← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 5006–5045 · переход к 5011.

стр. 5006

رواية للبخاري "هززت سيفي" وفي رواية عند ابن إسحاق "ورأيت سيفي ذي الفقار انقصم من عند ظبته - أو قال: به فلول، فكرهته" وفي أخرى عند ابن إسحاق "ورأيت في ذباب سيفي ثلما" وصدر كل شيء مقدمه، وظبة السيف بضم الظاء وتشديد الباء، حده وذبابه حد طرفيه، والثلم الشق وكسر الحرف، قال المهلب: هذه الرؤيا من ضرب المثل، ولما كان ﷺ يصول بالصحابة عبر عن السيف بهم، وبهزه عن أمره لهم بالحرب، وعن القطع فيه بالقتل فيهم. اهـ. وقيل: كان الذي رآه بسيفه ما أصاب وجهه الكريم، والثلم في السيف رجل من أهل بيته يقتل، ويبعده صريح روايتنا، وأن ما رآه بسيفه هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد. (ثم هزرته أخرى، فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع المؤمنين) فعودة السيف إلى حالته الحسنة تعبر بفتح مكة ونصر الله واجتماع الناس على الإسلام. (ورأيت فيها أيضا) أي في الرؤيا نفسها. (بقرا) بفتح الباء والقاف، جمع بقرة، وفي رواية "بقرا تذبح" وفي رواية "بقرا تنحر" وعند أحمد والنسائي وابن سعد "ورأيت بقرا منحرة" قال النووي: وبهذه الزيادة "تذبح" "تنحر" "منحرة" يتم تأويل الرؤيا بما ذكر فنحر البقر هو قتل الصحابة ﵃ الذين قتلوا بأحد. (والله خير) مبتدأ وخبر، قال القاضي: ضبطناه عن جميع الرواة برفع الهاء والراء وهو من جملة ما حكي من الرؤيا، فهي كلمة ألقيت إليه وسمعها في الرؤيا، عند رؤيا البقر، بدليل تأويلها بعد، وفيه مضاف محذوف أي وصنع الله وفعله خير على كل حال، فصنعه بالمقتولين خير لهم من بقائهم في الدنيا، وقيل: معناه: والله عنده خير وعند ابن إسحاق "وإني رأيت والله خيرا رأيت بقرا" وهي أوضح، والواو للقسم، "والله" بالجر مقسم به "وخيرا" مفعول "رأيت" وفي رواية "تأولت البقر الذي رأيت بقرا يكون فينا، قال: فكان ذلك من أصيب من المسلمين" فقوله "بقرا" بفتح الباء وسكون القاف، وهو شق البطن. (وإذا الخير ما جاء الله به من الخير بعد، وثواب الصدق الذي آتانا الله بعد يوم بدر) قال القاضي عياض: ضبطنا "بعد يوم بدر" بضم الدال ونصب "يوم" قال: وروي بنصب الدال، قالوا: ومعناه ما جاء الله به بعد بدر الثانية من تثبيت قلوب المؤمنين، لأن الناس جمعوا لهم وخوفوهم فزادهم ذلك إيمانا، وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء، وتفرق العدو عنهم، هيبة لهم، اهـ يشير القاضي إلى أن المراد بالخير في الحديث إلقاء الرعب في قلب مشركي مكة، وعدم خروجهم في العام القابل بعد بدر، كما هددوا وتوعدوا في بدر، وتثبيت قلوب المؤمنين، وعودتهم من الغزوة لم يمسسهم سوء، وتفسير الآية بهذا شذ به مجاهد وعكرمة رحمهما الله تعالى: إذ قالا: إنما الآية نزلت في خروج النبي ﷺ إلى بدر الصغرى، وذلك أنه خرج لميعاد أبي سفيان، إذ قال: - بعد هزيمته في بدر الكبرى - موعدنا بدر من العام المقبل، فقال النبي ﷺ : قولوا: نعم فلما جاء الموعد خرج ﷺ قبل بدر، وجاءهم من يقول: إن قريشا قد اجتمعت لحربهم، فأشفق المسلمون من ذلك، لكنهم قالوا حسبنا الله ونعم الوكيل، فصمموا حتى أتوا بدرا، فلم يجدوا أحدا فاشتروا من سوقها تجارة ونعما.

стр. 5007

وجمهور المفسرين على أن الآية تشير إلى غزوة حمراء الأسد، وذلك أنه عقب انتهاء غزوة أحد، وفي اليوم الثاني منها نادى رسول الله ﷺ في الناس باتباع المشركين، ليعلموا أن بالمسلمين قوة، وقال: لا يخرج معنا إلا من شهدها بالأمس، فنهض معه مائتا رجل من المؤمنين، ربما كان فيهم المثقل بالجراح لا يستطيع المشي ولا يجد مركوبا فربما حمل على الأعناق، فلما وصلوا حمراء الأسد بلغهم أن كفار قريش قد أجمعوا أمرهم على أن يأتوا المدينة، فيستأصلوا أهلها، فقالوا: لم يخبرنا الله بشأنهم، حسبنا الله ونعم الوكيل، وشاء الله أن يذهب إلى كفار قريش من يثقون فيه وليس منهم، فيخبرهم - خداعا - أن محمدا وأصحابه بحمراء الأسد في جيش عظيم، سيكر عليهم، فخاف أبو سفيان ومن معه، وقذف الله في قلوبهم الرعب، فأسرعوا إلى مكة، ورجع الرسول ﷺ وأصحابه إلى المدينة. وهذا التفسير أولى في مقامنا، لأن الخير الذي فسر في الرؤيا كان بعد ذبح البقر، ولا يتأتى هذا على التفسير الأول، وقوله في حديثنا "بعد يوم بدر" لا يتعارض مع ما ذهبنا إليه، فما بعد أحد هو بعد بدر. والحاصل أن رؤياه ﷺ اشتملت على قصتين، قصة هز السيف وما وقع به من فلول وكسور، وفسرت بابتلاء المسلمين في أحد، وعودة السيف سليما مشهورا بنصر الإسلام وعزته فيما بعد أحد، وعلى رأس هذا النصر فتح مكة، ودخول الناس في دين الله أفواجا، القصة الثانية البقر الذي يذبح، وفسر بشهداء المسلمين في أحد، والخير الذي يعقبه، وفسر باستعادة الثقة والأمن بعد أحد، ابتداء من غزوة حمراء الأسد. (قدم مسيلمة الكذاب - على عهد النبي ﷺ المدينة) "مسيلمة" بكسر اللام، مصغر، وهو ابن ثمامة بن كبير بن حبيب بن الحارث، من بني حنيفة، وادعى بعضهم أن مسيلمة لقب، واسمه ثمامة، فإن صح كان ممن وافقت كنيته اسمه، فقد كانت كنيته أبا ثمامة، وقد ذكر ابن إسحاق أن مسيلمة قدم مع وفد قومه، وأنهم تركوه في رحالهم يحفظها لهم، وذكروه لرسول الله ﷺ ، وأخذوا منه جائزته. اهـ. فهذا القدوم - إن صحت روايته، وهي ضعيفة - غير القدوم الذي في روايتنا، فالقدوم الأول كان تابعا، وكان رئيس بني حنيفة رجلا غيره، ولهذا أقام في رحالة الوفد يحفظها لهم، وأسلم مع وفد قومه - وكانوا يسكنون اليمامة، بين مكة واليمن، أما القدوم الذي في روايتنا فالمراد به قدوم وقع بعد ردته وكذبه وادعائه النبوة فبين القدومين أكثر من عام، عظم فيه قدره في بني حنيفة، بعد أن تزوج "سجاح" وهي امرأة من بني تميم ادعت النبوة أيضا وتبعها كثيرون من قومها، فخادعها مسيلمة إلى أن تزوجها، فدان له أتباعها من قومها واجتمعوا على طاعته حتى كان يقال له رحمان اليمامة، فادعى شركة محمد ﷺ في النبوة، وكتب إليه "أما بعد" فإن الأرض بيني وبينك نصفين، لي نصفها، ولك نصفها، فكتب إليه النبي ﷺ "أما بعد" فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، فعدل من دعواه الشركة إلى الدعوة إلى أن يكون الخليفة من بعده ﷺ وجاء المدينة، لعله يحظى بالموافقة. وفي رواية للبخاري "أن مسيلمة الكذاب قدم المدينة، فنزل في دار بنت الحارث - وكانت تحته بنت الحارث بن كريز، وهي أم عبد الله بن عامر فأتاه رسول الله ﷺ ومعه ثابت بن قيس .. ".

стр. 5008

قال الحافظ ابن حجر: الصواب: وهي أم أولاد عبد الله بن عامر، لأنها زوجته، لا أمه، نعم كان لعبد الله بن عامر ولد، يدعى عبد الله، فهي أم عبد الله بن عامر، وكانت كيسة بنت الحارث قبل عبد الله بن عامر تحت مسيلمة الكذاب، فلعله نزل دارها لكونها كانت امرأته، وقيل نزل دارها، لأن دارها كانت قد أعدت لنزول الوفود. (فجعل يقول: إن جعل لي محمد الأمر من بعده تبعته) أي رجعت إلى متابعته، والمراد من الأمر الخلافة والقيام بمهام الرسالة. (فقدمها في بشر كثير من قومه) قيل كانوا سبعة عشر رجلا. (فأقبل إليه النبي ﷺ يعامله معاملة الكرم، على عادته ﷺ في الاستئلاف وتوجه إليه بنفسه ليقيم عليه الحجة، ويرفع عذره بإنذاره. (ومعه ثابت بن قيس بن شماس) لأنه كان خطيب الأنصار، وكان النبي ﷺ قد أعطي جوامع الكلم، فإذا دعت الضرورة الشرح والإطالة ترك ثابتا يشرح. (وفي يد النبي ﷺ قطعة جريد) كعصاة صغيرة، ولعله أخذها متعمدا ليقول عنها ما قال. (حتى وقف على مسيلمة في أصحابه) أي في أصحاب مسيلمة، يقال: وقف على الشيء إذا حضره وعاينه. (قال: لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها) قال هذا جوابا على سؤال مسيلمة أن يجعل له الأمر من بعده، والمعنى لو طلبت مني هذه القطعة الصغيرة التافهة من جريد النخيل، مقابل أن تتبعني ما أعطيتكها، ففي رواية البخاري "فوقف عليه، فكلمه، فقال له مسيلمة: إن شئت خلينا بينك وبين الأمر، ثم جعلته لنا من بعدك؟ فقال النبي ﷺ : لو سألتني هذا القضيب ما أعطيتكه". (ولن أتعدى أمر الله فيك) قال النووي: كذا وقع في جميع نسخ مسلم، ووقع في البخاري "ولن تعدو أمر الله فيك" قال القاضي: هما صحيحان، فمعنى الأول: لن أعدو أنا أمر الله فيك، بل إني لا أجيبك إلى ما طلبته، مما لا ينبغي لك، من الاستخلاف أو المشاركة، ومن أني أبلغ ما أنزل إلي، وأدفع أمرك بالتي هي أحسن، ومعنى الثاني: ولن تعدو أنت أمر الله في خيبتك فيما أملته من النبوة، وهلاكك دون ذلك، أو فيما سبق من قضاء الله تعالى، وقدره في شقاوتك، قال الحافظ ابن حجر: وفي رواية "ولن تعد" بالجزم، وهو لغة، أي الجزم بلن. (ولئن أدبرت ليعقرنك الله) أي إن أدبرت عن طاعتي وأعرضت عن ديني، ليقتلنك الله، والعقر القتل، و ﴿فعقروا الناقة﴾ [الأعراف: ٧٧] قتلوها. وقد قتله الله يوم اليمامة. (وإني لأراك الذي أريت فيك ما أريت) "لأراك" بضم الهمزة، أي لأظنك، و"أريت فيك ما أريت" بضم الهمزة أيضا، مبني للمجهول، من رؤيا المنام والمعنى وإني لأظن أنه سيقع بك الهلاك الهائل العظيم الذي أرانيه الله تعالى عنك في المنام و"ما" في قوله "ما أريت" للتهويل والتفخيم، كما في قوله تعالى ﴿فغشيهم من اليم ما غشيهم﴾ [طه: ٧٨].

стр. 5009

(وهذا ثابت يجيبك عني) إن أردت الجدل والنقاش فهو خطيبي الذي أفوضه في إجابة الوفود عن خطبهم وتشدقهم. (بينا أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب) في الرواية الثالثة والعشرين "فوضع في يدي إسوارين من ذهب" والسوار بكسر السين، ويجوز ضمها، حلقة تلبس في المعصم للحلية، وجمعه أسورة، وجمع الجمع أساور، وأساورة، بفتح الهمزة وكسر الواو، والإسوار بكسر الهمزة وسكون السين لغة في السوار، وفي الرواية الثالثة والعشرين "فوضع في يدي إسواران" قال عنها النووي: وقع في جميع النسخ "فوضع في يدي إسوارين" فيكون "وضع" بفتح الواو والضاد، وفيه ضمير الفاعل، أي وضع الآتي بخزائن الأرض في يدي إسوارين، فهذا هو الصواب، وضبطه بعضهم "فوضع" بضم الواو، وهو ضعيف، لنصب "إسوارين" وإن كان يتخرج على وجه ضعيف، وقوله "يدي" هو بتشديد الياء على التثنية، وفي الرواية الثالثة والعشرين "بينا أنا نائم أتيت خزائن الأرض" قال النووي: وفي بعض النسخ "أتيت بخزائن الأرض" وفي غير مسلم "مفاتيح خزائن الأرض" قال العلماء: هذا محمول على سلطانها وملكها وفتح بلادها، وأخذ خزائن أموالها، وقد وقع ذلك كله ولله الحمد. (فأهمني شأنهما) وفي الرواية الثالثة والعشرين "فكبرا علي، وأهماني" وفي رواية للبخاري "فكبر علي" أي عظم أمرهما ووضعهما في يدي، وأدخلا في نفسي حزنا وهما، لكون الذهب من حلية النساء ومن حلي ملوك الكفار. (فأوحي إلي في المنام أن انفخهما، فنفختهما فطارا) قال النووي: والنفخ بالخاء، ونفخه ﷺ إياهما فطارا، دليل لانمحاقهما، واضمحلال أمرهما، اهـ وفي رواية "فذهبا" زاد في رواية "فوقع واحد باليمامة، والآخر باليمن" وفي نفخهما إشارة إلى حقارة أمرهما، لأن شأن الذي ينفخ فيذهب بالنفخ أن يكون في غاية الحقارة، نعم كان أمرهما وحربهما في غاية الشدة لكن الحقارة المعنوية قائمة بهما. قال العلماء: والوحي إليه ﷺ بنفخهما يحتمل أن يكون من وحي الإلهام أو على لسان الملك والله أعلم. (فأولتهما كذابين يخرجان من بعدي) قال القاضي عياض: لما كان رؤيا السوارين في اليدين جميعا من الجهتين، وكان النبي ﷺ حينئذ بينهما، أول السوارين عليهما، لوضعهما في غير موضعهما، لأنه ليس من حلية الرجال، وكذلك الكذاب يضع الخبر في غير موضعه. اهـ. وقال القرطبي: مناسبة هذا التأويل لهذه الرؤيا أن أهل صنعاء وأهل اليمامة كانوا أسلموا فكانوا كالساعدين للإسلام فلما ظهر فيهما الكذابان وبهرجا على أهلهما بزخرف أقوالهما ودعواهما الباطلة انخدع أكثرهم بذلك فكان اليدان بمنزلة البلدين، والسوارن بمنزلة الكذابين. اهـ. فالأسواد العنسي ظهر في صنعاء، وادعى النبوة، وعظمت شوكته، وحارب المسلمين، وفتك بهم، وغلب على البلد، وآل أمره إلى أن قتل في حياة النبي ﷺ ، ومسيلمة ادعى النبوة في حياة النبي ﷺ وإن لم تعظم شوكته، ولم تقع محاربته إلا في عهد أبي بكر، وأجيب عن هذا الإشكال بجوابين: الأول

