← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.

стр. 4936

على حرمة ذاك النبي، مع بيان الحكم في حقنا، فالمعنى أن ذاك النبي لا مانع في حقه، وكذا لو علمتم موافقته، ولكن لا علم لكم بها. وقال الخطابي: هذا الحديث يحتمل النهي عن هذا الخط، إذ كان علماً لنبوة ذاك النبي، وقد انقطعت النبوة، فنهينا عن تعاطي ذلك. وقال القاضي عياض: المختار أن معناه أن من وافق خطه خط النبي، فذاك الذي يجدون إصابته فيما يقول، لا أنه أباح ذلك لفاعله (أي ليس معنى "فذاك" فذاك الخط يباح، وإنما معناه فمن وافق خطه خط النبي، فصدق قوله -والكثير لا يصدق- فذاك الذي يصدقونه) قال: ويحتمل أن هذا النسخ في شرعنا. قال النووي: فحصل من مجموع كلام العلماء فيه الاتفاق على النهي عنه الآن. (قالت: إن الكهان كانوا يحدثوننا بالشيء فيكون حقاً) في الرواية الثالثة والعشرين "قالت: سأل أناس رسول الله ﷺ عن الكهان؟ فقال لهم رسول الله ﷺ : ليسوا بشيء" أي ليس قولهم بشيء يعتمد عليه، والعرب تقول لمن عمل شيئاً غير محكم: ما عمل شيئاً "قالوا: يا رسول الله، فإنهم يحدثون أحياناً الشيء يكون حقاً"؟ حمل الحافظ ابن حجر هذه الرواية على أنها تشير إلى الرواية الواحدة والعشرين، فقال: وقد سمي من سأل عن ذلك معاوية بن الحكم السلمي، وقد أورد السؤال إشكالاً على عموم قوله "ليسوا بشيء" لأنه فهم منه أنهم لا يصدقون أصلاً، فأجابه ﷺ عن سبب ذلك الصدق، وأنه إذا اتفق أن يصدق، لم يكن صدقه خالصاً، بل مشوياً بالكذب. اهـ ولعل السؤال والجواب تكررا، ولا يقال: كيف وعائشة نفسها هي التي روت سؤال السائلين والجواب؟ فكيف تسأل نفس السؤال؟ لتسمع نفس الجواب؟ إذ يحتمل أنها سألت أولاً، وأجيبت، وجاء معاوية بن الحكم السلمي ومن معه، فسألوا، وعائشة تسمع، فأجيبوا، فروت سؤالهم والجواب. (تلك الكلمة الحق يخطفها الجني، فيقذفها في أذن وليه، ويزيد فيها مائة كذبة) بفتح الكاف وكسرها، والذال ساكنة فيهما، قال القاضي: وأنكر بعضهم الكسر، إلا إذا أراد الحالة والهيئة، وفي الرواية الثالثة والعشرين "أكثر من مائة كذبة" مما يدل على أن ذكر المائة للمبالغة، لا لتعيين العدد، وفي هذه الرواية "تلك الكلمة الحق" وفي الرواية الثالثة والعشرين "تلك الكلمة من الحن" وقال عنها النووي: في جميع نسخ بلادنا "تلك الكلمة من الجن" بالجيم والنون، أي الكلمة المسموعة من الجن، أو التي تصح مما نقلته الجن، وذكر القاضي في المشارق أنه روي هكذا، وروي أيضاً "من الحق" بالحاء والقاف. اهـ وقوله "يخطفها الجني" كذا للأكثر، وفي رواية "يخطفها من الجني" أي يخطفها الكاهن من الجني، أو الجني الذي يلقي إلى الكاهن يخطفها من جني آخر فوقه، و"يخطفها" بفتح الطاء، وقد تكسر، والخطف الأخذ بسرعة، وفي رواية "يحفظها" بالفاء بعدها ظاء، والأول هو المعروف. وقوله "فيقذفها في أذن وليه" أي يلقيها في أذن الكاهن، ويزيد الجني عليها مائة كذبة، أو ويزيد الكاهن عليها مائة كذبة، وفي الرواية الثالثة والعشرين "فيقرها في أذن وليه قر الدجاجة، فيخلطون

стр. 4937

فيها أكثر من مائة كذبة" قال النووي: "فيقرها" بفتح الياء وضم القاف وتشديد الراء و"قر الدجاجة" بفتح القاف، والدجاجة بفتح الدال الدجاجة المعروفة، قال أهل اللغة والغريب: القر ترديدك الكلام في أذن المخاطب، حتى يفهمه، يقول: قررته فيه أقره قراً، وقر الدجاجة صوتها إذا قطعته، فإن رددته قلت: قرقرت قرقرة، قال الخطابي وغيره: معناه أن الجني يقذف الكلمة إلى وليه الكاهن، فتسمعها الشياطين، كما تؤذن الدجاجة بصوتها صواحبها، فتتجاوب، قال: وفيه وجه آخر، وهي أن تكون الرواية "كقر الدجاجة" بالزاي، تدل عليه رواية البخاري "فيقرها في أذنه، كما تقر القارورة" قال: فذكر القارورة في هذه الرواية يدل على ثبوت الرواية بالزجاجة، قال القاضي: أما مسلم فلم تختلف الرواية فيه أنه "الدجاجة" بالدال، لكن رواية "القارورة" تصحح الزجاجة، قال القاضي: معناه: يكون لما يلقيه إلى وليه حسن كحسن القارورة عند تحريكها مع اليد أو على حجر. وقد بينت الرواية الرابعة والعشرون كيفية الخطف والقذف، فقالت: "ربنا ﵎ اسمه-إذا قضى أمراً" أي إذا أمر ملائكته بأمر "سبح حملة العرش" ونزهوه خضوعاً وقبولاً وطاعة "ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم" أي ثم أهل السماء الذين يلونهم وهكذا "حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا" ثم قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ " أي يسأل الذين يلون حملة العرش حملة العرش شفاها عما أمر الله "فيخبرونهم ماذا قال، فيستخبر بعض أهل السموات بعضاً، حتى يبلغ الخبر أهل هذه السماء الدنيا، فتخطف الجن السمع" أي المسموع، لأنهم كانوا يسترقون السمع، ويقعدون في السماء الدنيا مقاعد للسمع "فيقذفون إلى أوليائهم، ويرمون به" أي إلى أوليائهم الكهان في الأرض "فما جاءوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يقرفون فيه، ويزيدون" قال النووي: هذه اللفظة "يقرفون فيه" ضبطوها على وجهين، أحدهما بالراء، والثاني بالذال، ومعناها يخلطون فيه الكذب، وفي رواية "يرقون" بضم الياء وفتح الراء وتشديد القاف، وصوبها بعضهم بفتح الياء، وإسكان الراء وفتح القاف، ومعناه يزيدون، يقال: رقي فلان إلى الباطل، بكسر القاف، أي رفعه، وأصله من الصعود، أي يدعون فيها فوق ما سمعوا. اهـ وفي ملحق الرواية زيادة الآية الكريمة ﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق﴾ [سبأ: ٢٣] والآية في نظم القرآن في الشفاعة، وسؤال من المشفوع لهم، وجواب من الشفعاء، وصدرها قوله تعالى ﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له﴾ وكأنه جيء بها هنا استشهاداً على ما نحن بصدده، ومعناها على هذا: إذا تكلم الله بالوحي، في أي أمر من الأمور سمع حملة العرش، وملائكة كل سماء صوت العظمة والكبرياء، فيأخذهم انقباض وخوف، ويقعون مسبحين مصعوقين، كأنهم مغشي عليهم، فيفيق من له الأمر -جبريل أو ميكائيل أو عزرائيل أو غيرهم، فيتلقى أمر الله في كونه، ويفزغ عن قلوب حملة العرش ومن يليهم، أي يزول الفزع عن قلوبهم، فيسأل حملة العرش الموحى إليه عما أوحي إليه: ماذا قال ربكم؟ ويجيب الموحى إليهم: قال ربنا القول الحق -قال كذا وكذا مما سيقع حسب حكمته، ويسأل من يلي حملة العرش من الملائكة حملة العرش السؤال نفسه، فيجيبون الجواب نفسه، وهكذا حتى يصل السؤال والجواب بين الملائكة ملائكة السماء الدنيا، وحولهم جن يسترقون السمع. قال الألوسي: قال الطيبي: روينا عن البخاري والترمذي وابن ماجه، عن أبي هريرة أن رسول الله

стр. 4938

صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قضى الله تعالى الأمر في السماء، ضربت الملائكة أجنحتها خضعاناً لقوله تعالى، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الذي قال: الحق، وهو العلي الكبير" وعند أبي داود عن ابن مسعود قال: إذا تكلم الله تعالى بالوحي، سمع أهل السماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا، فيصعقون، فلا يزالون كذلك، حتى يأتيهم جبريل، فإذا أتاهم فزع عن قلوبهم، فيقولون: يا جبريل ماذا قال ربكم؟ فيقول: الحق. الحق". (من أتى عرافاً) عند أبي يعلى بسند جيد "من أتى عرافاً أو ساحرا أو كاهناً" والعراف بفتح العين وتشديد الراء من يستخرج الوقوف على المغيبات بضرب من فعل أو قول، فيدعي مثلاً علمه بالسارق ومكان المسروق، ويدعي معرفة الريبة، وأطرافها فيمن وقعت بها ريبة ونحو ذلك. (فسأله عن شيء، لم تقبل له صلاة أربعين ليلة) وعند أصحاب السنن وصححه الحاكم "من أتى كاهناً أو عرافاً، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد" وعند الطبراني "من أتى كاهناً، فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد، ومن أتاه غير مصدق له، لم تقبل صلاته أربعين يوماً". واعتمد العلماء غير رواية الطبراني لصحتها وكثرتها، فالعبرة بتصديقه، لا بمجرد إتيانه، فقد يأتيه لمصلحة أخرى غير الكهانة، ولا بمجرد سؤاله عن شيء، فقد يسأله عن شيء ليكشف كذبه ودجله، وقد جاء الوعيد تارة بعدم قبول الصلاة، وتارة بالتكفير، فيحمل على حالين، إن كان الآتي معتقداً بأنه يصدق مرة ويكذب أخرى، فأتاه فصدقه تصديقاً غير جازم ناسبه الوعيد بعدم قبول الصلاة، وإن أتاه معتقداً علمه بالغيب علماً لا يخطئ، فصدقه تصديقاً جازماً، ناسبه الوعيد بالكفر. والله أعلم. (كان في وفد ثقيف رجل مجذوم) الجذام بضم الجيم وتخفيف الذال، قال الحافظ ابن حجر: هو علة رديئة، تحدث من انتشار المرة السوداء في البدن كله، فتفسد مزاج الأعضاء، وربما أفسد في آخره إيصالها، حتى يتآكل، قال ابن سيده: سمي بذلك لتجذم الأصابع وتقطعها. (إنا قد بايعناك فارجع) أي فلا تأتنا للبيعة، وابق مكانك، وارجع عن عزمك الحضور إلينا، فلا ضرورة لوضع يدك في يدي. -[فقه الحديث]- المسألة الرئيسية في هذا الباب العدوى، وتأثيرها، والجمع بين نفيها في قوله "لا عدوى" وبين ما يفيد إثباتها، في روايتنا الرابعة والخامسة والسادسة والعشرين ورواية البخاري "لا عدوى ولا طيرة، ولا هامة ولا صفر، وفر من المجذوم، كما تفر من الأسد" وعند ابن خزيمة "لا عدوى، إذا رأيت المجذوم ففر منه، كما تفر من الأسد" وأخرج ابن ماجه "لا تديموا النظر إلى المجذومين" وأخرج أبو نعيم "كلم المجذوم وبينك وبينه قيد رمحين" وأخرج الطبري "أن عمر قال لمعيقيب: اجلس مني قيد رمح" وقد سلك العلماء في هذه المسألة مسالك مختلفة نجملها فيما يلي:

