Полный текст (6 200 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.
стр. 4971
٥١٢٦ - عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله ﷺ : "لا يقل أحدكم اسق، ربك أطعم ربك، وضئ ربك، ولا يقل أحدكم ربي، وليقل سيدي مولاي، ولا يقل أحدكم عبدي أمتي، وليقل فتاي فتاتي غلامي".
٥١٢٧ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا يقولن أحدكم خبثت نفسي، ولكن ليقل لقست نفسي" هذا حديث أبي كريب، وقال أبو بكر، عن النبي ﷺ ولم يذكر: لكن.
٥١٢٨ - عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "لا يقل أحدكم خبثت نفسي، وليقل لقست نفسي".
٥١٢٩ - عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: "كانت امرأة من بني إسرائيل قصيرة تمشي مع امرأتين طويلتين، فاتخذت رجلين من خشب وخاتما من ذهب مغلق مطبق، ثم حشته مسكا وهو أطيب الطيب، فمرت بين المرأتين فلم يعرفوها، فقالت بيدها هكذا" ونفض شعبة يده.
٥١٣٠ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ : ذكر "امرأة من بني إسرائيل حشت خاتمها مسكا والمسك أطيب الطيب".
٥١٣١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من عرض عليه ريحان فلا يرده، فإنه خفيف المحمل طيب الريح".
стр. 4972
٥١٣٢ - عن نافع قال: كان ابن عمر إذا استجمر استجمر بالألوة غير مطراة وبكافور يطرحه مع الألوة. ثم قال: هكذا كان يستجمر رسول الله ﷺ .
-[المعنى العام]-
خمسة آداب تشملها أحاديث الباب، والأدب الشرعي قد يكون واجبا، أو مندوبا، وقد يكون إرشادا إلى الأولى والأفضل، وقد جمع هذه الآداب كل هذه الأنواع.
فالتحرز من سب الدهر والزمان واجب، لأن الزمان مخلوق لله، وذم الصنعة تسيء إلى الصانع، وسب الصنعة - وهي لا ذنب لها - سب لصانعها، والظرف نعمة، خلقه الله وعاء للأعمال الصالحات فتضييعها، فضلا عن سبها سفه حرام، وإيذاء صانعها، وخالقها بسبها حرام يشبه الكفران.
الأدب الثاني: البعد عن تكريم ما حرم الله، فلا يقال للخمر كرم، ولا يقال للعنب كرم، بل الأولى أن يقال له: عنب.
الأدب الثالث: يستحب أن لا يقول السيد: عبدي وأمتي، لأننا جميعا عبيد الله، ونساؤنا إماء لله، ولا يتطاول القوي على الضعيف، ويستحب أن لا يقول العبد عن سيده: ربي، ولا يقول أحد للعبد: أطعم ربك، أو اسق ربك، أو وضئ ربك، لأن الرب على الحقيقة هو الله تعالى.
الأدب الرابع: يسن أن يبتعد المسلم عن وصف نفسه بالخبيث أو بالصفات الأخرى القبيحة.
الأدب الخامس: يستحب للمسلم استعمال الطيب في كل مناسبة اجتماع مع الآخرين.
-[المباحث العربية]-
(يسب ابن آدم الدهر) السب الشتم، والمراد وصف الزمان بالشر والقبح، ففي الرواية الثالثة يقول "يا خيبة الدهر، فلا يقولن أحدكم: يا خيبة الدهر" وفي رواية "وا خيبة الدهر" بالنصب على الندبة، كأنه فقد الدهر، لما يصدر عنه مما يكرهه، فندبه متفجعا عليه، أو متوجعا منه، وفي رواية "وا دهره وا دهره" والخيبة الخسران، فاتهام الزمان بالخسران والفساد، وشتمه بذلك أو الدعاء عليه بالخيبة والخسران والحرمان من الخير خطأ وسفه، يؤدي إلى شتم الله تعالى، فالزمان مخلوق، وهو وعاء وظرف لأعمال الإنسان، ولا تأثير له على الأعمال، ولا يوصف بالسوء، والمظروف الذي هو العمل، هو الذي يسيئه أو يحسنه، والدهر في اللغة مدة الحياة كلها، أو الزمن الطويل، أو ألف سنة، أو مائة سنة أو الزمان قل أو كثر، وهو المراد هنا.
стр. 4973
(وأنا الدهر، بيدي الليل والنهار) في الرواية الثانية "وأنا الدهر، أقلب الليل والنهار" وفي الرواية الثالثة "فإني أنا الدهر، أقلب ليله ونهاره فإذا شئت قبضتهما".
قال الخطابي: معناه أنا صاحب الدهر، ومدبر الأمور التي ينسبونها إلى الدهر، فمن سب الدهر من أجل أنه فاعل هذه الأمور عاد سبه إلى ربه، الذي هو فاعلها، وإنما الدهر زمان، جعل ظرفا لمواقع الأمور، وكانت عادتهم إذا أصابهم مكروه، أضافوه إلى الدهر، فقالوا: بؤسا للدهر، وتبا للدهر.
وقال النووي: قوله "أنا الدهر" بالرفع، وهو مجاز، وذلك أن العرب كانوا يسبون الدهر عند الحوادث، فقال: لا تسبوه، فإن فاعلها هو الله، فكأنه قال: لا تسبوا الفاعل فإنكم إذا سببتموه سببتموني، أو الدهر هنا بمعنى "الداهر" فقد حكى الراغب أن الدهر في قوله "إن الله هو الدهر" (في روايتنا الرابعة) غير "الدهر" في قوله "يسب الدهر" قال: والدهر الأول الزمان، والثاني المدبر المصرف لما يحدث، ثم استضعف الراغب هذا القول لعدم الدليل عليه، ثم قال: لو كان كذلك لعد الدهر من أسماء الله تعالى. اهـ.
فالحاصل أن المراد بقوله "إن الله هو الدهر" أو "أنا الدهر" أي المدبر للأمور، أو الكلام على حذف مضاف، أي أنا صاحب الدهر، أو التقدير: أنا مقلب الدهر، ولذلك عقب بقوله في الرواية الثانية "أقلب الليل والنهار" وفي الرواية الثالثة "أقلب ليله ونهاره، فإذا شئت قبضتهما" وعند أحمد "بيدي الليل والنهار، أجدده وأبليه، وأذهب بالملوك"
(يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر) قال القرطبي: معناه يخاطبني من القول بما يتأذى به من يجوز في حقه التأذي، والله منزه عن أن يصل إليه الأذى، وإنما هذا على التوسع في الكلام، والمراد أن من وقع ذلك منه تعرض لسخط الله تعالى، وقال النووي: معناه يعاملني معاملة توجب الأذى في حقكم.
(ولا يقولن أحدكم للعنب: الكرم، فإن الكرم الرجل المسلم) وفي الرواية السابعة: "لا تقولوا: كرم، فإن الكرم قلب المؤمن" وفي الرواية الحادية عشرة "لا تقولوا: الكرم، ولكن قولوا: الحبلة، يعني العنب" وفي الرواية الثانية عشرة "ولكن قولوا: العنب والحبلة" وفي الرواية الثامنة "لا تسموا العنب الكرم" وعند الطبراني والبزار "إن اسم الرجل المؤمن في الكتب الكرم، من أجل ما أكرمه الله على الخليقة وإنكم تدعون الحائط من العنب الكرم" وقد حكى ابن بطال عن ابن الأنباري أنهم سموا العنب كرما، لأن الخمر المتخذة منه تحث على السخاء، وتأمر بمكارم الأخلاق، حتى قال شاعرهم:
والخمر مشتقة المعنى من الكرم
فلذلك نهي عن تسمية العنب بالكرم، حتى لا يسموا أصل الخمر باسم مأخوذ من الكرم وجعل المؤمن، الذي يتقي شربها، ويرى الكرم في تركها أحق بهذا الاسم، وقال الخطابي ما ملخصه إن المراد بالنهي تأكيد تحريم الخمر، بمحو اسمها، لأن في تبقية هذا الاسم لها تقرير لما كانوا يتوهمونه من تكرم شاربها، فنهى عن تسميتها كرما، وقال "إنما الكرم قلب المؤمن" لما فيه من نور الإيمان،
стр. 4974
وهدي الإسلام، وحكى القرطبي عن المازري أن السبب في النهي أنه لما حرمت عليهم الخمر، وكانت طباعهم تحثهم على الكرم، كره ﷺ أن يسمى هذا المحرم باسم يهيج طباعهم إليه عند ذكره، فيكون ذلك كالمحرك لهم، قال الحافظ ابن حجر: والذي قاله المازري ورد النهي تارة عن العنب وتارة عن شجرة العنب، فيكون التنفير بطريق الفحوى، لأنه إذا نهى عن تسمية ما هو حلال في الحال، بالاسم الحسن لما يحصل منه بالقوة مما ينهى عنه، فلأن ينهى عن تسمية ما ينهى عنه بالاسم الحسن أحرى.
وقال ابن أبي جمرة: لما كان اشتقاق الكرم - بسكون الراء - من الكرم - بفتحها، والأرض الكريمة هي أحسن الأرض، فلا يليق أن يعبر بهذه الصفة، إلا عن قلب المؤمن، الذي هو خير الأشياء، لأن المؤمن خير الحيوان، وخير ما فيه قلبه. اهـ.
أما "الحبلة" فهي بفتح الحاء والباء، وحكي ضم الحاء مع سكون الباء وفتحها، هي شجرة العنب، وقيل: أصل الشجرة، وقيل: فرعها.
(لا يقولن أحدكم: عبدي وأمتي، كلكم عبيد لله، وكل نسائكم إماء الله، ولكن ليقل: غلامي، وجاريتي، وفتاي وفتاتي) في الرواية الخامسة عشرة "وليقل: فتاي. فتاتي. غلامي" قال النووي: يكره للسيد أن يقول لمملوكة: عبدي وأمتي، لأن حقيقة العبودية إنما يستحقها الله تعالى، ولأن فيها تعظيما بما لا يليق بالمخلوق استعماله لنفسه، وقد بين النبي ﷺ العلة في ذلك، فقال: "كلكم عبيد لله" فنهى عن التطاول في اللفظ، كما نهى عن التطاول في الفعل، في إسبال الإزار أو غيره، قال: والظاهر أن المراد بالنهي استعماله على جهة التعاظم، لا الوصف والتعريف.
(ولا يقل العبد: ربي، ولكن ليقل: سيدي) وفي ملحق الرواية "ولا يقل العبد لسيده: مولاي، فإن مولاكم الله " وفي الرواية الخامسة عشرة "لا يقل أحدكم: اسق ربك. أطعم ربك. وضئ ربك. ولا يقل أحدكم: ربي، وليقل: سيدي. مولاي" قال النووي: قال العلماء: مقصود الأحاديث نهي المملوك أن يقول لسيده: ربي، لأن الربوبية إنما حقيقتها لله تعالى، لأن الرب هو المالك، أو القائم بالشيء، ولا يوجد حقيقة هذا إلا في الله تعالى فإن قيل: فقد قال النبي ﷺ في أشراط الساعة "أن تلد الأمة ربتها أو ربها"؟ فالجواب من وجهين. أحدهما: أن الحديث الثاني لبيان الجواز، وأن النهي في الأول للأدب، وكراهة التنزيه، لا التحريم، والثاني: أن المراد النهي عن الإكثار من استعمال هذه اللفظة واتخاذها عادة شائعة، ولم ينه عن إطلاقها في نادر الأحوال. واختار القاضي هذا الجواب، قال النووي: ولا نهي في قول المملوك: سيدي لقوله ﷺ : "ليقل: سيدي" لأن لفظة السيد غير مختصة بالله تعالى اختصاص الرب، ولا مستعملة فيه كاستعمالها، حتى نقل القاضي عن مالك، أنه كره دعاء الله بسيدي، ولم تأت تسمية الله تعالى بالسيد في القرآن ولا في حديث متواتر وقد قال النبي ﷺ : "إن ابني هذا سيد" و"قوموا إلى سيدكم" يعني سعد بن معاذ، وفي الحديث الآخر "اسمعوا ما يقول سيدكم" يعني سعد بن عبادة، فليس في قول العبد: سيدي، إشكال ولا لبس، لأنه يستعمله غير العبد والأمة، قال: ولا بأس أيضا بقول العبد لسيده: مولاي، فإن المولى وقع على ستة عشر معنى، منها: الناصر والمالك. قال القاضي: وأما رواية "ولا يقل العبد لسيده: مولاي" ملحق روايتنا الرابعة عشرة، فقد اختلف الرواة في ذكر هذه اللفظة، وحذفها أصح. اهـ.
стр. 4975
وأما قوله في الرواية الخامسة عشرة "اسق ربك. أطعم ربك. وضئ ربك" فهي أمثلة، ذكرت دون غيرها لغلبة استعمالها في المخاطبات، والألف في لفظ "اسق" يجوز فيه الوصل والقطع.
(لا يقولن أحدكم: خبثت نفسي، ولكن ليقل: لقست نفسي) "خبثت" بفتح الخاء وضم الباء، ويقال بفتح الباء، ولكن الضم أصوب قال الراغب: الخبث يطلق على الباطل في الاعتقاد والكذب في المقال، والقبيح في الفعال وقال النووي: قال أبو عبيد وجميع أهل اللغة وغريب الحديث وغيرهم: "لقست" و"خبثت" بمعنى واحد، وإنما كره لفظ الخبث لبشاعة الاسم، وتعليمهم الأدب في الألفاظ، واستعمال حسنها، وهجران خبيثها، قالوا: ومعنى "لقست" غثت، وقال ابن الأعرابي: معناه ضاقت، فإن قيل: فقد قال ﷺ في الذي ينام عن الصلاة "فأصبح خبيث النفس كسلان"؟ قال القاضي وغيره: جوابه أن النبي ﷺ ، مخبر هناك عن صفة غيره، وعن شخص مبهم مذموم الحال، لا يمتنع إطلاق هذا اللفظ عليه.
(فاتخذت رجلين من خشب) أي جعلت حذاءها طويلا، يرفعها.
(وخاتما من ذهب، مغلق، مطبق، ثم حشته مسكا، وهو أطيب الطيب) هكذا الرواية برفع "مغلق مطبق" خبر مبتدأ محذوف، صفة لخاتم على القطع، أي جعلت للمسك في الخاتم غلقا، يطبق على المسك، فيغلقه حيث تشاء، وتفتحه فيفوح حيث تشاء، وعند أحمد "فكانت تسير بين امرأتين قصيرتين" وكأنها كانت تسير بين طويلتين تارة، وبين قصيرتين تارة أخرى "واتخذت خاتما من ذهب، وحشت تحت فصه أطيب الطيب، المسك، فكانت إذا مرت بالمجلس حركته" بتحريك يدها "فينفح ريحه" وفي رواية أخرى لأحمد "ذكر نسوة ثلاثا من بني إسرائيل، امرأتين طويلتين تعرفان، وامرأة قصيرة لا تعرف، فاتخذت رجلين من خشب، وصاغت خاتما، فحشته من أطيب الطيب، المسك، وجعلت له غلقا، فإذا مرت بالملأ أو بالمجلس، قالت به" أي فتحت غلقه "ففاح ريحه".