стр. 5010

أن المراد بخروجهما من بعده قوة شوكتهما وظهورهما وخروجهما ومحاربتهما للمسلمين، وقد حصل هذا من بعده لمسيلمة، وأضيف لهما على سبيل التغليب، والثاني أن في الكلام مضافا محذوفا، والأصل بعد نبوتي، والأول أقرب، وفي الرواية الثالثة والعشرين "الكذابين اللذين أنا بينهما" مما يفيد أنهما حين قص الرؤيا كانا موجودين، وهو كذلك. قال ابن العربي: يحتمل أن يكون ما تأوله النبي ﷺ في السوارين بوحي، ويحتمل أن يكون ﷺ قد تفاءل بذلك دفعا لحالهما، فأخرج المنام المذكور عليهما، لأن الرؤيا إذ عبرت وقعت كما عبرت غالبا. والله أعلم. (فكان أحدهما العنسي، صاحب صنعاء) "العنسي" بسكون النون، وحكى ابن التين جواز فتحها، والأسود العنسي اسمه عبهلة بن كعب، وكان يقال له: ذو الخمار، بالخاء، لأنه كان يخمر وجهه، وقيل: هو اسم شيطانه، وقيل: كان يقال له: ذو الحمار بالحاء، لأنه كان له حمار، علمه أن يسجد له، وكان يصحبه كمظهر من مظاهر معجزته، وكان الأسود خرج بصنعاء وادعى النبوة، وغلب على عامل صنعاء، المهاجر بن أمية، وروى البيهقي في الدلائل "كان باذان عامل النبي ﷺ بصنعاء، فمات، فخرج الأسود في قومه، حتى ملك صنعاء، وتزوج المرزبانة، زوجة باذان، فواعدت فيروز وأصحابه، حتى دخلوا على الأسود ليلا، وقد سقته المرزبانة الخمر صرفا، حتى سكر، وكان على بابه ألف حارس، فنقب فيروز ومن معه الجدار، حتى وصلوا إليه فقتله فيروز، واحتز رأسه، وأخرجوا المرأة وما أحبوا من متاع البيت، وأرسلوا الخبر إلى المدينة، وكان ذلك عند وفاة النبي ﷺ ، قيل: كان قبل وفاته ﷺ بيوم وليلة، فأتاه الوحي، فأخبره، ثم جاء الخبر إلى أبي بكر ﵁، وقيل: وصل الخبر بذلك صبيحة دفن النبي ﷺ . (كان النبي ﷺ إذا صلى الصبح أقبل علينا بوجهه) أي بعد انصرافه من الصلاة بالسلام، وبعد التسبيح والتحميد والتكبير، وهذا الأسلوب يفيد العادة والاستمرار، لأن "إذا" لما يستقبل من الزمان، والجمع بين الماضي والاستقبال يفيد العادة والكثرة، ومنه قولهم: كان يفعل كذا، وفي رواية للبخاري "كان رسول الله ﷺ يعني مما يكثر أن يقول لأصحابه". (هل رأى أحد منكم البارحة رؤيا) "البارحة" صفة لموصوف محذوف، تقديره: الليلة البارحة أي الماضية، وإن كان قبل الزوال، وقال ثعلب وغيره: لا يقال "البارحة" إلا بعد الزوال، وهذا الحديث يرده لأن رسول الله ﷺ يقول "البارحة" إذا صلى الصبح، أي قبل الزوال قال النووي: ويحتمل أنهم أرادوا أن هذا حقيقته، ويطلق قبل الزوال مجازا زاد البخاري في رواية "قال: فيقص عليه ما شاء الله أن يقص" بضم الياء وفتح القاف. -[فقه الحديث]- في حقيقة الرؤيا أقوال للعلماء منها: قال القاضي أبو بكر بن العربي: الرؤيا إدراكات، علقها الله تعالى في قلب العبد على يدي ملك

стр. 5011

أو شيطان إما بأسمائها أي حقيقتها - وإما بكناها - أي بتعبيرها، وإما تخليط، ونظيرها في اليقظة الخواطر، فإنها قد تأتي على نسق في قصة، وقد تأتي مسترسلة، غير محصلة. وذهب القاضي أبو بكر بن الطيب إلى أنها اعتقادات، واحتج بأن الرائي قد يرى نفسه بهيمة أو طائرا مثلا، وليس هذا إدراكا، فوجب أن يكون اعتقادا لأن الاعتقاد قد يكون على خلاف المعتقد قال ابن العربي: والأول أولى، والذي يكون من قبيل ما ذكره ابن الطيب من قبيل المثل، فالإدراك إنما يتعلق به، لا بأصل الذات. وقال المازري: كثر كلام الناس في حقيقة الرؤيا، وقال فيها غير الإسلاميين أقاويل كثيرة منكرة، لأنهم حاولوا الوقوف على حقائق لا تدرك بالعقل، ولا يقوم عليها برهان، وهم لا يصدقون بالسمع، فاضطربت أقوالهم، فمن ينتمي إلى الطب ينسب جميع الرؤيا إلى الأخلاط، فيقول: من غلب عليه البلغم رأى أنه يسبح في الماء ونحو ذلك، لمناسبة الماء طبيعة البلغم، ومن غلبت عليه الصفراء رأى النيران والصعود في الجو، وهكذا إلى آخره. وهذا وإن جوزه العقل، وجاز أن يجري الله به العادة لكنه لم يقم عليه دليل، ولا اطردت به عادة، والقطع في موضوع التجويز غلط (أي هذا إن صح في بعض الرؤيا فلا يجوز تعميمه على كل رؤيا) ومن ينتمي إلى الفلسفة يقول: إن صور ما يجري على الأرض هي في العالم العلوي، كالنقوش، فما حاذى بعض النقوش منها انتقش فيها، قال: وهذا أشد فسادا من الأول، لكونه تحكما لا برهان عليه، والانتقاش من صفات الأجسام، وأكثر ما يجري في العالم العلوي الأعراض، والأعراض لا ينتقش فيها. قال: والصحيح ما عليه أهل السنة أن الله يخلق في قلب النائم اعتقادات، كما يخلقها في قلب اليقظان، فإذا خلقها فكأنه جعلها علما على أمور أخرى، يخلقها في ثاني الحال (أي مستقبلا) ومهما وقع منها على خلاف المعتقد، فهو كما يقع لليقظان، ونظيره أن الله تعالى خلق الغيم علامة على المطر وقد يتخلف، وتلك الاعتقادات تقع تارة بحضرة الملك، فيقع بعدها ما يسر، أو بحضرة الشيطان، فيقع بعدها ما يضر، والعلم عند الله تعالى، اهـ. وهذا الذي عليه أهل السنة ليس عاما، ينطبق على جميع الرؤيا، وإنما هو لنوع منها. وقال القرطبي: سبب تخليط غير الشرعيين إعراضهم عما جاءت به الأنبياء من الطريق المستقيم، وبيان ذلك أن الرؤيا إنما هي من إدراكات النفس، وقد غيب عنها علم حقيقتها، أي النفس، وإذا كان كذلك فالأولى أن لا تعلم علم إدراكاتها، بل كثير مما انكشف لنا من إدراكات السمع والبصر، إنما نعلم منه أمورا جملية، لا تفصيلية. ونقل القرطبي في المفهم عن بعض أهل العلم أن لله تعالى ملكا، يعرض المرئيات على المحل المدرك من النائم فيمثل له صورة محسوسة، فتكون تارة أمثلة موافقة لما يقع في الوجود، وتارة تكون أمثلة لمعان معقولة وتكون في الحالين مبشرة ومنذرة. قال: ويحتاج فيما نقله عن الملك إلى توقيف من الشرع، وإلا فجائز أن يخلق الله تعالى تلك المثالات من غير ملك. قال: وقيل: إن الرؤيا إدراك أمثلة، منضبطة في التخيل، جعلها الله أعلاما على ما كان أو يكون.

стр. 5012

وقال القاضي عياض: اختلف في النائم المستغرق، فقيل: لا تصح رؤياه ولا ضرب المثل له، لأن هذا لا يدرك شيئا، مع استغراق أجزاء قلبه، لأن النوم يخرج الحي عن صفات التمييز والظن والتخيل، كما يخرجه عن صفة العلم، وقال آخرون: بل يصح للنائم مع استغراق أجزاء قلبه بالنوم أن يكون ظانا ومتخيلا وأما العلم فلا لأن النوم آفة تمنع حصول الاعتقادات الصحيحة نعم إن كان بعض أجزاء قلبه لم يحل فيه النوم فيصح، وبه يضرب المثل وبه يرى ما يتخيله ولا تكليف عليه حينئذ لأن رؤياه ليست على حقيقة وجود العلم ولا صحة المميز وإنما بقيت فيه بقية، يدرك بها ضرب المثل وأيده القرطبي بأن النبي ﷺ كان ينام عينه، ولا ينام قلبه ومن هنا احترز القائل بقوله "إدراك أمثلة منضبطة في التخيل" لأن الرائي لا يرى في منامه إلا من نوع ما يدركه في اليقظة بحسه، إلا أن التخيلات قد تركب له تركيبا يحصل به صورة لا عهد له بها، يكون علما على أمر نادر، كمن رأى رأس إنسان على جسد فرس، له جناحان مثلا، وأشار بقوله: "أعلاما" إلى الرؤيا الصحيحة المنتظمة الواقعة على شروطها قال الحافظ ابن حجر: وأما الحديث الذي أخرجه الحاكم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "لقي عمر عليا، فقال: يا أبا الحسن. الرجل يرى الرؤيا فمنها ما يصدق، ومنها ما يكذب؟ قال نعم. سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من عبد ولا أمة، ينام فيمتلئ نوما إلا تخرج بروحه إلى العرش فالذي لا يستيقظ دون العرش فتلك الرؤيا التي تصدق والذي يستيقظ دون العرش، فتلك الرؤيا التي تكذب" قال الذهبي في تلخيصه: هذا حديث منكر. بعد هذه الجولة في أقوال العلماء في حقيقة الرؤيا نخلص إلى أن الرؤيا كصورة ذات ألوان مختلفة، أو ذات جوانب مختلفة كل يرى لونا من ألوانها وينظر من زاوية من زواياها، وكل قول مما عرضنا يعبر عن بعض أنواع الرؤيا والبحث في كيفية حصولها بجميع أحوالها بحث في بحر لا ساحل له فهي سر يجري في النوم، والنوم نفسه سر لأنه نوع من الوفاة التي هي سر الأسرار كما يقول تعالى ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها﴾ [الزمر: ٤٢]، وإذا أحلنا بعض ما يراه النائم إلى أسباب، كزيادة الأكل، وقربه من النوم، أو ضغط الرغبات، أو عظم الانشغال أو الخوف أو القلق فإننا لا نعمم بالحكم كل الرؤى، والذي لا شك فيه أن بعض ما يراه النائم جزء من النبوة، إعلام مسبق من الله إنذار أو تبشير وقد فسر بعض العلماء قوله تعالى ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب﴾ [الشورى: ٥١] فسره بالرؤيا في المنام ومنكر هذا منكر للبداهة والواقع. قالوا: ورؤيا الأنبياء وحي والوحي لا يدخله خلل لأنه محروس لكنها قد لا تحتاج إلى تأويل، فتقع كما رؤيت في النوم كما في قوله تعالى ﴿لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون﴾ [الفتح: ٢٧] وقد تحتاج إلى تأويل كما في قول يوسف ﵇ ﴿إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين﴾ [يوسف: ٤] وقوله ﴿يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا﴾ [يوسف: ١٠٠] وكرؤيا رسول الله ﷺ انكسار سيفه والبقر تنحر في رواياتنا.

стр. 5013

أما رؤيا غير الأنبياء فهي على قسمين: صادقة وهي التي تقع في اليقظة على وفق ما وقعت في النوم، وهي كثيرة من الصالحين، قليلة أو نادرة من غيرهم، سواء احتاجت إلى تأويل، أم لم تحتج إلى تأويل ورؤيا ملك مصر للبقرات ورؤيا صاحبي السجن، وهم من عبدة آلهة متفرقين خير دليل. القسم الثاني الأضغاث، وهي التي لا تنذر ولا تبشر بشيء، أي لا توحي بالوقوع في اليقظة وهي أنواع: الأول: تلاعب الشيطان، ليحزن الرائي، أو يخيفه، أو يشغله، كأن يرى أنه قطع رأسه وهو يتبعه وكأن يرى أنه واقع في هول ولا يجد من ينقذه ونحو ذلك. الثاني: أن يرى أمرا محالا عقلا أو شرعا كمن يرى ملكا يأمره بالزنا. الثالث: أن يرى ما تتحدث به نفسه في اليقظة أو يتمناه من الرغبات المكبوتة. الرابع: أن يرى ما جرت به عادته في اليقظة، أو ما يغلب على مزاجه فالجزار يرى الحيوانات واللحوم والقطع والوزن والبيع والشراء والطبيب يرى الأمراض والمرض والشفاء والفلاح يرى الحرث والزرع والحصاد. وهكذا. على أن بعض ما يظن أنه أضغاث أحلام قد يئول، ويكون من الرؤيا الصادقة، فقد قال النووي: العابرون يتكلمون في كتبهم على قطع الرأس ويجعلونه دلالة على مفارقة الرائي ما هو فيه من النعم، أو مفارقة من فوقه، أو يزول سلطانه، أو يتغير حاله في جميع أموره، إلا أن يكون عبدا فيدل على عتقه، أو مريضا فيدل على شفائه، أو مديونا فيدل على قضاء دينه، أو من لم يحج فيدل على أنه يحج، أو مغموما فيدل على الفرج، أو خائفا فيدل على أمنه، اهـ. ومن هذا نرى أن الرؤيا الواحدة يختلف تأويلها من شخص إلى شخص، ومن حال إلى حال وأكثر التأويل يعتمد على الربط بين الرؤيا وتعبيرها بنوع رباط، فهو يعتمد على أنها إشارة إلى شيء من صفات المرئي ومتعلقاته وارجع إلى ما فسرنا به القيد والغل، والسمن والعسل والظلة والسوارين ونفخهما وطيرانهما وغير ذلك في المباحث العربية، ليظهر لك ما نقول. ثم إن تعبير الرؤيا يعتمد على كثير من ذكاء المئول وعلمه وخبرته وحبه للرائي، كما سيأتي. -[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]- ١ - من الروايات الخمس الأولى نسبة أمور الشر إلى الشيطان. ٢ - إذا رأى ما يكره نفث عن يساره ثلاثا. ٣ - واستعاذ من الشيطان الرجيم، ومن شرها. ٤ - وتحول من جنبه إلى جنبه الآخر. ٥ - وصلى ركعتين ففي كل ذلك طرد للشيطان وتحقير له، وتغيير من حال إلى حال وتوكل على الله، فإنه بذلك يسلم من شرها بإذن الله، وقد جعل الله ذلك سببا لسلامته منها، كما جعل الصدقة