стр. 4939

١ - ذهب فريق منهم إلى الأخذ بحديث "لا عدوى" وتزييف الأخبار الدالة على عكس ذلك، وردها، فأعلوا حديث البخاري "وفر من المجذوم فرارك من الأسد" بالشذوذ، واستدلوا بأن عائشة أنكرت ذلك، فأخرج الطبري عنها أن امرأة سألتها عنه؟ فقالت: ما قال ذلك، ولكنه قال: لا عدوى، وقال: فمن أعدى الأول؟ قالت: وكان لي مولى به هذا الداء (الجذام) فكان يأكل في صحافي، ويشرب في أقداحي، وينام على فراشي" وبأن رسول الله ﷺ أخذ بيد مجذوم، فوضعها في القصعة وقال: كل ثقة بالله وتوكلا عليه". وبأن أبا هريرة تردد في هذا الحكم روايتنا الرابعة، فقوله "لا يورد ممرض على مصح" لا يؤخذ به، ويؤخذ الحكم من رواية غيره، وبأن الأخبار الواردة من رواية غيره في نفي العدوى كثيرة شهيرة، بخلاف أخبار المجذوم السابقة، فقد أخرج أحدها ابن ماجه، بسند ضعيف، وأخرج الثاني أبو نعيم بسند واه، وأخرج الثالث الطبري بسند منقطع، وأما حديث مسلم، روايتنا السادسة والعشرون، فليس صريحاً في أن ذلك بسبب الجذام. قال الحافظ ابن حجر: والجواب عن ذلك أن طريق الترجيح، لا يصار إليه إلا إذا تعذر الجمع، وهو ممكن. ٢ - وذهب الفريق الثاني إلى مثل ما ذهب إليه الفريق الأول، لكنه قال: إن الأمر باجتناب المجذوم منسوخ، وممن قال بذلك عيسى بن دينار من المالكية، وجماعة من السلف. ويرد هذا بأن النسخ لا يصار إليه بالاحتمال، ولا بد فيه من معرفة المتأخر، وبأنه لا يصار إليه مع إمكان الجمع، وهو ممكن. ٣ - وذهب الفريق الثالث إلى عكس الفريقين السابقين، فردوا حديث "لا عدوى" بأن أبا هريرة رجع عنه، في روايتنا الرابعة، إما لشكه فيه، وإما لثبوت عكسه عنده، قالوا: والأخبار الدالة على الاجتناب أكثر مخارج، وأكثر طرقاً، فالمصير إليها أولى، فهناك عدوى ويجب الفرار منها، قالوا: وأما حديث جابر "أن النبي ﷺ أخذ بيد مجذوم فوضعها في القصعة .. إلخ ففيه نظر، وقد أخرجه الترمذي وبين الاختلاف فيه على راويه، ورجح وقفه على عمر، وعلى تقدير ثبوته فليس فيه أنه ﷺ أكل معه، وإنما فيه أنه وضع يده في القصعة، وعلى فرض أنه أكل معه، فيحتمل أن جذام هذا المجذوم كان يسيراً، لا يعدي مثله في العادة، إذ ليس الجذمي كلهم سواء، ولا يحصل العدوى من جميعهم، ويحتمل أن هذا المجذوم كان جذامه قد توقف عن أن يعدي بقية جسمه، فلا يعدي غيره. ويقول الطبائعيون بتأثير الأشياء بعضها في بعض، وإيجادها إياها، فالبعير الأجرب يؤثر في السليم، وينقل الجرب إليه، ويوجد الجرب في السليم، وسموا المؤثر طبيعة. ويقول المعتزلة: إن الله خلق الأسباب والمسببات، وربطها ببعضها، فالأسباب توجد المسببات، وتؤثر فيها بذاتها، بل يعبرون عن هذا التأثير بالخلق، فيقولون: إن البعير الأجرب خلق الجرب واخترعه في البعير الصحيح. ويقول أهل السنة المثبتون للعدوى: إن الله تعالى شاءت حكمته أن يخلق مرضاً في البعير السليم مشبهاً مرض المريض عند مخالطة الأجرب للصحيح، من غير تأثير لهذه المخالطة، فالفاعل المؤثر في الكون كله هو الله تعالى وحده.

стр. 4940

واستند الطبائعيون والمعتزلة إلى المشاهدة الحسية، ونسبوا من أنكر ذلك إلى إنكار البديهة. ويرد أهل السنة على هاتين الطائفتين، بأنهما التبس عليهما إدراك الحس بإدراك العقل، فإن المشاهد إنما هو تأثر شيء عند شيء آخر، وهذا حظ الحس، فأما تأثيره فيه، فهو حظ العقل؛ فالحس أدرك وجود شيء عند وجود شيء، وارتفاعه عند ارتفاعه، أما إيجاده به فليس للحس فيه مدخل، ولو كان التأثير لطبيعة المخالطة لم يتخلف عند وجودها، لكن كثيراً ما تقع المخالطة ولا يقع التأثير، ولا ينتقل المرض من الأجرب للسليم. ٤ - وذهب الفريق الرابع إلى تصحيح الحديثين معاً، والأخذ بهما، والجمع بينهما، فقالوا: إثبات العدوى في الجذام ونحوه مخصوص من عموم نفي العدوى، فيكون معنى قوله "لا عدوى" أي إلا من الجذام والبرص والجرب مثلاً، فكأنه قال: لا يعدي شيء شيئاً إلا ما بينت أن فيه العدوى حكاه ابن بطال، وذكره القاضي أبو بكر الباقلاني. ٥ - وذهب الفريق الخامس إلى ما ذهب إليه الفريق الرابع، من تصحيح الحديثين معاً، والأخذ بهما، والجمع بينهما، لكنهم قالوا في الجمع: العمل بنفي العدوى أصلاً ورأساً، والأمر بالمجانبة، وعدم ورود الممرض على المصح، والفرار من المجذوم إنما هو حماية للصحيح، وليس من العدوى، وإنما أمر به حسماً للمادة، وسداً للذريعة، لئلا يحدث للمخالط شيء من ذلك، بتقدير الله وإرادته صرفاً، فيظن أنه بسبب المخالطة، فيثبت العدوى التي نفاها الشارع، وإلى هذا القول ذهب أبو عبيد، وتبعه جماعة، فقال أبو عبيد: ليس في قوله "لا يورد ممرض على مصح" إثبات العدوى، بل لأن الصحاح لو مرضت بتقدير الله تعالى، ربما وقع في نفس صاحبها أن ذلك من العدوى، فيفتتن، ويتشكك في ذلك، فأمر بالاجتناب، وأطنب ابن خزيمة في هذا في كتاب التوكل، وعرض أحاديث نفي العدوى، وأحاديث الاجتناب، ثم قال: إنما أمرهم ﷺ بالفرار من المجذوم، ونهاهم أن يورد الممرض على المصح، شفقة عليهم، وخشية أن يصيب بعض من يخالطه المجذوم الجذام، وأن يصيب الصحيح من الماشية الجرب، فسبق إلى نفس المسلم أن ذلك من العدوى، فيثبت العدوى التي نفاها ﷺ ، فأمرهم بتجنب ذلك، شفقة منه ورحمة، ليسلموا من التصديق بإثبات العدوى، وبين لهم أنه لا يعدي شيء شيئاً، قال: ويؤيد هذا أكله ﷺ مع المجذوم، ثقة بالله، وتوكلاً عليه وقال الطبري: الصواب عندنا القول بما صح به الخبر، وأن لا عدوى، وأنه لا يصيب نفساً إلا ما كتب عليها، وأما دنو عليل من صحيح فغير موجب لانتقال العلة من المريض إلى الصحيح، إلا أنه لا ينبغي لذي صحة، الدنو من صاحب العاهة، التي يكرهها الناس، لا لتحريم ذلك، بل لخشية أن يظن الصحيح -إذا نزل به ذلك الداء- أنه من جهة دنوه من العليل، فيقع فيما أبطله النبي ﷺ من العدوى، قال: وليس في أمره ﷺ بالفرار من المجذوم معارضة لأكله معه، لأنه كان يأمر بالأمر على سبيل الإرشاد أحياناً، وعلى سبيل الإباحة أخرى، وإن كان أكثر الأوامر على الإلزام، وإنما كان يفعل ما نهي عنه أحياناً لبيان أن ذلك ليس حراماً. وقد سلك الطحاوي في معاني الآثار مسلك ابن خزيمة، فيما ذكره، فأورد حديث "لا يورد ممرض على مصح" ثم قال: معناه أن المصح قد يصيبه ذلك المرض، فيقول: لولا أن خالطني المريض ما

стр. 4941

مرضت، والواقع أنه لو لم يورد عليه الممرض، لأصابه، لكون الله تعالى قدره، فنهي عن إيراده لهذه العلة التي لا يؤمن غالباً من وقوعها في قلب المرء. ٦ - وذهب الفريق السادس إلى ما ذهب إليه الفريق الخامس، من تصحيح الحديثين معاً، والأخذ بهما، والجمع بينهما، ونفي العدوى أصلاً ورأساً، أما الأمر بمجانبة المريض، والفرار من المجذوم، والنهي عن إيراد الممرض على المصح، فليس خوفاً من العدوى، وإنما هو حماية للمصح من التقزر والتأذي من المريض ورائحته وقبح منظره، قال القرطبي في المفهم: إنما نهى رسول الله ﷺ عن إيراد الممرض على المصح، وأمر بالفرار من المجذوم، مخافة تشويش النفوس، وتأثير الأوهام، وإن كنا نعتقد أن الجذام لا يعدي، لكنا نجد في أنفسنا نفرة وكراهية لمخالطته، حتى لو أكره إنسان نفسه على القرب منه، وعلى مجالسته، لتأذت نفسه بذلك، حينئذ فالأولى للمؤمن أن لا يتعرض إلى ما يحتاج فيه إلى مجاهدة، فيتجنب طرق الأوهام، ويبتعد عن أسباب الآلام، مع أنه يعتقد أنه لا ينجي حذر من قدر. اهـ وقال البيهقي: الجذام والبرص ونحوهما داء مانع للجماع، لا تكاد نفس أحد تطيب بمجامعة من هو به، ولا نفس امرأة أن يجامعها من هو به. اهـ وقال ابن قتيبة: المجذوم تشتد رائحته، حتى يسقم من أطال مجالسته ومحادثته ومضاجعته. ٧ - وذهب الفريق السابع إلى ما ذهب إليه الفريق السادس، لكنه قال: إن الأمر بالفرار من المجذوم، والنهي عن إيراد الممرض على المصح ليس خوفاً من العدوى، وإنما هو حماية للممرض من أن يتأذى بالمصح، فتزداد حسرته ويتعظم مصيبته، حينما يرى النعمة المفقودة عنده موجودة عند غيره، بل إن كثيراً من المرضى يكرهون أن يرى الأصحاء مرضهم، فيتضايقون إذا رأوهم وتزيد حسرتهم على أمراضهم. وهذا المسلك بعيد، لأنه لو كان مراداً لأمر الأصحاء بعدم القدوم على المرضى حفاظاً على مشاعر المرضى، ولأمر المرضى بالفرار من الأصحاء والبعد عنهم، حماية لأنفسهم. ٨ - وذهب الفريق الثامن إلى حمل الخطاب بالنفي والإثبات على حالتين مختلفتين، فالمخاطب بقوله "لا عدوى" من قوي يقينه، وعظم توكله، بحيث لا يستطيع أن يدفع عن نفسه اعتقاد العدوى كما يستطيع أن يدفع التطير الذي يقع في نفس كل أحد، لكن القوي اليقين لا يتأثر به، فيجزم يقينه الداخلي بأنه لا عدوى، ولا قيمة للأسباب. فالله وحده الفعال لما يريد، أما المخاطب بقوله "وفر من المجذوم" فهو من ضعف يقينه، ولم يتمكن من تمام التوكل، فهناك مقامان: شديدو التوكل قيل لهم: لا عدوى، وضعافه قيل لهم: فروا. فكأنه قال: أيها المتوكلون ازدادوا توكلاً، فلا عدوى، ويا أيها الضعاف فروا، لئلا تزدادوا ضعفاً في التوكل، فتعتقدوا في العدوى. قال ابن أبي جمرة: ويمكن الجمع بين فعله (بالأكل مع المجذوم) وقوله "فر من المجذوم" بأن القول هو المشروع من أجل ضعف المخاطبين، وفعله حقيقة الإيمان، فمن فر من المجذوم أصاب السنة، وآثر الحكمة، ومن أكل مع المجذوم وخالطه كان أقوى يقيناً، لأن الأشياء كلها، لا تأثير لها، إلا بمقتضى إرادة الله تعالى وتقديره، كما قال تعالى (وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله) [البقرة: ١٠٢] فمن كان قوي اليقين فله أن يتابعه

стр. 4942

صلى الله عليه وسلم في فعله، ولا يضره شيء، ومن وجد في نفسه ضعفاً، فليتبع أمره بالفرار، لئلا يدخل بفعله في إلقاء نفسه إلى التهلكة. والحاصل أن الأمور التي يتوقع فيها الضرر -وقد أباحت الحكمة الربانية الحذر منها- لا ينبغي للضعفاء أن يقربوها، وأما أصحاب الصدق واليقين فهم في ذلك بالخيار. اهـ وللصوفية قصص في لقاء الأسود، ومعاشرة السباع، يؤكدون بها هذا المعنى. ٩ - المذهب التاسع -وهو ما نميل إليه- أن الجاهلية كانوا يعتقدون أن الأمراض تعدي بطبعها، من غير أن يسندوا شيئاً منها إلى الله تعالى، فأبطل النبي ﷺ اعتقادهم ذلك بقوله "لا عدوى" أي لا عدوى تؤثر بذاتها بل تأثيرها بإرادة الله تعالى، ولا شيء يعدي بطبعه، وأكل من المجذوم ليبين لهم أن الله هو الذي يمرض ويشفي، ونهاهم عن الدنو من المجذوم، ليبين لهم أن هذا من الأسباب التي أجرى الله العادة بأنها تفضي إلى مسبباتها، ففي نهيه إثبات الأسباب، وفي فعله إشارة إلى أنها لا تستقل، بل الله تعالى هو الذي إن شاء سلبها قواها، فلا تؤثر شيئاً، وإن شاء أبقاها، فأثرت. والله أعلم. ملحوظة: هذه المسألة لها علاقة وثيقة بأحاديث الباب الذي قبل هذا الباب، فلتراجع. -[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم: ]- ١ - قال العلماء: الجامع لهذه المسائل ارتباطها بالضرر، توقعه، وحصوله، وعدم حصوله، فما لا يقع به الضرر أصلاً، ولا يطرد بصفة عامة، ولا خاصة، مثل له بالطيرة وإتيان الكهان، ودعا الشارع إلى عدم الالتفات إليه؛ وما يقع عنده الضرر، لكنه نادر كالعدوى والوباء فلا يقدم عليه، وما يقع منه الضرر، لكنه خاص، وهو متاعب المرأة والفرس والدار، وهذا يباح الفرار منه. ٢ - ومن الرواية الأولى نفي العدوى، وقد فصلنا القول فيه في المباحث العربية. ٣ - جواز مناقشة الطالب أستاذه إذا وقعت له شبهة. ٤ - قال القرطبي: في جواب النبي ﷺ للأعرابي جواز مشافهة من وقعت له شبهة في اعتقاده، بذكر البرهان العقلي، إذا كان السائل أهلاً لفهمه، وأما من كان قاصراً فيخاطب بما يحتمله عقله من الإقناعات. ٥ - ومن تشبيه الإبل بالظباء، وقوع تشبيه الشيء بالشيء، إذا جمعهما وصف خاص، ولو تبايناً في الصورة. ٦ - وفيه نفي ما كانت الجاهلية تعتقده في "صفر" سواء في حية البطن، أو في نقل شهر مكان شهر آخر، كما سبق في المباحث العربية. ٧ - وفيه نفي ما كانت الجاهلية تعتقده في الهامة. ٨ - وفي الرواية الرابعة، في تفسير أبي هريرة للحارث، ما رطن به بالحبشية، شدة ورع أبي هريرة،