(فمرت بين المرأتين فلم يعرفوها) أي مرت على الناس بين المرأتين الطويلتين، فلم يعرفها الناس، ولم يميزوها عنهما.
(ونفض شعبة يده) هذا كلام أبي أسامة الراوي عن شعبة الراوي عن خليد بن جعفر عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري، يصف شعبة تحريكها يدها، ليفوح المسك، يصفه عمليا بيده، فينفضها ويحركها حركات سريعة.
(من عرض عليه ريحان فلا يرده) أي من عرض عليه ريحان هدية، والريحان بفتح الراء قال النووي: قال أهل اللغة وغريب الحديث في تفسير هذا الحديث، هو كل نبت مشموم، طيب الريح، قال القاضي: ويحتمل عندي أن يكون المراد به في هذا الحديث الطيب كله، فعند أبي داود "من عرض عليه طيب" وفي صحيح البخاري "كان النبي ﷺ لا يرد الطيب".
وقوله "فلا يرده" بفتح الدال، قال النووي: قال القاضي عياض: وأنكره محققو شيوخنا من أهل العربية، وقالوا: هذا غلط من الرواة، وصوابه ضم الدال، قال: ووجدته بخط بعض الأشياخ بضم الدال،
стр. 4976
وهو الصواب عندهم على مذهب سيبويه، في هذا، من المضاعف إذا دخلت عليها الهاء، أن يضم ما قبلها، في الأمر، ونحوه المجزوم، مراعاة للواو التي توجبها ضمة الهاء بعدها، لخفاء الهاء، فكأن ما قبلها ولي الواو، ولا يكون ما قبل الواو إلا مضموما، هذا في المذكر، وأما المؤنث مثل: ردها، ففتحة الهاء لازمة بالاتفاق. قال النووي: وأما رده ونحوه للمذكر، ففيه ثلاثة أوجه. أفصحها وجوب الضم، كما ذكره القاضي، والثاني الكسر وهو ضعيف، والثالث الفتح، وهو أضعف منه.
(فإنه خفيف المحمل، طيب الريح) "المحمل" هنا بفتح الأولى وكسر الثانية، كالمجلس، والمراد به الحمل، بفتح الحاء، أي خفيف الحمل، ليس بثقيل.
(كان ابن عمر إذا استجمر استجمر بالألوة، غير مطراة، وبكافور يطرحه مع الألوة) الاستجمار هنا: استعمال الطيب، والتبخر به، مأخوذ من المجمر، بكسر الميم الأولى وفتح الثانية، و"الألوة" بفتح الهمزة وضمها وبضم اللام وحكي كسرها وهي عود يتبخر به فارسي معرب، وحكي "ألية" بتشديد الياء وتخفيفها، وتكسر الهمزة وتضم، وقيل: لية ولوة، وقوله "غير مطراة" بضم الميم وفتح الطاء، وتشديد الراء، أي غير مخلوطة بغيرها من الطيب، يقال: طرى الطيب، بفتح الطاء وتشديد الراء المفتوحة، أي خلطه بالأخلاط، و"الكافور" شجر معروف، يتخذ منه مادة شفافة بلورية الشكل، يميل لونها إلى البياض، رائحتها عطرية، وهو أصناف كثيرة.
-[فقه الحديث]-
تتعرض أحاديث الباب إلى خمسة آداب:
الأول: منع سب الدهر، وسب الزمان، والروايات الست الأولى تنهي عن سبه، قال القاضي عياض: زعم بعض من لا تحقيق له، أن الدهر من أسماء الله، وهو غلط، وقد تمسك الجهلة من الدهرية والمعطلة بظاهر هذا الحديث، واحتجوا به على من لا رسوخ له في العلم، لأن الدهر عندهم حركات الفلك، وأمد العالم، ولا شيء عندهم، ولا صانع سواه، قال: وكفى في الرد عليهم قوله في بقية الحديث "أنا الدهر، أنا أقلب ليله ونهاره" فكيف يقلب الشيء نفسه؟ تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا.
وقال الشيخ محمد بن أبي جمرة: لا يخفى أن من سب الصنعة، فقد سب صانعها، فمن سب نفس الليل والنهار، أقدم على أمر عظيم، بغير معنى، ومن سب ما يجري فيهما من الحوادث - وذلك هو أغلب ما يقع من الناس - وهو الذي يعطيه سياق الحديث، حيث نفى عنها التأثير، فكأنه قال: لا ذنب لهما في ذلك وأما الحوادث فمنها ما يجري بوساطة العاقل المكلف فهذا يضاف شرعا ولغة إلى الذي جرى على يديه ويضاف إلى الله تعالى لكونه بتقديره، فأفعال العباد من اكتسابهم ولهذا ترتبت عليها الأحكام وهي في الابتداء خلق الله، ومنها ما يجري بغير وساطة فهو منسوب إلى قدرة القادر، وليس لليل والنهار فعل ولا تأثير، لا لغة، ولا عقلا ولا شرعا وهو المراد في هذا الحديث، ويلتحق بذلك ما يجري من الحيوان غير العاقل، ثم أشار ابن أبي جمرة إلى أن النهي عن سب الدهر تنبيه بالأعلى، على الأدنى، وأن فيه إشارة إلى ترك سب كل شيء مطلقا، إلا ما أذن الشرع فيه، لأن العلة واحدة. اهـ.
стр. 4977
وقال المحققون من العلماء: من نسب شيئا من الأفعال إلى الدهر حقيقة كفر، ومن جرى هذا اللفظ على لسانه، غير معتقد لذلك فليس بكافر، لكنه يكره له ذلك، لشبهه بأهل الكفر في الإطلاق، وهذا التفصيل يشبه التفصيل الذي قالوه، في قولهم: مطرنا بنوء كذا، والله أعلم.
الأدب الثاني: كراهة تسمية العنب كرما، قال النووي: في هذه الأحاديث كراهة تسمية العنب كرما، بل يقال: عنب، أو حبلة، قال العلماء: سبب كراهة ذلك أن لفظة "الكرم" كانت العرب تطلقها على شجر العنب، وعلى العنب، وعلى الخمر المتخذة من العنب، سموها كرما لكونها متخذة منه، فكره الشرع إطلاق هذا اللفظة على العنب وشجره، لأنهم إذا سمعوا اللفظة، ربما تذكروا بها الخمر، وهيجت نفوسهم إليها، فوقعوا فيها، أو قاربوا ذلك. اهـ والتحقيق أن هذه الكراهة على التنزيه.
الأدب الثالث: كراهة قول السيد لمملوكه: عبدي وأمتي، وترجم له البخاري بباب كراهية التطاول على الرقيق، وقال العلماء بكراهية ذلك من غير تحريم، ويشهد للجواز قوله تعالى ﴿والصالحين من عبادكم وإمائكم﴾ [النور: ٣٢] ﴿ضرب الله مثلا عبدا مملوكا﴾ [النحل: ٧٥] واتفقوا على أن النهي الوارد في ذلك للتنزيه، حتى أهل الظاهر، وأما قول العبد: سيدي، أو ربي، أو مولاي فقد مضى في المباحث العربية كثير مما يتعلق به، ونضيف: قال الحافظ ابن حجر: والذي يختص بالله تعالى إطلاق الرب بلا إضافة، أما مع الإضافة فيجوز إطلاقه، كما في قوله تعالى، حكاية عن يوسف ﵇ ﴿اذكرني عند ربك﴾ [يوسف: ٤٢] ﴿ارجع إلى ربك﴾ [يوسف: ٥٠] فدل على أن النهي في ذلك محمول على الإطلاق، ويحتمل أن يكون النهي للتنزيه، وما ورد من ذلك فلبيان الجواز، وقيل: هو مخصوص بغير النبي ﷺ ، ولا يرد ما في القرآن، أو المراد النهي عن الإكثار من ذلك واتخاذ استعمال هذه اللفظة عادة، وليس المراد النهي عنها في الجملة.
الأدب الرابع: النهي عن قول: خبثت نفسي. قال ابن بطال هو على معنى الأدب، وليس على سبيل الإيجاب، وقال ابن أبي جمرة: النهي عن ذلك للندب، والأمر بقوله "لقست" للندب أيضا، فإن عبر بما يؤدي معناه كفى، ولكن ترك الأولى، ويؤخذ من الحديث استحباب مجانبة الألفاظ القبيحة، والأسماء والعدول إلى ما لا قبح فيه، وفيه أن المرء يطلب الخير حتى بالفأل الحسن، ويضيف الخير إلى نفسه، ولو بنسبة ما، ويدفع الشر عن نفسه مهما أمكن، ويقطع الوصلة بينه وبين أهل الشر، حتى في الألفاظ المشتركة. قال: ويلتحق بهذا أن الضعيف إذا سئل عن حاله، لا يقول: لست بطيب، بل يقول: ضعيف ولا يخرج نفسه من الطيبين، فيلحقها بالخبيثين.
الأدب الخامس: الطيب واستعماله، وهو مستحب بلا خلاف، والمسك أطيب الطيب وأفضله، وهو طاهر يجوز استعماله في البدن والثوب، ويجوز بيعه، قال النووي: وهذا كله مجمع عليه. اهـ.
قال الجاحظ: المسك من دويبة تكون في الصين، تصاد لنوافجها وسررها، فإذا صيدت شدت بعصائب، وهي مدلية، يجتمع فيها دمها، فإذا ذبحت قورت السرة التي عصبت، ودفنت في الشعر، حتى يستحيل ذلك الدم المختنق الجامد مسكا ذكيا، بعد أن كان لا يرام من النتن ومن ثم قال القفال: إنها تندبغ بما فيها من المسك، فتطهر، كما يطهر غيرها من المدبوغات، والمشهور أن غزال المسك كالظبي، لكن لونه أسود، وله نابان لطيفان أبيضان في فكه الأسفل، وإن المسك دم، يجتمع
стр. 4978
في سرته، في وقت معلوم من السنة، فإذا اجتمع ورم الموضع، فمرض الغزال، إلى أن يسقط منه، ويقال: إن أهل تلك البلاد يجعلون لها أوتادا في البرية، تحتك بها ليسقط، وعن علي بن مهدي الطبري: أنها تلقيها من جوفها، كما تلقي الدجاجة البيضة. قال النووي: وهو مستثني من قاعدة: ما أبين من حي فهو ميت اهـ.
وحكى ابن التين عن ابن شعبان من المالكية: أن فأرة المسك إنما تؤخذ في حال الحياة، أو بذكاة من لا تصح ذكاته من الكفرة، وهي مع ذلك محكوم بطهارتها، لأنها تستحيل عن كونها دما، حتى تصير مسكا، كما يستحيل الدم إلى اللحم، فيطهر، ويحل أكله، وليست بحيوان، حتى يقال: نجست بالموت، وإنما هي شيء يحدث بالحيوان، كالبيض، وقد أجمع المسلمون على طهارة المسك إلا ما حكي عن عمر من كراهته.
وفي الرواية العشرين النهي عن رد الطيب إذا أهدي، وفي البخاري "كان أنس ﵁ لا يرد الطيب، وزعم أن النبي ﷺ كان لا يرد الطيب" وعند البخاري "ما عرض على النبي ﷺ طيب قط فرده".
قال ابن العربي: إنما كان لا يرد الطيب لمحبته فيه، ولحاجته إليه أكثر من غيره، لأنه يناجي من لا نناجي. اهـ.
وفي الرواية الواحدة والعشرين استحباب الاستجمار بالبخور، واستحباب الطيب للرجال، كما هو مستحب للنساء، قال النووي: لكن يستحب للرجال من الطيب ما ظهر ريحه وخفي لونه، أما المرأة فإذا أرادت الخروج إلى المسجد أو غيره كره لها كل طيب له ريح، ويتأكد استحبابه للرجال يوم الجمعة، والعيد، وعند حضور مجامع المسلمين، ومجالس الذكر والعلم، وعند إرادته معاشرة زوجته ونحو ذلك. اهـ.
وفي الرواية الثامنة عشرة جواز ستر المرأة عيوب جسمها بما هو مشروع، قال النووي: وأما اتخاذ المرأة القصيرة رجلين من خشب، حتى مشت بين الطويلتين فلم تعرف، فحكمه في شرعنا أنها إن قصدت به مقصودا صحيحا شرعيا، بأن قصدت ستر نفسها، لئلا تعرف، فتؤذى أو نحو ذلك فلا بأس، أما إن قصدت التعاظم، أو التشبه بالكاملات، تزويرا على الرجال وغيرهم، فهو حرام.
والله أعلم
стр. 4979
كتاب الشعر
стр. 4980
(٦٠١) باب الشعر واللعب بالنرد
٥١٣٣ - عن عمرو بن الشريد، عن أبيه قال: ردفت رسول الله ﷺ يوما فقال: "هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء؟ " قلت: نعم. قال: "هيه" فأنشدته بيتا. فقال "هيه" ثم أنشدته بيتا فقال هيه حتى أنشدته مائة بيت.
٥١٣٤ - عن الشريد قال: أردفني رسول الله ﷺ خلفه. فذكر بمثله.
٥١٣٥ - عن عمرو بن الشريد عن أبيه قال: استنشدني رسول الله ﷺ . بمثل حديث إبراهيم بن ميسرة وزاد قال: "إن كاد ليسلم" وفي حديث ابن مهدي قال: "فلقد كاد يسلم في شعره".
٥١٣٦ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: أشعر كلمة تكلمت بها العرب: كلمة لبيد.
٤ - ألا كل شيء ما خلا الله باطل.
٥١٣٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد ٤ ألا كل شيء ما خلا الله باطل. وكاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم.
٥١٣٨ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: أصدق بيت قاله الشاعر ٤ ألا كل شيء ما خلا الله باطل. وكاد ابن أبي الصلت أن يسلم.
٥١٣٩ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: أصدق بيت قالته الشعراء ٤ ألا كل شيء ما خلا الله باطل
стр. 4981
٥١٤٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد ٤ ألا كل شيء ما خلا الله باطل ما زاد على ذلك.
٥١٤١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لأن يمتلئ جوف الرجل قيحا يريه، خير من أن يمتلئ شعرا" قال أبو بكر: إلا أن حفصا لم يقل: يريه.
٥١٤٢ - عن سعد ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا يريه، خير من أن يمتلئ شعرا".
٥١٤٣ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بينا نحن نسير مع رسول الله ﷺ بالعرج، إذ عرض شاعر ينشد فقال رسول الله ﷺ : "خذوا الشيطان أو أمسكوا الشيطان، لأن يمتلئ جوف رجل قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا".
٥١٤٤ - عن سليمان بن بريدة، عن أبيه أن النبي ﷺ قال: "من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه".
