وجواز العمل به.
١١ - ابتداء العالم بما عنده من العلم قبل أن يسأله، كما فعل عبد الرحمن بن عوف.
١٢ - مشروعية المناظرة.
١٣ - الرجوع إلى النص عند الاختلاف، وأن النص يسمى علماً.
١٤ - وأن الاختلاف لا يوجب حكماً، إنما الاتفاق هو الذي يوجبه.
١٥ - وأن العالم قد يكون عنده ما لا يكون عند غيره ممن هو أعلم منه.
والله أعلم
ملحوظة: لهذا الباب صلة وثيقة بالباب الآتي.
стр. 4920
(٥٩٨) باب العدوى والطيرة والكهانة والهامة وصفر
٥٠٤٨ - عن أبي هريرة ﵁ حين قال رسول الله ﷺ : "لا عدوى ولا صفر ولا هامة" فقال أعرابي يا رسول الله، فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء، فيجيء البعير الأجرب فيدخل فيها فيجربها كلها؟ قال: "فمن أعدى الأول".
٥٠٤٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: "لا عدوى ولا طيرة ولا صفر ولا هامة" فقال أعرابي: يا رسول الله. بمثل حديث يونس.
٥٠٥٠ - عن السائب بن يزيد بن أخت نمر أن النبي ﷺ قال: "لا عدوى ولا صفر ولا هامة".
٥٠٥١ - عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ قال: "لا عدوى" ويحدث أن رسول الله ﷺ قال: "لا يورد ممرض على مصح" قال أبو سلمة: كان أبو هريرة يحدثهما كلتيهما عن رسول الله ﷺ . ثم صمت أبو هريرة بعد ذلك عن قوله لا عدوى وأقام على أن لا يورد ممرض على مصح. قال: فقال الحارث بن أبي ذباب -وهو ابن عم أبي هريرة- قد كنت أسمعك يا أبا هريرة تحدثنا مع هذا الحديث حديثاً آخر قد سكت عنه، كنت تقول قال رسول الله ﷺ : "لا عدوى" فأبى أبو هريرة أن يعرف ذلك. وقال: ﴿لا يورد ممرض على مصح.﴾ فما رآه الحارث في ذلك حتى غضب أبو هريرة فرطن بالحبشية. فقال للحارث: أتدري ماذا قلت؟ قال: لا. قال أبو هريرة: قلت: أبيت.
قال أبو سلمة: ولعمري لقد كان أبو هريرة يحدثنا أن رسول الله ﷺ قال: "لا عدوى" فلا أدري أنسي أبو هريرة أو نسخ أحد القولين الآخر.
стр. 4921
٥٠٥٢ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا عدوى".
-ويحدث مع ذلك: لا يورد الممرض على المصح بمثل حديث يونس.
٥٠٥٣ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا عدوى ولا هامة ولا نوء ولا صفر".
٥٠٥٤ - عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا عدوى ولا طيرة ولا غول".
٥٠٥٥ - عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا عدوى ولا غول ولا صفر".
٥٠٥٦ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "لا عدوى ولا صفر ولا غول" وسمعت أبا الزبير يذكر أن جابراً فسر لهم قوله: ولا صفر. فقال أبو الزبير: الصفر: البطن. فقيل لجابر: كيف؟ قال: كان يقال دواب البطن.
-قال: ولم يفسر الغول. قال أبو الزبير: هذه الغول التي تغول.
٥٠٥٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "لا طيرة وخيرها الفأل" قيل يا رسول الله، وما الفأل؟ قال: "الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم".
٥٠٥٨ - عن أنس ﵁ أن نبي الله ﷺ قال: "لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل الكلمة الحسنة الكلمة الطيبة".
стр. 4922
٥٠٥٩ - عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل" قال: قيل: وما الفأل؟ قال: "الكلمة الطيبة".
٥٠٦٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا عدوى ولا طيرة وأحب الفأل الصالح".
٥٠٦١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا عدوى ولا هامة ولا طيرة وأحب الفأل الصالح".
٥٠٦٢ - عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "الشؤم في الدار والمرأة والفرس".
٥٠٦٣ - عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "لا عدوى ولا طيرة وإنما الشؤم في ثلاثة المرأة والفرس والدار".
٥٠٦٤ - عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: "إن يكن من الشؤم شيء حق ففي الفرس والمرأة والدار".
-وفي رواية عن شعبة بهذا الإسناد مثله ولم يقل: حق.
стр. 4923
٥٠٦٥ - عن حمزة بن عبد الله بن عمر، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "إن كان الشؤم في شيء ففي الفرس والمسكن والمرأة".
٥٠٦٦ - عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن كان ففي المرأة والفرس والمسكن" -يعني الشؤم-
٥٠٦٧ - عن جابر ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "إن كان في شيء ففي الربع والخادم والفرس".
٥٠٦٨ - عن معاوية بن الحكم السلمي ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، أموراً كنا نصنعها في الجاهلية، كنا نأتي الكهان؟ قال: "فلا تأتوا الكهان" قال: قلت: كنا نتطير. قال: "ذاك شيء يجده أحدكم في نفسه فلا يصدنكم".
٥٠٦٩ - ومثله في رواية عن معاوية وزاد في حديث يحيى بن أبي كثير قال: قلت: ومنا رجال يخطون؟ قال: كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك".
٥٠٧٠ - عن عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله، إن الكهان كانوا يحدثوننا بالشيء فنجده حقاً؟ قال: "تلك الكلمة الحق يخطفها الجني فيقذفها في أذن وليه، ويزيد فيها مائة كذبة".
стр. 4924
٥٠٧١ - عن عائشة ﵂ سأل أناس رسول الله ﷺ عن الكهان. فقال: "لهم رسول الله ﷺ ليسوا بشيء" قالوا: يا رسول الله، فإنهم يحدثون أحياناً الشيء يكون حقاً؟ قال رسول الله ﷺ : "تلك الكلمة من الجن يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه قر الدجاجة فيخلطون، فيها أكثر من مائة كذبة".
٥٠٧٢ - عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: أخبرني رجل من أصحاب النبي ﷺ من الأنصار، أنهم بينما هم جلوس ليلة مع رسول الله ﷺ ، رمي بنجم فاستنار. فقال لهم رسول الله ﷺ : "ماذا كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمي بمثل هذا؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، كنا نقول ولد الليلة رجل عظيم، ومات رجل عظيم. فقال رسول الله ﷺ : "فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا ﵎ اسمه إذا قضى أمراً، سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا، ثم قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم ماذا قال. قال فيستخبر بعض أهل السماوات بعضاً حتى يبلغ الخبر هذه السماء الدنيا. فتخطف الجن السمع فيقذفون إلى أوليائهم، ويرمون به، فما جاءوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يقرفون فيه ويزيدون".
٥٠٧٣ - وفي رواية عن عبد الله بن عباس أخبرني رجال من أصحاب رسول الله ﷺ من الأنصار وفي حديث الأوزاعي: ولكن يقرفون فيه ويزيدون.
٥٠٧٤ - وفي حديث يونس: ولكنهم يرقون فيه ويزيدون. وزاد في حديث يونس: وقال الله ﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق﴾ وفي حديث معقل كما قال الأوزاعي: ولكنهم يقرفون فيه ويزيدون.
стр. 4925
٥٠٧٥ - عن صفية ﵂، عن بعض أزواج النبي ﷺ ، عن النبي ﷺ قال: "من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة".
٥٠٧٦ - عن عمرو بن الشريد، عن أبيه، قال: كان في وفد ثقيف رجل مجذوم فأرسل إليه النبي ﷺ : "إنا قد بايعناك فارجع".
-[المعنى العام]-
من الثابت الذي لا يقبل الشك، أن بعض الأمراض تنتقل من جسم المريض إلى جسم السليم، بسبب المخالطة بينهما، عن طريق جراثيم "ميكروبات" وهي كائنات حية صغيرة، لا ترى بالعين المجردة، ولكل مرض "ميكروب" خاص به، وطريقة ينتقل بها من المريض إلى السليم، بعضها ينتقل عن طريق الهواء بدون ملامسة، كما ينتقل تلقيح الأنثى من طلع النخل بطلع الذكر القريب، وقد يكثر المرض والميكروب، فيفسد الهواء في منطقة واسعة، فيصيب العامة، مما يعرف بالوباء، وبعضها ينتقل بملامسة السليم للمريض، وبعضها ينتقل باستعمال أدوات المريض، وبعضها ينتقل عن طريق اتصال دم المريض بدم السليم، أو اتصال مخاطه، أو اتصال ماء شهوته.