стр. 4943

لأنه مع كون الحارث أغضبه، خشي أن يظن الحارث أنه قال فيه شيئاً يكرهه ففسر له في الحال ما قال. ٩ - ومن الرواية السادسة نفي تأثير النجوم في المطر. ١٠ - ومن الرواية السابعة والثامنة والتاسعة نفي ما كانت الجاهلية تعتقده في وجود الغيلان. ١١ - ومن الرواية العاشرة والروايات الأربع بعدها جواز التفاؤل واستحبابه. ١٢ - ونفي الطيرة والتشاؤم وكراهيتها، وقد أخرج الطبري عن عكرمة، قال: كنت عند ابن عباس، فمر طائر، فصاح، فقال رجل: خير. خير، فقال ابن عباس: ما عند هذا لا خير ولا شر. وفي الحديث "من تكهن، أو رده عن سفر تطير فليس منا" وعند ابن حبان "لا طيرة، والطيرة على من تطير" وعند ابن عدي "إذا تطيرتم فامضوا، وعلى الله فتوكلوا" وعند الطبراني "لن ينال الدرجات العلا من تكهن أو استقسم أو رجع من سفر تطيراً" وعند أبي داود والترمذي وصححه هو وابن حبان عن ابن مسعود رفعه "الطيرة شرك (قال ابن مسعود: ) وما منا إلا تطير -ولكن الله يذهبه بالتوكل" وعند عبد الرزاق "ثلاثة لا يسلم منهن أحد، الطيرة والظن والحسد، فإذا تطيرت فلا ترجع، وإذا حسدت فلا نبغ، وإذا ظننت فلا تحقق" قال العلماء: إذا اعتقد أن الذي يشاهده من حال الطير أو غيره موجباً ما ظنه ولم يضف التدبير إلى الله تعالى، كان ذلك شركاً، أو قريباً من الشرك، فأما إن علم أن الله هو المدبر، ولكنه أشفق من الشر، لأن التجارب قضت بأن صوتاً من أصواتها معلوماً، أو حالاً من أحوالها معلومة، يعقبها مكروه، فإن وطن نفسه على ذلك أساء، وإن سأل الله الخير، واستعاذ من الشر، ومضى متوكلاً لم يضره ما وجده في نفسه من ذلك، وإلا فيؤخذ به، وربما وقع به ذلك المكروه بعينه، الذي اعتقده، عقوبة له، كما كان يقع كثيراً لأهل الجاهلية. وعلى المسلم، إذا دخل نفسه شيء من التطير أن يقول: اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك. ١٣ - ومن الرواية الواحدة والعشرين النهي عن إتيان الكهان. ١٤ - والنهي عن التكهن، قال القرطبي: كانوا في الجاهلية يترافعون إلى الكهان في الوقائع والأحكام، ويرجعون إلى أقوالهم، وقد انقطعت الكهانة بالبعثة المحمدية، لكن بقي في الوجود من يتشبه بهم، وثبت النهي عن إتيانهم، فلا يحل إتيانهم ولا تصديقهم. ١٥ - ومن الرواية الثانية والعشرين كيف يتلقى الملائكة الوحي والأمر. ١٦ - وكيف يحدث بعضهم بعضاً. ١٧ - وكيف كان الجن يسترقون السمع. ١٨ - وكيف كان الكهنة يعلمون شيئاً من الغيب. ١٩ - عدم قبول صلاة من أتى العراف، قال النووي: وأما عدم قبول صلاته فمعناه أنه لا ثواب له فيها، وإن كانت مجزئة في سقوط الفرض عنه، ولا يحتاج معها إلى إعادة، ونظير هذه الصلاة في

стр. 4944

الأرض المغصوبة، مجزئة، مسقطة للقضاء، ولكن لا ثواب فيها، كذا قال جمهور أصحابنا، قالوا: فصلاة الفرض وغيرها من الواجبات، إذا أتى بها على وجهها الكامل، ترتب عليها شيئان، سقوط الفرض عنه، وحصول الثواب، فإذا أداها في أرض مغصوبة حصل الأول، دون الثاني. قال: ولا بد من هذا التأويل في هذا الحديث، فإن العلماء متفقون على أنه لا يلزم من أتى العراف إعادة صلوات أربعين ليلة، فوجب تأويله. ٢٠ - وتفريعاً على الرواية السادسة والعشرين قال القاضي عياض: قال بعض العلماء: في هذا الحديث وما في معناه دليل على أنه يثبت للمرأة الخيار، في فسخ النكاح، إذا وجدت زوجها مجذوماً، أو حدث به جذام، قال: قالوا ويمنع من المسجد، والاختلاط بالناس، قال: وكذلك اختلفوا فيما إذا كثر المجذومون، هل يؤمرون أن يتخذوا لأنفسهم موضعاً منفرداً، خارجاً عن الناس؟ أم لا يلزمهم التنحي؟ وهل يمنعون من التصرف في منافعهم؟ الأكثرون على أنهم لا يمنعون، قال: ولم يختلفوا في القليل منهم أنهم لا يمنعون من صلاة الجمعة مع الناس، ويمنعون من غيرها، قال: ولو استضر أهل قرية -فيها جذمى- بمخالطتهم الماء، فإن قدروا على استنباط ماء بلا ضرر أمروا به، وإلا استنبط لهم الآخرون، أو أقاموا من يستقي لهم، وإلا فلا يمنعون. والله أعلم

стр. 4945

فتح المنعم شرح صحيح مسلم تابع كتاب الطب والمرض - كتاب الأدب من الألفاظ وغيرها - كتاب الشعر - كتاب الرؤيا - كتاب الفضائل - كتاب البر والصلة والآداب الجزء التاسع الأستاذ الدكتور موسى شاهين لاشين دار الشروق

стр. 4946

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 4947

فتح المنعم شرح صحيح مسلم ٩ -

стр. 4948

جميع حقوق النشر والطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤٢٣ - هـ - ٢٠٠٢ م دار الشروق القاهرة: ٨ شارع سيبويه المصري -رابعة العدوية- مدينة نصر ص. ب.: ٣٣ البانوراما -تليفون: ٤٠٢٣٣٩٩ - فاكس: ٤٠٣٧٥٦٧ (٢٠٢) e-mail: dar@ shorouk.com - www.shorouk.com بيروت: ص. ب.: ٨٠٦٤ - هاتف: ٣١٥٨٥٩ - ٨١٧٢١٣ - فاكس: ٣١٥٨٥٩ ١ (٩٦١)

стр. 4949

تابع كتاب الطب والمرض

стр. 4950

(٥٩٩) باب قتل الحيات والأبتر والوزغ والهرة وسقي البهائم ٥٠٧٧ - عن عائشة ﵂. قالت: أمر رسول الله ﷺ بقتل ذي الطفيتين؛ فإنه يلتمس البصر ويصيب الحبل. ٥٠٧٨ - وفي رواية عن هشام بهذا الإسناد، وقال: الأبتر وذو الطفيتين. ٥٠٧٩ - عن سالم عن أبيه عن النبي ﷺ : "اقتلوا الحيات وذا الطفيتين والأبتر، فإنهما يستسقطان الحبل ويلتمسان البصر" قال: فكان ابن عمر يقتل كل حية وجدها، فأبصره أبو لبابة بن عبد المنذر أو زيد بن الخطاب وهو يطارد حية، فقال: إنه قد نهي عن ذوات البيوت. ٥٠٨٠ - عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يأمر بقتل الكلاب يقول: "اقتلوا الحيات والكلاب، واقتلوا ذا الطفيتين والأبتر؛ فإنهما يلتمسان البصر ويستسقطان الحبالى" قال الزهري: ونرى ذلك من سميهما والله أعلم. قال سالم: قال عبد الله بن عمر: فلبثت لا أترك حية أراها إلا قتلتها، فبينا أنا أطارد حية يوما من ذوات البيوت، مر بي زيد بن الخطاب أو أبو لبابة وأنا أطاردها، فقال: مهلا يا عبد الله. فقلت: إن رسول الله ﷺ أمر بقتلهن. قال: إن رسول الله ﷺ قد نهى عن ذوات البيوت. ٥٠٨١ - وعن الزهري بهذا الإسناد، غير أن صالحا قال: حتى رآني أبو لبابة بن عبد المنذر وزيد بن الخطاب، فقالا: إنه قد نهى عن ذوات البيوت. وفي حديث يونس: "اقتلوا الحيات ولم يقل ذا الطفيتين والأبتر". ٥٠٨٢ - عن نافع أن أبا لبابة كلم ابن عمر ليفتح له بابا في داره يستقرب به إلى

стр. 4951

المسجد، فوجد الغلمة جلد جان، فقال عبد الله: التمسوه فاقتلوه. فقال أبو لبابة: لا تقتلوه؛ فإن رسول الله ﷺ نهى عن قتل الجنان التي في البيوت. ٥٠٨٣ - عن نافع قال: كان ابن عمر يقتل الحيات كلهن، حتى حدثنا أبو لبابة بن عبد المنذر البدري أن رسول الله ﷺ نهى عن قتل جنان البيوت فأمسك. ٥٠٨٤ - عن نافع أنه سمع أبا لبابة يخبر ابن عمر أن رسول الله ﷺ نهى عن قتل الجنان. ٥٠٨٥ - عن أبي لبابة ﵁ عن النبي ﷺ ح وحدثني عبد الله بن محمد بن أسماء الضبعي، حدثنا جويرية، عن نافع، عن عبد الله؛ أن أبا لبابة أخبره، أن رسول الله ﷺ نهى عن قتل الجنان التي في البيوت. ٥٠٨٦ - عن نافع أن أبا لبابة بن عبد المنذر الأنصاري، وكان مسكنه بقباء، فانتقل إلى المدينة، فبينما عبد الله بن عمر جالسا معه يفتح خوخة له إذا هم بحية من عوامر البيوت، فأرادوا قتلها. فقال أبو لبابة: إنه قد نهي عنهن، يريد عوامر البيوت، وأمر بقتل الأبتر وذي الطفيتين. وقيل: هما اللذان يلتمعان البصر ويطرحان أولاد النساء. ٥٠٨٧ - عن عمر بن نافع، عن أبيه قال: كان عبد الله بن عمر يوما عند هدم له فرأى وبيص جان، فقال: اتبعوا هذا الجان فاقتلوه. قال أبو لبابة الأنصاري: إني سمعت رسول الله ﷺ نهى عن قتل الجنان التي تكون في البيوت إلا الأبتر وذا الطفيتين، فإنهما اللذان يخطفان البصر ويتتبعان ما في بطون النساء. ٥٠٨٨ - وفي رواية عن نافع، أن أبا لبابة مر بابن عمر وهو عند الأطم الذي عند دار عمر بن الخطاب يرصد حية. بنحو حديث الليث بن سعد.