-[المعنى العام]-
الشعر كلام موزون مقفى، له قواعده وبحوره، اهتم به العرب وأدباؤهم، واستعملوه في أغراض كثيرة، منها الفاحش كالهجاء والغزل والتشبيب بالنساء، ومنها الحسن كالمدح المقبول والوصف السليم والدعوة للجهاد، والدفاع عن الحق وعن الإسلام، والحداء للإبل وغير ذلك واشتغلت به العرب، وجعلت له ميادين وأسواقا، ينشده الشعراء، ويطلب إنشاده المحبون له، ويتغنى به المغنون، ويحفظه ويردده الكثيرون، ويسير به الركبان.
وجاء الإسلام بالقرآن وبعلومه الشرعية، فكان لا بد من صرف الهمم إلى الشريعة على حساب
стр. 4982
الشعر، وبخاصة الفاحش منه فكانت هذه الأحاديث التي تمتدح الحسن منه وتنفر من القبيح وتنفر من تضييع الوقت فيما يضر وفيما لا فائدة فيه.
-[المباحث العربية]-
(عن عمرو بن الشريد) بفتح الشين وكسر الراء مخففة، وهو الشريد بن سويد الثقفي.
(ردفت رسول الله ﷺ يوما) أي ركبت خلفه، يقال: ردفه بكسر الدال، يردفه بفتحها ردفا بفتح الراء وسكون الدال، وردفه بفتح الراء والدال يردفه بضم الدال، ردفا بفتح فسكون، وفي ملحق الرواية "أردفني رسول الله ﷺ خلفه" أي أركبني خلفه.
(هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء)؟ قال النووي: وقع في معظم النسخ "شيئا" بالنصب، وعليها يقدر فيه محذوف، أي هل معك من شيء، فتنشدني شيئا؟
واسم أبي الصلت ربيعة بن عوف الثقفي، كان ممن طلب الدين، ونظر في الكتب، ويقال: إنه ممن دخل في النصرانية، وأكثر في شعره من ذكر التوحيد، والبعث ويوم القيامة، وزعم الكلاباذي أنه كان يهوديا، وروى الطبراني عن أبي سفيان أنه سافر مع أمية، فذكر قصته، وأنه سأله عن عتبة بن ربيعة، وعن سنه ورياسته، فأعلمه أنه متصف بذلك، فقال: أزري به ذلك. فغضب أبو سفيان، فأخبره أمية أنه نظر في الكتب أن نبيا يبعث من العرب، أظل زمانه، قال: فرجوت أن أكونه، قال: ثم نظرت، فإذا هو من بني عبد مناف، فنظرت فيهم، فلم أر مثل عتبة، فلما قلت لي: إنه رئيس، وإنه جاوز الأربعين، عرفت أنه ليس هو، قال أبو سفيان: فما مضت الأيام حتى ظهر محمد ﷺ ، فقلت لأمية، قال: نعم، إنه لهو، قلت: أفلا نتبعه؟ قال: أستحي من ثقيف، إني كنت أقول لهم: إنني أنا هو، ثم أصير تابعا لغلام من بني عبد مناف؟ وذكر أبو الفرج الأصبهاني: أنه قال عند موته: أنا أعلم أن الحنفية حق، ولكن الشك يداخلني في محمد. وعاش أمية حتى أدرك وقعة بدر، ورثى من قتل بها من الكفار، ومات أمية بعد ذلك سنة تسع، وقيل: مات في حصار الطائف سنة ثمان.
(قال: هيه) بكسر الهاء، وإسكان الهاء الثانية، قالوا: والهاء الأولى بدل من الهمزة، وأصله "إيه" وهي كلمة للاستزادة من الحديث المعهود، قال ابن السكيت: هي للاستزادة من حديث أو عمل معهودين، قالوا: وهي اسم فعل أمر، مبني على الكسر، فإن وصلتها نونتها، فقلت إيه حدثنا، أي زدنا من هذا الحديث، فإن أردت الاستزادة من غير معهود نونت، فقلت: إيه، لأن التنوين للتنكير، وأما "إيها" بالنصب، فمعناه الكف، والأمر بالسكوت، ومقصود الحديث أن النبي ﷺ استحسن شعر أمية، واستزاد من إنشاده، لما فيه من الإقرار بالوحدانية والبعث، وفي ملحق الرواية "استنشدني رسول الله ﷺ " أي طلب مني أن أنشده شعرا.
(أشعر كلمة تكلمت بها العرب) وفي الرواية الثالثة والسادسة "أصدق كلمة" وفي الرواية الرابعة والخامسة "أصدق بيت" فيحتمل أن يراد بالكلمة البيت الذي ذكر شطره، ويحتمل أن يريد
стр. 4983
القصيدة كلها، ورواية "أشعر" لا اعتراض عليها، ولكن اعترض على رواية "أصدق" إذ كيف يوصف كل شيء - ما خلا الله - بالبطلان؟ مع اندراج الطاعات والعبادات في ذلك، وهي حق، لا باطل، ويكون الكلام صادقا؟ وأجيب بأن المراد من "ما خلا الله" ما عداه وعدا صفاته الذاتية والفعلية، من رحمته وعذابه وغير ذلك، ثم إن الشطر الثاني عليه اعتراض أيضا، فقد ذكر ابن إسحاق عن عثمان بن مظعون أنه لما رجع من الهجرة الأولى إلى الحبشة، ودخل مكة في جوار الوليد بن المغيرة، ورأى المشركين يؤذون المسلمين، وهو آمن، رد على الوليد جواره، فبينما هو جالس في مجلس لقريش وفد عليهم لبيد بن ربيعة - قبل أن يسلم - فقعد ينشدهم من شعره، فقال لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
فقال عثمان بن مظعون: صدقت، فقال لبيد: وكل نعيم لا محالة زائل.
فقال عثمان كذبت. نعيم الجنة لا يزول اهـ. فكيف يوصف قول لبيد بالصدق؟ وبالأصدق؟ وقد يجاب بأن مراد الرسول ﷺ بوصف الصدق الشطر الأول الذي ذكره، أو أن المراد من "ما خلا الله" أي ما عداه وعدا صفاته الذاتية والفعلية من رحمته وعذابه، بما في ذلك الجنة والنار.
أسلم لبيد بعد ذلك، وسكن الكوفة، ومات بها في خلافة عثمان، وعاش مائة وخمسين سنة.
وذكره البخاري في الصحابة، قال القسطلاني: وفد على رسول الله ﷺ سنة وفد قومه، بنو جعفر، فأسلم، وحسن إسلامه. اهـ. وقيل: إن عمر سأله عما قاله من الشعر في الإسلام، فقال: قد أبدلني بالشعر سورة البقرة، ولم يقل شعرا منذ أسلم.
(لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا يريه خير من أن يمتلئ شعرا) قال النووي: قال أهل اللغة والغريب "يريه" بفتح الياء وكسر الراء، من الورى، وهو داء يفسد الجوف، ومعناه قيحا يأكل جوفه، ويفسده.
(من لعب بالنردشير) هو النرد، عجمي معرب، و"شير" معناه حلو، وهي لعبة معروفة باسم الطاولة صندوق وحجارة، و (زهر)
-[فقه الحديث]-
قال النووي عن الشعر، نظمه، واستنشاده، وإنشاده: فيه جواز إنشاد الشعر الذي لا فحش فيه، وسماعه، سواء شعر الجاهلية وغيرهم، وأما المذموم من الشعر الذي لا فحش فيه، إنما هو الإكثار منه، وكونه غالبا على الإنسان، فأما يسيره، فلا بأس بإنشاده وسماعه وحفظه.
أما عن الرواية السابعة وما بعدها، فيقول: قال أبو عبيد: قال بعضهم: المراد بهذا الشعر شعر هجي به النبي ﷺ قال أبو عبيد والعلماء كافة: هذا تفسير فاسد، لأنه يقتضي أن المذموم من الهجاء أن يمتلئ منه، دون قليله، وقد أجمع المسلمون على أن الكلمة الواحدة من هجاء النبي ﷺ موجبة للكفر. قالوا: بل الصواب أن المراد أن يكون الشعر غالبا عليه، مستوليا عليه، بحيث يشغله عن القرآن
стр. 4984
وغيره من العلوم الشرعية، وعن ذكر الله تعالى، وهذا مذموم من أي شعر كان، فأما إذا كان القرآن والحديث وغيرهما من العلوم الشرعية هو الغالب عليه، فلا يضر حفظ اليسير من الشعر مع هذا، لأن جوفه ليس ممتلئا شعرا.
ثم قال: واستدل بعض العلماء بهذا الحديث على كراهة الشعر مطلقا، قليله وكثيره، وإن كان لا فحش فيه، وتعلق بقوله ﷺ : "خذوا الشيطان" وقال العلماء كافة: هو مباح ما لم يكن فيه فحش ونحوه، قالوا: وهو كلام، حسنه حسن، وقبيحه قبيح، وهذا هو الصواب، فقد سمع النبي ﷺ الشعر، واستنشده، وأمر به حسان في هجائه المشركين، وأنشده أصحابه بحضرته، في الأسفار وغيرها، وأنشده الخلفاء وأئمة الصحابة وفضلاء السلف، ولم ينكره أحد منهم على إطلاقه، وإنما أنكروا المذموم منه، وهو الفحش، ونحوه، قال: وأما تسمية هذا الرجل - الذي سمعه ينشد - شيطانا، فلعله كان كافرا، أو كان الشعر هو الغالب عليه، أو كان شعره هذا من المذموم، وبالجملة فتسميته شيطانا قضية عين، تتطرق إليها الاحتمالات المذكورة وغيرها، ولا عموم لها، فلا يحتج بها. وفي الحديث منقبة للبيد الصحابي الجليل والله أعلم.
النقطة الثانية في هذا الباب: البعد عن لعب النرد ونحوه، قال النووي: وهذا الحديث حجة للشافعي والجمهور في تحريم اللعب بالنرد، وقال أبو إسحاق المروزي، من أصحابنا: يكره، ولا يحرم، وأما الشطرنج فمذهبنا أنه مكروه، ليس بحرام، وهو مروي عن جماعة من التابعين، وقال مالك وأحمد: حرام، قال مالك: هو شر من النرد، وألهى عن الخير وقاسوه على النرد، وأصحابنا يمنعون القياس، ويقولون: هو دونه.
نعم التشبيه في قوله "فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه" ينفر منه، ويفر به من الحرمة، لذا أضاف النووي إلى النص عبارة "في حال أكله منهما" وكأن التشبيه بالأكل من لحم الخنزير ودمه، وهو حرام باتفاق، وتشبيه الشيء بالمحرم القطعي دليل التحريم، قال بعضهم: لأن غمس اليد في اللحم يكون غالبا في حالة الأكل.
والتحقيق أن التشبيه ليس بالأكل، وإلا لقال: فكأنما أكل لحم خنزير، وإنما هو تشبيه حركات اللاعب، وتناوله لآلات اللعب، ونقله للحجارة "القشاط" تبعا لأرقام الزهر، بغمس اليد في النجاسة، وغمس اليد في النجاسة مستقذر، ليس بمحرم فيكون التشبيه للتنفير.
والبحث الدقيق يكون في الحكمة والعلة، أهي ما في الألعاب من التغرير والحظ؟ فالمنع للطاولة ونحوها مما يعتمد على الحظ، دون الشطرنج والورق (الكوتشينة) والحجارة في التراب (السيجة) و (الضمنة) والكرة بأنواعها والرمي، وسباق الجري، ونحو ذلك، أم هي اللهو وضياع الوقت، بقدر زائد على الترويح؟ فيشمل جميع الألعاب، إذا زادت عن قدر الحاجة النافعة؟ أم هي ما تحدثه بين المتلاعبين من الحقد والغل والغضب والإثارة؟ فتمنع إذا أحدثت ذلك، أو حين توقعه؟ أم هي ما يحدث غالبا من غرامة تلحق المغلوب للغالب؟ فتمنع إن كانت كذلك.
стр. 4985
إن اللعب في حد ذاته ليس حراما، فقد قال الغزالي ومن بعده الزبيدي بعد أن ساق حديث لعب السودان بالدرق والحراب: فيه نص صريح على أن اللعب ليس بحرام، ولا يخفى عادة الحبشة في الرقص واللعب، كما استدل بحديث الصحيحين "دونكم يا بني أرفدة" وقال: هذا أمر باللعب، والتماس له، فكيف يقدر كونه حراما؟ ثم ختم الباب بقوله: فاللهو من حيث هو ليس بحرام، كيف وقد كانت الأنصار يحبون اللهو ولم يمتنعوا من محبته؟ بل أقروا عليه في قوله ﷺ "أما علمت أن الأنصار يعجبهم اللهو"؟ وقال: وأما حديث "كل شيء يلهو به الرجل باطل" فالباطل ما لا فائدة فيه، وغالب المباحات لا فائدة فيها.
قال الغزالي: على أني أقول: اللهو مروح للقلب، ومخفف عنه أعباء الفكر، والعطلة معينة على العمل، واللهو معين على الجد، ولا يصبر على الجد المحض، والحق المر، إلا نفوس الأنبياء، ﵈، فاللهو دواء للقلب من داء الإعياء والملال، فينبغي أن يكون مباحا، ولكن لا ينبغي أن يستكثر منه، كما لا يستكثر من الدواء. انتهى بتصرف، وهو كلام حسن، إذا أضيف إليه خلو اللهو من الإثارة الضارة غير الشرعية، من الحظ، والتغرير، والخداع، والحقد واللهو عن واجب ديني أو دنيوي، وتضييع الوقت مع الحاجة إليه.
والله أعلم.
стр. 4986
كتاب الرؤيا
стр. 4987
(٦٠٢) باب الرؤية والحلم، وتأويل الرؤيا
٥١٤٥ - عن أبي سلمة ﵁ قال: كنت أرى الرؤيا أعرى منها غير أني لا أزمل حتى لقيت أبا قتادة، فذكرت ذلك له، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الرؤيا من الله والحلم من الشيطان، فإذا حلم أحدكم حلما يكرهه فلينفث عن يساره ثلاثا، وليتعوذ بالله من شرها فإنها لن تضره".
٥١٤٦ - عن أبي قتادة ﵁ عن النبي ﷺ مثله، ولم يذكر في حديثهم قول أبي سلمة كنت أرى الرؤيا أعرى منها غير أني لا أزمل.
- وزاد في حديث يونس: فليبصق على يساره حين يهب من نومه ثلاث مرات.
٥١٤٧ - عن أبي قتادة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الرؤيا من الله والحلم من الشيطان، فإذا رأى أحدكم شيئا يكرهه فلينفث عن يساره ثلاث مرات وليتعوذ بالله من شرها فإنها لن تضره" فقال: إن كنت لأرى الرؤيا أثقل علي من جبل فما هو إلا أن سمعت بهذا الحديث فما أباليها.
٥١٤٨ - وفي رواية: قال أبو سلمة: فإن كنت لأرى الرؤيا: "وليس في حديث الليث وابن نمير قول أبي سلمة إلى آخر الحديث. وزاد ابن رمح في رواية هذا الحديث: "وليتحول عن جنبه الذي كان عليه".