стр. 5014

وقاية للمال وسببا لدفع البلاء قال النووي: وإن اقتصر على بعضها أجزأه في دفع الضرر بإذن الله تعالى كما صرحت به الأحاديث. ٦ - ولم يحدث بها أحدا لأنه ربما فسرها له تفسيرا مكروها، على ظاهر صورتها، فتقع كذلك بتقدير الله، أو يدخل في نفسه هما وغما، وهي ليست كذلك، أو يتعجل الرائي باشتغال سره بمكروه تفسيرها، لأنها قد تبطئ فإذا لم يخبر بها زال تعجيل روعها وتخويفها، ويبقى إذا لم يعبرها له أحد بين الطمع في أن لها تفسيرا حسنا، أو الرجاء في أنها من الأضغاث، فيكون ذلك أسكن لنفسه. ٧ - واستدل بهذا على أن للوهم تأثيرا في النفوس، لأن التفل وما ذكره معه يدفع الوهم الذي يقع في النفس من الرؤيا فلو لم يكن للوهم تأثير لما أرشد إلى ما يدفعه. ٨ - إذا رأى ما يحب استبشر، ولا يخبر بها إلا من يحبه، لأنه إذا أخبر بها من لا يحبه، ربما حمله البغض أو الحسد على تفسيرها بمكروه، فقد يقع على تلك الصفة، وإن لم يقع على تلك الصفة حصل له في الحال حزن ونكد من سوء تفسيرها. ٩ - ومن الرواية السادسة أن الرؤيا أنواع، كما ذكرنا قريبا. ١٠ - وحب القيد وكراهة الغل لا يلزم منه تأويلهما بمحبوب ومكروه فأهل التعبير - كما يقول النووي - ينزلون هاتين اللفظتين منازل، قالوا: إذا رأى القيد في رجليه، وهو في مسجد، أو مشهد خير، أو على حالة حسنة، فهو دليل على ثباته في ذلك، وكذا لو رآه صاحب ولاية كان دليلا لثباته فيها، ولو رآه مريض أو مسجون أو مسافر أو مكروب كان دليلا لثباته فيه، قالوا: ولو قارنه مكروه بأن يكون مع القيد غل، غلب المكروه، لأنه صفة المعذبين. قال النووي: وأما الغل فهو مذموم إذا كان في العنق وقد يدل للولايات، إذا كان معه قرائن، كما أن كل وال يحشر مغلولا، حتى يطلقه عدله، فأما إن كان مغلول اليدين، دون العنق فهو حسن، لأنه دليل لكفهما عن الشر، وقد يدل على منع ما نواه من الأفعال. ١١ - استطرد العلماء من النص على رؤية النبي ﷺ في المنام إلى رؤية الله تعالى في المنام، قال القاضي عياض: واتفق العلماء على جواز رؤية الله تعالى في المنام، وصحتها، وإن رآه الإنسان على صفة لا تليق بحاله من صفات الأجسام، لأن ذلك المرئي غير ذات الله تعالى، إذ لا يجوز عليه سبحانه تعالى التجسم، ولا اختلاف الأحوال. وقال ابن الباقلاني: رؤية الله تعالى في المنام خواطر في القلب، وهي دلالات للرائي على أمور مما كان أو يكون، كسائر المرئيات. وقال بعضهم: لما كان الوقوف على حقيقة ذاته تعالى ممتنعا، وجميع من يعبر به يجوز عليهم الصدق والكذب، كانت رؤياه تحتاج إلى تعبير دائما. وقال الغزالي: من يرى الله في المنام فليس المراد أنه رأى ذاته، فإن ذاته منزهة عن الشكل والصورة، ولكن تنتهي تعريفاته إلى العبد، بواسطة مثال محسوس، من نور أو غيره،

стр. 5015

ويكون ذلك المثال حقا في كونه واسطة في التعريف، فقول الرائي: رأيت الله تعالى في المنام لا يعني أنه رأى ذات الله تعالى، كما يقول في حق غيره. وقال أبو قاسم القشيري ما حاصله: إن رؤياه على غير صفته لا تستلزم إلا أن يكون هو: فإنه لو رأى الله على وصف يتعالى عنه، وهو يعتقد أنه منزه عن ذلك لا يقدح في رؤيته، بل يكون لتلك الرؤيا ضرب من التأويل، كما قال الواسطي: من رأى ربه على صورة شيخ، كان إشارة إلى وقار الرائي، وغير ذلك. ١٢ - ومن الرواية الثامنة عشرة، من سؤال أبي بكر أن يعبر الرؤيا، وموافقة الرسول ﷺ جواز إظهار العالم ما يحسن من العلم، إذا خلصت نيته، وأمن العجب. ١٣ - وجواز كلام العالم بالعلم بحضرة من هو أعلم منه، إذا أذن له في ذلك صريحا، أو ما قام مقام الصريح. ١٤ - ويؤخذ منه جواز مثله في الإفتاء والحكم. ١٥ - وأن للتلميذ أن يقسم على معلمه. ١٦ - ومن قوله "لا تقسم" وعدم إجابة أبي بكر ببيان ما أخطأ فيه، أنه لا يستحب إبرار القسم، إذا كان فيه مفسدة أو مشقة ظاهرة، قال النووي: هذا الحديث دليل لما قاله العلماء، أن إبرار القسم المأمور به في الأحاديث الصحيحة، إنما هو إذا لم تكن في الإبرار مفسدة ولا مشقة ظاهرة، فإن كان لم يؤمر بالإبرار، لأن النبي ﷺ لم يبر قسم أبي بكر، لما رأى في إبراره من المفسدة، ولعل المفسدة ما علمه من سبب انقطاع السبب مع عثمان ﵁، وهو قتله، وتلك الحروب والفتن المترتبة عليه، فكره ذلك مخافة من شيوعها، أو أن المفسدة إنكاره عليه مبادرته، وتوبيخه بين الناس. ١٧ - قال القاضي: وفيه أن من قال: أقسم، لا كفارة عليه، لأن أبا بكر لم يزد على قوله: أقسم. قال النووي: وهذا الذي قاله القاضي عجب، فإن الذي في جميع نسخ صحيح مسلم أنه قال: "فوالله يا رسول الله لتحدثني. ما الذي أخطأت" وهذا صريح يمين. ١٨ - وفيه الحث على تعليم علم الرؤيا. ١٩ - وعلى تعبيرها، وفضيلتها، لما تشتمل عليه من الاطلاع على بعض الغيب وأسرار الكائنات. ٢٠ - قال أبو هبيرة: وفي السؤال من أبي بكر، أولا وآخرا، وجواب النبي ﷺ دلالة على انبساط أبي بكر معه، وإدلاله عليه. ٢١ - وفيه أنه لا يعبر الرؤيا إلا عالم ناصح أمين حبيب. ٢٢ - وفيه أن للعالم بالتعبير أن يسكت عن تعبير الرؤيا، أو بعضها، عند رجحان الكتمان على الذكر. ٢٣ - وفيه أن العابر قد يخطئ وقد يصيب.

стр. 5016

٢٤ - وأن الرؤيا ليست لأول عابر على الإطلاق وإنما ذلك إذا أصاب وجهها قال الحافظ ابن حجر: وحديث "والرؤيا لأول عابر" ضعيف لكن له شاهد عند أبي داود والترمذي وابن ماجه بسند حسن، وصححه الحاكم، عن أبي رزين، رفعه "الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت" لفظ أبي داود، ولفظ الترمذي "سقطت" وعند عبد الرزاق "الرؤيا تقع على ما يعبر، مثل ذلك، مثل رجل رفع رجله، فهو ينتظر متى يضعها" وعند سعيد بن منصور بسند صحيح عن عطاء "كان يقال: الرؤيا على ما أولت" وعند الدارمي بسند حسن عن عائشة ﵂ قالت: "كانت امرأة من أهل المدينة لها زوج تاجر، يختلف - أي يسافر في التجارة- فأتت رسول الله ﷺ ، فقالت: إن زوجي غائب وتركني حاملا فرأيت في المنام أن سارية ببيتي انكسرت وأني ولدت غلاما أعور فقال: خير يرجع زوجك - إن شاء الله - صالحا، وتلدين غلاما بارا فذكرت ذلك ثلاثا. فجاءت ورسول ﷺ غائب، فسألتها، فأخبرتني بالمنام فقلت: لئن صدقت رؤياك ليموتن زوجك، وتلدين غلاما فاجرا فقعدت تبكي فجاء رسول الله ﷺ فقال: مه يا عائشة. إذا عبرتم للمسلم الرؤيا فأعبروها على خير فإن الرؤيا تكون على ما يعبرها صاحبها" وفي رواية "فرجع زوجها سالما". قال العلماء: فمعنى "الرؤيا لأول عابر" أي إذا كان العابر الأول عالما، فعبر، فأصاب وجه التعبير، وإلا فهي لمن أصاب بعده، إذ ليس المدار إلا على إصابة الصواب في تعبير المنام، ليتوصل بذلك إلى مراد الله فيما ضربه به من المثل، فإذا أصاب الأول فلا ينبغي أن يسأل غيره، وإن لم يصب فليسأل الثاني، وعلى الثاني أن يخبر بما عنده، ويبين ما جهل الأول، ولعل حديث وقوع الرؤيا بأول عابر أريد به أن يتحرى الرائي اختيار من يعبر له رؤياه، ولا يكثر من التردد على المعبرين. ٢٥ - أن العالم مهما وصل علمه قد يخطئ، فأبو بكر من أعلم الصحابة بتأويل الرؤيا، ومع ذلك أخطأ في تأويل بعض وقائعها، بصريح كلام رسول الله ﷺ وقد اختلف العلماء في تحديد موطن خطئه اختلافا متشعبا، لا يسلم أكثره من التعقيب. فقال ابن المهلب: كان ينبغي لأبي بكر أن يقف حيث وقفت الرؤيا ولا يذكر الموصول له، فإن المعنى أن عثمان انقطع به الحبل، ثم وصل لغيره، أي وصلت الخلافة لغيره. اهـ. يقصد أن الرؤيا في رواية للبخاري قالت عن الرجل الثالث "ثم أخذ به رجل آخر، فانقطع، ثم وصل" مما قد يحمل على أنه يوصل لغيره، لا له، وتفسير أبي بكر ذكر أن الموصول له هو نفسه الذي انقطع به، حيث قال في التعبير "ثم يأخذ به رجل آخر، فينقطع به، ثم يوصل له، فيعلو به" فكأن أبا بكر أخطأ، فزاد في التعبير ما ليس في الرؤيا ينقطع به الحبل ثم يوصل له نفسه، ولفظها "فانقطع به، ثم وصل له، فعلا" فالمعنى على هذا أن عثمان كاد ينقطع عن اللحاق بصاحبيه بسبب ما وقع له من تلك القضايا التي أنكروها عليه، فعبر عنها بانقطاع الحبل، ثم وقعت له الشهادة، فاتصل بهما، فعبر عنه بالحبل، وصل له، فاتصل، فالتحق بهما، وليس في ذلك خطأ في التعبير، كما توهم ابن المهلب. وقال ابن قتيبة ووافقه جماعة على قوله: إن الرجل لما قص على النبي ﷺ رؤياه كان يرجو أن

стр. 5017

يعبرها له رسول الله ﷺ ، وكان رسول الله ﷺ أحق بتعبيرها من غيره، فلما طلب أبو بكر تعبيرها كان ذلك خطأ، فقال له: "أخطأت بعضها" لهذا المعنى، فقد أخطأ في مبادرته بتفسيرها قبل أن يأمره به، وتعقبه النووي، فقال: هذا فاسد لأنه ﷺ قد أذن له في ذلك وقال: اعبرها وحاول الحافظ ابن حجر أن يدافع عن ابن قتيبة، فقال: مراد ابن قتيبة أنه لم يأذن له ابتداء بل بادر هو، فسأل أن يأذن له في تعبيرها فأذن له، فكأنه قال: أخطأت في مبادرتك للسؤال أن تتولى تعبيرها لا أنه أراد: أخطأت في تعبيرك لكن في إطلاق الخطأ على ذلك نظر، لأنه خلاف ما يتبادر للسمع من جواب قوله: هل أصبت؟ فإن الظاهر أنه أراد الخطأ في التعبير والإصابة فيه، لا لكونه التمس التعبير، ومن هنا قال ابن التين وغيره الأشبه بظاهر الحديث أن الخطأ في تأويل الرؤيا، أي أخطأت في بعض تأويلك. قال الحافظ ابن حجر: ويؤيده تبويب البخاري للحديث بقوله: باب من لم ير الرؤيا لأول عابر، إذا لم يصب. ومثل هذا التعقيب يصلح تعقيبا لقول ابن هبيرة: إنما كان الخطأ لكونه أقسم ليعبرنها بحضرة النبي ﷺ قال: ولو كان الخطأ في التعبير لم يقره عليه، وترد الفقرة الأخيرة بأنه ﷺ لم يفصح عن الخطأ لمصلحة أهم، أو لدرء المفسدة، والمفسدة في ذلك ما علمه ﷺ من سبب انقطاع الحبل بعثمان، وهو قتله، وتلك الحروب والفتن المترتبة عليه، فكره ذكرها خوف شيوعها. وقيل: أخطأ لكون المذكور في الرؤيا شيئين: السمن والعسل، ففسرهما بشيء واحد، وكان ينبغي أن يفسرهما بالقرآن والسنة، ذكر ذلك ابن التين عن الطحاوي، وحكاه الخطيب عن أهل العلم بالتعبير وجزم به ابن العربي. وقد اختلف في المراد بالقطع والوصل، فقيل: القطع قتل عثمان والوصل بولاية علي، ورد بأن عمر قتل، ولم يكن قطعا، وولي عثمان وليس وصلا، وقيل: ما اتهم به عثمان وقيل عنه ومحاولة خلعه، والوصل شهادته. ويعجبني قول الحافظ ابن حجر: وجميع ما تقدم من لفظ الخطأ والتوهم والتأديب وغيرها، إنما أحكيه عن قائله، ولست راضيا عنه، ولا بإطلاقه في حق الصديق. اهـ. واعتذر الكرماني عن هذا البحث، فقال: إنما أقدموا على تبين موطن خطأ أبي بكر مع كون النبي ﷺ لم يبينه، لأنه كان يلزم من تبيينه مفسدة إذ ذاك، فزالت بعده، مع أن جميع ما ذكره، إنما هو بطريق الاحتمال، ولا جزم في شيء من ذلك. ٢٦ - ومن ملحق الرواية الثامنة عشرة الحث على علم الرؤيا. ٢٧ - والسؤال عنها. قال النووي: قال العلماء: وسؤالهم محمول على أنه ﷺ يعلمهم تأويلها، وفضيلتها، واشتمالها على ما شاء الله تعالى من الغيب. ٢٨ - ومن الرواية العشرين قال ابن بطال: فيه تقديم ذي السن في السواك، ويلتحق به الطعام والشراب والمشي والكلام، قال المهلب: هذا ما لم يترتب القوم في الجلوس فإذا ترتبوا فالسنة حينئذ تقديم الأيمن.