стр. 4952

٥٠٨٩ - عن عبد الله قال: كنا مع النبي ﷺ في غار، وقد أنزلت عليه والمرسلات عرفا، فنحن نأخذها من فيه رطبة، إذ خرجت علينا حية، فقال: "اقتلوها" فابتدرناها لنقتلها، فسبقتنا. فقال رسول الله ﷺ : "وقاها الله شركم كما وقاكم شرها". ٥٠٩٠ - عن عبد الله أن رسول الله ﷺ أمر محرما بقتل حية بمنى. ٥٠٩١ - وفي رواية عن عبد الله قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ في غار. بمثل حديث جرير وأبي معاوية. ٥٠٩٢ - عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة أنه دخل على أبي سعيد الخدري في بيته قال: فوجدته يصلي، فجلست أنتظره حتى يقضي صلاته، فسمعت تحريكا في عراجين في ناحية البيت، فالتفت فإذا حية، فوثبت لأقتلها، فأشار إلي أن اجلس، فجلست، فلما انصرف أشار إلى بيت في الدار، فقال: أترى هذا البيت؟ فقلت: نعم. قال: كان فيه فتى منا حديث عهد بعرس. قال: فخرجنا مع رسول الله ﷺ إلى الخندق، فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله ﷺ بأنصاف النهار فيرجع إلى أهله فاستأذنه يوما، فقال له رسول الله ﷺ : "خذ عليك سلاحك، فإني أخشى عليك قريظة" فأخذ الرجل سلاحه ثم رجع، فإذا امرأته بين البابين قائمة، فأهوى إليها الرمح ليطعنها به، وأصابته غيرة. فقالت له: اكفف عليك رمحك وادخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني. فدخل فإذا بحية عظيمة منطوية على الفراش، فأهوى إليها بالرمح فانتظمها به ثم خرج فركزه في الدار، فاضطربت عليه فما يدرى أيهما كان أسرع موتا الحية أم الفتى. قال: فجئنا إلى رسول الله ﷺ فذكرنا ذلك له، وقلنا ادع الله يحييه لنا. فقال: "استغفروا لصاحبكم" ثم قال: "إن بالمدينة جنا قد أسلموا، فإذا رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثة أيام، فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان".

стр. 4953

٥٠٩٣ - عن أبي السائب قال: دخلنا على أبي سعيد الخدري، فبينما نحن جلوس إذ سمعنا تحت سريره حركة، فنظرنا فإذا حية. وساق الحديث بقصته نحو حديث مالك عن صيفي وقال فيه: فقال رسول الله ﷺ : "إن لهذه البيوت عوامر، فإذا رأيتم شيئا منها فحرجوا عليها ثلاثا، فإن ذهب وإلا فاقتلوه فإنه كافر" وقال: "لهم اذهبوا فادفنوا صاحبكم". ٥٠٩٤ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعته قال: قال رسول الله ﷺ : "إن بالمدينة نفرا من الجن قد أسلموا، فمن رأى شيئا من هذه العوامر فليؤذنه ثلاثا، فإن بدا له بعد فليقتله فإنه شيطان". ٥٠٩٥ - عن أم شريك ﵂ أن النبي ﷺ أمرها بقتل الأوزاغ. وفي حديث ابن أبي شيبة: أمر. ٥٠٩٦ - عن أم شريك ﵂ أنها استأمرت النبي ﷺ في قتل الوزغان، فأمر بقتلها. وأم شريك إحدى نساء بني عامر بن لؤي. اتفق لفظ حديث ابن أبي خلف وعبد بن حميد وحديث ابن وهب قريب منه. ٥٠٩٧ - عن عامر بن سعد، عن أبيه أن النبي ﷺ أمر بقتل الوزغ وسماه فويسقا. ٥٠٩٨ - عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "للوزغ الفويسق" زاد حرملة قالت ولم أسمعه أمر بقتله. ٥٠٩٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قتل وزغة في أول

стр. 4954

ضربة فله كذا وكذا حسنة، ومن قتلها في الضربة الثانية فله كذا وكذا حسنة لدون الأولى، وإن قتلها في الضربة الثالثة فله كذا وكذا حسنة لدون الثانية". ٥١٠٠ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ بمعنى حديث خالد عن سهيل إلا جريرا وحده فإن في حديثه: "من قتل وزغا في أول ضربة كتبت له مائة حسنة وفي الثانية دون ذلك وفي الثالثة دون ذلك". ٥١٠١ - عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "في أول ضربة سبعين حسنة". ٥١٠٢ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ "أن نملة قرصت نبيا من الأنبياء، فأمر بقرية النمل فأحرقت، فأوحى الله إليه أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبح". ٥١٠٣ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "نزل نبي من الأنبياء تحت شجرة فلدغته نملة، فأمر بجهازه فأخرج من تحتها ثم أمر بها فأحرقت، فأوحى الله إليه فهلا نملة واحدة". ٥١٠٤ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها وقال رسول الله ﷺ "نزل نبي من الأنبياء تحت شجرة فلدغته نملة، فأمر بجهازه فأخرج من تحتها، وأمر بها فأحرقت في النار قال فأوحى الله إليه فهلا نملة واحدة". ٥١٠٥ - عن عبد الله ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "عذبت امرأة في هرة سجنتها

стр. 4955

حتى ماتت فدخلت فيها النار، لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض". ٥١٠٦ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "عذبت امرأة في هرة، لم تطعمها ولم تسقها، ولم تتركها تأكل من خشاش الأرض". ٥١٠٧ - وفي رواية عن هشام بهذا الإسناد، وفي حديثهما: ربطتها. وفي حديث أبي معاوية "حشرات الأرض". ٥١٠٨ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئرا فنزل فيها فشرب، ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني، فنزل البئر فملا خفه ماء، ثم أمسكه بفيه حتى رقي فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له. قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في هذه البهائم لأجرا؟ فقال: "في كل كبد رطبة أجر". ٥١٠٩ - عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ "أن امرأة بغيا رأت كلبا في يوم حار يطيف ببئر قد أدلع لسانه من العطش، فنزعت له بموقها، فغفر لها". ٥١١٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول ﷺ : "بينما كلب يطيف بركية قد كاد يقتله العطش، إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل، فنزعت موقها، فاستقت له، به فسقته إياه، فغفر لها به". -[المعنى العام]- منذ هبط آدم من الجنة إلى الأرض كان لا بد أن يتعامل مع ما حوله من المخلوقات، ليتواءم ويعيش، ذلل الله تعالى له ولبنيه بعض مخلوقاته، فاستخدمها وانتفع بها من أحياء البحر واليابسة،

стр. 4956

ولم يذلل له بعضا آخر، علمه كيف يتعامل معها، وكيف يتقي شرها، ويأخذ حذره منها، أو كيف يقضي عليها، ويتخلص منها، ليكون له في هذا الكفاح والشقاء أجر وثواب. من هذه المخلوقات الشريرة المؤذية لبني آدم الأفاعي والحيات والثعابين والعقارب، وشر هذا النوع ما يعرف بالأبتر، وهو ثعبان قصير الذيل، يسحب بصر الإنسان إذا وقع بصره على بصره، وما يعرف بذي الطفيتين، أي صاحب الخطين الممتدين على ظهره، وهو ثعبان إذا نظرت إليه الحامل سقط حملها، حث رسول الله ﷺ على قتل الأفاعي عامة، ووصى بقتل الأبتر وذات الطفيتين منها بصفة خاصة. ومن هذه المخلوقات الضارة المؤذية الوزغ أو الأبرص، فأمر ﷺ بقتله، وسماه فويسقا، وقال عنه إنه خارج عن طبيعة المخلوقات المسالمات إلى طبيعة الحشرات المؤذيات، واستنهض رسول الله ﷺ همم المسلمين لقتله، فوعد من قتله بضربة واحدة بالأجر الكبير، ودونه من قتله بضربتين، ودونه من قتله بثلاث ضربات أو ما بعدها. أما النمل فبعضه يؤذي وبعضه لا يؤذي، فرخص الشارع قتل المؤذي في حدود دفع الأذى. ثم أوصى الشارع بالحيوانات الأليفة خيرا، أوصى بالإحسان إليها، وإطعامها وسقيها، وعدم إيذائها، فقد حبست امرأة هرة، فلا هي أطعمتها وسقتها، ولا هي تركتها بدون حبس، لتبحث لها عن حشرة تأكلها، وتجد لها ماء تشربه، لكنها حبستها، حتى ماتت جوعا، وعطشا، هذه المرأة أخبر الله نبيه ﷺ أنها ستعذب بالنار يوم القيامة. وهذا رجل يمشي في صحراء، يشتد عليه العطش، حتى كاد يهلكه، أخذ يبحث عن ماء، فوجد بئرا، نزل فشرب، فلما خرج من البئر وجد كلبا يلهث، ويخرج لسانه جافا من شدة العطش يلعق بلسانه التراب، لعله يجد فيه رطوبة تخفف عنه جفاف اللسان والعطش، فقال الرجل: لقد بلغ العطش بهذا الكلب مثل ما بلغ بي، فنزل البئر ثانية، فلم يجد ما يرفع به الماء للكلب سوى خفه، فملأ واحدا من خفيه، وأمسكه بفمه، ليتمكن من الصعود من البئر بيديه، حتى خرج من البئر، فسقى الكلب حتى روي، فشكر الله لهذا الرجل إحسانه إلى الكلب، فغفر له ذنوبه. وهذه امرأة بغي، زانية، ترى كلبا يلهث من العطش، فتأخذها الشفقة على الكلب فتخلع حذاءها، وتملؤه ماء، وتسقي به الكلب، فيشكر الله لها، فيغفر لها زناها. وقع ذلك في الأمم السابقة، ويحكيه رسول الله ﷺ لأصحابه، مرغبا في الإحسان إلى الحيوان، فيقول الصحابة: إذن لنا أجر في سقينا دوابنا؟ فيقول ﷺ : نعم إن في إروائكم لأي حيوان أجرا وثوابا. -[المباحث العربية]- (أمر رسول الله ﷺ بقتل ذي الطفيتين) أي صاحب الطفيتين، والطفيتان تثنية طفية، بضم الطاء وسكون الفاء وفتح الياء، وهي خوصة شجر المقل، بضم الميم وسكون القاف، وهو شجر

стр. 4957

الدوم، بفتح الدال، وهو يشبه النخل، وتطلق الطفية على الخط الأبيض، أو الأسود، أو الأصفر على ظهر الحية، وتطلق عبارة "ذات الطفيتين على حية لينة خبيثة، على ظهرها خطان، وكأنهما مشبهان بخوصتي المقل، وكان حقه أن يقول: ذات الطفيتين، فهي حية، ولكنه أريد النوع، فكأنه قال: اقتلوا هذا النوع. وفي ملحق الرواية "الأبتر وذو الطفيتين" وفي الرواية الثانية "اقتلوا الحيات، وذا الطفيتين والأبتر" فعطفهما على الحيات من عطف الخاص على العام، وفي الرواية الثالثة "اقتلوا الحيات والكلاب، واقتلوا ذا الطفيتين والأبتر" والأبتر نوع من الحيات، مقطوع الذنب، وقيل: الأبتر الحية القصيرة الذنب، وقال الداودي: هي الأفعى التي تكون قدر شبر أو أكبر قليلا، وعطف الأبتر على ذي الطفيتين يقتضي أنهما متغايران، لكن جاء في رواية "لا تقتلوا الحيات، إلا كل أبتر ذي طفيتين". فظاهر هذه الرواية أنهما متحدان، قال الحافظ ابن حجر: لكن لا ينفى المغايرة. اهـ. فقد تكون ذات الطفيتين طويلة الذنب، وقد تكون قصيرة الذنب، فأمر بقتل النوعين في رواية، وأمر بقتل نوع في رواية. والثعبان ذكر الحيات، وقيل: الكبير من الحيات، ذكرا كان أو أنثى، والأفاعي جمع أفعى، وهي الأنثى من الحيات، والذكر منها "أفعوان" بضم الهمزة والعين، بينهما فاء ساكنة، وكنية الأفعوان أبو حيان، وأبو يحيى، لأنه يعيش ألف سنة، وهو الشجاع الأسود، الذي يواثب الإنسان، قالوا: ومن صفة الأفعى أنها إذا قفئت عينها عادت، ولا تغمض حدقتها أبدا، والأساود جمع أسود، قال أبو عبيد: هي حية فيها سواد، وهي أخبث الحيات، ويقال له: أسود سالخ، لأنه يسلخ جلده كل عام، وفي سنن أبي داود والنسائي "أعوذ بالله من أسد وأسود" وقيل: هي حية رقيقة رقشاء، دقيقة العنق، عريضة الرأس، وربما كانت ذات قرنين، والهاء في الحية للوحدة، كدجاجة. (فإنه يلتمس البصر، ويصيب الحبل) والضمير لذي الطفيتين، وفي الرواية الثانية "فإنهما يستسقطان الحبل، ويلتمسان البصر" والضمير لذي الطفيتين والأبتر، وإسناد الفعل لهما لا يتعارض مع إسناده لأي منهما، والحبل بفتح الحاء والباء حمل المرأة، "ويستسقطان" أي يصيران الحمل سقطا، ومعنى "يلتمسان البصر" أي يقصدانه، فيذهبان، وفي الرواية الثالثة "ويستسقطان الحبالى" وفي الرواية التاسعة "فإنهما اللذان يخطفان البصر، ويتتبعان ما في بطون النساء" أي يسقطانه، مجاز بذكر السبب، وإرادة المسبب. وفي الرواية الثامنة "هما اللذان يلتمعان البصر، ويطرحان أولاد النساء" وفي رواية البخاري "فإنهما يطمسان البصر" أي يمحوان نوره، وفي رواية "ويذهب البصر" وفي رواية "فإنه يسقط الولد" وفي رواية "ويذهب الحبل" وكلها بمعنى. قال نضر بن شميل: الأبتر صنف من الحيات أزرق، مقطوع الذنب، لا تنظر إليه حامل إلا ألقت ما في بطنها. قال النووي: معنى "يستسقطان الحبل" أن المرأة الحامل إذا نظرت إليهما، وخافت، أسقطت الحمل غالبا، وقد ذكر مسلم في روايتنا الثالثة قول الزهري "ونرى ذلك من سميهما" بضم نون "نرى" أي نظن، قال: وأما "يلتمسان البصر" ففيه تأويلان، ذكرهما الخطابي وآخرون، أحدهما: معناه يخطفان البصر ويطمسانه، بمجرد نظرهما إليه، لخاصة جعلها الله تعالى في بصريهما، إذا