ومن الثابت أيضاً أن في جسم الإنسان وفي دمه كرات بيضاء، تقف بالمرصاد للميكروبات المعادية الوافدة، فتلتهمها وتقضي عليها، هذا إن كان العدو الوافد أضعف من قوة الدفاع، كماً أو كيفاً، فالميكروب له أطوار يقوى فيها، وأطوار يضعف فيها، وله درجة قوة وتمكن من مريض إلى مريض، وقوة الدفاع تختلف من جسم إلى جسم، وتعرف بجهاز المناعة، وقد تتقوى هذه القوة عن طريق التطعيم الصحي، عند حصول الوباء، أو توقعه وكل هذه أمور يديرها الله تعالى في جسم الإنسان، فقد يهاجم ميكروب المريض سليماً، فيهزمه جيش دفاعه، فلا تظهر عليه عوارض المرض، وينجو بتقدير الله تعالى، وكم من حذر وقع في شرك هذه الأمراض؟ وكم من مخالط لهذه الأمراض نجا من خطرها، وذلك لنعلم أن أهم شروط العدوى وتأثيرها إرادة الله تعالى.
هذه الحقيقة كانت غائبة عن أهل الجاهلية، وكما بعث ﷺ لإنقاذ البشرية من الشرك، بعث لتوجيهها إلى الواحد القهار، فقال لهم: "لا عدوى" لا تعتقدوا في العدوى ما تعتقدون، ولا تعتقدوا أنها تمرض السليم بنفسها، آمنوا بالذي خلق المرض، وخلق انتقاله، وهيأ الظروف لتأثير هذه العدوى. عجب القوم من هذا الخبر، إنهم يشاهدون آثارها وانتقال المرض من المريض إلى السليم بمجرد المخالطة، فقال قائلهم: يا رسول الله، إن إبلي تسرح وتمرح، نشطة، نظيفة، سليمة الجلد، حسنته، كأنها الظباء، فيدخل عليها البعير الأجرب، فيصيبها بالجرب، وينتقل الجرب، من بعير إلى بعير حتى تكون جرباء كلها، فكيف تقول: لا عدوى؟ كيف نلغي المشاهدة؟ وغاب عن الأعرابي أن الذي
стр. 4926
يشاهدونه هو الأثر، وليس المؤثر، وأن المؤثر والفاعل الحقيقي هو الله تعالى، وهو الذي جعل العدوى سبباً، وأنها قد تؤثر، وقد لا تؤثر، وأنه قد يبعث المرض المعدي نفسه بدون العدوى، فقال رسول الله ﷺ للأعرابي: فمن أعدى الأول؟ من الذي أجرب البعير الذي مرض بالجرب أولاً؟ الجواب: أجربه الله تعالى، وإذن الذي يمرض حقيقة هو الله تعالى، وخشي ﷺ أن تتحول العقيدة عن اعتبار الأسباب، وأن تهمل الأسباب بالكلية، فقال لهم: لا يوردن صاحب إبل جرباء، إبله على إبل سليمة.
وكانوا في الجاهلية يتطيرون ويتشاءمون، ويعتقدون في المتشاءم منه أنه يوجد الشر والضرر، فإذا رأى أحدهم في طريقه لمشروع مهم غراباً أسود رجع، وترك مشروعه، وإذا سمع أحدهم صوت بومة وهو على أهبة سفر رجع عن السفر، فقال لهم رسول الله ﷺ "لا طيرة" ولا أثر لما تتشاءموا منه، فلا تتشاءموا، وإذا وقع في نفسكم شيء من هذا فقولوا: اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك، ولا يعلم الغيب إلا أنت، وامضوا لأعمالكم، ولا ترجعوا.
وكانوا يعتقدون أن روح القتيل تظهر ليلاً في صورة طائر، ينادي: اسقوني من دم قاتلي، تظل كذلك حتى يؤخذ بثأره، ويسمونها الهامة، فقال لهم رسول الله ﷺ : "لا هامة" وإنما هي أوهام وخيالات لا أصل لها، ولا وجود. وكانوا يعتقدون أن في بطن الإنسان حية كبيرة، تتلوى إذا جاع، تطلب الطعام، ويسمونها "صفر" فقال لهم: "ولا صفر" وكانوا يعتقدون أن الأمطار تنزل بفعل نجم خاص يظهر في السماء يسمونه، ويقولون: مطرنا بنوء كذا، فقال لهم: إن النجوم لا تنزل مطراً، وإنما هو الله مرسل الرياح، ومسخر السحاب، والمنزل وحده للغيث، وكانوا يعتقدون أن في الصحراء والخلاء المهجور تظهر حيوانات غريبة المنظر، وغيلان مخيفة، تتراءى في الليل، وعند الانفراد والوحدة، فقيل لهم: "ولا غلول".
يحارب ﷺ العقائد الفاسدة، ويغرس في النفوس الأفكار السليمة الصحيحة، التي يحافظ الإنسان بها على نفسه في دينه ودنياه، ولا يخاف الشر والضرر، إلا مما فيه الضرر بيقين، وأن يعتمد على الله ويتوكل عليه ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدراً﴾ [الطلاق: ٣].
-[المباحث العربية]-
(لا عدوى) "لا" نافية للجنس، تعمل عمل "إن" واسمها يبنى على ما ينصب به، فعدوى اسم "لا" مبني على فتح مقدر على الألف في محل نصب، وخبرها محذوف، تقديره: تؤثر، أو تنتقل بنفسها، والعدوى انتقال المرض من المصاب به إلى السليم بسبب المخالطة، وكانت العرب تعتقد أن هذه المخالطة هي العامل الوحيد فيها، ونسوا أن الله تعالى هو الفاعل الحقيقي الفعال لما يريد.
(ولا صفر) بفتح الصاد والفاء، وفسره البخاري بقوله: وهو داء يأخذ البطن، وقيل: هو حبة تكون في البطن، تصيب الماشية والناس، وهي أعدى من الجرب في اعتقاد العرب، وقد جاء هذا التفسير عن جابر ﵁ في روايتنا التاسعة، وقيل: هو دود يكون في الجوف، فربما عض، فقتل، فالمراد بالنفي
стр. 4927
نفي ما كانوا يعتقدون من دواب قاتلة، تكون في البطن، فكأنه قال: لا حقيقة لما تعتقدون من ذلك، وإنما الموت بفعل الله تعالى إذا فرغ الأجل.
وكانوا يعتقدون أن هذا الجوع ينتقل من المريض إلى السليم بالمخالطة، لذا قرن بنفي العدوى، وقيل، إن المراد بصفر المنفي شهر صفر، وذلك أن العرب كانت تحرم صفر، وتستحل المحرم، كما تقدم في كتاب الحج، عند حديث "كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، ويجعلون المحرم صفراً" قال ابن بطال: وهذا القول مروي عن مالك. اهـ
أي لا صفر يسبق المحرم، كما تفعلون، ولا مانع من أن يراد بصفر المنفي الأمران جميعاً.
وقيل: الصفر وجع في البطن، ينشأ من الجوع، أو من اجتماع الماء في البطن، الاستسقاء، ومن الأول حديث "صفرة في سبيل الله خير من حمر النعم" أي جوعة في سبيل الله، ومنه أيضاً قولهم: صفر الإناء، إذا خلا عن الطعام، ومن الثاني حديث "أن رجلاً أصابه الصفر، فنعت له السكر" أي حصل له الاستسقاء، فوصف له النبيذ.
(ولا هامة) بتخفيف الميم على المشهور، ولم يذكر الجمهور غيره، وحكي بتشديدها، قال الحافظ ابن حجر: وكأن من شددها ذهب إلى أنها واحدة الهوام، أي ذوات السموم، وقيل: إحدى دواب الأرض التي تهم بأذى الناس، قال النووي: فيه تأويلان: أحدهما أن العرب كانت تتشاءم بالهامة، وهي الطائر المعروف من طير الليل، قيل هي البومة، قالوا: كانت إذا سقطت على دار أحدهم رآها ناعية له نفسه، أو بعض أهله، وهذا تفسير مالك بن أنس، (وعلى هذا فالمعنى: لا شؤم بالبومة ونحوها) والثاني أن العرب كانت تعتقد أن عظام الميت -وقيل: روحه- تنقلب هامة، تطير، هذا تفسير أكثر العلماء، وهو المشهور، (وعلى هذا فالمعنى: لا حياة لهامة الميت) ويجوز أن يكون المراد النوعين، فإنهما جميعاً باطلان، فبين النبي ﷺ إبطال ذلك، وضلالة الجاهلية، فيما تعتقده من ذلك. اهـ
وقال المناوي: الهامة دابة تخرج من رأس القتيل، أو تتولد من دمه، فلا تزال تصيح، حتى يؤخذ بثأره، هكذا زعمه العرب، فكدبهم الشرع.
وذكر الزبير بن بكار أن العرب كانت في الجاهلية تقول: إذا قتل الرجل، ولم يؤخذ بثأره، خرجت من رأسه هامة، تدور حول قبره، فتقول: اسقوني من دم قاتلي، فإذا أدرك بثأره ذهبت، وإلا بقيت، قال: وكانت اليهود تزعم أنها تدور حول قبره سبعة أيام، ثم تذهب.