стр. 5018

٢٩ - وفيه أن استعمال سواك الغير ليس بمكروه، إلا أن المستحب أن يغسله، ثم يستعمله، قال الحافظ ابن حجر: وفيه حديث عن عائشة في سنن أبي داود، قالت "كان رسول الله ﷺ يعطيني السواك، لأغسله، فأبدأ به، فأستاك، ثم أغسله ثم أدفعه إليه"، وهذا دال على عظيم أدبها، وكبير فطنتها، لأنها لم تغسله ابتداء حتى لا يفوتها الاستشفاء بريقه ﷺ ، ثم غسلته تأدبا وامتثالا، ويحتمل أن يكون المراد بأمرها بغسله تطييبه وتليينه بالماء قبل أن يستعمله. وعندي أن استعمال سواك الغير مكروه، خوف انتقال الأمراض عن طريقه، ولا يقاس على سواك الرسول ﷺ . ٣٠ - ومن الرواية الواحدة والعشرين تسمية المدينة "يثرب" وهو اسمها في الجاهلية، وسماها الله تعالى المدينة، وسماها رسول الله ﷺ : طيبة وطابة، وقد جاء في حديث النهي عن تسميتها "يثرب" لكراهة لفظ التثريب، ولأنه من تسمية الجاهلية وتسميتها في هذا الحديث "يثرب" قيل: يحتمل أن هذا كان قبل النهي، وقيل: لبيان الجواز، وأن النهي للتنزيه، وليس للتحريم، وقيل: خوطب به من يعرفها به، ولهذا جمع بينه وبين اسمها الشرعي، فقال "المدينة يثرب". ٣١ - وأن كسر السيف في المنام قد يكون شرا، وإنذارا بشر. قال النووي: لأن سيف الرجل أنصاره، الذين يصول بهم، كما يصول بسيفه، وقد يفسر السيف في غير هذا بالولد، والوالد، والعم والأخ أو الزوجة، وقد يدل على الولاية، أو الوديعة، وعلى لسان الرجل وحجته، وقد يدل على سلطان جائر، وكل ذلك بحسب قرائن تنضم لتشهد لأحد هذه المعاني، في الرائي أو في الرؤية. ٣٢ - ومن قوله ﷺ "ولئن أدبرت ليعقرنك الله" علم من أعلام النبوة، فقد كان مصير مسيلمة الكذاب العقر والقتل، إذ تولى وكفر. ٣٣ - ومن قوله "وهذا ثابت يجيبك" استعانة الإمام بأهل البلاغة، في جواب أهل العناد ونحو ذلك. ٣٤ - وأن السوار وسائر أنواع الحلي اللائقة بالنساء، تعبر للرجال بما يسوؤهم ولا يسرهم. ٣٥ - وأن النفخ لما لا يليق تغلب عليه، وانتصار على الأعداء قال ابن بطال: يعبر بإزالة الشيء المنفوخ بغير تكلف شديد لسهولة النفخ على النافخ، ويعبر بالكلام. ٣٦ - وفي ذهاب رسول الله ﷺ إلى مسيلمة توجه الإمام بنفسه إلى من يريد استئلافه وإقامة الحجة عليه، وإنذاره، إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين. ٣٧ - ومن التمثيل بالعصا، وقطعة الجريد، ضرب المثل بالتافه، على المستحيل. ٣٨ - وفي الحديث منقبة لأبي بكر الصديق ﵁، لأن النبي ﷺ تولى نفخ السوارين بنفسه، حتى طارا، فأما الأسود فقتل في زمنه وأما مسيلمة فقد قتله أبو بكر الصديق، فقام مقام رسول الله ﷺ في ذلك. ٣٩ - ومن الرواية الواحدة والعشرين والثالثة والعشرين أن رسول الله ﷺ كان يجيد تعبير الرؤيا، لأن الإكثار من هذا القول لا يصدر إلا ممن تدرب فيه، ووثق بإصابته.

стр. 5019

٤٠ - وفيها استحباب إقبال الإمام المصلي بعد سلامه على أصحابه. ٤١ - وجواز استدبار القبلة في جلوس العالم للعلم. ٤٢ - واستحباب السؤال عن الرؤيا. ٤٣ - والمبادرة إلى تأويلها. ٤٤ - وتعجيلها في أول النهار، لقرب عهد الرائي بها، قبل أن يطرأ على ما يشوش الرؤيا عليه، ولأنه قد يكون فيها ما يستحب تعجيله كالحث على خير، أو ما ينبغي أن يأخذ الأهبة له. ٤٥ - وإباحة الكلام في العلم وتفسير الرؤيا ونحوهما بعد صلاة الصبح قال الحافظ ابن حجر: وفيه إشارة إلى ضعف ما أخرجه عبد الرزاق بلفظ "لا تقصص رؤيا على امرأة، ولا تخبر بها حتى تطلع الشمس". ٤٦ - وفيه إشارة إلى الرد على من قال من أهل التعبير: إن المستحب أن يكون تعبير الرؤيا بعد طلوع الشمس، ومن العصر إلى قبل المغرب. والله أعلم.

стр. 5020

كتاب الفضائل

стр. 5021

(٦٠٣) باب فضل نسب النبي ﷺ وتسليم الحجر عليه قبل النبوة وتفضيل نبينا ﷺ على جميع الخلائق ٥١٧٨ - عن واثلة بن الأسقع ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم". ٥١٧٩ - عن جابر بن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن". ٥١٨٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع". -[المعنى العام]- كان العرب في الجاهلية يتفاخرون بالأنساب بالدرجة الأولى، ثم تأتي الفضائل في الدرجة الثانية، فلما جاء الإسلام كانت الفضيلة الأولى، التي يفاخر بها هي الإسلام والتقوى، ونحيت الأنساب عن التفاخر، واعتبرت وسيلة لا غاية، وتابعة لا أصلية، فقال تعالى ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير﴾ [الحجرات: ١٣] وأكد هذا المعنى رسول الله ﷺ ، حين خطب يوم فتح مكة، فقال: "يا أيها الناس، إن الله قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية وفخرها، يا أيها الناس، الناس رجلان مؤمن تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله" وحين مر عليه ومعه أصحابه رجل غني ذو حسب، قال لهم: ما تقولون في هذا الرجل؟ قالوا: جدير إن خطب بنت أحدنا أن ينكح ويقبل ولا يرد، وجدير إن شفع وتوسط في أمر من الأمور أن يشفع، ولا يرفض له طلب، وجدير إن تكلم وسط جماعة أن يسكتوا حتى يتكلم وأن يستمع لكلامه فسكت ﷺ فمر بهم رجل فقير، غير ذي حسب لكنه مسلم تقي، فقال لهم ﷺ : ما تقولون في هذا الرجل؟ قالوا: جدير إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفع، وإن قال أن لا يستمع. فقال لهم ﷺ هذا الفقير خير من ملء الأرض من ذلك الغني.

стр. 5022

نعم. حول الإسلام مقاييس الناس، لكنه لم يغفل الحسب في الموازين، وإنما جعله مكملا مجملا لفضيلة الإسلام. فقال ﷺ "تجدون الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا" ولما كان الزواج من أهم الأحداث التي يطلب فيها ميزان الرجال والنساء، قال ﷺ "تنكح المرأة لأربع: لمالها، وجمالها، وحسبها، ودينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك". ولما استقر مبدأ التفاضل بالدين، وأمن من عدم مزاحمة الأنساب له، أعطيت قدرها، وظهرت في ساحة التفاخر، فالناس معادن، شعوب لها أصالة ومكارم متوارثة من جيل إلى جيل تفضل شعوبا، ومن داخل كل شعب قبائل أو بطون، لها أخلاق وعادات حميدة متوارثة من جيل إلى جيل تفضل قبائل أو بطونا، فقال ﷺ "الناس تبع لقريش، كافرهم تبع لكافرهم، ومسلمهم تبع لمسلمهم" وقال "إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم" وقال: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر وأول شافع وأول مشفع" فضله الله تعالى بالرسالة كما فضله بالنسب، فهو أفضل بني آدم وسيدهم، وهو أفضل المرسلين وخاتمهم، أكرمه الله تعالى قبل البعثة بتسليم الجماد عليه، وأكرمه بعد البعثة بمعجزات كثيرة، نتعرض لها في الباب القادم. يقول ﷺ "إني لأعرف حجرا بمكة، كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن". -[المباحث العربية]- (إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل) "كنانة" بن خزيمة بن مدركة (واسمه عمرو) ابن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. قال الحافظ ابن حجر: والمشهور أن بين عدنان وبين إسماعيل أربعة آباء أو خمسة، وقيل: أربعين أبا، وقد وقع في ذلك اضطراب شديد، واختلاف متفاوت حتى أعرض الأكثر عن سياق النسب بين عدنان وإسماعيل. (واصطفى قريشا من كنانة) "قريش" ولد النضر بن كنانة، وقيل: هم ولد فهر بن مالك بن النضر، قال الحافظ ابن حجر: وهذا قول الأكثر، وبه جزم مصعب قال: ومن لم يلده فهر فليس قرشيا، بل كناني وقيل: أول من نسب إلى قريش قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر، روى ابن سعد أن عبد الملك بن مروان سأل محمد بن جبير: متى سميت قريش قريشا؟ قال: حين اجتمعت إلى الحرم بعد تفرقها، فقال: ما سمعت بهذا، ولكن سمعت أن قصيا كان يقال له: القرش، ولم يسم أحد قريشا قبله، وروى ابن سعد، من طريق المقداد "لما فرغ قصي من نفي خزاعة من الحرم، تجمعت إليه قريش، فسميت يومئذ قريشا، لحال تجمعها، والتقرش التجمع، وقيل: لتلبسهم بالتجارة، وقيل: من التقرش، وهو أخذ الشيء أولا فأولا، وقيل: سميت قريش قريشا بدابة في البحر، هي سيدة الدواب البحرية، وكذلك قريش سادة الناس ولعله مصغر حوت القرش المعروف وقيل: سموا بذلك لمعرفتهم بالطعان، والتقريش وقع الأسنة، وقيل: التقرش التنزه عن رذائل الأمور وقيل غير ذلك وقد أكثر ابن دحية من نقل الخلاف في سبب تسمية قريش قريشا وأول من تسمى به قال الحافظ ابن حجر: وإلى النضر تنتهي أنساب قريش، وإلى كنانة تنتهي أنساب أهل الحجاز.

стр. 5023

(واصطفى من قريش بني هاشم) واسمه عمرو بن عبد مناف (واسمه المغيرة) بن قصي (واسمه زيد) بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر، وعند ابن سعد "ثم اختار بني هاشم من قريش، ثم اختار بني عبد المطلب من بني هاشم". (واصطفاني من بني هاشم) قال الحافظ ابن حجر: ونسب النبي ﷺ إلى عدنان متفق عليه، وهو: من محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب، بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. (إني لأعرف حجرا بمكة، كان يسلم علي قبل أن أبعث) قال النووي: في هذا إثبات التمييز في بعض الجمادات، وهو موافق لقوله تعالى في الحجارة ﴿وإن منها لما يهبط من خشية الله﴾ [البقرة: ٧٤] وقوله تعالى ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده﴾ [الإسراء: ٤٤] وفي هذه الآية خلاف مشهور، والصحيح أنه يسبح حقيقة، ويجعل الله تعالى فيه تمييزا بحسبه، ومنه الحجر الذي فر بثوب موسى ﵊. (إني لأعرفه الآن) من بين أحجار مكة، أي أعرف مكانه وصفاته. (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة) قال الهروي: السيد هو الذي يفوق قومه في الخير، وقال غيره: هو الذي يفزع إليه في النوائب والشدائد، فيقوم بأمرهم، ويتحمل منهم مكارههم. قال النووي: وأما قوله "يوم القيامة" مع أنه سيدهم في الدنيا والآخرة، فسبب التقييد أنه في يوم القيامة يظهر سؤدده لكل أحد ولا يبقى معاند، بخلاف الدنيا، فقد نازعه ذلك فيها ملوك الكفار، وزعماء المشركين. قال: وهذا التقييد قريب من معنى قوله تعالى ﴿لمن الملك اليوم لله الواحد القهار﴾ [غافر: ١٦] مع أن الملك له سبحانه قبل ذلك، لكن كان في الدنيا من يدعي الملك، أو من يضاف إليه مجازا، فانقطع كل ذلك في الآخرة. (وأول شافع، وأول مشفع) لم يكتف بالجملة الأولى عن الثانية، لأنه قد يشفع اثنان، فيشفع الثاني منهما قبل الأول، قاله النووي: أي لا يشفع ولا يؤذن بالشفاعة لأحد قبله ولا معه، ولا يقوم بالشفاعة قبله ولا معه أحد. -[فقه الحديث]- قال النووي: عن الرواية الأولى: استدل بهذا الحديث أصحابنا على أن غير قريش من العرب ليس بكفء لهم، ولا أحد من غير بني هاشم كفء لهم، إلا بني المطلب، فإنهم هم وبنو هاشم شيء واحد، كما صرح به في الحديث الصحيح. اهـ.

стр. 5024

والحديث الذي أشار إليه النووي أخرجه البخاري عن جبير بن مطعم ﵁ قال: "مشيت أنا وعثمان بن عفان، فقال: يا رسول الله، أعطيت بني المطلب، وتركتنا؟ وإنما نحن وهم منك بمنزلة واحدة؟ فقال النبي ﷺ : إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد" أي نحن في درجة بني المطلب، فعثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس القرشي وجبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي، فهما من حيث الآباء، والأجداد في درجة واحدة، لكنهما ليسا من بني هاشم ولا من بني عبد المطلب. وقال الحافظ ابن حجر: قال عياض: استدل الشافعية بحديث البخاري "الناس تبع لقريش" على إمامة الشافعي، وتقديمه على غيره، ولا حجة فيه، لأن المراد به هنا الخلفاء، وقال القرطبي: صحبت المستدل بهذا غفلة مقارنة لصميم التقليد، وتعقب بأن مراد المستدل أن القرشية من أسباب الفضل والتقدم، كما أن من أسباب التقدم الورع مثلا، فالمستويان في خصال الفضل إذا تميز أحدهما بالورع مثلا كان مقدما على رفيقه، فكذلك القرشية، فثبت الاستدلال بها على تقدم الشافعي وميزته على من ساواه في العلم والدين، لمشاركته في الصفتين، وتميزه بالقرشية، وهذا واضح، ولعل الغفلة والعصبية صحبت القرطبي فلله الأمر. وأما قوله ﷺ "أنا سيد ولد آدم" في روايتنا الثالثة فليس من قبيل الفخر المنهي عنه، بل صرح ﷺ بنفس الفخر في غير مسلم في الحديث المشهور "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" قال النووي: وإنما قاله لوجهين: أحدهما: امتثال قوله تعالى ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾ [الضحى: ١١]. والثاني: أنه من البيان الذي يجب عليه تبليغه إلى أمته ليعرفوه ويعتقدوه، ويعملوا بمقتضاه، ويوقروه ﷺ بما تقتضي مرتبته، كما أمرهم الله تعالى. قال: وهذا الحديث دليل على تفضيله ﷺ على الخلق كلهم، لأن مذهب أهل السنة أن الآدميين أفضل من الملائكة (أي المؤمنين المتقين منهم) وهو ﷺ أفضل الآدميين وغيرهم. قال: وأما الحديث الآخر "لا تفضلوا بين الأنبياء" (وسيأتي في ملحق الرواية ١٦٠) فجوابه من خمسة أوجه: أحدها: أنه ﷺ قاله قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم، فلما علم أخبر به. والثاني: قاله تأدبا وتواضعا. والثالث: أن النهي إنما هو عن تفضيل يؤدي إلى نقص المفضول. والرابع: إنما نهى عن تفضيل يؤدي إلى الخصومة والفتنة، كما هو المشهور في سبب الحديث. والخامس: أن النهي مختص بالتفضيل في نفس النبوة، فلا تفاضل فيها، وإنما التفاضل

стр. 5025

بالخصائص وفضائل أخرى، ولا بد من اعتقاد التفضيل، فقد قال الله تعالى ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض﴾ [البقرة: ٢٥٣] وعند الترمذي وحسنه "إذا كان يوم القيامة كنت إمام النبيين وخطيبهم، وصاحب شفاعتهم، غير فخر" وعنده أيضا "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، ما من نبي يومئذ - آدم فمن سواه - إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر" قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وعنده أيضا "إن بمكة حجرا، كان يسلم علي ليالي بعثت، إني لأعرفه الآن". والله أعلم.