стр. 4958

وقع على بصر الإنسان، ويؤيد هذا التأويل الرواية الثامنة "يلتمعان البصر" والتاسعة "يخطفان البصر" والتأويل الثاني أنهما يقصدان البصر باللسع والنهش، والأول أصح وأشهر، قال العلماء: وفي الحيات نوع يسمى الناظر، إذا وقع نظره على عين إنسان مات من ساعته. (فكان ابن عمر يقتل كل حية وجدها) سواء كانت من ذوات البيوت أو في الصحراء، أي يقتلها إذا قدر عليها، وفي الرواية الثالثة: "قال ابن عمر: فلبثت لا أترك حية أراها إلا قتلتها" أي إن قدرت عليها، وفي رواية البخاري "أن ابن عمر كان يقتل الحيات، ثم نهي، قال: إن النبي ﷺ هدم حائطا له، فوجد فيه سلخ حية، أي جلدها الذي غيرته - فقال: انظروا أين هو؟ فنظروا فقال: اقتلوه، قال ابن عمر: فكنت أقتلها لذلك". (فأبصره أبو لبابة بن عبد المنذر أو زيد بن الخطاب، وهو يطارد حية) "أبو لبابة" بضم اللام، صحابي مشهور، وهو أوسي من بني أمية بن زيد، ليس له في الصحيح إلا هذا الحديث، وكان أحد النقباء، وشهد أحدا، ويقال: شهد بدرا، واستعمله النبي ﷺ على المدينة، وكانت معه راية قومه عند الفتح، ومات في أول خلافة عثمان، وزيد بن الخطاب أخو عمر بن الخطاب ﵄، ليس له في الصحيح إلا هذا الموضع، وفي الرواية الثانية والثالثة "أبو لبابة أو زيد بن الخطاب" بالشك، وفي الرواية الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة والتاسعة. "أبو لبابة" من غير شك، والظاهر أنهما كانا معا، ونسب القول لهما، في ملحق الرواية الثالثة على أساس أن القائل أحدهما، وموافقة الآخر في حكم قوله أيضا، ومعنى "يطارد حية" أي يطلبها ويتبعها ليقتلها. (فقال: إنه قد نهي عن ذوات البيوت) في الكلام مضاف محذوف، أي نهي عن قتل ذوات البيوت أي اللاتي يوجدن في البيوت، وظاهره التعميم في جميع البيوت، وعن مالك تخصيصه ببيوت المدينة، وقيل يختص ببيوت المدن، دون غيرها، وفي الرواية الرابعة والخامسة والتاسعة "نهى عن قتل الجنان التي في البيوت" و"الجنان" بجيم مكسورة، ونون مفتوحة مشددة، جمع جان، وهي الحية الصغيرة، قيل: الرقيقة الخفيفة، وقيل: الرقيقة البيضاء، وفي الرواية الثامنة "إذا هم بحية من عوامر البيوت" وفي رواية للبخاري "إنه نهي بعد ذلك عن ذوات البيوت، وهي العوامر" قال الحافظ ابن حجر: "وهي العوامر" من كلام الزهري، أدرج في الحديث، قال أهل اللغة: عمار البيوت سكانها من الجن، وتسميتهن عوامر، لطول لبثهن في البيوت، مأخوذ من العمر، وهو طول البقاء، وفي روايتنا الثالثة عشرة "إن لهذه البيوت عوامر، فإذا رأيتم شيئا منها، فحرجوا عليها ثلاثا" أي ثلاث مرات، وقيل: ثلاث ليال، ومعنى "حرجوا عليهن" بفتح الحاء وكسر الراء المشددة بعدها جيم، أي قولوا لهن: أنتن في ضيق وحرج، إن لبثت عندنا، أو ظهرت لنا، أو عدت إلينا، قتلناك. (يفتح خوخة له) بفتح الخاء، وإسكان الواو، وهي كوة بين دارين أو بيتين، يدخل منها، وقد تكون في حائط منفرد. والكوة النافذة الصغيرة، وفي الرواية التاسعة "كان عبد الله بن عمر يوما عند هدم له" وفي الرواية الرابعة "أن أبا لبابة كلم ابن عمر ليفتح له بابا في داره، يستقرب به إلى المسجد" أي ليصير به قريبا من المسجد - "فوجد الغلمة" - بكسر الغين وسكون اللام جمع غلام - "جلد جان، فقال عبد الله: التمسوه" أي ابحثوا عن الثعبان "فاقتلوه" وفي الرواية الثامنة "فبينما

стр. 4959

عبد الله بن عمر - جالسا معه - يفتح خوخه له، إذا هم بحية" وفي ملحق الرواية التاسعة "أن أبا لبابة مر بابن عمر، وهو عند الأطم" بضم الهمزة والطاء، وهو القصر، وجمعه أطام، كعنق وأعناق "الذي عند دار عمر بن الخطاب، يرصد حية" أي يرقبها ويبحث عنها، بواسطة الغلمة، ليقتلها. (كنا مع النبي ﷺ في غار، وقد أنزلت عليه "والمرسلات عرفا") في رواية البخاري "بينما نحن مع النبي ﷺ في غار بمنى، إذ نزل عليه "والمرسلات" وفي رواية "كان ذلك ليلة عرفة، قال الحافظ ابن حجر "بمنى" أصح مما أخرجه الطبراني في الأوسط "على حراء". وقوله تعالى ﴿والمرسلات عرفا﴾ قيل في تفسيره أن الله تعالى يقسم بمن اختاره من الملائكة ﵈، يقسم بطوائف الملائكة، التي يرسلها إلى الخلق للأمر بالمعروف وتحويلهم من الظلمات إلى النور، وجواب القسم ﴿إنما توعدون لواقع﴾ (فنحن نأخذها من فيه رطبة) أي لم يجف ريقه منها وفي رواية للبخاري "فتلقيناها من فيه، وإن فاه لرطب بها" وفي رواية له "وإنا لنتلقاها من فيه" وفي رواية أخرى له "وإنه ليتلوها، وإني لأتلقاها من فيه". (إذ خرجت علينا حية) في رواية للبخاري "إذ وثبت علينا حية". (فابتدرناها لنقتلها، فسبقتنا) أي تسابقنا أينا يدركها؟ فسبقتنا كلنا، وفي رواية للبخاري "فابتدرناها فذهبت". (وقاها الله شركم، كما وقاكم شرها) أي إن الله سلمها منكم، كما سلمكم منها. (أمر محرما بقتل حية بمنى) هذا مأخوذ من الرواية العاشرة، فقد كانوا محرمين بالحج، وأمرهم رسول الله ﷺ بقتلها. (فسمعت تحريكا في عراجين) بفتح العين، جمع عرجون بضمها، وهو الفروع التي تحمل تمر النخل. (فلما انصرف أشار إلى بيت في الدار) أي فلما انصرف وانتهى من الصلاة، والبيت في الأصل ما يبيت فيه الآدمي، والدار تجمع المباني والساحة، وكأن دارهم كانت فسيحة، تتكون من بيوت لأفراد الأسرة. (فخرجنا مع رسول الله ﷺ إلى الخندق) أي إلى حفر الخندق. (فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله ﷺ بأنصاف النهار) "أنصاف النهار" بفتح الهمزة منتصفه، وكأنه وقت لآخر النصف الأول وأول النصف الثاني، فجمعه لذلك، ويحتمل أن يكون جمعه لتعدده بحسب تعدد الأيام. (فيرجع إلى أهله) أي إلى زوجته، ليطالع حالها، ويقضي حاجتها، ويؤنسها في وحشتها فقد كانت عروسا. (خذ عليك سلاحك، فإني أخشى عليك قريظة، فأخذ الرجل سلاحه، ثم رجع) كانت

стр. 4960

بنو قريظة قد عاهدت رسول الله ﷺ أن لا تعين عليه من يحاربه، فنكثت العهد، وأعانت قريشا على حربه في غزوة الخندق، فكان ﷺ يخشى على أصحابه من غدر اليهود، أن ينفردوا بأحد المسلمين في المدينة، فأوصى هذا الفتى بالحذر منهم، وذكر الراوي هذه القضية ليبين كيف أن الفتى كاد يستخدم سلاحه ضد زوجته. (فإذا امرأته بين البابين قائمة) كانت غيرة العرب على نسائهم، وبخاصة حديثة العرس، تمنع الزوجة من البروز في فناء الدار وتحدد إقامتها في دائرة الحريم. حجرة النوم وما حولها من حجرات، فوجد الفتى امرأته قد خرجت من الدائرة المحددة لها، ووقفت في فناء الدار بين باب الحريم والباب العام للبيت. (فأهوى إليها الرمح) أي رفع رمحه، وصوبه نحوها، يريد طعنها به. (اكفف عليك رمحك) أي اضمم إليك رمحك، يقال: كف الشيء يكفه بضم الفاء، إذا ضم بعضه إلى بعض. (فإذا بحية عظيمة منطوية على الفراش) أي ملتف بعضها حول بعض، فوق فراش زوجته. (فأهوى إليها بالرمح، فانتظمها به) أي طعنها به وضم بعضها إلى بعض، أي فصارت كومة فظنها قد ماتت، ولم تكن ماتت. (ثم خرج فركزه في الدار) مطمئنا، فلا حاجة له به. (فاضطربت عليه) أي تحركت على غير نظام، وهاجمته، وأصابته بسمها، ثم وقعت ميتة ووقع الفتى ميتا. (فما يدرى. أيهما كان أسرع موتا؟ الحية؟ أم الفتى؟ ) "فما يدرى" بضم الياء، مبني للمجهول، أي فما يدري أحد، أيهما كان أسبق موتا؟ لسرعة موتهما. (ادع الله يحييه لنا) لمحبتنا له، واعتزازنا به، و"يحييه" مؤول بمصدر من غير سابك، مجرور بحرف جر، والتقدير: ادع الله بإحيائه لنا. (إن بالمدينة جنا، قد أسلموا) وأنهم يتشكلون بالأفاعي والحيات. (فإذا رأيتم منهم شيئا) على هيئة حية. (فآذنوه ثلاثة أيام) أي آذنوه وأعلموه وأنذروه أن لا يعود للظهور، وأعطوه مهلة ثلاثة أيام، وفي الرواية الثالثة عشرة "حرجوا عليها ثلاثا" بفتح الحاء وتشديد الراء المكسورة، أي ضيقوا عليها بإنذارها. (فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه، فإنما هو شيطان) أي متمرد، وفي الرواية الثالثة عشرة "فإن ذهب، وإلا فاقتلوه، فإنه كافر" جواب الشرط الأول، وفعل الشرط الثاني محذوفان، والتقدير: فإن ذهب ولم يرجع سلم منكم وسلمتم منه، وإن لم يذهب ورجع إليكم فاقتلوه. قال النووي: قال العلماء: معناه إذا لم يذهب بالإنذار، علمتم أنه ليس من عوامر