(ولا طيرة) كذا في الرواية الثانية والسابعة والعاشرة والحادية عشرة والثانية عشرة، والثالثة عشرة والرابعة عشرة، والسادسة عشرة، والطيرة بكسر الطاء وفتح الياء وقد تسكن، فعلة من طار يطير، وأصلها منسوب إلى الطير، فقد كان العرب تتفاءل بتيامن الطير، وتتشاءم باتجاهه شمالاً، من أراد منهم البدء في عمل هام، أو مشروع كبير أو سفر، استوثق أولاً من نجاحه، بأن يزجر الطير الذي يلاقيه، فإن انصرف إلى جهة اليمين تفاءل وشرع في عمله، وإن انصرف إلى غير جهة اليمين تشاءم ورجع عن مشروعه، فنفى ﷺ شرعة التطير، ليعلم أنه ليس لذلك العمل تأثير في جلب نفع،
стр. 4928
أو دفع ضر، ومثل الطير كل ما يتشاءم منه، فقد كان بعضهم يتشاءم بصوت الغراب، وكان بعضهم إذا رأى الجمل شديد الحمل تشاءم، فإن رآه واضعاً حمله تيامن فنسب التشاؤم بأي شيء إلى الطير، أخذاً من الأصل.
وصور الحافظ ابن حجر كيفية تيامنهم وتشاؤمهم بالطير بقوله: وما ولاك ميامنه، بأن يمر عن يسارك إلى يمينك فهو السانح، بالنون يتيمنون به، وما ولاك العكس، بأن يمر عن يمينك إلى يسارك فهو البارح، بالباء، يتشاءمون به.
فالطيرة في الأصل تشمل التفاؤل والتشاؤم، إلا أنه لما رخص الشرع في التفاؤل، لأنه لا يعطل المصالح انصرف لفظ "الطيرة" المنهي عنه إلى التشاؤم، فالتطير والتشاؤم بمعنى واحد شرعاً.
نعم ظاهر بعض الأحاديث أن الفأل نوع من الطيرة، ففي الرواية العاشرة "لا طيرة، وخيرها الفأل" قال الكرماني وغيره: فهذه الإضافة تشعر بأن الفأل من جملة الطيرة. اهـ وهذا محمول على أصل استعمال الطيرة، وقال النووي: الفأل يستعمل فيما يسوء، وفيما يسر، وأكثره في السرور، والطيرة لا تكون إلا في الشؤم، وقد تستعمل مجازاً في السرور. اهـ قال الحافظ ابن حجر: كأن ذلك بحسب الواقع، وأما الشرع فخص الطيرة بما يسوء، والفأل بما يسر، ومن شرطه أن لا يقصد إليه، فيصير من الطيرة.
وظاهر قوله في الرواية العاشرة "وخيرها الفأل" يوحي بأن في الطيرة خيراً، لأن أفعل التفضيل تفيد أن الأمرين اشتركا في صفة، وزاد أحدهما على الآخر في هذه الصفة، مع أن التشاؤم لا خير فيه، ووجهه العلماء بتوجيهين:
الأول: أنه من قبيل إرخاء العنان للخصم، بأن يجري الكلام على زعم الخصم، حتى لا يشمئز عن التفكر فيه، فإذا تفكر فأنصف من نفسه قبل الحق، فقوله "خيرها الفأل" إطماع للسامع في الاستماع والقبول، لا أن في الطيرة خيراً حقيقة.
التوجيه الثاني: أن أفعل التفضيل ليس على بابه، بل المراد به مجرد إثبات وصف الخيرية لأحد المتشاركين في وجه ما، فالطيرة والفأل مشتركان في التأثير، أي تأثير كل منها فيما هو فيه، والخبرية في الفأل وحده، كذا قيل في قوله تعالى ﴿أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً﴾ [الفرقان: ٢٤] وقولهم: العسل أحلى من الخل.
وفي الرواية الواحدة والعشرين "كنا نتطير؟ قال: ذاك شيء يجده أحدكم في نفسه، فلا يصدنكم "ومعناه أن كراهة ذلك تقع في نفوسكم في العادة، ولكن لا تلتفتوا إليه ولا ترجعوا عما كنتم عزمتم عليه قبل هذا.
وسيأتي قريباً الكلام في شؤم الفرس والمرأة والمسكن.
(ولا نوء) بفتح النون وسكون الواو كذا في الرواية السادسة، أي لا تقولوا: مطرنا بنوء كذا، ولا تعتقدوه، قال النووي: قال ابن الصلاح: النوء في أصله ليس هو نفس الكوكب، فإنه مصدر ناء النجم، ينوء نواء، أي سقط وغاب، وقيل: أي نهض وطلع، وبيان ذلك أن ثمانية وعشرين نجماً، معروفة
стр. 4929
المطالع في أزمنة السنة كلها، وهي المعروفة بمنازل القمر الثمانية والعشرين، يسقط في كل ثلاث عشرة ليلة منها نجم في المغرب، مع طلوع الفجر، ويطلع آخر، يقابله في المشرق، عن ساعته، وكان أهل الجاهلية، إذا كان عند ذلك مطر ينسبونه إلى الساقط الغارب منهما، يقولون: مطرنا بنوء كذا، فقيل لهم: لا نوء أي لا أثر لنجم في نزول المطر، وإنما المطر من الله تعالى.
(ولا غلول) بضم الغين، كذا في الرواية السابعة والثامنة والتاسعة، وفي آخرها "قال أبو الزبير: هذه الغول التي تغول" أي تتغول، قال النووي: قال جمهور العلماء: كانت العرب تزعم أن الغيلان في الفلوات، وهي من جنس الشياطين، تتراءى للناس، وتتغول تغولاً، أي تتلون تلوناً، وتتشكل تشكلاً، فتضلهم عن الطريق، فتهلكهم، فأبطل النبي ﷺ ذلك، وقال آخرون: ليس المراد من الحديث نفي وجود الغيلان، وإنما معناه إبطال ما تزعمه العرب من تلون الغول بالصور المختلفة واغتيالها، قالوا: ومعنى "لا غول" أي لا تستطيع أن تضل أحداً، ويشهد له حديث آخر "لا غول ولكن السعالى" قال العلماء: السعالى بالسين المفتوحة والعين، هم سحرة الجن، أي ولكن في الجن سحرة، لهم تلبيس وتخييل، وفي الحديث الآخر "إذا تغولت الغيلان فنادوا بالأذان" أي ارفعوا شرها بذكر الله تعالى قال: وهذا دليل على أنه ليس المراد نفي أصل وجودها. اهـ
والتحقيق أنه لا وجود للغول، وأن شأنها شأن الهامة، من معتقدات الجاهلية الفاسدة، والحديثان اللذان ذكرهما النووي لا يثبتان، وعلى فرض صحتهما، فالأول ينفي الغول، ويفسر العلماء السعالى بسحرة الجن، فلا حجة فيه على وجود للغول، وأما الثاني -وقد أخرجه أحمد- فمعناه -إذا توهمتم تشكل الغيلان، فنادوا بالأذان، وانشغلوا بذكر الله يذهب خوفكم ووهمكم.
زاد النسائي "ولا تولة" بكسر التاء وضمها وفتح الواو واللام، وهي ما كان يزعمه العرب فيما يشبه السحر مما يحبب المرأة إلى زوجها، ومن ذلك ما يعلق في صدر الجارية والغلام للحفظ من العين والحسد، وما تحمله المرأة من الخرزة ونحوها لتجلب محبة زوجها.
قال الطيبي: دخلت "لا" التي لنفي الجنس، على المذكورات، فنفت ذواتها، وهي -في الكثير منها- غير منفية، فيتوجه النفي إلى أوصافها وأحوالها، فالمنفي ما زعمت الجاهلية إثباته، مما يخالف الشرع، ونفي الذوات لإرادة نفي الصفات كثير وهو أبلغ، لأنه من باب الكناية.
(ما بال الإبل) أي ما شأن الإبل؟
(تكون في الرمل كأنها الظباء) جمع ظبي، شبهها بها في النشاط والقوة وجمال الجلد، وسلامته من الداء.
(فيجيء البعير الأجرب؟ فيدخل فيها؟ فيجربها؟ ) بضم الياء وسكون الجيم وكسر الراء. قال الحافظ ابن حجر: وهو بناء على ما كانوا يعتقدون من أن المريض إذا دخل في الأصحاء أمرضهم، فنفى الشارع ذلك، وأبطله، فلما أورد الأعرابي الشبهة رد عليه النبي ﷺ .