стр. 5026

(٦٠٤) باب في معجزات النبي ﷺ ٥١٨١ - عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ دعا بماء، فأتي بقدح رحراح، فجعل القوم يتوضئون، فحزرت ما بين الستين إلى الثمانين. قال: فجعلت أنظر إلى الماء ينبع من بين أصابعه. ٥١٨٢ - عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ وحانت صلاة العصر، فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوه. فأتي رسول الله ﷺ بوضوء، فوضع رسول الله ﷺ في ذلك الإناء يده، وأمر الناس أن يتوضئوا منه. قال: فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه، فتوضأ الناس حتى توضئوا من عند آخرهم. ٥١٨٣ - عن أنس بن مالك ﵁ أن نبي الله ﷺ وأصحابه بالزوراء (قال: والزوراء بالمدينة عند السوق والمسجد فيما ثمه) دعا بقدح فيه ماء، فوضع كفه فيه، فجعل ينبع من بين أصابعه، فتوضأ جميع أصحابه. قال: قلت: كم كانوا يا أبا حمزة؟ قال: كانوا زهاء الثلاثمائة. ٥١٨٤ - عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان بالزوراء، فأتي بإناء ماء لا يغمر أصابعه أو قدر ما يواري أصابعه. ثم ذكر نحو حديث هشام. ٥١٨٥ - عن أم مالك ﵂ كانت تهدي للنبي ﷺ في عكة لها سمنا. فيأتيها بنوها فيسألون الأدم، وليس عندهم شيء، فتعمد إلى الذي كانت تهدي فيه للنبي ﷺ فتجد فيه سمنا فما زال يقيم لها أدم بيتها حتى عصرته. فأتت النبي ﷺ فقال: "عصرتيها؟ " قالت: نعم. قال: لو تركتيها ما زال قائما".

стр. 5027

٥١٨٦ - عن جابر ﵁ أن رجلا أتى النبي ﷺ يستطعمه. فأطعمه شطر وسق شعير فما زال الرجل يأكل منه وامرأته وضيفهما، حتى كاله. فأتى النبي ﷺ فقال: "لو لم تكله لأكلتم منه، ولقام لكم". ٥١٨٧ - عن معاذ بن جبل ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام غزوة تبوك. فكان يجمع الصلاة فصلى الظهر والعصر جميعا، والمغرب والعشاء جميعا. حتى إذا كان يوما أخر الصلاة، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا. ثم دخل ثم خرج بعد ذلك، فصلى المغرب والعشاء جميعا. ثم قال: "إنكم ستأتون غدا إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يضحي النهار. فمن جاءها منكم فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي" فجئناها وقد سبقنا إليها رجلان. والعين مثل الشراك تبض بشيء من ماء. قال: فسألهما رسول الله ﷺ : "هل مسستما من مائها شيئا؟ " قالا: نعم. فسبهما النبي ﷺ وقال لهما ما شاء الله أن يقول. قال: ثم غرفوا بأيديهم من العين قليلا قليلا حتى اجتمع في شيء. قال وغسل رسول الله ﷺ فيه يديه ووجهه، ثم أعاده فيها فجرت العين بماء منهمر. أو قال غزير - شك أبو علي أيهما قال - حتى استقى الناس. ثم قال: "يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة، أن ترى ما ها هنا قد ملئ جنانا". ٥١٨٨ - عن أبي حميد ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ غزوة تبوك فأتينا وادي القرى على حديقة لامرأة. فقال رسول الله ﷺ : "اخرصوها" فخرصناها. وخرصها رسول الله ﷺ عشرة أوسق. وقال: أحصيها حتى نرجع إليك إن شاء الله" وانطلقنا حتى قدمنا تبوك. فقال رسول الله ﷺ : "ستهب عليكم الليلة ريح شديدة. فلا يقم فيها أحد منكم. فمن كان له بعير فليشد عقاله" فهبت ريح شديدة. فقام رجل فحملته الريح حتى ألقته بجبلي طيئ. وجاء رسول ابن العلماء صاحب أيلة. إلى رسول الله ﷺ بكتاب، وأهدى له بغلة بيضاء. فكتب إليه رسول الله ﷺ وأهدى له بردا. ثم أقبلنا حتى قدمنا وادي القرى. فسأل رسول الله ﷺ المرأة عن حديقتها: "كم بلغ ثمرها؟ " فقالت: عشرة أوسق. فقال

стр. 5028

رسول الله ﷺ : "إني مسرع. فمن شاء منكم فليسرع معي، ومن شاء فليمكث" فخرجنا حتى أشرفنا على المدينة، فقال: هذه طابة. وهذا أحد. وهو جبل يحبنا ونحبه" ثم قال: إن خير دور الأنصار دار بني النجار، ثم دار بني عبد الأشهل، ثم دار بني عبد الحارث بن الخزرج، ثم دار بني ساعدة، وفي كل دور الأنصار خير" فلحقنا سعد بن عبادة. فقال أبو أسيد: ألم تر أن رسول الله ﷺ خير دور الأنصار فجعلنا آخرا، فأدرك سعد رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، خيرت دور الأنصار فجعلتنا آخرا. فقال: "أوليس بحسبكم أن تكونوا من الخيار". ٥١٨٩ - وفي رواية عن عمرو بن يحيى بهذا الإسناد، إلى قوله "وفي كل دور الأنصار خير" ولم يذكر ما بعده من قصة سعد بن عبادة. وزاد في حديث وهيب: فكتب له رسول الله ﷺ ببحرهم. ولم يذكر في حديث وهيب: فكتب إليه رسول الله ﷺ . -[المعنى العام]- المعجزة أمر خارق للعادة، تظهر على يد من يدعي النبوة والرسالة، تأييدا له. وفي بداية البشرية، حيث كانت العقول ضيقة المعلومات، قليلة الثقافة، قريبة العهد بالفطرة والبداهة، بعيدة عن عمق الفكر، وعن غور البحث والنظر كانت معجزات الرسل مادية حسية، في ميدان ما برع فيه أقوامهم فعهد موسى كان السحر، فكانت معجزته اليد والعصا، ثم فرق البحر. ومعجزة عيسى في عهد الطب كانت إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص بإذن الله. ومعجزة إبراهيم أن كانت النار بردا وسلاما عليه، ومعجزة صالح ناقة تسقي الناس جميعهم من لبن لا ينضب، لهم يوم تروي القوم كلهم، ولها يوم تشرب هي فيه. وكان عصر الرسول محمد ﷺ عصر الرقي العقلي والبلاغي، فكانت معجزته الكبرى القرآن الكريم الذي تحدى به فحول البلاغة أن يأتوا بمثل سورة منه، وهو الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب فعجزوا. نعم كان فريق كبير من العرب أميين، فكانت حاجتهم شديدة إلى المعجزة الحسية المادية، يوثقون بها إيمانهم، ويزيدون عن طريقها يقينهم، فأجرى الله تعالى على يدي محمد ﷺ مجموعة من المعجزات الحسية، بل أجرى له بعض الخوارق قبل بعثته ﷺ ، إعدادا وتمهيدا للنبوة، فجعل حجرا من حجارة مكة يسلم عليه كلما مر ﷺ به، حتى أصبح ﷺ يميزه من بين الأحجار، ويعرفه حق المعرفة، معرفة ظلت تلازمه بعد الهجرة وحتى لقاء

стр. 5029

ربه، ومن تلك المعجزات الحسية حنين الجذع الذي كان يخطب عليه، وتسبيح الحصى في يده، وتكليم الذراع المسمومة في غزوة خيبر، وتكثير الطعام ببركة دعائه ﷺ ، وقد تعرضنا لهذه المعجزة في كتاب الأطعمة والأشربة، باب الضيف يستتبعه غيره واستحباب الاجتماع على الطعام، كما تعرضنا لفوران عين الحديبية بعد أن نضب ماؤها. وهذا باب يتعرض لنبع الماء من بين أصابعه ﷺ وفوران عين تبوك لسد حاجة المسلمين، ومعجزات مادية أخرى، ﷺ . -[المباحث العربية]- (أن النبي ﷺ دعا بماء) بينت الرواية الثانية سبب الحاجة إلى الماء، في هذه الحادثة، ففيها "رأيت رسول الله ﷺ ، وحانت صلاة العصر، فالتمس الناس الوضوء (بفتح الواو الماء الذي يتوضأ به) فلم يجدوه، وبينت الرواية الثالثة مكان هذه الحادثة، وفيها "أن نبي الله ﷺ وأصحابه بالزوراء) قال الراوي: والزوراء بالمدينة عند السوق والمسجد فيما ثمه. قال النووي: هكذا هو في جميع النسخ "ثمة" قال أهل اللغة "ثم" بفتح الثاء، و"ثمة" بالهاء بمعنى هناك، وهنا، فثم للبعيد، وثمة للقريب، اهـ. والزوراء مكان معروف بالمدينة، عند السوق. (فأتي بقدح رحراح) "أتي" بضم الهمزة، مبني للمجهول والرحراح بفتح الراء، وإسكان الحاء، ويقال له: رحرح، بحذف الألف، وهو الواسع القصير الجدار، وفي الرواية الثانية "فأتي رسول الله ﷺ بوضوء (بفتح الواو، أي بماء) وفي ملحق الرواية الثالثة "فأتي بإناء ماء، لا يغمر أصابعه، أو قدر ما يواري أصابعه" وعند أبي نعيم عن أنس أنه هو الذي أحضر الماء، وأنه أحضره إلى النبي ﷺ من بيت أم سلمة، وأنه رده بعد فراغهم إلى أم سلمة، وفيه قدر ما كان فيه أولا. (فجعل القوم يتوضئون) في الكلام طي، والفاء عاطفة على محذوف، بينته الرواية الثانية، وفيها "فوضع رسول الله ﷺ في ذلك الإناء يده، وأمر الناس أن يتوضئوا منه". (فحرزت ما بين الستين إلى الثمانين) أي فقدرت العدد ما بين الستين إلى الثمانين، وفي الرواية الثالثة "فتوضأ جميع أصحابه، قال: قلت: كم كانوا يا أبا حمزة؟ قال: كانوا زهاء الثلاثمائة" قال النووي: قال العلماء: هما قضيتان، جرتا في وقتين، ورواهما أنس، اهـ. ويحتمل أن تكون قضية واحدة، وأنه أخذ يعد حتى وصل إلى الثمانين، وترك العد منشغلا بالنظر إلى الماء ينبع من بين أصابعه، فلما سئل عن عدد القوم قدرهم بثلاثمائة "وزهاء" بضم الزاي، وبالمد، أي قدر ثلثمائة، مأخوذ من زهوت الشيء إذا حصرته، وهي تفيد تقريب العدد، لا تحديده، وفي رواية بالتحديد، "قال: ثلاثمائة" بدون "زهاء" قال النووي: "الثلاثمائة" بالألف واللام. هكذا هو في جميع النسخ وهو صحيح. (فجعلت أنظر إلى الماء ينبع من بين أصابعه) "ينبع" بضم الباء وفتحها وكسرها،

стр. 5030

ثلاث لغات، قال النووي: وفي كيفية هذا النبع قولان: أحدهما: أن الماء كان يخرج من نفس أصابعه ﷺ وينبع من ذاتها ويؤيد هذا رواية "فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه". والثاني: يحتمل أن الله كثر الماء في ذاته، فصار يفور من بين أصابعه، لا من نفسها، فهو يفور من بين أصابعه بالنسبة إلى رؤية الرائي، وهو في نفس الأمر للبركة الحاصلة فيه يفور ويكثر، وكفه ﷺ في الماء فرآه الرائي نابعا من أصابعه، وكلاهما معجزة، والأول أبلغ في المعجزة، وليس في الأخبار ما يرده، قال الحافظ ابن حجر: وهو أولى. وفي الرواية الثانية "فتوضأ الناس حتى توضئوا من عند آخرهم" قال النووي: هكذا هو في الصحيحين، وهو صحيح، و"من" هنا بمعنى "إلى" وهي لغة. اهـ. وهي بمعنى ما جاء في الرواية الثالثة بلفظ "فتوضأ جميع أصحابه". (أن أم مالك) الأنصارية، وعند ابن أبي عاصم "أن أم مالك الأنصارية جاءت بعكة سمن إلى رسول الله ﷺ ، فأمر بلالا بعصرها، ثم دفعها إليها، فإذا هي مملوءة، فجاءت، فقالت: أنزل في شيء، قال: وما ذاك؟ قالت: رددت علي هديتي. فدعا بلالا، فسأله، فقال: والذي بعثك بالحق. لقد عصرتها، حتى استحييت، فقال: هنيئا لك هذه البركة يا أم مالك. هذه بركة عجل الله لك ثوابها". (كانت تهدي للنبي ﷺ في عكة لها - سمنا) أي فيأخذ رسول الله ﷺ السمن، ولا يستأصلها، بل يبقى في العكة بقايا، لا يغسلها ولا يمسحها، ثم يعيدها. والعكة بتشديد الكاف وبضم العين، وتفتح، وعاء صغير من جلد، يجز شعره ولا ينتف، يحفظ فيه السمن والشراب. (فتعمد إلى الذي كانت تهدي فيه للنبي ﷺ أي فتذهب إلى الإناء الراجع من عند رسول الله ﷺ فتمد يدها فيه، فتجد فيه سمنا، فتأخذ منه أدما لأولادها. (حتى عصرته) يقال عصر الشيء، بفتح الصاد، يعصره بكسرها، إذا استخرج ما فيه من دهن أو ماء، ونحوه. (فأتت النبي ﷺ أي فأخبرته بما حصل. (لو تركتيها ما زال قائما) أي لو تركت العكة بدون عصر لظل السمن فيها باقيا موجودا حاضرا. (يستطعمه، فأطعمه شطر وسق شعير) أي يطلب منه طعاما له ولأهله، فأعطاه شعيرا، قدر كيلة، جزءا من وسق. والوسق بفتح الواو وكسرها وسكون السين، ستون صاعا. (حتى كاله) أي كال ما بقي منه ليعرف مقدراه، فذهبت البركة بالكيل. (لو لم تكله لأكلتم منه، ولقام لكم) أي لأكلتم منه زمنا طويلا، ولقام عندكم طعاما لكم. (عام غزوة تبوك) وهي غزوة العسرة، وكانت في شهر رجب، سنة تسع من الهجرة، قبل حجة الوداع.