стр. 4961

البيوت، ولا ممن أسلم من الجن، بل هو شيطان، فلا حرمة عليكم فاقتلوه، ولن يجعل الله له سبيلا للانتصار عليكم بثأره، بخلاف العوامر ومن أسلم. (اذهبوا، فادفنوا صاحبكم) رد على قولهم ادع الله يحييه لنا. (أمرها بقتل الأوزاغ) جمع وزغ بفتح الواو والزاي، ووزغة، أو الوزغة الأنثى والوزغ الذكر سام أبرص، جلده يشبه البرص - بفتح الراء المرض المعروف - ويعرف "بالبرص" بضم الباء وسكون الراء، قال النووي: واتفقوا على أن الوزغ من الحشرات المؤذيات، وفي الرواية السادسة عشرة "أنها استأمرت النبي ﷺ في قتل الوزغان" بكسر الواو وسكون الزاي "فأمر بقتلها" وفي الرواية السابعة عشرة "أمر بقتل الوزغ، وسماه فويسقا" وفي الرواية الثامنة عشرة "قال للوزغ: الفويسق" واللام في "للوزغ بمعنى "عن" والمعنى أنه سماه "فويسقا" وهو تصغير تحقير، مبالغة والفسق الخروج عن الحد بالأذى، والرواية التاسعة عشرة والمتممة للعشرين، والواحدة والعشرون، قصد بها تكثير الثواب في قتله بأول ضربة، ثم ما يليها فالمقصود الحث على المبادرة بقتله، والاعتناء به، وتحريض قاتله على أن يقتله بأول ضربة، فإنه إذا أراد أن يضربه ضربات، ربما انفلت، وفات قتله. قال النووي: وأما تقييد الحسنات في الضربة الأولى بمائة، وفي الرواية الأخرى بسبعين فجوابه أن هذا مفهوم العدد، ولا يعمل به عند الأصوليين وغيرهم، فذكر سبعين لا يمنع المائة، فلا معارضة بينهما، أو لعله ﷺ أخبرنا أولا بسبعين، ثم تصدق الله تعالى بالزيادة، فأعلم بها النبي ﷺ ، حين أوحى إليه بعد ذلك ويحتمل أن ذلك يختلف باختلاف قاتلي الوزغ، بحسب نياتهم، وإخلاصهم، وكمال أحوالهم ونقصها، فتكون المائة للكامل منهم، والسبعون لغيره، والله أعلم. (أن نملة قرصت نبيا من الأنبياء) قيل: هو العزير، وروى الحكيم الترمذي في النوادر أنه موسى ﵇، وبذلك جزم الكلاباذي في معاني الأخبار، والقرطبي في التفسير، وفي الرواية الثالثة والعشرين والرابعة والعشرين "نزل نبي من الأنبياء تحت شجرة، فلدغته نملة" أي قرصته، هو بالدال والغين، وليس بالذال والعين فإن معناه الإحراق، ولا يصح هنا. (فأمر بقرية النمل فأحرقت) المراد من قرية النمل مساكنها وموضع اجتماعها، قال الحافظ ابن حجر: والعرب تفرق في الأوطان، فيقولون لمسكن الإنسان وطن، ولمسكن الإبل عطن ولمسكن الأسد عرين وغابة ولمسكن الظبي كناس، ولمسكن الضب وجار، ولمسكن الطائر عش، ولمسكن الزنبور كور، ولمسكن اليربوع نافق ولمسكن النمل قرية وفي رواية للبخاري "ثم أمر ببيتها فأحرق". وفي الرواية الثالثة والعشرين والرابعة والعشرين "فأمر بجهازه فأخرج من تحتها، ثم أمر بها فأحرقت" ففي الكلام مضاف محذوف، تقديره: ثم أمر بقريتها، بدلالة الرواية الأخرى، وبدلالة مؤاخذة الله تعالى له والجهاز بفتح الجيم وكسرها هو المتاع وإخراجه من تحتها يدل على أن قرية النمل كانت فوق الشجرة، أو الضمير في "تحتها" للشجرة، وكانت قرية النمل تحتها أيضا. (فأوحى الله إليه: أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبح) "أن" وما دخلت عليه في تأويل مصدر، مجرور بفي، متعلق بأهلكت، وجملة "أهلكت" مفعول به لفعل "أوحى" "وفي" للسببية كقوله "دخلت امرأة النار في هرة"

стр. 4962

والتقدير: أوحى الله إليه هذه الجملة: أهلكت أمة بسبب قرص نملة لك؟ والكلام على الاستفهام الإنكاري التوبيخي، أي ما كان ينبغي ذلك وجملة "تسبح" صفة ثانية لأمة أي أهلكت أمة من الأمم مسبحة، إشارة إلى قوله تعالى ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾ [الإسراء: ٤٤] وفي وصف الأمة بالتسبيح زيادة توبيخ، وفي الرواية الثالثة والعشرين والرابعة والعشرين "فأوحى الله إليه: فهلا نملة واحدة؟ "فهلا" للتوبيخ والتنديم، وتختص بالدخول على الفعل الماضي، والفعل هنا مقدر، و"نملة" بالنصب مفعوله، والتقدير: هلا عاقبت نملة واحدة، فقد قرصتك نملة واحدة، و"هلا" إذا دخلت على المضارع تكون للعرض أو التحضيض، ولا يصح هنا، والنملة واحدة النمل، وجمع الجمع نمال والنمل أعظم الحيوانات حيلة في طلب الرزق، ومن عجيب أمره أنه إذا وجد شيئا ولو قل أنذر الباقين، ويحتكر في زمن الصيف للشتاء وإذا خاف العفن على الحب أخرجه إلى ظاهر الأرض، وإذا حفر مكانه اتخذه تعاريج لئلا يجري إليه ماء المطر، وليس في الحيوان ما يحمل أثقل منه غيره. (عذبت امرأة في هرة) الفعل الماضي مراد به الاستقبال، أي ستعذب وعبر بالماضي لتحقيق الوقوع، و"في" للسببية، وفي الكلام مضاف محذوف، أي بسبب إيذاء أو قتل هرة، وفي رواية البخاري "دخلت امرأة النار في هرة" وجاء في رواية أن المرأة كانت حميرية، وفي أخرى أنها كانت من بني إسرائيل، قال الحافظ ابن حجر: ولا تضاد بينهما، لأن طائفة من حمير كانوا قد دخلوا في اليهودية فنسبت إلى دينها تارة، وإلى قبيلتها أخرى، اهـ وفي رواية "من جرا هرة" و"جرا" بفتح الجيم وتشديد الراء مقصور، ويجوز فيه المد، والهرة أنثى السنور والهر الذكر ويجمع "الهر" على "هررة" كقرد وقردة، وتجمع "الهرة" على "هرر" كقربة وقرب. (سجنتها حتى ماتت) في ملحق الرواية السادسة والعشرين "ربطتها" (لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها) وفي الرواية السادسة والعشرين "لم تطعمها ولم تسقها". (ولا هي تركتها، تأكل من خشاش الأرض) وفي ملحق الرواية السادسة والعشرين "ولم تتركها تأكل من حشرات الأرض" و"خشاش الأرض" بالخاء المفتوحة والمكسورة والمضمومة، والفتح أشهر، وروي بالحاء المهملة والصواب الأول، وهي هوام الأرض وحشراتها، وقيل: المراد به نبات الأرض قال النووي: وهو ضعيف أو غلط. اهـ. وفي رواية للبخاري "دنت مني النار، حتى قلت، أي رب، وأنا معهم؟ فإذا امرأة تخدشها هرة، قال: ما شأن هذه؟ قالوا: حبستها حتى ماتت جوعا". (بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش) في رواية "بينما رجل يمشي بفلاة" وفي رواية "يمشي بطريق مكة" ويجمع بينهما بأنه كان يمشي بفلاة بطريق مكة، وفي رواية البخاري "فاشتد عليه العطش، بالفاء الواقعة موقع "إذ" وسقطت هذه الفاء من رواية مسلم، ووقع في رواية "فاشتد عليه العطاش" قال ابن التين: العطاش داء يصيب الغنم، فلا تروى، وهو غير مناسب هنا.

стр. 4963

(فإذا كلب يلهث) بفتح الهاء وكسرها، واللهث المصدر بإسكانها، والاسم اللهث بفتحها، وهو ارتفاع النفس من الإعياء، وقال ابن التين: لهث الكلب، أخرج لسانه من العطش، ولهث الرجل إذا أعيا، ورجل لهثان، وامرأة لهثى كعطشان وعطشى. (يأكل الثرى من العطش) أي يكدم بفمه الأرض الندية، والجملة صفة كلب، أو حال من ضميره في "يلهث" (لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني) "مثل" بالفتح، أي بلغ مبلغا مثل الذي بلغ بي، وضبطه بعضهم بالرفع على أنه فاعل "بلغ" والإشارة مفعول. (فنزل البئر، فملأ خفه ماء) في رواية ابن حبان "فنزع أحد خفيه" (ثم أمسكه بفيه) احتاج إلى ذلك ليعالج بيديه الصعود من البئر. (حتى رقي) بفتح الراء وكسر القاف، كصعد وزنا ومعنى، وفي لغة طيئ يفتحون عين الفعل المعتل اللام، والأول أفصح. (فسقى الكلب) زاد في رواية "حتى أرواه" أي جعله ريانا. (فشكر الله له، فغفر له) أي أثنى عليه، أو قبل عمله، أو جازاه بفعله قال القرطبي: معنى قوله "فشكر الله له" أي أظهر ما جازاه به عند ملائكته، فالفاء في "فغفر له" تفسيرية، أو من عطف الخاص على العام. (قالوا ... ) سمي من هؤلاء السائلين سراقة بن مالك، رواه أحمد وابن ماجه. (وإن لنا في هذه البهائم لأجرا)؟ معطوف على محذوف، تقديره: الأمر كما ذكرت، وإن لنا، وفي الكلام مضاف محذوف، أي في سقي هذه البهائم أو في الإحسان إلى هذه البهائم. (في كل كبد رطبة أجر) "رطبة" أي حية، فالمراد رطوبة الحياة أو لأن الرطوبة لازمة للحياة، فهو كناية، والمعنى أجر ثابت في إرواء كل كبد حية والكبد يذكر ويؤنث، والعموم في "كل كبد" قيل مخصوص ببعض البهائم، مما لا ضرر فيه وسيأتي التفصيل في فقه الحديث. (أن امرأة بغيا) بفتح الباء وكسر الغين، وهي الزانية، قال الحافظ ابن حجر: وتطلق على الأمة مطلقا، وفي روايتنا التاسعة والعشرين "بغي من بغايا بني إسرائيل". (رأت كلبا في يوم حار، يطيف ببئر) "يطيف" بضم أوله، من أطاف، يقال: أطفت بالشيء إذا أدامت المرور حوله، وفي الرواية التاسعة والعشرين "يطيف بركية" بفتح الراء وكسر الكاف وتشديد الياء، وهي البئر مطوية أو غير مطوية، وغير المطوية يقال لها: جب وقليب، ولا يقال لها بئر، حتى تطوى، وقيل: الركي البئر قبل أن تطوى، فإذا طويت فهي الطوى يقال: طوى البئر بالحجارة، أي بناها أو عرشها. (قد أدلع لسانه من العطش) يقال: أدلع لسانه، ودلع لسانه، لغتان، أي أخرجه لشدة العطش، وخرج من الفم واسترخى من ظمأ أو تعب.

стр. 4964

(فنزعت له بموقها) "الموق" بضم الميم هو الخف، فارسي معرب، ومعنى "نزعت له بموقها" أي استقت له بخفها يقال: نزعت بالدلو، إذا استقيت به من البئر. -[فقه الحديث]- قال النووي: قال المازري: لا تقتل حيات مدينة الرسول ﷺ إلا بإنذارها [كما جاء في الرواية الثانية عشرة "فإذا رأيتم شيئا منها فحرجوا عليها ثلاثا" قيل: ثلاثة أيام، وقيل ثلاث مرات، "فإن ذهب، وإلا فاقتلوه، فإنه كافر" فإن أنذرها، ولم تنصرف قتلها. قال: وأما حيات غير المدينة، في جميع الأرض والبيوت والدور، فيندب قتلها من غير إنذار، لعموم الأحاديث الصحيحة في الأمر بقتلها، ففي الرواية الثانية "اقتلوا الحيات" وفي الرواية الثالثة "اقتلوا الحيات والكلاب" وفي الرواية العاشرة "إذ خرجت علينا حية، فقال: اقتلوها" ولم يذكر إنذارا، ولا نقل أنهم أنذروها، قال: فأخذ العلماء بهذه الأحاديث في استحباب قتل الحيات مطلقا، وخصت المدينة بالإنذار الوارد فيها، وسببه صرح به في الحديث - روايتنا الثانية عشرة - أنه أسلم طائفة من الجن بها. وذهبت طائفة من العلماء إلى عموم النهي في حيات البيوت بكل بلد حتى تنذر، وأما ما ليس في البيوت فيقتل من غير إنذار، وقال مالك: يقتل ما وجد منها في المساجد. قال القاضي: وقال بعض العلماء: الأمر بقتل الحيات مطلقا مخصوص بالنهي عن جنان البيوت، إلا الأبتر وذا الطفيتين، فإنه يقتل على كل حال (فكأنه قال: اقتلوا الحيات إلا حيات البيوت، فلا تقتلوها، إلا بعد الإنذار، وإلا الأبتر وذا الطفيتين، فاقتلوهما، وإن كانا في البيوت بدون إنذار) وإلا ما ظهر منها بعد الإنذار. وأما صفة الإنذار فقال القاضي: روى ابن حبيب عن النبي ﷺ أنه يقول: أنشدكن بالعهد الذي أخذه عليكم سليمان بن داود، ألا تؤذونا، ولا تظهرن لنا. وقال مالك: يكفي أن يقول: أحرج عليك بالله واليوم الآخر أن لا تبدو لنا، ولا تؤذينا. اهـ. والذي أميل إليه جواز قتل جميع الحيات في أي مكان بدون إنذار، لحديث البخاري "خمس من الدواب لا حرج على من قتلهن" وفي رواية "كلهن فاسق، يقتلن في الحرم" وذكر منها العقرب في رواية و"الحية" في رواية أخرى، وإذا رفع الإثم في قتلها على المحرم، وفي الحرم رفع عن الحلال من باب أولى، ثم كيف نأمن الثعبان على أطفالنا مع الإنذار؟ أعتقد أن طلب الإنذار كان لنوعية خاصة، ومكان خاص وزمن خاص، لا يقاس عليه، وكذا ما ورد عن أبي لبابة وزيد بن الخطاب. والله أعلم. -[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]- ١ - من قوله في الرواية الأولى والثانية "فإنه يلتمس البصر، ويصيب الحبل" أن هناك تأثيرا بدون ملامسة، كالأشعة غير المرئية، ويحمل على مثلها إصابة العين.