стр. 4988
٥١٤٩ - عن أبي قتادة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "الرؤيا الصالحة من الله والرؤيا السوء من الشيطان، فمن رأى رؤيا فكره منها شيئا فلينفث عن يساره وليتعوذ بالله من الشيطان، لا تضره، ولا يخبر بها أحدا، فإن رأى رؤيا حسنة فليبشر ولا يخبر إلا من يحب".
٥١٥٠ - عن أبي سلمة ﵁ قال: إن كنت لأرى الرؤيا تمرضني. قال: فلقيت أبا قتادة فقال: وأنا كنت لأرى الرؤيا فتمرضني، حتى سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الرؤيا الصالحة من الله، فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث بها إلا من يحب. وإن رأى ما يكره فليتفل عن يساره ثلاثا، وليتعوذ بالله من شر الشيطان وشرها، ولا يحدث بها أحدا فإنها لن تضره".
٥١٥١ - عن جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره ثلاثا، وليستعذ بالله من الشيطان ثلاثا، وليتحول عن جنبه الذي كان عليه".
٥١٥٢ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب. وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا. ورؤيا المسلم جزء من خمس وأربعين جزءا من النبوة. والرؤيا ثلاثة: فرؤيا الصالحة بشرى من الله، ورؤيا تحزين من الشيطان، ورؤيا مما يحدث المرء نفسه. فإن رأى أحدكم ما يكره، فليقم فليصل ولا يحدث بها الناس" قال: "وأحب القيد وأكره الغل. والقيد ثبات في الدين" فلا أدري هو في الحديث أم قاله ابن سيرين.
٥١٥٣ - قال أبو هريرة ﵁ فيعجبني القيد وأكره الغل. والقيد ثبات في الدين. وقال النبي ﷺ : "رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة".
стр. 4989
٥١٥٤ - وفي رواية عن أبي هريرة ﵁ قال: إذا اقترب الزمان. وساق الحديث، ولم يذكر فيه النبي ﷺ . وحدثناه إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي عن قتادة عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : وأدرج في الحديث قوله: وأكره الغل. إلى تمام الكلام، ولم يذكر "الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة".
٥١٥٥ - عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة".
٥١٥٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة".
٥١٥٧ - وفي رواية عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "رؤيا المسلم يراها أو ترى له" وفي حديث ابن مسهر "الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة".
٥١٥٨ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "رؤيا الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة".
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ . بمثل حديث عبد الله بن يحيى بن أبي كثير عن أبيه.
стр. 4990
٥١٥٩ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءا من النبوة".
٥١٦٠ - وفي رواية، قال نافع: حسبت أن ابن عمر قال: "جزء من سبعين جزءا من النبوة".
٥١٦١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي".
٥١٦٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من رآني في المنام فسيراني في اليقظة، أو لكأنما رآني في اليقظة، لا يتمثل الشيطان بي".
وقال فقال أبو سلمة: قال أبو قتادة: قال رسول الله ﷺ : "من رآني فقد رأى الحق".
٥١٦٣ - عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من رآني في النوم فقد رآني. إنه لا ينبغي للشيطان أن يتمثل في صورتي" وقال: "إذا حلم أحدكم فلا يخبر أحدا بتلعب الشيطان به في المنام".
٥١٦٤ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من رآني في النوم فقد رآني. فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتشبه بي".
стр. 4991
٥١٦٥ - عن جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال لأعرابي جاءه فقال: إني حلمت أن رأسي قطع، فأنا أتبعه. فزجره النبي ﷺ وقال: "لا تخبر بتلعب الشيطان بك في المنام".
٥١٦٦ - عن جابر ﵁ قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، رأيت في المنام كأن رأسي ضرب فتدحرج فاشتددت على أثره. فقال رسول الله ﷺ للأعرابي: "لا تحدث الناس بتلعب الشيطان بك في منامك" وقال سمعت النبي ﷺ بعد يخطب فقال: "لا يحدثن أحدكم بتلعب الشيطان به في منامه".
٥١٦٧ - عن جابر ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، رأيت في المنام كأن رأسي قطع. قال: فضحك النبي ﷺ وقال: "إذا لعب الشيطان بأحدكم في منامه فلا يحدث به الناس" وفي رواية أبي بكر "إذا لعب بأحدكم ولم يذكر الشيطان".
٥١٦٨ - عن ابن عباس أو أبي هريرة ﵄ أن رجلا أتى رسول الله ﷺ . وفي رواية: أن ابن عباس كان يحدث: أن رجلا أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني أرى الليلة في المنام ظلة تنطف السمن والعسل، فأرى الناس يتكففون منها بأيديهم، فالمستكثر والمستقل. وأرى سببا واصلا من السماء إلى الأرض، فأراك أخذت به فعلوت، ثم أخذ به رجل من بعدك فعلا، ثم أخذ به رجل آخر فعلا، ثم أخذ به رجل آخر فانقطع به، ثم وصل له فعلا. قال أبو بكر: يا رسول الله، بأبي أنت، والله، لتدعني فلأعبرنها. قال رسول الله ﷺ : "اعبرها" قال أبو بكر: أما الظلة فظلة الإسلام. وأما الذي ينطف من السمن والعسل فالقرآن، حلاوته ولينه. وأما ما يتكفف الناس من ذلك فالمستكثر من القرآن والمستقل. وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض، فالحق الذي أنت عليه تأخذ به، فيعليك الله به، ثم يأخذ به رجل من بعدك فيعلو به، ثم يأخذ به رجل آخر فيعلو به
стр. 4992
ثم يأخذ به رجل آخر فينقطع به ثم يوصل له فيعلو به. فأخبرني يا رسول الله، بأبي أنت، أصبت أم أخطأت؟ قال رسول الله ﷺ : "أصبت بعضا وأخطأت بعضا" قال: فوالله، يا رسول الله، لتحدثني ما الذي أخطأت؟ قال: "لا تقسم".
٥١٦٩ - وفي رواية، عن ابن عباس ﵄ قال: جاء رجل النبي ﷺ منصرفه من أحد. فقال: يا رسول الله، إني رأيت هذه الليلة في المنام ظلة تنطف السمن والعسل. بمعنى حديث يونس.
٥١٧٠ - وفي رواية عن أبي هريرة ﵁، قال عبد الرزاق: كان معمر أحيانا يقول: عن ابن عباس. وأحيانا يقول: عن أبي هريرة، أن رجلا أتى رسول الله ﷺ فقال: إني أرى الليلة ظلة. بمعنى حديثه، رأيت ظلة. بنحو حديثهم.
٥١٧١ - وفي رواية عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان مما يقول لأصحابه: "من رأى منكم رؤيا فليقصها أعبرها له" قال: فجاء رجل فقال: يا رسول الله رأيت ظلة بنحو حديثهم.
٥١٧٢ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "رأيت ذات ليلة فيما يرى النائم، كأنا في دار عقبة بن رافع، فأتينا برطب من رطب ابن طاب. فأولت الرفعة لنا في الدنيا والعاقبة في الآخرة، وأن ديننا قد طاب".
٥١٧٣ - عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "أراني في المنام أتسوك بسواك. فجذبني رجلان، أحدهما أكبر من الآخر، فناولت السواك الأصغر منهما فقيل لي: كبر. فدفعته إلى الأكبر".
стр. 4993
٥١٧٤ - عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: "رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر. فإذا هي المدينة يثرب. ورأيت في رؤياي هذه أني هززت سيفا، فانقطع صدره، فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد. ثم هززته أخرى فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع المؤمنين. ورأيت فيها أيضا بقرا، والله خير، فإذا هم النفر من المؤمنين يوم أحد، وإذا الخير ما جاء الله به من الخير، بعد وثواب الصدق الذي آتانا الله بعد يوم بدر".
٥١٧٥ - عن ابن عباس ﵄ قال: قدم مسيلمة الكذاب على عهد النبي ﷺ المدينة. فجعل يقول: إن جعل لي محمد الأمر من بعده تبعته. فقدمها في بشر كثير من قومه. فأقبل إليه النبي ﷺ ومعه ثابت بن قيس بن شماس وفي يد النبي ﷺ قطعة جريدة. حتى وقف على مسيلمة في أصحابه. قال: "لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها. ولن أتعدى أمر الله فيك ولئن أدبرت ليعقرنك الله. وإني لأراك الذي أريت فيك ما أريت. وهذا ثابت يجيبك عني" ثم انصرف عنه. فقال ابن عباس: فسألت عن قول النبي ﷺ : "إنك أرى الذي أريت فيك ما أريت" فأخبرني أبو هريرة، أن النبي ﷺ قال: "بينا أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب. فأهمني شأنهما. فأوحي إلي في المنام أن انفخهما فنفختهما فطارا. فأولتهما كذابين يخرجان من بعدي، فكان أحدهما العنسي، صاحب صنعاء. والآخر مسيلمة، صاحب اليمامة".
٥١٧٦ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله ﷺ : "بينا أنا نائم أتيت خزائن الأرض. فوضع في يدي أسوارين من ذهب، فكبرا علي وأهماني. فأوحي إلي أن انفخهما فنفختهما فذهبا. فأولتهما الكذابين اللذين أنا بينهما، صاحب صنعاء، وصاحب اليمامة".
стр. 4994
٥١٧٧ - عن سمرة بن جندب ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا صلى الصبح أقبل عليهم بوجهه فقال: "هل رأى أحد منكم البارحة رؤيا".
-[المعنى العام]-
﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى﴾ [الزمر: ٤٢] والنفس سر من أسرار الله تعالى ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي﴾ [الإسراء: ٨٥] وتوفيها كليا أو جزئيا سر من أسراره تعالى، فلا تعلم نفس أين تذهب الروح أثناء النوم؟ ولا تعلم مدى اتصالها بجسد النائم، ولا تعلم ما يجري منها، وما يجري لها في موتتها الصغرى، التي تتكرر كل يوم.
ومما هو معلوم أن الوحي الإلهي للأنبياء، منه الإلهام، ومنه المنام، فحديث الرسول ﷺ "إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس قبل أن تستوفي رزقها وأجلها" مثل للإلهام، ومثله الإيحاء إلى أم موسى أن أرضعيه، ورؤيا إبراهيم ﵇، أنه يذبح ولده، ورؤيا يوسف ﵇ أحد عشر كوكبا والشمس والقمر ساجدين له، ورؤيا رسول الله ﷺ دخول المسلمين المسجد الحرام آمنين، أمثلة للمنام.
فالرؤيا الصادقة، يراها المؤمن أو ترى له، إنما تكون إفاضة وكرما من الله تعالى، ليستبشر، أو ليأخذ حذره، فهي مبشرات ومنذرات، وهي جزء من النبوة، ولمحة من لمحاتها، حتى وإن رآها كافر، فهي نعمة، والمنعم ينعم على الكافر، لعله يعتبر ويؤمن، كما ينعم على المؤمن ليزداد إيمانا وشكرا.
وقد حكى لنا القرآن الكريم رؤيا فرعون مصر سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، وسبع سنبلات خضر، وأخر يابسات، وكيف تحقق تأويل يوسف ﵇ لها؟ كما حكى رؤيا صاحبي السجن، وكيف تحققت؟ حقائق لا يسهل إنكارها، لكنها نوع مما يراه النائم، لا يحكم به على كل رؤيا يراها، بل قد يرى في منامه تحقيق رغبات مكبوتة عنده أثناء يقظته، وقد يرى خليطا من مشكلات تشغله في حياته، وقد يرى ما يوسوس به الشيطان له من أحزان ومخاوف، ومن هنا كانت النصائح النبوية:
١ - إذا حلم أحدكم حلما يكرهه، فلينفت عن يساره، وليتحول عن جنبه، وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم ومن شرها، وأن يكتمها، ولا يحدث بها إلا حبيبا لبيبا، فإنها لا تضره.
٢ - وإذا رأى ما يحب فليستبشر، ويحكيها لحبيب لبيب، ليعبرها له.
٣ - وإذا رأى رسول الله ﷺ في المنام، فرؤياه خير وصادقة، فإن الشيطان لا يتمثل به.
٤ - وعلى المؤمن أن يحرص على الصدق في معاملاته، لتصدق رؤياه، فأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا.
стр. 4995
٥ - وعلى من يعبر الرؤيا أن يحسن الظن، وأن يتجه بتأويله إلى خير الاحتمالات، وأن يكون خبيرا ذكيا لبيبا، فهي - غالبا - تعتمد على الإشارات.
وقد رأى رسول الله ﷺ رؤى، وفسرها، وقصها على أصحابه، ورأى أصحابه رؤى وفسرها لهم، وفسرها بعضهم لبعض، وشجعهم وحثهم على تعبير الرؤيا، فإنها من الله تعالى، وإنها جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة.
-[المباحث العربية]-
(كنت أرى الرؤيا) "الرؤيا" ما يراه الشخص في منامه، وهي على وزن فعلى، وقد تسهل الهمزة، وقال الواحدي: هي في الأصل مصدر، كاليسرى، فلما جعلت اسما لما يتخيله النائم، أجريت مجرى الأسماء، قال الراغب: والرؤية، بالهاء، إدراك المرء بحاسة البصر، وتطلق على ما يدرك بالتخيل، نحو: أرى أن زيدا مسافر، وعلى التفكر النظري، نحو ﴿إني أرى ما لا ترون﴾ [الأنفال: ٤٨] وعلى الرأي، وهو اعتقاد أحد النقيضين حسب غلبة الظن. اهـ. وقال القرطبي في المفهم: قال بعض العلماء: قد تجيء الرؤية بمعنى الرؤيا، كقوله تعالى ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس﴾ [الإسراء: ٦٠] فزعم أن المراد بها ما رآه النبي ﷺ ، ليلة الإسراء من العجائب، وكان الإسراء جميعه في اليقظة. قال الحافظ ابن حجر: وعكسه بعضهم، فزعم أنه حجة لمن قال: إن الإسراء كان مناما، والأول المعتمد، قال ابن عباس: إنها رؤيا عين، قال الحافظ: ويحتمل أن تكون الحكمة في تسمية ذلك رؤيا كون أمور الغيب مخالفة لرؤيا الشهادة، فأشبهت ما في المنام. اهـ.
وسيأتي الكلام عن حقيقة الرؤيا في فقه الحديث، وفي ملحق الرواية الثانية "فإن كنت لأرى الرؤيا" فإن مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، أي فإن القصة كنت لأرى الرؤيا.
(أعرى منها) بضم الهمزة، وسكون العين وفتح الراء، أي أحم، لخوفي من ظاهرها في ظني، يقال: عري بضم العين وكسر الراء مخففا، يعرى بضم الياء وفتح الراء، إذا أصابه عراء، بضم العين وبالمد، وهو نفض الحمى، وفي الرواية الرابعة "قال أبو سلمة لأبي قتادة: إن كنت لأرى الرؤيا تمرضني؟ فقال له أبو قتادة: وأنا كنت لأرى الرؤيا فتمرضني" بزيادة اللام في "لأرى" والأولى بدون اللام.