стр. 5031

وتبوك مكان معروف، في نصف المسافة بين المدينة ودمشق، واللفظ ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث على المشهور به. (حتى إذا كان يوما، أخر الصلاة) أي جمع جمع تقديم في يوم، وجمع جمع تأخير في اليوم الثاني. (وإنكم لن تأتوها حتى يضحي النهار) حدد لهم ساعة الوصول، وأنها بعد الضحى. (فمن جاءها منكم فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي) النهي عن المس نهي عن الشرب منها أو لمس مائها عموما. (والعين مثل الشراك، تبض بشيء من ماء) "الشراك" بكسر الشين سير النعل، ويضرب به المثل في القلة، أي ماؤها قليل جدا، وقال النووي "تبض" هكذا ضبطناه هنا بفتح التاء وكسر الباء، وتشديد الضاد ومعناه تسيل. قال: ونقل القاضي اتفاق الرواة هنا على أنه بالضاد واختلفوا في ضبطه هناك، فضبطه بعضهم بالضاد، وبعضهم بالصاد المهملة، أي تبرق وتلمع، قال الحافظ ابن حجر: وهذا المعنى مستبعد، فإن في نفس الحديث "تكاد تبض من الملء" بكسر الميم وسكون اللام بعدها همزة، فكونها تكاد تسيل من الملء ظاهر، وأما كونها تلمع من الملء فبعيد. (فسألهما رسول الله ﷺ معطوف على مطوي محذوف تقديره: وعلم الرسول ﷺ فجيء بهما، فسألهما. (هل مسستما من مائها شيئا؟ قالا: نعم) يحتمل أنهما فهما النهي عن التنزيه، وكانا في حاجة شديدة للماء، والظاهر أنه لم يكن ثمة عذر يعتذران به، فيقبل، لهذا سبهما ﷺ . (وقال لهما ما شاء الله أن يقول) من ألفاظ اللوم والتعنيف. (ثم غرفوا بأيديهم من العين، قليلا قليلا) بناء على أمره ﷺ . (حتى اجتمع في شيء) أي حتى تجمع هذا القليل في الإناء. (ثم أعاده فيها) أي ثم أعاد الماء الذي غسل به وجهه ويديه مع ما بقي في الإناء إلى البئر. (فجرت العين بماء منهمر - أو قال غزير - شك أبو علي. أيهما قال) أصل السند: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي حدثنا أبو علي الحنفي حدثنا مالك عن أبي الزبير أن أبا الطفيل أخبره أن معاذ بن جبل ﵁ قال ... الحديث. فالقائل: شك أبو علي، هو عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي. والمنهمر كثير الصب والرفع. (يوشك يا معاذ - إن طالت بك حياة - أن ترى ما ها هنا قد ملئ جنانا) أي بساتين وعمرانا جمع جنة.

стр. 5032

(فأتينا وادي القرى) بضم القاف مدينة قديمة، بين المدينة والشام. (على حديقة لامرأة) كانت حديقة من نخل، وفي رواية البخاري "إذا امرأة في حديقة لها" (فقال رسول الله ﷺ : اخرصوها) بضم الراء وكسرها، والضم أشهر أي اخرصوا بالحديقة، أي قدروا ثمرها وخمنوا كم وسقا يكون؟ وذلك امتحان لهم، وتمرين وتعليم. (فخرصناها، وخرصها ﷺ عشرة أوسق) والظاهر أن خرصهم وافق خرص رسول الله ﷺ . (وقال: أحصيها حتى نرجع إليك) أي قال للمرأة صاحبة الحديقة: أحصي وعدي كيلها واجمعي ما تأكلينه وما تهدينه وما تبيعينه حتى نرجع إليك، لنعرف صحة خرصنا وتقديرنا، فلما رجعوا، وسألها تبين صحة خرصهم. (فمن كان له بعير فليشد عقاله) لئلا ينفلت، فيحتاج صاحبه إلى القيام في طلبه، فيلحقه ضرر الريح، وفي رواية البخاري "ومن كان معه بعير فليعقله". (فقام رجل) مخالفا أمر رسول الله ﷺ وفي رواية ابن إسحاق "ففعل الناس ما أمرهم، إلا رجلين من بني ساعدة، خرج أحدهما لحاجته، وخرج آخر في طلب بعير له، فأما الذي ذهب لحاجته فإنه خنق على مذهبه، أي خنقه الريح في طريقه، وأما الذي ذهب في طلب بعيره فاحتملته الريح حتى ألقته بجبل طيئ، فأخبر رسول الله ﷺ فقال: ألم أنهكم أن يخرج رجل إلا وصاحب له معه"؟ ثم دعا للذي أصيب على مذهبه، فشفي، ولعل قيامه كان لضرورة قضاء الحاجة، أو غير ذلك، وأما الآخر فإنه وصل إلى رسول الله ﷺ حين قدم من تبوك. (فحملته الريح) أي دفعته دفعا لا يستطيع مقاومته. (حتى ألقته بجبلي طيئ) جبلان مشهوران، يقال لأحدهما أجاء بفتح الهمزة والجيم به وبالهمز، والآخر سلمى بفتح السين، وطيئ بياء مشددة بعدها همزة، على وزن سيد، وهو أبو قبيلة من اليمن، وهو طيئ بن أدر بن زيد بن كهلان بن سبأ وقال صاحب التحرير: "طيئ" يهمز ولا يهمز، لغتان. (وجاء رسول ابن العلماء، صاحب أيلة إلى رسول الله ﷺ بكتاب) "العلماء" بفتح العين وإسكان اللام وبالمد، و"أيلة" بفتح الهمزة واللام، بلدة قديمة بساحل البحر، وفي رواية البخاري "وأهدى ملك أيلة". (وأهدى له بغلة بيضاء) قال النووي: هذه البغلة هي "دلدل" بغلة رسول الله ﷺ ، لكن ظاهر لفظه هنا أنه أهداها للنبي ﷺ في غزوة تبوك، وقد كانت غزوة تبوك سنة تسع من الهجرة وقد كانت

стр. 5033

هذه البغلة عند رسول الله ﷺ قبل ذلك، وحضر عليها غزوة حنين، كما هو مشهور في الأحاديث الصحيحة، وكانت حنين عقب فتح مكة، سنة ثمان، قال القاضي: ولم يرو أنه كان للنبي ﷺ بغلة غيرها، قال: فيحمل قوله على أنه أهداها له قبل ذلك، وقد عطف الإهداء على المجيء بالواو، وهي لا تقتضي الترتيب، اهـ فالمعنى: وكان ابن العلماء قد أهدى له بغلة بيضاء. (فكتب إليه رسول الله ﷺ ردا على كتابه وسلمه رسوله، وفي ملحق الرواية "فكتب له رسول الله ﷺ ببحرهم" أي ببلدهم أي بأهل بحرهم، أي أنه أقره عليهم بما التزموه من الجزية. (وأهدى إليه بردا) ظاهره أنه في مقابل إهداء البغلة، مما يبعد كلام القاضي السابق، ولا مانع من أن يكون أهدى إليه ابن العلماء بغلة بيضاء في تبوك، فأهداها النبي ﷺ في الحال لأحد أصحابه، وعدم رواية ذلك لا يدل على عدم وقوعه. (إني مسرع، فمن شاء منكم فليسرع معي، ومن شاء فليمكث) في رواية البخاري "إني متعجل إلى المدينة، فمن أراد منكم أن يتعجل معي فليتعجل" أي إني سالك الطريق القريبة، الشاقة، فمن أراد فليأت معي، يعني ممن له اقتدار على ذلك دون بقية الجيش. (إن خير دور الأنصار دار بني النجار) قال القاضي: المراد أهل الدور، والمراد القبائل، وإنما فضل بني النجار لسبقهم في الإسلام، وآثارهم الجميلة في الدين. ومناسبة هذه المفاضلة عودته ﷺ من سفر، وغربة عن المدينة، فحين أشرف عليها ذكرها، وذكر جبلها، وحبه لها وله، فناسب ذكر محبته لأهلها، ومحبة أهلها له وجهادهم في سبيل الإسلام. والمراد من المفاضلة بين الدور المفاضلة بين أهل الدور، ففي رواية للبخاري "خير الأنصار بنو النجار" وبنو النجار هم الخزرج، قيل سمي الجد بالنجار لأنه ضرب رجلا، فنجره، وهو ابن ثعلبة بن عمرو. وبنو النجار هم أخوال جد رسول الله ﷺ ، لأن والدة عبد المطلب منهم، وعليهم نزل لما قدم المدينة، فلهم مزية على غيرهم. (ثم دار بني عبد الأشهل) في رواية للبخاري "ثم بنو عبد الأشهل" وهم من الأوس، وهو عبد الأشهل من جشم بن الحارث بن الخزرج الأصفر بن عمود بن مالك بن الأوس بن حارثة، وهم رهط سعد بن معاذ، وجاء في رواية تقديم بني عبد الأشهل على بني النجار قال الحافظ ابن حجر: رواية أنس في تقديم بني النجار لم يختلف عليه فيها، وكان أنس منهم، فله مزية عناية بحفظ فضائلهم. (ثم دار بني عبد الحارث) قال النووي: هكذا هو في النسخ "بني عبد الحارث" وكذا نقله القاضي قال: وهو خطأ من الرواة، وصوابه "بني الحارث" بحذف لفظة "عبد". (ثم دار بني ساعدة) ساعدة بن كعب بن الخزرج الأكبر، وسعد بن عبادة من بني ساعدة، وكان كبيرهم يومئذ. (وفي كل دور الأنصار خير) "خير" الأولى أفعل تفضيل، والثانية اسم، أي الفضل حاصل في جميع الأنصار وإن تفاوتت مراتبه.

стр. 5034

(فقال أبو أسيد) لسعد بن عبادة، وهما من بني ساعدة. (ألم تر أن رسول الله ﷺ خير دور الأنصار) أي فاضل بينها. (فجعلنا آخرا) في رواية البخاري "أخيرا" في رواية "فوجد سعد بن عبادة في نفسه، فقال: خلفنا، فكنا آخر الأربعة". (فأدرك سعد رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، خيرت دور الأنصار، فجعلتنا آخرا؟ ) في رواية "وجد في نفسه، وأراد كلام رسول الله ﷺ في ذلك، فقال له ابن أخيه سهل: أتذهب لترد على رسول الله ﷺ أمره؟ ورسول الله أعلم؟ أوليس حسبك أن تكون رابع أربعة؟ فرجع" قال الحافظ ابن حجر: ويمكن الجمع بأنه رجع حينئذ عند قصده رسول الله ﷺ لذلك خاصة، ثم إنه لما لقي رسول الله ﷺ في وقت آخر ذكر له ذلك أو الذي رجع عنه أنه أراد أن يورده مورد الإنكار، والذي صدر منه ورد مورد المعاتبة المتلطفة. (أوليس بحسبكم أن تكونوا من الخيار؟ ) أي من الأفاضل؟ لأنهم بالنسبة إلى من دونهم أفضل، وكأن المفاضلة وقعت بينهم بحسب السبق إلى الإسلام، وبحسب مساعيهم في إعلاء كلمة الله، ونحو ذلك، قاله الحافظ ابن حجر. -[فقه الحديث]- ترجم الإمام النووي لهذا الحديث بقوله: باب في معجزات النبي ﷺ ، وترجم الإمام البخاري له بقوله: باب علامات النبوة في الإسلام، وقال الحافظ ابن حجر: العلامات جمع علامة، وعبر بها المصنف لكون ما يورده من ذلك أعم من المعجزة، بما يشمل الكرامة، والفرق بينهما أن المعجزة أخص، لأنه يشترط فيها أن يتحدى النبي ﷺ من يكذبه، بأن يقول: إن فعلت كذلك أتصدق بأني صادق؟ أو يقول من يتحداه: لا أصدقك حتى تفعل كذا، ويشترط أن يكون المتحدي به مما يعجز عنه البشر في العادة المستمرة، وقد وقع النوعان للنبي ﷺ في عدة مواطن، وسميت المعجزة معجزة لعجز من يقع عندهم ذلك عن معارضتها ثم قال: وما عدا القرآن، من نبع الماء من بين أصابعه، وتكثير الطعام، وانشقاق القمر، ونطق الجماد، فمنه ما وقع التحدي به ومنه ما وقع دالا على صدقه من غير سبق تحد، قال: ومجموع ذلك يفيد القطع بأنه ظهر على يده ﷺ من خوارق العادات شيء كثير، كما يقطع بجود حاتم، وشجاعة علي، وإن كانت أفراد ذلك ظنية، وردت مورد الآحاد مع أن كثيرا من المعجزات النبوية قد اشتهر وانتشر، ورواه العدد الكثير والجم الغفير، وأفاد الكثير منه القطع عند أهل العلم بالآثار، والعناية بالسير والأخبار، وإن لم يصل عند غيرهم إلى هذه الرتبة، لعدم عنايتهم بذلك، بل لو ادعى مدع أن غالب هذه الوقائع مفيدة للقطع بطريق نظري، لما كان مستبعدا، وهو أنه لا مرية أن رواة الأخبار في كل طبقة قد حدثوا بهذه الأخبار في الجملة، ولا يحفظ عن أحد من الصحابة ولا من بعدهم مخالفة الراوي، فيما حكاه من ذلك، والإنكار عليه فيما هنالك، فيكون الساكت منهم كالناطق،

стр. 5035

لأن مجموعهم محفوظ من الإغضاء على الباطل، وعلى تقدير أن يوجد من بعضهم إنكار، أو طعن على بعض من روى شيئا من ذلك فإنما هو من جهة توقف في صدق الراوي، أو تهمته بكذب، أو توقف في ضبطه، ونسبته إلى سوء الحفظ أو جواز الغلط، ولا يوجد من أحد منهم طعن في المروي. وذكر النووي في مقدمة شرح مسلم أن معجزات النبي ﷺ تزيد على ألف ومائتين، وقال البيهقي في المدخل: بلغت ألفا، وقال الزاهري من الحنفية: ظهر على يديه ألف معجزة، وقيل: ثلاثة آلاف، وقد اعتنى بجمع ما وقع من ذلك قبل البعثة، بل قبل المولد الحاكم في الإكليل، والنيسابوري في شرف المصطفى، وأبو نعيم، والبيهقي في دلائل النبوة، وغيرهم قال القرطبي: ونبع الماء من بين أصابعه ﷺ معجزة لم يسمع بمثلها من غير نبينا ﷺ ، حيث نبع الماء من بين عظمه ولحمه وعصبه ودمه. وقد نقل ابن عبد البر عن المزني أنه قال: نبع الماء من بين أصابعه ﷺ أبلغ في المعجزة من نبع الماء من الحجر، حيث ضربه موسى بالعصا، فتفجرت منه اثنتا عشرة عينا، لأن خروج الماء من الحجارة معهود، بخلاف خروج الماء من بين اللحم والدم. وبالإضافة إلى روايتنا في نبع الماء من بين أصابعه ﷺ ذكر البخاري روايات أخرى فعن أنس ﵁ قال: "خرج النبي ﷺ في بعض مخارجه، ومعه ناس من أصحابه، فانطلقوا يسيرون، فحضرت الصلاة، فلم يجدوا ماء يتوضئون، فانطلق رجل من القوم، فجاء بقدح من ماء يسير، فأخذه النبي ﷺ ، فتوضأ، ثم مد أصابعه الأربع - أي ما عدا الإبهام - على القدح، ثم قال: قوموا فتوضئوا، فتوضأ القوم، حتى بلغوا ما يريدون من الوضوء، وكانوا سبعين أو نحوه". وعن أنس ﵁ قال: "حضرت الصلاة، فقام من كان قريب الدار من المسجد يتوضأ، وبقي قوم، فأتى النبي ﷺ بمخضب من حجارة، فيه ماء، فوضع كفه، فصغر المخضب أن يبسط فيه كفه، فضم أصابعه، فوضعها في المخضب، فتوضأ القوم كلهم أجمعون". وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "كنا نعد الآيات بركة، وأنتم تعدونها تخويفا، كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فقل الماء فقال: اطلبوا فضلة من ماء، فجاءوا بإناء، فيه ماء قليل، فأدخل يده في الإناء ثم قال: حي على الطهور المبارك والبركة من الله، فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله ﷺ ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل". قال القرطبي: قضية نبع الماء من بين أصابعه ﷺ تكررت منه في عدة مواطن، في مشاهد عظيمة، ووردت من طرق كثيرة يفيد مجموعها العلم القطعي، المستفاد من التواتر المعنوي. قال الحافظ ابن حجر: وحديث نبع الماء من بين أصابعه جاء من رواية أنس عند الشيخين وأحمد وغيرهم من خمسة طرق، وعن ابن مسعود عند البخاري والترمذي، وعن ابن عباس عند أحمد والطبراني، وعن ابن أبي ليلى عند الطبراني وفي ذلك رد على ابن بطال، حيث قال هذا الحديث شهده جماعة كثيرة من الصحابة، إلا أنه لم يرو إلا من طريق أنس ثم قال الحافظ ابن حجر: وأما