(قال: فمن أعدى الأول)؟ أي إذا كان البعير الأجرب الذي دخل في الإبل هو الذي أجربها، بطبع الجرب، فمن أين جاء الجرب الذي أعدى الأول؟ فإن قيل: من بعير آخر أجرب، قلنا: فمن
стр. 4930
أعدى الأسبق؟ فإن تكرر إلى ما لا نهاية لزم التسلسل، وهو باطل، وإن وصلنا إلى بعير أصابه الجرب بدون عدوى، ووصلنا إلى أن الله تعالى هو الذي أجربه. قلنا الذي فعله في الأول هو الذي فعله في الثاني، فالذي فعل الجرب بالجميع هو ذلك الخالق القادر على كل شيء.
(لا يورد ممرض على مصح) الممرض بضم الميم الأولى وسكون الثانية وكسر الراء هو الذي له إبل مرضى، والمصح بضم الميم وكسر الصاد، من له إبل صحاح، ومفعول "يورد" محذوف، أي لا يورد صاحب الإبل المراض، إبله على إبل صاحب الإبل الصحاح، ولفظ "لا يورد" خبر بمعنى النهي، بدليل رواية البخاري "لا يوردن ممرض على مصح" بلفظ النهي المؤكد بنون التوكيد الثقيلة.
(قال أبو سلمة: كان أبو هريرة يحدثهما كلتيهما عن رسول الله ﷺ قال النووي: كذا هو في جميع النسخ "كلتيهما" بالتاء والياء، مجموعتين، والضمير عائد إلى الكلمتين أو القصتين أو المسألتين، ونحو ذلك. اهـ أي كان الظاهر أن يقول "كليهما" ليعود الضمير على الحديثين، حديث "لا عدوى" وحديث "لا يورد ممرض على مصح".
(ثم صمت أبو هريرة بعد ذلك عن قوله "لا عدوى" وأقام على "ألا يورد ممرض على مصح) أي سكت أبو هريرة عن التحديث بحديث "لا عدوى" فلم يعد يرويه، وبقي يروي الحديث الثاني، قال الحارث لأبي هريرة: قد كنت أسمعك تحدثنا مع هذا الحديث حديثاً آخر، قد سكت عنه، كنت تقول: قال رسول الله ﷺ "لا عدوى"؟
(فأبى أبو هريرة أن يعرف ذلك) أي أبى أن يعترف أنه حدث بذلك الحديث "لا عدوى" وفي رواية البخاري "وأنكر أبو هريرة حديث الأول" أي أنكر أنه رواه، أو حدث به.
(فماراه الحارث في ذلك) من المماراة، أي ناقشه وجادله في أنه حدث به، وفي بعض النسخ "فما رآه الحارث في ذلك" بالهمزة، أي فما رآه مصيباً في ذلك الإنكار، فأخذ يؤكد له أنه حدث به.
(حتى غضب أبو هريرة، فرطن بالحبشية) يقال: رطن بالأعجمي بفتح الطاء، يرطن بضمها، رطانة، أي تكلم بلغته، ورطن فلان تكلم بالأعجمية، أو تكلم بكلام لا يفهمه السامع.
(فقال للحارث) أي بعد أن رطن وهدأ من غضبه.
(أتدري ماذا قلت) في رطانتي؟
(قلت: أبيت) أي أرفض الاعتراف به، وامتنع عن الإقرار بحصوله.
(فلا أدري أنسي أبو هريرة) أنه حدث بحديث "لا عدوى"؟
(أو نسخ أحد القولين الآخر)؟ معناه أو نسخ الحديث الذي أقام على التحديث به الحديث الذي سكت عنه؟ وهذا الشك والترديد الذي ردده أبو سلمة، قد قطعه في رواية البخاري، حيث قال فيها "فما رأيته نسي حديثاً غيره" وفي رواية "فما رأيناه نسي حديثاً غيره" قال النووي: ولا يؤثر نسيان أبي هريرة لحديث "لا عدوى" لوجهين: أحدهما أن نسيان الراوي للحديث الذي رواه لا يقدح
стр. 4931
في صحته عند جماهير العلماء، بل يجب العمل به، والثاني أن هذا اللفظ ثابت من رواية غير أبي هريرة، فقد ذكر مسلم هذا من رواية السائب بن يزيد -روايتنا الثالثة- وجابر بن عبد الله -روايتنا السابعة والثامنة والتاسعة -وأنس بن مالك -روايتنا الحادية عشرة والثانية عشرة -وعبد الله بن عمر -روايتنا السادسة عشرة- عن النبي ﷺ اهـ
قال ابن التين: لعل أبا هريرة كان يسمع هذا الحديث، قبل أن يسمع من النبي ﷺ "من بسط رداءه ثم ضمه إليه لم ينس شيئاً سمعه من مقالتي" وقد قيل في الحديث المذكور: إن المراد أنه لا ينسى تلك المقالة، التي قالها ذلك اليوم، لا أنه ينتفي عنه النسيان أصلاً. اهـ
وقيل: إن ما فعله أبو هريرة من سكوته عن الحديث الأول لم يكن من نسيان، بل كان الحديث الثاني ناسخاً للأول، فسكت عن المنسوخ، قال الحافظ ابن حجر: دعوى النسخ مردودة، لأن النسخ لا يصار إليه بالاحتمال، ولا سيما مع إمكان الجمع.
ويحتمل أيضاً أنهما لما كانا خبرين متغايرين، عن حكمين مختلفين، لا ملازمة بينهما، جاز عنده أن يحدث بأحدهما، ويسكت عن الآخر، حسبما تدعو إليه الحاجة، قاله القرطبي في المفهم، قال: ويحتمل أن يكون خاف اعتقاد جاهل، يظنهما متناقضين، فسكت عن أحدهما، وكان إذا أمن ذلك حدث بهما جميعاً.
(قيل: وما الفأل؟ قال: الكلمة الصالحة، يسمعها أحدكم) في الرواية الحادية عشرة "ويعجبني الفأل، الكلمة الحسنة. الكلمة الطيبة" وفي الرواية الثالثة عشرة والرابعة عشرة "وأحب الفأل الصالح".
قال النووي: الفأل مهموز، ويجوز ترك همزه، وجمعه فؤول، كفلس، وفلوس، وقد فسره النبي ﷺ بالكلمة الصالحة والحسنة والطيبة، يقال: تفاءلت بكذا، بالألف والتخفيف، وتفألت بكذا بالتشديد، وهو الأصل، قال العلماء: وإنما أحب الفأل، لأن الإنسان إذا أمل فائدة الله تعالى وفضله عند أي سبب، قوي أو ضعيف، فهو على خير في الحال، وأما إذا قطع رجاءه وأمله من الله تعالى، فإن ذلك شر له، والطيرة فيها سوء ظن، وتوقع بلاء، قال: ومن أمثال التفاؤل أن يكون له مريض، فيتفاءل بما يسمعه، فيسمع من يقول: يا سالم، أو يكون له طلب حاجة، فيسمع من يقول: يا واجد، فيقع في قلبه رجاء البرء، أو الوجدان. اهـ
وقال ابن بطال: جعل الله من فطر الناس محبة الكلمة الطيبة، والأنس بها، كما جعل فيهم الارتياح بالمنظر الأنيق، والماء الصافي، وإن كان لا يملكه، ولا يشربه، وقد أخرج الترمذي وصححه "أن النبي ﷺ كان إذا خرج لحاجته، يعجبه أن يسمع: يا نجيح. يا راشد".
وقال الحليمي: وإنما كان ﷺ يعجبه الفأل، لأن التشاؤم سوء ظن بالله تعالى، بغير سبب محقق، والتفاؤل حسن ظن به، والمؤمن مأمور بحسن الظن بالله تعالى على كل حال.
(الشؤم في الدار والمرأة والفرس) المراد من "الدار" المسكن، ولو حجرة، أو خيمة، أو عشة،
стр. 4932
والمراد من "المرأة" الزوجة، والمراد من "الفرس" المركب ووسيلة الانتقال، ولو سيارة، أو باخرة، أو طائرة، أو قطار.
وفي الرواية الثامنة عشرة "ففي الفرس والمسكن والمرأة" وفي الرواية المتممة للعشرين "ففي الربع" بفتح الراء وسكون الباء الموضع الذي ينزل فيه، والدار وما حولها "والخادم والفرس".