(غير أني لا أزمل) بضم الهمزة وفتح الزاي وتشديد الميم المفتوحة، أي لا أغطى ولا ألف، كما يفعل بالمحموم، وفي الرواية الثانية "إن كنت لأرى الرؤيا أثقل علي من جبل" وعند عبد الرزاق "كنت أرى الرؤيا ألقى فيها شدة".
(حتى لقيت أبا قتادة فذكرت ذلك له، فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول) في الرواية الثانية "سمعت أبا قتادة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول .. "
(الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان) في الرواية الثالثة "الرؤيا الصالحة من الله، والرؤيا السوء من الشيطان" بفتح السين وسكون الواو، أي القبيحة، والحلم بضم الحاء
стр. 4996
وسكون اللام، وقد تضم ما يراه النائم، ولم يحك النووي غير السكون، يقال: حلم بفتح اللام، يحلم بضمها، وأما الحلم بكسر الحاء وسكون اللام فهو من حلم يحلم، بضم اللام فيهما، وجمع الحلم والحلم بضم الحاء وكسرها أحلام.
قال النووي: قال المازري: معناه: يخلق الله ما يسر بغير حضرة الشيطان، ويخلق ما علم أنه يضر بحضرة الشيطان، فينسب إلى الشيطان مجازا، لحضوره عندها، وإن كان لا فعل له حقيقة، وليس معناه أن الشيطان يفعل شيئا، فالرؤيا اسم للمحبوب، والحلم اسم للمكروه، وقال غيره: أضاف الرؤيا المحبوبة إلى الله، إضافة تشريف، بخلاف المكروهة وإن كانتا جميعا من خلق الله تعالى وتدبيره وبإرادته، ولا فعل للشيطان فيهما، لكنه يحضر المكروهة ويرتضيها، ويسر بها. اهـ. كما أن الجميع عباد الله، ولو كانوا عصاة، وهو تصرف شرعي، وإلا فالكل يسمى رؤيا وحلما لغة.
وفي رواية "الصادقة" بدل "الصالحة" قال الحافظ ابن حجر: وهما بمعنى واحد، بالنسبة إلى أمور الآخرة، في حق الأنبياء، وأما بالنسبة إلى أمور الدنيا فالصالحة في الأصل أخص، فرؤيا النبي كلها صادقة، وقد تكون صالحة، وهي الأكثر، وغير صالحة بالنسبة للدنيا، كما وقع في رؤيا يوم أحد "بقر يذبح" وأما رؤيا غير الأنبياء فبينهما عموم وخصوص وجهي، يجتمعان في مادة وينفرد كل منهما في مادة أخرى، إن فسرنا الصادقة بأنها التي لا تحتاج إلى تعبير، فيجتمعان في رؤيا سارة لا تحتاج إلى تعبير، وتنفرد الصالحة في السارة التي تحتاج إلى تعبير فهي صالحة غير صادقة بنفسها، وتنفرد الصادقة برؤيا سوء لا تحتاج إلى تعبير، فهي صادقة، غير صالحة، وأما إن فسرنا الصادقة بأنها غير الأضغاث، فالصالحة أخص مطلقا، أي فبينهما عموم وخصوص مطلق، يجتمعان في مادة، وينفرد الأعم في مادة أخرى فتجتمع الصادقة والصالحة في غير الأضغاث السارة، وتنفرد الصادقة في غير الأضغاث السيئة. وقال الإمام نصر بن يعقوب الدينوري: الرؤيا الصادقة ما يقع بعينه أو ما يعبر في المنام، أو يخبر به من لا يكذب، والصالحة ما يسر. اهـ.
(فإذا حلم أحدكم حلما يكرهه) في الرواية الثانية "فإذا رأى أحدكم شيئا يكرهه" وفي الرواية الثالثة "فمن رأى رؤيا فكره منها شيئا" وفي الرواية الخامسة "إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها" فالكراهة قد تكون لكل ما جاء في الحلم، أو لبعض ما جاء في الرؤيا.
(فلينفث عن يساره ثلاثا، وليتعوذ بالله من شرها، فإنها لا تضره) وفي ملحق الرواية الثانية "وليتحول عن جنبه الذي كان عليه" وفي الرواية الثالثة "ولا يخبر بها أحدا" وفي الرواية الرابعة "وليتعوذ بالله من شر الشيطان وشرها" وفي الرواية الخامسة "وليستعذ بالله من الشيطان ثلاثا" وفي الرواية الثالثة عشرة "إذا حلم أحدكم فلا يخبر أحدا بتلعب الشيطان به في المنام" وفي الرواية الخامسة عشرة "لا تخبر بتلعب الشيطان بك في المنام" وفي الرواية السادسة عشرة "لا تحدث الناس بتلعب الشيطان بك في منامك" وفيها "لا يحدثن أحدكم بتلعب الشيطان به في منامه" وفي الرواية السابعة عشرة "إذا لعب الشيطان بأحدكم في منامه فلا يحدث به الناس".
فمجموع الآداب المطلوبة خمسة:
١ - النفث: واختلف فيه والتفل، فقيل: هما بمعنى، ولا يكونان إلا بريق، وقال أبو عبيد: يشترط في
стр. 4997
التفل ريق يسير، ولا يكون في النفث، وقيل عكسه، وسئلت عائشة في النفث، فقالت: كما ينفث آكل الزبيب، لا ريق معه، قال: ولا اعتبار بما يخرج معه من بلة بغير قصد، وقال النووي: أكثر الروايات في الرؤيا "فلينفث" وهو نفخ لطيف، بلا ريق، فيكون التفل والبصق محمولين عليه مجازا، قال الحافظ ابن حجر: لكن المطلوب في الرقية التبرك برطوبة الذكر، والمطلوب هنا طرد الشيطان، وإظهار احتقاره واستقذاره.
٢ - الاستعاذة بالله من شر الشيطان.
٣ - الاستعاذة بالله من شرها.
٤ - التحول عن جنبه الذي كان عليه.
٥ - كتمها وعدم التحديث بها، زاد البخاري سادسا، وهو الصلاة. ولفظه "فمن رأى شيئا يكرهه فلا يقصه على أحد، وليقم فليصل" وكذا في روايتنا السادسة وزاد في بعض الشروح سابعا وهو قراءة آية الكرسي، ولم يذكر مستندا.
قال النووي: وينبغي أن يجمع بين هذه الروايات للحديث، قال الحافظ ابن حجر: ولم أر في شيء من الأحاديث الاقتصار على واحدة، نعم أشار المهلب إلى أن الاستعاذة كافية في دفع شرها، وكأنه أخذه من قوله تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم * إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون﴾ [النحل: ٩٨، ٩٩] فيحتاج مع الاستعاذة إلى صحة التوجه، ولا يكفي إمرار الاستعاذة باللسان، وقال القرطبي في المفهم: الصلاة تجمع كل ذلك، لأنه إذا قام فصلى، تحول عن جنبه، وبصق ونفث عند المضمضة في الوضوء، واستعاذ قبل القراءة، ثم دعا الله في أقرب الأحوال إليه، فيكفيه الله شرها بمنه وكرمه. اهـ.
وفي ملحق الرواية الأولى "فليبصق عن يساره، حين يهب من نومه" أي حين يستقيظ، ومعنى قوله "فإنها لن تضره" أن الله تعالى جعل هذا سببا لسلامته من مكروه يترتب عليها، كما جعل الصدقة وقاية للمال، وسببا لدفع البلاء، وقوله في الرواية الثالثة "فإن رأى رؤيا حسنة فليبشر" بضم الياء وسكون الباء، من الإبشار والبشرى، قال النووي: وفي بعض الأصول بفتح الياء والنون من النشر، وهو الإشاعة، قال القاضي: وهو تصحيف، وفي بعض الأصول "فليستر" بسين، من الستر.
(إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب) قيل: المراد إذا قارب الزمان أن يعتدل ليله ونهاره أي تصدق الرؤيا كثيرا في هذا الوقت من السنة، وقيل: المراد إذا قارب القيامة، والأول أشهر عند أهل عبر الرؤيا، لأن صدق الحديث يقل في آخر الزمان، قال الخطابي: وقت الربيع وقت اعتدال الطبائع غالبا، قال: ويبعده التقييد بالمؤمن، أو المسلم - فإن الوقت الذي تعتدل فيه الطبائع لا يختص به، وجزم ابن بطال بأن قرب القيامة هو الصواب، قال: فالمعنى إذا اقتربت الساعة وقبض أكثر العلم، ودرست معالم الديانة بالهرج والفتنة، فكان الناس على مثل الفترة، محتاجين إلى مذكر ومجدد لما درس من الدين، كما كانت الأمم تذكر بالأنبياء، لكن لما كان نبينا خاتم الأنبياء، وصار الزمان المذكور يشبه زمان الفترة عوضوا بما منعوا من النبوة بعده بالرؤيا الصادقة التي هي جزء
стр. 4998
من النبوة بالتبشير والإنذار. اهـ. ويؤيد أن المراد اقتراب الساعة الحديث الصحيح "يتقارب الزمان ويرفع العلم" فإن المراد به اقتراب الساعة قطعا، قال الداودي: المراد بتقارب الزمان نقص الساعات والأيام والليالي اهـ. والمراد بنقصها ضياع بركتها، والإحساس بسرعة مرورها، وذلك قرب يوم القيامة، كما ثبت في الصحيح "يتقارب الزمان حتى تكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كالساعة والساعة كاحتراق السعفة" رواه مسلم، وقيل: إن المراد بالزمان المذكور زمان المهدي، عند بسط العدل، وكثرة الأمن، وبسط الخير والرزق، فإن ذلك الزمان يستقصر لاستلذاذه فتتقارب أطرافه، وفي قوله "لم تكد" إشارة إلى غلبة الصدق على الرؤيا، وإن أمكن أن شيئا منها لا يصدق، قال الحافظ ابن حجر: والراجح أن المراد نفي الكذب عنها أصلا، لأن حرف النفي الداخل على "كاد" ينفي قرب حصوله، والنافي لقرب حصول الشيء أدل على نفيه نفسه. ذكره الطيبي.
وقال القرطبي في المفهم: المراد - والله أعلم - بآخر الزمان المذكور في هذا الحديث (المذكور في الحديث اقتراب الزمان، وليس آخر الزمان) زمان الطائفة الباقية مع عيسى ابن مريم، بعد قتله الدجال، فكأن أهل هذا الزمان أحسن هذه الأمة حالا، بعد الصدر الأول، وأصدقهم أقوالا، فكانت رؤياهم لا تكذب، وقال ابن أبي جمرة: معنى كون الرؤيا في آخر الزمان لا تكاد تكذب أنها تقع غالبا على الوجه الذي لا يحتاج إلى تعبير، فلا يدخلها الكذب، بخلاف ما قبل ذلك، فإنها قد يخفى تأويلها، فيعبرها العابر، فلا تقع كما قال، فيصدق دخول الكذب فيها بهذا الاعتبار، قال: والحكمة في اختصاص ذلك بآخر الزمان أن المؤمن في ذلك الوقت يكون غريبا، فيقل أنيس المؤمن ومعينه في ذلك الوقت، فيكرم بالرؤيا الصادقة.
قال الحافظ ابن حجر: وحاصل ما اجتمع من كلامهم في معنى قوله "إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب" إذا كان المراد آخر الزمان، ثلاثة أقوال: أحدهما أن العلم بأمور الديانة يذهب، فعوضوا بالرؤيا الصادقة، الثاني: أن المؤمنين يقل عددهم، فيؤنس المؤمن ويعان بالرؤيا الصادقة، إكراما له، وتسلية، وعلى هذين القولين لا يختص ذلك بزمان معين، بل كلما قرب فراغ الدنيا تكون رؤيا المؤمن الصادق أصدق، الثالث أن ذلك خاص بزمان عيسى ابن مريم. قال: وأولها أولاها اهـ.
(وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا) لأن من كثر صدقه تنور قلبه، وقوي إدراكه، فانتقشت فيه المعاني على وجه الصحة، وكذلك من كان غالب حاله الصدق في يقظته استصحب ذلك في نومه، فلا يرى إلا صدقا بخلاف الكاذب والمخلط، فإنه يفسد قلبه ويظلم، فلا يرى إلا تخليطا وأضغاثا، وقد يندر العكس أحيانا، فيرى الصادق ما لا يصح، ويرى الكاذب ما يصح ولكن الأغلب الأكثر ما تقدم. قاله القرطبي.
(ورؤيا المسلم جزء من خمس وأربعين جزءا من النبوة) كذا في كثير من الأصول "خمس" وفي بعضها "خمسة" وهو الصواب، وفي الرواية السابعة والثامنة والتاسعة "جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة" وفي الرواية العاشرة "جزء من سبعين جزءا من النبوة" قال النووي: فحصل ثلاث روايات، المشهور "ستة وأربعين" والثانية "خمسة وأربعين" والثالثة "سبعين" وفي
стр. 4999
غير مسلم "من أربعين جزءا" وفي رواية "من تسعة وأربعين" وفي رواية "من خمسين" وفي رواية "من ستة وعشرين" وفي رواية "من أربعة وأربعين" قال القاضي: أشار الطبري إلى أن هذا الاختلاف راجع إلى اختلاف حال الرائي، فالمؤمن الصالح تكون رؤياه جزءا من ستة وأربعين جزءا، والفاسق جزءا من سبعين جزءا، وقيل: المراد أن الخفي منها جزء من سبعين والجلي جزء من ستة وأربعين. اهـ.
وقد استشكل كون الرؤيا جزء من النبوة، مع أن النبوة انقطعت بموت النبي ﷺ ؟ فقيل في الجواب: إن وقعت الرؤيا من النبي ﷺ فهي جزء من أجزاء النبوة حقيقة، وإن وقعت من غير النبي فهي جزء من أجزاء النبوة على سبيل المجاز، وقال الخطابي: قيل: معناه أن الرؤيا تجيء على موافقة النبوة، لا أنها جزء باق من النبوة، وقيل: المعنى أنها جزء من علم النبوة، لأن النبوة وإن انقطعت، فعلمها باق، وتعقب بقول مالك، فيما حكاه ابن عبد البر، أنه سئل: أيعبر الرؤيا كل أحد؟ فقال: أبالنبوة يلعب؟ ثم قال: الرؤيا جزء من النبوة، فلا يلعب بالنبوة، والجواب أنه لم يرد أنها نبوة باقية، وإنما أراد أنها لما أشبهت النبوة من جهة الاطلاع على بعض الغيب، لا ينبغي أن يتكلم فيها بغير علم، وقال ابن بطال: كون الرؤيا جزءا من أجزاء النبوة مما يستعظم، ولو كانت جزءا من ألف جزء، فيمكن أن يقال: إن لفظ النبوة مأخوذ من الإنباء، وهو الإعلام لغة، فالمعنى - على هذا - أن الرؤيا خبر صادق من الله، لا كذب فيه، كما أن معنى النبوة بنبأ صادق من الله، لا يجوز عليه الكذب، فشابهت الرؤيا النبوة في صدق الخبر، اهـ. ففي الكلام تشبيه، والتقدير: الرؤيا كجزء من النبوة في صدق الخبر.