стр. 5036

تكثير الماء، بأن يلمسه بيده، ويتفل فيه، أو يأمر بوضع شيء فيه، كسهم من كنانته فجاء في حديث عمران بن حصين في الصحيحين، وعن البراء بن عازب عند البخاري وأحمد من طريقين، وعن أبي قتادة عند مسلم، وعن أنس عند البيهقي في الدلائل، فالطرق كثيرة من حيث الراوي الأعلى، وأما من رواها من أهل القرن الثاني فهم أكثر عددا. ثم ساق الحافظ ابن حجر حديث جابر عند أحمد، ولفظه "سافرنا مع رسول الله ﷺ ، فحضرت الصلاة، فقال رسول الله ﷺ : أما في القوم من طهور؟ فجاء رجل بفضلة في إداوة، فصبه في قدح، فتوضأ رسول الله ﷺ ، ثم إن القوم أتوا ببقية الطهور، فقالوا: تمسحوا. تمسحوا. فسمعهم رسول الله ﷺ فقال: على رسلكم، فضرب بيده في القدح، في جوف الماء، ثم قال: أسبغوا الطهور. قال جابر: فوالذي أذهب بصري، لقد رأيت الماء يخرج من بين أصابع رسول الله ﷺ ، حتى توضئوا أجمعون. قال: حسبته قال: كنا مائتين وزيادة" وجاء عن جابر قصة أخرى، أخرجها مسلم، من وجه آخر عنه في أواخر الكتاب، في حديث طويل، فيه "أن الماء الذي أحضروه له، كان قطرة في إناء من جلد، لو أفرغها لشربها يابس الإناء - أي لشربها سطح الإناء الجاف - وأنه لم يجد في الركب قطرة ماء غيرها، قال: فأخذه النبي ﷺ ، فتكلم، وغمز بيده، ثم قال: ناد بجفنة الركب، فجيء بها، فقال بيده في الجفنة، فبسطها، ثم فرق أصابعه، ووضع تلك القطرة في قعر الجفنة، فقال: خذ يا جابر، فصب علي، وقل: بسم الله. ففعلت، قال: فرأيت الماء يفور من بين أصابعه، ثم فارت الجفنة، ودارت حتى امتلأت، فأتى الناس، فاستقوا، حتى رووا، فرفع يده من الجفنة وهي ملأى". قال الحافظ ابن حجر: وهذه القصة أبلغ من جميع ما تقدم، لاشتمالها على قلة الماء، وعلى كثرة من استسقى منه. اهـ. -[ويؤخذ من أحاديث الباب فوق ما تقدم]- ١ - ما كان عليه الرسول ﷺ وصحابته من قلة الماء ٢ - وأنهم كانوا يقدمون الوضوء بما تيسر لهم منه على بقية حاجاتهم إليه. ٣ - ومن الرواية الرابعة "المرأة التي عصرت العكة" والخامسة "الرجل الذي كال الشعير" قال النووي: ومثله حديث عائشة، حين كالت الشعير ففني، قال العلماء: الحكمة في ذلك أن عصرها وكيله مضاد للتسليم والتوكل على رزق الله تعالى، ويتضمن التدبير والأخذ بالحول والقوة. وتكلف الإحاطة بأسرار حكم الله تعالى وفضله، فعوقب فاعله بزواله. ٤ - وفيهما بركة النبي ﷺ فيما يعطي، وبركة فضلته. ٥ - ومن الرواية السادسة، من قوله "فكان يجمع الصلاة .. " الجمع بين الصلاتين في السفر. ٦ - ومن الإخبار عن موعد وصولهم تبوك قبل حصوله معجزة. ٧ - ومن الإخبار عن مائها وحاله قبل وصولهم إليها معجزة. ٨ - ومن سبه الرجلين تأنيبه ﷺ للمخطئ، وبخاصة إذا فعل ما يضر المجتمع، ويخالف أمر رسول الله ﷺ .

стр. 5037

٩ - ومن الإخبار عن تحول تلك الصحراء إلى جنات، وقد حصل معجزة. ١٠ - ومن الرواية السابعة، من طلبه ﷺ أن يخرص أصحابه ثمر نخل الحديقة استحباب امتحان العالم أصحابه بمثل هذا التمرين. ١١ - ومن خرصه ﷺ وصحته ودقته ما كان عليه ﷺ من العلم وبعد النظر. ١٢ - ومن إخباره بالريح قبل هبوبها معجزة. ١٣ - وفيه خوف المؤمن من هبوب الريح، وما تحدث من ضرر. ١٤ - وما كان عليه ﷺ من شفقته على أمته، والرحمة لهم، والاعتناء بمصالحهم، وتحذيرهم مما يضرهم في دين أو دنيا. ١٥ - ومن قبول البغلة جواز قبول هدية الكافر. ١٦ - ومن إهدائه ﷺ البرد مكافأة الهدية. ١٧ - وميزة جبل أحد، وفضيلة المدينة. ١٨ - وتفاضل قبائل الأنصار، ومناقبهم. ١٩ - ومن سؤال سعد تنافسهم في الخير. ٢٠ - قال الحافظ ابن حجر: ولا يعد هذا التفاضل من قبيل الغيبة أصلا، إلا إن أخذ من أن المفضل عليهم يكرهون ذلك، فيستثنى ذلك من عموم قوله "ذكرك أخاك بما يكره" ويكون محل الزجر إذا لم يترتب عليه حكم شرعي، فأما ما يترتب عليه حكم شرعي فلا يدخل في الغيبة، وإن كرهه المحدث عنه، ويدخل في ذلك ما يذكر بقصد النصيحة، من بيان غلط من يخشى أن يقلد، أو يغتر به في أمر ما، فلا يدخل ذكره بما يكره من ذلك في الغيبة المحرمة. ٢١ - قال ابن التين: وفي الحديث دليل على جواز المفاضلة بين الناس، لمن يكون عالما بأحوالهم لينبه على فضل الفاضل، ومن لا يلحق بدرجته في الفضل، فيتمثل أمره ﷺ بتنزيل الناس منازلهم. ٢٢ - وترجم البخاري للرواية السابعة بباب خرص التمر، قال الحافظ ابن حجر: أي مشروعيته، وحكى الترمذي عن بعض أهل العلم أن تفسير الخرص أن الثمار إذا أدركت من الرطب والعنب، مما تجب فيه الزكاة بعث السلطان خارصا، ينظر، فيقول: يخرج من هذا كذا وكذا زبيبا، وكذا وكذا تمرا، فيحصيه، وينظر مبلغ العشر، فيثبته عليهم ويخلي بينهم وبين الثمار، فإذا جاء وقت الجذاذ أخذ منهم العشر. اهـ. وفائدة الخرص التوسعة على أرباب الثمار، في التناول منها، والبيع من زهوها، وإيثار الأهل والجيران والفقراء، لأن في منعهم منها تضييقا لا يخفى.

стр. 5038

وقال الخطابي: أنكر أصحاب الرأي الخرص، وقال بعضهم: إنما كان يفعل تخوينا للمزارعين، لئلا يخونوا، لا ليلزم به الحكم، لأنه تخمين وغرور، أو كان يجوز قبل تحريم الربا والقمار، وتعقبه الخطابي بأن تحريم الربا، والميسر متقدم، والخرص عمل به في حياة النبي ﷺ حتى مات، ثم أبو بكر وعمر ومن بعدهم ولم ينقل عن أحد منهم ولا من التابعين تركه، إلا عن الشعبي، قال: وأما قولهم: إنه تخمين وغرور، فليس كذلك، بل هو اجتهاد في معرفة مقدار التمر، وإدراكه بالخرص الذي هو نوع من المقادير. وحكى أبو عبيد عن قوم منهم أن الخرص كان خاصا بالنبي ﷺ ، لأنه كان يوفق من الصواب ما لا يوفق له غيره، وتعقبه بأنه لا يلزم من كون غيره لا يسدد لما كان يسدد له سواء، أن تثبت بذلك الخصوصية، ولو كان المرء لا يجب عليه الإتباع إلا فيما يعلم أنه يسدد فيه، كتسديد الأنبياء لسقط الإتباع وترد هذه الحجة أيضا بإرسال النبي ﷺ الخراص في زمانه. واعتل الطحاوي بأنه يجوز أن يحصل للثمرة آفة، فتتلفها، فيكون ما يؤخذ من صاحبها مأخوذا بدلا مما لم يسلم له، وأجيب بأن القائلين به لا يضمنون أرباب الأموال ما تلف بعد الخرص، قال ابن المنذر: أجمع من يحفظ عنه العلم أن المخروص إذا أصابته جائحة قبل الجذاذ فلا ضمان. وذكر الحافظ ابن حجر تعريفات الفقهاء في مسألة الخرص لا يتسع لها المقام، فمن أرادها فليرجع إليها. والله أعلم

стр. 5039

(٦٠٥) باب توكله ﷺ على الله تعالى وعصمة الله تعالى له من الناس ٥١٩٠ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: غزونا مع رسول الله ﷺ غزوة قبل نجد. فأدركنا رسول الله ﷺ في واد كثير العضاه. فنزل رسول الله ﷺ تحت شجرة، فعلق سيفه بغصن من أغصانها. قال: وتفرق الناس في الوادي يستظلون بالشجر. قال: فقال رسول الله ﷺ : "إن رجلا أتاني وأنا نائم فأخذ السيف فاستيقظت وهو قائم على رأسي، فلم أشعر إلا والسيف صلتا في يده. فقال لي: من يمنعك مني؟ قال قلت: الله. ثم قال في الثانية: من يمنعك مني؟ قال قلت: الله. قال: فشام السيف. فها هو ذا جالس" ثم لم يعرض له رسول الله ﷺ . ٥١٩١ - عن جابر بن عبد الله الأنصاري وكان من أصحاب النبي ﷺ أنه غزا مع النبي ﷺ غزوة قبل نجد. فلما قفل النبي ﷺ قفل معه. فأدركتهم القائلة يوما. ثم ذكر نحو حديث إبراهيم بن سعد ومعمر. ٥١٩٢ - عن جابر ﵁ قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كنا بذات الرقاع بمعنى حديث الزهري ولم يذكر: ثم لم يعرض له رسول الله ﷺ . -[المعنى العام]- صدق رسول الله ﷺ ، إذ يقول "احفظ الله يحفظك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء ما ضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك" وصدق الله العظيم، إذ يقول: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا، ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا﴾ [الطلاق: ٢, ٣]. وأخشى بني آدم لله، وأتقاهم له محمد بن عبد الله ﷺ ، فكافأه ربه بقوله ﴿والله يعصمك من

стр. 5040

الناس﴾ [المائدة: ٦٧] عصمة هلاك واستئصال، لا عصمة إيذاء وبلاء، فكم أوذي من الكفار، وكم تحمل من جهل الجاهلين، وكذلك الأنبياء، يبتلون فيصبرون، وإذا كان بعض الأنبياء قد قتلوا فإن محمدا ﷺ عصم من الناس بوعد الله، وظهر هذا اليقين بهذا الوعد في هذه القصة. كانت الجولات الحربية بين الإسلام والكفر على أشدها، وما رجع رسول الله ﷺ من غزوة إلا وري بغيرها، ليبقى المسلمون على استعداد دائم، وكان الكفار متربصين بالمسلمين وبرسول الإسلام، لا يدعون فرصة للنيل منهم إلا ويقتنصونها. وسنحت لهم فرصة العمر في ظن أحدهم، حيث تعقب جيش المسلمين العائد من غزوة ذات الرقاع، لعله ينفرد بأحدهم، فيغتاله، ورأى من بعيد صحابة رسول الله ﷺ ، في نحر الظهيرة، وفي شدة الحر ينزلون للقيلولة، في واد كثير الشجر، كثير الظل، ينزلون للراحة، ويتفرقون تحت الشجر، ورأى من بعيد رسول الله ﷺ ، وقد انفرد بشجرة مظلة، علق على غصن من أغصانها سلاحه وسيفه، ثم افترش الأرض، فنام، وتسلل الأعرابي في غفلة من الصحابة لنومهم واستراحتهم، حتى وصل إلى شجرة رسول الله ﷺ فسحب سيفه، وأخرجه من غمده، وأشهره، وقال: يا محمد، من يمنعك مني الآن؟ من يحول بيني وبين قتلك بسيفك؟ فقال ﷺ بهدوء الواثق الشجاع: الله يمنعني. ونزلت الكلمة على قلب الأعرابي كالصاعقة، أعاد التهديد مرة أخرى، وأعاد الرسول ﷺ لفظ الله مرة أخرى، وزاد الرعب في قلب الأعرابي فكرر التهديد للمرة الثالثة وكرر رسول الله ﷺ الجواب، وارتجف الأعرابي، وسقط السيف من يده، وتناوله رسول الله ﷺ ، وتسمر الأعرابي في مكانه لا يتحرك، لا يفكر في الجري والفرار، وأصابه ذهول الموقف وغطاه الخوف. قال له رسول الله ﷺ : اجلس، فجثا خاضعا على ركبتيه، قال له رسول الله ﷺ من يمنعك أنت مني الآن؟ قال: لا أحد. فنادى رسول الله ﷺ أصحابه، فجاءوا، فقص عليهم ما جرى، فحاولوا قتل الرجل، فمنعهم رسول الله ﷺ ، وقال للرجل: اذهب إلى حال سبيلك. قال الرجل: أنت خير مني، أعاهدك أن لا أقاتلك، ولا أعين عليك من يقاتلك، فلما ولى دخل الإسلام قلبه، فرجع إلى قومه، فقال لهم: جئتكم من عند خير الناس، وقص عليهم القصة، فآمن بإيمانه خلق كثير، وهكذا أسلم الكافرون، لأن رسول الإسلام كان قدوة، كان رحمة للعالمين. -[المباحث العربية]- (غزونا مع رسول الله ﷺ غزوة قبل نجد) الضمير في "غزونا" لجابر ومن كان معه من الصحابة، و"قبل نجد" بكسر القاف وفتح الباء، أي جهتها، وقد وقع القصد إلى جهة نجد في عدة غزوات وفي رواية البخاري تحديد الغزوة، ولفظها "كنا مع النبي ﷺ بذات الرقاع ... " وذكر القصة. وكذا في الملحق الثاني لروايتنا، ولفظه "حتى إذا كنا بذات الرقاع" وعند ابن إسحق "أقام رسول الله ﷺ بعد غزوة بني النضير شهر ربيع وبعض جمادى - يعني من سنته - وغزا نجدا، يريد بني محارب وبني ثعلبة من غطفان، حتى نزل نخلا، وهي غزوة ذات الرقاع، وقد سبق الكلام عنها في الغزوات.