وفي الرواية السادسة عشرة "إنما الشؤم في ثلاثة" أي كائن في ثلاثة، والحصر فيها بالنسبة إلى العادة، لا بالنسبة إلى الحقيقة والخلقة، فالناس يتشاءمون عادة في غيرها كذلك، وإنما خصت هذه الثلاثة بالذكر لطول ملازمتها، قال ابن قتيبة: ووجهه أن أهل الجاهلية كانوا يتطيرون بكثير من الأمور، فنهاهم النبي ﷺ ، وأعلمهم أن لا طيرة، فلما أبوا أن ينتهوا بقيت الطيرة في هذه الأشياء الثلاثة". اهـ فابن قتيبة يعني أن هذه الأشياء أكثر ما يتطير به الناس، وأنها بقيت في عاداتهم، بعد أن تخلوا عن كثير غيرها، فكأن الحديث يقول: الشؤم والتشاؤم الباقي المستقر عند بعض الناس في المرأة والدار والفرس، فهو إخبار عن واقع، وليس معنى ذلك إقراره والسماح به، يؤيد هذا الوجه ما رواه الطيالسي في مسنده "قيل لعائشة: إن أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ الشؤم في ثلاثة؟ فقالت: لم يحفظ، إنه دخل، وهو يقول: قاتل الله اليهود، يقولون: الشؤم في ثلاثة، فسمع آخر الحديث، ولم يسمع أوله" وما رواه أحمد وابن خزيمة والحاكم من "أن رجلين من بني عامر دخلا على عائشة، فقالا، إن أبا هريرة قال: إن رسول الله ﷺ قال: الطيرة في الفرس والمرأة والدار فغضبت غضباً شديداً، وقالت: ما قاله، وإنما قال: إن أهل الجاهلية كانوا يتطيرون من ذلك".
فمعنى الرواية السادسة عشرة على هذا التوجيه: إنما الشؤم الباقي بقدر كبير في نفوس الناس وعاداتهم، في ثلاثة ... والمعنى عليه في الرواية السابعة عشرة، والثامنة عشرة والتاسعة عشرة والمتممة للعشرين: إن يكن الشؤم في شيء ثابتاً وباقياً في عادات الناس ونفوسهم ففي الفرس .. إلخ، فالحديث سيق لبيان اعتقاد الناس في ذلك، وليس إخباراً من النبي ﷺ بثبوت ذلك، ولا إقراراً منه له.
وهاجم ابن العربي بشدة هذا التوجيه، فقال: هذا جواب ساقط، لأنه ﷺ لم يبعث ليخبر الناس عن معتقداتهم الماضية والحاصلة، وإنما بعث ليعلمهم ما يلزمهم أن يعتقدوه. اهـ
والتحقيق أن هذه المهاجمة العنيفة لا مبرر لها، فقد يخبر ﷺ بواقع يريد تغييره، ولو أن ابن العربي ضم إلى هذا التوجيه "لا طيرة" كما في الرواية السادسة عشرة ما صح هجومه، يشير إلى هذا التحقيق المهلب إذ يقول: إن المخاطب بقوله "الشؤم في ثلاثة" من التزم التطير، ولم يستطع صرفه عن نفسه، فقال لهم: إنما يقع ذلك في هذه الأشياء التي تلازم في غالب الأحوال، فإذا كان كذلك فاتركوها عنكم، ولا تعذبوا أنفسكم بها، ويدل على ذلك تصدير الحديث بنفي الطيرة، واستدل لذلك بما أخرجه ابن حبان عن أنس، رفعه "لا طيرة، والطيرة على من تطير، وإن تكن في شيء ففي المرأة ... " الحديث.
ويدافع الحافظ ابن حجر عن أبي هريرة في هذا فيقول: ولا معنى لإنكار ذلك على أبي هريرة، مع موافقة آخرين من الصحابة له في ذلك، فالحديث مروي عن ابن عمر، في روايتنا
стр. 4933
الخامسة عشرة، وما بعدها، وعن سهل بن سعد في روايتنا التاسعة عشرة، وعن جابر في روايتنا المتممة للعشرين.
التوجيه الثاني للحديث: أن الحديث على ظاهره، ويثبت الشؤم في هذه الثلاثة -والشؤم كما نعلم هو توقع أو الخوف من حصول مكروه في المستقبل، نتيجة لرؤية شيء أو سماع شيء، أو نحو ذلك -وهذه الثلاثة تورث ذلك، والحديث يرخص ويبيح أن يقع في النفس هذا الخوف وهذا التوقع، في هذه الثلاثة، دون غيرها، مع اعتقاد أن الفاعل الحقيقي هو الله تعالى، وأن المدبر لأمور المستقبل هو الله تعالى، ويبيح لمن وقع في نفسه ذلك من شيء من الثلاثة أن يتركه، ويستبدل به غيره، وذلك إذا كان أحد هذه الثلاثة كثير الشر والأذى في واقعه وحاله، فيتوقع منه ويخاف منه في المستقبل مثل ذلك، ويتشاءم من رؤيته، أو من وجوده في حوزته، قالوا: فشؤم المرأة في سلاطة لسانها، أو عقمها، أو تعرضها للريب، أو حنانها إلى أجنبي غير بعلها، وشؤم الدار ضيقها، وفساد هوائها بضيق فتحاتها، أو قذارة ما حولها، وسوء جوارها، قيل: وبعدها عن المساجد، وقربها من الموبقات، وشؤم الفرس عدم استعمالها في سبيل الله، وحرانها، وغلاء ثمنها، وفي السيارة مثلاً كثرة اختلالها وعطلها ونفقاتها وأخطارها، وشؤم الخادم سوء خلقه وقلة تعهده لما فوض إليه، وضعف أمانته، وشؤم السيف، الذي جاء في رواية عند ابن إسحق، كثرة أو تأكد ضرره وتخويفه.
وقد أسند هذا التوجيه إلى مالك، فقد روى أبو داود في الطب عن مالك أنه سئل عنه؟ فقال: كم من دار سكنها ناس فهلكوا. قال المازري: فمالك يحمل الحديث على ظاهره، والمعنى أن قدر الله ربما اتفق وقوع ما يكره، عند سكنى الدار، فتصير في ذلك كالسبب، فتسومح في إضافة الشيء إلى الدار اتساعاً، وقال ابن العربي: لم يرد مالك إضافة الشؤم إلى الدار، وإنما هو عبارة عن جري العادة فيها، فأشار إلى أنه ينبغي للمرء الخروج عنها، صيانة لاعتقاده عن التعلق بالباطل. اهـ
فالمازري وابن العربي يحاولان ربط ما يحدث من مكاره حين التشاؤم بأنه بقدر الله تعالى، وأن ارتباطه بالتشاؤم سبب عادي قد يتخلف، كغير التشاؤم من الأسباب، لذلك نجد الحافظ ابن حجر يقول: وما أشار إليه ابن العربي في تأويل كلام مالك نظير الأمر بالفرار من المجذوم، مع صحة نفي العدوى، والمراد بذلك حسم المادة، وسد الذريعة لئلا يوافق شيء من ذلك القدر، فيعتقد من وقع له، أن ذلك من العدوى، أو من الطيرة، فيقع في اعتقاده ما نهي عن اعتقاده -أي اعتقاد أن هذه الأمور مؤثرة بذاتها وطبيعتها -فأشير إلى اجتناب مثل ذلك، والطريق فيمن وقع له ذلك في الدار مثلاً أن يبادر إلى التحول منها، لأنه متى استمر فيها ربما حمله ذلك على اعتقاد صحة التطير والتشاؤم. اهـ
ويؤيد هذا التوجيه ما أخرجه أبو داود وصححه الحاكم عن أنس "قال رجل: يا رسول الله، إنا كنا في دار، كثير فيها عددنا وأموالنا، فتحولنا إلى أخرى، فقل فيها ذلك؟ فقال: ذروها. ذميمة".
قال ابن العربي: وإنما أمرهم بالخروج منها، لاعتقادهم أن ذلك منها، وليس كما ظنوا، لكن الخالق جل وعلا جعل ذلك وفقاً لظهور قضائه، وأمرهم بالخروج منها، لئلا يقع لهم بعد ذلك شيء، فيستمر اعتقادهم، ووصفها بأنها "ذميمة" وذكرها بقبيح ما وقع فيها سائغ من غير أن يعتقد أن ذلك
стр. 4934
كان منها، ولا يمتنع ذم محل المكروه، وإن كان ليس منه شرعاً، كما يذم العاصي على معصيته، وإن كان ذلك بقضاء الله تعالى. اهـ
وقال ابن بطال: معناه إبطال مذهب الجاهلية في التطير -أي اعتقاد أن الدار تضر وتنفع بذاتها- فكأنه قال: إن كانت لأحدكم دار يكره سكناها، أو امرأة يكره صحبتها أو فرس يكره سيره، فليفارقه.
التوجيه الثالث للحديث اعتماد رواية التقييد بالشرط، روايتنا السابعة عشرة "إن يكن من الشؤم شيء حق ففي الفرس والمرأة والدار" وروايتنا الثامنة عشرة "إن كان الشؤم في شيء ففي الفرس والمسكن والمرأة" والتاسعة عشرة "إن كان ففي المرأة والفرس والمسكن" والمتممة للعشرين "إن كان في شيء ففي الربع والخادم والفرس" ويكون من قبيل التعليق على المستحيل، فيكون جواب الشرط مستحيلاً، كقوله ﴿فإن استقر مكانه فسوف تراني﴾ [الأعراف: ١٤٣]، أي لكنه لن يستقر مكانه، فلن تراني. والمعنى هنا: إن كان في شيء ففي المرأة والفرس والدار، لكن الشؤم ليس في شيء، عملاً بحديث "لا طيرة" فهو ليس في المرأة ولا الفرس ولا الدار، ويكون هذا النفي تصحيحاً لما كانوا يعتقدون، وتحمل الروايات المطلقة كالخامسة عشرة والسادسة عشرة على المقيدة.