وقال المازري: يحتمل أن يراد بالنبوة في هذا الحديث، الخبر بالغيب لا غير، وإن كان يتبع ذاك إنذار أو تبشير، فالخبر بالغيب أحد ثمرات النبوة، وهو غير مقصود لذاته، لأنه يصح أن يبعث نبي يقرر الشرع، ويبين الأحكام، وإن لم يخبر في طول عمره بغيب، ولا يكون إلا صادقا ولا يقع إلا حقا، وأما خصوص العدد فهو مما أطلع الله عليه نبيه، لأنه يعلم من حقائق النبوة ما لم يعلمه غيره، وقال القاضي أبو بكر بن العربي: أجزاء النبوة لا يعلم حقيقتها إلا ملك أو نبي، وإنما أراد النبي ﷺ أن يبين أن الرؤيا جزء من أجزاء النبوة في الجملة، لأن فيها اطلاعا على الغيب من وجه ما، وأما تفصيل النسبة فيختص بمعرفته درجة النبوة.
وقال المازري: لا يلزم العالم أن يعرف كل شيء جملة وتفصيلا، فقد جعل الله للعالم حدا، يقف عنده، فمنه ما يعلم المراد منه جملة وتفصيلا ومنه ما يعلمه جملة لا تفصيلا، وهذا من هذا القبيل.
وقد حاول بعض أهل العلم أن يتلمس مناسبة للرواية المشهورة "جزء من ستة وأربعين جزءا" فقال: إن الله أوحى إلى نبيه في المنام ستة أشهر، ثم أوحى إليه بعد ذلك في اليقظة بقية مدة حياته، ونسبتها من الوحي في المنام جزء من ستة وأربعين جزءا، لأنه عاش بعد النبوة ثلاثا وعشرين سنة على الصحيح.
قال ابن بطال: هذا التأويل يفسد من وجهين: أحدهما أنه قد اختلف في قدر المدة التي عاشها بعد البعثة إلى موته، والثاني أن يبقى حديث السبعين جزءا بغير معنى. قال الحافظ ابن حجر:
стр. 5000
ويضاف إليه بقية الأعداد الواردة، وأطال الحافظ ابن حجر في توجيه المناسبات بين الأعداد الواردة وبين الواقع، مما لا يتسع له هذا المقام.
(والرؤيا ثلاثة) ظاهره أنه مرفوع، وكذا أخرجه الترمذي والنسائي من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن ابن سيرين عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "الرؤيا ثلاث فرؤيا حق، ورؤيا يحدث بها الرجل نفسه، ورؤيا تحزين من الشيطان" لكن جاء في البخاري عن عوف قال: حدثنا محمد بن سيرين أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة، وما كان من النبوة فإنه لا يكذب"- قال محمد: وأنا أقول: هذه - قال: وكان يقال: (الرؤيا ثلاث، حديث النفس، وتخويف الشيطان، وبشرى من الله .. ) مما يوهم أنه مدرج، والصحيح أنه مرفوع.
(فرؤيا الصالحة بشرى من الله) كذا في الأصول "فرؤيا الصالحة" من إضافة الموصوف إلى صفته، كقولهم: مسجد الجامع، أي فالرؤيا الصالحة بشرى من الله.
(ورؤيا تحزين من الشيطان) وعند ابن ماجه "أهاويل من الشيطان ليحزن ابن آدم" وعند البخاري "وتخويف الشيطان".
(ورؤيا مما يحدث المرء نفسه) وعند البخاري "حديث النفس" وعند ابن ماجه "ومنها ما يهم به الرجل في يقظته، فيراه في منامه" قال الحافظ ابن حجر: وليس الحصر مرادا من قوله "ثلاث" لثبوت نوع رابع، وهو تلاعب الشيطان، ونوع خامس، وهو رؤيا ما يعتاده الرائي في اليقظة، كمن كانت عادته أن يأكل في وقت، فنام فيه، فرأى أنه يأكل، وبينه وبين حديث النفس عموم وخصوص، وسابع، وهو الأضغاث، انتهى ويمكن إدراج ما ذكره الحافظ في الأنواع الثلاثة، بشيء من التوسع.
(قال: وأحب القيد، وأكره الغل والقيد ثبات في الدين) في ملحق الرواية قال أبو هريرة: "فيعجبني القيد، وأكره الغل" القيد بفتح القاف حبل ونحوه يجعل في الرجل، والغل بضم الغين وتشديد اللام طوق من حديد أو جلد، يجعل في عنق الأسير أو المجرم، أو في أيديهما، جمعه أغلال، وفي رواية البخاري "قال: وكان يكره الغل في النوم، وكان يعجبهم القيد، ويقال: القيد ثبات في الدين" قال الكرماني: اختلف فيه. هل هو مرفوع؟ أو لا؟ فقال: بعضهم: مرفوع، وقال بعضهم: هو كلام ابن سيرين، وفاعل "كان يكره" أبو هريرة، وقال الطيبي: يحتمل أن يكون مقولا للراوي عن ابن سيرين، فيكون اسم "كان" ضميرا لابن سيرين، وأن يكون مقولا لابن سيرين، واسم "كان" ضمير أبي هريرة، أو النبي ﷺ اهـ. وفي نهاية الرواية عند مسلم "فلا أدري. هو في الحديث؟ أم قاله ابن سيرين؟ وأخرجه الترمذي وأحمد والحاكم، وفي نهايته" قال أبو هريرة: "يعجبني القيد .. إلخ" وقال الخطيب: المتن كله مرفوع إلا ذكر القيد، والغل، فإنه قول أبي هريرة، أدرج في الخبر، وقال أبو عوانة عن قصة القيد: الأصح أن هذا من قول ابن سيرين، وقال القرطبي: هذا الحديث وإن اختلف في رفعه ووقفه فإن معناه صحيح، لأن القيد في الرجلين تثبيت للمقيد في مكانه فإذا رآه من هو على حالة كان ذلك دليلا على ثبوته على تلك الحالة، وأما كراهة الغل فلأن محله الأعناق نكالا وعقوبة وقهرا، وإذلالا، وقد
стр. 5001
يسحب على وجهه، ويخر على قفاه، فهو مذموم شرعا وعادة فرؤيته في العنق دليل على وقوع حال سيئة للرائي تلازمه ولا ينفك عنها، وقد يكون ذلك في دينه كواجبات فرط فيها، أو معاص ارتكبها، أو حقوق لازمة له لم يوفها أهلها مع قدرته، وقد تكون في دنياه، كشدة تعتريه أو تلازمه.
وقال المهلب: الغل يعبر بالمكروه، لأن الله أخبر في كتابه أنه من صفات أهل النار بقوله تعالى ﴿إذ الأغلال في أعناقهم﴾ [غافر: ٧١] وقد يدل على الكفر، وقد يعبر بامرأة تؤذى.
وقال ابن العربي: إنما أحبوا القيد لذكر النبي ﷺ له في قسم المحمود، فقال: "قيد الإيمان الفتك" وأما الغل فقد كره شرعا في المفهوم، كقوله ﴿خذوه فغلوه﴾ [الحاقة: ٣٠] وقوله ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك﴾ [الإسراء: ٢٩] وقوله ﴿غلت أيديهم﴾ [المائدة: ٦٤] وإنما جعل القيد ثباتا في الدين، لأن المقيد لا يستطيع المشي فضرب مثلا للإيمان، الذي يمنع عن المشي إلى الباطل.
وقال النووي: قال العلماء: إنما أحب القيد لأن محله الرجل، وهو كف عن المعاصي والشر والباطل، وأما الغل فموضعه العنق، وهو صفة أهل النار.
(من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي) في الرواية الثانية عشرة "من رآني في المنام فسيراني في اليقظة - أو لكأنما رآني في اليقظة، لا يتمثل الشيطان بي" وفيها "ومن رآني فقد رأى الحق" وفي الرواية الثالثة عشرة "من رآني في النوم فقد رآني، إنه لا ينبغي للشيطان أن يتمثل في صورتي".
قال النووي: اختلف العلماء في معنى قوله ﷺ "فقد رآني" فقال الباقلاني: معناه أن رؤياه صحيحة، ليست بأضغاث، ولا من تشبيهات الشيطان، ويؤيده "فقد رأى الحق" أي الرؤية الصحيحة، قال المازري: وقال آخرون: بل الحديث على ظاهره، والمراد أن من رآه فقد أدركه - أي أدرك وتصور حقيقة ذاته وصفته - قالوا ولا مانع يمنع من ذلك والعقل لا يحيله، حتى يضطر إلى صرفه عن ظاهره، وتعقب بأن قد يرى خلاف صفته المعروفة، كمن يراه أبيض اللحية، وقد يراه شخصان في زمن واحد، أحدهما في المشرق والآخر في المغرب ويراه كل منهما في مكانه، فلا يكون إدراكا وتصورا حقيقيا، وأجيب بأن معنى "من رآني في المنام" أي على صورتي وهيئتي وصفاتي الحقيقية، فقد أدرك صورتي، والإدراك لا يشترط فيه تحديق الأبصار، ولا قرب المسافة ولا كون المرئي ظاهرا على الأرض، لا مدفونا فيها، وإنما يشترط كونه موجودا، ولم يقم دليل على فناء جسمه ﷺ بل جاء في الأحاديث ما يقتضي بقاءه، أما من رآه على غير صورته وعلى خلاف ما كان عليه ﷺ ، فهو تخيل له على غير وجهه، أو هو تخيل للصفات المخالفة، وليس إدراكا، وقد يظن الظان بعض الخيالات مرئيا مدركا، لكون ما يتخيله مرتبطا بما يرى في العادة، فيكون ذاته ﷺ مرئية، وصفاته متخيلة غير مرئية، فحاصل هذا الجواب أن من رآه بصفته فقد أدركه وتصوره، فإن الشيطان لا يتشبه به، ومن رآه على خلاف صفته الحقيقية فقد أدرك ذاته وتصورها، وتخيل صفات غير صحيحة.
وقيل في الجواب: من رآه على صفته المعروفة له في حياته فقد رآه وأدرك صفته، ومن رآه على خلاف صفته كانت رؤيا تأويل، لا رؤيا حقيقية، ولم يرتض النووي هذين الجوابين، وقال: بل الصحيح
стр. 5002
أن من رآه في المنام فقد رآه حقيقة، سواء كان على صفته المعروفة أو غيرها، وقال: قال القاضي: قال بعض العلماء: خص الله تعالى النبي ﷺ بأن رؤية الناس إياه صحيحة، وكلها صدق ومنع الشيطان أن يتصور في خلقته لئلا يكذب على لسانه في النوم، كما استحال أن يتصور الشيطان في صورته في اليقظة، ولو وقع لاشتبه الحق بالباطل، ولم يوثق بما جاء به، مخافة من هذا التصور، فحماه الله تعالى من الشيطان ونزغه ووسوسته وإلقائه وكيده، قال: وكذا حمى رؤيتهم أنفسهم. اهـ.
وهذا القول مسلم في اليقظة أما في النوم فالتشبه به لا يخل بالثقة فيه، فما أكثر الباطل في المنام.
وما ضعفه النووي من الجوابين خلاف ما عليه كثير من العلماء، فقد علق البخاري على ابن سيرين قوله "إذا رآه في صورته" و"كان ابن سيرين، إذا قص عليه رجل أنه رأى النبي ﷺ قال: صف لي الذي رأيته، فإن وصف له صفة لا يعرفها، قال: لم تره" قال الحافظ ابن حجر: وسنده صحيح، وقال أبو بكر بن العربي: رؤية النبي ﷺ بصفته المعلومة إدراك على الحقيقة، ورؤيته على غير صفته إدراك للمثال فإن الصواب أن الأنبياء لا تغيرهم الأرض، ويكون إدراك الذات الكريمة حقيقة، وإدراك الصفات إدراك المثل.
وقيل: الكلام على التشبيه، أي من رآني في المنام - بصفتي الحقيقية، أو بخلاف صفتي - فهو يشبه من رآني، في الثقة بي وبديني وما يجب لي عليه، وليس يدخل في ذلك قطعا ثبوت الصحبة له، حتى ولو كان معاصرا لحياته ﷺ ويؤيد هذا المعنى روايتنا الثانية عشرة ولفظها "أو لكأنما رآني في اليقظة".
هذا عن رواية "فقد رآني" أما عن رواية "من رآني في المنام فسيراني في اليقظة" روايتنا الثانية عشرة، فقد قيل في معناها: فسيرى تفسير ما رأى، لأنه حق وغيب، ألقي فيه، وقيل: معناه: فسيراني يوم القيامة، وتعقب بأنه لا فائدة من هذا التخصيص، فكل المؤمنين يرونه يوم القيامة في اليقظة، وقال ابن التين: المراد من آمن به في حياته، ولم يره، لكونه حينئذ غائبا عنه، فيكون بهذا مبشرا لكل من آمن به، ولم يره، أنه لا بد أن يراه في اليقظة قبل موته. قاله القزاز، وقال المازري: إن كان المحفوظ "فكأنما رآني في اليقظة" فمعناه ظاهر، وإن كان المحفوظ "فسيراني في اليقظة" احتمل أن يكون أراد أهل عصره، ممن يهاجر إليه، فإنه إذا رآه في المنام جعل ذلك علامة على أنه يراه بعد ذلك في اليقظة، وأوحى الله بذلك إليه ﷺ .
أما قوله "فإن الشيطان لا يتمثل بي" ففي الرواية الثالثة عشرة "إنه لا ينبغي للشيطان أن يتمثل في صورتي" وعند الترمذي "إن الشيطان لا يستطيع أن يصير مرئيا بصورتي" وفي رواية "فإن الشيطان لا يتزايا بصورتي" وعند البخاري "فإن الشيطان لا يتكونني" أي لا يتكون كوني في صورتي، والمعنى أن الله تعالى وإن منح الشيطان القدرة على التصور في أي صورة أراد، فإنه لم يمكنه من التصور في صورة النبي ﷺ ، ومحل ذلك إذا رآه على صورته التي كان عليها، في أي وقت من أوقات حياته ﷺ ومن العلماء من ضيق الحالة، فخصها بالحالة التي قبض عليها حتى يعتبر عدد الشعرات البيض التي لم تبلغ عشرين شعرة، قال الحافظ ابن حجر: والصواب
стр. 5003
التعميم في جميع حالاته ﷺ ، بشرط أن تكون صورته الحقيقية في وقت ما، سواء كان في شبابه أو رجولته أو كهولته أو آخر عمره.
(عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، أو أبي هريرة) كذا بالترديد بين ابن عباس، وأبي هريرة، في روايتنا الثامنة عشرة، وعن ابن عباس بدون ترديد، في ملحقيها، وفي الملحق الثاني يذكر عبد الرزاق أن التردد كان من معمر شيخه، وليس من الزهري شيخ شيخه، وعند عبد الرزاق: عن ابن عباس قال: كان أبو هريرة يحدث، قال البزار: لا نعلم أحدا قال: عن عبيد الله عن ابن عباس عن أبي هريرة إلا عبد الرزاق عن معمر، ورواه غير واحد، فلم يذكروا أبا هريرة. اهـ. وذكر الحميدي أن سفيان بن عيينة كان لا يذكر فيه ابن عباس، قال: فلما كان صحيحه آخر زمانه أثبت فيه ابن عباس أخرجه أبو عوانة في صحيحه من طريق الحميدي، والتحقيق أنه من مسند ابن عباس فقد أخرجه البخاري في صحيحه بلفظ "وقال ابن عباس: قال النبي ﷺ لأبي بكر: لا تقسم ... " فجزم بأنه عن ابن عباس.
(أن رجلا أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله) في ملحق الرواية "جاء رجل النبي ﷺ منصرفة من أحد فقال .. " فبينت زمن الرؤيا.
(إني أرى الليلة في المنام) فيه التعبير عن الماضي بالمضارع استحضارا للصورة، تأكيدا لتذكرها وضبطها، كأنها حاضرة أمامه وقت التكلم والأصل: إني رأيت الليلة في المنام، كما جاء في الملحق الأول.
(ظلة، تنطف السمن والعسل) "ظلة" بضم الظاء، أي سحابة لها ظل، والأصل كل ما أظل، من ثقيفة ونحوها، زاد في رواية "ظلة بين السماء والأرض" ومعنى "تنطف" بكسر الطاء، ويجوز ضمها، أي تقطر قليلا قليلا.
(فأرى الناس يتكففون منها بأيديهم) أي يأخذون بأكفهم، قال الخليل: تكفف بسط كفه ليأخذ، وقال القرطبي: يحتمل أن يكون معنى "يتكففون" يأخذون كفايتهم وهو أليق بقوله بعد ذلك: "فالمستكثر والمستقل" واعترض عليه الحافظ ابن حجر بأن الكفاية من كفى، والتكفف من كفف، فلا يتلاقيان اهـ.
وكلام القرطبي وجيه فالكفاف من الكف والتكفف مقدار الحاجة من غير زيادة ولا نقصان، فالقرطبي أخذ المعنى من الكف، لا من الكفاية.
(فالمستكثر والمستقل) أي الآخذ كثيرا، والآخذ قليلا، وفي رواية "فمستكثر ومستقل" بدون الألف واللام، وفي رواية "فمن بين مستكثر ومستقل وبين ذلك".
(وأرى سببا واصلا من السماء إلى الأرض) السبب الحبل.
(فأراك أخذت به، فعلوت) أي فرأيتك أمسكت به، فصعدت إلى أعلى وفي رواية "فأعلاك الله".
(ثم أخذ به رجل من بعدك) في رواية "ثم أخذه رجل من بعد"
стр. 5004
(ثم أخذ به رجل آخر فانقطع به) في رواية "فانقطع" وفي رواية "ثم جاء رجل من بعدكم فأخذ به، فقطع به".
(ثم وصل له، فعلا) في رواية "ثم وصل له فاتصل".
(بأبي أنت) زاد في رواية "وأمي".
(والله لتدعني) بتشديد النون، وفتح العين، مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، وفي رواية "ائذن لي"
(فلأعبرنها) بالتأكيد باللام والنون، وفي رواية البخاري "فأعبرها" يقال: عبر الرؤيا بفتح الباء مخففة ويعبرها بضم الباء عبرا بفتح العين وسكون الباء وعبارة إذا فسرها وأخبر بما يئول إليه أمرها، وعبرها بتشديد الباء للمبالغة في ذلك والتعبير خاص بتفسير الرؤيا وهو العبور من ظاهرها إلى باطنها وقيل: النظر في الشيء فيعتبر بعضه ببعض حتى يحصل على فهمه، وأصله من العبر بفتح العين وسكون الباء، وهو التجاوز من حال إلى حال، وخصوا تجاوز الماء بسباحة أو بسفينة أو غيرها بلفظ العبور بضم العين والباء، والاعتبار والعبرة الحالة التي يتوصل بها من معرفة المشاهد إلى ما ليس بمشاهد.
(اعبرها) بضم الباء، فعل أمر من الثلاثي وعند ابن ماجه "عبرها" بتشديد الباء المكسورة، وفي رواية "فأذن له" زاد في رواية "وكان من أعبر الناس للرؤيا بعد رسول الله ﷺ "
(أما الظلة فظلة الإسلام) في رواية للبخاري "أما الظلة فالإسلام".
(وأما الذي ينطف من السمن والعسل فالقرآن، حلاوته ولينه) وفي رواية للبخاري "فالقرآن، حلاوته تنطف" وفي رواية "وأما العسل والسمن فالقرآن، في حلاوة العسل ولين السمن".
(وأما ما يتكفف الناس من ذلك، فالمستكثر من القرآن والمستقل) وفي رواية "فالآخذ من القرآن كثيرا وقليلا" وفي رواية "فهم حملة القرآن".
(ثم يأخذ به رجل من بعدك فيعلو به) زاد في رواية "رجل من بعدك على مناهجك"
(أصبت؟ أم أخطأت؟ ) في رواية "هل أصبت يا رسول الله؟ أو أخطأت؟ .
(أصبت بعضا، وأخطأت بعضا) في رواية "أصبت وأخطأت".
(فوالله - يا رسول الله - لتحدثني: ما الذي أخطأت؟ قال: لا تقسم) عائد الصلة محذوف، أي ما الذي أخطأت فيه؟ وفي رواية "ما الذي أصبت؟ وما الذي أخطأت؟ فأبى أن يخبره" وفي رواية "لتحدثني بالذي أخطأت" وفي رواية "لتخبرني بالذي أصبت من الذي أخطأت" قال الداودي: قوله "لا تقسم" أي لا تكرر يمينك، فإني لا أخبرك اهـ. وقد أطنب العلماء في تعيين ما أصاب فيه، وما أخطأ فيه، وسنعرض أقوالهم في فقه الحديث.
(من رأى منكم رؤيا، فليقصها، أعبرها له) "فليقصها" الفعل مجزوم بلام الأمر وحرك بالفتح لالتقاء الساكنين، وفعل "أعبرها" بضم الباء، وسكون الراء مجزوم في جواب الأمر.
стр. 5005
(فأتينا برطب من رطب ابن طاب) قال النووي: نوع من الرطب معروف، يقال له: رطب ابن طاب وتمر ابن طاب، وعذق ابن طاب، وعرجون ابن طاب وهو مضاف إلى ابن طاب رجل من أهل المدينة.
(فأولت الرفعة لنا في الدنيا، والعاقبة في الآخرة) مفعول "أولت" بتشديد الواو المفتوحة محذوف أي أولت الرؤيا وعبرتها بالرفعة للمسلمين في الدنيا.
(وأن ديننا قد طاب) أي كمل، واستقرت أحكامه، وتمهدت قواعده.
(أراني في المنام) بفتح الهمزة من الرؤيا، أي رأيت نفسي في المنام وفي رواية البخاري "أراني أتسوك بسواك، فجاءني رجلان" وعند أبي داود عن عائشة ﵂ "كان رسول الله ﷺ يستن وعنده رجلان، فأوحي إليه أن أعط السواك الأكبر" وهذا يقتضي أن تكون القضية وقعت في اليقظة، وجمع العلماء بين روايتنا ورواية أبي داود باحتمال أن القضية وقعت في المنام، ووقعت في اليقظة، ولما وقعت في اليقظة أخبرهم ﷺ بما رآه في النوم، تنبيها على أن أمره بذلك وحي متقدم.
(فجذبني رجلان أحدهما أكبر من الآخر، فناولت السواك الأصغر منهما) أي جذب انتباهي، ورغبتي في إعطاء السواك أحدهما أولا، كل منهما له وجه في استحقاق التقديم، ولعل الأصغر سنا كان أعلم من الأكبر، أو أفضل في التقوى وكانا في المواجهة مثلا أما لو كان أحدهما على اليمين والآخر على الشمال فقد قال المهلب: السنة حينئذ تقديم الأيمن.
(فقيل لي: كبر. فدفعته إلى الأكبر) في رواية لأحمد أن القائل له جبريل ﵇، ولفظها "إن جبريل أمرني أن أكبر" ولفظ الطبراني "أمرني جبريل أن أكبر" فمعنى "فناولت السواك الأصغر منهما" أي مددت يدي بالسواك ولم يتسلمه المعطى، ففيه مجاز المشارفة، أي قاربت مناولته ومعنى "كبر" بفتح الكاف وتشديد الباء المكسورة، أي اقصد الكبير سنا وقدمه.
(فذهب وهلى) قال ابن التين: رويناه بفتح الهاء، والذي ذكره أهل اللغة بسكونها، وقال النووي: يقال: وهل بفتح الهاء، يهل بكسرها، وهلا بسكونها، مثل ضرب يضرب ضربا، أي غلط وذهب وهمه إلى خلاف الصواب، وأما وهلت بكسرها، أوهل بسكون الواو وفتح الهاء، وهلا بالتحريك كحذرت أحذر حذرا، فمعناه فزعت، والمعنى هنا ذهبت وهمي وظني واعتقادي.
(إلى أنها اليمامة أو هجر) في رواية للبخاري "أو الهجر" واليمامة مدينة كبيرة بين مكة والمدينة، و"هجر" بلد كبير معروف في البحرين وهي من مساكن عبد القيس وقد سبقوا غيرهم من القرى إلى الإسلام وقيل: هجر قرية صغيرة كانت قرب المدينة ورد بأن المناسب أن يهاجر إليه لا بد وأن يكون بلدا كبيرا كثير الأهل.
(فإذا هي المدينة "يثرب") قال الحافظ ابن حجر: كان ذلك قبل أن يسميها ﷺ طيبة.
(أني هززت سيفا فانقطع صدره، فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد) وفي
стр. 5006
رواية للبخاري "هززت سيفي" وفي رواية عند ابن إسحاق "ورأيت سيفي ذي الفقار انقصم من عند ظبته - أو قال: به فلول، فكرهته" وفي أخرى عند ابن إسحاق "ورأيت في ذباب سيفي ثلما" وصدر كل شيء مقدمه، وظبة السيف بضم الظاء وتشديد الباء، حده وذبابه حد طرفيه، والثلم الشق وكسر الحرف، قال المهلب: هذه الرؤيا من ضرب المثل، ولما كان ﷺ يصول بالصحابة عبر عن السيف بهم، وبهزه عن أمره لهم بالحرب، وعن القطع فيه بالقتل فيهم. اهـ. وقيل: كان الذي رآه بسيفه ما أصاب وجهه الكريم، والثلم في السيف رجل من أهل بيته يقتل، ويبعده صريح روايتنا، وأن ما رآه بسيفه هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد.
(ثم هزرته أخرى، فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع المؤمنين) فعودة السيف إلى حالته الحسنة تعبر بفتح مكة ونصر الله واجتماع الناس على الإسلام.
(ورأيت فيها أيضا) أي في الرؤيا نفسها.
(بقرا) بفتح الباء والقاف، جمع بقرة، وفي رواية "بقرا تذبح" وفي رواية "بقرا تنحر" وعند أحمد والنسائي وابن سعد "ورأيت بقرا منحرة" قال النووي: وبهذه الزيادة "تذبح" "تنحر" "منحرة" يتم تأويل الرؤيا بما ذكر فنحر البقر هو قتل الصحابة ﵃ الذين قتلوا بأحد.
(والله خير) مبتدأ وخبر، قال القاضي: ضبطناه عن جميع الرواة برفع الهاء والراء وهو من جملة ما حكي من الرؤيا، فهي كلمة ألقيت إليه وسمعها في الرؤيا، عند رؤيا البقر، بدليل تأويلها بعد، وفيه مضاف محذوف أي وصنع الله وفعله خير على كل حال، فصنعه بالمقتولين خير لهم من بقائهم في الدنيا، وقيل: معناه: والله عنده خير وعند ابن إسحاق "وإني رأيت والله خيرا رأيت بقرا" وهي أوضح، والواو للقسم، "والله" بالجر مقسم به "وخيرا" مفعول "رأيت" وفي رواية "تأولت البقر الذي رأيت بقرا يكون فينا، قال: فكان ذلك من أصيب من المسلمين" فقوله "بقرا" بفتح الباء وسكون القاف، وهو شق البطن.
(وإذا الخير ما جاء الله به من الخير بعد، وثواب الصدق الذي آتانا الله بعد يوم بدر) قال القاضي عياض: ضبطنا "بعد يوم بدر" بضم الدال ونصب "يوم" قال: وروي بنصب الدال، قالوا: ومعناه ما جاء الله به بعد بدر الثانية من تثبيت قلوب المؤمنين، لأن الناس جمعوا لهم وخوفوهم فزادهم ذلك إيمانا، وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء، وتفرق العدو عنهم، هيبة لهم، اهـ يشير القاضي إلى أن المراد بالخير في الحديث إلقاء الرعب في قلب مشركي مكة، وعدم خروجهم في العام القابل بعد بدر، كما هددوا وتوعدوا في بدر، وتثبيت قلوب المؤمنين، وعودتهم من الغزوة لم يمسسهم سوء، وتفسير الآية بهذا شذ به مجاهد وعكرمة رحمهما الله تعالى: إذ قالا: إنما الآية نزلت في خروج النبي ﷺ إلى بدر الصغرى، وذلك أنه خرج لميعاد أبي سفيان، إذ قال: - بعد هزيمته في بدر الكبرى - موعدنا بدر من العام المقبل، فقال النبي ﷺ : قولوا: نعم فلما جاء الموعد خرج ﷺ قبل بدر، وجاءهم من يقول: إن قريشا قد اجتمعت لحربهم، فأشفق المسلمون من ذلك، لكنهم قالوا حسبنا الله ونعم الوكيل، فصمموا حتى أتوا بدرا، فلم يجدوا أحدا فاشتروا من سوقها تجارة ونعما.
стр. 5007
وجمهور المفسرين على أن الآية تشير إلى غزوة حمراء الأسد، وذلك أنه عقب انتهاء غزوة أحد، وفي اليوم الثاني منها نادى رسول الله ﷺ في الناس باتباع المشركين، ليعلموا أن بالمسلمين قوة، وقال: لا يخرج معنا إلا من شهدها بالأمس، فنهض معه مائتا رجل من المؤمنين، ربما كان فيهم المثقل بالجراح لا يستطيع المشي ولا يجد مركوبا فربما حمل على الأعناق، فلما وصلوا حمراء الأسد بلغهم أن كفار قريش قد أجمعوا أمرهم على أن يأتوا المدينة، فيستأصلوا أهلها، فقالوا: لم يخبرنا الله بشأنهم، حسبنا الله ونعم الوكيل، وشاء الله أن يذهب إلى كفار قريش من يثقون فيه وليس منهم، فيخبرهم - خداعا - أن محمدا وأصحابه بحمراء الأسد في جيش عظيم، سيكر عليهم، فخاف أبو سفيان ومن معه، وقذف الله في قلوبهم الرعب، فأسرعوا إلى مكة، ورجع الرسول ﷺ وأصحابه إلى المدينة.