стр. 5041

(فأدركنا رسول الله ﷺ بفتح الكاف، و"رسول الله" فاعل، وكان ﷺ كثيرا ما يكون في مؤخرة الجيش العائد، تواضعا، وحراسة، وكانت القصة في العودة من الغزوة، ففي رواية البخاري "أنه غزا مع رسول الله ﷺ قبل نجد، فلما قفل رسول الله ﷺ قفل معه، فأدركتهم القائلة .... " الحديث، وكذا في الملحق الأول لروايتنا. (في واد كثير العضاه) بكسر العين وفتح الضاد، آخره هاء، وهي كل شجرة ذات شوك، وقيل هو العظيم من السمر مطلقا، والسمرة الشجرة الكثيرة الورق. (فنزل رسول الله ﷺ تحت شجرة) زاد في رواية "فاستظل بها" أي من حر الشمس في القائلة، وفي رواية "فإذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها للنبي ﷺ ". (فعلق سيفه بغصن من أغصانها) وفرش فراشه، ونام تحتها، من التعب. (وتفرق الناس في الوادي يستظلون بالشجر) المراد من الناس الجيش. (فقال رسول الله ﷺ : إن رجلا أتاني وأنا نائم، فأخذ السيف، فاستيقظت، وهو قائم على رأسي، فلم أشعر إلا والسيف صلتا في يده) "صلتا" بفتح الصاد وضمها وسكون اللام، أي مجردا من غمده، أي مسلولا، وهو منصوب على الحال، و"السيف" مبتدأ، و"في يده" خبر، وفي رواية للبخاري "فجاء رجل من المشركين، وسيف النبي ﷺ معلق بالشجرة، فاخترطه" أي استله من غمده، وفي رواية "فإذا رسول الله ﷺ يدعونا، فجئناه فإذا عنده أعرابي جالس" وفي رواية "فإذا أعرابي قاعد بين يديه" وفي رواية "قال جابر: فنمنا نومة، فإذا رسول الله ﷺ يدعونا، فجئناه" فهذا القدر من الرواية لم يحضره الصحابة، وإنما سمعوه من النبي ﷺ ، بعد أن دعاهم واستيقظوا. وهذا الرجل اسمه غورث على وزن جعفر، وقيل: بضم الغين، من الغرث، وهو الجوع، ووقع عند الخطيب "غورك" بالكاف بدل الثاء، وحكى الخطابي غويرث بالتصغير، وهو غورث بن الحارث، قال القاضي: وقد جاء حديث آخر مثل هذا الخبر، وسمي الرجل فيه "دعثورا". (فقال لي: من يمنعك مني؟ قال: قلت: الله. ثم قال في الثانية: من يمنعك مني؟ قال: قلت الله) في رواية "فقال: تخافني؟ قال: لا" وفي رواية كرر "من يمنعك مني" ثلاث مرات، وهو استفهام إنكاري بمعنى النفي، أي لا يمنعك مني أحد، لأن الأعرابي كان قائما، والسيف في يده، والنبي ﷺ جالس، لا سيف معه، ولفظ "الله" خبر لمبتدأ محذوف أي مانعي منك الله. (فشام السيف) أي أعاده في غمده، وألقاه، وهذه الكلمة تستعمل في الأضداد، يقال: شامه إذا استله، وشامه إذا أغمده، وعند ابن إسحاق "فدفع جبريل في صدره، فوقع السيف من يده، فأخذه النبي ﷺ ، وقال: من يمنعك أنت مني؟ قال: لا أحد، قال: قم، فاذهب لشأنك، فلما ولى قال: أنت خير مني". (فها هو ذا جالس. ثم لم يعرض له رسول الله ﷺ في رواية البخاري "لم يعاقبه رسول الله ﷺ "فيجمع بين هذا، وبين رواية ابن إسحاق السابقة، بأن قوله "فاذهب" كان بعد أن أخبر الصحابة بقصته، فمن عليه، لشدة رغبة النبي ﷺ في استئلاف الكفار، ليدخلوا في الإسلام، وقد ذكر

стр. 5042

الواقدي أنه أسلم، وأنه رجع إلى قومه، فاهتدى به خلق كثير، وفي رواية للبخاري "فتهدده أصحاب النبي ﷺ " أي فمنعهم ﷺ . -[فقه الحديث]- -[يؤخذ من الحديث]- ١ - جواز تفرق العسكر في نزولهم ونومهم، ومحله إذا لم يكن هناك من يخافون منه. ٢ - جواز الاستظلال بأشجار البوادي. ٣ - وتعليق السلاح وغيره فيها. ٤ - وجواز المن على الكافر الحربي، وإطلاقه. ٥ - وفرط شجاعة النبي ﷺ . ٦ - وقوة يقينه. ٧ - وصبره على الأذى. ٨ - وحلمه وعفوه عن الجهال. ٩ - ومقابلة السيئة بالحسنة. ١٠ - وفيه الحث على مراقبة الله تعالى، وحفظه في الرخاء ليحفظ في الشدة. ١١ - وفيه عصمته لرسوله من القتل. والله أعلم

стр. 5043

(٦٠٦) باب بيان مثل ما بعث به ﷺ من الهدى والعلم ٥١٩٣ - عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا. فكانت منها طائفة طيبة، قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير. وكان منها أجادب، أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا ورعوا. وأصاب طائفة منها أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ. فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه بما بعثني الله به، فعلم وعلم. ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به". -[المعنى العام]- البشرية منذ خلق الله آدم وحواء وأنزلهما إلى الأرض، يتبعها إبليس، ومنذ كثرت ذرية آدم، في حاجة بين الحين لتذكيرها بربها، لتتحقق الحكمة الإلهية التي نوه عنها جل شأنه بقوله ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات: ٥٦]. وتلك حكمة إرسال الرسل ﵈، وإنزال الكتب والشرائع، وكلما تقدمت البشرية نحو الحضارة، وكلما كثر عددها على وجه البسيطة، وكلما اتسعت آفاقها وآفاق علمها، كلما كان التذكير والتوجيه والتشريع في دائرة أوسع، وكلما كانت حاجتها إلى التفصيل أشد وأعظم، فإذا ما أضيف إلى ذلك أن كل رسول، كان يبعث إلى قومه خاصة، وإلى فترة زمنية مؤقتة كانت رسالة محمد ﷺ العامة الخاتمة، الصالحة لكل زمان ومكان إلى يوم القيامة، أكثر الرسالات شمولا للأحكام، وأوسعها في التعاليم والتشريعات، وقد جاءت في فترة زمنية وصلت البشرية فيها إلى انحدار وانحطاط، فكانت غيثا مغيثا، وعلاجا لأمراض انتشرت وتنوعت، وكانت كالنور في حالك الظلام، كانت كصيب من السماء، فيه غيث ونفع للأرض الطيبة الصالحة للزراعة، النقية من الحشائش والحجارة، ينبت به الزرع والنخيل والأعناب، ومن كل الثمرات والكلأ والأعشاب ويسقط على حجارة ملساء، أو أرض سبخة لا تنبت، فلا ينتفع به، وكذلك الناس بالنسبة لدعوة الإسلام، منهم من يسمع فيستجيب، ويتعلم فيتفقه، ويتعمق في العمل، ويعمل بما يعلم ثم يعلم غيره ما علم، فينفع نفسه، وينفع غيره، ومنهم من يسمع فيحفظ، ولا يعمل لكنه يعلم غيره فهو كالأرض المنخفضة، كالوديان، تحفظ الغيث

стр. 5044

والمطر، حتى يأخذه من ينتفع به ومنهم من يسمع فيعرض، فلا يحفظ ولا يعمل ولا يعلم غيره، فيكون كالأرض الملساء الجرداء، لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ. فالعاقل من انتفع ونفع، والويل لمن أعرض، ولم يرفع بذلك رأسا. ومن عمل صالحا فلنفسه، ومن أساء فعليها. -[المباحث العربية]- (إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم) "مثل" بفتح الميم والثاء، والمراد به الصفة العجيبة الشأن، وليس القول السائر، والمراد من "الهدى" الدلالة الموصلة إلى المطلوب، أي وسيلة الهداية، من الدعوة إلى الله بالحجة، والموعظة الحسنة، والمراد من العلم حصول المعلومات عنده ﷺ وإيصالها للأمة، ولذا ترجم البخاري للحديث بباب فضل من علم وعلم، "علم" الأولى بكسر اللام والثانية بفتحها وتشديدها. (كمثل غيث أصاب أرضا) المراد من الغيث المطر، وتنكير "أرضا" لتنوعها، كما سيأتي. (فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء) قال النووي: هكذا هو في جميع نسخ مسلم "طائفة طيبة" ووقع في البخاري "فكان منه نقية قبلت الماء" بنون مفتوحة، ثم قاف مكسورة، ثم ياء مشددة، وهو بمعنى طيبة، هذا هو المشهور في روايات البخاري، ورواه الخطابي وغيره "ثغبة" بالثاء والغين والباء، قال الخطابي: هو مستنقع الماء في الجبال والصخور. قال القاضي وصاحب المطالع: هذه الرواية غلط من الناقلين، وتصحيف، وإحالة للمعنى، لأنه إنما جعلت هذه الطائفة الأولى مثلا لما ينبت، والثغبة لا تنبت، اهـ. وروي "بقعة" وهي بمعنى "طائفة" وروي "بقية" بالباء بدل النون، والمراد القطعة الطيبة، كما يقال: فلان بقية الناس، ومنه قوله تعالى ﴿فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية﴾ [هود: ١١٦] والمراد من قبول الماء قبوله سقيا لزرع بقدر الحاجة. قال إسحاق بن راهويه، حين روي هذا الحديث "قيلت الماء" بفتح القاف وتشديد الياء المفتوحة، قيل: وهو تصحيف، من إسحق، وقيل: بل صواب، ومعناه شربت، والقيل شرب نصف النهار. (فأنبتت الكلأ والعشب الكثير) قال النووي: "الكلأ" بالهمز يقع على اليابس والرطب، وقال الخطابي وابن فارس: الكلأ يقع على اليابس، وهذا شاذ ضعيف، قال: والعشب والكلأ، مقصورا غير مهموز، مختصان بالرطب. اهـ. وقال الحافظ ابن حجر: "العشب" هنا من ذكر الخاص بعد العام، لأن الكلأ يطلق على النبت الرطب واليابس معا، و"العشب" للرطب فقط. اهـ. والمقصود- على أي حال - أنبتت الزرع النافع على الأمد القريب والبعيد. (وكان منها أجادب أمسكت الماء) قال النووي: بالجيم والدال، وهو الأرض التي تنبت كلأ، وقال الخطابي: هي الأرض التي تمسك الماء، فلا يسرع إليه النضوب، قال ابن بطال وصاحب المطالع وآخرون: هو جمع جدب على غير قياس: كما قالوا في حسن: جمعه محاسن، والقياس أن

стр. 5045

محاسن جمع محسن، وكذا قالوا: مشابه جمع شبه، وقياسه أن يكون جمع مشبه. قال الخطابي: وقال بعضهم: "أحادب" بالحاء والدال. قال: وليس بشيء. قال: وقال بعضهم "أجارد" بالجيم والراء والدال، قال: وهو صحيح المعنى، إن ساعدته الرواية، قال الأصمعي: الأجارد من الأرض ما لا ينبت الكلأ، معناه أنها جرداء هزرة، لا يسترها النبات، قال: وقال بعضهم: إنما هي "أخاذات" بالخاء والذال وبالألف، وهو جمع "أخاذة" وهي الغدير الذي يمسك الماء، وذكر صاحب المطالع هذه الأوجه الذي ذكرها الخطابي، فجعلها روايات منقولة، وقال القاضي في الشرح: لم يرد هذا الحرف في مسلم ولا في غيره إلا بالدال المهملة، من الجدب، الذي هو ضد الخصب، قال: وعليه شرح الشارحون. (فنفع الله بها الناس، فشربوا منها، وسقوا، ورعوا) "سقوا" قال النووي: قال أهل اللغة: سقى وأسقى بمعنى، لغتان، وقيل: سقاه ناوله ليشرب، وأسقاه جعل له سقيا، وأما "رعوا" فهو بالراء من الرعي، كذا هو في جميع نسخ مسلم، ووقع في البخاري "وزرعوا" وكلاهما صحيح. (وأصاب طائفة منها أخرى، إنما هي قيعان، لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ) "قيعان" بكسر القاف، جمع قاع، وهو الأرض المستوية التي لا تنبت، والتي إذا أصابها الماء لا يستقر فيها، وجمع في المثل بين الطائفتين الأوليين المحمودتين، لاشتراكهما في الانتفاع بهما، وأفرد الطائفة الثالثة، المذمومة- بقوله "وأصاب طائفة منها أخرى" لعدم النفع بها. (فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه بما بعثني الله به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به) "من فقه" بضم القاف، أي صار فقيها، وقال ابن التين: رويناه بكسرها، والضم أشبه. قال القرطبي وغيره: ضرب النبي ﷺ لما جاء به من الدين مثلا، بالغيث العام، الذي يأتي الناس في حال حاجتهم إليه، وكذا حال الناس قبل مبعثه، فكما أن الغيث يحيي البلد الميت، فكذا علوم الدين، تحيي القلب الميت، فتعاليم الإسلام، وما جاء به ﷺ مشبه، والغيث مشبه به. ثم شبه السامعين لتعاليم الدين بالأرض المختلفة التي ينزل بها الغيث، فمنهم: العالم العامل المعلم غيره: فهو بمنزلة الأرض الطيبة، شربت فانتفعت في نفسها، وأنبتت، فنفعت غيرها، انتفعت في نفسها بالحياة بعد أن كانت ميتة، وكذلك علم العالم يحيي قلبه، وعمله بعلمه يبرزه بمظهر الجمال والزينة، وينفعه كالنبات للأرض، وينفع الناس بالقدوة، كما ينفعهم وينفعه تعليمه لهم. ومنهم الجامع للعلم: الذي يشغل زمانه فيه، المعلم لغيره، لكنه لم يعمل بعلمه، فهو جمع العلم، وأداه لغيره، فهو بمنزلة الأرض التي يستقر فيها الماء وتمسكه، ولا تنتفع به، فينتفع به الناس، فهي لم تشرب الماء، فتنتفع بشربها، وإن انتفعت بسقي الماء لغيرها. وجعل النووي هذا التمثيل لناس لهم قلوب حافظة، لكن ليست لهم أفهام ثاقبة، ولا رسوخ لهم في العقل، ليستنبطوا به المعاني والأحكام، فهم يحفظونه، حتى يأتي طالب محتاج، متعطش لما عندهم من العلم، أهل للنفع والانتفاع، فيأخذه منهم، فينتفع به، اهـ. ويمكن أن يشار إلى هذا النوع بحديث
следующие страницы →