التوجيه الرابع: أن المراد بالشؤم هنا النكد والشقاء والمتاعب والتعاسة، وهذه الثلاثة أو الخمسة على بعض الروايات -أكبر مصادر الشقاء في حياة الإنسان، لملازمتها له أكثر من غيرها، وهذا يختص في كل نوع ببعضه، لا بجميعه، فمصدر شقاء بعض الناس زوجته، ومصدر شقاء بعض الناس مسكنه، ومصدر شقاء بعض الناس مركبه وسيارته.
التوجيه الخامس كالرابع: إلا أن في الكلام اكتفاء بذكر أحد الطرفين وإرادة الطرفين معاً، كقوله تعالى ﴿سرابيل تقيكم الحر﴾ [النحل: ٨١] أي والبرد، فحذف البرد اكتفاء بذكر الحر، والمراد الحر والبرد، وهنا المراد: مصدر الشقاء والسعادة المرأة والدار والفرس، فهو كحديث سعد بن أبي وقاص، رفعه "من سعادة المرء المرأة الصالحة، والمسكن الصالح، والمركب الهنيء، ومن شقاوة المرء المرأة السوء، والمسكن السوء والمركب السوء" أخرجه أحمد.
(تكميل) قال الحافظ ابن حجر: اتقفت الطرق كلها على الاقتصار على الثلاثة المذكورة (المرأة والدار والفرس) وعند عبد الرزاق "قالت أم سلمة: والسيف" اهـ
والظاهر أن الحافظ ابن حجر: ﵀ يتنبه إلى روايتنا المتممة للعشرين، وفيها "الخادم".
(أموراً كنا نصنعها في الجاهلية) "أموراً" بالنصب على الاشتغال، أي بفعل محذوف وجوباً، وليس مفعولاً للفعل المذكور، لانشغاله عن العمل فيه بالعمل في ضميره، والتقدير: كنا نصنع أموراً، كنا نصنعها في الجاهلية، والمراد بالجاهلية ما قبل الإسلام.
(كنا نأتي الكهان) الجملة بيان للجملة السابقة، كأنها في جواب سؤال نشأ عن الأولى، كأن سائلاً سأل: ما هي؟ .
стр. 4935
قال النووي: قال القاضي عياض: كانت الكهانة في العرب ثلاثة أضرب:
أحدها: يكون للإنسان ولي من الجن، يخبره بما يسترقه من السمع من السماء، وهذا القسم بطل، حيث بعث الله نبينا ﷺ .
الثاني: أن يخبر الجن وليه، بما يطرأ -مما هو موجود- أو يكون في أقطار الأرض، ويخبره بما خفي عنه، مما قرب أو بعد، وهذا لا يبعد وجوده. اهـ
أقول: بل يبعد وجوده، بل يستحيل، وإلا ما حفظ سر لإنسان، أو للدولة، أو أسئلة الامتحانات، مثلاً، ويكفي لإبطاله أن الجن لم يعرفوا موت سليمان، وهو ميت واقف، يقول تعالى ﴿ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين﴾ [سبأ: ١٤].
ثم قال القاضي: ونفت المعتزلة وبعض المتكلمين هذين الضربين، وأحالوهما، ولا استحالة في ذلك، ولا بعد في وجوده، لكنهم يصدقون ويكذبون، والنهي عن تصديقهم، والسماع منهم عام.
الثالث: المنجمون، وهذا الضرب يخلق الله تعالى فيه، لبعض الناس قوة ما، لكن الكذب فيه أغلب، ومن هذا الفن العرافة، وصاحبها عراف، وهو الذي يستدل على الأمور بأسباب ومقدمات، يدعي معرفته بها، وقد يعتضد بعض هذا الفن ببعض في ذلك، كالطرق والنجوم، وأسباب معتادة.
وهذه الأضرب كلها تسمى كهانة، وقد أكذبهم كلهم الشرع، ونهي عن تصديقهم، وإتيانهم. اهـ
والكهانة بفتح الكاف، ويجوز كسرها، ادعاء علم الغيب، والكاهن يطلق على العراف، والذي يضرب الحصى، والمنجم، وقد كثرت الكهانة في العرب، لعدم الرسل.
(فلا تأتوا الكهان) لأنهم يتكلمون في مغيبات، فقد يصادف بعضها الإصابة، فيخاف الفتنة على الإنسان بسبب ذلك.
(وكنا نتطير؟ قال: ذاك شيء يجده أحدكم في نفسه، فلا يصدنكم) معناه أن التطير شيء يقع في أنفسكم، ولا عتب عليكم في ذلك، فإنه غير مكتسب لكم، فلا تكليف به، ولكن لا تمتنعوا بسببه من التصرف في أموركم، فهذا هو الذي تقدرون عليه، وهو مكتسب لكم، فيقع به التكليف.
(ومنا رجال يخطون) أي يخطون في الرمل، ويخبرون ببعض الغيب.
(كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه فذاك) "خطه" بالرفع على الفاعلية والمفعول محذوف، أي من وافق خطه خط النبي، وبالنصب على المفعول، أي من وافق هو في خطه خط النبي.
واختلف العلماء في معنى هذه القضية، قال النووي: والصحيح أن المعنى: من وافق خطه خط النبي ﷺ فهو مباح له، ولكن لا طريق لنا إلى العلم اليقيني بالموافقة، فلا يباح، والمقصود أنه حرام، لأنه لا يباح إلا بيقين الموافقة، وليس لنا يقين بها، وإنما قال النبي ﷺ ذلك، ولم يقل: هو حرام، بغير تعليق على الموافقة، لئلا يتوهم أن هذا النهي يدخل فيه ذلك النبي الذي كان يخط، فحافظ النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 4936
على حرمة ذاك النبي، مع بيان الحكم في حقنا، فالمعنى أن ذاك النبي لا مانع في حقه، وكذا لو علمتم موافقته، ولكن لا علم لكم بها.
وقال الخطابي: هذا الحديث يحتمل النهي عن هذا الخط، إذ كان علماً لنبوة ذاك النبي، وقد انقطعت النبوة، فنهينا عن تعاطي ذلك.
وقال القاضي عياض: المختار أن معناه أن من وافق خطه خط النبي، فذاك الذي يجدون إصابته فيما يقول، لا أنه أباح ذلك لفاعله (أي ليس معنى "فذاك" فذاك الخط يباح، وإنما معناه فمن وافق خطه خط النبي، فصدق قوله -والكثير لا يصدق- فذاك الذي يصدقونه) قال: ويحتمل أن هذا النسخ في شرعنا.
قال النووي: فحصل من مجموع كلام العلماء فيه الاتفاق على النهي عنه الآن.
(قالت: إن الكهان كانوا يحدثوننا بالشيء فيكون حقاً) في الرواية الثالثة والعشرين "قالت: سأل أناس رسول الله ﷺ عن الكهان؟ فقال لهم رسول الله ﷺ : ليسوا بشيء" أي ليس قولهم بشيء يعتمد عليه، والعرب تقول لمن عمل شيئاً غير محكم: ما عمل شيئاً "قالوا: يا رسول الله، فإنهم يحدثون أحياناً الشيء يكون حقاً"؟ حمل الحافظ ابن حجر هذه الرواية على أنها تشير إلى الرواية الواحدة والعشرين، فقال: وقد سمي من سأل عن ذلك معاوية بن الحكم السلمي، وقد أورد السؤال إشكالاً على عموم قوله "ليسوا بشيء" لأنه فهم منه أنهم لا يصدقون أصلاً، فأجابه ﷺ عن سبب ذلك الصدق، وأنه إذا اتفق أن يصدق، لم يكن صدقه خالصاً، بل مشوياً بالكذب. اهـ
ولعل السؤال والجواب تكررا، ولا يقال: كيف وعائشة نفسها هي التي روت سؤال السائلين والجواب؟ فكيف تسأل نفس السؤال؟ لتسمع نفس الجواب؟ إذ يحتمل أنها سألت أولاً، وأجيبت، وجاء معاوية بن الحكم السلمي ومن معه، فسألوا، وعائشة تسمع، فأجيبوا، فروت سؤالهم والجواب.