стр. 4965

٢ - وأن هناك من المخلوقات ما لا نعرف فائدة في خلقه، وأنه مؤذ دائما، اللهم إلا أن يقال: إن من الحكمة في خلقه تخويف العباد، والحث على توقي الشر. والله أعلم. ٣ - ومن قتل ابن عمر لكل حية، تنفيذا لما سمع من النبي ﷺ ، وكذلك إمساكه بناء على سماع أبي لبابة، مدى ما كان عليه من دقة الاستجابة لأوامر الرسول ﷺ . ٤ - ومن عمل أبي لبابة وزيد بن الخطاب حرص الصحابة على التبليغ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولو من غير الأعلم للأعلم. ٥ - من تعليله ﷺ لقتل الأبتر وذي الطفيتين ما ينبغي للعالم إذا أفتى أن يسوق الدليل والتعليل لفتواه. ٦ - ومن الرواية الثالثة، قتل الكلاب، وفيه تفصيل سبق. ٧ - ومن الرواية العاشرة والحادية عشرة جواز قتل المحرم للفواسق الواردة. ٨ - ومن قوله في الرواية العاشرة "وقاها الله شركم، ووقاكم شرها". أن الشر والخير نسبي، فقتلكم إياها شر بالنسبة لها، وإن كان خيرا بالنسبة إليكم. ٩ - وفي الحديث جواز قتل الحية في الحرم. ١٠ - وجواز قتلها في جحرها. ١١ - ومن الرواية الخامسة عشرة والسادسة عشرة والسابعة عشرة استحباب قتل الوزغ والحث عليه والترغيب فيه، لكونه من المؤذيات. ١٢ - والحث على المبادرة بقتله، والاعتناء به، وكثرة الثواب على قتله. ١٣ - ومن الرواية الثانية والعشرين والثالثة والعشرين والرابعة والعشرين جواز إحراق الحيوان المؤذي بالنار، على أساس أن شرع من قبلنا شرع لنا، إذا لم يأت في شرعنا ما يرفعه، ولا سيما إذا ورد على لسان الشارع ما يشعر باستحسان ذلك، لكن ورد في شرعنا النهي عن التعذيب بالنار، قال النووي: هذا الحديث محمول على أنه كان جائزا في شرع ذلك النبي قتل النمل، وجواز التعذيب بالنار، فإنه لم يقع عليه العتب في أصل القتل، ولا في الإحراق، بل في الزيادة على النملة الواحدة، وأما في شرعنا فلا يجوز إحراق الحيوان بالنار، إلا إذا أحرق إنسان إنسانا، فمات بالإحراق، فلوليه القصاص بإحراق الجاني، للحديث المشهور "لا يعذب بالنار إلا الله". ثم قال: وأما قتل النمل فمذهبنا أنه لا يجوز، واحتج أصحابنا فيه بحديث ابن عباس "أن النبي ﷺ نهى عن قتل أربع من الدواب، النملة والنحلة والهدهد، والصرد" (بضم الصاد وفتح الراء، طائر أكبر من العصفور، ضخم الرأس والمنقار يصيد صغار الحشرات) رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم اهـ. أما الخطابي وغيره فقد قيدوا النهي عن قتل النمل بالنمل السليماني، وقال البغوي: النمل الصغير الذي يقال له الذر، يجوز قتله، وبه جزم الخطابي.

стр. 4966

١٤ - قال عياض: في هذا الحديث جواز قتل كل مؤذ. ١٥ - قال القرطبي: ظاهر هذا الحديث أن هذا النبي إنما عاتبه الله حيث انتقم لنفسه، بإهلاك جمع، أذاه منه واحد، وكان الأولى به الصبر والصفح، وكأنه وقع له - أي ظن - أن هذا النوع مؤذ لبني آدم، وحرمة بني آدم أعظم من حرمة الحيوان، فلو انفرد هذا النظر - وهذا الظن - ولم ينضم إليه التشفي لم يعاتب، قال: والذي يؤيد هذا التمسك بأصل عصمة الأنبياء، وأنهم أعلم بالله وبأحكامه من غيرهم، وأشد له خشية. اهـ وعلى هذا يؤخذ من الحديث قتل ما عساه يؤذي الغير، ولو لم يقع منه إيذاء للغير، لا على العقوبة، ولكن للحماية. ١٦ - واستدل بقوله في الرواية الثانية والعشرين "أهلكت أمة من الأمم تسبح" أن الحيوان يسبح الله تعالى حقيقة، وتعقب بأن ذلك لا يمنع الحمل على المجاز، بأن يكون سببا للتسبيح. ١٧ - ومن الرواية الخامسة والعشرين والسادسة والعشرين أن المسلم قد يعذب بأمور يراها صغيرة ﴿وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم﴾ [النور: ١٥] وقيل: إن المراد من "عذبت امرأة" في روايتنا الخامسة والعشرين والسادسة والعشرين العذاب بالحساب، لأن من نوقش الحساب عذب، لكن يرد هذا القول رواية البخاري بلفظ "دخلت امرأة النار في هرة .. " قال النووي "الذي يظهر أن المرأة كانت مسلمة، وإنما دخلت النار بهذه المعصية، وهذه المعصية ليست صغيرة، بل صارت بإصرارها كبيرة، وقال القاضي عياض: يحتمل أن تكون المرأة كافرة، فعذبت بالنار حقيقة. اهـ أي عذابا فوق عذاب الكفر، قال الحافظ ابن حجر: ويؤيد كونها كافرة، ما أخرجه البيهقي في البعث والنشور. ١٨ - وفي الحديث جواز اتخاذ الهرة، وربطها، إذا لم يهمل إطعامها وسقيها، ويلتحق بذلك غير الهرة مما في معناها. وتحريم قتل الهرة. ١٩ - وأن الهر لا يملك، وإنما يجب إطعامه على من حبسه، كذا قال القرطبي، واستبعد الحافظ ابن حجر دلالة الحديث على ذلك. ٢٠ - وفيه وجوب نفقة الحيوان على مالكه، كذا قال النووي، واستبعد الحافظ ابن حجر هذا المأخذ، وقال: ليس في الخبر أنها كانت في ملكها، لكن في قوله "هرة لها" كما هي في رواية ما يقرب من ذلك. اهـ والحق مع النووي، حيث إن نفقة المحبوس على حابسه واضحة في الحديث، فمن باب أولى المملوك. ٢١ - ومن الرواية السابعة والعشرين الحث على الإحسان إلى الناس، لأنه إذا حصلت المغفرة بسبب سقي الكلب، فسقي المسلم أعظم أجرا. ٢٢ - واستدل به على جواز صدقة التطوع للمشركين، حيث لا يكون هناك مسلم، قال الحافظ ابن حجر: وكذا إذا دار الأمر بين البهيمة، والآدمي المحترم، واستويا في الحاجة، فالآدمي أحق. ٢٣ - وفيه جواز السفر منفردا، وبغير زاد، ومحل ذلك في شرعنا ما إذا لم يخف على نفسه الهلاك. ٢٤ - استدل بقوله "في كل كبد رطبة أجر" على عموم الإحسان للحيوان، قال النووي: إن عمومه

стр. 4967

مخصوص بالحيوان المحترم، وهو ما لم يؤمر بقتله، فيحصل الثواب بسقيه، ويلتحق به إطعامه وغيره من وجوه الإحسان، أما هذا الحديث، فقد كان في بني إسرائيل، وقال ابن التين، لا يمتنع إجراؤه على عمومه، يعني فيسقى، ثم يقتل، لأنا أمرنا بأن نحسن القتلة، ونهينا عن المثلة. ٢٥ - واستدل به على طهارة سؤر الكلب، وتعقب بأنه شرع من قبلنا، على أنه فعل بعض الناس، ولا يدرى هل هو كان ممن يقتدى به أم لا. ٢٦ - ومن الرواية الثامنة والعشرين والتاسعة والعشرين، أن سقي الماء يكفر الكبائر. والله أعلم

стр. 4968

كتاب الأدب من الألفاظ وغيرها

стр. 4969

(٦٠٠) باب سب الدهر - تسمية العنب كرما - قول: عبدي وأمتي - استعمال المسك . ٥١١١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله : يسب ابن آدم الدهر، وأنا الدهر، بيدي الليل والنهار". ٥١١٢ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "قال الله : يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر، وأنا الدهر، أقلب الليل والنهار". ٥١١٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الله يؤذيني ابن آدم يقول يا خيبة الدهر، فلا يقولن أحدكم يا خيبة الدهر، فإني أنا الدهر أقلب ليله ونهاره، فإذا شئت قبضتهما". ٥١١٤ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يقولن أحدكم يا خيبة الدهر، فإن الله هو الدهر" ٥١١٥ - عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر". ٥١١٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يسب أحدكم الدهر، فإن الله هو الدهر. ولا يقولن أحدكم للعنب الكرم، فإن الكرم الرجل المسلم". ٥١١٧ - عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "لا تقولوا كرم، فإن الكرم قلب المؤمن".

стр. 4970

٥١١٨ - عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "لا تسموا العنب الكرم، فإن الكرم الرجل المسلم". ٥١١٩ - عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يقولن أحدكم الكرم، فإنما الكرم قلب المؤمن". ٥١٢٠ - عن أبو هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله ﷺ : "لا يقولن أحدكم للعنب الكرم، إنما الكرم الرجل المسلم". ٥١٢١ - عن علقمة بن وائل عن أبيه عن النبي ﷺ قال: "لا تقولوا الكرم، ولكن قولوا الحبلة يعني العنب". ٥١٢٢ - عن علقمة بن وائل، عن أبيه، أن النبي ﷺ قال: "لا تقولوا الكرم، ولكن قولوا العنب والحبلة". ٥١٢٣ - عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي، كلكم عبيد الله، وكل نسائكم إماء الله، ولكن ليقل غلامي وجاريتي وفتاي وفتاتي". ٥١٢٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يقولن أحدكم عبدي، فكلكم عبيد الله، ولكن ليقل فتاي، ولا يقل العبد ربي، ولكن ليقل سيدي". ٥١٢٥ - وفي رواية عن الأعمش بهذا الإسناد وفي حديثهما: "ولا يقل العبد لسيده مولاي" وزاد في حديث أبي معاوية: "فإن مولاكم الله ".

стр. 4971

٥١٢٦ - عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله ﷺ : "لا يقل أحدكم اسق، ربك أطعم ربك، وضئ ربك، ولا يقل أحدكم ربي، وليقل سيدي مولاي، ولا يقل أحدكم عبدي أمتي، وليقل فتاي فتاتي غلامي". ٥١٢٧ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا يقولن أحدكم خبثت نفسي، ولكن ليقل لقست نفسي" هذا حديث أبي كريب، وقال أبو بكر، عن النبي ﷺ ولم يذكر: لكن. ٥١٢٨ - عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "لا يقل أحدكم خبثت نفسي، وليقل لقست نفسي". ٥١٢٩ - عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: "كانت امرأة من بني إسرائيل قصيرة تمشي مع امرأتين طويلتين، فاتخذت رجلين من خشب وخاتما من ذهب مغلق مطبق، ثم حشته مسكا وهو أطيب الطيب، فمرت بين المرأتين فلم يعرفوها، فقالت بيدها هكذا" ونفض شعبة يده. ٥١٣٠ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ : ذكر "امرأة من بني إسرائيل حشت خاتمها مسكا والمسك أطيب الطيب". ٥١٣١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من عرض عليه ريحان فلا يرده، فإنه خفيف المحمل طيب الريح".

стр. 4972

٥١٣٢ - عن نافع قال: كان ابن عمر إذا استجمر استجمر بالألوة غير مطراة وبكافور يطرحه مع الألوة. ثم قال: هكذا كان يستجمر رسول الله ﷺ . -[المعنى العام]- خمسة آداب تشملها أحاديث الباب، والأدب الشرعي قد يكون واجبا، أو مندوبا، وقد يكون إرشادا إلى الأولى والأفضل، وقد جمع هذه الآداب كل هذه الأنواع. فالتحرز من سب الدهر والزمان واجب، لأن الزمان مخلوق لله، وذم الصنعة تسيء إلى الصانع، وسب الصنعة - وهي لا ذنب لها - سب لصانعها، والظرف نعمة، خلقه الله وعاء للأعمال الصالحات فتضييعها، فضلا عن سبها سفه حرام، وإيذاء صانعها، وخالقها بسبها حرام يشبه الكفران. الأدب الثاني: البعد عن تكريم ما حرم الله، فلا يقال للخمر كرم، ولا يقال للعنب كرم، بل الأولى أن يقال له: عنب. الأدب الثالث: يستحب أن لا يقول السيد: عبدي وأمتي، لأننا جميعا عبيد الله، ونساؤنا إماء لله، ولا يتطاول القوي على الضعيف، ويستحب أن لا يقول العبد عن سيده: ربي، ولا يقول أحد للعبد: أطعم ربك، أو اسق ربك، أو وضئ ربك، لأن الرب على الحقيقة هو الله تعالى. الأدب الرابع: يسن أن يبتعد المسلم عن وصف نفسه بالخبيث أو بالصفات الأخرى القبيحة. الأدب الخامس: يستحب للمسلم استعمال الطيب في كل مناسبة اجتماع مع الآخرين. -[المباحث العربية]- (يسب ابن آدم الدهر) السب الشتم، والمراد وصف الزمان بالشر والقبح، ففي الرواية الثالثة يقول "يا خيبة الدهر، فلا يقولن أحدكم: يا خيبة الدهر" وفي رواية "وا خيبة الدهر" بالنصب على الندبة، كأنه فقد الدهر، لما يصدر عنه مما يكرهه، فندبه متفجعا عليه، أو متوجعا منه، وفي رواية "وا دهره وا دهره" والخيبة الخسران، فاتهام الزمان بالخسران والفساد، وشتمه بذلك أو الدعاء عليه بالخيبة والخسران والحرمان من الخير خطأ وسفه، يؤدي إلى شتم الله تعالى، فالزمان مخلوق، وهو وعاء وظرف لأعمال الإنسان، ولا تأثير له على الأعمال، ولا يوصف بالسوء، والمظروف الذي هو العمل، هو الذي يسيئه أو يحسنه، والدهر في اللغة مدة الحياة كلها، أو الزمن الطويل، أو ألف سنة، أو مائة سنة أو الزمان قل أو كثر، وهو المراد هنا.