وهذا التفسير أولى في مقامنا، لأن الخير الذي فسر في الرؤيا كان بعد ذبح البقر، ولا يتأتى هذا على التفسير الأول، وقوله في حديثنا "بعد يوم بدر" لا يتعارض مع ما ذهبنا إليه، فما بعد أحد هو بعد بدر.
والحاصل أن رؤياه ﷺ اشتملت على قصتين، قصة هز السيف وما وقع به من فلول وكسور، وفسرت بابتلاء المسلمين في أحد، وعودة السيف سليما مشهورا بنصر الإسلام وعزته فيما بعد أحد، وعلى رأس هذا النصر فتح مكة، ودخول الناس في دين الله أفواجا، القصة الثانية البقر الذي يذبح، وفسر بشهداء المسلمين في أحد، والخير الذي يعقبه، وفسر باستعادة الثقة والأمن بعد أحد، ابتداء من غزوة حمراء الأسد.
(قدم مسيلمة الكذاب - على عهد النبي ﷺ المدينة) "مسيلمة" بكسر اللام، مصغر، وهو ابن ثمامة بن كبير بن حبيب بن الحارث، من بني حنيفة، وادعى بعضهم أن مسيلمة لقب، واسمه ثمامة، فإن صح كان ممن وافقت كنيته اسمه، فقد كانت كنيته أبا ثمامة، وقد ذكر ابن إسحاق أن مسيلمة قدم مع وفد قومه، وأنهم تركوه في رحالهم يحفظها لهم، وذكروه لرسول الله ﷺ ، وأخذوا منه جائزته. اهـ. فهذا القدوم - إن صحت روايته، وهي ضعيفة - غير القدوم الذي في روايتنا، فالقدوم الأول كان تابعا، وكان رئيس بني حنيفة رجلا غيره، ولهذا أقام في رحالة الوفد يحفظها لهم، وأسلم مع وفد قومه - وكانوا يسكنون اليمامة، بين مكة واليمن، أما القدوم الذي في روايتنا فالمراد به قدوم وقع بعد ردته وكذبه وادعائه النبوة فبين القدومين أكثر من عام، عظم فيه قدره في بني حنيفة، بعد أن تزوج "سجاح" وهي امرأة من بني تميم ادعت النبوة أيضا وتبعها كثيرون من قومها، فخادعها مسيلمة إلى أن تزوجها، فدان له أتباعها من قومها واجتمعوا على طاعته حتى كان يقال له رحمان اليمامة، فادعى شركة محمد ﷺ في النبوة، وكتب إليه "أما بعد" فإن الأرض بيني وبينك نصفين، لي نصفها، ولك نصفها، فكتب إليه النبي ﷺ "أما بعد" فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، فعدل من دعواه الشركة إلى الدعوة إلى أن يكون الخليفة من بعده ﷺ وجاء المدينة، لعله يحظى بالموافقة.
وفي رواية للبخاري "أن مسيلمة الكذاب قدم المدينة، فنزل في دار بنت الحارث - وكانت تحته بنت الحارث بن كريز، وهي أم عبد الله بن عامر فأتاه رسول الله ﷺ ومعه ثابت بن قيس .. ".
стр. 5008
قال الحافظ ابن حجر: الصواب: وهي أم أولاد عبد الله بن عامر، لأنها زوجته، لا أمه، نعم كان لعبد الله بن عامر ولد، يدعى عبد الله، فهي أم عبد الله بن عامر، وكانت كيسة بنت الحارث قبل عبد الله بن عامر تحت مسيلمة الكذاب، فلعله نزل دارها لكونها كانت امرأته، وقيل نزل دارها، لأن دارها كانت قد أعدت لنزول الوفود.
(فجعل يقول: إن جعل لي محمد الأمر من بعده تبعته) أي رجعت إلى متابعته، والمراد من الأمر الخلافة والقيام بمهام الرسالة.
(فقدمها في بشر كثير من قومه) قيل كانوا سبعة عشر رجلا.
(فأقبل إليه النبي ﷺ يعامله معاملة الكرم، على عادته ﷺ في الاستئلاف وتوجه إليه بنفسه ليقيم عليه الحجة، ويرفع عذره بإنذاره.
(ومعه ثابت بن قيس بن شماس) لأنه كان خطيب الأنصار، وكان النبي ﷺ قد أعطي جوامع الكلم، فإذا دعت الضرورة الشرح والإطالة ترك ثابتا يشرح.
(وفي يد النبي ﷺ قطعة جريد) كعصاة صغيرة، ولعله أخذها متعمدا ليقول عنها ما قال.
(حتى وقف على مسيلمة في أصحابه) أي في أصحاب مسيلمة، يقال: وقف على الشيء إذا حضره وعاينه.
(قال: لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها) قال هذا جوابا على سؤال مسيلمة أن يجعل له الأمر من بعده، والمعنى لو طلبت مني هذه القطعة الصغيرة التافهة من جريد النخيل، مقابل أن تتبعني ما أعطيتكها، ففي رواية البخاري "فوقف عليه، فكلمه، فقال له مسيلمة: إن شئت خلينا بينك وبين الأمر، ثم جعلته لنا من بعدك؟ فقال النبي ﷺ : لو سألتني هذا القضيب ما أعطيتكه".
(ولن أتعدى أمر الله فيك) قال النووي: كذا وقع في جميع نسخ مسلم، ووقع في البخاري "ولن تعدو أمر الله فيك" قال القاضي: هما صحيحان، فمعنى الأول: لن أعدو أنا أمر الله فيك، بل إني لا أجيبك إلى ما طلبته، مما لا ينبغي لك، من الاستخلاف أو المشاركة، ومن أني أبلغ ما أنزل إلي، وأدفع أمرك بالتي هي أحسن، ومعنى الثاني: ولن تعدو أنت أمر الله في خيبتك فيما أملته من النبوة، وهلاكك دون ذلك، أو فيما سبق من قضاء الله تعالى، وقدره في شقاوتك، قال الحافظ ابن حجر: وفي رواية "ولن تعد" بالجزم، وهو لغة، أي الجزم بلن.
(ولئن أدبرت ليعقرنك الله) أي إن أدبرت عن طاعتي وأعرضت عن ديني، ليقتلنك الله، والعقر القتل، و ﴿فعقروا الناقة﴾ [الأعراف: ٧٧] قتلوها. وقد قتله الله يوم اليمامة.
(وإني لأراك الذي أريت فيك ما أريت) "لأراك" بضم الهمزة، أي لأظنك، و"أريت فيك ما أريت" بضم الهمزة أيضا، مبني للمجهول، من رؤيا المنام والمعنى وإني لأظن أنه سيقع بك الهلاك الهائل العظيم الذي أرانيه الله تعالى عنك في المنام و"ما" في قوله "ما أريت" للتهويل والتفخيم، كما في قوله تعالى ﴿فغشيهم من اليم ما غشيهم﴾ [طه: ٧٨].
стр. 5009
(وهذا ثابت يجيبك عني) إن أردت الجدل والنقاش فهو خطيبي الذي أفوضه في إجابة الوفود عن خطبهم وتشدقهم.
(بينا أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب) في الرواية الثالثة والعشرين "فوضع في يدي إسوارين من ذهب" والسوار بكسر السين، ويجوز ضمها، حلقة تلبس في المعصم للحلية، وجمعه أسورة، وجمع الجمع أساور، وأساورة، بفتح الهمزة وكسر الواو، والإسوار بكسر الهمزة وسكون السين لغة في السوار، وفي الرواية الثالثة والعشرين "فوضع في يدي إسواران" قال عنها النووي: وقع في جميع النسخ "فوضع في يدي إسوارين" فيكون "وضع" بفتح الواو والضاد، وفيه ضمير الفاعل، أي وضع الآتي بخزائن الأرض في يدي إسوارين، فهذا هو الصواب، وضبطه بعضهم "فوضع" بضم الواو، وهو ضعيف، لنصب "إسوارين" وإن كان يتخرج على وجه ضعيف، وقوله "يدي" هو بتشديد الياء على التثنية، وفي الرواية الثالثة والعشرين "بينا أنا نائم أتيت خزائن الأرض" قال النووي: وفي بعض النسخ "أتيت بخزائن الأرض" وفي غير مسلم "مفاتيح خزائن الأرض" قال العلماء: هذا محمول على سلطانها وملكها وفتح بلادها، وأخذ خزائن أموالها، وقد وقع ذلك كله ولله الحمد.
(فأهمني شأنهما) وفي الرواية الثالثة والعشرين "فكبرا علي، وأهماني" وفي رواية للبخاري "فكبر علي" أي عظم أمرهما ووضعهما في يدي، وأدخلا في نفسي حزنا وهما، لكون الذهب من حلية النساء ومن حلي ملوك الكفار.
(فأوحي إلي في المنام أن انفخهما، فنفختهما فطارا) قال النووي: والنفخ بالخاء، ونفخه ﷺ إياهما فطارا، دليل لانمحاقهما، واضمحلال أمرهما، اهـ وفي رواية "فذهبا" زاد في رواية "فوقع واحد باليمامة، والآخر باليمن" وفي نفخهما إشارة إلى حقارة أمرهما، لأن شأن الذي ينفخ فيذهب بالنفخ أن يكون في غاية الحقارة، نعم كان أمرهما وحربهما في غاية الشدة لكن الحقارة المعنوية قائمة بهما.
قال العلماء: والوحي إليه ﷺ بنفخهما يحتمل أن يكون من وحي الإلهام أو على لسان الملك والله أعلم.
(فأولتهما كذابين يخرجان من بعدي) قال القاضي عياض: لما كان رؤيا السوارين في اليدين جميعا من الجهتين، وكان النبي ﷺ حينئذ بينهما، أول السوارين عليهما، لوضعهما في غير موضعهما، لأنه ليس من حلية الرجال، وكذلك الكذاب يضع الخبر في غير موضعه. اهـ.
وقال القرطبي: مناسبة هذا التأويل لهذه الرؤيا أن أهل صنعاء وأهل اليمامة كانوا أسلموا فكانوا كالساعدين للإسلام فلما ظهر فيهما الكذابان وبهرجا على أهلهما بزخرف أقوالهما ودعواهما الباطلة انخدع أكثرهم بذلك فكان اليدان بمنزلة البلدين، والسوارن بمنزلة الكذابين. اهـ.
فالأسواد العنسي ظهر في صنعاء، وادعى النبوة، وعظمت شوكته، وحارب المسلمين، وفتك بهم، وغلب على البلد، وآل أمره إلى أن قتل في حياة النبي ﷺ ، ومسيلمة ادعى النبوة في حياة النبي ﷺ وإن لم تعظم شوكته، ولم تقع محاربته إلا في عهد أبي بكر، وأجيب عن هذا الإشكال بجوابين: الأول
стр. 5010
أن المراد بخروجهما من بعده قوة شوكتهما وظهورهما وخروجهما ومحاربتهما للمسلمين، وقد حصل هذا من بعده لمسيلمة، وأضيف لهما على سبيل التغليب، والثاني أن في الكلام مضافا محذوفا، والأصل بعد نبوتي، والأول أقرب، وفي الرواية الثالثة والعشرين "الكذابين اللذين أنا بينهما" مما يفيد أنهما حين قص الرؤيا كانا موجودين، وهو كذلك.
قال ابن العربي: يحتمل أن يكون ما تأوله النبي ﷺ في السوارين بوحي، ويحتمل أن يكون ﷺ قد تفاءل بذلك دفعا لحالهما، فأخرج المنام المذكور عليهما، لأن الرؤيا إذ عبرت وقعت كما عبرت غالبا. والله أعلم.
(فكان أحدهما العنسي، صاحب صنعاء) "العنسي" بسكون النون، وحكى ابن التين جواز فتحها، والأسود العنسي اسمه عبهلة بن كعب، وكان يقال له: ذو الخمار، بالخاء، لأنه كان يخمر وجهه، وقيل: هو اسم شيطانه، وقيل: كان يقال له: ذو الحمار بالحاء، لأنه كان له حمار، علمه أن يسجد له، وكان يصحبه كمظهر من مظاهر معجزته، وكان الأسود خرج بصنعاء وادعى النبوة، وغلب على عامل صنعاء، المهاجر بن أمية، وروى البيهقي في الدلائل "كان باذان عامل النبي ﷺ بصنعاء، فمات، فخرج الأسود في قومه، حتى ملك صنعاء، وتزوج المرزبانة، زوجة باذان، فواعدت فيروز وأصحابه، حتى دخلوا على الأسود ليلا، وقد سقته المرزبانة الخمر صرفا، حتى سكر، وكان على بابه ألف حارس، فنقب فيروز ومن معه الجدار، حتى وصلوا إليه فقتله فيروز، واحتز رأسه، وأخرجوا المرأة وما أحبوا من متاع البيت، وأرسلوا الخبر إلى المدينة، وكان ذلك عند وفاة النبي ﷺ ، قيل: كان قبل وفاته ﷺ بيوم وليلة، فأتاه الوحي، فأخبره، ثم جاء الخبر إلى أبي بكر ﵁، وقيل: وصل الخبر بذلك صبيحة دفن النبي ﷺ .
(كان النبي ﷺ إذا صلى الصبح أقبل علينا بوجهه) أي بعد انصرافه من الصلاة بالسلام، وبعد التسبيح والتحميد والتكبير، وهذا الأسلوب يفيد العادة والاستمرار، لأن "إذا" لما يستقبل من الزمان، والجمع بين الماضي والاستقبال يفيد العادة والكثرة، ومنه قولهم: كان يفعل كذا، وفي رواية للبخاري "كان رسول الله ﷺ يعني مما يكثر أن يقول لأصحابه".
(هل رأى أحد منكم البارحة رؤيا) "البارحة" صفة لموصوف محذوف، تقديره: الليلة البارحة أي الماضية، وإن كان قبل الزوال، وقال ثعلب وغيره: لا يقال "البارحة" إلا بعد الزوال، وهذا الحديث يرده لأن رسول الله ﷺ يقول "البارحة" إذا صلى الصبح، أي قبل الزوال قال النووي: ويحتمل أنهم أرادوا أن هذا حقيقته، ويطلق قبل الزوال مجازا زاد البخاري في رواية "قال: فيقص عليه ما شاء الله أن يقص" بضم الياء وفتح القاف.
-[فقه الحديث]-
في حقيقة الرؤيا أقوال للعلماء منها:
قال القاضي أبو بكر بن العربي: الرؤيا إدراكات، علقها الله تعالى في قلب العبد على يدي ملك
следующие страницы →