(تلك الكلمة الحق يخطفها الجني، فيقذفها في أذن وليه، ويزيد فيها مائة كذبة) بفتح الكاف وكسرها، والذال ساكنة فيهما، قال القاضي: وأنكر بعضهم الكسر، إلا إذا أراد الحالة والهيئة، وفي الرواية الثالثة والعشرين "أكثر من مائة كذبة" مما يدل على أن ذكر المائة للمبالغة، لا لتعيين العدد، وفي هذه الرواية "تلك الكلمة الحق" وفي الرواية الثالثة والعشرين "تلك الكلمة من الحن" وقال عنها النووي: في جميع نسخ بلادنا "تلك الكلمة من الجن" بالجيم والنون، أي الكلمة المسموعة من الجن، أو التي تصح مما نقلته الجن، وذكر القاضي في المشارق أنه روي هكذا، وروي أيضاً "من الحق" بالحاء والقاف. اهـ
وقوله "يخطفها الجني" كذا للأكثر، وفي رواية "يخطفها من الجني" أي يخطفها الكاهن من الجني، أو الجني الذي يلقي إلى الكاهن يخطفها من جني آخر فوقه، و"يخطفها" بفتح الطاء، وقد تكسر، والخطف الأخذ بسرعة، وفي رواية "يحفظها" بالفاء بعدها ظاء، والأول هو المعروف.
وقوله "فيقذفها في أذن وليه" أي يلقيها في أذن الكاهن، ويزيد الجني عليها مائة كذبة، أو ويزيد الكاهن عليها مائة كذبة، وفي الرواية الثالثة والعشرين "فيقرها في أذن وليه قر الدجاجة، فيخلطون
стр. 4937
فيها أكثر من مائة كذبة" قال النووي: "فيقرها" بفتح الياء وضم القاف وتشديد الراء و"قر الدجاجة" بفتح القاف، والدجاجة بفتح الدال الدجاجة المعروفة، قال أهل اللغة والغريب: القر ترديدك الكلام في أذن المخاطب، حتى يفهمه، يقول: قررته فيه أقره قراً، وقر الدجاجة صوتها إذا قطعته، فإن رددته قلت: قرقرت قرقرة، قال الخطابي وغيره: معناه أن الجني يقذف الكلمة إلى وليه الكاهن، فتسمعها الشياطين، كما تؤذن الدجاجة بصوتها صواحبها، فتتجاوب، قال: وفيه وجه آخر، وهي أن تكون الرواية "كقر الدجاجة" بالزاي، تدل عليه رواية البخاري "فيقرها في أذنه، كما تقر القارورة" قال: فذكر القارورة في هذه الرواية يدل على ثبوت الرواية بالزجاجة، قال القاضي: أما مسلم فلم تختلف الرواية فيه أنه "الدجاجة" بالدال، لكن رواية "القارورة" تصحح الزجاجة، قال القاضي: معناه: يكون لما يلقيه إلى وليه حسن كحسن القارورة عند تحريكها مع اليد أو على حجر.
وقد بينت الرواية الرابعة والعشرون كيفية الخطف والقذف، فقالت: "ربنا ﵎ اسمه-إذا قضى أمراً" أي إذا أمر ملائكته بأمر "سبح حملة العرش" ونزهوه خضوعاً وقبولاً وطاعة "ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم" أي ثم أهل السماء الذين يلونهم وهكذا "حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا" ثم قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ " أي يسأل الذين يلون حملة العرش حملة العرش شفاها عما أمر الله "فيخبرونهم ماذا قال، فيستخبر بعض أهل السموات بعضاً، حتى يبلغ الخبر أهل هذه السماء الدنيا، فتخطف الجن السمع" أي المسموع، لأنهم كانوا يسترقون السمع، ويقعدون في السماء الدنيا مقاعد للسمع "فيقذفون إلى أوليائهم، ويرمون به" أي إلى أوليائهم الكهان في الأرض "فما جاءوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يقرفون فيه، ويزيدون" قال النووي: هذه اللفظة "يقرفون فيه" ضبطوها على وجهين، أحدهما بالراء، والثاني بالذال، ومعناها يخلطون فيه الكذب، وفي رواية "يرقون" بضم الياء وفتح الراء وتشديد القاف، وصوبها بعضهم بفتح الياء، وإسكان الراء وفتح القاف، ومعناه يزيدون، يقال: رقي فلان إلى الباطل، بكسر القاف، أي رفعه، وأصله من الصعود، أي يدعون فيها فوق ما سمعوا. اهـ
وفي ملحق الرواية زيادة الآية الكريمة ﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق﴾ [سبأ: ٢٣] والآية في نظم القرآن في الشفاعة، وسؤال من المشفوع لهم، وجواب من الشفعاء، وصدرها قوله تعالى ﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له﴾ وكأنه جيء بها هنا استشهاداً على ما نحن بصدده، ومعناها على هذا: إذا تكلم الله بالوحي، في أي أمر من الأمور سمع حملة العرش، وملائكة كل سماء صوت العظمة والكبرياء، فيأخذهم انقباض وخوف، ويقعون مسبحين مصعوقين، كأنهم مغشي عليهم، فيفيق من له الأمر -جبريل أو ميكائيل أو عزرائيل أو غيرهم، فيتلقى أمر الله في كونه، ويفزغ عن قلوب حملة العرش ومن يليهم، أي يزول الفزع عن قلوبهم، فيسأل حملة العرش الموحى إليه عما أوحي إليه: ماذا قال ربكم؟ ويجيب الموحى إليهم: قال ربنا القول الحق -قال كذا وكذا مما سيقع حسب حكمته، ويسأل من يلي حملة العرش من الملائكة حملة العرش السؤال نفسه، فيجيبون الجواب نفسه، وهكذا حتى يصل السؤال والجواب بين الملائكة ملائكة السماء الدنيا، وحولهم جن يسترقون السمع.
قال الألوسي: قال الطيبي: روينا عن البخاري والترمذي وابن ماجه، عن أبي هريرة أن رسول الله
стр. 4938
صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قضى الله تعالى الأمر في السماء، ضربت الملائكة أجنحتها خضعاناً لقوله تعالى، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الذي قال: الحق، وهو العلي الكبير" وعند أبي داود عن ابن مسعود قال: إذا تكلم الله تعالى بالوحي، سمع أهل السماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا، فيصعقون، فلا يزالون كذلك، حتى يأتيهم جبريل، فإذا أتاهم فزع عن قلوبهم، فيقولون: يا جبريل ماذا قال ربكم؟ فيقول: الحق. الحق".
(من أتى عرافاً) عند أبي يعلى بسند جيد "من أتى عرافاً أو ساحرا أو كاهناً" والعراف بفتح العين وتشديد الراء من يستخرج الوقوف على المغيبات بضرب من فعل أو قول، فيدعي مثلاً علمه بالسارق ومكان المسروق، ويدعي معرفة الريبة، وأطرافها فيمن وقعت بها ريبة ونحو ذلك.
(فسأله عن شيء، لم تقبل له صلاة أربعين ليلة) وعند أصحاب السنن وصححه الحاكم "من أتى كاهناً أو عرافاً، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد" وعند الطبراني "من أتى كاهناً، فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد، ومن أتاه غير مصدق له، لم تقبل صلاته أربعين يوماً".
واعتمد العلماء غير رواية الطبراني لصحتها وكثرتها، فالعبرة بتصديقه، لا بمجرد إتيانه، فقد يأتيه لمصلحة أخرى غير الكهانة، ولا بمجرد سؤاله عن شيء، فقد يسأله عن شيء ليكشف كذبه ودجله، وقد جاء الوعيد تارة بعدم قبول الصلاة، وتارة بالتكفير، فيحمل على حالين، إن كان الآتي معتقداً بأنه يصدق مرة ويكذب أخرى، فأتاه فصدقه تصديقاً غير جازم ناسبه الوعيد بعدم قبول الصلاة، وإن أتاه معتقداً علمه بالغيب علماً لا يخطئ، فصدقه تصديقاً جازماً، ناسبه الوعيد بالكفر. والله أعلم.
(كان في وفد ثقيف رجل مجذوم) الجذام بضم الجيم وتخفيف الذال، قال الحافظ ابن حجر: هو علة رديئة، تحدث من انتشار المرة السوداء في البدن كله، فتفسد مزاج الأعضاء، وربما أفسد في آخره إيصالها، حتى يتآكل، قال ابن سيده: سمي بذلك لتجذم الأصابع وتقطعها.
(إنا قد بايعناك فارجع) أي فلا تأتنا للبيعة، وابق مكانك، وارجع عن عزمك الحضور إلينا، فلا ضرورة لوضع يدك في يدي.