стр. 4973

(وأنا الدهر، بيدي الليل والنهار) في الرواية الثانية "وأنا الدهر، أقلب الليل والنهار" وفي الرواية الثالثة "فإني أنا الدهر، أقلب ليله ونهاره فإذا شئت قبضتهما". قال الخطابي: معناه أنا صاحب الدهر، ومدبر الأمور التي ينسبونها إلى الدهر، فمن سب الدهر من أجل أنه فاعل هذه الأمور عاد سبه إلى ربه، الذي هو فاعلها، وإنما الدهر زمان، جعل ظرفا لمواقع الأمور، وكانت عادتهم إذا أصابهم مكروه، أضافوه إلى الدهر، فقالوا: بؤسا للدهر، وتبا للدهر. وقال النووي: قوله "أنا الدهر" بالرفع، وهو مجاز، وذلك أن العرب كانوا يسبون الدهر عند الحوادث، فقال: لا تسبوه، فإن فاعلها هو الله، فكأنه قال: لا تسبوا الفاعل فإنكم إذا سببتموه سببتموني، أو الدهر هنا بمعنى "الداهر" فقد حكى الراغب أن الدهر في قوله "إن الله هو الدهر" (في روايتنا الرابعة) غير "الدهر" في قوله "يسب الدهر" قال: والدهر الأول الزمان، والثاني المدبر المصرف لما يحدث، ثم استضعف الراغب هذا القول لعدم الدليل عليه، ثم قال: لو كان كذلك لعد الدهر من أسماء الله تعالى. اهـ. فالحاصل أن المراد بقوله "إن الله هو الدهر" أو "أنا الدهر" أي المدبر للأمور، أو الكلام على حذف مضاف، أي أنا صاحب الدهر، أو التقدير: أنا مقلب الدهر، ولذلك عقب بقوله في الرواية الثانية "أقلب الليل والنهار" وفي الرواية الثالثة "أقلب ليله ونهاره، فإذا شئت قبضتهما" وعند أحمد "بيدي الليل والنهار، أجدده وأبليه، وأذهب بالملوك" (يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر) قال القرطبي: معناه يخاطبني من القول بما يتأذى به من يجوز في حقه التأذي، والله منزه عن أن يصل إليه الأذى، وإنما هذا على التوسع في الكلام، والمراد أن من وقع ذلك منه تعرض لسخط الله تعالى، وقال النووي: معناه يعاملني معاملة توجب الأذى في حقكم. (ولا يقولن أحدكم للعنب: الكرم، فإن الكرم الرجل المسلم) وفي الرواية السابعة: "لا تقولوا: كرم، فإن الكرم قلب المؤمن" وفي الرواية الحادية عشرة "لا تقولوا: الكرم، ولكن قولوا: الحبلة، يعني العنب" وفي الرواية الثانية عشرة "ولكن قولوا: العنب والحبلة" وفي الرواية الثامنة "لا تسموا العنب الكرم" وعند الطبراني والبزار "إن اسم الرجل المؤمن في الكتب الكرم، من أجل ما أكرمه الله على الخليقة وإنكم تدعون الحائط من العنب الكرم" وقد حكى ابن بطال عن ابن الأنباري أنهم سموا العنب كرما، لأن الخمر المتخذة منه تحث على السخاء، وتأمر بمكارم الأخلاق، حتى قال شاعرهم: والخمر مشتقة المعنى من الكرم فلذلك نهي عن تسمية العنب بالكرم، حتى لا يسموا أصل الخمر باسم مأخوذ من الكرم وجعل المؤمن، الذي يتقي شربها، ويرى الكرم في تركها أحق بهذا الاسم، وقال الخطابي ما ملخصه إن المراد بالنهي تأكيد تحريم الخمر، بمحو اسمها، لأن في تبقية هذا الاسم لها تقرير لما كانوا يتوهمونه من تكرم شاربها، فنهى عن تسميتها كرما، وقال "إنما الكرم قلب المؤمن" لما فيه من نور الإيمان،

стр. 4974

وهدي الإسلام، وحكى القرطبي عن المازري أن السبب في النهي أنه لما حرمت عليهم الخمر، وكانت طباعهم تحثهم على الكرم، كره ﷺ أن يسمى هذا المحرم باسم يهيج طباعهم إليه عند ذكره، فيكون ذلك كالمحرك لهم، قال الحافظ ابن حجر: والذي قاله المازري ورد النهي تارة عن العنب وتارة عن شجرة العنب، فيكون التنفير بطريق الفحوى، لأنه إذا نهى عن تسمية ما هو حلال في الحال، بالاسم الحسن لما يحصل منه بالقوة مما ينهى عنه، فلأن ينهى عن تسمية ما ينهى عنه بالاسم الحسن أحرى. وقال ابن أبي جمرة: لما كان اشتقاق الكرم - بسكون الراء - من الكرم - بفتحها، والأرض الكريمة هي أحسن الأرض، فلا يليق أن يعبر بهذه الصفة، إلا عن قلب المؤمن، الذي هو خير الأشياء، لأن المؤمن خير الحيوان، وخير ما فيه قلبه. اهـ. أما "الحبلة" فهي بفتح الحاء والباء، وحكي ضم الحاء مع سكون الباء وفتحها، هي شجرة العنب، وقيل: أصل الشجرة، وقيل: فرعها. (لا يقولن أحدكم: عبدي وأمتي، كلكم عبيد لله، وكل نسائكم إماء الله، ولكن ليقل: غلامي، وجاريتي، وفتاي وفتاتي) في الرواية الخامسة عشرة "وليقل: فتاي. فتاتي. غلامي" قال النووي: يكره للسيد أن يقول لمملوكة: عبدي وأمتي، لأن حقيقة العبودية إنما يستحقها الله تعالى، ولأن فيها تعظيما بما لا يليق بالمخلوق استعماله لنفسه، وقد بين النبي ﷺ العلة في ذلك، فقال: "كلكم عبيد لله" فنهى عن التطاول في اللفظ، كما نهى عن التطاول في الفعل، في إسبال الإزار أو غيره، قال: والظاهر أن المراد بالنهي استعماله على جهة التعاظم، لا الوصف والتعريف. (ولا يقل العبد: ربي، ولكن ليقل: سيدي) وفي ملحق الرواية "ولا يقل العبد لسيده: مولاي، فإن مولاكم الله " وفي الرواية الخامسة عشرة "لا يقل أحدكم: اسق ربك. أطعم ربك. وضئ ربك. ولا يقل أحدكم: ربي، وليقل: سيدي. مولاي" قال النووي: قال العلماء: مقصود الأحاديث نهي المملوك أن يقول لسيده: ربي، لأن الربوبية إنما حقيقتها لله تعالى، لأن الرب هو المالك، أو القائم بالشيء، ولا يوجد حقيقة هذا إلا في الله تعالى فإن قيل: فقد قال النبي ﷺ في أشراط الساعة "أن تلد الأمة ربتها أو ربها"؟ فالجواب من وجهين. أحدهما: أن الحديث الثاني لبيان الجواز، وأن النهي في الأول للأدب، وكراهة التنزيه، لا التحريم، والثاني: أن المراد النهي عن الإكثار من استعمال هذه اللفظة واتخاذها عادة شائعة، ولم ينه عن إطلاقها في نادر الأحوال. واختار القاضي هذا الجواب، قال النووي: ولا نهي في قول المملوك: سيدي لقوله ﷺ : "ليقل: سيدي" لأن لفظة السيد غير مختصة بالله تعالى اختصاص الرب، ولا مستعملة فيه كاستعمالها، حتى نقل القاضي عن مالك، أنه كره دعاء الله بسيدي، ولم تأت تسمية الله تعالى بالسيد في القرآن ولا في حديث متواتر وقد قال النبي ﷺ : "إن ابني هذا سيد" و"قوموا إلى سيدكم" يعني سعد بن معاذ، وفي الحديث الآخر "اسمعوا ما يقول سيدكم" يعني سعد بن عبادة، فليس في قول العبد: سيدي، إشكال ولا لبس، لأنه يستعمله غير العبد والأمة، قال: ولا بأس أيضا بقول العبد لسيده: مولاي، فإن المولى وقع على ستة عشر معنى، منها: الناصر والمالك. قال القاضي: وأما رواية "ولا يقل العبد لسيده: مولاي" ملحق روايتنا الرابعة عشرة، فقد اختلف الرواة في ذكر هذه اللفظة، وحذفها أصح. اهـ.

стр. 4975

وأما قوله في الرواية الخامسة عشرة "اسق ربك. أطعم ربك. وضئ ربك" فهي أمثلة، ذكرت دون غيرها لغلبة استعمالها في المخاطبات، والألف في لفظ "اسق" يجوز فيه الوصل والقطع. (لا يقولن أحدكم: خبثت نفسي، ولكن ليقل: لقست نفسي) "خبثت" بفتح الخاء وضم الباء، ويقال بفتح الباء، ولكن الضم أصوب قال الراغب: الخبث يطلق على الباطل في الاعتقاد والكذب في المقال، والقبيح في الفعال وقال النووي: قال أبو عبيد وجميع أهل اللغة وغريب الحديث وغيرهم: "لقست" و"خبثت" بمعنى واحد، وإنما كره لفظ الخبث لبشاعة الاسم، وتعليمهم الأدب في الألفاظ، واستعمال حسنها، وهجران خبيثها، قالوا: ومعنى "لقست" غثت، وقال ابن الأعرابي: معناه ضاقت، فإن قيل: فقد قال ﷺ في الذي ينام عن الصلاة "فأصبح خبيث النفس كسلان"؟ قال القاضي وغيره: جوابه أن النبي ﷺ ، مخبر هناك عن صفة غيره، وعن شخص مبهم مذموم الحال، لا يمتنع إطلاق هذا اللفظ عليه. (فاتخذت رجلين من خشب) أي جعلت حذاءها طويلا، يرفعها. (وخاتما من ذهب، مغلق، مطبق، ثم حشته مسكا، وهو أطيب الطيب) هكذا الرواية برفع "مغلق مطبق" خبر مبتدأ محذوف، صفة لخاتم على القطع، أي جعلت للمسك في الخاتم غلقا، يطبق على المسك، فيغلقه حيث تشاء، وتفتحه فيفوح حيث تشاء، وعند أحمد "فكانت تسير بين امرأتين قصيرتين" وكأنها كانت تسير بين طويلتين تارة، وبين قصيرتين تارة أخرى "واتخذت خاتما من ذهب، وحشت تحت فصه أطيب الطيب، المسك، فكانت إذا مرت بالمجلس حركته" بتحريك يدها "فينفح ريحه" وفي رواية أخرى لأحمد "ذكر نسوة ثلاثا من بني إسرائيل، امرأتين طويلتين تعرفان، وامرأة قصيرة لا تعرف، فاتخذت رجلين من خشب، وصاغت خاتما، فحشته من أطيب الطيب، المسك، وجعلت له غلقا، فإذا مرت بالملأ أو بالمجلس، قالت به" أي فتحت غلقه "ففاح ريحه". (فمرت بين المرأتين فلم يعرفوها) أي مرت على الناس بين المرأتين الطويلتين، فلم يعرفها الناس، ولم يميزوها عنهما. (ونفض شعبة يده) هذا كلام أبي أسامة الراوي عن شعبة الراوي عن خليد بن جعفر عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري، يصف شعبة تحريكها يدها، ليفوح المسك، يصفه عمليا بيده، فينفضها ويحركها حركات سريعة. (من عرض عليه ريحان فلا يرده) أي من عرض عليه ريحان هدية، والريحان بفتح الراء قال النووي: قال أهل اللغة وغريب الحديث في تفسير هذا الحديث، هو كل نبت مشموم، طيب الريح، قال القاضي: ويحتمل عندي أن يكون المراد به في هذا الحديث الطيب كله، فعند أبي داود "من عرض عليه طيب" وفي صحيح البخاري "كان النبي ﷺ لا يرد الطيب". وقوله "فلا يرده" بفتح الدال، قال النووي: قال القاضي عياض: وأنكره محققو شيوخنا من أهل العربية، وقالوا: هذا غلط من الرواة، وصوابه ضم الدال، قال: ووجدته بخط بعض الأشياخ بضم الدال،
следующие страницы →