-[فقه الحديث]-
المسألة الرئيسية في هذا الباب العدوى، وتأثيرها، والجمع بين نفيها في قوله "لا عدوى" وبين ما يفيد إثباتها، في روايتنا الرابعة والخامسة والسادسة والعشرين ورواية البخاري "لا عدوى ولا طيرة، ولا هامة ولا صفر، وفر من المجذوم، كما تفر من الأسد" وعند ابن خزيمة "لا عدوى، إذا رأيت المجذوم ففر منه، كما تفر من الأسد" وأخرج ابن ماجه "لا تديموا النظر إلى المجذومين" وأخرج أبو نعيم "كلم المجذوم وبينك وبينه قيد رمحين" وأخرج الطبري "أن عمر قال لمعيقيب: اجلس مني قيد رمح" وقد سلك العلماء في هذه المسألة مسالك مختلفة نجملها فيما يلي:
стр. 4939
١ - ذهب فريق منهم إلى الأخذ بحديث "لا عدوى" وتزييف الأخبار الدالة على عكس ذلك، وردها، فأعلوا حديث البخاري "وفر من المجذوم فرارك من الأسد" بالشذوذ، واستدلوا بأن عائشة أنكرت ذلك، فأخرج الطبري عنها أن امرأة سألتها عنه؟ فقالت: ما قال ذلك، ولكنه قال: لا عدوى، وقال: فمن أعدى الأول؟ قالت: وكان لي مولى به هذا الداء (الجذام) فكان يأكل في صحافي، ويشرب في أقداحي، وينام على فراشي" وبأن رسول الله ﷺ أخذ بيد مجذوم، فوضعها في القصعة وقال: كل ثقة بالله وتوكلا عليه". وبأن أبا هريرة تردد في هذا الحكم روايتنا الرابعة، فقوله "لا يورد ممرض على مصح" لا يؤخذ به، ويؤخذ الحكم من رواية غيره، وبأن الأخبار الواردة من رواية غيره في نفي العدوى كثيرة شهيرة، بخلاف أخبار المجذوم السابقة، فقد أخرج أحدها ابن ماجه، بسند ضعيف، وأخرج الثاني أبو نعيم بسند واه، وأخرج الثالث الطبري بسند منقطع، وأما حديث مسلم، روايتنا السادسة والعشرون، فليس صريحاً في أن ذلك بسبب الجذام.
قال الحافظ ابن حجر: والجواب عن ذلك أن طريق الترجيح، لا يصار إليه إلا إذا تعذر الجمع، وهو ممكن.
٢ - وذهب الفريق الثاني إلى مثل ما ذهب إليه الفريق الأول، لكنه قال: إن الأمر باجتناب المجذوم منسوخ، وممن قال بذلك عيسى بن دينار من المالكية، وجماعة من السلف.
ويرد هذا بأن النسخ لا يصار إليه بالاحتمال، ولا بد فيه من معرفة المتأخر، وبأنه لا يصار إليه مع إمكان الجمع، وهو ممكن.
٣ - وذهب الفريق الثالث إلى عكس الفريقين السابقين، فردوا حديث "لا عدوى" بأن أبا هريرة رجع عنه، في روايتنا الرابعة، إما لشكه فيه، وإما لثبوت عكسه عنده، قالوا: والأخبار الدالة على الاجتناب أكثر مخارج، وأكثر طرقاً، فالمصير إليها أولى، فهناك عدوى ويجب الفرار منها، قالوا: وأما حديث جابر "أن النبي ﷺ أخذ بيد مجذوم فوضعها في القصعة .. إلخ ففيه نظر، وقد أخرجه الترمذي وبين الاختلاف فيه على راويه، ورجح وقفه على عمر، وعلى تقدير ثبوته فليس فيه أنه ﷺ أكل معه، وإنما فيه أنه وضع يده في القصعة، وعلى فرض أنه أكل معه، فيحتمل أن جذام هذا المجذوم كان يسيراً، لا يعدي مثله في العادة، إذ ليس الجذمي كلهم سواء، ولا يحصل العدوى من جميعهم، ويحتمل أن هذا المجذوم كان جذامه قد توقف عن أن يعدي بقية جسمه، فلا يعدي غيره.
ويقول الطبائعيون بتأثير الأشياء بعضها في بعض، وإيجادها إياها، فالبعير الأجرب يؤثر في السليم، وينقل الجرب إليه، ويوجد الجرب في السليم، وسموا المؤثر طبيعة.
ويقول المعتزلة: إن الله خلق الأسباب والمسببات، وربطها ببعضها، فالأسباب توجد المسببات، وتؤثر فيها بذاتها، بل يعبرون عن هذا التأثير بالخلق، فيقولون: إن البعير الأجرب خلق الجرب واخترعه في البعير الصحيح.
ويقول أهل السنة المثبتون للعدوى: إن الله تعالى شاءت حكمته أن يخلق مرضاً في البعير السليم مشبهاً مرض المريض عند مخالطة الأجرب للصحيح، من غير تأثير لهذه المخالطة، فالفاعل المؤثر في الكون كله هو الله تعالى وحده.
стр. 4940
واستند الطبائعيون والمعتزلة إلى المشاهدة الحسية، ونسبوا من أنكر ذلك إلى إنكار البديهة.
ويرد أهل السنة على هاتين الطائفتين، بأنهما التبس عليهما إدراك الحس بإدراك العقل، فإن المشاهد إنما هو تأثر شيء عند شيء آخر، وهذا حظ الحس، فأما تأثيره فيه، فهو حظ العقل؛ فالحس أدرك وجود شيء عند وجود شيء، وارتفاعه عند ارتفاعه، أما إيجاده به فليس للحس فيه مدخل، ولو كان التأثير لطبيعة المخالطة لم يتخلف عند وجودها، لكن كثيراً ما تقع المخالطة ولا يقع التأثير، ولا ينتقل المرض من الأجرب للسليم.
٤ - وذهب الفريق الرابع إلى تصحيح الحديثين معاً، والأخذ بهما، والجمع بينهما، فقالوا: إثبات العدوى في الجذام ونحوه مخصوص من عموم نفي العدوى، فيكون معنى قوله "لا عدوى" أي إلا من الجذام والبرص والجرب مثلاً، فكأنه قال: لا يعدي شيء شيئاً إلا ما بينت أن فيه العدوى حكاه ابن بطال، وذكره القاضي أبو بكر الباقلاني.
٥ - وذهب الفريق الخامس إلى ما ذهب إليه الفريق الرابع، من تصحيح الحديثين معاً، والأخذ بهما، والجمع بينهما، لكنهم قالوا في الجمع: العمل بنفي العدوى أصلاً ورأساً، والأمر بالمجانبة، وعدم ورود الممرض على المصح، والفرار من المجذوم إنما هو حماية للصحيح، وليس من العدوى، وإنما أمر به حسماً للمادة، وسداً للذريعة، لئلا يحدث للمخالط شيء من ذلك، بتقدير الله وإرادته صرفاً، فيظن أنه بسبب المخالطة، فيثبت العدوى التي نفاها الشارع، وإلى هذا القول ذهب أبو عبيد، وتبعه جماعة، فقال أبو عبيد: ليس في قوله "لا يورد ممرض على مصح" إثبات العدوى، بل لأن الصحاح لو مرضت بتقدير الله تعالى، ربما وقع في نفس صاحبها أن ذلك من العدوى، فيفتتن، ويتشكك في ذلك، فأمر بالاجتناب، وأطنب ابن خزيمة في هذا في كتاب التوكل، وعرض أحاديث نفي العدوى، وأحاديث الاجتناب، ثم قال: إنما أمرهم ﷺ بالفرار من المجذوم، ونهاهم أن يورد الممرض على المصح، شفقة عليهم، وخشية أن يصيب بعض من يخالطه المجذوم الجذام، وأن يصيب الصحيح من الماشية الجرب، فسبق إلى نفس المسلم أن ذلك من العدوى، فيثبت العدوى التي نفاها ﷺ ، فأمرهم بتجنب ذلك، شفقة منه ورحمة، ليسلموا من التصديق بإثبات العدوى، وبين لهم أنه لا يعدي شيء شيئاً، قال: ويؤيد هذا أكله ﷺ مع المجذوم، ثقة بالله، وتوكلاً عليه وقال الطبري: الصواب عندنا القول بما صح به الخبر، وأن لا عدوى، وأنه لا يصيب نفساً إلا ما كتب عليها، وأما دنو عليل من صحيح فغير موجب لانتقال العلة من المريض إلى الصحيح، إلا أنه لا ينبغي لذي صحة، الدنو من صاحب العاهة، التي يكرهها الناس، لا لتحريم ذلك، بل لخشية أن يظن الصحيح -إذا نزل به ذلك الداء- أنه من جهة دنوه من العليل، فيقع فيما أبطله النبي ﷺ من العدوى، قال: وليس في أمره ﷺ بالفرار من المجذوم
معارضة لأكله معه، لأنه كان يأمر بالأمر على سبيل الإرشاد أحياناً، وعلى سبيل الإباحة أخرى، وإن كان أكثر الأوامر على الإلزام، وإنما كان يفعل ما نهي عنه أحياناً لبيان أن ذلك ليس حراماً.
وقد سلك الطحاوي في معاني الآثار مسلك ابن خزيمة، فيما ذكره، فأورد حديث "لا يورد ممرض على مصح" ثم قال: معناه أن المصح قد يصيبه ذلك المرض، فيقول: لولا أن خالطني المريض ما
следующие страницы →